تعريب‏ تاريخ سجستان

- مجهول المزيد...
349 /
201

و جعل شهفور أفراد مرد مساعدا له فى الوكالة و الخزانة، و عزل محمد بن عبد اللّه ابن ميكال و شادان بن مسرور عن الوكالة، و هذا الذهاب كان فى شهر ربيع الآخر سنة ست و سبعين و مائتين.

هروب على بن الليث من قلعة بم‏

و عندما وصل عمرو فارس كان على بن الليث سجينا محبوسا فى قلعة بم و اختلق حيلة خلص بها نفسه فى شهر رمضان سنة ست و سبعين و مائتين و من هناك جمع جماعة أتى بها إلى سجستان مهاجما فخرج أحمد بن شهفور و أزهر ابن يحيى بجبيس لحربه، و لما رأى الأمر كذلك لم يدخل معهما فى حرب و سلك طريق خراسان، و مضى إلى رافع بن هرئمة مخالفا لعمرو، و عندما وصل الخبر إلى الموفق أمر أن يمحو اسم عمرو من الأعلام فى بغداد فى شوال سنة ست و سبعين و مائتين، و لم يكن لعمرو علم بذلك و أرسل الهدايا إلى الموفق و كان الموفق فى أصفهان، و جاء لطلب أحمد بن عبد العزيز، و أرسل موسى المفلحى إلى فارس على رأس جيش جرار و لما علم عمرو قدم إلى كرمان، و مضى منضور بن نصر الطبرى على رأس جيش كثيف من سجستان إلى عمرو ثم مضى إلى فارس و عندما وصل إلى إصطخر، و هاجموا جيش موسى المفلحى، و دارت رحى الحرب و قتل عمرو كثيرا منهم و أسر و مضى موسى مهزوما، و كان ذلك فى يوم الأحد لأربعة عشر يوما بقت من ذى الحجة سنة ست و سبعين و مائتين، و تعقبه عمرو حتى وصل إلى البيضاء و أسر أربعة آلاف رجل من جماعة المفلحين، و أرسل الأسرى جميعهم إلى سجستان و أدخلوهم سجستان و أرسلوهم جميعا إلى القلاع فوجا بعد فوج و سموهم المفلحين، و دخل عمرو شيراز منتصرا فى غرة المحرم سنة

202

سبع و سبعين و مائتين، و بايعوا أبا العباس المعتضد باللّه ولى عهد الموفق، و أبلغ عمرو بأنهم أسقطوا اسمه من الأعلام فأسقط هو الآخر اسم الموفق من الخطبة فطلب أحمد بن عبد العزيز إذنا من الموفق بالذهاب لحرب عمرو فأذن له و جاء كامل العدد و العدة و عندما تقابل الجيشان، و رأى كل منهما الآخر رجع أحمد ابن عبد العزيز منهزما دون أدنى عراك فتعقبه عمرو حتى البيضا و أسر العديد منهم و استولى على ما لديهم من متاع و سلع و سلاح، ثم أرسل" بلال بن أزهر" إلى فارس و مضى هو إلى" الأهواز" و أرسل" منصور بن نصر الطبرى" إلى" نستر" و دخل وصيف الخادم فى أمان عمرو مع جيش عظيم و قسم عمرو الجيش فى الأهواز و كان وزير بغداد فى هذا الوقت إسماعيل بن بلبل و كان الموفى غائبا حيث كان قد مضى إلى الجزيرة، ثم كتب إسماعيل إلى عمرو رسائل طيبة و عاهده بالعهود الكثيرة قائلا: إن هذا كله لك لا خلاف فى الإسلام كله و لكن يجب حفظ حق أولى الأمر و أسرة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) من أجل الدين يجب أن تعود الأهواز على الشاكلة التى ذكرناها فعاد عمرو، و عندما جاء الموفق إلى بغداد و علم بما صنعه عمرو مع أحمد بن عبد العزيز و أنه قدم الأهواز و أخذ مالها و انصرف قصد أن يمضى بنفسه إلى شيراز، و كان قد عقد العزم على هذا إلا أن مرضا شديدا أصابه و توفى يوم الخميس ثمانية أيام مضت من صفر سنة ثمان و سبعين و مائتين.

" وفاة الموفق و قبول المعتضد باللّه الخلافة"

و تولى أبو العباس المعتضد باللّه بن أبى أحمد الموفق باللّه الخلافة، و فى اليوم الذى مات فيه أبوه كان المعتضد سجينا، و لما تولى الخلافة كان أول عمل له‏

203

إصداره الأمر بقتل إسماعيل بن بلال الذى كان وزيرا لأن أباه أسر بتدبيره، و نصب عبد اللّه بن سليمان بن وهب وزيرا، ثم أرسل ابن إسحاق القاضى رسولا إلى عمرو و تم الصلح بينهما، و حقق رغبات عمرو كلها، و أمر أن يكتب اسمه فى الأماكن جميعها التى كان فيها و خطبوا له فى الحرمين، و أرسل له حملا جديدا و خلعا و هدايا كثيرة و اللواء لولاية" فارس و كرمان و خراسان" و" زابلستان و سجستان" و" كابل" و شرطة بغداد، و أصدر أوامره بأنه ينبغى أن يمضى إلى حرب رافع بن هرثمة فقبل عمرو و عاد من فارس فى سنة تسع و سبعين و مائتين، و جعل محمد بن شهفور بن موسى خليفة على فارس، و توفى خلف بن الليث ابن فرقد بن سليمان بن ماهان يوم الاثنين لإحدى عشر يوما بقيت من ذى الحجة سنة تسع و سبعين و مائتين.

و جاء عيسى النوشرى بلواء عمرو على هذه الولايات و أنعم عمرو عليه و أعطاه مائة ألف درهم، و دخل عمرو سجستان فى يوم النوروز، و كان ذلك يوم الخميس لثمانية أيام بقيت من المحرم سنة ثمان و سبعين و مائتين، و فى ذلك اليوم أسند منصب الوزارة إلى أحمد بن أبى ربيعة، و خلع عليه الخلع و مكث مدة فى سجستان، و مضى إلى خراسان يوم الإثنين غرة ربيع الأول سنة مائتين و ثمانين، و جعل أحمد بن محمد بن الليث خليفة له على سجستان، و عندما وصل إلى هراة، هرب عامل هراة الذى كان تابعا لرافع و كان رافع بالرى‏ (1)، و لما سمع بقدوم عمرو مضى إلى" جرجان" ليدبر أموره هناك ليحارب، و أرسل عمرو بلال ابن الأزهر إلى قهستان ليحارب محمد بن رويدى، و صعد محمد بن زويدى الجبل فأغار بلال على قهستان جميعها ثم مضى بنفسه إلى هناك، ثم دخل محمد

____________

(1) يعلم من السطور التالية أن رافعا كان فى جرجان و ليس كرمان و لا يعقل أن يكون رافع فى الرى و سمع خبر مقدم عمرو إلى خراسان و أنه سوف يذهب إلى كرمان ليحاصره فى أرض الأعداء.

204

ابن زويدى فى أمان عمرو فأمنه و أنعم عليه و مضى من هناك إلى نيسابور و أرسل منصور بن محمد بن نصر الطبرى إلى مرد و أصدر أمرا بأن تعقب على ابن الحسين المروردى‏ (1) أينما وجد إلا أن منصور بن نصر بن محمد داهن فى هذا الأمر فغضب عمرو عليه من هذا النحو، و وجد فى الرسالة أن منصور أراد ألا يأتمر بأمرنا فأرسل عمرو شخصا لكى يأتى به فهرب و مضى إلى رافع فقوى به رافع و مضى من جرجان إلى نيسابور.

هزيمة رافع بن هرثمة أمام عمرو بن الليث و كان على مقدمة جيش رافع أخوه محمد بن هرثمة.

انهزام رافع بن هرثمة أمام عمرو بن الليث‏

و كان على مقدمة رافع أخوه محمد بن هرثمة و أبو منصور بن مخليس و منصور بن نصر و الليث بن على، و معدل بن على و أولاد على بن الليث، ثم التقى الجيشان و قاتلا قتالا شديدا و مضى رافع إلى جرجان منهزما، و مضى عمرو فى إثره حتى يسفراين‏ (2). و أسر الليث معدل بن على الليث و أحضرهما إلى نيسابور و تلطف معهما و خلع عليهما (من نعمه) و قال لهما قولا حسنا، ثم قال‏

____________

(1) كان على بن الحسين فى ذلك الوقت أمير مرو و كان رجلا عظيما و طلب فى هذا السفر المدد من الأمير أحمد أمير كوزكانان و لكنه لم يجد شيئا إلى أن لجأ إلى الأمير إسماعيل أمير بخارى الذى أكرمه إكراما عظيما و مضى من هناك إلى قرب و قتل أخيرا بيد ابنه (تاريخ بخارى نقلا عن تعليقات بهار).

(2) بسرافين تخفيف الكلمة (به إسفراين) و تقع الآن بالقرب من بجنورد و سبزوار و بين نيسابور و هاتان الولايتان منطقة جبلية.

205

عمرو امضيا إلى أبيكما فقالا: لا بل نحن عبدان و نظل هنا و يأتى إلينا أبونا، و جعل بلال بن الأزهر أميرا على نيسابور، و أرسل محمد بن شهفور إلى مرو الرود لطلب على بن الحسينى فهرب على و مضى إلى بلغ، و اجتمع مع ابن فريغون‏ (1) هناك حتى أن أبا داود الذى كان عاملا على بلخ طلب من عمرو لهما الأمان فأعطاهما عمرو الأمان، و لما قصد عمرو مروة جاء رافع إلى نسا و أرسل عمرو إلى قادة خراسان جملا (جمازة) و رسالة قائلا: امضوا فى طلب رافع، و لما علم رافع مضى إلى صحراء سرخس عمرو مهاجما فخرج نحو طوسى و مضى من هناك إلى نيسابور و دخل القلعة و قدم عمرو على نيسابور، و كان ذلك كله فى ربيع الآخر سنة ثلاث و ثمانين و مائتين، ثم رفع رافع الرايات البيضاء و ألقى السوداء و خطب لمحمد بن زيد و كان فى طبرستان، و ترك خطبة المعتمد و حاصر عمرو (الحمل) من كل ناحية و أرسل رافع جيشا للهجوم لعله يستولى على الحمل، و أرسل عمرو أحمد بن سمى و على شروين مع القادة، و احتشد الجيشان و تحاربا فهجم رافع بمساعدة جماعته فسمع و مضى أيضا للهجوم بمساعدة جيشه، و أرسل محمد بن بشر أمامه إلى باب الزاد فوصل كلاهما و مضى إلى ماء منصور بنى نصر الطبرى و كان هذا يوم السبت لخمسة أيام باقية من رمضان سنة ثلاث و ثمانين و مائتين و أمر أن يحفروا خندقا حول نيسابور و لكنه خرج من الخندق، و مضى رافع إلى سيزوار و تحاربوا هناك، و قتل خلق كثير، و انهزم رافع هزيمة قبيحة (ساحقة) و جاء منصور بن مخلس لاجئا إلى عمرو، و مضى عمرو بعد رافع حتى وصل إلى مراد، ثم عاد من هناك و أسر خمسة آلاف رجل و لجأ خمسة آلاف آخرون إلى عمرو، فرعى جانبهم و أحسن إليهم و أرسل على بن شروين و أحمد ابن سمى بجيش عظيم على أثر رافع، و دخل رافع فى صحراء خوارزم برجال‏

____________

(1) ابن فريغون هو أبو الحرث أحمد بن محمد الفريغونى صاحب كوزكانان، الذى طلب سبكتكسين منه يد ابنته، و زوج ابنته لابنه أبى نصر، و ذكر العتبى فى تاريخه هذه الأسرة و مدحهم بالعظمة و الكرامة، كما مدحهم بديع الزمان الهمذانى‏

206

قلت عدتهم، و لما خرج من هناك حاول غلمانه قتله و حاربهم، و فى النهاية حملوا المتاع و السلع و مضوا إلى تركستان، و جاء رافع خوارزم وحده، و بقى و دخل فى رباط حتى يتوب و يبقى و عرف أهل خوارزم و قتلوه فى هذا الرباط فى شوال سنة ثلاث و ثمانين و مائتين، و قتله محمد بن عمرو الخوارزمى الذى كان عامل عمرو على خوارزم، و كان عمرو فى نيسابور، و استقر أمر خراسان بقتل رافع و يقول محمد بن الوصيف هذا الشعر فى حديثه:

أيها القلب من طبران‏* * * فإنها تظهر الفيروز من صدف المرجان‏

و رافع إذا ما خسف‏* * * فمن فعل أبى حفص ملك الجيوش‏

ثم أرسل عمرو على بن الحسن‏ (1) إلى جرجان و محمد بن شهفور إلى مرو، و جاء محمد بن عمرو الخوارزمى إلى نيسابور عند عمرو، بعد قتل رافع، و أعطاه عمرو الخلع، و أرسله إلى خوارزم، و كان قد جاء عراق بن منصور من ناحية إسماعيل بن أحمد إلى خوارزم، و كتب رسالة إلى على بن شروين، و مضى مع محمد بن عمرو إلى خوارزم، و مضوا بجيش إلى هناك و نزلوا فى الجانب الشرقى ناحية بخارى، و كان الحر شديدا، و لم يستطيعوا أن يمضوا إلى (الصحراء) فبقوا هناك حتى تحسن الجو، و عبروا جيحوث ليلة الجمعة آخر ربيع الآخر سنة خمس و ثمانين و مائتين، و خرج إسماعيل بن أحمد من بخارى و قال: عودوا لا يبغى‏

____________

(1) يقول أبو جعفر الترشخى فى تاريخ بخارى: إن على بن الحسين لم يتقرب من عمرو، و لجأ إلى الأمير إسماعيل فى بخارا، و يقول أيضا: إن أبا داود أمير بلغ و الأمير أحمد فريغون أمضيا إلى عمرو و قدما ولاءهما، و ليس معروفا هل قدم على بن الحسين إلى عمرو أم لا (من تعليقات بهار).

207

الحرب، فعادوا و جاء الخبر إلى عمرو فأرسل محمد بن بشر (1) بجيش كبير لمساعدتهم و ينبغى أن يحاربوا إسماعيل بن أحمد ثم اجتمعوا و قصدوا إسماعيل، و كان إسماعيل رجلا غازيا كما كان جيشه كله من الغزاة، و كانوا يصلون و يدعون و يقرأون القرآن ليل نهار فقصدهم أيضا، و اشتعلت حرب صعبة و قتل محمد ابن بشر و بقى على بن شروين و مجموعة كبيرة من الأسر و كان هذا فى آخر شوال سنة خمس و ثمانين و مائتين، و لما وصل الخبر إلى عمرو و كبر عليه هذا و صارت الدولة متأخرة و لهذا السبب ينبغى القتل فوجد العار من هذا و أخذته الحمية فكتب رسالة إلى المعتضد يطلب فيها ولاية ما وراء النهر و قال: لو يعطينى هذا العمل و رضى بهذا فأبعد علوى عن طبرستان، و إن لم يرض فأنا مضطر أن أبعد إسماعيل بن أحمد، و كتب هذا الموضوع إلى عبد اللّه بن سليمان، و لما قرأ عبد اللّه هذه الرسالة و كان صديقا لعمر و قال: أى حاجة لهذا العظيم بذلك و أنا أعلم أن هذا لا يرضى أمير المؤمنين و ذكر هذا ثانية فى مجلس المعتضد و عرض الرسالة فأحنى أمير المؤمنين رأسه، و دام على ذلك مدة ثم رفع رأسه فقال: أجب على رسالة عمرو كما طلب و أنا أعلم أن هلاكه فى هذا، و كتب إلى إسماعيل بن أحمد نحن لم نكف يدك عن هذا العمل و السلام، فأجاب عبد اللّه بن سليمان على رسالة عمرو فإن أمير المؤمنين وافق على ما طلبته و لكن لم يحسن فيه، و أرسل العهد و اللواء، و لما وصلت الرسالة إلى عمرو جمع الجيش ليمضى إلى حرب إسماعيل، و أرسل على الحسين درهم فى المقدمة، و كان هو فى جرجان، و أرسل محمد ابن حمدان إلى ابن عبد اللّه و كان هو والى زابلستان و لما كان هذا جاء الخبر أن ناسد الهندى و آلمان الهندى أصبح كل منهما ملكا و قدما إلى غزنين، و كان برد عالى عامل عمرو على عزنين حيث هزموه فيها فحزن من هذا و مضى حتى‏

____________

(2) يذكره ابن الأثير (محمد بن بشير) و يذكره ابن خلكان (محمد بن بشر) و يذكره الكرديزى (محمد بن بشر).

208

وصل إلى بلخ، و كلف إسماعيل بن أحمد مناديا ينادى فى ما وراء النهرين عمرا فقدم ليستولى عليها و يقتل الناس و يسلب الأموال و يستعبد النساء و الأولاد، و لما كان الأمر كذلك فيما وراء النهر (1) فكل من كان من شجعان ما وراء النهر نهضوا معه ليحاربوا عمرا، و قالوا لنقتل و نحن شجعان خير من أن نأسر، و كان عمرو فى بلغ، و مضى إسماعيل إلى باب بلغ و حاربوا حروبا كثيرة ثم أرسل إسماعيل مجموعة من القادة و خوفهم من اللّه تعالى فنحن قوم غزاة و لا مال لنا، و هذا الرجل يطلب الدنيا دائما أما نحن فالآخرة ما ذا تطلب منا، فقاتلوا قتالا عنيفا حتى آخر يوم، و هبت ريح الصاعقة حتى أصبح النهار ليلا و هزموا جيش عمرو، و كان عمرو يحارب حتى‏ (2) أسر يوم الثلاثاء ليوم باق من ربيع الآخر سنة سبع و ثمانين و مائتين.

____________

(1) و فيما يتعلق بهذا الأمر أن يكون مع إسماعيل رجال أكفاء، حيث إن أبا جعفر المزشخى الذى ألف كتاب تاريخ بخارى باسم الأمير نوح بن مصر يقول، عندما علم إسماعيل بالخبر علم أن عمرا يستعد للحرب فحشد جيشه و زوده بالزاد، و اتجه إليهم من كل ناحية، و أعطى للأكفاء مغيرهم الزاد، و هذا ما اشتد على القوم، و كانوا يقولون: بهذا الجيش سيحاربون عمرو، و لما علم عمرو بهذا الخبر سعد به.

و يقول بعض من المؤرخين: إنه كان مع إسماعيل عشرة آلاف فارس و كان ركاب خيولهم من الخشب و ذلك لشدة فقرهم.

(2) فيما يتعلق بأسر عمرو بن الليث توجد روايتان أحدهما ضعيفة و الأخرى ذكرت فى بعض من كتب التاريخ حيث تقول هذه الرواية: إن عمرا اصطفاف الخيل و ألقى بنفسه فى صف إسماعيل و أسر و حبس فى الخيمة إلى آخر هذه القصة و هذه الرواية لم تشاهد فى الكتب الأمهات فقد ذكر الطبرى و ابن الأثير أن حاصر إسماعيل عمرو على باب بلخ لأنه قدم مع جماعة كثيرة العدد، و استولى على الطرق، و ندم عمرو على مقدمه و طلب الصلح مع إسماعيل و لكنه لم يقبل و حارب و تقهقر جيش عمرو.

(ابن الأثير- الكامل- ج 7- ص 165).

209

بقاء عمرو بن الليث فى بلغ بيد إسماعيل بن أحمد و وفاة نصر بن أحمد

و فى هذا العام توفى نصر بن أحمد بن أسد بن سلمان سيد لسلمان فى سمرقند ليلة الجمعة لاثنى عشر يوما مضت من شوال سنة سبع و ثمانين و مائتين، و بعد أن بقى عمرو أسيرا مضى طاهر و يعقوب ابنا محمد بن عمرو مع القادة و الجيش إلى خراسان منهزمين، و اجتمع عمال خراسان كلهم و جاءوا إلى هراة و من هنا مضوا إلى سجستان، و جاء محمد بن شهفور إلى بست عن طريق كرمان، و بقى هناك طويلا، و جاء بلال بن الأزهر من فارس إلى كرمان ثم اجتمع جيش عمرو كله، و بايعوا طاهرا و أعطى طاهر الوزارة لأحمد بن شهفور، و جعل حكم المملكة فى يده، و فى هذا اليوم الذى بايعوا فيه طاهر كان فى خزانة أرك مبالغ متفرقة تبلغ ستة و ثلاثين حملا ألف ألف درهم غير الدنانير و الجواهر، و كانت الخزائن ممتلئة، و كان فى قلعة سبيهبد القلاع الأخرى كلها كنوز و خزائن، أما الثياب و السلاح و الخيول فلا يستطيع أحد حصرها كما كان فيها الضياع و العقارات و الخيول العظيمة و عشرة آلاف غلام فى القصر غير من هو فى الخارج، و جاء طاهر يوم الثلاثاء لثلاثة عشرة يوما بقين من جمادى الآخر سنة سبع و ثمانين و مائتين إلى سجستان و كتب أحمد بن شهفور رسالة إلى المعتضد و إلى عبد اللّه ابن سليمان و أخبرهما أن عمرو بقى أسيرا و أن الجيش بايع طاهرا، و استولى السيكرى على طاهر و على الجيش و أخذ كل شى‏ء و ما كان له أن يجعل أحمد بن شهفور وزيرا حيث إن الرسالة التى كان يكتبها يخفيها، و كان على بن الليث مختفيا فى سجستان و كان السبكرى متحدا (صفيا) له على سره (مطلع على سره) ثم حمل‏

210

القادة عنده و رفع الخلاف بين الجيش، قال واحد يجب أن يكون" طاهر" و قال الآخر كلا يجب أن يكون" علىّ" لأنه كان هو نفسه وصيا على يعقوب.

وصول رسالة عمرو

ثم وصلت رسالة عمرو من سمرقند على يد يوسف بن يعقوب النقيب يقول فيها إن شغلى (أمرى) يستقيم بعشرين حملا كل حمل ألف ألف درهم حتى يطلقوا سراحى، و أن يرسل هذا المال إلى أمير المؤمنين، و كان قد أنزل إسماعيل عمرو فى مقر نصر بن أحمد فى سمرقند، و لما وصلت الرسالة هنا لم يستحسنوا (يعجبهم) إطلاق سراح عمرو، و مرت الأيام حتى وصلت رسالة عمرو إلى طريق آخر، فإن ما كانوا قد قالوه و هو عشرون، و الآن أصبحت عشرة.

ينبغى أن يرسلوا هذا كله و ليس هذا خطرا، و لما وصلت هذه الرسالة القادة قالوا لطاهر و يعقوب ابنى محمد بن عمرو: اعلما ما الذى مضى وسط هذا إن عمرا يحمل هذا كله الآن فى قلبه.

و لم نحارب فى هذا اليوم حتى احتفل فإنه وحده الذى حارب و نحن لم نحارب و سلبوا ما كان معه. جئنا من هناك و ما مضى منا فى خراسان فى كل مدينة، و إجلاسك هنا لأنك طاهر و مبايعتك و العطية التى أعطيتها من خزينتنا و الحوادث الكثيرة وقعت منا ليست صلاحنا و صلاحك على آية حال حتى يكون له الخلاص عندما يخرج فلن تبقى و لا نحن، و إذا كنت ترضى بكل هذا فنحن لا نستطيع أن نعمل ما نريد أن نعمل، و لما كانت الحال هكذا جعل يعقوب أخاه خليفة على سجستان، و كان مشغولا باللهو و المتعة ليل نهار و أخذ عم السبكرى، و أصبح الحل و العقد كله فى يده، و قصد السبكرى قتل أبناء شهفور أحمد و محمد كليهما

211

و قدم (فضل) عبد اللّه بن محمد بن ميكال‏ (1) ليشغل الوزارة، و كان سبب هذا أن أحمد بن شهفور كان وزيرا من جهة طاهر، و كان قد جلس محمد بن شهفور فى بست، و كان أحمد يكتب له قائلا: ينبغى أن تأتى إلى هنا حتى أقوم بمنصب الوزارة و أن تكون القائد الجديد، و أجاب محمد عليه قائلا: ليس من الحكمة أن نجتمع معا فى هذا الوقت فى مكان واحد و الصواب أن أبقى فى بست و أنت فى سجستان حتى نعلم ما يظهر فوضع هذه الدولة على حافة الهاوية، و فى النهاية لم يمض أحمد و جعل طاهرا على ذلك المكان حتى كتب رسائل مؤكدة إلى محمد شهفور حتى جاء إلى سجستان مكرها، و قد رعى طاهر جانبه و أحسن إليه كثيرا و قال: و عرض عليه منصب قيادة الجيش و لم يقبله حتى يروا تدبيرا حتى أرسلوا السبكرى إلى رخد و أن يبعدوه عن العتبة (القصر) و كتبوا له عهدا برخمد و كابل و أرض الهند و خلعوا عليه و لكنه لم يمض، و كان يتعلل كل يوم بعلة، و عرض أحمد بن شهفور فى أثناء الحديث عنقه بالجيش و فى العطية و سبب هلاكه هذا كله، و فى النهاية دبر الجيش ثم قالوا: ما دام محمد بن حمدان بن عبد اللّه حاضرا لا يمكن قتله، و أعطوا لمحمد بن حمدان أرض داور و بست، و كتبوا العهد، ثم جمع محمد بن حمدان بن عبد اللّه جيشا و ركب و جاء إلى العتبة (القصر) فخلع طاهر عليهم و أقسم ألا يعتذروا، و فى اليوم التالى صعد طاهر على سطح القصر، و اجتمع الجيش فى الميدان على باب القصر اليعقوبى و جاءوا ببدر من الدراهم و نثروها من على سطح القصر على الجيش و جمعوها و بهذا المعنى أرادوا إذا ما أسقط أحمد ابن شهفور اسمكم من الديوان فلن تخافوا فإننا نعطيكم الدراهم فأخذوا الدراهم و عادوا و فى اليوم التالى جاء حمد بن حمدان ليلتقى و سلم و عاد و مضى و أمسك الخادم دكاى يده و حمله (أوصله) إلى حجرته قائلا له اسمع رسالة الأمير قبل الذهاب حتى تعمل هذا العمل، و لما دخل الحجرة دخل الرجال و قتلوه، و كان أحمد

____________

(1) هو أبو الفضل الميكالى توفى سنة 436 ه و كان شاعرا و أديبا مشهورا فى خراسان، و يتصل نسب الميكاليين ببهرام كور (من تطبيقات بهار)

212

و محمود ولدا شهفور عند طاهر، و لم يكن لهم عن ذلك خبر، و لما عرف الجيش أن محمد حمدان قتل وقفوا منتظرين له، و لما خرج الاثنان (كلاهما) نهض الجيش و جردوا سيوفهم، و استلوا الخاتم من يده و قبضوا و نهبوا قصورهما، و أرسلوهم إلى القلعة مقيدين، و كان هذا كله تدبير السبكرى، و استخرج عليهما سيما الحيانى، و قتل سيما محمد بن شهفور فى طريق المطالبة بعد أن أخذ أمواله كلها، فقويت وزارة عبد اللّه بن محمد بن ميكال، و استقر الأمر كله للسبكرى و وصلت إلى الجيش الخلع و الصلات ثم أرسل طاهر و يعقوب حفص بن عمر الفراة إلى عمرو ليعتذروا عن عدم إرسال مال أحمد و محمد ابنى شهفور و استيلاء محمد بن حمدان على هذه المملكة و ظهر منهم الفساد فى الولاية و الخزانة حتى أنه لا يمكن القول فنحن بذلنا الجهد حتى رفعنا باسهم، و الآن تجتهد على أثر ما طلبه لنرسله ثم أرسل محمد ابن وصيف السجزى شعرا و هذه الأبيات من هذا الشعر، و لما قرأ عمرو هذه الأبيات يئس و صرف قلبه عن هذه الدنيا، و هذه الأبيات هى:

إن اجتهادى سبب العطاء* * * إن كان هذا فعل القضاء فى عيب لها

الأزلية و الأبدية من صفات اللّه‏* * * و العبد العاجز المسكين من هنا

إن أول مخلوق له الزوال‏* * * فعمل الدنيا الأول و الآخر واحد

اقرأ قول اللّه فاستقم‏* * * و اعتقدوا على ذلك أن تستقيم على هذا

213

و قال له حفص و أوقفه (و أخبره) على جالية الحال و أعاد له ما حدث كله، و لما مضت عدة أوقات (و بعد مدة) وصلت رسالة المعتضد إلى إسماعيل بن أحمد أن أرسل عمرا، و ما كان له إلّا أن ينفذ الأمر و إرسال عمرو و قال لعمرو: لا ينبغى أن تعتقل على يدنا، و إذا ما اعتقلت لا ينبغى أن أرسلت إلى هنا، و لا أريد أن يكون زوال دولتك على يدى. و الآن أنا أحفظ أمره و أرسلك على طريق سجستان مع ثلاثين فارسا، و اجتهد حتى يأتى شخص و يأخذك حتى يكون لى عذر و حتى لا يكون ضرر، ثم أرسله على يد أسناس الخادم و بقى ثلاثين يوما فى بنه‏ (1)، و لم يقل أى شخص مطلقا فى خراسان و سجستان أن عمرو هنا و فى النهاية قال أسناس الخادم: أيها الأمير لا يطلبك أحد فى هذه الدنيا قال: أيها الأستاذ حينما كنت على رأس الملوك و أنا الآن على رأس الأطفال فأنا الآن مثل الأطفال الذين تخلصوا من يد الأستاذ، فالذين يريدون أن يبقوا هنا، ثم حمله إلى بغداد، و كان قد أرسل إلى المعتضد من ضمن الهدايا التى أرسلها إليه جملا ذا سنامين و هو فى حجم الفيل الضخم، و حملوا عمرا على هذا الجمل إلى بغداد، و لما رأى عبد اللّه ابن المعتز عمرا على هذا الجمل، و كان قد عرف أن هذا الجمل أرسله عمرو قال:

هذه الأبيات:

يروم و يغدو فى الجيوش أميرا* * *فحسبك بالصغار عزا و متعة

على جمل منها يقاد أسيرا* * *حباهم بأجمال و لم يدر أنه‏

ثم حمله (أحضره) المعتضد إلى حضرته، و أمل آمالا طيبة، و رعى جانبه و قصد أن يطلق سراحه و قال: إن هذا الرجل عظيم فى الإسلام و لم يفتح أحد مثله‏

____________

(1) بنه من مدن سجستان الصغيرة و هى تقع على حدود قهستان، و هى اليوم قصب بها مكتب تلغراف و قريبة من بندان.

(2) يقول ابن خلكان فى مجلده الثانى ضمن أحوال الليث إن هذه القطعة تنسب إلى أبى على حسين ابن محمد بن فهيم المحدث، و يقول المسعودى فى هذا الأمر فى مروج الذهب ص 246 إنها تنسب إلى حسن بن محمد بن مهر و أضاف المسعودى هذا البيت:

ألم تر هذا الدهر كيف صروفه‏* * * يكون عسيرا مرة و يسيرا

214

فتوحا فى دار الكفر و خراسان و سجستان كلاهما ثغر و قد احتفظ بهما ثم قال:

احتفظوا به حتى نرى و مرض بمجرد أن شاهد عمرا و كان بدر الكبير سيئ العلاقة مع عمرو فقال المعتضد: يجب قتله لأنه يطمع فى ملك الدنيا بأسرها و لا ينبغى أن يكون فى الدنيا أحد يستطيع أن يدعى أنه أعظم منك فأمر بتدبير من بدر حتى يقتلوا عمرا فى الخفاء، و لما قتل عمرو ندم و أمر حتى يقتلوا بدرا و قد مات أيضا أبو العباس المعتضد باللّه يوم الأربعاء لخمسة أيام مضت من جمادى الآخر سنة ثمان و ثمانين و مائتين.

نهاية الأمير عمرو بن الليث‏ (1) و نهاية المعتضد باللّه و الآن نذكر بعضا من سيرة يعقوب و عمرو

أول توكله يعنى ذكرنا يعقوب، فإنه فى أى عمل كبير لم يدبر أمرا مع أحد إلا قال: فى النهاية توكلت على اللّه تعالى ما الذى سوف يفعله و من باب التعبد كان‏

____________

(1) تضاربت الآراء فى مقتل عمرو بن الليث فقال البعض: إن المعتضد فى مرض موته بعد أن انقطع عن النطق طلب صافى الخرمى الذى كان من خواصه و وضع إحدى يديه على عينيه و وضع يده الأخرى على عنقه ففهم صافى أنه يجب قطع عنق الرجل الأعور و لما كان عمرو أعور لم ينفذ صافى الأمر لأنه كان يعلم أن المعتضد سيموت فى اللحظة و لما قدم الخليفة المكتفى بغداد سأل الوزير قاسم بن عبد اللّه عن حال عمرو فقال الوزير: إنه حى فسر المكتفى بذلك و كان عمرو قد أرسل إليه كثيرا من الهدايا و أراد أن يحسن إلى عمرو و هذا ما لم يعجب الوزير و بناء على ذلك أرسل شخصا فى الحال و قتلوا عمرا فى السجن و يقولون إنه فى وقت موت الخليفة نسوه فمات جوعا فى السجن أو أنهم جعلوا هذا وسيلة لقتله أما ما ذكر فى تاريخ سجستان عن خبر بدر الكبير ربما كان لا أصل له و هو شبيه بتدبير الوزير قاسم بن عبد اللّه لأن بدر المذكور قتل بلا ذنب بسبب رسائله و فصل هذا الخبر ابن الأثير فى كتابه الكامل و ليس بعيدا أن رواية هذا الكتاب كتبت فى سجستان و نسب قتل عمرو لبدر و قتل بعد من قبل الخليفة جزاء قتله لعمرو لأن مثل هذه الدسائس كان معمولا بها بين الدول و معمولا بها اليوم كذلك فإنهم يصيبون هدفين بسهم واحد (من تعليقات بهار)

215

يزيد فى الصلاة مائة و سبعين ركعة فى اليوم و الليلة من الفرض و السنة و من باب الصدقة، كان يتصدق فى كل يوم بألف دينار، و من باب الكرم و المروءة أنه لم يعط أقل من ألف دينار و مائة دينار و عشرة آلاف و عشرين ألف و خمسين ألف و مائة ألف، و أعطى دراهم كثيرة و أعطى خمسمائة ألف دينار لعبد اللّه بن زياد عند ما جاء عنده.

و من باب المنع أنه لم ينظر إلى أحد ممتنعا عن مشاهدته، لا ناحية مرأة و لا ناحية غلام، و ذات ليلة رأى غلاما من غلمانه فى نور القمر فتغلبت عليه الشهوة، فقال: ما الأمر فأنا أتوب و أعتق الغلمان، و لكنه فكر بعد ذلك أن هذا كله من نعمة اللّه، و لا ينبغى، و قال بصوت عال: و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلى العظيم حتى استيقظ الغلمان كلهم، و كان قد عاد و فى الصباح كان الجميع مخزنين فى القصر، و لم يعلم أحد ماذا كان (ما الخبر) فأمر أن يحملوا السبكرى إلى النخاس‏ (1) قال الخادم للسبكرى: يجب الذهاب إلى النخاس بأمر الملك قال: الأمر له و لكن ينبغى إعلان ذنبى (جريمتى) فمضى الخادم و قال: ما أعظم جرمه فأنا فى هذا لست حكيما و لا حمية التى وهبها اللّه لى حتى ألاحظ مثل هذا، حتى أقع فى يد شخص من الذين يسوقهم اللّه و لا يخافون علىّ، فقالوا ليعقوب، فقال أطلقوه، و لكن أبقوا شعره و طرته‏ (2) و اجعلوه رئيس خدم القصر، و لا أريد أن يأتى إلىّ ففعلوا، و لم يأت إليه إلى ذلك اليوم الذى مات فيه أمير فارس قال: لعله لهذا الشغل قالوا:

البكرى فإنه رجل عاقل فكتبوا العهد و أعطوا الخلع قال: السبكرى إن العبد يمضى و لا يعلم ما الحال و قد ابيضت لحيته و طلب إذنا باللقاء و قابله و رعى جانبه و أعاده.

____________

(1) النخاس الكثير النخس بياع الرقيق بياع الدواب بالنخاسة بيع الرقيق والدا و أبا (المنجد).

(2) هذه القصة قصة السلطان محمود مع غلامه إياز التى ذكرها نظامى العريض العروض فى جهار مقامه.

216

و لكن كان فى العدل فكان يجلس يعقوب فى كوشك (القصر) الخضراء (1) منفردا (وحيدا) حتى إن كان كل من له حاجة كان يمضى إلى الخضراء و كان يقول كلامه بلا حجاب (و كان يتحدث بلا حجاب) و يقضيها له فى الحال كما تقضى الشريعة (بمقتضى الشريعة).

أما فى العناية فكان يبحث الأمور، و كان جالسا ذات يوم فى الخضراء فرأى رجلا جالسا على رأس الطريق سينك من بعيد واضعا رأسه على ركبتيه، ففكر فى أن هذا الرجل محزون و فى الحال أرسل الحاجب قائلا: لم أحضر هذا الرجل لى فأحضره فقال له: حدثنى عن حالك فقال: ينبغى أن يخلوا الطريق للملك فأمر الناس أن يمضوا فقال: أيها الملك إن حالى أصعب من أن أقوله لك (أى حالى أصعب حتى أستطيع أن أقوله لك) إن قائدا من قواد الملك ينزل كل ليلة و كل ليلتين عند بنت لى من الثقب بلا رغبة منى، و من البنت و يفعل ما لا يليق مع البنت فما كان لى طاقة قال: لا حول و لا قوة إلا باللّه لم لم تقل لى امض إلى البيت، و حينما يأتى تعالى إلى هنا فى مكان الخضراء، و يأتى معك رجل معه سيف و ترس و ينتقم لك (ينصفك) كما أمر اللّه تعالى لغير الحافظين، فمضى الرجل و لم يأت هذه الليلة، و جاء فى ليلة أخرى و كان هناك الرجل و معه السيف و الترس و مضى معه و دخلا القصر، و قال له إن عبد اللّه حفظ على باب فارس، و كان هذا القائد فى قصر هذا الرجل، و ضرب به جعبة السيف فانشطرت شطرين و قال: اشعلوا المصباح و لما أشعلوا المصباح قال أعطنى ماء فشرب الماء قال: أحضر لى خبزا و أكل، فنظر الأب و كان يعقوب بنفسه ثم قال هذا الرجل باللّه العظيم مادمت أنا و أنت قلنا هذا الكلام فقد شربت ماء، و أكلت خبزا و كنت قد نذرت للّه تعالى أنى لن آكل حتى‏

____________

(1) الخضراء مكان مثل الميدان الأخضر كان الملك يقف على ربوة تشرف على هذا الميدان و العوام يصطفون ليعرضوا مظالمهم عليه.

217

يخلو قلبى من هذا الأمر قال الرجل: و الآن ماذا أصنع لهذا فقال: اقبض عليه فقبض على الرجل و أخرجه فقال: احملوه حتى نلقيه فى البالوعة قال: عودوا الآن و أمر فى الصباح أن ينادى مناد أمضوا إلى البالوعة (حافة البالوعة) لكى تروا غير الحافظين و انظروا إلى هذا الرجل.

أما عن دهائه فكان فى ذلك الوقت قد أرسل رجلا كاتبا قائلا له: امض من نيسابور إلى سجستان و تعرف على أحوال سجستان، و أقدم علىّ و قل ما عرفت، فجاء الرجل إلى سجستان، و عرف بأحوالها كلها و كتب بها نسخا و رجع و لما توجه إليه قال: كنت فى المظالم قال: كنت قال: هل اشتكى أحد من أمير الماء قال: لا، قال: (الحمد للّه) قال: هل مررت بنهر عمار قال: مررت، قال: هل كان هناك أطفال قال: لا، قال: الحمد للّه قال: هل كنت عند منارة كهن قال: كنت، قال: هل كان هناك قرويون، قال: لا، قال: الحمد للّه ثم طلق الرجل أن يبدأ الكلام (الحديث) و يعرض النسخ، قال يعقوب: عرفت و لا يجب أكثر من هذا فقام الرجل و مضى عند شاهين فى بتو (1) و قص القصة، قال شاهين: حتى نصل، و مضيا عند الأمير قال: إذا جاء هذا الرجل جاء بالأخبار فينبغى أن يقول، قال: إنه قال كل شى‏ء و سمعت أن أمر سجستان يرتبط بثلاثة أمور العمارة و الألفة و المعاملة و وصلت إلى هذه الثلاثة و سألت أمير الماء عن العمارة (و سألت أمير الماء فى الحديث عن العمارة) و فى المظالم لم يشتك أحد من أمير الماء قال: لا قال: عرفت فلا تأخير فى الحديث عن تأخير العمارة و ابتدأ أمر هذه السوق شى‏ء واحد و إذا ما وقع التعصب بين الفريقين واصل و سألت قال: لم يكن قال: علمت فإن الألفة على ما كان (فى المكان) و لا وجود للتعصب و الثالث هو معاملة العمال و الرعية و إذا

____________

(1) بتو اسم مكان فى سجستان و شاهين هذا كان منها و هو أحد أمراء يعقوب بن الليث و قد سبق أن ذكرنا اسمه‏

218

وقع على الرعية ظلم يدبرون أمرهم فى منارة كهن (القديمة) و هنا يجتمعون و يتظلمون و عندما لم يجدوا عدلا (أو إنصافا) يأتون إلى هنا و يدبرون الهروب، و لما لم يكونوا هناك علمت أنه لا ظلم للرعية، فعن أكثر من هذا أسأل و الآخر فقد قسموا التقويم ثلاثين لكل يوم عمل و أعط لكل غلام ثلاثين عصا و سهما و جعبتين فى أول كل يوم من الشهر، و أعطه فى يدى وضعه فى المساء فى الجعبة الأخرى و قل كم سهما أخذت فى كل يوم و كم تبقى و يخرج الغلام كل يوم سهما و كان يسلمه (يعطيه) يده فقال: كم لدىّ من السهام فقال: يعقوب أعطيت سهما مستقيما فيجب أولا تسويته و ذكرت عمل هذا اليوم و ما كان ممكنا أتممته من هذا الباب حتى حفظت بذلك تقويم اليوم و الشهر و السنة و كثيرا ما قلت إنهم بنود دولة العباسيين على الغدر و المكر ألا ترى أنه مع أبى مسلمة أبى مسلم و البرامكة و فضل سهل مع كل الخير الذى كان فى تلك الدولة ماذا صنعت و لا ينبغى لأحد أن يثق فيهم و قد مضيت للتجسس الغالب مع الحرس فى الأسفار و أنه لم يجرد سيفه مطلقا مع أحد من أهل التهليل و لم يقصده و قبل أن تبدأ الحرب أوردت حججا كثيرة، و استشهدت باللّه تعالى و لم تحارب دار الكفر حتى تعرض عليهم الإسلام، و لما اعتنق شخص الإسلام لم تأخذ ماله و لا أولاده و إذا ما أصبح بعد ذلك مسلما خلعت عليه و رددت عليه ماله و أولاده كما أنه فى ولايتك كل من كان له أقل من خمسمائة درهم لم تأخذ منه خراجا و تصدقت عليه‏ (1).

حديث سير عمرو بن الليث و عمله و كيفيته‏

أما عمرو عندما توفى جهد أن يحفظوا أكثر ما يكون من عاداته و رسومه، و أقام رباطا و خمسمائة مسجدا للجمعة و شيد المنارات غير الجسور و أقيسة

____________

(1) يمكن أن نقول منصفين إن ما ذكره المؤرخون من فضائل يعقوب و عمرو بن الليث أقل القليل.

219

المسافات فى الصحارى، و تمت على يديه أعمال خير كثيرة و قصد أشياء لم يحققها، و كانت له همة عالية بحيث إن أتاه رجل بمجموعة ثياب مزركشة وزنها عشرون منا (حجرا) فأمر حتى يسألوه عن مصروفات فقال: ألف دينار فأعطاه عشرين ألف دينار، ثم أمر أن يحضروا هذا الديباج قال: إذا أعطيت غلاما فإن الآخرين يبقون بلا نصيب و هذا واحد لا أكثر ثم أمر حتى يمزق على عدد الغلمان و أعطى كلا منهم قطعة، و لم يؤذ عمرو ضعيفا قط و قال: لا ينبغى أن يكون الدهن فى لبن العصفور أنه يوجد (يتحصل) فى بطن الثور (البقرة) و قال: يمكن إمساك الطائر بالطائر و يمكن جمع الدرهم إلى الدرهم و يمكن استمالة الرجال إلى الرجال و قال: إذا كان الحمار العجوز لا يحمل الحمل فليمض فى الطريق.

نسبة أزهر بن يحيى و حكايته‏ (1)

أما حديث أزهر فمنقول من بدء نسبة أزهر بن يحيى بن زهير بن فرقد ابن سليمان بن ماهان و سليمان، و كانوا لحاتم أخيه، و كان حاتم جد يعقوب و عمرو و على و سليم جد خلف بن الليث و ذلك أزهر بن يحيى، و كان أزهر بطلا و شجاعا و كاملا و عاقلا و حكيما، و كان أديبا كاتبا و فتحت على يديه كثير من البلاد، و جعل نفسه جاهلا و كان يصنع أشياء يضحك عليها الناس و كان متواضعا إلى حد بعيد و من حكاياته ما كان نادرا و هو أن الناس قاموا ذات يوم فى قصر يعقوب و كان يضع أصبعه فى حلقة الباب و شدد إصبعه و تورم و بقى و لما لم يرد أن يشاهدوه جاءوا بحداد حتى أخرج إصبعه منها و مضى و فى اليوم الثانى جلس هناك و وضع‏

____________

(1) أزهر هذا مشهور بأزهر الحمار يقول عنه عنصر المعالى فى قابوساته (كان لعمرو بن الليث قائدا و كانوا يقولون له أزهر الحمار (من تعليقات بهار)

220

إصبعه فى الحلقة قالوا له لما ذا قال: نظرت هل أصبحت واسعة و ذكر الدقيقى‏ (1) هذا الشعر:

بقيت قدمى فى الماء الحار* * * مثل الحلقة فى إصبع أزهر

و فى يوم آخر جاء يعقوب لصلاة الجمعة و أمامه أزهر يخدمه، و سلم قروى على أزهر و قدماه بلا سروال و لباس القروى خلقة رقبته، و كان من أقربائه و سأله عن الأحاديث ثم قال يصعب عليك الجرى و اجلس خلفى حتى يكون ذلك أسهل لك، فركب القروى و رأى يعقوب الطريق، و مضى أزهر هكذا للصلاة، و لما عادوا قال:

أيها الأمير إن كلك فضل و لكن هذا الحسد ليس موجودا فيك فأنا فى موكبك يمكن أن أرى مائة ألف فارس و عشرة آلاف غلام لم تستطع أن ترانى بالزينة حتى تطوى الطريق فضحك يعقوب كثيرا مع أن عادته عدم الضحك (لم يكن يضحك)

و فى يوم آخر حين عاد من الصيد رأى عجوزا و قد حملت شيئا تحت إبطها قال: أيتها العجوز ماذا معك قالت معى أكل (طعام نكانك و بزند) (2) قال:

أحضريه فوضعت أمامه، و كان له جواد و أكل و أركب العجوز على الجنيبة و حملها إلى المنزل و قال: قص علىّ قصتك قالت: لى واحد فى السجن و متهم بالقتل (بالدم) و سيقتصون منه غدا، و بعد ذلك فإن أزهر جعل (صنع) من الشى‏ء الحر طبقا جيدا و أرسله إلى السجن مع العجوز و قال: سأطلق سراح ابنك غدا إن شاء اللّه، و كان الغد يوم النظر فى المظالم، فمضى هناك أمام الأمير عمرو قال: هذا الرجل كان زانيا، قال عمرو: و إن هذا عمل الخصوم فاستدعى الخصمين (الخصوم) فافتدى (اشترى) أزهر هذا الرجل بمبلغ اثنى عشر ألف درهم و قال: لقد أكلت من طعام العجوز فأعط عمرا الفضة (النقود) من الخزانة و حرر (و أطلق) الرجل و خلع‏

____________

(1) الدقيقى هو أبو منصور بن أحمد البلخى من شعراء القرن الرابع الهجرى العظام توفى سنة 365 ه.

(2) نكانك نوع من الأطعمة و البزند نوع من البرغست و هو عشب صحراوى يضعونه فى المرق.

221

عليه و سموه مولى أزهر، و أصبح بعد ذلك معرفا، و أصبح أحد العظماء فى حديث العمار، و كان رئيس و كلاء أزهر، و اتفق أنه دعى عمرا مع الجيش كله ليتناولوا طعام (يزند) و قدم إليه أمير الماء الرائحة فى الطعام (و قدم إليه الأمير الماء فى الطعام) و كان ذلك لمدة و فى حرب زنبيل ضرب خرطوم الفيل بالسيف، و كان قد حمل على جيش يعقوب و كان سببا للهزيمة هو هذا، و جاء رسول أمير المؤمنين إلى سجستان فنزله فى قصر أزهر، و سأل يعقوب رسول أزهر عن التبجيل (الاحترام) فقال: أنت أمير من قال: أنا حارس (سائق) الخيل فغضب الرسول من هذا، و لما دعوه إلى المائدة (الطعام) رأى الرسول أزهر جالسا مع يعقوب على المائدة فقال الرسول: إنى كنت غاضبا منذ مدة و الآن بقيت متعجبا قال: يعقوب لما ذا: قال إنه أنزلنى بقصر السائس و الآن أرى سائسك على المائدة فعرف يعقوب أن هذا ليس كلام أزهر و لم يقل شيئا مطلقا حتى رفعوا المائدة فأمرهم أن يأتوا بالثيران و أنزلوها فى القصر للمعركة، و لما قربوا رؤوسهم بإحكام قال لأزهر:

انهض و افتح للثيران فنهض أزهر و أمسك بقرن ثور بيد و باليد الأخرى قرنا آخر و أبعد كلا منهما عن الآخر ثم قال اضرب فدفع ثور بعيدا حتى وقع على جنبه فسحب (استل) السيف و ضرب ثورا آخر بالسيف فشطره شطرين، فتعجب الرسول (فبقى الرسول متعجبا) ثم قال يعقوب: إذا كان رجل الخيل (سائس الخيل) الذى تشاهده له حرمة عظيمة فلا بد أن أجلسه على المائدة فإن مثل هذا الرجل ينفع و قد أنزلته فى قصرك و كان مبجلا (و كان له تبجيل) إلا أنه ابن عمى و ليس سائس الخيل و لكن من عادته أن يقول أشياء منافية (مخالفة) للحكمة (للعقل) و يقول متكلفا (و يتحدث متكلفا) و أنا أعلم أنه عاقل و هو مستغن عن هذا الحديث فسر بذلك الرسول و خدم الأمير يعقوب و شكره، و لكن قصصه كثيرة فى الحروب و الأوقات، و لكن فإن شرطنا فى أول الكتاب كان الاختصار حتى لا يمل القارئ إن شاء اللّه تعالى.

222

وعدنا ثانية إلى الحديث عن الأمير أبى الحسن طاهر محمد عمرو بن الليث و حديث أخيه يعقوب‏

ففى يوم الجمعة لعشرة أيام مضت من المحرم سنة سبع و ثمانين و مائتين أسقطوا خطبة عمرو من المنابر جميعها ثم جعلوا الخطبة لطاهر و يعقوب فى هذا اليوم، و بايعوا أبا محمد المكتفى باللّه من ذلك اليوم الذى مات فيه المعتضد (1) فعزم طاهر الرحيل إلى فارس و أرسل أحمد بن محمد بن الليث فى المقدمة مع عشرة آلاف فارس، ثم أرسل محمد بن عمرو الخوارزمى مع ثلاثين ألف فارس على ميكال على أنه وزيره، و جعل يعقوب بن محمد أخاه خليفة على سجستان، و لما وصل إلى كرمان وقعت معركة بين بلال بن الأزهر و بين الليث بن على، و عقد القادة الصلح بينهما و لم يتقبل بلال عظمة السبكرى و قيادته للجيش، و كان يخفى عن الجيش أنه كان قائدا له، و كان بشير عاملا (خليفة) من جهة أمير المؤمنين و عيسى بن الموثرى، و لما سمع طاهر الخبر مضى من هنا، و دخل طاهر بالجيش شيراز و جلس و قسّم الأموال، و جعل النصف لفارس مال السبكرى و أخذ جيشه و النصف الآخر أخذه بلال بن الأزهر و جيشه و أرسل طاهر الليث بن على على المقدمة إلى برجان‏ (2)، و أراد أن يمضى على أثره، و كان يعطى الجيش اقتطاعات و هبات كثيرة و سر الجيش كله بهذه الإقطاعات و العطايا، إلا عبد اللّه ابن محمد بن ميكال و فورجة بن الحسن فإنهما أرادا عملا و استخرج ثم وصلت رسالة

____________

(1) يقول ابن الأثير: كانت وفاة المعتضد و جلوس المكتفى سنة 289 ه و فى العام نفسه توفى عمرو ابن الليث (ابن الأثير: الكامل ج 7، ص 169)

(2) برجان: كانت مكانا فى ولاية أردشير خوره و كانت مركزا و قصبة شيراز و قد ذكرها الإصطخرى (فرجان) و يوجد على حدود الروم مكان بهذا الاسم و لكن برجان هذه هى فرجان و قد ذكرت فى هذا الكتاب كثيرا.

223

عبد اللّه بن محمد بن سليمان إلى طاهر على يد أبى النجم بدر الصغير، و الرسالة هى أن أمير المؤمنين يريد أن تكون فارس له، فالصيد و الخزانة و هذه الولايات كلها سلمت لك (يعنى كانت فى يدك) و هذا لا يوجب عليك أن تبخل عليه بهذا المال، و لما وصلت الرسالة و نزل بدر على باب شيراز، و جاء قوم و مضوا و فى النهاية قال بدر قولا حسنا بهذه الجملة التى قلتها و أقول إذا ما كان يهمك فارس أما أنت فاحفظ (فاحتفظ) بهذا الأمر حتى لا يقع خلاف فإنك توليت حديثا، و فى النهاية اقتنع طاهر بكرمان و مكران و سجستان و خراسان و بدر بمعرفته أمر فارس (و بعد أن وجد بدر حديث فارس) عاد بالصلح فى شوال سنة تسع و ثمانين و مائتين، و عندما وصل إلى سيرجان ترك هناك بلال بن الأزهر، و مضى إلى جيررفت و هناك سجن منصور بن جردين الذى كان عامل عمرو على كرمان و طالبه و أخذ منه مالا كثيرا و وصلت رسالة بدر بأمر فارس (بخصوص فارس) و أنا أضع الأمور فى نصابها، و أرسل طاهر فورجه بن الحسن إلى سجستان و بست مطالبات بأموالها التى كانت بين على بن المعتضد و أبى محمد المكتفى و لم يكن بدر هذا طيبا، و لما مضى بدر من فارس مضى طاهر إلى فارس بطريق آخر، و أرسل رسولا إلى المكتفى و طلب فارس فأعطاها له المكتفي، و أرسل العهد ثم أرسل طاهر الليث بن على إلى برجان، و أرسل العمال فى مكان فى نواحى فارس، و شغل نفسه باللهو و الصيد، و كانت الأمور كلها فى يد السبكرى و عبد اللّه بن محمد ميكال، و كان عبد اللّه يفعل هذا كله بأمر السبكرى، و قد أبدى بلال بن الأزهر مخالفته للسبكرى، فأمر طاهر بلال أن يمضى إلى سجستان فأخذ بلال ماله و أهله و غلمانه و جيشه و كل ما كان خاصا به، و سلك طريق سجستان، و لما وصل إلى إصطخر فارس، أرسل طاهر يوسف بن يعقوب من خلفه حتى يحبسه هناك و أخذ ماله و حبسه فى قلعة محمد ابن واصل و جعل عبد الغفار بن حلبس حارسا له (حاميا له) و قتل بلال هناك (و هناك قتل بلال)، و أرسل طاهر فتح بن مقبل بالهدايا و المال الكثير إلى المكتفى، و عاد

224

طاهر و قدم سجستان مساء الأحد غرة رجب سنة إحدى و تسعين و مائتين، و لم يسمع لأحد مطلقا بمقابلته (برؤيته)، و شغل نفسه باللهو و الشراب ليل نهار و ما استقبل المشايخ و لا الجيش، و كان يحب البغال و الحمام، و كان يجمعها طوال اليوم، و كان يشاهدها، و أرسل شخصا ليستدعى محمد بن خلف بن الليث، و جعله رئيسا على القادة كلهم، و كان يحبه و ما كان يعقوب يصبر ساعة عن محمد بن خلف و زوج بنت أخيه محمد بن عمرو من محمد بن خلف، و الحق أنه كان رجلا تام العقل و كاملا و هذا ما لم يعجب السبكرى، و وقع التعصب فى سجستان فى هذا الوقت بين الفريقين و قتل خلق كثير، و سموا فريقا صدقى و الآخر سمكى.

أول تعصب (خلاف) بين سمك و صدق‏

و كان سبب هذا أن أكثر ميل يعقوب كان إلى أصحاب الرأى و ميل طاهر إلى أهل الحديث، أما سبب ذلك الاسم الذى وقع على الفريقين فكان بسبب أن مجنونا ولد له ولد فى حال جنونه فقال أصحاب الرأى: إن هذا ولد زنا، و قال أبو يعقوب لأن عقد النكاح كان صحيحا قبل جنونه، و لما صحح المسألة قال طاهر:

صدق أبو يعقوب و كذب الحايكون، و بهذا أراد أن الذى لا يعرف شيئا و يتكلم فيه فإنه يكون حائكا، و أصل هذا التعصب وقع فى سجستان بين العرب؛ بين تميم و بكر، فطلبت جماعة هواء تميم، و طلبت جماعة أخرى هواء بكرى، و أصبح لتميم اسم صدقى و بكرى اسم لسمك حتى استصوب فورجة بن الحسن هذا فى النهاية.

و مضى طاهر إلى بست يوم الأحد لثمانية أيام بقين من ذى الحجة سنة إحدى و تسعين و مائتين، و جعل يعقوب خليفة على سجستان، و لم يجد أحد خلافا بين‏

225

الأخوين فى الملك، و لم يخف فى المدينة أحد من الرعية، و كان ينبغى أن تقع فى هذه المملكة أحداث سيئة و كانا شابين‏ (1)، و كانا يصرفان هذا كله فى الأبنية و البساتين و اللهو و الرغبات بحيث جاء شاعر عند يعقوب و أنشد (و قال) هذه الأبيات و أعطاه أربعة آلاف درهم و له على كل بيت من هذه الأبيات ألف درهم:

أتيت أبا يوسف المرتجى‏* * * فأصبحت من جود الغنى‏

و كنت أمرا خايفا (2) فى الزمان‏* * * فأصبحت فى الأمن لما أتى‏

و صيرنى ضياء فى ضياء و نور* * * و قد كنت من قبله فى الدجى‏

هو الملك السيد المجتبى‏* * * به كل نور الدنيا بدا

فبدأت الأموال تنقص و ضعفت الأعمال، و كثرت المؤن و وصلت الدولة إلى النهاية، و لم يأخذ طاهر فى هذا الوقت شيئا من أحد، و لم يطلب من الرعية مالا فقال: لماذا أظلم الناس حتى استخدم كل ما هو موجود وليكن ما يكون و تمضى (تمر) الدنيا، أما التبذير فى النفقات و الإسراف فى العطايا فكان يضع كثيرا من الحملان و الطيور على المائدة و الحلوى و أشياء كثيرة بحيث أن أحدا من الحشم لا يستطيع الأكل، لدرجة أن الصبية كانوا يحملون المطبخ إلى السوق و يطرحونه للبيع فكل شى‏ء كانوا يشترونه بدينار، كانوا يبيعونه بدرهم فى السوق، و كان هذا غبنا

____________

(1) سقط سطر من المتن فى هذا الموضع مما أدى إلى عدم ترابط الجملة بما بعدها.

(2) هكذا فى النص.

226

حتى نفذت هذه الأموال كلها و الكنوز على جملة هذا، و كان له كثير من البغال و كان يسقيها الماء المثلج، و كان الناس العقلاء كلهم يبتعدون عنه، و كانوا يسلمون عليه مرة فى الشهر و الحمقى كانوا يجتهدون بمل‏ء بطونهم بالطعام ليل نهار، و مكث مدة فى بست على هذا، ثم عاد إلى سجستان و دام على هذا مدة، ثم توجه إلى بست يوم الثلاثاء لعشرة أيام بقين من شهر ربيع الأول سنة اثنتين و تسعين و مائتين، و دخل بست بعد مضى أخوى يعقوب إلى بست فى غرة ربيع الآخر سنة اثنتين و تسعين و مائتين، و أخلوا سجستان و انقطع الدخل من جهة السبكرى فما كان يرسل شيئا قط من فارس و كرمان، ثم رجع طاهر و يعقوب إلى سجستان و قصد طاهر فارس يوم السبت من منتصف ربيع الآخر سنة اثنين و تسعين و مائتين و استخلف يعقوب على سجستان فمكث يعقوب مدة ثم قصد رخد يوم السبت لثمانية أيام بقين من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين و تسعين و مائتين و جعل محمد بن خلف ابن الليث خليفة على سجستان و كان محمد رجل عمل عاقلا و كان حزينا على الدوام من كل ما رأى، و لما أصبح الأمر فى يده أكرم الفريقين و قال: قولا حسنا و لا ينبغى التعصب فقد وقعت بنا محنة بعد فقد يعقوب و عمرو و هكذا الحال و الخلافات التى ترونها فلا ينبغى أن يكون التعصب لكما يجب أن تتألفا فإذا ما كانت هذه الولايات كلها لكم فلن تبقى واحدة فى يدكم و لا يقع هذا فى يد الغراء و السفلى، و قبل الناس كلامه و انصرفوا على الخلاف و ظهرت الألفة و المودة بين الناس، و عاد يعقوب من رخد، و دخل المدينة يوم الخميس لتسعة أيام بقين من جمادى الآخر سنة اثنتين و تسعين و مائتين، و كان مولود الأمير أبى جعفر أحمد بن محمد ابن خلف يوم الإثنين لأربعة أيام بقين من شعبان سنة ثلاث و تسعين و مائتين، و فى الوقت الذى ولدت فيه أمه قالت إنه كان مفتوح اليد (الكف) و قالت امرأتان من أهل بيته: كل ما بقى فإنه يهبه للريح و يأكل و يعطى، و لكن لما وصل طاهر بالجيش لم يعجب مجيئه فراس السبكرى، و خشى أن يعزله من هناك، ثم أرسل السبكرى أحمد ابن محمد بن الليث لاستقباله و قال: أنت الآن قدمت و يطمع فيك الأولياء و قادة

227

الجيش و كذلك أمير المؤمنين فى بغداد و هنا لا وجود لمال كثير حتى يكفى هذه الأعمال، و كان قد قال ينبغى بذل الجهد حتى يعود و حتى أنا أرسل المال و الحمل ثم جاء أحمد عند طاهر، و قال هذا الكلام و عرف طاهر أنه يقول هذا على سبيل النصيحة و الشفقة، ثم قبل هذا الكلام و كان له بذلك المنة و عاد سجستان، و دخلها يوم الخميس لاثنى عشر يوما مضين من شهر رمضان سنة اثنتين و ثمانين و مائتين، و استولى على أموالها لينفقها فى غير وجهها (على متعته) فى اللعب و البهجة و لم يهتم بالملك مع أن عقلاء الجيش كانوا خائفين من عاقبة هذا الأمر، و عرفوا أن المملكة لا تدوم طويلا مع اللعب بالحمام و الصقور و شرب الخمر ليل نهار و الأخذ من الخزانة و عدم الوضع فيها، و كل شخص كان يعرف سره، و كان يقول بعضهم لبعض مثل إياس بن عبد اللّه الذى كان عظيم العرب و كان رجل عملا حكيما عاقلا، و كان قد خدم عمرو و يعقوب و المعتمد و كان موضع ثقة عندهم فطلب الإذن و مضى و قال: لقد أخذنا ملكنا بالسيف و أنت تريد أن تنال الملك باللهو، و لا يمكن أن يكون الملك بالهزل و ينبغى أن يكون الملك بالعدل و السياسة و الكلام و السوط و السيف، و لكنه لم يسمع هذا الكلام (لم ينتصح) و أذنوا له و مضى إلى كرمان، و كان قد جعل أحمد بن محمد بن سليمان و أحمد بن إسماعيل القرنين‏ (1) وكيلا له، و لم يبق فى الخزانة مال من الذهب و الفضة فقد استخدمه (أخذه) كله، و أعطى و بسطوا يدهم فى بيع الأوانى و صنعوا (و ضربوا) من الذهب و الفضة الدرهم و الدينار، و استخدموها فى الطعام و إقامة الأبنية و شراء البغال و الخيول، و هذا كله لم يكن موجودا و أعطى (و أمر) طاهر عشرين أمرا، و أقاموا تسع قباب و زرعوا البساتين حول هذه القباب و الميادين و قد (نفد) المال فى هذا كما أقاموا فى بست خضراء على باب الديوان فى طرف الميدان و أنفق فيها مالا، و أقام قصرا (جوسقا) آخر فى بست على حافة نهر هيرمند بالقرب من الجسر (الكوبرى)، و فى‏

____________

(1) قرنين كانت قرية تابعة لكفر سند التابعة لمدينة زرنج على طريق بست و قد ظهر أولاد الليث الصغار من هذه القرية.

228

سجستان أقام قصر أبى الحسنى و قد أقام هذه القصور كلها بالمال (بالدرهم)، و لم يطلب من أحد المساعدة (ينضم إليه) و كذلك فى النفقات التى لم تكن لازمة و العطايا التى كان يعطيها بلا مناسبة و أعطى ما لم يجب أن يعطى و لم يعط ما يلزم إعطاؤه و فى سنة أربع و تسعين و مائتين أرسل يابس الخادم إلى بست و قدم لطاهر الشغل، و أرسل السبكرى الليث بن على إلى مكران، و أعطاه ذلك العمل و أرسل إليه الرجال و السلاح، و لما مضى إلى هناك أعطاه عيسى بن معدان مال ثلاث سنوات، و أعاده و أعطاه الأموال و الهدايا الكثيرة، و قال إن هذا مكان ضيق و وجود الجيش هنا يسبب القحط و إنما أعطى المال و ينبغى أن يعود الليث و جاء (و قدم) جيرفت) و بقائى هنا قد أخذت مكانه، ثم قدم السبكرى جيرفت و قال: لم يكن شيئا و لا ينبغى أن نترك مكران فى يده و لا ينبغى أن نعود بلا مال و أعطى جيرفت لأحمد بن محمد بن الليث، و قال الليث بن على ينبغى أن يكون لمكران طريق آخر، ثم مضى الليث مع السبكرى إلى فارس و ترك هناك ابنا له، ثم قدم جيرفت، و كان قد مكث بها حتى ذى الحجة سنة خمس و تسعين و مائتين، و من هنا مضى إلى بم و كان معه (أخذ معه) كل من منصور بن حزدين وفور، و أخذ مالها و قتل منصورا و مضى إلى سيرجان و قتل عبد اللّه بن بحر و أخذ ماله، و جاء الخبر إلى السبكرى فأرسل الجيش لمحاربة الليث على، و لم يساعدوا جيشه و حارب وحده و هرب فورجة فى يوم الحرب و مضى عند السبكرى و قدم الليث خوخ‏ (1) و أرسل طاهر إليه المال و استقام (أصلح) حاله و أكثر من الشكوى عند طاهر من السبكرى، و بعد ذلك لم يكن لأى شخص مطلقا خبر حتى جاء الليث على إلى ابنه مع قليل من الرجال، إلا أنه كان يملك مالا كثيرا فى المحرم سنة خمس و تسعين و مائتين.

____________

(1) خوخ و خان خوخ جزء من كرمان، و خوخ اسم محلة من المحلات التى كانت متصلة بزرنج.

229

تولى أبى جعفر المقتدر باللّه الخلافة ستة و تسعين و مائتين‏

و لما مات أبو محمد المكتفى باللّه بمدينة السلم فى ذى الحجة سنة خمس و تسعين و مائتين، و تولى المقتدر و كان أخا المكتفى باللّه و أرسل المقتدر عهد العمل إلى طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث على هذه الأعمال و أعطى طاهرا خلعه لمن جاء بالعهد و أرسل مالا كثيرا إلى المقتدر.

و كان فى بست، و وصل الخبر طاهرا أن الليث بن على جاء إلا أنه خرج فى الحال إلى سجستان و معه على بن الحسن الدرهمى و أحمد بن سمى و ساقه (طرده) القادة الآخرون حتى نزل فى قوقة (و القادة الآخرون طردهم جميعا حتى نزلوا فى قوقة)، و كان مع الليث بن على مائة و خمسون رجلا و قال: إن معى جيشا كبيرا و كانت الرسائل متصلة بينهم على الدوام و قال الليث أتيت لخدمتك على الدوام و أرسل المال فى السر إلى قادة طاهر و لم يكن لطاهر خبر قط حتى مضى من نية و نزل فى سجستان يوم الاثنين لثمانية أيام بقين من صفر سنة ست و تسعين و مائتين.

مجى‏ء الليث بن على إلى سجستان و دخوله المدينة

و جاء مباشرة إلى ميدان قصر (جوسق) يعقوب، و كان يعقوب فى القصر، و لم يسمحوا لرجال يعقوب بدخول القصر، و من على السطح ألقوا (ضربوا) الحجارة على رؤوس إصطبل الليث، فتحطمت رأسه، و عاد الليث و هو محطم‏

230

الرأس من باب المدينة الذى أقاموه حديثا، و مضى إلى فارس و مضى إلى مسجد الجمعة و نزل هناك و أمر بفتح أبواب المدينة المحصنة، و قد تعب هو و أعوانه تعبا شديدا، و كان قد قدم من نيه ليلا و فى اليوم التالى حتى موعد صلاة العصر و قد ساعده أهل المدينة و مالوا إليه (طلبوا هواه) و قد عرف طاهر خبره فوصل على أثره و استولى على ما حول المدينة، و أرسل يعقوب أخاه إلى در طعام و أحمد بن سمى إلى باب فارس و مازن بن محمد إلى بابكركوى و على بن حسن الدرهمى إلى باب نيشك و حفروا على رأس كل كورة (1) خندقا، و أقاموا جدارا على حافة كل خندق و وضع على بن الليث المنجنيقات على السور، و حارب و أرسل طاهر رسالة إلى السبكرى أن أرسل لى مددا، و أرسل السبكرى عبد اللّه بن محمد القتال و قدم فورجة بن الحسن سجستان مع جيش و حاربوا (و قامت الحرب)، و كان لطاهر فى كل يوم خمسة آلاف درهم نفقات خاصة إلى مكان يوزعه على الجيش و على أبواب المدينة و كان يضرب (يوزع) الدرهم و الدينار من الأوانى التى كانت فى الخزائن و كان يوزع على أبواب المدينة الدرهم و الدينار و الأوانى التى كانت فى (الخزائن) و أرسل السبكرى مالا قليلا إليه و لم يكن له دخل من جهة أخرى فاتفقت (اتحدت) قلوب الناس لأنه كان يملك (عنده) الدرهم و الدينار و الجواهر الكثيرة، و أعطى الناس و اتحد أهل الربض مع أهل المدينة، و فى الحقيقة لم يبق أحد من الجيش و من الرعية متعلقا بطاهر لأنه لم يهتم (يلتفت) إلى الليث ماعدا محمد ابن خلف بن الليث و أحمد بن سمى، ثم علم طاهر بهذه الأحاديث، و قد أشار على علىّ بن الحسن الدرهمى أن يصطلح مع الليث و على هذا تركه يمضى إلى بست و نعطيه عمل رخد بست، و قد وافق على هذا الأمر كل من قتال و على بن الحسن الدرهمى و الليث على و قد بالغوا (كبروا) فى حديث الليث عند طاهر فسر بهذا، و لما عرف قتال مضى هو و القادة ليلا و ما كان لطاهر علم بهذا، و فى اليوم التالى بقى طاهر مع قليل من الجيش و استدعى على بن الحسن الدرهمى، و أرسله إلى الليث بناء على الخطة التى دبروها و أجابه الليث، و فى اليوم الآخر حفروا الخنادق و فتحت أبواب المدينة يوم الجمعة لستة أيام بقين من جمادى الآخر سنة ست‏

____________

(1) كورة: لها عدة معان و المراد بها هنا الروابى و الآكام من التراب أو المكان الذى انقطع عنه الماء.

231

و تسعين و مائتين، ثم أمر طاهر القادة جميعا أن يمضوا لمقابلة على للسلام و لكن الليث لم يسمح لأى شخص قط من المدينة و من الجيش أن يمضى إلى طاهر، و كان قد مضى معدل بن على من سجستان لجمع الجيش و الرجال، و كان قد أرسل طاهر فضل بن العنبر ليطلبه (فى طلبه)، و جاء به أسيرا و اعتقله و تصالحوا (أبرموا) الصلح فى هذا اليوم و فتحوا باب المدينة و أخرجه طاهر و خلع عليه و حمله (أركبه) و أرسله إلى أخيه حتى اجتمعوا جميعا فى المدينة، و أرسل طاهر الحجاب ليمضيا إلى بست، كما كان قد كلف على حسن بهذا الأمر و قد اعتذر الليث متعللا بأنه ليس آمنا على نفسه، كى يخرج، ثم عرف طاهر أن الناس جميعا اتحدوا معه و معظم رجال الجيش، فعزم أن يمضى من سجستان و حمل ماله و عياله فقال: أخو يعقوب لا ينبغى المضي، و لما كان يوم الأربعاء لأحد عشر يوما بقين من جمادى الآخر سنة ستة و تسعين و مائتين، فقد آوى (أجلس) يعقوب بن الحسن الدرهمى و قال: كلاما جافيا (قبيحا) ثم قصد الحرب مع الليث بن على و فى النهاية وجد طاهر و يعقوب الخذلان حتى خرجا من المدينة إلى باب طعام و أحرقوا محلة باب طعام و سوقه و مضوا إلى كركوى و من هناك مضوا إلى بنة ليمضوا عند السبكرى.

خروج طاهر و يعقوب ابنى محمد عمرو بن الليث من سجستان دفعة واحدة

و لما مضى، أخرج الليث من المدينة و أغار على بيوتهم و معه الغوغاء فى مكان واحد، و قد سموه فى ذلك اليوم شير لبادة لأنه كان يرتدى لبادة (1) حمراء

____________

(1) اللبادة: ما يلبس للمطر يقول الطبرى: كان محمد بن كثير فى حرب دير العاقول، و قد قتل و هو فى ركاب يعقوب كان معروفا بلباره (من تعليقات بهار).

232

و جاء الجيش و قادة طاهر جميعا عند الليث و كان قائدهم (رائدهم) على بن حسن الدرهمى و استقام عمل سجستان إلى الليث و استولى على خزائن طاهر و قرر لذوى قرباه (لحرمه) أجرا و لم يترك أحدا يدخل فى قصر الحرم (الحريم) و أقام (و جلس) فى قصر يوم الخميس ليومين بقيا من جمادى الآخر سنة ست و تسعين و مائتين.

تولى الليث بن علىّ على الإمارة و هو الذى يسمى شير لبادة

و خطبوا له يوم الجمعة فى سجستان و فراة و كش و بست، و خطب له محمد ابن زهير شهمود، فقد كان هناك عاملا من قبل طاهر، و عاد فورجة بن الحسين بمال كثير و جواهر وفيرة من عند طاهر، و كتب رسالة و أرسل جمازه إلى طاهر و استحلفه باللّه فى عدة أماكن ألا يمضى إلى السبكرى و لا أن يعتمد عليه لأنه ليس وافيا لك، و دبر أمره فيما يتعلق بأمير المؤمنين و ضمنه على أن يسجنك و يرسلك إليه، و مضى بنفسه و توجه إلى رخد كما عاد أحمد بن سمى، و توجه إلى أرض داور، ثم تبين لطاهر و يعقوب أن هذا الكلام صحيح حتى دبروا لمحاربة السبكرى، و كان معهم مجموعة من القادة، و مضى طاهر لحرب السبكرى و جبى الليث ابن علىّ الأموال هنا فى سجستان، و أرسل العمال فى كل جهة، و عرف السبكرى الخبر أيضا فأرسل جيشا يوم السبت لأحد عشر يوما مضت من شهر رمضان سنة ست و تسعين و مائتين، فوصلت الجيوش، و كان السبكرى قد أرسل أموالا كثيرة و رسائل فى الخفاء إلى قادة طاهر، و كان قد قال إن هؤلاء أبنائى و ليس أحد أجدر منهم قط بالعبودية و أن يكون لهم عبد منى أما هؤلاء فلن يكون لهم الملك و ليست لهم همة هذا فقد جمع يعقوب الخزائن و المال و بذرها عمر (أنفقها عمر)، و الآن‏

233

بقيت الروح لنا و لهم، و نحن نبقى و هم لا يبقون، و أنتم ترون أنهم جعلوا سجستان بيتا له و لأهله و أولاده عند خادم لهم و مضوا، و الآن هم فى شكوه و أنا أرى من الصواب أننا نجعلهم (نقيمهم) فى مكان و نضع السيف على العنق و نحن نملك خبزهم و خبزنا (رزقهم و رزقنا) حتى لا تزيد حماقتهم علينا و إذا أخذهم أحد و احتقرهم (يحتقرهم) فهذا ضعف علينا (لنا) و لما رأى الجيش ضعفهم و وصلهم دينار البيعة صمتوا حتى سجنوهم، و أرسل السبكرى كليهما إلى بغداد، ثم جاء الخبر إلى سجستان فحزن الناس جميعهم خاصهم و عامهم و تأسفوا كما بكى الليث ابن على بكاء مريرا، و قال لا دفع لقضاء اللّه تعالى و يعلم اللّه تعالى أنى برئ من ذنبهم هذا، و أنهم لم يعتمدوا علىّ و قد عرضت نفسى و لم يقبلوا ثم ذكر محمد ابن وصيف السجزى هذه الأبيات.

كانت مملكة و أصبحت مترامية الأطراف‏* * * و قد أصبح عمرو رأسا (رئيسا) على هذه

المملكة

من حدود الهند إلى حدود الصين و الترك‏* * * و من حد بلاد الزنج إلى حدود الروم و مملكة العرش‏

و أصبح الرأس ذنبا (ذيلا) و انتهت المملكة* * * و أصبح الذهب من النحس نحاسا

وا آسفاه لقد خسفت دولة يعقوب‏* * * و بقيت العقوبة على حواس أعقابهم‏

مضى عمرو و عمر و تبقى منهما* * * مذهب الثعلب للجيل و الأحفاد

234

وا حزناه فقد جاء و مضى السرور* * * و قد امتلأ قلبى من ذلك بالرعب‏

إن كل ما صنعاه سوف نشاهده‏* * * فلا جدوى من الاحتراس من القضاء

إن كل الناس أصبحوا نسناسا* * * و النسناس أصبح ناسا

يدور الفلك كالطاحونة* * * فلا شك فى أن هذا الأساس كانت تصنعه الطاحونة

الملك لا ينتسب إلى الهزل‏* * * و إن النور لا يقتبس من الظلام‏

فينبغى ليعقوب الجهد و الجد* * * حتى يخرج إياس عن الجادة

و لما انتقل الخبر إلى زابلستان وقع هناك الاضطراب فقد قالوا: نحن على عهد طاهر و لا نطيع مخالفيه، ثم أرسل الليث على معدل أخاه إلى هناك ليطلب غالب أخ السبكرى ثم قام بحلية و قبض عليه و سجنه، و أرسله إلى الليث فى سجستان، و من هناك قدم إلى غزنين و قتل سخجك و أخذ ماله، و اجتمع جيش سخجك و لم يجدوا معدل فى غزنين حتى جاء الخبر إلى الليث بن على فأرسل ابن الحسن و فورجة بن الحسن و أحمد بن سمى بجيش عظيم لمواجهة الأمر هناك، و لما مضوا و أتموا هذا العمل بالصلح رجع معدل و على بن الحسن الدرهمى إلى‏

235

سجستان فى شهر ربيع الأول سنة سبع و ثمانين و مائتين، و كثرت الأموال على الليث بن على من بست و رخد و كابل، و كان الليث يعطى المرتبات و العطايا و التف الجيش حوله و أعلن العصيان (الخلاف) على السبكرى و قال: و أمر أن يذكر على المنابر سوء فعل السبكرى و عدم وفائه لأبناء سارته، و أظهر حجته للعام و الخاص فيما يتعلق بسبب حربه له، و كان ابن الليث فى يد السبكرى كما كان يريد أن يطلق سراحه و جمع الجيش و قصد فارس.

ذهاب شير لبادة لحرب السبكرى فى فارس‏

و مضى يوم الأربعاء فى منتصف جمادى الآخر سنة سبع و تسعين و مائتين مع سبعة آلاف فارس، و استخلف أخاه محمد بن على على سجستان، و لما وصل إلى بم، و كان جيش عبد اللّه بن محمد القتال يقترب منه و مضى عبد اللّه بنفسه إلى السبكرى، و كان واليا على بم من جهة السبكرى، و مكث الليث بن على أحد عشر يوما فى بم و منها مضى إلى خناب، و جاء السبكرى بجيشه (بمعسكره) إلى برندة و مضى الليث من خناب‏ (1) إلى برندة و واجه كل منهما الآخر فى يوم السبت لسبعة أيام مضت من شعبان، و تحاربوا فى يوم الإثنين، و كانت الحرب غاية فى الشدة و مضى السبكرى منهزما و الليث على مضى إلى إصطخر يوم الأحد لثلاثة عشر يوما مضوا من رمضان و كان ابن الليث هناك محبوسا فى قلعة محمد بن واصل، و أرسل الحاكم ابنه إلى الليث و مضى الليث من هناك إلى شيراز لخمسة أيام بقين من شهر رمضان و هيأ (جهز) جيشه بالقرب من (طاحونة) محمد بن الليث و أقام‏

____________

(1) خناب ضبطها الإصطخرى خناب و يقول: بين خناب و سيرجان ثلاث مراحل و بين خناب و بم أربع مراحل و هذه المراحل بسيطة فى الغالب.

236

الديوان، وجبى الأموال و الخراج، و أرسل معدل أخاه إلى نوبندجان‏ (1) و كان وزير المقتدر فى ذلك الوقت على بن محمد الفرات، و أرسل الليث رسالة إلى الوزير قائلا لم أحضر لطلب الولاية و جئت طالبا السبكرى ورد الوزير على الرسالة قائلا:

إن السبكرى عبدك و لكن لا ينبغى تخريب ولاية السلطان حتى تأتى لطلب عبدك، و مضى الليث من شيراز يوم السبت لستة أيام مضت من شوال، و استخلف محمد ابن زهير هناك و من هناك مضى إلى برجان يوم الخميس لخمسة أيام بقين من شوال و كان مؤنس الخادم هناك بجيش للمقتدر و قد اتحد به السبكرى، و كان بدر الصغير مع الجيش، و كانت رسالة المقتدر وصلت بدر أن امض إلى شيراز، و وصل الخبر الليث بن على فأرسل أحمد بن سمن بمدد إلى محمد بن زهير فى شيراز و دامت (اتصلت) الرسائل بين الليث و مونس، و جاء بدر إلى إصطخر و خرج محمد بن زهير لمحاربة ابن زهير، و قامت الحرب، و انهزم محمد ابن الزهير ليوم باق من ذى الحجة و السلام.

ثم صالح عبد اللّه بن إبراهيم المسمعى الليث بن على و مونس على أن يعود الليث بن على إلى فارس، و لم يستحسن هذا السبكرى، و قال أنا أحارب بنفسى و لا أطلب العون منكم و وقع الصلح، و لما سمع الليث خبر محمد بن زهير عاد من طريق ضيّق و عر بين الجبال، و تعب الجيش كثير فى هذا الطريق، و جاء فى إثرهم عبد اللّه بن محمد القتال بجيش قليل و كثيرا من الأبواق و الطبول، و هرب كثير من أتباع الليث بن على من أصوات هذه الطبول و الأبواق و قالوا: لعله جيش كبير، و جاء مؤنس من طريق مستقيم و السبكرى على مقدمته حتى تواجه الجيشان يوم الأحد من غرة المحرم سنة ثمان و تسعين و مائتين، و قامت حرب عنيفة، و قتل خلق كثير من الجيش، و انهزم أتباع الليث بن على، و لكنه لم يهزم و حارب و قتل‏

____________

(1) نوبندجان كانت مركز كورة شابور و تتبعها كازرون.

237

كثيرا من المبارزين حتى لم يبق فى يده سلاح و أسر (1) و قبض على علىّ ابن حمويه و على عدد من جيشه، و أغاروا على ماله و أتباعه، و مضى معدل أخوه مع فوج من الجيش إلى نيسابور، و مضى أحمد بن سمن إلى السبكرى، و حملوا الليث بن على إلى بغداد، و بقى محبوسا هناك، و عاد السبكرى إلى شيراز و معه معظم جيش الليث بن على، و مضى معدل من نيثابور إلى كرمان و أخذ مالا من كرمان، و لما جاء خبر اعتقال الليث بن على إلى سجستان استدعى أهلها محمد ابن الليث، و قال قولا حسنا و قال: لقد وقع القضاء و الآن ماذا ترون الصواب و كان أبو على محمد بن الليث رجلا كافيا و سخيّا و وفيّا كما كانوا يقولون: إن فيه جود حاتم و وفاء سموءل بن عاد و شجاع كعمرو بن معدى كرب و كان فيه من كل فضل و أدب.

تولية أبى على محمد بن على الليث إمارة سجستان فى يوم الأحد غرة المحرم سنة ثمان و تسعين و مائتين‏

فاتفق الناس عليه و بايعوه و أخذ خزائن أخيه، و كان يعطى الأرزاق للجند و كان يعطى الهبات و أخذ إصبطل الخيل و المركبات و ما كان كله و استقرت له الأمور كما يقول الشاعر:

____________

(1) يقول ابن الأثير إن هذه الموقعة كانت عام سنة 297 ه حيث أغار السبكرى و مؤنس على أرجان و أراد الليث أن يخرج لمحاربتها و جاء الخبر أن الحسين بن حمدان قدم من قم لمواجهته فدخل بيضا فارس و مضى الليث فى طلبه من طريق صعب و قد نفقت معظم دوابه و التقى فجأة بجيش مؤنس و أسر الليث فى هذه الحرب (ابن الأثير ج 8، ص 18).

238

ألا إن الأمير أبا على‏* * * علا فعلا إلى أعلى السماء

هو الملك الذى يحيى المعالى‏* * * بإفناء العداة و بالسخاء

لقد برع الأنام بجود كف‏* * * كما فاق التبرية بالبهاء

ثم أغار معدل على كرمان كلها، و استولى على المال، و مضى إلى سجستان بمال بلا حد و مضى عند أخيه و رعى جانبه، ثم خاف أن يطمع فى الولاية فسجنه معدل و أرسله إلى أرك، و وكل به حارسا و أرسل إليه كل يوم ما يلزمه، و أرسل إليه ندماءه و المطرين و الجوارى و الغلمان، و قال قل ما شئت و أنا أفعل هذا حتى لا تقوم الفتنة فالأمن لا ينبغى أن نبقى فقد ظهر خلاف و خطبوا لمحمد بن على ابن الليث فى سجستان و بست و كابل و غزنين، و بعد أن حملوا الليث بن على إلى بغداد و تعدون السبكرى من جملة عبيد المقتدر كتب المقتدر رسالة إلى أحمد ابن إسماعيل ابن أحمد صاحب بلاد ما وراء النهر و خراسان‏ (1) و أرسل له عهد سجستان و أمره أن يرسل جيشا إلى سجستان، و أرسل أحمد بن إسماعيل حسين ابن على بن الحسين المروردى إلى هناك قائدا للجيش.

و أرسل ابن أخته معه بجماعة من الجيش، و لم يكن لمحمد بن على بن الليث تجربة فى هذه الأعمال و كان الجيش مجهزا مع حسين، و جمع محمد بن على ابن الليث جيشا عظيما من الفرسان و المشاة و القرويين، و لم يكن موجودا فى القصبة حتى جاء إلى باب المدينة، و مضى و استقبله فى طريقه، و هناك بدأت الحرب و استخلف أحمد بن محمد بن عمرو الذى كانوا يسمونه (الجد) على المدينة و كان هذا يوم السبت لأحد عشر يوما بقين من جمادى الآخر سنة ثمان و تسعين و مائتين، و هناك حاربوا حروبا كثيرة فى كل يوم حتى يوم الخميس لثلاثة أيام مضت من‏

____________

(1) يشير المؤلف إلى بداية ظهور الدولة السامانية على مسرح الأحداث‏

239

شهر رجب، و قتل خلق كثير من الفريقين كل يوم، و لما كان يوم الخميس و أطلق أعوان حسين بن على جميعهم السهام معا و لم يحاربوا بسلاح آخر و أطلقوا سهاما صعبة كالمطر و تمادوا فى الرمى بالسهام و أغاروا بحملات شديدة و انهزمت هذه الأفواج من الخلق، و لما رأى الجيش الهزيمة مضى هاربا حتى قتل من هذه الشراذم حوالى ثلاثة آلاف رجل، و دخل محمد بن على المدينة يوم الجمعة، و دبر مع الناس فيما يجب أن يعمل، و اتفقوا فى النهاية على أنه يجب إطلاق سراح الأخ حتى تقوى به يدك فأطلق سراح الأخ، و قال له كثيرا من القول و الفعل الحسن، فقال له أخوه ينبغى لك أن تحتفظ بالقصبة حتى أحافظ على المدينة فقال الأخ: هذا جميل فنزل حتى يحافظ على القصبة و فى الحال فزع أخوه معدل بن على الطبل و استولى على أبواب المدينة و أظهر الخلاف على أخيه و لما كان الحال هكذا علم محمد أنه لا يمكن محاربة عدوين فى وقت واحد و مضى اليوم السابع من الشهر و مضى إلى بست عن طريق كش.

فرار محمد بن على منهزما أمام جيش أمير خراسان‏

و لما مضى إلى بست ظلم الناس و أغار عليهم و قتلهم، و عذب الناس و أخذ أموالهم بألوان العذاب، و قبل ذهاب محمد بن على إلى بست، و كان قد خرج رجل من بست كانوا يقولون له إبراهيم بن يوسف العريف، و خرج يوم الجمعة و كحل عينيه، و كان يرتدى ثوبا سيئا، و صاح و التف حوله مجموعة من الأطفال و الغوغاء و سلم الدواوين و الخزائن و الغلات، و اجتمع حوله قوم كثير، و صعد المنبر و خطب لأحمد بن إسماعيل، و عمل عملا لم يكن أحد فعله من قبل، و مضى و كبر شأنه و وقعت فى يده خيول كثيرة، و كان يركب كل يوم مع أطفال كثيرين أحرار لا عمل‏

240

لهم و لم يحاربوا قط، و بعد أن سمع فتح بن مقبل خبره قدم من أرداور للهجوم، و خرج إبراهيم لحربه، و هناك حاربوا حربا عنيفة، و قتل خلق كثير و هزموا أتباع إبراهيم و جلس وسط الصحراء، و كلما بحثوا عنه لم يجدوه، و مضى أتباعه، و منذ ذلك اليوم لم يذكر أحد مطلقا خبر إبراهيم و لا يعلم أحد أين مضى، و دخل فتح بست، و لما جاء محمد على إلى بست اتحد معه فتح فى الإغارة و سلب المال، و مضى الناس إلى الربط و إلا ما كانت المباركة و كانوا يدعون لعلهم يجدون فرجا من جورهم حتى نهضوا ذات يوم فى الصباح و لم يكن لأحد قط و فى الصباح ارتفعت أصوات الطبول من ناحية حاربان‏ (1) و كان أحمد بن اسماعيل موجودا حيث كان قد مضى من هراة ليأتى إلى سجستان، و سمع خبر بست فى فراة حيث ما ذا يفعل بشأن ما يفعله محمد بن على هناك فطوى الطريق، و نظر الناس و رأوا القلانس السود فسعد الناس حينئذ أن جيش خراسان كان عادلا، و لما وصل الخبر إلى محمد بن على فأمر فى الحال أن يرفعوا جسر بست و كان الماء كثيرا و سلك طريق الفرار مع الجيش الذى كان معه و ترك أهل بولان أحمد و اسماعيل و جيشه و دخل بست.

(دخول أحمد بن اسماعيل بست و حبس محمد بن على الليث) و بعد دخول أحمد بن اسماعيل أرسل حسين بن مت‏ (2) مع فوج من الفرسان لطلب محمد بن على و وصلوا إليه فى رخد و قبضوا عليه و حبسوه و أحضروه إلى بست، و نزل أحمد بن إسماعيل على ضفة نهر هيرمند و أقام العدل و السيرة الحسنة بين المسلمين و أعاد اليهم المال كله و الأملاك، و أعطى حاتم بن عبد اللّه الشاسى ولاية بست و كان حاتم هذا رجلا مسلما عادلا و جدد سيرة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) بين الناس و هناك‏

____________

(1) يقول الإصطخرى: بين بست و هراة مكان باسم خاستان و جامان.

(2) يذكره ابن الأثير على أنه محمد بن حسين بن مت.

241

أعطى أحمد بن إسماعيل أربعة رواتب للجيش و أراد بذلك أن يكثر المال فى بست حتى يستطيع الناس أن يشتروا كل شى‏ء بالمال حتى القش و الحطب، ثم أمر بإعادة السلع كلها التى أخذها محمد بن على من الناس إلى أصحابها، و كل ما تعرف عليه الناس أخذوه و أعادوه، و مكث فى بست خمسة و ثمانين يوما، و لم يروا شيئا قط فى جيشه إلا أداء صلاة الليل و الصيام و الاجتماع و أذان الصلاة و قراءة القرآن، و تحصن هناك فى سجستان معدل بن على، و نزل حسين بن على مع الجيش فى حاسباد على باب كركوى يوم السبت لاثنى عشر يوما من رجب سنة ثمان و تسعين و مائتين، و وضع معدل المنجنيقات، و بدأت الحرب، و أول ما بدأت على أهل المدينة، و أطلقت يد العيارين فى الرعية، ثم دخل حسين بن على إلى ربض فى باب آكار، و كان سيمجور مولى اسماعيل بن أحمد فى جوسق يعقوب يوم الخميس ليومين مضيا من شعبان، و كان باب فارس مفتوحا و مضى الناس إلى المدينة و نزلوا بها و حملوا ما يحتاجونه كله إلى الحصن حتى يوم الثلاثاء لثلاثة أيام بقين من شعبان نزل حسين بن على أيضا على هذا الباب، و وصل الخبر أن أحمد ابن إسماعيل مضى إلى بست و قبض على محمد بن على، و لما سمع معدل هذا ضاق قلبه (استاء) و عرض الصلح و أدخل كثير من أحمد بن شهفور و مشايخ المدينة فى الأمر و بعده عقدوا الصلح و أقسموا فيما بينهم و عزل معدل من المدينة عند حسين ابن على يوم الخميس لليلة مضت من ذى الحجة سنة ثمان و تسعين و مائتين، و سار سيمجور إلى المدينة، و اقتلعوا أبوابها و ثقبوا الأسوار، و أحرقوا خشب هذه المنجنيقات، و كان قبل هذا بشهرين أعطى أحمد بن إسماعيل عهد سجستان إلى سيمجور و انقضى أمر سجستان.

242

زوال ولاية سجستان عن آل يعقوب و عمرو و الخطبة (للسامانيين)

و فى يوم الجمعة الثانى من ذى الحجة سنة ثمان و تسعين و مائتين، و بعد تولى سيمجور الإمارة مضى أحمد بن إسماعيل من بست، و لم يأت إلى سجستان، و أرسل رسالة إلى حسين بن على المرورودى قائلا لمعد (ارجع) و أحضر معك معدل بن على إلى هراة، و حمل أحمد بن إسماعيل محمد بن على معه من بست إلى هراة، ثم أرسل أحمد بن إسماعيل معدل بن على من هراة إلى بخارى، و أعطى رجاله الرواتب و أمر له بصفة خاصة كل شهر بثلاثة آلاف درهم، حتى فعل هذا إلى أن جاءت رسالة أمير المؤمنين المقتدر إلى أحمد بن إسماعيل أن أرسل محمد بن على إلىّ، ثم أرسل محمد بن على إلى بغداد، ثم أعطى أحمد ابن إسماعيل عمل سجستان إلى أبى صالح منصور بن إسحاق بن عمه‏ (1)، و جاء أبو صالح يوم الخميس لاثنى عشر يوما مضت من ربيع الأول سنة تسع و تسعين و مائتين.

حديث السبكرى‏

أما حديث السبكرى، فقد جاءت رسالة على بن محمد بن الفرات إلى السبكرى الذى كان قد دعاه (استدعاه) إلى مدينة السلام و كان عيال و متاع‏

____________

(1) هو أبو صالح منصور بن إسحاق بن أحمد بن أسد السامانى و أبوه إسحاق الذى أخذ لنفسه البيعة فى أوائل إمارة نصر بن أحمد فى سمرقند و ثار أبو صالح فى نيسابور و استولى على بعض مدن خراسان.

243

السبكرى رهائن عند محمد بن جعفر العبرتانى و جاءت رسالة إلى بدر (1) من على ابن الفرات محتواها كن فى شيراز مع الجيش، و لم يعجب السبكرى ذهابه إلى المقتدر فكتب رسالة و جعل الخطبة و عمل فارس و كرمان و سجستان، و أرسل مالا كثيرا، و أعطى محمد بن العبرتانى مائتى آلف دينار حتى يعتنى بعمل السبكرى فى كتابة الرسائل، و ضمن للمقتدر أن يدفع كل سنة ثلاثة عشر حمل ألف ألف درهم من هذه المنطقة، ثم جاء بالعهد و المنشور، و كان للسبكرى و عياله يد فى هذا، و كان هذا كله بتدبير من عبد اللّه بن محمد بن ميكال، ثم مات عبد اللّه بن محمد بن ميكال فى برجان و عين السبكرى إسماعيل بن إبراهيم البمى وزيرا و عامله بالمدارة ...

و عبد اللّه بن محمد بن ميكال، و كانت مدة و جاء طلب المال من السبكرى و علم السبكرى أنه لا يمكن تحصيل هذا المال، فظلم الناس و صادر أموالهم حتى جمع عشرة آلاف ألف درهم، و لما كان هذا فقد جاء جيش المقتدر عند باب شيراز لحرب السبكرى، و مضى السبكرى منهزما من شيراز يوم السبت لأربعة أيام بقين من ذى الحجة سنة تسع و ثمانين و مائتين.

انهزام السبكرى‏

و جاء السبكرى إلى سيرجان (كرمان)، و من هناك جاء إلى بم و جاء الجيش على أثره و حذر السبكرى محدقا حول بم، و أبرم الصلح كى يعود الجيش، و قالوا

____________

(1) لم يذكر ابن الأثير بدر هذا و لكنه يقول: لما علم ابن الفرات أن مؤنس كان له ميل فى السراء إلى السبكرى أرسل وصيف الكاتب و جماعة من القواد بالاتفاق مع محمد للقبض على السبكرى فى فارس و كتب إلى مؤنس رسالة أن الليث الذى كان أسيرا أحضره إلى بغداد معك و حارب محمد السبكرى و فى إحدى الحروب التى وقعت على باب بم كرمان لحقت الهزيمة بالسبكرى (ابن الأثير ج 8 ص 19)

244

يجب أن نمضى إلى العتبة، ثم وقعت الحرب يوم الجمعة لأربعة أيام مضت من ذى الحجة، و مضى السبكرى منهزما، و أسروا عبد اللّه بن محمد القتال و محمد بن خلف ابن الليث و جماعة عظيمة من القادة، و جاء السبكرى عن طريق جهرة إلى سفه، و جاء من هناك إلى أنه و منها إلى طبس و لم يكن مهلة (مساعدة) حتى يأتى إلى سجستان بسبب ما صنعه مع طاهر و يعقوب ابنى محمد بن عمرو بن الليث، و عرف أن أهل سجستان خصوم له، و مضى من هناك إلى هراة، و كتب رسالة إلى أحمد بن إسماعيل حتى يكون على عبده فى خراسان، و أمر أن امض إلى مرو (1) و أقم هناك و مضى إلى هناك، و وصلت رسالة المقتدر إلى أحمد بن إسماعيل أن أرسل إلى السبكرى و قيده و أرسله إلى بغداد فى جمادى الآخر ستة تسع و تسعين و مائتين، أما حديث أبى صالح منصور بن إسحق فحينما قدم إلى سجستان قال للناس كلاما حسنا كثيرا و وعدهم و عودا طيبة و لكنه لم يف بها و لم يستقر فى مكان الجيش (مع الجيش) فى حلفاباد (2) و دخل المدينة و أقام فى المنازل و لم يكن مال سجستان فى العهد القديم أكثر من ألف ألف درهم و لكنه أراد الزيادة.

خلاف (ثورة) الناس على منصور بن إسحاق‏

ثم قال أهل سجستان نحن لا نحتمل الاستخفاف بأى وجه، و لم يبق مطلقا أحد من آل يعقوب و عمرو إلا أبو حفص عمرو بن يعقوب بن محمد بن عمرو ابن الليث، و كان طفلا لم يزل فى العاشرة، و اتفقوا على أن يولوه عليهم و أن نعمل‏

____________

(1) يقول ابن الأثير إنه قدم سجستان بجيش مرهق ضعيف و قد عرفه جند أمير خراسان و أسروه و كتبوا رسالة للمقتدر فجاءهم الرد بوجوب إرساله إلى بغداد (ابن الأثير ج 8، ص 20)

(2) كانت محلة خارج ربض سجستان و معسكرا للجيش‏

245

أمامه و أن نسقط جيش خراسان هذا، و محمد بن هرمز المولى الذى قالوا عنه إنه مولى سند لى، و كان من موالى محمد بن عمرو، و كان رجلا صبورا فى المظالم و قال أنا لا أمضى إلى سجستان فإنهم يطلبون مالا كثيرا و يجب أن يكون الجيش فى موضعه فللناس نساء و بنات فلا يجب أن يدخل أناس الغوغاء إلى منزل الأحرار و قصورهم و كان لمنصور بن إسحاق ابن أخ شاب عصبى قال: نحن لم نحضر القصور و الجماعات من خراسان و لا نحصل منهم مالا قليلا و هى رواتبنا (أجورنا) قال مولى: السند لى أقول لك ... و قام (نهض) و مضى و قال: منصور ابن إسحاق لهذا الشاب لا يجب أن نقول هذا و ليس هذا الرجيل أو عدنا أيضا فبحثوا عنه و لم يجدوه، و كان قد مضى ثم توجه السند لى عند العيارين و دبر معهم أمرا و مضى إلى بيش‏زره‏ (1) و كان من صلب زهير و كلما مضى إلى مدينة كان يجمع عشرا و عشرين رجلا و خمسمائة رجل من بيشزرة و جاء إلى باب كركوى ليلة السبت لثلاثة عشر يوما بقين من جمادى الأول سنة تسع و تسعين و مائتين و كان هناك جماعة من أتباع منصور بن إسحاق، فتحارب معهم و قتل منهم جماعة و دخل الآخرون إلى المدينة منهزمين و وقع (و حدث) ضجيج فى المدينة و اجتمع أهل خوج و كل من رأى جنديا فى منزل أو محلة و سوق كانوا يقتلونه حتى وصلوا إلى باب السجن و كسروا بابه و أخرجوا السجناء و اتحدوا معهم و كان محمد ابن عباس الكولكى رجلا شجاعا فجاء و اتحد الفريقان على إفناء هذا الجيش و صعدوا على سقف إصطبل يعقوب و قتل و أسر من جيشه خلق كثير.

____________

(1) زره بحيرة فى سجستان و بيش‏زره كانت ناحية فى شرق هذه البحيرة و يسمونها الآن (بيش‏آب)

246

استيلاء المولى السند لى على سجستان و قتل جيش خراسان و القبض على منصور بن إسحاق‏

خرج منصور بن إسحاق منهزما من المدينة و أسروا ابن أخيه ذلك الشاب فى محلة النساء حيث كان سجينا هناك، و قد نحاه السند لى و فى اليوم التالى أعطاه إلى سائس الخيل حتى لا يمحوه من أجل هذا الكلام الذى قاله، و نزل منصور ابن إسحاق فى كدة محمد بن الليث، و أراد فى اليوم التالى أن يحارب حيث علم أنه جاء إلى خوج أند و قد قبض عليه فى المحلة و أسروه و أغاروا على ماله كله و متاعه و خيوله و نزل محمد مولى السند لى فى جوسق يعقوب و لما انتهى هذا العمل أراد أن يجعل الخطبة له فى الإمارة و ذكر (ترك) حديث أبى حفص و لم يستحسن الناس و انفصل عنه محمد بن عباس الكولكى و خرج مع جماعة من العيارين و مضى إلى فراة، و كان المولى السند لى يسلب و يصادر أموال الناس، و أرسل أبو النصر حمدان الجوينى‏ (1) مع جماعة من الجيش و الترك الذين كانوا مع منصور بن إسحاق إلى فراة الحرب محمد بن عباس و لم يحارب و قال: الأمر لأخى و نهض و جاء معهم و لما اقتربوا من المدينة قتل أبو نصر حمدان الجوينى على غير المتوقع (بلا سابقة) و انهزم أتباع أبى نصر، و جاء إلى باب المدينة و اجتمع معه خلق كثير و خرج المولى لحربه و قاتلوا قتالا عنيفا، و قتل خلق كثير، و فى النهاية مضى المولى منهزما و نزل على ضفة هيرمند، و نزل الكولكى فى جوسق يعقوب، و اجتمع المولى حوله، و أخرجوا أبا حفص و جعلوه أميرا و خطبوا

____________

(1) جوين: تسمى أحيانا (كوين) قرية من قرى سجستان على طريق هراة على بعد ثلاث مراحل من زرنج و على بعد مرحلة من بست و هى غير جوين الحالية و هى من أعمال سبزوارا و تحسب من توابع جنورد.

247

له يوم الجمعة لاثنى عشر يوما مضت من شهر رمضان سنة تسع و تسعين و مائتين.

الخطبة للأمير أبى حفص عمرو بن يعقوب بن محمد بن عمرو بن الليث‏

و طلب أبو حفص منصور بن إسحاق الذى كان قد هرب فى تلك الفترة، و كان متواريا فى قصر مجوسى بالقرب من المصلى فوجده و أحضره و أحسن إليه كثيرا، و خلع عليه، و كان يلازمه ليل نهار، و كان أبو حفص ينام فى قصر النساء فى الليل، و كان الكولكى فى قصر يعقوب، فجمع المولى الناس ثانية من العيارين و القرويين و المدينة، و قرع الطبل فى الليل، و كان الكولكى ثملا و ما كان يعى مطلقا و أيقظوه فى النهاية و ركب، و كان هذا ليلة الجمعة لأربعة عشر يوما بقين من شوال، و حاربوا، و فى النهاية انهزم المولى، و مضى الحفار على أثره و وصل إلى محلة النساء، و دخل فى محلة رخ، و ألقت امرأة من على السطح هونا ثقله ثلاثين منا على رأسه، و سقط من على الجواد (و سقط جواده) و وصل الحفار و أخذ رأسه و صلبها، و عظم شأن الكولكى، و كان معجبا بنفسه، و كان يقول آخذ هذا بسيفى، ثم أخفى وجهه عن أبى حفص يوم السبت لعشرة أيام بقين من شوال، فركب الكولكى مع الموالى، و مضى إليه، و طلب العذر كثيرا، و أحضر مواليه كلهم إلى جوسق يعقوب، ثم اختلف الكولكى مع الموالى، و اجتمع الموالى ليقتلوا الكولكى، و لما رأى الكولكى الأمر كذلك حمل أبو حفص إلى الخضراء و أجلسه و وقف أمامه إلى أن رأى الموالى و العوام فى خدمته فانصرفوا عنه، و أرسل الكولكى إسحاق إلى أرك، و عاد من هناك، فخرج الموالى على الكولكى و هكذا فعلوا، و فى النهاية هرب الكولكى و اختفى، و جعل شخصا بينهم (و فعل شخص بينهم) و آمنه أبو حفص‏

248

و خرج، و لما وصل خبر منصور بن إسحاق إلى أحمد بن إسماعيل إلى أين مضى (و عرف ما حدث له) و هو الآن محبوس أرسل حسين بن على المرورودى مع القادة و جيش كثير إلى سجستان.

مجي‏ء حسين بن على المرورودى إلى سجستان بطريق آخر

و جاء معه أحمد دراز إلى سجستان لعشرة أيام بقين من ذى الحجة، و فى هذه السنة نزل بباب مدينة حلفاباد، و حاربوا حروبا كثيرة، و لم يدخلوا المدينة ثم مضى من هنا إلى نيشك، و نزل هناك، و أرسل شخصا إلى المدينة للعظماء و الرؤساء، و كان يأمل آمالا حسنة، فركب ذات يوم و أعطى الجيش مالا، و أحبه (و مال) أهل الربض، و حاربوا فى هذا اليوم حربا عنيفة، و مضى الكوركى و أبو حفص إلى المدينة، و دخل حسين الربض و جامل (و داعب) الناس و قال لهم كلاما كثيرا حسنا (و قال قولا حسنا) و وصل أبو بكر المظفر و سيمجور بجيش لمساعدة حسين بن على، و وقعت حروب كثيرة بينهم، و فى النهاية تصالحوا و أمنهم حسين بن على جميعا، و تصالحوا ليلة الاثنين الرابع من شوال سنة ثلاثمائة، و جاءوا بمنصور ابن إسحاق من أرك، و جاء الكولكى و زنكالود و العيارون الآخرون جميعهم عند حسين بن على، و قال لهم جميعا قولا حسنا و خلع عليهم و أرسلهم إلى القلعة إلا منصور بن إسحاق، و مضى منصور بن إسحاق يوم الاثنين لثمانية أيام بقيت من شوال إلى خراسان و قال: نجوت اليوم من جهنم و وصلت (جئت) الجنة فلا ينبغى أن تكون سجستان لى أكثر من هذا. و خرج أبو حفص مع مواليه إلى حسين بن على و أحسن حسين إليهم و وعدهم و عودا حسنة و كتب رسالة إلى أحمد ابن إسماعيل فى حديثه فأجاب على الرسالة أن احضر و معك الرفاق،

249

و اترك الولاية و المدينة إلى سيمجور، و لكن لم يستحسن حسين هذا لأنه أراد عمله و اضطرب العيارون جميعا، و كان سيمجور يحسن العمل، و كان يقول: و قد طيب قلوب الناس، و فى النهاية قيد حسين بن على على الكولكى، و حمل أبا حفص معه بلا قيد و معه العيارون و الآخرون و مضى إلى هراة يوم الخميس لأربعة عشر يوما مضت من ذى الحجة سنة ثلاثمائة، و لما وصل إلى هراة، و أرسل أبا حفص و العيارين إلى أحمد بن إسماعيل إلا زنكالور الذى احتفظ به ثم قتله فى ربيع الأول سنة ثلاثمائة و واحد، و أرسل أحمد بن إسماعيل أبا حفص إلى سمرقند، و أمر بقتل العيارين، و جاء أبو منصور الجهانى من بست إلى سجستان فى أول ربيع الأول سنة ثلاثمائة و واحد، و أرسل أهل سجستان رسولا إلى أحمد بن إسماعيل، و لما وصل الرسل إلى حدود بخارى قتلوا لأحمد بن إسماعيل غلامين من غلمانه على ضفة نهر هيرمند بتدبير أبى بكر الكاتب و كان هذا فى جمادى الآخر لثمانية أيام بقيت من سنة ثلاثمائة و واحد.

قتل أحمد بن إسماعيل أمير خراسان و تولية أبى نصر بن أحمد الإمارة

و بايع الجيش و الناس أبا نصر بن أحمد، و كان عمره تسع سنوات و كان يتولى عبد اللّه الجيهانى‏ (1) العمل، و أعادوا الرسل، و لما وصل خبر أحمد

____________

(1) هو عبد اللّه محمد بن أحمد الجيهانى يقول الترشخى فى تاريخ بخارى: كان نصر بن أحمد يبلغ من العمر ثمانى سنوات و كان وزيرها أبا عبد اللّه محمد بن أحمد الجيهانى و قال ابن الأثير هذا أيضا.

250

ابن إسماعيل و مقتله إلى سيمجور، أظهر الجلد و الشجاعة فى الحفاظ على المدينة، و وقع بين الجيش هناك خلافات، و مضى أبو بكر بن المظفر إلى هراة عند حسين ابن على و مضى معه معظم القادة، و هكذا كانوا يمضون الواحد تلو الآخر حتى بقى سيمجور وحيدا مع خواصه، و لم يكن له خبر حتى بيت عليه العيارون، و لم يستطع أن يخرج من المدينة هاربا لثمانية أيام مضت من رمضان سنة ثلاثمائة و واحد، و مضى بطريق قهستان.

هروب سيمجور من سجستان‏

و مضى الناس عند أحمد بن محمد بن عمرو الذى كان معروفا و قالوا: ينبغى الحفاظ على المدينة و كان أبو اليزيد خالد بن محمد بن يحيى عامل خراج‏ (1) كرمان كتب رسالة إلى المقتدر فى أمر سجستان و أن يفعل هذا من باب تحريك محمد بن حمدان (و كان له التحريك فى هذا الشأن و جعل محمدا سجينا)، ثم جاء رد المقتدر و جاء عهد سجستان عند فضل بن حميد، فأرسل محمد بن حمدان لخلافته على سجستان، و كان معه سمرة بن الربيع فى هذا الوقت، و طلب نساجا من نواحى أوق اسمه مليخ، و اجتمعت معه مجموعة من الغوغاء، و جاء إلى باب المدينة، و قال يجب أن تكون المدينة لى، و فى يوم الأربعاء خطبوا له بالإمارة، و قال أحدهم له:

أيها الأمير جرت العادة و الرسم أن تكون الخطبة فى يوم الجمعة قال: ليكن فإنه لا يكون لى العمر حتى يوم الجمعة كما لم يكن فخرج أحمد و العيارون فى ذلك اليوم الذى خطبوا فيه له و قتلوه، و خرجوا فى اليوم الآخر لاستقبال محمد بن حمدان‏

____________

(1) بندار: من وظائف عمال الخراج و يعلم من هذا اللفظ الفارسى أن هذا اللقب كان معرفا و معمولا به من قبل الإسلام و قد استعمله العرب أيضا (من تعليقات بهار).