تنزيه الأبصار والأفكار في رحلة سلطان زنجبار

- زاهر بن سعيد النخلي المزيد...
295 /
203

الباب الخامس و الثلاثون في سفر سعادة السيد إلى مدينة ليفربول‏

سافر السلطان- حفظه اللّه- من بيرمنكهام نهار الاثنين 5 جولاي (تموز) يريد الفرجة على مدينة ليفربول، و كان في رفقة سعادته السيد حمود بن حمد و السيد حمد بن سليمان و السيد ناصر بن سعيد و الشيخ محمد بن سليمان الفاصل للدعاوى الشرعية و تاريا توين التاجر الهندي و الدكتور كيرك جنرال الدولة الإنكليزية و الفقيه جرجس باجر و مستر هيل. فركبوا في قطار سكة الحديد، و ساروا به على بركات اللّه.

و كان الناس قد بلغهم من صحف الأخبار وقت سفر السلطان، فاجتمعوا إلى محطات سكة الحديد ليشاهدوا سعادته و يرحبوا بقدومه. فلما وصل السيد بالسلامة إلى محطة سكة الحديد بليفربول كان المأمورون قد بسطوا أرض المحطة بطنافس إلى باب الدار التي كانوا قد هيأوها لسكنى سعادته. و كانوا قد وضعوا كراسي على الجانبين لجلوس الأعيان و الأكابر الذين كانوا قد حضروا إلى المحطة لاستقبال سعادته. و كان قد اجتمع في المحطة أناس كثيرون لا يحصى عددهم، و لضيق المكان صعد كثيرون إلى ظهر أرتال السكة ليغتنموا مشاهدة سعادة السيد.

و في غضون ذلك أتى والي البلد لفتنت كرنل ستابل لملاقاة السلطان، و كان صحبته الوالي ناظر المدينة مستر جون بيرسن و مستر جون والكر والي ليفربول سابقا و غيرهم كثيرون من أعيان البلد.

204

و لما وقفت أرتال‏ (1) السكة الحديد في المحطة، خرج منها مستر هيل أولا، و كلف والي البلد أن يرافقه ليدخل به إلى سعادة السلطان، ففعل، و دخل، و رحّب بقدومه، و استأذن إليه أن يخرج، و يشرّف البلد بحضوره.

فلما خرج السلطان طفقت الموسيقة تعزف بمقامة جديدة كان قد نظمها مستر بيردهول معلم الموسيقة و سماها المقامة الزنجبارية إجلالا لسعادته. فسار السيد مصحوبا بوالي المدينة و رجاله إلى الدار المعدة له و لحشمه، و لبثوا فيها نحو ساعتين من الزمان ليرتاحوا من تعب الطريق.

و في غضون ذلك كان قد اجتمع أهل المدينة من الرجال و النساء و الأولاد ما لا يحصى عددهم، و ملأوا الأزقة و الشوارع، و هم ينتظرون خروج سعادته من الدار ليشاهدوا وجهه الأنور. و في أثناء ذلك كان بعض من رجال سعادته واقفين في شرفة (2) عالية من الدار يتفرجون على الناس المجتمعين، فرءاهم بعض من السيدات، و رفعن مناديلهن البيضاء، و صرن يخفقن إياها في الهواء علامة السلام على رجال السلطان، و هن يبتسمن في وجوههن بلطف و بشاشة.

فرد رجال سعادته السلام عليهن بأيديهم بأنس و حشمة.

ثم حضرت فرقة من الشرطة (3) و اصطفوا في الطريق لمنع الناس من الازدحام. ثم فرشوا طنفسة حمراء من باب دار السلطان إلى آخر الدرج حتى رصيف الزقاق. و في أثناء ذلك أتت مركبة والي المدينة تجرها أربعة رؤوس خيل مطهمة فيها السيد، و مركبتان أخريان لرجاله.

و ساروا، و هم قاصدون دار الولاية، و الشعب بازدحام يحبّذهم، و يرحّب بقدومهم.

____________

(1) ب: عربات‏

(2) أ: مشرفة

(3) أ: الشرطة

205

فلما وصل السلطان إلى دار الولاية خرج إلى لقائه والي البلد و أعوانه، و أدخلوا سعادته قاعة الاستقبال، و كان فيها شعب غفير من الرجال و النساء لابسات ملابس بيضاء فاخرة. و لما مرّ سعادة السلطان بين صفوفهم، نهضن في سلام سعادته، و سلّمن عليه بألطف تحية و سلام، فردّ السيد السلام عليهن بأنس و بشاشة.

ثم أجلسوا سعادة السيد في صدر القاعة على كرسي مجلل بالحرير الأحمر المنقوش بالذهب كما كان يفعل قدماء الإنكليز لملكتهم اليصابات الشائعة الصيت. فلما استوى السيد على ذلك العرش تقدم والي البلد إليه، و استأذنه بتلاوة خطاب عن لسان الأمة. فأجاب السلطان طلبته بسرور و بشاشة. فنهض حينئذ واحد من العمدة و تلا خطابا فصيحا باللغة الإنكليزية. و هذا ملخص ترجمته:

" أيها السيد الجليل و الإمام النبيل، قد حق علينا- نحن والي مدينة ليفربول و وجوه شعبها- أن نهنئ سعادتك بوصولكم إلينا بالسلامة، و نرحب بك و بتشريفك مدينتنا في هذا النهار السعيد. فقد سررنا غاية السرور بمجيئك إلى بلاد الإنكليز لعلمنا علم اليقين أن حبك الخالص لهذه الأمة جعلك تتجشم متاعب الأسفار، و تحضر إلينا لكي توطد علاقات هذا الحب بين دولتك و بين دولتنا البريطانية، و تجعل مصالح الأمتين شيئا واحدا.

أما نحن- معشر الإنكليز جملة مع جلالة ملكتنا الفخيمة- فقد أضحينا ممنونين لمكارم سعادتك لأجل ما صرفته من حسن العناية إلى إبطال تجارة الرقيق و عتقهم و الاهتمام بتهذيبهم‏ (1)، و لنا ثقة تامة في شهامة سعادتك بأن تبطل هذه التجارة الذميمة في سواحل أفريقية الشرقية كلها. ثم نؤمل أن تسرّ سعادتك بالفرجة على ما في هذه المدينة من المنتزهات‏ (2) و الجنائن و التحف و المعامل، و تدخر ذكرها في خزنة عقلك الراجح و تذكر محبيك المخلصين‏

____________

(1) أ، ب: في تهذيبهم‏

(2) ب: المنزهات‏

206

الذين تشرفوا في هذا النهار بمشاهدة سعادتك الجليلة (1). حرر بحاضرة ليفربول في 5 جولاي (تموز) سنة 1875

(الإمضاء)

ريتشرد فيل ستابل"

و فيما كان الخطيب يتلو الخطبة كان الفقيه جرجس باجر يترجم جملة بجملة إلى سعادة السلطان عربيا.

و كان هذا الخطاب مكتوبا على قرطاس أبيض كبير وزيري محفوف بمخمل حرير وردي اللون و مزركش بالذهب، و كانت حواشي القرطاس منزّلة (2) بصياغة من الذهب بصنعة جميلة. و كانت طغرة مدينة ليفربول منقوشة في صفحة من ذهب في صدر القرطاس. و على دائره برواز من ذهب مجمّل بنقوش جميلة و معقودة في أطرافه ضمات من خيوط ذهبية (شراريب). و كان الخط جميلا جدا قد عنوا في كتابته بالقلم الإنكليزي القديم الذي كان يستعمله قدماء الإنكليز في الحجج و المكاتبات الملوكية في عهد الملك هنري الثامن. و كانوا قد رسموا على هوامش القرطاس زهورا جميلة ملونة بألوان ناصعة و بمحلول الذهب.

و في ختام تلاوة الخطاب عرض الخطيب ذلك القرطاس على سعادة السلطان فتناوله السيد بلطف و شكران، و سرح نظره في حسن خطه، و في ما كان فيه من النقوش الزهية. ثم سلّمه إلى واحد من وزرائه للمحافظة عليه.

ثم أوعز إلى الفقيه باجر أن يترجم شعائر الشكران و الامتنان لوالي المدينة الأفخم، و لشعبها ذي اللطف و الإكرام. فنهض الفقيه المومأ إليه، و قال:" قد أملى علي السيد خطابا

____________

(1) الجليلة: ساقط في ب‏

(2) ب: مصنوعة

207

بالعربية شكرا لكم على ما أسديتموه إليه من التكريم و التعظيم و التبجيل في مدينتكم المحروسة، مما لم يسبق أن فعلتم مثله للملوك‏ (1) أو السلاطين الذين حطوا ركابهم في هذا البلد من قبله. و ها أنذا أتلو على مسامعكم ترجمة خطاب سعادته بالإنكليزية:

" إلى صاحب السعادة و الشرف والي ليفربول، و أعوانه، و شعب هذه المدينة قاطبة أدامهم اللّه بالعز و الإقبال".

" أما بعد فقد حقّ علينا أن نشكر لكم غاية الشكران على ترحابكم بقدومنا إلى مدينتكم المحروسة. و قد امتلأ قلبنا سرورا لمشاهدتكم و التمتع بأنسكم".

أجاب الشعب: حبّذا! حبّذا!

ثم استأنف الفقيه خطابه، و قال:" قد هاجرت الحضارة و المعارف من بلادنا الشرقية إلى بلادكم الغربية منذ عهد قديم. و لما طال اشتياقنا إليها، و أبت أن تعود إلى أوطاننا أتينا قاصدين حماها، و طالبين عودها إلينا. و قد صمّمنا على نقل شي‏ء منها، و إن تعذر لدينا الحصول عليها برمتها. و نؤمل بأن يكون هذا الشي‏ء القليل بمنزلة خميرة، نضيفها إلى عجين النجاح في بلادنا، فتخمر العجينة بأسرها، و تترقّى زنجبار مع تمادي الزمان إلى درجة التمدن و العمران الذي نراه اليوم يزيّن بلاد الإنكليز السعيدة، و يرفع مقامها بين الأمم".

أجاب الشعب ثانية: حبّذا! حبّذا!

ثم أردف الفقيه، يقول:" و لا يخفاكم- أيها السادات- أنّ دولتنا قد حافظت على مودة الدولة البريطانية منذ مائة عام. و ليس في قلبنا رغبة أشد من رغبتنا في المحافظة على هذه المودة نحن و أولادنا و خلفاؤنا من بعدنا إلى ما شاء اللّه".

أجاب الشعب ثالثة: حبّذا! حبّذا!

____________

(1) أ: المحروسة ما لم تسبقوه إلى مثله و إكراما إلى الملوك‏

208

ثم مضى الخطيب يقول:" أما ما أشرتم إليه من جري إبطال تجارة الرقيق في بلادنا فقد تجشمنا أتعابا عظيمة و خسائر باهظة، و صرنا عرضة لأخطار مبرحة طمعا في حب البشرية، و خير الناس، و رضى اللّه، و مؤاخاة الدولة البريطانية التي اقترحت علينا هذه الاقتراحات المهمة".

أجاب الشعب رابعا: حبّذا! حبّذا!

ثم أردف الخطيب مقاله، و قال:" و قد ألقينا همّنا على اللّه- سبحانه و تعالى- في كل ما فاجأنا من المصاعب، و توكلنا على قدرته العظيمة، و لنا ثقة تامة في عنايته- تعالى- أن يديم لنا التأييد و القدرة على تكميل إرادته، و عمل ما فيه الصلاح لعباده".

" و لما كان من دأب اللّه- جلّ جلاله- أن لا يرسل الإمداد من السماء كما ينزل المطر على الأرض، بل يوعز إلى القوي بمساعدة الضعيف، فلنا ثقة به- تعالى- أن يوعز إلى دولة بريطانية القوية أن تمدّيد المساعدة إلى دولة زنجبار الضعيفة، و تأييدها على تعميم أسباب الحضارة و العمران".

أجاب الشعب خامسا: حبّذا! حبّذا!

ثم استكمل الخطيب كلامه، و قال:" قد شاع صيت مدينتكم ليفربول المحروسة في جميع الأقطار، و اشتهر ذكرها في الأمصار، و ذاع اسمها حتى في زنجبار. و اليوم نشاهد بأعيننا عظمة هذه المدينة، و جمالها، و حسن مينائها، و كثرة بوارجها و سفنها، و اتساع تجارتها، و مجد سكانها، و لطف أهلها، فحقّ علينا أن نفتخر بهم، و نقتفي آثارهم، إذا كنا نود أن نكون من المفلحين".

" و لكن لا يكفي زنجبار أن تتشرف باستماع ذكر ليفربول فقط، بل تحتاج إلى رجال ليفربول أن يشرفوها بما عندهم من الوسائط و أسباب العمران، و يرسلوا إليها عمدة تجارهم و مهندسيهم و أرباب صنائعهم النفيسة فيسعون في فلاحة أراضيها الواسعة، و إخراج ما فيها

209

من المعادن، و تعميم الصنائع إلى غير ذلك. فيعود ذلك خيرا عليهم و على زنجبار و على ما حولها من الأراضي في أصل البرّ".

أجاب الشعب سادسة: حبّذا! حبّذا!

ثم ختم الخطيب كلامه، و قال:" فليكن يقينا عندكم- أيها السادات الشرفاء- أن تذكار هذا النهار، و ما حزناه منكم من الإكرام لن يمحي من عقلنا ما حيينا، و نطلب إلى الحق- سبحانه و تعالى- أن يحرس مدينتكم هذه من الآفات و يصون أهلها بالعز و الأمجاد. آمين.

(الإمضاء)

" السيد برغش بن سعيد"

و في أثناء ذلك نهض الجميع و سلموا على سعادته و صافحوه و توادعوا معه.

ثم خرج السيد برجاله، و ركبوا مركباتهم، و رجعوا إلى منزلهم مسرورين غانمين، و الشعب يهتف بأصوات الحبور:" حبّذا! حبّذا سلطان زنجبار!"

210

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

211

الباب السادس و الثلاثون في فرجة سعادة السلطان على ميناء ليفربول‏

أرسل والي مدينة ليفربول غدوة (1) نهار الثلاثاء يطلب إلى سعادة السيد أن يشرّف دار الولاية حتى يسير في صحبته إلى مرفأ السفن، و يفرّجه على ميناء المدينة و على ما فيها من البواخر و السفن المصطفة فيها على مسافة ستة أميال، و هي لا جرم‏ (2) أعظم ميناء و أكبرها في الدنيا. فأجاب السيد طلبته بسرور، و ركب مركبته، و خرج في رجاله إلى دار الولاية.

و عند وصوله إليها خرج إلى لقائه والي البلد و أعوانه، و سلّموا على السلطان و أدخلوه بعز و إكرام. و بعد أن لبث برهة من الزمان للراحة نهض، و نهض الوالي و رجاله، و ركبوا مركباتهم، و ساروا إلى ساحل البحر، و كان الشعب قد تقاطر إلى هناك لمشاهدة سعادته و إكرامه.

و كان الوالي قد أمر أن يهيئوا باخرة جميلة لركوب سعادته ليسير فيها بحرا، و يتفرج على الميناء. فركبها مع رجاله. و فيما هم سائرون جرى حادث مكرب في البحر كدر صفاء كأس سعادته و من كان معه. و ذلك أن باخرة عظيمة كانت خارجة من الميناء تريد الذهاب إلى نيويورك بأمريكا الشمالية، و كانت سفينة صغيرة مشحونة بالسكر فيها خمسة رجال و امرأتان.

فصدمت الباخرة تلك السفينة صدمة مهولة أغرقتها في قعر اللجة (3) في طرفة عين. فبادر الناس إلى نجاة أولئك السبعة أنفار و أخرجوهم أحياء. و غرقت السفينة برمّتها مع ما كان فيها من‏

____________

(1) ب: غداة

(2) ب: شك‏

(3) ب: الماء

212

السكر. و تعطلت الباخرة الكبيرة من شدة الصدمة، و رجعت إلى الميناء لإصلاح ما ترك عليها من الكسر.

ثم سار السيد إلى معمل السفن و معه السادات ليردس و بودلر. و شاهد هناك تعويم مراكب جديدة. ثم تفرج على بقية الميناء، و رجع بالسلامة إلى منزله.

و في مساء ذلك النهار اتخذ والي المدينة مأدبة شائقة لسعادة السلطان حضرها كثيرون من أعيان البلد و أكابرها. و فيما هم على سفرة الطعام، نهض والي البلد و طلب‏ (1) إلى المدعوين أن يشربوا كأس الهناء بسرّ (2) سعادة ضيفهم الجليل سلطان زنجبار. و قال:" قد حقّ على أهل العالم المتمدّن أن يرفعوا مقام هذا السلطان النبيل و يشكروه على ما خوّل البشرية من الحرية و الفلاح، و على اتفاقه‏ (3) مع دولة بريطانيا على إبطال تجارة الرقيق في أفريقية. و أنتم تعرفون حقّ المعرفة- أيها السادات- الخسائر المالية التي حاقت بدولته من جرّاء ذلك، و المشقات التي عاناها في الانتصار على المصاعب التي نشأت في ملكه بسبب ذلك. و هذا الفعل الحميد خلّد ذكر سعادته في تاريخ الأمم المتمدنة". (أجاب المدعوّون: حبّذا! حبّذا!)

ثم استتلى الوالي خطابه، و قال:" لا يخفاكم- أيها السادات- كم و كم من الملايين من الليرات الذهبية أنفقت دولتنا البريطانية على تحرير الرقيق و إبطال تجارتهم من العالم! و كم و كم من السنين و الأعوام صرفنا في ذلك حتى بلغنا المراد!"

" أما سعادة السيد برغش فتحمل هذه الخسائر هو وحده، و نجح في نوال المرغوب في وقت قصير، و صار له علينا في هذا الأمر فضل عظيم، و قد صمم- بعونه تعالى- على صرف الهمة إلى استئصال هذه التجارة الذميمة تماما من بلاده".

____________

(1) أ: كلف‏

(2) ب: في صحة

(3) أ: تواطئه‏

213

" و قد أحطتم علما- أيها السادات- بما في مملكة ضيفنا الجليل من الغنى و المحاصيل و المعادن و الخضار الدائم و بساتين النارنج (برتقال) و غيرها من الكنوز المدفونة في تربة تلك البلاد السعيدة. و أنتم تعلمون- علم اليقين- أن إخراج هذه الكنوز الثمينة من قلب الأرض يحتاج إلى مبالغ وافرة من النقود. و قد سمعتم مرارا عديدة من فم سعادته أنه يرغب من صميم قلبه في أن يرى شعب هذه المملكة البريطانية مشمرا عن ساعد الهمّة و الجدّ و مقبلا على بلاده، و ساعيا في توسيع نطاق الفلاحة و الزراعة و التجارة و المعارف إلى غير ذلك. و أنا لي ثقة أكيدة في أهل ليفربول المشهورين بعلو الهمة و الإقدام و فتح أبواب التجارة في الدنيا بأسرها أن يغتنموا هذه الفرصة النادرة و يفتحوا أبوابا واسعة للتجارة في زنجبار".

قال هذا والي ليفربول، و رفع كأس المدام، و طلب إلى المدعوين أن يحذوا حذوه، و يشربوا أقداح الهناء بسرّ صحّة (1) سلطان زنجبار المعظم. فنهض الجميع إجلالا لسعادته، و قالوا:" حبّذا! حبّذا ضيفنا الجليل سلطان زنجبار!"

و في أثناء ذلك نهض السيد برغش، و تلا خطبة فصيحة بالعربية شكر بها لوالي ليفربول مكارمه العميمة و على ضيافته المنيفة. ثم أوعز إلى الفقيه باجر أن يترجم خطابه إلى الإنكليزي و يتلوه على أسماع الحاضرين. فامتثل الفقيه المومأ لأمر سعادته، و نهض، و قال:

" أيها الوالي الأفخم كرنل ستابل، و أنتم أيها السادات و السيدات المصونات قد أوعز إلي السيد أن أترجم لكم خطابه، و ذلك فرض علي، فأصغوا سمعا إلى ما أفصح به، و أجاد".

فقال:" قد رأيت في مدينتكم المحروسة أمورا ملأت قلبي حبورا، و أيقنت منها شدة سروركم القلبي بزيارتي بلادكم السعيدة. و لكن لو تمكنتم من فتح قلبي لرأيتموه يفيض سرورا بمشاهدتكم مما يعجز عن وصفه اللسان. فما لي سوى أن أشكر لكم هذا الإكرام العظيم الذي أسديتموه إليّ بلطف لا مزيد عليه. و لا غرو، فأنتم حقيقون بأن تفتخروا ببلادكم السعيدة،

____________

(1) ب: في صحة

214

و تتباهوا بعوائدكم الحميدة. فياليتني كنت في منزلة تحاكي منزلتكم الرفيعة حتى كنت أباريكم في الافتخار بمملكتي. و لكن شتان ما بين الثريا و الثرى! (1) فإن مجد بلادكم خلقه التمدن. و قد نشأ في حضن المعارف، و بلغ أشده في تقاريع الدهور و الأعصار".

" و أما زنجبار فقد ولدت في حضن الخشونة، و ما زالت في مهد الطفولة. و كم من الأيام و الأعوام يقتضي لها أن تشبّ و تكبر؟ و لكن كيف تشب و تكبر، و ليس لها من لبان المعارف قطرة؟ و كيف تتقوّى و تعتزّ، و ليس لها من قوت التمدّن شذرة؟ لكن إن احتضنتها بريطانيا احتضان الأم لولدها (2) و أرضعتها لبان المعارف و التمدن و الفلاح شبّت على طبع أمّها (3)، و حذت حذوها، و رقيت‏ (4) أوج المعالي، و جلست عن يمين ربيبتها (5) و استوت على عرش العز و الأمجاد".

" و قد سررت بما رأيت في مدينتكم- هذه- من العمران و تمام الحرية. و لكن ما بلغتم هذه الدرجة الرفيعة من الفلاح حتى تجشمتم عرق العمل قربة (6)، و تجرعتم غصص المصاعب شربة بعد شربة".

" أمّا أنا فقد خضت بحر الأخطار وحدي، و عاركت الدهر بساعدي و زندي، و أنا أضعف منكم بالمال و الرجال، و إنما اعتصمت بالقدرة العلياء، و قلت:" فإذا عزمت فتوكّل على اللّه" (7). و بعونه- تعالى- تجرأت على إلغاء تجارة أنشأتها الأمة و أثبتتها السنّة (8). و من له‏

____________

(1) و لكن ... الثرى: ساقط في ب‏

(2) ب: ان بذلت بريطانيا الصديقة جهدها ...

(3) ب: صديقتها

(4) أ: رقت، ب: بلغت‏

(5) ب: يمينها.

(6) أ: عرق القربة (كذا) و في ب: عرق العمل‏

(7) سورة آل عمران 3/ 159

(8) ب: الأجيال‏

215

إلمام في كنه ذلك أدرك- حقّ الإدراك- ما دون استئصالها من المصاعب و الأخطار و الخسائر.

و لكن قد زالت الآن- بحوله تعالى- أكبر هذه المصاعب و ما عدت أشتهي على اللّه شيئا سوى أن يديم لي وداد الدولة البريطانية ما حييت، و أن يوطد دعائم هذه الصلات الحبيبة على أسس الخلوص و الاستقامة".

" و أمّا ما أسديتموه إليّ- هذه الليلة- من العزّ و الإكرام فقد انطبع في عقلي و قلبي طبعا، لا يمحيه كرور الزمان، و لا تدرس آثاره من نفسي آفة النسيان، فاقبلي أيتها الأمة البريطانية العزيزة عربون ودادي و شكري: (الكامل)

فلأشكرنّك ما حييت و إن أمت‏* * * فلتشكرنّك أعظمي من قبرها

فلما ختم السيد خطابه هذا الفصيح هتف الحاضرون بأعلى أصواتهم، و قالوا:" حبّذا! حبّذا سيد الفصحاء سلطان زنجبار!" ثم رفعوا أقداحهم، و رشفوا عقارها بسرّ سعادته. أما السيد- أعزه اللّه- فلم يلمس الخمر، و لكن مراعاة لمسايرة الحاضرين صبّ ماء زلالا في كأس، و رفعها إلى فمه، و قال:" إني أشرب بسرّكم‏ (1)- أيها السادات- كأسا من الماء القراح الخالص عنوانا لخلوص ودادي لكم".

فقال الجميع:" حبّذا! حبّذا!"

ثم ختمت الوليمة و نهض السيد و توادع مع الحاضرين، و تصافح مع والي البلد، و ركب مركبته، و رجع في رجاله إلى منزله بالسلامة.

____________

(1) ب: بشرفكم‏

216

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

217

الباب السابع و الثلاثون في سفر السلطان إلى منشستر (1)

لبث السيد برغش بليفربول ثلاثة أيام. ثم خرج منها الى منشستر يريد الفرجة على ما فيها من معامل القطن و الغزل و الخام و الجوخ إلى غير ذلك. و كان وصوله إليها بسكة الحديد نهار الجمعة 9 جولاي (تموز) (4 جمادى الثانية 1292) صباحا.

و خرج أهل المدينة إلى لقائه، و قابلوه بمزيد الترحاب كما قابلوا شاه العجم يوم زار مدينتهم. فإن الشعب كان قد عرف من صحف الأخبار أن وصول سعادة السلطان إلى مدينتهم يكون نهار الجمعة قبل الظهر بساعة. فتقاطرت الناس أفواجا أفواجا إلى محطة سكة الحديد.

و قدم والي المدينة و أعوانه لملاقاة سعادته، و رحبوا بتشريفه مدينتهم. و كان في صحبة السلطان السيد ناصر بن سعيد كبير (2) وزرائه و أربعة من مستشاريه السيد حمد بن سليمان و السيد حمود بن أحمد (3) و السيد محمد بن أحمد (4) و الشيخ محمد بن سليمان و حضرة تارياتوين و الدكتور كيرك و الفقيه جرجس باجر و مستر كليمنت هيل و باقي خدم سعادته.

و كانت عمدة مدينة منشستر قد هيأت مركبة ملوكية تجرها أربعة رؤوس خيل مطهمة لركوب سعادته، فركبها في صحبة والي المدينة، و سار جوزف هيرون، و كاتم سره مستر بيرش قاصدين الدار المعدة لسكنى سعادته. و كان الناس قد اجتمعوا أفواجا إلى ساحة الدار ليسلموا على سعادته.

____________

(1) تقع شمال شرقي لندن و تبعد عنها 290 كلم، و تتميز بنشاطها الصناعي و جامعتها. فصل:

759/ 7:Manshester :N .E .B :

(2) الصحيح أن كبير الوزراء هو حمد بن سليمان‏

(3) أ، ب: محمد

(4) أ، ب: أحمد

218

و لما وصل السيد صرخ الشعب بأصوات الحبور و الترحيب:" أهلا و سهلا بسعادة سلطان زنجبار!". فدخل السيد الدّار، و استراح فيها نحو 20 دقيقة من الزمان. ثمّ أحضروا له المركبة ثانية، و طلبوا إليه أن يخرج إلى المدينة ليتفرّج عليها. فأجاب طلبتهم، و ساروا به أولا إلى معمل القطن كما فعلوا بشاه العجم يوم زار مدينتهم.

و كانت الأزقة مملوءة بالناس، و هم مسرورون بمشاهدة سعادته، و يكشفون قلانسهم عن رؤوسهم، و يسلّمون عليه بألطف سلام أينما سار. و كان السلطان- أعزّه اللّه- يردّ (عليهم السلام) تارة بإحناء رأسه، و أخرى بحركة يده.

و لما وصلوا إلى معمل القطن خرج إلى ملاقاة سعادته مستر ريشارد هورث صاحب المعمل، و سلّم عليه، و رحّب بتشريفه معمله. ثم دخلوا بالسلطان و أتباعه إلى أماكن الشغل، و فرّجوه على طريقة حلج القطن، و غسله، و نسجه، و كل ما أنيط به حتى يصير خاما. و كان الفقيه باجر يترجم لسعادة السلطان كل ما كان يشرحه صاحب المعمل لسعادته عن طريقة العمل. و في أثناء ذلك توقفت أوائل البخار عن الشغل مدة، و صار هدوء عظيم، و أخذ العملة يغنون بمقامة الدولة البريطانية ترحابا بتشريف سعادته معملهم.

و لما قضى السيد الفرجة، و أراد الخروج طلب إليه صاحب المعمل أن يشرفه بوضع اسم سعادته في كتاب الزوار تذكارا لزيارته الشريفة، فأجاب السيد طلبته بلطف، و كتب اسمه بالعربي:" برغش بن سعيد". فشكر صاحب المعمل لسعادته ذلك. و بعد أن توادعا خرج السلطان من المعمل. و الناس من الداخل و الخارج يحبذونه.

ثم ساروا بسعادته من هناك إلى دار التحف. و كان والي سالفرد يشرح لسعادة السلطان عمّا كان في تلك الدار من التحف النفيسة، و ما زالوا حتى حانت ساعة الغداء (1)، فخرجوا من‏

____________

(1) لم يرد في النص حديث عن الغداء.

219

هناك، و ساروا إلى دار التجارة، و كانت الناس قد ملأت الأزقة و الشوارع حتى كاد يتعسر مرور مركبة سعادته في الطريق من شدة ازدحام الناس.

و لما وصل السيد و رجاله إلى دار التجارة و صعد الدرج رأى جمعا غفيرا من الرجال و النساء و الأولاد قد اجتمعوا إلى ساحة دار التجارة يريدون مشاهدته، و هم يصرخون صراخا عاليا استرحابا بسعادته. و كان الشعب يتماوج من شدة الازدحام تماوج بحر عجاج متلاطم بالأمواج. و لما دخل السيد دار التجارة رأى منها ما سرّه غاية السّرور، و تعجب من سعتها و علوها و حسن بنائها و إتقان نقوشها، و قال:" هذه الدار، نعم الدار!" و لا غرو أن اتساع تجارة منشستر في الدنيا تحتاج إلى دار واسعة مثل هذه. و بعد أن قضى الفرجة على ما كان من التحف في تلك الدار خرج منها و ركب مركبته، و رجع في رجاله إلى منزله، و شعب المدينة محدق به من وراء و من قدام، و هم يحبذونه الطريق بطوله.

220

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

221

الباب الثامن و الثلاثون في تشريف سعادة السلطان لدار الولاية بمنشستر

أرسل والي منشستر يرجو سعادة السلطان أن يشرّف دار الولاية. فإنّ عمدة المدينة عازمة (1) على تقديم فروض الترحاب الرسمي لسعادته. فأجاب السيد طلبته، و ركب مركبته، و سار في رجاله إلى دار الولاية.

و كانت العمدة قد صرفت عنان العناية إلى تزيين دار الولاية زينة تليق بملك جليل، و فرشوا أرضها بطنافس قرمزية و أوراق الغار و أصناف الزهور الجميلة، و كانوا قد خصصوا في قاعة الاستقبال أماكن عالية لجلوس السيدات حرم أعيان البلد.

فلما وصل السيد إلى دار الولاية رأى الناس مزدحمين عليها ازدحاما غريبا، و قطعوا الطريق على مرور مركبته و مركبات رجاله. فمست الحاجة إلى حضور الشرطة و حراس المدينة لمنع الناس من الازدحام و فتح الطريق لمرور سعادته و رجاله. و كان الشعب لا ينفك من الصياح و التحبيذ لسعادته إلى أن هطل مطر غزير ملأ أفواههم بماء الغمام، و سدّ حناجرهم عن الصياح، و بلّ ثيابهم حتى اضطروا إلى الفرار. و كانت فرقة من العساكر الخيالة قد رافقت سعادة السلطان من المنزل إلى دار الولاية.

و لما دخل السيد قاعة الاستقبال نهض الجميع في سلامه، و رحبوا بقدومه، و صافحوه، و هنأوه بالسلامة. أما السيدات اللاتي كنّ حاضرات فسلّمن عليه بنشر مناديلهن البيضاء و تحريكها بأيديهن علامة السرور كمألوف عادة نساء الإنكليز. و أما سار جوزف هيرون فلما رأى ما فعلته النساء من نشر مناديلهن، قال:" إن سعادة السلطان قد سرّ بتحريك مناديل‏

____________

(1) عازمة تعود على عمدة المدينة و هي تعني مسؤولي البلدية

222

السيدات علامة السلام عليه. و لكن عندي أنه يفضّل أن يسمعهن يسلمن عليه بأصواتهن العذبة أكثر من تحريك مناديلهن الصامتة". فصرخت السيدات حينئذ بأصوات رخيمة:" حبّذا! حبّذا سلطان زنجبار!"

ثم أجلسوا السيد على كرسي، و جلس والي المدينة إلى يمينه. ثم جلس باقي الوزراء حسب مراتبهم. و في أثناء ذلك نهض والي المدينة، و قال لسعادة السلطان:" قد قرّ قرار أعيان المدينة و أكابرها أن يعرضوا على سعادتك خطاب التهنئة رسميا في هذا المحفل، فإن حسن بأعين دولتك قبول ذلك فيتلوه، و إلا فلا". قال السيد في جوابه:" حبا و كرامة!". فنهض سار جوزف هيرون، و تلا خطاب التهنئة الرسمية بالإنكليزي و هذه ترجمته ملخصا:

" إلى سعادة السيد برغش بن سعيد سلطان زنجبار و ما يليها من أصل البرّ، أدام اللّه مجده و إقباله آمين".

" أما بعد فنحن والي منشستر و أعيانها و أكابرها نتشرف بتقديم التهاني الرسمية لسعادتك، و نرحّب قلبيا بتشريفك مدينتنا. و نحن بالأصالة عن أنفسنا و بالوكالة عن عموم شعب هذه الحاضرة نعرض على سعادتك ما نشعر به من السرور و الفرح بمشاهدة سلطان جليل مثلك. كوننا واثقين غاية الثقة بأن زيارتك هذه لنا تكون باعثا على توطيد صلات الوداد بيننا أشد توطيدا و سببا لخير بلادنا و بلادك سوية. و لنا أمل بأن يتسع نطاق التجارة فيها و تكثر أسباب الحضارة و العمران في ظل ظليل سعادتك و همتك العلية، و ترى بعينيك نجاح المملكة، و عزها، و أنت رافل في ثوب السعادة و الإقبال. آمين"

فلما سمع السيد الخطاب بتمامه أوعز إلى الفقيه جرجس باجر أن يترجم خطابه العربي إلى الإنكليزي ردا على خطاب والي المدينة. فنهض الفقيه المومأ إليه، و شكر لوالي المدينة

223

و أعوانه ما أسدوه إليه من الإكرام في ذلك المحفل الحافل، و أثنى على شعب المدينة كافة لأجل حسن الملاقاة التي لا قوه بها إلى ذلك مما نقتصر عن ذكره خشية الملل.

ثم نهض مستر براونينك، و تلا خطابا عن لسان مجلس تجارة مدينة منشستر قال فيه ما ترجمته ملخصا:

" إلى سعادة السيد برغش بن سعيد سلطان زنجبار، أعزه اللّه".

" أما بعد فنحن رؤساء مجلس التجارة نترحب بقدوم سعادتك إلى هذه المدينة مركز تجارة العالم في الأصناف القطنية، و قد علمنا أن والدك المغفور له سلطان زنجبار كان صاحب أراض واسعة مخصبة يعتني بحراثتها و فلاحتها و يستغل محاصيلها و يبعث بها إلى أوروبا، و ما كان يحجر على الأموال الداخلة إلى ملكه".

" و يسرّنا أن نرى الولد سرّ أبيه، و يحذو حذوه في هذه الشمائل الحميدة. و قد صرنا في غاية الامتنان لسعادتك لأجل ما وعدت به أمتنا البريطانية. و لا شك أنك تفي بوعدك الصادق، و تبطل تجارة الرقيق تماما، و تعضد التجار في بلادك على فتح أبواب جديدة للأشغال و الأرباح و المعامل التي عليها مدار عزّ المملكة و جاهها و قوتها".

" و اتساع دائرة الأشغال يفتح سبيلا للأهالي أن يوظفوا في دوائر مختلفة، و يفتح باب الرزق في وجوههم، و تسعد أحوالهم، و تقوى عزائمهم على المحاماة عن الوطن و الملك".

" و لنا ثقة تامة بأن زيارة سعادتك هذه البلاد تكون باعثا على توثيق عروة الحب و الوداد بين دولتي بريطانيا و زنجبار، و تكونان مثل أختين متحابتين تعضد كبراهما الصغرى في جميع الملمّات. فنسأل الحق- سبحانه و تعالى- أن يستجيب دعاءنا هذا، و يسبغ على سعادتك و على ملكك و شعبك فيض الخيرات و البركات و الإقبال. آمين".

224

و لما فرغ الخطيب من كلامه أوعز السلطان إلى الفقيه جرجس باجر بأن يشكر له على خطبته الفصيحة، و يعد الحاضرين بأن السلطان لا يقصّر في شي‏ء من كل ما وعد به، و يؤمل بأن أمة الإنكليز أيضا لا تخرم بوعدها مع دولة زنجبار. و كما أن أمة الإنكليز ترحّب اليوم بقدوم سعادته إلى بلادها هكذا، سوف يترحب السلطان بقدوم تجار الإنكليز إلى بلاده متى شرفوها و حملوا إليها كنوز تجارتهم و أموالهم النفيسة. فصرخ الجميع بصوت الحبور و قالوا:

" حبّذا! حبّذا!"

ثم نهض السلطان، و صافح الوالي و باقي رجال العمدة، و خرج من قاعة الاستقبال.

225

الباب التاسع و الثلاثون في حضور السلطان وليمة والي منشستر

أقام والي منشستر مأدبة شائقة لسعادة السيد برغش ليلة النهار الذي قدموا له الخطب.

و حضر أيضا تلك الوليمة قوم كثيرون من أعيان البلد.

و لما كان السيد على سفرة الطعام، نهض الوالي، و خطب خطبة فصيحة أثنى فيها (1) على سعادة السلطان. و هذه ترجمتها ملخصا:" أيها السادات الكرام، إنّي أكلف إليكم- هذه الليلة- أن تشربوا معي كأس الهناء بسرّ هذا السيد الجليل سلطان زنجبار المعظم الذي قد شرّف محفلنا البهيج بحضوره السعيد"

" و لا شك أن ضيفنا الكريم هذا قد قصدنا من أقصى بلاد الشرق ليرى بعينيه هذه المملكة التي و إن كانت صغيرة في مساحة أرضها غير أنها فسيحة جدا في غناها، و جاهها، و عزها، و سطوتها، و امتداد ملكها، من مشرق الشمس إلى مغربها. هذه المملكة قد أضحت ترقص‏ (2) فرحا و حبورا بمشاهدة ملك من ملوك أفريقية الكبرى، فهو لا شك ملك زيّنته أشرف خصال الملوك، و جمّلته الطبيعة بعقل راجح و قلب سليم، و الدليل الأعظم على رجحان عقله الثاقب هو قدومه إلى هذه البلاد ليرى ما فيها من العمران و النجاح و يتخذ منه وسيلة لنشره في بلاده".

" و ما يدلنا على سلامة قلبه الشفوق الرؤوف هو سعيه بإبطال تجارة الرقيق من بلاده و تحرير عباد اللّه من نير الرقّ و الاعتناء بتهذيبهم‏ (3) و إصلاح شؤونهم، و قد سرّت أمة الإنكليز قاطبة بحسن مساعي هذا السيد الشهم الهمام، مع أن كثيرين نهضوا ضده، و قاوموا إبطال‏

____________

(1) أ، ب: بها

(2) أ: تركض‏

(3) أ، ب: في تهذيبهم‏

226

تجارة الرقيق من بلاده. و لكنه انتصر عليهم بحزمه و ذكاء عقله الراجح و همته العلية، و أقنعهم بأن نجاح البلاد و سعادتها قائمة ليس في تجارة الرقيق الذميمة، بل في الحرية و المساواة بين عباد اللّه، و نشر المعارف، و إدخال الصنائع، و تحسين أحوال الزراعة، و إجراء العدالة و الإنصاف بين الأبيض و الأسود، و المسلم و النصراني، و العربي و العجمي، و لأن جميع البشر خلقه اللّه، و هم من أب و أم واحدة و أصل واحد، و ليس لهم ما يفتخرون به على بعضهم سوى الطين و الماء".

" فمن زيّنته هذه المزايا الحميدة، و جمّلته هذه الخصال المجيدة، كان حقيقا بأن يملك على البلاد، و يسوس العباد، و يخلد ذكره، ليس فقط في صحف التاريخ، بل في قلوب الناس أجمعين إلى دهر الداهرين؛ فهلموا إذا أيّها السّادات هذا و اشربوا معي كأس الهناء و السرور بسرّ هذا (1) السلطان الجليل الذي أوردت على أسماعكم شطرا من صفاته الحميدة". فنهض الجميع، و حبذوا السيد برغش، و شربوا كأسات المدام بسرّه‏ (2).

و لما فرغوا من التحيات أوعز السلطان إلى محبه جرجس باجر الفقيه أن يترجم شعائر قلب سعادته إلى الحاضرين.

فنهض الفقيه باجر، و قال:" أيها السادات الكرام قد أمرني السيد بأن أترجم لكم خطابه هذا ردا على خطاب سعادة الوالي الأفخم، فقال: قد أضحيت غريق بحر الامتنان لكم هذه الليلة السعيدة. فقد غمرتموني بالأفضال و المكارم و التبجيل. و قد أضحيت مخجولا ممّا بالغ به و اليكم الأفخم في تقريظي و تعداد صفات أكاد لا أعهد في نفسي بذرة منها. فقد أفحمت في الجواب".

____________

(1)" و اشربوا ... بسر" عوضها ب: بقوله" و حيوا"

(2)" و اشربوا ... بسره" ساقط في ب‏

227

" و منذ تشرفت بحضوري إلى بلادكم لم أفتر عن تقديم الشكران لمكاركم العميمة. و الآن قد فرغ ما كان في جعبة عقلي و قاموس لغتي العربية من الكلام للتعبير عمّا في صميم قلبي من الشكران على أفضالكم، فأطلب إليكم أن تعذروني إذا رأيتموني هذه الليلة مقصرا في الكلام.

و لكني أكرر تقديم الشكران لكم ألفا في ألوف من المرات".

" و ممّا يجب عليّ أن أقرّ به- في محفلكم هذا الجليل- هو أني قد سررت غاية السرور بمدينتكم هذه، و أضحيت غريقا في بحر أفضال شعبها الكريم الذي غمرني بالإكرام و العزّ و التحبيذ و الترحاب. و كل هذا يفوق استحقاق شخصي الحقير".

فلما قال هذه الفقرة الأخيرة صرخ الشعب و قال:" كلا، كلا، أنت تستحق أكثر ممّا قلنا و فعلنا إجلالا لسعادتك".

ثم استأنف الفقيه خطابه على لسان السيد، و قال:" امتلأ قلبي حبورا بينما كنت اليوم أطوف المدينة أريد الفرجة على ما فيها من التحف، فرأيت العملة الذين يشتغلون في معامل القطن و غيرها يتزاحمون في الأزقة ليشاهدوني و هم لابسون ملابس الشغل. و قد أشارت إليهم صحيفة الأخبار أنهم تقاطروا أفواجا إلى الشوارع، و هم لابسون ثيابا مبقعة بأقذار المعامل. و لكن تلك البقع في ملابس العملة هي عندي أثمن من الجواهر الكريمة، و هي أشرف من نواشين الشرف التي تعلق على صدور الملوك".

" فلولا تلك البقع في ملابس العملة لما تيسّر للملوك لبس و حمل نواشين الشرف على صدورهم. فيا ليت كان في مملكتي رجال من العملة على طراز رجال مدينتكم هذه! فإن رفاهية معاش الأغنياء قائمة في اجتهاد العملة، و هم أيدي و أرجل الأمة و المملكة و بدونهم لا يتيسر لهما السير على قدم النجاح. و أود لو أن أقدر [على أن‏] أرسل قوما من شعبي إلى مدينتكم هذه ليتعلموا من عملة معاملكم منافع الشغل و الجهد و يرجعوا إلي و هم لابسون ثيابا عليها بقع المعامل، و أنا أضيف إليها نواشين شرف منضدة بالجواهر الكريمة".

228

فلما قال هذا صرخ جميع الحاضرين بأعلى أصواتهم، و قالوا:" حبّذا! حبّذا!"

ثم ختمت الوليمة، و توادع السيد مع الوالي و أعوانه. و تصافحوا. ثم خرج في رجاله، و ركبوا مركباتهم، و رجعوا إلى منزلهم في سرور و حبور.

و في الغد ركب السيد قطار سكة الحديد و عاد إلى لندن سالما غانما.

229

الباب الأربعون في خلع امتيازات لندن و حريتها على سعادة السلطان‏

كتب حاكم لندن كتابا لطيفا إلى سعادة السيد برغش يستقدمه إلى دار الحكم ليخلع عليه امتيازات لندن القديمة و حريتها كما جرت العادة مع الملوك و السلاطين الذين يزورون لندن.

فأجاب السيد طلبه بلطفه المعهود، و كان قد اجتمع إلى دار الولاية والي لندن و أعوانه و رجاله، و هم لابسون ملابسهم الرسمية. و كانت قد حضرت أيضا السيدة زوجة والي لندن في صحبة كثيرات من حرم الشرفاء، و هنّ لابسات أفخر الملابس و مزينات بأجمل الحلي و المجوهرات.

فلما وصل السيد إلى دار الولاية خرج إلى لقائه مستر ستابلتن و مستر فيلبس و غيرهما، و سلموا عليه، و أدخلوا دار الولاية بعز و إكرام. و كان في صحبة السيد وزراؤه و رجاله و المحب جرجس باجر الفقيه. و لما استوى السلطان على الكرسي المعد له نهض والي لندن، و خطب خطبة و جيزة في مدح سعادة السلطان و تعداد صفاته الحميدة التي جعلته أهلا لإكرام أمة الإنكليز قاطبة، و عزيزا عند الناس أجمعين. ثم نهض كاتم أسرار الوالي، و قرأ رقعة قال فيها ما ترجمته ملخصا:

" أيها الإمام الجليل و السلطان النبيل السيد برغش بن سعيد سلطان زنجبار و ما يليها، أدام اللّه مجدك و إقبالك. آمين".

" أما بعد فقد حسن بأعيننا نحن- والي لندن القديمة و شرفاؤها- أن نخلع على سعادتك امتيازات لندن و حريتها التي قد جرت العادة أن نخلعها على الملوك و السلاطين المتحابين لدولتنا البريطانية إجلالا لمقامهم و طمعا في توطيد صلات الوداد الوثيقة بيننا و بينهم".

230

" و لما كانت أسباب التمدن قد سهّلت وسائط الأسفار، و فتحت الطرقات، و قرّبت أهل العالم إلى بعضهم بعضا، حصلنا اليوم على شرف عظيم بقدوم سعادتك إلى بلادنا، و لنا أن نفتخر بك- أيها السيد- أكثر من افتخارنا بالسلاطين الذين سبقوك إلينا".

" فإنك- أنت- أول سلطان عربي الأصل و النسب قد شرّف بلادنا. أنت و إن كنت من أمة عربية قديمة العهد فقد أتيتنا اليوم بما لم تأته قبلك الأوائل. فأنت قد تفرّدت بحبّ الإنسانية، و فتحت أبواب الحرية في وجوه قوم طال ما نكبوا بمصائب الرق و العبودية. و أنت أول سلطان عربي عقد معنا معاهدة على إبطال تجارة الرقيق. و أنت أول من سطر اسمه الشريف في صحف تاريخ الحرية الأفريقية. و أنت أحق من سواك بنوال شرف حرية لندن القديمة و امتيازاتها المنيفة. و لهذا نطلب من الحقّ- سبحانه و تعالى- أن يديم لنا بقاءك بالعز و الإقبال، و يوطد ملكك على دعائم المجد ما اختلفت الأيام و الليالي. آمين".

فلما فرغ الخطيب من كلامه أوعز السلطان إلى محبه باجر الفقيه أن يترجم إلى اللغة الإنكليزية خطابه الآتي ردا على خطاب الوالي.

فنهض الفقيه المومأ إليه، و قال:" أيها الوالي الشريف، و يا أيها السادات الكرام، قد تشنفت آذاننا بسماع خطابكم البديع، و سررنا غاية السرور بما أسديتموه إلينا من الإكرام و التحبيذ الذي لا نشك بأنه صادر من صميم قلبكم السليم. و نحن نحتسب كل هذا فخرا عظيما لنا و لذريتنا العربية من بعدنا".

" و لا ريب أن شهرة مدينتكم لندن و حريتها ذائعتان في سواحل أفريقية الشرقية كما هي معروفة في الدنيا بأسرها. و نحن نقبل بفرح لا مزيد عليه شرف امتيازات لندن و حريتها التي من نيتكم أن تخلعوها علينا لتوطيد صلات الوداد بيننا و بين دولتكم الفخيمة. و هذا غاية ما نتمناه، و سوف نبذل همتنا إلى المحافظة على هذا الودّ الذي اكتسبه لنا أجدادنا بعناء و تعب شديدين".

231

" أمّا مسألة تحرير الرقيق في بلادنا فإننا نراها قد أخذت بمجامع قلوبكم، و شغفت عقولكم، و أينما توجّهنا، و حيثما حللنا رأينا لسان أمتكم لا يفتر عن النطق بها. و لا عجب في ذلك. فإنكم تتذكرون ما قاساه جدودكم من العناء و ما أنفقته أمتكم من الدينار الوضاح في سبيل تحرير الرقيق من بلادكم و بلاد بقية الأمم".

" و إننا مسرورن غاية السرور بهذا كله لأننا نراكم تعتبرون قدر المصاعب التي تحملناها في هذه المسألة، و تدركون قيمة الدراهم التي خسرناها من جراء ذلك. و ما نتمناه علاوة على هذه الامتيازات‏ (1) كلها هو أنكم لا تقفون عند هذا الحدّ، و تقتصرون على إظهار المعروف بالكلام الداوي فقط، بل أن تقرنوا القول بالعمل، و تفتحوا ليس أفواهكم فقط، بل خزائن أموالكم و تبذلوها في تحرير الرقيق بأفريقية كما بذل جدودكم خزائن أموالهم في تحرير الرقيق ببلادكم".

" و أنتم تعلمون- علم اليقين- أنّ من قال و فعل كان نعم الرجل! فنسأل المولى- سبحانه و تعالى- أن يأخذ بيدكم و بيدنا، و يقدّرنا على ما فيه خير لعباده، فهو السميع المجيب. آمين".

فلما انتهى الفقيه من تلاوة خطاب السلطان حبّذه جميع الحاضرين طويلا. ثمّ نهضوا من المحفل و ساروا بسعادة السلطان إلى بيت السفرة. و كانوا قد هيأوا له و لرجاله و لكثيرين من الأعيان وليمة فاخرة. فجلسوا جميعا. و تناولوا الطعام في هناء و صفاء. و لا حاجة إلى وصف ما كان على السفرة من فنون الأطعمة الفاخرة. فإن في الإشارة كفاية.

و بعد الطعام، تلا الوالي خطبة أخرى فصيحة كلّف بها المدعوين أن يشربوا كأسات الهناء بسرّ سعادة السلطان. ففعلوا جميعا. و هم يصرخون بأعلى أصواتهم:" حبّذا! حبّذا!"

و في ختام الوليمة، شكر السلطان لوالي لندن، و لزوجته، و لجميع من حضر الوليمة من الأعيان. و توادع معهم. و خرج في رجاله راجعا إلى منزله، و خرج والي لندن معه إلى باب الدار

____________

(1) أضاف (ب): المتاعب. و السياق يقتضي ما أضفنا أو قريبا منه‏

232

يشيعه. فرأوا جمعا غفيرا من الناس قد اجتمعوا إلى ساحة دار الولاية يريدون أن يشاهدوا سعادة السلطان، و يسلموا عليه. فلما رآهم السيد و هو خارج قال لوالي لندن:" هل بقي أحد- في مدينة لندن العظمى- لم يحضر هذه الليلة الى هذه الساحة؟ فإني لم أعهد من ذي قبل جمعا غفيرا مثل هذا."

فقال الوالي في جوابه:" قد انطبع- أيها السيد- حبك الخالص في قلوب أمة الإنكليز، و كلما ازدادوا نظرا إليك ازدادوا حبا لك. و قد أدركوا أن ساعة الفراق قد دنت، و أنهم يطمعون في أن يتزودوا منك بنظرة عند الوداع". فقال السيد:" بارك اللّه فيكم و فيهم، و أدام لي حبكم هذا، فهو أصل مناي و غاية مطمعي".

ثم تصافح السيد مع الوالي، و ركب مركبته، و انصرف بأتباعه في كنف الرحمن.

233

الباب الحادي و الأربعون في حضور سعادة السلطان وليمة وليّ عهد بريطانيا

لما دنا وقت سفر سعادة السلطان من لندن أقام له وليّ عهد دولة بريطانيا وليمة شائقة في جنينة شيزيك على سبيل الوداع. و دعا إليها الأمراء و الشرفاء و اللوردات و البارونات و المركيزات و غيرهم من رجال الدولة و السياسة و السفراء ما بلغ عددهم نحو 400 نفس من الرجال و النساء أغفلنا ذكر أسمائهم فردا فردا خشية الملل.

و كان في صحبة السلطان وزراؤه و أتباعه الدكتور كيرك و الفقيه جرجس باجر و مستر هيل و غيرهم. و صرفوا نهارهم في تلك الجنينة بالصفاء و السرور، و هم محاطون بزهور الطبيعة، و أناقة نساء الشرفاء و الخواتين اللاتي كنّ نخبة سيدات بلاد الإنكليز. و كانت ملابسهن الفاخرة و زينة ما عليهن من الجواهر الكريمة قد زادتهن حسنا و بهجة.

و بعد أن تفسحوا، و تنزهوا ساعات طويلة، و هم في أنس و حبور، تناولوا الطعام على سفرة متفننة بالأطعمة الملوكية. ثم شكر السلطان لولي العهد مكارمه العميمة، و ما ناله في مملكته من العز و الإكرام و حسن الضيافة، و توادع معه، و صافحه. ثم ركب مركبته، و انصرف برجاله إلى منزله. و هو في غاية الامتنان.

234

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

235

الباب الثاني و الأربعون في ما خلّفه السلطان من الذكر الحميد في قلوب الإنكليز

نشرت صحيفة" التيمس" الإنكليزية نهار سفر السيد برغش من لندن إلى فرنسا فصلا طويلا عدّدت فيه حسن خصاله الحميدة و امتداد ملكه بأفريقية حتى نقطة خطّ- الاستواء، و ما لسعادته من الهمة على إجراء الإصلاح و توسيع نطاق الحضارة و التجارة في بلاده. و قد ترجمناه من الإنكليزي إلى العربي ملخصا.

قالت النشرة المومأ إليها:

" قد ولعت أمتنا الإنكليزية في بسط الكلام عن الملوك و السلاطين الذين يشرفون بلادنا من حين إلى حين. و لكن تشريف سلطان زنجبار المعظم قد أخذ بمجامع قلب الأمة قاطبة، و هشّ له كل وجه، و نطق بمدحه كل لسان، و تأصّل ذكره الحميد في قلب كل إنسان. و ذهل الناس عن ذكر سواه كأن لا قبله و لا بعده أتانا و يأتينا من حاباه"

" كنا قد تشرّفنا- منذ عامين- بزيارة جلالة شاه العجم، وارتاحت أمتنا إلى ملك تأصّل ذكر ملكه في عقولها من نعومة أظفارها. فمنظر شاه العجم الذي كان يتشعشع شخصه بأحجار الألماس و الزمرد و الجواهر الكريمة كتشعشع قلب الأطلس بالنجوم و الكواكب المنيرة ذكر أمة الإنكليز بمملكة فارس‏ (1) العظيمة و بملكها داريوس الكبير (2) و بعزه و سطوته و اقتداره و حروبه مع اسكنر المقدوني ذي القرنين‏ (3)".

____________

(1) عرفت هذه المملكة عدة أطوار و تكونت فيها عدة إمبراطوريات منها إمبراطورية فارس الأولى (550 ق م- 331 ق م) و إمبراطورية الساسانيين (224 م- 651 م). فصل: 6422/ 11:Iran :G .E

(2) هو داريوش الثالث (ح. 336 ق م- 330 ق م) حاربه الاسكندر. فصل 887/ 3:Darius III :N .E .B

(3) و سمي أيضا اسكندر الأكبر، و اسكندر الثالث (356 ق م- 323 ق م) ملك مقدونيا (336 ق م- 323 ق م) كتان عسكريا متفوقا حتى وصل إلى الهند و ايران. فصل: 240/ 1:Alexandre III :N .E .B

236

" أما الآن فقد انمحى ذكر هذا الشاه الجليل من عقول الأمة كأنه لم يأت و لم نره أبدا.

و بردت محبة الإنكليز له منذ رأوه يميل إلى حب الروسية و يطمع في مواخاتها فضلا عن دولتهم".

" ثم كان الشاه قد وعد الدولة البريطانية- يوم كان بلندن- أنّ من نيته فتح بلاده لتجارة الإنكليز، و إدخال العمران و الإصلاح في ملكه بسعي رجال الإنكليز. و لكن أضحت مواعيده برقا خلبا (1) و سحابة لا ماء فيها. و رأينا- نحن أيضا- أن دوننا و دون بلاد فارس حائل عظيم يقطع وصالنا معها ممالك‏ (2) غير متحابة معنا. فبردت حينئذ همة الأمّة، و خمدت مطامح رجال السياسة".

" أما سعادة السيد برغش الذي قد حان يوم فراقه، و دنت ساعة رحيله بالسلامة من بلادنا، فليست منزلته منزلة شاه العجم، و لكن مقامه في أعين أمتنا الإنكليزية أرفع من مقام الشاه، و ذكره أحب إلينا، و بلاده أشد أهمية. و موقع مركزها الجغرافي يزيد آمالنا بأنها تضحى- يوما من الأيام- أكثر اتساعا من بلاد فارس".

" و قد اشتهرت بلاد السيد برغش- من قديم العصور- بالخصب، و الغنى‏ (3)، وجودة التربة و المعادن. و قد ذكرها الشاعر ميلتن الإنكليزي في ديوانه البديع المسمى" بالفردوس المفقود". فقال في قصيدة منه:" رفع الملاك مخائيل آدم (عليه السلام) إلى قبة السماء و أطلعه على مملكة نجوس و مرسى اركوكو و بلاد ممباسا و أكويلو و مالند". و كانت هذه البلاد قبل اندراس آثارها من المملكة (4) الخاضعة الآن لسلطان زنجبار".

____________

(1) ب: خبا

(2) ممالك: ساقط في ب‏

(3) أ، ب: الغناء.

(4) ب: الممالك‏

237

" و لكن لا ينحصر ملك السيد برغش في حدود هذه البلاد فقط، بل يمتد إلى ما شاء اللّه في أصل البرّ من أفريقية، و أراضي بلاده تصلح لزراعة كل ما تنبته بلاد المنطقة الحارة الشديدة الخصب، و فيها مراسي كثيرة للسفن تسهّل على التجار نقل المحاصيل و الغلال منها إلى جهات الدنيا".

" و في أواسط قارة أفريقية بحيرات وسيعة عظيمة تصلح لسير السفن و المراكب اكتشفها السياح في هذه الأيام الأخيرة، و هذه البحيرات تحت أمر سعادة السيد. و قد توغلت جنوده في تلك الجهات. و نصبت خيامها إلى جوار بعض البحيرات. و كان إسماعيل باشا- خديو مصر- قد طمع في توسيع ملكه، و أرسل جوقا من جنوده الى أواسط أفريقيا، و أمرهم أن يفتحوا تلك البلاد، و يستولوا عليها الى خط الاستواء. و لكن اضطر أخيرا الى سحب‏ (1) جنوده و الكفّ عمّا خامره قلبه من الطمع و حب الفتوحات. فإنّ الخديو لا يتيسر له الوصول إلى نقطة خط الاستواء من دون أن يغزو بلاد السيد برغش الواقعة بين الديار المصرية و نقطة خط الاستواء، و رجال السياسة في أوروبا لم يسمحوا لسعادة خديو مصر أن يسطو على بلاد السيد برغش، و يغزوها".

" أما السيد فلا يوجد له عائق يصده من فتح تلك البلاد الواسعة حتى نقطة خط الاستواء. و قد أخذت جنوده في التوغل في غربي القارة. و لنا معرفة تامة باتساع تلك البلاد.

و ندرك حق الإدراك أن للسيد برغش حقا في توسيع ملكه إلى ما شاء اللّه من دون أن يعترض له عارض. و قد اطلعنا من الاكتشافات الأخيرة التي أتانا بها السياح الأفريقانيون‏ (2) أن تلك البلاد التي كانت مجهولة عند علماء رسم الأرض قديما هي بلاد سعيدة مخصبة تسكنها قبائل قابلة للتمدّن و الحضارة. و مناخها ليس بسقيم كما كان يزعم القدماء، و هي تصلح لسكنى الأوروبيين أيضا إذا اختاروا الإقامة فيها، وسعوا في توسيع نطاق الزراعة و التجارة و الفلاحة".

____________

(1) أ: ترجيع‏

(2) ب: مجموعة من السياح‏

238

" و لنا ثقة راهنة بأن أهل الحزم من الإنكليز و غيرهم لا يلبثون طويلا أن يدخلوا تلك البلاد و يستعمروها (1) في ظل ظليل سعادة السيد برغش سلطانها العادل، و لنا أمل أيضا بأن تضحى مملكة زنجبار بعد مائة عام مملكة واسعة تشمل أراضي فسيحة، و تمتد إلى أقصى بلاد الزنوج. و متى دخلت تلك الأراضي في حوزة سلطان زنجبار ترقّى سكانها إلى طبقات الحضارة، و عكفت على اكتساب المعارف و الاشتغال بالصنائع و الاعتناء بالحراثة و التولع بالتجارة. و صارت أمة عزيزة بالرجال و غنية بالمال. و قد ذكر لنا سار برتل فرير أشياء كثيرة عن بلاد زنجبار و أحوالها في كتاب رحلته يوم تفقد تلك البلاد. و لا ريب أن السار المومأ إليه قد أصاب عين الصواب فيما قاله".

____________

(1) ب: يعينوها

239

الباب الثالث و الأربعون في سفر سعادة السلطان من لندن الى كاليس‏ (1)

سافر السيد برغش في صحبة رجاله من لندن الى بندر كاليس اليوم الحادي عشر من جمادى الثانية (أيار) (16 جولاي 1875) و كان ذلك نهار الخميس. و كان في صحبته المحب جرجس باجر الفقيه و الدكتور كيرك و مستر كليمنت هيل. و لما وصلوا إلى محطة جارين كروس كانت قطار سكة الحديد (جاري البخار) حاضرة، فركبوها، و ساروا في كنف الرحمن، و بعد ثلاث ساعات وصل السيد و رجاله بالسلامة إلى بندر دوفر (2) الموجود في آخر حدود جزيرة بريطانيا.

و لما نزل السيد من جاري البخار لاقاه وجوه البلد بعز و إكرام لا مزيد عليهما.

ثم هيأوا مركبا بخاريا اسمه" فيكتوريا"، و هو من أسرع المراكب جريا، يسير 18 جيرة في الساعة، و قوة بخاره تعادل قوة 200 حصان. فركبوا فيه بعد ما شيعهم الإنكليز، و ركب في صحبة سعادة السلطان ثلاثة أنفار من الإنكليز، و هم الفقيه جرجس باجر و الدكتور كيرك و مستر كليمنت. و ساروا بالسلامة. و طابت لهم الريح، و راق البحر. و بعد ساعة من الزمان قطعوا الخليج و وصلوا إلى بندر كاليس من بنادر بلاد فرنسة وقت الغروب.

و لما وصلوا إلى الميناء لاقاهم رجال الفرنسيس و أكابر البلد و كثيرون من العساكر، و طلبوا إلى سعادة السلطان أن ينزل، و يشرّف بلادهم. فأجاب طلبتهم، و نزل. و حال خروجه إلى البر أطلقوا 21 مدفعا إجلالا لسعادته.

____________

(1) مدينة فرنسية لها ميناء ممتاز يفتح على أوروبا الشمالية الغربية (بحر الشمال). فصل:

2153/ 4:Calais :G .E .

(2) مدينة انكليزية تقع على بحر الشمال لها ميناء يربط بريطانيا بأوروبا. فصل: 201/ 4:Dover :N .E .B

240

ثم أنزلوهم في دار فسيحة، و أكرموهم غاية الإكرام. و باتوا هناك مدة للراحة. و بعد ذلك ركبوا قطار سكة الحديد، و ساروا إلى باريس.

أمّا الرجال الثلاثة من الإنكليز الذين رافقوا سعادة السلطان إلى كاليس فودعوه، و رجعوا إلى لندن بالسلامة.

أما السيد و أتباعه فوصلوا إلى باريس في اليوم الثاني عشر من جمادى الثانية و كانت الدولة الفرنساوية أرسلت جوقا من العساكر، و بعضا من أكابر الدولة لملاقاة سعادته.

فلما نزل السلطان من جاري الدخان‏ (1) سلّم عليه أولئك الرّجال، و رحبوا بقدومه.

و كان المارشال مكمهون‏ (2) رئيس الجمهورية الفرنساوية قد أرسل مركبته لسعادة السلطان، فركبها صحبة رجاله، و فرقة من الفرسان محاطة به من قدّامه و من ورائه.

ثم ساروا بالسيد و رجاله، و أنزلوهم في دار جميلة البناء وسيعة غاية الاتساع ذات طبقات عديدة، و مزينة بالفرش الثمينة، فدخلها السيد صحبة رجاله، و استراح فيها.

و بعد صلاة العصر وصل المارشال مكمهون لمواجهة السلطان، فسلم عليه و رحّب بقدومه. ثم تقدم وزير الخارجية أيضا، و سلم على سعادته، و صارت الوزراء و الأكابر و أعيان الأمة يتردّدون على سعادته، و يهنئونه بوصوله إلى بلادهم بالسلامة، و قضى نهاره في مقابلة الناس و ردّ السلام.

____________

(1) سماه سابقا: جاري البخار (مرتين)

(2) عسكري فرنسي (1808- 1893) حكم الجزائر أولا (1864- 1870) ثم حكم فرنسا (1873- 1879). فصل:Mac Mahon :G .E :21 /0547

241

و لما أصبحوا ثاني يوم أتى رجال الدولة إلى سعادته، و طلبوا أن يخرج في صحبتهم ليفرّجوه على ما في بلدهم من التّحف و الفرجات، فأجاب طلبتهم، و خرج في مركبته، و معه وزراؤه و رجاله.

فساروا إلى المدرسة الكلية الكبيرة (1) و هي دار وسيعة، فيها محلات كثيرة للكتب و للمعلمين، و فيها قبة كبيرة. و قيل إن فيها من الكتب نحو 290000 كتاب، منها 90000 مجلد بخط قلم، و البقية من المطبوعات. و فيها كتب قديمة بالقلم الكوفي و غيره.

ثم ساروا بهم من هناك إلى دار التصاوير (2)، و فرّجوهم على ما فيها من أعمال المصورين المشهورين.

ثم دخلوا بهم مخدع المسكوكات القديمة. ثم دار الأسلحة القديمة و الدروع التي كانت الجنود تلبسها في العهد القديم.

ثم فرّجوه على دار التماثيل الحجرية، فرأوا فيها تماثيل كبيرة الحجم قديمة العهد من زمن الجاهلية، كانوا قد وجدوها في قلب الأرض و يبلغ ارتفاع بعض منها نحو 17 ذراعا.

ثم ساروا بهم إلى دار الطبّاعة و فرّجوهم على طريقة طبع الكتب، و طبع النشرات، و على طريقة قطع الورق بالآلات. فشاهدوا آلة تقطع في ساعة من الزمان ثمانية عشر ألف طبق من الورق.

____________

(1) المقصود جامعة الصربون، و هي في الأصل مؤسسة خيرية لصاحبها صربون، قصد ايواء الطلبة و المعلمين الفقراء، و كان ذلك سنة 1257، ثم تحولت إلى كلية دينية سنة 1554 و قد أعيد بناؤها سنة 1885. فصل::Sorbonne (la) G .E .:5 /0682

(2) المقصود متحف: اللوفر، و هو المتحف الوطني الفرنسي بباريس كان في الأصل قصرا من قصور العائلة المالكة، و لم يتخذ هذه الصفة إلا سنة 1791. فصل: 7346/ 12:Louvre (MUSEE Du) :G .E .

242

ثم فرّجوه على طريقة جمع الأحرف إلى قوالب، و وضعها على المطابع، و مسحها بالحبر، و كبس الورق عليها بآلات عجيبة تدوّرها قوة البخار.

ثم فرّجوه على طريقة تجليد الكتب. و كان في دار الشغل نحو 1000 نفس و نيف.

و بعد أن تفرجوا على كل ما كان يستحق الفرجة رجعوا بالسلامة إلى منزلهم.

243

الباب الرابع و الأربعون في زيارة سعادة السلطان للمرشال مكمهون ببلد فرسايل‏

خرج السيد برغش في وزرائه نهار الأحد 14 جمادى الثانية (19 جولاي) يريد ردّ السلام على المرشال مكمهون. و كان المرشال مقيما في قصر ملوك فرنسة القدماء الكائن في بلدة اسمها فرسايل تبعد عن باريس نحو 15 ميلا. فركب السيد مركبته و سار إلى القصر، و وصل إليه بالسلامة، فخرج رجال الدولة إلى لقاء سعادته، و رحبوا بقدومه، و سلموا عليه، و دخلوا به إلى القصر، فلاقاه المرشال مكمهون بالعز و الإكرام، و رحّب بقدومه.

و بعد أن فرغوا من السلام و الخطاب نهضوا، و أخذوا يفرجون السلطان و رجاله على ما كان في ذلك القصر الجميل من الأبنية و المنازل و المخادع و الصور و التماثيل و الأثاث و الأواني الثمينة الباقية هناك من عهد الملوك القدماء. و حيطان القاعة و سقفها مصورة أحسن تصوير و من يراها كأنه يرى الحرب قائمة على الساق أمام عينيه.

و تجاه هذا القصر جنينة عظيمة ذات أشجار و أزهار متنوعة و أحواض فيها تماثيل من حجر منها في صورة بنى آدم، و منها في صورة سمك، و منها في صورة غير حيوانات البحر ينفجر الماء من أفواهها و صدورها على علوقامات كثيرة، و ينزل إلى الأحواض كالمطر أو يتساقط على الدرج، و يظهر للناظر كأنه شلالات بحر النيل.

و يوجد في هذه الجنينة محل على دائرته عقود و في وسطه براحة (1) و في داخل العقود طريق يمشون فيها دائرة على تلك البراحة، و على دائرة العقود من الخارج أشجار و أزهار. و في وسط كل عقد ثوارة من الماء. و متى سار المتفرجون بتلك الطريق إلى تحت العقود يقوم الماء عليهم‏

____________

(1) ب: استراحة

244

مثل السور. و من جملة ذلك حوض عظيم عليه أنواع مختلفة من الصور، و تحتها نحو 90 ثوارة.

و على جانب الحوض مغارات داخلها تصاوير قديمة من خيل البحر و غيرها. و ينصب الماء هناك من فوق جبل و يتشعّب شعبا كثيرة تنحدر من شط (1) مدينة باريس على مسافة خمسة أميال.

و قد أتقنوا صنعة اللعب بهذه المياه إتقانا محكما: فإنهم متى أرادوا أوقفوا جريانها في طرفة عين، و متى أرادوا أجروها بلمحة نظر. و إذا أجروا المياه على ما ذكرنا مدة نهار واحد كلفتهم ثمانية آلاف فرنك على ما قيل.

و لما رجعوا من فرسايل إلى باريس فرّجوهم على دار الولاية أو قصر الدولة (2): و هو قصر عظيم من أعظم القصور التي رأوها في سفرهم. و كان فيها نقوش و زخاريف كثيرة و صور جميلة من جملتها صورة كاثرينا دى ميديشى‏ (3) التي أمرت ببناء ذلك القصر. و جانب من ذلك القصر يشرف على شط ماء عذب اسمه السين يمر في شط مدينة باريس، و عليه جسور كثيرة يمر عليها الناس من جهة إلى جهة أخرى. و الجانب الثاني من القصر يشرف على جنينة التوليري‏ (4) العظيمة الجميلة الأشجار و الأزهار و ثوّارات المياه و التماثيل الحجرية إلى غير ذلك.

ثم فرّجوهم على خزنة السلاح، و كان فيها من الأسلحة أصناف كثيرة، لا يسعنا ذكرها في هذا الباب قد جمعوها من عهد قديم، و هم يعتنون بها كثيرا، و يعتبرون الأسلحة القديمة، و يفتخرون بها. و قد أضافوا إليها جميع أصناف الأسلحة الجديدة أيضا.

____________

(1) المقصود النهر الذي يشق باريس، نهر السين‏(Seine) نهر فرنسا الشهير و هو الثاني طولا (776 كلم) و الأهم اقتصاديا.

فصل: 1645.Seine (LA) :P .R :p

(2) المقصود قصر التويلري الذي أمرت ببنائه دي ميديسيس سنة 1564 و هو يقع على السين بين متحف اللوفر و قصر الشان اليزي. و استمر بناؤه عدة سنوات و على مراحل. هدم هذا القصر سنة 1882 عدا جناحين منه. فصل:Tuileries 1806.(palais des) :P .R :p

(3) هذا هو الاسم الايطالي لكاترين دي مديسيس، و هي من أسرة ايطالية شهيرة (1519- 1589) تولت ملك فرنسا بعد موت زوجها، و كانت راعية للفنون، فواصلت بناء قصر اللوفر و شرعت في بناء قصر التويلري. فصل:Catherine de 349/ 2:Medecis :P .R

(4) أي التويلري‏Les Tuileries

245

و بعد أن تفرّجوا على ما كان في ذلك القصر من التحف المستحقة الفرجة خرجوا بالسيد و رجاله، و ساروا بهم إلى قبر نبوليون بونابرتي الكبير.

246

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

247

الباب الخامس و الأربعون في فرجة سعادة السلطان على قبر نبوليون الأول‏

سار رجال الدولة الفرنساوية بسعادة السيد برغش إلى المزار الموجود فيه قبر نبوليون الأول بهذا الاسم. و هو بناء شامخ عليه قبة عالية مصفّحة بالذهب يراها الناظر من كل جهة.

فلما دخلوا المزار انكشف لهم اتساعه و حسن بنائه. و أرضه مبلطة بالرّخام. و في صدر القاعة غرقة في هيئة محراب كبير فيه بركة، و في وسطها تابوت من حجر الرخام المنحوت ضمنه عظام‏ (1) سلطانهم الكبير (2) نبوليون المذكور. و حوله تصاوير موضوعة على دائرة القبر.

و كان هذا السلطان شديد البأس من عهد شبابه. فإنّه قهر أعظم ملوك الإفرنج و له من العمر 21 سنة، و كان ينزل معامع الحروب في مقدّمة الجيش، و يقتحم نار المدافع، و يهجم على صفوف الأعداء، و يفتك بهم. و ما قام قائد جيوش بعد الإسكندر ذي القرنين مثل نبوليون الأول. و كان ذا عقل ثاقب، و قلب سليم، و علم واسع. فرض فرائض‏ (3) عادلة استسنّ‏ (4) بها اليوم دولة الإنكليز و باقي دول أوروبا. و كان شجاعا لا يهاب الموت.

____________

(1) نلاحظ أن نابليون قد أحرقت جثثه و دفن رمادها في مقبرة الأنفليد(Les Invalides)

(2) يعني الإمبراطور

(3) المقصود القانون المدني للفرنسيين‏(Code Civil des Francais) و هو مجموع 36 قانونا تتعلق بالحقّ المدني شرّعه نابليون في 21 مارس 1804، و هو يتكون من 2281 فصل تتحدث عن: 1) الأفراد 2) الممتلكات و انتقالها 3) الممتلكات و طرق الحصول عليها. و قد عرف هذا القانون بقانون نابليون‏(Code Napolean) و أثر على القوانين في أوروبا.

الفصل: 423/ 2:Code civil :P .R ، و الفصل: 2008/ 5:Codification :G .E و نلاحظ أن هذا القانون حظي بعناية رفاعة الطهطاوي فعرّبه. و يكون بذلك قد فتح الباب على معرفة القوانين الوضعية في البلاد العربية.

(4) ب: تقتدي‏

248

و ما ذكره الأصمعي عن بسالة عنتر (1) و حماسته و جرأته في معامع الحروب ما هو سوى نقطة في بحر بسالة نابوليون المومأ إليه. و لو لا خيانة قواد جيشه و امرأته لما كان تمكن الإنكليز من قهره. و ما زالت إلى اليوم رايات الدول التي قهرها منصوبة حول قبره، و هي تسع رايات.

ثم فتح رجال الدولة الفرنساوية بابا صغيرا كان إلى جانب قبر نبوليون إجلالا لسعادة السيد برغش، و أدخلوه إلى مخدع لا يدخله أحد سوى الملوك و السلاطين، و فرّجوهم هناك على سيف السلطان نبوليون و كمّته‏ (2) و نيشانه‏ (3) و هي ما زالت محفوظة على حال حسنة بلا تغيير إلى الآن.

ثم خرجوا بالسيد و رجاله من هناك، و ساروا بهم إلى محل عمل الزوالي‏ (4) و عمل الأواني الصينية و الفناجين، و غير ذلك من أعمال الصناع الغريبة التي يحتار العقل من سرعة عملها و حسن نقشها.

و بينما كان سعادة السلطان في معمل الفناجين فرّجوه على فنجان صغير من الفخار الصيني، فاستحسن شغله، و سألهم عن قيمته، فقالوا: ثلاثون ريالا.

____________

(1) انظر: الأصمعيات‏

(2) الكمة: هي القبعة

(3) ب: عوّض (و كمته و نيشانه) بقوله (و سائر مخلفاته الرسمية و الشخصية)

(4) في العامية العمانية: السجاجيد

249

الباب السادس و الأربعون في فرجة سعادة السلطان على بستان مجموع الحيوانات و غيره من أماكن بمدينة باريس‏

و لما كان اليوم الثالث من وصولهم إلى باريس أتى رجال الدولة إلى سعادة السلطان، و طلبوا إليه أن يخرج في معيتهم ليفرّجوه على بستان مجمع الحيوانات. فأجاب طلبتهم، و خرج في رجاله معهم، فساروا به إلى البستان المذكور. و هو بستان عظيم متسع طولا و عرضا، و فيه محلات مخصوصة لأنواع الحيوانات المختلفة.

و من جملة الحيوانات الموجودة هناك جمال بيض ذات سنامين، و أفيال. و كان هناك فيل صغير وضع سائسه مزمارا في خرطومه، فصار ينفخ فيه و يزمر. و كان كذلك بقر أبيض له أذيال طويلة كأذيال الخيل. و طير النعام يجرّ مركبة كالخيل. ثم حمير من نوع حمار الوحش. و كلاب و غنم و كلها قد طوّعوها لتجرّ مركبات صغيرة. و في هذا البستان جميع أنواع الحيوانات و الطيور، لا يسعنا ذكر أجناسها و أنواعها في هذا الباب.

و لما كان نهار الجمعة فرجوا سعادة السلطان على سرداب في بطن الأرض تجتمع إليه مياه المدينة التي تصعد إلى البيوت و المنازل، و سرداب آخر تجتمع إليه فضلات المياه المستعملة في البيوت بعد الغسل و غيرها، و من السيول و غيرها، و هو سرداب طويل متشعّب في طرقات باريس من أسفلها، و علوه نحو قامتين، و عرضه نحو عشرة أذرع، و يسير فيه الماء حتى يصبّ في نهر باريس.

250

و كان نزولهم إلى هذا السرداب من كوة صغيرة. ثم هبطوا منها إلى درجه‏ (1) حتى وصلوا إلى السرداب، فركبوا مركبات من حديد تجرّها أوادم، و تمشي على وجه العامد (2) و الماء يجري من تحتها.

و بعد أن ساروا بها مدة طويلة نزلوا منها و ركبوا قوارب صغارا تجري على الماء في ذلك العامد (3)، و كان في القوارب مصابيح يستضيئون بها في ظلام السرداب. و في هذا المكان علامات يستدلون بها على حصص‏ (4) المدينة المبنية فوق السرداب. فإذا وصلوا إلى علامة قالوا لهم: نحن الآن تحت المحلة الفلانية من مدينة باريس. و لبثوا يسيرون بالسيد و رجاله في ذلك السرداب حتى خرجوا منه من طريق آخر.

ثم ساروا بالسيد و رجاله إلى محل اسمه" شيركوس" (5)، و هو مكان ملهى تلعب فيه الخيل و الرجال و النساء و الأولاد. و هو على شكل دائرة حولها كراسي يجلس عليها المتفرجون، و في قلب الدائرة ميدان ممهّد. فأتوا بحصان، و أدخلوه تلك الدائرة، و خرج إليه رجل في يده سوط، و صار يحرّك السّوط، و يفرقعه في الهواء و الحصان يدور يمينا و شمالا، و يقدم، و يدبر على هواء (6) قرع السوط كأنه في معركة من معارك أهل الفروسية (7).

ثم أبرزوا أربعة جياد، و صاروا يديرونها في ذلك الميدان على هوى الحصان الأول. ثم بعد حين أضافوا إليها حصانين آخرين، و لاعبوا الجميع على قرع السياط إقبالا و إدبارا و هجوما. ثم أضافوا إليها حصانين آخرين حتى صارت ثمانية حصن، و صاروا يلعبون الجميع‏

____________

(1) أ، ب: درجة

(2) على وجه العامد: ساقط في ب‏

(3) في ذلك العامد: ساقط في ب‏

(4) ب: أمكنة

(5) هو مكان السرك‏(Circus)

(6) أ، ب: هوى‏

(7) أ، ب: الفراسة

251

سوية. و من حسن إتقان تطبيع تلك الحصن كانت تجول في ذلك الميدان الضيّق المجال من دون أن تصادم بعضها [بعضا] عند الإقبال و الإدبار يمينا و شمالا.

ثم أوقفوا حصانين في صفّ واحد، و خرج رجلان، و صارا يركضان في دائرة الميدان حتى وصلا إلى قرب الحصانين، فقفزا إلى الهواء فوق الحصانين، و اندفعا يقلبان على أم رأسهما في الهواء قلبات متتابعة حتى انتهيا إلى قرب الأرض و وقعا على رجليهما.

ثم أضافا إلى الحصانين حصانا ثالثا، و قفزا عليه كما قفزا على الحصانين الأولين، و ما زالا يزيدان الحصن، و يقفزان عليها حتى اصطف الثمانية حصن، الواحد إلى جانب الآخر.

و صارا يقفزان عليها، و هما يقلبان قلبات متواترة في الهواء على أمّ رأسهما.

ثم خرج رجلان، و انتصب كل منهما على فرس، و قبضا على ثوب. و جاء الرجلان اللذان يقحمان، و قحما (1) من فوق الثوب المقبوض. ثم ركب رجل على أكتاف رجل آخر، و صار الرجلان يقحمان‏ (2) فوق الرّاكب على أكتاف الآخر.

ثم دخل الميدان رجلان آخران و امرأتان، و صاروا يخيّلون‏ (3) بسرعة عظيمة، و هم يلعبون على ظهر الخيول، و الحصن ترقص في طرب، و الناس يزمرون لها بالمزمار، و يضربون بالطبل، و هي ترقص على كسر (4) الألحان كأنها من بني آدم.

ثم برزت امرأة إلى الميدان، و قدّامها حصان مسروج، و لما انتهت إلى وسط الميدان قحمت‏ (5) على الحصان، و هو يجري بسرعة، و استوت على ظهره، و دارت في الميدان، و هي‏

____________

(1) ب: و جاء رجلان و قفزا

(2) ب: يقفزان‏

(3) يقصد يحركون الخيل (لم نعثر على هذا الاستعمال في القواميس)

(4) ب: تلك‏

(5) ب: قفزت‏

252

تارة تجلس، و أخرى تميل بجسمها: تارة إلى اليمين و أخرى إلى الشمال، و آونة تقف على رجل واحدة و رجلها الأخرى في الهواء، و تارة على كفل الحصان و هو في أكمل شوط.

ثم وقف ثلاثة رجال في أيديهم ثلاث حجلات (طارات من خشب) مثل الدوائر، فدارت المرأة بالحصان في الميدان حتى إذا حاذت الحجلة الأولى قحمت فوقها على ظهر الحصان، ثم نزلت من الجهة الثانية على ظهره، و هو يجري جريا سريعا، و استقلت برجليها على ظهره، ثم قحمت الحجلة الثانية و الثالثة، و الحصان في أتمّ الشوط، و هي لا تتغير عن مركز ظهر الحصان.

ثم أتوا بثلاث‏ (1) حجلات أخرى ملصوق عليها قرطاس رقيق، ففعلت المرأة مثل فعلها الأول، و قحمت على الحجلة، و خزقت القرطاس حيث دخلت منه، و نفذت، و هبطت على ظهر الحصان، و هو يجري، و هي ملتفة على نفسها مثل كرة. فصفّق الحاضرون لها طربا لحسن فروسيتها (2).

ثم أخرجوا ستّ دوابّ، و عليها ستة قرود (سبلان) راكبة، و صارت تبدو في الميدان و كأنها من بني آدم، و لم يكن أحد يسوس الحصن سوى القرود، و كانت ماسكة على عنان الخيل كفرسان ماهرين في فنّ الفروسية (3)، فتعجّب الحاضرون من نباهة تلك الحيوانات.

ثم جاء رجل، و صعد إلى خشبة معلقة في الهواء بحبال، و صار يلعب عليها و يتلوّى، و كان تارة يتعلق بأطرافها برجليه، و تارة بيده الواحدة، و أخرى برجله الواحدة، و رأسه منكّس إلى أسفل، و آونة يدور على محور الخشبة كالدولاب، ثم يقبض عليها تارة بكوعيه،

____________

(1) أ، ب: بثلث‏

(2) أ، ب: فراستها

(3) أ، ب: الفراسة