تعريب‏ تاريخ سجستان

- مجهول المزيد...
349 /
101

و قدم عمارة بن تميم سجستان بعد أن أتم هذه المهمة، و عرض ما وعد به الحجاج، و لكن لم يمر وقت طويل إلا و انعزل بأمر من الخليفة عبد الملك، و قدم مسمع ابن مالك‏ (1).

مقدم مسمع بن مالك إلى سجستان فى سنة ست و ثمانين‏

و لما جاء مسمع إلى سجستان كان أبو خلدة مع كثير من الناس الأعيان فى سجستان، و حاربوا مسمعا كثيرا، و فى النهاية اعتقل أبو خلدة، و أرسل مسمع رسالة إلى الحجاج و عرفه، فأجاب الحجاج: أن أرسل لى أبا خلدة، فأرسله إلى الحجاج، و فى السنة نفسها مات مسمع فى سجستان، و عينوا مكانه ابن أخيه محمد بن شيبان ابن مالك، و توفى عبد الملك بن مروان فى دمشق لأربعة أيام مضت من شهر شوال سنة ست و ثمانين، و كان يبلغ من العمر اثنين و ستين عاما، و دامت خلافته ثلاث عشرة سنة و أربعة أشهر إلا ستة أيام ثم بايعوا الوليد بن عبد الملك فى دمشق فى اليوم نفسه الذى مات فيه عبد الملك.

____________

(1) يقول اليعقوبى فى كتاب البلدان: إن رتبيل كان يكره عمارة بن تميم اللخمى، و لما استقرت العلاقة بين الحجاج و رتبيل، عزل الحجاج عمارة عن سجستان (من تعليقات بهار نقلا عن كتاب اليعقوبى).

102

تولى الوليد بن عبد الملك الخلافة

و كانت كنية الوليد أبا العباس، و كان توقيعه يا وليد إنك ميت، و لما تولى الوليد، أعطى الحجاج العراق و خراسان و سجستان، فأعطى الحجاج خراسان و سجستان لقتيبة بن مسلم.

مقدم قتيبة بن مسلم فى رجب سنة ست و ثمانين إلى سجستان‏

و مضى قتيبة أولا إلى سجستان، و كان على مقدمته عمرو بن مسلم، و مضى حتى دخل سجستان، و مكث هناك مدة، ثم مضى إلى خراسان، و استخلف عبد ربه ابن عبد اللّه هناك، و هو عبد ربه بن عبد اللّه بن عمرو الليثى، و لما مضى قتيبة إلى خراسان، و أقر الأعمال، أرسل الأشعث بن بشر اليربوعى إلى الحجاج كى يخبره بما يتم من حديث سجستان و خراسان الذى لم ينته، و أرسل حملا مع الرسول، و كان الأشعث رجلا فصيحا على قدر من الكفاءة و البشاشة و حسن الكلام، فلما رآه الحجاج و عن كل ما سأله سمع جوابا حسنا منه، فولى الأشعث عل سجستان، و عزل قتيبة، الذى عزل فى الوقت نفسه عبد ربه، و أرسل النعمان بن عوف اليشكرى إلى سجستان، و منذ أن وصل النعمان إلى سجستان، كان الأشعث بن بشر قدم سجستان من قبل الحجاج فى سنة اثنتين و ثمانين، و مكث الأشعث فى سجستان مدة، ثم مضى إلى بست، و أبرم زنبيل مع الأشعث صلحا معروفا، و عاد الأشعث إلى سجستان، و أرسل رسالة إلى الحجاج فى هذا الصدد، و قد عاب الحجاج هذا الصلح و غضب، فعزل الأشعث و أرسل إلى قتيبة عهدا و منشورا جديدين لسجستان، و أرسل قتيبة أخاه عمرا بن مسلم إلى سجستان، و مكث عمرو بسجستان عدة أيام،

103

ثم مضى إلى بست و بدأ الحرب مع زنبيل و فى النهاية تم الصلح على ثمانمائة ألف درهم، فأرسل عمرو رسالة إلى قتيبة و عرفه، فأبلغ قتيبة الحجاج و لكنه لم يرض، و أجاب على قتيبة أن امض بنفسك لمحاربة زنبيل و قدم قتيبة بن مسلم سجستان.

مقدم قتيبة بن مسلم إلى سجستان ثانية فى عهد أخيه عمرو

و لبث مدة فى سجستان، و اجتذب إليه الناس، و كان رجل عمل، و كان يجمع العلماء فى كل يوم ثم مضى من هنا إلى بست، و مكث مدة، و جهز جيشا، و جمع ألف زوج من الثيران القوية و ألفين من الفلاحين (المزارعين) مع الآلات الزراعية التى تلزمهم، و حملهم لمحاربة زنبيل، و مضى إلى هناك ليحارب و يقتل، و لما سمع زنبيل هذا الخبر، اشتد عليه هذا، و دخله الفزع، و علم أنه (أى قتيبة) لا يريد العودة، فأرسل رسولا يعرض (يقدم) ضعف ألف ألف درهم كل سنة (و قبل زنبيل أن يرسل فى كل عام حملين من ألف ألف درهم) و أرسل أول سنة فى سنة أربع و تسعين، و راجع قتيبة و قدم سجستان من هناك و مضى إلى خراسان، و استخلف عبد ربه بن عبد اللّه بن عمير الليثى على سجستان ثانية، و بعد أن مكث عبد ربه هناك مدة، أرسل قتيبة منيع المنقرى إلى هناك، و أمر أن يقيدوا عبد ربه و يحبسوه، فلما جاء منيع، أحسن إلى عبد ربه، و لم يحبسه، و كان يأخذ منه المال بالرقة و اللطف، فوصل الخبر إلى قتيبة، فعزله، و أرسله النعمان بن عوف اليشكرى إلى هناك، فقبض النعمان على عبد ربه و قيده، و أذاقه أنواع العذاب و أخذ ماله، و فى ذلك الوقت عزل الحجاج قتيبة بم مسلم عن خراسان و سجستان و أرسل يزيد ابن المهلب إلى خراسان و سجستان.

104

مقدم يزيد بن المهلب إلى خراسان عاملا عليها و إرسال أخيه المدرك بن المهلب إلى سجستان‏

لما وصل مدرك بن المهلب سجستان، توفى الوليد بن عبد الملك فى دمشق، و كان عمره ثمانى و أربعين سنة، و دفن فى مقبرة الباب الصغير فى دمشق، و فى ذلك اليوم تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة، و كانت كنيته أبا أيوب، و أعطى سليمان خراسان و سجستان ليزيد بن المهلب، و بقى مدرك بن المهلب مدة فى سجستان حتى عزل يزيد بن المهلب مدرك، و أرسل ابنه معاوية بن يزيد بن المهلب إلى سجستان، و قدمها، و سلك مع الناس سيرة حسنة، و مكث فيها، حتى توفى سليمان بن عبد الملك فى دابق‏ (1) يوم الجمعة، لعشرة أيام بقيت من شهر صفر سنة تسع و تسعين، و كان عمره خمسا و أربعين سنة، و تولى عمر ابن عبد العزيز بن مروان الخلافة.

تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة يوم الجمعة لعشر خلون من شهر صفر سنة تسعة و تسعين‏

و كانت كنيته أبا حفص، و فى اليوم الذى تولى فيه الخلافة، جمع وكلاءه، و عمل حسابه معهم، و كلف مناديا أن ينادى أن من له خصومة مع أحد فليقدم، و من يطلب الإنصاف فسوف يجد الحل، ثم جمع نساءه و جواريه و طلقهن جميعا، و أعطاهن مهورهن و نفقتهن و عدتهن، و أعتق الأخريات، و أعطى كلا منهن جهازا

____________

(1) دابق قرية بالقرب من حلب بينها و بين حلب أربعة فراسخ و يوجد بها قبر سليمان بن عبد الملك (معجم البلدان، ج 2)

105

و عين لكل منهن زوجا، و باع بهائمه و ضياعه فكان ثمنها أربعة و عشرين دينارا (1)، فتصدق بها ثم خطب قائلا: أيها الناس لقد جعلتم فى عنقى مسئولية عظيمة و قد ضمنتها، و سأجتهد أن اعمل بمقتضى طريق المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) و سنته، و أن أسلك طريق الخلفاء الراشدين، و قرب أهل العلم و الزهاد، و أسند إليهم الأعمال، و علق فى أعناقهم ما علقه اللّه فى عنقه من عهود، و أرسل جراح ابن عبد اللّه الحكمى إلى خراسان و سجستان، و أمره قائلا: يجب أن تصنع ما صنعت أيضا من أن عمالك يجب أن يكونوا من أهل الدين و الورع و العلم و الزهد.

مقدم سباك بن المنذر الشيبانى‏

و أرسل جراح سباك بن المنذر الشيبانى إلى سجستان، و كان رجلا تقيا طاهرا حسن السيرة، و مكث هناك مدة، و وجد الناس منه النعمة و الرخاء، ثم قامت الفتنة، فعزل عمر بن عبد العزيز الجراح من سجستان.

مجى‏ء عبد الرحمن إلى سجستان‏

و أرسل عبد الرحمن بن عبد اللّه بن زياد القشيرى إلى سجستان، ثم عزله.

____________

(1) هكذا فى النص.

106

مقدم معارك بن الصلت سجستان‏

و أرسل معارك بن الصلت إلى سجستان، و كان هذا كله فى أقل من عام، ثم توفى عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة لخمسة أيام بقيت من شهر رجب سنة إحدى و مائة، و كانت مدة ولايته عامين و خمسة شهور و خمسة أيام، و هو ابن أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، و كان حفيدا لعمر، فقالوا: عدل العمرين فى سيرته، و توفى فى دير سمعان من توابع حمص، و أجلسوا يزيد بن عبد الملك فى ذلك اليوم.

تولى يزيد بن عبد الملك الخلافة فى رجب سنة إحدى و مائة

أرسل يزيد فى مطلع سنة اثنتين و مائة عمر بن هبيرة إلى العراق و خراسان و سجستان و قتل يزيد بن المهلب فى شهر صفر من هذا العام، و مكث سرى ابن عبد اللّه مدة فى سجستان، ثم أرسل حكم بن عبد اللّه إلى سجستان، و جعل عمر ابن هبيرة للصلاة و الحرب و أسند إلى القعقاع بن سويد المال و الخراج و لم يمض وقت طويل، حتى أسند أمر الإمامة (الصلاة) و الحرب و المال و الخراج كلها إلى القعقاع، و كان ذلك فى آخر سنة أربع و مائة، و أقام القعقاع مجلسا للشراب و الطعام و اللهو، صنع فيه معظم أهل سجستان ما صنعه، فأصابهم ما أصابهم من تخمة، و كان القعقاع دائما عاملا على سجستان حتى توفى يزيد بن عبد الملك فى حوران يوم الجمعة لخمسة أيام بقيت من شعبان سنة خمس و مائة، و كان عمره سبعة و عشرين عاما، و مدة خلافته أربعة أعوام و شهرا، و يقول البعض إنه توفى فى البلقا فى‏

107

الشام، و يقول آخرون: إنه توفى فى سواد الأردن، و بايعوا هشام بن عبد الملك فى اليوم نفسه.

تولى هشام بن عبد الملك الخلافة فى يوم الجمعة لخمسة أيام بقيت من شهر شعبان سنة خمس و مائة

و كانت كنية هشام أبا الوليد، و عزل هشام عمر بن هبيرة فى أول سنة ست و مائة عن خراسان، و أعطى خالد بن عبد اللّه القسرى العراق و خراسان و سجستان، و أرسل خالد حبلة بن هماد الغطفانى إلى سجستان، و قدمها حبلة فى أول سنة ست و مائة، و بقى مدة طويلة فى سجستان، ثم أرسل خالد يزيد بن العريف الهمدانى فى أول سنة سبع و مائة إلى هناك، و أرسل يزيد بلال بن أبى كشته إلى زنبيل، فمضى بلال مباشرة، إلا أن زنبيل لم يدن له بالطاعة، فعاد بلال إلى سجستان ثانية، و عين يزيد بشر الحوارى أميرا للشرطة، و جاء فى الليل خمسة من الخوارج و قتلوا بشرا، و ظلوا يقاتلون فى الليل حتى قتلوا، و كانت الغلبة فى سجستان للخوارج، و أعطى يزيد بن العريف قضاء سجستان لمعمر بن عبد اللّه، الذى كان من عظماء سجستان، و هو المعمر الذى جاءت عنه روايات حديث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لما غلب الخوارج على سجستان، عزل خالد بن عبد اللّه يزيد، و أرسل أصفح بن عبد اللّه الشيبانى إلى سجستان فى سنة ثمان و مائة، و كان محمد بن جحش قائدا لجيشه، فمكثا وقتا فى سجستان، ثم مضيا لمحاربة زنيبل، و كان معهم عمر بن بجير، و كانوا قد بقوا عدة أيام فى بست سنة تسع و مائة، ثم مضوا إلى زنبيل، و حاربوا حروبا صعبة، و فى النهاية أغلق زنبيل الطريق على المسلمين، و قتل كثير من المسلمين من العظماء، و أسر سوار بن الأشعر، و جرح أصفح فى رأسه و قدم‏

108

سجستان، و مات بها شهيدا، و كانت هذه المقاتلة (1) فى سنة تسع و مائة، و لما وصل الخبر إلى خالد بن عبد اللّه القسرى، اغتم، و أرسل محمد بن حجر الكندى إلى سجستان، و قدمها، و مكث بها مدة، ثم أرسل خالد بن عبد اللّه، و عبد اللّه بن بلال ابن بدة بن أبى موسى الأشعرى إلى سجستان، و جاءها فى شعبان سنة إحدى عشر و مائة، و سار فى الناس سيرة حسنة، و أقام العدل، و بنى مصلى باب فارس، و ما زال هذا المصلى موجودا حتى الآن، و اشترى كل هذه الساحة بالذهب و الفضة، كما اشترى كثيرا من مشغلاتها و وقفها عليه، و دفع ثمن كل ما اشتراه نقدا، و أسند قضاء سجستان إلى عبد اللّه بن الحسين الذين كانوا يقولون له أبا حرير، و كان من عباد اللّه الصالحين، و كان عظيما فى العلم، و تروى عنه أكثر روايات الحديث للبصريين و فى أثناء ولاية عبد اللّه بن بلال وقع زلزال شديد لم يره أحد من قبل، و عظم أمر الخوارج فى سجستان، و كان عبد اللّه بن بلال واليا حتى سنة ستة عشر و مائة و فيها عزل خالد بن عبد اللّه القسرى‏ (2)، و أعطى العراق و خراسان و سجستان ليوسف بن عمر، الذى أرسل إبراهيم بن عاصم العقيلى إلى سجستان فى رجب من سنة ستة عشر و مائة، و قدم إبراهيم سجستان، و كان معه نحيف بن عمير الشاعر، و اعتقل عبد اللّه بن بلال، و أرسله إلى العراق، و استمر يوسف بن عمر حتى موته يطالب عبد اللّه بن بلال لأخذ ماله، و لما اشتد عليه الأمر، أعطى مستخرجا مالا قائلا: قل عن يوسف إن عبد اللّه بن بلال أسلم الروح، فقال لمستخرج: أحضره أمامى حتى أراه و هو ميت، فرجع المستخرج و قتله، و حمله إلى يوسف بن عمر، و بقى إبراهيم بن عاصم أميرا على سجستان بالسيرة الحسنة و إقامة العدل، حتى‏

____________

(1) يقول البلاذرى: فى خلافة يزيد بن عبد الملك لم يعط زنبيل شيئا للعمال العرب و قال: ماذا سيصير من قوم حلوا بنا و ضمرت بطونهم و لفحتهم الشمس من الصلاة و نعالهم من ليف النخل؟ فقالوا له: لقد انقرضوا فقال: إنهم أقوى صلة منك و أشد قوة و لو كانت وجوهكم أجمل منهم، فقالوا ماذا أصبح من الحجاج الذى كنت تدفع له و لا تدفع لنا، قال: الحجاج رجل لا يهمه ما ينفق فى سبيل تحقيق هدفه، أما أنتم فلا تنفقون درهما إلا إذا عاد عليكم بعشرة، (البلاذرى، ص 408).

(2) يذكر ابن الأثير أن خالد بن عبد اللّه القسرى عزل عن العراق و خراسان سنة 120 ه.

109

توفى هشام بن عبد الملك فى أرض قنسرين‏ (1) يوم الأربعاء لستة أيام مضت من شهر ربيع الآخر سنة خمسة و عشرين و مائة، و كان يبلغ من العمر ستا و خمسين سنة، و مدة خلافته تسع عشرة سنة، و ستة أشهر و أحد عشر يوما، و فى يوم وفاته، بايعوا الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان.

تولى الوليد بن يزيد بن عبد الملك الخلافة فى ربيع الأول فى العام الخامس و العشرين بعد المائة

و كنيته أبو العباس، ثم أسند إلى عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز ولاية العراق و سجستان و خراسان، ثم أرسل عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز حرب بن قطن ابن مخارق الهلالى إلى سجستان و أول سنة مائة و ست و عشرين، و توفى إبراهيم ابن عاصم فى سجستان فى صفر فى السنة نفسها، و خرج فى العام نفسه فى العراق عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبى طالب ذى الجناحين‏ (2) على عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز، و دعا الناس إلى الرضا عن أهل المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم)، و ظهر و جمع جيشا، و مضى عبد اللّه بن عمر لمحاربته، و وقعت وقائع كثيرة بينهما، و فى النهاية انهزم ذو الجناحين و مضى على سباهان، و قدم سجستان منها، و لما دخل ذو الجناحين حدود سجستان، لم يرد حرب بن قطر أن يحاربه فعهد لسوار بن الأشعر سجستان و مضى، و لما وصل الخبر إلى عبد اللّه بن عمر بأن حربا لم يرد أن يحاربه، عزل حربا عن سجستان، و أسندها إلى محمد

____________

(1) يقول ابن الأثير إن هشاما توفى فى الرصافة و هى مكان فى صحراء الشام.

(2) فى رأى الشهرستانى صاحب كتاب الملل و النحل: إن عبد اللّه بن معاوية كان يعتقد فى التناسخ، و كان يعتبر الثواب و العقاب فى تناسخ الأرواح، و كان يعد نفسه وصى بنى هاشم الذى ينتسب إليه الهاشميون (من تعليقات بهار).

110

ابن عروان، و قدمها فى شعبان سنة مائة و ست و عشرين، و اعتقل حربا و حبسه و عثمان ابن ربيعة، و أخذ منه مالا كثيرا، و لما كان الحال هكذا، كان حرب رجلا عادلا حسن السيرة، و أرسل مشايخ سجستان و عظماؤهم وفدا إلى عبد اللّه بن عمر فى العراق، و طلبوا أن يطلقوا سراح حرب بن قطن، و جعله عاملا على سجستان مرة أخرى، و أن الناس لن يسعدوا بغيره، فتركوه للرجال، حتى قتل الوليد بن يزيد ابن عبد الملك يوم الخميس، لليلتين بقيتا من جمادى الآخر سنة ست و عشرين و مائة، و كانت مدة خلافته ستة أشهر و اثنين و عشرين يوما، و بايعوا يزيد بن الوليد.

تولى يزيد بن الوليد بن عبد الملك الخلافة يوم الخميس فى شهر جمادى الآخر سنة ست و عشرين و مائة

و سموه يزيد الناقص، ثم أبقى عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز على ولاية العراق و خراسان و سجستان، و أرسل عبد اللّه بن عمر حرب بن قطن إلى سجستان، حتى توفى يزيد بن الوليد فى دمشق، فى ذى الحجة سنة ست و عشرين و مائة، و كانت مدة خلافته خمسة أشهر و يومين، ثم بايعوا أخاه إبراهيم.

تولى إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك الخلافة فى ذى الحجة سنة مائة و ستة و عشرين‏

جعل إبراهيم عبد اللّه بن عمر أيضا على ولاية العراق و سجستان و خراسان، و أرسل عبد اللّه بن عمر حرب بن قطن إلى هناك.

111

أول تعصب بين الفريقين‏

ثم وقعت الفتنة فى سجستان من قبل العرب، بين بنى تميم و بين بكر ابن وائل، و كان من هذه المجموعة من كانوا رفاق قطرى بن الفجاءة، و كانوا يتحدثون عن فضائل الصحابة، و نشبت حروب كثيرة، و كان فى كل يوم حرب و أصبح الغوغاء و أهل سجستان جميعهم فريقين، و كانت كل طائفة تبحث عن ود الطائفة الأخرى، و لما خشى حرب بن قطن على نفسه، مضى من سجستان، و كان سوار ابن الأشعث خليفته على سجستان، ثم أرسل عبد اللّه بن عمر سعيد بن عمر من أهل سعيد بن العاص إلى سجستان، و قدم سعيد بن عمر سجستان فى المحرم سنة ثمان و عشرين و مائة. ثم دان بنو تميم بالطاعة لسعيد بن عمرو، و أعلن بنو بكر العصيان عليه، ثم قدم بجير بن سهلب بمنشور و عهد مزورين من قبل أمير المؤمنين على سجستان و كرمان و كان بجير بن سهلب بكريا، و سوار بن الأشعث تميميا، ثم وقعت بينهما حروب و وقائع شديدة، و قتل خلق كثير، و كان سعيد بن عمر أيضا من أنصار بنى تميم، و قتل فى هذه الواقعة سبعون شيخا غير الشباب، و سموا هذه الحرب بحرب الشيوخ، و كان بجير بن سهلب من بست، و قتل فى هذه الواقعة كثير من الأعيان منهم علاء بن عبيد اللّه الحجازى، ثم اجتمع غوغاء سجستان و أخرجوا سعيد بن عمرو و البحترى بن سهلب كليهما من القصبة، و تولى سوار ابن الأشعر الإمارة فى جمادى الآخر سنة مائة و ثلاثين.

مقدم سوار بن الأشعر فى سجستان‏

فخرجوا على سوار، و قتلوه فى الشهر نفسه، ثم طلبوا البحترى بن سهلب، و لم يجدوه، و خرج من المدينة خمسون ألف رجل من الغوغاء، و وجدوا البحترى‏

112

فى الرمال و قتلوه، و ولوا هيثم بن عبد اللّه بن البغاث الإمارة بشرط ألا يترك بكريا يأتى إلى سجستان، ثم قدم شيبان الخارجى‏ (1) و اتحد مع أهل المدينة، و عاد عبد اللّه ابن معاوية ذو الجناحين إلى سوار سجستان فحاربه غوغاء المدينة و شيبان الخارجى، و قتل شيبان، و لم يكن مع ذى الجناحين جيش كبير، و اتحد عوام سجستان و غوغاؤها و حاصروه، و لم يستطع ذو الجناحين أن يصنع شيئا، و مضى منها إلى فراة، و كان إبراهيم بن الوليد الخليفة قد عزل عبد اللّه بن عمر عن العراق و خراسان و سجستان فى هذه الأثناء، و أسندها ليزيد بن عمر بن هبيرة، و لما صارت الأحوال على هذا النحو، بزغت الفتنة فى كل جانب، و ظهر مروان بن محمد ابن مروان فى حران و قال: الخلافة لى، و قدم حمص من هناك حيث كان عبد العزيز ابن الحجاج هناك، فتحاربوا، و أخذ حمص، و مضى سليمان بن هشام بجيش لحربه بأمر من إبراهيم بن الوليد، و حاربوا حربا قاسية بين دمشق و حمص، و قتل الحكم و عثمان ولدا الوليد بن عبد الملك فى هذه الحرب، و قدم مروان بن محمد من هناك إلى غوطة، و نزل على حدود دمشق، و لما رأى إبراهيم بن الوليد أن أمره قد ضعف، خلع نفسه، و سموه المخلوع، و بايعوا مروان بن محمد.

تولى مروان بن محمد الخلافة فى سنة سبع و عشرين و مائة

و كانت كنيته أبا عبد الملك، و كانوا يلقبونه بمروان الحمار، و قامت فتنة كبيرة فى عصره فى خراسان و سجستان و العراق و فى كل مكان، و ظهر أبو مسلم ابن عبد الرحمن بن مسلم و دعا للرضا من آل الرسول (صلى اللّه عليه و سلم)، و انضم إليه أناس من‏

____________

(1) هو شيبان بن عبد العزيز أبو دلف اليشكرى، من الخوارج الحرورية الذين ظهروا فى العراق سنة 127 ه و خرج على مروان الأموى مبايعا الضحاك بن قيس الخارجى، و بعد قتل الضحاك اختير شيبان هذا لرئاسة الخوارج (ابن الأثير: الكامل فى التاريخ، ج 5، ص 131).

113

كل لون، و اجتمعوا حول حافة الصحراء، و لما كثر جمعه، دخل مرو، و حارب نصرا بن سيار، و هزمه، و مضى نصر إلى العراق حتى وصل ساوة، و هناك انتهى الأجل، و توفى، ثم أرسل أبو مسلم قحطبة بن شيب الطائى‏ (1) بجيش كبير إلى العراق، كما أرسل مالك بن الهيثم مع ثلاثين ألف رجل إلى سجستان.

مقدم مالك إلى سجستان‏

كان هيثم بن عبد اللّه قد قدم سجستان من طرف مروان بن محمد بن مروان ابن الحكم و معه ألف فارس من الشام، و لما قدم مالك من جهة أبى مسلم إلى هناك نزل على باب المدينة و قال لأهلها: يجب أن تسلموا إلى هيثم بن عبد اللّه و الجيش الذى معه، قال الناس: يقبح أن نأسر رجلا كان أميرا و أن نسلمه إلى العدو، نحن لا نصنع هذا و نحارب، و فى النهاية تم الصلح على ألف ألف درهم، و سلموا هيثم ابن عبد اللّه و جماعته إلى مالك، و ضمنوا سلامته، و أرسلوه للشام، و فتحوا أبواب القصبة و القلاع، حتى يدخل مالك بن الهيثم المدينة من ناحية أبى مسلم.

نهوض أبى مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم صاحب الدعوة يوم الإثنين من شهر رمضان سنة إحدى و ثلاثين و مائة

و قتل مروان بن محمد يوم الخميس لستة أيام بقيت من شهر ذى الحجة سنة إحدى و ثلاثين و مائة، قتله عامر بن إسماعيل فى دمشق‏ (2)، و كانت مدة خلافته‏

____________

(1) قحطبة بن شبيب بن خالد بن حمدان الطائى، كان نقيبا من اثنى عشر شخصا لبنى العباس فى خراسان.

(2) من المعروف أن مروان بن محمد لم يقتل فى دمشق، بل قتل باتفاق المؤرخين فى مصر، يقول الطبرى: إنه قتل فى عين شمس، و يقول ابن الأثير: إنه قتل فى كنيسة بأبى صوير، و لم يعرف من-

114

أربعة أعوام و عشرة شهور، و انتهى به ملك بنى أمية، و قدم أبو مسلم العراق، و أحضر أبا العباس و أبناءه من المدينة و أهل البيت كلهم إلى الكوفة، و بايعه، و كان هو أول خليفة من ولد عباس بن عبد المطلب.

تولى أبى العباس السفاح الخلافة و بيعته‏

تولى يوم الجمعة لثلاث عشر يوما مضت من ربيع الأول سنة اثنتين و ثلاثين و مائة، و اسمه عبد اللّه بن محمد بن على بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب.

ثم أعطى أبو مسلم سجستان فى خلافة السفاح لعمر بن العباس بن عمر ابن مطارد بن حاجب بن زرارة، و جعل عمر أخاه إبراهيم بن العباس على مقدمته، و قدموا سجستان، و أعطاه ولاية السند، و فى اليوم الذى أراد أن يمضى فيه إلى السند، طلب إلى أخيه عمر أن يقول للناس أن شيعوه، ثم أمر عمر يزيد بن بسطام الذى كان واليا لشرطته أن ينادى: إنكم تشيعون أخا الأمير لأنه ماض إلى ولاية السند، و كانت منزلة عمر عظيمة عند أبى مسلم، و خرج الناس، و كان معه ثلاثة آلاف من الغوغاء و الخواص و العوام، و معهم جماعة من بنى تميم، و قد وقعت فتنة من غوغاء سجستان فى ذلك الوقت، و لكن أساء الأدب واحد من بنى تميم فأمر إبراهيم:

أن يضربوا عنقه، فثار بنو تميم، و قتل يزيد بن بسطام الذى كان صاحب الشرطة، و دارت الحروب و المعارك الشديدة، وزج الغوغاء بإبراهيم و جيشه كله فى القتال، و خدعوا بنى تميم بمصادقتهم و قتلوهم جميعا، و أغاروا على خيولهم و متاعهم و سلعهم، و أصبح الحفل مأتما، و اضطربت المدينة كلها ثم قصدوا عمر بن العباس‏

____________

- قتله، و فصل أهل الكوفة رأسه و جعلوها كأسا يشربون فيها شراب الرمان، و قتل فى الثامن و العشرين من شهر ذى الحجة، و يقول المسعودى: إنه قتل فى ليلة السبت السابع و العشرين من ذى الحجة فى" أبو صوير".

115

الذى كان قد خرج من المدينة بسبب الهجوم عليها على طريق بست التى قصدها، و كان قد قدم من بست إلى سجستان مطر بن ميسرة و كان من بنى تميم، و كان قد مضى ألف فارس من بنى تميم على أثر عمر بن العباس. و اتصلت الجيوش الثلاثة فى وسط الصحراء، و لما عرف مطر بن ميسرة الأمر ساعد بنى تميم، و قامت حرب صعبة، و قتل هناك عمر بن العباس، و قد وصل مطر بن ميسرة إلى سجستان فى سنة ثلاث و ثلاثين و مائة فى شهر جمادى الأولى، و لما بلغ الخبر إلى أبى مسلم أرسل أبا النجم عمار بن إسماعيل إلى سجستان على أساس إذا كان عمر ابن العباس حيّا فهو الأمير، و إن لم يكن حيّا فالإمارة لك، و لما قدم أبو النجم سجستان، كان من يسمى أبا العاصم قد قدم سجستان من بست بجيش كبير، و اتحد معه بنو تميم، و حاربوا أبا النجم و هزموه، و استولى أبو عاصم على سجستان بلا عهد و لا منشور سلطانى‏ (1)، حتى توفى أبو العباس السفاح فى الأنبار لثلاثة عشر يوما مضت من ذى الحجة سنة ثلاث و ثلاثين و مائة، و كانت مدة خلافته أربع سنوات و ثمانية أشهر، و بايعوا فى هذا اليوم أبا جعفر المنصور للخلافة.

تولى أبى جعفر المنصور أخى السفاح‏

و كان اسمه عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، و لما تولى المنصور، دبر حيلة لقتل أبى مسلم لأنه كان مستاء منه منذ أيام أخيه، و كتب الرسائل إليه، و كان أبو مسلم فى مرو، و كان المنصور يرسل إليه الرسل تباعا، إلا أنه لم يأت، و أقسم له فى النهاية، و عقد معه العهد أنه سيكون معه و لن‏

____________

(1) كلمة السلطان فى ذلك الوقت كانت تعنى الخلافة، معلوم أن أول من لقب بهذا اللقب هو السلطان محمود الغزنوى و ذلك بعد أن حاصر خلف بن أحمد فى القلعة فلقبه بالسلطان.

116

يخونه، و مضى أبو مسلم ذات مرة مع جماعة، و قال: ليكن ما يحدث من قضاء، حتى وصل إلى نيسابور، فوصلت الرسل بالهدايا من ناحية المنصور، إلى أن قدم الرى، و لما وصلها ترك رأيه و حكمته فيها، و مضى إلى همدان، فوصل الرسل بالهدايا ثانية، و مضى إلى حلوان، و أحضروا الخلع، فمضى إلى النهروان، فوصلت الجيوش لاستقباله، و دخل بغداد فى أحسن هيئة و كرامة و عزة، و لما وصل بابها ترك جيشه فى الميدان، و عندما وصل إلى الحجاب، اعتقلوا خواصه، و قالوا:

اجلسوا، و حملوا أبا مسلم وحيدا، و عندما دخل وسط القصر، نزعوا سلاحه، و كان المنصور جالسا تحت قبة، و أعد الغلمان لقتله خارج مكان حضرته، و قال لهم:

عندما تسمعوننى أصفق ادخلوا و اقتلوه، و دخل أبو مسلم و قبّل الأرض، و طلب أن يبدى عذره فى التأخير، و كان المنصور يوجه له أشياء و كلمات قاسية، و كان يذكر له مساوئه، و كان أبو مسلم يبدى لكل واحدة منها حجة، و بعد ذلك صفق و لكن الغلمان لم تكن عندهم الشجاعة فى ذلك الوقت لقتله، إلا أن أبا منصور أمسك فى يده قضيبا من حديد، و ضرب رأس أبى مسلم، و كان أبو مسلم حتى هذا الوقت يقبّل الأرض و عندما عرف الغلمان أن المنصور يضربه بالحديد دخلوا، و قتلوا أبا مسلم، و حدث هذا فى آخر شعبان سنة سبع و ثلاثين و مائة، ثم نهض المنصور بعد أن قتله، و صلى ركعتين، و شكر اللّه تعالى بعد ذلك، و قال: (لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا)، و نعود إلى حديث سجستان، و أصبح أبو عاصم عظيما فى سجستان، و صاحب جاه، و مضى من سجستان بجيش كثيف ليستولى على خراسان، و استخلف عتاب بن العلا على سجستان، و كان أبو داود واليا على خراسان، و كان خبر سجستان قد وصله، فماذا يصنع أبو العاصم هناك؟ شق عصا الطاعة و قصد خراسان، ثم أرسل أبا داود سليمان بن عبد اللّه الكندى بجيش كبير إلى سجستان لمحاربة عاصم.

117

مقدم سليمان بن عبد اللّه الكندى‏

لما وصل سليمان إلى سفزار (1)، سمع أهل سجستان خبره، فاجتمعوا، و أرسلوا عبيد اللّه بن العلا و الحصن بن الربيع بجيش مجهز للهجوم على أبى عاصم من خلفه، و وصلوا أبا عاصم فى فراة، و قاتلوا قتالا عنيفا، و قتلوا أبا عاصم هناك، و استقبلوا سليمان بن عبد اللّه الكندى، و أحضروه إلى سجستان يوم السبت فى شهر ربيع الآخر سنة ثمان و ثلاثين و مائة، و بقى هناك بضعة أيام، و نزل فى سر لشكر، و لذلك يسمونها سر لشكر، ثم مضى إلى بست و منها إلى رخد، و هرب زنبيل، و فى هذه الأثناء وصل الخبر إلى المنصور أن هناك فتنة فى سجستان، فأرسل المنصور هنادى السرى إليها (2).

مقدم هنادى السرى إلى سجستان‏

و منذ أن قدم سجستان، عاد من بست و نزل هناك، و من ثم يسمونها الآن سر لشكر سليمان، و وقع هذا الأمر فى سنة إحدى و أربعين و مائة، مضى من هناك لحرب الخوارج، و ظهر فى مدينة سر لشكر حضين بن الرقاد، و كان من قرية رون و جول، و كان رجلا أصيلا نجيبا، و التف حوله خلق كثير، و تحارب معه سليمان و قتله، ثم عاد إلى القصبة، و جمع أموالا طائلة من غزوه لرخد و حربه للخوارج، و نزل فى سرلشكر، ثم وقعت الحرب بين سليمان و هنادى السرى، حيث‏

____________

(1) سفزار مدينة من مدن سجستان تقع ناحية هراة.

(2) يقول اليعقوبى: إن أول وال جاء سجستان من قبل المنصور هو إبراهيم بن حميد المروذى و من بعده جاء معن بن زائدة (كتاب البلدان، ص 285 نقلا عن بهار).

118

اتحد أهل المدينة مع هنادى، لأنه كان معه عهد المنصور و لواؤه، ثم سجن هنادى سليمان، ثم أعطى المنصور ولاية سجستان إلى زهير بن محمد الأزدى فى آخر سنة إحدى و أربعين و مائة.

مقدم زهير بن محمد الأزدى إلى سجستان‏

وفد زهير سجستان، و قال هنادى: لن أترك لك القصبة، و حاربوا، و قتل هنادى السرى، و تولى زهير، و أدخل سليما السجن لأنه كان قويا، و أرسل شجاع ابن عطا بجيش عظيم إلى السند، و غزا هناك غزوات، و حصلوا على أموال وفيلة كثيرة، ثم عاد، فوقع بينهم و بين زهير خلاف، و تحارب معهم زهير، و فى النهاية وقع فى الحصار، و كان زياج بن همام الراسب مع زهير و كان رجل عمل، و كان هذا الحصار فى ذى الحجة سنة ثلاثة و أربعين و مائة، و استولى شجاع بن عطا على السواد و القصبة، حتى وجد زياد بن همام مصلحته فى المخالفة، و أخرج زهيرا من الحصار، و أدخل شجاع بن عطا و جماعته تحت أمره فى المحرم سنة أربع و أربعين و مائة، ثم جهز جيشا و جعل عتيبة بن موسى قائدا له، و أرسله إلى بست، و جمع عتيبة بن موسى حوله جماعة من هؤلاء المتمردين ليدخلهم فى طاعته، فبلغ زهير الخبر، فاستخلف عبيد اللّه بن العلا على سجستان، و مضى إلى بست، و لما اقترب منها، رجع عتيبة بن موسى، أما زهير فنقل العزى، و عسكر بين رخد و بست، و هناك اشتعلت حرب صعبة، و قتل عتيبة و أرسل زهير رأسه إلى المنصور، و لم يقتل بكر بن أبان الذى كان مع عتيبة، فقيده، ثم وصلت رسالة المنصور يقول فيها: استخلف على سجستان رجل عمل، و أحضره إلى البلاط فورا، فاستخلف زهير عبيد اللّه بن العلا إماما للصلاة و الحضين بن محمد على‏

119

الخراج، و مضى إلى المنصور حاملا معه زياد بن همام الراسبى فى سنة خمس و أربعين و مائة، و لما وصل هناك، اختار المنصور المهدى وليّا للعهد.

تولى المهدى الخلافة (1) و إرسال يزيد بن منصور إلى سجستان‏

و أرسل المهدى خاله يزيد بن منصور إلى سجستان، و بعد أن وصل زهير إلى العراق، و اصطحب يزيد بن منصور زياد بن همام معه إلى سجستان، و دخل المدينة يوم الثلاثاء لثلاثة مضت من شهر شوال سنة ست و أربعين و مائة، و أحسن إلى الناس، و كان رجلا عادلا، فمكث مدة، ثم مضى إلى بست فى سنة خمسين و مائة، و ذلك بسبب أن رجلا ظهر من (لغمريات) و اسمه محمد بن شداد حيث انضم إليه آذرويه المجوس و مرزبان المجوس و مجموعة كبيرة سيئة، و لما قوى أمره قصد سجستان، و خرج يزيد بن منصور لمحاربته، و استخلف عثمان الطارابى على سجستان، و تطاولت الحروب بينهما، و فى النهاية لحقت الهزيمة بيزيد بن منصور، و سلك طريق نيسابور، و كان معه عبيد اللّه بن العلا فاستخلفه و هو معه فى الطريق و أرسله إلى سجستان.

____________

(1) لعل المؤلف قد أخطأ فى هذا العنوان، لأن خلافة المهدى العباسى بدأت فى عام 158 ه، و يبدو أن المؤلف كان هدفه هو أخذ البيعة للمهدى و خلع عيسى بن موسى ولاية العهد بينما هذا الأمر حدث فى سنة سبع و أربعين و ليس خمسا و أربعين، و هذا الخطأ حدث فى العنوان.

120

مقدم عبيد اللّه بن العلا إلى سجستان فى سنة إحدى و خمسين و مائة

و قدم عبيد اللّه بن العلا سجستان خليفة فى أول سنة إحدى و خمسين و مائة، و كان هناك، و لما وصل الخبر إلى المنصور بما وقع، أرسل معن بن زائدة الشيبانى إلى سجستان.

مقدم معن بن زايدة الشيبانى إلى سجستان‏

و هو معن بن زائدة بن عبد اللّه بن مطر بن شريك‏ (1) و كان مطر بن شريك أخا خوفران بن شريك، و دخل القصبة فى شعبان سنة إحدى و خمسين و مائة، و عزل عبيد اللّه بن العلاء و كل أتباعه، و أرسل يزيد بن مزيد (2) إلى رخد، و مضى فى أثره، و أرسل إليه زنبيل الهدايا من الأوانى الفضية و الثياب التركية المصنوعة من الحرير و أشياء رقيقة (3)، و لكن معن عد هذا قليلا، و غضب، و لما وصل بست قدم إليه يزيد بن مزيد، و أمره أن يستولى على مفترق الطرق، حتى وصله خبر مقدم زنبيل، و هجم هجمات كثيرة بجيش كبير، و هجم عليهم فجأة، و أسر ثلاثين ألف رجل منهم فى مكان واحد، و لكن طلب صهر زنبيل الأمان، و قدم إلى معن،

____________

(1) أبو الوليد معن بن زائدة بن عبد اللّه بن زائدة بن مطر بن شريك بن الصلب، و ذكره أيضا ابن الكلبى فى جمهرة النسب كما يأتى معن بن زائدة بن مطر بن شريك بن عمرو بن قيس بن شراحيل بن مرة ابن همام بن ذهل، و الرواية الأخيرة أقرب إلى الصحة. (من تعليقات بهار).

(2) هو ابن أخى معن بن زائدة، من كبار و شجعان و أسخياء أمراء العرب، و عين على إمارة أذربيجان و أرمينية فى عهد هارون الرشيد (ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج 2، ص 420).

(3) يقول البلاذرى: إن زنبيل أرسل إلى من الخراج ليرسله إلى الحجاج، إلا أن زنبيل أرسل جمالا و عبيدا و أشياء كثيرة، فغضب من ذلك معن (البلاذرى، ص 408).

121

و أمنه، و كان اسم هذا الصهر ماويد، و أحضره معه إلى سجستان، و أرسله مع عدد كبير من أعوانه معززين مكرمين إلى المنصور، فأحسن المنصور إليه، و أمر أن يكتب اسمه و من معه من الجند فى ديوان الجند، و أقر لهم رواتب الجند، و عند عودة معن أوقف أهل بست كلهم، و قدم سجستان من هناك، و كانت هذه هى عادته، فثار أهل سجستان، و كتب عبيد اللّه بن العلاء رسالة إلى المنصور شاكيا له، و لكنهم عثروا على الرسالة و هى فى الطريق، و أحضروها إلى معن، حيث استدعى عبيد اللّه بن العلاء، و سأله عن هذا الحال و لكنه أنكر، فأمر أن يجردوه من ثيابه، و أن يضربوه أربعمائة سوط، و أن يضربوا رءوس رفاقه فى هذا العمل، و لكنهم فدوا أنفسهم بدفع مال كبير، ثم أخذ أربعين رجلا من هؤلاء الخوارج و قيدهم، و أرسلهم إلى بست، و أمر أن يكون عملهم بناء قصر له، و أمرهم بالسرعة فى عملهم، و كلما انتهوا من موضع من القصر، كانوا يبدأون فى موضع آخر، و كان ينفق من أجل هذا مالا كثيرا لا يحصى و لا يعد، ثم جاء مروان بن حفصة (1) ذات يوم من الأيام إليه- و كان مروان شاعره- و مكث عدة أيام و لم يره معن، ثم قال: أين كنت؟ قال: كان عندى ميلاد و كنت مشغولا بحديثه، قال: ما اسمه؟ قال:

سميت معنا بمعن ثم قلت له‏* * * هذا سمى عقيد المجد و الجود

قال: يا غلام أعطه ألف دينار، و قل يا مروان بيتا آخر، قال:

أنت الجواد و منك الجود أوله‏* * * فإن هلكت فما جود بموجود

فقال ثانية: يا غلام أعطه ألف دينار أخرى، و قل بيتا آخر، قال:

أضحت يمينك من جود مصورة* * * لابل يمينك منها صورة الجود

فقال: يا غلام أعطه ألف دينار أخرى، و قل بيتا آخر، قال:

من نور وجهك تضحى الأرض مشرقة* * * و من بنانك يجرى الماء فى العود

____________

(1) كان شاعرا كبيرا بلغ شهرة عظيمة، و ممدوحه الأصيل هو معن بن زائدة الشيبانى (ت 185 ه).

122

فقال: يا غلام أعطه ألف دينار أخرى، و قل بيتا آخر، قال:

صلى لجودك جود الناس كلهم‏* * * فصار جودك محراب الأجاويد

فقال: يا غلام أعطه ألف دينار أخرى، و قل بيتا آخر، قال:

لو أن من نوره مثقال خردلة* * * فى السود كلهم لا بيضت السود

فقال: يا غلام أعطه ألف دينار أخرى، و قل بيتا آخر، فقال الغلام: لم يبق فى الخزينة دينار، فقال معن: أقسم باللّه تعالى لو كان معى دينار، و قلت أبياتا هكذا حتى ألف بيت لأعطيتك على كل بيت ألف دينار، و كان هكذا على الدوام، يأخذ المال ظلما، و يعطيه جودا (تكرما) و لما كان مبذرا للمال مسيئا فى تدبيره خلعه الحكماء من قلوبهم، و ذلك بسبب ذلك الظلم الذى كان يرتكبه، فتعاهدت جماعة من الخوارج على قتله مكابرة، و منذ أن مضى معن إلى بست و كان يمضى على ذلك الجوسق الذى كان قد شيده الخوارج، و صعد إلى سطحه، فشرب الخمر، حتى خرج عليه هؤلاء الخوارج الذين قد تبايعوا على قتله و كان كل منهم يحمل حزمة من القصب معلقة فى عنقه، و فى كل حزمة منها سيف مسلول فقالوا للحاجب: نحن الذين أقمنا (أتممنا) برجه، و لكن الحاجب منعهم، فصاحوا أنت تمنع عنا عطاء الأمير، فسمع معن ضجيجهم، و قال: أدخلوهم، فدخلوا عليه مع ما يحملون، و لما رأوه، استلوا سيوفهم من الحزم، و هجموا عليه، و اتخذ ترسا له من وسادة، حتى جرحوه جراحا كثيرة، و فى النهاية مزقوا بطنه إربا إربا، حيث كان كبير البطن، و قتل، و دفنوه فى بست يوم الخميس لثمانية أيام مضت من شهر ذى الحجة سنة اثنتين و خمسين و مائة، و جاء يزيد بن مزيد، و كان يبعد عن بست أربعة فراسخ، و قتل هؤلاء الخوارج و بايعه الجبش و أهل سجستان، و وصل الخبر المهدى، فجعل يزيد بن مزيد واليا على سجستان، و أرسل إليه العهد، و كان هذا فى أول سنة ثلاث و خمسين و مائة، و مكث يزيد مدة طويلة، ثم كتب رسالة، و سلمها لأحد رفاقه من‏

123

قبيلة بكر وائل ليمضى بها إلى المهدى يخبره بأن جماعة من الخوارج من قبيلة بكر وائل أرادت أن تضع خراجها فى سجستان، و لما وصل إلى العتبة احتال جماعة من المحتالين على يزيد بن مزيد، و دفعوا لهذا الرجل عشرة آلاف درهم، و زوروا رسالة يزيد، و جعلوها باسم المنصور قائلا يزيد فيها أعطنى أمرا اجعل سجستان تحت أمركم فليس للمهدى علىّ من سبيل، فقرأ المنصور الرسالة، فغضب، و أعطى الرسالة للمهدى قائلا له: هذه رسالة يا ملك فعزله المهدى، و أسند سجستان إلى تميم بن عمر التميمى من تميم، و كان عامله على هراة، و كان أصله من سرخس، و وصلت الرسالة هراة إلى تميم بن عمر الذى قدم سجستان فى سنة ثلاث و خمسين و مائة، و كان معه الجراح بن زياد بن همام، و كان تميم بن عمر مصاحبا للمنصور فى رحلة للحج، ثم قيد يزيد بن مزيد و حبسه، فاحتال يزيد حتى هرب و مضى إلى بغداد، و مكث بها مدة متواريا، و أراد ذات يوم بعدها أن يمر من على جسر، فكان هناك جماعة من خوارج سجستان التقوا به، فعرفوه، و حدث قتال بينهم أسفر عن قتل يزيد بن مزيد لعدد منهم، و أصبح بذلك أنه عمل عملا كبيرا، فأرسلوه إلى خراسان، و قد كثر الخوارج فى ولاية تميم بن عمر فى سجستان، و عظم شأنهم، حيث قتلوا الحضين بن محمد يوم عاشوراء فى المحرم سنة ست و خمسين و مائة، و بلغ الخبر المهدى، فأعاد تميم بن عمر إلى هراة ثانية، و أرسل عبيد اللّه بن العلاء (1) إلى سجستان ثانية، و وصل العهد هناك فى رمضان سنة ثمان و خمسين و مائة، و توفى أبو جعفر المنصور يوم الثلاثاء قبل يوم التروية بيوم و هو على بئر ميمون سنة ثمان و خمسين و مائة، و كان له من العمر ثلاثة و ستون‏

____________

(1) فى فهرست ولاية سجستان عند اليعقوبى ينتهى بذكر هذا الشخص و يقول: فمات أبو جعفر (يعنى عبد اللّه بن العلاء) و هو عليها، ثم مضمومة إلى عمال خراسان يولونها رجلا من قبلهم، و ذلك أن الشراة غلبت عليها و كثرت عليها، و خراج سجستان عشرة آلاف درهم، و يوزع بين جيوشها و ثغورها. (كتاب البلدان، ص 286 نقلا عن بهار).

124

عاما و كانت مدة خلافته اثنتين و عشرين عاما إلا يومين، و أصبحت إقامة الحج بعد وفاته فى هذه السنة لإبراهيم بن يحيى بن محمد.

تولى المهدى بن المنصور الخلافة يوم الثلاثاء فى شهر ذى الحجة سنة ثمان و خمسين و مائة

و كانت كنيته أبا عبد اللّه، و اسمه محمد بن عبد اللّه بن محمد بن على بن عبد اللّه ابن العباس بن عبد المطلب، و أرسل المهدى حمزة بن مال الخزاعى إلى سجستان، و جعل حمزة بن مالك خالد بن سويد خليفة له على سجستان، فقدمها خالد يوم الأربعاء لأربعة أيام بقين من ربيع الأول سنة تسع و خمسين و مائة، و مكث عدة أيام، أرسل عثمان الطارابى ليحارب نوحا الخارجى، و مضى عثمان إلى هناك، فأخرج نوح جيشا، و وقعت بينهما حرب شعواء، و قتل فى هذه الحرب من الأعيان زياد بن هما الراسبى، ثم مضى حمزة بن مالك بنفسه إلى سجستان فى آخر سنة تسع و خمسين و مائة، و مكث عدة أيام، و أرسل جيشا إلى خراسان، و جعل عثمان ابن بسام الأزدى رئيسا عليهم، و لما وصل فراة، خرج عليه أتباعه، و قتلوه، و دفنوه هناك، و رجع الجيش إلى سجستان، و جعل رئيسهم سعيد بن قثم السعدى، و أنزلوه فى ضاحية المدينة، و دخل حمزة بن مالك الربض‏ (1)، يوم الجمعة فى شهر صفر سنة ست و مائة، و حارب سعيد بن قثم عدة أيام، و عاد عاجزا، و رجع بالجيش، و استولى على بست، و قوى أمره، و عاد يزيد بن مزيد من خراسان بجيش كبير قاصدا سجستان فى شعبان سنة ستين و مائة، و عند مقدم يزيد بن مزيد وصلت رسالة من المهدى إلى حمزة بن مالك قائلا له: اسند ولاية سجستان إلى عبيد اللّه‏

____________

(1) الربض هو العمران المقام حول المدينة خارج القلعة الأصلية فى مركز المدينة، و كان ربض سجستان هو المدينة الكبيرة العامرة نفسها، و قديما كان لكل مدينة قلعتان واحدة للحاكم، و المبانى الأهلية التى كانت فى وسط المدينة كانت تمثل قلعة أخرى يسمونها ربض أو حومة.

125

ابن العلاء، فسلم حمزة الولاية، و مضى إلى العراق، ثم وقعت وفاة عبيد اللّه فى ذى الحجة سنة ستين و مائة فى سجستان، و صلى عليه يزيد بن مزيد، و كفنه و دفنه، ثم أرسل يزيد ابنه فياضا بجيش إلى بست، و جعل مطيعا بن زياد اللخمى نائبا عن ابنه فى الخلافة، ثم أرسل المهدى زهير بن محمد الأزدى إلى سجستان، و أمر يزيد ابن مزيد أن يخرج من سجستان.

مقدم زهير بن محمد الأزدى إلى سجستان‏

و قدم زهير بن محمد الأزدى سجستان فى أول سنة إحدى و ستين و مائة، و مضى يزيد بن مزيد، و تولى زهير الإمارة، و أحسن إلى الناس ثمانية أعوام، إلى أن مات المهدى فجأة فى قرية تسمى سريرا (1) من توابع ماسذان، فى ليلة الخميس لثمانية أيام بقيت من شهر المحرم سنة تسع و ستين و مائة، و كان يبلغ من العمر ثلاثة و أربعين عاما، و مدة ولايته عشرة أعوام و شهرا و أربعة عشر يوما، و تولى ابنه الهادى الخلافة.

تولى الهادى الخلافة فى سنة تسع و ستين و مائة

و كان اسمه موسى بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب، و كانت البيعة لأبيه فى بغداد، و جعله وليا للعهد، و كان موسى فى هذا اليوم فى جرجان، و أعطى الهادى خراسان لفضل بن سليمان، و بقية سجستان لتميم ابن سعيد، و دخلها تميم فى يوم السبت لثمانية أيام بقيت من شهر صفر سنة تسع‏

____________

(1) ذكر المسعودى اسم هذه القرية (زرين) و زرين و سرى لم أرها فى المعجم، و لكن يبدو أن الاثنين لاسم واحد، و ذكر ياقوت أن قبر المهدى فى قرية (رذ) و هى من قرى ماسبذان.

126

و ستين و مائة، و كان معه بشر بن فرقد عاملا على خراجها، فمكث تميم بها وقتا، ثم مضى إلى بست، و جعل بشرا بن فرقد خليفة مكانه، و مضى من بست إلى رخد و حارب زنبيل، و أسر أخاه، و أرسله إلى العراق، ثم أعطى الهادى سجستان لكثير ابن سالم.

مقدم كثير بن سالم لسجستان‏

و قدم كثير سجستان لثلاثة أيام خلون من شهر ذى الحجة سنة تسع و ستين و مائة، و جعل أسد بن حبلة أميرا للشرطة، و توفى الهادى فى عيسى أباد يوم الجمعة لأربعة أيام خلت من ربيع الأول سنة سبعين و مائة، و كان كثير قد أحسن إلى الناس حتى وفاة الهادى، و كان عمره خمسا و عشرين عاما، و كانت مدة خلافته أربعة عشر شهرا إلا ستة أيام، ثم ترك الهادى الخلافة إلى أخيه هارون الرشيد.

تولى هارون الرشيد الخلافة يوم الجمعة منتصف شهر ربيع الأول سنة سبعين و مائة

و كانت كنيته أبا جعفر، هارون بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن على ابن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، و فى اليوم التالى لتوليه الخلافة ولد له ابنه عبد اللّه المأمون، ثم اضطربت سجستان على كثير بن سالم، و طلب الجيش الرواتب، و حاربوا.

127

و فى النهاية هرب كثير من سجستان، و مضى إلى بغداد لعشرة أيام بقيت من جمادى الأولى سنة سبعين و مائة، ثم أرسل هارون الرشيد عهد سجستان و خراسان إلى فضل بن سليمان الذى أعطى الأصرم بن عبد الحميد سجستان، ثم أرسل الأصرم حميد بن عبد الحميد أخاه خليفة له عليها، و دخلها يوم الجمعة لسبعة أيام بقيت من جمادى الأولى سنة سبعين و مائة، و كان كثير بن سالم بعدها بثلاثة أيام وصل بغداد، و قدم أصرم بن عبد الحميد على أثر أخيه، و مكث مدة هنا فى سجستان، أحسن فيها إلى الناس، حتى أرسل الرشيد عبد اللّه بن حميد من جهته إلى سجستان.

مقدم عبد اللّه بن حميد إلى سجستان‏

كان أول عامل خاص قدم سجستان من قبل هارون الرشيد هو عبد اللّه بن حميد، و دخلها لثمانية أيام خلت من رجب سنة إحدى و سبعين و مائة، و جعل عبد اللّه ابن عون خليفة له، و مكث هناك مدة، ثم عزله الرشيد، و أرسل عثمان بن عمارة ابن خزيمة المزنى إلى سجستان ثم أرسل عثمان رسالة إلى شبيب بن عبد اللّه، و جعله خليفة، و استمالة شبيب الناس، فأراح المدينة، و عاد عبد اللّه إلى العراق، و قدم عثمان بن عمارة بنفسه إلى سجستان يوم الجمعة لسبعة أيام بقيت من جمادى الأولى سنة اثنتين و سبعين و مائة، و دخل من باب پارس، و قتل بشر بن فرقد (1) فى هذا اليوم، و لما دخل المدينة، طلب من الناس الهدوء، و كان سبب قتل بشر، أنه قد جرى على الألسنة أن بشرا بن فرقد سبب فتنة سجستان، ثم أرسل ابنه صدقة ابن عثمان بجيش إلى بست، و كان معه مطرف بن سمرة القاضى و جماعة من‏

____________

(1) بشر بن فرقد اسم جد من أجداد الأسرة الصفارية.

128

الغزاة، حتى وصلوا رخد، كان الترك قد اجتمعوا هناك، فحاربهم، و انتصر عليهم، و قتلوا كثيرا منهم، و لم يمض صدقة إلى سجستان لأنه توقف فى بست، و كان الحضين الخارجى‏ (1) و معه جماعة من الخوارج يهجمون على المنطقة ما بين بست و سجستان، فكتب عثمان رسالة إلى ابنه صدقة أن يقدم من بست لمحاربة الحضين، و قدم معه الغزاة، و مضى من هذه الناحية حتى وصل عثمان إلى الخوارج، و انتصر صدقة على الخوارج، و عاد الجيشان إلى سجستان، و أعطى عامة سجستان، و أحسن إلى الناس حتى بلغ حديث سجستان إلى حضرة أمير المؤمنين هارون الرشيد، و ذات يوم و بعد أن عاد الخليفة من الصيد، تقدم إليه الليث ابن ترسل فى الوقت المناسب فاستدعاه، و قال: أنا أرسلك إلى مصر، إذا كنت تعمل وفق ما أمر اللّه تعالى به، فأنا أعينك على سجستان حتى يصبح شأنك عظيما، ثم قال: قال الشاعر:

الزم سجستان و احذر أن تنافيها* * * فإنها جنة سبحان منشيها

ثم قال لمن كانوا حضورا فى المجلس: إن مصر بلد عظيم، فمنذ ذلك اليوم الذى ذكر فيه أمير المؤمنين سجستان، و كان داود بن بشر المهلبى من العظماء فأسند إليه هارون الرشيد ولاية سجستان، و قدمها داود عن طريق خراسان يوم الخميس لإحدى عشر مضت من شهر ربيع الأول سنة ست و سبعين و مائة، و قدم همام بن سلمة بن زياد بن همام واليا على الخراج، و مكث بها داود هناك مدة، ثم خرج لمحاربة الحصين ليلة السبت لثلاثة عشر يوما مضت من ربيع الآخر سنة سبع و سبعين و مائة، و كان معه الجيش و المتطوعون و الغازون، و كانت حربا شديدة، قتل فيها خلق كثير من الفريقين، و قتل الحضين الخارجى‏ (2)، و رجع داود

____________

(1) يذكره ابن الأثير الحصين و هو من موالى قيس بن ثعلبة الذى كان من أهالى آوق.

(2) يقول ابن الأثير: إن الحصين الخارجى مضى إلى خراسان بعد هزيمة جيش سجستان و مضى إلى يوشنج و هراة و بادغيس، و كتب هارون الرشيد رسالة إلى خالد الغطريف بن عطا والى خراسان يطلب فيها إحضار الحصين، فأرسل داود بن يزيد مع اثنى عشر ألف جندى لمحاربة الحصين، و لكنه-

129

إلى سجستان، ثم أعطى خراسان و سجستان لرشيد بن فضل بن يحيى، و أرسل فضل يزيد بن جرير إلى سجستان.

مقدم يزيد بن جرير إلى سجستان‏

قدمها يوم الخميس لاثنى عشر يوما بقيت من جمادى الآخر سنة ثمان و سبعين و مائة، و لبث فيها مدة، ثم عزل فضلا، ثم أعطى سجستان لإبراهيم ابن جبريل الذى أرسل إبراهيم بن بسام بن زياد إلى هناك، و دخلها بسام يوم الاثنين لثلاثة أيام مضت من شهر صفر سنة تسع و سبعين و مائة، و مضى إبراهيم فى أثر بسام إليها يوم السبت فى شهر ربيع الأول سنة تسع و سبعين و مائة، و مكث هناك مدة، ثم مضى إلى بست و منها إلى رخد، و حارب الترك، و انتصر، و مضى من هناك إلى كابل و غزاها، و غنم منها كثيرا، و مضى من هناك إلى سجستان، ثم خرج عمر بن مروان عليه فى سجستان، و التف حوله كثير من الخوارج، و مضى إبراهيم بن جبريل مع الغازين لحرب عمر، و تحاربوا حربا صعبة، و عاد إبراهيم إلى المدينة، ثم أعطى رشيد خراسان و سجستان إلى على بن عيسى بن ماهان، الذى أرسل عليّا بن الحصين بن قحطبة إلى سجستان و قدمها فى غرة شعبان سنة ثمانين و مائة، و بعد أن مرت عشرة أيام أعطى عليّا بن عيسى سجستان إلى همام ابن سلمة، و قدمها بعهد على الخراج و الصلاة و الحرب، و خلفه وصلت رسالة بعهد إلى ابن على بن عيسى، و اسمه الحسين بن على بن عيسى الذى أرسل نصر ابن سليمان إلى سجستان، و دخلها يوم الأربعاء لأربعة أيام بقيت من شعبان سنة ثمانين و مائة، ثم أعطى عليّا بن عيسى ولاية سجستان إلى يزيد بن جرير الذى قدمها

____________

- انتصر بجيشه القليل الذى يبلغ ستمائة جندى على هذا الجيش، و قتل منه خلق كثير (ابن الأثير:

الكامل فى التاريخ، ج 6، ص 41).

130

بطريق آخر، فى غرة المحرم سنة إحدى و ثمانين و مائة، و توفى فى السنة نفسها مطرف بن سمرة القاضى، و كان قد تولى القضاء عشرين سنة، و كان رجلا عظيما فقيها، ثم أرسل عليّا بن عيسى الأصرم بن عبد الحميد إلى سجستان بطريق آخر، و كان معه همام بن سلمة واليا على الخراج‏ (1) فى السنة نفسها كما ذكرنا، و لما قدم الأصرم سجستان، أصيب بمرض صعب، فاستخلف همام بن سلمة ليحفظ المدينة، و توفى، ثم أعطى على بن عيسى ابنه عيسى سجستان و استخلف عيسى همام كى يحفظ المدينة، و قدم فى أثره، و لم يمكث فى سجستان طويلا، و مضى إلى بست، و منها مضى إلى كابل، ثم عاد إلى بست ثانية ثم قدم سجستان فى أول سنة اثنتين و ثمانين و مائة.

ظهور الأمير حمزة بن عبد اللّه الخارجى فى سنة إحدى و ثمانين و مائة

كان حمزة بن عبد اللّه من نسل ذى طهماسب‏ (2)، و كان رجلا عظيما و شجاعا، و كان من رون و جول‏ (3)، فقد أساء أحد العمال الأدب عليه، و كان حمزة

____________

(1) كان فى عهد الفتوحات أن يوكل شخص بالممالك الكبيرة، و يكون له ولاية فى حكم الثغور و أجزاء المملكة الأخرى، و كان هؤلاء الولاة يصرفون أمور هذه الجهات و يستقلون بها، و كانوا يختارون من يقوم بعمل الصلاة و شئون القضاء و المظالم و الحرب و الصلاة أما الخراج فكان يعهد به إلى آخر (من تعليقات بهار على الكتاب).

(2) ذكر ابن الأثير أنه حمزة بن أترك السجستانى و أنه ظهر فى سنة 177 ه، و ذكره البيهقى (حمزة ابن أذرك، و يقول: إنه جاء فى عام 313 من جانب ترشز إلى سبزاور، و قتل كثيرا من أهل بهق و يبدو أن أذرك أحد أصدقاء حمزة بن عبد اللّه. (من تعليقات بهار).

(3) لم يعرف أين كانت تقع رون جول من سجستان، إلا أن لفظ (جول) فى اللهجة الخرسانية تعنى الصحراء الفقيرة، و بذلك تكون (رون جول) من المناطق الصحراوية التى كانت ترتبط بسجستان (من تعليقات بهار).

131

عالما، و يأمر بالمعروف، و أراد هذا العامل أن يقضى عليه، و فى النهاية قتل العامل، مضى حمزة من سجستان لأداء فريضة الحج، ثم عاد من هناك مع جماعة من رفاق قطرى بن الفجاءة، و كان خوارج سجستان قد ثاروا على خلف الخارجى، و اجتمع أتباع الحضين و خلق كثير كان تعدادهم خمسة آلاف، و لما قدم حمزة بايعه أتباعه، وفد بسكر، و خرج هناك و ظهر، و مضى عيسى بن على بن عيسى بجيش لحربه، و استخلف حفص بن عمر بن تركة على سجستان، و مضى يوم الجمعة من شهر شوال سنة اثنتين و ثمانين و مائة لحرب حمزة، و كان فى هذه الحرب سيف ابن عثمان الطارابى و الحضين بن محمد القوسى و روق بن حريس مع عيسى ابن على، و حاربوا حربا صعبة، و قتل الخوارج خلقا كثيرا منهم، و مضى عيسى ابن على منهزما إلى خراسان و مضى معه هؤلاء الرؤساء بطريق الصحراء، و فى هذا يقول الشاعر:

يا ابن على أين تسرى فى الفلا* * * و كنت ليث الغاب قبلا مرسلا

بين يدىّ حزة فى قبيلة* * * فصرت فى الجبن لدينا مثلا

و لما كان الأمر كذلك، قدم الخوارج إلى باب القصبة، و توارى حفص ابن عمر بن تركة، و كان حمزة قد قدم المدينة فى الصباح (الفجر)، و سمع الآذان كثيرا فى هذه المدينة من غير عدد و لا إحصاء، فتملكه العجب، و قال فى النهاية: عودوا عن تلك المدينة التى يكبرون فيها إلى هذا الحد، و لا ينبغى سل السيف، و نزل فى حلفاباد، و أرسل رسولا يقول: لن أحارب عامة المدينة، و يجب على عامل السلطان أن يخرج كى نتحارب، فنظروا، فكان حفص بن عمر بن تركة قد مضى، و اختفى فى موضع، فقال شاعر جيش حمزة هذين البيتين:

و من رأى أبدا أميرا هاربا* * * متواريا فى أرضه من أهلها

حفص بن تركة قد نراه خائفا* * * من سطوت قد عاينوا من قبلها

132

ثم استدعى حمزة أهل سواد سجستان جميعا و قال: لا تعطوا درهما خراجا و لا مالا آخر للسلطان، لأنه لا يستطيع أن يرعاكم، و أنا لا آخذ منكم شيئا قط، فأنا لن استقر فى مكان، و من ذلك اليوم و ما بعده لن يدخل بغداد من سجستان دخل و لا حمل، و فى النهاية اتفقوا على أن يكون أهل المدينة على ولاية أمير المؤمنين هارون الرشيد، و خطبوا له، و ما زالت هذه الخطبة لبنى العباس حتى الآن، أما المال فمقطوع، و أما عظماء سجستان الذين كانوا مع عيسى بن على فمضوا إلى على بن عيسى، و طلبوا منه عزل حفص بن عمر الذى أصبح عاجزا، فأرسل سيف بن عثمان الطارابى إلى سجستان للصلاة و الحرب، و الحصين بن محمد القوسى على الخراج، و قدما فى المحرم سنة ست و ثمانين و مائة.

مقدم سيف بن عثمان الطارابى و الحصين بن محمد القوسى إلى سجستان‏

و اعتقلوا حفص بن تركة، و سجنوه و اعتقلوا رفاقه، و كان حبيب بن تركة صاحبا لشرطة حفص، و كان فى در طعام‏ (1) فأرسلوا شخصا، فاحضروه و اعتقلوه، و عذبوا حفصا عذابا شديدا، حتى قتل، ثم أرسل على بن عيسى عبد اللّه بن العباس قائد جيش خراسان إلى هناك، و دخلها فى غرة ربيع الأول سنة سبع و ثمانين و مائة.

____________

(1) در طعام بوابة من بوابات مدينة زرنج، و يقول محمد بن وصيف الجزى شاعر يعقوب بن الليث: بوابة أكاروا بوابة طعام، و يقول الإصطخرى: لمدينة زرنج خمس بوابات واحدة فى الحى الجديد و الأخرى فى الحى القديم الذى يفتح على بوابتين تجاه إقليم فارس، و بوابة ثالثة فى كركويه التى تقع على خراسان، و الرابع فى نيشك و الخامسة بوابة در طعام و هى أكثر البوابات عمراناز

133

مقدم عبد اللّه بن العباس إلى سجستان‏

و مكث هناك مدة، و مضى حمزة إلى نيسابور، و أعلن هناك الحرب على ابن عيسى، حتى مضى حمزة إلى خراسان، و عاد، و كان عبد اللّه بن العباس قد خرج إلى بسكر، و أغار كثيرا، و عاد إلى المدينة ثم أسند على بن عيسى إلى ابنه عيسى سجستان بطريق آخر، و لما قدم عيسى فراة، و جبى الخراج، و قدم آوق، و قتل هناك خلقا كثيرا، و دخل المدينة، و نزل بباب كركوى فى شوال سنة ثمان و ثمانين و مائة، ثم وصل حمزة من خراسان، و قتل جميع العمال الذين جاءوا مع الجيش فى بسكر و قدم باب المدينة، و خرج عيسى بن على لمحاربته، و كان معه خلق كثير، كان معه عفان بن محمد فى ذلك الجيش و حاربوا حربا شعواء، و قتل عفان بن محمد فى هذه الحرب، فأحضروه إلى المدينة، و دفنوه بجوار مسجده، و كان عفان من علماء زمانه و فقهائهم، ثم مضى حمزة تجاه خراسان، عندما عرف أن هؤلاء القوم لا قدرة لهم، و مضى عيسى بن على فى إثره بجيش يوم الخميس لثلاثة عشر يوما مضت من شوال سنة ثمان و ثمانين و مائة، و فى أثناء هذا الوقت مكث عيسى هناك اثنى عشر يوما و مضى حمزة إلى نيسابور، و فى إثره عيسى و التقيا على باب نيسابور، و تحاربا حربا عنيفة، فعاد حمزة، و مضى إلى سجستان، و مكث عيسى عند أبيه فى نيسابور، و أعطى سجستان للحصين بن محمد القوسى، و أرسل إليه العهد، و كتب له رسالة، و كان الحصين فى قرية قوس، فأرسل لابنه رسالة كى يسيطر على المدينة، و فى النهاية دخل المدينة يوم الثلاثاء العاشر من ذى القعدة سنة تسع و ثمانين و مائة، و انتظم أمر القصبة و ارتاح الناس به، و وقع زلزال فى سجستان فى السادس من المحرم من سنة تسعين و مائة، و أرسل على بن عيسى رسالة إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد، و أخبره فيها أن رجلا من خوارج‏

134

سجستان قد ثار و يغير باستمرار على خراسان و كرمان، و قتل عمال هذه النواحى الثلاثة جميعهم، و طلب الخراج، و لم يتحصل درهما و لا حبة من خراسان و سجستان و كرمان، ثم بايع الرشيد ابنه المأمون‏ (1) على الولايات الإسلامية جميعها، فى سنة ثمان و ثمانين و مائة، و أراد الرشيد أن يأتى بنفسه إلى الرى قاصدا خراسان لمحاربة حمزة، فقد قوى و ازدادت شوكته، و اجتمع له ثلاثون ألف فارس و جعلهم خمسمائة- خمسمائة، و أرسل كل جمع إلى ناحية من النواحى بحيث لا تقيم قى مكان أكثر من يوم واحد، فبلغ الخبر إلى الرى أنه خرج جيش من بلاد الروم، فرجع من هنالك، و مضى إلى بغداد، و توفى الحسين بن محمد القوسى فى سجستان سنة ستة و تسعين و مائة، و أحرقوا الدواوين و لما كان الخرج ينقص و يزيد، فعزل الرشيد عليّا بن عيسى من خراسان، و أمر أن يأخذوا ماله، و أسند خراسان إلى هرثمة بن أعين و كذلك سجستان، و أعطى هرثمة سيف بن عثمان الطارابى سجستان.

مقدم سيف بن عثمان الطارابى إلى سجستان‏

و لما قدم سيف سجستان، كان محمد بن الحسين بن محمد القوسى قد حل محل أبيه و استولى على الولاية، و لم يتركه فى المدينة، فنزل على باب المدينة و مضى إلى المشايخ و قالوا: من الصواب أن ترجع، فعاد، و لم يستطع الاستقرار فى سواد سجستان بسبب حمزة، فمضى إلى فراة، و منها إلى بست، و هناك حشد جيشا، و قدم‏

____________

(1) يقول ابن الأثير: فى هذه السنة بايع الرشيد عبد اللّه المأمون بولاية العهد بعد الأمين و ولّاه خراسان، و ما يتصل بها من همدان و لقبه المأمون.

135

سجستان، و كان معه أبو العريان، و كان أبو العريان هذا رجلا عيارا (1) من سجستان، و يعتبر من القادة الذين لهم رفاق من الغوغاء، فنزل سيف و قادة جيشه فى قصره، و حاربا محمد بن الحسين و الخطبة، و لم يكن هناك دخل قط من القرى بسبب خروج الخوارج، فأرسل هرثمة بن أعين الحكم بن سنان إلى سجستان، و كان صالح بن الفكاك قائدا لجيش الحكم، و لكن لم يأتمر بأمرهم محمد بن الحسين، و تحاربا حروبا، و فى النهاية تصالحا، و نزل الحكم بن سنان فى قصر الحسين ابن بشر بن فرقد، و نزل محمد بن الحسين فى قصر الرجال، ثم قال محمد بن الحسين الحكم، إن الإمارة فى سجستان الآن هى محاربة الخوارج، و لكم الخطبة و الصلاة فهذا أمر يسير، فالقوم فى هذه القصبة فى ولاية أمير المؤمنين، إذا فالحديث فى حرب الخوارج، ثم أرسل الحكم صالح بن حماد على رأس جيش لمحاربة الخوارج، و حاربوا حربا صعبة، و قتل صالح بن حماد و رفاقه، و عاد قليل منهم إلى القصبة منهزمين، و توفى سيف بن عثمان الطارابي، و بسبب الخوارج قصد أمير المؤمنين هارون الرشيد فى السنة نفسها، و نزل فى جرجان و كتب رسالة إلى حمزة ابن عبد اللّه الخارجى.

نص رسالة هارون الرشيد:

بسم اللّه الرحمن الرحيم: من عبد اللّه هارون أمير المؤمنين إلى حمزة بن عبد اللّه سلام عليك و إنى أحمد إليك اللّه الذى لا إله إلا هو و أسأله أن يصلى على محمد عبده و رسوله (صلى اللّه عليه و سلم)، أما بعد فإن اللّه تبارك و تعالى بعث محمدا نبيه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى الناس كافة بشيرا و نذيرا و داعيا إلى اللّه بإذنه و سراجا

____________

(1) العيار: هو الرجل الكثير الطواف و الحركة بذكاء، و يتضح من كتب التاريخ أن العيارين قد ظهروا فى العصر العباسى فى بغداد و خراسان و بصفة خاصة فى سجستان، و كان منهم يعقوب بن الليث، و كان العيارون ينتخبون لهم قائدا فى كل مدينة يوجدون فيها.

136

منيرا و يبشر بالجنة من أطاعه و ينذر بالنار من عصاه و أنزل إليه كتابا عزيزا لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيلا من حكيم حميد بيّن فيه حلاله و حرامه و فرائضه و حدوده و شرائع دينه و بلغ محمد رسالة ربه و نصح الأمة و بيّن لهم السنن الهادية لا اختلاف بين الأمة فيها فى الصلاة و أركانها و الحج و الفرائض و الحدود و أوجب اللّه على عباده طاعة نبيه و جعل طاعته مقرونة بطاعته و من أطاعه أطاع اللّه و من عصاه عصا اللّه فلما بلغ به اللّه عامة الاحتجاج على خلقه، قبض اللّه رسوله (صلى اللّه عليه و سلم) و اختار له ما عنده.

و خلف بين ظهرانى أمته كتاب اللّه و سنته التى فيها رضى ربه و الفوز و النجاة لمن لزمها و اعتصم بها و البوار و الهلاك لمن خالفها و عمل بغيرها و أمير المؤمنين يدعوك إلى كتاب اللّه و سنة نبيه و يحثك على طاعته و ينهاك عن معصيته و قد عرف أمير المؤمنين الذى كان بينك و بين عماله فى خراسان و سجستان و فارس و كرمان من المحاربة و سفك الدماء، فأحب النظر إليك و لأصحابك فيما فيه صلاحك و جمع كلمتكم ورد ألفتكم، و إدخال السلامة و العافية و الطمأنينة عليكم و خلفكم بإخوانكم من المسلمين و أعطاكم نصيبكم من الفئ و الصدقات و الحق و العدل و حقن دمائكم و الصفح و العفو و التجاوز عنكم عما سلف من أحداثكم و جرائمكم، و إهدار ما نلتم من دم أو مال أو غير ذلك، فى هذه الحروب بينكم و بين عماله لما نوى من الأجر و الزجر و حسن المثوبة، و لرغبته فى صلاحك خاصة و استيفائك و خلطك بأهل طاعته، و ما يجب من الإحسان إليك و الاتصال عليك، و قد قوت من بلادك و ترك بصدد منك، و لم يأت منه كتاب و لا رسول قبل كتابه هذا و رسوله و قد أمنك أمير المؤمنين على دمك و مالك و شعرك و بشرك و وهب لك كل يوم جرما كان منك و كل دم أصبته أنت أو أحد من أصحابك، أو حدث أحدثته أو مال نلته أو صغيرا أو كبيرا كان منك فى هذه الحروب، و صفح عن ذلك و تركه للّه وحده لا شريك له إن قبلت أمانه، و قدمت عليه سامعا مطيعا تائبا إلى اللّه من ذنوبك داخلا فى جماعة المسلمين‏

137

متمسكا بطاعته و ولاة عهده و لم تعد تنكث، و جعل لك إن قبلت أمانه، و قدمت عليه و وفيت بما اشترط عليك عهد اللّه و ميثاقه و ذمة أمير المؤمنين و ذمة آبائه و أشد ما أخذ اللّه على الملائكة المقربين و النبيين و المرسلين من عهد و ميثاق بالوفاء لك و لأصحابك بالأمان على دمائكم و أموالكم و جميع ما أحدثتم فى الحروب التى كانت بينكم و بين عماله ما وقيتم، و لم تبدلوا و لم تغيروا و لم تغدروا، فاقبل نصيحة أمير المؤمنين و نظره لك و لأصحابك و اعرف ما فى ذلك من الحظ و الرشد فى العاجل و الآجل، و اقدم عليه مع رسوله و تأمن بالوفاء لك و لأصحابك و الإحسان إليك و الإفضال عليك، و إن أنت لم تقبل أمانه و لم تشخص إليه فاردد إليه أمانه مع رسوله، و عجل سراحه، و لا يكونن له من قبلك لبث إن شاء اللّه، و اللّه يشهد أمير المؤمنين فإنه قد أعذر إليك و احتج عليك و كفى باللّه شهيدا، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته و كتب إسماعيل بن صبيح مولى أمير المؤمنين يوم الجمعة لثمان بقين من صفر سنة ثلاث و تسعين و مائة، و الحمد للّه و صلواته على رسوله محمد و آله أجمعين.

رد (جواب) حمزة بن عبد اللّه الخارجى‏ (1)

بسم اللّه الرحمن الرحيم: من عبد اللّه حمزة أمين المؤمنين، سلام على أولياء اللّه، أما بعد، فإن اللّه تبارك و تعالى اصطفى آدم (عليه السلام)، و كرمه و أنشأ منه ذريته، فاستودعه أمانته و أوجب عليهم معرفة ربوبيته و العمل بطاعته و جعل منهم أنبياءه و رسله، و أنزل عليهم كتبه و شرع لهم دينه، فتتابعت رسل اللّه تترى فى أممها على منهج واحد و شرائع مختلفة، يصدق آخرهم أولهم حتى مضت القرون أمما،

____________

(1) لم أجد ذكرا لهاتين الرسالتين فى أى كتاب من كتب التاريخ الأخرى، و بذلك ينفرد هذا الكتاب بهذه الميزة عن بقية هذه الكتب.

138

و أصنافا مهدية بطاعة ربها و تصديق رسلها فبعث اللّه محمدا على حين فترة من الرسول، و اقتراب من الساعة رحمة للعالمين و خاتما للنبيين و مصدقا لهم، و أنزل عليه الفرقان مهيمنا على الكتب و ناسخا لهم، فاقتدى نبى اللّه كتاب اللّه و صدع بأمره فى مجاهدة أعدائه، و الدعاء إلى دينه و النصيحة لأمته حتى أكمل اللّه له الدين و بلغ به الحجة و أظهر له الدعوى و مكن له الأرض و اختار له ما عنده من كرامة و الفضيلة فقبضه اللّه فختم به النبوة و رفع الوحى، و خلف لأمته كتاب اللّه وصيته فى خلقه بيّن فيه حلاله و حرامه و سنته و فرائضه و محكمه و متشابهه و أمثاله و ثواب أهل طاعته و عقاب أهل معصيته فتمسك به أولياء اللّه بعد نبى اللّه فاقتدوا به و آثروه فأيدهم اللّه و أهله فى زيادة من نعماء اللّه، و ما افتتح لهم من رحمته خلافة أبى بكر و عمر، و صدرا من خلافته عثمان حتى تعرضت الدنيا ببهجتها فركن إليها الراكنون و آثروها و مالوا إليها، و خالفوا كتاب اللّه و سنة نبيه، فاختلفت الأمة بعد إيلافها و تفرقت بعد اجتماعها فهدى اللّه الذين آمنوا، لما اختلفوا به من الحق بإذنه و ضل من استحق الضلالة بما ضيعه من كتاب اللّه و خالفوا من سنة نبيه، و اهتدى من أثر حق اللّه و دينه و كتابه و لزموا سبيل من هدى اللّه قبلهم فصبروا عليه حتى قهروا باطل هذه الأمة أهل حقها فألبست شيعا و أذيق بعضهم بأس بعض، فلا تزال مختلفة إلا من رحم ربك و لا يزال الإسلام و أهله فى نقصان حتى تقوم الساعة و ذلك موعد هذه الأمة عند اجتماعها على الضلالة حيث يقول بل الساعة موعدهم، و الساعة أدهى و أمر فنعوذ باللّه أن يقدمنا فى الجهل و الضلال أو يخلفنا فى الأشرار، و قد وصل إلىّ كتابك تدعونى فيه إلى كتاب اللّه و سنة نبيه، و ذكرت محاربتى عمالك فى كور خراسان و غيرها و صفحك عن ذلك و غيره مما كان منا، و مما عرضت من أمانك و إحسانك بعد قبولها كتابك و أمانك و دخولنا فى طاعتك و كل ما كتبت به فقد فهمته أما كتاب اللّه فإليه دعوتى و به رضاى، و لست أبغى إلا به حكما فالحمد للّه على ما منّ به علىّ فى ما عرفنى من دينه و بصرنى من هداه و جعلنى أدعو إلى‏

139

محكم كتابه و بالواجب من طاعته و أجاهد عليها من عند عنها و خالفها و عمل بغيرها و اللّه المعين و الموفق، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العظيم، و أما ما تناهى إليك من محاربتى عما لك فما كان ذلك من منازعة لك فى ملكك، و لا رغبة فى دنيا أنا لها بذلك و لا طالبا الرفعة و الذكر فيها، و لا ابتدأت أحدا منهم بغى عليهم مع ما ظهر للعامة من سوء سيرتهم، فيمن ولوا عليهم و ما تعاطوا من سفك الدماء و إباحة الأموال و ركبوا الفواحش، و ما لم يحله اللّه إلى عباده لا أظنه إلا قد بيّن لك من رجال خراسان و بلغك من سجستان و فارس و كرمان، و ما فيه كفاية عن التطويل عليك فيما أصف لك من ذلك، و أما إحسانك إلىّ و نظرك لى و ما دعوت إليه فلو كنت ممن يؤثر الدنيا و يرغب فيها و يلتمس خفض العيش و النعمة فيما عرضت دركا فى العاجل دون الآجل إنى أعوذ بجلال اللّه أن يجعل ذلك حظى و نصيبى منهم فإن المغبون من باع دينه بدنيا تبقى له و لا يبقى لها و لا خير بخير بعده النار و لا شر بعده الجنة بشر. و أما الفي‏ء و الصدقات فأنى ذلك و قد فقد المسلمون عطاياهم و أرزاقهم و صدقاتهم بعد الخليفتين فصارت تؤخذ من غير موضعها و تصرف إلى غير أهلها، و اللّه حسيب خلقه و أما ما عرضت من أمانك و دعوت إليه من طاعتك فهل لمخلوق أمان الأمر، إن يوم الفزع الأكبر يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، و كيف يأمن من ذلك من لا يملك لنفسه موتا و لا حياة و لا نشورا فانظر لمعادك و ما أنت صائر إليه و به مرتهن و عنه مسئول و به عما قليل محاسب، فقد رأيت ما فعلت الدنيا بأربابها الراكبين إليها المؤثرين لها كيف أبقتهم و خذلتهم و أسلمتهم، فلن تغنى عنهم شيئا اعتذروا لها عنهم و بقيت أعمالهم قلائد فى أعناقهم و صاروا إلى الندامة و تلهفوا حيث لا يغنى عنهم ذلك على ما فرطوا، وفاتهم من العمل فى دنياهم لمعادهم و يوم فقرهم و فاقتهم حيث يقول يا حسرتى ما فرطت فى جنب اللّه و قد بايعت اللّه و عاهدته على القيام بأمره و الدعاء إلى طاعته و مجاهدة أعدائه حتى تفنى نفسنا، ما موف عهدى و منجز موعدى قال اللّه تعالى و أوفوا

140

بعهدى أوف بعهدكم فنسأل اللّه الانتفاع بما علمنا من كتابه و نعوذ باللّه أن نكون ممن لبسوا دينهم على أنفسهم فلبس اللّه عليهم، و نسأله العصمة و الكلاءة و أن لا تكلنا إلى نفسنا و لا إلى أحد من خلقه و أن يتولى منا مما هو أهل التقوى و أهل المغفرة رضينا باللّه ربا و بالإسلام دينا و بمحمد نبيا و بالقرآن إماما و حكما، ربنا رب السماوات و الأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا هذه سبيلى أدعو إلى اللّه على بصيرة أنا و من اتبعنى، و سبحان اللّه رب العالمين و ما أنا من المشركين، و لا حول و لا قوة إلا باللّه لا حكم إلا للّه، يقص الحق و هو خير الفاصلين فإن تولوا فقل حسبى اللّه لا إله إلا هو عليه توكلت و هو رب العرش العظيم و صلى اللّه على محمد النبى و على جميع المرسلين.

فأحسن إلى رسوله، و أعطاه العهد و هذه الرسالة و أعاده، و لما وصل الرسول عند أمير المؤمنين هارون الرشيد قدم من جرجان إلى طوس فى جمادى الآخر سنة ثلاث و تسعين و مائة فى موضع يسمى سناباد من توابع نوق‏ (1)، و هناك توفى و كان عمره تسعا و أربعين سنة و كانت كنيته أبا عبد اللّه، ثم هيأ حمزة الأسباب للحرب و التف حوله الكثير معظمهم من الأعراب فأعطى للنساء مهورهن و نفذ الوصايا و لبثوا الأكفان، و حملوا الأسلحة عليها، و مضى ثلاثون ألفا من الزهاد و قارئى القرآن، و قال شاعرهم هذه الأبيات:

أظن هارون و أشياعه‏* * * أنّا نبيع الحق بالباطل‏

نمق فى قرطاسه أسطرا* * * أجهل به من كاتب جاهل‏

خشن فى بعض و فى بعضه‏* * * لين كفعل اللاعب الهازل‏

يعرض سلطانا على حمزة* * * ملكا وشيكا غير ما طايل‏

____________

(1) نوق: كانت من قرى طوس المشهورة، أما هى الآن فتعد من محلات مدينة مشهد.

141

و لم يكن حمزة ممن يبيع‏* * * آجله بالعاجل الزائل‏

هو الإمام المرتضى و الذى‏* * * يقيم صعر الأعوج المايل‏

و الصادى الوعد إذا ما أوى‏* * * ليس بمخلاف و لا ماطل‏

و لما وصلوا بالقرب من نيسابور، سمعوا بخبر وفاة هارون، و دفنه فى طوس، و عودة الجيش إلى بغداد، فقال حمزة:" وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ" (1)، و لما كان الحال هكذا، وجب علينا أن نمضى لنغزو عباد الأصنام، فى السند و الهند و الصين و الترك و الروم و أحلاق الزنج فقال أتباعه: إن ما أبراه اللّه تعالى على لسانك هو الصواب، فقسم خمسة آلاف فارس إلى مجموعات، كل مجموعة خمسمائة فارس إلى خراسان و سجستان و فارس و كرمان، و قال: لا تسمحوا لهؤلاء الظلمة أن يظلموا الطغاء، و وصل حديث هذه الجيوش إلى هنا، و هو أن يخرج بعضهم على بعض، و نحن لا نتدخل حتى يفنى بعضهم، فقد قسم الخليفة ملكه على أولاده الثلاثة، و الملوك غيور، ثم مضى إلى الهند و السند حتى وصل إلى سرانديب، و عبر البحر، و زار قبر آدم (عليه السلام)، و شاهد هذه الآثار، و غزا كثيرا، و مضى إلى الصين من ناحية البحر، و من هناك مضوا إلى ماچين، و دخلوا التركستان، و منها إلى بلاد الروم، ثم رجع إلى التركستان، و مضى منها إلى سجستان عن طريق مكران، و غزا كل مكان، و قال لرفاقه: إن اللّه تعالى ناصر دين محمد (عليه السلام)، و ألا ينبغى علينا أن نؤدى ما علينا، و عليه الشكر، و تأتى ذكر غزوات حمزة (2) كاملة و باللّه التوفيق.

____________

(1) سورة الأحزاب: آية 25.

(2) وردت أخبار حمزة فى الكامل فى التاريخ عند ابن الأثير و معظم التواريخ غير مكتملة و مختلطة، أما ما ذكره هذا الكتاب فإنه يحتاج إلى التأمل (من تعليقات بهار).

142

ثم أعطى المأمون سجستان إلى زهير بن المسيب، و أرسل زهير خليفة له هناك اسمه إسحق بن سمن‏ (1)، و مضى زهير بنفسه فى شوال سنة ثلاث و تسعين و مائة، و جاء هنا، و أحسن إلى الناس، و لم يطلب شيئا، و مكث مدة، ثم أعطى المأمون سجستان لفتح بن حجاج مولى الرشيد، فأسند فتح لسهل بن حمزة سجستان، ثم مضى إلى هناك فى ذى العقدة سنة أربع و تسعين و مائة، و لكن محمد ابن الحصين القوسى أثار عليه المدينة، حتى وقعت الحرب بينهما فى النهاية، و مضى محمد بن الحصين منهزما إلى شعبه، و فى ذلك الوقت توفى فقيه سجستان خالد بن مظا الذهلي، و كان عالما ورعا، و حارب الخوارج الذين كانوا من جهة حمزة هنا، و كان قائدهم أبو عقيل فى شوال سنة خمس و تسعين و مائة، ثم حاربوا قائد جيش فتح بن أبى على، و دخل على المدينة منهزما، و قتل كثير من رفاقه ثم قال فتح: إنهم كثيرون و نصف سجستان معهم.

و كان يحب الشعر، و قال شعراء سجستان الشعر فيه، و سمع و قال: هل يوجد شاعر حسن، و كان عمار بن عيسى الشاعر ذات يوم فى مجلسه، و صار الحديث عن الشعر، فقال عمار: أيها الأمير سأقول شعرا فى مدحك حسب الحال، فإذا كان جيدا فسأكون سعيدا، فقال: قل: فقال:

سألت رسما مهددا عنها فماذا أنبا* * * يافتح بل من جوده يغنى من فقراء

الفتح و الجود حليفا مكرمات نشا

فنهض فتح، و أجلسه إلى جانبه، و أعطاه عشرة آلاف درهم، ثم أعطى المأمون سجستان لمحمد بن الأشعث الطارابي، و دخلها يوم الأربعاء لاثنى عشر يوما بقين من المحرم سنة سبع و تسعين و مائة.

____________

(1) يوجد ما يقرب من ثلثى سطر أبيض فى المتن.

143

مقدم محمد بن الأشعث إلى سجستان‏

و أرسل الأشعث ابنه إلى بست، و كان هناك بنفسه، و سار مع الناس الصالحين، ثم جمع المأمون الجيش، و أرسل طاهرا الأعور

يا ذا اليمينين و عين واحدة* * * نقصان عين و يمين زائدة

(1) إلى بغداد لمحاربة أخيه محمد بن زبيد، و هو طاهر بن حسين مصعب بن زريق مولى على بن أبى طالب، و كثرت الحروب بين طاهر و محمد كما ذكر ذلك فى كتاب الخلفاء، حتى قتل محمد لسبعة أيام بقيت من المحرم سنة ثمان و تسعين و مائة فى بغداد، و كان عمره سبعا و عشرين سنة و ثلاثة أشهر و أحد عشر يوما، و بايعوا بعد ذلك أبا العباس عبد اللّه المأمون.

تولى أبى العباس عبد اللّه المأمون الخلافة

هو ابن هارون الرشيد، و فى اليوم نفسه الذى قتل فيه محمد، خرج أبو السرايا فى الكوفة مبايعا ابن طباطبا (2)، و اسمه محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسين بن على بن أبى طالب، و دخل أهل الحجاز و اليمن جميعهم فى هذه البيعة، و توفى ابن طباطبا يوم الخميس لثلاثة أيام مضت من شهر

____________

(1) يقصد أبا الطيب طاهر بن حسين بن مصعب بن زريق بن ماهان، و عند زريق هو ابن أسعد ابن دادويه، و يقول آخر أسعد بن زادان، و يقول مصعب بن طلحة بن زريق الملقب بذى اليمينين و هو من أهل پوشنج و من الموالى و جده زريق مولى طلحة الطلحات الخزاعى، و هجاه عمرو بن باءة بقوله:

يا ذا اليمينين و عين واحدة* * * نقصان عين و يمين زائدة

(2) هو أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسين بن على و هو الذى يعرف بابن طباطبا، و لكن ابن الأثير يذكر أنه ظهر فى عام 199 ه.

144

رجب سنة تسعين و مائة، و قتلوا أبا السرايا فى الكوفة فى السنة نفسها، و ظهر رجل فى بست فى السنة نفسها و خرج و كان معه كثير من الغوغاء، و اسمه حرب ابن عبيدة، و كان من خوارج سجستان، و خرج الأشعث بن محمد بن الأشعث لمحاربته و مضى حرب منهزما، و تعقبه الأشعث، فعاد حرب، و حاربوا حربا شعواء، و انهزم الأشعث، و قتل حرب فيها كثيرا من جنده، و أخذ متاعهم و دوابهم و مالهم، و قوى بها و قدم الأشعث و مضى فى الطريق لمحاصرة بست، و قدم حرب و لكن فشل حصاره، و ضيق عليه، و ادعى حرب أنه قد جدد حرب حمزة الخارجى من جديد، لأن جيشه العربى لم يكن كافيا، و لما وصل الخبر عند محمد بن الأشعث أرسل المثنى بن سليم الباهلى إلى بست بجيش عظيم، و لما وصل بست، لم يدعه حرب فيها، و ظهر فى سجستان حمدويه بن الأشعث بن الحارث بن مجاشع الغجلي، و اجتمع له الغوغاء، و حاربه محمد بن الأشعث بنفسه و خدامه و غلمانه، و لكنه انهزم، و نزل فى قصر الرعية (الناس) و قدم حرب بن عبيدة من بست، و تحارب مع حمدويه، و مضى حمدويه منهزما، و كذلك مضى محمد بن الأشعث، و استولى حرب بن عبيدة على مال كل منهم، و دوابهم و كان هذا فى آخر سنه تسع و تسعين و مائة، و توفى عمرو ابن عمارة الفقيه الذى أقام المذهب السفياني‏ (1) فى سجستان فى السنة نفسها، و مسجده معروف فى بوابة فارس، و وقع فى السنة نفسها زلزال فى سجستان، و أسند المأمون ولاية سجستان إلى الليث بن الفضل، الذى كانوا يقولون له ابن ترسل، و كان واليا على قهستان، و أرسل أخاه أحمد بن الفضل إلى هناك.

____________

(1) يقول بهار معلقا على هذا الخبر: كان هناك سفيانان و يعدان من أئمة الحديث أولهما سفيان الثورى، و هو أبو عبد اللّه بن سعيد بن مسروق الثورى الكوفى المنسوب إلى ثور بن عبد مناة، و عاش بين سنة 97 إلى سنة 161، أما سفيان الثانى فهو سفيان بن عيينة و هو أبو محمد بن عيينة بن أبى عمران ميمون الهلالى مولى امرأة من بنى هلال، و كان كلاهما من أئمة الحديث و العلماء.

145

مقدم أحمد بن الفضل إلى سجستان‏

و دخلها لإحدى عشر يوما مضت من شهر رمضان سنة تسع و تسعين و مائة، و كان محمد بن الأشعث فى هذا الوقت فى أمان مع حرب بن عبيدة، و اتحدا معا، و صار من قواعده، و نزل أحمد بن الفضل فى قصر محمد بن الأشعث و أغار على ماله و دوابه، و كان قد خرج حرب بن عبيدة، و محمد بن الأشعث و كل جيشهما إلى درطعام، ليمضوا لمحاربة الخوارج، و استولى أحمد على المدينة، و لما عادوا، لم يفتحوا الطريق، و حاصروا المدينة، ثم قدم الليث بن الفضل المدينة فى جمادى الأول سنة مائتين، و مضى طالبا حرب بن عبيد، و جيشه، و استولى على أمتعته، و لكنه عاد عندما رأى أنه لا طاقة له بقوة حرب، فكان قوام جيش الليث أربعمائة فارس، و مع حرب عبيدة ثلاثون ألف فارس غير المترجلين بالسلاح أقوياء، و دخل الليث المدينة، و قبض على أصدقاء حرب، و عاد، ثم عاد حمزة الخارجى إلى سجستان و عن طريق مكران، و أرسل الليث بن الفضل الرسل إليه يريد الصلح قائلا: إنك غزوت غزوات كثيرة، و نريد محالفتك كى نستفيد، و هذا الرجل الثائر اسمه حرب بن عبيدة، و يقول: إننى بعثت حرب حمزة من جديد، و هو يريد بذلك لنفسه الشهوة و الانتشار، و لم يكن يخطر ببال أن نطلب منك المساعدة، كى نبعد شره عن المسلمين، فقد أصبح جاهز العتاد قوى الشوكة. فرد حمزة قائلا: يجب أن نشغل البال بهذا الموضوع، فلو أراد المولى عز و جل أن يتم نعمته فإن حقك علينا واجب، ما دام الأصدقاء و الأعوان لنا شكروك كثيرا. ثم مضى حمزة للهجوم على حرب بن عبيدة، و حاربوا، و قتل فى مكان واحد من رفاق حرب بن عبيدة عشرين ألفا و نيفا، و قدم محمد بن الأشعث المدينة منهزما، فأخذه الليث بن الفضل، و أخرجه مقيد اليدين و القدمين، و علقه على ناحية من بوابة فارس، و كان الليث كلما وجد شيئا فى سجستان، كان يجهز منه الطعام، و استضاف عليه عيارى سجستان.

146

و خلع عليهم، و قدم الخوارج فى عهده إلى المدينة، و تصالح مع حمزة الخارجى و رفاقه، و أحسن السيرة معهم، و بقى على هذا الحال مدة أربع سنوات، و شيد أبنية كثيرة، و اشترى كثيرا من الضياع و المزارع فى كل مكان، ثم أعطى المأمون خرسانة و سجستان إلى غسان بن عباد، الذى أعطى أعين بن هرثمة عمر ابن الهيثم إلى هناك، يوم الأربعاء فى شهر ربيع الأول سنة أربع و مائتين.

مقدم عمر بن الهيثم إلى سجستان‏

و دخلها متنكرا، و أخفى عمله، و كان الليث بن الفضل قد خرج إلى قرية من ضياعه، فمضى عمرو إلى هناك، و أراد أن يقبض عليه، و أن يسجنه، و لكن لم يكن ذلك فى الإمكان بين يوم و ليلة قضاها، و جلس كلاهما فى اليوم التالى بين جيشه فى صلاة الجمعة، و لما وصلوا إلى باب مسجد الجمعة، عرض عمرو بن الهيثم عهده و منشوره، فعاد الليث، و مضى إلى قريته، فدخل عمرو، و أدى الصلاة و استقام له الأمر، و قدم أعين بن الهيثم بنفسه فى يوم الجمعة لعشرة أيام مضت من شوال سنة أربع و مائتين، و أحسن إلى الناس، و وعدهم و عودا حسنة، ثم أعطى غسان بن عيار سجستان إلى عبد الحميد بن شبيب و دخلها يوم الخميس لعشرة أيام بقيت من رمضان سنة خمس و مائتين، و أحسن إلى الناس بأن ما يأخذه من ولاية سجستان كان لدر طعام، فلم يحدث لذلك نفقات يتحملها الخوارج، و لم يأخذ لنفسه شيئا، و لم يسمحوا لأحد أن يأخذ شيئا و كانوا يشنون الحملات على الدوام على الغور و الهند و السند، و لم يؤذوا أهل سجستان، إلا إذا هاجمهم جيش، فإنهم سيقاتلونه.

147

ثم أعطى المأمون ولاية سجستان و خراسان لطاهر بن الحسين، و أرسل طاهر ابنه إلى الجزيرة (1) فى سنة ست و مائتين لمحاربة نصر بن شبيب، و أرسل فى السنة نفسها محمد بن الحصين القوسى إلى سجستان.

مقدم محمد بن الحصين القوسى إلى سجستان‏

و دخل سجستان لعشرة أيام مضت من جمادى الأول سنة ست و مائتين، و أحسن إلى الناس و اشترى كثيرا من الضياع، و اجتذب قلوب الناس إليه بحسن العمل و القول، ثم أسند طاهر بن الحسين سجستان إلى ابنه طلحة بن طاهر، الذى أرسل إلياس بن أسد (2) إلى هناك.

مقدم إلياس بن أسد إلى سجستان‏

و دخلها فى يوم الخميس لعشرة أيام مضت من شهر صفر سنة ثمان و مائتين، و لم يمض بها طويل زمان حتى قدم معدل بن الحصين القوسى أخو محمد

____________

(1) كان عبد اللّه بن طاهر واليا على الجزيرة قبل ذلك، و كان يحارب نصر بن شيث، و بعد تولى أبيه أمر خراسان، أصبح صاحبا للشرطة فى عهد المأمون (من تعليقات بهار).

(2) إن إلياس بن أسد هو أخو نوح و يحيى و أحمد والد إسماعيل فنصر جد السامانيين و لكن ولايته على سجستان لم تأت فى بقية كتب التاريخ.

148

ابن الحصين، من جهة طلحة ليكون خليفة لأخيه فى يوم الخميس من جمادى الآخر سنة ثمان و مائتين، و سلمه إلياس بن أسد العمل، و خرج من دار الإمارة و نزل فى قصر الحارث بن المثني، و كان يثير الناس باستمرار ضد معدل بن الحصين، و كان الناس أميل إلى إلياس، و انحاز محمد بن الحصين إلى الخوارج كى يقوى بهم، و خرج و مضى إلى فراة، و طلب من حمزة جيشا، و جاء و لكن لم يسمح له القوم بدخول القصبة، فمضى إلى قريته التى بين النهرين، و نزل بها و كان الخوارج معه و لزمهم باستمرار، و كان تحت حوزته سواد سجستان كله، و كان على الدوام فى وفاق مع الخوارج، و لم يؤذوه مطلقا، ثم أسند طلحة بن طاهر سجستان إلى محمد الأحوص.

مقدم محمد بن الأحوص إلى سجستان‏

و دخلها يوم الخميس لعشرة أيام بقيت من شوال سنة ثمان و مائتين، و أحسن إلى الناس، و أرسى العدل و الإنصاف، ثم أسند طلحة بن طاهر سجستان إلى محمد ابن شيب.

مقدم محمد بن شيب إلى سجستان‏

و دخلها يوم الثلاثاء لأربع عشر يوما مضت من جمادى الآخر سنة تسع و مائتين، و لم يتأخر، حتى أعطى طلحة بن طاهر سجستان إلى ابن إسحاق بن سمرة،

149

الذى استخلف محمد بن يزيد، و أرسله، و دخلها يوم الجمعة فى شهر رجب سنة ست عشر و مائتين، و استولى على المدينة.

مقدم محمد بن يزيد إلى سجستان‏

و قدم فى إثره محمد بن إسحاق، ثم ظهر رجل من عيارى سجستان فى بست، و التف حوله الغوغاء، و خرج محمد بن إسحاق لمحاربة هذا العيارى و لما وصل إلى خواش‏ (1) قدم حسن بن على السيارى عاملا على سجستان، من قبل طلحة ابن طاهر.

مقدم حسين بن على إلى سجستان‏

و دخلها، و أخفى عهده عدة أيام، ثم أظهره، و أرسل جيشا طالبا محمد ابن إسحاق، فوصلوا، و جاءوا به أسيرا، و كان هذا كله فى سنة مائتين و إحدى عشر، ثم أرسل عيسى بن أحمد لحرب ذلك العيار فى بست، و مضى هناك و عاد إلى سجستان، ثم أسند طلحة بن طاهر سجستان إلى ابن خالد.

____________

(1) خواش: اسم ولاية من ولايات سجستان، و اليوم جزء من بلوجستان، و يتضح من النص أن خواش قريبة من زرنگ، كما تنسب فاشرود إلى هذا المكان و هما الآن من بلاد الأفغان.

150

مقدم أحمد بن خالد إلى سجستان‏

و أرسل محمد بن إسماعيل الذهلى إلى هناك، و دخلها يوم الأربعاء لأسبوع بقى من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشر و مائتين، و قدم على أثره أحمد بن طاهر فى شهر جمادى الأولى من السنة نفسها و لما أراد أن يدخل المدينة، و هجم عليه فوج من أصحاب حمزة الخارجي، و لم يسمحوا له بدخول المدينة، و حاربوا حربا عنيفة، و عاد أحمد بن خالد منهزما إلى خراسان، و توفى حمزة الخارجى يوم الجمعة لاثنى عشر يوما من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة و مائتين فى بيهش‏ (1)، و بايع الخوارج فى اليوم نفسه إسحاق بن إبراهيم بن عمير الجاشني، و كان رجلا طيب القلب حسن السيرة و عالما، و أنكر على الخوارج، و كان يغير أحيانا على أهل التهليل، و لما لم يطيعوه، فر من بينهم، و مضى إلى بحيرة زره، و اختفى فى غابة من القصب، و الآن يسمونها كويل پير و هى معروفة، ثم بايع الخوارج أبا عوف ابن عبد الرحمن بن بزيع، فى جمادى الآخر سنة خمس عشرة و مائتين، و توفى طلحة بن طاهر يوم الأحد لأربعة أيام بقيت من ربيع الأول سنة ثلاثة عشر و مائتين، ثم أسند عبد اللّه بن طاهر سجستان إلى محمد بن الحوص.

____________

(1) لم يعين الطبرى مكان وفاة حمزة و يذكر ابن الأثير فى كتابه الكامل أنه توفى فى عام 185 ه و لكنه خطأ، يقول ابن الأثير: مات حمزة الخارجى فى بادغيس و فى حوادث سنة 192 ه يتحدث عن هجوم حمزة على خراسان، و لم يذكر الطبرى شيئا عن هذا، و يقول اليعقوبى، خرج حمزة الثارى على على ابن عيسى بن ماهان فى بادغيس فنهض إلى ابن عيسى و هزمه و اتبعه حتى مضى إلى كابل فحاربه حتى قتله، و مع تصريح مؤلف هذا الكتاب و عدم معرفة تاريخ وفاة حمزة لدى الطبرى و ابن الأثير و اليعقوبى، إلا أن حمزة الثارى يعد من مشاهير الخوارج و لم يمت على يد على بن عيسى و إنما مات ميتة طبيعية عام 213 ه (من تعليقات بهار).