تأسيس الغرب الإسلامي‏

- هشام جعيط المزيد...
262 /
155

الموجودين على عين المكان، و الذين أدمجوا عمليا في القطاع العربي للمجتمع، فموسى بن نصير نفسه كان مولى، و كذلك نفس الأمر بالنسبة إلى عدد من ولاة إفريقية من بعده.

لقد استقر الفرس- و خاصّة الخراسانيّون منهم- و الذين قدموا في جموع مع ولاة العباسيين إلى إفريقية، في تونس و بلاد الزاب و بعضهم في القيروان. و كان بعض العلماء مثل ابن فرّوخ من أصل فارسي. و بما أننا نجهل على الإطلاق عددهم، فإنه لا يمكننا سوى تقدير مدى تأثيرهم.

لقد كان هؤلاء عسكريين وقادة حاميات، و كان بإمكانهم الانصهار تقريبا في جموع العرب الذين تبنوا قضاياهم، غير أنهم- و بشكل خفي- كانوا يجرّون معهم أنماط حياة و أشكال عيش تشعرهم بالشرق ما قبل العربي، فتساعدهم حينئذ على جعل إفريقية أرض إسلام «متمشرقة»Orientalisee كما يحلو لجورج مارسي أن يؤكد على ذلك.

قبالة المهيمنين، يوجد المنهزمون بالأمس و المحليون، و هم الروم و الأفارقة و البربر، الذين لا بد من أن نضيف إليهم الموالي المحليين لأنهم الخيط الرابط بين القطاعين الاجتماعيين.

لقد سبق أن رأينا أن الانتصار العربي أدّى إلى الخروج التدريجي للأرستقراطية البيزنطية من كبار الملاكين و موظفي الدولة و العسكريين في اتجاه جزر المتوسط الغربي، و الغرب المسيحي بصفة عامة و بيزنطة.

و بقي، مع ذلك، الكثير منهم كذميين تحت حماية الدولة الإسلامية و خاضعين لجبايتها. فالعرب إذن كانوا يطلقون تسمية" روم" على البيزنطيين الذين بقوا على عين المكان أو المنحدرين منهم. و قد أدمج البعض منهم في الإدارة، و تعاطى بعضهم الآخر نشاط التجارة أو الفلاحة و خاصة في الجريد (1) و بلاد الزاب.

أما" الأفارقة" فقد كانوا رومانا، و نحن نعني بذلك الأفارقة ذوي‏

____________

(1)

G. Marcais, »La Berberie Orientale au IX Siecle d`apres El- Yaqubi«, Revue Africaine, 1491, p. 84.

156

الأصل البربري أساسا الذين وقعت رومنتهم و تمسيحهم. و كانوا في الجملة شهودا أحياء على الهيمنة الرومانية القديمة التي جسّدوا بصماتها على البلاد، فهم الذين تمّ اقتلاعهم و منذ زمن طويل من جذورهم القبلية ليدمجوا في الحضارة الرومانية بشكليها الحضري و الريفي. فهل يعود إلى ثقل هذا الماضي كونهم عناصر نظام، ظلوا أوفياء لمعتقداتهم المسيحية بقدر وفائهم للغة اللاتينية؟ سوف يشير الجغرافيون العرب إلى وجودهم في الجنوب، بين منطقة طرابلس و قابس و في الجريد، و هو أمر لا نشكّ فيه، لأنهم لا بدّ أن يكونوا قد استقروا فيها أيضا في ذلك الوقت، مثلما فعلوا ذلك في تونس، و في السهول الشمالية، و في بلاد الزاب.

أمّا العنصر الثالث الذي يدخل في تكوّن القطاع الاجتماعي غير العربي فيمثله البربر بتحديد المعنى و هم الأكثر عددا. سواء كانوا مترومنين و محتكّين بالمسيحية بشكل ما- و هي حالة بعض الفصائل من البرانس المستقرين- أو يعيشون مستقلين، فقد حافظ العنصر البربري على تركيبته القبلية، بل و ازداد تمسّكا بها مع الإسلام.

لقد كان يقود القبيلة في أغلب الأحيان قائد ينتمي إلى عائلة شريفة و ثرية، فكانت الكاهنة تستجيب لكل شروط الملكة الحقيقية، و كان" سمغو" على حد تعبير ابن خلدون «يملك قطعانا عديدة» (1). و كانت شعوب البربر، و إثنياته‏

Ethnies

، و قبائله تكوّن شبكة معقدة و متحرّكة، زادها زمن الفتح الإسلامي و ما بعده، عدم استقرار، فانتقلت بعض القبائل إلى المغربين الأوسط و الأقصى. و تفتّتت أخرى فاندمجت بقاياها في تجمّعات قبلية أكثر استقرارا مساهمة بذلك حتى في تغييرها.

اعتبر المحدثون تقسيم البربر إلى بتر و برانس‏ (2) دليلا على اختلاف‏

____________

(1)

Histoire des Berberes, traduction de Slane, I, p. 162

(2)Histoire des Berberes ,op .cit .,p .622 ؛ الجمهرة، ص 495. لقد كانت أهم قبائل البتر، نفوسة و نفزاوة و لواتة. أمّا قبائل البرانس فقد كانت هوّارة، و كتامة، و صنهاجة، و مصمودة و أوربة.

157

نمط العيش (البتر رعاة رحّل، و البرانس مزارعون مستقرون)، و مهما كانت ملاءمة هذا الاعتبار، فإنه لا بدّ من استعماله بحذر، لأنه في كل الأحوال لا يفسّر كل شي‏ء. إذ يعسر على مؤرخ من تونس ألّا يأخذ بعين الاعتبار النزعة الأساسية المغربية للقبائل البربرية التي لا تعرف الحدود الدولية.

يوجد في الجنوب التونسي، نفوسة، و نفزاوة و فرعهم ورفجّومة الذي اتضح أنه الأقوى و الأكثر دينامية، و توجد أيضا لواتة التي يخترق مجالها كامل ليبيا، و مطماطة، و مطغرة، و زناتة، و هوّارة. و عمّت بلاد الزاب أوربة و جراوة و أيضا هوّارة، في حين استقر الصنهاجيون و الكتاميون في منطقة القبائل بعد أن أصبح لديهم خصائص يتميزون بها.

توحي لنا هذه اللوحة الموجزة عن الجغرافيا القبلية، أن القبائل البربرية ظلت مهمّشة بالنسبة إلى مجال قلب إفريقية ذاته، و أنها أصبحت تميل إلى الاستقرار على الأطراف الصحراوية و المرتفعات (الأوراس و منطقة القبائل). بعيدا عن دائرة العناصر التي تعرّبت و أسلمت عن طريق روابط الولاء إذن. كان لا بد للتجمعات البربرية المنظمة أن تواصل مع الإسلام الخضوع إلى سياسة الكبت و الطرد. و قد ساهمت من دون شك الثورات الخارجية- و لو قليلا- في تغيير الخارطة الإثنية، بل و يمكن أن تكون أحدثت نوعا من الاختلاط بين الإثنيات. على كل حال، فالأكيد أن التقلبات اللاحقة ستعود إليها. هكذا قام داود بن يزيد بن حاتم بالقضاء على ورفجومة التي «خضعت- على حدّ تعبير ابن خلدون- إلى أن انتهت بالتلاشي» (1).

لقد استنفذت المغامرة الخارجية الواسعة، التجمّعات القبلية التي انخرطت فيها، مخوّلة بذلك، بفعل التعويض، لقبائل أخرى لم تعرض نفسها كثيرا للخطر مثل كتامة و صنهاجة الشرق، التي بدأت عناصرها تتهيأ للقيام بدور في إفريقية الغد.

____________

(1)Histoire des Berberes ,op .cit .,I ,p .922 : وقعت المذبحة في قسنطينةSicca -Veneria .

158

يبرز المجتمع البربري، في الجملة، كمجتمع مكبوتين و محرومين، غير أنه إذا ما وقع إقصاؤه من خيرات «الحضارة»، فإنه حافظ على الأقل على استقلاله و قاتل من أجل حماية هويته.

و أكثر إجمالا أيضا، ظل مجتمع إفريقية في فجر الإسلام خاضعا في ديناميته و حركيته التي ينزع إليها إلى ضغط الجغرافيا الأكثر بساطة. من جانب آخر، كان تاريخه و ما يحفزه اجتماعيا و سياسيا هو الصراع القائم بين المدينة و الريف، بين الاستقرار و الترحال.

لقد استعاد الإسلام فضلا عن ذلك، الإرث القديم، و بعد عجنه و إثرائه- أو إفقاره- طوّر مثلا العبودية في المدن، و حافظ ربما على ارتباط الريف بالأرض، و ساهم في التطوّر التجاري و الحرفي، و أوجد الأطر الاجتماعية الجديدة. و بحكم أنه محافظ اجتماعي في مجمله، تمكن الإسلام مع ذلك من زرع آمال هائلة في الاندماج و المساواة. بل و أكثر من ذلك، أنه أحيا- بنموذجيته و هيكلة دعائمه العربية- فكرة النسب و التضامن القبلي، التي نجحت روما و وريثتها بيزنطة في تدميرها جزئيا.

و مع التراجع المؤقت، نجح الإسلام، في ديالكتيك لا مثيل لها ما بين الخير و الكوارث فيما فشل فيه سابقوه، لأنه وحّد إفريقية في مصير مشترك و هو ما وقع الشعور به في المستوى الأكثر عمقا.

إن الحقيقة الاجتماعية المجزأة في العمق، وقع اختراقها عن طريق موجات الاختلاط، و التكيّف و الاندماج، و لذلك لا يمكن أن نقيس بالضبط مدى تأثير المحيط الاجتماعي المحلّي في العرب. و على العكس من ذلك رشح العرب أنفسهم كعنصر نشيط و مكيّف عن طريق ثنائية عملهم القائم على التعريب و الأسلمة.

لقد كان الرّوم و اليهود الأكثر جموحا عن هذا التأثير، أمّا الأفارقة فقد تعرّبوا أكثر من اعتناقهم للإسلام، لأنهم كانوا يتمتّعون بقطب المقاومة الديني المتمثل في المسيحية، و على كل حال فقد وقع‏

159

انسجامهم بصفة تدريجية خاصة في المدن، و أساسا في القيروان عن طريق روابط الولاء الشخصية.

و كانت الجموع البربرية هي الأسرع تأثرا بالأسلمة، بالرغم من أن التعريب لم يمسّ سوى النخب المتضلعة في العلوم الدينية. و في هذا الميدان، و على خلاف المشرق، حرقت إفريقية المراحل.

على امتداد فترة الفتح، و انطلاقا من عهد عقبة خاصة، خضعت القبائل للأسلمة، رغم أن سلوكهم المتذبذب و المرتدّ يوحي بما كان لهذا الدخول في الإسلام من طابع سياسي سطحي. هكذا أصبحت الأسلمة مع موسى أكثر صلابة، و قد وقع إملاؤها في أغلب الأحيان بالعنف و الجشع. لقد كان لهذا الوالي من الذكاء ما جعله يرسّخها عن طريق روابط الولاء القوية، و الفتح المشترك لإسبانيا.

على مستوى ديني عميق، يتنزل المجهود الجدّي و المستمر للسياسة الوعظية التي توخاها إسماعيل بن أبي المهاجر بإيعاز من الخليفة عمر بن عبد العزيز حوالى سنة 100 ه، إذ بعث عشرة مسلمين من أهل الورع و التقوى إلى القيروان لتعليم مبادئ الدّين‏ (1).

و اعتمد الكتّاب‏ (2) في تكوين أجيال جديدة من حملة كلام اللّه (القرآن).

لقد كانت الحوافز إذن متعددة، منها المادية و الجبائية و النفسية و السياسية، و كانت أدوات الأسلمة متنوعة: الجيش و الإدارة و الاتصال بعالم المدن، و تكوّن وسط علمي، هذا دون اعتبار الدعاية الدينية نفسها.

فتسرّب الإسلام بين 100 و 120 ه، بالمقدار الكافي إلى القبائل البربرية لجعلها تتقبل الدعوة الخارجية التي استقطبت الكثير من المؤيّدين، و مثلت الإطار الديني المثالي، لأنها ألّفت بين الرفض العميق للهيمنة العربية و التركيبة الدينية التي كانت تستجيب لحاجات البربر.

____________

(1) البيان، ج 1، ص 48.

(2)

W. Marcais, »Comment L`Afrique du Nord a ete arabisee«, Annales de L`Institut d`Etudes Orientales d`Alger, 8391.

160

الحضارة المادية

طبعت فترة القرنين الأولين للإسلام، هنا مثلما هو شأنها في المشرق بالترسيخ التدريجي لحضارة إسلامية ذات صبغة جديدة قائمة على التوازن المتناغم بين الجديد و المتواصل.

لا بد من أن يعرف المشهد الجغرافي و البشري عديد التحولات، فالمدينة العربية ليست مدينة العهد القديم، و نفس الشي‏ء بالنسبة إلى الزي الشرقي الذي اختلف كليا عن الزي القديم. و يمكن أن تساعدنا الدراسة التاريخية لأصل الأسماء (طوبونيمي‏

Toponymie

) على الفهم السريع لتعريب أسماء المدن و المناطق‏ (1). و بهذا أصبحت طرابلس‏Tripoli أطرابلس، و قرطاج قرطاجنة، و تحوّلت سفيطلة إلى سبيطلة و كمونيا إلى قمّونية، و قرطاج قرطاجنة، و تحوّلت سفيطلة إلى سبيطلة و كمونيا إلى قمّونية، و لبتيس‏Leptis إلى لمطة، و فاكا إلى باجة و كابصاCapsa إلى قفصة. باختصار، اتبع التغليف العربي- في أغلب الأحيان- و عن كثب شكل الأسماء القديمة، أما الانقطاعات الأكثر عمقا، فقد حدثت في مستوى المناطق، إذ اختفى اسم البروقنصلية و نوميديا تماما، في حين عوّضت البيزاسان‏Byzacene بالتسمية العربية مزاق‏ (2)، و تعني سهول القيروان فقط. بينما جاء لفظ الزاب ليعوض تقريبا اسم نوميديا. فمحاور المناطق لم تعد هي نفسها: فالبيزاسان، مثلا، لم تعد منحدرا، بل أصبحت مقرّ العاصمة و مركز إشعاع للسلطة الإسلامية. و فقدت بالتالي وحدتها، فانقسمت إلى مناطق صغيرة حيّة مثل الساحل‏ (3)، و بلاد قمّودة و قسطيلية (الجريد).

و سقطت بعض المدن القديمة، أو وقع إجلاؤها ببساطة مثل سبيطلةSuffetula ، و تبسّةTheveste ، و قرطاج، و حافظت أخرى على نفس‏

____________

(1)

H. H. ` Abdelwahab, »Villes arabes disparues«, Melanges W. Marcais, pp. 1- 31.

. (2)

. Id. »Du nom arabe de la Byzacene«, Revue Tunisienne, 9391, p. 102

. (3) برز مفهوم الساحل و عبارته في ابن الرّقيق، تاريخ، م. س، ص 125، و في الوثائق الخارجية.

161

مستوى نشاطها تقريبا، و أخيرا جاءت الإنشاءات الجديدة لتبرز رغبة الفاتحين في القطع مع الماضي، و وضع بصماتهم على البلاد، و هذه هي حالة القيروان، و بصفة أقل تونس عموما. إنّ الحفاظ على شبكة المدن القديمة و تواصلها، يشهد على النزعة الحضرية للبلاد، هذه النزعة التي وقع تدعيمها بمجي‏ء العرب.

لقد وقع تقريبا من دون شك، إخلاء النواة الضخمة القديمة، أو حتى نهبها و تدميرها، لتعوض بنواة عربية تقوم على المسجد الجامع و السوق المركزية؛ غير أنه ليست لدينا المعلومات الأثرية الكافية لنتمثّل التحولات الداخلية التي عرفتها المدن أو لتقدير القوى المحافظة عليها و المجهود التجديدي فيها. في المقابل، نعرف أكثر قليلا عن القيروان و تونس بوصفهما مصرين عربيين.

في الحالة الأولى و الثانية، و بالنسبة إلى اختيار الموضع و الموقع قامت الإرادة البشرية بدور أكبر بكثير من الحتمية الجغرافية التي كانت بالتأكيد غير ملائمة. فيما يتعلق بالقيروان التي وقع اتخاذها معسكرا مؤقتا في شكل مخيمات سريعة الرّفع عند قيام الغارات منذ عهد معاوية بن حديج. و يعود إلى عقبة انطلاقا من سنة 50 ه فضل القيام بعملية التمصير و استقرار الجنود بعائلاتهم في المساكن، و كذلك التخطيط أو تحديد النّواة العمرانية و الخطط الجماعية للقبائل. لقد عرفت المدينة- المعسكر هجرة سكانها لصالح منافستها تكروان بين 55 و 62 ه، ثم في 62 ه، عاد العرب للاستقرار بها. لا يبدو أن فترة كسيلة قد ألحقت بالقيروان ضررا ما، لأنّ القائد البربري عند استقراره بها، أبقى العرب أو البعض منهم فيها.

إنّ الانطلاق الحقيقي لهذه المدينة وقع مع حسّان، لما فرغ من أمر الفتح، حيث بنيت و برز وجهها الحقيقي، فحسّان أعاد بناء المسجد الجامع و قصر الوالي أساسا. و منذ ذلك الحين أصبح تاريخ القيروان في تطوّر متواصل أعاقته موجات العنف الخارجية بعض الشي‏ء. و في عهد

162

هشام بن عبد الملك، وقع توسيع المسجد، و ترفيع الصومعة.

و في هذا العهد تمّ إنهاء إقامة السوق المركزية على طول السّماط، و هو شارع يقسّم المدينة إلى قسمين، وقع تنظيمها و تخصيصها حسب المهن من قبل يزيد بن حاتم المهلبي. فضلا عن ذلك، سوف لن يصبح للمدينة سور قبل ولاية ابن الأشعث (146 ه)- الذي و من أجل التصدّي للتهديدات الخارجية، بنى سورا من لبن كان يفتح على عدّة أبواب‏ (1) و هي باب الرّبيع من الجنوب، و باب تونس في اتجاه الشمال الذي يحدّ السّماط، و باب سالم‏ (2)، و باب نافع، و باب أصرم. و لم يمنع كل هذا أبا حاتم الخارجي من دخول القيروان، لذلك وجب عليه حرق الأبواب و فتح ثغرات في الحيطان، أمّا ما بقي من هذه التحصينات، فقد دكّه زيادة اللّه الأوّل في 209 ه.

لا يمكن أن تختلف القيروان عن المدن- المعسكرات الأخرى التي شيّدها العرب في المشرق. و قد تأثرت في مظهرها على الأخصّ بالفسطاط و البصرة. فكان للمدينة شكل دائري يتوسطه المسجد الجامع و دار الإمارة يلاصق أحدهما الآخر. و انطلاقا من هذه النّواة الرئيسية، أشعّت السكك و المساجد التي تقسّم مساكن القبائل، و هي موزّعة بدورها إلى أحياء حضرية أو دروب: كدرب الفهريين، و درب بني هاشم، و درب يحصب، و درب المغيرة، و درب أزهر، و درب أمّ أيوب ... إلخ.

و تحمل هذه الدروب- كما يتراءى لنا- اسم إحدى العشائر أو اسم شخصية بارزة (3). و تجتمع هذه الشوارع في الأماكن المسمّاة رحبة مثل رحبة القرشيين و رحبة الأنصار. و يوجد في كل مكان من أحياء المدينة، و بشكل مبعثر الأسواق و المساجد. و في هذا الصّدد تذكر لنا المصادر سوق بني هاشم، و سوق الأحد، و سوق اليهود، و دار الإمارة، و سوق‏

____________

(1) البيان، ج 1، ص 72.

(2) أبو العرب، طبقات، ص 49.

(3) إشارات متفرّقة في كتب الطبقات و في البكري، المسالك و الممالك.

163

الضرب، أمّا مساجد الأحياء فهي إما مساجد عشائر أو مساجد خاصة تكون امتدادا لدار هذا أو ذلك الشخص. و يعدّ الرّواة سبعة مساجد من هذا النوع يعود جميعها إلى القرن الأول هجري و هي مسجد الأنصار، و مسجد الزيتونة الذي أسسه إسماعيل بن عبيد الأنصاري المكنّى ب «تاجر اللّه» لأعماله الخيّرة (93 ه)، و مسجد أبي ميسرة، و مسجد أبي عبد الرحمان الحبلي في حارة الأزهر (100 ه)، و مسجد حنش الصنعاني (في باب الرّيح)، و مسجد علي بن رياح اللخمي و هو مسجد السّبت.

و على أطراف المدينة امتدت الجبانات، و كانت جبّانة باب تونس أو البلوية و جبانة قريش في اتجاه الجنوب الغربي الأكثر ذكرا (1)، غير أن هذه الجبانات لا يبدو أن كان لها دور أساسي أو عسكري مثلما كان شأنها في العراق.

لقد شغل مشكل المياه العرب، بحكم قلتها، ممّا اضطرهم إلى حفر الآبار، و إنشاء قنوات لجلب الماء، و منشآت لتخزينه. و هذا ما جعل موضع المسجد ذاته يتحدّد في علاقة بوجود موضع ماء يتمثل في بئر أم عياض، و يحدّثنا أصحاب المناقب كذلك عن بئر خديج أو خديج الذي نسبوه دون شكّ بصفة خاطئة إلى معاوية بن حديج.

و بذل الولاة الذين عينهم هشام بن عبد الملك (105- 125)، ما في وسعهم لتشييد مباني حبس المياه من السيلان و الخزّانات. و إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ما أورده الجغرافي البكري، نجد أن خمسة عشر من هذه المواجل‏ (2) قد تمّ إنشاؤها في ضواحي العاصمة. و قد مكّننا التقاط صورة من الجوّ من الاستدلال على أحدها و هو ماجل سيدي الدّهماني نسبة إلى وليّ مدفون بالقرب منه‏ (3).

____________

(1) أبو العرب، طبقات، ص 49.

(2) اليعقوبي، بلدان، ص 209؛ البكري، المسالك و الممالك، ص 57.

(3)

Solignac, »Installations Hydrauliques de Kairouan et des Steppes Tunisiennes du VII 0 au XI 0 Siecle«, Annales de L`Institut d`Etudes Orientales d`Alger, X- XI/ 2591- 35.

.

164

يتكوّن هذا الخزان من حوضين لهما بعدان مختلفان لكل منهما شكل دائري، أحدهما مقترن بالآخر، و يستعمل الأصغر منهما لتصفية المياه، أمّا الأكبر فيستعمل لخزنها.

لم يوجد في العهد القديم، و لا في الشرق الإسلامي، إنجاز شبيه لهذا، ممّا يجعلنا نعتبره إذن إنشاء خاصّا بإسلام إفريقية بالرّغم من أنه يمكن إدراك بصمات مصر القديمة على هذا الشكل من الفن المعماري المتعلق بالمنشآت المائية.

هكذا يتبيّن أن ولاة الأمويين كانت لهم سياسة مائية واعية و ذكية سوف يتابعها ولاة العباسيين مثل هرثمة بن أعين الذي حفر بئر روطة (الذي حرّف برّوطة). و أكثر من هذا حدث مع الأمراء الأغالبة الذين ارتكزوا على عادة مترسّخة فأقاموا بناءاتهم بسهولة. و قد كانت هذه البناءات أكثر فخامة و جاذبية دون أن يكون لها نفس التركيبة و نفس مصدر الإلهام.

لقد كان الفن المعماري في إفريقية إذن في أوج مخاضه خلال القرن الثاني، باحثا عن ذاته في التأليف بين التأثيرات السورية المصرية و التقاليد القديمة للبلاد. و يمكن أن تشهد صومعة الجامع الكبير على هذا إذا ما ثبت أنها سبقت القرن التاسع ميلادي. خاصّة و أنه إلى جانب ماجل إفريقية الأصلي، كان الرّباط قد ظهر في آخر الفترة التي تهمّنا بالدرس، طارحا نفسه كابتكار محلي استمد أصالته من تصوّره أكثر من غايته.

لقد شيد هرثمة، المشيّد الكبير رغم قصر إقامته في البلاد، رباط المنستير في 179 ه/ 795 م. و قد استلهم في هذا التشييد من الدّير البيزنطي، غير أنه كيّف هيكله مع الذوق الشرقي و حاجات الجهاد و الصلاة. و لم يبق من نواة هذا الرّباط الأولي سوى النصف الجنوبي.

لقد كان شكل البناء شكلا مربّعا محصنا بثلاثة أبراج مراقبة و محتويا على قاعة صلاة مقسّمة إلى حجيرات بسيطة و مجهّزة بمقاعد حجرية تحيط بساحة وسطية.

165

كان الرّباط، باعتباره قلعة بحرية و مكان عزلة دينية في نفس الوقت، إنجازا تحوّل إلى مؤسسة حقيقية ستلعب دورا مهمّا في الحياة الروحية لإفريقية.

لقد كانت تونس بالتأكيد المدينة المهمة الثانية بعد العاصمة، فهي «أحد القيروانين» حسب العبارة المأخوذة عن المنصور. إنّ تونس تجمّعت فيها القوى الاقتصادية و الاجتماعية لشمال إفريقية مؤكّدة بذلك نفسها على أساس أنها الوريثة الجغرافية لقرطاج. لقد كانت هذه المدينة تقريبا إنشاء عربيا بحتا، إذ يعود إلى حسان بن النعمان وجودها و ازدهارها، غير أنها ورثت أيضا من العاصمة القديمة البعض من تقاليدها و سكانها وصولا إلى صخورها من غير شك. و لذلك، فنحن هنا أمام مدينة أقل بروزا من القيروان و أكثر حساسية لتأثير الماضي. في العهد الأموي، كانت تونس مقرّا للحضريين الأفارق و البيزنطيين، و من التجار و الملاكين العقاريين و بطبيعة الحال العرب و الأقباط. في العهد العباسي و حتى قبل ذلك، اعتبرت تونس مركزا عسكريا من الطراز الأول، فهي باعتبارها مقرّ الجند خاصة، تواجد فيها الصراع بين العناصر القديمة المهزومة و العقلية المطلبية للجند مما جعلها مدينة العصيان المستمر.

إنّ النزعة العسكرية و البحرية لتونس، كانت قد أملتها ظروف ولادتها نفسها المرتبطة شديد الارتباط بإنشاء حسّان لأسطول بحري.

و هو ذا حسّان أيضا الذي حفر القناة التي جعلت الميناء على اتصال بالبحر، و لحمايته بنفس المناسبة من كل هجوم مفاجئ.

من وجهة نظر طبوغرافية، كان يجب إقامة الأسطول على ضفّة رادس، غير أن قلب المدينة كان يهيمن عليه حضور المسجد الجامع (الزيتونة)، الذي قد يكون حسان قد حدّده فقط ليقع بناؤه بعد ذلك، أو إعادة بنائه و توسيعه من قبل الوالي ابن الحبحاب (116- 122 ه)، ليقع تجديده كليا بعد ذلك من قبل الأغالبة. و حول الزيتونة أقيمت الأسواق و منها- مثلما كان الأمر في القيروان- أشعّت الأزقة حيث ترصّفت الدور

166

التي تمتد نحو الغرب إلى ساحة القصبة الحالية ذلك أن علي بن زياد عالم القرن الثاني دفن بالقرب منها.

و يعود إلى القرن الثاني أيضا بناء السور المصنوع من الآجر- اللّبن باستثناء جانبه المحاذي للبحر الذي كان حسب شهادة اليعقوبي‏ (1) جدارا من حجارة متأتّية دون شك من سور قرطاج القديم. و مثل سور القيروان، سيهدم زيادة اللّه الأول هذا السور مباشرة بعد ثورة منصور الطّنبذي.

كان لتونس مثل القيروان مدرسة علم و تصوّف، و كان علماؤها و محدّثوها و مسجدها الزيتونة يمثلون في الفترة التي تهمّنا بالدرس مركز ثقافة و علم، فيها تأكدت شهرة رجلين يحملان اسمي خالد بن أبي عمران و علي بن زياد.

تنقصنا العناصر التي من شأنها أن تمكّننا من وصف الحركة الديناميكية و الواقعية لحياة الناس في ذلك العصر، بعد أن قدمنا إطار هذه الحياة نفسه. فقوى الماضي لا بد أن تظل عميقة، غير أن تأثير الشرق كان لا يقاوم. إن شهادات الحضارة المادية لم تكتسب بعد صلابة المنشآت الأغلبية، و لن يكون لها دوامها، لأن العرب ما زالوا لم يتقنوا المادّة. من الأكيد أن هذه الحضارة كانت قليلة التعقيد، غير أنها كانت متفرّدة في انفتاحها و ديناميتها؛ هذا هو التقدير الذي يمكن أن نحمله عن فترة بدت في أكثر من جانب فترة بحث و تحضير و ولادة جمعت التجديد مع الانقطاع و التعايش مع الاستمرار.

الحياة الثقافية و الروحية

فيما يتعلّق بحياة العقل، كانت القطيعة أكثر عمقا، غير أننا شاهدنا تواليف غريبة أيضا. لقد عاشت الثقافة اللاتينية في التهميش، فاختنقت و تراجعت، في حين فرضت الثقافة العربية في الميدان الدنيوي، و الثقافة الإسلامية في الميدان الديني معاييرها.

____________

(1) البلدان، ص 211.

167

إلّا أنه و في الوقت الذي عاشت فيه إفريقية إدخال المشارقة للمشروع الأدبي العربي بطريقة سلبية، كانت تردّ الفعل على المحتوى الديني الإسلامي بإدماجه في البعد الإفريقي البربري، بشكل يجعل من الممكن التحدّث عن مدرسة إفريقية روحية.

في هذا المجال، مثّلت القيروان المركز المشعّ كما هو مترقّب.

و مثلما تصف لنا ذلك كتب الطّبقات، و بتوخّي أكثر ما يمكن من التحفّظ فيما يتعلق بالإسقاطات التي تستعيد أحداث الماضي، برزت تيارات التقوى و الورع في زمن الولاة موسومة بنوع من الإقليمية الريفية القائمة على السذاجة الفكرية و الحرارة اليقينية للمعتقد. من وجهة نظر تكوّن القضاء و الحديث، لم يكن الأمر إلّا زهيدا لأنّه لم يوجد مجهود ذهني يستحق الذكر، و إنما وجد بحث سلبي في الأحكام الشرقية و أساسا أحكام مالك أو سفيان الثوري و أيضا أبي حنيفة، و بهذا أمكن لإفريقيين الانزلاق في الأسانيد الصحيحة فاختلقوا- على حدّ تعبير حتى أصحاب المناقب- الكثير من الأحاديث التي يطغى عليها في أغلب الأحيان الكثير من السّذاجة (1). على المستوى اللاهوتي، تواجهنا في إفريقية أهم الاتجاهات الإسلامية لذلك العصر: مرجئة، قدرية، و معتزلة، غير أن جميعها كان مخنوقا بسيطرة الاتجاه الأورثوذكسي البحت.

حسب رأينا، كان الشعور الديني في حد ذاته أكثر أهمية من التفكير الدّيني، لذلك يحق أن يحظى بالتعاطف و الاهتمام، خاصة و أن التوجه اللائيكي للاستشراق شوّه قيمة هذا النوع من التديّن و أفقده معناه، و هو ما مكّنه من التحدث عن قيروان «متدين» مع كل ما لهذه الكلمة من تحقير و رياء.

في الحقيقة إن المقصود بالتديّن هو التوجه لعظمة اللّه المتشبّعة بالورع في معناها العميق، و هنا نجد العقلية البربرية الساذجة و العاجزة عن السخرية أو الليونة، و هي لذلك متصلبة و عنيفة طبعا، غير أنها متفردة في‏

____________

(1) رياض، أورد ابن سعد ترجمة خالد بن علي عمران لوحده، طبقات، ج 8، ص 521.

168

توثبها و انفعاليتها، فهي صادقة و لا تقبل التنازل أبدا.

هكذا تقدم لنا المناقب القديمة أجمل الوجوه التي تترجم أقصى ما بلغ إليه الورع في إفريقية مثل عبد الرحمان بن زياد بن أنعم، و ابن فروخ و رباح بن يزيد، و بهلول بن راشد. أما الأوّلان منهم فقد كانا عالمين قبل كل شي‏ء. ولد عبد الرحمان حوالى 76 ه و توفي في 161 ه. و عرف المشرق جيدا، و أخذ منه أحاديث و روّج فيه أخرى. من المؤكّد أنه التقى بسفيان الثوري و كذلك بابن لهيعة. و كان سلوكه إزاء السلطة محكّا للأخلاقية الدينية في إفريقية مما جعله موضوع حشو و إسقاط، غير أن يزيد بن حاتم عزله بسبب شجاعته في تصدّيه له. أما ابن فروخ فقد كان أكثر ابتعادا عن الدنيا و أكثر ميلا للعبارات المؤثرة في الوجدان الديني.

غير أن المجسّدين لتيار التصوّف الأوّلي كانا رباح بن يزيد و البهلول. و قد مثل هذا التزهّد ظاهرة مبتكرة بحقّ. ابتعد هذان الشخصان عن العلم، و وجّها اهتمامهما إلى التطبيق العملي‏Praxis ، فهما ليسا فقيهين و لا محدّثين و إنما من رجال اللّه. لقد وقع الإلحاح على عدائهما للأفكار الجديدة و البدع، غير أن هذا الأمر مثّل الجانب الأقل أهمية فيهما.

فهما يعرفان أولا كأهل صلاح بمعنى توخّي التمشي الأخلاقي المتوجّه إلى الخير و إلى اللّه في نفس الوقت. و هما طاهران و عادلان و متعطشان للمطلق، و في نفس الوقت كانا رجلي فعل يتربّصان لمقاومة الشر. فزهدهما لم يكن تقشفا و لا تنسّكا كاملا و لكن تزهّدا.

لقد كانت حياة رباح وحدها مثالا واضحا لتعريف كمال الفقر و الخشوع، إذ ذكر أنه يهرب من الثروة مثلما يهرب آخرون من الفقر، و أنه و منذ 15 سنة أي منذ حظيه اللّه بفضله و رعايته لم يعد يخشى سوى نفسه، فهو يحب مرضه عند ما يمرض و توفي في سنّ 38 سنة.

أمّا البهلول فهو أقلّ تأثيرا في إدراكنا لأنه أصبح شخصية مشغولة بسمعتها و تحيا حياتها كدور مسرحي، و كذلك لم يكن على قدر عظيم من الأخلاقية الدينية.

169

لقد كانت هذه اللحظة الدينية مهمّة جدا في تاريخ إفريقية لأنها سمحت بظهور رؤية مغربية للإسلام، تطوّرت لا حقا في الطرق التي تبحث بدقّة عن القداسة، فأخذت جذورها من وجدان البربر و روحهم الصادقة، و هذا ما يتطابق في التأليف بين الإسهام العربي و الإسهام المحلي.

في مجال الثقافة الدنيوية لا يمكن أن توجد مثل هذه التوليفات إذ كانت الثقافة العربية سيدة الموقف، و كان الرّواة و أصحاب المعاجم و النحويّون العراقيّون ماسكين بالصّدارة، و من هنا يمكن لنا إذن الحديث عن تأثير شرقي مباشر.

من المؤكد، أنه في العصرين الأموي و العباسي، لم تدّخر بعض الوجوه البارزة في الجيش جهدا في نظم الأشعار و نقل الروايات القديمة التي لعبت دورا في نشر التقاليد اللغوية و الأدبية العربية و المحافظة عليها، غير أن إفريقية لم تصبح مركز جذب إلّا مع يزيد بن حاتم خاصة الذي واكب قدوم محدّثين و علماء عراقيين سيعملون على تعليم الثقافة و ترويجها. و نحن نعرف بالفعل أن يزيد كان نصيرا للشعر ذائع الصّيت، مكنته ولادته الشريفة و أصله العراقي من المحافظة على روابط مع البصرة.

و كان الشعراء يستعجلون الخطى للوصول إلى بلاطه لمدحه مثل ربيعة بن ثابت، و الرّقيق الأسدي، و المسهر التميمي و ابن المولى. و لم يكن العلماء المعروفون بأقلّ عددا منهم و نذكر منهم يونس النحوي من مدرسة البصرة، و قتيبة الجعفي النحوي من مدرسة الكوفة و الرّواة مثل عوانة الكلبي، و ابن الطرماح. و كان هؤلاء الرجال يبيعون مواهبهم و علمهم ثم يعودون إلى المشرق. و لذلك لا يمكن أن نعتبرهم بأية طريقة كانت ممثّلين لثقافة إفريقية و إنما ساهموا في إعطاء بريقها الوهّاج في الفترة المهلبية و في زرع سحر اللغة العربية على أرض إفريقية (1).

____________

(1) عبد الوهاب، ورقات، م. س، ج 1، ص 131- 164.

170

من المشروع التساؤل لماذا لم يوجد هنا محدّثون و لغويون كبار، غير أن هذه كانت حالة مصر أيضا. لقد كانت هاتان الولايتان بعيدتين فعلا و بدرجات متفاوتة عن النواة المركزية، فضلا على أن إفريقية مثلت ولاية فتحت لاحقا. لقد ظلّت عروبة إفريقية هامشية و مبتورة من جذورها، و في هذا المعنى لم يكن و لن يكون لها نفس خاصية إبداع العراق بالنسبة إلى نفس الفترة.

ألن تكون فترة الولاة في هذا المستوى و في مستويات أخرى، قبل كل شي‏ء فترة تقبّل و استيعاب تشكّلت خلالها الشخصية العربية التي اكتسبتها البلاد حديثا؟

171

IV التّطور السياسي و الصراعات الدينية

172

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

173

بين 84 ه و 184 ه، من انتهاء الفتح إلى انتصاب الولاية الأغلبية و طيلة قرن من السيطرة العربية المباشرة، نلحظ فترة من الهدوء تتلوها فترة من الاضطرابات. لقد دامت فترة الهدوء أربعين سنة (84- 122 ه) مطبوعة بالتوسّعات العسكرية داخل كامل بلاد المغرب كما بالتنظيم الدّاخلي، ثم أتت فترة ثورات الخوارج و الانتفاضات العسكرية. فوضع كلّ شي‏ء موضع التساؤل بما في ذلك استقرار الوجود العربي، و ندخل عندئذ في عهد فوضى لن تنتهي إلّا بقيام النظام الأغلبي و هو عهد إمارة متوارثة تتمتّع بنصف استقلال إزاء سلطة الخليفة.

السلم العربية (84- 122 ه)

صارت إفريقية مع موسى بن نصير قاعدة التوسّع نحو الغرب حيث ما زلنا إلى حدّ هذا الطور في مرحلة فتح غامضة بعض الشي‏ء. لقد ركع المغرب الأقصى أمام قوّة الفاتحين ثم غلبت إسبانيا على أمرها (92- 94 ه).

و كانت الظاهرة السياسية الداخلية الأكثر بروزا هي تنامي السلطة النّصيرية تدعمها سيول ثروات الفتح. إنّ موسى بن نصير و أبناءه عبد اللّه و مروان و عبد العزيز و عبد الملك كانوا يهيمنون على الغرب الإسلامي (إفريقية و المغرب و الأندلس) بإحسانهم للناس و بتركيزهم لشبكات صنائعهم و مواليهم.

و في نفس الوقت، كانت جموع المهاجرين العرب تتزايد، لكنّ جاذبية إسبانيا المفتوحة حديثا كانت تغري الأغلبية. و كان العالم البربري راكعا للعرب و يعضدهم في فتوحاتهم. و لم تطرح بعد في المغرب المشاكل التي سيطرت على أذهان المشارقة في تلك الفترة- التشيع‏

174

و مشكلة الخلافة و غير ذلك- كما لو أنّ السياسة كانت هناك بدون دينامية ذاتية. ذلك أنّ المشرق كان مركز دار الإسلام، نعني الحجاز و الشام و العراق و إيران، و كان المغرب هامشيا، و هذا شأن مصر بدرجة أقلّ- لأنه بعيد جدا و لأنه لم يستقطب عددا كبيرا من المهاجرين العرب مثلما جرى عليه الأمر في أمصار العراق و في الشام و حتّى في خراسان. لكن في 96 ه تمّت دعوة موسى للشرق و منذ ذلك الحين سيناله التعذيب هو و سائر أسرته. فقد اتّهم موسى من طرف الخليفة الأموي سليمان بالاستحواذ على مبلغ 000، 300 دينار و أجبر على إرجاع هذا المبلغ كما وقعت ملاحقة مواليه و المقرّبين إليه. و قام الوالي الجديد محمد بن يزيد بإعدام ابنه عبد اللّه الذي خلفه على القيروان، ثم عمد الولاة المتتابعون على إفريقية طيلة عشر سنوات إلى تصفية التأثير النّصيري بإفريقية و لكنّهم لم ينجحوا إلّا بقدر محدود.

و يبدو أنّ الصراع بين العصبيات القيسية و الكلبيّة قد اخترقت إفريقية. فقد وجدت الأغلبية اليمنية صعوبات عديدة مع الولاة القيسيين، لكنّهم نجحوا في إنهاء مهام عبيد اللّه بن عبد الرحمان السلمي (110- 114 ه) لمبالغته في تمييز القيسيين صراحة. لذلك صارت سياسة الخلافة تجاه المغرب مرتكزة على إحلال التوازن بين المجموعتين و هو ما يتجلّى في تعيين الولاة بالتداول من كلا الطرفين. و لعلّ أهمّ جانب يتمثّل في شعور عرب إفريقية بذاتهم، بخصوصيتهم، بتضامنهم، و هو ما انعكس في بروز شخصيات مؤثرة أو مجموعات ضغط من بينهم بالذات. و من الملفت للانتباه أن سقوط العائلة النّصيرية قد عوّضه الصعود المذعر للفهريين الذين سيظهرون بمظهر قادة العرب الأفارقة. لكن في النهاية، لم يكن كلّ هذا سوى خدوش تافهة في واجهة موحّدة. فقد حصل ارتياح بالسلم العربية مع إقامة اقتصاد مزدهر و تشييد بطي‏ء لحضارة جديدة و كذلك تفشّي الأسلمة و التعايش بين الغالب و المغلوب. مع ذلك، فقد تراكمت أحقاد و ضغائن سترتجّ لها سلطة القيروان و من وراء ذلك سلطة الخليفة في الأعماق.

175

أزمة 122- 127 ه

إنّ نهاية عهد هشام بن عبد الملك (105- 125) مثّلت بالنسبة لكلّ العالم الإسلامي أو دار الإسلام انطلاقة لأزمة عامة و خطيرة. و ما يشدّ الانتباه في إفريقية خاصيتان أساسيتان هما انفجار ثورات الخوارج و من جهة ثانية نشأة سلطة إفريقية مستقلّة تحت راية الفهريين.

فمنذ أن تمّ إيقاف حركات الخوارج في الولايات المركزية الشرقية (العراق و فارس)، كانت هذه الحركات تبحث عن مواصلة البقاء في أطراف البلاد الإسلامية، في نواحي إيران و المغرب. و انتشر الدّعاة من العرب و الموالي المشارقة بين قبائل البربر و نجحوا في غرس مبادئ الصّفرية و الإباضيّة في هذه الربوع. هاتان فرقتان معتدلتان مقارنة بعنف الأزارقة وحدّتهم، لكنّهما مع ذلك كانتا ككل الحركة الخارجية في توجّهها تشكّلان مذهبا يقوم على الرّوح الثورية و الفوضى الاجتماعية.

بكلّ تأكيد و من وجهة نظر سياسية، كانت حركة الخوارج مؤهّلة للإفصاح عن الكراهية الاحتجاجية للعالم البربري و الطبقات الشعبية في المدن، و بالتالي فإنّ احتضانها كان يتماشى مع التكدر العام و العميق للمجتمع البربري و القبلي منه على وجه الخصوص. فبعد أن أسلموا كان البربر يشتكون من النظام الجبائي المفروض عليهم و الذي كان قاسيا في بعض الأحيان و اعتباطيا بل كان مغتصبا و عاتيا. و لذا أرسلوا وفدا للتشكي إلى هشام لم يحظ بالاستقبال.

و هناك من البربر من كان يألم من انتفاء المساواة الفعلية في العطاء و الجيش و بصفة عامّة في الحياة الاجتماعية. و هؤلاء بربر مسلمون يشاركون في الفتوحات. و بالتالي، كان يوجد شعور عامّ بالمقت و الازدراء، فاستعادوا تقاليدهم القديمة في الانتفاضات، احتجاجا على الظروف الرّهيبة التي يعيشونها على الدّوام في بلادهم الأصلية.

و في 116 ه أتى إلى القيروان الوالي عبد اللّه بن الحبحاب، و قد كانت سيرته قاسية و فظة في مصر حيث كان من قبل واليا على الخراج‏

176

و نتجت عن ذلك ثورة الأقباط. و واصل في المغرب سياسة الابتزاز إلى درجة أنه اعتبره أرض غنيمة. و بأمر منه أراد عامل طنجة" تخميس" قبائل البربر في السّوس الأوسط، يعني أخذ الخمس منهم كما لو لم يكونوا مسلمين. فظهر هذا المطلب بمظهر الفظاعة و سرعان ما تحوّل إلى فرصة للثورة و إشارة لاندلاعها.

و سرعان ما ثارت قبائل المغرب الأقصى تحت قيادة سقّاء سابق- حسب المصادر- هو ميسرة المتغري الذي اتّخذ لقب خليفة بعد أن قتل العامل عمرو بن عبد اللّه المرادي. و بعد زمن قليل هزم الجيش العربي هزيمة نكراء تحت قيادة شخصين من أفضل قواد إفريقية هما خالد بن أبي حبيب و حبيب بن أبي عبيدة و ذلك على ضفاف نهر" شلف". و مات خالد و معه عدد ضخم من أشراف القادة العرب و لذلك سمّيت هذه الوقعة" بوقعة الأشراف" إشارة لهذه المواجهة التي لم يسبق لها نظير.

و في السنة الموالية، اصطدم الوالي الجديد كلثوم بن عياض بجيش خالد بن حميد الزنّاتي الذي عوّض ميسرة في قيادة الثورة. و بالرّغم من أنّ كلثوما كان مدعوما بجيوش الشام و قد أقبلت خصّيصا من المشرق، فهو لم يستطع اجتناب الكارثة قرب نهر" السّبو" (124 ه)، فقتل كلثوم في المعركة إلى جانب حبيب بن أبي عبيدة.

و هكذا خرج الخوارج البربر منتصرين بعد هاتين المواجهتين و دخل المغرب كلّه في دوّامة الانتفاضة و الرّفض. و انتشرت الحركة بأقصى المغرب بل ضمّت كلّ الفضاء المغربي إلى حدّ أن وقعت القيروان بين نارين، بلاد طرابلس و بلاد الزّاب، و هما المنطقتان الأكثر وجود بربري في إفريقية و الأكثر لذاعة عسكرية، فكان من الطبيعي أن تستقرّ بهما بؤر الثورة. لكن يكون من الخطأ أن نعتبر أنّ حركة الخوارج هي من فعل هذا الفصيل البربري دون ذلك. فمثلا هذه الفكرة هي التي حدت بشكل خاصّ بالمؤرّخ الفرنسي غوتييي أن يعتبر أنّ الحركة البربرية كانت من نصيب قبائل" زناتة". غير أن هذا اللفظ لم يكن يعني في تلك الفترة ما

177

صار يدلّ عليه لاحقا. هذا علاوة على أنّ فحص المصادر بدقّة يأتي بتأكيد المشاركة الكثيفة و الشاملة لكل البربر في الحركة الخارجية. و قد كسبت هذه الحركة فعلا و بسرعة كبيرة توسّعا هائلا و تماهت مع قضية البربر في جملتها.

و عيّن وال جديد على إفريقية و هو حنظلة بن صفوان في سنة 124 ه، و لم يكن في حاجة إلى تقصّي الثوار، إذ هجم هؤلاء على القيروان رأسا في وحدتين يقود الأولى عكاشة الصّفري و قد تجمّعت فيها" كلّ قبائل البربر" حسب ما يذكره الإخباريون، و يقود الثانية عبد الواحد بن يزيد و هي تتركب أساسا من عناصر من" هوّارة".

و لم يصل الجيشان في نفس اللحظة إلى القيروان و هو ما أسعف وضعية حنظلة، إذ انقضّ أولا على عكاشة و سحقه في معركة" القرن"، ثم انتصر على عبد الواحد في معركة" الأصنام" (124 ه). و لاقت هذه الانتصارات صدّى كبيرا في المشرق، كما أوقفت مؤقتا الهجمات الخارجية على القيروان.

و هكذا، من 124 إلى 127 ه، أمكن للولاية أن تتمتّع بهدوء نسبي، بعد سنتين من التهديدات الكبرى و الصدامات على كامل بلاد المغرب. لكنّ الحركة الخارجية غلبت على أمرها في آخر المطاف، فتوقفت كانتفاضة عنيفة و ستجد فيما بعد مخرجا آخر إذ ستكوّن إمارات مهمّة و ستبقي على وجودها إلى الآن في بلاد المغرب، و هذا ما يمثّل وزن التاريخ على المصائر الإنسانية. الحركة الخارجية حركة تعتمد على هرطقة خرجت من صلب الإسلام و أصابت بدعوتها مسلمين بربر مؤطّرين في قبائل، من طنجة إلى طرابلس، على امتداد أرض المغرب الشاسعة. فهي ثورة مسلمين هضموا في حقوقهم و رفض دمجهم بل عوملوا معاملة المغلوبين و مغلوبين مقهورين بصفة فظة من طرف العرب المحتلين للبلاد و المرتبطين بحكم أجنبي إمبراطوري بعيد.

المشكلة هي أنّ المغرب أسلم سريعا و هذا لم يحصل في غيره من‏

178

البلاد المفتوحة الخاضعة لحكم العرب المسلمين من مثل عراق النبط و شام السريان و مصر القبط و إيران الفرس- باستثناء خراسان. و بقي البربر على إسلامهم و لم يكن لهم في الحقيقة خيار آخر، إذ المسيحية لم تنتشر إلّا في مدن إفريقية و في سهولها الزراعية المستقرّة. و هؤلاء بربر قبائل و عدد منهم من الرّحّل و لهم تقاليد حربية و قبلية يشبهون فيها العرب ذاتهم، فهم أقرب الشعوب المفتوحة شبها بالعرب. و واضح أن الإسلام حرّر طاقات البربر و منحهم تأطيرا و تنظيما و اتجاها، فعبّر الفكر الخارجي أحسن تعبير عن روحهم التمرّدية المطبوعة بشعور قوي بالضّيم.

لكنّ وضعية المغرب لا تتوقّف عند علاقة السلطة العربية- و لا نقول العرب جملة ككتلة مستقرّة نهائيا- بالقبائل البربرية الرافعة للواء المذهب الخارجي. فهناك تعقّدات كبيرة و صراعات آتية ستنال العرب ذاتهم. و هؤلاء إذ استوطنوا إفريقية صاروا ينزعون إلى شكل ما من الاستقلالية عن سلطة الخليفة فأفرزوا زعماء لهم. لقد حصل عندهم شعور بالذات و بالخصوصية و تغذّى بالبعد الفعلي عن مركز الخلافة. فلم يكن نتيجة صراعات تاريخية و إيديولوجية مثلما ما جرى بين أهل الشام و أهل العراق زمن الفتنة و بعدها في العهد الأموي، و إنّما نتيجة التأهّل و الخصوصية الجغرافية.

و قد وجدت هذه الحركات الانفصالية قادة لدى الفهريين- عشيرة عقبة- و أهمّهم عبد الرحمان بن حبيب. فبعد هزيمة" السّبع" و موت أبيه حبيب بن أبي عبيدة، انتقل عبد الرحمان هذا إلى الأندلس مع أتباعه الأوفياء. و عند عودته إلى تونس في 127 ه- و هو تأريخ بدء الاضطرابات في صلب السلطة الأموية- تمكّن من جمع عرب إفريقية حول شخصه بسهولة إذ اعتبروه أفضل ممثّل لهم. و تفاقمت الحركة بسرعة إلى درجة أنّ الوالي حنظلة عجز عن المقاومة. و في نفس السنة (127 ه) رحل عن القيروان تاركا البلاد للقائد الفهري الذي قام هكذا بحركة انفصالية. و هي حركة كانت تمثّل في زمن آخر مسعى شديد

179

الخطورة، لكنّها مثّلت في هذه الفترة بالذات حلقة جديدة من حلقات الانحلال الكامل لسلطة الخلافة الإسلامية.

حكم الفهريين في إفريقية: 127- 140 ه

لقد استولى إذن عبد الرحمان بن حبيب على السلطة بالقيروان، لكنّه لم يقطع الصلة بالحكم المركزي، فوجّه بداية من 127 ه ولاءه للخليفة مروان بن محمد الذي تقبّله بحكم عجزه عن مراقبة الولايات.

على أنّ عبد الرحمان حكم إفريقية كأمير مستقلّ و بقوّة نادرة. فسيطر على النظام العام بشدّة و قام بتقتيل رهيب في صفوف القبائل البربرية.

و هكذا، لمدّة عشر سنوات (129- 139 ه) ضعفت الحركة الخارجية و تقهقرت. لقد قمع عبد الرحمان الثورات الصّفرية سواء بمدينة تونس أو بمدينة باجة في إفريقية بالذات، لكنّ هذه الحركة ازدادت قوة في باقي بلاد المغرب- الأوسط و الأقصى- حيث استفحلت و نمت بعد موت عبد الرحمان. فأمّا حركات الإباضية، فقد اشتدت بطرابلس و بجنوب تونس الحالية، و لم تضعف إلّا بفعل تناقضاتها الداخلية التي أثّرت تأثيرا كبيرا حتى تولّي أبي الخطاب الإمامة في سنة 140 ه. و أمّا حركة قبيلة نفوسة الإباضية، فقد استولت على قابس سنة 132 ه، لكنّ عامل عبد الرحمان على طرابلس دحرها و دمّرها، و قام الأمير بتذبيح كبير في صفوف الأسرى.

الحقيقة أنّ المشاكل الكبرى تأتّت من أزمة الخلافة في المشرق، من انتهاء الدولة الأموية و انتصاب الدولة العبّاسية و هو حدث خطير جدا في المركز و الأطراف. إنّ انهيار الدولة الأموية في 132 ه جعل عبد الرحمان في حلّ من تعهّداته بحيث أمكن تحقيق استقلالية إفريقية فعليا على المستوى القانوني. و لم يدم ذلك طويلا لكنّ الخليفة العبّاسي أبا العبّاس السّفاح عيّن في سنة 136 ه عمّه صالح بن علي واليا على مصر و فلسطين و إفريقية، فجمع جيشا بالفسطاط ليغزو

180

المغرب و يفرض عليه الطاعة للحكم الجديد. صحيح أنّ عبد الرحمان لم يكن من أنصار العباسيين و هذا ما يفسّر فتح بلاده في وجه الأمويين الهاربين من المشرق، لكنّه رأى نفسه مجبرا على الاعتراف في 137 ه بسلطة المنصور العليا على البلد و قد أمر المنصور بإيقاف الحملة التي قرّرها أخوه سابقا.

و يبدو في هذه اللحظة أنّ الهدوء سيطر على العلاقات بين الخلافة و الولاية. لكنّ المصادر تذكر أنّ المنصور طالب بمطالب تعجيزية إزاء إفريقية التي ما انفكّت السلطة المركزية تعتبرها كأرض في‏ء و غنيمة.

فاتخذ عبد الرحمان من هذه الشروط ذريعة للقطع مع الخلافة، و لكي يبرز بمظهر بطل استقلالية إفريقية، خلع البيعة و أكد علنا استقلال الولاية.

لكن القادة العرب لم يكونوا مستعدّين للقبول بهذه العملية و بالتالي بالانشقاق التام عن سلطة الخليفة، و كانت سياسة عبد الرحمان الداخلية تسلّطية فهي تقلقهم و ترهقهم. لذلك تشكلت مؤامرة ضدّه في نفس تلك السنة (137 ه) حول أخويه إلياس و عبد الوارث اللذين كانا مستاءين من النوايا التي تعزى للأمير في توريث ابنه حبيب من بعده. و قتل هكذا عبد الرحمان بيد إلياس بالذّات الذي حلّ محلّه على الإمارة، لكن هذا الحدث أدخل إفريقية في دوّامة فوضى مظلمة. و اندلعت الصراعات.

و أوّلها فيما بين الأمير الجديد و ابن أخيه حبيب و قد سانده عمّه عمران و موالي أبيه، فأعلن مطامحه إلى الإمارة و الثأر لأبيه عبد الرحمان. و بعد اتّفاق أوّلي بين المدّعين الثلاثة إلياس و حبيب و عمران حول اقتسام إفريقية لم يتمّ تطبيقه، رجعت الحرب من جديد و انتصر فيها إلياس على ابن أخيه ثم قام بنفيه. لكنّ حبيبا سرعان ما تمكّن من العودة بقوة و نجح في قتل خصمه (138 ه). بقي تحييد قوى عبد الواحد أخ إلياس و حليفه.

هنا بالذات يتدخّل البربر الخوارج عبر قبيلة" ورفجّومة" التي تبنّت مساندة هذا الشقّ الأخير، و هكذا دخل عاصم بن جميل رئيسها إلى القيروان آتيا من قابس بعد انتصاره على حبيب. و يقال إنه دعي من بعض‏

181

أهلها، من طرف عناصر لا نعرفها بالضبط. و هذا حدث كبير (139 ه) لا بدّ من تفسيره.

لقد قويت الحركة الإباضية و اشتدّ عودها فيما دحرت الحركة الصّفرية من إفريقية ذاتها فعادت إلى موطنها الأصلي بالمغرب الأوسط و الأقصى من حيث اندلعت. الحقيقة أنّ الإباضية كوّنوا لأنفسهم تنظيما جيّدا و قاعدة مذهبية متينة. فبعد أن أضعفهم في طرابلس قمع عبد الرحمان و عامله، توجّهوا إلى مشائخ المذهب في البصرة للتّضلّع في الفقه حسب الشمّاخي و لتهيئة ظروف ثورة شاملة لا مردّ لها. و بقوا في البصرة خمس سنوات تحت تأثير أحد شيوخ الإباضية، أبي عبيدة مسلم بن أبي كريبة الذي أوصاهم بتسليم القيادة إلى أحد المشارقة أبي الخطّاب المعافري. و رجعوا في سنة 140 ه.

هنا يقوم أبو الخطّاب ببثّ الدعوة السرّية في القبائل على أساس إعلان" إمامة الظهور" فانضمّت إليه في جهة طرابلس قبائل زناتة و هوّارة و نفوسة و هاجم بها هذه المدينة و غلب على أمرها. و من هنا بثّ القائد البربري جيوشه فاستولى على جربة سنة 140 ه. ثم على قابس و كلّ هذه الجهة الجنوبية. لقد تغلّبوا على الصفرية و أخرجوهم من إفريقية و هكذا دخلوا القيروان. و لا شكّ أنّ نيّتهم كانت تكوين دولة إباضية في إفريقية.

لقد عوّضوا الحضور الصّفري لقبيلة" و رفجّومة" في القيروان و كانت سياستهم أكثر اعتدالا إزاء السكان. فالصفرية عاثوا في القيروان فسادا بعد أن قتلوا قاضيها أبا كريب و الألف شخص الذين كانوا معه من الفقهاء و رجال الدّين و قد حاولوا صدّهم عن المدينة.

لكن على العكس من هؤلاء، نجح أبو الخطّاب زعيم الإباضية في إثبات سلطانه و في التصرّف كصاحب إفريقية لمدّة أربع سنوات (140- 144 ه) بل تمكّن من سحق جيش بعث به والي مصر ابن الأشعث قرب ساحل طرابلس (142 ه)، هذا الوالي الذي حاول استعادة إفريقية للعبّاسيين. و لم تكن إفريقية العربية بلغت طورا أقرب إلى الانقراض من‏

182

تلك المرحلة. فقد كان الإباضية ماسكين بزمام الحكم في القيروان و إفريقية بينما تمكّن الصفرية من تكوين إمارتين في المغرب الأوسط، واحدة بتلمسان و الأخرى بسجلماسة و هي دولة بني" مدرار"، على أثر هزيمتهم بالقيروان سنة 140 ه.

لقد كانت سجلماسة بعيدة و سيكون لها مستقبل، أمّا مطامح الإباضية في تكوين مملكة بربرية خارجية بإفريقية بالذات و في القيروان نفسها، فهذا أمر صعب لسببين: كثافة الحضور العربي، و الرّفض المبدئي لسلطة الخلافة في أن تقبل بهذا الأمر. إلّا أنه يبدو من وهلة أولى و كأنّ العناصر العربية من الذين استوطنوا إفريقية طوال العهد الأموي أضحوا منهكين و كأنهم عجزوا على الحفاظ على سلطانهم بإفريقية أو ربط صلة وثيقة بسلطان الخلافة العباسية الجديدة. لقد فشلوا في تكوين حكم ذاتي تحت راية الفهريين بسبب انشقاقاتهم الداخلية و لأنهم في آخر المطاف لم يكونوا في تلك الآونة مستعدين للابتعاد عن مظلة الخلافة.

العودة العباسية (144- 155 ه/ 761- 771 م)

لقد أظهر الخلفاء العباسيون اهتماما كبيرا ببلاد المغرب، ذاك الجناح الغربي الشاسع لدار الإسلام. و مثل الأمويين لم يكونوا ليفرّطوا في مصيره كجزء مهمّ من الإمبراطورية. فلهذه قلب- العراق و الشام و حتى الحجاز- و جناح شرقي ممتدّ على العالم الإيراني إلى تخوم الصّين و جناح غربي يضم مصر و ليبيا الحالية و المغرب كلّه إلى الأطلسي و الأندلس. و أمام الاضطرابات الداخلية و محاولات الانفلات من قبضة الخلافة و كذلك الثورات الخارجية، هذه الثورات التي كانت عارمة في المشرق في آخر لحظة من العهد الأموي و التي غلبت على أمرها، أظهر المنصور و من بعده من الخلفاء إرادة فولاذية في استرجاع المغرب و قام عبر جحافل جيوشه بعودة عارمة للحضور الخليفي.

في تلك اللحظة وطّدت الخلافة الجديدة وجودها بعد صعوبات‏

183

الانتقال و اشتدّ عودها (144 ه) و لذا بعث بابن الأشعث نفسه في جيش كبير مع 000، 40 رجل كما أنّ الخليفة فيما بعد أرسل جيشا آخر يحتوي على 000، 60 رجل. و هذه الأرقام مضخّمة دون شكّ و يجب في رأيي تخفيضها إلى النّصف. لكنّ الاستعادة كانت صعبة و غير واضحة ليس فقط لأنّ التهديد الخارجي بقي مستمرا و إنّما أيضا لأن تدفّق الجنود العرب/ الخراسانيين سيدخل على البلد عنصر اضطرابات كبيرة. لذلك فانتفاضات الجند ستصاحب انتفاضات الخوارج ثم ستحلّ محلّها كعنصر فوضى.

و في لحظة أولى كانت انتصارات الجيش العبّاسي يسيرة و شاملة.

فبخصوص البربر برزت انشقاقات بين قبيلتي هوّارة و زنّاتة، و هذه قبيلة أبي الخطاب، ممّا سمح لابن الأشعث بإزاحتهم عن الميدان، و في جنوب طرابلس قاد العرب حملة أنزلت القمع على الواحات الإباضية بودّان و زويلة. و هكذا انتهت فعاليات القائد العربي بإقصاء الحركة الخارجية ممّا هو التراب التونسي الآن و إخمادها مؤقتا من بؤرها الطرابلسية. فالانتفاضة التي ظهرت بطنجة و المغرب الأقصى و تسرّبت من هناك إلى إفريقية- بالمعنى الجغرافي- بما في ذلك طرابلس و على الرّغم من انقسامها إلى حركتين- صفرية و إباضية- كانت تتهيأ الآن لإعادة الطريق معكوسة و التسرّب في هذه المرّة تدريجيا من الشرق إلى الغرب، ذلك العالم المفرغ من المدن و بالكاد من الحضور الإنساني.

في هذه الفترة أضحت منطقة" الزّاب" تثبت أنّها العمود الفقري للمقاومة البربرية- الخارجية كما كانت من قبل و من عهد بعيد إذ الزّاب هو" نوميديا" ذات الحركية التاريخية التي لا تدانى على أرض المغرب و رمز الاستقلالية المغربية من عهد قرطاج. و لو لا الرّومان و شؤم الصيرورة التاريخية، لكان من المؤكّد أن تصبح بؤرة مملكة بربرية- مغربية تجسّد مبدأ الدولة و من وراء ذلك تهيئ لحضارة منبثقة من روح هذه الأرض. و قد لمّحنا إلى هذا سابقا. أمّا الآن فقد اتّجهت الجيوش‏

184

العربية إلى الزّاب مركز جذب القوات العربية و شيئا فشيئا مركز استيطانها و تواجدها، و بالتالي بؤرة الاضطرابات العسكرية إذ أكّدت هذه المقاطعة على دورها كأرض حدودية و كثغر كبير(marche) . و أراضي الحدود، عبر التاريخ، كانت مؤهّلة لتكوين الممالك لأنها تجمع بين كثافة القوّة و دور حماية البلاد و قسط من الاستقلالية. و من هنا ستخرج إمارة إبراهيم بن الأغلب و ليس من القيروان و لا من سهول مدينة تونس.

على الرّغم من انتصاراته على الخوارج، وجد ابن الأشعث نفسه مجبرا في سنة 148 ه أن يترك ولايته على إفريقية و أن يلتحق بالمشرق بحكم كراهية الجيش له. و من الأرجح أنّ سبب غضب الجند هو عدم ارتياحهم لابتعادهم عن ديارهم و أهليهم بالقيروان أو بتونس أو بالشرق.

و هذه ظاهرة قديمة منذ العهد الأموي و هي ما كان يسمّى" بتجمير" البعوث و في المشرق خصيصا بسبب استمرار الفتوحات. فالمقاتلة إذ يوجّههم الوالي إلى منطقة حرب يعتبرون أنّ هذا التوجيه وقتي لا يأخذ إلّا ردح زمن صائفة و حملة ثم يرجعون إلى أهليهم في مصرهم سواء الكوفة أو البصرة في العراق مثلا حيث كانوا مستقرّين كمسلمين يتقاضون العطاء و يشاركون في حياة مصرهم و عليهم فقط واجب الجهاد لكن ليس كجيش مرتزقة. هذا ما يفسّر ثورة جيش ابن الأشعث العارمة في سجستان في 82 ه، أيام الوالي الحجّاج بن يوسف إثر تجميره أي بقائه في أرض الجهاد أكثر من اللازم. و قد كادت هذه الثورة أن تذهب بالدولة الأموية جملة.

هذه المشكلة صارت تطال ذلك البعث الكبير من المشرق أي أناسا ابتعدوا عن مناخهم لفترة و لا يرضون بالبقاء طويلا في أرض نائية. لقد اعتمدت الخلافة على جيشها و ليس على المقاتلة العرب المستوطنين إفريقية لضعف عددهم و لضعف ولائهم و عجزهم عن دحر الثورة الخارجية و على التئام شملهم. هذا ما يفسّر غضب و تحركات الجيش العبّاسي الجديد الآن و فيما بعد. لكنّ هناك بؤرة ثانية بعد الزاب لثورات‏

185

المقاتلة و هي مدينة تونس التي صارت أكثر فأكثر ثغرا عسكريا و ستطفو ثورات هذه المدينة على السطح في آخر هذه الفترة كما في العهد الأغلبي، و لعلّه يوجد فرق بين هوية جند الزاب و وضعيته و بين هوية جند تونس و وضعيته.

بعد رحيل ابن الأشعث، سمّي الأغلب بن سالم على الولاية و التحق بالزّاب بهدف الاقتتال مع الصّفرية و هم تحت قيادة أبي قرّة. لكنّ أبا قرّة رفض المصادمة و فرّ نحو الغرب الأقصى و هو موطن الصفرية خلافا للأدنى موطن الإباضية. و لم يرد الجند ملاحقته و اعتبروها تجميرا بإيعاز من القادة العرب بالرّغم من إلحاح الأغلب بن سالم. و لا ندري هل كان يعتبر القوّاد أنّ الملاحقة في أراض شاسعة لا تؤدّي إلى شي‏ء أم صاروا يعتبرون أنّ في إفريقية إلى حدود الزّاب و طرابلس كفاية لتوطيد ولاية مهيكلة لها وجود و شخصية و يمكن مراقبتها. و في نفس الحين، اندلعت ثورة جند في تونس، ذلك القطب العسكري الثاني، يرأسها الحسن بن حرب، و رجع الوالي أدراجه و التقى بالمتمرّدين في معركة غير متكافئة هلك فيها (150 ه/ 767 م).

و هكذا يتبيّن الآن و سيتبيّن أكثر بعد قليل أنّ المجهودات العسكرية من طرف الخلافة لا تحلّ المشاكل و أنّ عدم الاستقرار من نصيب بلاد المغرب، خلافا لمصر و العراق و الشام و حتى إيران، حيث التحرّكات تأتي من العرب المسلمين أنفسهم و ليس من الأهالي أهل الذمّة الذين قهرهم الفتح نهائيا. هنا لن تنتهي و لن تخمد الحركات البربرية- الخارجية و تطفو على السطح على الدوام. ذلك أنّ قبائل البربر ليسوا كالأعلاج من فلّاحي الأرض، فهم أحرار و محاربون و دائما في الترحال و الحركة. و هم مسلمون قاطبة و ليسوا بأهل ذمّة. و هم أخيرا خوارج أي منخرطون في مذهب يجعلهم على قدم مساواة مع العرب بل من رأيهم و بإمكانهم أن يكفّروا العرب باسم مذهبهم جملة. كلّ هذا الأمر يدخل في دينامية تاريخية عجيبة لكن لها نصيب عظيم من الجدّة.

186

و عيّن الخليفة للولاية أوّل المهلّبيين، الذين سيتتابعون على إفريقية إلى حدّ تكوين شبه أسرة حاكمة مزكّاة من طرف الخليفة، و اسمه عمرو بن حفص بن قبيصة، لكنّ الحركة الخارجية لم تخمد و أخذت عنفوانا جديدا. و حوصر الوالي" بطبنة" بالزّاب من طرف عدد كبير من البربر و لم يستطع النّجاة إلّا بدفع رشوة لأخ القائد الخارجي أبي قرّة الإفريني. لكنّ الخوارج حاصروه بالقيروان و تمّ قتله في إحدى محاولات الانفلات (154 ه). و دخل أبو حاتم الإباضي بالقوّة العاصمة و استباحها لجنوده، و هكذا سقطت القيروان عنوة للمرّة الثالثة. و عمّت الفوضى من جديد البلاد.

عندئذ قرّرت السلطة ببغداد بذل مجهود كبير و أرسلت رجلا عرف عنه النشاط و القيمة الشخصية و هو أيضا من أحفاد المهلّب بن أبي صفرة.

إنه يزيد بن حاتم الذي اصطحب جيشا يعدّ 000، 60 رجل حسب الإخباريين و هو رقم مضخّم كما سبق لي أن قلت، لكن على كلّ أعظم قوّة عسكرية دخلت إفريقية العربية (155 ه/ 771 م).

أوج عهد الولاة: الفترة المهلّبية (155- 177 ه/ 771- 793 م)

لقد دامت هذه الفترة قرابة الرّبع قرن، صادفت خمس عشرة سنة منها ولاية يزيد بن حاتم الذي طبع هذه الفترة بقوّة شخصيته. فكان عهده عهدا ذهبيا مجيدا على مستوى الحضارة الماديّة كما على مستوى الثقافة، و أرسى أسس مستقبل إفريقية لاحقا في العصر الإسلامي. و قد أخذت السلطة السياسية مظهر السلطة الأسروية لفائدة هذا الفرع المهلّبي المنحدر من قبيصة، لكن ليس بصفة آلية و لا بتوريث مباشر من الأب إلى الابن كما سيجري عليه الأمر في العهد الأغلبي. فالسلطة الخليفية اتّخذت حلا وسطا بين التوريث الفعلي غير المباشر و بين تدخّل الخليفة في التعيين، و استثاقت بهذا الفرع المهلّبي الذي عرف كيف يبعث شبكة من الموالي و الصّنائع للإمساك بالبلاد. لذلك فإنّ داود بن يزيد بن حاتم لم يحظ

187

سوى بفترة حكم قصيرة دامت تسعة أشهر بعد موت أبيه ثم تمّ تعويضه من طرف الخليفة بروح بن حاتم (171 ه). و كذلك بعد موت روح، عيّن الخليفة نصر بن حبيب رغم أنّ اختيار عرب إفريقية كان لفائدة ابنه قبيصة و أخذ نصر بزمام السلطة فورا بمعونة قائد الشرطة و أحد قوّاد الجيش و أزاح قبيصة دون لباقة. إنّما كانت هذه هي التراتيب المعمول بها من قديم أي أنّ عهد الخليفة هو الأساس و متى ما وصل إلى شخص صار الحكم المطلق بيده و أضحى الوالي القديم عدما إن لم يتعرض للتنكيل.

لقد حكم المهلّبيون إفريقية إلى نهاية فترة الفضل بن روح (177 ه) مستندين إلى ثقة الخليفة، إلى مكانتهم الاجتماعية و مجدهم، إلى تأثير عائلتهم و امتداد ثروتهم. و اعتمد يزيد بن حاتم، و هو الشخصية الكبيرة من بينهم، فوق ذلك على الجيش الذي جلبه معه و الذي كان مخلصا له و مطيعا فأسكت احتجاجات و مطالب الجند الأموي القديم كما العناصر التي قدمت مع ابن الأشعث.

و هكذا كانت بنية الاستيطان بإفريقية: فهي جملة ترسّبات جيولوجية مرتبطة بتدفقات الجيوش من المشرق التي يستقرّ عدد منهم و بالتالي بالعامل الزمني. هناك توازن مختل على الدوام لكن لم تحصل أيّة ثورة عسكرية طوال مدّة يزيد. بقيت الحركة الخارجية التي لا تفتر و لا تني أبدا من تلقاء نفسها. هنا أسعف الحظ يزيدا. فمنذ 155- 156 ه أخمد بنفسه حركة أبي حاتم و رجاله، و بعث بأحد قوّاده إلى الزّاب لقمع الحركة الخارجية، و أخيرا أطفأ ثورة طرابلسية قامت بها هوّارة. و بعد موته كان من نصيب داود أن يطفئ شعلة أخرى التهبت، و أثبت داود جدارته في القضاء على تحرّكات الخوارج بالمغرب بصفتها انتفاضات مستديمة تمسّ بالأمن العامّ و كان هذا العمل شاقا و طويل النفس.

و حقيقة الأمر أيضا أنّ الخوارج كان يصعب عليهم مقاومة أفواج ضخمة من الرجال في مثل أهميّة الجيش الذي صاحب يزيدا كما أنهكهم طول الصراع و عدم جدواه. و من جهة أخرى، لقد امتصّ حدّة البربر

188

الخوارج قيام إمارات منشقّة إمّا خارجية و إمّا أسّسها آل البيت. و هذا أمر إيجابي جدا في تاريخ المغرب الإسلامي و ذو أهمية كبرى على الرّغم من تفتيته لوحدة دار الإسلام. و هنا لا بدّ من وقفة.

لقد تحدّثنا آنفا عن تكوين إمارة سجلماسة الصّفرية و هي أوّل إمارة خارجية مستقلّة فوق أرض المغرب. و زيادة على كونها قلعة خارجية منتظمة، ستلعب سجلماسة دورا كبيرا في المستقبل كمحطّة تجارية نحو إفريقيا السّوداء و أيضا كملجأ لعبيد اللّه المهدي الفاطمي. لكنّ تأسيس إمارة تاهرت الإباضية كان أعظم أثرا، لامتداد دورها و فعالياتها على جزء شاسع من جنوب بلاد المغرب قاطبة. و قد كانت الفرقة الإباضية التي قامت بإيجادها متسيّسة و متوغّلة في الفقه الخارجي الإباضي كما رأينا، يعني أكثر عقلانية من سواها. لقد يئس الخوارج من تكوين مملكة في المغرب كلّه بسبب المقاومة العربية و لأنّ همّهم كانت الثورة و الصّراع الحربي و أخيرا لأنّ القبائل لم تكن لتتّفق بسهولة على إمرة و على خطة.

و الآن، بعد زمن الحرب جاء زمن التأسيس الحضاري و الرّضوخ للواقع أي تخفيف حدّة الطموح المنبني على الحماس.

لقد كان عبد الرحمان بن رستم الذي بويع بالإمامة في تاهرت سنة 162 ه العضد الأيمن لأبي الخطاب ذاك القائد الإباضي الكبير عسكريا و سياسيا و دينيا. و قد خلفه على إمرة القيروان و ساس البلاد بذكاء، و لم يكن الخوارج يعيرون اهتماما للأصل الإثني لقادتهم: فأبو الخطاب كان على الأرجح مولى لمعافر و متعرّبا و عبد الرحمان كان من أصل فارسي و هو متعرّب و متضلّع في الدّين على المذهب الإباضي؛ و هذا يؤهّله أكثر من غيره للإمامة بسبب وضعه المتحرّر من أيّة عصبية قبلية بربرية، و دون شك بسبب قدراته.

و قد اختطّت تاهرت في سنة 161 ه في الشّق الغربي للمغرب الأوسط على نمط الأمصار الإسلامية، و لعلّ البصرة كانت هي المثال.

و كانت تنزل حول تاهرت قبائل من هوّارة و لواتة و مكناسة و مزاتة و لمّاية

189

و هي داخلة في المذهب الإباضي، فهي مادّة بشرية مهمّة لتأهيل المدنية التي ستصبح القصبة الكبرى للإباضية و للخوارج عامّة بل ستكوّن دولة هي دولة بني رستم ستلعب دورا كبيرا في المصير التاريخي للمغرب و لتركيز الإسلام في الجماهير المغربية المشتّتة.

و أخيرا لا بدّ من ذكر مجي‏ء إدريس الحسني العلوي إلى المغرب الأقصى في سنة 170 ه و مبايعته من طرف البربر و هو حدث مهمّ جدا لأنه سيهيكل هذه الرقعة حول الأسرة الإدريسية و سيمنحها هويّة و شخصية و سيمدّ في حركة الأسلمة و التحضّر في أعماق البلد. و لم تكن دولة الأدارسة دولة شيعية بالمعنى المذهبي و إنّما دولة مبنية على كاريزما آل البيت و سيغدو هذا تقليدا في المغرب.

و هكذا نرى أنّ هذه الفترة التي صادفت عهد العبّاسيين الأوائل شهدت هيكلة تاريخية لبلاد المغرب و محطات مهمّة: ترسيخ الحضور العربي في إفريقية؛ تكوين إمارات خارجية بالمغرب الأوسط؛ تكوين الإمارة الإدريسية بالمغرب الأقصى. و يمكن أن نضيف تأسيس الولاية الأموية بالأندلس حيث كانت من قبل الأندلس تابعة لنظر والي القيروان من الوجهة القانونية.

و لا بدّ من أن نشير إلى أنّ هذا الانبناء التاريخي السياسي ليس فقط بناء حضاريا و تنظيما لعالم لم يجد محوره، حيث أنّ العامل السياسي يؤطّر و يعجن الوجود الإنساني الجماعي، بل هو هيكل أيضا الفضاء المغربي و قسّمه إلى أجزائه الثلاثة: الأدنى و الأوسط و الأقصى. و لم يكن هذا الفضاء إلّا عبارة جغرافية بالرّغم من وحدته الإثنية. و كان من الضروري أن تصطدم هذه الوحدة بوحدة إثنية أخرى غازية و مسيطرة كي يستفيق شعور بالذات عبر المذهبية الدينية لدى الخوارج أو القوّة الكاريزمية النّبوية عند آل البيت. و حينما فشل العرب في التوحيد السياسي- و لم يكن هذا ممكنا- نجح الإسلام الصّافي في توحيد القلوب و تشتيتها في آن. و هكذا يمكن الحديث عن مغرب إسلامي في هذه الفترة

190

و فيما بعد و ليس عن مغرب متعرّب و هذا على كلّ حال يستلزم وقتا طويلا كما في المشرق بالرّغم من كثافة الاستيطان.

لقد كانت إفريقية وحدها في سبيل التعرّب في المدن و الثغور و ليس في الأرياف. و لن يتمّ هذا الأمر إلّا بمجي‏ء جحافل البدو في القرن الخامس ه/ 11 م سواء بصفة مكتملة بإفريقية أو بصفة منقوصة- لكن مهمّة- في بقيّة المغرب.

اضطرابات أواخر القرن الثاني و انتصار الإمارة الأغلبية (177- 184 ه/ 793- 800 م)

الآن و قد أطرد الخوارج من إفريقية بالتّحديد و امتصّت طاقاتهم بتكوينهم لإمارات لهم، تفاقمت الثورات العسكرية للجند العرب و الخراسانيين الذين دخلوا البلد في العهد العبّاسي. و هذا سواء في ولاية آخر المهلّبيين الفضل بن روح كما في ولاية خلفائه هرثمة بن أعين، أحد كبار القواد العبّاسيين، و محمد بن مقاتل العكّي.

من البديهي أنّه لا يمكن لمثل ذلك العدد الهائل من الجيش أن يبقى عاطلا على النشاط دون أن يشكل خطرا على السلطة، خاصّة و أنه تمركز في الحاميات دون اختلاط بالسكّان المدنيين أي في حالة عزلة مشجعة على الهيجان. لقد كانت أغلبية الجيش أو قسم كبير منه مستقرّا بمدينة تونس بعيدا عن مراقبة السلطة. و أخيرا هذا الجيش لم يعدّ كالبعوث القديمة المكوّنة من أبناء القبائل العربية القادمة للاستيطان من مصر و الشام و لتكوين أمصار و ضمّ هذه الأرض إلى دار الإسلام، بل صار جيشا محترفا نظاميا لا يطمح إلى الاستقرار. و تبعا لبنية الجيش و تطوّر الأمور، فقد تشخصنت القيادة و فتحت أبواب الطّموحات لدى القادة العسكريين المهنيين تقريبا، فتضاعفت أخطار روح الاحتجاج، كما أن إفريقية لم تكن قادرة على تحمّل مصاريف هذا العدد الكبير من الجند.

ففي 178 ه، ثار جند تونس على الوالي الفضل بن روح و نصّب‏

191

على رأسه ابن الجارود الذي دخل القيروان و سحق الوالي و جيشه. لقد حاول هذا عبثا اللجوء إلى المدينة بعد الهزيمة، لكنّ قادته بالذات فتحوا الأبواب لابن الجارود تضامنا مع زميلهم. هذا يمكن تسميته بالتعصّب المهني لجسم القادة العسكريين و بضعف هالة السلطة الخليفية تبعا للبعد الفضائي. و بعد أن قتل الفضل و هو هارب في طريقه إلى طرابلس، تولّى ابن الجارود السلطة مؤقتا ثم تراجع عن ذلك ليثبت أنه ثار في سبيل حقوق الجند و ليس طمعا في الحكم، فبعث به الوالي الجديد إلى بغداد (179 ه).

الواقع أنّ جند تونس كان أقوى من جيش الوالي المخلص له.

و هذا ما برهنت عليه ثورة ثانية في 183 ه ضدّ الوالي العكّي الذي أساء السيرة و خفّض في الأعطيات، لأن المشكلة هي كما قلنا مشكلة مالية.

و تمّت الغلبة مرة أخرى للثوار و دخلوا مرّة أخرى القيروان تحت قيادة تمّام بن تميم. هنا يتدخّل إبراهيم بن الأغلب قائد جيش الزّاب، ذلك القطب الآخر الحدودي العسكري، و هو عسكري مهني اختار أن يلعب لعبة الشرعية في سبيل إيجاد حلّ وسط بين استقلالية الولاية و الارتباط بالخلافة. و من الواضح أنه لا يمكن له أن يدخل في لعبة الانتفاضة و المنافسة بين القوّاد لأنها لا تنتهي. فتدخل إبراهيم لصالح الوالي العكّي المقهور و انتصر على الثورة فخلّص بذلك إفريقية من صراعات القوّاد و استعاد لفائدته هالة وظيفة الوالي/ الأمير اعتمادا على القوّة و على الشرعية الخليفية معا. و كان من الواضح للمعاصرين أنّ اتجاه ابن الأغلب إلى دعم النظام القائم- هنا الوالي و من وراءه- يعني في الحقيقة العكس أي تكوين إمارة شبه مستقلّة.

و هكذا نصّبه هارون الرّشيد على رأس البلد و فوّض له في الأمر و هذا ما سيجري في مصر مع ابن طولون و في خراسان مع طاهر بن الحسين، لكنّ إفريقية كانت سبّاقة في هذا الشأن بسبب بعدها و اضطراباتها المزمنة منذ ستين سنة، و بسبب تكوين إمارة علوية في‏

192

المغرب الأقصى و هو أخشى ما يخشاه العباسيون. و بذلك تكوّنت إمارة إفريقية الأغلبية (184 ه/ 800 م) فدامت قرنا، و هي إمارة تفويض سلالية تتمتّع باستقلال حقيقي داخلي و خارجي مع الاعتراف بالسلطة العليا للخليفة. و كان البلد إذاك شاسعا يضمّ الزّاب و تونس الحالية وجهة طرابلس، و كان أرض مدن و زراعة منتظمة و يحوي سكانا مستقرّين لهم انغراس في التاريخ و تجربة بالحضارة.

الخاتمة

إنّ مرحلة الفتح و تنظيمها في المغرب (منتصف القرن الأوّل- أواخر القرن الثاني ه/ 650- 800 م) فترة أساسية في التاريخ المغربي من طرابلس إلى الأطلسي، فهي من الحقبات التي تحسب في حياة الشعوب.

و إليها يدين المغرب بهويته الجديدة لمدّة 14 قرنا و ما هو عليه الآن في كينونته كأرض عربية و مسلمة. و ليست المسألة فقط مسألة لغة أو دين على ما لهذين العاملين من الأهمية، بل أيضا مسألة انخراط في حضارة شاسعة كبيرة و إسهام فيها، أقصد الحضارة الإسلامية و الثقافة الإسلامية.

كلّ هذا يعني الكثير: نمط حياة، دينامية تاريخية، نظم سياسية و اجتماعية، ثقافات شعبية و نخبوية. و لكن أيضا الاهتزازات و فترات الفوضى و الانهيارات على مدّ أكثر من ألف سنة.

لقد وضعت لحظة الفتح و التنظيم أسس هذا التطوّر بعنت كبير في إبقاء الوجود الإسلامي، فهي لحظة انتقال حسّاسة في مصير المغرب.

و بهذا المعنى ليس من المفيد كثيرا الحديث عن آثار التواصل مع الماضي: الحضارة البونيقية، و الثقافة الرّومانية، و الدّيانة المسيحية. هذا التواصل كان يسري في الأعماق لمدّة، لكنّ الإسلام كدين و تاريخ دحره و دفنه نهائيا. لقد كانت إفريقية و ما يتبعها جزءا من الإمبراطورية الخليفية و أكثر من ذلك جزءا من دار الإسلام و هو رباط لا يفكّ. و قد تغلغل الحضور العربي/ الإسلامي لكن أيضا البربري/ الإسلامي في أعماق‏

193

المغرب، في دواخله الصّحراوية، و هذا لم تقم به الهيمنات القديمة و أهمّها الحضور الروماني الذي بقي أسير السّواحل.

و يجب أن نؤكّد أنّ العرب دخلوا البلد بعملية فتح أي بغزو عسكري ضد الرّوم ثم ضد الأهالي البربر، و قد كان الغزو قاسيا كما كانت السيطرة العربية في أولى خطاها و لمدّة طالت بسبب مطامع الخلفاء، قاسية و مدمّرة للبشر. و لم يكن من الممكن أن يحصل انصهار عرقي و لا حتى ديني، فكان الاحتجاج قائما على الدّوام من طرف البربر سواء بسبب المظالم أو بسبب العقيدة الخارجية أو بسبب اتجاهاتهم القبلية الحربية أو لكلّ هذه الأسباب مجتمعة.

الحقيقة أنّ مغرب الأعماق الذي زلزله و اخترقه الغزاة العرب من لدن عقبة، قام بردّة فعل عنيفة و متعنّتة سواء زمن الفتح أو فيما بعد زمن الولاة الأمويين فالعباسيين، لأنه دخل في دوّامة التاريخ- و لم يكن ذلك إلّا قليلا في عهد الرومان، و لأنّ الأسلمة السريعة الفريدة في هذه الفترة الإسلامية أجّجت مشاعر المساواة و إرادة الاحتجاج ضد الظلم. و لئن كانت الدولة القادمة، دولة الفاتحين الغزاة، مهدّدة على الدّوام طوال قرن من طرف القوى الاجتماعية، الخوارج بالأساس ثم ثورات الجند، فإنّها لم تنحلّ أبدا و بقيت صامدة إلى أن وجدت توازنا جديدا مع إبراهيم بن الأغلب.

و قد رأينا أنّ البربر الخوارج عاودوا مقاومة الفتح بعناد مذهل و مثير. لكن هذه المرّة تحت غطاء مذهب مأخوذ عن العرب، عرب المتروبول الشرقية- العراق- و هو مذهب احتجاج و اندماج في آن و بالتالي فالسيطرة العربية كانت منخورة بمبدأ إسلامي، بمبدأ عاجز على فرض إجماع في المشرق كما في المغرب، إنّما برهن على أنه قادر على تأسيس بؤر من الطهارة- المتخيّلة- في عالم مدنّس دخلت مع هذا في لعبة الدنيا.

و في نسق آخر من التفكير، كانت انتفاضات الجند تنبع من‏

194

تناقضات أخرى في الإسلام الفاتح، فعرفت إفريقية انهيار التنظيم العربي للفتح الذي تجاوزته الظروف الجديدة بصفة عامّة، و لكونه بصفة خاصة عاجزا بالضرورة عن الحفاظ على الدولة ضد الخوارج دون جيش مكثّف و في نفس الوقت عن تلبية حاجيات هذا الجيش. و لقد ظهر مليّا في عهد الرّشيد و من بعده من الخلفاء أنّ الإمبراطورية كانت شديدة الامتداد و لا زالت مع هذا مركزية كما في العهد الأموي خصوصا بعد بروز وعي بالذات في عالم المغلوبين من خراسان إلى الأطلسي. فكانت دار الإسلام مشدودة بين قوى الانقسام و إرادة التوحيد المستمرّة و هي جدلية ستشقّ تاريخ الإسلام إلى حدود الغزو المغولي.

إنّ كلّ فترة تاريخية لها إيجابياتها و سلبياتها سواء من منظور المؤرّخ أو من منظور من عايشوها. لكنّ هذه الفترة بالذات كما تبيّن حملت معها انقلابا جذريا بالنسبة للمغرب أكبر بكثير ممّا حصل بدخول الرّومان بعد قتلهم لقرطاج قبل 800 عام. فالفتوحات الإسلامية أتت معها بدين مؤكّد يخترق الضمير الإنساني و كذلك بنموذج الأمّة و الدولة. و هكذا انفتحت الآفاق لكي يؤسّس أبناء هذه الأرض دولهم الكبرى في المستقبل حوالى منعطف الألفية الأولى المسيحية حسب النموذج الإسلامي. و لم يكن الرّومان أقلّ مقدرة من المسلمين، إنّما عامل الزّمان يزن بوزن ثقيل على تاريخ البشر.

195

V فتح الأندلس و التطوّر الأوّلي‏

196

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

197

منذ فتحت الأندلس في 92 ثمّ في 93 للهجرة إلى حدود افتكاك السّلطة من طرف عبد الرحمان بن معاوية الأموي سنة 138 ه أي لمدّة تقترب من نصف القرن، كانت الأندلس بالأساس تابعة لولاية إفريقية و المغرب أي لوالي القيروان. فهو يسمّي العمّال عليها و هؤلاء في أغلب الأوقات من عرب إفريقية، لكن قد يسمّي الخليفة بنفسه واليا على الأندلس مثلما تذكر ذلك المصادر بخصوص عمر بن عبد العزيز و هشام بن عبد الملك. و ابتداء من أزمة انحلال الدولة الأموية في 129 ه حدث أن رشّح عرب الأندلس واحدا منهم على الولاية أو تغلّب أحد القوّاد مثل يوسف الفهري على البلاد. و هذا ما حصل أيضا بإفريقية في فترة الاضطراب هذه التي دامت من 127 إلى 144 ه.

في الحقيقة، هي أزمة طالت كلّ الإمبراطورية الإسلامية في القلب و الأجنحة، و في صلب الحكم ذاته، في أسلوبه، في تركيبة القوّة العسكرية، في موازين الإثنيات. فقد وجد أبو جعفر المنصور صعوبات كثيرة في توطيد حكمه و حكم بني العبّاس كما في الحفاظ على وحدة دار الخلافة. فنشب قوّاد و زعماء، من الحركة العبّاسية ذاتها أوّلا، لخلع الخليفة الجديد (ابتداء من 136 ه) أو للاستقلال بمقاطعة ما، مثل أبي مسلم الخراساني و قبله عبد اللّه بن علي بالشّام، أو فيما بعد الفرع الحسني سواء محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن أو أخوه إبراهيم. و لم تحلّ هذه الأزمة إلّا بالصّراع و الحيلة و القتل.

ذلك أنّ أبا جعفر لا يمتلك مبدئيا الشّرعية الكافية لا في بيته العبّاسي و لا باسم آل البيت جملة و لا بالنسبة للقوى الخراسانية التي اعتمدتها الحركة. و أكثر من ذلك، فإنّ الدولة الأموية عرفت بذاتها أزمة كبيرة قبل أن تسقط في 132 ه. و سقطت بالفعل بعد محاولة جدّية

198

لتوحيد الصّفّ مع مروان بن محمد إذ انحلّت قاعدتها الشامية في الأعماق، كما أنّ الحركة الخراسانية أبدت جدّيتها و شدتها ضدّ القوى الشامية و حتّى الجيوش العراقية الضّخمة. فالفتنة ابتدأت من سنة 127 ه و استعرت من 129 ه. و كانت قاعدة الشرعية العباسية- المبنية على الغموض- رهيفة في سنة 132 ه. فتفجّرت المطامع و الانشقاقات المكبوتة عند تولية أبي جعفر بعد أربع سنوات أي في 136 ه، لكنّها وجدت أمامها رجلا حازما، قويا، شديدا، لا يني و لا يرحم، من طراز مؤسّسي الدول و هو الباني الحقيقي للدولة العبّاسية.

و بالطبع فإنّ مثل هذه الأزمة في قلب الإسلام كان لها أقوى صدى في الجهات النائية مثل بلاد المغرب و الأندلس. هي نائية جغرافيا و متأخّرة في الفتح زمنيا، مثلها في هذا كمثل ما وراء النهر (آسيا الوسطى) أو كمثل السّند مع فروق واضحة و شخصية خاصّة. فقد رأينا استقلال إفريقية الفعلي و حتّى القانوني تحت سلطة الفهريين و هم من أحفاد عقبة و من رؤساء عرب إفريقية بدءا من 129 ه إلى حدود 144 ه، و رأينا أيضا تكوين إمارة سجلماسة الخارجية البربرية ثم سيتلو تكوين إمارة الأندلس الأمويّة بدءا من 138 ه. إلّا أنّ الاستقرار لن يتم قبل زمن طويل و أخيرا ستبرز مملكة الأدارسة في المغرب الأقصى حوالى 170 ه (1) و إمارة تلمسان الرستمية، و أخيرا الإمارة الأغلبية التي لم تقطع الصّلة مع الخلافة لكنّها كانت إمارة وراثية و شبه مستقلة. ماذا يعني هذا سوى أنّ بلاد المغرب و الأندلس الشاسعة و البعيدة انفلتت كلّها من قبضة الخلافة المركزية بعد قرن من إلحاقها مع موسى بن نصير (84 ه) أو أقلّ من قرن بخصوص الأندلس.

و مع هذا، لم تخرج هذه الرقعة التي تمثّل عالما في حدّ ذاته، عن دائرة الإسلام و حتى عن دائرة العروبة الحضارية و الثقافية. بل إنّ إفريقية

____________

(1) ابن العذاري، البيان المغرب، ج 1، ص 210: «استوطن و ليلي ثمّ نزل على إسحاق بن عبد الحميد سنة 172، فقدّمه قبائل البربر، و أطاعوه».

199

و الأندلس كوّنتا قطبا حضاريا ممتازا، و الأندلس أكثر من إفريقية ستغدو مركز إشعاع قوي للحضارة الإسلامية مثل العراق أو خراسان، المركز الآخر للإسلام. أمّا المغرب الأقصى فإنّه سيحمل إمبراطوريات قوية، بربرية الجنس، إسلامية الأسلوب. و في آخر المطاف، إنّ التّهرّب من حكم مركزي بعيد و الإبقاء على إمكانات بلد ما يهيكل هذا البلد و يفجّر قواته الكامنة، فيما أنّ فترة الوحدة الأولى بعد الفتح كانت فترة جهادية و غامضة و مضطربة جدا، بالأخصّ بعد أسلمة البربر في المغرب و بعد تكثيف الحضور العربي بالأندلس بدءا من 123 ه مع نزوح عرب الشام إليها كما سنرى.

كلّ هذه المشاكل ستتّضح عند عرضنا الآن للأحداث.

فمن المعروف أن طارق هو الذي بدأ بفتح الأندلس. من هو طارق؟ هو مولى بربري‏ (1) من قبيلة" نفزة"، و هذه القبيلة ليست بنفزاوة الطرابلسية، بل هي على الأرجح مستقرّة حول طنجة، في" الريف" الحالي. و قد لعبت دورا في مقاومة فتح المغرب الأقصى من طرف موسى بن نصير و بعده، أي أنها قبيلة جبلية محاربة. و منها أخذ العرب سبيا كثيرا من جملتهم أمّ عبد الرحمان بن معاوية الدّاخل، و منها أخذوا رهائن كما من غيرها. و كان طارق مولى و عاملا لموسى «على المغرب الأقصى» و هو بذاته من سبي البربر و مكلّف برهائن البربر. و كان من استراتيجية موسى بن نصير لتهدئة و ترويض المغرب الأقصى أن يتّخذ من القبائل المقهورة صنائع و موالي يكون مجده مجدهم و قد مثّلوا عددا كبيرا، و كذلك رهائن من «أبناء رؤساء القبائل ضمانا لسلمهم». من الأقرب أنّ طارقا كان عاملا على طنجة، قاعدة الحكم العربي آنذاك و من بعد، أو على الأرجح أن يكون ممثلا لموسى على قبائل الجهة أي السّوس الأدنى. و تقول المصادر إنّه جاز إلى‏

____________

(1) ابن العذاري، البيان المغرب، ج 2، ص 5- 6، «مولى موسى بن نصير». ما ورد في:

ابن الأثير، الكامل، ج 4، ص 556 و ما بعدها غير مقنع و خرافي.

200

الأندلس برهائن البربر، ممّا يعني أنّهم كانوا يمثّلون عددا كبيرا و أنّه منحهم هدفا للقتال و الغنيمة.

و تتردد المصادر بخصوص الفتح الأوّلي للأندلس أو قسم منها أكان عن أمر من موسى بن نصير أو عن مبادرة شخصية من طارق. الذي لا شكّ فيه أنّه تمّ بعد مفاوضة مع" ملك الجزيرة الخضراء و جهتها يوليان" و بطلب منه و إعانة هامّة أيضا. يوليان هذا على الأرجح من الرّوم لأنّ البيزنطيين أعادوا غزو إسبانيا و تمكّنوا من البقاء في الجنوب، على أنّ هذه الرّقعة حدث الاستيلاء عليها شيئا فشيئا من طرف الجرمان" الفيزيغوط" و ملكهم" روذريق" و عاصمتهم طليطلة، و كان حكمهم يضمّ غالب إسبانيا و الوسط بالخصوص. ماذا حدث بين روذريق و يوليان حتّى يساند العرب على و لوج إسبانيا مساندة قويّة إلى درجة أنّ جيش طارق عبر" فوجا بعد فوج‏ (1) في مراكب يوليان"؟ على كلّ عبر طارق مع جيشه المتركّب كليّا أو بأغلبية ساحقة من البربر، و حصلت معركة حاسمة مع روذريق سنة 92 ه/ 711 م على وادي" لكّه" (2) من كورة شذونة. أمّا خرافة المراكب المحروقة، فلا ترويها أبدا المصادر الجدّية.

فالذي قام به طارق مهمّ جدا: العزم على غزو الأندلس، تكوين قوّة ضاربة من البربر، الفوز في معركة حاسمة على الجيش الفيزيغوطي.

فهو صاحب المبادرة و العمل الأوّلي الأساسي. و أتى موسى بن نصير مسرعا و معه جيش من العرب و البربر، و هنا يمكن أن يقال إنّ العرب دخلوا لأوّل مرّة إلى الأندلس. و مجي‏ء موسى مرتبط أساسا بالغنيمة و جمع الأموال و السّبي و كان هذا همّ الحكم الإسلامي سواء بإفريقية أو بالمركز- هنا دمشق- و من هنا أتى حنقه على طارق زيادة على كونه أخذ المبادرة بدون أمر من موسى و نجح في عملية الغزو الأوّلي. لكن مع هذا واصل موسى عمليات الفتح في الجنوب الغربي فأخذ قرمونة و ماردة

____________

(1) البيان المغرب، ج 2، ص 6.

(2) نفس المصدر، ص 8.

201

و إشبيلية. و كانت عندئذ إسبانيا تعجّ بالمدن خلافا للمغرب الأوسط و الأقصى و أكثر ممّا كانت عليه الحال بإفريقية، و هذه المدن محصّنة و هو ما يفسّر أنّ الغزو كان يتماثل مع احتلال المدن و أنّ الاتساعية الإسلامية داخل الجزيرة دامت طويلا حتى بعد استتباب الحكم الأموي.

كما أنّ هذه الوضعية تفسّر كثرة الانتفاضات العسكرية زمن الولاة كما زمن الأمويين الأوائل، فهي لا تني تقريبا أبدا. و من الممكن أنّ هذا النزوع نحو الاستقلالية من طرف القوّاد و عمّال المدن كان استمرارا لنزعة كبراء" الفيزيغوط" لتكوين حكم محلّي أو إمارات صغيرة كما في كلّ أوروبا التي كانت تميل في القرنين الثامن و التاسع م. إلى تفتيت السلطة في مقاطعات جهوية. لكنّ الحكم الإسلامي لم يكن ليقبل بهذا الأمر بسبب إيديولوجيا الطّاعة و الجماعة و لأنّه حكم مركزي و عسكري و بيروقراطي أكثر فأكثر، لأنّ اقتصاده مبني على النّقد و ليس على المقايضة كما لدى" الميروفنجيين و الكارلوجيين" في الشمال. هنّا المجتمع منفتح، فلاحي و تجاري و صناعي و هو يحتاج إلى حكم مركزي قويّ و هذا ما سيؤول إليه الأمر في العهد الأموي الأندلسي من بعد و في العهد الأموي الخليفي آنذاك.

فإلى حدود أزمة الثلاثينات بعد المائة، كانت الشرعية الخليفية مؤكّدة جدا، فهي المرجع و الملاذ و إلّا أكل المقاتلة العرب بعضهم بعضا. فلمّا قفل موسى راجعا إلى القيروان، خلّف ابنه عبد العزيز واليا على الأندلس بإشبيلية، كما خلّف ابنه مروان على طنجة، و عند ما ذهب في 95 ه إلى المشرق بأمر من الوليد جعل ابنه عبد اللّه مكانه بإفريقية، أي أنّه اتّخذ سياسة أسروية في المجال الذي افتتحه و روّضه يعني إفريقية و المغرب و الأندلس. لكنّه كان بعيدا عن أن يفكّر في خلع الطّاعة و تكوين إمارة لنفسه و بنيه، فهذا لم يكن أبدا ممكنا بل كان موسى ضحية التعسّف الخليفي إذ نكبه سليمان أشدّ ما نكبة. و عند ما أراد ابنه عبد العزيز في الأندلس خلع الطّاعة انتقاما لأبيه أو طموحا منه، كان من الهيّن على‏

202

سليمان أن يأمر القوّاد العرب بقتله و هذا ما تمّ‏ (1).

و هنا يتبيّن أنّ الخليفة لم يكن يحكم الأقطار النّائية بعمّاله فحسب بل و أيضا بالنّخبة العربية المسلمة الموجودة على عين المكان التي قد يتّجه إليها من فوق الولاة و ضدّهم أحيانا. ذلك أنّ البيعة كانت في أعناق المسلمين و أنّ الخلافة كانت تجسيدا للجماعة و ليس فقط رمزا فهو يأمر من بعيد فيطاع أمره. و إذا كانت هنا إرادة بطش الخليفة في محلّها إذ حصل خلع، فإنّ السياسة الأموية إزاء الولاة منذئذ فسدت و تسربلت بالعنف و التّعذيب لمطامع مالية فحسب، على حساب الثقة المتبادلة كما كانت عليه أيّام معاوية و زياد و عبد الملك و الحجّاج، و سيقوى هذا الاتجاه في عهد هشام كما تدلّ على ذلك سياسته إزاء خالد القسري في المشرق. لكن حوالى سنة 100 ه ما زالت السلطة المعنوية للخليفة قويّة بل قوية جدا.

و بعد مقتل عبد العزيز بن موسى «مكث أهل الأندلس شهورا لا يجمعهم وال حتى اجتمعوا على أيّوب بن حبيب اللّخمي ابن أخت موسى بن نصير» كما يقول ابن العذاري. و هكذا بالرّغم من غضب الخليفة على موسى و موته مغضوبا عليه أو مقتولا و بالرّغم من مقتل ابنه عبد العزيز، اجتمع رأي الناس بالأندلس على شخص من قرابة موسى، و يعني هذا الأمر ما كان يتمتّع به موسى من هالة عندهم أدبيا كفاتح المغرب و الأندلس المظفّر، و ماديا لما جلب لهم من غنائم و متعة، و لتواجد عدد هائل من صنائعه و مواليه في الغرب الإسلامي كلّه. و في انتخاب النّخبة لوال من بينهم و عليهم، تجدر الإشارة أيضا إلى الدّور الذي لعبه حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة الفهري رأس العرب المستوطنين‏

____________

(1) البيان المغرب، ج 2، ص 24؛ الأخبار المجموعة تعتبر أنّ سليمان كان ضدّ قتل عبد العزيز، ص 22. و قد اتّبع هذا الرّأي حسين مؤنس في فجر الأندلس، القاهرة، 1959، ص ص 130- 131. قد يكون سليمان لم يأمر بقتله فهذا صعب الاحتمال لكنّه ممكن، أمّا أنّه نفر من قتل عبد العزيز فهذا غير مقبول.

203

بإفريقية منذ زمن عقبة و الذي نجده الآن في الأندلس و قد أتى دون شكّ مع عرب إفريقية المصاحبين لموسى.

و بعد هذه الفترة الانتقالية رجعت الأندلس إلى نظر والي القيروان مع بعض الاستثناءات. ففي عهد سليمان، إلى حدود سنة 100 ه، يقول ابن العذاري" كانت الأندلس و طنجة إلى صاحب إفريقية" (1) و هكذا وجّه محمد بن يزيد الحرّ بن عبد الرحمان عاملا على البلد سنة 99 ه.

و من جملة الاستثناءات تولية السّمح بن مالك من طرف عمر بن عبد العزيز (2)، و كان عمر يتدخّل كثيرا في سياسة الولايات حسب المصادر و لعلّ السبب في ذلك انتهاجه لسياسة جديدة يريد تطبيقها مع من يستثيق بهم. و دام عهده قليلا إذ رجع يزيد بن عبد الملك إلى المناهج القديمة في تسيير الأمور. و بالتالي فإنّ والي إفريقية يزيد بن أبي مسلم هو الذي عيّن في 103 ه العامل عنبسة بن سهيم و قد بقي إلى 107 ه (3).

و يأتي استثناء ثان في 109 ه حيث يعيّن هشام بن عبد الملك العامل مباشرة.

القاعدة العامة المعمول بها هي تبعية الأندلس لوالي إفريقية، لكنّها لم تكن قاعدة قانونية ممأسسة إذ يتدخّل الخليفة في بعض الظروف في التّسميات، إلّا أنّ التعيين الخليفي لا يعني أنّ عامل الأندلس ينفلت تماما من مراقبة والي القيروان أو أنّ خمس الغنيمة و الخراج لا يوجّه إليه كي يوجّهها إلى الخليفة بدوره. بل إنّا لا نعلم شيئا عن التنظيم الإداري و عن الجباية في الأندلس في تلك الفترة الأوّلية. فما زال هذا القطر أرض جهاد و لم تخمد تماما المقاومة الفيزيغوطية و لا احتلّت كلّ المدن. إنّما من الأرجح أنّ الدّواوين دوّنت فيما فتح من الأرض حسب المنهج العربي‏

____________

(1) البيان المغرب، ج 2، ص 25؛ ابن القوطية، تاريخ افتتاح الأندلس، طبعة بيروت، ص 39؛ أخبار مجموعة، ص 22.

(2) البيان المغرب، ج 2، ص 26؛ الرسالة الشريفية، في كتاب تاريخ افتتاح الأندلس، ص 206.

(3) البيان، ج 2، ص 27.

204

في الفتوحات أي باتّباع ما هو معمول به قبلهم في بلد ما مع ضرورة نظام العطاء (1).

على كلّ، حفظت لنا دنانير مضروبة في إسبانيا من 93 ه إلى 95 ه و مكتوبة باللاتينية و كلمة إسبانيا موجودة عليها و كذلك التقويم الهجري:

Hic solidus feritus in Spania, Anno XCIII, indictione X

(2).

في نفس الوقت، كانت تضرب الدنانير بإفريقية بنفس الكتابة المنقوشة:Hic solidus feritus in Africa (3)، قبل تعريب النقود. ذلك أنّ إسبانيا كانت في الماضي مقاطعة رومانية مهيكلة جدا و ذات أهميّة بالغة فاحتفظت حتّى بعد غزوها من البرابرة الجرمان بمؤسّساتها و مدنها و شخصيتها الإدارية و الحضارية. و قد استرجع البيزنطيون قسما منها و بالأخصّ الجنوب، و حتى الفيزيغوط كانوا أكثر الشعوب الجرمانية تطوّرا و حضارة. كلّ هذا، زيادة على الإمكانات الجغرافية من مثل اعتدال المناخ و الوفرة النسبية للأنهار و المياه، و زيادة على كثافة الحضور العربي جعل فيما بعد من الأندلس أرض حضارة رفيعة و بامتياز.

إنّ كثافة الحضور العربي لم توجد من الأوّل بل كان العنصر البربري هو الغالب عدديا، على أنّ موجات الهجرة من إفريقية إلى الأندلس للجهاد و الاستقرار تتالت لمدّة جيل من 93 إلى 123 ه و كانوا يأتون مع كلّ وال جديد، و الولاة عادة ما يكونون من عرب إفريقية. ثم إنّ الفتنة الخارجية- البربرية وقعت بالمغرب في سنة 122 ه و امتدّت إلى الأندلس في سنة 123 ه حيث ثارت المقاتلة من البربر بسبب هضم العرب لحقوقهم في الجهاد و الغنيمة. و عند استفحال الفتنة بالمغرب، بعث الخليفة كلثوم بن عياض في جيش مكثّف من أهل الشام" و كان‏

____________

(1) و ديوان الجند، و هي مؤسّسات عربيّة.

(2).Walker ,Catalogue ... ,op .cit .,p .47 et pl .XI

(3).Ibid .,pp .27 -37