تنزيه الأبصار والأفكار في رحلة سلطان زنجبار

- زاهر بن سعيد النخلي المزيد...
295 /
153

الباب الرابع و العشرون في زيارة سعادة السلطان لبنك أف انكلند

بعد خروج سعادة السلطان من دار الحكم قصد الفرجة على بنك أف إنكلند المحاذي دار الحكم. فلمّا دخل إليه استقبله مدير و البنك، و ساروا به يفرّجونه على ما في البناء من النقود و الخزائن و الذهب و الفضة و النحاس. فأدخلوا سعادته أولا إلى قاعة طبع أوراق البنك، فسرّ السيد غاية السرور بما رأى فيها من الأوائل التي كانت تطبع أوراق بنك بقيمة خمسة ليرات (باون) و أوراق بقيمة عشرين روبيّة لحكومة الهند.

و لفرط سروره بتلك الأوائل الغريبة التركيب أخذ السيّد يستقصى في أحوالها، و يستفهم من مدير البنك عن تفاصيلها باعتناء شديد، فأخذ المدير يشرح لسعادته عن أحوال تلك الأوائل بتفصيل.

ثم ساروا بسعادته إلى قاعة عدّ النقود، و هناك عرضوا على سعادة السلطان أن يوقّع اسمه الشريف على ورقة بنك بمبلغ 1000 ليرة. فتناولها السيد، و كتب فيها اسمه الكريم بخطّه. ثم سلّمها إلى مدير البنك. فتناولها المومأ إليه و شكر لسعادته ذلك.

ثم دخل السيد قاعة وزن الذهب و النقود، و رأى فيها آلة صغيرة عجيبة التركيب تزن الليرات من تلقاء ذاتها و تفرّق الليرات الناقصة من الكاملة. ثم ترمي بالناقصة إلى جهة و الكاملة إلى جهة أخرى.

و من غرائب هذه الآلة أنها تقف بضع ثوان عندما تزن الليرة لإتقان عيارها، فالتفت السيد- أعزه اللّه- إلى خليله جرجس باجر الفقيه و قال له و هو يمزح:" أرى هذه الآلة كأنها تفتكر عندما تزن الليرة لتتحقق ثقلها قبل طرحها إلى جهة من الجهتين".

154

و كان على الخوان‏ (1) كومة من الليرات مهيأة للوزن. فالتفت واحد من حشم سعادة السلطان، و سأل مدير البنك:" ما قدر هذا الذهب المتكدس على الخوان؟" قال له المدير في جوابه:" يبلغ نحو 40000 ليرة". فتبسم السّائل، و قال:" هذا يوازي ما تملكة يديّ من المال".

ثم ساروا بسعادته من هناك إلى قاعة أوراق البنك و الصّكوك الكائنة في كهف تحت الأرض. و في دخول سعادته إلى هذه الخزنة عرض مدير البنك عليه أوراق بنك قدرها مليون ليرة (باون)، و فرّجه أيضا على كومة أخرى من أوراق البنك بمبلغ ملايين من الليرات ممّا يدهش العقل.

ثم أدخلوا سعادته إلى قاعة أخرى من قاعات ذلك الكهف كان فيها صندوق من حديد كبير الحجم. ففتحه المدير. فرأى السيد فيه صرّات عظيمة من الذهب. فتناول المدير منها صرّة و سلّمها لسعادته. فتناولها السيد، و قال:" كم في هذه الصرة من النقود؟" قال المدير:" ألف ليرة". فتبسم السلطان و قال:" ما حاجتنا بمشاهدة غير هذا الصّندوق، فليأخذ كل منا صرّة و يخرج و هو خير فرجة و غنيمة!".

و كانت أشغال البنك سائرة على مألوف العادة بدون أن يحصل توقيف فيها حين كان السلطان يتفقد أحوال البنك و مخادعه. و كان الناس قد اجتمعوا من كل فج عميق إلى ساحة البنك يريدون مشاهدة سعادته. و كان حرّاس البنك ساهرين على حفظ الهدوء و الترتيب و منع القلاقل و الازدحام.

هذا ما كان من سعادة السيد و فرجته على بنك إنكلند.

____________

(1) ب: الجانبين‏

155

أما ما كان من أحوال هذا البنك فنقول: إنّه أعظم بنوك‏ (1) الدنيا و أوفرها غنى‏ (2) و مالا و هو خزنة العالم بأسره. و أعظم أغنياء البشر شرقا و غربا يستودعون رؤوس أموالهم و فضلات دراهمهم في هذا البنك.

أما بناؤه العظيم فهو على طبقة واحدة و تحته أقبية و كهوف صخرية و يشغل من الأرض مسافة ثلاثة فدادين. و طول واجهته الجنوبية تبلغ نحو 120 ذراعا و الغربية 140 ذراعا و نيف.

و في هذا البناء مخادع شتّى للمديرين و المتوظفين و الكتبة و غيرهم، و ثمانية أروقة فسيحة.

و قد شادوا هذا البناء بهندسة محكمة من صخر أصمّ، لا تؤثر فيه النار إذا عرض عليه حريق‏ (3). أما قاعة الصرافة، أو دفع النقود، فهي فسيحة جدا و موضوع في صدرها تمثال الملك غليوم الثالث بهذا الاسم. و في أعلى هذه القاعة وضعوا سنة 1812 ساعة كبيرة عجيبة التركيب و الأوائل‏ (4) و لها ستّ عشرة مينا (5)، و كل مينا مصمودة (6) في مخدع من مخادع البنك على بعد و معزل عن آلة الساعة. و قد وصلوا بين دواليب الساعة و بين كل مينا بسلك كهربائي يبلغ طوله 225 ذراعا و نيفا، فتنقل الكهربائية (7) حركات دواليب الساعة إلى المخادع المصمودة (8) فيها المينا، و تدير (9) العقارب على ساعات الوقت بضبط و إحكام لا يعتريه خلل.

____________

(1) أ: بنوكة

(2) أ، ب: غناء

(3) ب: إذا تعرّض للحريق‏

(4) و الأوائل: ساقط في ب‏

(5) ب: الميناء. و المقصود سطح الساعة الذي يحمل الأرقام‏

(6) ب: موضوعة

(7) ب: الكهرباء

(8) ب: الموضوعة

(9) ب: تدور

156

أما القبو الصخري فهو تحت قاعة الدفع، و قد جعلوا فيه صندوقا عظيما من الحديد يسمونه (المخدع المنيع) يحفظون فيه الذهب و الفضة و الدراهم الموضوعة أمانة في هذا البنك، و هي في مكان أمين لا خوف عليها من سارق ينقب، و لا نار تحرق. و ينزلون إلى هذا القبو كما ينزل حفارو المعادن إلى قلب الأرض في جبّ عميق. و الى جانب هذا القبو أقبية أخرى فيها قضبان و أقراص من فضة و ذهب لضرب الدراهم. وقبو آخر فيه أوراق بنك لم تخرج بعد إلى أيدي الناس. وقبو آخر فيه أوراق بنك قد دفعت قيمتها، و لكنها تحفظ هناك عشر سنين قبل أن تحرق.

أما أشغال البنك فهي تحت إدارة رئيس عام و نائبه. و تحت أيديهم 24 مأمورا. و لا يلبثون في تلك الوظائف أكثر من سنة و في ختامها ينفصلون. و تنتخب الحكومة خلافهم. و لا يسمح لمن يوظف في إدارة هذا البنك أن يتعاطى‏ (1) تجارة أو مصلحة أخرى لخاصّته‏ (2)، أو يتاجر في أوراق البنك أو الحوّالات أو خلافها، بل يفرض عليهم أن يقنعوا (3) بما لهم من الرّاتب لمعاشهم.

أمّا رأس مال هذا البنك فكان في بداية أمره 1200000 ليرة (باوند) و لكن من تاريخ سنة 1816 قد بلغ 14606500 ليرة.

ثم خرجوا بالسيد من البنك، و ساروا به إلى دار السكة التي تضرب فيها الدراهم. و في ذهابهم كان الشعب يتقاطر أفواجا ليرى سعادة السلطان، و كانوا إذا رأوه حيّوه بأشرف تحيّة و سلام. و لما وصل إلى دار السكة خرج إلى لقائه مستر فريمنتل مدير [دار] السّكة و معاوناه مستر روبرتس و مستر هيلن و أدخلوه إلى أماكن الشغل. ثم طلبوا إليه أن يدوّن اسمه الشريف في سجل الزوار حسب العادة، ففعل.

____________

(1) ب: يعمل في‏

(2) ب: لحسابه الخاص‏

(3) أ، ب: يعتنوا

157

ثم ساروا به إلى أتون النار حيث يصهرون الذهب و الفضة و باقي المعادن. و أخرج الفعلة بوتقة كبيرة فيها من النحاس المصهور، و أفرغوها في القوالب المعدة لها أمام سعادته. ثم انتقلوا من هناك الى مكان سكب قضبان الفضة و الذهب توطئة (1) لسكّ الدراهم و الدنانير. ثم ساروا إلى مكان قطع القضبان أقراصا في شكل صحائف مستديرة استعدادا لضربها ليرات، و ضرب الزّنجير على دائرها (2). و كانت الآلة تضرب، ثمّ تطبع 600 ليرة في برهة دقيقة من الزمان. ثم ذهبوا به إلى مكان ضرب الشلينات و دراهم النّحاس، فرآها، و سرّ بطريقة شغلها، و عملها غاية السرور.

و بعد أن فرغ السيد من الفرجة على كل ما كان يستحق النظر إليه، شكر لمدير السكة و أعوانه حسن مكارمهم و صافحهم، و ودعهم. و خرج بحشمه إلى مرسى المراكب حيث صرف بقية نهاره في الفرجة على حسن الميناء و مرساها و ترتيبها. ثمّ عاد مسرورا غانما إلى قصره.

____________

(1) أ: استحضار

(2) و ضرب الزنجير على دائرها: ساقط في ب‏

158

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

159

الباب الخامس و العشرون في قبول سعادة السيد برغش لعمدة المرسلين‏

اليوم السادس و العشرون من شهر جون (حزيران) (21 جمادى الأولى) كان السيد برغش في منزله، فقدمت عليه عمدة جماعة المرسلين، و في مقدمتهم لورد شيشستر.

و كانت العمدة مؤلفة من الشريف آرثور كينرد من أعضاء مجلس النواب و مستر هابيل سميث من أعضاء مجلس النواب و مستر هولت من أعضاء مجلس النواب و سار فاول بكستن و القبطان الشريف ماود و القسّ المحترم ريط و مستر ادورد هتشنسن كاتم سر الجمعية و غيرهم.

و كان في معية سعادة السلطان الدكتور كيرك و جرجس باجر الفقيه و مستر كليمنت هيل.

فنهض لورد شيشستر، و تلا خطابا باللغة الإنكليزية ترجمه إلى العربية الفقيه جرجس باجر إلى سعادة السلطان. و هذا ملخص ذلك الخطاب.

قال:" قد أنشأت جماعة المرسلين مدارس و منازل لتهذيب الزنوج في سواحل أفريقية الشرقية منذ أربعين سنة و أكبر مراكزها في جزيرة ممباسا على مسافة مائة ميل من جزيرة زنجبار.

و لها مركز آخر في أصل البرّ على مسافة نحو 30 ميلا من الساحل".

" و قد اقتصر هؤلاء المرسلون على تعليم الزنوج و تهذيبهم، و لم يتعرّضوا إلى العرب و المسلمين. و واحد من هؤلاء المرسلين اسمه ربمان قد برع في إتقان لغة الزنوج حتى صار كواحد منهم في لهجة اللسان و أوسعهم علما في جوامع الكلام. و الثاني منهم الدكتور أكراب قد نبغ في سياحته في قارة أفريقية و اكتشف فيها أمورا مهمة في فنّ الجغرافية. و قد ذكر سار

160

بارتل فرير في مخابراته مع الدولة البريطانية المحفوظة في" كتاب الدولة الأزرق‏ (1)" عن سعي هؤلاء المرسلين في تهذيب الرقيق المعتوقين و تعليمهم واجبات الانسانية في ظل ظليل سعادة السيد برغش سلطان زنجبار و ما يليها".

" و قد ذهب المرسل ابرايس من ناصيق إلى ممباسا لينشئ محلا يأوي إليه الرقيق المعتوقون، و قد أخذ معه سبعة رجال ليساعدوه في هذا العمل المبرور. و قد عوّلوا على تعليم أولئك الرقيق المعتوقين صناعة الحراثة و الزراعة و باقي الصنائع اللازمة لقيام المعيشة و نجاح التمدّن".

" و قد وعدت هذه الجمعية جلالة الملكة أن يعتني أولئك المرسلون بتهذيب‏ (2) جميع الرقيق الذين يسلّمون لعنايتها، و أن يعلموهم جميع الصنائع اللازمة عفوا (3). ثم كان حاكم ممباسا أن تعرض للمرسلين و أنكر عليهم قطعة من الأرض طولها نحو مسافة ميل كان يحتاج إليها المرسلون لإنشاء مدرسة. و لكن لمّا عرض الدكتور كيرك هذه المسألة على سعادة السيد برغش أمر السيد بأن يرسل خبرا إلى حاكم ممباسا أن لا ينغّص على المرسلين، و لا ينكر عليهم شيئا مما يحتاجون إليه. و بحسن مساعي السيد زالت جميع المصاعب".

" و لم يقتصر سعادة السلطان على هذه المكارم، بل أمر أن تعفى- من المكوس و الضرائب- جميع الأمتعة و البضائع التي يستجلبها المرسلون من أوروبا إلى بلاده لحاجة المدارس و لوازم المرسلين. و لهذا حقّ على هذه الجمعية أن تشكر لسعادة السلطان هذه المكارم العميمة، و تطلب إلى الحق- سبحانة و تعالى- أن يطيل عمر سعادته بالإقبال و العزّ".

____________

(1) هو كتاب يراجع سنويا، فيه قوائم الشخصيات المرموقة للمملكة المتحدة و ارلندة و استراليا و نيوزلندة و كندا و الولايات المتحدة، تلك الشخصيات تمثل الفنون و العلوم و التجارة و الحكم و الادارة. فصل:

297/ 2:Blue Book ,The :N .E .B

(2) أ، ب: في تهذيب‏

(3) عفوا: ساقط في ب. و المقصود بلا مقابل، بلا أجر

161

" ثم لا يخفى على ذوي الألباب أن نطاق التجارة قد اتسع غاية الاتساع منذ عني السيد- أعزه اللّه- بتحرير الرّقيق و إبطال تجارتهم من بلاده. و الدليل على ذلك واضح: فان بلد لاغوس‏ (1) لم يكن فيها تجارة أصلا لمّا كان النخّاسون يتردّدون إليها بالرقيق. و من بعد إبطال تجارة الرقيق صار يدخل إليها و يخرج منها أموال بقيمة مليون ليرة كل سنة".

انتهى ملخصا.

فلمّا اطّلع السيد برغش على فحوى هذا الخطاب كتب في جوابه رقعة بالعربي ثم ترجمها جرجس باجر الفقيه إلى اللغة الإنكليزية، و عرض على العمدة المذكورة أمر سعادته.

و لمّا كان جواب سعادة السلطان غير حاضر لدينا في أصله العربي، اقتصرنا على ترجمته من الإنكليزى إلى العربي، و أثبتناه في هذا الباب و هذا ملخصه:

" أيها السادات العمدة الكرام قد سررنا غاية السرور بالعرض الذي قدمتموه لنا و بترحابكم بوصولنا إلى بلادكم السعيدة، فنسأل الحق- سبحانه و تعالى- أن يسبغ عليكم و على جميع المحسنين إنعامه و يجزل ثوابكم".

" و أمّا نحن فلا يخفى علينا سعيكم الحسن و غيرتكم في إصلاح شأن الرّقيق الذين قد سعينا في تحريرهم، و مازلنا نسعى جهدنا بعونه تعالى. أما تقديمكم الشكران لنا على مساعدتنا المرسلين في بلادنا فهو حسناتكم الجميلة، فإنّ ما فعلناه، إلى الآن، و ما سوف نفعله في المستقبل بعونه تعالى، فهو لوجه اللّه الكريم، و عسى يكون ذلك حسنة عند (2) اللّه جل جلاله، و عمّ نواله، و هو حسبنا، و نعم الوكيل.

حرّر في محروسة لندن في 26 جون 1875

____________

(1) مقاطعة مساحتها 3535 كلم مربع حكمتها بريطانيا تحت اسم: مستعمرة لاقوس، ثم ألحقت بنيجيريا. فصل:

101/ 7:Lagos :N .E .B

(2) أ: في عين اللّه‏

162

(الإمضاء)

السيد" برغش بن سعيد"

و في أثناء ذلك نهض شيشستر و قدّم إلى سعادة السلطان كتابا مموّهة حواشيه بمحلول الذهب يحتوي على خرائط رسم الأرض، فتناولها السيد منه بشكر جميل و لطف أثيل. ثم قدّم له [رئيس‏] (1) عمدة المرسلين كتابا نفيسا يحتوى على أخصّ لغات الزنوج الخاضعين لملك سعادته، فحاز أيضا حسن القبول في أعين السيد، أعزه اللّه و أبقاه.

و بعد ذلك نهض رجال العمدة و تصافحوا مع سعادته، و انصرفوا.

____________

(1) أضفنا هذه الكلمة حتى يستقيم المعنى، لأن كلمة" عمدة" تعني الأشخاص المعتمدين، أي لجنة.

163

الباب السادس و العشرون‏ (1) في فرجة السلطان على معبد" وستمنسترأباي" (2)

بعد انصراف عمدة المرسلين خرج السيد وقت الظهر يريد الفرجة على معبد اسمه" وستمنسترأباي". فلما وصل إليه خرج إلى استقباله زعيم الدين ديان استانلي. و هو لابس ثوبه الرسمي في زي تلامذة مدرسة اكسفرد. و كان في رفقة سعادته أخصّاءه: السيد حمود بن حمد و السيد محمد بن حمد و السيد ناصر بن سعيد و الشيخ محمد بن سليمان و الدكتور كيرك و مستر كليمنت هيل. أما الفقيه جرجس باجر فلم يكن- هذه المرّة- في رفقة سعادته. و كان الدكتور كيرك يترجم للسلطان ما مسّت إليه الحاجة.

فساروا بسعادته في أروقة المعبد و صحنه، و صاروا يتفرّجون على ما فيه من النقوش و حجارة القبور و تماثيل ملوك الإنكليز القدماء و الرجال الأدباء و العلماء و الأفاضل، و شاهدوا فيما بين هذه التماثيل تمثال الفاضل فوكس و ويلبرفرس‏ (3) و قبر داود ليفينكستون‏ (4) الذين ضحوا بحياتهم لإبطال تجارة الرّقيق في أفريقية. و فيما كان السيد يجول في صحن المعبد لاحت منه التفاتة إلى مجموع صور كانت معلقة على جدران المعبد فنظر إلى واحدة منها و تعرّف عليها فهي فوتوغراف جبل موسى (طور سينا).

____________

(1) أ: الباب" الرابع و العشرون"، و هو خطأ

(2) كنيسة في ضاحية لندن الكبرى أسستها الملكة اليزابات الأولى سنة 1560، و وراء تأسيسها أسطورة. فصل:

607/ 12:Westminster Abbey :N .E .B

(3) وليام (1759- 1833) رجل سياسة قضى حياته في العمل على استصدار قوانين تبطل تجارة الرقيق. و قد صدر فعلا قانون سنة 1833 بعد وفاته بشهر. فصل: 654/ 12:Wilberforce ,William :N .E .B

(4) استكلندي (1813- 1873) مستكشف و منصرّ في البلاد الأفريقية. فصل:

17- 415:Livingstone ,David :N .E .B

164

ثم فى ختام الفرجة غنّى المغنّون مقامة الدولة البريطانية على دقات موسيقى الأرغن، و خرج السيد من المعبد بعد أن لبث برهة من الزمان أمام تمثال شكسبير الشّاعر الإنكليزي‏ (1).

هذا ما كان من فرجة سعادة السلطان.

أما ما كان من أمر هذا المعبد، و أصل تاريخ بنائه، و ما طرأ عليه من الحوادث و التقلبات فقصّته غريبة تستحقّ الذكر في هذا المقام. فنقول:" أنشئ هذا المعبد في القرن السابع للميلاد أي في صدر الاسلام. ثم ردم. ثم جدّد بناءه الملك ادورد الكنفسر الملقب" بالمعترف" (2) في أواسط القرن الحادي عشر (3) للميلاد. ثم عني بتوسيعه و زينته باقي الملوك الذين خلفوه. منهم: هنري الثالث‏ (4) بهذا الاسم، و ادورد الثاني‏ (5) بهذا الاسم، و ادورد الثالث‏ (6) بهذا الاسم، و ريشارد الثاني‏ (7) بهذا الاسم، و ريشارد الثالث‏ (8) بهذا الاسم، و هنري السابع‏ (9) بهذا الاسم، و هنري الثامن‏ (10) بهذا الاسم.

و هندسة بناء المعبد غوتية، على شكل صليب محرابه نحو الشرق و بابه نحو الغرب. و قد شادوا فوق باب المعبد برجين عاليين بهندسة غوتية غير صادقة، و هى أقرب إلى هندسة يونانية.

____________

(1) وليام (1564- 1616) شاعر انكليزي، و مسرحي و ممثل، يعرف بشاعر الإنكليز القومي، و يرى بعضهم أنه أعظم شعراء الزمان له آثار عديدة منها: هملت (1600) عطيل (1605) الملك لير (1606). فصل:

690/ 10:Shakespeare ,William :N .E .B

(2) عاش بين (1003- 1066) و حكم إنكلترابين (1042- 1066). فصل:

374/ 4:Edward ,Saint Edward ,The Confessor :N .E .B

(3) أ، ب: الثاني عشر، و الصحيح ما أثبتنا.

(4) عاش بين (1207- 1272) ملك إنكلترا (1216- 1272). فصل: 837/ 5:Henry III :N .E .B

(5) عاش بين (1284- 1327) ملك إنكلترا (1307- 1327). فصل: 375/ 4:Edward II :N .E .B

(6) عاش بين (1312- 1377) ملك إنكلترا (1327- 1377). فصل: 376/ 4:Edward III :N .E .B

(7) عاش بين (1357- 1400) ملك إنكلترا (1377- 1399). فصل: 43/ 10:Richard II :N .E .B

(8) عاش بين (1452- 1485) ملك إنكلترا (1461- 1483). فصل: 44/ 10:Richard III :N .E .B

(9) عاش بين (1457- 1509) ملك إنكلترا (1487- 1509). فصل: 839/ 5:Henry VII :N .E .B

(10) عاش بين (1491- 1547) ملك إنكلترا (1509- 1547). فصل: 840/ 5:Henry VIII :N .E .B

165

و هذا خلل جعل هندسة البرجين لا تطابق هندسة بناء المعبد بتمامه. و أجمل جهة من بناء هذ المعبد جهته الشمالية المسماة" باب سليمان" (عم) (1).

أما داخل هذا المعبد فلا اعتبار له عند العلماء و العقلاء و أرباب الفنون، لأنه ذو تعاريج لم تتقن صناعة الهندسة في بنائها. فمنها ضيّقة، و منها واسعة على غير نظام، و منها واطية السقف. و الحيطان مغطاة بتماثيل و حجارة منقوشة منها بالقلم اللاطيني. و منها الإنكليزي.

و جميعها بلا ترتيب و لا ذوق في فنّ الهندسة و الزينة. و ليس فيها نوافذ و طاقات كافية لملعب‏ (2) الهواء و تغييره، و هذا يجعل مناخ المعبد سقيما رطبا ذا عفونة تسبّب صداعا في الرأس لمن يبقى في ذلك المعبد مدة قصيرة من الزّمان. و يبلغ طول هذا المعبد من الشرق إلى الغرب نحو 140 ذراعا و عرض رواقه من 25 إلى 61 ذراعا و علو سقفه عن الأرض 31 ذراعا.

____________

(1) (عم) ساقط في ب‏

(2) ب: لتجديد

166

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

167

الباب السابع و العشرون في حضور سعادة السيد مأدبة لجنة فيشمنجر

لا يخفى على من له إلمام بأحوال‏ (1) بلاد الإنكليز أنهم قوم يحافظون على عوائد جدودهم، و يتمسكون بها غاية التمسك. فكان قدماء الإنكليز قد قسّموا أهل الحرف و الصنائع على أصناف، و كان لكل صنف لجنة و رئيس بمنزلة شيخ يتولى أمرها.

و كان السمّاكون صنفا من هذه الأصناف. و كان شيخ هذا الصنف مفوضا من الحكم أن ينزل كل يوم إلى سوق السمك، و يتفقد أحوال السمك قبل أن يعرض على البيع. و كان من واجباته أن يختار أحسن السمك و يرخّص ببيعه. و ما لا يستحسنه كان يأمر بحرقه و إتلافه. و كان أعضاء صنف السمّاكين يقيمون مأدبة شائقة كل سنة يحضرها جميع باعة السمك و أصحابهم.

و كان رئيس اللجنة أو شيخها يعطى لكل من حضر المأدبة علبة مملوءة من الحلوى ليأخذها معه إلى امرأته دلالة على أنه قد صرف ليلته في تلك المأدبة، و ليس في شي‏ء آخر يسوء امرأته.

أما الآن فرؤساء لجنة بيّاعي السمك قد جمعوا أموالا وافرة، و صاروا من أغنياء بلاد الإنكليز و أكبر تجارها، و اتخذوا لهم أعوانا يرسلونهم إلى السوق ليتفقدوا أحوال السمك المعروض للبيع، و يسبروا صالحه من فاسده. و مازال هؤلاء السماكون على عوائد جدودهم يتخذون مأدبة شائقة (2) كل سنة، يحضرها أكابر المملكة و شرفاؤها و أمراؤها، و تارة أولاد الملوك و بناتهم أيضا.

و لما كان السيد برغش- أعزه اللّه- بلندن اتخذ هؤلاء السمّاكون المأدبة المألوفة. و كلّفوا إلى سعادة السلطان أن يشرّف تلك الوليمة بحضوره إليها. فأجاب السيد طلبتهم‏ (3). و فيما هم‏

____________

(1) أ، ب: في أحوال‏

(2) ب: فاخرة

(3) ب: دعوتهم‏

168

على السّفرة نهض شيخ الأصناف، و رفع كأسه، و كلّف المدعوين أن يشربوا كأس الهناء بسرّ سعادة السلطان، فنهض الجميع، و حبّذوا السيد ثانيا و ثالثا، و شربوا اقداح الصفاء، و هم يدعون لسعادته بطول العمر و الإقبال. و في أثناء ذلك أو عز السيد إلى خليله جرجس باجر الفقيه أن يشكر لرئيس اللجنة و للحاضرين على مكارمهم. فنهض الفقيه المومأ إليه و خطب خطبة و جيزة قال فيها ما ملخصه:

" أيها السادات الأماجد قد أو عز إليّ السيد أن أشكر لكم عن لسان سعادته، و أقول إن تذكار هذه الوليمة لن يبرح من باله عمره بطوله. و قد أحيط علما بأن لجنتكم هذه قديمة عهد، قد ذكرها أكبر شعرائكم شكسبير الخنذيذ (1)، و أنكم قد عانيتم كل العناء في توسيع نطاق التجارة البريطانية شرقا و غربا. و لكن يأسف السلطان كل الأسف على أنّ مساعيكم الحميدة لم تصل بعد إلى بلاده السعيدة. و لهذا يطلب إلى عمدة هذه اللجنة القابضين على زمام تجارة واسعة في الممالك البريطانية أن يصرفوا عنان العناية إلى إدخال أسباب التجارة إلى بلاده أيضا، و هو لا يقصّر عن مدّ يد المساعدة لهم في كل ما تمسّ إليه الحاجة لتوسيع نطاق الحضارة في أفريقية".

فلما قال الفقيه المومأ إليه هذا حبّذه جميع السامعين.

ثم استتلى كلامه‏ (2) و قال:" لا يخفى على سعادة السيد أن تجّار الإنكليز أصحاب همة عالية. يقتحمون جميع المصاعب. و يخوضون البحار. و يطوفون القفار. و يحملون أسباب الحضارة و التجارة إلى أقاصي الأرض بأسرها. و لهذا له ثقة تامة بهمتكم- أيها السادات العمدة الكرام- أن تسعوا في نجاح تلك البلاد التي جعلها الحقّ- سبحانه و تعالى- تحت ولاية سعادته و تبذلوا الهمّة في إصلاح شأن أولئك الناس الخاضعين لصولجان حكمه".

و لما نطق الفقيه بهذا الكلام قاطعه الحاضرون و قالوا:" حبّذا! حبّذا!"

____________

(1) الخنذيذ: ساقط في ب‏

(2) ب: استطرد

169

ثم بعد ذلك ببرهة، نهض سار بارتل فرير، و خطب خطبة و جيزة في مدح سعادة السلطان، و فيما أجراه من الإصلاح في مملكته و عتق‏ (1) الرقيق و الاعتناء (2) بترقي أحوالهم و تهذيبهم، و قال من جملة ما قال هذا السار الشريف:

" إذا قابلنا حالة زنجبار مع حالة بلاد الإنكليز رأينا أن سعادة السيد برغش- أيده اللّه- قد فاق الإنكليز في مساعيه الحسنة من جهة عتق الرقيق. فإن الدولة البريطانية صرفت سنين عديدة و دراهم وافرة قبل أن تمكنت من عتق الرقيق الذين كانوا في مستعمراتها و لم تنجح مساعيها و تفوز بوطرها إلا منذ بضع سنين فقط. و الشيوخ الذين ما زالوا أحياء منذ ذلك العهد إلى يومنا هذا يشهدون لنا بما عانته الدولة البريطانية من التعب و المصاعب في تحرير الرقيق في البلاد التابعة لها. أما السيد برغش- أيده اللّه- فقد نجح في إلغاء تجارة الرقيق و عتقهم في بلاده في برهة قصيرة من الزمان، و إن قاسى مشقات عظيمة. و مع هذا كله لم يكن تحت أمر سعادته أموال وافرة و ذهب و ضاح مثلما كان تحت أمر الدولة البريطانية. فلا جرم‏ (3) إذا كان لسعادة السيد برغش فضل عظيم في هذا الأمر أكثر من الدولة البريطانية القوية بالمال و الرجال".

" وزد على هذا كله أن سعادة السيد- صانه المولى- عرف حقّ المعرفة بحذق عقله الراجح أن ما تطلبه منه الدولة البريطانية فيما يختص‏ (4) بإبطال تجارة الرقيق كان من أصعب الأمور و أشدها خطرا على ملكه. و كان جميع رجال دولته يرون في اقتراحات الدولة البريطانية خراب بلادهم. أما السيد- صانه اللّه- فصمم على الانقياد إلى اقتراحات الحكم الإنكليزى عليه، و فضّل خسارة المال و احتمال المشقات على خسارة صداقة الدولة البريطانية التي كان هو وجدوده الكرام قد عنوا غاية العناية في اكتسابها. بعد كل هذه المصاعب و المشقات، مازال‏

____________

(1) ب: فأعتق‏

(2) ب: و جاهد

(3) ب: عجب‏

(4) أ: نيط

170

هذا البطل الهمام و السيد القمقام‏ (1) محافظا على عهوده، و مكملا و عوده، و منصرفا إلى العناية باصلاح شؤون رعاياه، و توسيع نطاق الحضارة في بلاده. و إذا أردتم- أيها السادات الحاضرون في هذا المحفل- أن تتأكدوا صدق مقالي، اسألوا الدكتور كيرك قنصل جنرال دولة بريطانيا الحاضر بيننا، و هو يسرد على أسماعكم كلّ ما أجراه السيد برغش من الإصلاح في ملكه.

فرفع الحاضرون أصواتهم جميعا، و قالوا:" حبّذا! حبّذا! فليحي سعيدا سلطان زنجبار المعظم!".

ثم استأنف‏ (2) سار بارتل فرير كلامه، و قال:" إن السيد برغش لم يقتصر فقط على إجراء شروط المعاهدة التي عقدها مع الدولة البريطانية، بل قد بذل وسعه تلبيا في إبطال تجارة الرقيق من أصل البرّ أيضا (3). فمن كان متصفا بصفات السيد برغش الحميدة، و أتى مدينة لندن أكبر مدن الدنيا، لا بد من أن يرحّب بقدومه كل انكليزي يحبّ العمران، و يعرف مقام هذا السلطان، و يثني على مساعيه الخيرية ما تلألأ الفرقدان و تعاقب الملوان".

ثم أردف سار بارتل فرير في كلامه، و قال:" أيها السادات الكرام، انظروا إلى هذا الشيخ المهيب الجالس عن يمين سعادة السلطان، و هو الشيخ حمد (4) بن سليمان كبير وزراء السيد برغش و أعظم مشيريه و اسألوه: ما ذا كان رأيه في بادئ الأمر لما اقترحت الدولة البريطانية على سعادة السلطان إبطال تجارة الرقيق؛ فإن هذا الشيخ الجليل لما أحيط علما بهذه الاقتراحات استصعبها و حسبها علة خراب المملكة و سبب خسارة عظمى له و لجميع أغنياء بلاده لأنه صاحب أراض واسعه و عقارات وافرة، و كان مستوليا على عدد غفير من الرقيق‏

____________

(1) ب: الجليل‏

(2) أ: استتلى‏

(3) عوّض ب: من أصل البرّ أيضا، بعبارة" في بلاده" و هذ أضر بالمعنى إذ المقصود أن السلطان لم يكتف بجزيرته و إنما تعداها إلى بر افريقيا

(4) أ: محمد

171

يحرثون أراضيه، و يزرعونها، و يجمعون غلالها. فلما ورى‏ (1) بأنّ الدولة البريطانية تريد إبطال الرقيق و تحريرهم. زعم أن ذلك سيترتب عليه خراب دياره لا سمح اللّه. و لكن لمّا رأى ما آلت إليه بلاد زنجبار من الصلاح و النجاح عقيب‏ (2) إبطال تجارة الرقيق قال: ما كنت أظن أن تضحى عاقبة هذا التغيير حميدة و مفيدة كل هذه الإفادة!"

" و الآن‏ (3) ما بقي لنا سوى أن نطمع في همة و عناية تجار الإنكليز من أصحاب الثروة و الغنى‏ (4) أن يقصدوا بلاد زنجبار بأموالهم الوافرة و ينشئوا فيها بيوت تجارة واسعة: فإنها أحسن بلاد أفريقية موقعا، و أغناها محاصيل، و أخصبها تربة. و فيها مرافئ عديدة أمينة للسفن و المراكب، و يقصدها أكبر تجار بلاد الهند و غيرها. و لها وال حكيم ذو همّة عالية، و رأي سديد، يسهر ليلا و نهارا على نجاح بلاده، و خير رعاياه. و لا خير في حاكم لا يشابه سعادة السيد برغش في الحزم و العزم. فلله درّه من حاكم عادل، و وال كامل! خلّد اللّه ملكه على دعائم المجد و الإقبال ما تعاقبت الأيام، و توالت الأجيال!"

و في ختام هذا الخطاب هتف جميع الحاضرين بصوت الحبور و قالوا:" حبّذا! حبّذا السيد برغش سلطان زنجبار! فليحي منصورا بالعز و الفخر! آمين".

و في أثناء ذلك ختمت الوليمة في سرور و حبور و خرج السلطان بحشمه يريد منزله بعد أن ودع عمدة لجنة السماكين و زعماءها. و في الغد أرسلت‏ (5) العمدة إلى سعادة السلطان والى كل من كان معه في الوليمة صناديق مملوءة من الحلوى حسب عادة لجنة السماكين القديمة التي أسلفنا ذكرها.

____________

(1) ب: علم‏

(2) ب: عقب‏

(3) و الآن: ساقط في ب‏

(4) أ، ب: الغنا

(5) ب: أرسل عمدة

172

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

173

الباب الثامن و العشرون‏ (1) في حضور سعادة السلطان وليمة لورد داربي‏

أقام لورد داربى الذي كان وقتئذ وزير الخارجية مأدبة شائقة اكراما لسعادة السيد برغش. ثم طلب‏ (2) إلى سعادته أن يشرّف تلك الوليمة بحضوره. فأجاب السلطان- أعزه اللّه- طلب لورد داربي بلطفه المعهود. و شرّف المأدبة بحضوره، و معه ثلاثة من رجاله الأخصاء و الفقيه جرجس باجر و مستر كليمنت هيل.

و لما بلغ دار الوليمة خرج إلى لقائه لورد داربي، و رحب بقدومه. ثم أدخله الدار، فنهضت زوجته لادي داربي، و سلّمت على سعادة السلطان، و رحّبت بتشريفه منزلها العامر.

و بعد نهاية العشاء قدم كثيرون من الشرفاء و أصحاب المناصب إلى دار لورد داربي ليحظوا بمشاهدة سعادة السلطان و يستأنسوا بلطفه.

و كان من جملة من حضر تلك الليلة جلالة ملكة نذرلند (3) و حشمها و موسوروس باشا سفير الدولة العثمانية و سفير دولة أوستريا (4) و سفير دولة جرمانيا (5) و سفير دولة هندوراس و زوجته السيدة غوتيارز و الصبية بريدشارد و سفير دولة دانيمرك و زوجته و السيد دي بوللو و سفير مملكة البلجيك و زوجته البارونيسة دى سولفينس و سفير دولة الاسفنيول و السيد جافرد سفير دولة فرنسا و سفير جمهورية سان سلفادور و زوجته الدوقيسة أف سلدنها. و وكيل دولة ايطاليا و زوجته السيدة مرتينو و سفير دولة يابون و السيد فيس الفيكنت و زوجته الفيكنتيسة دي كاستللوالفو و البارونيسة دي هوجل و البارونيسة باولينا دى هوجل. ثم قدم أيضا إلى‏

____________

(1) أ: الباب الخامس و العشرون (كرّر رقم الباب)

(2) أ: كلف‏

(3) ب: نذرلند (هولندة)

(4) ب: أوستريا (النمسا)

(5) ب: جرمانية (ألمانيا)

174

الوليمة دوق أف نونورذ مبرلند و الدوقسية أف بيدفرد. ثم السيدة لادي روسل و الدوقيسة زوجة دوق أف ويلنكتن و المركيز تافيستوك و المركيز أف لنسدون و السيدة لادي ايملى فيتزموريس وارل كمبردن وارل ستار و السيدتان دالريمبل و غيرهم كثيرون من أعيان الإنكليز و شرفائهم. و يبلغ عددهم نحو 200 نفس و نيف و كان من جملتهم أيضا لورد بيكنسفيلد و مستر جلادستون و المركيز صالسبرى و غيرهم و كانت ليلة حافلة شائقة.

و في ختام الوليمة انصرفت جلالة ملكة نذرلند. ثم خرج بعدها السيد برغش بحشمه و عاد إلى منزله سالما غانما. و خرج في أثره لورد داربي إلى المركبة و شيّعه بلطف و وداد لا مزيد عليها.

175

الباب التاسع و العشرون في حضور سعادة السلطان للجمعية الجغرافية الملوكية

عقدت الجمعية الجغرافية الملوكية محفلا حافلا فى 29 جون (حزيران) (24 جمادى الأولى) اكراما لسعادة السيد برغش أعزه اللّه. و كان الماجيور جنرال سار هنري رولنسن يرأس هذا الاحتفال العظيم، و حضره عدد غفير من الأعيان و العلماء و الأدباء و السيدات المخدرات.

و في الساعة التاسعة و النصف قدم السلطان و في معيته الفقيه جرجس باجر و الدكتور كيرك. و عند دخوله قاعة الاجتماع حبّذه‏ (1) جميع الحاضرين في ذلك المحفل، و حيّوه بأصوات الحبور و السرور، و استقبله رئيس الجمعية و معاونه بإكرام لائق بسعادته و أجلسوه في أرفع منزلة.

ثم حضر أيضا هذا المحفل سفراء سلطان مراكش السيد عبد اللّه فنيش و الحاج عبد الرحمن قومندار (2) طنجير (3) و السيد عبد السلام العريشى من أركان حرب سلطان مراكش.

ثم حضر ايضا سفير دولة يابون و في معيته باقي رجال السفارة. ثم حضر لورد هوطن و سار رثفرد الكوك و الأميرال كولينسن و الجنرال ريكبي و سار جيورج بوين حاكم فيكتوريا و الدكتور كاربنترن و غيرهم كثيرون لم نذكر (4) أسماءهم جميعا خشية الاطالة و الملل.

____________

(1) ب: رحب به ...

(2) ترجمة حرفيةCommander بمعنى محافظ المدينة

(3) يعني طنجة

(4) أ: اقتصرنا عن ذكر

176

و بعد أن جرت مفاوضات علمية في الاكتشافات الجغرافية في قطب الأرض الشمالي، و في أواسط أوستراليا (1) الغربية نهض الماجيور جنرال سار هنري رولنسن، و خطب خطبة و جيزة، قال فيها ما ترجمته ملخصا:

" أيها السادات الكرام يرحب بقدوم سعادة السيد برغش إلى هذه البلاد جميع‏ (2) سكان لندن العظمى و لكن يحق على أعضاء هذه الجمعية الجغرافية الملوكية أن ترحب بقدومه أفضل ترحاب حال كون سعادته عضوا من أعضاء هذه الجمعية، و قد شرّفها هذه الليلة بحضوره السعيد و قد صرف عنان العناية (3) بمساعدة جميع السياح الذين أرسلتهم هذه الجمعية للسياحة في أفريقية، و اكتشاف خبايا تلك القارة الواسعة".

فلما سمع هذا الكلام جميع الحاضرين رفعوا أصواتهم بسرور و قالوا:" حبّذا! حبّذا! فليحي سلطان زنجبار!"

ثم استتلى‏ (4) سار رولينسن خطابه، و قال:" لو لا عناية السيد برغش و مساعدته لما تمكنت هذه الجمعية الجغرافية من ارسال مدد و نجدة و مؤونة إلى رجالها السائحين في داخل قارة أفريقية". فهتف الحاضرون ثاني مرة بأعلى أصواتهم، و قالوا:" حبّذا! حبّذا! فليحي السيد برغش الكريم عمرا مديدا!"

ثم مضى الخطيب في كلامه، و قال:" لا يخفى عليكم- أيها السادات- أن صلات الحبّ و الوداد بين زنجبار و بريطانيا كانت من عهد أجداد السيد الكرام: ففي بدء القرن التاسع‏

____________

(1) أ، ب: أوستريا- و الصحيح ما أثبتناه و قد دخل الإنكليز أستراليا سنة 1787. فصل:

1245/ 3:Australie G .E

(2) ب: جمعية

(3) أ: و قد أبدى غاية العناية.

(4) ب: استأنف‏

177

عشر عقدت الدولة البريطانية عهدة ودادية (1) مع حكام تلك البلاد، و من ذلك العصر إلى الآن مازال أولادهم و أولاد أولادهم إلى عهد هذا السيد الشريف الحاضر بيننا يحافظون على صداقة الدولة البريطانية". فأعاد الحاضرون أصوات التحبيذ ثالثا و رابعا.

ثم استكمل الخطيب كلامه، و قال:" إن السيد برغش- أعزه اللّه- لم يقتصر على تمهيد السبيل إلى مصالح الإنكليز السياسية في بلاده فقط، بل قد عني غاية العناية (2) في توسيع نطاق الحضارة و التجارة في مملكته السعيدة، و راعي ذمام الإنكليز و قبل، بتمام القبول، اقتراحات الدولة البريطانية فيمانيط بإبطال تجارة الرقيق من بلاده. و لهذه البواعث كلها حقّ علينا- نحن معشر الإنكليز- أن نثني على همم هذا السلطان الجليل، و أنه لفرض واجب على‏ (3) هذه الجمعية الجغرافية التي قد تشرفت بحضور سعادته أن تشكره على هذه المنة العظيمة".

" و ما زاد هذه الجمعية امتنانا هو: لا جمعية سواها قد حصلت على شرف يوازي شرفها الحالي، فإن سعادة السلطان برغش- أعزه اللّه- قد اقتصر على أن يكون عضوا من أعضاء الجمعية الجغرافية وحدها فقط. و قد حصر هذا الشرف كله في جمعيتنا الملوكية". فضجّ السامعون بأصوات الحبور و قالوا:" حبّذا! حبّذا! للّه در هذا العضو الشريف! و سعدا لهذه الجمعية فقد حازت مل‏ء العز و الشرف!"

ثم طلب سار رولنسن إلى الجنرال ركبي الذي كان سفير الدولة البريطانية سابقا في زنجبار أن يتلو على أسماع الحاضرين ما شاهده في زنجبار من مساعي السيد برغش الحميدة و ما في بلاده من الخيرات و الخصب و الفلاح. فنهض الجنرال ركبي، و أخذ يشير إلى سعة مملكة زنجبار و حدودها كما كانت مرسومة في خريطة رسم الأرض المعلقة على جدار القاعة. و قال:

____________

(1) معاهدة ودية

(2) أ: العناء

(3) أ: و لا سيما فرض‏

178

" إن لزنجبار أهمية عظمى في الحال و الاستقبال لنجاح أفريقية كلها، فإنّ هذا كله منوط بإرادة السيد برغش، وقاه اللّه. و من دون حسن إرادته لا يتيسر لأحد أن يبادر لاصلاح تلك القارة و تهذيب قومها. وزد على ذلك أن أراضي زنجبار لا مثيل لها في خصب التربة على سطح البسيطة بأسرها. و أول من عني في ادخال الاصلاح و التمدن في زنجبار كان والد (1) السيد برغش المغفور له. و لما كان الولد سر أبيه حذا السيد برغش حذو والده و أفرغ همته في إكمال ما كان قد باشره والده المغفور له".

" و مما لا قدرة لنا على إنكاره هو أنّ بلاد الإنكليز في احتياج عظيم إلى بعض محاصيل زنجبار، فإنها أعظم بندر في الدنيا لتجارة العاج (سن الفيل)، و لتجارة القرنفل، و الصمغ، و السكر، و القطن، إلى غير ذلك. و لنا أن نقول قولا لا يخشى عليه من منكر أن غلال زنجبار و تجارتها لا حدّ لها و لا نهاية. و الأنهر التي تسقي أراضيها قد عني بتعميقها، و صارت تصلح لسير السفن. و قد صرف السلطان- أيده اللّه- همته إلى فتح الطرقات في داخل الجزيرة لتسهيل الأسفار و نقل الأموال. و لنا ثقة تامة في همم سعادته العلية ألا يألو جهدا في‏ (2) إتمام ما باشر من أجل خير المملكة، و نفع العالم أجمعين". فهتف حينئذ جميع الحاضرين، و قالوا:" أيد اللّه سعادته السيد سلطان زنجبار! و حفظه في عين الدنيا طويلا ليرى بعينيه نجاح بلاده و رسوخ ملكه على دعائم العزّ و الإقبال! آمين".

ثم أوعز سعادة السلطان إلى حضرة باجر الفقيه أن يشكر لأولئك السادات لطفهم و مكارمهم. فنهض الفقيه المومأ إليه، و قال:" قد أوعز إليّ السلطان أن أعرب لكم- أيها السادات الكرام- عمّا في نفسه من الشكر الجميل لأفضالكم. و لكن قلت له: إن من عادتنا- نحن معشر الإنكليز- إذا أراد خطيب أن يخطب في قوم، و كان بينهم من السيدات الكريمات، وجب عليه أن يوجّه خطابه أوّلا إلى السيدات قبل الرجال، فما رأيك أيها السلطان في هذا

____________

(1) أ: أبا

(2) أ، ب: من‏

179

الأمر؟ هل أستسنّ بسنّة أهل المشرق الذين يفضلون ذكر الرجال على النساء أم أحذو حذو الإنكليز في ذكر السيدات قبل الرجال؟ فقال لي السيد بحذقه و ذكائه المعهودين:" أ نحن في الشرق أم في بلاد الإنكليز؟ أما يجب علينا أن نستسنّ بسنّة القوم الذين نحن مقيمون في بلادهم؟ فوجّه خطابك إذا- أيها الفقيه- أولا إلى السيدات. ثم أردفهن بذكر الرجال، فنكون مثل باقي الناس و لا بأس". فلمّا سمعت ذلك السيدات الحاضرات في المحفل رفعن أصواتهن بسرور، و قلن:" حبّذا! حبّذا سيّد اللطفاء و سلطان الظرفاء!"

ثم طفق الفقيه المومأ إليه يخطب، و استهل خطابه بذكر السيدات، و قال:" أيتها السيدات الكريمات، و أيها السادات الكرام: قد أثّر مديحكم- غاية التأثير- في نفس سعادته و لم ينس عمره بطوله ما إسديتموه إليه من الثناء و الترحاب بالتحبيذ و التبجيل و قال: لو كانت كل جوارحه لسانا لما قام حقّ‏ (1) القيام بتقديم الشكران على أفضالكم الأثيلة، و لو لا ضيق الوقت لكان أوعز إليّ أن أطيل الخطاب في الردّ على ما أبديتموه نحو سعادته من التعظيم و التفخيم". قال هذا و طأطأ برأسه إكراما للحاضرين ثم جلس.

ثم نهض رجل من أعضاء الجمعية الجغرافية، و قال:" قد بلغ مسامع أعضاء هذه الجمعية أن أهالي زنجبار يقتلون الأفيال عند قنصها ليخرجوا أسنانها و باقي عظامها و يتاجروا بها. و كان حقهم أن يستحيوا (2) الأفيال عند قنصها و يستخدموها في مهمات العيشة بعد قلع أسنانها".

فترجم الفقيه باجر كلام ذلك الخطيب لسعادة السلطان. فقال السيد في جوابه بحذق و ذكاء:" قل أيها الفقيه لحضرة الخطيب: أن اللّه سبحانه و تعالى لا يسأل مخلوقا عن شي‏ء لا يعرفه، و لا يطالبه يوم الدين بأمر لم يدر طريقة عمله بصواب. و نحن معشر الافريقانيين لا نعرف طريقة قنص الأفيال دون قتلها، فليأت هذا الخطيب البارع إلى أفريقية و يعلمنا طريقة

____________

(1) ب: لقصّر في حق‏

(2) ب: يستأنسوا

180

قنص الفيل و قلع أسنانه و إخراج عظمه للتجارة و لعمل الأواني العاجية من دون قتله. و إن اعترض علينا، و قال:" إن الإبقاء على‏ (1) الأفيال خير من التجارة بأسنانها و عظامها"، قلنا له:" حرّم أوّلا على أمتك اتخاذ العاج قلما (2) للتجارة، فتكسد سوقه، و يكف الإفريقانيون عن قنص الأفيال و قتلها". فلما ترجم الفقيه باجر كلام سعادة السلطان و أملاه على رؤوس الحاضرين أفرطوا من الضحك و السرور، و هتفوا بأعلى أصواتهم، و قالوا:" نعم الجواب ما أجاد به السيد برغش الهمام! فإن وجد الناس طريقة سهلة جديدة لقنص الأفيال، و استخراج عظامها دون قتلها، تمكنوا من استخدام الأفيال بمنزلة عجلات و مركبات لنقل الأموال عليها.

و لكن هيهات! فإن إخراج عظم حيوان، و الإبقاء على حياته ضرب من المحال". فقهقه الحاضرون ضحكا من ذلك.

و لما فرغوا من الضحك استأنف سار رولنسن كلامه، و قال:" أيتها السيدات المصونات، و يا أيها السادات الكرام، قد حقّ علي أن أطلب اليكم أن ترفعوا أصواتكم، و تدعوا لسعادة السلطان بطول البقاء و الإقبال، و تشكروا لسعادته تشريفه هذا المحفل الشائق بحضوره الجليل.

و بما أنه عازم على الإياب إلى أوطانه السعيدة عن قريب بالسلامة يجب على كل من حضر هذا المحفل، و على كل من افتخر بكونه إنكليزيا أن يشيع سعادته بسلام، و يصحبه بقلبه و عواطفه و حبه إلى زنجبار، و يتمنى له و لملكه تمام النجاح و الإقبال. آمين".

و في أثناء ذلك نهض السيد برغش في حشمه و صافح زعيم المحفل سار رولنسن و باقي رجال عمدة الجمعية. و انصرف إلى منزله سالما غانما و ذكر ذلك المحفل العلمي مطبوع في صحائف فؤاده اللبيب.

____________

(1) ب: استحياء

(2) ب: سبيلا

181

الباب الثلاثون في زيارة سعادة السلطان لمعمل الأسلحة في ويليج‏ (1)

من دخل معمل الأسلحة في ويليج كأنه دخل معامع الحروب بعينها. فانه يشاهد في عرصة المعمل مدافع ضخمة منها مشققة و منها مكسورة و منها معطلة من كثرة الاستعمال.

و هذا المشهد المكرب يذكّره بانكسار الجيوش، و هزيمة عددهم و أوائل‏ (2) دفاعهم و دمار ديارهم. و لكن متى توغل المرء في مخادع المعمل رأى هناك أوائل ضخمة تعجز عن تحريكها جبابرة نمرود (3) فتحركها قوة البخار العظيمة، و تصهر المعادن في بوتقة ضخمة تحاكي حوضا من نار. ثم ترفعها من الأتون بكلاليب عظيمة ثم تسبكها في قوالب معدة لها (4) في قلب الأرض. ثم تخرج من بطونها مدافع عظيمة الحجم لا تتفرقع، و دواليب متينة لا تتكسر، و أسلحة جهنمية لا تقهر. و كل هذا الشغل العظيم يتولى أمر إدارته الكولونل كمبل و الكولونل فيلد و الماجيور متلند و أعوانهم.

و كلما ازدادت الأمة البريطانية اقتدارا ازداد معمل أسلحتها كبرا و اتساعا. و كان هذا كله غير خاف على إدراك سعادة السيد برغش. و كان يود أن يرى بعينيه ما قد أدركه بعقله الراجح.

فأظهر رغبته في الذهاب إلى ويليج لمشاهدة عجائب معمل الأسلحة المقدم ذكره.

____________

(1) هي قرية صغيرة تقع شرقي ثمبتن، يوجد بها عدة مصانع. فصل: 572/ 12Welling Borough :N .E .B

(2) ب: و تحطيم أدوات‏

(3) هو ملك من ملوك الجبابرة، و يبدو أنه هو الذي جادله إبراهيم (عليه السلام) في مسألة احياء البشر و إماتتهم و الإتيان بالشمس من الغرب. فصل:Namrud :E .L .2 :VII /252 -3 (Heller)

(4) ب: آليا

182

و لما درى‏ (1) قوم من الأعيان أن سعادته السلطان عازم على الذهاب إلى ويليج سبقوه إلى هناك طمعا في أن يشاهدوا سعادته. و انتخبوا لأنفسهم محلات تمكنهم من مشاهدة سعادة السلطان بسهولة. و لما كانت الساعة الثانية بعد الظهر وصل السلطان في حشمه إلى معمل الأسلحة و كانت فرقة من الجنود مصطفة على باب مسبك المدافع في سلام سعادته. ثم خرج لورد يوستاس سيسيل و الماجيور جنرال سار ادى مدير المعمل و الكولونيل كمبل و الماجيور متلند و مستر كينك و لاقوا سعادة السلطان بالترحاب و السرور، و كان في معيته وزراؤه و حضرة باجر الفقيه و الدكتور كيرك و مستر كليمنت هيل و أدخلوهم إلى قاعة الاستقبال.

و بعد أن استراح السيد و حشمه برهة من الزمان، ساروا به إلى أماكن الشغل فدخلوا أولا مخدعا واسعا كان فيه حديد مخروط معدّ لعمل المدافع و أخذ المدير يشرح لسعادة السيد عن طريقة استحضاره. و لما كان السيد- أعزه اللّه- ممن يحب الصنائع و الفنون سرّ غاية السرور بكل ما كان يسمعه من المدير. ثم خرجوا من هناك و دخلوا الحجرة التي فيها المطرقة العظيمة التي يحركها البخار بقوة خمسين طن (طولوناطة) (2). و كانت هذه المطرقة المهولة ترتفع، و تنحط بقوة ترتج من تحتها الأرض، و تطرق أنبوبا محمّى‏ (3) بالنار، معدّا لعمل مدفع ثقله واحد و ثمانون طنا. و كان ذلك أعظم مدفع عمل في الدنيا. و كانت المطرقة تنقضّ عن علو 12 قدما بخفة و سرعة على ذلك الجبل المعدني الخارج من أتون النار المتأججة انقضاض الصاعقة على جبل من مغناطيس، مع أن ثقلها كان نحو أربعين طنا. و كانت كمّاشة (كلّبتان) من حديد معلقة في الهواء بأوائل‏ (4) تديرها قوة البخار، يبلغ كبرها 50 ضعف كماشات القدماء. و كانت هذه الكماشة تقبض على أنبوب المدفع من تلقاء ذاتها، و تقلبه تحت ضربات المطرقة لإتقان هندامه.

____________

(1) ب: علم‏

(2) طن: تعريب فصيح لكلمةTonne أما طولوناطة و طرناطة فهي تعريب عامي‏

(3) ب: محميا

(4) ب: بآلات‏

183

ثم صعدوا (1) بسعادة السيد و رجاله إلى مكان عال كانوا قد أشادوه من الخشب المدهون بألوان و نقوش شرقية لما زار ذلك المعمل قيصر الروسية. و من علو هذا المكان كان السيد و رجاله يتفرجون على طريقة صهر المعادن و سبكها و تطريقها و هندامها. و فيما كان الناس واقفين ينتظرون بدء الشغل- و لم يشاهدوا شيئا سوى مطرقة مهولة، و كماشة عظيمة، و سندان ضخم- إذا بباب الأتون فتح، و انبعث منه لهيب جهر العيون كأنه برق أومض من كبد السحاب. و اندفعت حرارة شديدة من قلب الأتون خالها المتفرجون جبلا من نار قد انفجر و هاج في وجوههم حتى اضطروا إلى ستر أعينهم و وجوههم من شدة سعيرها مع أنّهم كانوا على بعد مسافة ثلاثين ياردة من الأتون. و لكن ما الحاجة بالحضور إلى هذا المعمل الجهنمي إذا كان الناظر يغمض عينيه و يستر وجهه و لا يرى ما قد أتى لمشاهدته؟. فلا بد إذا من كشف الوجوه و فتح العيون، و إن تلظت بالحرارة، و شاطت أهداب العيون بتشعع اللهيب المنبثق، و تجعد الرأس و اللحى‏ (2) من أجيج النار.

و بعد هنيهة رأوا الكماشة المعلقة في الهواء قد دفعتها قوة البخار إلى قلب الأتون. ثم قبضت على جبل من الحديد المحمر احمرار الجمر المتقد و أخرجته من الأتون، و وضعته على السندان الضخم، و كان الهواء المحيط بهذه الكتلة العظيمة من الحديد يتأجج ملتهبا. و إذا بالمطرقة العظيمة هبطت على ذلك الجبل الناري من علو 12 قدما (فوت) و صارت تطرقه طرقا متواترا بقوة تتزعزع لها الجبال. و مضى الطرق مستديما عليه حتى تندمج مسام ذلك الحديد، و يتهندم شكله، و يستحيل مدفعا متقونا و معدا لهلاك الأبرياء من عباد اللّه.

فلما رأى السيد- أجاره اللّه- ذلك المشهد المهول، قال لحشمه:" هلمّوا بنا إلى الصلاة: فقد انفتحت في وجوهنا أبواب جهنم و نارها، و العياذ باللّه منها".

____________

(1) أ: فأصعدوا

(2) أ، ب: اللحاء

184

ثم ساروا بسعادة السيد من هناك إلى مكان خرط الحديد، فأخرج العملة (1) قضيبا من حديد محمّى‏ (2)، طوله نحو ثلاثة أقدام، و سمكه نحو أربعة أقدام مربّعة، و ركّبوه على المخرطة حالا، و صارت الآلة تدور بقوة البخار، و تخرط القضيب بسرعة تكاد تخطف البصر، و بسهولة غريبة كأنها تخرط قضيبا من الحطب، و كانت الشرارات تتطاير منها تطاير البرق من قلب الغمام، و تملأ الهواء المحيط بها كأنجم تتناثر في ليلة دهماء.

ثم ساروا بسعادة السلطان إلى مخزن المدافع. فشاهد فيها أصنافا كثيرة كبيرة: منها عيار كلته‏ (3) تسعة طولونات، مركّب على دواليب عالية. و منها ما كان عياره 25 طنا. و منها ما كان عياره‏ (4) ستة عشر طنا. فتعحب السيد و من كان معه من تلك الأسلحة المهلكة لبنى آدم التي قد أفرغت فيها العقول الذكية ما عندها من البراعة بحجة التمدن و ما ذاك لعمري إلا أقصى درجة من التوحش قد جمّله الطمع البشري برداء التمدن و التقدّم! و كان خيرا لو يفرغ المرء قوى عقله في اختراع أوائل‏ (5) للعمران، و يزهد فيما يهلك الإنسان و الحيوان. و لكن طبع المرء أقرب إلى الشر من الخير.

فلما نظر السيد- أعزه اللّه- إلى تلك المدافع و الكلل و القنابر و التوربيد و غيرها من الأسلحة المهلكة (6) قال متبرءا:" العياذ باللّه من شرها و شر الشيطان الرجيم! ولي ثقة بكم- يا معشر الإنكليز- أن لا تستخدموا هذه الأوائل المهلكة بحجة الغزو و الطمع في إهلاك الأبرياء، و إنما تتخذونها لصيانة الملك و حماية الضعيف و نجاة المظلوم". فلما ترجم كلام سعادة السلطان إلى الحاضرين بالإنكليزي صفقوا بأيديهم علامة السرور و قالوا:" حبّذا! حبّذا! نعم المقال!".

____________

(1) ب: العمال‏

(2) ب: محميا

(3) كلته: ساقط في ب، و الكلة (بالضم) هي قذيفة المدفع البعلبكي: المورد، ص 898

(4) ب: عياره‏

(5) ب: آلات‏

(6) ب: المرهقة

185

ثم خرجوا من هناك، و دخلوا بسعادته إلى معمل البواريد (1) و المكاحل. و كانت رايات جميع الدول منصوبة على سطحه، وراية الدولة الزنجبارية تخفق بينها. و كانت درج المدخل مفروشة برايات الدولة البريطانية، فسار السيد و حشمه، و مشوا فوقها.

و لما دخلوا المخدع رأوه مزينا بالأسلحة و المكاحل، فقال واحد من حشم السيد:" إني أرى هذا المكان كأنه بارجة حربية!" فقال السيد:" و قد طرقني هذا الفكر بعينه". ثم خرجوا من هناك و ساروا إلى مخزن عدد الخيل و سروجها و ما نيط بها. و كانت كلها موضوعة بترتيب حسن و نظام جميل يرتاح إليه الناظر. و فيما كان السيد سائرا في صحن ذلك المخدع كان نحو مائة نفس من الرجال و النساء و الأولاد مصطفين عن يمينه و شماله‏ (2) فلاحت منه التفاتة إلى بعض من البنات الصغار و كن لابسات ملابس بيضاء زادتهن حسنا و جمالا فوقف السيد- أعزه اللّه- و التفت إلى من كان إلى جانبه، و أشار بيده إلى الفتيات، و قال:" يا للعجب كل العجب اني أرى ملائكة السلام تجول في عرصات الحرب، و هي آمنة، لا خوف عليها". ثم طلب السيد بلطفه المعهود أن يحضروا إليه أولئك الفتيات، فأحضروهن إليه. و كنّ على جانب عظيم من الحشمة و الأدب و التهذيب، و أخذت كل منهن تصافح يد سعادته بيدها اللطيفة (3)، و تسلّم عليه بلغتها الإنكليزية، و ماء الملاحة يقطر من شفتيها العذبتين‏ (4)، فتبسّم السيد في وجههن بأنس و سرور، و دعا لهنّ بطول العمر و الإقبال. فشكرن سعادته لطفه و على ما حزن من الشرف العظيم‏ (5) من لدن مكارمه. ثم انصرفن إلى أبويهنّ و هنّ يطربن فرحا (6).

____________

(1) مفرده بارود

(2) ب: يساره‏

(3) بيدها اللطيفة: ساقط في ب‏

(4) و ماء الملاحة ... العذبتين: ساقط في ب‏

(5) أ: الوسيم‏

(6) ب: إلى آبائهن و هن طربات فرحات‏

186

ثم خرجوا بالسيد من هناك، و أدخلوه مخدعا كانت فيه مدافع الميتراليوز (1) و هي مدافع مركبة من أنابيب عديدة، فأحضروا إلى سعادته واحدا من هذه المدافع ليراه. فلما نظر إليه تعجب، و قال لحضرة باجر الفقيه:" من كم أنبوب مؤلف هذا المدفع؟" قال الفقيه في جوابه:

" مؤلف من أثنتي عشر أنبوبا. و من الغرائب أن واحدا من أهالي أشانتي‏ (2) لما رأى هذا المدفع وقت حرب الإنكليز مع الأشانتيين يئس من القتال و ذبح نفسه مخافة أن يقع قتيلا بإطلاق ذلك المدفع". قال السيد:" لا عجب في ذلك: فإنّ الموت البارد خير من الموت المحرق".

ثم ساروا بالسيد من هناك، و أخذوا يفرّجونه على بقية حوانيت الصنائع و النجارة و الحدادين و السرّاجين و الخراطين و بقية الأوائل‏ (3) اللازمة لعمل العدد و المهمات الحربية. فسرّ السلطان من مشاهدتها لشدة حبّه الصنائع و عمل الأوائل، و قد أنشأ لنفسه معملا لها في زنجبار. ثم بينما كانوا مارين بحانوت خراطة سلك الحديد عرض واحد من الحاضرين جانبا من خراطة الشريط المبروم على سعادة السلطان فنظر اليه، و قال، و هو يتبسم:" هذا يصلح أن يكون ضربا من الأسوار". ثم أوعز إلى واحد من حشمه أن يحافظ على تلك الخراطة تذكارا لزيارته معمل الأسلحة.

و دامت تلك الزيارة نحو ساعتين من الزمان و لما فرغوا من الفرجة شكر السيد برغش- زاده المولى لطفا- لمدير معمل الأسلحة مكارمه. و استعذر (4) له المدير عما عاناه من المشقة في تلك المدّة. ثم صافحه و ركب مركبته و سار في حشمه يريد منزله العامر. فخرجت الموسيقة

____________

(1) هو سلاح آلي يسمح بإطلاق الرصاص بصفة مستمرة أو متقطعة على الإنسان و المدرعات الخفيفة. و قد ظهر في القرن 15 م في شكل أنابيب متعددة تطلق النار في وقت واحد، و في القرن 18 تم صنعه من أنبوب واحد عند ما تم اكتشاف الخرطوشية الدوارة. فصل: 8052/ 13:Mitrailleuse :G .E .

(2) هم شعب جنوب غانا بمحاذاة بلاد الطوغو و ساحل العاج، كانت له إمبراطورية، دخل في حروب مع بريطانيا سنة 1824 انتهت بالاستعمار. فصل: 20- 619/ 1:Aschanti :N .E .B

(3) ب: الأدوات‏

(4) ب: اعتذر

187

العسكرية في إثره، و هي تعزف بمقامة الدولة البريطانية، و أطلقت له الجنود 21 مدفعا علامة الوداع. ثم رافقته كتيبة من الجنود الشرفية إلى ظاهر مدينة ويليج. ثم رجعت.

و عاد السيد- أيده اللّه- مسرورا إلى منزله و تذكار ما شاهده في نهاره مطبوع في عقله.

رسم صورة المركيز صالسبري‏

188

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

189

الباب الحادي و الثلاثون في حضور سعادة السلطان وليمة المركيز صالسبري‏

أولم المركيز صالسبري وليمة شائقة لسعادة السيد برغش في 30 حزيران (جون). و دعا السيد (1) و رجال سعادته أن يحضروها فأحاب السيد دعوته بلطفه المعهود. و كان من جملة الذين حضروا الوليمة برفقة سعادته السيد حمود بن أحمد و السيد حمد بن سليمان و السيد ناصر بن سعيد و حضرة باجر الفقيه و حضرة الدكتور كيرك و مستر كليمنت هيل.

و كان المركيز صالسبري دعا أيضا إلى تلك الوليمة صاحب الدولة موسوروس باشا سفير الدولة العثمانية و لورد شانسلر و زوجته لادي كرنس و دوق أف بوكينكهام و السيدة المركيزة ريبون و لورد داربي و الكونتيسة زوجته و لورد سلبرن و زوجته لادي سلبرن و السيدة لادي مرغريت بومنت و الشريف جلادستون و زوجته و مستر ديزرايلي و سار بارتل فرير و زوجته و سار سيمور فيتزجرلد وديان و سمنستر و مستر برسفرد هوب و مستر الدرسن و كان على سفرة الطعام 28 نفسا.

و كانت المركيزة صالسبري تفرغ جهدها في إكرام سعادة السلطان و رضاه و كانت ليلة حظ و صفاء سر بها سعادته غاية السرور. و في أثناء العشاء شكر السلطان- أعزه اللّه- المركيز صالسبري على مكارمه العميمة و انصرف بسلام.

____________

(1) أ: و كلف اليه و إلى رجال‏

190

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

191

الباب الثاني و الثلاثون في شعائر سعادة السلطان بلندن‏

قد أضحت زيارات سعادة السيد برغش بلندن مما تتداوله الرواة و تسجله‏ (1) صحف التاريخ لنفع الخلفاء. أما سعادته فقد اطلع حق الإطلاع مدة إقامته بلندن على أحوال هذه العاصمة التي لا مثيل لها في الكبر على وجه الأرض، و عرف عوائد الإنكليز و اصطلاحات هيئاتهم الاجتماعية و ما هم عليه من التمدن و الاستقامة. و قد انطبع في ذهنه جميع ما رآه و سمعه مدة إقامته في بلاد الإنكليز لأنه كان يراقب باهتمام عظيم كل ما كان يقع تحت نظره، و يسأل عنه، و يستقصي في أصوله.

و كان من عادته أن يقول:" قد أتيت بلاد الإنكليز رغبة في الإطلاع على ما فيها من أسباب الحضارة و العمران حتى أتقنها و أجعلها دستورا لي في سياسة ملكي و عمرانه". و لا جرم‏ (2) فإنه قد أصاب عين الصواب، و نال الأجر و الثواب، و صار مصداقا لما قاله الحسن البصري‏ (3) رضي اللّه عنه:" من خرج من بيته في طلب باب من العلم حفته الملائكة بأجنحتها وصلت عليه الملائكة في جو السماء و السباع في البر و الحيتان في البحر و أتاه اللّه أجر اثنين و سبعين صديقا".

و لا غرو أن سعادة السيد يود نجاح بلاده و خير رعاياه، و يحب نشر العلوم و المعارف فيهم، لأنه قد أدرك ما قاله محمد (عم)" إن اللّه- عز و جل- و ملائكته و أهل السماوات‏

____________

(1) أ تستودعه‏

(2) ب: غرو

(3) أبو سعيد (21/ 642- 110/ 725) الواعظ المشهور و هم من التابعين. فصل:

Hasan al Basri: E. I. 2: III/ 742( Ritter )

192

و الأرض‏ (1)، حتى النملة في جحرها، و حتى الحوت، ليصلّون على معلّم الناس الخير" (2).

و درى كذلك بأن العلوم و المعارف ركن الحضارة و دعائم العمران، و لهذا صرف همته العلية إلى نشر المعارف في ملكه و رفع مقام العلماء و الأدباء و أحب مجالستهم كما قال عمر رضي اللّه عنه:" لا تفارقوا مجالس العلماء فإن اللّه لم يخلق على وجه الأرض أكرم من مجالسهم". و قد سند هذا القول محمد (عم) فقال" من زار عالما فكأنما زارني. و من جالس عالما فكأنما جالسني.

و من جالسني في الدنيا أجلسه اللّه تعالى معي يوم القيامة في الجنة". و روى الحسن قال:" مثل العلماء كمثل النجوم إذا بدت اهتدوا بها، و إذا أظلمت تحيروا. و موت العالم غصة في الأنام لا يسدها شي‏ء ما اختلفت الليالي و الأيام".

و قد ولع السيد برغش- أعزه اللّه- بالعلم و الدرس و المطالعة، و جمع في خزانة كتبه جميع المؤلفات العربية المطبوعة في مصر و غيرها من البلاد. و قد باشر بدرس اللغة الإنكليزية.

و أنجد أصحاب النشرات العربية: و هو يطالع الجوائب‏ (3) و النحلة (4) و نشرة مصر (5) و الرائد التونسي‏ (6) و غيرها. و يحب الاطلاع على ما في النشرات الإنكليزية من المواد المهمة. و يجل الغني و الفقير على حد سواء. فإن الجميع خلقه اللّه. و لا فرق عند اللّه- عز و جل- بين الفقير و الغني سوى بحسن الأعمال.

____________

(1) أ، ب: الأرضين‏

(2) الترمذي السنن 4/ 154 (رقم 2826) (و دار الفكر، بيروت ط 8/ 1983)

(3) جريدة أصدرها في الآستانة أحمد فارس الشدياق سنة 1860 باللغة العربية ثم انتقلت إلى مصر عام 1883 ثم حلت محلها جريدة" القاهرة". نعمان: دليل: ص 111

(4) مجلة أصدرها الدكتور لويس صابنجي في بيروت سنة 1870 و هي أسبوعية علمية صناعية تاريخية لغوية. ثم نقلها إلى لندن ثم القاهرة. أول مجلة في البلاد العربية تفهرس موادها في كل عدد يصدر منها نعمان: دليل: ص 362.

(5) لعلها الوقائع المصرية التي أصدرها محمد علي باشا سنة 1828 في القاهرة باللغتين العربية و التركية لم تكن منتظمة الظهور.

نعمان: دليل: ص 397

(6) جريدة أصدرها محمد الصادق باي تونس عام 1860، و هي رسمية باللغة العربية و أسبوعية، مازالت تصدر إلى الآن باسم الرائد التونسي للجمهورية التونسية. نعمان: دليل: ص 152

193

و للسيد أيضا رغبة شديدة في إيجاد الوسائط التي تساعده على تقدم‏ (1) بلاده و تعميم الفلاحة و الزراعة في ملكه و استخراج ما فيها من المعادن و الكنوز. و لما كان بلندن رأى يوما كومة من الفحم المعدني في معمل الأسلحة، فالتفت إلى من كان معه، و أشار بيده إلى كومة الفحم، و قال:" هذا ألماسكم الحقيقي، يا معشر الإنكليز، و هذا أصل غناكم و مصدر ثروة بلادكم، و قد أدركتم ذلك حق الإدراك، و تخللتم أحشاء الأرض وقاع البحار، و أخرجتم كنوزها، فاغتنيتم بها، و أغنيتم شعوب الأرض، و صرتم أغنى أمة على وجه البسيطة. فكم و كم من معادن الفحم في بلادي! و لكن يا للأسف لم تزل هذه الكنوز موصودة (2) في وجوه شعبي، و مطمورة في قلب الأرض إلى الآن، فلوساقتكم المقادير إلى بلادي، و عنيتم بإخراج ما فيها من المعادن لازددتم غنى‏ (3)، و أغنيتم أمتي، و عمرتم مملكتي".

ثم من دأب‏ (4) هذا السيد الجليل أنه يحب الحرية و المساواة بين البشر. و قد حمله حب الحرية على عتق الرقيق و إبطال تجارتهم من بلاده. و ما يدلنا على حبه للحرية و العدالة هو ما قاله يوم كان بلندن و هو يتمشى في إحدى جنائنها: فإنه رأى الإنكليز يترددون على الحدائق و الجنائن و هم في حبور و سرور، فالتفت إلى وزرائه الذين كانوا في معيته، و قال:" انظروا إلى هذا الشعب السعيد، و إلى ما هم عليه من الحرية و الغبطة! انظروا إلى أولادهم و بناتهم كيف يمرحون طربا و هم آمنون لا خوف عليهم، و لا هم يجزعون! و ما هذا إلا نتيجة العمران و إجراء العدالة و الإنصاف فيهم. فقد سبقونا إلى هذه الغبطة. فعلينا أن نقتفي آثارهم، و نجدّ في تحصيل ما أدركوه منذ أجيال عديدة عسانا ندرك ما أدركوه، و نكون نعم المفلحين!

____________

(1) أ، ب: تقديم‏

(2) ب: مغلقة

(3) ب: ثراء

(4) ب: أكد

194

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

195

الباب الثالث و الثلاثون في زيارة سعادة السلطان لمدينة بيرمنكهام‏ (1)

عرف أهل بيرمنكهام من صحائف الأخبار أن من نية سعادة سلطان زنجبار القدوم إلى مدينتهم بقصد الفرجة على ما فيها من المعامل و الصنائع. فاستعدوا لملاقاته خير استعداد، و خرج منهم جمع غفير إلى محطة سكة الحديد ينتظرون قدومه بالسلامة.

فلما كانت الساعة الواحدة بعد الظهر وصل السلطان إلى محطة بيرمنكهام. و كانوا قد فرشوا أرض المحطة بالجوخ الحمر، و فرشوا الدرج بطنافس جميلة. و قبل أن ينزل السيد من أرتال‏ (2) السكة الحديد، تقدم والي البلد ألدرمن بيكس، و دخل إلى السيد و سلّم عليه، و رحب بقدومه. ثم استأذنه‏ (3) أن ينزل، و يشرّف المدينة، فأجاب السيد طلبه. و نزل مع من كان في معيته. و كان حضرة باجر الفقيه يترجم بين سعادة السلطان و بين والي البلد. ثم نزل بعده وزراؤه السيد حمود بن حمد و السيد حمد بن سليمان و حضرة تاريا توين‏ (4) و حضرة الدكتور كيرك و مستر كليمنت هيل. ثم صعدوا درج المحطة المفروش بالطنافس.

و كان الشعب قد تقاطر بازدحام ليرى سعادة السيد، و يسلّم عليه. فلما رأوه مارّا كشفوا عن رؤوسهم حسب عوائد الإنكليز، و سلّموا عليه، و رحّبوا بقدومه إلى بلدتهم بالسلامة. و كان السلطان- زاده اللّه لطفا- يرد السلام عليهم بأنس و بشاشة و يشكر لهم على مكارمهم.

____________

(1) ثاني أعظم مدينة في المملكة المتحدة. و أول مدينة عرفت الثورة الصناعية. فصل:

23/ 2:Birmingham :N .E .B

(2) ب: قطار (و المحقق يستعمل دائما هذه الكلمة)

(3) أ: كلف إليه‏

(4) أ، ب: طارياتوبان‏

196

و لما دخل السيد دار المحطة كان الخدم قد هيأوا سفرة متفننة بالمآكل، فجلس السلطان و رجاله و تناولوا الطعام. و كان الشعب لا زال واقفا خارج الدار يريد مشاهدة سعادته ثانية.

و كانوا أيضا قد هيأوا مركبة ملوكية تجرها أربعة رؤوس خيل. فخرج السيد بعد الطعام، و ركب فيها مع السيد حمود بن حمد و الدكتور كيرك و والي بيرمنكهام. و ركب باقي رجال سعادته في ثلاث مركبات مفتوحة. و كان الشعب مصطفا في الشوارع التي مر بها السلطان رغبة في مشاهدته. و كان إذا مرت مركبته كشف الناس قلانسهم عن رؤوسهم و حيوه بألطف سلام و حبذوه‏ (1) بأعلى أصواتهم، و كان السلطان يرد السلام عليهم بأنس و بشاشة، و كان حراس المدينة يحافظون على الترتيب و الهدوء و منع القلاقل من جراء ازدحام الشعب.

و لما وصل السيد إلى محل مسترهنري اوسلر، خرج مدير المحل و أتباعه إلى ملاقاته، و سلموا عليه، و أدخلوه قاعة فسيحة حوت من كل فن خبرا، و احتوت على أصناف البلور المنقوش و الملوّن بأرناج‏ (2) مختلفة، فرآها السيد، و تفرّج عليها، و سرّ من مشاهدة أواني من البلور الأحمر و ثريات جميلة الصنعة كانت معلقة في سقف المحل برسم البيع، و كان بينها ثريّتان تفوقان البقية حسنا و جمالا، و كانت الواحدة منهما مصنوعة في زي الثريات الشرقية، فيها 32 مصباحا من الزيت أو الشمع. و كان لثانيتها 24 مصباحا من الغاز الهيدروجيني.

ثم ساروا بالسيد إلى محل شغل البلور و عمل الثريات، فرأى هناك ثريات بيضا و حمرا و خضرا. و تفرج على طريقة عمل الثريات من بدء خشونة البلور إلى آخر درجة من صقله و هندامه و نقشه و حفره و تركيبه و عمله ثريات.

____________

(1) ب: هتفوا له‏

(2) ب: بأشكال‏

197

و بعد أن أدخلوه إلى جميع محلات شغل البلور و عمل الثريات و الأواني و الأقداح و غيرها التفت إلى رجاله مسرورا و قال و هو يمزح:" الآن صرت أعرف كل أسرار البلور و طريقة عمله".

و فيما كان خارجا من محل الشغل كانت صبية من اللاتي يشتغلن في المحل تشتهي أن ترى سعادته و تتملى بمشاهدته، فخطر لبالها أن تخفي نفسها وراء مصراع باب القاعة التي كان السيد سيخرج منها، فلما دنا من الباب لاحت منه التفاتة إلى مصراع الباب، فرأى وراءه شخصا يبص‏ (1) بعينيه و يسترق النظر إليه، فدرى‏ (2) بأن الصبية تطمع في مشاهدة سعادته. و إنما الحياء ألجأها إلى التخفي، فدنا من مصراع الباب، ورده قليلا حتى جعل الصبية (3) تنظر إلى سعادته مليّا و تشفي غليلها، و تفتخر على رفيقاتها بأنها شاهدت سلطان زنجبار أحسن من جميعهن.

ثم خرجوا بالسيد من هناك، و ساروا إلى معمل البواريد و المكاحل شغل مرتيني هنري، و بعد أن تفرّج على طريقة عملها بأوائل‏ (4) البخار، طلب مدير المعمل إلى سعادة السلطان أن يشرّفه بكتابة اسم سعادته في كتاب الزوار، ففعل.

ثم سافروا- من هناك- إلى محل آخر اسمه أستن للفرجة على معرض أموال‏ (5) و بضائع مختلفة الأصناف، و كانت الموسيقة تعزف بالألحان الرخيمة، و لما مرّ السلطان بقربها عزفت بمقامة الدولة البريطانية.

____________

(1) ب: ينظر

(2) ب: علم‏

(3) أ: الابنة

(4) ب: بآلات‏

(5) أموال ساقط في ب‏

198

و بعد أن تملّى السيد من الفرجة على ما كان في ذلك المعرض، و أراد الخروج هطل مطر غزير كاد يبلّ ملابسه الرقيقة. فإنه كان وقتئذ لابسا رداء في زي جبة من الشال الأسود، و على زيقها و أكمامها نقش بالقصب و الحرير الملون، و عليه ثوب أبيض من الكتان الخالص، و في يده خاتم ثمين من الذهب الإبريز بحجر زمرد كريم جدا، و كان حاملا سيفا نفيسا و خنجرا قبضته من الفضة النقية. و كان غطاء رأسه عمامة مزركشة و متمنطقا (1) بشال كشميري غال مزركش بالذهب، و معلقة فيه ساعة من ذهب في سلسلة من الذهب الإبريز الخالص. فلما اشتد المطر استعجل السيد إلى مركبته فركبها و عاد برجاله إلى منزله بالسلامة.

____________

(1) أ: نطاق حقويه‏

199

الباب الرابع و الثلاثون في زيارة سعادة السلطان لمعمل الأواني الفضية و الذهبية في بيرمنكهام‏

خرج السيد برغش- أعزه اللّه- نهار السبت 5 جولاي (تموز) (30 جمادى الأولى) يريد الفرجة على معمل الأواني الذهبية و الفضية. و خرج في معيته وزراؤه و والي بيرمنكهام و الفقيه جرجس باجر و الدكتور كيرك و باقي أتباعه.

و كان شعب المدينة قد عرف ساعة خروج السيد من منزله فاجتمع الناس أفواجا إلى باب الدار، و شحنوا الأزقة و الشوارع يريدون النظر إلى سعادته.

فلما خرج السيد و ركب مركبته رفعوا أصواتهم و حبذوه‏ (1) طويلا و ما انقطعت أصواتهم كل تلك المدة حتى وصلت المركبة إلى معمل الأواني الذهبية.

و لما نزل السيد و رجاله من مركباتهم استقبله‏ (2) مستر ايلينكتن و مستر رولاسن مدير المعمل، و سلم على سعادة السلطان بألطف سلام، و رحب بقدومه.

ثم دخلوا به إلى أماكن الشغل ليفرّجوه على ما في ذلك المعمل العظيم من الأواني الذهبية و الفضية و غيرها. و في مرورهم بدهليز المحل رأوا تماثيل ملوك الإنكليز القدماء معروضة (3) عن يمين الدرج و شماله بترتيب حسن. فلما وصلوا إلى قاعة الفرجة رأوا فيها ما يدهش العقل و يشد البصر. فإن طول هذه القاعة يبلغ مائة قدم (فوت). و عرضها مناسب لطولها. و في وسطها و على مدار أطرافها موائد عليها صناديق من بلور ضمنها أواني ذهبية

____________

(1) ب: هتفوا

(2) أ: لاقاه‏

(3) أ: مصمودة

200

و فضية ذات نقوش جميلة شغل أساتذة ماهرين. فصار مدير المعمل يسير بسعادة السلطان بين صناديق تلك الأواني و يفرجه على أجمل ما كان بينها. و كان من جملة ذلك إناء جميل الصنعة كان مستر بيتردني قد أوصى بعمله ليقدمه هدية لمن يحوز قصب السبق من الجنود المتطوعة في بلدته دمبرتن‏ (1).

ثم فرّجوه على أغصان من الصنوبر الطبيعي مموّهة بالذهب و الفضة بصنعة غريبة مثل التي كان أهداها صاحب ذلك المعمل إلى الأميرة زوجة وليّ عهد بريطانيا.

ثم فرّجوه على كأس من فضة ناصعة كان قد أوصى بعمله أصحاب سباق الخيل ليهدوه من يحوز قصب‏ (2) السبق في بلدة برايطن، و يبلغ ثمنه نحو 400 ليرة (باوند) و نيف. و كان منقوشا على ظاهره رسم نقوش و تصاوير جميلة و بينها صورة الملك جورج الرابع بهذا الاسم و رسم سباق الخيل. و كان على حرف الكأس تمثال امرأة جميلة المنظر جالسة في إناء من فضة في شكل صدف البحر.

ثم فرّجوه على أواني سفرة مذهبة جميلة كانوا عملوها ليهدوها ملك بورما (3) بالهند.

ثم ساروا به إلى مخدع المصاغ و الحلي الذهبية. فشاهد هناك من أصناف الزينة النسائية ما يحير العقول بجمال صنعته. ثم فرّجوه على أواني مموهة بالفضة مصنوعة على زيّ‏ (4) أواني المصريين القدماء و اليونانيين و الرومانيين و الإيتليانيين و اليابونيين و غيرها مما يرتاح إليه الناظر.

____________

(1) مدينة ملكية منذ سنة 1222 و مركز ولاية في استكلندا تقع قريبا من غلاسكو. فصل:

268/ 4:Dumbarton :N .E .B

(2) أ: قصبات‏

(3) دولة تقع في خليج البنغال عاصمتها نوغون مساحتها (577، 676 كلم مربع) وقعت تحت الاحتلال البريطاني (1885- 1948). فصل: 657/ 2:Burma :N .E .B

(4) ب: نمط

201

و كان بين هذه الأواني ترس مموه بالفضة مصنوع على زي ترس ميلتن‏ (1) الشاعر الإنكليزي الذايع الصيت. و كانوا قد عنوا بعمله ليرسلوه إلى معرض باريس سنة 1867. فسرّ السيد بجماله و حسن إتقان صنعته.

ثم فرّجوه على إناء ثمين بديع الشغل كان قد عرض في معرض فيانا سنة 1873. و هو إناء لم يصنع مثله إلى الآن في الحسن و الجمال و إتقان الصنعة، و لبثوا يشتغلون في صياغته ست سنين و أنفقوا عليه 6000 ليرة (باوند).

ثم فرّجوه على أواني أخرى من ذهب كانت قد عرضت كذلك في معرض فيانا. و مما يميز هذه الأواني الذهبية عن غيرها من جنسها هو أن الأواني الذهبية التي يصنعها الصياغ في الدنيا كلها إذا تعرضت لرطوبة الهواء مدة من الزمان أكمد (2) لونها، أما هذه الأواني التي صاغها مستر ايلينكتن فلا يضعف رونقها و لا يكمد (3) لونها و لو تعرضت لرطوبة الهواء زمانا طويلا. فإنه قد اخترع طريقة جديدة يطلى بها الذهب تجعله لا يتأثر من رطوبة الهواء.

ثم ساروا به إلى محل طلي الأواني و تمويهها بواسطة الكهربائية، و فرّجوه على طلي أواني عديدة، فسرّ السيد غاية السرور بذلك لأن سعادته عنده في زنجبار آلة كهربائية (4) يتسلى بها في امتحانات كهربائية.

ثم كان والي بيرمنكهام قد استحضر على بعض نقود، فسلّمها إلى سعادة السلطان، فأخذها، و طلاها في نفس الإناء الكهربائي الذي كان ولي عهد بريطانيا طلى فيه بعض النقود

____________

(1) جون (1608- 1674) أحد أشهر الشعراء الإنكليز، معروف بقصيدته" الفردوس المفقود" (1667) و هو أيضا مؤرخ و كاتب. فصل: 3- 142:Milton ,John :N .E .B

(2) ب: تغير

(3) ب: يتغير

(4) ب: الكهربائية

202

لما زار هذا المحل. ثم تناولها السيد مطلية بالذهب، و دفعها لرجاله ليحافظوا عليها على سبيل التذكار.

ثم فرّجوه على قوة الكهربائية و شدتها بامتحان بسيط: و ذلك أنهم تناولوا قطعة من سلك الحديد، و أدنوها من الآلة الكهربائية، فاحترق السلك الحديدي في طرفة عين من شدة حرارة الكهرباء كما يحترق خيط كتان من لهيب النار.

فلما رأى السيد كل ما كان في ذلك المحل من الأواني و الذهب و الفضة و غيرها قال:" حقيق بأن تسمّى هذه المدينة (بيرمنكهام) (1) لأنها بير- من- هام بالغنى أي هي ينبوع ثروة الإنكليز الذين يهيمون بالذهب فضلا عن غيرهم".

و في أثناء ذلك طلب مستر ايلينكتن إلى سعادة السلطان أن يتكرم بتدوين اسمه الشريف في سجل المتفرجين فأجاب السيد طلبه، و تناول قلما و كتب اسمه بالعربي" برغش بن سعيد".

ثم شكر لمدير المحل ما تكلفه من العناء و خرج برجاله، و ركب مركبته، و رجع إلى منزله.

____________

(1) هذه المدينة من أشهر المدن الإنكليزية في مجالي التجارة و الصناعة. فصل:

234/ 2:Birmingham :N .E .B