تعريب‏ تاريخ سجستان

- مجهول المزيد...
349 /
51

فى هذه الأرض و فى هذا الزمان أكبر عندى و أعلم و أنا بهذا أعلم قالوا يا إلهى العظيم لا نرى أحدا يذكرك على الدوام فى الأرض إلا نورا و هو تلك الوديعة التى عند أحد من أولاد إسماعيل (عليه السلام). فقال الجبار جل جلاله: اشهدوا يا ملائكة لقد اخترته ببركة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) و قربته. و قد فتح له الحرم و مكة و العرب كلها و جاء منه مالك. و قالوا له مالك حيث إن العرب جميعا كانوا تحت إمرته و جاء فهر من مالك. و من فهر لؤي، و من لؤى غالب و من غالب كعب، و من كعب مرة و من مرة كلاب و من كلاب قصى و سمى قصيّا لأنه طرح الباطل بعيدا و قرب الحق و هو الذى عمل أحكام العرب و جاء من قصى عبد مناف و كان له شرف عظيم حيث إن ملوك الأرض جميعهم أرسلوا إليه الهدايا و الرسل و كان معه لواء نزار و قوس إسماعيل و سقاية الحاج و مفاتيح الكعبة، و كان له خمسة أبناء و تسع بنات، و أول أبنائه كان هاشم و سموه هاشم لأنه هو أول من وضع الثريد و وضع المائدة للعالم كله. و قد أحضر هاشما هذا النور و قبل الوصية. و كانت كل أمهاتهم إلى قرب حضرة الرسول طاهرات حرائر، و كلهن قبلن العهد و وفين به و كان لكل منهن صداق عظيم لا يقل عن ألف دينار و كان أكثر، و يقول الأقدي: إن اللّه تعالى اختار هاشما و طهره و عرف الملائكة أن طهرت هذا العبد من كل شي‏ء.

و قد أثر فيه هذا النور بحيث كان فى جبينه مشرقا كأنه هلال بدر أو كوكب درى.

بحيث لم يشاهد مثل هذا إنس و لا جن إلا سجد، و وصل خبره تجاه قسطنطين قيصر الروم، فأرسل إليه رسولا قائلا له إن لدى فتاة ليس فى الشرق و لا فى الغرب سواها و أنا أزوجك إياها، إلا أنه رفض، و بسبب هذا النور العظيم لم يتزوج حتى أظهر اللّه له فى الرؤيا أن يتزوج سلمى بنت زياد بن عمرو بن لبيد بن خداد بن عدى بن النجار فتزوجها و كانت من حرائر العرب كما كانت خديجة بنت خويلد فى عهد الرسول (عليه السلام)، و كانت بكرا و عاقلة و ذات جمال و كمال و جاء منها عبد المطلب و كان هاشم نائما فاستيقظ، و رأى حلة من الجنة فارتداها، و زين المهد بحلل الجنة و رأى عبد المطلب هذه العفيفة فى المهد و قد كحلت عين أمها

52

و ابنها و طلاها بزيوت لم ير مثلها قط فتعجب فأخذ حلة و مضى إلى (كهنة) قريش و قص عليهم القصة، فقالوا: إن اللّه تعالى أمر أن تزوج هذا الرجل العظيم و سوف يصبح عظيما. و زوجوه قيلة بنت عمرو بن عاجر و أصبح عظيما و قبل العهد و جاء له الحارث و ماتت هذه الزوجة و تزوج هند بنت عمرو ثم حان أجل هاشم فقال لعبد المطلب اجمع أبناء النضر عندى عبد شمس، و مخزوم، و فهر، و لؤى، و غالب. و هاشم ما عدا أم عبد المطلب ..؟ و كان عبد المطلب فى ذلك الوقت يبلغ الخامسة و العشرين و كان أجمل و أعقل أهل الدنيا، و لم يستطع أحد فى الدنيا أن يساجله (يفعل مثله) لما له من هيبة و شجاعة و يشم منه رائحة أجمل من رائحة المسك و الكافور و العنبر، و تألق نور المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) فى غرته، و عند ما رأى هاشم هذا النور و قد اجتمعت قريش كلها قال: اعلموا أنكم مخ ولد إسماعيل و قد اختاركم اللّه عز و جل و جعلكم خاصته، و أنتم سكان الحرم و سدنة بيته و أنا اليوم رئيسكم و سيدكم و لواء نزار و قوس إسماعيل (عليه السلام) فى يدى و سقاية الحاج و مفاتيح الأصنام و حماية و حراسة كل هذه الأشياء التى ذكرتها لكم أودعتها عند عبد المطلب و جعلته سيدكم. و كان لعظماء هذه الدنيا كلها خبر عن هذا النور و كانوا يؤمنون به و يرسلون الهدايا. و بما أن المطر لم يسقط على مكة فذهب السادة و العظماء و اجتمعت قريش، و مضوا إلى عبد المطلب حيث جبل ثبير، فدعى فأرسل اللّه تبارك و تعالى المطر فى الحال، و كانت عجائب كثيرة له (و كانت له عجائب كثيرة) بفضل نور المصطفى (عليه السلام).

53

فى قصة أبرهة الصباح‏ (1) مع عبد المطلب الذى كان أول من قدم مكة

حينما قدم أبرهة فى المرة الأولى، و قصد تخريب مكة، قال عبد المطلب لعظماء العرب لا ينبغى شغل القلب بهذا الأمر، إنه لا يستطيع أن يخرب هذا لأن له ربا قديرا لا يدعه يصنع هذا و هو يحفظ هذا البيت. ثم جاء أبرهة حتى نزل بالقرب من هذا الحرم و ساق جمال المكيين و خرافهم و كان فى وسطهم أربعمائة جمل أحمر لعبد المطلب، و عند ما عرف الخبر جلس مع جماعة من عظماء قريش، و عندما وصل إلى جبل ثبير، و ذلك النور يظهر على جبين عبد المطلب، و عندما سطع نور القمر و من هناك أشرق على مكة، فتعجب عظماء قريش من هذا فقالوا:

عاد هذا النور و لم يشرق قط على مكان إلا ظفر، و عاد و أشرق على مكة فعادوا من هناك، و بلغ الخبر أبرهة بأن رؤساء قريش قدموا و رجعوا فغضب، و كان له قائد و معه ألف فارس يسمونه حباطة الحمير (2) فأرسله قائلا: امض و احضر لى عبد المطلب فجاء و دخل مكة، و لما رأى عبد المطلب و على جبينه هذا النور خاف و ارتعب و ذهب عقله، و لما عاد إلى وعيه قال حقا إنك سيد قريش ثم سجد له و قال يقول الملك أبرهة: إنك جئت ثم رجعت فما السبب؟ و الآن يعمل الفضل و نحن فى ألم حتى نشاهده فركب عبد المطلب مع رؤساء قريش و مضى، و لما دخل فى وسط الجيش و مضى إلى الرسول مع الحاجب إليه حتى دخلا على الملك و قال ها هو ذا سيد قريش قد جاء، و عندما رآه أبرهة قال لا ينبغى تعريف هذا السيد فإن كل من يراه يوقن أنه السيد بهذا النور الكبير، ثم وقف و أمسك بيد عبد المطلب و رفعه إلى العرش و أجلسه و كان ينظر إليه باستمرار، فعاد ثم قال يا عبد المطلب كان هذا

____________

(1) قال الجوهرى فى الصحاح (أبرهة بن الصباح أيضا ملك اليمن كان عالما جادا) أبرهة الأشرم من ملك اليمن ابن يكم صاحب الفيل، من هذا القرار فإن حكاية أبرهة صاحب الفيل معروفة مع عبد المطلب قد أشار إليها فى المتن.

(2) ذكره ابن الأثير و الطبرى فى تاريخهما حناطة الحميري.

54

النور لآبائك فقال عبد المطلب إن هذا ميراث و كان لكل آبائى مثل هذا، فقال أنت شرف الملوك و العظماء، و نظر إليه ثانية و كان له فيل أبيض و هو كبير إلى حد أن سنه كانت مرصعة بالجواهر و كان يفخر على الملوك كلهم بهذا الفيل، و كانت كل الفيلة تسجد لأبرهة و لم يسجد فيل فأمر، و قال: احضروا هذا الفيل فأحضروه أمامه مزينا، و لما رأى الفيل عبد المطلب ركع و سجد له، و صاح بلغة الآدميين بحيث سمع الخلق كلهم صوته سلام على تلك العظمة التى على جبينك فإن شرف الدنيا و الآخرة و عزهما فيه يا عبد المطلب إنك لن تذل و لا ظفر لأحد عليك و تعجب الملك من ذلك و خاف فى قلبه أن يكون عبد المطلب ساحرا فنادى سحرته و كهانه فقال لهم قولوا لى الحق فما السبب فى أن هذا الفيل لم يسجد لى فقال ساحر إن هذا النور الذى هو مودع فيه يخرج فى آخر الزمان و أنه محمد و يشمل كل الدنيا و هو يذل الملوك و يصلح دين هذا البيت (يعنى يجدد دين إبراهيم (صلوات اللّه عليه)) و زاد ملكه كثيرا عما كان للملوك السابقين فى الدنيا حتى الآن، ثم قالوا مرنا حتى نقبّل يد عبد المطلب و قدمه جميعا، فأمرهم فقبّلوا يد عبد المطلب و قدمه، ثم نهض الملك و قبّل رأسه و أعطاه عطاء جزيلا ثم أعاد إليه الجمال و الخراف كلها، و عاد عبد المطلب من هناك و تزوج هالة بنت الحارث، و جاء منها أبو لهب و كان اسم أبو لهب عبد العزى، و كان كافرا و شيطانا رجيما، ثم تزوج سعدى بنت غياث و جاء منها العباس، و جاء منه الأمراء و الخلفاء و جاءت صفية منه و تزوج حميدة و جاء منها حمزة سيد الشهداء و رأى ذات يوم كلا من جحل بن عبد المطلب و عاتكة بنت عبد المطلب فى المنام فاستيقظ من نومه خائفا و هكذا مضى مسرعا و يقول العباس: إنى كنت كبيرا و ذهبت من بعد أبى حتى أقبل عليه كهنة قريش ماذا حدث يا أبا الحارث، قال: رأيت حلما و خفت منه، قالوا ماذا رأيت؟ قال رأيت سلسلة خرجت من ظهرى و لها أربعة أطراف مضى واحد و شمل الشرق، و الآخر مضى و شمل المغرب و واحد صعد إلى السماء و واحد دخل فى الأرض و كنت أنظر إليه حتى أصبحت هذه السلسلة شجرة و قد جمعت كل شي‏ء و كلما اخضرت‏

55

و حملت انتشر النور فى كل مكان من هذه الشجرة و كلما كنت أنظر رأيت شخصين عظيمين عليهما الهيبة فقلت لأحدهما من أنت؟ قال ألا تعرفنى؟ قال: لا.

قال: أنا نوح نبى رب العالمين. و قلت للآخر من أنت؟ قال أنا إبراهيم خليل الرحمن. فاستيقظت، فقال الكهنة إذا كان حلمك صادقا فمن ظهرك يخرج ولد يؤمن به أهل السماوات و الأرض و يظهر العلم فى الدنيا و الآخرة، ثم مرّ على عبد المطلب وقت لم يتزوج فيه أى امرأة، حتى رأى ثانية فى المنام من يقول له تزوج فاطمة بنت عمرو فتزوجها و أمهرها مائة جمل أحمر و مائة رطل من الذهب الأحمر فجاء له منها أبو طالب و آمنة بنت عبد المطلب و لم يخرج هذا النور قط منذ أن خرج يوما للصيد و رجع متعبا، و رأى ظلا كبيرا و قد نزل الماء عليه و شرب منه و مضى إلى منزله و فى تلك الليلة مضى هذا النور و عرف أحبار الشام جميعهم فى الحال عن ولادة عبد اللّه و سبب هذا أنه كان لديه صوف أبيض ليحيى بن زكريا (عليهما السلام) و قد جف دمه عليه و قد كتب على الجبة أنه كلما شاهدتم الدم يقطر من هذه الجبة قطرة قطرة و تصبح الجبة بيضاء اعلموا أن عبد اللّه والد محمد (عليه السلام) قد جاء فى هذه الدنيا و كانوا يحصون اليوم و الشهر و السنة، و عندما رأوا أن الدم أصبح قطرة و أصبحت الجبة بيضاء عرفوا أنه بعد أن يكبر يأتى اليهود يطلبونه حتى يقتلوه، و حفظه اللّه تعالى حتى أن أعينهم لم تقع عليه فرجعوا و لم يروه و كل من رآه فى الشام قادما من مكة سألوه عن عبد اللّه و كانت قريش تمدحه بصورته و جماله و كماله، و كانت اليهود تقول: إن ذلك ليس نور عبد اللّه ثم قالوا لمن؟ قالوا: لمحمد ابنه (عليه السلام) الذى يظهر النبوة آخر الزمان و يحطم الأصنام و يأتى بدين إبراهيم (عليه السلام) و قد بلغ عبد اللّه فى الحسن إلى حد أن النساء جميعهن افتنن به و أصبح يوسف عصره، و كانت النساء الكاهنات جميعهن يعرضن أنفسهن عليه و قال: لا طريق إليكن إلىّ و قال: كل عجائب أمره لأبيه و خرج ذات يوم إلى بطحاء مكة فرأى نورا خرج من جبينه و تفرع فرعين أحدهما اتجه إلى الشرق و اتجه الآخر إلى الغرب، و اجتمع فى جبينه فقال الأب: لا يمر طويلا زمان حتى‏

56

يأتى منك ولد تسخّر له الدنيا كلها، و كان أحبار الشام يقصدون إهلاك عبد اللّه على الدوام حتى قدم سبعون رجلا من هناك و قدموا خفية و جلسوا فى كمين حتى خرج عبد اللّه للصيد فمضوا إليه و التفوا حوله ثم رأى وهب بن عبد مناف من بعيد و كان والد آمنة وجد المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم)، فأراد أن ينصر عبد اللّه و جاء من السماء فرسان (و رأى فرسانا جاءت من السماء) فقتلوا اليهود جميعا فأخذه العجب من هذا و ذهب فى الحال إلى داره و قال لبرة و هى أم آمنة يجب أن نبذل الجهد لكى نعطى ابنتنا لعبد اللّه قبل أن يخرج من اليد فجاءت برة إلى عبد المطلب قائلة له:

أعط ابنتى آمنة إلى عبد اللّه. فقال عبد المطلب: ليس أحد من أبنائى أفضل من آمنة. و بعد ذلك أعطاها الأب لعبد اللّه و مرضت مائة امرأة من قريش و متن بغمهن، و كانت آمنة أجمل و أطهر نساء قريش، و تم ذلك بأمر اللّه تعالى و تقدس فى غرة شهر جمادى الآخر ليلة الجمعة أودع عبد اللّه هذا النور عند آمنة، و فتحت أبواب الجنة فزفت البشرى ملائكة السماوات و الأرض جميعها بأن محمدا (عليه السلام) وجد فى هذه الليلة. و فى هذه الليلة نكست كل الأصنام الموجودة فى الدنيا و نكس عرش إبليس اللعين، و سقط فى البحر و زجه أحد الملائكة فى البحر أربعين يوما ليحترق بالشمس حتى أنه حرره فى اليوم الأربعين و قد صعد إلى جبل بوقبيس‏ (1)، هاربا محترقا و ناح حتى اجتمعت عليه جميع الشياطين، فقالوا: أيها الرئيس! ماذا وقع؟ قال: لقد هلكت فمثل هذا العصر لم يكن لنا قالوا قل الحال، قال خرج محمد ابن عبد اللّه (عليه السلام) بسيف قاطع، فبعد هذا ليست لنا قوة فغير الأديان و حطم الأصنام و أهلكها و يصبح دين وحدانية اللّه فى الدنيا ظاهرا، و أن محمدا و أمته هما السبب فى أن اللّه تعالى جعلنى لعينا طريدا، و الآن ضاق الحال بى و لا أعلم ماذا أصنع و إلى أين أمضى؟ قالت العفاريت: لا تخف فإن اللّه سبحانه خلق بنى آدم سبع طبقات و كل طبقة منهم كانت لها قسمة، و تركوا الطبقات الست التى كانت أعظم و قد أنصفنا أنفسنا منهم و نجتهد عليهم أيضا، ثم قال إبليس: كيف نسيطر عليهم‏

____________

(1) بوقبيس: اسم جبل مشهور فى مكة المكرمة و يقع فى الناحية الشرقية منها.

57

و فيهم خصال فهم يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و يقيمون الصلاة (1) و يدعون اللّه و يحجون و يغزون و يزكون و يقرأون القرآن، قالوا: نتوسل على كل جماعة بهذا الشى‏ء فنتوسل على العالم بالعلم و على الجاهل بالجهل و على الزاهد بزهده و على صاحب الرياء بريائه و نزين الدنيا فى عيونهم حتى نفسد الدين عليهم، قال إبليس: إن هؤلاء يعتصمون باللّه، قالوا: نحن نلقى الهوى و البدع بينهم و نجعل هذا جميلا فى قلوبهم فضحك إبليس و قال: الآن سر قلبى، و فى ذلك العام الذى ولد فيه الرسول (عليه السلام) كان عام قحط و قد عجزت قريش و عندما جاءت (هطلت) الأمطار و اخضرّت الدنيا كلها، و جاءت الوفود من كل مكان إلى قريش، و سموا هذا العام عام الفتح، و الآن سنة الفتح معروفة بينهم، و كان لعبد المطلب الحكم على العرب جميعهم فى هذا العام، و كان يخرج كل يوم يطوف و لما طاف رأى شخصا عظيما فوقف أمامه على تلك الصورة التى جاء بها المصطفى (عليه السلام)، و كان يقول للناس: إنى أرى شخصا كأنه قطعة نور ثم نظرت قريش و لم تشاهده، و فى تلك الليلة قالت الجياد جميعها التى كانت عند قريش بلسان فصيح، قسما بالآلهة مع إله الكعبة إن محمدا قد خلق، و هو أمان على الدنيا و سراج أهلها، و فى تلك الليلة يئس الكهان كلهم بعضهم من بعض و مضى و ولى عنهم علمهم و قد نكست فى هذه الليلة عروش ملوك العالم جميعها، و قد رأوا فى الفجر ألسنتهم جميعا قد انعقدت فما استطاعوا أن يقولوا هذا الكلام إلى الفجر و بشّرت و حوش الأرض و هوام البحر بعضها بعضا بولادته (عليه السلام)، و كانت الملائكة تنادى فى الأرض و السماء قائلة:

قد جاء وقت ظهور أبى القاسم (صلى اللّه عليه و سلم)، فقد مضت تسعة شهور- بلا ألم و لا حرقة- فظهر فى العالم و لم يكن قد ولد بعد، و انتقل أبوه إلى العالم الآخر.

____________

(1) المؤلف متأثر بالقرآن الكريم و يقول اللّه عز و جل: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران، آية 110].

58

ولادة محمد المصطفى (عليه السلام)

يقول محمد بن موسى الخوارزمى‏ (1) فى تاريخه: إن مولد المصطفى كان يوم الاثنين لثمانى ليال خلون من شهر ربيع سنة الفيل، و بعد ذلك بخمسين يوما ولد، بعد ذلك هلك أصحاب الفيل و فى السابع عشر من شهر ذى الحجة و العشرين من شهر نيسان سنة 882 من وقت ذى القرنين‏ (2) و فى ذلك اليوم كانت الشمس فى عشر درجات من برج الثور، و القمر فى برج الأسد فى ثمانى عشرة درجة و عشر دقائق، و زحل فى برج العقرب بتسع درجات و أربعين دقيقة راجعة، و المشترى فى برج العقرب فى درجتين و عشر دقائق راجعة، و المريخ فى السرطان بدرجتين و خمسين دقيقة، و الزهرة فى برج الثور فى اثنتى عشرة درجة و عشر دقائق، و عطارد فى الحمل بتسع درجات و أربعين دقيقة، و قالت أمه: جاءنى صوت إذا كان لك ولد فأسميه محمدا. فإنه سيد العالمين، و فى يوم الاثنين كنت وحيدة و كان عبد المطلب يطوف و دخل الرعب قلبى و رأيت جناح طائر أبيض يمسح على قلبى و أصبحت ساكنة، و فارقنى كل غم و ألم فنظرت ثانية فرأيت كأسا فأعطونى إياها

____________

(1) محمد بن موسى أصله من خوارزم، و كان منقطعا إلى خزانة الحكمة للمأمون و هو من أصحاب علوم الهيئة، و كان الناس قبل الرصد و بعده يعولون على زيجه الأول و الثانى و يعرفان بالسند هند، و له من الكتب كتاب الزيج نسختان أولى و ثانية و كتاب الرخامه و كتاب العمل بالإسطرلابان و كتاب التاريخ.

(ابن النديم: الفهرست، ص 383، القاهرة 1970).

(2) اختلف المؤرخون فى تحديد ولادة الرسول (صلى اللّه عليه و سلم)، و يقول ابن الأثير: انه ولد فى العشرين من نيسان الموافق الثانى عشر من ربيع الأول سنة 42 للملك انوشروان و سنة 882 بالتاريخ الرومى و يقول الطبرى: ولد ليوم الاثنين الثانى عشر من ربيع الأول سنة 810 من التاريخ القديم الموافق 20 من نيسان سنة 891 بالتاريخ الرومى.

و يقول المسعودى: ولد (عليه السلام) لعام الفيل لثمان من ربيع الأول و قيل لعشر و هو اليوم الثامن من ديماه من بدء الملك بختنصر يوافق اليوم العشرين من نيسان سنة 882 بالتقويم الرومى.

59

قلت: لعله لبن و كنت ظمأى فشربت، فرأيت نورا ظهر مثل نخلة تنمو و رأيت ثانية نساء على نور مثل بنات عبد مناف و قد التففن حولى ثم رأيت ديباجا أبيض جاء فى الجو و التف حولى، و جاء نداء احفظيه من أعين الناس ثم رأيت أناسا فى الجو و فى أيديهم أباريق من فضة مملوءة من هذا الماء جاءت على وجهى قطرة طيبة الرائحة و أطيب من المسك و كنت أقول: ليت عبد المطلب جاء إلى جانبى، ثم رأيت طائرا و دخل حجرتى و منقاره من الزمرد و ريشه من الياقوت الأحمر، و عندما هبط فتحت لى الدنيا. و رأيت من الشرق إلى الغرب. و رأيت ثلاثة أعلام غرس أحدها بالمشرق و الآخر بالمغرب و الثالث على سطح الكعبة ثم ضاقت الحال و أمسكت النساء بيدى و ولدت محمدا (عليه السلام)، فنظرت فكان ساجدا على الأرض و قد رفع إصبعه فى الهواء متضرعا، فنزل سحاب أبيض من الجو و حمله و جاء صوت احملوا الرسول عليه الصلاة و السلام من الشرق إلى الغرب و إلى البحار حتى يعرفوا صفته و صورته و يقولون إنه الماحى و قد انمحى به الشرك و الكفر كله و لم يمض طويل زمان ثم نظرت ثم أحضروه ملفوفا فى قطعة فى صوف أبيض من الحرير، و كان كل شى‏ء تحته حرير أخضر و به ثلاثة أربطة من اللؤلؤ المبلول و ثلاثة مفاتيح أيضا من اللؤلؤ، و كتب على الثلاثة مفتاح النصر و مفتاح الشريعة و مفتاح النبوة، و فى الوقت جاءت سحابة أخرى أكبر منها، و من هذا جاء صوت الخيول و صوت الطيور و صوت كلام الناس و غيبوه عنى ساعة، و سمعت صوتا أن طوّفوا محمدا (عليه السلام) بالمشرق و المغرب و على مواليد الأنبياء (عليهم السلام) و على أرواح الإنس و الجن و الطيور و السباع و الحيوان، و قد أعطيته (وهبته) صفوة آدم و رقة نوح و يعقوب و وجه داود و صبر أيوب و زهد يحيى و كرم عيسى، فحملوه، و جاءوا به فى الحال و لفوه فى حرير أخضر، و صاحوا، حبذا محمد جعل العالم كله فى يده حتى الرجال الثلاثة الذين كنت رأيتهم فى الجو جاءوا بإبريق و طست و هذا الماء الذى هو أطيب رائحة من المسك، و أمسكوه و غسلوه به، و جاء واحد و بيده خاتم يتألق مثل الشمس و غسلوه سبع مرات، و بهذا الخاتم ختموا بين‏

60

كتفيه هذه قبلة محمد علية السلام، و وضعوه فى وسط الحرير و كان حبل من المسك و ربطوه ربطا محكما و حمله واحد من هؤلاء الثلاثة، و قبله بين عينيه و قال ثانية يا محمد البشرى لك فلم يكن لنبى علم إلا أعطى لك و علمك الخاص زيادتها و مفتاح النصر معك، و لا يسمع أحد قط اسمك دون أن يخاف، ثم رأيت رجلا آخر فوضع شفته على شفته و سلمه شيئا كما تزق الحمام وليدها (فرخها) الحبة، و قال محمد زدنى زدنى و أشار بيده نحو السماء، فرأيت شيئا يبدو كأنه البدر فى ليلة الرابع عشر، و وضعه أمامى خذ سيد الأولين و الآخرين فقد أدرك عز الدنيا و الآخرة، و ذهبوا، و بعد ذلك لم أر أحدا. و يقول عبد المطلب كنت فى تلك الليلة فى الكعبة عند مقام إبراهيم (عليه السلام)، و قد رأيت الكعبة ساجدة ثم وقفت و قالت بصوت فصيح اللّه أكبر اللّه أكبر رب محمد (عليه السلام)، و الآن طهرنى اللّه تعالى و نجوت من المشركين فنكست الأصنام كلها و نادى مناد أن آمنة ولدت محمدا (عليه السلام) و ها هو ذا غسل مرتين فى طست و إبريق و ماء الفردوس و قلت لعلى أرى هذا فى المنام، فقلت سبحان اللّه فاستيقظت فخرجت من باب بنى شيبة إلى بطحاء مكة و رأيت الصفا و المروة تتحركان، و قالوا لى: أين تذهب يا سيد قريش و لم أجب مطلقا فقد كان قلبى مقيدا بحديثه، حتى أمضى إلى آمنة و أنظر ماذا حدث، و عندما وصلت إلى هناك، رأيت طيور الدنيا جميعها قد وقفت فى الجو و قد أظلت سحابة بيضاء حجرتها، فحاولت كثيرا حتى جئت بنفسى كى أطرق الباب، فنادتنى آمنة بصوت خافت و جاءت و فتحت الباب و نظرت إلى وجهها فلم أر النور فى جبينها و لم أر عليه أى علامة، و من ضعف إدراكى أردت أن أمزق حريره، فقالت آمنة:

ماذا كان فقلت أين النور فقالت جئت بالتمام ها هى ذى الطيور تقول لى لا تفرطى فيه حتى تربيه و تقول هذه السحابة أعطيه لى كى أربيه قال عبد المطلب:

أرنى قالت لا أستطيع اليوم فإن شخصا جاء يقول لا طريق لأحد إليه قبل مرور ثلاثة أيام فسحب (استل) عبد المطلب السيف و مضى إلى باب الحجرة و يقول: رأيت رجلا مخيفا خرج لى و استقبلنى، و قال ارجع و إلا أهلكتك قال لقد ضعفت يدى‏

61

و وقف (بكم) لسانى و غطى سيفه (أى وضع السيف فى جرابه) ثم قال لى قبل مرور ثلاثة أيام حتى تأتى الملائكة جميعها و يزورونه ثم يراه الآدميون و يقول ابن عباس: فى أسبوع ليلا و نهارا لم يستطع عبد المطلب أن يتكلم، ثم يقول لقد تنازعت هذه السحاب و الطيور و الرياح و الجن قال كل منهما أنا أرضعه ثم سمعت مناديا أن أحدا لا يرضعه إلا الآدميون ثم يئست ثم جاء صوت طوبى لمن يرضعه حتى قدر اللّه تعالى و تقدّس له حليمة بنت أبى ذويب السعدية، تقول: إنه كان فى هذه السنة قحط كبير (شديد) و كنت أعانى ألما كثيرا و فى هذه الليلة التى ولد فيها محمد (عليه السلام) رأيت رؤيا (فى منام) ملكا يمسكنى و يرفعنى فى الهواء، و رأيت نبع ماء لم أر مثله مطلقا و قال اشربى فشربت فقال مرة ثانية اشربى فشربت أيضا فقال: أصبح الآن لبنك غزيرا و سيأتى إليك رضيع هو سيد الأولين و الآخرين فاستيقظت من النوم فوجدت لبنى كثيرا و به قوة و لم يكن للجوع طريقا لى بعد ذلك، و فى اليوم الآخر قالت لى نساء بنى سعد يا حليمة إنك اليوم مثل بنت الملك و لم أقل لهن شيئا مطلقا حتى مضيت (صعدت) إلى الجبل لطلب الحطب و الحشائش فسمعت مناديا ينادى لماذا لا تذهبين إلى مكة و الحرم و تتسلمين سيد الأولين و الآخرين و ترضعينه فى الدارين و نزلت (هبطت) النساء و أنا معهن أيضا و سلكنا الطريق فكلما بقيت فى مكان وحدى كانت تقول لى النباتات و الحجارة كلها لقد فزت بأفضل الخلق فلا تحزنى أبدا، و عندما جئت (وصلت) حتى وجدت نساء بنى سعد كلهن قد ذهبن إلى مكة فقلت لصاحبى، يجب أن نذهب إلى هناك أيضا، فركبت حمارا و مضيت مع صاحبى إلى مكة و عند ما وصلنا كانت هذه النساء قد دخلن مكة و أخذن كل الأطفال الذين لهم أب و أم، و لكنى رأيت رجلا عليه العظمة أمام نخلة خرجت من وسط الجبال و يقول يا حليمة ذلك بقى لك فاطلبى سيد العرب، و عندما وصلت إلى هناك قلت لصاحبى من سيد العرب، قال عبد المطلب، ثم ذهبت إلى مكة فرأيت النساء اللاتى أخذن أطفال (أبناء) قريش و قد أخذت كل منهن شيئا و رجعن و عدن و رأيت عبد المطلب يقول: هل منكن يا نساء بنى سعد من تربى‏

62

ابنى فقلت: أنا قال ما اسمك؟ قلت: حليمة قال: بخ بخ نعم المربية. قلت على الرغم من أنه ليس له أب فإن ما رأيته فى منامى و ما قيل لى ليس بخطأ و ذهبت معه و مضى يتقدمنى و يمشى حتى حجرة آمنة و فتح الباب و هكذا قلت و خيل لى من الرائحة أن باب الجنة قد فتح، و دخلت و رأيت آمنة كالقمر فى ليلة الرابع عشر أو كوكب دري، و إذا علمت و ذهبت إلى تلك الحجرة كانت الرائحة جميلة، و هكذا قلت: كأننى كنت ميتة و أصبحت الآن حية، و كانت هذه الروح و نظرت فرأيت محمدا نائما فى صوف أبيض، و علمت أنه ليس من صنع مخلوق و فى حرير مكتوب منقط و حرير أخضر، و كان يظهر من رائحة كل قميص و لونه أنه ليس من صنع مخلوق و أنه من صنع اللّه تعالى، و استغرق فى النوم و عندما رأيت نوره و بهاءه أردت أن أنثر روحى أمامه و لم يطاوعنى قلبى كى أوقظه و أردت أن أضع ثديى فى فمه ففتح عينيه و ابتسم و إذا بالنور يخرج من عينيه و يرتفع إلى السماء، فتحيرت و قبلته بين عينيه و أعطيته ثديى الأيمن فرضع و لما أردت أن أعطيه ثديى الأيسر أبى (رفض) و لم يأخذه. يقول ابن عباس: كان (عليه السلام) عدلا.

فأخذته و أتيت به إلى صاحبى (و حملته عند صاحبى) و عندما رآه سجد للّه تعالى شاكرا و قال ما رجع أحد إلى داره أكثر منا غنى، ثم أرسلت أمه إلىّ من يخبرنى ألا أخرج به من بطحاء مكة قبل أن أراك لأن لى وصايا لك بشأنه، و مكثت هناك ثلاث ليال و تيقظت ذات ليلة فرأيت رجلا كانت تخرج (تسطع) منه الأنوار إلى السماء (تسطع منه الأنوار و ترتفع إلى السماء) يحتضنه فى مهده و يقبله فأيقظت صاحبى فقال اسكتى فإنه منذ أن ولد و ليس ليهود العالم من نوم و لا قرار و عليك أن تخفى كل ما ترين منه ثم مضيت إلى أمه و ودعتها و ذهبت. و جلست على حمارى هذا، و حملته أمامى و ولى الحمار وجهه ناحية الكعبة، و سجد و أشار لشي‏ء برأسه و ذهبنا، و تعجبت هؤلاء النساء منى، يا بنت ذويب إن الذى كان‏

63

يمشى معنا ليس حمارا. إنه جمل بختى‏ (1) فقلت إن هذا ليس حمارا إن هذا شي‏ء آخر عظيم، عند ما قلت هذا قال الحمار: كنت ميتا و أصبحت حيّا و خطفتك و أصبحت سمينا و من يعلم عن بركات خاتم النبيين و سيد المرسلين و حبيب رب العالمين، و فى الوقت سرعان ما ذهب إلى خيولهم و رجالهم كلهم، و قد نما فى كل مكان وصلت إليه نبات أخضر حتى أكل حمارى و عندما وصلت إلى المنزل فإن الخراف و الجمل و حمارى هذا و كل ما ملكته قد زاد من النتاج و من اللبن و من السمنة حتى أصبح مالى كثيرا من بركته، و ذلك الشخص الذى اتصل بى و عرفنا و كنا نعتز به جميعا ثم سمعت أنه قال ذات يوم اللّه أكبر أللّه اكبر و الحمد للّه رب العالمين، فتعجبت منه كثيرا و لم أر قط بوله و لا غائطه حيث لا ينبغى الغسيل و لم يلعب مع الأطفال قط و قال لى ذات يوم أين أصحابي؟ قلت خراف مضوا بها إلى المرعى و تعود فى الليل فبكى، و قال لماذا لا ترسلينى معهم، قلت فدتك نفسى أرسلك فى الصباح فمسحت عليه بالزيت فى الفجر و كحلت عينيه و طوقت عنقه بالجذع اليمانى و وضعت عصابة عليه تمنعه من الحسد، و كان يمضى مسرورا و يأتى مسرورا حتى جاءنى ذات يوم فى وقت الظهيرة ابن ضمرة و جاءنى باكيا و عرقانا و قال: افهموا محمدا قلت ما ذا حدث قال إن رجلا أخذه من وسطنا و حمله إلى رأس الجبل و رأيته يمزق بطنه و لا أعلم ما ذا صنع، و أسرعت أنا و أبوه إلى هناك جريا فرأيناه جالسا على رأس الجبل و عيناه فى السماء و تبتسم فرميت نفسى و قبلته بين عينيه و قلت: ماذا جرى يا روحى و دنياى قال: يا أمى لا شي‏ء إلا الحسن، و لكن فى الوقت الذى كنت مشغولا فيه بالحديث مع أخى رأيت ثلاث صور عظيمة حتى دعونى فرأيت فى يد أحدهم إبريقا مضيئا و فى يد الآخر طستا من الزمرد الأخضر به ثلج و أخذونى و حملونى إلى رأس هذا الجبل و فتحوا بلطف‏

____________

(1) نوع من الجمال القوية ذات السنامي، و توجد بكثرة على حدود السند و كابل و غالبا كان الملوك يرسلونها هدايا إلى الخلفاء من سجستان و نيمروز و كابل و السند و قد ذكر البعض أنها منسوبة إلى يختان و هى الاسم الأصلى لأفغانة، و قد ذكر البلعمى أن بختى مكان موجود على ساحل دجلة.

64

و شفقة صدري، فنظرت فلم يجد الأذى لى طريقا و أدخل واحد منهم يده فى جوفى و أخرج كل شى‏ء كان فى جوفى، و بهذا الثلج طهرونى و غسلونى و وضعونى فى مكان آخر، فنهض آخر و قال لرفيقه أنت أتممت فيجب تنفيذ أمر اللّه تعالى فوضع يده و أخرج قلبى و قسمه شطرين و أخرج نقطة سوداء كانت هناك فى الدم قلت أخذت ذلك الشي‏ء الذى تعلق به الشيطان و الآن يا حبيب اللّه ليس للشيطان طريق إليك، فنهض الثالث و قال أنا أنفذ الأمر أيضا فأنزل يده على صدرى فتم شفاؤه كله، و لم يبق أى أثر مطلقا و لم يكن لى من هذا أى ألم مطلقا فقال أعط هذا لعشرة أشخاص لكى يزنوه فكان زيادة فقال أعطه لمائة شخص لكى يزنوه فزاد وزنه أيضا فقال: دعه إذا وزنته بالعالم كله لرجح هو و أمسكونى بلطف ورقة و أوقعونى على الأرض و قبلونى على رأسى و عينى و قالوا ألا تعلم أى خبر سوف يأتى لك يا حبيب اللّه و لكن سترى و لكنه لن يتأخر و تركونى فى هذا المكان الذى نراه، و ارتفعوا إلى السماء و لو أردت أن أبين لك إلى أى مكان فى السماء دخلوا، قالت حليمة: فأخذته و أحضرته إلى بنى سعد و كان الناس قد سمعوا هذا الخبر فقالوا يجب حمله إلى فلان الكاهن حتى يعالجه فقال النبى (صلى اللّه عليه و سلم) لست فى حاجة لأى معالجة فإن جسدى و عقلى و قلبى صحاح بحمد اللّه تعالى و فى النهاية قال الناس: إن هذا العمل عمله الجن فقال: سبحان اللّه ليس بى شي‏ء و أنا أعلم منكم بشأنى و فى النهاية نفد صبرى حتى أخذته و حملته إلى الكاهن و طلبت أن أعيد القصة فقال الكاهن: دعيه حتى يقول الغلام بنفسه فالتفت إليه و قال: قل يا غلام قال محمد المصطفى عليه الصلاة و السلام القصة من البداية إلى النهاية فقفز الكاهن على قدميه خائفا و أخذه و صاح يا آل العرب يا آل العرب اقتلوه فإن شرا عظيما قد اقترب بسبب هذا الغلام، فإذا ما وصل سن البلوغ فإنه يحطم أصنامكم و يهلك دينكم و يترككم بلا إله إذ إنكم لا تعرفوه قالت حليمة: و عندما سمعت منه هذا قلت من أنت حتى تقتله، أنا لا أقتل محمدا و لو علمت بأنى أرى هذا الشى‏ء و أسمع ما أحضرته، ثم أحضرته إلى المنزل، و عندما مضيت به إلى بنى سعد قال‏

65

بنو سعد جميعهم إن رائحة المسك تأتى منه حيث ملأت المنزل كله و عندما كبر كنت أرى كل يوم فى النور أن نورا يأتى من الجو و يختفى فى ثيابه و لما كان الحال هكذا قال الناس لحليمة ثانية أرجعيه إلى عبد المطلب حتى يخرج عهدتك فأخذته و مضيت و لما خرجت إلى الصحراء صاح و نادى من الجو هنيئا لك ببطحاء مكة و قد عاد إليك النور و الدين و وصل البهاء و الكمال إليك و تطهرت من الشرور و نجوت من الخراب و عمرت و ركبت حمارى و حملته أمامى حتى وصلت إلى باب مكة الأعظم، و كان هناك جماعة جالسون و نزلت و وضعته و قلت: حتى أقوم بعملى فارتفع صوت شديد فنظرت و لم أره و عجبت و قلت: يا أيها الناس أين ذهب هذا الطفل قالوا أى طفل: قلت محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب الذى أصبح فقرى به ثراء و أصبح مرضى عافية و كثر فرحى به و انصرف عنى الغم كله فأحضرته حتى أودعه إلى أبيه عبد المطلب و الآن لا أعلم أين ذهب و إن لم أعثر (أجد) عليه ثانية ألق نفسى (جسدي) من فوق الجبل و أمزقه و بكيت و بكى الناس كلهم رحمة علىّ، فوضعت يدى على رأسى و صحت: يا محمداه- يا ولداه فاجتمع علىّ (عندى) أهل مكة فرأيت شيخا يتوكأ على عصا فقال لى: تعالى حتى أحملك إلى مكانه حتى يقول لك أين هو فقلت: فدتك نفسى من هو قال: الصنم الأعظم هبل‏ (1) فهو يعلم و يقول لك فى أى مكان فقلت فى نفسى لتبكى عليك أمك فإنى لا أعلم ما الذى حدث (وصل) بهبل بولادة محمد عليه الصلاة و السلام و ما الذى وصل إليه بعد ذلك الآن و لكنى لم أقل شيئا و لما حملنى الشيخ و طاف سبع مرات حول هبل و دخل عليه و كنت أنظر فقبّل رأسه و قال يا سيدى إن منتك على قريش كبيرة فقد ضاع لهذه المرأة ابن فارفع الغم عن مكة، و دله على الطريق و سقط هبل و أصنام‏

____________

(1) هبل: أعظم الأصنام فى جوف الكعبة كان من عقيق أحمر على صورة إنسان أدركته قريش و يده مكسورة فجعلوا له يدا من ذهب أول من نصبه خزيمة و به كان يسمى ابن الكلبى كان عنده سبعة أقداح بمعرفة الولد المشكوك فيه إن كان صريح النسب أو ملصقا.

ابن الكلبى: كتاب الأصنام ص 27 الطبعة الثانية (القاهرة 1343 ه) 1924.

66

أخرى على وجهها و قال هبل بلسان فصيح ابتعد عنا أيها الشيخ إن هلاكنا سيكون على يد هذا الطفل و هو محمد (صلى اللّه عليه و سلم) فكشر الشيخ أسنانه على بعضها و سقط العكاز من يده و قال: يا حليمة ابتهجى فلمحمد هذا إله لا يضيعه فابحثى عنه حتى تجديه و مضيت إلى عبد المطلب و أنا خائفة فلما رآنى على هذا الحال قال ماذا حدث و قلت: مشكلة و أى مشكلة (وقعت مشكلة) قال: لعل ابنك قد ضاع، قلت نعم و خيل لى أن قريشا قد قتلته، فاستل سيفه و خرج غاضبا و صاح، يا آل غالب و كانوا ينادونهم (يسمونهم) هكذا فى الجاهلية فاجتمع كلهم فى الحال و قالوا أمرك قال: ضاع محمد فقالوا له: اركب حتى نركب و سرعان ما ركب و ركب الجميع (بحثوا) فى مكة و بحثوا فى السهل و الجبال لم يجدوه فطاف عبد المطلب حول الحرم و طاف حول البيت و قال هذين البيتين:

يا رب رد زاكى محمدا* * * أودده ربى و اتخذ عندى عبدا

يا رب إن محمدا لم يوجد* * * فجمع قومى كلهم مبدد

و عندما ذكر عبد المطلب هذين البيتين جاء صوت من الجو يا معاشر الناس لا تحزنوا فإن لمحمد ربا لا يضيعه، فقال عبد المطلب: يا هاتف ماذا يكون لو قلت لى أين هو، قال: هو بوادى تهامة عند شجرة اليمن، فركب عبد المطلب و معه سلاحه و جرى و كان عنده ورقة بن نوفل‏ (1) فجرى معه حتى وصل إلى هناك فشاهد محمدا و بيده ورقة شجر فتقدم عبد المطلب فقال محمد من أنت قال: أنا جدك فنزل و حمله و قبّله و ركب و وضعه أمامه على قربوس السرج و أحضره إلىّ و هدأت قريش.

____________

(1) ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى من قريش حكيم جاهلى. اعتزل الأوثان قبل الإسلام و امتنع من أكل ذبائحها و قرأ كتب الأديان و كان يكتب اللغة العربية بالحروف العبرية أدرك أوائل النبوة و لم يدرك الدعوة له شعر سلك فيه مسلك العلماء.

67

و تقول حليمة: لاطفنى عبد المطلب و أعطانى عطاء كثيرا من كل شئ من جمال و خراف و ملابس فاخرة و ذهب و فضة و مسك و كافور و عنبر و أعادنى مكرمة مع جماعة كبيرة من الغلمان و العبيد، و وجدت خير الدنيا و الآخرة، و رجعت إلى المنزل، و بقى محمد (عليه السلام) عند جده عبد المطلب، و الآن لو اشتغلت بمحمد (عليه السلام) و معجزاته و عظمته لانتهى العمر و لن تأتى كلمة من الآلاف، و قد ذكرنا هذا حتى يعلم كل من يقرأ هذا الكتاب أن أهل سجستان سلّموا هذه المدينة طواعية، و كان هذا الغرض العظيم للمصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) و للدين الإسلامى و كانوا يعلمونها و قرأوها من قبل فى الكتب السابقة و هو على الحق و لسجستان مناقب كثيرة على جميع المدن و باللّه التوفيق.

و كان محمد عليه الصلاة و السلام أينما سار كانت الأحجار و الجبال و الأراضى و النباتات و الأشجار و الحيوان و السباع و الملائكة و الجن تسلم عليه و عندما مر أربعون عاما من عمره و قد عصمه اللّه تعالى فما وقف أمام صنم مطلقا و كان كلما يعبد يقول: يا اللّه (و لم يعبد إلا اللّه تعالى) و عند ما انقضت أربعون سنة و جاء إليه الأمر أن ادع الناس للتوحيد و قل حتى يقولوا لا إله الا اللّه محمد رسول اللّه،، و كان أبو بكر الصديق أول من آمن به و نصر اللّه تعالى دينه، و كانت الفتوح كثيرة و أول فتح كان للمدينة و بعدها كان فتح بنى النضير و خيبر و فدتك و تيمة (1) و مكة و الطائف و تبالة (2) و جرش‏ (3) و دومة الجندل و بخران و اليمن و عمان و البحرين و اليمامة و بعد هذه الفتوح كان نبينا عليه الصلاة و السلام بالمدينة و جاءه الأمر يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة مرت من شهر ربيع الأول ستة عشر.

____________

(1) بالفتح و المد مدينة فى أطراف الشام تقع بين الشام و وادى القرى على طريق حجاج الشام و دمشق اصطلح أهلها مع النبى (صلى اللّه عليه و سلم) فى السنة التاسعة فى الهجرة و أمر الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) أن تؤخذ منهم الجزية.

(2) بلدة مشهورة تقع بين تهامة على طريق اليمن بينها و بين مكة اثنان و خمسون فرسخا و بينها و بين الطائف ستة أيام.

(3) جرش: فتحت فى السنة العاشرة للهجرة بدون حرب.

68

خلافة أمير المؤمنين أبى بكر رضى اللّه عنه‏

جلس يوم الثلاثاء فى سقيفة بنى ساعدة و بويع من قبل عمر بن الخطاب و عبيدة ابن الجراح ثم الأنصار قبل دفن الرسول (عليه السلام)، و هو أبو بكر بن أبى قحافة و كان اسمه عبد اللّه و لقبه العتيق و اسم أبيه أبو قحافة بن عامر بن عمر ابن كعب بن سعد بن تميم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر، و كان النضر من قريش، ابن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان رضى اللّه عنه، و سار على سيرة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) و حافظ على آثاره و نفذ سنته و دبر أمور المسلمين على المنهج نفسه و هى أحكام الكتاب و الشريعة و حارب المرتدين و سالمهم، و جعل الدين فى نصابه، و جاء مسيلمة الكذاب و عيسى‏ (1) بدعوة كاذبة و قتل الجماعة التى ناصرتهما فى قصة يطول بها الكلام و عندما جاءه الموت استخلف عمر بن الخطاب عهدا بالخلافة، و أرسل نسخة من هذه البيعة إلى كل مكان و توفى و كان عمره اثنتين و ستين سنة، و كانت مدة خلافته سنتين و ثلاثة أشهر و اثنى عشر يوما، و دفنه عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان و طلحة بن عبيد اللّه و عبد الرحمن أبو بكر بجانب قبر المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) فى المساء.

خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه‏

ثم بايع المهاجرون و الأنصار عمر و هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى ابن زياح بن عبد اللّه بن قرط بن رزاح بن كعب بن لوى بن غالب بن فهر

____________

(1) مراده الأسود العنسى الذى ظهر فى أواخر عهد الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) فى اليمن و ادعى النبوة، و كان الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) و هو فى مرض الموت قد أرسل إليه رسالة، و توفى العنسى بعد وفاة الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) فى خلافة أبى بكر الصديق.

69

ابن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، و كانت كنيته أبا حفص العدوي، و كان لقبه الفاروق رضى اللّه عنه، و تولى يوم الاثنين، و قام بإعلان الإسلام على حكم الشريعة و سنة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم).

و فتح اللّه تعالى على يده كثيرا من البلاد و جمع مالا كثيرا فى بيت المسلمين، (نهض) بقطع عنق الضلالة و انمحت الجهالة، و كان أول فتوحاته الجسر، و أرسل الجيش حتى يفتح الشام و فى هذه الموقعة قتل سبعون ألف رجل من الروم و عزّ شأن الإسلام وسما، انمحا الكفر، ثم أرسل سعدا بن أبى وقاص إلى القادسية (1) و جاء رستم قائد جيش يزدجرد ملك العجم مع جيش كثير و أرسل عمر رضى اللّه عنه عتبة بن غزوان ليفتح الأيلة و الفرات و ميسان، ثم أعطاهم الأمر أن يفتحوا الكوفة و البصرة، و مضى بنفسه إلى الشام ثم رجع، و أمر أبا عبيدة بن الجراح حتى أرسل عمرو بن العاص إلى قنسرين حتى يفتحها، و أمر عمر عمرو بفتح رهاء (2) و سياط (3)، ثم أرسل خالد بن الوليد حتى يفتح حمص، ثم أمر أبا موسى الأشعرى ليفتح جندى سابور و سوس و رامهرمز و تستر و سباهان و قم و قاشان إما بالميثاق أو الصلح أو الحرب، ثم أرسل معاوية بن أبى سفيان حتى يفتح قيسارية و الرملة ثم كتب لعمرو بن العاص ليفتح الإسكندرية، ثم أرسل المغيرة بن شعبة ليفتح أذربيجان، و أرسل عثمان بن عفان ليفتح نواحيها (أى توابعها) حتى فتحها. و لما بلغ الأمر هذا الحد أراد أن يصلى الفجر يوم الأربعاء (4) من ذى الحجة و أراد أن يكبّر، فطعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة ثلاث ضربات، فتألم عمر، فأمسك يد عبد الرحمن بن عوف و داوم حتى انتهى من صلاته، ثم استدعى عثمان و عليّا

____________

(1) مدينة تقع على حافة نهر الفرات بينها و الكوفة خمسة و عشرون فرسخا، و يقول البعض إنها تقع بالقرب من كربلاء

(2) مدينة فى الجزيرة الواقعة ما بين النهرين دجلة و الفرات، و تقع أيضا بين الموصل و الشام.

(3) مدينة كبيرة قديمة و لها سور و تقع بين دمشق و حلب.

(4) يوجد بياض فى المتن.

70

و طلحة و الزبير و سعد و عبد الرحمن و قال: أشيروا علىّ و كل من يكون رأيه أصلح من رأى الجميع اجعلوه خليفة، و توفى، و كان عمره خمسا و ستين سنة، و دامت مدة خلافته عشر سنوات و ستة أشهر و أربع ليال، و صلى عليه صهيب، و دفنه عثمان ابن عفان و ابنه عبد اللّه فى بيت عائشة بجانب أبى بكر.

خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللّه عنه.

و عند ما دفن عمر، أبدى على بن أبى طالب و الزبير بن العوام و طلحة بن عبد اللّه و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبى وقاص و عثمان بن عفان الرأى فى الخلافة، قال عثمان لعبد الرحمن خذ أنت الخلافة، قال: لا أستطيع ثم قال عبد الرحمن:

يجب أن تمر ثلاثة أيام حتى نرى الأمر جيدا فسألوا الناس جميعا، و عندما انتهت المدة اتفقوا على عثمان فى غرة المحرم بعد دفن عمر بثلاثة أيام، و هو عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد الشمس بن عبد مناف بن قصى بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن نضر بن نزار بن معد بن عدنان، و كان له ثلاث كنى أبو عمرو، و أبو عبد اللّه و أبو ليلى. و سار عثمان على منهج الخلفاء السابقين الذين قبله فى الدين و القسمة و العدل فى الحكم، و كان أول فتح فى خلافة عثمان كان فتح همدان و هذا ما كانوا فتحوه فى خلافة عمر إلا أنهم ارتدوا فى يوم وفاته، و أرسل عثمان المغيرة بن شعبه إلى هناك حتى فتحها ثم أرسل أبا موسى الأشعرى حتى يفتح الرّى، و كان معه البراء بن عازب و قرظة بن كعب، ثم أرسل معاوية إلى الروم حتى فتح قلاعها، و هناك ولد يزيد ابنه، و كان هذا فى سنة خمس و عشرين، ثم ارتد أهل الإسكندرية، فأرسل عمرو بن العاص إلى هناك حتى فتحها، ثم عزل عمرو بن العاص من الإسكندرية و من مصر، و أرسل عبد اللّه ابن سعد بن أبى سرح إلى هناك، و فتح عبد اللّه المغرب، ثم عزل سعد عن الكوفة،

71

و أرسل وليد بن عقبة بن أبى معيط إلى هناك، و كان مع وليد سلمان بن ربيعة الباهلى و معهما اثنا عشر ألف فارس إلى بردعة و فتحها و سلمت له البلقان و جرزان صلحا، و كان غزو سابور الأول فى العام نفسه، و عندما جاء العام السادس و العشرون أرسل عبد اللّه بن سعد للغزو فاستولى على أفريقية و كان معه العبادلة (1) و خرج جرجير مع مائتى ألف فارس إلى مكان يسمى سبيطلة (2) و هى على بعد سبعين ميلا من القيروان فقتلوا جرجير، و كان الفتح، و قسموا الغنائم و كان نصيب الفارس ثلاثة آلاف دينار، و لكل مترجل ألف دينار إضافة للأشياء الأخرى، و فتح عثمان بن أبى العاص سابور ثانية بأمر عثمان و استولى على كزروان، و أرسل هرم بن حيان العبدى إلى قلعة جرة ليستولى عليها (أخذها) و الآن يسمونها قلعة الشيوخ، و لما جاءت سنة ثمان و عشرين استولى عثمان ابن أبى العاص على آرجان و دار بجرد، و عندما جاءت سنة سبع و عشرين أرسل عثمان معاوية و عبادة ابن الصامت إلى غزو دريابار، ثم استولوا على هذه الجزر كلها، ثم كان فتح فارس على يد هشام بن عامر، و فى العام نفسه مضى عبد اللّه بن سعد خلف معاوية ليعاونه و استولوا على كثير من بلاد الروم مثل سوريا و قبرص، ثم استولى هشام على إصطخر فى العام نفسه، و عندما حل العام التاسع و العشرون عزل عثمان أبا موسى الأشعرى عن البصرة و عثمان بن العاص عن فارس، و أعطى البصرة و فارس لعبد اللّه بن كريز، و كان عمر عبد اللّه خمسا و عشرين عاما و قدم البصرة، و بقى فيها عدة أيام، و مضى إلى فارس، و ولى زياد بن أبيه على البصرة، و كان من قبل كاتبه و قائد جيش عبد اللّه بن معمر التميمى، و قد فتح إصطخر و غزنة و جورن و اتجه إلى كازرون، و جاء إلى دار بجرد و استولى على أردشير خوره، و هرب يزدجرد من مدينة يل و اتجه إلى مرو، و أرسل عبد اللّه بن عامر مجاشع‏

____________

(1) عبادلة جمع عبد اللّه و مراده عبد اللّه بن عباس و عبد اللّه بن الزبير و عبد اللّه بن نافع و عبد اللّه ابن الحصين أنهم قدموا بجيوش و ذلك لمعاونة عبد اللّه بن سعد.

(2) اسم مدينة فى أفريقيا و يظنون أنها مدينة جرجير نفسها التى كانت للأمير الرومي، و بينها و القيروان سبعون ميلا.

72

ابن مسعود السلمى خلف يزدجرد و جاء مجاشع و استولى على سيرجان، و عند ما أحل العام الثلاثون من هجرة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) أرسل عبد اللّه بن عامر بن كريز مجاشع إلى سيستان و حارب و قتلوا كثيرا من المسلمين و عاد مجاشع‏

حديث فتح سجستان فى عهد عثمان بن عفان فى سنة ثلاثين من الهجرة

و لما بلغ خبر مجاشع إلى عثمان على أنه عاد من سجستان على تلك الحال، أرسل الربيع بن زياد بن أسد الذيال بجيش إلى عبد اللّه بن عامر قائلا له: أرسل هذا إلى سجستان، و وصل إلى بهره و كرمان فسلموها أهلها صلحا، و مضى من هناك إلى جالق فصالحه أميرها، فقال له الربيع يجب أن أمضى إلى سجستان، فقال هذا الطريق فإذا ما عبرت هيرمند فإنك ترى رملا فاعبره، ثم تجد حصى و تبدو من هناك القلعة و القصبة، فمضى الربيع و الجيش فعبر هيرمند، فخرج جيش سجستان أمامه، و حاربوا حربا صعبة، و قتل فيها كثير من الجيشين و قتل عدد كبير من المسلمين، ثم حمل المسلمون عليهم أيضا فعاد أهل سجستان إلى المدينة، ثم استدعى ملك سجستان إيران بن رستم بن زاد بن بختيار (1) موبد الموبدان (رئيس الموابذة) و الأعيان، و قال: إن هذا ليس عملا سيطوى فى يوم أو سنة أو ألف و سيظهر (يبدو) فى الكتب، و سيبقى هذا الدين و هذا الزمان حتى النهاية، و لا يستقيم معه قتال أو حرب و لا يمكن لشخص تغيير أمر السماء، و من الأصح أن نصطلح فقال الجميع: هذا هو الصواب ثم أرسل رسولا قائلا: إننا لسنا عاجزين عن الحرب مع أن المدينة فيها الشجعان و الأبطال و لكنهم لا يستطيعون حرب اللّه تعالى و أنتم جند اللّه و قد صح ما رأيناه فى الكتب أنكم ستخرجون بقيادة محمد (عليه السلام) و أن هذه الدولة ستتأخر و الصواب فى الصلح حتى لا يقع القتل بين الجيش ثم سلم‏

____________

(1) ذكر البلاذرى اسم هذا الملك و هو إپرويز مرزبان سجستان و ليس إيران.

73

الرسول الرسالة. فقال الربيع: من العقل ما يقوله الدهقان‏ (1) و نحن أقرب إلى الصلح من الحرب فأمنه و أمر الجيش أن يبعد السلاح و ألا يأذوا أحدا، حتى يستطيع كل منهم أن يمضى و يأتى، ثم أمر أن يقيموا له صدرا من هؤلاء القتلى و ألقوا الثياب على ظهورهم، و صنعوا من هؤلاء القتلى متكأ فصعد عليهم و جلس، و جاء إيران بن رستم بنفسه و السادة و مبد الموبدان، و لما دخلوا المعسكر اقتربوا من الصدر و رأوه هكذا فنزلوا و وقفوا، و كان الربيع هذا رجلا طويلا أسمر الوجه و أسنانه كبيرة و شفتاه كبيرتان، و لما رآه إيران بن رستم على تلك الحال و صدره من القتلى فنظر و قال لرفاقه: يقولون: إن أهرمن لا يظهر فى النهار، و لكن ها هو أهرمن قد جاء و ليس فى هذا شك، فسأل الربيع ماذا يقول: فقال المترجم ما قاله إيران، فضحك الربيع كثيرا ثم سلم عليه إيران بن رستم من بعيد و قال: نحن لا نقف على صدركم فإنه ليس صدرا طاهرا و ألقوا الثياب من عليه و جلسوا، و قرر عليهم أن يؤدوا خراج سجستان لأمير المؤمنين ألف ألف درهم، و اشترى فى هذا العام ألف وصيفة (2) و فى يد كل منها ثوب ذهبى و أرسلهم هدية، و تعاهدوا على هذا كله و قدموا المنشورات (الخطط) و قام الربيع من هذا المكان و دخل القصبة آمنا، و مكث عدة أيام، و مضى من هناك إلى خواش ليمضى إلى بست إلا أن أهل بست لم يطيعوه و حاربوا و قالوا: نحن لا نريد الصلح، و فى النهاية قتل منهم خلق كثير، و حملوا منهم مجموعة كبيرة و مضوا إلى قصر أمير المؤمنين، و أصبح منهم رجال عظماء مثل عبد الرحمن‏ (3) الذى كان كاتبا للحجاج و ولاه سليمان بن عبد الملك خراج العراقيين، و حصين أبو الحرث و بسام و سالم بن ذكوان و بشر مولى بنى مازن، و الذين سبق ذكرهم فى بداية هذا الكتاب، و قلنا: إنهم أصبحوا من العظماء ببركة الإسلام و علم الأمراء، و قد وجدوا الحرية بعد الرق، و كان لهم خلق كثير من‏

____________

(1) هو رئيس الطبقة الثالثة من أهل إيران و كبير الزراع، و قالوا عنه فى الإسلام إن الدهقان هو كبير الإيرانيين، كما كانت تطلق هذه الكلمة المرزبان فى القرية أو المدينة، و كان لهم حق رئاسة القوم و قد حافظوا على التراث الإيرانى خصوصا فى الأدب و الحكمة.

(2) الوصيف الغلام دون المراهق أى المقارب للبلوغ جمع و صفاء و وصيفة جمع وصائف.

(3) عبد الرحمن أبو صالح بن عبد الرحمن الذى كان كاتبا للحجاج بدلا من زاد نفروخ بن نيرى، كما ولاه سليمان بن عبد الملك خراج العراق. (البلاذرى: فتوح البلدان، ص 401، القاهرة 1972 م).

74

العبيد، ثم مضى إلى غزنين التى كانت بها حظيرة خيول رستم فبقى فيها مدة، و أراد أن يترك الصحراء، و مضى إلى بست و لم يتركها حتى مضى إلى عبد اللّه ابن عامر، و لكن أهل سجستان تمردوا عليه، فأرسل عبد اللّه بن عامر بأمر عثمان عبد الرحمن بن سمرة إلى سجستان، و كان معه الحسن البصرى و فقهاء كبار.

مجى‏ء عبد الرحمن بن سمرة إلى سجستان فى سنة ثلاث و ثلاثين‏

كان رجلا عظيما من صحابة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم)، و لما قدم باب سجستان، مضى إليه إيران بن رستم، و قال: أنا داخل فى هذا الصلح، إلا أن الربيع تركنا عبثا و مضى، و مكث عبد الرحمن هناك و اضطرب أمر عثمان، و دخل عليه تسعة و أربعون من صحابة النبى (صلى اللّه عليه و سلم) فى قصره‏ (1) و قالوا: أنت لا تسير على سيرة رسول اللّه و أبى بكر و عمر رضى اللّه عنهما، فقالت زوجته: إنه يختم الصلاة بالقرآن كله، فإذا شئتم فدعوه و إذا شئتم فاقتلوه، فقتله سودان بن حمزان المرادى مع جماعة من الصحابة، ثم غسله جبير بن مطعم بعد ثلاثة أيام و كفنه ليلة السبت لاثنى عشر يوما بقين من شهر ذى الحجة، و كانت مدة خلافته اثنتى عشرة سنة إلا اثنى عشر يوما، ثم تولى الخلافة من بعده على بن أبى طالب رضى اللّه عنه.

خلافة أمير المؤمنين على بن أبى طالب (كرم اللّه وجهه)

و هو على بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة

____________

(1) ترك المؤلف الأحداث و عرج على ذكر استشهاد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللّه عنه.

75

ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، أبو الحسن الهاشمى.

و لما وصل خبر عثمان عند عبد الرحمن فى سجستان، استشار أصحابه و كان منهم المهلب بن أبى صفرة قالوا: يجب أن نمضى إلى عبد اللّه بن عامر، ثم استخلف عبد اللّه أمير بن الأحمر اليشكرى على سجستان، و مضى بنفسه إلى عبد اللّه بن عامر، و عندما وصل رأى الناس قد ضيقوا على الأمير لأنه خليفة عبد الرحمن، و لما وصل عبد الرحمن إلى البصرة كانت حرب (موقعة) الجمل قد اشتعلت، و كان علىّ مشغولا بها، و لما رأى عبد الرحمن الأمر كذلك اختفى حتى انتهى علىّ من هذه الحرب، و بعد ذلك مضى عبد الرحمن بالمال الذى كان يملكه إلى الشام عند معاوية، و قدم لمعاوية كثيرا من الهدايا، و بقى هناك، و كان من سنن عبد الرحمن أنه أمر بعدم قتل ابن عرس و القنفذ لأنهما يلتهمان الثعابين و يأكلانها حيث إن الثعابين كثيرة فى سجستان كى يبعد (يندفع) شرها، و لما سمع أمير المؤمنين على أنه جاء و مضى إلى معاوية، أرسل عبد الرحمن بن جرو الطائى إلى سجستان، و لما بدأت حرب صفين، خطب لعبد الرحمن بن سمرة على أنه عامل علىّ، و أعاده معاوية إليها مرة ثانية، و لما علم عبد الرحمن الطائى خبره مضى إلى علىّ، و جاء عبد الرحمن بن سمرة إلى سجستان فى سنة ست و ثلاثين، و امتثل الناس لأمره، و مكث هناك مدة فى سجستان، ثم مضى إلى خواش، و عبر الصحراء و فتح بست و رخد (1)، و مضى من هناك إلى كابل و فتحها، و أحضر كثيرا من العبيد منها و كثيرا من عظماء القوم، و من جملة هؤلاء العبيد باب مولى ابن سعد وجد عمرو بن عبيد بن باب، و مكحول السامى الفقيه، و سالم بن عجلان الأفطن و حميد الطويل و نافع مولى بن عمر، ثم أرسل عبد الرحمن بن سمرة المهلب ابن أبى صفرة إلى الهند، و جعله قائدا للجيش، فحيث وجد فى مكان وجد فارس، و الآن نذكر قصته.

____________

(1) اسم ولاية من ولايات زمين داور، و هى اليوم تابع للحكومة الأفغانية، و كان الفرس يقولون لها قديما (أرخوذيا) و ذكرت فى الأصول البهلوية (رخوت) و شيدها هام بن كودرز. (من تعليقات بهار على الكتاب).

76

سبب قيادة المهلب‏ (1)

كان المهلب فى العشرين من عمره، و كان فى جيش عبد الرحمن، إلا أنه كان رزينا و حكيما و شجاعا، و كان دائما يقود الجيش بفكر مفاجئ، و كانوا يأتون إلى صحراء كرمان، و قدم جماعة من التجار فى صحبة جيش عبد الرحمن إلى سجستان، و كان من بين هؤلاء التجار رجل شجاع و عالم بأخبار العرب و العجم و يحفظ كثيرا من الشعر الجاهلى، و تحدث معه المهلب، و لما كان رجلا ظريفا، أنس به المهلب و كان يصحبه حيثما يمضى، و لما خرج الجيش من الصحراء، لم يكن لدى التجار خوف، و لكن جاء الكفجيون‏ (2) خلف الجيش لعلهم يجدون شيئا، فوجدوا هؤلاء التجار نائمين، فأغاروا عليهم و قتلوا جماعة منهم و أسروا الآخرين و قيدوهم، و استولوا على أموال كثيرة و جياد و ساقوهم، و تركوا الأسرى هناك، و كان من عادة المهلب أن ينزل فى ركن، و لم يعلم عنهم أى خبر، و فى الصباح نهض و ركب و مضى إلى التجار، و كان الحال هكذا فأخذه الحزن، ففاتحهم ثم قال:

إذا ساعدتمونى كما أقول لكم فأسترد مالكم بتوفيق اللّه. قالوا: نحن جميعا نصدع لأمرك و نكون عبيدك و أحرارك. فقال: كل منكم يأخذ عمودا من هذه الخيمة، و أنا أمضى فى المقدمة و أتعقبهم، و تأتون على أثرى، فإذا شاهدتمونى معهم كبروا.

ففعلوا ما طلب منهم، و هجم المهلب، و كلما وجد واحدا أو اثنين من هؤلاء الكفجيين كان يمضى إليهم و يقتلهم، حتى قتل سبعة منهم، و لما اقترب من الآخرين كان‏

____________

(1) المهلب: أمير كبير مشهور الذكر، شجاع جواد صاحب عقل و شجاعة لا مثيل لها، نشأ فى دولة آل أبى سفيان، ولاه عبد اللّه بن الزبير خراسان، و قتل الخوارج و استمر على ذلك حتى مات فى زمن الحجاج سنة 83 ه.

(2) هم قبيلة تعيش فى حدود كرمان و مكران و بلوجستان، و مفردها كفج، و يقال لهم أيضا بلوج و لكن يذكر اسم الكفج أكثر من البلوج، و من عادتهم قطع الطريق، قضى عليهم السلطان محمود الغزنوى و محا اسمهم من الوجود.

77

فارسا منفردا، و كانوا هم خلق كثير فساقهم، و كان يصعد على المرتفعات، و كان يضع علامة على رأس الرمح، و لما رأوا هذا- إلى أن وصل هؤلاء التجار، و كبروا- و لما رأى الكفجيون أن الأمر هكذا، مضوا منهزمين، و تركوا الخيول و الأمتعة، و بذلك استرد المهلب مالهم على تلك الحال، و جاءوا إلى سجستان، مضى رئيس هؤلاء التجار إلى عبد الرحمن، و قص هذه القصة و شكر المهلب، و فى الحال استدعى عبد الرحمن المهلب و رعى جانبه، و تعجب من دهائه و حكمته و شجاعته و رزانته، ثم قالوا: إن هذا كله بعيد عنا. و قال عبد الرحمن: الأشراف فى الأطراف. و كان سبب هذا المثل فى الأغلب المهلب، فخلع عليه و أعطاه مائة فارس و علما و بوقا و طبلا، و أمر بأن يكتب اسمه فى ديوان العرض فارس الفرسان، و لما مضوا إلى حرب كابل، و تقابلت الجيوش، كان ملك كابل يقاتل بنفسه، حيث كان رجلا لم يساوه أى إنسان، و قتل الكثير حتى استشهد على يده عشرون ألفا و نيف من المسلمين، و لما رأى المهلب هذا، حمل على ملك كابل الذى كان قد رجع نحو جيشه فى هذا الوقت، فرشقه برمح أصابه فى ظهره و دخل الرمح فى الدرع، و لم يدخل فى ملك كابل، و مضى و نفذ الرمح أمام وجهه فقوى المهلب ليحضره ثانية و هكذا قوى إلى حد أنه استطاع أن يضم عنق الفرس إلى صدره، فبقى الفرس فى مكانه، و فى النهاية اقتلع الرمح، و ولى عنه ملك كابل من أمامه، و فى الحال أرسل شخصا و أبرم الصلح و قال: لا يمكن أن نتحارب مع هذا الجيش، و لما تم الصلح، جاء إلى عبد الرحمن ثم قال: لما تم الصلح حتى باغتنى أحد الفرسان، فسأل عبد الرحمن: من الذى باغته؟ فجاء عدة رجال قائلين نحن كنا فقال عبد الرحمن: إن هذا لا يعنى أن يكون عشرة رجال فى جسم واحد، إنه شخص واحد، ليس أكثر من ذلك، و التسعة الآخرون يقولون كذبا، و فى النهاية سأل ملك كابل هل تعرفه؟ قال: إذا كان قد ركب و مر علىّ فى يوم الحرب فأنا أعرفه، فأمر عبد الرحمن بأن يرتدى الجيش كله السلاح، ثم عرض هذا كله على ملك كابل، و لما قدم المهلب أمامه ممتطيا جوادا أبلق من سلالة خيل أبيه، فقال ملك‏

78

كابل: ها هو أيها الأمير، فاستدعى عبد الرحمن المهلب قائلا: يا سبحان اللّه، ادعى عدة رجال أنهم هم الطاعنون، و لم يقل أحد أنت الذى طعنت فلم يقل شيئا، فقال المهلب: أعز اللّه الأمير لا تكون المفاخرة بحديث علج، فأعزه عبد الرحمن، و عظم المهلب فى عين الجيش، و لما مضوا إلى حرب ملك كابل، تقدم الملك بجيش مجهز، و سبعة من الفيلة المدربة و مع كل فيل أربعة آلاف فارس، و حاربوا حربا عنيفة، و كان جيش الإسلام يفر من أمام الفيلة، و لكن لم يتقدم أحد، و لما رأى المهلب ذلك تقدم و واجه الفيلة، و واجه الفيلة، و ألقى الفيال الفيل أمامه، و رشق المهلب صدر الفيل برمح، فأصاب الفيل سبعة رماح التى بلغت إلى قلب الفيل، فصاح الفيل، و سحب الرماح، و عاد الفيل و هو يصيح، و لما رأى الفيلة الأخرى هذا، و شاهدت تمزق هذا الفيل و موته، عاد الجيش مع الفيلة الأخرى منهزمين، و قتل جيش المسلمين منهم خلقا كثيرا و كان الأسرى أكثر، و تم هذا النصر العظيم على يد المهلب، و لما كان الأمر هكذا، ففى هذا اليوم منح عبد الرحمن المهلب قيادة الجيش، و جعل الجيش تحت أمره، و أرسله إلى الهند و عاد و وثق فيه، و عظم المهلب و مضى و كانت الفتوح كثيرة حتى وصلت قندابيل، و عاد من هناك سالما بكثير من الغنائم، و جاء عبد الرحمن إلى سجستان، و كان عباد بن الحصين الحبطى صاحب شرطته، و مكث ثلاثة أعوام فى تلك الديار، و كان هناك أبو الحسن البصري‏ (1)، و بنى عبد الرحمن فى سجستان مسجد الجمعة، و وضع الحسن البصرى محرابه، و كان الحسن البصرى فى الثلاث سنوات هذه ملازما لمسجد الجمعة فى سجستان، و كان أهلها يقرأون العلم عليه، و كذلك كان حال عبد الرحمن بن سمرة فى تلك الأعوام الثلاثة كلها، كان يجمع و يقصر الصلاة لأنهم لم يكونوا يستقرون فى مكان واحد، و لما أراد عبد الرحمن أن يغادر (يترك) سجستان، اجتمع أهلها من علماء و أعيان و قادة

____________

(1) الحسن البصرى من كبار التابعين، و كان أبوه من أسرى ولاية ميسان، ولد فى خلافة عمر بن الخطاب فى المدينة و مكث بها، و فى رجب سنة 110 توفى فى البصرة. (ابن خلكان: و فيات العيان، ج 1، ص 180 (القاهرة 1972).

79

و قالوا: يجب أن يكون لنا إمام بحق على سنة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) و الآن على بن أبى طالب مكانه، و قد أرسلك معاوية إلى هنا و قد قتل بينهما ثمانين ألفا من أهل التهليل، و يجب أن تكون هذه الصلاة و الخطبة بالحق، أما الحال التى هى عليها فنحن لا نرتضيها، و حدث هذا فى حضور الحسن البصرى و عمر بن عبد اللّه ابن فهر و المهلب بن أبى صفرة و قطرى بن الفجاءة و السادات و العلماء و الكبار، ثم قال عبد الرحمن: إنى ذاهب إلى هناك حتى يستقر هذا الأمر، و إذا ما كان فى العمر بقية أعود، و حافظوا على هذا الأمر، و نفذوا أوامر الإسلام، و استخلف عباد ابن الحسن الحبطى، و مضى بنفسه إلى البصرة، و مكث هناك مدة، و كان زياد بن أبيه فى الكوفة، و مضى عبد الرحمن عند زياد، و عندما وصل إلى باب الكوفة توفى، و صلى عليه زياد و دفنه، و نسبه عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس ابن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر، و كانت كنيته أبا سعيد، و لما فرغ أمير المؤمنين من أمر الحرمين، أعطى البصرة لعبد اللّه بن عباس الذى أرسل ربعى بن الكاس العنبرى إلى سجستان، فاستدعاه من الطريق، ثم أرسل عبد الرحمن بن جرو الطائى إلى سجستان، و بعد أن ظل مدة عزله، و جاء ربعى بن كاس إلى هنا، و لما وصل قتل علىّ أمير المؤمنين على يد عبد الرحمن بن ملجم ليلة الجمعة لسبعه عشرة ليلة خلت من شهر اللّه المبارك (رمضان) و كان فى الثانية و الستين من عمره، و كانت مدة خلافته أربعة أعوام و تسعة أشهر، و اعتقل عبد اللّه بن جعفر و الحسين بن على عبد الرحمن بن ملجم‏ (1) و قيدوا يديه و قدميه، و سملوا عينيه و قطعوا لسانه، و بايع أهل الكوفة الحسن بن على بن أبى طالب، و لما وصل خبر مقتل علىّ إلى الشام، بايع أهل الشام معاوية فى إيليا، و هو معاوية بن أبى سفيان، و اسمه أبو سفيان صخر ابن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، و كنيته عبد الرحمن، و جاء معاوية

____________

(1) اتفق المؤرخون جميعهم أنهم ضربوه ضربة واحدة، إلّا أن ابن الأثير يقول: إن أهل الكوفة أحرقوه.

80

إلى دمشق و منها جاء إلى الكوفة، و خرج الحسن بن على من الكوفة و اجتمعوا فى الأنبار، و تعاقدوا هناك على الصلح بشروط، و ترك الحسن الإمارة.

تولى معاوية الخلافة

وصفا الملك لمعاوية، و مضى من هناك إلى المدينة، و كان هذا فى سنة إحدى و أربعين من الهجرة، و سموا هذه السنة بسنة الجماعة لأن ما كان يريده معاوية حدث فى هذه السنة، و لما كان الحال كذلك، أعطى معاوية البصرة و سجستان و خراسان إلى عبد اللّه بن عامر بن كريز و مضى حتى وصل سجستان.

مقدم عبد اللّه بن عامر بن كريز فى سنة إحدى و أربعين‏

لما وكلت إليه هذه الولاية، مضى أولا إلى سجستان، و كان على مقدمته الأحنف بن قيس، و كان معه جيش غفير من العظماء و السادة و العرب و العجم، و لما بقى هناك مدة مضى من هناك إلى خراسان حتى وصل إلى المدينة التى يسمونها نيسابور، و ترك هناك خليفة عنه، و بقى عامين فى سجستان فى عهد معاوية، ثم أعطى معاوية البصرة و خراسان و سجستان إلى زياد بن أبيه الذى أرسل ربيع الحارثى إلى سجستان.

81

مقدم ربيع الحارثى إلى سجستان عاملا عليها فى سنة ست و أربعين‏

قدم ربيع سجستان، و كانت له سيرة حسنة، و أجبر الناس على أن يتعلموا العلم و القرآن و التفسير، و أقام العدل، و دخل كثير من المجوس فى الإسلام و ذلك لحسن سيرته، و فى سنة سبع و أربعين مضى إلى بست و رخد و تلك الناحية التى اصطدم فيها بزنبيل‏ (1) الذى كان قد مضى إلى محاربته، و مضى زنبيل أمامه منهزما إلى بلاد الهند، وصفت له هذه الديار، و أخذ لهم حقهم، و عاد إلى سجستان، و هو الذى وضع ديوان الخراج فيها على أساس الكتاب و الحساب و جامعى الضرائب و المستوفين و المشرفين و المعتمدين، و كان كل هذا بمشورة الحسن البصرى الذى وصل إلى هناك معه، و لم يصنعوا شيئا إلا إذا سألوه، ثم عزل زياد بن أبيه ربيع عن سجستان، و أرسل عبد اللّه بن أبى بكرة إلى سجستان.

مقدم عبد اللّه بن أبى بكرة إلى سجستان فى سنة إحدى و خمسين‏

و أمر قائلا: لقد جئت إلى هذا لأقتل الهرابذة (2)، و أخمد نيران المجوس و مضى إلى سجستان على هذا الحال، و قصد الدهاقين و المجوس فى سجستان على‏

____________

(1) ذكر هذا الاسم فى معظم الكتب خصوصا المخطوطات، و لكن هذا الاسم لقب لملوك كابل و سجستان، إلا أنه ذكر فى عدة مواضع من هذا الكتاب (زنبيل) و (زنبل) و (رتبيل) و بما أن النسخة التى بين أيدينا قليلة النقط و هذا عيبها الوحيد فإنها من حيث صحة الأسماء و السنين التى وردت فيها منقطعة النظير، و قد ترددت فى صحة هذا الاسم، و قدّر لى أن وجدت نسخة من الطبرى تكاد تكون صحيحة و خالية من الخطأ حيث وجدت فى كل مرة يكتب اسم (زنتبيل) و ذكرت أيضا (زنده بيل) و قد وقع العرب فى كثير من الأخطاء المتعلقة بهذا الاسم (من تعليقات بهار على الكتاب).

(2) هم رؤساء المجوس و هى كلمة مشتقة من (هيربز) و هذه الكلمة لقب لبعض رؤساء المجوسيين مثل موبذ و كانوا يسمون رئيس المعبد (ايربذ) أى رئيس الأحبار و يقولها العرب (هيربذ).

82

عصيانه إذا سلك هذا الطريق، ثم قال مسلمو سجستان، لو أن نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) أو الخلفاء الراشدين فعلوا هذا مع جماعة اصطلحوا معهم، فيجب أن نفعل هذا الأمر، و إن لم يكن فلا يجب هذا الأمر، لأنه ليس فى شريعة الإسلام، و ليس فى الصلح، و كتبوا رسالة إلى الشام، و كان الرد عليها على النحو التالى لا ينبغى أن يكونوا معاهدين، و لهم هذا المعبد، و هم يقولون: نحن نعبد اللّه، و لكننا نملك معبد النار هذا و أيضا معبد الشمس الذى لنا لا نملكها كى نعبدها، و إنما نملكها بمثابة مالكم أنتم من محراب الكعبة بمكة، و لما كان الحال هكذا، فلا ينبغى هدمها فلليهود كذلك معبد، و للنصارى كنيسة و للمجوس بيت النار، و ما دام الكل معاهدين، فما الفرق بين معابدهم‏ (1)، يقولون: إننا نعبد اللّه، و معبد النار الذى نمتلكه و كذلك الشمس، أى فرق نجده حتى يكونوا لهم منكرين، و هم لا يحبون هدم أى شي‏ء، و هدم كل الكفر و الأديان إلا دين الإسلام، و لكنهم لم يفعلوا، و صالحهم على الجزية، و كان عز الإسلام ما دامت الدنيا و دام الزمان، فإن المسلمين يحافظون على عقيدتهم و دينهم، و يشكرون اللّه تعالى من جديد، و إذا رأوا خللا فى طريق دينهم أو يسمعون فإنهم يتحركون أو يتكون، و قضاؤهم يحكم بأمر اللّه و سنة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الذى قال: لا تحكم بين شخصين و أنت غضبان. ثم مكث عبد اللّه مدة فى سجستان، و مضى لى بست و رخد و كابل، و حارب زنبيل و فى النهاية اصطلحوا على ألف ألف درهم، و جاء معه زنبيل و عادا معا إلى سجستان، و أرسله من هنا إلى البصرة أمام زياد بن أبيه بأمر منه، و كان زياد يريد لقاءه، و لما وصل أكرمه زياد و خلع عليه، و أعاده إلى عبد اللّه بن أبى بكرة، و له أخبار كثيرة فى الجود و السخاء و الشجاعة، و لكن كان قصدنا فى الكتاب الاختصار فلا يجوز أن نتحدث عما وقع فى هذه المدينة الكبيرة فى عصره، و عندما حلت السنة الثالثة بعد الخمسين من الهجرة، مات زياد بن أبيه فى البصرة، و كان يبلغ من العمر ثلاثة و خمسين سنة، فصار سمرة بن جندب خليفته على البصرة، و كان على الكوفة

____________

(1) يوجد بياض فى المتن و هذا ما نجده كثيرا.

83

عبد اللّه بن خالد، و عند ما وصل معاوية خبر وفاة زياد، عزل عبد اللّه بن أبى بكر عن سجستان، و مضى عبيد اللّه و عباد بن زياد أخوه إلى معاوية، فأعطى معاوية خراسان لعبيد اللّه بن زياد، و أرسل أخاه عباد بن زياد إلى سجستان.

مقدم عباد بن زياد إلى سجستان‏

قدم عباد سجستان، و كان يجلس كل يوم خميس للنظر فى مظالم الناس، و كان يقضى الحاجات التى تطلب إليه فى كل يوم، و كان يعطى الصدقات و يحسن إلى الناس، و كان هذا الخبر يروى عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) كل يوم خميس (اللهم بارك لأمتى فى بكورها و اجعل ذلك يوم الخميس) و بعد أن استقرت الخلافة، مضى إلى كابل و من هناك مضى إلى قندهار حيث واجه جيش الهند، و قامت حرب صعبة، و فى النهاية نصر اللّه تعالى المسلمين، و كان عباد فى ذلك اليوم يحارب بنفسه و هو على ظهر بغلة، و حارب زهير بن ذويب العدوى هناك فى ذلك اليوم مثل رستم فى عصره، و وقع فى أيدى المسلمين ديار ممتلئة بالذهب و غنائم كثيرة، و كان ابن المفرغ‏ (1) هناك، و كان يهجو عبادا و زيادا كل يوم، و نذكره كما كان فى زمانه:

و أشهد أن أمك لم تباشر* * * أبا سفيان واضعة القناع‏

و لكن كان أمرا فيه لبس‏* * * على وجل شديد و ارتياع‏

فاستقدمه عباد و أدبه و حبسه، و سلمه للحجامين، و كان الحجامون قد مضوا و جاءوا بالخنازير البرية و الخمر، و أكل هذا الشاعر و أصبح ثملا، و فى اليوم التالى لسكره أصابه الإسهال، و كان الأطفال يشاهدونه، و من كثرة السواد الذى كان له من‏

____________

(1) هو يزيد بن ربيعة المفرغ الحميرى، سمى بهذا لأنه تراهن على شرب و عاء حتى يفرغه وقع خلاف بينه و بين الصاحب بن عباد فحبسه فهجاه ابن المفرغ و هو فى السجن.

84

الإسهال، كانوا ينادونه باللغة الفارسية، هذه الليلة، فأجابهم بالفارسية قائلا (1):

ماء و نبيذ* * * و عصارة الزبيب‏

و ليلة مملؤة بالشحم‏* * * و سمية أيضا بغية

و كانت سمية اسم أم زياد، ثم أعطاه عباد مالا و أعاده إلى العرب قال: يكفينى هذا منك، و كان واليا على سجستان على الدوام حتى وفاة معاوية يوم الخميس منتصف شهر رجب سنة ستين، و كان عمره ثمانى و سبعين سنة، و صلى عليه الضحاك بن قيس الفهرى، بعد خلافة دامت تسع عشرة سنة و ثلاثة أشهر و اثنى و عشرين يوما، و كان خضابه الحنة و الشبر، و كان توقيعه لا حول و لا قوة إلا باللّه العلى العظيم، و قبره فى دمشق فى مقبرة الباب الصغير، و اللّه المستعان.

تولى يزيد بن معاوية الخلافة يوم الخميس لثمانى ليال بقين من شهر رجب سنة ستين‏

و كانت كنيته أبا خالد، و توقيعه آمنت باللّه مخلصا، و عندما بلغت أخبار تولى يزيد و بيعة أهل الشام عند الحسين بن على (رضوان اللّه عليه)، أرسل مسلم بن عقيل أبا طالب إلى الكوفة حتى يبايعوه، إلا أن أهل الكوفة غدروا به، حيث إن حاله لم يكن خفيا على الخاص و العام، و أقروا مسلم كى يقطعوا رقبته، و أخبروا يزيد بذلك، و بقى عمر بن سعد إلى أن أرسل يزيد عبد اللّه بن زياد إلى هناك، و فى هذه الليلة كان ثلاثة آلاف فارس مع مسلم يجتمعون حوله مدة من الزمن، فنظر فلم يجد

____________

(1) لمزيد من المعلومات انظر فى هذه القصة الكامل فى التاريخ لابن الأثير، ج 3، ص 205 و أيضا فى كتاب الأغانى، ج 17، ص 51.

85

سوى عشرة رجال فعاد، و أراد أن يهرب حتى لا يراه أحد، و كان ظمآن فطلب ماء من امرأة، و دخل بيتها، فأخبرت المرأة عبيد اللّه بن زياد، فأرسل شرطيا حتى أحضره، و أمر أن يحمل إلى سطح القصر، فضربوا عنقه، و ألقوا رأسه و جسمه فى الميدان، كما ضرب أيضا عنق هانى بن عروة المرادى و الزبير بن أروح التميمى، و أرسل الرءوس الثلاثة إلى يزيد، و لما وصل خبر مسلم إلى الحسين بن على، نهض و سلك طريق الكوفة، و لما سمع عبيد اللّه بن زياد خبره، أرسل عمر بن سعد بجيش لاستقباله فى كربلاء، فالتقوا معا و حاربوا، و قطعوا طريق الماء على الحسين حتى أصابه الظمأ، ثم قتلوه هناك و هو ظمآن فى يوم عاشوراء الموافق الأربعاء سنة إحدى و ستين، و قتل من أهل بيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من كان مع الحسين هناك، جعفر بن على بن أبى طالب، و عباس بن على بن أبى طالب، و محمد بن على، و على بن الحسين الأصغر و على بن الحسين بن على، و عبد اللّه بن الحسن بن على، و القاسم بن الحسن بن على، و عون بن عبد اللّه ابن جعفر بن أبى طالب، و محمد بن عبد اللّه بن جعفر بن أبى طالب، و عبد اللّه بن مسلم ابن عقيل بن أبى طالب، و أكثر من هؤلاء الصغار و الكبار، الذين إذا ذكرنا أسماءهم لطالت القصة، و كان هؤلاء هم المعرفون، و أخرج شمر بن ذى الجوشن لعنه اللّه رأس الحسين بن على رضى اللّه عنه، و أسر عبد اللّه الرأس مع النساء و الأطفال، و أرسلها إلى الشام على الجمال و رءوسهم عارية، و كانوا كلما نزلوا فى موضع أخرجوا الرأس من الصندوق، و رفعوها على رأس رمح، و كان الحراس يفعلون هذا حتى يركبوا دوابهم، حتى وصلوا إلى منزل كان فيه راهب من النصارى، و رفعوا الرأس على الرمح كما هى عادتهم، و لما دخل الليل، كان الراهب يتعبد فى صومعته، فرأى نورا يصعد من الأرض إلى السماء، بحيث لم تبق ظلمة و سطع هذا النور من السماء إلى الأرض، فصاح من على السطح قائلا:

من أنتم؟ قالوا: نحن أهل الشام، قال: رأس من هذا؟ قالوا: رأس الحسين بن على قال: جماعة سيئة هذه، لو أن بقى لعيسى (عليه السلام) فإننا نضعه فى عيوننا، ثم‏

86

قال: يا قوم لدىّ عشرة آلاف دينار و هى ميراث حلال إذا كنتم تسلموننى هذه الرأس إلى الصباح، فأنا أعطيكم هذا الذهب الحلال، قالوا: أعطنا، فأحضر الذهب فأخذوه و قسموه فيما بينهم و أعطوه الرأس فغسله و نظفه و طهره، فعجن ماء الورد و المسك و الكافور، و وضعه (و أدخله) فى منافذه و قبله، و وضعه فى جانب، و ظل يبكى حتى طلع الصباح و قال: أيها الرأس العظيم إن لى السيطرة على نفسى و أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن جدك محمد صلى اللّه عليه رسول اللّه و أسلم، و أصبح مولى الحسين رضى اللّه عنه، ثم سلمهم الرأس مرة أخرى، فوضعوه فى الصندوق و مضوا، و لما وصلوا بالقرب من دمشق نظروا إلى الذهب الذى أخذوه من الراهب، فأصبح كله فخارا، و فى مكان خاتم العملة وجدوا (وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) (1) و ظهر على الوجه الآخر بقدرة البارى تعالى‏ (وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (2) فجمعوا هذا الذهب كله و ألقوه فى النهر، فبكى كثير منهم و تابوا، و مضوا فى الحال إلى الجبل و الصحراء و كانوا كثيرين، و أصر الباقون و حملوا النساء الأسيرات و الأطفال الحاسرين على جمل إلى دمشق، و وضعوا هذا الرأس أمامهم فى طست، و كانوا يضربون بقضيب شفة الرأس و أسنانه، و ذكر هذا الخبر فى كتاب الخلفاء (3) كاملا و هو معروف، و لما وصل هذا الخبر سجستان، قال أهلها: إن يزيد لم يسلك مسلكا حسنا مع أبناء رسول اللّه (عليه السلام)، و هكذا فعل، فثار بعضهم، فأودع عباد سجستان لأهلها، و كان قد جمع عشرين حملا و كل حمل ألف ألف درهم لبيت المال من غنائم كابل، و أخذ الأموال الأخرى، و عاد إلى البصرة، فعهد عبيد اللّه بن زياد بأخيه ليزيد بن زياد، و أرسل أخاه أبا عبيدة بن زياد إلى سجستان فى أول سنة اثنتين و ستين.

____________

(1) سورة إبراهيم، الآية 42.

(2) سورة الشعراء، الآية 227.

(3) لا نعلم عن هذا الكتاب شيئا.

87

مقدم ولدى زياد بن عباد و أبى عبيدة إلى سجستان يزيد للإمارة و أبو عبيدة للقيادة

و قدم يزيد سجستان، و مكث مدة طيب السيرة، ثم انصرف عنه أهل كابل، فمضى يزيد إلى هناك بجيش و جمع جيشا كبيرا هناك، و حاربوا حربا صعبة، و قتل خلق كثير من المسلمين و وقعوا فى الأسر و نجا بعضهم، و ظل أبو عبيدة فى الأسر و يزيد وصلة بن أشيم العدوى‏ (1) و أبو الصهباء و أبوه و زيد بن جدعان والد على بن يزيد و بديل بن نعيم العدوى، و عثمان بن الأدهم العدوى، و استشهد هناك جمع عظيم من العباد و العظماء (و الأعيان)، و لما بلغ الخبر الشام، أرسل يزيد بن معاوية سلم بن زياد بن أبيه إلى خراسان و سجستان الذى أرسل طلحة بن عبد اللّه ابن خلف الخزاعى الذى يسمونه طلحة الطلحات إلى سجستان و أرسل رسولا إلى يزيد بن معاوية برسالة يطلب فيها أن يرسل طلحة إلى سجستان، فأرسل يزيد عهد سجستان لطلحة، و أمر أن يكون سلم خليفة له من بعده و قد جاءه هذا الأمر و هو فى الطريق، فكان أن آمر يا أخى خذ الأمر ثانية.

مقدم طلحة الطلحات إلى سجستان و كان أخوه عمر صاحب الجيش‏

قدم طلحة سجستان، و كان أخوه عمر صاحب الجيش، و صاحب شرطته مالك ابن أوسى الأزدى، و أرسل رسولا و افتدى أبا عبيدة و الأسرى الذين كانوا معه بخمسمائة ألف درهم، ثم مضى إلى بست، و نظم شئون تلك الديار و عاد إلى سجستان، و كان رجلا عظيما حكيما حسن السيرة، و لم يكن له نظير فى الشجاعة

____________

(1) صلة بن أشيم أبو الصهباء العدوى و هو زوج معاذة العدوية (البلاذرى، ص 405).

88

و السخاء، و صار بعدله و سخائه أن أهل سجستان كانوا يقسمون بروحه، و ذلك لأن محبته تمكنت فى قلوبهم و كان هكذا يقول الشاعر:

يا طلح أنت أخو الندى و عقيده‏* * * فبحيث بت من المنازل باتا

شهد الأنام صغيرهم و كبيرهم‏* * * أن الندى إن مات طلحة ماتا

و بلغ من السخاء منزلة أن أبا الأسد (1)، قدم سجستان يقصده، و بقى مدة على بابه، و لكنهم لم يخبروه، و فى النهاية كتب هذه الأبيات و أرسلها إليه:

ورد السقاة المعطشون فأنهلوا* * * ريا و طاب لهم لديك المكرع‏

و وردت بحرك طاميا متدفقا* * * فرددت دلوى شنها يتقعقع‏

و أراك تقطر جانبا عن جانب‏* * * و محل بيتى عن سمائك بلقع‏

و لما رأى خطه و شعره، تملكه الخجل، و أحضره فى الحال، و اعتذر إليه و أعطاه فى يديه ياقوتتين حمراوين ثمينتين و قال: يا أبا الأسد: ما أحب إليك، العشرون ألف درهم أم واحدة منهما فقال: لا أختار قطعة من حجر، فأحضر له عشرين ألف درهم، و قال: إنه لا يخدع الناس بهذا فقد اشتريتها بمائة ألف درهم، و حملهما أبو الأسد إلى العراق و باعهم بمائة و عشرين ألف درهم.

____________

(1) قدم أبو الأسد ذات مرة سجستان لزيارته، و إذا ما فرضنا أن أبا الأسد هذا رجل مغمور و أما أبو الأسد ذلك الشاعر الذى كان معاصرا لطلحة و يزيد، و ليس من المستبعد أن يكون قد مضى إلى سجستان و لكننا لم نجد عن أخباره شيئا، و سياق النص يدل على أن أبا الأسد لم يكن موجودا، لأنه من المستبعد أن يمضى أبو الأسد إلى سجستان و أن طلحة لا يعلم بمقدمه.

89

مقدم الأسود بن سعيد إلى سجستان‏

و أرسل يزيد بن معاوية أسود بن سعيد إلى سجستان فى آخر سنة اثنتين و ستين، و لما مكث عدة أيام، أرسل فى أثره عبد اللّه بن طلحة الطلحات إلى سجستان فى سنة ثلاث و ستين.

مجي‏ء عبد اللّه بن طلحة إلى سجستان‏

و بقى عاما فى سجستان، ثم أرسل يزيد أباه طلحة إلى سجستان فى سنة أربع و ستين، و جعل ابنه عبد اللّه خليفته حتى أن الناس مدحوا حسن سيرته، و بقى طلحة فى سجستان (إلى وقت وفاته) ثم أوصى ابنه قائلا: ادفنى هنا، فإن هؤلاء القوم يحبوننى حتى ذكرى هنا بين أصدقائى و يذكروننى أعواما، لأن من يذكره الناس لا يموت، و الكلام الذى قالوه منذ ألف سنة ليس خطأ و هو أن بقاء الإنسان فى الذكر الطيب، و إنى آمل ان أكون من جملة هؤلاء فى هذه المدينة الكبيرة و بين هؤلاء الرجال العظماء الأحرار، و عندما مات نفذ ابنه أمره، و دفنه فى تل مهاجر، و قبره الآن معروف يقول الشاعر- و هو عبد اللّه بن قيس الرقيات‏ (1):

رحم اللّه أعظما دفنوها* * * بسجستان طلحة الطلحات‏

و لما مات طلحة، تمرد جيشه على يزيد بن معاوية، و استقر كل شخص على ناحية من نواحى سجستان، و لما كان الأمر كذلك، ترك ابنه القصبة و عاد، فاستولى‏

____________

(1) هو عبد اللّه بن قيس بن شريح بن مالك بن ربيعة بن غالب، لقب بعبيد اللّه بن قيس الرقيات لأنه شبب بثلاث نسوة سمين جميعهن رقية، و هو شاعر قرشى ..

90

أبو سليح بن ربعى القشرى على باب طعام، و وكيع بن أسود على أوق، و عبد المجيد ابن جميل على خواش و عبد اللّه بن ناشرة على فراة، و أهملوا القصبة و بسكر بحيث لم يكن لهما واليا حتى توفى يزيد بن معاوية فى حوران من توابع الشام لأربعة عشر يوما مضت من ربيع الأول سنة أربع و ستين، و كان عمره ثمانية و ثلاثين عاما و ثمانية أشهر إلا ثمانية أيام، و دفنوه فى دمشق.

تولى معاوية بن يزيد بن معاوية الخلافة

و تولى معاوية بن يزيد الخلافة فى منتصف ربيع سنة أربع و ستين‏ (1)، و كانت كنيته أبا ليلى، و كان فى الأربعين من عمره عندما تولى الإمارة، و لما ضاق الحال عليه قالوا: اتخذ لك (فليكن لك) وليا للعهد، قال: إنى لم أر من دنياكم الخير و أجعل وبال ما تبقى فى عنكم، و توفى لأربعة أيام بقين من ربيع الأول سنة أربع و ستين، و بايعوا مروان بن الحكم فى الشام و عبد اللّه بن الزبير فى مكة.

تولى مروان بن الحكم فى الشام‏

و هو مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، و بايعوه فى جايبه يوم الأربعاء لثلاثة مضت من شهر ذى القعدة سنة أربع و ستين.

____________

(1) لم يحدد الطبرى و ابن الأثير اليوم و الشهر الذى تولى فيه معاوية بن يزيد الخلافة.

91

تولى عبد اللّه بن الزبير فى مكة

و هو عبد اللّه بن الزبير بن العوام، و كانت كنيته أبا حبيب، بايعه أهل العراق، و كان اسم أمه أسماء بنت أبى بكر الصديق، و لما استقام له الأمر، أعطى الحارث ابن عبد اللّه بن أبى ربيعة المخزومى البصرة و خراسان و سجستان الذى كانوا يسمونه القناع‏ (1)، ثم أرسل القناع عبد العزيز بن عبد اللّه بن عامر بن كيز إلى سجستان.

مقدم عبد العزيز أميرا من قبل الحارث بن عبد اللّه‏

و قدم سجستان، و أحسن إلى الناس و قال لهم خيرا، و جمع جيش طلحة و خلع عليهم (وداعبهم) و ذكروا له خبر كابل و بست و هو أنهم أعلنوا العصيان.

ذهاب عبد العزيز إلى بست و كابل‏

و مضى بطريق الصحراء، و جمع زنبيل جيشا من الأتراك، و حارب حربا صعبة، حتى عجز المسلمون و أرادوا أن يفروا أمام قوة الأعداء و شجاعتهم، و كان عمر بن شان العرى رجلا شجاعا و معروفا، و كان مع عبد العزيز فى موضع‏

____________

(1) هو الحارث بن عبد اللّه بن أبى ربيعة المخزومى المعروف بالقناع (البلاذرى، فتوح البلدان، ص 405).

92

واحد، فحمل على زنبيل‏ (1) و هزموه، و قتلوا كثيرا من الأتراك و هزموهم، و وجد المسلمون كثيرا من الغنائم و كثيرا من الغلمان و الخيول و السلاح، و استقام له أمر كابل و زابل، و عاد إلى سجستان منصورا، و كان رجلا عالما و كان يحب العلماء، و استدعى ذات يوم رستم بن مهر هرمز المجوسى و أجلسه، و كان متكلم سجستان، و قال له: إن للدهاقين حكما فقل لى شيئا منها، قال: إن الجاهل هو من يفتعل الصداقة، و يرائى فى تقوى اللّه، و يصاحب النساء بغلظة، و يرى منفعته فى إيذاء الناس و يريد أن يتعلم الأدب بسهولة، فقال له: زدنا، فقال الدهقان: ماء النهر حسن حتى يصل إلى البحر، و الأسرة فى سلامة ما لم تلد ابنا، و الصداقة بين شخصين فى صلاح ما لم يصل إليها سوء ظن، و العالم دائما قوى مادام الهوى لا يغلب عليه، و أمر الملك و الملك مستقيم دائما مادام الوزراء صالحين. و بقى عبد العزيز فى سجستان حتى توفى مروان بن الحكم فى شهر رمضان سنة خمس و ستين، و كان يبلغ من العمر اثنتين و ستين عاما، و كانت مدة ولايته عشرة أشهر إلا ثلاثة أيام، و صلى عليه ابنه عبد الملك بن مروان الذى كان وليا لعهده، و دفنوه فى دمشق، و بايع أهل الشام عبد الملك.

تولى عبد الملك بن مروان بن الحكم الخلافة

و كانت كنيته أبا ذنان، و تولى فى شهر رمضان سنة خمس و ستين، و نعود إلى حديث عبد اللّه بن الزبير، فقد عزل الحارث بن عبد اللّه من إمارة العراق، و أعطى العراق لأخيه مصعب بن الزبير، و كتب لمصعب رسالة بذلك، و جعل عمل سجستان لعبد العزيز الذى كان فيها على الدوام إلى عام اثنتى و سبعين حينما قصد

____________

(1) يذكر البلاذرى و ابن الأثير أن زنبيل قتل فى هذه المعركة، إلا أن مؤلفنا يقول إنه هزم فقط.

93

مصعب بن الزبير محاربة عبد الملك، و سلك طريق الشام إليه مع جيش عظيم، كما أن عبد الملك قصده أيضا و سلك طريق العراق، حتى وصل الجيشان إلى دير جاليق، و وقعت بينهما مواقع و حروب كثيرة، حتى وقعت الهزيمة مرة على جيش مصعب الذى قتل لأنه لم يهرب، و كان له من العمر أربعون عاما، و لما حل عام ثلاثة و سبعين، أرسل عبد الملك الحجاج بن يوسف لمحاربة عبد اللّه بن الزبير، و دخل الحجاج الحرم، و صوب المنجنيقات على الكعبة، و مكث هناك مدة، و كان يقتل الناس فى الحرم، حتى قتل عبد اللّه بن الزبير فى يوم السبت لثلاثة عشر يوما بقين من شهر جمادى الأولى سنة ثلاث و سبعين، و علقه (نكسه) على نخلة و هو بلا رأس، و بذلك استقر الأمر لعبد الملك، ثم أسند إلى الحجاج العراق و خراسان و سجستان، ثم أعطى الحجاج لأمية بن عبد الملك خراسان و سجستان، و أعطى أمية سجستان لابنه عبد اللّه بن أمية.

مقدم عبد اللّه بن أمية إلى سجستان فى عصر الحجاج سنة أربع و ستين من الهجرة

ما إن انقضى شهر حتى مضى عبد العزيز، و مكث عبد اللّه مدة فى سجستان، ثم مضى إلى بست، و حارب زنبيل، و استولى على ملتقى الطرق، و لما ضاق الأمر على زنبيل أرسل إليه حمل حمار من الذهب هدية متعهدا بعدم الحرب، و اصطلح على ألفى ألف درهم، و له ثلاث مائة ألف درهم، و لما بلغ هذا الخبر إلى عبد الملك عزله.

94

مقدم موسى بن طلحة بن عبد اللّه‏ (1) إلى سجستان‏

و أرسل الخليفة موسى بن طلحة بن عبد اللّه إلى سجستان، و عاد عبد اللّه و بقى موسى هناك حتى أول سنة خمس و سبعين، و توفى بشر بن مروان أخو عبد الملك فى البصرة، و قدم الحجاج الكوفة، و مكث فيها عدة أيام، ثم عاد إلى البصرة، و استخلف عروة بن المغيرة بن شعبة على الكوفة، و لما استقر بالبصرة جمع جيشا ليحارب الخوارج، الذين كانوا قد خرجوا من كل مكان، و انضم الناس خاصهم و عامهم معهم، و كان قوادهم من صناديد العرب و عظمائهم، من صحابة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم)، و لما وقعت الوقائع بين المسلمين، و خرجت الأمور عن حدها إذ لم يروها فى الكتاب و السنة و كانوا يزدادون يوما بعد يوم، و لما ظهرت أحداث أمير المؤمنين عثمان و الذين اجتمعوا حوله من الصحابة، و أنكروه حتى بلغ الكلام معه إلى أن يقتلوه على تلك الحال و كذلك حرب الجمل و مقتل طلحة و الزبير و هؤلاء العظماء الذين كانوا ضمن الجماعتين، ثم خلاف معاوية و حرب صفين و حديث الحكمين و نية أبى موسى الأشعرى و خدعة عمرو بن العاص و قتل أمير المؤمنين على بن أبى طالب، ثم اجتماع القوم مع معاوية، و عزل الحسن بن على عن الخلافة، و قتل الحسين بن على و كل أهل المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) فى عصر يزيد بن معاوية، و أخذ رأس الحسين و حريم آل بيت المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) و هن عاريات الرأس إلى الشام، و ضرب شفاه الحسين و أسنانه بالقضيب حيث إن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قبلهما آلاف المرات، ثم قتل مصعب بن الزبير و صحابة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى عصر عبد الملك بن مروان، ثم إرسال الحجاج بن يوسف إلى مكة لدق حرم اللّه تعالى و قبلة الإسلام بالحجر و المنجنيق، و إزهاق دماء كثيرة بغير حق فى الحرم، و قتل عبد اللّه بن الزبير و تعليقه فى شجرة، و ما تبقى من ذلك‏

____________

(1) لم يذكر هذا الاسم عند الطبرى و البلاذرى فى تاريخهما.

95

إذا ذكرناه كله لطال بنا الكلام، و لما رأى جماعة من أصحاب الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) هذه الأحوال قالوا: إن الدنيا لا تساوى الدين و نحن نعلم أن العبد ليس معصوما من الخطأ و الوقوع فى الهفوات، أما أن تمر الساعات و الأيام و الشهور و الأعوام على هذه الحال و بهذا الإصرار، فقد برأوا منهم، و كان رجلا عظيما هو قطرى بن الفجاءة (1)، الذى كان من سادات العرب كان مع عبد الرحمن بن سمرة هناك، و كان صديقا لأهل سجستان، و لما نهض من العراق و خرج من جماعته، طلبوه و قصدوه، فكان لابد له أن يحارب، و وقعت حروب كثيرة، ثم أرسل أشخاصا إلى سجستان و ذكروا هذه القصة، و أن مثل هذه الأشياء وقعت فى الإسلام، و اتفق معهم أهل سجستان خاصهم و عامهم، و لما دبر الحجاج هذا التدبير، و جهز الجيوش، و أرسل عبيد اللّه بن أبى بكرة بجيش عظيم إلى سجستان، و جعل حربش ابن بسطام التميمى قائدا للجيش، و رافقه ابنه بو بردعة بن عبيد اللّه بن أبى بكرة أيضا بجيش كبير.

مقدم عبيد اللّه بن أبى بكرة إلى سجستان فى عصر الحجاج‏

و قدم عبيد اللّه بن أبى بكرة بجيش، و لما وصل مشارف سجستان كان حربش ابن بسطام التميمى قد جاء من قبله بجيش كبير، و مضى أهل سجستان لمحاربته، و حارب جماعة الخوارج حربا عنيفة و قتلوا خلقا كثيرا، و أجهد الظمأ و الجوع جيش حربش و قتل منه الكثير، و قتل فى ذلك اليوم شريح بن هانى الحارثى و عبد اللّه‏

____________

(1) كان من عظماء الخوارج و كنيته أبو نعامة و يتصل نسبه بمازن بن مال بن عمرو بن تميم و عندما كان مصعب أخو عبد اللّه واليا على العراقيين، ظهر قطرى، و كان خليفة على الخوارج مدة عشرين عاما و رائدا لهم، و كان يلقب بأمير المؤمنين، و قد انتصر أكثر من مرة على جنود بنى أمية، و حارب المهلب و أبناءه حروبا كثيرة، و فى آخر أمره سقط من واد و قتل سنة 79 ه.

96

ابن عباس بن ربيعة بن عبد المطلب ثم عاد جماعة منهزمين إلى القصبة، فقدّم إليهم الناس الطعام فأكلوا، و لما أكلوا كثيرا ماتوا جميعا بحيث لم يبق أحد من هذا الجيش إلا قتيلا أو ميتا، و لما قدم العرب بعدهم، و رأوا الأمر كذلك سموهم جيش الفناء، ثم وصل عبيد اللّه بن أبى بكرة سجستان فى أول سنة ثمان و سبعين، و جعل ابنه بوبردعة واليا على الخراج و كان اسمه المغيرة، و مكث عبيد اللّه هناك مدة، ثم مضى إلى بست عن طريق الصحراء، و عهد بسجستان إلى ابنه بو بردعة، و لما وصل بست، كان زنبيل قد أعد جيشا و كان على مقدمته، و كان مع عبيد اللّه جيش كبير، و حاربوا حربا شعواء (1)، و وقعت وقائع عظيمة بينهما، كان آخرها الصلح على سبعمائة ألف درهم، و مات عبيد اللّه فى بست بسبب مرض فى الأذن، و قبره موجود الآن فى بست، ثم مضى ابنه بو بردعة لمحاربة زنبيل، و ضاق الأمر على زنبيل حتى قبل الصلح و ذلك من الكرة الأولى، ففتح الثانى الطريق، و عاد إلى سجستان، و لما وصل خبر وفاة عبيد اللّه إلى الحجاج، جمع جيشا، و اختار عشرة آلاف فارس من بين مائة و عشرين ألفا، و جهزهم بما يجب تجهيزهم من السلاح و الدواب و الرواتب (العتاد) و جعل عمر بن عطا قائدا عليهم، ثم استدعى عبد الرحمن بن محمد الأشعث الكندى، و أعطاه ولاية سجستان، و جعل هذا الجيش كله تحت يده، و أمرهم بأن يدينوا له بالطاعة، و سموا هذا الجيش جيش الطواويس، و ذلك لأن جميع الصناديد و أبناء النعم من العرب كانوا فيه، و قدم عبد الرحمن مع هذا الجيش.

____________

(1) كانت للخوارج الغلبة على سجستان، حيث يقول المؤرخون المسلمون الذين ذكروا هذه الحرب إنها كانت فى حوزة عبد اللّه بن أبى بكرة و إنها وقعت فى ملك رتبيل بالقرب من كابل و إن شريح بن هانى‏ء قتل مع جميع المسلمين فى هذه الحرب و إن عبيد اللّه قد مات أيضا فى هذه الحرب بسبب مرض بالأذن، و أن أعدادا كبيرة قد ماتت من بعده عطشا أو جوعا، و هذه الحرب كانت مع الخوارج فى زرنج كما يقول مؤلف تاريخ سجستان، يقول البلاذرى: إنها حرب كانت ضد زنبيل و ليست ضد السيستانيين، انظر فتوح البلدان، ص 406 و الطبرى ج 3، ص 1038 و ابن الأثير ج 4، ص 174.

97

مقدم عبد الرحمن بن محمد الأشعث إلى سجستان فى سنة اثنتين و ثمانين‏

و منذ أن قدم عبد الرحمن سجستان، كان قد قدمها همام‏ (1) بن عدى السدوسى و هو قائد عظيم من قواد الخوارج بجيش عظيم، فحاربه عبد الرحمن، و قتل خلقا كثيرا من الطائفتين، و فى النهاية انهزم همام، و أرسل عبد الرحمن رءوس هؤلاء الصناديد الذين قتلوا إلى الحجاج، و دخل القصبة، و كان عبد اللّه بن عامر المجاشعى من عظماء سجستان، و لما سمع خبر مقدم عبد الرحمن مضى إليه، و أرسل بو بردعة رسالة إلى المهلب بن أبى صفرة- و كان المهلب واليا على خراسان- قائلا له: أرسل إلينا رجلا عمل بجيش حتى لا يضعف أمرى هنا، حيث كثر الخوارج، فأرسل المهلب وكيع بن أبى بكر بن وائل، فاتفق بوبردعة و وكيع على أن يصالحا أبا عبد اللّه بن عامر الذى كان أبوه قائدا لجيش سجستان و كان عبد اللّه يحافظ على الناس، و لما وصل عبد الرحمن طلب عبد اللّه بن عامر و استدعاه و أكرم وفادته، و أدخله المدينة و كان يصنع كل شي‏ء بمشورته و تدبيره‏ (2) و كان أهل سجستان شيعة لعبد اللّه بن عامر و كان منهم عظماء سجستان، ثم مضى عبد الرحمن لحرب زنبيل، و أودع سجستان لعبد اللّه بن عامر، و دخل بست فى نهاية سنة اثنتين و ثمانين، و حارب زنبيل حربا شعواء، و قتل عددا كبيرا من الكفار، و استولى على غنائم كثيرة، ثم نظم جيشه و عاد على سجستان، فوصلته رسالة الحجاج يقول فيها: حصّل الضرائب من الناس، و اهجم على الهند و السند، و أرسل فى الوقت نفسه عبد اللّه بن عامر، و لما قرأ عبد الرحمن الرسالة، صلى العشاء و أحضروا إليه الطعام حتى يأكله، و كان طائرا سمينا على المائدة، فأكله و استحسنه، و سأل قائلا للطباخ حدثنى عن أمر هذه الدجاجة، قال: إن هذه الدجاجة أرسلها عبد الرحمن بن عامر مع غيرها و كلهم على هذا النحو، و فى الحال أرسل شخصا

____________

(1) ذكر المؤلف اسم هذا الشخص على أكثر من وجه، ذكره همام و بعده ذكره همان، و لكنه ورد عند ابن الأثير (هميان) إلا أننا نرى أن (همام) هى الأقرب للصواب.

(2) لم تذكر الأمهات من كتب التاريخ الموثوق بها هذا الخبر و ينفرد به هذا الكتاب.

98

و استدعاه، و عندما جلس، عرض عليه رسالة الحجاج قال عبد اللّه: إن للّه زمنا طويلا و أوصيك، فضحك عبد الرحمن و قال: إنه عمر منحك اللّه إياه و لم أقدر على اعتقاله، أما إن استطعت بما يقوله الحجاج فإنى أن أصنع، فأنت آمن، فهل من الواجب أن آكل طيرك و أن أجفوك بأمر من الحجاج و أصبح مأخوذا بدمك، أبسط يدك و كل شيئا، فسر عبد اللّه و أكل شيئا، ثم رد على رسالة الحجاج بقوله: أنا أغزو الهند و السند و لكنى لا آخذ شيئا بغير حق و لا أريق دما و لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق و السلام‏ (1)، و أرسل الرسالة إلى الحجاج، ثم جاءته رسالة منه بالتهديد، فنهض و مضى إلى كابل، و هناك حارب زنبيل، و صادقه فى الخفاء، و أحسن إلى أهل سجستان و بست، و بهذا أصبحت هذه النواحى حتى زابل و كابل و الهند و السند، و مواطنوها كلهم تحت أمره، و عزم على أن يخالف الحجاج لسوء معاملته له و للمحرمات التى يقترفها من إراقة الدماء بلا حق و عدم رعايته الرعية، و كان معه كثير من أهل العلم فى هذا الرأى، و كان من جملتهم عمر الذى كان يعقد مجلس التذكير و كان فصيحا يقول كلاما بليغا، و اجتذب قلوب أهل تلك النواحى، و جعل للدين و للشريعة مساغا فى قلوبهم، و صرح بأن ما صنعه الحجاج يتجافى مع الشريعة، و بايع عبد الرحمن فى السر، و كان يدعو الناس، ثم أرسل عبد الرحمن رسالة فى هذا الموضوع إلى المهلب بن أبى صفرة الذى كان فى مرو، قائلا له:

أنت ترى و تسمع عن سوء ما يصنعه الحجاج و اعتقاده الشئ و الأشياء التى صنعها فى الإسلام، و مضى عبد الرحمن إلى كابل، و كان يأخذ البيعة من الناس فى كل الأماكن، و لما فشا هذا الخبر و انتشر، مضى أبى بن سفيان الدوسى إلى الحجاج، و أخبره بحديث عبد الرحمن، و فى الحال أرسل الحجاج رسولا إلى عبد الملك بن مروان و أخبره، فأجاب عبد الملك عليه فى الحال، أن اجمع الجيوش من كل مكان، و أعد العدة و العتاد و تركه تحت تصرف الحجاج، فجمع الحجاج‏

____________

(1) لم يرد هذا الخبر فى كتب التاريخ الأخرى و بذلك يعد خبرا جديدا و لطيفا (من تعليقات بهار).

99

و جهزه و مضى قاصدا عبد الرحمن الذى عزم أيضا على مواجهة الحجاج، فوصلا إلى البصرة (1)، و كان الحجاج فيها و خرج منها قبل وصول عبد الرحمن، و صعد عبد الرحمن المنبر فى ذلك اليوم و هو فى البصرة، و ذكر أفعال الحجاج، و تعرض لهؤلاء الأشخاص الذين كانوا معه، و تضامن معه فى ذلك اليوم أربعة آلاف من العباد من العراقيين و لم يكن لهم غرض سوى خلع الحجاج، و فى اليوم التالى مضى خلف الحجاج و تحاربوا فى الزاوية حربا شعواء، و قتل خلق كثير، و فى النهاية انهزم عبد الرحمن، مضى إلى الكوفة عند مطر بن ناحية الرياحى‏ (2)، و بايعه مطر و أهل الكوفة، و لما قوى أمره عاود القتال، و حارب فى دير الجماجم إحدى و ثمانين مرة، انهزم الحجاج فى ثمانين منها و فى الأخيرة هزمه الحجاج، و قتل و غرق معظم رفاقه، و ضاع بعضهم فى الصحارى و كان منهم عامر الشعبى‏ (3) الذى ضل طريقه فوصل إلى ما وراء النهر، و سعيد بن جبير الذى وصل إلى مكة، أما عبد الرحمن فقد اتجه إلى البصرة و من خلفه الحجاج، إلا أنه وصل فارس و منها إلى كرمان إلى أن دخل سجستان، و قبله أهلها فيها، و أرسل الحجاج رسالة إلى المهلب فى خراسان، أن أرسل جيشا يطلب عبد الرحمن بن الأشعث فى سجستان، و فى الحال أرسل المهلب ابنه مفضل بجيش غفير إلى سجستان، و أرسل الحجاج من البصرة عبد الرحمن بن العباس الهاشمى مع ألفى فارس إلى سجستان، و عندما علم عبد الرحمن بن الأشعث بذلك مضى من سجستان إلى بست، و مضى عبد الرحمن‏

____________

(1) يقول ابن الأثير: نزل الحجاج بتستر و جاء إلى البصرة بعد المعركة التى اشتبك فيها مع جيش عبد الرحمن فى (دجيل) و هزمت فيها مقدمة جيش الحجاج فى يوم عيد الأضحى سنة واحد و ثمانين من الهجرة. (الكامل ج 4، ص 179).

(2) ذكره ابن الأثير بتاريخه مطر بن ناجية اليربوعى.

(3) هو أبو عمرو عامر بن سراخيل بن عبد ذى كبار الشعبى الحميرى كان من أهل الكوفة، و من التابعين المشاهير كان رجلا فاضلا عالما و زاهدا، تتلمذ عل يد ابن عباس، و قتل على يد الحجاج بن يوسف فى شعبان سنة خمس و تسعين أو أربع و تسعين (ابن خلكان: و فيات الأعيان، ج 1، ص 288).

100

الهاشمى و المفضل بن المهلب بجيشهما فى أثره إلى بست، و بين بست و رخد اشتعلت حرب شعواء، و قتل خلق كثير من كلا الفريقين، و انهزم عبد الرحمن بن الأشعث، و أسر معظم رفاقه، و كان من ضمن هؤلاء الأسرى يزيد بن طلحة بن عبد اللّه الطلحات و نصر بن أنس بن مالك و عبيد اللّه بن فضالة الزهرانى، و كثير من أهل العلم، و أرسلوا هؤلاء الأسرى إلى يزيد بن المهلب، الذى أحسن إليهم فى الخفاء، و أعطاهم عطاء كثيرا، أما عبد الرحمن بن الأشعث فمضى إلى زابلستان فى أمان زنبيل، فوصل الخبر إلى الحجاج، فأرسل عمارة بن تميم القيسى إلى زنبيل و حضر و اختلى بزنبيل، و كان قد أرسل العهود قائلا: إن جيشك لم يأت بعد إلى ولايتك و لا أريد منك مالا و بيننا صلح و مودة، فأرسل إلى عبد الرحمن بن الأشعث و رفاقه، فقيد زنبيل عبد الرحمن و ذلك الرجل، و أحضر حلقة وضع قدم عبد الرحمن فى ناحية منها، و ناحية أخرى فى قدم ذلك الرجل فقال عبد الرحمن:

يجب أن أكون على حافة السطح، فسحبوا الاثنين إلى الحافة فألقى عبد الرحمن بنفسه من فوق السطح، فوقعا كلاهما، و أسلما الروح، و كان اسم صاحب عبد الرحمن أبا العنبر (1) و أخذ عمارة بن تميم رأسيهما، و أرسلهما إلى الحجاج، و وقع هذا فى رخد، و دفنوا جثته فيها، و أرسل الحجاج رأس عبد الرحمن إلى عبد الملك فى دمشق، فأرسلها عبد الملك إلى عبد العزيز بن مروان فى مصر، ثم دفنوا رأس عبد الرحمن فى مصر، و جثته فى رخد، و فى هذا يقول الشاعر:

هيهات موضع جثة من رأسها* * * رأس بمصر و جثة بالرخج‏

و كانت الحرب التى كانت بين عبد الرحمن و الحجاج فى دير الجماجم فى سنة ثلاث و ثمانين، و بقى عامين فى بست و زاول، و كان مقتله فى سنة خمس و ثمانين،

____________

(1) لم تذكر كتب التاريخ اسم هذا الشخص الذى كان مع ابن الأشعث و سقط معه من فوق السطح إلا أن البلاذرى يقول فى هذا الصدد: إن الشخص الذى كان مع عبد الرحمن كان حارسه و مقيدا معه بالسلاسل و سقط معه (البلاذرى، ص 407)،