تعريب‏ تاريخ سجستان

- مجهول المزيد...
349 /
251

برندة و سمرة بن الربيع، و جاءوا بهم إلى المدينة بالإجلال و التعظيم فى غرة ذى القعدة سنة ثلاثمائة و واحد.

مجي‏ء فضل بن حميد مع أمير سجستان‏

و دخل فضل بن حميد فأقام أهل المدينة الزينات و كان معه خالد بن محمد، و أنزلوا خالدا فى قصر أبى الحسين و فضل بن حميد فى قصر أبى يوسف، و لما مضت عدة أيام أرسل محمد بن حمدان برندة إلى زهير و قتله العيارون هناك، و اضطربت المدينة كما أن فضل و خالد قصد كلاهما الذهاب، و لما دخل الليل وقعت الحرب بين الفريقين، و أظهر محمد بن حمدويه العصيان فى خواشى‏ (1) و طالت يده على مال السلطان، و هم فضل بن حميد و قتله هناك و تفرق أتباعه و أسروا معظمهم و أحضروهم إلى المدينة و هدأت المدينة، ثم قبض على العيارين و سجنهم و أرسلهم إلى كرمان، و جمع (أخذ) منهم الخراج فى أول سنة ثلاثمائة و اثنتين، و أرسل بدر إليه مددا من فارس، و أمر أن يمضى إلى بست، و كان أبو منصور الجيهانى‏ (2) فى بست، و استولى أبو منصور على عمل بست من يد أحمد ابن إسماعيل، و جاء بعضهم إلى سجستان، و لما قتلوه أجلسوا نصر بن أحمد و مضى أبو منصور إلى بست، و كتب خالد بن محمد رسالة إلى الجيهانى أن اترك بست‏

____________

(1) خواشى: مدينة فى سجستان و يسميها أهلها (طاس) و هذه المدينة تقع على يمنة من يمضى من طريق زرنج إلى بست و بينها و سجستان منزل واحد و بها أشجار النخيل و المياه و القنوات و يبدو غير خواص بلوجستان الحالية (من تعليقات بهار).

(2) ذكره ابن الأثير عبيد اللّه بن أحمد الجيهانى و من المحتمل أن يكون أبو منصور كنية له و يبدو أنه أخو محمد بن أحمد الجيهانى وزير نصر بن أحمد.

252

و امض و اذهب، و لم يمض بأمره (و لم يمتثل لأمره)، فمضى فضل بن حميد لحربه فى بست يوم الثلاثاء لثمانية أيام مضت من جمادى الأولى سنة ثلاثمائة و اثنتين، و لما وصل إلى نوزاد خرج أبو منصور الجيهانى لمقابلته و تحاربوا هناك حربا عنيفة و وقعت الهزيمة للجيهانى، و مضى مع جماعة إلى سعد بن طالقانى فى زابلستان، و دخل فضل بن حميد يوم الخميس لستة أيام بقين من جمادى الأول سنة ثلاثمائة و اثنتين، و مكث هناك مدة، و من هناك قدم إلى سجستان، و استخلف فتح بن بارجوح هناك، و لما وصل الجيهانى عند سعد قصد كلاهما بست، و لما وصلا إلى روزان‏ (1) هجم عليهم فتح و قتل خلق كثير، و فى النهاية مضى فتح منهزما، و دخل الجيهانى و سعد إلى بست، و جاء فتح إلى سجستان، و مرض فضل بن حميد مرضا شديدا، و كتب رسالة إلى بدر فى فارس، قائلا له: ارسل لى شخصا بدلا منى (مكانى) و ذكر علته و ماله، و أرسل بدر محمد بن طفريل بجيش كبير يوم الثلاثاء لخمسة أيام بقين من ذى القعدة سنة ثلاثمائة و اثنتين، و دخل سجستان، و مضى إلى أرض داور، و تحارب معه كل من الجيهانى و الطلقانى على بعد فرسخ واحد من أرض داور، و مضى الجيهانى منهزما، و بقى الطلقانى أسيرا لليلتين مضيتا من المحرم سنة ثلاثمائة و ثلاثة، و أرسله سعد فى هودج إلى سجستان، و مضى خالد ابن محمد بن يحيى إلى زابلستان مع محمد بن طغريل، و حقق الصلاح فى هذه الأعمال كلها و عاد إلى سجستان و دخلها لستة أيام بقيت من جمادى الأول سنة ثلاثمائة و ثلاثة، و خلص سعد الطالقانى و أحسن إليه كثيرا، و مات محمد بن طغريل فى الشهر نفسه بسبب مرض صعب كان يعاوده فى زمنه.

____________

(1) روزان: مدينة صغيرة و هى أصغر من قرنين القريبة من فيروز قند من الناحية اليمنى عندما يمضى الإنسان من بست إلى رخد.

253

عصيان خالد بن محمد بن يحيى‏

و أرسل حسين بن على المروردى و أبا إسحاق الزيدوى إلى سقرار مع جماعة من الجيش قائلا لهما: احتفظا بالفرصة فقد نستطيع أن نستولى على سجستان، و لما عاد خالد من بست سمع خبر إسحاق الزيدوى، و كتب إليه رسائل رقيقة و وعده وعودا كثيرة، و أجاب أبو إسحاق على رسالته و أحسن إليه خالد كثيرا، و أعطاه الخلع و الصلة، و أرسل معه جيشا إلى قهستان لمحاربة سيمجور الذى هرب من قهستان، و استولى أبو إسحاق الزيدوى على قهستان، و أقام هناك و لما جاءت سنة ثلاثمائة و أربع، أرسل بدر زيدا بن إبراهيم من فارس إلى سجستان مع مال الخراج، و لما وصل الخبر إلى خالد جمع الناس و قال للناس: نحن لا نريد شخصا قط سواك، و اعتزم خالد فى نفسه أن يعلن العصيان على بدر، و خرج إلى فراة، و فى الوقت نفسه أحضر سيمجور جيشا إلى قهستان، و حارب إسحاق الزيدوى، و جاء أبو إسحاق منهزما إلى فراة عند خالد، و كان فتح فى بست، و لم يمتثل لأمر خالد الذى مضى من فراة إلى بست، و كان معه أبو إسحاق الزيدوى فى مكان واحد، و قبضوا على فتح بعد أن تحاربوا معه و جاءوا به إلى سجستان، و كان هذا فى جمادى الآخر سنة ثلاثمائة و أربع، و مضى أبو إسحاق الزيدوى إلى هراة، و كان يوم الجمعة لأحد عشر يوما مضت من شوال سنة ثلاثمائة و أربع، و ارتدى خالد لباس الكتاب و لبس لباس الجند و أسقط اسم بدر من الخطبة و خطب لنفسه و قصد كرمان يوم الثلاثاء لليلة باقية من شعبان سنة ثلاثمائة و أربع، حتى وصل إلى بم‏ (1) و من هناك مضى إلى دار أبجرد، و جاء جيش بدر عنده، و تحاربوا

____________

(1) لقد ذكر ابن الأثير هذه الموقعة فى اختصار شديد و ذكرها عقب موقعة فضل بن حميد الجيهانى سنة 301 ه.

254

حربا عنيفة، و مضى جيش خالد منهزما و أسروا خالد و قتلوه و لجأ جيشه إلى بدر، و كان كثير بن أحمد شهفور فى جيش خالد، و لما كان حال خالد هكذا جاء من هناك مباشرة إلى سجستان يوم السبت لثمانية أيام بقين من ذى القعدة سنة ثلاثمائة و أربع مع مجموعة من الجيش و بسط (أظهر) كثير بين الناس و عاملهم بالحسنى، و كان يحسن إلى الناس، و كتب رسائل إلى بست و رخد و أرض داور، و دخلوا جميعا فى طاعته، و أرسل كثير أبا سهل بن حمدان إلى فرستاد، و لما مضى إلى هناك أعلن العصيان على كثير بن حمدان الذى أرسل محمد بن القاسم صهره مع جيش حتى قبضوا عليه، و جاءوا به إلى سجستان و أمر كثير أن يقتلوه و يمثلوا به، ثم جاء أبو إسحاق الزيدوى مع جماعة من العيارين و قصدوا كثيرا فى صفر سنة ثلاثمائة و خمس، و أرسل كثير محمد بن القاسم مع جيش لمقابلة أبى إسحاق و تحاربوا، و فى النهاية وقعت الهزيمة لأبى إسحاق و أسروا أخاه زكريا الزيدوى و مضى أبو إسحاق إلى خراسان، و أحضروا معظم رفاقه أسرى، و كانت هذه الحرب فى ربيع الآخر سنة ثلاثمائة و خمس، ثم أرسل المقتدر عباس بن شفيق رسولا إلى كثير بن أحمد أنه ينبغى أن يسلم هذا العمل إلى بدر، فاجتمع الناس و قالوا: لا نريد أحدا إلا كثير ابن أحمد فأرسل بدر زيد بن إبراهيم مع جيش كثير إلى سجستان، و لما اقتربوا من المدينة خرج أتباع كثير و العيارون لحربه، و تحاربوا، و انهزم جيش بدر و أسروا زيد بن إبراهيم، و كان هذا يوم الأربعاء لعشر أيام بقيت من رجب سنة ثلاثمائة و خمس، و جاء عباس بن شفيق من سجستان بطريق آخر برسالة ابن الفرات و محتواها أن يرسل بدر زيد بن إبراهيم و يخلصه، و خلص كثير بن أحمد زيد و خلع عليه و أعطاه جوادا و بغلين و خمسة جمال و ألف دينار و عشرة ثياب و أرسله، و أعطى عباس بن شفيق ستمائة ألف درهم إلى ابن الفرات، و لما كان يوم السبت لليلتين باقيتين من شوال سنة ثلاثمائة و ستة، و خرج كثير بن أحمد متنزها ناحية كركوى فى هودج، و كان معه القادة و غلامه تكين فى الهودج فعاد رفاقه، و قطعوا

255

عرف البغل، و تقدموا لقتل طرابيل و أحمد بن قدام، و قتلوا كثيرا فى وقت صلاة العصر، و ضربوا كثيرا بن أحمد مع يعقوب و كان كوركتر (1) قد حكم بأن يقتلوه فى اليوم نفسه.

و سارع مع يعقوب فكانت صلاة العصر فى قصر كوركتر الذى لم يقتل فقال الكثير: ما زال يوم بقى على قتل كثير، و لما كان هذا جاء الخبر بأنهم قتلوا كثيرا، و دخل أحمد بن قدام المدينة و نزل فى جوسق يعقوب يوم الأحد لليلة باقية من شوال سنة ثلاثمائة و ست، و تركوا عمال كثير فى أعمالهم، و أرسل جماعة إلى بست، و من كثرة الماء لم يستطيعوا الوصول إلى بست فمضى بنفسه إلى بست و استخلف أحمد بن بهمن على سجستان، ثم أظهر جماعة من سجستان الميل إلى محمد بن قاسم الذى كان صهرا لكثير بن أحمد، و كان محمد بن قاسم عامل كثير على زابلستان‏ (2) فأحضر جيشا و تحارب مع أحمد بن قدام على باب بست، و مضى محمد بن قاسم منهزما، و مضى إلى سجستان، فأرسل أحمد بن قدام جيشا على أثره فهرب محمد بن قاسم و مضى إلى زابلستان، و أعطى أحمد بن قدام بست إلى مطهر بن طاهر، ثم أرسل محمد بن حمدون الإسفسلارى مع جماعة من الجنسين لمعاونته فى بست، و كان فى سجستان بنفسه حتى جاء الخبر أن محمد ابن حمدون شق عصا الطاعة فقصد بست، و جاء فى أثر الخبر أن خشك و طغان استوليا على بست، و أرسل أحمد بن قدام جيشا لطلب محمد بن قاسم فوجدوه و قبضوا عليه فى قرية و قتلوه على باب طعام (در طعام)، ثم سجن أحمد بن قدام‏

____________

(1) كوكتر: اسم أحد العيارين الكبار أو اسم أحد رؤساء الجند و الغوغاء فى سجستان لأن هذا يؤخذ من اسمه و يؤيد عمله و يبدو أن أبا يعقوب من فقهاء سجستان بدليل كلامه مع كوكتر

(2) زابلستان: اسم مملكة ينمروز و كانت تتكون من سجستان و زمين داور و طوران و قندهار حتى كابل و لكن مراده فى هذا الموضع زابلستان و هى ناحية قصبتها مدينة غزنين ثم عمرت و أصبحت من بعد عاصمة السلاطين الغزنويين و لذلك سموا محمود الغزنوى الزابلستانى (من تعليقات بهار).

256

أحمد بن تركه و أرسله إلى جبل كوهز و أمر أن يقتلوه هناك فى جمادى الأولى سنة ثلاثمائة و تسعة، و جاء أحمد بن قدام إلى سجستان و أرسل جيشا لطلب طغان و وصلوا إلى طغان فى أرض داور و تحاربوا حربا صعبة و فى النهاية أسروا طغان و جاءوا به إلى سجستان على جمل، و وضعوا على ظهر الجمل كرسيا ليجلس عليه، و كان هذا يوم السبت لأحد عشر يوما مضت من شهر رمضان سنة ثلاثمائة و تسع، و أمر أن يقتلوه، و لما قتل طغان كانت الدنيا كلها تطلب عبد اللّه بن أحمد الذى كان متواريا حتى ليلة الثلاثاء لثلاثة عشر يوما مضت من جمادى الآخر سنة ثلاثمائة و عشر، و لم يكن لأحد خبر حتى جاء إلى ضفة باركين على باب فارس الجديد صوت طبل ضعيف فخرج أحمد بن قدام من جوسق يعقوب مع جيش و نظر، و كان عبد اللّه بن أحمد مع جماعة من الغوغاء، فبدأوا الحرب، و لما سمع خبر الحرب فى المدينة علم الناس و ساعد عامة المدينة عبد اللّه بن أحمد، و مضى أحمد بن قدام مع قليل من الناس منهزما و مضوا من ضفة المستنقع إلى بست، و دخل عبد اللّه بن أحمد قصر يعقوب، و استولى على ذخائر أحمد بن قدام كلها، و مؤنه و سلاحه و جاء كل السجزيين الذين كانوا مع أحمد بن قدام إلى عبد اللّه ابن أحمد، و مضى الهنود مع أحمد بن قدام إلى بست، و أرسلوا طلحة بن سوار مع طليعة إلى دهك، ثم قيد عبد اللّه بن أحمد فى سجستان ابنى طربيل الهندى الذى كان قائد الهنود فى جيش يعقوب، و وصلت رسالة طرابيل إلى عبد اللّه بن أحمد محتواها أعطنى الأمان حتى أحضر، فأمنه عبد اللّه و أرسل الخلع و قبل مجيئه، و جاء طرابيل إلى سجستان، و كان أحمد بن قدام فى رخد، و لما جاء طرابيل قوى عبد اللّه بن أحمد فجمع الجيش و قصد أحمد بن قدام و استخلف عزيزا ابنه على سجستان، و مضى فى غرة رمضان سنة ثلاثمائة و عشر بجيش قوى، و أراد أن يمضى بطريق الصحراء، فجاء الخبر أن أحمد طرح آبار صحراء

257

انكژد (1) و أفسد ماءها فمضى بطريق آخر حتى وصل إلى نوقان، و خرج أحمد بن قدام إلى نوقان و خرج أحمد بن قدام لحربه و تحاربوا حربا صعبة، و فى النهاية مضى أحمد بن قدام منهزما و الجيش من بعده و وصلوا إليه فوقف الجواد و ترجل فوصلوا إليه و قبضوا عليه يوم السبت لأربعة أيام من شهر رمضان سنة ثلاثمائة و عشر، ثم أحضروا أحمد بن قدام إلى سجستان، و فى يوم الأحد من العيد أخذ عبد اللّه بن أحمد أقوال قائد الجيش سيمجور مطهر بن طاهر أن يأخذ من أهل بست ألف ألف درهم، و مضى عبد اللّه بن أحمد بنفسه إلى رخد، و من هناك إلى بست، و كان هذا يوم الأحد لتسعة أيام بقين من المحرم سنة ثلاثمائة و إحدى عشر و خرج عامة سجستان على عزيز بن عبد اللّه و أظهروا شعار الأمير أبى جعفر ابن أحمد بن محمد بن خلف بن الليث.

تولية الأمير أبى جعفر أميرا على سجستان ليلة الأربعاء لثلاثة عشر يوما من المحرم سنة ثلاثمائة و إحدى عشر

ثم أخرجوه و أجلسوه، و كان قليل المال إلا أنه كانت له حكمة الشيوخ و حصل علما كثيرا، فأظهر البسط (الفروض) و العظمة (و استولى العيارون على المدينة) و بسطوا أيديهم بالسفارة لاثنى عشر يوما بقيت من المحرم، و لما وصل خبر اختفائه عن الناس عند عزيز بن عبد اللّه مضى منهزما و عاد، و لما جاء إلى باب المدينة، صاح العيارون بالأمير أبى جعفر و قالوا: لن يكون أحد قائدا علينا إلا هو، و لما رأى عزيز هذا عاد و نزل فى رباط ربيع، و وصل خبر الأمير أبى جعفر

____________

(1) انكژد: انكژان اسم للصمغ يقول ابن خلف التبريزى: هو الصمغ مطلقا و هو صمغ كريه الرائحة يسمى بالعربية حلتين و يسمونه انكژد لهذا السبب و هو صمغ شجرة تسمى انگدان و اصل انگدان ژد فى اللغة الفارسية بمعنى الصمغ (ابن خلف التبريزى: برهان قاطع، ص 53).

258

إلى عبد اللّه بن أحمد، فلم ينم و لم يسترح حتى مضى إلى سجستان يوم السبت لأحد عشر يوما بقين من صفر سنة ثلاثمائة و أحد عشر، و لما رأى أمر المدينة متغيرا و أن قلوب الناس و العيارين تنفر منه، و لم يمض أحد عنده و رأى كلام الأمير أبى جعفر له أثر فى قلوب الناس و أن شعاره أصبح معلوما فبقى متحيرا و خرج من المدينة، و نادى العيارون على أبى جعفر و جلس الأمير أبو جعفر فى البيت و أرسل إلى كل مكان الجواسيس و الرسل و الرسائل، و كتب فى السر إلى ميهم بن رونك، و كان عامل رخد من ناحية عبد اللّه بن أحمد محتواها يجب أن تطيب خواطر القادة و موالينا الموجودين فى هذه الديار و أن تهنئم نيابة عنى و ذلك بمنحهم الخلع الفاخرة و الرعاية و الأعمال العظيمة كما كتب إلى حكك بن نوح قائلا له تعالى إلى رخد و بقدر ما تستطيع اجمع الناس و خذ منهم البيعة، و كان رفاقه قد أجابوا، و لما سمع فيهم خبر الأمير أبى جعفر خلع عبد اللّه بن أحمد، و جعل الخطبة للأمير أبى جعفر، و جاء حمك إلى رخد بناء على أمره، و أرسل عبد اللّه بن أحمد محمد بن محمد ابن أبى تميم خليفة على بست، و لم يتركه (يسمح) له الناس، و أظهروا شعار الأمير أبى جعفر و خطبوا له، و لما وصل خبر خطبة بست عند ميهم فى رخد إلى بست، و أخذ فى بست بيعة الأمير أبى جعفر، و قال للناس: إنه تسلم هذا العمل منذ مدة طويلة و هو يصلحه فى الخفاء، فبقى عبد اللّه بن أحمد فى حدود سجستان، و لم يعلم ماذا يصنع و أين يمضى، و لم يبق له ثقة فى أحد قط فى العالم لأن الناس جميعا كانوا ميالين للأمير أبى جعفر، ثم أرسل الأمير أبو جعفر رسالة إلى ميهم محتواها: انهض و اقدم إلى سجستان مع القادة و الحشم الذين تجمعوا من الأولياء حتى يأتى عهد جديد، و مضى ميهم من بست مع جيش مجهز فداه بالمال و الروح قائلين: نحن وجدنا العظمة بذكرى ملكنا، و تخلصنا من خدمة الأغراب و العبيد، و لما وصل ميهم بهذا الجيش قرب سجستان لم يكن لعبد اللّه بن أحمد خبر، و لما وصل خبر العيارين إلى عبد اللّه بن أحمد عاد حتى سمع صوت الطبل و الأبواق، و وصل ميهم مع الجيش، و لم يكن لميهم خبر عنه و لا كان له خبر عن ميهم، و قامت الحرب بينهم، و تحاربوا حربا صعبة، و انتصر رفاق ميهم، و كانت الدولة جديدة

259

و الوقت (العصر) سعيد، و مضى عبد اللّه بن أحمد منهزما، و فى الحال جاء الخبر إلى الأمير أبى جعفر، و ظهر و جلس فى قصر يعقوب الملكى، و فى الحال أرسل يمان بن حذيف على أثر عبد اللّه بن أحمد، و وصل يمان إلى بندان‏ (1) عند عبد اللّه و أسره هناك، و جاء به إلى المدينة ليلة الإثنين لثلاثة عشر يوما مضت من رجب سنة ثلاثمائة و إحدى عشر.

أسر عبد اللّه بن أحمد على يد يمان بن حذيف‏

و بايعوا الأمير أبا جعفر البيعة العامة ثانية و استقر له الأمر، و اجتمع الجيش من الموالى و القادة و أحرار سجستان‏ (2) و كانوا جميعا قلبا واحدا، و ظهر الاضطراب بينهم، ثم خرج ميهم بين رونك و حسين و محمد ولدى بلال بن الأزهر و مضوا إلى خراسان بأمر الأمير أبى جعفر، و لما وصلوا فرادى اختلف ميهم و طرابيل و مضيا إلى بست، و مضى الأمير أبو جعفر لحرب ميهم فى بست، و استخلف محمد بن ميهم على سجستان، و حارب ميهم و مضى منهزما، ثم جاء أبو الفضل محمد بن إسحاق العربى إلى سجستان بخلافة الأمير أبى جعفر فى شوال، و عاد الأمير من بست فى ذى الحجة، فجاء الخبر أن أبا الفضل بن حارث و أبا الفضل بن حصين بايعا عزيز بن عبد اللّه فى بست فى رجب سنة ثلاثمائة و ثلاثة عشر، فخرج الأمير إلى بست لحرب عزيز فى شهر رمضان، و لما وصل بالقرب من بست جاء عزيز إلى حدود سجستان عن طريق كش فى آخر رمضان، و نزل‏

____________

(1) بندان: قصبة بالقرب من نه تقع شمال سجستان و هى اليوم معروفة و تسمى نه و بنداب و بها مكتب تلغراف (من تعليقات بهار)

(2) كان الجيش منقسما عدة أقسام قسم العبيد الذين يسمونهم الموالى و قسم للقادة و هم العبيد العتقاء و رؤساء الغوغاء و الفرسان المشهورون و قسم للأحرار.

260

على باب مينا و حاربه أبو الفضل محمد بن إسحاق العربي، و مضى عزيز و جاءوا إلى أبى الفضل، فهرب و مضى إلى خراسان فى شوال، و عاد الأمير أبو جعفر من بست إلى سجستان فى ربيع الآخر سنة ثلاثمائة و أربعة عشر، ثم مضى إلى بست و رخد فى ذى الحجة سنة ثلاثمائة و خمس عشرة، و عاد فى رجب سنة ثلاثمائة و ستة عشر، و فى هذا الوقت كانت خلافة سجستان لأبى الفضل و دخل المدينة فى ذى الحجة و أرسل محمد بن موسى فى جمادى الآخر سنة ثلاثمائة و سبعة عشر و فى شعبان أرسل الرزدانى الذى كان اسمه محمد بن يعقوب إلى كرمان مع جيش، و مضى إلى كرمان و أعطوه ألف ألف درهم، و عاد فى ذى القعدة، و فى العام نفسه عزل أحمد بن محمد بن الليث من القضاء، و جعل أبو الحسن الأنصارى قاضيا، و عزل أبو سعيد المشروطى من الخطبة و عين أبا الحسن الماصلى خطيبا، ثم أرسل محمد بن يعقوب الرذدانى إلى بست فى رمضان، و أحرقوا السوق الجديد فى ربيع الأول، ثم مضى الأمير أبو جعفر بنفسه لحرب حمك بن نوح فى شعبان سنة ثلاثمائة و تسعة عشر، و تصالحوا هناك، و عاد و فى جمادى الآخر سنة ثلاثمائة و عشرين، أرسل أبو أحمد الحسين بن بلال بن الأزهر أبا يزيد النبكى، و مضى أبو يزيد منهزما، و فى هذا الشهر عزل الأنصارى من القضاء و عين خليل بن أحمد فى جمادى الآخرة سنة ثلاثمائة و عشرين، ثم جاء الخبر أن بايزيد بنكى و بازكريا زيدوى و قراتكين‏ (1) و أتباعهم خرجوا إلى بست عن طريق نوزاد ليقبضوا على أحمد بن يعقوب الرزدانى و هرب الرزدانى من هناك فى شهر رمضان ثم عاد و خرج الأمير أبو جعفر ليمضى إلى هناك ليحارب الترك فى بست و بقى شهرين‏

____________

(1) يذكر ابن الأثير فى هذا الصدد أن أبا إسحاق إبراهيم و إخوته قد هربوا من قهندر وجيا من حبس نصر ابن أحمد بن إسماعيل السامانى، و اتصل بهم قراتكين من بلخ، و تقهقر إلى بست منهزما أمام جند نصر ابن أحمد ثم طلب الأمان و لحق بأخيه، و توفى قراتكين فى بست و نقلوا نعشه إلى سيجاب و دفنوه فى الرباط الذى بناه هناك (ابن الأثير، ج 8، ص 65).

261

على باب المدينة خرج فى رمضان و دخل المدينة فى ذى الحجة و كتب فى هذا الوقت رسالة إلى أبى حفص عمرو بن يعقوب، و كان أبو حفص‏ (1) متنكرا فى بغداد حتى يعود و دخل المدينة فى المحرم سنة ثلثمائة و إحدى و عشرين و عظمه الأمير أبو جعفر و أجله و أكرمه و خلع عليه و عرضوا عليه الأعمال، و أعلن بايزيد بنكى و بازكريا زيدوى و قراتكين الثلاثة كلهم الطاعة و دخلوا فى أمره و لما عاد الرذدانى من هناك غضب عليه و حبسه، و بقى فى الحبس سنوات، ثم هرب من السجن، و كانت الأعمال تسير على يد أبناء طاهر الأصرم أبى الخير و أبى هض و أبى القسم، و لما جاء الأمير أبو حفص عرضوا عليه الأعمال فقال لى عملان فى سجستان ثم إن الصدر الذى تملكه لست مشتريا له و الآن مضى مائة و لا أريده و كان لى مجلس الرئاسة و أسلمته للرياح و لم يكن لى كفايته التى كنت تملكها فأعلم أنك أحق منى بذلك فأنت جعلتنى أميرا للمدينة و الآن أعطيت كندمك فذهب مائة و كنت أميرا آخر للماء، و أعطيت فلانا لمحمد بن عبد الرحمن حتى ذهب صفاؤه (ماؤه) و الآن لم يبق لى عمل و لا أريد و لن أعمل، و فى النهاية قالت السيدة والدة الأمير أبى جعفر لا ينبغى لك عمل و فى النهاية جعله صاحب المظالم و كان فى كل يوم مظالم للجيش و جلست فى مجلس المظالم و تدبر الأعمال (الأمور)، و كان الأمير أبو جعفر رجلا يقظا سخيّا عالما و أهل فضل و كان له نصيب من كل علم، و كان مشغولا ليل نهار بشرب الخمر و إعطاء الهدايا و العطايا و استراح الناس (أهل الدنيا) فى عصره، و لم يكن عظيم فى مثل شجاعته فى هذه العصور، و كان يقسم الساعات و الأوقات فمنها وقت الصلاة و قراءة القرآن و وقت للنشاط (للسرور)

____________

(1) أبو حفص هذا هو عمرو بن يعقوب بن محمد بن عمرو بن الليث الصفارى، تولى إمارة سجستان فى رمضان سنة 299 ه، ثم أسره السامانيون فأرسلوه إلى بغداد، و يقول ابن الأثير: إن الخليفة المقتدر فى هذا العام أطلق سراح طاهر و يعقوب ولدى محمد بن عمرو بن الليث و خلع عليهما، و من المعلوم أن أبا حفص المذكور وجد الخلاص فى هذا الوقت و تنكر فى بغداد (من تعليقات بهار).

262

و وقت للطعام و وقت للنظر فى أمور الملك و وقت للراحة و الخلوة، و قد عظم ذكره فى العالم عند عظماء الدنيا.

حديث ماكان‏ (1) مع الأمير أبى جعفر

أعلم أنه أرسل إلى ماكان رسولا و وجد أبو الحسن الخارجى الرسول وسط زره فى القلعة قال أبو الحسن: أين تمضى؟ قال إنه يرسلنى دائما إلى كان رسولا فمزع أبو الحسين و قال:

أنا أجعل لحيتك فالا لى يا رسول‏* * * فإن ما كان ينتف لحيتك كلها من أصلها

و مضى الرسول إلى ماكان و داعبه ما كان و أحسن إليه، و فى النهاية شرب ذات ليلة و ثمل فأمر بحلق لحيته، و ندم بعد ذلك عندما أفاق، و أعطى الرسول الخلع و أغدق عليه المال و اعتذر و انتظر حتى نبت شعر لحيته و أعاده إلى قضاء الحاجات و اعتذر إليه فقال الرسول: أيها الأمير لم يكن هذا ثم ألا إن هذا كان فألا صنعوه فى سجستان، و من صنع الفأل أتم العمل، و لما عاد الرسول إلى سجستان، كان الجاسوسى قد عرف أبو جعفر فسأل الرسول فأعاد (فقص) القصة، فنادى أبو الحسين الخارى لكنه أنكر ذلك، فحشد الأمير ألف فارس و لم يقل أين مضى، و أركب خمسمائة ناقة و خمسمائة رجل مترجلين.

و سلك طريق صحراء كرمان و قال الناس: لعله سيمضى إلى الكفجان‏ (2)، و لم يكن لأحد خبر حتى بيتهم فى الرى، و قبض على ماكان و أحضره إلى سجستان‏

____________

(1) ماكان: ماكان بن كاكى من أعيان الديالمة.

(2) السبكى اسم طائفة يعيشون فى بلوجستان التى يسميها العرب القفص و يقال لها بالفارسية كوج.

263

و أخذ خزينته و ماله، و أحضر ألف حصان عربى و خمسمائة جمل، و أخذ منه هناك ألف ألف درهم، ثم أحسن إليه و أطلق سراحه و ضيفه و لكنه تغير (غضب) عليه فى سكره، و أمر بحلق لحيته ثم طلب المعاذير الكثيرة و أحسن إليه حتى نبتت لحيته، و فى ذلك الوقت خلع عليه و أعاده.

حديث نصر بن أحمد مع الأمير أبى جعفر

قالوا هذا الخبر فى مجلس أمير خراسان، فتعجب من همته و مروءته و شجاعته، و كان ما كان يعادى أمير خراسان، و شرب الخمر ذات يوم و قال: نحن نمتلك النعم كلها و لكن ينبغى أن أشاهد الأمير أبا جعفر، و الآن ينبغى أن نذكره (لنشرب على ذكراه)، و كان عظماء خراسان جميعهم قد حضروا، فشرب على ذكراه و شرب كذلك أعيان خراسان جميعهم، و لما وصل إليه الشراب المغلى ختم على الجام السيكى‏ (1) ختم على جامه و أرسل عشر قطع من الياقوت الأحمر و عشرة تخوت من الثياب، و عشرة غلمان و عشر جوار تركيات و عليهن مرتديات الحلى و الحلل و الخيول و الأحزمة، أرسلها جميعا إليه فى سجستان، و كان الرودكى قد قال فى هذا شعرا و أرسله، و منذ ذلك اليوم جرى الشعر على لسان أمير خراسان، و لو لم يكن الأمير قانعا برأى الأمير أبى جعفر، و لم يكن له هذا التدبير و الرأى و الحكمة لاستولى على الدنيا كلها و هذا هو الشعر:

ينبغى أن نقتل أم الخمر قربانا* * * لأنها أخذت ولدها و سجنته‏

____________

(1) السيكى كلمة مركبة من (سه يكى) بمعنى الشراب المغلى و يتجزأ ثلثاه و يبقى الثلث.

264

و أخذ جاهل ابنها منها* * * ما دامت لا تضر به و لا تسحب منه الروح‏

و إذا لم يكن بعد الطفل حلالا* * * عن لبن الأم و ثديها

و ما دام لم يرضع سبعة أشهر تماما* * * فأحضر شهردى بثمانية إلى أصل شهرابان‏

و بذلك يجوز من طريق الدين و الشريعة* * * جعل الطفل فى سجن ضيق و ذبح الأم‏

و إذا ما وضعت ابنها فى السجن‏* * * فإنه يبقى حائرا سبعة أيام بلياليهم‏

و إذا عاد إلى رشده و رأى الحال‏* * * فإنه يفيض و ينوح من القلب المحترق‏

فتارة يصبح أعلاه أسفله غما* * * و أنا آخر يصبح أسفله أعلاه مثل الذى يغلى به الهم‏

ذهب على نار فكيف تريد أن تصفيه‏* * * فإنه يغلى و لكن من الغم يغلى شديدا

و تعمل على البعير الهائج الثمل‏* * * فإنه يخرج الزبد غضبا و يطرد السلطان‏

265

يأخذ الرجل الحارس كل زيدها* * * حتى يمحو عنها كدرتها و تصبح صافية

و فى النهاية حين يستريح و لا يتعارك‏* * * يحكم إغلاق بابها الحارس‏

و حينما تستقر تماما و تصفو* * * فإنها تتخذ لها خدا أحمر و مرجان‏

و كثير منها أحمر العقيق اليمانى‏* * * و كثير منها مثل عقيق بدخشان‏ (1)

فإذا ما شممت رائحتها ظننتها وردة حمراء* * * أعطتك الرائحة و المسك و العنبر البابانى‏ (2)

فإنها توضع فى الجرة* * * حتى وقت الربيع و منتصف نيسان‏

و فى ذلك الوقت فتحت الجرة فى منتصف الليل‏* * * فإنك ترى عين الشمس مشرقة

و إذا نظرت داخل البللور فكان‏* * * الجوهر الأحمر فى يد موسى بن عمران‏

____________

(1) اسم مدينة مشهورة بمعادن الياقوت.

(2) بابان: اسم حى من أحياء مرو.

266

يصبح الرجلان الشجاعان قويين‏* * * إنما قوامنه و من وجهة الروضة الصفراء

و إذا شرب منها أحد و هو مبتهج‏* * * فإنه لا يعرف الألم و لا الحزن‏

و يطردهم عشر سنين بعيدا عنك إلى طنجة (1)* * * و يأتى لك سرور جديد من الرى و عمان‏

و بهذه الخمر العتيقة يطول العمر* * * و كأنما أبليت أكثر من خمسين لباسا

أن ينتظم المجلس الملكى‏* * * من ورد و ياسمين و مختلف الألوان‏

و فرشت بسط الفردوس فى كل جانب‏* * * فى روعة إعداد لم يهيأها إنسان‏

من لباس ذهبى و بسط لامعة* * * و طرق واسعة و رياحين و أسرة كثيرة

و فى صف جلس الأمراء و البلعمى‏* * * و فى صف جلس الشيوخ و الدهقان و صالح‏

____________

(1) طنجة: مدينة من مدن مراكش (المغرب) و لكن مراده أنه أرسل الحزن القديم إلى أبعد بلاد الدنيا و السرور فى الرى و عمان و كليهما لم يكن قريبا من بخارى.

267

و بتوا خسروا مقدمة العرش‏* * * ملك ملوك العالم أمير خراسان‏

و انتظم الترك بالآلاف فى صف‏* * * و كل واحد كالبدر فى ليلة الرابع عشر

و على رأس كل منهم تاج من الورد* * * وجهه كالورد و خصالهم كالريحان‏

و ساقى الخمر فاتنة من الفاتنات‏* * * طفلة خاتون الترك و طفلة الخاقان‏

و عند ما تدور بالنبيذ مسرورة* * * يسعد ملك العالم فرحا ضاحكا

من كف تركية سمراء العين و طلعها كالحور* * * و قامتها مثل السرو و خصل كالصولجان‏

يأخذ من تلك الخمر ذات الرائحة العطرة* * * كأسا عليها محيا ملك سجستان‏

فيشرب الشراب و يقول كذلك لأوليائه‏* * * ليأخذ كلّ كأس الخمر مبتهجا

و أبو جعفر أحمد بن محمد هو السعادة* * * عظيم الأحرار و مفخرة إيران‏

268

ذلك ملك العدل و شمس الزمان‏* * * و العدل به حى و نور الدنيا

ذلك الذى لم يكن له نظير فى ذرية آدم‏* * * و لا وجود له الآن إن لم تقل كذبا

إنه الحجة الوحيدة للّه و ظله‏* * * و قد استوجبت آية الفرقان طاعته‏

إن الخلق جميعا من التراب و الماء و النار و الهواء* * * و هذا الملك من جوهر الساسان‏

وجد به الملك المظلم النور* * * و قد صارت الدنيا الخربة به جنات عدن‏

إذا كنت من الفصحاء فقل كل منافقة* * * و إذا كنت كاتبا فأنشد كل مدائحه‏

و إذا كنت حكيما و تبحث عن طريق الحكمة* * * فاقتد بسيرته و اعرف مذهبه‏

إن ما تراه قلة بالحكمة* * * أنه سقراط و أفلاطون و يونان‏

و إذا كنت فقيها و تأخذ بالشرع‏* * * فإنه لك شافعى و أبو حنيفة و سفيان‏

269

و إذا أجرى العلم و الحكمة على لسانه‏* * * فاستمع إلى علم و حكمة لقمان‏

يزيد الحكمة و العقل لرجل الأدب‏* * * و يزيد رجل الحكمة الأدب و الايمان‏

و إذا أردت أن تشاهد الملك‏* * * فها هو ذا رضوان الظاهر

انظر جيدا فى تلك اللطافة و هذا الوجه‏* * * حتى تجد البرهان على ما قلت‏

إن طهر أخلاقه و نسبه‏* * * أنه ذو نية حسنة و له مكارم الأخلاق‏

و إذا وصل كلامه سمعك مرة* * * فلى و لك يصبح نحس زحل هو السعد

و إذا رأيته و هو جالس فى صدر المجلس‏* * * قلت فى جزم إن سليمان أصبح حيا

إنه سام الفروسية ما أضاءت الكواكب‏* * * و الفرس لا يرى فارسا مثله فى الميدان‏

و كذلك فى يوم المعركة و الحمية و الكريهة* * * إذا رأيته بين المغفر و الدرع‏

270

و يبدو الفيل الثائر أمامك حقيرا* * * مهما كان هذا الفيل ثائرا و مزمجرا (مغرغرا)

و إذا ما رآه أسفنديار فى المعركة* * * لفرت الدنيا من أمام أسنانه مرتعدة

و فى وقت الحلم فإن جسمه جبل‏* * * و هو جبل سيامست الذى لم يره أحد يهتز

و إذا كان العدو متينا أمام أسنانه‏* * * أصبح مثل الشمعة أمام النار الحارقة

و إذا جاءه كوكب المريخ فى المعركة* * * فإنه يصير زاده و عبده‏

و حينما يمسك كأس الخمر* * * فإنه سحابة الريع لا تمطر المطر مثله‏

إن سحابة الربيع لا تمطر إلا مطرا كدرا* * * إنه على الدوام له ديباج على العرش و الذهب فى الهيمات (الخرج)

من كثرة ما يهب بكفيه من عطاء* * * بتدومقية و حديث الطوفان حقيرة

لا جرم من قصة جودة و سخائه‏* * * لقد أخذ المديح أجرا و الصامت بالمجان‏

271

فإن الشاعر يمضى إليه فقيرا خالى اليد* * * و يرجع من عنده محملا بالذهب الكثير و

الحمول‏

للعفيح منه الرعاية و البر* * * و لرجل الأدب وظيفة فى الديوان‏

و فى وقت العدل على خلق‏* * * لا وجود فى الدنيا لنبيل و مسلم يشبهه‏

يجد الضعيف و القوى و الإنصاف عنده على السواء* * * و لا ترى عنده دورا و لا عدوان‏

و انبسطت نعمته فى الدنيا بأسرها* * * و لا ترى أحدا عاريا من نعمته‏

لقد انتظمت الدنيا و وجدت الراحة و السعادة به‏* * * و إذا مرضت الدنيا وجدت منه الدواء

و على عفو هذا الملك المبارك‏* * * فإن كل صحراء بالنسبة له حلقة ضيقة

إنه يقبل العذر و يعفو عن الذنب‏* * * إنه لا يمتلئ بالغضب و يسعى فى العفو و الغفران‏

ملك سجستان هذا هو المظفر* * * دولته كالفهد و عدوه غزال نائح‏

272

لقد عاش به عمرو بن الليث‏* * * مع حشمة و زمانهم‏

يا رودكى على نور مدح الخلق كلهم‏* * * قل فى مدحه و خذ توقيع الدولة

و إذا بذلت الجهد فقل‏* * * فاملأ فهمك بالمبرد

و إذا كان لك فئتان من الملائكة يتبعونه‏* * * و لو كان لك جور و جن و شياطين‏

فأنت لا تعرف فضله فأحضر الخير* * * و ما قلته أنت لا يمكن أن يقال‏

هذا هو المدح الذى هو على قدر طاقتى‏* * * فإنه لفظ جيد و سهل المعنى (معناه سهل)

أنا لا أعرف شيئا إلا ما أنت جدير به‏* * * و لو كنت فى الشعر مثل جرير و الطائى و حسان‏

أنه مدح أمير و المدح منه للدنيا* * * زينة و نورة و نزهة و سعادة

إنى أشكو مر الشكوى من أن عجزى ظاهر* * * و إن كنت صريع الغوانى و سحبان‏ (1) أبو الفصاحة

____________

(1) سحبان: هو سحبان بن زمر بن أياس الوائلى من باهلة خطيب يضرب به المثل فى البيان يقال أخطب من سحبان اشتهر فى الجاهلية و عاش زمنا فى الإسلام و كان إذا خطب يسيل عرقا و لا يعيد كلمة و لا يتوقف و لا يقعد حتى يفرغ عاش فى دمشق و له شعر قليل (الرزكلى الأعلام، ج 1، ص 358، القاهرة 1928 م).

273

عرج الزمان على ابنه المدح‏* * * و ان كان قادرا متسلطا على مدح الملوك‏

لقد ظهر للمدح الخلق كلهم حد* * * و ليس لمدحه حد لا نهاية

لا عجب أن الرودكى فى مثل هذا الموضع‏* * * يبقى فى حيرة و لا يتحدث بشفتيه‏

و إلا فقد شجعنى أبو عمر* * * و الوزير المختار عدنان‏

كيف يكون لى القدرة على مدح الأمير* * * الذى خلق اللّه من قدمه الدنيا

و إن كنت ضعيفا و لا نديم لى‏* * * و لم يكن من أمير المشرق أمر

يجرى مثل الرسول الحاذق‏* * * و يمضى على خدمته بالنواجز

إن مدح الرسول يقدم عذرى‏* * * حتى يعلم الأمير الفصيح حقيقة الأمر

إن عذر عبدك هو العجز و الشيخوخة* * * و هو الذى بجسمه لا يأتى ضيف‏

274

أطال اللّه على الدوام دولة أميرى‏* * * و لتكن دولة أعدائه على الدوام فى نقصان‏

لقد رفع رأسه إلى الذروة* * * و معانيه اختفوا تحت السمكة

إن طلعته أكثر إشراقا من طلعة الشمس‏* * * و لتكن نعمته أكثر دواما من نعمة و كرم‏ (1)

و ذكرنا هذا الشعر كله بحيث إن كل من يقرأه كأنه رأى الأمير أبا جعفر، و كان هذا كله على ما قاله و قرأ الرودكى هذا الشعر فى مجلس أمير خراسان و سادتها، و لم ينكر أى شخص قط مما جاء فى هذا الشعر إلا بيتا واحدا جرى على ألسنتهم، و هذا البيت كل ما يقال فيه من مدح لا يوفيه حقه فإن الرجل حينما جاء بهذا الشعر هناك أرسل عشرة آلاف دينار إلى الرودكى، و أعطى ساقى أمير خراسان الذى كان قد جاء بهذا التذكار الخلع و إعادة، و لا أطيل القصة فى حديثه حتى لا يطول الكتاب فينبغى لذكر فضائله بين عظماء سجستان أن تمس الحاجة فيه إلى مجلدين، و لا ينبغى قوله و لكن من هذا سوف يذكر فصل عن كل عظيم من هؤلاء العظماء على سبيل الاختصار، و ذكر صايغ‏ (2) البلخى فى رباعياته هذه القصة، قصة ماكان و الأمير الشهيد و نذكرها هكذا:

____________

(1) كذلك و المشهور (شهلات) و قد وردت هذه القصة فى ديوان قطران و هى مزيج من شعر الرودكى و عدة شعراء آخرين من شعراء القرن الرابع و الخامس الهجريين و قد طبعت عدة قصائد و قطع من هذا الديوان مع غيرها فى طهران باسم الرودكى و هذه القصيدة ضمن تلك القصائد و لم يبعد أى شى‏ء فى تحديد هذه القصيدة التى كتبها الرودكى (من تعليقات بهار).

(2) صانع أو صايغ البلخى لم نعلم عنه أى شى‏ء.

275

ليكن خوان حزنك خربا* * * و ليكن خوان طربك عامرا على الدوام‏

و لتكن صلتك على الدوام مع الأخيار* * * و لتكن أنت الأمير الشهيد و ليكن عدوك ماكان‏

و قال شعراء العرب فيه شعرا كثيرا و لكن شرطنا فى هذا الكتاب فهو الشعر الفارسى إلا فى الموضع الذى يفخر فيه و لم يوجد فيه شعر فارسى. ثم حبس الأمير أبو جعفر أبناء طاهر الأصرم و أرسل محمد بن حمدوت أبو العباس عمير إلى بسكر، ثم مضى محمد بن حمدون إلى خراسان فى خدمة أميرها، و عين الأمير جعفرا أبا الفتح قائدا للجيش، و كانت الأعمال تسير على يد أبى الفتح، و أبح عظيما، و كان رجلا جلدا و ذا حكمة، طلب أبو الحسين طاهر بن محمد بن أبى تميم‏ (1) إذنا ليمضى إلى خراسان و هناك أنجزت على يديه أعمال كثيرة، و خدم أمير خراسان خدمات، و كانت هناك أسباب لعودته لهذا المكان سنذكرها إن شاء اللّه، و أعطى أشياء كثيرة، و اشتهر اسمه بالشجاعة فى خراسان، و كان فى قصر أمير خراسان، و هناك وجد الخلع و القبول و صار معروفا و عاد من هناك بعظمته إلى سجستان، و استقبله الأمير أبو جعفر، و جاء به إلى المدينة بمرتبة عالية، و مكث هناك ستة أشهر، و كان فى مجلسه ليل نهار، و خلع عليه و أحسن إليه، ثم أعطاه بست و مضى إلى هناك، و كان هناك كثير من أهل العلم، و كان طاهرا محبا للعلم و انشغل به ليل نهار، و كان يستدعى إليه العلماء و الفقهاء فى بست ليل نهار، و كانوا يتناظرون أمامه، و كان يبدى رأيا فى هذا، و وقع بين أهل أوق خلاف شكل و زاتورف سنة

____________

(1) فى نسب هذا الشخص و اسمه اختلافات فى صفحات هذا الكتاب نفسها، ففى الصفحات التالية يذكره أبو الحسن بن طاهر بن على التميمى و أحيانا أبو الحسين طاهر بن محمد بن محمد بن تميم، و أحيانا طاهر أبو على و قد ذكره العتبى و ابن الأثير طاهر بن الحسين (من تعليقات بهار).

276

إحدى و أربعين، و مضى أبو الفتح إلى هناك و زجرهم على هذا، و وقع الخلاف ثانية لأبى الفتح بسبب عصيان تازى مندرك، و خرج من المدينة و مضى إلى كركوى و منها إلى قوقة، و أرسل أطلمير أبو جعفر الرذدوانى و الجيش فى طلبه و عاد أبو الفتح و جاء إلى جروادكن و هناك اجتمع حول الغوغاء الناس الغوغائيون، ثم بايعوا هناك أبا العباس بن طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث، و قالوا هذا ملك نيمروز أليق من الأمير أبى جعفر لأنه ملك بن ملك و الأمير أبو جعفر ملك من ناحية أمه، و اتحد أهل بسكر فى هذه البيعة، و كان أبو الفتح قائدا لجيشه، و جمع الجيش و قصدوا القصبة و جاءوا إلى باب المدينة، و وقعت الحرب بين الجيش، و وصل أتراك‏ (1) بست لمساعدة الأمير أبى جعفر و لم يكن لأبى الفتح طاقة بهم، و مضى منهزما، و أغار معظمهم من خلف على جروا دكن و بيش‏زره، و أرسل الأمير أبو جعفر الرزدانى إلى أوق على أثرهم و لم يجدهم و أقام بها، و خرج أهل أوق عن طاعته، و اجتمعوا فى برونج، و تحاربوا و انهزموا، و قتلوا فى هذا اليوم ستة عشر رجلا من قادتهم، ثم أرسل الأمير أبو جعفر أحمد بن إبراهيم إلى أوق، و استراح الناس معه، ثم جاء سليمان بن عوف برسالة من خراسان إلى الأمير أبى جعفر بأمانه معه ثلاثة آلاف رجل و أعطاه ناحية أوق (قتل الأمير الشهيد أبى جعفر (رحمه اللّه)).

ثم كان غلام الرزدانى و كان الخير يغمره من قبل الأمير أبى جعفر، و دبروا تدبيرا عبد اللّه بن محمد بن اسماعيل مع أبى العباس بن طاهر بن عمرو و مع إبراهيم ابن سرخ و جماعة من خواص خدامه و قتلوه فى مجلس الشراب فى الجوسق الخلفي، و أغاروا على بيت المال، و كان قتله ليلة الثلاثاء لليلتين من ربيع الأول سنة

____________

(1) إن أتراك بست من أتباع القراتكين و عبيد السامانيين و هم فى أول الأمر كانوا قد خالفوا نصر بن أحمد سنة 318 و اتفقوا مع إخوته و قدم من لخ إلى بست و بقى هناك إلى أن مات و حملوا نعشه إلى أسيجاب (الكامل ج 8، ص 66) و بعد ذلك وجد بايتوز الترتى المشهود و صار رئيسا عليهم و لذلك يسمون بالأتراك البيتوزيين و قد سقط على يد سبكتكين (من تعليقات بهار).

277

ثلاثمائة و اثنتين و خمسين، و ذهب الأمير خلف فى هذه الليلة إلى دوشاب، و أطلق هناك الخيول لترعى الكلأ، و كلما بحثوا عنه لم يجدوه، و لما وصل خبر أبيه مضى من هناك مسرعا إلى بست عند مكحول الذى كان واليا عليها و أحسن إليه و تحمس و قال: أنا أثأر لدم أبيك بعون اللّه تعالى و أجلسك فى دار الملك، و أنزله فى موضع عظيم و أرسل إليه الهدايا (النزل)، و مضى فى أثره جماعة من غلمان أبيه و توطد له الأمر و فى اليوم التالى لقتل الأمير أبى جعفر نصبوا أبا حفص محمد بن عمرو أميرا فى قلعة أرك، فجمع مكحول جيشا و اختار ألف فارس و أرسلهم مع الأمير خلف إلى سجستان، و لم يكن لأحد فى سجستان خبر حتى نزل الأمير خلف فى هارون، و لما سمع أبو حفص خبره انهزم فى خراسان فى الحال، و لما مضى خمسون يوما على مقتل الأمير أبى جعفر دخل الأمير خلف المدينة و تولى الإمارة و خطبوا له يوم الأحد لخمسة أيام مضت من جمادى الأولى سنة ثلاثمائة و اثنين و خمسين، و خلع على أبى يوسف و أبى سعيد المدركى و عينهما قائدين للجيش، و أحضروا تابوت أبى الفتح من نيسابور فى المدينة يوم الخميس لستة أيام مضت من رجب بالتاريخ نفسه، و قدم الأمير أبو الحسن بن أبى طاهر بن أبى على التميمى من بست إلى فراة، و كانت هذه الناحية خاصة به هناك اجتمع إليه خلق و مضى إلى باب المدينة فخرج الأمير خلفه لاستقباله، و اختلى كل منهما بالآخر و قال الأمير خلف أنت شريكى فى هذه المملكة و أنزله فى قصر يعقوب.

مجى‏ء الأمير طاهر أبى على فى مدينة سجستان‏

و كانت أم طاهر أبو على عايشة بنت محمد بن أبى الحسين بن على بن الليث و دخل يوم الإثنين غرة ذى الحجة فى السنة نفسها، و لما مضت ستة أشهر

278

قامت الفتنة فى المدينة، و كانوا فى هذه الشهور الستة يخطب القاضى خليل ابن أحمد على المنبر بقوله اللهم أصلح الأمير بن أبى أحمد و أبى الحسين، ثم جاء نكرنوسك مع قومه فى الليل إلى باب قصر يعقوب.

و خرج الأمير طاهر أبو على من الجوسق منهزما، و نزل فى محلة الجوسق حتى اجتمع الناس حوله و حاربوا سمك و صدق و أحرقوا السوق فى نهاية اليوم التالى، ثم قال الأمير خلف أريد أن أمضى للحج فقد نذرت نذرا فى الليلة التى أصابتنى المحنة فيها و لكنى قلت (أردت) أن تستقيم هذه الأمور و أستودع سجستان كلها عند الأمير طاهر أبى على، و أمر أن كل شى‏ء يقع فى يده به من هؤلاء السفاحين، و مضى بنفسه إلى بيت اللّه الحرام فى غرة جمادى الأولى سنة ثلاثمائة و ثلاثة و خمسين، و قبض الأمير طاهر أبو على على أبى يوسف محمد بن يعقوب المدركى يوم الإثنين لاثنى عشر يوما مضت من شهر اللّه المبارك سنة ثلاثمائة و ستة و خمسين، ثم أمر أن يقتلوه ليلة النوروز لأربعة يوم مضت من ربيع الآخر سنة ثلاثمائة و سبعة و خمسين، و كان الأمير طاهر أبو على رجلا عالما حازما و سخيّا و عادلا و حسن الخصال، و استراحت به سجستان و من كثرة عدله و إنصافه الذى شمل الخاص و العام و الجيش فى عهده، و كان يأخذ الخراج درهما و كانت للأمير أبى جعفر هذه العادة، و كان مشغولا طوال الليل و النهار بالشراب و كان طاهرا يسير على عادته و سيرته و قبض على قاتليه جميعا و قتلهمن و كان على تلك الحال و إذا ما ذكرت سيرته و مروءته و عيارتيه فإن القصة تطول و لكنى أذكر حكاية فى عصر الأمير أبى جعفر مضى طاهر أبو على و محمد بن حمدون مع الحشم إلى خراسان فى بلاط (قصر) أميرها، و كان طاهر من العمرويين، و كان محمد بن حمدون حفيد المرزبان فى زمن جاهلية سجستان‏ (1)، و كان هؤلاء من سلالة

____________

(1) يقصد بجاهلية سجستان أى عصرها قبل الإسلام.

279

رستم دستان، و لما مضوا إلى قصر أمير خراسان و كانوا يمضون كل يوم و كانا فارسين تامين (عظيمين)، فكانوا يضعون كل واحد منهم على ألف فارس و كانوا يلعبون الكرة ذات يوم فى بخارى على أرض رملة، و ركب اثنا عشر ألف فارس فى ذلك اليوم من عظماء حشم أمير خراسان، و وقف طاهر و محمد بن حمدون بن عبد اللّه كلاهما يراقبانهم، و أمر أمير خراسان حاجبا.

فمضى الحاجب و قال: هؤلاء خدموا و وضعوا للخيول حوافر و لعبوا الكرة و سلبوا (أخذوا) اثنتى عشرة كرة، و كان قاسد عربيا فى قصر أمير خراسان، فصاح و قال بالفارسية عمر اللّه بلدا أنجب و ربى هؤلاء، قال محمد بن حمدون: نحن أحقر فرسان هذه البلاد، و ليست لنا الجسارة أن نمضى أمام هذا الملك و مدخل الميدان، فسر أمير خراسان من هذا و أحسن إليهما و خلع عليهما و أعطاهما مالا لا حد له، و عفى طاهر فى ذلك اليوم عن رتيك الخادم، و كان لفتيك هذا مائتا غلام من الترك دون الأشياء الأخرى، و عم أمر طاهر هناك حتى أرسله أمير خراسان قائدا للجيش لمحاربة ما كان‏ (1)، و كان تحت إمرته أميرك الطوسى‏ (2) و عبد اللّه الفراغانى، و مضوا هناك و حاربوا و مضى ما كان منهزما و أغاروا على جرجان و مضى الأمير طاهر إلى ميدان ما كان و نصب خيمة، و لم يترك أحد أن يغير على قصره، و لكن قل ماله ألف جواد عار و ألف بغل مسرج فى إصطبله، و أعطى الأجور للغلمان و نساء القصر بأكثر مما كان يعطى ما كان، و مضى ماكان إلى طبرستان‏

____________

(1) ما صرح به فى التواريخ الأخرى أن أمير خراسان نصر بن أحمد السامانى لم يحارب ماكان مرتين الأولى سنة 310 ه بقيادة محمد و سيمجور و المرة الأخرى سنة 328 ه بقيادة أحمد بن محمد الجنانى و لا يوجد ذكر فى أى كتاب لطاهر أبى على و يمكن أن تكون حرب أخرى قد قامت خلاف هاتين الحربين بين جيش خراسان و ماكان و أنها حذفت من التواريخ (من تعليقات بهار).

(2) أميرك الطوسى: هو اسم و لقب لشخص رغب الفردوسى فى نظم الشاهنامة و مات فى حبس سبكتكين مع أبى على سيمجور.

280

و منها مضى إلى تركستان، و جمع الفرسان و بيتهم و استولى على جرجان، و لم يكن لجيش طاهر خبر و أميرك الطوسى و عبد اللّه فرغانى و فتيك خادم و أبو الحسن الكاشانى الذى كان حاجب الحجاب و الجيش الآخر الذى كان أعطاه أمير خراسان، و استولوا على جيش طاهر و متاعه، و مضوا و حارب طاهر و وقف مع عدة فرسان، و وضع طاهر و أتباعه فى أقفاص حديد عند ماكان، و بقى محبوسا عند ماكان، و لم يكن لماكان خبر أن طاهر فى الحبس، و ظل ماكان يتأسف طول اليوم قائلا: ليتنى طاهر حتى أخدمه و ليتنى خدمته مقابل إحسانه، و إلى ذلك اليوم الذى دخل فيه الخادم هذا السجن رأى طاهر فعرفه فمضى إلى ما كان جاريا قائلا: إن طاهر فى سجنك فمضى ماكان إلى السجن بنفسه و قبل طاهر الأرض و خلصه، و طلب العذر منه لعدم معرفته، و جاء به إلى مكانه و أجلسه عليه و وقف بنفسه لخدمته و بذل جهدا كثيرا حتى جلس، و أرسل لطاهر مائة غلام و مائة جارية و عشرين ألف دينار و مائة ألف درهم، و هيأ جوسقا من أجله و أرسل له خيولا و حمرا فارهة، كما ينبغى للملوك، و كان يضيفه ليل نهار لمدة شهر، ثم أرسل إليه وزيره قائلا: إذا شئت فكن أميرا مادمت أنا القائد و إلا فأنت القائد حتى أقول إن لك منصب أمير الأمراء فى الأعمال كلها قال طاهر: إنه يقول كلاما حسنا أما إذا فعل هذا من أجلى فأنا فى المقابل فعلت هذا مع حرمه و أسبابه حتى يكون هذا مكافأة على ذلك، و فعلت هذا بسبب أن أجدادى استولوا على الدنيا كلها ففى كل مكان يصلون فيه إلى قصر الأحرار كانوا يصنعون هذا، و تلك عادة احتفظت بها عن أجدادى و لا يجب أن يجعلنى قائدا و لا أميرا، فأنا عدوه و قل لخادم أمير خراسان: لا تعتمد على من لم تربيه خاصة العدو فأنا تربيت على نعمة أمير خراسان و أنا من سجستان و إذا وجدتك فى حرب أرسلتك إلى القصر و لكن لم أهتم قط، ثم قال ماكان: الأمر لك قال: ائذن لى حتى أمضى و ارتاح شهرا فاتخذ ماكان طريقا جديدا، و أرسل مالا كثيرا و قبله كله، ثم أرسل رسالة محتواها يلزم لى رجل ليدبر هذا المال، فأرسل‏

281

ماكان رجلا فاستودع كل ذلك المال عنده و ركب فى اليوم التالى، و قال لهذا الوكيل: لقد أخفيت شيئا فى هذه الصحارى فأمضى لأحضره، ففكر فى هذه الأعمال لأنى سأبقى يوما أو يومين، فمضى و معه الحبنية و أخذ تابعا و بغلا و قدرا من الطعام، و سلك طريق خراسان، و لم يكن لأحد خبر، و لما وصل بخارى بعد مرحلة كتب رسالة إلى أمير خراسان و أخبره و فى اليوم التالى ركب أمير خراسان مع جيش و مضى بنفسه فرسخا ليستقبله و وقف على ربوة حتى مضى العظماء و القادة لاستقباله و رأى، ثم جاء الخادم و أبو الحسن الكاشانى مع خمسمائة غلام مسلحين تسليحا تاما، و مضوا ليستقبلوه و قال أمير خراسان إن ما فعله الوكيل و أبو الحسن الكاشانى و فتيك الخادم للأمير طاهر و هم الذين يأخذون الرواتب و حافظوا على الجيش و اشتروا الغلمان و الخيل و الحمير، و ما كان لأحد إلى يومنا هذا فى خراسان تجمل مثل ما كان لطاهر بن أبى على، و كل ما صنعه هذا الرجل لم يستحسنه من كلامه و عمل و لم يقبل شيئا من ماكان، و كان السلطان محمود ابن سبكتكين يروى هذه القصة عن الأمير طاهر أبى على فى مجلسه، و كان يقول ينبغى لى أن أراه حيا، ثم أعطاه أمير خراسان خلعا جميلة، و من هناك أرسل رسالة إلى الأمير أبى جعفر حتى أعطاه فراة، و كان هناك حتى وقعت هذه الأحداث، فوجد أمير سجستان فمضى سعيدا و أحسن إلى الناس، و بقيت له السمعة الطيبة على الدوام، و لما استقام له أمر سجستان سحب جيشه فى سنة ثلاثمائة و سبع و خمسين، و مضى إلى بست، و مضى الترك منهزمين من بست، و تركوا بست خالية، و دخل الأمير طاهر بست بلا حرب و لا قتل، و خطبوا له، و مكث هناك مدة، و لم يكن له خبر حتى هجم بايتوز (1) و كانوا غافلين، و قتلوا جماعة من المشاة

____________

(1) بايتوز: كان اسما للأتراك الذين كانوا فى بست و وقع بينه و بين من يسمى طغان التركى نزاع و استولى طغان على بست و التجأ طغان إلى الأمير سبتكتكين أن استولى على بست بالعنف و المكابرة و هجم سبكتكين على بايتوز فى بست و أسند إلى طاغية الحكم (تاريخ العتبى) و كان أبو الفتح على بن محمد-

282

السجزيين، و عاد طاهر إلى سجستان، و حبس كل عظمائه بارس ديلم قائد الجيش و أبو الحسن الكاشانى حاجب الحجاب و ناصر بن منصور رئيس الجيش و محمد ابن عزيز و أحمد بن عزيز و أحمد بن إبراهيم و محمد بن صالح السعيارى، و كان هذا فى سنة ثلاثمائة و ثمان و خمسين، و قال لهم لم يقاونى فى الحرب، و لما كان هذا عاد الأمير خلف من الحج و مضى عند منصور بن نوح أمير خراسان فى بخارى‏ (1) و أعطاه أمير خراسان الخلع و الجيش و جاء إلى سجستان، و لما سمع الأمير طاهر الخبر و ما أبرم من عهود و ما أقسم من إيمان فخرج من المدينة و مضى إلى سقرار (2) و نزل الأمير يوم الأحد لأحد عشر يوما مضت من رجب سنة ثلاثمائة و ثمان و خمسين، فى عمارة (قلعة) محمد بن الليث و فى اليوم التالى دخل المدينة و خطبوا له و جلس فى دار الملك، و لما رجع الأمير طاهر أبو على مستعدا إلى تكران، و تحاربوا، و مضى الأمير خلف منهزما إلى بست، و مكث هناك حتى يوم الجمعة لليلتين من شعبان سنة ثلاثمائة و ثمانية و خمسين، و مات الأمير طاهر أبو على، و تولى الإمارة الأمير حسين و كانت كنية الحسين أبا أحمد الحسين ابن طاهر و كانت وفاة الأمير طاهر ليلة الأحد لعشرة أيام بقين من ذى القعدة سنة ثلاثمائة و تسعة و خمسين، و كان الأمير فراة و لم يعلنوا موت طاهر حتى لا يهجم جمازة (أحد)، و جاء حسين، و لما علم الأمير خلف أن طاهر توفى و تولى حسين‏

____________

- البستى كاتب و شاعر بانيوز هذا و لحق بخدمة سبكتكين فى هذه الحرب و كان أيضا فى الخدمة فى عصر محمود بن سبكتكين و فى النهاية توفى فى التركستان و قد ذكره ابن الأثير (بأى تور) من تعليقات بهار).

(1) تقول جميع التواريخ: عند ما عاد الأمير خلف من الحج و لم يفسحوا له الطريق إلى سجستان لجأ إلى خدمة أبى صالح منصور بن نوح السامانى و عاد إلى سجستان بعد أن نال العون منه.

(2) يقول ابن الأثير: لم يسمح خلف لطاهر بأن يسلك طريقه لسجستان و تلقى من بخار المدد و لما أحس طاهر بهذا أخلاها بلا حرب و مضى إلى سفزار و قد نقل ابن الأثير هذه الأخبار من تاريخ العتبى الذى ذكر هذه الموقعة فى سنة 354 ه (ابن الأثير ج 8 ص 185 نقلا عن بهار).

283

جمع الجيش و جاء حتى وصل إلى هستن، فخرج حسين مع الجيش، و تحاربوا هناك حربا صعبة، و كان النصر للأمير خلف.

عودة الأمير خلف و الاستيلاء على سجستان‏

و وجد النصر العظيم، و فى اليوم نفسه قتل بارس الدايملى و أحمد أبو الفتح و أبو أحمد أبو الأظهر و عظماء جيش حسين كلهم، و دخل الأمير خلف يوم الخميس لثلاثة أيام مضت من جمادى الآخر سنة ثلاثمائة و ستين، و قبض على أنصار طاهر و حسين جميعا و قتلهم، و أخذ مالهم و أغار على باب فارس و خربه، و أحضر محمد بن غالب من أوق عظماءها كلهم و أرسلهم إلى ريك، و استولى على أموالهم، و هكذا فعل بحيث لم يبق أى حسينى فى سجستان حتى مضوا إلى خراسان، و كان لهم الغربة أو القتل و جعل مقره فى داشن‏ (1)، و استقامت الأمور و لم يكن لأحد خبر حتى جاء الأمير حسين من كهه‏ (2) إلى ضفة هيرمند، و جاء ماء السيل و عبر الجيش فوق الماء (فخاض الجيش فى الماء) يوم الجمعة لستة أيام من شعبان سنة إحدى و ستين و مائتين.

انهزام الأمير خلف‏

و مضى الأمير خلف منهزما إلى جوين، و دخل حسين المدينة و توجه إلى مسجد الجمعة و صلى و خطبوا له فى ذلك اليوم، و لما انقضت سبعة أيام جمع‏

____________

(1) داشن: كانت محلة خارج مدينة زرنج و يبدو أنها كانت من محلات الريعن.

(2) كه مخفف كوه، و يوجد فى سجستان مكان يسمى قوهة و معربها كهه، و ربما كان المقصود به كوهة نفسها.

284

الحسين الجيش، و خرج و مضى إلى زره و نزل فى رامهرآباد، و كان لحسين جيش كثيف و أربعة فيلة، و لما سمع الأمير خلف خبر حسين و كان مع الأمير خلف و فرسان و مشاة ما يقرب من ثلاثة آلاف فمضى إلى باب المدينة، و لكن أهل المدينة لم يسمحوا له بدخولها و مضى الأمير خلف إلى داشن و نزل بها، وراء حسين و مضى إلى القلعة و قفلوا أبوابها، و اشتعلت الفتنة بين سمك و صدق، و دمر عبد اللّه ابن الصابونى أبواب القلعة، و كان هذا لخمسة أيام بقيت من شعبان سنة ثلاثمائة و إحدى و ستين، ثم وصلت رسالة أمير خراسان إلى الأمير خلف من نوح بن منصور أن أتراك حسين بن طاهر و عبد اللّه الصابونى حتى ينزلا الحصن و ليأتيا إلىّ حتى أسمع كلا منهما و قد سمعت كلامك حتى أرى لمن تجب سجستان، فمضى الأمير خلف للأمر و تركهما ينزلان من القلعة يوم الجمعة لعشرة أيام مضت من ربيع الأول سنة ثلاثمائة و اثنين و ستين، و مضيا إلى بخارى، و استقبلهما أمير خراسان بأموال عظيمة و استقر هناك عبد اللّه الصابونى، و أعطى حسين لطاهر الجيش و لما سمع أمير خراسان مضى الأمير خلف إلى جوين خرج لاستقباله، و تحاربوا هناك حربا صعبة حتى المساء، و قتل من الفريقين خلق كثير يوم الجمعة الرابع من المحرم سنة ثلاثمائة و تسعة و ستين‏ (1)، عاد الأمير خلف إلى المدينة، و مضى إلى القلعة و نزل الأمير حسين على باب فارس، و كان معه جيش خراسان و كان للأمير خلف باب طعام و المدينة، و استولوا يوم الثلاثاء الثامن من صفر على القلعة، و استخدم المنجنيقات و الرجال ثلاث سنوات فى هذا العمل.

____________

(1) جاء فى معظم التواريخ أن حسين بن طاهر ظل مدة فى بخارى و فى عهد نوح بن منصور جمع جيشا و مضى لحرب خلف و على حد قول صاحب تاريخ العتبى أن غزو السامانيين لسجستان إنما كان حماية لحسين بن طاهر و مقاومة الأمير خلف التى دامت سبعة أعوام مما أضعف السامانيين و جعل الآخرين يطمعون فى هذه الدولة و خصوصا أمراء الترك (من تعليقات بهار).

285

استيلاء الأمير خلف على القلعة و بدء الحرب مع جيش خراسان‏

و كل من كان فى خراسان من الأمراء، و القادة و فى بلاد ما وراء النهر جاءوا جميعا هناك بأمر أمير خراسان، و فى كل يوم يأتى جيش جديد، و كان الأمير خلف كل يوم و ليلة يهجم و يقتل، و كان يأتى خمسون فارس من فرسانه من ناحية جيش خراسان يغيرون و يقتلون و يمضون إلى ناحية أخرى، و لما كان حسين يغير كانوا يمضون إلى الحصن حتى هلك عظماء خراسان جميعهم فى هذا المكان، و عجزوا عن الأمير خلف، و كان حسين بن طارة يضحك و يبتهج بشجاعة جيش خلف حتى جاء الأمير أبو الحسن بن محمد بن إبراهيم بن سيمجور للتفتيش، و كانت رسائل أمير خراسان عند الأمير خلف، و لما جاء الأمير أبو الحسن و أعطى رسائل أمير خراسان نزل الأمير خلف من القلعة و مضى إلى قلعة طارق يوم الخميس التاسع من شعبان سنة ثلاثمائة و اثنتين و سبعين، ثم أرسل أبو الحسن سيمجور رسالة فى الخفاء إلى الأمير خلف محتواها أن أمير خراسان عجز فى حديثك و قد هلك عظماء و أمراء خراسان جميعهم على يدك، و أرسلنى الآن حيث علم مما بيننا من صداقة و لا تفعل شيئا حتى أعود، و تسلم رسالة حسين و أراد الجيش، و إذا ما علمت أن الأمير حسين مضى مع الأمير خلف إلى قلعة طاف، و نزل أبو الحسن فى جوسق زيد، و جعلوا الرسل بينهم حتى عقدوا عهدا مع الأمير خلف أن تكون له طاق و ضياعها، و لحسين المدينة و النواحى الأخرى، و در طعام و خراجها عليك و تصالحوا على هذا، و دخل حسين القلعة و أنس، و أتم الأمير أبو الحسن الأعمال فى شعبان و رمضان و شوال و ذى القعدة حتى السابع عشر من ذى الحجة، و بقى هناك ثم أخذ رسائل المشايخ و حسين، و جاء قائد الجيش إلى هنا، و أخذ المدينة و القلعة و أودعها عندى و انتهى عملى و مضيت، و جاء الأمير خلف بجيش و نزل فى دانش لسبعة أيام بقين من ذى الحجة سنة ثلاثمائة و اثنتين‏

286

و سبعين، و بدأ الحرب فى كل يوم، و كان حسين على باب فارس و المدينة ثم استولى الأمير خلف فى آخر المحرم سنة ثلاث على باب فارس، و دخل حسين و أهل باب فارس فى القلعة، و كان معه خلق كثير، و لم يترك الأمير خلف و جيشه أى علف فى القلعة إلا قلعة كانت خالية من شى‏ء و بسط كانوا بسطوها فى قلعة أرك و لم يترك على الإطلاق أى شى‏ء عمدا، و علم أن حسين سيأتى للقلعة، و لازم الأمير خلف الربط (1) على حافة البركة حتى لا يستطيع أحد أن يأتى الطعام إلى القلعة، و ربط الجيش حولها حتى أصبح ثمن حمل الحمار من القمح هناك بمائتين و أربعين دينارا و مات معظم الناس من الجوع، و طلب حسين المدد من سبكتكين و كان يقبل من كل شى‏ء و جاء سبكتكين حتى خان‏ (2) لمساعدة حسين، فأرسل الأمير خلف شخصا و أعطاه الدنانير الكثيرة و قال: إن حسين زنديق و هواه مع القرامطة، و كان سبكتكين رجل لمعزير (عزيز) فعاد و مضى إلى بست، و جاء ابن بايتوز و الأمير أبو القاسم و أبو منصور بن كومال وزيره من عند سبكتكين مع ألف فارس عند خلف الذى أحسن معاملتهم و أحسن إليهم، و استمد بهم قوة كبيرة فعرف حسين و قال: أهل المدينة لا طاقة لنا بهم و اصطلحوا، و جاء الأمير خلف فى المقابر على باب نيشك و حسين فى مسجد باب نيشك، و كان الرسل يمضون و يأتون، و كانوا يكتبون المحاضر و يقسمون الأقسام و يأخذون العهود حتى تم (انتهوا) و كان هذا يوم الخميس الثامن عشر من رجب ثلاثمائة و ثلاث و سبعين.

____________

(1) الربط: بمعنى الربط و تقييد الدواب و المربط محل ربط الشى‏ء، و يسمون المرابطة على حدود بلاط الخصم و المرابطة و يسمون الجيش الذى يلازم ثغور العدو و رابطة و إن هذه الربط مصدرا بمعنى الملازمة و الحراسة (من تعليقات بهار).

(2) خان: لا وجود لمكان بهذا الاسم فى حدود سجستان و غزنة، و لكن فى هذه الحدود نقاط باسم خاش و خابا ساروخاست، و يوجد مكان أرخ على طريق ترمات باسم كرماخان، كما توجد ربط كثيرة فى الطريق، و كانوا يسمون الرباط (الخان) و هذا الخان ما زال حروفا حتى هذا الوقت (من تعليقات بهار).

287

تصالح الأمير خلف مع الأمير حسن و النزول من القلعة

و نزل الأمير حسين من القلعة، و خرج الأمير خلف من المقابر فعانقه و بكى بكاء مريرا، و تلا الأمير خلف هذه الآية (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي) (2) ثم قال شكرا للّه تعالى على أنى كنت حيا حتى رأيت هذا الوفاق، و قد بقيت لى من أسرتك العظيمة و قوى ظهرى بك و الآن ما رأيك فى الولاية و قد حسن هذا العمل الآن، ما هو موجود كله لم تقتصر فيه، و بما أن الاتفاق تم الآن، فلنعتبر (نصمم على أن ولايات العالم كلها ميراث لنا، و لكن يوجد غرباء، و الآن و قد صفت القلوب و بفضل اللّه تعالى حسن هذا الأمر و أن أثر النصر و الفتح لهذا العالم إنما ببركاته و أجلسه و ركب و مضى مع الجيشين و الغلمان فى جمع واحد العالم، و مضى الأمراء اثنين اثنين متقابلين و نزلوا فى محلة فراة و كانت النزل‏ (3) جميلة، و أرسل الخلع الكثيرة و أحسن إلى غلمانه الواحد تلو الآخر، و أعطاهم الذهب و الصلات و الرواتب، و أرسل الشراب و المطربين و قال: إن الأمير حسين يحب الشراب، و لما مضت عشرة أيام أرسل رسالة محتواها اعلم أنك مستاء للحصار الضيق المضروب على القلعة، و عندما يأتى نمضى إلى باب طعام للتنزه و الصيد و الفرجة حتى ينشرح قلبك و قلب أطفالك قال: الأمير حسين هذا عين الصواب، فتجهزوا و مضوا و أقاموا فى كل منزل وليمة أفضل من الأخرى حتى وصل طاق و هناك أقام أحسن وليمة، و ضيفه عشرين يوما، و فى النهاية توفى الأمير حسين، و أقام له الأمير خلف مأتما و بكى كثيرا، و استدعى غلمانه و قال:

ماذا تريدون أن أصنع من أجلكم، و الآن جرى القضاء و لا مرد لقضاء اللّه فقبلوا الأرض و قالوا: نحن ميراث سيدنا و عبيده، و إذا كنا نليق بالخدمة و إلا فبيعنا ثم‏

____________

(1) أصل الآية (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي) [سورة يوسف آية 100].

(2) النزل: بضم النون و سكون الزاى، النزل ما هيئ للضيف (المنجد).

288

أحسن إليهم جميعا، و أعطاهم جميعا البيت و الضياع و النساء اللائقات و استقام أمر الأمير خلف فى ملك سجستان.

جلوس الأمير خلف أبى أحمد بن أحمد بن محمد بن خلف‏

و بعد أن قهر الأعداء، و حج و خدم أمير المؤمنين، و أحضروا اللواء و العهد و المنشور، و استولى على القلاع و حارب كثيرا و ثار لدم أبيه و قام بالهجمات (و هجم كثيرا) و مضت على ذلك سنوات حتى توطد له الأمر و هو خلف بن أبى جعفر (أحمد) بن أبى الليث (محمد) بن خلف بن الليث بن فرقد بن سليم بن ماهان‏ (1)، و كانت أم الأمير حسين عائشة بنت أبى يوسف بن محمد بن عمرو بن الليث، و لما استقامت الأمور للأمير خلف أمر أن يأخذوا الخراج درهما درهما، و بسط بساط العدل، و خلع ثوب الجيش و طاف و ارتدى ثياب العلماء و الفقهاء، و عقد مجالس العلماء فى طاف و طجستان و قرب العلماء إليه، و حقر السفهاء و عقد مجالس العلم و عرف العلم من كل نوع، و كان يقيم مجلس العلم و الحديث و المناظرة كل ليلة، و جاء إليه علماء العالم مثل الخطيب بن هوشنج‏ (2) و بديع الزمان‏ (3) و فقهاء بغداد و علماؤها و العراقيون، و فى هذا يقول بديع:

____________

(1) ابن خلف بن الليث عم أزهر و والد محمد المكنى بأبى الليث، و محمد والد الأمير أحمد المكنى بأبى جعفر و هو والد خلف، و خلاف بن الليث المذكور حفيد سليم أو سليمان بن ماهان، و كان سليمان و حاتم أخوين، و كان حاتم جد يعقوب و عمرو و على أو سليمان جد خلف بن الليث و زاهر بن يحيى.

(2) هو أحمد بن الحسن الخطيب، و كان خطيبا لكراة التى كانت من توابع هوشنج و كان من الدهاقين و الفضلاء و كاتب عظيم، و له شعر بالفارسية العربية.

(3) هو أبو الفضل أحمد بن الحسين بن أبى يحيى بن سعيد الهمذانى المعروف ببديع الزمان كان يعتبر فى هراة و فى سنة 398 ه مات مسموما بها، و قيل مات بالسكتة، و قلده الحريرى فى مقاماته.

289

قصدت السيد الملك المؤيد* * * و خد المكرمات به مورد

بأرض تنبت الآمال فيها* * * لأن سحابها خلف بن أحمد

و يقول كذلك:

اكفف بحق اللّه عن هذا الصلف‏* * * بحياة من جمع المكارم و الكلف‏

ملك الملوك بن الملوك عن السلف‏* * * خلف بن أبى ليث خلف‏ (1)

و إذا ما ذكرت قصة سياسته و عظمته و همته و وزارته و كفايته فإن القصة تطول، و قد سماه عظماء العالم كلهم الأمير السيد الملك العالم العادل ولى الدولة لأنه لم يبلغ أحد فى المكارم مبلغه و لم يكرم أحد رجال العلم و الدين مثل ما أكرمهم، و لم يقمع أحد رجال السفه و المخالفة و أهل الشر مثله، و كان الأمن مستتبا فى صحرائه أكثر استتبابا منه فى بساطه، و لم يكن لأبنائه فرصة أن يرفعوا أصواتهم على الخدم، و كان له العقاب و الأمر، و كان له ألف جاسوس فى الدنيا كلها فكان كل من ذهب إلى التركستان و الصين و الهند و الروم جاء و يخبره، و كان يقظا و كان له ألف فارس يغيرون على بست و زابلستان و واحد ناحية فارس و كرمان و واحد ناحية هراة و فوشنج و قاين و أخذها (استولى عليها) و كان يعتقل قادتهم فى أرك حتى لا يجد أحد القدرة على التعدى على ولايته، و لما تدهورت الدولة و انتهى عصرها نقول الآن قصته و أولاده، توفى الأمير أبو نصر و الأمير أبو الفضل كلاهما بلا سبب، و اعتقل الأمير عمرو رهينة فى عصر منصور بن نوح فى بخارى بسبب الجيوش التى أحضرها، و قبوله المال، و لما مات منصور بن نوح‏

____________

(1) مدحه كل من أبى الفتح البستى و أبى منصور الثعالبى، كما ذكره العتبى فى تاريخه و ذكر أبياتا لبديع الزمان فى مدحه، و لكن الأشعار التى وردت فى العتبى لم تكن هى هذه الأشعار (من تعليقات بهار).

290

تولى نوح بن منصور الولاية و كان صديقا للأمير خلف، و أعطى الأمير عمرو خلعة هناك، و أرسله إلى سجستان، و استولى على مدينة آيين بأمر من الأمير خلف.

عودة الأمير عمرو بن الأمير خلف من خراسان‏

دخل الأمير عمرو يوم الأربعاء الخامس من المحرم سنة ثلاثمائة و ثمان و سبعين المدينة فى أحسن هيئة، و أنزلوه فى داشن، و مضى لخدمته عظماء المدينة و المشايخ الأجلاء و كل القضاة و هم ينثرون النقود، ثم أمر أن يغلقوا المسجد الجامع فى آيين حتى يوم الجمعة، و مضوا لاستقباله جميعا فى وقت واحد، و أصدر الأمير عمرو إذنا (طلبا) حتى ينشغل بالحرب و الضرب، و لما انقضت مدة، عصى أباه، مضى مكحول الحاجب و بعض غلمانه معا إلى أبيه، و لما علم الأمير خلف الخبر أرسل الأمير أبا نصر مع جماعة من الفرسان إلى جوبن يوم الخميس الخامس من ذى الحجة سنة ثلاثمائة و ثلاثة و ثمانين و أسروه و حبسوه و مات فى حبسه يوم الإثنين التاسع عشر من المحرم سنة ثلاثمائة و أربعة و ثمانين، و كان الأمير خلف يدبر أمره على حال واحد حتى (توفى) الأمير عمو و أبو نصر و أبو الفضل، و كانا يسميانه الأمير طاهر الأسد الضامر (1) و كان يشبه رستم الأسطورى، و تزين العالم كله منه، و استولى على طريقى بست و طريق قاين و كرمان، و مضى لحرب الأمير أبى على بمساعدة سبكتكين، و لما تحاربوا و انتصر، قصد الأمير طاهر غرجوك مع اثنى عشر ألفا جاءوا من بعده إلى يودج، و عاد طاهر مع مائة فارس من غلمانه، و حارب و قتل غرجوك، و أحضر برأسه و سبعة أفيال من هذا الجيش و كثير

____________

(1) أشير باريك: كان لقبا لطاهر بن خلف و معناها الأسد الضامر (النحيل) و كانوا يسمونه هكذا و ذلك لشجاعته و رجولته.

291

من الخيول و السلاح و الخزائن. و أصبح رجلا مشهورا فى الدنيا بشجاعته و مروءته و حكمته و سخائه، و سر الأمير خلف به و فرح بأبيه، حتى مضى الزمان و أصابه الحسد، و مضى الأمير خلف إلى جبل أسپهبد مع حرمه و خدامه، و اتفق أن أمر السلطان محمود سبكتكين من هناك بجيش عظيم و كثير من الفيلة، و سمع أن الأمير خلف هنا مع حرمه و النساء فى الجبل، و كان جيش الأمير طاهر فى سجستان، و مضى السلطان محمود إلى سفح الجبل لثمانية عشر يوما مضت من جمادى الآخر سنة ثلاثمائة و تسعين، و لم يكن مع الأمير خلف أحد إلا النساء و خدامه السود.

مجى‏ء السلطان محمود بن سبكتكين رحمة اللّه إلى سفح جبل إسبهبد

و لم يكن له قياس، و استولى على الجبل بحيث إنه لم يستطع أى شخص إضاءة مصباح فى الليل لأنهم فى هذه الساعة ملأوا البيت بالسهام و هيأوا المنجنيقات، و فى النهاية قبل الأمير خلف الصلح و قبل مائة ألف درهم‏ (1) و خطبوا للسلطان محمود، و كتبوا اسم محمود على وجه السكة، و عاد السلطان من هناك يوم السبت لأربعة أيام مضت من رجب سنة ثلاثمائة و تسعين، و توقع الأمير خلف أن الأمير طاهر و جيش سجستان سيبيتون جيش السلطان، و كانوا ينتهزون منهم غفلة، و لما استعدوا (جهزوا) كان السلطان قد مضى، و خشى الأمير طاهر أباه فعصاه و استولى على فيله و جيش أبيه، و مضى إلى كرمان، و مضى هكذا إلى فارس و لم يقاومه أحد.

____________

(1) ذكر العتبى فى تاريخه أن المال الذى اصطلحوا عليه كان مائة ألف دينار و ذكره الكرديزى فى تاريخه ألف دينار أيضا.

292

ذهاب الأمير طاهر إلى كرمان فى شعبان سنة ثلاثمائة و تسعين، و لما سمع الأمير خلف فى الجبل هذا الخبر انكسر قلبه، و جاء فى شعبان إلى خورانديز (1) و هؤلاء الذين قدموا لجيش السلطان محمود العلف عندما انتهت دولتهم أمر بإحراق غلالهم، و هم لا يستحسنون هذا و قضى اللّه أنه فى هذا العام كثر الترنجين (الصمغ) بحيث يأخذ كل رجل منه ألف من، حتى اغتنى الصغير و الكبير منه، و مضى الأمير خلف إلى قلعة طاف و غضب على أهل سجستان و مشايخها و العيارين و خافوا منه و لم تكن الجرأة لأحد قط منهم على أن يمضى إليه إلا الفقيه أبو بكر النيهى‏ (2)، و كان الأمير خلف فى طاف و قضى شهر الصيام هناك، و قدم المدينة فى العيد و لم يجعل لأحد طريقا إليه إلا الفقيه أبا بكر، و سرعان ما عاد و مضى إلى طاف ثم جاء إلى المدينة فى ذى الحجة، و سمح للمشايخ أن يقابلوه و يمثلوا فى حضرته فى محله درنيشكو، و من هناك دخل المدينة عند ما مر عيد الأضحى و مرت عدة أيام عاد الأمير طاهر من كرمان مع مجموعة قليلة و حالة سيئة (3).

____________

(1) خوارنديز: لم تذكر فى كتب الممالك و لكنها خورندير (وديز) بلهجة أهل خراسان و سجستان (دز) نفسها بمعنى القلعة و يقال شاهان دز.

(2) نسبة إلى قرية (نيه) و هى من رساتيق سجستان و هى محلة من محلات سجستان الحالية.

(3) يذكر هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابى فى الجزء التاسع من تاريخه المعروف بتاريخ التاجى فى حوادث سنة 390 ه ذكر فى شرحه لحملة طاهر و استيلائه على كرمان عبارة على النحو التالى: فى هذه السنة ورد طاهر بن خلف المعروف بشير باريك كرمان منافرا لخلف أبيه ثم تغلب عليها و ملكها و انضم إليه كثير من عساكرها، و انتهى أمره إلى الهزيمة و العودة إلى سجستان، و بعد ذلك فإن حملة طاهر على كرمان و عاد بعدها إلى سجستان، و قتل بيد خلف و يقول و عاد طاهر من بم إلى سجستان، و أسر جماعة من أعاظم الديالمة من القادة و الكتاب العظام، و عاد بهم مثل أبى موسى خواجة غيره، و يقول إن هؤلاء الشجعان عاونوه فى حربه ضد أبيه بشرط أن يعطيهم الحرية و العودة إلى كرمان، و قد أطلق سراحهم و سمح لهم بالعودة (من تعليقات بهار).

293

عودة الأمير طاهر من كرمان‏

و أرسل رسولا إلى أبيه أن ما صنعته صنعته بسبب خوفى من ظنك، و مضى الآن ما مضى و أنا عبدك و أفديك بالروح- و قد رجعت- و هيأ لى مكان حتى أمضى إليه ولى نفقات أقنع بها، فسب الأمير خلف الرسول و قال له إنه ليس ابنى حتى أفعل معه شيئا، و لما عاد الرسول بالرسالة، قصد الأمير طاهر المدينة، فسمع الأمير خلف الخبر و أخرج الجيش، و كان قائد جيش الأمير طاهر زينب، و كانوا يسمونه فى هذا الوقت القائد، و تواجه جيش الأمير طاهر و جيش الأمير خلف على ضفة هيرمند، و تحاربوا، و هزم الأمير طاهر جيش أبيه، و قد انخلعت قلوبهم رعبا، عندما قدموا أمام الأمير خلف منهزمين و متعبين و بعضهم قتلى، فعلم الأمير خلف أن المحنة نزلت به و يجب على الأب أن يفر أمام ابنه، و مضى مع خواصه إلى طاف، و دخل الأمير طاهر المدينة فى صباح يوم الثلاثاء و غرة المحرم سنة ثلثمائة و إحدى و تسعين، و كان أهل القصبة أغلقوا أبواب الحصن بأمر من الأمير خلف، و نزل الأمير طاهر فى القصر اليعقوبى، و استقر و أصبح جيشه أقوى و أغنى من جيش أبيه، و نزلوا هناك و مضى عيار و سجستان، و لما حل وقت صلاة الظهر فتحوا أبواب القلعة وصفت المدينة للأمير طاهر و القلاع فى كل مكان إلا طاف لأن الأب مستول عليها.

دخول الأمير طاهر المدينة و استيلاؤه على الولاية

و لم يمض زمن طويل (طويل زمان) حتى جمع الأمير طاهر الجيش و القادة و العيارين و غوغاء المدينة، و مضوا إلى أسفل قلعة طاف، و خاضوا الحرب و أقاموا المنجنيقات من أسفل إلى أعلى فى جرأة و بسالة، ثم عاد الأمير طاهر من هناك بعد

294

مدة و جاء إلى المدينة و توسط الرسل بينهم و تصالحوا، و أرسل الأمير خلف خواصه كلهم إليه ليخدموه، و انخدع الأمير طاهر حتى نهض مع مجموعة قليلة ليمضى إلى أبيه، و قال الأشخاص التى كانت لهم الجرأة لا ينبغى (و قال من كانت لهم الجرأة لا ينبغى) فإن الأمير خلف مكار (غدار)، و أدرك محنته و لا ينبغى أن يبقى ابنه، و من الخطأ أن يمضى و تنقطع مادة هذه المملكة و دولة هذه المملكة و دولة هذه الأسرة بسبب حقده، فإن كل إنسان إذا ما انتهت دولته لابد أن يسلك طرقا معوجة حتى تنتهى هذه الدولة و الملك، و لم يلتفت الأمير طاهر و مضى مع جماعة قليلة و نزل أسفل القلعة و أرسل شخصا لأبيه قائلا: ها أنا قد قدمت و ركب و مضى إلى باب القلعة، و لما رآه أبوه من بعيد نزل من هناك و مشى، و كان تنبوى مهتر و تنبوى كهتر (و كان تنبوى الأكبر و تنبوى الأصغر) الزنجيان من المبارزين، و كان الأمير خلف قد أخفاهما خلف باب القلعة و قال لهما: عندما أعانقه و أقول الحمد للّه أخرجا و ساعدانى حتى أدخله القلعة، و لما رأى الأمير طاهر أباه قادما و وقعت هيبة أبيه فى نفسه، نزل عن جواده و قبل الأرض و أقدم عليه بخفة و عانق أباه و قال:

الحمد للّه فقفز الزنجيان إلى الخارج و عاوناه لأنه لم يكن معه أى سلاح و لا غش فى قلبه، و أخذ العهود و أقسم الأيمان، و عاهد الأمير خلف كذلك، و أقسم أغلظ الأيمان، و لكنه أخلف (نكث العهد) عهده و حمله إلى القلعة و قيده، و مضى الجيش الذى كان معه إلى القصبة، و مات رحمة اللّه عليه فى هذا الحبس (السجن) يوم الإثنين لأربعة أيام مضت من جمادى الأول سنة ثلثمائة و اثنين و تسعين، و كان انتهاء آل يعقوب و عمرو فى هذا اليوم، فما كان لأحد قط من بعدهم دولة و اللّه تعالى يعلم كل ما يكون، و حاصر أهل سجستان و جيش طاهر و العيارون المدينة، و أظهروا شعار السلطان محمود لتخويف الأمير خلف، و هتفوا للسلطان محمود.

295

الاستيلاء على القلعة باسم السلطان محمود و عيارى سجستان‏

و كان أبو سعيد بن حسين قائدا حمل طبلة إلى در طعام، و كان يقرعها هاتفا للسلطان محمود و ألقوا (و طرحوا) اسم آل عمرو من الخطبة، و خطبوا باسم السلطان منفردا، و كتب طاهر زينب فى المدينة رسالة، و أرسل رسولا إلى السلطان محمود قائلا: إن الحال وقع هكذا، و خلصت لك المدينة، و كان السلطان حسن ابن عبد اللّه بن قارى المعروف بعبد اللّه ملوك أرسل رسولا حتى يتعرف على حال المدينة و الناس و العيارين و ليخبره (و ليخبره عن هذا) عن هذا بدقة (بصحة)، و لما جاء حسن بن عبد اللّه إلى هنا مضى الأمير طاهر بن زينب مسرعا إلى السلطان، و عرفه صحة (جلية) الأمر، و ليس لطاهر خلاف قط فى هذا الأمر إلا أن الدولة انتهت، إلا أنه اقتلع شجرة دولته بيده، و لما أيقن محمود أعطاه الخلع و أرسل معه الحاجب قبجى‏ (1) الذى كانوا يسمونه غلاغوش مع ألف فارس، و جاء معه طاهر ابن زينب و أنزله فى زاوية داشن، و كان الأمير خلف جالسا فى طاف متمكنا، و كان كل هذا فى سنة ثلثمائة و تسعين، و كان يمضى راكبا إلى در طعام مستكشفا حركات الجيش السلطانى، و كان هذا كله على مقدمة الحبلين السلطانى أبو الليث أبو جعفر أبو سهل بن رزنجى ثم هجم الأمير خلف فى النهاية و قبض على أبى الليث و حمله إلى طاق و أمر ان يقتلوه.

و قبض على جماعة من جيش السلطان و قتلهم، و لما سمع السلطان خبر عدم استقامة أمره هناك (أن عمله لم يصبح مستقيما هناك) و مضى بنفسه مع جيش‏

____________

(1) ذكره العتبى (فتحى) الحاجب و يقول: إنه أحد المحتشمين من قواد ناصر الدين سبكتكين و ذكره ابن الأثير (قنبجى)، و قد ذكرت فى هذا الكتاب فى موضع آخر (قبجى) و من المحتمل أن تكون (قابجى) و هو اللقب التركى للحاجب (من تعليقات بهار).

296

عظيم عن طريق كش، و نزل على باب قلعة طاف، و بدأ الأمير خلف الحرب، و مضى المشايخ و أهل المدينة جميعهم إلى محمود، و قصد فتح القلعة، و استولى على ريعن خارج القلعة، و قصد ربض ميان، و علم الأمير خلف بعجزه، و مضى خواص سجستان و عوامهم إليه فتصالحوا، و استجاب له السلطان محمود قائلا:

انزل كما تريد و بقدر ما تريد و لا شأن لأحد قط بمالك و أهلك و اختر لنفسك أى جهة تريد أن تمضى حتى أرسلك إليها، فإن أهل سجستان لا يسرون بك على أى وجه، و ليس هذا شغلا تكلفته، و لكن صنعته على نفسك فماذا نستطيع أن نفعل فى تلك الحالة التى وقعت، فنزل الأمير خلف بعد صلاة العشاء ليلة الأحد الثانى عشر من صفر سنة ثلثمائة و ثلاثة و تسعين، و عليه الطيلسان فى هيئة العلماء و الزهاد و ركب حمارا مصريا و أمامه شموع موقدة.

هبوط الأمير خلف من قلعة طاق للصلح و ذهابه من سجستان إلى خراسان‏

و دخل أمام السلطان محمود، و لما اقترب منه نهض محمود و عانقه و أجلسه بجانبه و سأله سؤالا حسنا و استرضاه و طيب خاطره و أمل آمالا حسنة و سأله فى النهاية لما جاء الأمير إلى سجستان أصبح الحال على جملة هذا (هكذا) فأين تريد و أى مكان يختاره لنفسه قال الأمير خلف: لى صداقة مع ابن كاكوى‏ (1) و إذا ما سمانى (تركنى) هنا فأنا أحب هذا أكثر و إلا ما استصوبه و رآه السلطان فأعاده إلى‏

____________

(1) هو علاء الدين بن كاكويه من الأمراء الديالمة، و صاحب أصفهان، و كنيته أبو جعفر و أبوه دشمنزيار خال مجد الدولة، و يسمون الخال فى اللغة الفارسية الديلمية كاكو و كاكوى (من تعليقات بهار).

297

القلعة و قال: امض إلى القلعة عند عيالك، و أرسل فى اليوم التالى شخصا قائلا: إن لى متاعا و ثقلا و لا بد من خيول تحمل حرمى و أمتعتى فأمر السلطان بإعطائه خمسين بغلا و خمسين جملا، و حمل ما أراد من الذهب و الفضة و الجواهر، و مضى ناحية خراسان، و أرسل حاجيا معه حتى يخدمه، و كان يحمل معه العلف و كل ما ينبغى حتى يصل إلى مقصده إن شاء اللّه‏ (1).

صفاء ملك سجستان للسلطان العادل العالم يمين الدولة أبى القاسم محمود ابن سبكتكين يوم الأحد فى صفر سنة ثلاثمائة و ثلاثة و تسعين‏

و مضى محمود من هناك، و جاء إلى المدينة و نزل فى كركنك، و كان مقصوده أن يعطى المدينة و عمل سجستان إلى طاهر بن زينب، و كان قد سأل طاهرا من فى سجستان يوثق فى قوله، و كان طاهر قد قال إنه الفقيه أبو بكر النيهى، و لما استقرت الأمور و طلب عهد طاهر أمر أن يعطى بأن العهد مكتوب بولاية سجستان، فاستدعى أبا بكر النيهى و قال: لقد أخذت من هؤلاء الأشخاص طاهر ابن زينب لأعطيه سجستان من ناحيتنا فإنهم يقولون: إنك لا تقول كلاما فيه محاباة و لا رياء، قال: لا يليق طاهر بهذا الشغل، فاستدعى السلطان طاهرا و قال: لقد وكلنا

____________

(1) سلك العتبى فى هذا الموضع سبيل الإغراق، و ذلك نظرا لعظمة يمين الدولة الذى كان ولى نعمته فيقول: و أقبل خلف بن أحمد على بذله الجايزه حتى أستأذن له على السلطان ففعل و أهوى إلى الأرض شبيبته البيضاء، و لكن ابن الأثير يقول: إن كانت هذه الأقوال نقلها العتبى بقوله فى ذلك الجزء و قيل عنه إن خلف وقع فى التراب، و لم يذكر أنه مسح لحيته بالتراب كما لا يذكر العتبى خبر ابن كاكوى و يقول: إن خلف اختار الذهاب إلى حوزجانات، و إنهم أرسلوه إلى ذلك المكان.

298

إليك سجستان، و لكن أبا بكر بن ينهى يقول: إنك لست أهلا لذلك فتجلد طاهر و أظهر الحكمة، و لما كان قال هذا و هو المعتمد و لم يثر قوله أى خلاف و قال: إنه يقول الحق (إن ما يقوله حق) ثم سلم المدينة و الولاية إلى قبجى إلى الحاجب و جعل الوكالة لأبى على شاد بناء على اختيار المشايخ، و أمر أن يخطبوا لقبجى و كان هذا كله فى صفر سنة ثلاثمائة و ثلاثة و تسعين، و عاد السلطان محمود بطريق بست و مضى.

بداية تولى الترك على السجستانيين‏

و لما خطبوا باسم الترك على منبر الإسلام، كانت محنة سجستان فى هذا اليوم، و لكن لم ينل سجستان أى ضرر إلى ذلك الوقت، و منذ عهد يعقوب و عمرو لم يكن فى العالم كله بلاد قط أكثر عمرانا من سجستان، و سموا دار الدولة نيمروز حتى ذلك اليوم الذى أخرجوا منه الأمير خلف سجستان بسبب الثورة التى قامت عليه حتى رأوا ما رأوا و ما زالوا يرونه، و يعلم اللّه تعالى أنه تنقضى عدة أزمنة و هكذا كان الشأن على هذا النحو حتى جمادى الاخر من السنة نفسها، و فى تلك الليلة التى لم يكن فيها خبر حتى ذلك اليوم الذى صاح فيه غوغاء المدينة و عيار خوج‏ (1) و اضطربت المدينة، فقد رجع هؤلاء القادة و العيارون الذين استقدمهم السلطان محمود معه، و كان تركهم فى بست و غزنين، و مضى إلى الهند بحيث لم يعلم عنه خبر فظنوا أن محمود ربما مضى فاستولى عليهم الطمع و الفساد، و كان أبو بكر بن عبد اللّه حفيد الأمير خلف من ناحية البنت و أبو الحسن الحاجب فقد

____________

(1) خوج: اسم محلة أو ناحية فى زرعج متصلة بالمدينة، و يقولون عنها إن العيارين رفعوا صوتهم فيها.

299

أحضروا هؤلاء العيارين، و جمعوا الناس، و لم يوجد طبل فجاء بقدر كبير من النحاس و طرقوها و هتفوا لأبى بكر، و استولوا على المدينة، و قصدوا القبجى و ركب القبجى و الجنسين فى الليل و خرجا من المدينة منهزمين، و نزلا فى كركتك و محلة ميار، و دخل الأمير أبو بكر فى قلعة أرك و استقر هناك، و اجتمع الناس معه، و خطبوا له فى يوم الجمعة، و كان محمود قد أمر أن يثقبوا سور المدينة ثقوبا كثيرة، فعاد من سجستان حتى لا يكثر الفساد، فأمر أبو بكر بترميمها، و كان جيش السلطان فى كرنك، و مضى خلق كثير منهم و بإراداتهم ما يقرب من ألف فارس فى نواحى سجستان، و كان أكثر الهنود كفارا فقتلوا معظمهم، و استولوا على الخيول و الأمتعة أمام بيش‏زرة، و لجأ بادار (1) أبو فضل و بادار مظفر ابنا أبى نصر أبى العباس و إسحق بن عروة و مائة فارس منهم إلى الأمير أبى الحسن الكاشانى و كان معه ألفا رجل فى ييش‏زرة، و لم يكونوا عصاة للسلطان، و لكن عاونوا جيشه و أرسل الأمير أبو بكر الرسائل و الرسل إليه إلا أنه لم يقبل و لم يحضر، و قال: لقد انتهت هذه الدولة و لا يمكن أن يدوم هذا العمل، و جاء غلمان الأمير خلف و مائة فارس إلى الأمير أحمد أبو الحسن الكاشنى، و كان أرسلان الزنجى نقيبا، و أقام القادة المعروفون و هو فى رندان‏ (2) حتى اجتمع أولياء السلطان من فراة و أوق و ييش‏زرة ثم قصد القصبة و مضى مع الجيش السلطانى و استقر فى مكان، و حارب أبو بكر أبا الحسن الحاجب قائدا لجيشه، و مضى المفترون إلى السور و ارتقى المفترون على السور، و كانوا يحاربون كل يوم، و لما وصل الخبر إلى غزنين، كان مع القبجى إلى سعيد بن حسين و أبا على بن أبى الحسن و كانا قائدين عظيمين، و مضوا من هناك مع نوح من جيش محمود، و علموا بخبر عودة السلطان من الهند، و دخل جيش محمود من باب نواى فى هذا اليوم، و كان القوم‏

____________

(1) ذكر فى موضع آخر (بادار بو جعفر) و يبدو أن (بادار) كان لقبا للأعيان و أصحاب الضياع.

(2) راندان: اسم مكان و من المحتمل أن تكون تصحيفا لكلمة (روذان) و قد كررت فى هذا الكتاب كثيرا

300

كثيرا من المشاة مع الأمير أحمد بن أبى الحسن بن كاشانى، و قتل كثير من عوام سجستان، و استولى أبو الحسن بن أبى على مع القبجى فى اليوم نفسه على باب فارس و با بكركوى و أبو سعيد بن حسين على باب طعام، و حاصروا أبا بكر و رجاله فى القلعة و المدينة و القصبة و جيش السلطان و العيارين، و نزل الأمير أحمد أبى الحسن الكاشانى فى در فارس و أبو الحسن بن بو على و القبجى فى در كوكوى و أبو سعيد بن حسين فى در طعام، و كانوا يقيمون الاستحكامات حول القلعة، و كان هذا كله آخر شعبان سنة ثلثمائة و ثلاثة و تسعين، و كانوا يحاربون كل يوم فى كور (1) القلعة حتى وصل السلطان محمود فى اليوم الثانى من عيد الأضحى‏ (2) بجيش كثيف و نزل فى حلفا باد، و ركب فى اليوم التالى، و طاف حول ضفة باركين و القلعة كلها و نظر و بدأ فى تدبير الحرب و الاستيلاء على الحصن من البداية، و وضع المنجنيقات، و استولى على الأرض المجاورة و نصب على ضفة باركين (البركة) و على كل جهة مقابلة لأرك منجنيق عروسى و أطلقوا المنجنيقات، و هدموا جزءا من خضر أبرارك فقال محمود جاء بفأل حسن و النصر لنا، و لما مضت خمسة أيام على العيد كان يوم الجمعة و لم يصل أحد فى المسجد الجامع لسجستان لانكسار (الانفطار) قلوب أهل المدينة و القلعة، و لما كانت ليلة السبت و فى وقت صلاة العشاء قالوا لأبى الحسن الكنهنزى حيث كان عيار صديقا لأبى سعيد فتح در طعام و نادى محمود و لم يكن لأبى بكر و جمعة خبر قط حتى صعود الغلمان كلهم من قصر محمود إلى القلعة، و صعدوا على السور و قرعوا الطبل و نادوا محمود و جعلوا يغيرون و يحرقون و أحرقوا الأسواق و القصور، و أغاروا

____________

(1) كور: بفتح الأول و كورة بالفتح و الضم: هى الأرض الممتلئة بالمرتفعات و المنخفضات و المراد بها هنا الاستحكامات حول القلعة.

(2) يذكر ابن الأثير أن هذه الحرب و فتح هذه القلعة كان فى شهر ذى الحجة سنة 393 ه (ابن الأثير ج 9، ص 60).