تأسيس الغرب الإسلامي‏

- هشام جعيط المزيد...
262 /
205

على طلائعه بلج بن بشر القشيري ابن عمّه" و بلغ عدد الجيش 12000 مقاتل، كما أنّ كلثوما اصطحب قسما من أهل مصر و أهل طرابلس.

و بعد هزيمة العرب و مقتل كلثوم، حصل نزاع كبير بين بلج و عرب إفريقية على وادي مثلف كاد أن يؤدّي إلى نزاع مسلّح‏ (1)، و سبب ذلك أنّ الإفريقيين و معهم أهل مصر رفضوا لأهل الشام الاستقرار بالمغرب و مزاحمتهم على وجودهم و مزاياهم. صحيح أنّهم كلّهم عرب و مسلمون، لكنّ عامل الزمن يلعب دوره بين إفريقيين انغرسوا على أرض إفريقية منذ عهد عقبة ثمّ حسّان بن النّعمان ثمّ موسى بن نصير و بين وافدين جدد من أهل الشام مسلّحين بالقوّة. هناك عنصر من" الوطنية" في هذا الصّراع أي تعلّق بأرض افتتحوها أو افتتحها أجدادهم و نشأوا فيها و كوّنوا فيها شبكة العلاقات الإنسانية فيما بينهم و قاعدة اقتصادية قد لا تتّسع إلى عدد أكبر.

و لم يكن هذا خاصا بإفريقية بل هو شعور موجود في كافّة دار الإسلام حيث كان يعتبر المقاتلة أو أبناؤهم أنّ كلّ قطر افتتحوه و استوطنوه هو قطرهم دون غيرهم من بلاد أخرى حيث يتعيشون منه:

هناك أهل العراق و أهل الشام و أهل مصر و أهل خراسان ... إلخ. من الممكن أنّ إفريقية لم تكن لتحتمل نزوحا إضافيا كبيرا، و من الأرجح أنّ أهلها- يعني دائما العرب- تأصّلوا فيها أكثر من غيرهم في أقطار أخرى بسبب البعد عن الجذور الذي يخلق الحرص على تنظيم البقاء فيما هو منفى أبدي. و كان لبلج و أصحابه من أهل الشام و عدد من أهل مصر إمكانية الهجرة إلى الأندلس، و ترسّخت هذه الفكرة في قلوبهم. لكنّ الأندلس كان بها أصحابها و أهلها و عليهم وال هو عبد الملك بن قطن الذي عيّن للمرّة الثانية و كان فرع من آل فهر من أبناء عقبة مستقرّين بها و من ذوي التأثير الكبير على المقاتلة العرب و على الوالي على حدّ سواء،

____________

(1) ابن العذاري، البيان المغرب، ج 1، ص 54- 55: و كان على رأس الإفريقيين حبيب بن أبي عبدة أو عبيدة.

206

و منهم سيخرج يوسف الفهري المتغلّب على الأندلس في زمن الفتنة بين بني أميّة و بني العبّاس.

إذن رفض الوالي عبور بلج و رجاله‏ (1) و أمهله عاما، خوفا منه إذ كانت بيده قوّة ضاربة عظيمة لن يستطيع مقاومتها كما أنّه لا يستطيع أن يرفض إلى الأبد دخولها، خاصّة و أنّ مسلمي الأندلس و عربهم محتاجون إلى مدد لتوسيع دائرة الجهاد و لتخويف البربر الذين ثاروا في 123 ه كما ذكرنا (2). ثم إنّ الشعور بوحدة الأمّة و تضامنها لم تطفئه تماما المصالح المحليّة بصفة عامّة و في ثغر جهاد عظيم مثل الأندلس بصفة خاصّة. و لذا عبر بلج في سنة 123 ه مع شاميّيه و في المراكب التي أرسل بها والي الأندلس‏ (3). و هذا حدث كبير سيؤثّر على تاريخ البلاد سواء في العاجل و أكثر من ذلك في الآجل. ففي العاجل، ما كان يتخوّف منه الوالي عبد الملك بن قطن وقع، فقتل الوالي من طرف أهل الشام‏ (4) و هم عشرة آلاف من المقاتلة و تولّى بلج بن بشر مكانه تغلّبا على الأندلس و حدث قتال بين عرب الأندلس القدامى و بين جيش بلج رفضا لتغلّب عناصر جديدة، بسبب خصوصية كلّ عنصر، و خوفا من المزاحمة على التسلّط على البلد و على الغنيمة و الأموال. و مات بلج بعد سنة، في 124 ه. كلّ هذا في خلافة هشام، في آخرها بالضبط، حيث بدت حتى في المركز إرهاصات الفتنة الثالثة و هي أزمة خلافات في الشام ذاتها- قاعدة الخلافة- بين اليمنية و القيسية و داخل البيت الأموي ذاته.

و في سنة 125 ه تولّى أبو الخطّار الكلبي بتعيين من والي القيروان‏ (5) و بطلب من أهل الأندلس الذين فزعوا إلى الشرعية خوفا من‏

____________

(1) البيان المغرب، ج 2، ص 30.

(2) م. ن، ص 30.

(3) م. ن، ص 30- 31؛ الكامل، ج 5، ص 250- 252.

(4) البيان المغرب، ج 2، ص 32.

(5) هو آخر من عيّن من طرف والي إفريقية و المغرب: البيان المغرب، ج 2، ص 33؛ الأخبار المجموعة.

207

الفتنة (1). لكنّ الفتنة حصلت على كلّ حال، إذ نقل أهل الشام إلى الأندلس صراعاتهم الذاتية بين المضريّة و اليمنية، فثار الصّميل بن حاتم مع المضريّة و أزاح أبا الخطّاب و حصلت فتنة بين قيس/ مضر و اليمن بل و معركة كبيرة بين أبي الخطّاب الوالي و يمنيّيه و بين الصّميل و مضريّيه و هي يوم" شقندة" التي يصفها ابن العذاري ب" يوم عظيم" (2).

لكنّ أبا الخطّاب هذا، قبل أن يغلب، فرّق أهل الشام في الكور على الصفة التي وجدوا عليها في بلادهم أي استيطانهم في الأجناد.

فوضع من أصلهم جند دمشق في إلبيرة و أهل الأردن في ريّة و أهل فلسطين في شذوذة و أهل حمص في إشبيلية و أهل قنّسرين في جيّان و أهل مصر- و قد دخل عدد منهم مع بلج- في باجة. و هذا التوزيع مهمّ لأنّه سيخفّف من خصوصية أهل الشام ككتلة و ككلّ و سيلعب دورا كبيرا في المستقبل في تعريب الأندلس و في جعلها بلدا تواجدت فيه كلّ البطون و القبائل العربية. ف جمهرة أنساب العرب لابن حزم، و قد كتبت في القرن الخامس الهجري، تأتي على كلّ القبائل و العشائر العربية في حدّ ذاتها و تبرز لنا أنّ أغلبها إذا لم يكن كلّها ممثّلة في الأندلس و في كلّ صقع من أصقاعها. فالحضور العربي سرى في شرايين الأندلس مع كلّ ما يحمله من لغة و ثقافة و أشعار و حضارة و تجربة طويلة على أرض قلب الخلافة في دمشق و الشام. لكن في فترة أولى حمل هذا العنصر معه نزاعاته فلم تعد هذه تستعر بين النازحين القدامى الإفريقيين و الجدد الشاميين، بل بين كلّ قيس و كلّ اليمن و هو نزاع لا معنى له في الأندلس سوى أنّ المقاتلة حملوا معهم الصّراع في أذهانهم. لقد كان تعلّة لرهانات أخرى كالمطامع و المطامح و النّزوع إلى الفتنة و الفوضى من طرف جند حافظوا على تركيبتهم القبلية أو بالأحرى ما فوق القبلية حيث إنّ قيسا مجموعة قبائل و كذلك اليمن، و الذّاكرة التي تحفظ النّزاع مترسّخة في‏

____________

(1) م. ن، ص 34: «و اجتمع على أبي الخطّار أهل الشام و عرب البلد و دانت له الأندلس».

(2) م. ن، ص 36.

208

تاريخية الشام الخاصّة (1).

بعد الفتنة، اجتمع أهل الأندلس على تولية يوسف بن عبد الرحمان الفهري أخي حبيب بن عبد الرحمان‏ (2)، و بقي يوسف في الحكم إلى مجي‏ء عبد الرحمان الدّاخل. إنّ طول مدّته مأتاها كونه قرشيا و مبدئيا فوق الأحزاب و من سلالة عقبة بن نافع و من أسرة عربية إفريقية هي رأس عرب هذه الولاية، و قد تغلّب أخوه على إفريقية عشر سنوات. لقد بقي يوسف مدّة طويلة تمادت إلى ما بعد مجي‏ء عبد الرحمان الدّاخل لأنّه حاربه و حاول منعه من الوصول إلى السّلطة (3)، و كان الصّميل رأس مضرية الشّام يسانده مع أنّه قابل على المكر به، لكن من الواضح أنّ الفهري له نصيب من المشروعية لدى أهل الأندلس كان يفقدها الصّميل.

و شهدت الفترة سنوات قحط و مجاعة و انتفاضات عديدة من القوّاد و كأنّهم ينزعون إلى انتصاب نوع من الفيودالية. هل كان ممكنا مع الفهري أن تفوز الأندلس باستقلالها و تكوين ذاتها. لقد حاولت ذلك إفريقية مع فهريّ آخر دون نجاح، في هذه الفترة بالتدقيق لانعدام وجود حاجز بينها و بين مصر، أهمّ الولايات الغربية. لقد كانت الأندلس أبعد و مقطوعة بالبحر، لكن فاقدة تماما للاستقرار و لشرعية مقبولة تلتئم حولها. سيأتي عبد الرحمان الأموي بهذا المبدأ- فهو أموي و ابن خلفاء- مبدأ الشرعية و إمكانية تأسيس سلالة حاكمة مقبولة من الجميع و خصوصا من أهل الشام. فوجود هؤلاء كان له تأثير بالغ. لكنّ عبد الرحمان كان عليه أن يقاوم كثيرا الثورات العسكرية، بل أمضى أكثر عهده في ذلك‏ (4)، و لعلّ‏

____________

(1) في هذا الصدد، انظر: الطبري، تاريخ، ج 6؛ البلاذري، أنساب الأشراف، ج 5؛ ابن الأثير، الكامل، ج 4، ص 149، ص 306- 333.

(2) البيان المغرب، ج 2، ص 36- 37.

(3) البيان المغرب، ص 44- 47، 48- 50؛ الكامل، ص 489- 496.

(4) البيان المغرب، ص 51 و ما بعدها؛ زيادة على انتفاضات القادة، ظهرت ثورة كبيرة للبربر و على رأسها شنقا أعيت عبد الرحمان مدّة سنوات: الكامل، ج 5، ص 605.

209

من أسباب ترسّخ الإمارة الأموية مع هشام ابنه و الحكم حفيده، وجود حاجز بعد تكوّن إمارة سجلماسة و بالأخصّ إمارة الأدارسة يحميه من الجحافل العبّاسية. في كلّ الغرب الإسلامي، من إفريقية إلى الأندلس، كان نموّ الفكرة الأسروية و الأميرية واضحا و سيأتي دور مصر فيما بعد مع ابن طولون، لكنّ الخلافة استرجعت مصر في عهد المأمون.

إنّ تفجّر أزمة كبيرة في آخر خلافة هشام بن عبد الملك لم يطل فقط قلب الإمبراطورية، الشّام و العراق و خراسان و الحجاز، بل كلّ البلاد الإسلامية لأنّ الأزمة لم تكن فقط انتقال الحكم من أسرة إلى أخرى، بل كان وراء تلك" الدّولة"- أي التغيّر- قوى كبيرة و عميقة تفجّرت بهذه المناسبة: إيديولوجيات، مطامح جماعات عرقية أو سياسية- دينية، أو مطامع بسيطة من أولي البأس و المقدرة. و قد تلتحم هذه القوى مع بعضها البعض، كالبربر و الحسني إدريس في المغرب الأقصى و البربر و بني مدرار ثمّ الرّستميين، و الأموي و جيش الشّام المهاجر إلى الأندلس، و الأغلبي و أهل إفريقية الطّامحين إلى الاستقلالية. إنّ المغرب و الأندلس- أي الغرب المتأسلم الشّاسع- كان يرنو إلى هيكلة الذّات و الدّخول في التاريخية. إنّ النّزوع إلى المشاركة في الحكم من أبناء فارس أعطى له العبّاسيون حقّه في صلب الدولة ذاتها، و الشّعوب المغلوبة الأخرى من أولي البأس مثل البربر التفّت حول قادة من أبنائهم كرؤساء الخوارج أو حول رموز كاريزمية مثل الحسني إدريس. أمّا في الأندلس، فالعناصر الإفريقية القديمة و جيش أبناء الشام النازحين و القليل من أهل مصر لم يكن لهم أن يلتفّوا إلّا حول مبدأ أسروي كانوا تعوّدوا عليه و هم بنو أمية، و بعد فهم معرّضون دائما لجهاد متواصل.

مع هذا، فإنّ إطلاق طاقات التمرّد و العنف ولّد في منعطف المائة و الثلاثين (130 ه) حركات انتفاضية لم تنضب أبدا طيلة قرن أو أكثر، سواء في إفريقية ما قبل الأغالبة أو في زمنهم أو في الأندلس قبل الأمويين و في ظلّ حكمهم. كلّ عهد هذه الإمارات ممتلئ بثورات القوّاد و الجند،

210

و في كلّ مرّة كان الحكم القائم يتغلّب عليها. من الممكن أن وجدت نزعة إلى الاستقلالية في الوحدات الصغيرة، مثل ما سيحصل في الغرب المسيحي و مثل ما سيحصل زمن السلاجقة في الشّرق فيما بعد. لكن ما دام الحكم المركزي قادرا على إخمادها بالعنف المنظّم و القوّة المستديمة، فهي تتكرّر لكي تغلب. و متى ما ضعف الحكم فالإمارات المشتّتة تنبثق و تستفحل. هذه قاعدة عامّة لا تخصّ الغرب الإسلامي فقط و لا حتّى دار الإسلام، بل هو التاريخ و عمله التّحتي إذ ذاك في تمخّض.

و لأسلوب الحكم و بنية الاقتصاد و المواصلات و شكل الحضارة في زمن ما قبل الحداثة علاقة وطيدة بذلك. إنّ الأشكال و الهياكل السياسية تمرّ و لا تبقى طويلا، لكنّ هذه الفترة المدروسة، على الرّغم من صخب الأحداث أو بسبب ذلك، و هي فترة تمتدّ على قرن و نصف من التولّد الصّعب الأليم، أقحمت المغرب الإسلامي و الأندلس في مصير جديد سيبقى أو ستبقى أسسه الثّابتة، و هذه الأسس طويلة المدى و التأثير: و هي اللّغة و الدّين و الحضارة، و كلّها ثوابت إذا رسّخت يستحيل تقريبا اقتلاعها.

لقد أطرد الإسبان بعد سبعة قرون العرب المسلمين من الأندلس تماما. و هو أمر طبيعي لأنّ الإسبان كانوا يتّكئون على مجال أوروبي متّسع جدا، و لأنّ المسيحية البابوية كانت حادّة و شرسة. لكنّ المسلمين أيضا التجأوا إلى دار الإسلام القريبة و هي المغرب لكي يثروه بعطائهم.

و بقي المغرب متمحورا على ذاته موحّدا كمجال جغرافي، كذاكرة لتاريخ مشترك، كتنويعة من حضارة الإسلام الكبرى، كانتماء ديني.

كل هذا انطلق من فترة- رحم كانت قاسية في الأوّل على المغلوبين، أبرز فيها العرب الفاتحون مقدرة هائلة على التّعنّت في البقاء و على التّنظيم الصارم، كما على الاختراق في الأعماق، في الصحاري النائية و الجبال الشامخة، اختراق هذا العالم الممتدّ بأسلوب لم يعرف قطّ قبل ذلك، لا من طرف القرطاجنين و لا من طرف الفندال و لا حتى من‏

211

طرف الرومان. و المغرب بعد، خلافا للأندلس، متّصل فضائيا بأرض الإسلام أفقيّا، إنما قاعدته الاقتصادية لم تكن لتخوّل له بناء حضارة لامعة مثلما حصل في الأندلس، و في مصر الفاطميين، و في العراق و خراسان لمدّة معيّنة. كما أنّه كان فاقدا في جناحه الغربي، فيما وراء الزّاب، لتقليد تاريخي و حضاري.

212

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

213

ملحق: المصادر الكتابية للمغرب و مصر و القارّة الإفريقية إلى حدود العصر الحديث‏

214

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

215

إنّ مفهوم المصادر المكتوبة شاسع إلى حدّ يصبح مبهما. فإذا ما قصد بالمكتوب كلّ ما يوصل الصوت و الحسّ، تصبح الشهادة المكتوبة تضم الرسوم المحفورة على الصخور و الأقراص و القطع النقدية ...

و باختصار كل ما من شأنه أن يحفظ اللغة و الفكرة بقطع النظر عن الحامل‏ (1). و هذا الاتساع قد يحدو بنا إلى أن نقحم في ميداننا العملة و علم النقائش و سائر العلوم «المساعدة» التي أصبحت في الحقيقة مستقلّة عن دائرة النص المكتوب، لذلك سنحصر بحثنا على ما هو مخطوط أو مطبوع في علامات متفق عليها مهما كان حاملها سواء بردي، رقّ، عظم أو ورق. و يمثل هذا في حد ذاته حقلا شاسعا للبحث و التأمل، و ذلك لأنّه يمثل أولا حيّزا زمنيا يبتدئ باختراع الكتابة و ينتهي على عتبة الأزمنة الحديثة (القرن الخامس عشر الميلادي)، ثم لأنه يتفق مع قارّة بأكملها أين تجمّعت و تلاحقت حضارات شتى. و أخيرا لأن هذه المصادر وقع التعبير عنها بلغات مختلفة و قد تطوّرت في تقاليد متنوعة فكان لها أنماط متعدّدة.

سنعالج ما تطرحه هذه المصادر من مشاكل عامّة (التحقيب، و التقسيم إلى مناطق و التصنيف) قبل أن نقيّمها تقييما نقديا.

المشاكل العامّة

إلى حدّ الآن لم توجد دراسة شاملة للمصادر المكتوبة لتاريخ إفريقية، و بسبب التخصّص حسب الأزمنة أو المناطق، بقيت الدّراسات القليلة المنجزة مرتبطة بميادين متقطعة من البحث العلمي، فكانت مصر الفرعونيّة مثلا ميدانا لدارس الحضارة المصريّة القديمة، و مصر البطيلمية

____________

(1)A .Dain ,1691 ,p .944 .

216

و الرّومانية ميدان الباحث الكلاسيكي، و مصر الإسلامية ميدان الباحث في الإسلاميات. فهذه ثلاث فترات و ثلاثة اختصاصات تدور في مدارات أكثر اتساعا (العالم الكلاسيكي و الإسلام). و حدث نفس الأمر في بلاد المغرب، إذ اعتبر المهتم بالعالم البونيقي مستشرقا و كلاسيكيا في نفس الوقت، في حين اعتبر المهتم بالبربر هامشيّا و غير قابل للتصنيف.

و تتداخل اللغات و الاختصاصات المختلفة في ميدان إفريقية السّوداء المتنوّع هو أيضا، إذ توجد مصادر كلاسيكية، و مصادر عربية، و أخرى إفريقية تحديدا، غير أنّه إذا ما وجدنا نفس الثلاثية في شمال الصحراء فإنّ هذه ليس لها نفس الأهمية و لا مدلول مماثل. توجد منطقة شاسعة أين لم توجد مصادر مكتوبة قبل القرن الخامس عشر ميلادي. بالنسبة لما تبقى من المناطق، يمكن أن يكتسب مصدر عربي يتعلّق ببلاد المغرب، بدرجة ثانية أهمية أساسيّة فيما يتعلق بحوض النيجر. إن المؤرّخ المختص في إفريقية السّوداء، عند ما ينكبّ على وثيقة مكتوبة بالعربية، لا يتعامل معها بنفس الطريقة التي يتعامل معها المؤرخ المختص في بلاد المغرب، و لا نفس طريقة تعامل مؤرخ الإسلام بصفة عامّة.

يترجم هذا التقاطع و التداخل التركيبة الموضوعية لتاريخ إفريقية، و كذلك توجّه علم التاريخ الحديث منذ القرن التاسع عشر. إنه حدث بالفعل أن أدمجت مصر في العالم الهلّنستي، ثمّ في الإمبراطورية الرومانية، و بعدها البيزنطيّة ثم لمّا دخلت في الإسلام أصبحت موطنه المشع. و قد حدث بالفعل أن نظر الكلاسيكيون إلى تاريخ إفريقيةAfrica على أساس أنّه صورة من تاريخ روما، و أن إفريقية قد ترسّخت بعمق في مصير الرّومنة، غير أنه كذلك حقيقي أن يكون مؤرخ إفريقية الرّومانية المعاصر نفسه مؤرخا للحضارة الرومانية قبل أن يكون مؤرخا لإفريقية و أن يخرج القسم الإسلامي من حقل اهتماماته العلمية (الإبستمولوجية).

إن إدراك تاريخ إفريقية إذن باعتباره كلا، و أن نلقي عليه في هذا

217

المسعى نظرة على المصادر المكتوبة، يبقى مهمّة دقيقة و صعبة بصفة خاصة.

مشكل التحقيب‏

في دراسة المصادر المكتوبة، نتساءل كيف يمكننا تبرير الانقطاع الموجود في بداية القرن الخامس عشر. أيحدث ذلك في البنية الداخلية للمجموعة الوثائقية التي بحوزتنا- و التي رغم الخلافات الثقافية و الزمنية- حافظت على بعض الوحدة، أم عن طريق حركة التاريخ ذاته و التي يجمعها مع العصور القديمة و القرون الوسطى في زمن طويل واحد يفصل بينها و بين العصر الحديث المتميّز في خصوصيته؟ في الحقيقة تتماسك الحجّتان و تتكاملان، فالمصادر القديمة و الوسيطة تختصان بالكتابة الأدبية، و هي شهادات واعية في معظمها تسمّى حوليات، أخبارا، رحلات أو جغرافيا. بينما و انطلاقا من القرن الخامس عشر، أصبحت الوثائق الأرشيفية (وثائق الأرشيف) و الشهادات غير الواعية كثيرة. و من جهة أخرى إذا كان الانتشار المسيطر في هذه الفترة يعود إلى المصادر الكلاسيكية و العربية، فإنه و انطلاقا من القرن الخامس عشر نضبت المصادر العربية، في حين برزت في حقل الشهادات الوثيقة الأوروبية (الإيطالية، و البرتغالية ... إلخ)، و فيما يتعلق بإفريقية السوداء، ظهرت الوثيقة الأهلية.

و يعبّر هذا التغيير في طبيعة المصادر و مصدرها أيضا عن تحوّل في المصير التاريخي الحقيقي لإفريقية. إن القرن الخامس عشر هو قرن التوسّع الأوروبي‏ (1)، إذ برز البرتغاليون سنة 1434 على سواحل إفريقية

____________

(1) يقترح موني‏R .Mauny تاريخ 1434، و هو تاريخ التوسع البحري البرتغالي في إفريقية السوداء:

»Le Probleme des Sources de L`histoire de L`Afrique noire jusqu`a la colonisation europeenne«, in: XII Congres??? international des Sciences historiques, Vienne, 92 Aout- 5 Septembre, 5691, II, Rapports, Histoire des continents, p. 871.

انظر أيضا موني:R .Mauny ,1691 ,op .cit .,p .81 .

218

السوداء، و أقاموا قبل ذلك بعشرين سنة (1415) في سبتة (1). و ظهر بالنسبة إلى الشريط السّاحلي المتوسطي و الإسلامي لإفريقية (بلاد المغرب و مصر)، فصل بين فترتين تاريخيتين منذ القرن الرابع عشر، عند ما أحسّ هذا العالم بتأثيرات التوسع البطي‏ء للغرب كما أحسّ- من دون شكّ- بعمل القوى الذاتية للانحلال. لكن القرن الخامس عشر كان حاسما، لأنه نضبت خلاله مصادر الشرق الأقصى للتجارة الإسلامية التي انتهى هكذا دورها فيما بين القارات. و من هنا فصاعدا سقط إسلام إفريقية المتوسطية على منحدر انحطاط ما فتئ يتفاقم. و شرط أن يكون مرنا فإنّ وضع النهاية الفاصلة في القرن الخامس عشر يجد ما يبرّره بإسهاب.

و لكن لعل يمكن أن نبرر هذه النهاية أكثر إذا ما أخرناها بقرن (بداية القرن السّادس عشر). هكذا سوف نفكك الفترة موضوع الدراسة إلى ثلاثة مقاطع رئيسية مع الأخذ بعين الاعتبار ثنائية حتمية التنوع و التوحد.

العصور القديمة إلى حدود ظهور الإسلام: من الإمبراطورية القديمة حتى 622 م.

العصر الإسلامي الأول من 622 م إلى منتصف القرن الحادي عشر (1050).

العصر الإسلامي الثاني من القرن الحادي عشر إلى القرن الخامس عشر.

من المؤكد هنا أن مفهوم العصور القديمة لا يشبه المفهوم المعتاد بخصوص العصور القديمة للتاريخ الغربي من حيث إنه لا يتطابق إلا جزئيا مع العصور القديمة «الكلاسيكية». فهي لا تنتهي بهجومات البرابرة و إنما باقتحام الفعل الإسلامي. لقد مثّل الإسلام بفضل عمقه وسعة تأثيره قطيعة مع الماضي، هذا الماضي الذي يمكن نعته بالعتيق أو بما قبل التاريخ أو بما قبل تاريخي حسب المناطق. و في الحقيقة أيضا إنّ معظم مصادرنا منذ العهد الهلنستي مكتوبة باليونانية و اللاتينية.

____________

(1)Laroui (A) ,0791 ,p .812 .

219

و إذا ما لزم علينا اعتبار القرن السابع الميلادي و قرن ظهور الإسلام و المصادر العربية، بداية عصر جديد بحكم بنية الوثائق و حركة التاريخ الشاملة، فإن الاستمرار الإسلامي يتطلب في حدّ ذاته أن يقسّم إلى فترتين. أمّا الأولى فتبدأ من الفتح إلى منتصف القرن الحادي عشر، و أما الثانية فمن القرن الحادي عشر إلى القرن الخامس عشر. ففي إفريقية شمال الصّحراء يوافق الطّور الأول تنظيم هذه المنطقة حسب النمط الإسلامي و ربطها بإمبراطورية متعدّدة القارات (خلافة أموية و عباسية و فاطمية). و أما الطور الثاني فقد شهد مقابل ذلك مبادئ محليّة للتنظيم.

و في نفس الوقت و من وجهة نظر حضارية، حدثت تحولات عميقة.

فبالنسبة إلى بلاد المغرب، مثّل منتصف القرن الحادي عشر فترة نشأة الإمبراطورية المرابطية، و استرجاع بني زيري لحكمهم الذاتي و نتيجته الطبيعية المتمثلة في زحف الهلاليّين. و في مصر تحدث القطيعة السياسية بعد ذلك بقرن مع الأيوبيين، على أنّ في هذا العصر، شهدت المراكز الحيّة للتجارة الكبرى الانتقال من الخليج الفارسي إلى البحر الأحمر، فقامت بالتدريج شبكة للتبادل على صعيد عالمي كان لها الأثر البالغ.

و في جنوب الصحراء و خلال القرن الحادي عشر أيضا، تطوّرت علاقات دائمة مع الإسلام و خاصة على الصعيدين التجاري و الديني.

إن المادة الوثائقية في حدّ ذاتها تتغيّر ملامحها، فإذا كانت كميّا غزيرة و متنوّعة، فإنها كيفيّا و كلما انحدرنا في الزمن إلا و اعترضتنا في إفريقية المتوسطية مصادر غير واعية (وثائق أرشيف، فتاوى قضائية) و معلومات دقيقة فيما يتعلّق بإفريقية السوداء.

المجالات الإثنية- الثقافية و أنماط المصادر

لا يكفي تصنيف المصادر حسب الفترات التاريخية لوحدها، بل يجب الأخذ بعين الاعتبار تمفصل إفريقية إلى مناطق إثنية- ثقافية أين تلعب عديد القوى لتميّز بين المناطق بصفة خاصة، و كذلك بخصوص‏

220

تصنيف المصادر التي بحوزتنا من وراء الفترات التاريخية و الفروقات الفضائية.

و لمعالجة النقطة الأولى، يمكن أن يستهوينا رأسا إقامة تمييز أوّلي بين إفريقية شمال الصحراء- البيضاء- التي تعرّبت و أسلمت، و تأثرت في أعماقها بالحضارات المتوسطية ما أدى إلى زوال إفريقيتها، و إفريقية جنوب الصّحراء- السّوداء- و الإفريقية إلى أقصى الحدود و التي تحظى بخصوصية إثنية تاريخية متميّزة. في الحقيقة و دون إنكار الثقل التاريخي لمثل هذه الخصوصيات، فإن الفحص التاريخي المعمّق يكشف لنا عن خطوط فصل أكثر تعقيدا و أشدّ تباينا. لقد عاش مثلا السودان السينغالي و النيجري في اتحاد وثيق مع المغرب العربي- البربري، فكان أقرب على مستوى مصادره إلى بلاد المغرب منه إلى عالم البانطوBantu ، و حدث نفس الأمر بالنسبة إلى السودان النيلي في علاقته بمصر، و القرن الشرقي لإفريقية في علاقته بالعربية الجنوبية. هكذا إذن يستهوينا أن نقابل بين إفريقية المتوسّطية و القاحلة و تلك التي تنبت فيها السّافانا و المشتملة على بلاد المغرب و مصر و بلاد السودان و أثيوبيا و القرن الإفريقي و الساحل الشرقي إلى حدود جنزيبار، و بين إفريقية أخرى إيحائية مداريّة و استوائية تتكوّن من حوض الكونغو و الساحل الغيني و مجال الزنباز- لنبوبو و منطقة ما بين البحيرات، و أخيرا بين إفريقية الجنوبية.

في الحقيقة تبرز هذه المفاضلة الثانية إلى حدّ كبير بمقياس الانفتاح على العالم الخارجي، و كذلك بأهمية التسرّب الإسلامي. إنّ حالة المصادر المكتوبة تؤيّد الواقع الحضاري حيث تقابل بين إفريقية تتوفّر فيها هذه المصادر بغزارة- مع الأخذ بعين الاعتبار عامل التدرج من الشمال إلى الجنوب- و إفريقية تفتقد تماما إليها على الأقل بالنسبة إلى الفترة المدروسة، غير أن الاعتبار المزدوج للانفتاح على الخارج و حالة المصادر المكتوبة يمكن أن يسقطنا في أحكام تقييمية من شأنها أن تسدل‏

221

حجابا قائما على نصف إفريقية تقريبا (إفريقية الوسطى و الجنوبية).

و قد لفت عديد المؤرخين الانتباه إلى خطورة «الرجوع إلى المصادر العربية» التي يمكن أن تجعلنا نعتقد- بتأكيدها على المنطقة السودانية- أنها المنطقة التي كانت مهد الحضارة و الدولة المنظّمة (1)، و سنعود إلى هذه النقطة لاحقا. و لكن يجب أن نعترف منذ الآن، أنه إذا ما وجد رابط بين حالة حضارة ما و واقع مصادرها، فإن هذا الرابط لا يمكن أن يكون حكمه حكما مسبقا لحركة التاريخ الحقيقي. إن المؤرخ الموضوعي لا يمكن له أن يسمح لنفسه بالأحكام القيميّة انطلاقا من المادة الوثائقية، و لكنه لا يمكنه أيضا أن يتغاضى عمّا توفره هذه المادة بحجّة الإفراط الممكن في الاستغلال.

إذا كان بمقدور التاريخ العام المغطّي لكامل الفترة الزمنية التاريخية، و المعتمد على كل المادّة الوثائقية المتوفرة أن يعطي نفس الأهمية إلى حوض الزايير كما إلى حوض النّيجر أو مصر، فإن الدراسة المحدّدة بالمصادر المكتوبة إلى حدود القرن الخامس عشر لا يمكنها ذلك.

بناء على كل الملاحظات التي قدمناها، يمكننا القيام بهيكلة الجهات الآتية:

أ- مصر، برقة و السودان النيلي.

ب- بلاد المغرب بما في ذلك الشريط الواقع شمال الصحراء، و المناطق الواقعة في أقصى الغرب و منطقة طرابلس و فزّان.

ج- السودان الغربي بمعناه الواسع أي إلى حدود بحيرة التشاد في اتجاه الشرق، و الذي يضم جنوب الصحراء.

د- أثيوبيا و أريتريا و القرن الشرقي و الساحل الشرقي.

ه- ما تبقى من إفريقية و يعني ذلك خليج غينيا و إفريقية الوسطى و جنوب إفريقية.

____________

(1)Hrbek ,5691 ,t .V ,p .113 .

222

إن مثل هذا التصنيف من شأنه ألا يعارض بين إفريقية شمال الصّحراء و إفريقية جنوب الصّحراء، و من شأنه كذلك أن يهيكل القارة حسب الصلات الجغرافية و التاريخية الموجّهة من منظور إفريقي، لكنّه يأخذ بعين الاعتبار بصفة خاصّة خاصية المصادر المكتوبة التي بحوزتنا.

لقد كانت إفريقية الوسطى و الجنوبية بالرغم من أهمية تراثها الحضاري شديدة الفقر فيما يتعلق بالمصادر مقارنة مع أصغر جزء من المناطق الأخرى (مثل فزان أو أريتريا).

و من جهة أخرى ليس هنالك أي شك، أنه يوجد علاوة على التضامن العام الذي يربط بين مصادر إفريقية المعروفة، يوجد تضامن محدّد و أكثر وضوحا لمعلوماتنا عن كل واحدة من المناطق المحدّدة.

لذلك لا بدّ إذن من استعراض النصوص المقسّمة في آن واحد حسب الحقب الزمنية و حسب المناطق، مع الاعتراف المسبق أنه من فوق المجالات- و بدرجة أقل- من فوق الحقب التاريخية، أنّ هذه المصادر المنحصرة في بعض اللغات، و في بعض الأنواع المحدودة، لا تأتي إلينا دائما من المجال الذي تتطرّق إليه، و لا هي معاصرة للأحداث التي تصفها.

تصنيف المصادر المكتوبة

أ- إن اللغات التي وصلت بها إلينا وثائقنا متعدّدة، و لكن ليس لها جميعا نفس الأهمية. و الأكثر استعمالا منها هي التي نقلت إلينا أكثر كمية من الأخبار و هي المصرية القديمة و البربرية و اللغات الأثيوبية و القبطية و السّواحلية و الهوسا و الفلفد. و كانت اللغات الأكثر إنتاجا هي اللغات ذات الأصل غير الإفريقي مثل الإغريقية و اللاتينية و العربية، حتى و إن قبلت العربية على أساس أنها اللغة القومية لكثير من شعوب إفريقية.

إذا ما صنفنا الوثائق حسب الترتيب الذي يأخذ بعين الاعتبار حجم المعلومات و نوعيتها سنحصل على القائمة التقريبية التالية بدءا بالعربية ثم الإغريقية ثم اللاتينية فالمصرية القديمة (الكهنوتية و الشعبية) فالقبطية فالعبرية

223

فالآرامية فالأثيوبية فالإيطالية فالسّواحلية فالفارسية ثم الصينية .. إلخ.

زمنيا، تمثل مصادرنا المكتوبة الأولى برديات كهنوتية مصرية تعود إلى الإمبراطورية الحديثة، و لكن تدوينها الأول يعود إلى بداية الإمبراطورية الوسطى (بداية الألف الثاني و خاصة البردية المعروفة بعنوان «تعليم للملك الميريكاري» (1)). و لدينا بعد ذلك بردية الإمبراطورية الحديثة و الأستراكاLes ostraka و هي دائما بالمصرية الكهنوتية، و المصادر اليونانية التي تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، و هي تتواصل دون انقطاع إلى عصر متأخر يتفق تقريبا مع التوسع الإسلامي (القرن السابع ميلادي)، و المصادر العبرية (التوراة) و الآرامية (يهود فيلة) التي تعود إلى فترة السلالة السادسة و العشرين، و النصوص الشعبية التي تعود إلى العصر البطليمي، و الأدب اللاتيني، و الأدب القبطي (باللغة المصرية و لكن المستعملة للأبجدية الإغريقية التي تمّ إثراؤها ببعض الحروف) و التي بدأ استعمالها منذ القرن الثالث الميلادي و العربية و الصينية (2). و ربما الفارسية و الإيطالية ثم الأثيوبية التي يعود أقدم نصوصها المكتوبة إلى القرن الثالث الميلادي‏ (3).

ب- المصادر التي بحوزتنا المرتبة حسب النوع، و تتوزع إلى مصادر إخبارية و مصادر أرشيفية. وقع تدوين الأولى منها بوعي قصد ترك شهادة، بينما تساهم الثانية منها في الحركة العادية للحياة البشرية. فيما

____________

(1)

Golenischeff, Le Papyrus Hieratique, N 0 5111. 6111 A et 6111 B, de L`Ermitage Imperial a Saint Petersbourg, 3191; Le No 6111 A.

و قد ترجمه غاردينرGardiner في:Journal Of Egyptian Archeology ,Londres ,3191 .

و في هذا الصدد انظر:E .Drioton et J .Vandier ,2691 ,p .622 .

(2) يوجد نصّ صيني يعود إلى النصف الثاني من القرن الحادي عشر، غير أن المصادر الصينيّة التي ما زالت تتطلب الاستكشاف تخص القرن الخامس عشر فيما يتعلق بالساحل الشرقي لإفريقية. و يمكن أن نحيل أيضا على الأعمال التالية:

J. J. L. Duyvendak, 9491; F. Hirth, 9091- 01; T. Filesi, 2691; Libra, 3691; P. Wheattey, 4691

. (3)Sergew Hable Selassie ,7691 ,p .31

224

يخص إفريقية و باستثناء مصر، و لكن مع الأخذ بعين الاعتبار بلاد المغرب، فإن المادة الوثائقية المكتوبة تتمثل في المصادر الإخبارية وحدها تقريبا و ذلك إلى حدود القرن الثاني عشر ميلادي. و هي تغطي الفترة القديمة و العصر الإسلامي الأوّل. و انطلاقا من القرن الثاني عشر، ظهرت وثيقة الأرشيف ببلاد المغرب رغم أنها ظلّت قليلة (سجلات موحدية، فتاوى و استشارات قضائية من العصر الحفصي)، و أصبحت هذه الوثائق أكثر وفرة في مصر في عصر الأيوبيّين و المماليك (القرن الثاني عشر- القرن الخامس عشر ميلادي).

و كانت مخطوطات الأديرة الأثيوبية في هذه الأثناء تضم ملاحق لوثائق رسمية، غير أن هذا النوع من النصوص ظل غائبا فعليا فيما يتعلق بباقي إفريقية خلال الفترة التي تعنينا بالدرس‏ (1). و في كل الأحوال، كانت هنالك سيطرة مطلقة للمصادر الإخبارية، و بروز أو تطور نسبي لمصادر الأرشيف انطلاقا من القرن الثاني عشر ميلادي في إفريقية المتوسطية، و التي كانت غائبة تقريبا كليا في إفريقية السوداء، و لكن و بصفة عامة هناك زيادة جوهرية للمادة الوثائقية بعد القرن الحادي عشر إلى أن بلغت الحدّ الأقصى بين القرنين الثاني عشر و الرابع عشر. هذه هي الخطوط التي تميز فترتنا.

يمكن إحصاء أنواع المصادر كما يلي:

المصادر الإخبارية

روايات و حوليّات.

مصنفات جغرافية و رحلات، و مصنفات علماء الطبيعة.

مصنفات فقهية و دينية سواء تعلّقت بالقانون الشرعي و الكتب المقدّسة أو المناقب.

____________

(1) لدينا محارم و هي رسائل صادرة عن ملوك بورنوBornou ، و تعود إلى نهاية القرن الحادي عشر، و منها محرم أمّ جلمي و محرّم عائلة ماصبرما، انظر في هذا الصدد:R .Mauny ,1691 et H .Palmer ,8291 ,t .III ,p .3 .

225

- كتب أدبية صرفة.

مصادر الأرشيف‏

الوثائق الخاصة: رسائل أسرية، و مراسلات تجارية .. إلخ.

وثائق رسمية منبثقة عن الدولة أو عن ممثليها مثل المراسلات الرسمية و المراسيم و الرّخص الملكية و النصوص التشريعية و الجبائية.

الوثائق الفقهية- الدينية.

ما نلاحظه أن المصادر الإخبارية التي بدأت في الظهور منذ القرن الثامن قبل الميلاد مع هوميروس و احتوت على عدد كبير من روائع الفكر الإنساني و معرفته. فيوجد من بينها الكثير من الأسماء اللامعة حتى و إن كانت أغلب شهاداتها لا تتعلق بإفريقية بصفة خاصة و لكن تمنحها على الأقل مكانة هامة لها توجّه أوسع أفقا. و من بين هذه الأسماء يوجد هيرودوت و بوليب و بلين القديم‏Pline L`ancien و بطليموس و بروكوب و الخوارزمي و المسعودي و الجاحظ و ابن خلدون. و كذلك تعتبر وثائق الأرشيف الأكثر قدما في العالم، ففي حين كانت برديات رافان‏Ravenne التي احتفظ بها في أوروبا- و هي عبارة عن عقود أرشيفية الأكثر قدما تعود إلى بداية القرن السادس ميلادي- فإنّ برديات الإمبراطورية المصرية الحديثة كانت قد سبقتها بعشرين قرنا. إنه لحقيقة أن هذا النوع من الشهادات لم يتجاوز في العهد الإسلامي الأول حدود مصر، و أن هذا النوع من الوثائق لم يأخذ إلى نهاية فترتنا أبعادا كبيرة، و يعزى هذا الأمر- مما لا شك فيه- إلى أن هذه الحضارة الإسلامية في العصر الوسيط كانت تجهل تقريبا كليا مبادئ الحفاظ على وثائق الدولة. و يعتبر القرنان الرابع عشر و الخامس عشر الفترة الأكثر ثراء بوثائق الأرشيف. و قد نقلت لنا هذه الوثائق المؤلفات الموسوعية خاصة، و لا بد من انتظار العصر الحديث العثماني و الأوروبي لنرى تكوّن مخازن الأرشيف بتحديد المعنى.

226

جدول زمني لأهم المصادر المكتوبة

227

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

228

مصادر الأرشيف‏

229

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

230

الإحصاء حسب الحقبات التاريخية

الحقبة القديمة ما قبل الإسلامية (من البدايات إلى سنة 622 م)

ما يميّز هذه الفترة بالنسبة للّتي تليها هو هيمنة المصادر الأثرية و غير الأدبية بصفة عامة، إلّا أن هذه الوثائق المكتوبة و رغم وضعيتها الثانوية، فإنها توفر في بعض الأحيان تدقيقات ذات أهمية قصوى، و هي فوق ذلك تصبح أكثر غزارة و دقة كلما انحدرنا في الزمن. و فيما يخصّ التوزيع حسب المناطق لا بد من الإشارة إلى الغياب الكلّي لكلّ من إفريقية العربية و إفريقية الوسطى.

مصر و النّوبة و إفريقية الشرقية

أ- ظلت المصادر المكتوبة و المتعلّقة بمصر إلى حدود الألفية الأولى مصرية بحتة و تتعلق بالبرديات القديمة و أستراكاOstraka ، و التي لا تعود في الأصل إلى أقدم من الإمبراطورية الحديثة و لكن أمكنها كما ذكرنا نقل معلومات أكثر قدما (1). و تدلل كلمتا البرديات و الأستراكا على المواد التي كتبت عليها، فهي نبتة بالنسبة إلى الأولى، و كسرة كلسية بالنسبة إلى الثانية. و تختلف الرّموز الكهنوتية عن الرموز الهيروغليفية بمظهر كتابتها النسخي الذي يهيئها إلى أن ترسم أكثر من أن تحفر. لقد كانت البرديات و الأستراكا كثيرة العدد بالنسبة إلى السلالتين التاسعة عشرة و العشرين للإمبراطورية الحديثة أو فترة الرّمامسةRammesite (1314- 1085 ق. م) و هي تتعلّق بالحياة

____________

(1)

E. Dritton et J. Vandier, 2691, pp. 7- 9; J. Yoyotte, L`Egypte ancienne, in: Histoire Universelle, Collection Pleiade.

231

الإدارية بقدر ما تتعلق بالحياة الخاصة إذ نجد فيها تقارير إدارية و قضائية و وثائق محاسبة و رسائل خاصة و يوجد فيها أيضا حكايات و روايات. و قد خصّت البرديات القضائية (1) و البرديات الأدبية (2) بدراسات متقنة نشرت منذ القرن التاسع عشر.

لا تعود معرفتنا للنّوبة و بلاد البونت‏

Pount

في أيّ شي‏ء للمصادر المكتوبة إلّا في صورة حدوث اكتشافات جديدة، لكن هذه المعرفة تعتمد على الآثار و النقائش (و لا سيما النقوس الأثرية).

ب- لقد نوّعت و غيّرت الألفية الأولى، و خاصة انطلاقا من القرن السادس إسهامات مصادرنا، فأضيفت المصادر الإخبارية إلى مصادر الأرشيف و في بعض الأحيان حلّت محلها. هكذا يعطينا كتاب «سفر الملوك» الذي يمثل قطعة من العهد القديم معلومات قيّمة عن قدوم السلالة الثانية و العشرين (حوالى 950 ق. م) لتصبح له قيمة كبيرة بالنسبة إلى كل الفترات اللاحقة أي إلى حدود الهيمنة الفارسية (525 ق. م).

و قد وقع تحرير «سفر الملوك» قبل خراب القدس في مرة أولى أي قبل 586 ق. م‏ (3). و قد وقع تصحيحه زمن النفي، غير أنه يعيد روايات تعود

____________

(1) من الوثائق القضائية لدينبردي أبوطAbbot ، و برديات أمهرست‏Amherst و مييرMayer و كذلك بردي طورينوTurin ... و على هذه المجموعة من البرديات ارتكزت معرفتنا على عهود رمسيس التاسع و العاشر و الحادي عشر و قد نشرت. انظر:

Select Papyri in the hieratic character from the collections of the British Museum, London, 0691; New- Berry, The Amherst papyri, London, 9981; Peet, The Mayer Papyrus, London, 0291; Peet, The Great Tombs Robberies of the twentieh Egyptian dynaty. 2 Vol. Oxford, 0991.

(2) إن مجموعة المتحف البريطاني لثرية بالبرديات، إذ نجد فيها مثلا حكاية الحقيقة و الكذب و حكاية هورس‏Horus و ست‏Seth . و قد أقام بوسنرG .Posner الأخصائي الكبير في هذه المسألة قائمة شاملة تقريبا للوثائق الأدبية المصرية فوصل إلى 58 عنوانا:Revue D`Egyptologie ,VI ,1591 ,pp .72 -84 .

و قد نشر بوسنر أيضا الأستراكا:

Catalogue des Oestraka hie??? ratiques Litteraires de Deir El- Medineh, Le Caire, 4391- 63.

(3)

A. Lods, Les Prophetes d`Israel et les debuts du Judaisme, Paris, 0591, p. 7; Drioton et Vandier, op. cit., passim; Doresse, 1791, t. I, pp. 74- 16.

232

إلى الألفية الأولى، و توضّح مصادر أخرى أجنبية و خاصة الإغريقية منها العهود السّفلى لسلالة السّاييت الأولى (القرن الثامن قبل الميلاد:

ميناندر، و أرستوديموس، و فيلوكوروس و هيرودوت. و من وجهة نظر الأرشيف أصبحت تكتب البرديات إما بالإغريقية و إما بالمصرية الشعبية و هي كتابة نسخية أكثر من الكهنوتية. و قد ورد مصدرنا الأساسي من البرديات من برديات يهود فيلة في حين وقع تحرير الأخبار الديموتية بين القرنين الرابع و الثالث قبل الميلاد.

ج- الفترة الممتدة من قيام البطالمة في مصر (نهاية القرن الرابع قبل الميلاد) إلى الفتح العربي (639 م)، و هي تغطّي الألفية التي تتميّز بأهمية المصادر الإغريقية من ناحية الحجم و ببروز المنطقة الأثيوبية- الأريترية في حقل معرفتنا، التي يحدّثنا عنها بوليب و سترابون و بلين القديم بدقّة نسبية منطوية على جانب من الجهل و السذاجة. و يمدنا عالم الطبيعة الروماني في «تاريخه الطبيعي» بجملة من المعلومات على العالم الأثيوبي تمسّ خاصة البضائع التجارية و طرق التبادل. من المؤكد أن هذا الكتاب هو كتاب تجميعي تتفاوت قيمته و لكنّه ثري بتفاصيل متنوعة. و تصبح معلوماتنا أكثر دقّة في نصف الألفية التي تلت ظهور المسيحية. و نعرف أن مصر ستصبح في القرن الثاني أهم مركز للثقافة الهلنستية، و من الطبيعي أن تنتج مؤرخين و جغرافيين و فلاسفة و آباء للكنيسة. و باعتبار أن مصر كانت مندمجة سياسيا في الإمبراطورية الرومانية ثم البيزنطية، وجدت نفسها معنية بأمر عديد الكتابات اللاتينية أو الإغريقية الخارجية سواء كانت إخبارية أو أرشيفية (قانون تيودوز

Code de Theodose

مثلا أو مدوّنة تشريعات جوستنيان(Novellae de Justinien . و من الملاحظ أن تيار البرديات لم ينضب. و من هذه المجموعة الوثائقية برزت بعض الكتب ذات الأهمية الخاصة مثل جغرافية بطليموس (حوالى 140 م) (1)، و رحلة بحر أريتريا (2) و هي لكاتب مجهول قدّرنا أنه ألّف‏

____________

(1) حول الجغرافيين الكلاسيكيين و ما بعد الكلاسيكيين الذين تعرّضوا لإفريقية انظر المؤلف الأساسي ليوسف كامل‏

Monumenta Cartographica Africae et Aegypti, Le Caire et Leyde, 6291 a 1591. 61 Vol.

و نحن نأمل أن يعاد نشر هذا العمل بنفس نقدي جديد و مهم.

(2) نشره مولّر

Muller, Geographi Graeci minores, Paris, 3581, t. I

. و أعاد نشره جلمار فرسك‏Hialmar Frisk في غوتبورغ سنة 1927.

و قد سبق نشر هذا الكتاب المهمّ منذ القرن السادس عشر في 1533 ثم في 1577.

233

حوالى 230 م بعد أن أرّخت في القرن الأوّل، و الطبوغرافيا المسيحية (1) لكسماس إنديكوبلاستاس (حوالى 553 م)، و تمثل هذه الكتابات معرفتنا فيما يتعلق بأثيوبيا و القرن الشرقي لإفريقية. في الجملة يبرز لنا هذا العرض المختصر نوعين من اختلال التوازن. أمّا اختلال التوازن الأول فيتعلّق بالمصادر المكتوبة بالمقارنة مع أنواع الوثائق الأخرى، و يتعلّق اختلال التوازن الثاني بمعرفتنا لمصر مقارنة مع معرفتنا لبلاد النّوبة و العالم الأريتري.

المغرب القديم‏

نشأ تاريخ بلاد المغرب المكتوب عن الالتقاء بين قرطاج و روما، و هو ما يعني أنه لم يوجد بحوزتنا أي شي‏ء مهم سابقا عن القرن الثاني قبل الميلاد، و هي إشارات متفرقة عند هيرودوت طبعا، و كتب أخرى لمؤرخين إغريق. و ندين بمعرفتنا للفترة البونيقية في الحقيقة إلى الآثار و النقائش. و من جانب آخر، فإن تاريخ قرطاج قبل هنبعل كما هو الشأن فيما يتعلق بصراعها مع روما ثم بقائها المؤقت لا يعود تقريبا في شي‏ء إلى المصادر البونيقية المكتوبة.

____________

(1) كسماس‏Cosmas هو رحالة زار أثيوبيا و جزيرة سومطرا، و يوجد مؤلفه ضمن «آثار آباء الكنيسة اليونانية» لميني‏Patrologie grecque de Migne ,LXXXVII . و هذه المجموعة لا بدّ من الاطلاع عليها بالنسبة إلى الفترة القديمة إلى جانب آثار آباء الكنيسة اللاتينيةPatrologie Latine لنفس المؤلف ميني. و قد نشر مؤلف كسماس بطريقة جيدة و في ثلاثة مجلدات في دار سيرف‏Cerf ، باريس 1968- 1970. و نشير إلى أن أهمية اطلاعنا على انتشار المسيحية في أثيوبيا يرجع إلى كتاب:

Historia Ecclesiastica de Rufinus in: Patrologie Grecque de Migne

، الذي يعطي ترجمة لاتينية دائما.

234

و قد ثبت حاليا أن رحلة حنون التي ذكر في وصفها أنها امتدت إلى سواحل الشمال الغربي لإفريقية موضوعة و أنّ وضعها بالإغريقية لا يجب أن يتجاوز القرن الأول. تبقى المؤلفات الفلاحية المنسوبة إلى ماغون و التي لم يحفظ منها الكتّاب اللاتين إلا على بعض المقاطع فقط. و من بين مصادر الأهالي، يجب أن نشير إلى مختصرات يوبا الثاني التي نقلها بلين القديم‏Pline L`Ancien في كتابه «التاريخ الطبيعي».

بهذا تصبح أهم مصادرنا المكتوبة عن تاريخ المغرب القديم- إن لم نقل كلها- و التي تهمّ الفترات القرطاجية و الرومانية و الفندالية و البيزنطية، قد تكوّنت من مؤلفات المؤرخين و الجغرافيين الكلاسيكيين، أي من الذين كتبوا إمّا بالإغريقية أو اللاتينية. بصفة عامة، كان هؤلاء المؤلفون أجانب عن إفريقية، غير أنه و بالتّوازي مع رومنة إفريقية، كان يبرز كتّاب من الأهالي و خاصة من بين آباء الكنيسة.

أ- في الحقبة الممتدّة من 200 ق. م إلى 100 م، و هي تتفق مع بلوغ قرطاج أوجها ثم حدوث انهيارها، و مع تنظيم المقاطعة الرومانية لإفريقية في عهد الجمهورية و الإمارةLe Principat ، في هذه الفترة لدينا من المصادر عديد المؤلفات الإغريقية و اللاتينية المكتوبة مثل بوليب‏Polybe (200- 120 ق. م، و هو مصدر أساسي) و سترابون‏Strabon ، و ديودور الصقلّي‏Diodore de Sicile ، و سالوست‏Salluste (87- 35 ق. م) و تيت ليف‏Tite -Live ، و أبيان‏Appien ، و بلين‏Pline ، و تاسيت‏Tacite و بلوتارك‏Plutarque (القرن الأول ميلادي) و بطليموس‏Ptolemee (القرن الثاني ميلادي)، دون الأخذ بعين الاعتبار الكتّاب الصغار- و هم كثيرون‏ (1).

كان من المفيد جدا تجميع المؤلفات المبعثرة المتعلقة بشمال‏

____________

(1) نذكر منهم أرسطو (السياسة)Aristote (Politique) ؛ و قيصرCesar (Bellum Civile et Bellum Africum) و أثّروب‏Eutrope ، و جستان‏Justin ، و أروزOrose . و نعدّ أكثر من 30 مصدرا مكتوبا عن تاريخ هنبعل وحده.

235

إفريقية، فهذا الأمر لم يقع القيام به إلّا بالنسبة إلى المغرب الأقصى‏ (1)، مما جعل الباحث يجد نفسه مجبرا على التنقيب في المجموعات الكلاسيكية الكبرى بطريقة منظمة. و قد أعملت سعة المعرفة الأوروبية خلال القرن التاسع عشر في هذه المجموعات كل وسائل النقد و العمل الجبار مثل الخزانة الطبنريّةBibliotheca Teubneriana ، و مكتبة لوب الكلاسيكيةThe Loeb Classical Library (نصوص و ترجمة إنكليزية) و مجموعة ج. بودي‏Collection G .Bude (نصوص و ترجمة فرنسية)، و مجموعة جامعات فرنساCollection des Universites de France ، و ملاحق كلاسيكية لمكتبة أكسفورد

Scriptorium Classicorum Bibliotheca Oxoniensis

. إلى جانب هذه المصادر الإخبارية، يستحسن أن نضيف مصادر أكثر مباشرة تكوّنت من نصوص القانون الروماني مع أن هذه النصوص كانت في الأصل نقائش‏ (2).

لم تكن كتابات أصحاب الحوليات و الإخباريين أو الجغرافيين من الإغريق و اللاتين ذات قيمة واحدة بالنسبة إلى كامل الفترة الفرعية المدروسة. فإذا كان البعض منهم يميل إلى تجميع الأخبار من الذين سبقوهم، فإن الآخرين قدّموا لنا معلومات أصلية و قيّمة و في بعض الأحيان شواهد مباشرة. هكذا قد يكون بوليب‏Polybe مثلا- الذي عاش في رفقة عائلة سيبيون‏Scipion - حضر حصار قرطاج سنة 146 ق. م، و كتاب حرب يوغرطةBellum Jugurthinum الذي يعتبر وثيقة من الطراز الأول عن الممالك البربرية، و كتاب قيصرCesar «الحرب الأهلية»Bellum Civile و هو مؤلف لفاعل في التاريخ.

و قد هيمنت على هذه الفترة صورة بوليب و مؤلّفاته. فبوليب مثلما ذكر لنا (3) كان ابن العصر الهلنستي و ثقافته إذ ولد حوالى 200 ق. م أي‏

____________

(1)

M. Roget, Le Maroc chez les auteurs anciens, 4291

. (2)P .P .Girard ,Textes de Droit romain ,6 `edit ,7391 .

(3)

Cambridge Ancient History, Vol. VIII: Rome and the Mediterranean

.

236

في الفترة التي تمّ فيها التقاء روما- في أوج توسعها الإمبريالي- بالعالم المتوسّطي و على الخصوص مع العالم الهلنستي. لقد سجن بوليب في روما و نفي فيها، فتعلم دروسا قاسية من المنفي، ذاك «المعلم العنيف» للمؤرّخ و الفيلسوف. و قد خفّفت عنه رعاية آل سيبيون إقامته، و لكنّها أفادته خاصة في أنه تعلم الكثير عن تاريخ روما و قرطاج، و بعد ست عشرة سنة من الأسر، عاد بوليب إلى وطنه اليونان. و لكنه ما لبث أن غادره للتجوال في العالم. و خلال إقامته في إفريقية، روي لنا أنّ سيبيون إيمليان‏Scipion Emilien أهداه أسطولا ليمكّنه من استكشاف السّاحل الأطلسي لإفريقية، أي أننا أمام رجل مقدام و صاحب تجربة و لا يفتر له فضول. فبوليب لا يمثل فقط مصدرنا الأساسي لكل ما يمس الصّراع البونيقي- الروماني، بل هو و بصفة أعمّ، ملاحظ من الطّراز الأول لما يجري بإفريقية و مصر في زمنه. و لو وصل إلينا الأربعون كتابا التي تكوّن البراغماتياPragmateia ، لكنّا عرفنا- ممّا لا شك فيه- أكثر مما نعرف حاليا، و ربما أمكننا التزوّد بأكثر المعلومات دقة، و لكانت لنا معلومات دقيقة عن إفريقية السوداء التي تنقصنا تماما.

و بالرغم من ذلك فإن الكتب الستة التي وصلت إلينا تتفوّق عن كلّ المصادر الأخرى بجودة معلوماتها و نظرتها الثاقبة.

ب- بعد القرن الأول، و طيلة الأربعة قرون التي كان خلالها النظام الإمبراطوري يتجذّر في إفريقية، قبل دخوله في أزمة مطوّلة، أصبحت المصادر الأدبية قليلة. لقد حدث فراغ شبه كلّي في القرن الثاني، أما القرنان الثالث و الرابع فقد طبعا بهيمنة الكتابات المسيحية و لا سيما كتابات سيبريان‏Cyprien ، و أوغسطين‏Augustin و هي مصنّفات عامّة تتجاوز الإطار الإفريقي، لتطرح المشاكل الدينية الكبيرة دون المساهمة في صنع الخطاب التاريخي المباشر، غير أنها تمثل كذلك كتابات جدالية تتطرّق إلى المسائل في إبانها مما جعل لها وقعا مباشرا على الأحداث. هكذا قامت معرفتنا للحركة الدوناتية على هجومات أكبر

237

مناوئيها و هو القديس أوغسطين‏Saint Augustin (354- 430 م)، و لهذا السبب بالذات لا بدّ من توخي الحذر الجدّي عند اعتمادها.

و فيما يتعلق بالمادة التي توفرها المصادر المكتوبة عن الفترة الإمبراطورية، فإن مؤلفات آباء الكنيسة بقدر ما تبدو الأهمّ، فإنها تبقى غير كافية بالنسبة إلى معرفتنا. و هنا أيضا لا بد للباحث من الرجوع إلى المجموعات الكبيرة:

مدوّنة برلين بالإغريقية (نص وحيد).

مدونة فيينا باللاتينية (نص وحيد).

إن هذين المعلمين من المعرفة العلمية الألمانية لهما ما يقابلهما في مجال المعرفة العلمية الفرنسية المتمثلان في مدونتي ميني‏Migne .

مؤلفات آباء الكنيسة الإغريقيةLa Patrologie grecque (نصوص و ترجمة لاتينية).

مؤلفات آباء الكنيسة اللاتينيةLa Patrologie Latine (نص لاتيني وحيد).

إن الفاصل الزمني الذي حدث فيه التدخل الفندالي، و إعادة التوسّع البيزنطي ثمّ الحضور البيزنطي خلال أكثر من قرن، أثار الأعمال التاريخية أكثر، فتكاثرت الكتابات التي تنعت بالصغيرة و برزت مصادر الأرشيف (مراسلات و نصوص تشريعية). و إنه لمن حسن حظنا أن يكون لنا ملاحظ خصب الخيال و موهوب مثل بروكوب‏Procope (القرن السادس ميلادي) ليكون مصدرنا الأساسي بالنسبة للفترة إلى أبعد الحدود و ذلك عن طريق كتابه «الحرب الفندالية»De Bello Vandalico .

و يمكننا العودة إلى المجموعة البيزنطية في «بون»، مع الاستعانة بعد ذلك بمقاطع تاريخية إغريقيةFragmenta Historicorum Graecorum فيما يتعلّق بالنصوص الإغريقية. أما النصوص اللاتينية فهي عديدة و توجد إما في مؤلفات الآباء اللاتين‏Patrologie Latine (مؤلفات القديس فلجانس‏Saint Fulgence و التي لها بعض الأهمية في معرفة

238

الفترة الفندالية)، و إما في «المعالم التاريخية الجرمانية لمؤلّفين قدامى» (1)

Monumenta Germanica Historica, auctores antiquissimi

. و يجمّع المعلم الآخر للمعرفة العلمية الألمانية «المؤلفات الإخبارية الصغرى» للعصر البيزنطي و هي لكسيودورCassiodore و بروسبارتيرProsper Tire و خاصة فكتور دي فيتاVictor De Vita و كوريبّوس‏Corippus . و يستحق هذان المؤلفان انتباها أكبر، إذ يهتم الأول بالفترة الفندالية، أما الثاني فيهتم بالفترة البيزنطية، و كذلك لأنهما اخترقا إفريقية من الداخل و سلّطا الضوء على أعماقها التي وقع تجاهلها لزمن طويل‏ (2). في كتابه الكلاسيكي عن إفريقية البيزنطية، يوضح شارل ديل‏C .Diehl كيف يمكن استغلال المصادر الأثرية و النصوص المكتوبة لتمثّل الواقع التاريخي بالكيفية الأقرب إلى الممكن، و ذلك باعتماد بروكوب‏Procope أولا، و كذلك كوريبوس‏Corippus ، و أغاطياس‏Agathias أيضا، و كسيودورCassiodore ، و جورج القبرصي‏Georges de Chypre (3)، و رسائل البابا غريغوار الكبيرGregoire Le Grand ، و وثائق قضائية كالتشريعات‏Novellae و مدوّنة تشريعات جوستنيان‏Code Justinien و جميعها صالحة لاستكشاف الحياة الاقتصادية و الاجتماعية.

و يبدو من الصعب احتمال أننا نستطيع إثراء القائمة المنجزة لوثائقنا

____________

(1) في معالم مومسن‏Monumenta de Mommsen ، م. 9/ 1- 2 (1892) و 11 (1894) و 13 (1898). يوجد نص لفكتور دي فيتاVictor De Vita في المجلد 1- 3 (1819) نشره هولم‏C .Holm ، و نص كوريبوس‏Corippus في المجلد 2- 3 (1879) الذي نشره بارتش‏J .Partsch .

(2) بخصوص إفريقية الفندالية و البيزنطية، لدينا مؤلّفان معاصران و أساسيان، مدّانا بتفاصيل المصادر التي يمكن استغلالها و هما:Chistian Courtois ,5591 ;Charles Diehl ,9591 .

و بالنسبة إلى الفترة الرومانية يوجد كتاب:

S. Gsell, L`Histoire ancienne de l`Afrique du Nord

. و هو قديم جدا غير أنه ما زال صالحا للاستعمال.

(3)Descriptio orbis romani ,ed .Gelzer .

239

المكتوبة عن طريق اكتشافات جديدة، غير أنه على العكس من ذلك يمكننا استغلالها أحسن بتعميق تحليلها و إخضاعها لنقد دقيق، مع مقارنتها بالمواد الأثرية و النقائشية التي ما زالت لم تنضب بعد، و ذلك باستغلالها خاصة بأكثر نزاهة و موضوعية (1).

إفريقية الصحراوية و الغربية

ليكون كلامنا واضحا، نقرّ بأنه ليس لدينا أية وثيقة يمكن أن نثق بها لتعرفنا عن إفريقية السوداء الغربية. و إذا ما قبلنا مع موني‏Mauny (2) أن القدامي أي القرطاجيين و الإغريق و الرومان لمّا يتجاوزوا رأس جوبي‏Cap Juby ، و مستوى خطّ عرض الجزر الخالدات‏Les Canaries ، و هو الأمر الأكثر احتمالا، فإن المعلومات الواردة في كتاباتهم، لها علاقة إذن بأقصى جنوب المغرب الأقصى. لذلك من المؤكّد أنهم كانوا على تخوم العالم الأسود غير أنهم لم يلجوه.

إن رحلة حنّون هي أكذوبة، إن لم تكن كلها فعلى الأقل بالنسبة إلى معظمها (3)، فهذه الرحلة هي تأليف مركّب تختلط فيه اقتباسات من هيرودوت‏Herodote ، و بوليب‏Polybe ، و بوسيدونيوس‏Posidonius و سيلاكس‏Scylax المزعوم و الذي لا بد أن يعود إلى القرن الأول.

أما الكتابات الأكثر جدية فهي لهؤلاء المؤلفين تحديدا فهذا هيرودوت يشير إلى التجارة الصامتة التي كان يمارسها القرطاجيون في جنوب المغرب الأقصى، و هذا مكمّل سيلاكس المزعوم (القرن الرابع قبل الميلاد) قد أمدّنا بدوره بمعلومات قيّمة عن العلاقات بين القرطاجيين و اللوبيين البربر، غير أن بوليب هو الذي يبرز مرة أخرى باعتباره المصدر الأكثر صدقا إذ تمدنا نتف من نصه التي وقع دسّها في بلين‏

____________

(1) بخصوص التحريفات التي نشأت عن طريق قراءة متحيّزة للنصوص، تعتبر كتابات العروي النقدية للهيستوريغرافيا الغربية جيّدة و" نافعة".

(2)R .Mauny ,0791 ,pp .78 -111 .

(3)

Ibid., p. 87; Tauxier, 2881, pp. 51- 73; G. Germain, 7591, pp. 502- 842.

240

القديم، بأسماء الأماكن الأولى التي تمّ تحديدها في العصر القديم، و لكن تتوقّف- هنا أيضا- المعلومات التي أمدّنا بها في حدود رأس جوبي، و من ثمّ لا بد من إكماله فيما يتعلّق بأرخبيل كناري باعتماد تقارير جوبا

Juba II

التي جمّعها كل من بلين، و سترابون و ديودور الصقلّي.

و لم يقم المؤرخون و الجغرافيون الآخرون في القرن الأول قبل الميلاد و بعده إلا بتجميع المؤلّفين السابقين باستثناء بعض التفاصيل.

و أخيرا استعاد بطليموس في القرن الثاني كل كتابات سابقيه معتمدا في ذلك بصفة خاصة على بوسيدونيوس‏Posidonius ، و ماران الصّوري‏Marin de Tyr . فدوّن في «جغرافيته» المعرفة الأكثر تقدّما التي حصلت في العصور القديمة عن حدود إفريقية (1). و فضلا عن ذلك أمكن لخريطة «ليبيا الداخلية» التي تركها لنا الجغرافي الإسكندري أن تبرز مساهمة المعلومات التي جمّعها الجيش الروماني أثناء حملاته الردعية فيما وراء اللّماس‏Limes إلى حدود فزّان مثل حملة بلبس‏Balbus سنة 19 ق. م، و حملة فلاكوس‏Flaccus سنة 70 م، و حملة ماترنوس‏Maternus سنة 86 م، و هي التي توغلت أكثر في الصحراء الليبية (2).

لقد بقيت أسماء لشعوب و مناطق من التاريخ القديم حيّة مثل موريطانيا، و ليبيا، و الغرامنتت‏Garamantes ، و الجيتول‏Getules ، و النوميديون، و الهسبريدHesperides إلى حدود النيجر، قدّمها بطليموس و أعادها ليون الإفريقي‏Leon L`Africain ، ثم أعادها الأوروبيون المحدثون. هذا هو واحد من إسهامات نصوصنا التي‏

____________

(1)

Yusuf Kamel, Monumenta, op. cit., t. II, pp. 611 et Suivant; R. Mauny. »L`ouest Africain chez Ptolemee« dans Actes de la II`conference Internaionale des Africainistes de L`ouest, Bissau, 4791

. (2) ماران الصوري‏Marin de Tyr و هو أحد مصادر بطليموس‏Ptolemee هو الذي أشار إلى ذلك.

Yusuf Kamel, op. cit., t. I, 6291, p. 37

.

241

أمدتنا باستثناء هذا بتصور القدامى لإفريقية أكثر ممّا أمدّتنا بالمعطيات الحقيقية. إن طفو بعض الإشارات على السطح يهمّ الصحراء الليبية و سواحل الصحراء الغربية، أما إفريقية السوداء الغربية فقد بقيت مهمّشة في كل هذه النصوص.

العصر الإسلامي الأوّل (حوالى 622- 1050 م)

نتج عن الفتح العربي و قيام الخلافة توحّد المجالات السياسية و الثقافية التي كانت مشتّتة قبل ذلك (الإمبراطورية السّاسانية، و الإمبراطورية البيزنطية)، كما نتج عن ذلك أيضا توسّع الآفاق الجغرافية للإنسان، و تحوّل تيارات التبادل، و اختراق شعوب ظلّت مجهولة إلى حد ذلك الوقت. فلا نستغرب إذن أن يكون لدينا- و لأول مرّة- معلومات أكثر دقّة عن العالم الأسود سواء كان ممتدا في الشرق أو في الغرب. ففي الوقت الذي اندمجت فيه كل من مصر و بلاد المغرب في كيان الإمبراطورية ثم في المجموعة الإسلامية، ظل العالم الأسود مجرّد منطقة تقع في مجال النفوذ الإسلامي، و من ثم تكون معلوماتنا عن هذا العالم مجزأة و مفككة، و هي في بعض الأحيان أسطورية و لكنها تبقى مع ذلك قيّمة.

و إذا ما استثنينا مصادر الأرشيف التي تواصل اعتمادها في مصر (برديات قبطية و إغريقية في أفروديت‏Aphrodite ، و برديات عربية من الفيوم و أشمونين‏ (1)، و أخيرا و في القرن العاشر، برزت بعض قطع الأرشيف الفاطمية). و تعتبر مصادر الأرشيف خاصية من خاصيات البلاد المصرية، كما تعتبر أغلبية مصادرنا الإخبارية بالمعنى الواسع أو

____________

(1) أعمال غروهمان‏Grohmann هي المعتمدة:

Arabic Papyri in the Egyptian Library, 5 vol, 4391- 9591; Ein Fuhrung und chrestomatie des Arabischen papyrus- Kinde, Prague, 5591.

قد درس‏H .Bell البرديات الإغريقية و القبطية. و بالنسبة إلى العقود الفاطمية انظر:

الشيال، مجموعة الوثائق الفاطمية، القاهرة، 1958.

242

غير المباشرة هي أمرا مشتركا بالنسبة إلى كل إفريقية. و هذه سمة واضحة فيما يتعلق بالكتابات الجغرافية و نراها أيضا في أغلب النصوص الفقهية، لذا يبدو من الملائم توخّي جردا حسب أنواع المصادر مع الإشارة إلى التتابع الكرونولوجي، دون أن تغيب عن أنظارنا البنية الجهوية.

المصادر الإخبارية

أ- ليس بحوزتنا أي مصدر إخباري سابق للقرن التاسع ميلادي، غير أن تناقل الأخبار مشافهة حدث منذ القرن الثامن في مصر باعتبارها المركز دون منازع إلّا بالنسبة إلى الساحل الشرقي من إفريقية المرتبط بعلاقات تجارية مباشرة مع جنوب العراق. و من ناحية أخرى جعلت خاصية الموقع الطرفي بالنسبة إلى مصر و بلاد المغرب و بالأحرى السودان، أن القرن التاسع الذي تطورت فيه الأسطريوغرافيا العربية، لم تحظ فيه هذه المناطق إلّا بمكانة ضعيفة في كتب التاريخ الكبرى‏ (1) (الطبري، و الدينوري، و البلاذري في أنساب الأشراف) التي ركّزت على المشرق، باستثناء كتاب أخبار ظل مجهولا إلى عهد قريب هو تاريخ خليفة بن خياط (2). فهذا الكتاب ليس فقط أقدم مصنّف للحوليّات العربية (توفي خليفة سنة 240 ه)، و لكنه حافظ على مادّة قديمة أهملها الطبري، و خاصة إشاراته عن فتح بلاد المغرب التي تمثل أهمية كبرى.

و بينما روايات مغازي المدينة طرحت فتح مصر و بلاد المغرب جانبا، حيث لم يرد منه سوى الأحداث البارزة و بصفة مقتضبة في كتاب فتوح‏

____________

(1) على أنه من المهم الإشارة إلى أنه يوجد من الإخباريين الأوائل، عمر بن شبّة الذي ترك لنا أقدم شهادة عربية تتعلق بالسّود، و قد نقل الطبري هذا النص في التاريخ، ج 7، ص 609- 614. و يتعلق الأمر بثورة «السودان» في المدينة سنة 145 ه/ 762 م، و هو ما يدل على حضور إفريقي قوي في العصر الإسلامي الأول، و لم تقع الإشارة إلى هذا النص إلى حد الآن.

(2) نشره العمري في النجف سنة 1965، و قدّم له أحمد صالح العلي.

243

البلدان للبلاذري، فإن فقيها مصريا خصّص له كتابا كاملا يعتبر الوثيقة الأكثر أهمية في القرن التاسع، و هو كتاب فتوح مصر و المغرب‏ (1) لابن عبد الحكم الشبيه بكتب الأخبار أو المغازي التي هي في الحقيقة مصنفات لروايات فقهية لها صلة بالتاريخ‏ (2).

ب- بعد قرن من الصّمت‏ (3) (850- 950 م)، ظهر كتاب أساسي، لا يبدو أنه تم استغلاله في جميع الأبعاد و هو كتاب ولاة مصر و أخبارها للكندي (ت 961 م)، و هو كتاب تراجم و ليس مصدر أخبار، غير أنه يمكن دمجه في هذا الصنف، لا لأنه يحتوي على معطيات دقيقة و مباشرة عن مصر فحسب بل بحكم الروابط الأولى التي ربطت هذه الولاية ببلاد المغرب في القرن الثامن ميلادي‏ (4).

و قد كان القرن العاشر هو قرن الإسلام الإسماعيلي و الإسلام الإفريقي بالدرجة الأولى، و لذلك يجب العودة إلى الكتابات الشيعية مثل سيرة الحاجب جعفر، و خاصة إلى افتتاح الدعوة للقاضي النّعمان، و هو كتاب أساسي لا يتضمن الكثير من التواريخ، و لكنه ثريّ جدا بالمعلومات‏

____________

(1) نشره طورّي‏Torrey سنة 1922، و ترجم غاطوGateau جزءا منه، و أعاد عامر نشره في القاهرة سنة 1961. و فيما يتعلق بالتحفظات التي لا بد من اتخاذها عند استعماله انظر روبير برانشفيك:

R. Brunschvig, »Ibn Abdal Hakam et la Conquete de L`Afrique du Nord«. Annales de L`Institut d`Etudes Orientales d`Alger, VI, 2491- 74

. و هي دراسة مفرطة في النقد غير أنها لم تنقص في نظرنا من أهمية هذا النص الجوهري بالنسبة إلى مصر و المفيد بالنسبة إلى إفريقية و المهم بالنسبة إلى عالم السّود و اتصالات عقبة المحتملة مع فزان و التي أنكرها برانشفيك في مقال آخر، و كذلك الاتفاق الشهير المعروف ب «البقت» مع النّوبيين.

(2) لا يوجد شي‏ء مهمّ يمكن استخراجه من عبيد اللّه بن صالح المجمّع المتأخر الذي اكتشفه و نوّه به ليفي بروقنسال. انظر:Arabica ,4591 ,pp .53 -24 ، على أساس أنه مصدر جديد عن فتح المغرب، و قد اتبع موني‏Mauny حكم ليفي بروفنسال في‏Tableau ,op .cit .,p .43 و لم يهتم موني كثيرا بالنقد الدقيق في تحليله المثابر و الشامل للمصادر العربية.

(3) باستثناء بعض المصادر الإخبارية المهمة و المجهولة المؤلفين مثل الإمامة و السياسة، القاهرة، 1904 و المنسوب لابن قتيبة و الأخبار المجموعة، مدريد، 1867.

(4) نشره غيست‏R .Guest سنة 1912، و أعيد نشره في بيروت سنة 1959.

244

على بدايات الحركة الفاطمية (1).

ج- عرف النصف الأول من القرن الحادي عشر، تحرير كتاب تاريخ الرّقيق الذائع الصّيت (ت 1028 م). و هو مصدر أساسي. و اعتبر هذا الكتاب مفقودا غير أن القسط الأكبر منه أورده المجمّعون اللاحقون مثل ابن العذاري، و قد اكتشف المغربي المنّوني مؤخّرا قطعة منه تخص العهد الإسلامي الأول في إفريقية، نشرها المنجي الكعبي في تونس (1968) دون أن نكون متيقنين من صحة نسبتها إلى الرقيق‏ (2).

في كل هذه المصادر الإخبارية، تبقى المكانة المخصّصة لإفريقية السوداء طفيفة جدا، و تفرض- فضلا على ذلك- على المؤرخ نقدا دقيقا و مقارنة دائمة بين معطياتها، و كذلك بينها و بين معطيات ذات أصول مختلفة، خاصة و أن مؤرخ بلاد المغرب و مصر لا يمكنه التوقّف عندها بل يلزمه ضرورة أن تكون له معرفة معمقة بالمشرق، لأن ملازمته لهذه المصادر تفرض عليه أن يكمّلها بملازمة معمقة لمصادر الأخبار المشرقية الكلاسيكية.

المصادر الجغرافية

أصبحت هذه المصادر مهمّة و متعدّدة منذ القرن التّاسع سواء كان منها الذي ينتمي إلى جنس الكرتوغرافيا من نوع صورة الأرض التي أوضحها الخوارزمي، أو إلى الجغرافيا الإدارية، أو إلى صنف المسالك و البلدان أو إلى مجرّد أدب الرحلة الروائية تقريبا. توضّح الكتابات الجغرافية العربية رغبة في التصوّر الشامل للمعمورة(l`oekumere) . فلا غرابة إذن في أن إفريقية السوداء وقع تمثلها في هذا النوع من المصادر، فأصبحت العنصر الأساسي في معرفتنا لإفريقية هذه.

____________

(1) نشره في تونس فرحات الدّشراوي و نشر في بيروت أيضا.

(2) رفض محمد الطالبي تماما نسبة هذه القطعة إلى الرّقيق في‏Arabica ,T .XIX ,Fasc .1 Paris ,2791 ,p .68 -69 دون أن يعتمد حجّة مقنعة، لذلك فإن الشكّ يبقى قائما.

245

إن المصنّف الشامل الذي أنجزه كل من كوبل‏Kubbel و ماتفيف‏Matveiev (1)، و الذي يتوقّف في حدود القرن الثاني عشر، يبيّن أنه على الأربعين مؤلّفا التي وقع ذكرها، يوجد واحد و عشرون جغرافيا كانت مؤلفاتهم الأكثر ثراء من ناحية المادة، و لكن لا يمكن الاستفادة من هذه المصادر استفادة حقيقية دون القيام بعمل نقدي مسبق.

و يجب على مؤرخ إفريقية السوداء أن يحوّل المؤلفات الجغرافية العربية إلى إطارها الثقافي الخاص، فإلى أيّ مدى مثلا يمكن أن ينطبق هذا الوصف على الواقع الحقيقي، و إلى أي مدى آخر لا يمثل فيه هذا الوصف سوى مواضيع مبتذلة للأدب بمختلف مركّباته؟ و ما هو نصيب الإرث الإغريقي و الإرث الإيراني، و التقليد العربي الخاص، و ما هو نصيب تدخّل المجمّعين و نصيب الملاحظة الحسية؟

و لكن إلى جانب ذلك لا بد من تسليط النقد الداخلي على هذه النصوص، أي انطلاقا من المعرفة المعمقة لتاريخ إفريقية مع الاحتراز من قراءة هذا التاريخ اعتمادا فقط على المصادر الجغرافية بالأساس‏ (2). و لكن لا يمكن قبول وجهة النظر الإيديولوجية البحتة للذين- و بحكم كرههم للإسلام- أو بحكم نظرتهم الإيديولوجية إلى هوية إفريقية منطوية على ذاتها البحتة فيرفضون النظر في المصادر الإسلامية على أنها أجنبية (3) من مجموعة الجغرافيين الذين أعطوا

____________

(1)L .Kubbel et V .Matveiev ,0691 ؛ انظر أيضا:J .Cuoq .

(2) انظر في هذا الصدد الموقف النقدي المتشدد ل ج. فروبنيوس‏J .Frobenius ، و كذلك موقف ج. روش‏J .Rouch في:

Contribution a L`histoire des Songhay, Dakar, 3591

، و الذي يشهّر خاصة بالتحريف الإيديولوجي للكتب الإخبارية السودانية.

(3) صحيح أن هذه النصوص تنطبق خاصة على الحزام السّوداني، و لذلك فإن القراءة الأحادية الجانب للمصادر العربية دون اللجوء إلى علم الآثار يمكن أن تؤدي إلى تمشّ خاطئ، غير أنه من الخطأ القول بأن المؤلفين العرب تنقصهم الموضوعية. أما أن نلومهم على أن كتاباتهم تختص بالتجزئة و الاضطراب، فمعنى هذا التخلي عن وجهة نظر المؤرخ المحض، للأخذ بوجهة نظر مؤرخ الأدب. و توجد أحكام دقيقة عند ليقيتسيون‏N .Levtzion ، و كذلك من المستحسن الرجوع إلى مداخلة هربك‏I .Hrbek في المؤتمر

246

مكانة لإفريقية من منتصف القرن التاسع إلى منتصف القرن الحادي عشر- و هم معنيون تقريبا كلهم بهذا الأمر- البعض منهم فقط أتوا بمعلومات أصلية و جدية مثل ابن خرداذبة (ت 890 م)، و اليعقوبي (ت 897 م)، و المسعودي (ت 965 م)، و ابن حوقل (ت 977 م)، و البيروني (ت 1048 م) (1).

لقد زار اليعقوبي مصر و بلاد المغرب و ترك لنا عنهما لوحة خصبة.

و سواء تعلّق الأمر بتاريخه أو بلدانه‏ (2)، فقد أمدّنا اليعقوبي بمعلومات متعددة عن عالم السود: أثيوبيا، و السودان، و بلاد النّوبة، و البجّة و الزنج. ففي بلاد السودان ذكر شعب الزّغاوة من" كانم"، و وصف مساكنهم، و وصف مملكة غانة العظيمة، و في هذا الصدد تعرّض لمشكل الذهب، كما تعرض لمشكل العبيد عند ما تحدث عن فزّان. أما مسالك‏ (3) ابن حوقل فهي أكثر تفصيلا، فهو زار بلاد النّوبة و ربما السودان الغربي، و تكمن قيمة وصفه خاصة في الفكرة التي يعطيها عن العلاقات التجارية بين بلاد المغرب و السودان. و قد أمدّنا معظم جغرافيي القرن العاشر بمعلومات عن إفريقية السوداء مثل ابن الفقيه الذي أمدّنا بمعلومات عن غانة و كوكي، و الرّحالة بزرج بن شهريارBuzurg Ibn Shariyar عن الساحل الشرقي لإفريقية و بلاد الزنج، و المهلبي الذي احتفظ لنا في كتابه بمقاطع من الأسواني. و في النهاية نشير إلى أن مروج الذهب‏

____________

العالمي الثاني عشر للعلوم التاريخية في فيينا(Actes ,pages 113 et suiv .) و انظر أيضا:

T. Lewicki, Perspectives nouvelles sur L`histoire africaine, Compte rendu de Dares- Salaam, 1791; et Arabic external sources for the History of Africa to the South of the Sahara, 9691, Wroclaw.

(1) انظر بريد اليونسكو، جوان 1974.

(2) نشر في المكتبة الجغرافية العربية، م‏

Bibliotheca geographorum arabicorum De Goeje, VII

مثل معظم الجغرافيين العرب. إن ترجمة فيست‏G .Wist بعنوان «كتاب البلدان» مفيدة و لكنها ليست دقيقة دائما.

(3) كتاب المسالك و الممالك، ب- ج- أ، كوبل و ماتفيف‏Kubbel et Matveiev II ، م. س، ص 33 و ما بعدها.

247

للمسعودي، كان ثريا جدا بالمعلومات عن الزنج و الساحل الشرقي.

و قد لفتت هذه النصوص مبكرا انتباه المختصّين الإفريقيين و المستشرقين مثل دلافوص‏Delafosse ، و تشرولي‏Cerulli (1)، و كرامرس‏Kramers (2)، و موني‏Mauny (3).

المصادر الفقهية و الدينية

لقد مثّلت المعاهدات القانونية و رحلات المناقب في كتب الطبقات منذ مدوّنة سحنون إلى حدود مؤلفات الخوارج ذخيرة من المعلومات عن بلاد المغرب، يعتمد بعضها للمنطقة الصّحراوية المتّصلة بإفريقية السوداء. إن أخبار الأئمة الرستميين بتاهرت لابن الصّغير (بداية القرن العاشر) (4) يخوّل لنا تأكيد وجود الروابط التجارية بين الإمارة الإباضية و" غاو"، و ذلك منذ القرن الثامن، كما يخوّل بعد إكماله بما وقع تجميعه في كتب لا حقة مثل سير الوسياني، بتوسيع هذا الأمر على كامل التخوم الصحراوية لإفريقية الشمالية، غير أن هذه المصادر المناقبية لا تعطي المعلومة و إنما تكتفي بالتلميح إليها، كذلك وجب أن تقرأ في إطار إشكالية محددة مسبقا و أن تقارن دائما بأنواع أخرى من المصادر، و هي لا تسمح في رأينا ببناءات و استنتاجات بالجرأة التي قترحها ليفيسكي‏Lewicki .

العصر الإسلامي الثاني (1050- 1450 م)

ما يميّز هذه الفترة الطويلة هو ثراؤها بالمعلومات النوعية

____________

(1)

Documenti Arabi per la Storia dell Ethiopia, 1391

. (2)Djughrafiya ,Encyclopedie de L`Islam :؛ وصف إيرتريا في مصدر عربي للقرن العاشر:

Atti del XIX Congresso degli Orientalisti, Rome, 8391

. (3) إنّ الفصل الأوّل من كتابه هو جرد منسّق للمصادر الجغرافية.

(4) نشر في:

Actes du XIV Congres international des orientalistes( 3 ` partie ), 8091

، و دراسة ليفيسكي:T .Lewicki ,XIII ,1791 . ص 119 و ما يتبعها.

248

و المتنوعة. لقد صارت وثائق الأرشيف- التي ظلت ثانوية بالمقارنة مع المصادر «الأدبية»- مع ذلك مهمة مثل وثائق الجنيزة و الرسائل المرابطية و الموحديّة و عقود الوقف و الفتاوى، و الوثائق الإيطالية، و الأوراق الرسمية المودعة في المجموعات الإخبارية الكبرى. و أنتج الإخباريون مصنّفات من الطراز الأول اكتسبت قيمتها من مشاهدة الأحداث المعاصرة لهم مثلما اكتسبتها من إعادة نسخها للمصادر القديمة المفقودة.

و أخيرا و فيما يتعلّق بإفريقية السوداء، فقد بلغت معرفتنا عنها أوجها في الوقت الذي ظهرت معه المخطوطات الأثيوبية و هي وثائق إفريقية جديدة.

وثائق الأرشيف‏

لها قيمة بالنسبة إلى مصر و بلاد المغرب فقط.

أ- لدينا حاليا وثائق الجنيزة المتعلقة بالقاهرة، و التي تغطّي كامل الفترة التي تعنينا بالدرس، و مع ذلك فإن أغلبها يتعلّق بالعهد الفاطمي، و لا ينتمي إلا البعض منها فقط إلى عهد المماليك. و تمثل هذه الوثائق خليطا من الأوراق العائلية و المراسلات التجارية التي تعكس اهتمامات الجالية اليهودية بمصر و غيرها، و يستدعي استعمالها اتخاذ العديد من الاحتياطات الفنية، غير أنها على حالها تلك تمثل ذخيرة لا تنضب من المعلومات‏ (1).

____________

(1) يجوز اعتماد أعمال س. د. غويتن‏S .D .Goitein في مقال:

»Geniza« in: Encyclopedie de L`Islam, 2 ` ed; The Cairo Geniza as source for mediterranean Social history, Journal of the American Oriental Society, 0691

. و بدأ غويتن في نشر دراسة مهمة جدا عن مصادر الجنيزة:

A Mediterranean Society: The jewish Communities of the Arab World as Portrayed in the Documents of the Cairo Geniza, Vol. I, Economic foundations, Berkley, Los Angeles, 7691; S. Schaked, A tentaive bibliography of Geniza documents, Paris, La Haye, 4691; H. Rabie, 2791, pp. 1- 3.

يوجد عدد كبير من هذه الوثائق في المتحف البريطاني و في كامبردج.

249

و يمكن أن نرتب في نفس الصّنف- الوثائق الأرشيفية الخاصة- و هي عقود الوقف الكثيرة بالنسبة إلى عهد المماليك و المحفوظة بمحكمة الأحوال الشخصية بالقاهرة (1)، و كذلك و من دون شك، فتاوى العهد الحفصي.

ب- و على العكس من ذلك، و بين المجال الخاص و المجال العمومي، كانت وثائق الأرشيف المتعلقة بمصر و بلاد المغرب و التي تعود إلى القرن الثاني عشر و الثالث عشر و الرابع عشر ميلادي، و الموجودة في البندقية و جنوة و بيزا و برشلونة، قد وقع الحفاظ عليها في الأرشيف العمومي و الأرشيف الخاص. و هي تتألف من معاهدات و عقود و رسائل تهتم عادة بالعلاقات التجارية، البعض منها فقط نشره أماري‏Amari و ماس لاتري‏Mas -Latrie (2)، و هي توفر في مجموعها مادة وثائقية قابلة لتوسيع مجال البحث في حقل التاريخ الاقتصادي و الاجتماعي.

ج- و ليس لدينا تحديدا وثائق دولة تخص هذه الفترة، و لكن توجد قطع رسمية مرابطية و موحدية، حفظت و نشرت فألقت أضواء جديدة على الإيديولوجيا و المؤسسات التي أفرزتهما هاتان الحركتان الإمبراطوريتان‏ (3).

و في هذا الصّدد، يذكر العروي: «بدأنا نعرف الموحّدين من الداخل، و لذلك فإن التاريخ الديني و السياسي لهذه السلالة لم يعد مستحيل الكتابة» (4). و في عهد أكثر تأخرا تعترضنا في مصر موسوعات‏

____________

(1)Rabie ,2791 ,pp .6 -8 et 002 .

(2)

Amari, I Diplomi arabi del R. Archivio Fiorentino, Florence, 3681; Mas- Latrie, Traites de paix et de commerce et documents divers concernant les relations des Chretiens avec les Arabes d`Afrique Septentrionale au Moyen Age, Paris, 6681, Supplement 2781

. (3) رسائل رسمية مرابطية، نشرها ح. مؤنس وأ. م. مكّي؛ سبع و ثلاثون رسالة موحدية نشرها و ترجمها ليفي بروفنسال؟؟؟، الرّباط، 1941؛ البيدق، رسائل غير منشورة عن التاريخ الموحدي، نشرها و ترجمها إلى الفرنسية ليفي بروفنسال؟؟؟، باريس، 1928.

(4)A .Laroui ,0791 ,p .261 .

250

تاريخية فقهية جمّعت الكثير من الوثائق الرسمية مثل الوصف المدقق الذي تمدّنا به لهياكل جبائية و مؤسساتية لمصر. يمكننا- في هذا النوع من الوثائق النصف أرشيفي النصف إخباري- ترتيب «قوانين الدّواوين» للممّاتي (العصر الأيوبي) و «المنهاج» للمخزومي، و صبح الأعشى للقلقشندي (القرن الرابع عشر) و مؤلّفات المقريزي المتعدّدة و منها خططه التي لا تقدّر قيمتها (القرن الخامس عشر) (1). و يمثل المقريزي مصدرا قيما لا فقط بالنسبة إلى كامل تاريخ مصر الإسلامية، و لكن أيضا بالنسبة إلى بلاد النّوبة و بلاد السودان و أثيوبيا (2).

المصادر الإخبارية

أ- الأخبار، بعد قرن من الصّمت و هو القرن الثاني عشر ميلادي الذي لم يعترضنا خلاله إلّا كتاب" الاستبصار" لمجهول، و مؤلفات صغيرة، يمدّنا القرنان الثالث عشر و الرابع عشر بحصاد ثري من المؤلفات الإخبارية من كل النواحي ابتداء من الكامل لابن الأثير، وصولا إلى كتاب العبر لابن خلدون، مرورا بابن العذاري و النويري، و ابن أبي زرع، و الذهبي. لقد مثّل كل هؤلاء شهود عيان على أزمنتهم و إلى جانب ذلك، قاموا بمجهود تأليفي فيما يتعلّق بالقرون السابقة، فالنويري بقدر ما هو مهم بالنسبة إلى المماليك، هو كذلك بالنسبة إلى فتح بلاد المغرب‏ (3)، و أهمية ابن العذاري بالنسبة إلى التاريخ الموحدي هي مماثلة لأهميته بالنسبة إلى كامل ما في إفريقية، و أخيرا يعتبر ابن‏

____________

(1)Rabie ,2791 ,pp .01 -02 .

(2) أمدّنا كتابه «الإلمام» بقائمة ممالك المسلمين في أثيوبيا، التي أخذها في الحقيقة عن العمري. و قد نشرت منها خلاصة في ليدن سنة 1790 بعنوان:Historia regum islamicorum in abyssinia .

(3) لكن هذا الجزء ما زال مخطوطا في المكتبة الوطنية بالقاهرة. و نشير إلى أن ابن شدّاد الذي كتب تاريخ القيروان المفقود حاليا يعتبر أهم مصادر ابن الأثير و النّويري. و أمدّنا مؤخرا كتاب العيون لمؤلف مجهول الذي نشره ع. السعيدي بدمشق بمعلومات مفيدة عن بلاد المغرب.

251

خلدون سلطة عليا في ميدان تاريخ إفريقية.

ب- الجغرافيا: كانت المؤلفات الجغرافية غزيرة خلال هذه القرون الأربعة، و تتفاوت قيمتها فيما بينها كما تتفاوت حسب المنطقة المعنية.

و من مجموعة الجغرافيين، يتميّز جغرافيان بسعة اطلاعهما وجودة ملاحظاتهما و هما البكري (ت 1068 م) في القرن الحادي عشر، و العمري (ت 1342 م) في القرن الرابع عشر. و إذا كان مؤلّف الإدريسي الذائع الصيت قابلا للنقاش و الانتقاد، فإنه يمكننا تجميع معلومات طريفة من المؤلفات الجغرافية الأقل شهرة مثل كتاب ابن سعيد الكثير الأهمية بالنسبة إلى بلاد السودان‏ (1). و يمثل كتاب المسالك و الممالك‏ (2) للبكري أوج معرفتنا الجغرافية عن بلاد المغرب و بلاد السودان. فالبكري نفسه لم يزر هذه الأصقاع، غير أنه استغل بذكاء ما دوّنه" الورّاق" المفقود حاليا، كما اعتمد على أخبار التجار و الرحالة. و قد أخذ «كتاب روجار» للإدريسي (1154)، الذي هو بصدد الطبع في إيطاليا الكثير عن سابقيه.

و إذا كان وضعه مرتبكا عند تطرقه إلى أثيوبيا، فإنه يصبح دقيقا فيما يتعلق بإفريقية الغربية، و مع ذلك يتسرّب فيه هنا و هنالك إشارات طريفة و في بعض الأحيان ثمينة.

و تأخذ جغرافية ابن سعيد الغرناطي (ت. قبل 1288 م) عن الإدريسي في وصفها لأثيوبيا، كما نجد فيها معلومات جديدة، غير أن فائدتها المهمة تكمن في وصفها لبلاد السودان الذي يعود في معظمه إلى كتابات رحالة من القرن الثاني عشر هو ابن فاطمة. و يمثل كتاب مسالك الأبصار (3) للعمري، الكتاب الرئيسي بالنسبة إلى المؤرخ خلال القرن‏

____________

(1) بالنسبة إلى قائمة الجغرافيين الكاملة انظر كوبل و ما تقيف‏Kubbel et Mativeiev مع إكمالها بالباب الأول من كتاب ر. موني‏R .Mauny ، 1961 و بملخّص ليفيسكي‏T .Lewicki و بمقدمة أطروحة ميكال‏A .Miquel ، 1967.

(2) نشره و ترجمه دي سلان‏De Slane تحت عنوان:

Description de L`Afrique Septentrionale, Paris, 1191

. (3) ترجمه جزئياM .Gaudefroy -Demombynes بعنوان:L`Afrique moins L`Egypte ,Paris 7291 .

252

الرابع عشر، و هو يمثل شهادة ملاحظ من الطراز الأول، و لذلك فهذا الكتاب هو مصدرنا الرئيسي في دراسة مملكة مالي في تنظيمها الداخلي و كذلك في علاقاتها مع مصر و الإسلام، و هو يمثل لدينا أيضا العرض العربي الأكثر ثراء عن الدول الإسلامية في الحبشة خلال القرن الرابع عشر، و علاوة على أهمية وضعه، يطرح كتاب العمري مشكل ظهور الدولة في بلاد السودان و مشكل الأسلمة، كما تعرّض البكري قبله بثلاثة قرون إلى مشكلة تجارة الذهب الكبرى. و يشير هذا الأخير إلى عمق الروابط بين بلاد المغرب و بلاد السودان، بينما يشير الأول إلى تحوّل هذه الروابط نحو مصر. و يكمّل كتاب العمري بكتاب ملاحظ مباشر للواقع السوداني و المغربي هو ابن بطوطة.

على أنه لا بد من الرجوع إلى الجغرافيين الأقل أهمية و مصنفي الرحلات المتعددين و نذكر منهم الزّهري (القرن الثاني عشر). و ياقوت و الدمشقي (القرن الرابع عشر)، و الجغرافيا المنعوتة «بالمظفرية»Mozhafferienne و ابن جبير، و البغدادي، و العبدري، و التيجاني، و البلوي، و الحميري.

ج- مصادر ذات روح دينية و أدبية: تتأتى المصادر الدينية من آفاق متنوعة، نذكر منها كتب الطبقات و السير السنية و الخارجية و الطرقية و حتى المسيحية (المتأتية من المجموعة القبطية). و نذكر أيضا مصادر الكنائس الأثيوبية التي نقلت في حواشيها وثائق رسمية.

و تبدو كل هذه الكتابات مفيدة، ليس فقط لمعرفة تطوّر الشعور الديني و العالم الديني، و إنما أيضا لمعرفة العالم الاجتماعي، فكتاب الرياض للمالكي مثلا أو كتاب المدارك لعياض يوجد بهما الكثير من الإشارات السوسيولوجية المتفرقة أثناء العرض. و نعرف أن المصادر الخارجية هي أساسية بالنسبة إلى كامل المنطقة الصحراوية لبلاد المغرب، منطقة الاتصال مع العالم الأسود. و أبرز الممثلين لهذه المصادر هم الوسياني، و الدّرجيني، و أبو زكرياء، و حتى الشماخي و هو مؤلّف‏

253

متأخر. و أخيرا توضّح المادة المصدرية باللغة العربية و القبطية و التي أنتجتها الكنيسة المحلية في مصر الوسيطية، العلاقات بين الكنائس و العلاقات بين التراتبية الكنسية و الدولة (1). و كانت المصادر الأدبية تحديدا متعددة بالنسبة إلى هذه الفترة و هي تكاد تقتصر في اهتمامها على بلاد المغرب و مصر. و لا بدّ من إعطاء مكانة على حدة في هذا الصنف لكتاب رأس العين للقاضي الفاضل و خاصّة لمعجم الصفدي الوافي بالوفيات.

هكذا تبدو وثائقنا فيما يتعلّق بالعصر الإسلامي الثاني غزيرة و متنوعة و ذات نوعية جيدة بصفة عامة و هو ما يتناقض مع الفترة السابقة في إفريقية الإسلامية تحديدا. و تلقي هذه الكتابات ضوءا ساطعا على تسيير المؤسّسات و حركة التاريخ العميق، فهي لا تكتفي بمجرد رسم الإطار السياسي. فيما يتعلق بإفريقية السوداء يمثل القرن الرابع عشر أوج معرفتنا في انتظار أن تخوّل لنا الوثائق الأوروبية و الوثائق الأهلية تعميق هذه المعرفة و توسيع حقل اهتمامها إلى مناطق بقيت إلى حد الآن في الظل.

خاتمة

من الخطأ الاعتقاد أن حالة المصادر المكتوبة في القارة الإفريقية قبل القرن الخامس عشر كانت بدرجة الفقر المؤدّي إلى اليأس، لكن حقيقي أنّ في الجملة كانت إفريقية أقل حظا من أوروبا و آسيا.

فإذا كان قسم كبير من القارة يفتقد تماما إلى المصادر المكتوبة، فإن المعرفة التاريخية بالنسبة إلى القسم الباقي ممكنة و ترتكز- بالنسبة إلى‏

____________

(1) مؤلفات آباء الكنيسة الشرقيةPatrologie Orientale ، و هي مجموعة أساسية، و من بين المؤلفات التي تعنينا نذكر مؤلفات سيفار الإسكندري‏Severe d`Alexandrie (القرن الأوّل) و ابن مفرح (القرن الحادي عشر) المهمة بالنسبة إلى أثيوبيا؛ و كتاب سير الآباء البطارقة؛ انظر أيضا ميشال السوري‏Michel Le Syrien ، و قد نشره و ترجمه شابوChabot ، 3 مجلدات، 1899- 1910.

254

مصر- على مادة مصدرية ثرية بشكل خاص. و هو ما يعني أن استغلالا صارما و محكما لهذه النصوص- نظرا لغياب اكتشافات محتملة- يمكن أن يأتي دائما بالكثير، لذلك لا بد من التّعجيل إذن بالانغماس في عمل كامل لنقد النصوص و إعادة نشرها و مقارنتها بنصوص أخرى، و هو عمل كان بعض الرّواد قد شرعوا فيه بعد و لا بد من متابعته.

من ناحية أخرى، إذا كانت مصادرنا قد كتبت في إطار الثقافات «العالمية» و التي تتموقع بؤرتها خارج إفريقية- الثقافات الكلاسيكية و الثقافة الإسلامية- فإن لها مزيّة كونها في معظمها مشتركة، مما يمكنها إذن من أن تقرأ من منظور إفريقي، و لكن مع ملازمة الحذر الضروري إزاء كل الافتراضات الإيديولوجية المسبقة، و يصحّ هذا خصوصا على المصادر العربية التي ظلّت القاعدة الأساسية لمعرفتنا. و لا ينقص طابعها الخارجي نسبيا أو في المطلق بالنسبة إلى موضوعها من قيمتها، إن لم يكن هذا بفعل المسافة. إذا كان لا بدّ من الاعتراف بالفوارق الاجتماعية و الثقافية إذن، فإن هذه المصادر يبقى لها فضل إبراز التضامن في الاتّصال الإفريقي و هو أمر ما زال لم يتحسس إليه إلى حد الآن علماء الإسلاميات و الإفريقانيون.