تعريب‏ تاريخ سجستان

- مجهول المزيد...
349 /
151

مقدم محمد بن الأحوص إلى سجستان‏

و دخلها ليلة عيد الفطر، و اجتذب إليه جيش سجستان، و خرج لمحاربة الخوارج، و كان معه علماء سجستان، مثل الحسن بن عمرو الفقيه و شارك ابن النصر و ياسر بن عمار بن شجاع- و كان ياسر خارجى المذهب- و لكن عند ما دخل أبو إسحاق البحيرة، دخل هو القصبة، و محمد بن بكر بن الكريم، و عمرو ابن واصل، كلهم من أهل الفضل و علماء سجستان، و مضوا و قاتلوا الخوارج قتالا عنيفا، و قتل كثير من هؤلاء على يد الخوارج، و أخبروا عبد اللّه بن طاهر، أن عزيز بن نوح، أرسل جيشا كثيفا من الغرباء لمحاربة الخوارج، فاجتمع الجيشان (جيش الغرباء، و جيش سجستان) و مضيا لمحاربة أبى عوف، و تحاربا، و قتل من الخوارج و من كلا الجيشين خلق كثير، و نزل أبو عوف فى كركوي‏ (1)، و دخل الجيشان فى المدينة و استعدوا ثانية، و أخذوا كثيرا من العدة اللازمة لهم للحصول على الماء و الحبال و المسك و آلات السفر، فى شهر ذى القعدة سنة خمس عشرة و مائتين، و عزموا على أن ينزلوا فى كل صحراء و جبل و كل مكان يوجد فيه الخوارج، حتى لا يبقى من الخوارج أحد، و كان محمد بن الأحوص مع عزيز بن نوح فى مكان واحد، و نزل على باب غنجره‏ (2)، و طلب الجند الرواتب من محمد ابن الأحوص، و أعطاهم مالا كثيرا، و خرج كلا الجيشين و غوغاء المدينة مع عزيز ابن نوح، و هاجموا أبا عوف عندما وصلوا إليه فى جروا ركن يوم السبت أول شهر رمضان سنة ست عشر و مائتين، و قتلوا عزيز بن نوح و مجموعة كبيرة،

____________

(1) كركوى: كانت محلة على بعد ثلاثة فراسخ من مدينة زرنج على طريق هراة.

(2) در غنجرة: كانت واحدة من بوابات ربض مدينة زرنج.

152

و دفنوا فى باب كركوى و بايع الناس الحصين بن الحسين بن مصعب عم عبد اللّه ابن طاهر.

مبايعة الحصين بن الحسين عم عبد اللّه‏

و كان قد قدم مع عزيز بن نوح، و كان محمد بن الأحوص يدبر الشئون عنده ثم أرسل عبد اللّه بن طاهر عباس بن هاشم بن أبى حور و إلياس بن أسد لمحاربة الخوارج و أعطاهم مالا كثيرا من الدراهم و الدنانير، و لم يكن هذا المال يدخل سجستان قط، و كان قد مضى أبو عوف مع جماعة من رفاقه إلى خرجانة، و مضى إلياس بن أسد بجيش فى طلبه، و خرج عن طريق الصحراء، و نزل فى جالف، و بلغ الخبر الحضين بن الحسين بن مصعب و كان قد نزل فى قصر معدل بن الحصين القوسي، و أراد أن يهاجم أبا عوف فمضى أهل المدينة و جيشه للهجوم يوم الجمعة لسبعة عشر يوما مضت من شهر ذى الحجة سنة ستة عشر و مائتين، ثم ضلوا الطريق بين الرمال، و كان يوما شديد البرد، فخرج أبو عوف بجيش، و تحاربوا حربا عنيفة، و فى النهاية قتل الجيش كله على يد الخوارج، إلا عددا قليلا لم يشاهدوه، و قتل فى ذلك اليوم محمد بن الأحوص و أحمد بن عمرو بن مسلم الباهلى و وهب بن هلال و دفنوهم فى باب كركوي، و مضى أبو عوف من هناك إلى آوق‏ (1)، و اجتمع حوله الخوارج، و عندما قتل محمد بن الأحوص، جعل الحصين بن الحسين إلياس خليفة على سجستان، و أرسل محمد بن زاهر بجيش‏

____________

(1) أوق: ذكرت فى بداية الكتاب على أنها جزء من كور سجستان، يقول الإصطخرى: أوقل رباط فى الطريق بين بست و غزنين، و ضبطها نقلا عن الإدريسى: أوق، و ذكرها صاحب برهان قاطع: أنها اسم قلعة بين فراة و سجستان.

153

لطلب الخوارج، و وجدوا مجموعة قليلة منهم فقتلوهم و أحضروا رءوسهم و أرسلوها إلى نيسابور، و أحضروا عهد سجستان للحصين بن الحسين من عبد اللّه ابن طاهر يوم الجمعة سنة سبعة عشر و مائتين، و توفى المأمون أمير المؤمنين فى قرية ندندون تابعة لبلاد الروم بالقرب من طرطوس، و دفنوه هناك فى يوم الخميس سنة ثمانية عشر و مائتين، و استمرت خلافته عشرين سنة و ستة أشهر و ستّا و عشرين يوما، و كان عمره ثمانية و أربعين عاما و ثلاثة أشهر و يوما واحدا، و فى اليوم نفسه بايعوا المعتصم.

تولى أبى إسحاق المعتصم باللّه الخلافة

و كنيته أبو إسحاق المعتصم باللّه بن هارون الرشيد، و اسمه محمد، و لما بلغ الخبر بغداد بايعوه أيضا فيها، و كان المعتصم مع المأمون فى بذندون‏ (1)، و كان ميالا إلى أهل البدع و المعتزلة، و ولى عبد اللّه بن طاهر على خراسان و سجستان الذى أسند ولاية سجستان إلى الحسين بن عبد اللّه السياري، و كان فى سجستان.

مقدم الحسين بن عبد اللّه السيارى إلى سجستان‏

و بمجرد أن وصل إليه العهد، استولى على المدينة، و أعطى ابن أخيه عبد اللّه ابن محمد بست، و كان معروفا بعبدوس، و مضى إلى بست، و أحسن إلى الناس‏

____________

(1) قرية على حدود بلاد الروم، بينها و بين طرسوس يوم فى الطريق، و مات بها المأمون و دفن فى طرسوس، و طرسوس من مدن آسيا الصغرى بين حدود الشام و حلب.

154

و خرج فى سجستان رجل من الخوارج أيضا، و قال: أنا أقوم بدور الخوارج، و اسمه ابن الحصين و التف حوله خلق كثير من كلا الفريقين، و أرسل حسين السيارى مشايخ المدينة و كبارهم إليه مثل حسن بن عمر و شارك بن النصر و عثمان بن عفان و ياسر بن عمار قائلين له: أبعد عنك هؤلاء القوم فليس لك أمر عليهم، ثم مضى حسين السيارى بنفسه لحربه، و فرق جمعهم و ظن السيارى أن أهل المدينة سيعينونه بدون ابن الحصين، و أرسل رسالة و عرف عبد اللّه بن طاهر بالأمر، فرد عليه: أن أرسل إلى إبراهيم بن الحضين و معدل بن الحصين بن القوسى و عثمان بن روح بن بسام و أحمد بن محمد بن تركة و أحمد بن الحصين، فأرسلهم السيارى إلى خراسان، و هرب شارك بن سليمان الحميرى، و مضى إلى مكة، و جاور هناك ثم عاد، و قدم سجستان و قتلوه فى اليوم الثالث، و أرسلوا أميرا للشرطة، و عزل إسحاق بن إبراهيم بن الحصين ثم بدأ محمد بن سيف الطارابى فى طلب رفاق ابن الحصين فى الجبال و الصحراء و الرمال التابعة لسجستان، و كان يقتل كل من يجد منهم و استدعى المعتصم أحمد بن حنبل‏ (1) فى سنة عشرين و مائتين و ضربه بالسوط، و كتب رسالة أرسلها فى كل مكان يدعو الناس فيها إلى خلق القرآن و الكفر، و نعوذ باللّه من الكفر.

____________

(1) هو أبو عبد اللّه بن محمد بن حنبل بن شيبان بن ذهل، كان من أصحاب الشافعى رضى اللّه عنه، كان يحفظ ما يقرب من المليون حديث، و دعى و قال: إن القرآن غير مخلوق. فضربه المعتصم و حبسه، و توفى فى شهر ربيع الأول أو ربيع الآخر سنة 241 ه (ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج 1، ص 284).

155

جفاف نهر هيرمند و حدوث القحط و الموت‏

جف ماء نهر هيرمند فى سنة مائتين و عشرين، و تجمد الماء و ظهر قحط شديد فى ولاية سجستان و بست، و كثر الموت، و مات كثير من التجار و العظماء و أصحاب النعم، و دام الحال على ذلك عاما، حتى أول سنة إحدى و عشرين و مائتين، و أعطى الناس فى هذه السنة أموالا كثيرة إلى الضعفاء، و أخبر السيارى عبد اللّه بن طاهر بهذا الحال و كتب إليه رسالة أن يعطوا للفقراء مبلغ ثلاثمائة ألف درهم و سلم السيارى هذا المال جميعه إلى عثمان بن عفان و حسين بن عمرو اللذين كانا من فقهاء الفريقين، كى يفرقاه على المحتاجين و أهل البيوت‏ (1) الذين ساءت حالتهم، ثم خرج فى بست رجل يسمى عبد روس، و كانوا يسمونه عبد اللّه الجبلي، و اجتمع حوله جمع كبير من الخوارج، و حاربوا، و مضى عبد روس إلى سجستان منهزما، و أرسل السيارى محمد بن سيف إلى بست و مضى لمحاربة عبد اللّه الجبلي، و فى النهاية تصالحوا و خلع على عبد اللّه، و لما أرسل محمد بن سيف إلى بست، أسند شرطة سجستان إلى على بن سهل بن عثمان الطارابى ثم أرسل عبدوس بطريق آخر إلى بست، و لما دخلها، خرج عليه رجل يسمى محمد بن يزيد، و اجتمع حوله فى باز كل الذين سبق لهم الفرار، و عاد إلى سواد بست، و خرج عبد روس بجيش، و قتل رفاق محمد بن يزيد الذى مضى منهزما، اختفى، و بحثوا عليه، و لكنهم لم يجدوه، و توفى السيارى فى سجستان يوم الأربعاء لأربعة أيام بقيت من شهر صفر سنة اثنتين و عشرين و مائتين، و كان قد استخلف قبل وفاته على‏

____________

(1) أهل البيوت أى أصحاب الأسر، و هذه الكلمة ترجمة للكلمة البهلوية (و يسپهرهر) التى يقولون لها بالآرامية (بريشا) و كان فى إيران القديمة سبع أسر كبيرة كانوا يقولون لها (و يسپهو هرجان) و قد سموا بقايا هذه الأسر أهل البيوت. (من تعليقات بهار على الكتاب).

156

سجستان ابن عمه نصر بن منصور بن عبد اللّه السياري، و وصل إلياس ابن أسد من جهة عبد اللّه بن طاهر لمحاربة الخوارج، و نزل فى قصر عبد اللّه ابن القاسم و طلب مالا من نصر السياري، و لم يكن فى بيوت المال بقية من المال، فأخذ مالا من أهل المدينة، و خرج إلياس على ناحية بسكراون لطلب الخوارج، الذين كانوا مضوا إلى كرمان، و لما وصل عهد عبد اللّه بن طاهر، استخلف نصر السيارى على سجستان.

مقدم نصر السيارى إلى سجستان‏

أرسل نصر ابنه سيار بن نصر إلى بست، و خرج عليه رجل فى بست اسمه محمد بن واصل، و اجتمع حوله أناس كانوا قد تفرقوا، و كان السيار قد أساء إلى أهل بست، ثم خرج للحرب مع محمد بن واصل، و تحاربوا، و وقعت الهزيمة للسيار، و أسره محمد بن واصل، و لما بلغ الخبر إلى نصر السيار أن ابنه قد أسر، و كان الحال هكذا، أرسل محمد بن سيف الطارابى إلى هناك و أرسل رسالة إلى محمد بن واصل مع أبى يعقوب الراسبي، و لما اقترب أبو يعقوب منه، خلص السيار، و عاد بنفسه مع أبى يعقوب على سجستان إلى نصر بن منصور السيار، و لما قدم أكرمه، و رعى جانبه و خلع عليه، و أعاده، و فى تلك الأثناء وصلت رسالة إلى إلياس بن أسد يخبره فيها بأن يرسل فوجا من الخيالة إلى بست للمحافظة على الحدود من الخوارج، فأرسل إلياس إلى هناك ابن أخيه أحمد بن عميرة بن أسد مع مجموعة من الفرسان الأقوياء، و نزل فى محلة سينك، و لما مضى أحمد بن عميرة ابن أسد لبست، أحسن إلى الناس، فاستراحوا به، و خلص عبد اللّه بن طاهر إبراهيم ابن الحسنين من قلعة هرى فى تلك الأثناء، و خلع عليه و ولاه على هراة، ثم كتب‏

157

عبد اللّه بن طاهر رسالة استدعى فيها إلياس بن أسد من سجستان فرجع من هناك يوم الجمعة لعشرة أيام بقيت من ربيع الآخر سنة خمس و عشرين و مائتين، و أرسل عبد اللّه بن طاهر رسالة إلى إبراهيم بن الحضين القوسى قائلا له: أن امض إلى سجستان خليفة عليها، و استخلف على هراة من تريد.

مقدم إبراهيم الحضين إلى سجستان‏

و دخلها عاملا عليها، يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الثانى سنة خمس و عشرين و مائتين و جعل أخيه على هراة، و لما قدم سجستان، أرسل ابنه إسحاق بن إبراهيم واليا على بست، و مكث مدة، فاشتكى الناس منه فاستدعاه، و أرسل إلى هناك ابنا آخر، و لما عاد إسحاق مكث مدة، فطلبه الناس و أحسن إليهم كثيرا فى هذه المرة إحسانا زائدا عن الحد، و مكث هناك، و سعد به الناس إلى أن توفى هناك يوم الإثنين لسبعة أيام مضت من المحرم سنة ست و عشرين و مائتين، و ثارت بست بوفاته، و توفى المعتصم باللّه ليلة الخميس لعشرة أيام مضت من ربيع الأول سنة سبع و عشرين و مائتين، و كان عمره سبعا و أربعين سنة و ثلاثة عشر يوما، و خلافته ثمانية أعوام و ثمانية أشهر، و تولى بعد ذلك الواثق باللّه الخلافة.

تولى الواثق باللّه الخلافة فى سنة سبع و عشرين و مائتين‏

و كانت كنيته أبا جعفر، و اسمه هارون بن محمد، و هو ابن المعتصم، و كان عمره ستة و عشرين عاما و شهرين و ثمانية أيام، و فى اليوم الذى تولى فيه‏

158

الخلافة، جرى على عادة أبيه من الحديث فى الدين و الميل إلى المعتزلة، و قال: إن القرآن مخلوق و نعوذ باللّه من الكفر، و لكن لم يستجب له أحد، و أسند خراسان إلى عبد اللّه بن طاهر، و كان إبراهيم بن الحضين بن محمد بن بشير بن سعيد القوسى رجلا من العرب حسن الهيأة إلا أنه كان مسالما، و لم يحارب الخوارج قط، و كان مجاملا لكل شخص، حتى قوى الخوارج فى عصره، و اشتد البرد على الناس فى سنة سبع و عشرين و مائتين فى سجستان، لدرجة أن جفت الأشجار و الكروم و الثمار و ماتت، و وقع و باء شديد و كان إبراهيم بن الحضين واليا على سجستان، حتى توفى عبد اللّه بن طاهر فى نيسابور يوم السبت لعشرة أيام مضت من شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين و مائتين، و كان إبراهيم القوسى فى البصرة، و قدم سجستان لأول مرة، و اتصل بأهل طاهر بن الحسين، و أسندوا إليه ولاية هراة، ثم أرسلوه إلى سجستان ثانية، و اشترى فيها ضياعا و أقام قصر غى‏حور بندان، و شيدوا باب المعدل نسبة إلى معدل القوسى و أخيه‏ (1)، و جلس فى دار الإمارة، حتى جعل ابنه خليفة له فى دار الإمارة، و أجلسه فيما يقولون له الآن (ارج) و كان رجلا مسالما، و لم يكن متعصبا، و سلك سياسة واحدة تجاه الخوارج و أهل السنة و بنى تميم و بنى بكر و سلك طريق السلامة و بنى بكر، و سلك طريق السلامة، ثم توفى عبد اللّه ابن طاهر، فتولى ابنه طاهر بن عبد اللّه بن طاهر على خراسان و سجستان، و لما وصل الواثق باللّه خبر وفاته، أرسل عهد خراسان و سجستان إلى طاهر بن عبد اللّه، فقام بالعمل، و أسند سجستان إلى إبراهيم بن الحضين، و أجلس ابنه بدار الإمارة، و قدم بنفسه إلى جور بندان، و لما توفى ابنه إسحاق فى بست، أرسل أحمد ابنه عليّا هناك، فخرج عليه رجل فى بست من ناحية بولان يقولون له سان بن النضير ابن مالك، الفرسان الشجعان لمحاربته، و كان سليمان من إجلاء العرب، و تحاربوا

____________

(1) هو معدل بن الحضين القوسى أخو إبراهيم بن الحضين القوسى، و محمد بن الحضين القوسى الذى كان عاملا على سجستان من ناحية طلحة بن طاهر عام 208 ه، و المراد أنهم شيدوا بوابة للمدينة سموها بوابة المعدل.

159

حربا عنيفة، و قتل خلق كثير، و مضى غسان منهزما، ثم أسروه، و أرسلوا رأيه إلى سجستان، ثم أخذوا رأسه و دفنوه، ثم ظهر رجل آخر من بست، و أرسل يحيى بن عمرو إلى هناك، الذى كان من أجلاء العرب فمضى إلى هناك، و شمل الناس برعايته، و ارتاحوا به، ثم عزله إبراهيم، و أرسل ابنه أحمد إلى هناك ثانية، و كان سليمان بن بشير الحنفى فى بست، و كان أحمد خليفة، و مضى إلى هناك، و أخرج خاقان البخارى إلى سواد بست، و الأموال جميعها، و كان سليمان رئيسا و عظيما، و خرج من بين أهل بست، و حاربوا حروبا كثيرة، و قدم أحمد بن إبراهيم القوسى سجستان منهزما، و استولى بشار على المدينة، و تولى الإمارة، و لكنه جار على الناس، ثم خرج صالح بن النصر (1)، أخوغان بن النصر بن مالك فى بست، و اجتمع له خلق كثير من سجستان و بست، و عاونه يعقوب بن الليث‏ (2) و عيار سجستان، و حاربوا بشار بن سليمان، و قتلوه، وصفت بست و سوادها لصالح ابن النصر، و توفى الواثق باللّه يوم الأربعاء لستة عشر يوما، و بايعوا أخاه فى اليوم نفسه، و اسمه و كنيته أبو الفضل جعفر بن محمد هارون الرشيد، و كان لقبه المتوكل على اللّه بن المعتصم.

تولى المتوكل على اللّه الخلافة

و سلك المتوكل طريق سنة النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، و استبعد المدعين، فأحبه الناس، و أمر أن يذكروا فى الخطب، أن كل من قال بخلق القرآن فهو كافر،

____________

(1) يرد أحيانا هذا الاسم فى كتب التاريخ (نضر) و أحيانا (نصر).

(2) هذه أول مرة يذكر فيها يعقوب بن الليث الصفارى و يظهر على مسرح الأحداث و تأتى له أن أسس بعد ذلك الدولة الصفارية.

160

ثم أطلق سراح أحمد بن حنبل. و قال له قولا حسنا، و سماه أهل السنة مطرى الإسلام، ثم أخذ البيعة من الناس لأبنائه الثلاثة، محمد المنتصر، و أبى عبد اللّه المعز، و أبى إسحاق المؤيد، و أمر أن يخطب بأسمائهم فى خطبه كلها و كل بلد فى أول المحرم سنة ست و ثلاثين و مائتين، و عظم أمر صالح بن نصر فى بست بالسلاح و الجيش و الأموال و الرجال، و كانت كل قوة جيشه تتمثل فى يعقوب بن الليث و عيارى سجستان، و كان هذا بداية أمر يعقوب، و بايع أهل بست صالح بن نصر فى المحرم سنة ثمان و ثلاثين و مائتين، و جبى الخراج، و كان يعطى الجيش أرزاقهم، ثم أخرج الجيش و أرسله إلى كش‏ (1) و كان هذا أول جيش يرسله، ذلك لأن محمد بن عبيد بن وهب و أولاد حيان بن خريم تمردوا هناك، و هزموهم، و تعقبوهم، و قبضوا عليهم، و استولوا على الخيول و السلاح، و حملوها إلى صالح، و أطلقوا سراح أبناء حيان بن محبس محمد بن عبيد، الذى توفى فى حبسه، و لما عاد أبناء حبان عن طريق كشي، أرسل إليهم من يقتلهم، ثم خرج عليه عمار الخارجى فى ناحية كشى مع جماعة من الخوارج، فأرسل صالح بن نضر، كثير بن رقاد، و يعقوب بن الليث، وردهم بن نضر و هم من جملة السجزيين لمحاربة عمار، و ولى عمار أمامهم منهزما، ثم أرسل إبراهيم بن الحضين ابنه محمد لمحاربة صالح بن النصر إلى بست من سجستان فى منتصف شعبان سنة تسع و ثلاثين و مائتين، و مضى محمد إلى هناك، و تحاربوا فى أرض داور، و مضى صالح منهزما، و تفرق أتباعه، و قدم إبراهيم بن خالد صاحب شرطة صالح و دخل فى أمان مع محمد بن إبراهيم القوسى مع جماعة كبيرة، و مضى صالح فى طريق كش مع قليل من الناس، و بقى هناك مدة، حتى اجتمع جماعة من المنهزمين، ثم مضى إلى بست حتى وصل ماهياباد، و وصل الخبر بست، فخرج محمد بن إبراهيم مع مجموعة،

____________

(1) كس و كش: مدينة تقع فى بلاد ما وراء النهر، و واحدة من كور سجستان، يقول الإصطخرى بين كس و سجستان ثلاثون فرسخا، و تقع على حافة طريق كرمان (من تعليقات بهار).

161

و تحاربوا حربا صعبة، و قتل من كلا الفريقين خلق كثير، و فى النهاية دخل محمد ابن إبراهيم القوسى بست، و حاصر القلعة و تركه صالح محاصرا القلعة، و مضى بنفسه، و لم يعلم أحد إلى أين مضى، إلا أنه قدم سجستان عن طريق الصحراء، و نزل فى دراكار (1)، و هناك تحاربوا حربا صعبة، لدرجة أن خلقا كثيرا من الفريقين قتل، و هذا كله يوم الأربعاء لعشرة أيام بقيت من ذى الحجة سنة تسع و ثلاثين و مائتين، و عاد إبراهيم القوسي، و نزل فى دار الإمارة، و دخل صالح المدينة فى الليل، و كان معه يعقوب بن الليث و أخواه عمرو و علي‏ (2)، و دهم بن نضر و حامد بن عمرو الذى كانوا يقولون له سرنابك، و كان معهم عيارى سجستان، و نزلوا فى قصر عبد اللّه بن القاسم، و فى الصباح خرج صالح، و اجتمع معه شيعته الذين كانوا فى سجستان، و اجتمع هناك خلق كثير، و جمع إبراهيم القوسى المشايخ و الفقهاء، و ارتدى جيشه السلاح من مشاة و فرسان، و أرسل إلى صالح كلا من إبراهيم بن بشر بن فرقد، و شارك بن النضير و عثمان بن عفان يسألونه إلى متى ستظل متمردا، فمضوا و ألقوا السلام و سألوا، ثم قال صالح: جئت إلى هنا كى أحارب الخوارج، و أنا اليوم، و غدا أمضى، و ليس بينى و بين إبراهيم القوسى حرب، و عاد المشايخ على هذا الكلام، و ركب صالح مع جيشه و أتباعه، و مضى إلى پاركين عن طريق سرلشكر، و كانت پاركين جافة، و ما إن دخل پاركين‏ (3)، كان جيش إبراهيم القوسى نزل على باب در طعام فى الأرض كثيرة المياه مجهزا للحرب، و عندما رأى جيش صالح، دخل المدينة، و أغلق أبوابها، و كان عظيمهم عبيد الكشي، و لما رأى صالح هذا، مضى إلى المدينة فى الحال، نزل‏

____________

(1) اسم لبوابة من بوابات مدينة زرنج.

(2) يقول الإصطخرى: كانوا أربعة إخوة يعقوب و عمرو و طاهر و على أولاد الليث، و أن طاهر قتل فى الحرب التى وقعت فى بوابة بست (المسالك و الممالك، ص 245).

(3) پاركين: منطقة كثيرة المياه أو تأتى بمعنى خندق المدينة (من تعليقات بهار).

162

حامد سربانك و العيارين، و صعدوا إلى سطح قصر حيك بن مالك، و هو الآن خان، و خرجوا من باب قصره، و فتحوا باب المدينة، و قتلوا هناك عدة رجال، و دخل أتباع صالح المدينة، و قتلوا كثيرا من رجال إبراهيم القوسى فى ساعة واحدة، و لم يكن لإبراهيم أى خبر عن هذا، و لما علم، ركب فى الحال و خرج من باب فارس، و مضى إلى باب غنجره منهزما، و أخلى المدينة، و دخل صالح دار الإمارة، و نزل و تناول صالح و أتباعه من ذلك الطعام الذى كانوا يعدونه لإبراهيم القوسي، و كان هذا فى يوم الخميس لتسعة أيام بقيت من ذى الحجة سنة تسع و ثلاثين و مائتين، و مضى إبراهيم القوسى بالقرب من جيش عمار الخارجى و نزل هناك، و كان متعاهدا معه، و أرسل صالح جيشا إلى حور بندان ليستولى على خزائن إبراهيم و يحطموا السجون، و لما وقع هذا، اجتمع أهل المدينة و عامتهم، و أرادوا أن يقاتلوه هو و جيشه، فعاد صالح خائفا، و لم يدخل قصر إبراهيم القوسي، و نزل فى دار الإمارة، و أراد أن يهرب من المدينة لما رآه من أهلها، و قال لجماعة من رفاقه:

ينبغى أن تمضى عند عثمان بن عفان، ليروا ماذا يقول: فركب و مضى صوب عثمان، و قال عثمان له: ما كان ينبغى صنع هذا، فقال صالح جئت أطلب دم أخى، فقد قتله الخوارج، و قد علمت أنك تساعد فى هذا الأمر، فسكت عثمان، و خرج صالح من هناك، و أمر بأن يغيروا على قصر بهلول بن معن الذى كان صاحب شرطة (1) إبراهيم القوسي، و فى هذا اليوم، عرض صالح جيشه، و كانوا أربعة آلاف رجل من المشاة و الفرسان، و عاد إبراهيم بن الحضين و معه عمار الخارجى ليعاونه، و وصل الخبر إلى صالح، فأرسل يعقوب بن الليث إلى درآكار،

____________

(1) صاحب الشرطة: تعنى رئيس النظامية و الشرطى و الشرط واحد، و هم طائفة من خيار أعيان الولاة و رؤساء الضابطة و رجالها، قال الأصمعي: سمى الشرط لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها الواحد و قال أبو عبيد: سمو شرطا لأنهم أعدوا (من تعليقات بهار).

163

و سربانك إلى درمينا، و عقيل بن الأشعث إلى دركركوى بالأعلام السود (1)، و كان علم الخوارج أبيض، و لما رأى الناس عوامهم و خواصهم هذا العلم الأبيض، ساعدوا صالحا ضد الخوارج، و قاتلوا قتالا عنيفا، و قتل خلق كثير من الفريقين، و فى النهاية عاد عماد حماد (حمزة الخارجي) و إبراهيم بن الحضين القوسى منهزمين، و قوى أمر صالح، و أرسل إبراهيم رسالة إلى طاهر بن عبد اللّه فى خراسان، و طلب منه جيشا، و أرسل طاهر الجيش و لما كان الحال هكذا، أغار صالح على مقر إبراهيم القوسي، و قصر حمدان بن يحيى الذى كانوا يقولون له (كلوك) و استولى على ما لهما، و التف الخوارج حول المدينة، و لم يدعوا الفرصة لأحد أن يدخل أو يخرج منها، فهجم يعقوب بن الليث على الخوارج، و قتل خلقا كثيرا، و كان يعقوب يحارب ليل نهار، و أرسل إبراهيم القوسى ابنه إلى جمازة فى بست أن أرسل لى جيشا و جمع محمد بن إبراهيم القوسى من هناك من داور و جهزهم بالسلاح و أرسلهم، و لما قدموا سجستان كان رئيسهم من يسمونه خواص قدم عند صالح و معه ثلاث مائة رجل و لما عاد رئيسهم عاد الآخرون إلى بست ثم أرسل عثمان بن عفان بجيش مجهز إليه و هجم على بست، و ضل الطريق فى الليل، و لما بزغ الصباح، اقترب من المدينة فوصل الخبر إلى محمد بن إبراهيم القوسى فى بست قائلا له: انهض و اقدم، فقدم محمد فجأة بجيش مجهز إليه و هجم على بست، و ضل الطريق فى الليل، و لما بزغ الصباح، اقترب من المدينة، فوصل الخبر إلى المدينة فخرج يعقوب بن الليث و حامد سرباوك إلى بوابة نكران لمحاربة محمد بن إبراهيم القوسي، و كان صالح و خواصه فى كمين بمينو حنف، و تحاربوا حربا عنيفة، و قتل خلق كثير من كلا الفريقين، و فى النهاية مضى محمد بن إبراهيم القوسى منهزما إلى هيسون عند أبيه، و فى اليوم التالى أمر صالح أن يغيروا على قصر محمد بن إبراهيم القوسى و خواصه، ثم قال ليعقوب و سرباوك و عيارى‏

____________

(1) كان العلم الأسود هو علم الدولة العباسية.

164

سجستان: نحن نحارب و المدينة هناك، و نحن ننصر الدين، و كان أصل صالح من سجستان، إلا أنه تربى و نشأ فى بست، فقالوا: من يكون هذا الذى نهب من خزانة سجستان ألف ألف درهم، و الآن سوف يغير من جديد على بست و أى خطر له، إنه بلا حمية، و إذا ما سلب الأموال على هذه الناحية، و اختلفوا، و ركب كل من كان سجزيا و عسكروا فى باب غنجرة و نزلوا فيها، و كان من كانوا من بست كانوا مع صالح هذا، علم أنه لا يستطيع أن يمضى إلى بست ليلا، فحمل متاعه، و كتب رسالة إلى مالك بن مردودية الذى كان خليفته هناك قائلا: أريد أن أقدم، و لكن الأمر كان كذلك، فقدم مهاجما مع خمسمائة فارس، و لما اقترب من المدينة، خرج صالح، و هجم بعده يعقوب بن الليث، و تحاربوا حربا صعبة، و قتلوا مالكا، و استولوا على خزائنه و أمتعته كلها، و قتلوا رؤساء جيشه جميعا، و أخذوا السلاح و المتاع، و مضى صالح إلى بست منهزما مع فئة قليلة، ثم مضى يعقوب مهاجما خلف صالح بن النضر و التقيا فى نوقان، و هناك اجتمع الناس حول صالح، و حاربوا حربا صعبة، و قتل فى تلك المعركة طاهر بن الليث- أخو يعقوب- فى يوم الجمعة لثلاثة أيام بقيت من جمادى الآخر سنة أربع و أربعين و مائتين، و قبره الآن فى كرمه، و مضى صالح منهزما، و اختفى و لم يجدوه فى أى مكان، و عاد جيش سجستان، و بايعوا درهم بن النصر، و كان جيش سجستان فى هذه الواقعة التى كانت فى آخر جمادى الآخر سنة أربع و أربعين و مائتين، و صار يعقوب بن الليث و سربانك أميرين لجيشهما و كانوا يحاربون الخوارج باستمرار و من يخالفونه، و عين درهم بن النضر حفص بن إسماعيل بن الفضل أميرا للشرطة، و توفى محمد بن إبراهيم بن الحسنين القوسى فى هيسون، و جاءوا بجنازته على أعناق الناس إلى القصبة ليومين بقين من جمادى الأولى سنة أربعين و مائتين فى ولاية درهم بن النضر، و لما رأى درهم شجاعة و بسالة يعقوب بن الليث و هيبته فى قلوب الناس، خاف و استقر (و أقام) فى القصر، و ادعى أنه مريض فركب يعقوب إليه،

165

و لما رأى هذا أغار على تلك الجهة، و قتل خلقا كثيرا، و هرب الباقون، و أسر درهم بن النضر، و أخرجه من منزله، و حبسه، و بايع أهل سجستان يعقوب ابن الليث يوم السبت لخمسة أيام بقيت من شهر المحرم سنة سبع و أربعين و مائتين.

أخبار ملك الدنيا صاحب القرآن أبى يوسف يعقوب ابن الليث و نسبه و ذكر ما كان له من عظمة (1)

أما نسبه فهو: يعقوب بن الليث بن المعدل بن حاتم بن ما هان بن كيخسرو ابن أردشير بن قباد بن خسروا برويز بن هرمزد بن خسروان، نوسزوان بن قباد ابن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد بن شابور ذى الأكتاف ابن هرمز بن نرسى بن بهرام بن هرمز البطل بن شابور بن أردشير بن بابك ابن ساسان بن بهمن الملك بن سفنديار الشديد بن يستاسف الملك بن لهراسب- عم كيخسرو بن سياوش- بن لهراسب بن أهو بن كبوحى بن كيقباد بن كى فشين ابن كى ابيكه بن كى منوش بن نوذر بن منوش بن ضوشرود بن منوشجهر ابن نروسنج بن ايرج بن افريدون بن أبتيان بن أبتيان بن جمشد الملك بن يوبخهان ابن الحمر، بن أوشنهج بن فرواك بن سيامك بن ميثى بن كيومرت. و كانت هذه أول بيعة بويع فيها يعقوب بالإمارة، و قدم حامد بن عمر سر بانك مع كل لبيعته، و عين يعقوب حفصا بن إسماعيل أميرا للشرطة و مكث مدة ثم حارب الخوارج فى كل‏

____________

(1) كتب أمام هذا العنوان هذان البيتان فى حاشية المتن الأصلى للكتاب، و قد كتبا بخط بين الثلث و النسخ، و تحتهما هذا التاريخ، و البيتان هما:

ورد الكتاب من الحبيب بأنه‏* * * سيزورنى فاستعبرت أجفانى‏

هجم السرور علىّ حتى أنه‏* * * من فرط شدة فرحتى أبكانى‏

8 محرم 864 ه

166

يوم، حتى هرب درهم بن النضر من سجن يعقوب، و مضى إلى سربانك فى كلاشير التى كان بها قصر سربانك، فاتحدا معا و أرادا أن يأخذا المدينة من يعقوب، فركب يعقوب و مضى إلى هناك، و كان معه محمد بن رامش، و كان أول شخص قدموا عليه سربانك مستلا سيفه، فخرج محمد بن رامش معه و قتل سربانك، و هزم جيشه، و استولى يعقوب على كل شي‏ء من سلاح سربانك و خيوله و ماله و أسره، و عاد إلى دار الإمارة منتصرا، و استقام له أمر سجستان، ثم استدعى الناس جميعا، و أحسن إليهم، و أطلق سراح الأسرى، و خلع عليهم، و أقسم لهم، و عاهدهم، و تألفت قلوبهم جميعا معه، و قسم الأرزاق على الجيش، و أرسل إلى عمار الخارجى رسولا، و قال إن كل هذا العمل الذى أنجزتموه كان بسبب أن حمزة بن عبد اللّه كان رجلا لم يقصد المدينة قط، و لم يؤذ أهل سجستان، و لكنه كان قد خرج على أصحاب السلطان لأنهم كانوا ظالمين، و كان أهل سجستان فى أمن و سلام و كانت لهم ولاية الغرباء و كانوا فى سلام بسبب خلافه، و بعد ذلك فى عصر أبى إسحاق و أبى عوف كانت غزواتهم فى دار الكفر، أما الآن فقد تغير الحال، أما إذا أردت أن تكون بسلامة، أبعد عن فكرك فكرة أمير المؤمنين، و قم على جيشك و اتحد معنا، فقد نهضنا و لنا اعتقاد حسن، و إننا لم نعط سجستان إلى أحد، و إذا ما نصرنا اللّه تعالى فسوف نوسع فى ولاية سجستان ما نستطيع، و إن كان هذا لا يعجبك فلا تؤذ أحدا فى سجستان، و امض على تلك السنة التى كان يمضى عليها الخوارج، فرد عمار على الرسالة قائلا: أمهلنا حتى نتشاور، و لكننا لا نؤذيك و لا نؤذى أتباعك، و أدى يعقوب الخراج و أسند الولايات، و أقام الديوان، و قتل المتوكل على اللّه ابنه محمد بن جعفر المنتصر باللّه، و دامت خلافة المتوكل خمسة عشر سنة إلا شهرين، و بايعوا المنتصر فى يوم الخميس نفسه السابع من شوال سنة سبع و أربعين و مائتين.

167

تولى المنتصر باللّه الخلافة

و بايعه أخواه المعتز و المؤيد، و استقامت الخلافة للمنتصر، و لم يقع فى خلافته حدث و توفى المنتصر باللّه بن المتوكل على اللّه فى شهر ربيع الآخر سنة ثمان و أربعين و مائتين، و دامت خلافته ستة أشهر، و جعل ابنه أحمد بن محمد بن جعفر ولى عهده قبل وفاته، و تسمى بالمستعين باللّه، و تولى فى تاريخ وفاة أبيه نفسه.

تولى المستعين باللّه الخلافة

ولى المستعين باللّه طاهر بن عبد اللّه على خراسان، و لما قوى أمر يعقوب فى سيستان جعل عصر خليفة عليها (على سيستان) و عزيز بن عبد اللّه أميرا للشرطة، و مضى بنفسه و كان أمر صالح قد قوى فى بست فذهب لمحاربته فى جمادى الآخر سنة مائتين و ثمان و أربعين، و قد دارت حروب كثيرة بينهما، ثم هرب صالح بن النصر ليلا، و ترك بست ليعقوب، و جاء إلى سيستان بجيش عن طريق الصحراء، و لم يكن لأحد خبر عن ذلك حتى دخل در (آكار) ليلا فى رجب سنة ثمان و أربعين و مائتين و علم الناس أن يعقوب عاد من بست و منذ أن عرف عمرو الأمر بأن الناس متفرقون و كان الوقت ليلا و لم يحدث أكثر من أنه استولى على بيت القلعة فى مدينة كوشة. التف صالح حول البيت و أخرج عمر من القلعة و أسر عزيز بن عبد اللّه و داود أخاه، و كان يعقوب قد جاء فى إثره فى اليوم التالى، و قد فعل هذا فى يوم آخر، ثم نزل الجيش و استولى صالح على قلعة مينوخند و حفر ما حوله، و جاء يعقوب للحرب يوم السبت لخمسة أيام خلت من شهر شعبان سنة

168

مائتين و ثمان و أربعين، و مضى صالح منهزما و استولى يعقوب على الأموال و السلاح و خيول الجيش كلها و خلص عمرو عزيز و داود من الأسر فكل واحد أعطى كل أسير شيئا و تركه و شكر اللّه على هذا النصر و عثوره على أخيه حيا، و منح الفقراء خمسين ألف درهم، و لما أخذ يعقوب فى الكبر، و يسر اللّه له الفتوح كانت لأزهر صداقة مع الخوارج.

قصة أزهر

أزهر بن يحيى بن زهير بن فرقد بن سليمان بن ماهان بن كيخسر ابن أردشير بن قباد بن خسروا بروندر الملك.

بعث أزهر الرسائل إلى عظماء الخوارج يلاطفهم و يرغبهم بالقول الحسن حتى جاء ألف رجل منهم دفعة واحدة، و أعطى يعقوب لرؤسائهم الخلع و تحدث معهم حديثا حسنا قائلا كل من هو قائد فيكم جعلته أميرا و كل من هو فارس جعلته قائدا، و كل من هو مترجل منكم جعلته فارسا، و كل من أرى فيه فضلا زدت له من قدرة فارتاح له الناس و بقى مدة فى سجستان، و بعد ذلك توفى أبو الطب طاهر بن عبد اللّه بنيسابور يوم الإثنين لثمانية أيام باقية من شهر رجب سنة ثمان و أربعين و مائتين، و قد أعطى المستعين باللّه خراسان لمحمد بن طاهر بن عبد اللّه و أرسل إليه العهد و قد كثر مجى‏ء الخوارج إلى يعقوب، ثم جعل يعقوب عزيز بن عبد اللّه خليفة له فى سجستان و أغار مع ألفى فارس على بست فعلم صالح فهرب و مضى إلى زنبيل (عند زنبيل) و استولى يعقوب على متاعه و عاد إلى سيستان يوم السبت لستة أيام مضت فى شهر رمضان سنة تسع و أربعين و مائتين، و هاجم أسدويه الخارجى فى در طعام، فعلم يعقوب الخبر فخرج و حارب و قتل أسديه و شنقه،

169

و علقه على الأعواد فسلك طريقا آخر للهجوم، و توجه إلى بست، و كان عزيز بن عبد اللّه خليفة على سجستان يوم الخميس لأسبوع انقضى من شهر ذى الحجة سنة تسع و أربعين و مائتين، و دخل بست مع ألفى فارس و تولى فى ميركان، و خرج صالح مع جيش عظيم و أراد الفرار، و مضى بالقرب من رخد، و لحق به يعقوب و تحاربا على نحو لم يره أحد من قبل، و قدم زنبيل العون لصالح بجيش عظيم و فيلة كثيرة، و عندما تم أمر يعقوب، اختار خمسين فارسا من جيشه، و خرج معهم، و قام بحملة، و أسقط زنبيل و قتله، و هزم الجيش كله، و أغمد يعقوب و رفاقه السيوف فيهم حتى قتلوا ستة آلاف رجل، و أسروا ثلاثين ألف رجل كما استولوا على أربعة آلاف جواد أصيل غير الجمال و البغال و الحمير و الخيول المسرجة و الخوازن و الدراهم و الدنانير و الفيلة، و أسروا خيرك الذى كان غلاما و حاجا لصالح بن النضر، و كان أتباع صالح قد اتفقوا مع يعقوب، و انهزم صالح مع خمسة فرسان و دخل أخو زنبيل فى أمان يعقوب، و قدم كل ذوى قرباه بعرش زنبيل الفضى و خزائنه و أسلحته الكثيرة، و كل ما وصل إلى أيديهم من أموال، و أرسلت رؤوس القتلى إلى سجستان على ظهر سفينة، و كانت حمولة السفينة مائتى و قليلا، و أرسل شاهين مع جماعة من الفرسان فى إثر صالح حتى وجدوه فى بول على حدود و الشان‏ (1) و قيدوه، و جاءوا به إلى يعقوب، ثم مضى به يعقوب مع الأسرى كلهم إلى سجستان، كما جئ بأحرمى أخى زنبيل و ذوى قرباه الذين لجأوا إليه، و جاء بهم جميعا، و ترك هناك الفيلة و قال:

" لا يلزمنى فيل فإنهم ليسوا ملوكا* * * و ليسوا منسوبين إلى الملك‏

____________

(1) و الشتان: جاءت فى الصفحات التالية لهذه الصفحة و الشتان و تعد ضمن ولاية بست و فى تاريخ البيهقى ذكر اسم شبيه بهذين الاسمين أولهما باشان و هى موضع بين هراة و الغور و الأخرى و الستان و هى تابعة لمكران (من تعليقات بهار).

170

فإن اللّه تعالى ذكر أبرهة بالفيل، ثم أرسل صالح بن عم زنبيل إلى رخد، و مات صالح بن النضر فى سجن يعقوب بعد سبعة عشر يوما، و أحضروه إلى سجستان يوم السبت لسبعة عشر يوما خلت من شهر المحرم سنة إحدى و خمسين و مائتين.

خروج يعقوب لمحاربة عمار الخارجي‏

و كتب رسالة قبل الخروج لمحاربة عمار إلى خلف بن الليث بن فرقد بن سليمان بن ماهان الذى كان قد عينه أميرا على بست، و لما تم حديث صالح عاد و استخلف خلفا على مدينة سجستان، و مضى يعقوب، و كان عمار فى فيشك، و نزل مع جيشه، و وصل يعقوب إلى مدينة بتو فى الصباح، و كان شاهين له دليلا و مرشدا إلى طريق بتو، و عندما وصل بجيش منظم لم يكن جيش عمار منظما، و لم يستطيعوا أن يهزموه، أما الباقون فقتلوا، و قتل عمار فى المعركة يوم السبت لليلتين باقيتين من شهر جمادى الآخر سنة إحدى و خمسين و مائتين و جاءوا برأس عمار إلى المدينة، و رفعوه على جدار در طعام و نكسوا جسده فى دراكار، و انكسرت قلوب الخوارج جميعهم، و مضوا إلى جبال سفرار، و قد دبت الفتنة فى وادى هندقانان، و فى هذا الوقت وقعت فتنة فى بغداد بين المعتز و المستعين حتى خلع المستعين نفسه، و بايعوا المعتز و كان اسمه زبير بن جعفر فى سنة إحدى و خمسين و مائتين، عندما كانت غرة المحرم سنة اثنى و خمسين و مائتين، و دخل الخاص و العام فى بيعة المعتز و خرج ثانية إلى سجستان و نواحى فراة و جوبيه، و توجه يعقوب إلى محاربته و أسره ثم قتله و علق رأسه على القصبة فى يوم الجمعة سنة اثنتين و خمسين و مائتين، و مكث يعقوب مدة فى سجستان، و جاء الخبر بأن صالحا رفع راية العصيان فى رخد، و مضى يعقوب لمحاربة صالح يوم الإثنين لليلتين‏

171

باقيتين من ذى الحجة سنة اثنتين و خمسين و مائتين و جعل عزيز بن عبد اللّه خليفة على سجستان.

خروج يعقوب لمحاربة صالح بن حجر

كان صالح بقلعة كوهز (1) و لم يكن لديه علم بذلك حتى استولى يعقوب على ما حول القلعة ثم قاتلوا قتالا عنيفا لمدة أيام و لما أيقن صالح أنه سوف يستولى على القلعة قتل نفسه، و ألقوا به خارج القلعة و سلموا القلعة طالبين الأمان، و أحضروا صالحا إلى بست، و هناك دفنوه و أقبروه (دفنه) قلعة معتمدة (موثوق بها) و عاد إلى سجستان لأربعة أيام بقين من جمادى الأولى سنة ثلاث و خمسين و مائتين، و بعد أن أوجد الأمان فى هذه الناحية و ولى لاقام فى و الشان و زمين داور و زمين بست و بقى مدة فى سجستان، و قصد هراة يوم السبت لأحد عشر يوما مضت فى شعبان سنة ثلاث و خمسين و مائتين.

خروج يعقوب إلى‏ (2) هراة و استيلاؤه عليها

كان حسين بن عبد اللّه بن طاهر أميرا على هراة خلفا لمحمد بن طاهر، و استخلف يعقوب داود بن عبد اللّه على سجستان، و مضى و توجه إلى هراة،

____________

(1) كوهز: قلعة من قلاع غزنين على طريقة بست و هى قلعة استولى عليها أمراء محمد بن محمود بناء على رغبة الأمير مسعود بن محمود و فتحوا بابها و لا يوجد ذكر لهذه الأسماء فى كتب المسالك.

(2) هراة، هرى، هراه: هذه الكلمات الثلاث اسم مدينة من مدن خراسان المشهورة و المنسوب إليها يسمى هروى و هراتى و هربوى‏

172

و حاصر حسين الهدوى، و نزل يعقوب هناك و تحاربا لمدة طويلة، ثم استولى على القلعة فى النهاية، و أسر حسينا، و كان إبراهيم بن إلياس بن أسد قائد جيش خراسان، و جاء لمحاربة يعقوب، و نزل فى بوشنك و وصل الخبر إلى يعقوب فترك على بن الليث أخاه و الأسرى و المتاع فى هراة، و مضى بنفسه حتى يصل إلى بوشنك، و آمن أهل هراة ليستحوذ على قلوبهم و مضى إلى بوشنك و حارب إبراهيم ابن إلياس، و قتل جندا كثيرا من جيشه، إلا أنهم هزموهم ثانية و انهزم إبراهيم و توجه ناحية محمد بن طاهر، و مضى إبراهيم نحو محمد بن طاهر منهزما و قال" إنه لن يحارب هذا الرجل مطلقا فإن له جيشا مخيفا لا يهاب القتل مطلقا و هم يحاربون و لا يبالون و لا عمل لهم سوى الضرب بالسيف، و كأنما ولدتهم أمهاتهم للحرب، و اتحد معه الخوارج جميعا ليأتمروا بأمره فالصواب أن يستميلهم حتى يندفع شره و شر هؤلاء الخوارج و هو رجل صارم له سمات الملوك و فيه طبيعة الغزو، و لما سمع محمد هذا أرسل المرسل و الرسائل و الهدايا و منشور سجستان، و أرسل إلى عثمان رسالة فأمر بالخطبة و الصلاة له و خطب عثمان ثلاث جمع و وصل يعقوب، و قتل بعض الخوارج الذين تبقوا، و أخذ أموالهم فقال الشعراء فيه شعرا بالعربية.

قد أكرم اللّه أهل المصر و البلد* * * بملك يعقوب ذى الأفضال و العدد

قد آمن الناس نخوته و غرته‏* * * ستر من اللّه فى الأبصار و البلد

و لما أنشد هذا الشعر لم يكن عالما فلم يفهمه، و كان محمد حاضرا، و كان كاتب رسائله، و كان يعرف الأدب جيدا و فى ذلك الوقت لم تكن الرسائل بالفارسية.

و كان يقول شعرا بالفارسية، و كان هذا أول شعر قيل فى العجم، و لم يقل أحد قبله منذ أن كان الفرس يقولون شعرا على القيثارة (العود) على الطريقة الخسروانية، و لما زال العجم من الوجود و جاء العرب كان الشعر عندهم بالعربية و عرف الشعر العربى عندهم جميعا، و لم يظهر أحد فى العجم كانت له عظمة قبل يعقوب حتى يقولوا فيه شعرا إلا حمزة بن عبد اللّه الخارجى، و كان عالما يعرف العربية و قال شعرا بالعربية، و كان معظم جيشه من العرب، و كانوا عربا، و عند ما

173

قتل يعقوب زنبيل و عمار الخارجى، و استولى على هراة و أسلموه سجستان و كرمان و فارس قال محمد بن وصيف‏ (1) هذا الشعر.

أيها الأمير يا من يكون أمراء العالم خواصهم و عوامهم‏* * * لك عبيدا و خادما و مولى و

خادم كلب و غلمانا

فى اللوح خط أزلى يقول أعطوه الملك‏* * * ليوسف يعقوب بن الليث الهمام‏

جاء بلنام و زنبيل أكله نمر فى التام‏* * * و تمزق جيش زنبيل و ذهب العربية هباء

و أنت أيها الأمير قرأت آية الملك بالتعبير* * * إذ قد تحقق لنا النصر بفئة قليلة من الجيش‏

طلبك عمر عمار ثم برئ منك‏* * * إن سيفك كان واسطة بين الوحش و المستأنس‏

و قد ملكت عمره كاملا فعش أنت مثل نوح‏* * * فجسمه على بوابة آكار و رأسه على بوابة طعام‏

و هذا الشعر كثير و لكننا ذكرنا منه قليلا و كان بسام من هؤلاء الخوارج و من الذين جاءوا ليعقوب طالبين الصلح و لما رأى قرص رصيف للشعر جعل يقول من الشعر أشعارا و كان أديبا و هو يذكر حديث عمار فى شعره:

كل من لم يكن بالقلب متهما* * * فقد أجاب دعوتك بنعم‏

____________

(1) محمد بن وصيف أول شاعر قرض الشعر باللغة الفارسية بناء على كتب التواريخ و الأدب الفارسية، و كان كاتبا لرسائل يعقوب بن الليث الصفاري‏

174

إن العمر أصبح بريئا بهذا من عمار* * * لأنه جاء بالخلاف حتى لا جرم‏

رأى البلاء على جسده و روحه‏* * * و تألم جسمه فى العالم‏

إن اللّه جعل كله حرما للعرب‏* * * و جعل لك العهد فى العجم‏

و كل من بقوا هم كل من دخل هذا الحرم‏* * * و قد فنى من لم يدخل هذا الحرم‏

و محمد بن مخلد كان سجزيا كذلك، و كان رجلا فاضلا و شاعرا يقول الشعر بالفارسية و قال هذا الشعر:

لم تلد سواك حواء و لم ينجب آدم سواك‏* * * لك طبيعة الأسود و أنت عالى الهمة

أنت معجز النبى المكى‏* * * بالعمل و الطبع و اللحم‏

و يفخر عمار فى يوم كبير* * * قائلا أنا الذى أصبحت يعقوب‏

و بعد هذا جعل كل إنسان ينتهج يقول الشعر، و كان هؤلاء الأوائل و لم يكن أحد قد ذكر شعرا باللغة الفارسية إلا أبو نواس فإنه قد أورد كلاما فارسيا رقيقا فى شعره.

175

خروج يعقوب إلى كرمان و فارس‏

عدنا إلى الحديث عن ذهاب يعقوب إلى فارس و كرمان و جعل عزيز عبد اللّه خليفة يوم السبت لثمانية أيام بقين من شهر ذى الحجة سنة أربع و خمسين و مائتين، و فى اليوم نفسه مضى إلى كرمان و عندما وصل إلى" بم" كان إسماعيل ابن موسى موئلا للخوارج جميعهم الذين جاءوا من العرب، و تحاربا مع يعقوب و أسره يعقوب، و قتل أتباعه كلهم فى الحرب و أسر من لم يقتل، و من هناك مضى إلى كرمان و كان على بن الحسين بن قريش عاملا على كرمان، فأرسل طوق بن المفلس ليحارب يعقوب و لما توجه الجيشان دارت بينهما حرب ضروس و فى المعركة ألقى أزهر وهقا فى وسط طوق و جذب أزهر طوقا بأنشوطته و أسره و هزموا جيشه، ثم طلبوا الأمان فأعطاهم الأمان و عندما سمع على بن الحسين ذلك توجه إلى شيراز و جمع على بن الحسين الجيوش قدر المستطاع و استمال إلى جانبه الكفجين‏ (1) و تقدم إلى يعقوب بالقرب من شيراز و دارت رحى الحرب الضروس.

و انهزم جيش على كما أسر على بن الحسين بن قريش، و ظل فى الأسر فى جمادى الأولى سنة خمس و خمسين و مائتين و كان على حفيدا لقريش بن شبل، و لذلك سموه قريش و حصل يعقوب على أموال طائلة فى الحربين لم يكن لهما عدد و لا حصر (2) و أرسل من هناك الهدايا الكثيرة إلى المعتز من خيول فارهة

____________

(1) الكفج و كوفج و كوج: كانوا طائفة مرادفة لكلمة (بلوج) كما يقول ناصر خسرو و لم يكن لهم رسول ليؤمنوا به و لم يصدر عنهم إلا الشر (من تعليقات بهار)

(2) يذكر الطبرى حرب كرمان و شيراز ليعقوب بن الليث الصفارى من قول شخص كان بنفسه فى تلك المعركة و قد مات منذ ذلك التاريخ و نظرا لأهمية هذا الموضوع فإننا نترجم له فى هذا الكتاب (من تعليقات بهار).

176

و صقور صيد و الكؤوس الراقية و مسك و كافور، و ما ينبغى للملوك، و من هناك عاد إلى سجستان و دخل سجستان يوم الخميس لخمسة أيام بقين من رجب سنة خمس و خمسين و مائتين، و قتل المعتز باللّه فى الشهر نفسه.

تربع المهتدى باللّه على العرش‏

و من بعده أفضت الخلافة للمهتدى باللّه و هو محمد بن هارون الذى ولى محمد بن عبد اللّه على خراسان، و لما دخل يعقوب على هذه الشاكلة من العظمة و الثراء بلاد فارس جاءوا بعلى بن الحسين بن قريش و طوق بن المفلس و هما أسيران مع لوازم السفر و زاده، و كانت خمسة آلاف جمل و ألف من البغال غير الحمير و الرمكات و الخيول العربية و الأموال الأخرى، فسعد الناس و استراح يعقوب فى سجستان و قتل أبو محمد عثمان بن عفان فى غرة شوال سنة خمس و خمسين و مائتين، و كان رجلا عظيما فى الفقه و العلم فى سجستان، و حبس ابن زنبيل فى الوقت نفسه و ما فى قلعة بست، و تمكن من الهروب فهرب و جمع جيشا عظيما و مضى إلى رخد، و استولى عليها و بلغ يعقوب الخبر، فأسند سجستان إلى حمدان بن خليفة و ذلك فى يوم الخميس لخمسة أيام بقيت من ذى الحجة سنة خمس و خمسين و مائتين.

خروج يعقوب إلى رخد لمحاربة زنبيل‏

و لما وصل بالقرب من رخد، هرب ابن زنبيل، و مضى إلى كابل، و جدّ يعقوب فى طلبه، و لما وصل إلى حاساب تساقطت الثلوج و قطعت الطريق، فعاد

177

إلى سجستان، و قتل فى الطريق كثيرا من الخلج‏ (1) و الترك و أحضر دوابهم، و جاء بكثير من العبيد و كان السبكرى أحد هؤلاء العبيد، و قدم حسين بن عبد اللّه بن طاهر عند يعقوب، و مضى معه فى هذا الهجوم، و عاد يعقوب إلى سجستان فى يوم الجمعة لأربعة عشر يوما مضت من شهر شوال سنة ست و خمسين و مائتين، و بقى فيها عدة أيام، و توجه إلى هراة و أعطاها إلى حسين بن عبد اللّه بن طاهر، و مكث هناك ثلاثة عشر يوما، و رجع و عاد إلى سجستان، و قضى مدة ثم توجه إلى كرمان يوم الخميس لخمسة أيام بقيت من شهر المحرم سنة تسع و خمسين و مائتين، و قتل المهدى باللّه فى بغداد فى رجب سنة سبع و خمسين و مائتين فجلس المعتمد على اللّه على عرش الخلافة.

تولى المعتمد على اللّه الخلافة

اسمه أحمد بن جعفر، و فى رجب سنة ست و خمسين و مائتين أسند إلى المعتمد محمد بن عبد اللّه بن طاهر خراسان و منحه عهد سجستان كذلك و مضى يعقوب إلى كرمان كما أسلفنا، و استخلف حمدان بن عبد اللّه المرزبان، و أعطى قيادة الجيش لفضل بن يوسف و الصلاة و الخطبة لإبراهيم بن داود البمى و بيت المال لإسماعيل بن إبراهيم، و عندما وصل يعقوب كرمان قدم محمد بن واصل إلى يعقوب بجيشه لاستقباله مقرا بالطاعة و الولاء و الهدايا حاملا إليه الأموال الكثيرة، فأعطاه يعقوب فارس، و أرسل إلى المعتمد رسولا يحمل الهدايا و خمسين تحفة

____________

(1) الخلج و التركمان على حد قول المؤرخين يعدون من بقايا الهياطلة الذين استولوا على طخارستان فى عهد الساسانيين و انهزموا على أيديهم و فى اللغة البهلوية كلمة (هلك و خلج) تقرآن على هذا النحو و معناهما القوم الأشداء الضالون (من تعليقات بهار)

178

ذهبية و فضية أحضرها من كابل و أرسلها إلى المعتمد ليرسلها إلى مكة ليضعوها فى حرم مكة فى طريق الناس رغم أنف الكفار، و دخل فارس يوم الأربعاء لأربعة أيام مضت من المحرم ثمان و خمسين و مائتين، و عندما وصلت الهدايا و التحف إلى المعتمد سربها كثيرا، و أرسل أخاه أبا محمد الموفق الذى كان اسمه طلحة، و كان ولى عهد المعتمد، و أرسل إلى يعقوب رسولا، و أرسل إسماعيل بن إسحاق القاضى و أبا سعيد الأنصارى بالمنشور و العهد و الولاء إلى ولاية بلخ و تخارستان و فارس و كرمان و سجستان و السند فسر يعقوب بذلك، و رعى جانبهم و أعطاهم الخلع و الهدايا الجميلة، و عادوا مسرورين و عاد بنفسه إلى سجستان، و مكث مدة ثم خرج ناحية كابل قاصدا ابن زنبيل يوم السبت لخمسة أيام بقين فى ربيع الأول سنة ثمان و خمسين و مائتين، و عندما وصل زابلستان صعد ابن زنبيل قلعة ناى لامان و استولى عليها (1) و وقف يعقوب هناك، و تحاربا حتى أنزله منها و قيده و توجه إلى بلخ عن طريق بامبان، و كانت بلخ لداود بن العباس، و عند ما سمع خبر يعقوب هرب و حاصروا أهل بلخ و قهندز، و دخل يعقوب و استولى عليها للوهلة الأولى، و قتل الكثير، ثم أغاروا و جعل محمد بن بشير خليفة على بلخ، و من هناك اتجه إلى هراة، و كان عبد اللّه بن محمد بن صالح بهراة فهرب من أمام يعقوب و توجه إلى نيسابور. و دخل يعقوب هراة و مكث بها و أحسن إلى الناس و قال:" أصبح أهل هراة شيعة ليعقوب فتعلقت به قلوبهم. (2)

____________

(1) يقول الكرديزى فى تاريخه فى هذا الموضوع: إنه مضى إلى بلخ و استولى على باميان سنة 256 ه و خرب نوشاد و بلخ كما خرب كل ما أقامه داود بن العباس بن هاشم من أبنية ...

(2) ذكره الكرديزى (عبد الرحمن) و قال: لقد حوصر عبد الرحمن فى كروخ و لما انهزم قدم فروض الطاعة و الأمان مع أتباعه مثل المهدى بن محسن و محمد بن نولة و غيرهما و قد ذكره الطبرى عبد الرحمن أيضا: عند ما دخل رسل يعقوب بغداد كانوا قد أحضروا على قناة فيه رقعة فيها رأس عدو اللّه عبد الرحمن الخارجى الذى قتله يعقوب بن الليث.

179

خروج عبد الرحيم للإمارة

و عبد الرحيم الخارجى الذى كان قد ثار من جبل كروع و أطلق على نفسه أمير المؤمنين و لقبه المتوكل على اللّه و جمع حوله عشرة آلاف رجل من الخوارج و جبال هراة و سفزار و نواحى خراسان و أخذوا يغيرون على غيرهم و عجز قادة جيش خراسان و عظماؤها عن رده، فقصده يعقوب فدخل فى الجبل فتساقطت عليه ثلوج غزيرة، و حاربه يعقوب بين الثلوج و لم يعد إليه مطلقا رغم الأمطار و الصعوبات ليلجأ إلى يعقوب، و دخل فى طاعته و قد أعطاه يعقوب الأمان و بعد أن قدم إليه مطيعا أعطاه العهد و الميثاق و أسند إليه أعمال سفزار و الصحارى و الأكراد (1) و استقر فى هراة، و لم يمض عام حتى قتل الخوارج عبد الرحيم، و ولوا إبراهيم ابن أخضر، و جاء إبراهيم بالهدايا الكثيرة و الخيول و الأسلحة الجيدة عند يعقوب و قد وكل إليه هذا الأمر بالطاعة و لاطفه (و رعى جانبه) و قال له كلاما حسنا ثم قال له أنت و أتباعك ينبغى أن تكون قلوبكم قوية فإن معظم جيشى و عظمائى من الخوارج و أنت بينهم فلا تكن غريبا عنهم و إذا لم ينجز هذا العمل الذى أعطيتك إياه فأرسل إلىّ كثيرا من رجالك حتى أجدهم يوما ما، و اجعلهم على الديوان، و أعطهم كل ما يريدون من هذا العمل، و لكن هذه الجبال و الصحارى و الثغور يجب أن تصونها من الأعداء فنحن إنما ننشر الولاية بالذات و لا نستطيع أن نبقى هنا طوال العام، ولى رجل خير و هو أنت على الخصوص من بلدى نفسها، و معظم رجالك من بسكر و لا يمكننى بأى حال أن أنالهم بأذى فعاد إبراهيم بقلب منشرح و مضى إلى أتباعه، و رجع مسرعا بالجيش كله و خلع يعقوب على الأتباع و العظماء و أمر

____________

(1) كردان جمع كرد و هى الصحارى التى تقضى فيها هذه الطوائف الصيف و الشتاء و لكن فى هذا العهد يوجد للأكراد فى خراسان مساكن للعيش (من تعليقات بهار)

180

العارض أن يكتب أسماءهم فى ديوان العرض جعل أجورهم على قدر مراتبهم و وجدهم مقسمين إلى عشرينات، و جعل إبراهيم قائدا عليهم و أطلق عليهم جيش الشراة، و عاد يعقوب إلى سجستان لثلاثة عشر يوما بقين من جمادى الأولى سنة تسع و خمسين و مائتين، و تساقطت فى هذه السنة الثلوج الكثيرة حتى جفى النخيل، ثم بقى يعقوب معه فى سجستان، و بعدها قصد خراسان، و جعل حفص بن زونك خليفة على سجستان يوم السبت لأحد عشر يوما بقين من شعبان سنة تسع و خمسين و مائتين، و سلك طريق نيسابة، و قال هكذا إنى ماض فى طلب عبد اللّه بن محمد ابن صالح‏ (1) و كان عبد اللّه بن محمد فى نيسابور عند محمد بن طاهر، و عندما جاء يعقوب إلى بوابة نيسابور، أرسل رسولا إلى محمد بن طاهر، نحن لن ندخل معه فى حرب و إذا ما حاربناه كانت له الغلبة علينا و يلحق الضرر بأرواحنا، و لما رأى عبد اللّه بن محمد بن صالح هذا نهض و توجه إلى دمغاث، و كان يعقوب قد نزل عند بوابة نيسابور، و أرسل محمد بن طاهر جميع الوزراء و الحجاب إلى يعقوب و تبعهم فى اليوم التالى، و ذهب لمقابلة يعقوب، و عندما نزل و أراد الرجوع أمر يعقوب عزيز بن عبد اللّه‏ (2) قائلا: أحبس هؤلاء جميعا، فحبسهم عزيز و قيّدهم و هم محمد بن طاهر و خواصه.

____________

(1) عبد اللّه هنا ذكر فى الصفحات السابقة و كان فى هراة و هرب من أمام يعقوب و لكن المؤرخين زادوا فى شرح سبب فراره يقول الطبرى:" إن عبد اللّه السجزى كان يتنافس الرئاسة بسجستان هو و يعقوب فتخلص منه عبد اللّه و لحق بمحمد بن طاهر فى نيسابور فلما مضى يعقوب إليها هرب عبد اللّه (الطبرى ج 3. ص 1883) و يقول ابن الأثير فى أحداث سنة 259 ه: فارق عبد اللّه السجزى يعقوب فى هذا العام و حاصر نيسابور و بها محمد بن طاهر قبل أن يملكها يعقوب بن الليث فوجه محمد ابن طاهر إليه الرسل و الفقهاء فاختلفوا بينهما ثم ولاه الطبسين و قهستان (الكامل ج 7. ص 88 و يبدو أن سبب هروب عبد اللّه أمام يعقوب ساقط من هذه النسخة.

(2) ذكره الطبرى عزيز بن السرى‏

181

سبب حبس محمد بن طاهر و انقراض الأسرة الطاهرية على يد يعقوب بن الليث‏

و كان سبب حبسهم و اعتقالهم و اتجاه يعقوب إليهم أنه فى يوم من الأيام التى حارب فيها زنبيل، مضى إلى بست و قتله، و ذات يوم مضى هو و كاتبه إلى ضواحى بست متنكرين، و دخلا قصرا، و كان هذا القصر لصالح بن النضر، و بعد وفاة صالح بوقت قصير، كان قد هرب، فنظر الكاتب و رأى أنه كان قد كتب على جدار المنزل بيتين و قرأهما فهز رأسه فسأله يعقوب ما هذا فقال: و ترجمهما له و كان هذان البيتان المكتوبان هما:

صاح الزمان بآل برمك صيحة* * * خروا لصيحته على الأذقان‏

و بآل طاهر سوف يسمع صيحة* * * غصبا يحل بهم من الرحمن‏

ثم قص الكاتب قصة البرامكة على يعقوب من أولها إلى آخرها، و روى سبب محنتهم و قتلهم و تقويض منازلهم، و قال إن معنى البيت الثانى من حديث الطاهريين فقال يعقوب: لا معجزة لنا أكثر من هذا حيث أتى بنا إلى هذا الخراب حتى نقرأ هذين البيتين و نعلمهما، إنه وحى الأنبياء، و هو أننى سأكون السبب فى القضاء على الطاهريين و تخليص المسلمين من جورهم، و أمره أن يكتب هذين البيتين و يحتفظ بهما حتى يطلبهما، فكتب الكاتب هذا الشعر على رقعة و حفظها، و فى اليوم الذى قيّد فيه محمد بن طاهر نادى الكاتب قائلا: أحضر البيتين اللذين استودعتك إياهما فى ذلك اليوم بمدينة بست فأحضر البيتين له قائلا: ألم أقل إننى لست ذلك الشخص، ثم قال للكاتب: اذهب بهذين البيتين و أعرضهما على محمد بن طاهر و قل ما الذى يلزمك و حرمك حتى تذهبا إلى سجستان و تعيش هناك، و اكتب‏

182

ما يستطيب له كله حتى أرسله معك، و أنا أستحسن كل ما يأمر به اللّه تعالى، فلما عرضوا هذين البيتين على محمد بن طاهر بكى و قال: لا مرد لقضاء اللّه، الآن أمر اللّه الحق و نحن عباده و فى قبضته فنسخ منها نسخة، و أرسلها إلى يعقوب، فأمر يعقوب أن يضاعف كل درهم، و أمر أن يعطوا له و أهله و هؤلاء الأشخاص كل ما يرتضونهم، و أرسله إلى سجستان و سجنه فى السجن الكبير، و حبسه فى مسجد الجمعة، و قبر محمد فى هذا السجن إذا مات هناك بعد عدة سنوات‏ (1)، و أمر يعقوب أن يدفن فى الحجرة التى مات فيها، لأنه مات فى اليوم الذى حبس فيه، و استقر يعقوب فى نيسابور، ثم قالوا للحاجب: اذهب و ناد حتى يتجمع هنا عظماء نيسابور و علماؤها و رؤساؤها غدا لأعرض عليهم عهد أمير المؤمنين، فأمر الحاجب بأن ينادى فى الفجر أن يتجمع عظماء نيسابور، و جاءوا إلى البسط و أمر يعقوب الغلمان بأن يكونوا مدججين بجميع الأسلحة و يتأهبوا و يحمل كل منهم درعا و سيفا و عمودا فضيا و ذهبيّا من ذلك السلاح الذى من خزانة محمد بن طاهر فى نيسابور و جلس على شاكلة الملوك و اصطف الغلمان صفين أمامه و أمر الناس فدخلوا و وقفوا أمامه و أمرهم بالجلوس ثم قال للحاجب إننى بعهد أمير المؤمنين حتى أقرأه عليهم فدخل الحاجب و فى يده سيف يمانى ملفوف فى عمامة مصرية، فأخرج السيف من العمامة، و وضعه أمام يعقوب، فأخذ يعقوب السيف و شهره فخر القوم صعقا و قالوا: لعله يريد أن يزهق أرواحنا، فقال يعقوب: لم أحضر السيف من أجل أن أقتل به أحدا، أما أنتم فقد شكوتم أن يعقوب ليس له عهد أمير

____________

(1) تختلف هذه الرواية عن الروايات التى وردت فى كتب التواريخ الأخرى حيث يقول الطبرى و ابن الأثير أنه بعد انهزام يعقوب عند دير العاقول انطلق محمد بن طاهر الذى كان معتقلا فى جيش يعقوب و مضى إلى بغداد و صار موضع رعاية الخليفة و أيد بن خلكان هذه الرواية و لكن اليعقوبى فى كتاب البلدان ذكر الخبر مخالفا للطبرى و ابن الأثير و يشبه رواية هذا الكتاب بعض الشئ و لكن رواية الطبرى تعد أصح الروايات.

183

المؤمنين، و ودت أن تعرفوا أننى أملكه، فثابوا إلى رشدهم، ثم قال يعقوب: ألم يكن وضع هذا السيف لأمير المؤمنين فى بغداد؟ قالوا: نعم، قال: و قد جعلنى هذا السيف فى هذا المكان فعهدى و عهد أمير المؤمنين واحد، ثم أمر بتقييد هؤلاء الناس كلهم الذين كانوا من زمرة الطاهريين، و أرسل ذلك كله إلى جبل (سپهپد) و قال للآخرين أردت أن أقيم العدل فى خلق اللّه تبارك و تعالى و الأخذ على يد أهل الفسق و الفساد، و لو لم أكن هكذا لما وفقنى اللّه تعالى إلى هذا النصر حتى الآن، فلا شأن لكم بهذه الأعمال، و عودوا إلى سبيلكم، و كان يعقوب فى نيسابور حتى جاء الخبر بأن عبد اللّه بن محمد بن صالح نزل دامغان متجها إلى جرجان، و اتحد معه حسن ابن يزيد فحشدا الجنود لحربك فجمع يعقوب الجيش و اتجه إلى جرجان.

خروج يعقوب إلى جرجان و ابن صالح و حسن بن زيد

عندما وصل يعقوب بالقرب من جرجان اتجه عدواه إلى طبرستان، فذهب يعقوب فى أثرهم للهجوم عليهم و زود جيشه بالعتاد و قال: من الفضل أن تلحقوا بى و مضى هو و لحق بعدوية فى سارى، فلما التقيا معه هزمهما دون أدنى عراك، و دخل حسن بن زيد فى جبل ديلمان، و مضى عبد اللّه بن صالح إلى البحر فقبض عليه مرزبان فى طبرستان و قيده و اصطحبه إلى يعقوب، و عندما رأى مرزبان عزيز بن عبد اللّه مع فوج من جيش يعقوب استودعهم عبد اللّه و عاد إذ لا يجب أن يتحد الديالمة مع حسن بن زيد فيقاتلوننى و استلم منه عزيز بن عبد اللّه و أحضره إلى يعقوب مقيدا.

184

و عندما أحضر عبد اللّه أمامه كان قد تفوه فى حق يعقوب فأمر بأن يضربوا عنقه‏ (1)، ثم رجع من هناك صوب نيسابور و استقر فيها.

قتل عبد اللّه و صعاليك خراسان‏

و لما استقر يعقوب فى نيسابور اجتمع صعاليك خراسان، و قد رأوا أن هذا الرجل سيكون له شأن عظيم و دولة عظيمة، و هو رجل شجاع و لن يغلبه غالب، و من الصواب أن نذهب إليه و نعيش تحت إمرته، و قدم على يعقوب سركب الكبير (2) يتقدمهم إبراهيم بن مسلم و إبراهيم بن إلياس بن أسد و أبو بلال الخارجى و إبراهيم بن أبى حفص و أحمد بن عبد اللّه الخجستانى‏ (3) و رفاقهم و جماعاتهم فأكرمهم و خلع عليهم من نعمه و اصطحبهم إلى سجستان، و أمر أن يحضروا رأس عبد الرحيم الذى كان قد قتله الخوارج، فأمسكوا بها و أحضروها، و بعد ذلك أرسل يعقوب الرسل و الرسائل إلى المعتمد أمير المؤمنين و الموفق أخيه و ولى عهده، و كانت كنيته أبا أحمد و ذكر فى رسائله القبض على محمد بن طاهر و أرسل رأس عبد الرحيم فلم يرق لأمير المؤمنين القبض على محمد بن طاهر، و أنكره و لكنه‏

____________

(1) يقول الطبرى فى أحداث سنة 260 ه مضى عبد اللّه من طبرستان إلى الرى و طلب مخبأ من صلاب عامله و مضى يعقوب إلى الرى و كتب إلى صلاب قائلا أرسل عبد اللّه إلىّ و إلا حاربتك‏

(2) ذكر الطبرى و غيره هذا الشخص و هذه الطائفة باسم بنى شركب و يقول ابن الأثير: كان بنو شركب ثلاثة أخوة إبراهيم و أبو حفص و أبو طلحة أبناء أبى مسلم و كان إبراهيم أكبرهم.

(3) أحمد بن عبد اللّه الخجستانى كان سائس حمير و لكنه وصل من هذه الحرفة إلى افمارة و خجستان فى جبال هراة و هى من توابع بادغيس (نظام العروض السمرقندى، جيهار مقاله. ترجمة 5: عبد الوهاب عزام و زميله ص 93 (القاهرة 1949).

185

قبّل رأس عبد الرحيم، و أمر أن يطوفوا بها فى بغداد و نادى مناد هذه رأس من كان يدعى الخلافة و تله يعقوب بن الليث و أرسل رأسه إلينا.

ورد أمير المؤمنين على الرسائل بكلام لطيف لأنه لم تكن له حيلة أكثر من ذلك، و قد عظمت شوكة يعقوب و رأى من الصواب أن يستميله إليه، و لما عادت الرسل أراد يعقوب الذهاب إلى فارس يوم السبت لاثنى عشر يوما بقين من شعبان سنة إحدى و ستين و مائتين، و استخلف أزهر بن يحى على سجستان، و كان مع يعقوب فى هذا السفر على بن الحسين بن قريش و أحمد بن العباس بن هاشم و محمد ابن طاهر، و عندما وصل يعقوب إصطخر جاء إليه الخليفة محمد بن واصل و سلمه القلعة و خزانة محمد بن واصل و ماله، و كان محمد بن واصل فى الأهواز، فاستولى يعقوب على هذه الأموال و الأسلحة كلها و قوى بها الجيش و خلع عليه و أعطاه أفضاله و لا طفه و أحسن إليه بالقول و الفعل و كان محمد بن زيدوى خليفة ليعقوب على قهستان، ثم عزله يعقوب عنها فغضب و قصد كرمان و من هناك مضى إلى محمد بن واصل و أظهر له خلافه مع يعقوب و شجع محمد على محاربة يعقوب و هيأ الأمر للحرب.

حديث محمد بن واصل مع يعقوب و محمد زيدويه‏

و لما اقترب يعقوب قال محمد زيدويه لمحمد بن واصل: لا أرى من الصواب محاربته الآن، فلقد اشتد عوده و تغيرت الأحوال من بعدى، و لم يأمره محمد، ثم انفصل محمد بن زيدويه عنه و استولى على نواحى فارس و قراها، و هناك استقر مع جيشه و أخذ من الناس المال، ثم جاء محمد بن واصل ليحارب يعقوب، و وصل إلى بنوبند جان" و أرسل من هناك رسولا و هو بشير بن أحمد إلى يعقوب فأمر

186

يعقوب جيشه أن يختبئوا فى الأماكن التى لم يروها، و لما جاء الرسول إلى يعقوب لم ير أحدا مطلقا سوى غلمان صغار، فأكرم يعقوب الرسول و قال له كلاما طيبا و أعطاه العطايا و قال: إننى مضيت من هنا إلى سجستان و لم أحضر جيشا و جئت بعدد من الغلمان معى حتى يوقن محمد أننى جئت أنشد الصداقة حتى يتحد معى و هو أعظم رجل فى إيران و خراسان، و ما أصنعه كله إنما هو بأمر منه، و يعلم أن أحمد بن عبد اللّه الخجستانى كل معى ثم فارقنى فلابد أن يعطينى جيشا حتى الحق بالخجستانى فإنه فسد على خراسان كلها و ما قمت به كله صار هباء منثورا فرجع الرسول مسرورا، و أخبر محمد بن واصل بما رأى و قال إن هاجمته ستقتلعه من الدنيا فى لحظة واحدة حتى لا يقول أحمد إن جيش يعقوب بن الليث قد تنحى عنه و كان معه غلمان صغار غير محنكين فركب محمد و قصد يعقوب و خرج يعقوب أمامه و وصلوا إلى بيضا و نشبت بينهما حرب ضروس و لم يكن يعلم محمد أن هناك عشرة آلاف فارس يتبعون يعقوب و كان مع محمد بن واصل ثلاثون ألف فارس و مع يعقوب خمسة عشر ألف فارس و رأى محمد بن واصل أن عشرة آلاف رجل من رجاله قتلوه فى مكان واحد و انهزم محمد بن واصل و مضى و لحق به عند زمبير كان‏ (1) من خلف ظهره و مضى فى أثره، حتى دخل الجبل ثم أسره مع عشرة آلاف رجل كانوا فى ذلك المكان وسط الجبل و صعد الجبال الأخرى، و نزل يعقوب فى رامهرمز، و أرسل المعتمد إسماعيل بن إسحاق القاضى إلى يعقوب رسولا فى سنة اثنتين و ستين و مائتين، و قدم عبد اللّه بن الواثق على يعقوب و رحب به و فى العام نفسه مات و هو ضمن جيش يعقوب، و أسند المعتمد ولاية ما وراء النهر فى العام نفسه إلى نصر بن أحمد بن أسد بن سامان السامانى، و كان أبو

____________

(1) رم بيزنجان وردت فى الطبرى بعد أحداث سنة 261 ه بعد معركة هزيمة محمد بن واصل على حدود مدينة البيضا فى فارس و يطابق الطبرى تاريخ سجستان، فى هذه الحادثة يقول الطبرى و فى هذه السنة أوقع أصحاب يعقوب بأهل زم موسى بن مهران الكردى لما كان مما لا تهم لمحمد بن واصل فقتلوه و انهزم من مهران.

187

محمد الموفق ولى عهد المعتمد، و طلب إلى تجار بغداد أن يجمعوا له تجار خراسان و حجاجها، و استقبلهم و ذكر لهم رسالة أمير المؤمنين، و جاء فيها أن أمير المؤمنين أرسل إسماعيل بن إسحاق القاضى إلى يعقوب بن الليث مع عهده و لواء خراسان و طبرستان و جرجان و فارس و كرمان و السند و الهند و شرط مدينة السلم و خلع عليه الخلع، و قدم إسماعيل القاضى على يعقوب بناء على قول الموفق للناس، و كان يعقوب فى رمهرمز، و أكرم إسماعيل و خلع عليه ورده مسرورا، و جاء محمد بن زيديه من فارس إلى خراسان، و اتجه من هناك إلى قهستان، و اجتمع مع الفارين حول محمد بن واصل، و مضى محمد بن واصل إلى نسا و من هناك مضى إلى سيراف‏ (1) و أرسل يعقوب عمر بن عبد اللّه مع ألفى فارس فى أثره و مضى فى أثره عزيز بن عبد اللّه و استولى على متاعه و هزمه و تعقبه و ركب محمد بن واصل السفن و استقر فيها و مضى فى البحر، و لم يكن للسفن شراع و لا محركات لأنها كانت سفينة صيد، و كان طول الليل يتجول فى السفينة حتى بلغ شاطئ سيراف عند الفجر، و كان ثمة أحد العظماء يقول له الأكراد الراشدى خرج و اعتقل محمد بن واصل و من معه و هجم الفارس نحو عزيز بن عبد اللّه و أدركه و أرسل عزيز غانم السبكرى الذى كان قائدا للخوارج ليحضر محمد مكبلا، و جاء به عزيز مقيدا على بغل عند يعقوب حاسر الرأس و ذلك فى المحرم من عام ثلاثة و ستين و مائتين‏ (2)، و رغب على بن الحسين بن قريش فى الاستئذان لكى يرى محمد بن واصل على تلك الحال فأذن له حتى رآه، و أمر بحبس محمد بن واصل، ثم أرسل شخصا إلى محمد بن واصل قائلا أمره حتى يفتحوا باب قلعتك، قال الأمر لأخى و كانت له قلعة على قمة الجبل الذى استولى عليه و ما كان ذلك فى‏

____________

(1) سيراف: مدينة عامرة على خليج أرس و كانت ميناء الهند و تعد من توابع أعمال أردشير خوره.

(2) يقول الطبرى فى أحداث سنة 163 ه كل عزيز بن السرى من أصحاب يعقوب و أسر محمد بن واصل و يعرف من أحداث تاريخ سجستان أن عزيز هذا من صعاليك خراسان الذين انضموا إلى يعقوب.

188

الأماكن، ثم مضى خلف بن الليث إلى أسفل القلعة و صاحوا، و ارتفع نظره إلى قمة هذه القلعة و نظر و قال: يا محمد بن واصل افتح باب القلعة، و ألقى الحارس سيفا و بعض الحطب من هناك و صاح قائلا: اقتلوا محمد بهذا السيف و أحرقوه بهذا الحطب فأنا لن أفتح باب القلعة، فأحضره خلف بن الليث و سلمه يعقوب إلى يد أشرف بن يوسف فعلقه من رجل واحدة حتى قال: لدى علامة أقولها حتى يفتحوا باب القلعة، و مضوا حتى أرسلوا غلاما بهذه الإمارة و فتحوا باب القلعة، و لبثوا ثلاثين يوما فى كل يوم منها يحملون الدراهم و الدنانير و البسط و الديباج و السلاح القيم و الأوانى الذهبية و الفضية على خمسمائة بغل و خمسمائة جمل فى كل يوم من الصباح حتى المساء سوى ما تبقى من بسط صوفية لم تمسها يد إنسان‏ (1)، ثم مضى يعقوب من هناك و حمل هذه الأموال كلها إلى يوساج حتى‏ (2) وصل" شيراز"، و خلع عمرو أخاه عنها غاضبا و قبض على محمد أخيه و سلك طريق سجستان، و استاء يعقوب من هذا، و أرسل يعقوب محمد بن واصل إلى القلعة مقيدا و حبسه هناك، و خرج إلى طريق الأهواز، و كان أبو معاذ بلال بن الأزهر فى المقدمة، و نزل فى جندى سابور سنة أربع و سبعين و مائتين، و أرسل على المقدمة جيشا، و جاء أحمد المولد والد سرانى و سعيد بن رجا الحصارى و صالح بن الوصيف إليها جميعا، ثم قال له جاسوى ربما قد وصل إلى معسكر الجيش و جاءوا جميعا بمكر. فأمر بهم جميعا أن يقتلوا و هو لم يكن هناك، و أرسلت الرسل من التركستان و الهند و السند و الصين و بلاد الصين و زنك و الروم و الشام و اليمن، و كانوا جميعا يهدفون من وراء الرسائل و الهدايا إلى الدخول فى طاعته، و استقر و أقام هناك حتى وصلوا جميعا، و وهبهم الألقاب و الخلع، ثم عادوا و دانت الدنيا كلها

____________

(1) ذكر الطبرى اسم قلعة محمد بن واصل (حزمه) و يقول: فبعث إلى حزمة بن واصل و أخذ ما كان فيها (الطبرى ج 3) و ذكرها الإصطخرى (سعيدأباد).

(2) ذكره مؤلف هذا الكتاب بعد أربع صفحات من هذه الصفحة (بوساج) و هو من عمال الخليفة و كان من أصفياء يعقوب بن الليث.

189

له و أطلقوا عليه ملك الدنيا، و بلغ أحمد الموفق الخبر عن كيفية هذه الحالة و تعلقت به قلوب رجال العالم لكونه كان رجلا عدلا و أينما ولى وجهه لم يغلبه أحد، و كتب الرسائل ليعقوب أن يتفضل بالحضور ليزورنا و طالما أنت حارس الدنيا فإن الدنيا كلها تابعة لك و نحن نصدع بما تأمر به و أنت تعلم أننا اكتفينا بالخطبة و نحن من أهل بيت المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) و أنت تعمل على تقوية دينه و قد غزوت ديار الكفر فى الهند و سرانديبها حتى أقصى بحر المحيط و دخلت الصين و الماحين، و اتجهت إلى التركستان و الروم، و خرجت من التركستان و أثر سيفك واضح على كفار الدنيا فى كل مكان، و أصبح حقك واجبا على الإسلام كله، و نحن أصدرنا الأمر كى تقرأ الخطبة باسمك فى الحرمين، و مثل هذه الآثار خير لك فى الدنيا، و لم يكن لأحد فى الإسلام بعد أبى بكر و عمر آثار العدل و الخير، و لم يكن هناك عدل كما فى عصرك و الآن نحن و المسلمون جمعيهم أعوان لك حتى تدين الدنيا كلها على يديك بدين واحد هو الدين الإسلامى الحنيف‏ (1)، و مضى يعقوب و خرج المعتمد على اللّه من بغداد مع جيش، و عندما نزلت الجيوش يوم الخميس لأسبوع مضى من شوال سنة خمس و ستين و مائتين‏ (2) خرجت مجموعة من جيش المعتمد و دارت بينهم حرب ضروس، و كان إبراهيم بن سيما على راية المعتمد على تلك الجماعة، حيث إنه هو الخليفة فعلموا أن ذلك مكر، ثم حمل عليهم يعقوب و قتل من جيش بغداد خلقا كثيرا، و انهزموا و ولوا الماء ظهورهم، و فاضت المياه و أبعدوا الماء عن جيش يعقوب إلى أن بلغه فمضى يعقوب من هناك أمام المياه، و فى هذا اليوم قتل من‏

____________

(1) لم يذكر فى أى تاريخ من التواريخ معنى لهذه الرسالة التى أرسلها الموفق إلى يعقوب و لكن كبار المؤرخين أقروا أنه منذ أن ظهر يعقوب فى فارس و المراسلات بينه و الموفق ولى عهد المعتمد لم تنقطع يقول ابن خلكان منذ أن خرج يعقوب من الأهواز قاصدا واسط ساء ظن موالى بنى السباس جميعهم بالخليفة الموفق و قالوا لعل الطرفين تحالفا.

(2) ذكر الطبرى أن هذه الحرب حدثت يوم الأحد لليلتين خلتا من شهر رجب و ذكر ابن خلكان أنها وقعت يوم الأحد لسبعة أيام خلت من رجب.

190

جيوش يعقوب بن إسماعيل و محمد بن كثير و هم من العظماء، و عاد يعقوب من هناك إلى جندى سابور، و اتجه إلى غزو الروم لأنه كان يخرج كل عام لغزو بلاد الكفر، و عندما يعود من هناك كان يفتح ولاية للإسلام و جاهد ألا يجب قتل أهل التهليل مطلقا، و كان هكذا حتى وصل عمرو بن الليث إلى جندى سابور، و سعد مع يعقوب بالرسالة التى أرسلها فى أثره فسر يعقوب بمقدم عمرو.

وفاة يعقوب بن الليث فى جندى سابور

ثم مرض يعقوب هناك، و كان مرضه شديدا، و عندما تم له أمر الدنيا كلها لحق النقصان بالتمام، و عندما مرض قام عمرو بنفسه على خدمته أثناء مرضه حتى مات فى يوم الإثنين لعشرة أيام بقين من شوال سنة خمس و ستين و مائتين، و بلغ نعيه سجستان يوم الأحد لاثنى عشرة يوما باقية من شوال سنة خمس و ستين‏ (1) و مائتين، و دامت مدة إمارته سبع عشرة سنة و تسعة شهور، و كان له عمال فى خراسان و سجستان و كابل و السند و الهند و فارس و كرمان، و خطبوا له فى البحرين سبع سنوات، و دان الناس فى مختلف الأماكن و امتثلوا لأمره، و كانت بلاد الكفر ترسل إليه فى كل عام الهدايا، و كانوا يسمونه ملك الدنيا لمدة طويلة من الزمان و إذا أحصيت مناقبه كلها لكانت قصصا كثيرة و لطال هذا الكتاب أما حروبه مع عظماء الإسلام فقد ذكر منها قدر و سيرته الطيبة و عدله معروف و معروف ماذا صنع لأهل الدنيا فى عصره.

____________

(1) ذكر الطبرى و ابن الأثير: أنهم كتبوا بعد حرب دير العاقول و قبل موت يعقوب الوقائع التى حدثت فى الأهواز و فارس ليعقوب و منها وقوع محمد بن واصل فى الأسر و اتفقوا على أن وفاة يعقوب حدثت فى شوال سنة 265 ه.

191

تولى عمرو بن الليث الإمارة فى شوال سنة خمس و ستين و مائتين‏

عند ما مات يعقوب كان عمرو و على أخوه حاضرين، و كان على أعظم منزلة و أنفذ أمر على الجيش و لهذا قدم عمرو سجستان غاضبا و وصلها أول مرة حديثا و جرى حديث بين الأخوين و الجيش دام لمدة يومين اثنين و فى اليوم الثالث كانت شاهين‏ (1) فى بيتو كوثر و قال لعمرو: يقول أخوك إنه خلع الخاتم من أصبع عمرو و قبل عمرو الأمر و أرضى الجيش و ندم على ذلك التباطؤ ثم بايع الجيش كله عمرو، و كتب عمرو رسالة إلى المعتمد بالسمع و الطاعة، و عندما قدم رسول المعتمد على عمرو، و جدد العهد على العمل فى الحرمين و بغداد و فارس و كرمان و أصفهان و الجبال و جرجان و طبرستان و سجستان و الهند و السند و ما وراء النهر، و قال نحن أعطيناك هذا الإسلام و الكفر كله على أن ترسل لنا كل سنة عشرين حملا كل حمل ألف ألف درهم، و كان الرسول أحمد بن أبى الأصبع، و قبل عمرو هذه الأعمال كلها من الرسول، و جعل عبد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر خليفة له على بغداد (2) و خلع عليه، و أرسله هناك فى صفر سنة ست و ستين و مائتين، و أعطى ولاية الحرمين لنجع بن حاخ، و حاخ و قدم فارس ثم أرسل عمرو أعمدة ذهبية و مالا عديدا إلى المعتمد و اتهم أخا المعتمد المعتمد بالجنون و سجنه و جلس على عرش الخلافة فى أول سنة سبع و ستين و مائتين، و توفى المعتمد فى آخر سنة ست و ستين و مائتين فى سجنه.

____________

(1) شاهين واحد من قواد يعقوب بن الليث القدامى و كان من بتو و هى تابعة لرستاق نيشك.

(2) كان عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر فى بلاط الخليفة و هو أخو محمد بن طاهر الخزاعى يقول الطبرى:

على الشرطة ببغداد و سامراء (الطبرى ج 3 ص 1936).

192

تلقى أمر وفاة المعتمد فى سجنه سنة ست و ستين و مائتين‏

و أسند أبو أحمد الموفق هذا العمل إلى عمرو، و كان علوى ناجم‏ (1) قد خرج من البصرة و منع جيش الموفق علويا من دخول الأهواز و أغلقوا الطرق، و أرسل عمرو إلى الموفق مالا كثيرا، و أقام العدل و الصلاح و نشرهما بين الناس فى فارس، و كان يهب الجيش الأشياء و يعطيهم الخلع، و ندم على بن الليث لأنه قال شيئا فى حق عمرو، و سمعه عمرو و قيد عليا، و أعطى عمرا ولاية فارس لمحمد بن الليث ابن روح، و قدم سجستان بنفسه و أخيرا طلب من محمد بن الليث و أحمد بن عبد العزيز أن يرسلا المال إلى الموفق و جعل صاعد بن مخلد محصلا لتلك الأموال ثم استأذن أبا ساج فى أن يذهب إلى بغداد فأذن له حتى وصل إلى جندى سابور، و مات هناك و سمع بذلك عمرو و تولى ابنه محمد بن أبى الساج على مكة و دخل عمرو سجستان يوم الأحد لثلاثة أيام باقية من رجب سنة ست و ستين و مائتين، و جلس فى المأتم و واساه الناس، و أطلق سراح على بن الليث و أعطاه مالا كثيرا و جعله مسرورا سعيدا و أثناء ذلك كان كل ما هو عظيم كان بفضل يعقوب و عندما مات يعقوب عقدوا العزم على العصيان، و طلبوا إلى عمرو أن يكونوا ملوكا للطوائف، ثم استخلف عمرو بن محمد بن الحسين الدرهمى أخا على الحسين الدرهمى خليفة على سجستان، و كان صهرا لعمرو لأنه كان زوجا لفاطمة ابنة عمرو، و كتب عمرو رسالة إلى أمير المؤمنين الموفق و طلب مشورته فى خراج سجستان الذى بلغ ألف درهم و نظر الموفق فى شأن الألف ألف درهم، و مضى عمرو إلى خراسان يوم السبت لثمانية أيام باقية من شهر رمضان سنة ست و ستين‏

____________

(1) علوى ناجم هذا كان صاحب الزنج المعروف و اسمه على بن محمد بن عبد الرحيم (من تعليقات بهار).

193

فى عدة و عتاد و شاكلة عظيمة من الثياب و السلاح و الخيل و الخزائن، و كان على يمينه محمد بن عمرو ابنه و على يساره أخوه على بن الليث، و أعطى محمد ابن الحسن الدرهمى مالا كثيرا فى ذلك اليوم، و عند ما وصل على نيسابور أعلن أحمد ابن عبد اللّه الخجستانى العصيان و حاصر نيسابور، و نزل عمرو على باب المدينة، و أرسل على بن الليث أخا عمرو إلى السجستانى شخصيا فى الخفاء قائلا: أنا صديقك و خالف أخاه، و عندما تحاربوا و كان الأمر على هذا الحال، و لم يعلم عمرو انهزم يوم الخميس لستة أيام مضت من ذى الحجة سنة ست و ستين و مائتين، و أغار السجستانى بجيشه كله على معسكر عمرو و عتاده و وقع فى أيديهم مال كثير، و دخل عمرو هراة و سجن أخاه على بن الليث، و وصل السجستانى متعقبا عمرو حتى هراة و حاصر هراة، و علم السجستانى أنه لا يمكن الاستيلاء على هراة من قبضة عمرو فسلك طريق سجستان و قتل خلقا كثيرا دون سبب فى فراة و قدم باب سجستان ليومين بقيا من ربيع الآخر سنة سبع و ستين و مائتين و كان محمد ابن الحسين الدرهمى عاملا عليها فحاصر المدينة، و كان دليل عمرو فى سجستان عبد اللّه بن محمد بن ميكال، و كان شريكه شارانم بن مسرور ففتحا بيت المال و وهبا للجيش النعم و الخلع و الصلات الكثيرة، و حافظوا على أهل المدينة و استمروا فى العراك، و أرسل عمرو من هراة رجالا و أموالا، و لم يكن للخجستانى علم بذلك قط و لما علم الخجستانى أنه لا يستطيع فتح المدينة أعطى الأمر بتخريب البلاد و الإغارة عليها و أن يخرب الربض‏ (1) فى كل مكان ما استطاع لذلك سبيلا، ثم تدخل العوام فى الأمر و فى كل مكان وجدوا أتباعه قتلوهم، ثم بلغ الخبر إلى الخجستانى أن فضل بن يوسف قصد نيسابور كى يأخذ أمه من هناك و يستولى على خزائنه، فمضى من هناك عن طريق قهستان يوم السبت لعشرة أيام بقين من‏

____________

(1) الربض: هى الأماكن التى بنيت فى أطراف المدينة و القلعة و حدائق الفلاحين و طواحينهم و بيوتهم و أحيانا يجعلونها سورا كبيرا حول هذه المدن و يسمون هذا كله الربض.

194

ربيع الآخر سنة سبع و ستين و مائتين، و أثناء ذلك جاء أبو طلحة (1) منصور بن مسلم و محمد بن زيدويه عند عمرو فى هراء فخلع عليهم و أكرمهم، و أعطى لهما مالا كثيرا و عندما سمع الأصرم بن سيف هذا الخبر جاء أيضا إلى عمرو و وجد الخلعة و الرعاية و الإكرام ثم جعل عمرو أبا حلمه منصور بن مسلم قائدا على جيش خراسان و عاد من هراة إلى سجستان يوم السبت منتصف ذى القعدة سنة سبع و ستين و مائتين و دخل المدينة ثم علم بأن خليفته على فارس لم يرسل الأموال التى كانت تحت تصرف عمرو و لهذا خالفه كما وصلت أحمد بن عبد العزيز رسالة صاعد بن مخلد الوزير القائم بأمر الأموال و فيما يتعلق بهذا الموضوع كتب عمرو رسالة إلى صاعد و ذكر له حديث الخجستانى، و فى هذا العام كان محمد ابن طولون قائد الجيش و أمير مصر جاء إلى مكة و كانت العادة أن يرفعوا علم عمرو على مكة أيام الحج بجانب المنبر، و عندما علم خبر تقصير محمد بن الليث أرسل فى حديث المال قال عمرو لقد اعترى الحديث عن جاهى بمكانه الملل و قصد فارس و بلغه الخبر كما دخل الخوف قلبه إذ إنهم طلبوا علم مصر حتى يرفع على اليمين المنبر أيام الحج و لم يرفعه خليفة عمرو فى مكة، و فى النهاية طال الحديث و دارت رحى الحرب و نصر أهل مكة خليفة عمرو، و رفعوا علم عمرو على يمين المنبر جريا على العادة، ثم استخلف عمرو ابنه محمد بن عمرو على سجستان، و مضى إلى فارس لست أيام مضت من المحرم سنة ثمان و ستين و مائتين، و مضى أبو طلحة خليفة عمرو على" خراسان" إلى سرخس، و جاء الخجستانى إليه محاربا قتالا شديدا، و عاد أبو طلحة إلى سجستان منهزما، و لكن عاونه محمد ابن الحسين الدرهمى بالمال و الرجال، و أخبر عمرا فرد عليه عمرو برسالة، ثم ذهب إلى خراسان، و أرسل له العهد من جديد، و رجع أبو طلحة من خراسان إلا أنه كان‏

____________

(1) أبو طلحة هذا من بنى شركب و يعتبر الأخ الأصغر و هو فى الصباحة و الملاحة بلا نظير و أريقت من أجله الدماء و بعد أن قتل الخجستانى أخاه عاد الجيش و أصبح عظيما فى خراسان و أسر الخجستانى و له مع الخجستانى وقائع كثيرة (من تعليقات بهار).

195

مستاء و غير طريقه، و مضى إلى جربان، و لما جاء خبر قتل الخجستانى إلى جرجان أرسل محمد بن عمرو بن الليث خليفته فضل بن يوسف إلى هراة، و دخل هراة فى ذى القعدة سنة ثمان و ستين و مائتين، و عندما سمع عمرو الخبر أرسل رسالة إلى أهل هراة بطلب الطاعة و الولاء لفضل، و أرسل رسالة إلى فضل يطلب السعى و الاجتهاد، و لما علم رافع أن فضل استقر فى هراة أرسل محمد بن المهندى لحربه، و لما جاء محمد بن المهندى إلى هراة، أراد أهلها قتل الفضل، فعاد فضل إلى سجستان، و عاد رافع إلى مرو ليحارب أبا طلحة، و تحاربا هناك مدة من الزمن، و فى النهاية مضى أبو طلحة منهزما و مضى إلى تخارستان و جاء رافع إلى هراة و مكث بها مدة، ثم قال إن عمرو بعيد عن سجستان و يجب أن أمضى إليها لأستولى عليها و ليكن ما يكون، و مضى حتى فراة، و أنكر عظماء جيشه مكانه و عاد من هناك و أخذ معه قدرا من العلف و عاد إلى هراة، و فى تلك الأثناء رزق محمد بولد و أسماه طاهرا و ذلك يوم السبت لثلاثة عشر يوما بقين من شعبان سنة تسع و ستين و مائتين، و تم ختان طاهر فى سنة تسع و ستين و مائتين، و لما وجد طاهر أراد محمد بن عمرو زيارة أبيه فى فارس ليبشره بولده بنفسه، و أراد أن يجعل محمد بن الحسن خليفة على سجستان و مضى إلى فارس يوم السبت لثلاثة أيام مضت من المحرم سنة ست و سبعين و مائتين، و أرسل عمرو بن الليث نصر ابن أحمد بجيش أثناء الشتاء لحرب أحمد بن الليث الكردى، و مضى و حاربه و أسره و استولى على أمواله و خزائنه كلها، و جاء بها إلى عمرو و أرسل عتيق بن محمد إلى رامهرمز لمحاربة محمد بن عبد اللّه الكردى‏ (1) و حاربه و أسره و أحضر ما كان لديه كله من خيول و متاع عند عمرو، و كان مع كل قائد من هذين القائدين‏

____________

(1) ذكره ابن الأثير محمد بن عبيد اللّه و كذلك الطبرى.

196

عشرون ألف فارس رفعوا راية العصيان و كان الاثنان من أبطال يعقوب‏ (1)، و عندما قتل هذان الرجلان استقام أمر فارس و استقر، ثم أرسل الموفق العهد و المنشور و اللواء من جديد لعمرو على ديار الإسلام و ديار الكفر كلها، و أمر أن يكون الجميع تحت أمره و كل ما يفتح من بلاد الهند و الترك و الروم يكون تابعا له أيضا، و وصلت رسالة أحمد بن أبى الأصبع يقول فيها: لقد استقام الآن أمر فارس و العراقيين و العرب و الشام و اليمن و يجب العودة إلى خراسان، و يجب إرسال الغزاة إلى دار الكفر حتى تفتح، ثم استخلف عمرو نصر بن أحمد على فارس و كرمان، و جاء إلى سجستان، و بلغه خبر رفع من هراة، و أمر نصر بن أحمد بأن يرسل أربعة آلاف درهم للموفق و أن يحضرها معه محمد بن الليث، و دخل سجستان يوم الخميس لعشرة أيام مضت من جمادى الآخر سنة سبعين و مائتين، و مكث بها عدة أيام، و مضى يوم الإثنين ليومين مضيا من شعبان سنة سبعين و مائتين إلى خراسان، و طلب جميع قادة خراسان الدخول تحت إمرته، و استخلف محمد بن عمرو و ابنه على سجستان، و مضى إلى هراة، و حاصر رافع فى هراة، فتحارب عمرو معه، و فى النهاية مضى مهزوما فى شوال سنة سبعين و مائتين، ثم أرسل عمرو بلال بن الأزهر إلى نيسابور برسالة فعاد عظماء نيسابور إلى بلال، و أعلنوا الطاعة لعمرو كما أعلنها محمد بن ياسين و محمد بن إسحاق بن خزيمة" و عقيل بن عمرو" و" المهدى بن محسن" خليفة الرافع على بيشاور، عند ما علم بهزيمة" رافع" جعل الخطبة باسم عمرو، و مضى رافع من هراة إلى مرورود و كتب الرسائل إلى عمرو معلنا فيها أنه عاد إلى طاعته و ندم على ما وقع منه و طلب منه العفو، و مضى أبو طلحة من تخارستان ليأتى إلى عمرو، و لما رأى رافع فى الطريق انضم إليه و قصدا عمرو معا، و استقرا فى مرو، أبو طلحة داخل‏

____________

(1) إن هذين الشخصين لم يكونا من رجال يعقوب بل كانا من الأمراء و أبناء العظماء، و كان كل واحد منهم يعتبر نفسه أميرا على الآخر، و كانوا من سادة زموم، و قد ذكر الإصطخرى شجرة نسبهم ضمن تقريره على إقليم فارس (من تعليقات بهار).

197

المدينة و رافع على أبوابها، و لما مضت عدة أيام أغار بيت أبو طلحة على رافع ليلا و قتل معظم جيش رافع و نجا رافع بنفسه و أراد الذهاب إلى نيسابور، و استقر أبو طلحة فى مرو، و كان عمر يكتب إلى أبى طلحة الرسائل الطيبة و يمنيه بأطيب الأمانى و لكنه لم ينصع لأمر عمرو. و كان بلال بن الأزهر و فضل بن يوسف ضمن أفراد الجيش فى نيسابور، و أرسل عمرو قائلا يجب أن تتبعونى إلى مرو و هجم على مرو بنفسه بناء على مشورة أبى طلحة و خرج أبو طلحة بجيش جرار، و قاتل قتالا عنيفا و لكنه هزم بعد أن قتل من رجاله ما يقرب من سبعين ألف رجل، و سلك أبو طلحة الصحراء مع من بقى من جيشه و تفرق جيش عمرو و أسر كثيرا، و جن الليل فرجع، و غادر فضل بن يوسف و بلال بن الآزهر نيسابور بناء على أمر عمرو، و جاءت رافع الفرصة سانحة فدخل نيسابور، و علم عمر بذلك فقدم من مرو إلى نيسابور، و خرج رافع معلنا الحرب و مع أول هجوم لجيش عمرو مضى مهزوما فى أول يوم من شوال سنة إحدى و سبعين و مائتين، و مكث عمرو مدة فى نيسابور، ثم عاد إلى سجستان و دخلها يوم الخميس لثمانية أيام بقت من ذى الحجة سنة إحدى و سبعين و مائتين، و قتل علوى ناجم بالبصرة فى صفر سنة سبعين و مائتين، و كان قد ادعى أربعة عشر عاما و أربعة عشر يوما دعوة النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، و كان قد قتل على يديه فى حروب هذه الدعوى خمسمائة ألف رجل من أهل التهليل، و اجتمع حوله جيش كثيف و فى سنة إحدى و سبعين و مائتين بدأ صاعد ابن مخلد و هو فى أعتاب الخليفة فى ذم عمرو بن الليث، و كان أحمد بن عبد العزيز قائدا لجيش يعقوب مولاه و على كرمان و فارس و أعطاه العهد و المنشور، و لما علم نصر بن أحمد بذلك من فارس قدم إلى كرمان و علم عمرو فأرسل عمرو من حسن الدرهمى على رأس جيش لمساعدة نصر بن أحمد لكى يحاربوا أحمد بن عبد العزيز و عندما وصل على بن حسن الدرهمى هناك كانت الحرب دائرة، و انهزم نصر ابن أحمد، و باشر أحمد بن عبد العزيز العمل بجدية، و أغار بكر بن عبد العزيز أخوه على قلعة فارس و ضربها، و اقتلع أبوابها و أرسلها إلى أصفهان،

198

و مضى مصعد بن مخلد بنفسه خلف أحمد بن عبد العزيز و قدم على بلاد فارس و استقر فى شيراز، و مضى أحمد بن عبد العزيز إلى سباهان، و جاء أبو طلحة عند عمرو فى سجستان فى أمان، و لما رأى عمرو الأمر كذلك استخلف أبا طلحة على خراسان من قبل ابنه محمد بن عمرو و سلمه خراسان كلها إلا" هراة" و" بوشنك" اللتين قد أعطاهما إلى مهدى بن محسن و مضى بنفسه تجاه فارس، و أرسل محمد ابن عمرو ابنه على مقدمة الجيش و ذلك فى أول يوم من المحرم سنة اثنتين و سبعين و مائتين، و لما سمع صاعد بن مخلد خبر عمرو، أرسل" ترك" عباس" مع ثمانين ألف فارس لمحاربة عمرو، و مضى خلف بن الليث عنه و هو غاضب متجها إلى بلاط الخليفة و أكرمه الخليفة و جعله قائدا على ألفى فارس، و لما اجتمعت الجيوش كان محمد بن عمرو على المقدمة، و كان عمرو على المؤخرة، فتحركت عاطفة العربى لدى خلف بن الليث و لم يشأ أن تلحق الهزيمة بجيش عمرو و ابنه و أهل سجستان، و قال لقائد الجيش قولا لينا و منى عمرو بأطيب الأمانى و منحه بعض الأشياء لكى يتحدا معا، ثم أغار على ترك بن العباس نفسه و ذلك الجيش الذى كان تابعا لأمير المؤمنين، و قضى على الجيوش جميعها، و استولى على أمواله و خزائنه و جياده و مصانع أسلحته و مضى صوب" صاعد بن مخلد" تاركا ترك بن العباس مهزوما، و لما أتم خلف هذا العمل قدم إلى محمد بن عمرو مع ألفى فارس و ألف رجل سجزى، و لما قام بهذا العمل فى غيبة عمرو (1)، و وقعت له الهزيمة و قدم" سيرجان" و استولى المعتضد على فارس، و فى أثناء ذلك كان رافع بخراسان و كان‏

____________

(1) يوجد بياض فى المتن و يبدو أن شيئا سقط من هذا الموضع من أصل النسخة، و لكن لم يشاهد هذا الخبر فى كتب التاريخ. يقول ابن الأثير فى أحداث سنة 241 ه: فى العاشر من ربيع الأول كان ابن عسكر الخليفة أحمد بن عبد العزيز فى ذلك الوقت، و وقعت حرب بينه و جيش عمرو بن الليث، و استمرت الحرب من الصباح حتى الظهر، و انهزم جيش عمرو الذى كان يتكون من خمسة عشر ألف فارس و مترجل، و جرح من كانوا فى مقدمة الجيش و قتل مائة رجل من البارزين فى جيشه، و أسر ثلاثة آلاف رجل من جنود عمرو (ابن الأثير- الكامل، ج 7، ص 129).

199

أبو طلحة خليفة محمد بن عمرو بن الليث فقصد رافعا و لما اشتد على رافع مضى إلى ما وراء النهر، و طلب العون من نصر بن أحمد فأرسل نصر أخاه إسماعيل ابن أحمد مع أربعة آلاف فارس لمساعدته، و لما التحم الجيشان سلك أبو طلحة طريق سجستان و وصل إلى هراة، و خرج مهدى بن محسن لمحاربته و حاربه أبو طلحة و لكنه عامله بالحسنى و أطلق سراحه- و مضى إلى سجستان بنفسه، و خرج" عبد اللّه بن محمد بن ميكال" و" شاران بن سرور" لاستقبال أبى طلحة، و جاءوا به إلى داخل المدينة و خلعوا عليه و أحسنوا إليه و أرسلوا إلى عمرو رسالة فرد عليها، و طلب أبو طلحة و مضى أبو طلحة إلى هناك و وصل إلى عمرو فى سرجان، و دب الخلاف بين المعتضد و صاعد فى فارس و طلب الموفق المعتضد من فارس، ثم اتجه عمرو إلى شيراز فهرب صاعد متجها إلى العراق.

استيلاء عمرو على فارس للمرة الثانية

استولى عمرو على فارس و أرسل الموفق رسالة إلى عمرو يقول فيها ينبغى أن ترسل إلىّ مالا مقبولا و أرسل ابنك فأرسل عمرو الجيش إلى برمان‏ (1) و أرسل محمد بن عمرو على المقدمة و أبا طلحة فى إثره و أرسلوا الجيوش بعد فرج، و لما وصل الخبر الموفق خرج بنفسه مع مائة و خمسين ألف فارس، و لما علم محمد ابن عمرو بذلك رجع- و رجع أبو طلحة مع جيش عظيم، و مضى نحو الموفق، و عندما عاد أبو طلحة و جيشه قدم عمرو إلى كرمان و جاء الموفق فى إثره و مضى عمرو إلى صحراء" كرمان" و عند ما وصل" براشدى" (2) مرض محمد بن عمرو

____________

(1) برجان: كانت موضعا من خور اردهير فى فارس و حاضرتها شيراز.

(2) براشدا و راشان: مكان بين كرمان من و سجستان ملح التربة و فيه بشرماء، و بينهما و بين زرنج ثلاثة و عشرون فرسخا.

200

و مات هناك يوم الجمعة لأحد عشر يوما بقين من جمادى الأولى سنة أربع و ستين و مائتين، و كان يعقوب بن محمد بن عمرو بن الليث قد ولد فى هذا الشهر نفسه أيضا ليلة الأربعاء لاثنى عشر يوما مضت من جمادى الأولى سنة أربع و سبعين و مائتين، و دخل عمرو سجستان يوم الإثنين لليلتين مضتا من جمادى الآخر سنة أربع و سبعين و مائتين، و أخذ الموفق فى كتابه الرسائل الرقيقة إلى عمرو للصلح، و كان قلب الموفق قد انشغل بحديث الشام و مصر لأنه علم أنه عندما يعلن عمرو العصيان سيعلنون عصيانهم أيضا، ثم أرسل أحمد بن أبى الأصبع برسالة من كرمان إلى سجستان حتى يقاطعه المسلمون جميعهم، و دخل أحمد ابن أبى الأصبع سجستان يوم الجمعة لسبعة أيام مضوا من صفر سنة خمس و سبعين و مائتين، و قد أكرمه عمرو كثيرا و أنعم عليه و أقطعه كرمان و فارس و خراسان بعشرة آلاف درهم، و كانت سجستان خاصة به، و قد أحضر الخلعة و اللواء و العهد و أعطاه إياها و قرأ العهد على الناس و أعطى عمرو أحمد بن الأصبع خمسمائة ألف درهم و أعاده بالحسنى، و أعطى لعمرو ضعف ألف ألف درهم من تلك الأموال التى كانت للناس فى جيش الموفق- و أرسل عمرو السبكرى‏ (1) إلى بغداد بالهدايا النفيسة للموفق، و مضى معه أحمد بن أبى الأصبع إلى ذلك المكان، و وصل السبكرى بغداد فى ذى القعدة سنة خمس و سبعين و مائتين، و أصدر الموفق أمرا فى بغداد أن يكتب اسم عمرو على الأعلام و الرايات و السهام و التروس و على أبواب البيوت و الدكاكين كلها، و أرسل عمرو بلال بن الأزهر إلى فارس لخليفته، و أرسل عبد الغفار بن جليس لجمع مال الخراج من هناك و مكث بسجستان مدة، و أحسن بلال أداء هذا العمل حتى قصد عمرو فارس ثانية و استحلف أحمد بن شهفور بن موسى على سجستان فى أمور الحرب و الصلاة و الخراج و الوكالة

____________

(1) السبكرى: كان عبدا ليعقوب بن الليث الصفار، و هو من أسرى الخلع، و هو يشبه طغرل الكافر بنعمة آل سبكتكين الذى أسقط أسرة مولاه، و سوف يذكر الكتاب السبكرى فى الصفحات القادمة.