الشافي في شرح الكافي - ج2

- خليل بن غازي‏ القزويني المزيد...
582 /
455

(مَشِيئَةَ اللَّهِ)

أي للذبح. هذا أيضاً من وضع اللازم المنفيّ موضع الملزوم المنفيّ، لكنّ اللزوم فيه بواسطة تقدير الكلام، ولو شاء أن يذبحه لما وقع عدم الذبح؛ إذ لو وقع عدم الذبح حينئذٍ لوقع بمشيئة إبراهيم، ولو وقع عدم الذبح بمشيئة إبراهيم حينئذٍ لغلبت مشيئة إبراهيم مشيئة اللَّه.

ويمكن أن يُقال: إنّ المراد بمشيئة إبراهيم عدمَ الذبح تمنّيه في نفسه عدمَ ترتّب قطع الأوداج على التحريك؛ لرقّة الابوّة، وحينئذٍ فاللزوم بلا واسطة.

الخامس:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ دُرُسْتَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «شَاءَ وَأَرَادَ، وَلَمْ يُحِبَّ وَلَمْ يَرْضَ)

أي قد تتعلّق مشيّته تعالى وإرادته بشي‏ء لا يتعلّق به حبّه ورضاه، فليست مشيّته وإرادته مساوقتين لحبّه ورضاه.

وهذا ردّ على المعتزلة في ثاني خلافَيْهم معنا، كما مرّ في أوّل الخامس والعشرين. (1)

(شَاءَ أَنْ لَايَكُونَ)؛

(2) تامّة، ويحتمل كونها ناقصةً وخبرها قولَه: «بعلمه»، وقولُه:

«شاء» مبتدأ محكيّ والمضاف مقدّر؛ أي معنى شاء، والمقصود معنى المشيئة، لأنّ معنى المشتقّ معلوم لأهل اللغة، فقوله: «أن لا يكون» خبر المبتدأ، و «أن» مخفّفة من المثقّلة، أو مفسّرة عند من لا يشترط تقدّم‏ (3) الجملة على «أن» المفسّرِة. ويجعل‏ (4) منها قوله: «وآخر دعواهم أن الحمد للَّه‏ربّ العالمين» فقوله: «لا يكون» بالرفع.

____________

(1). أي في الحديث 1 من باب في أنّه لا يكون شي‏ء في السماء والأرض إلّابسبعة.

(2). في حاشية «أ»: «قوله: شاء أن لا يكون شي‏ء إلّابعلمه، أي شاء بالمشيّة الحتميّة أن لا يكون شي‏ء إلّابعلمه، وعلى‏طباق ما في علمه بالنظام الأعلى وما هو الخير والأصلح ولوازمها. وأراد بالإرادة الحتميّة مثل ذلك و لم يحبّ الشرور اللازمة التابعة للخير والأصلح، كأن يقال: ثالث ثلاثة، وإن يكفر به، ولم يرض بها (ميرزا رحمه الله تعالى)». الحاشية على اصول الكافي، ص 488.

(3). في «ج»: «بعدم».

(4). في «ج»: «ويحتمل».

456

وفي رواية ابن بابويه في كتابه في التوحيد «شاء أن لا يكون في ملكه». (1)

(شَيْ‏ءٌ)

أي فعل أو ترك صادر عن العباد، فإنّه المقصود بالبيان وإن كان الحكم عامّاً.

(إِلَّا بِعِلْمِهِ).

الباء للسببيّة. والمراد «بعلمه» ما يصدر عنه معلوماً أنّه المصلحة أو للملابسة؛ أي إلّامع علمه تعالى بوجوه ما يفضي إلى كونه‏ (2) وبوجوه ما يفضي إلى عدمه. والمقصود أنّه ليس بمغلوبيّته تعالى ولا غفلته؛ تقول: فعلت كذا بعلم وعلى علم، أي لا بإكراه ولا غفلة، قال تعالى في سورة فاطر: «وَ ما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى‏ وَ لا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ» (3)، وفي سورة الدخان: «وَ لَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى‏ عِلْمٍ» (4)، وفي سورة الجاثية: «وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى‏ عِلْمٍ» (5).

(وَأَرَادَ)؛

مبتدأ محكيّ.

(مِثْلُ)؛

خبر.

(ذلِكَ).

الإشارة إلى أن لا يكون شي‏ء إلّابعلمه. والمراد بمثله إمّا عينه، فيتّحد معنى المشيئة والإرادة كما هو في بعض استعمالاتهما، وإمّا ما يغايره ويشابهه، فيكون الفرق بينهما أنّ المشيئة باعتبار الابتداء، والإرادةَ باعتبار ما بعده وقبل وقت القدر، كما مرّ في أوّل الخامس والعشرين. (6)

(وَلَمْ يُحِبَّ أَنْ يُقَالَ: ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ).

معنى الحبّ هنا عدم النهي، فقول النصارى: «إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ» (7) ليس محبوباً عند اللَّه وإن كان بمشيئته.

(وَلَمْ يَرْضَ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ).

معنى الرضا أيضاً هنا عدم النهي، فكفر الكافر ليس مرضيّاً عند اللَّه وإن كان بمشيئته.

____________

(1). التوحيد، ص 343، باب المشيئة والإرادة، ح 12.

(2). في «أ»:+/ «وبوجوه ما يفضي إلى كونه».

(3). فاطر (35): 11.

(4). الدخان (44): 32.

(5). الجاثية (45): 23.

(6). أي في الحديث 1 من باب في أنّه لا يكون شي‏ء في السماء والأرض إلّابسبعة.

(7). المائدة (5): 73.

457

السادس:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عن أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام): قَالَ اللَّهُ).

يمكن أن يكون القول حديثاً قدسيّاً، وهو ما كان لفظه من اللَّه تعالى وليس اللفظ جزءاً من القرآن، وقيل: ما كان من اللَّه لا بتوسّط جبرئيل.

انتهى.

ويمكن أن يكون نقلًا من القرآن باعتبار أنّه مذكور بالمعنى في القرآن.

(ابْنَ آدَمَ)؛

بتقدير حرف النداء.

(بِمَشِيئَتِي).

تقديم الظرف للحصر؛ أي لا بغلبتك عليَّ. وهذا ردّ للتفويض الأوّل من تفويضي المعتزلة، وقد مرّ بيانهما وبيان معنى المشيئة في أوّل الباب السابق.

(كُنْتَ)؛

بضمير الخطاب.

(أَنْتَ)؛

ضمير الفصل.

(الَّذِي تَشَاءُ).

اقيم في العائد ضمير المخاطب موضع الغائب، كما اقيم ضمير المتكلّم موضعه في ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «أنا الذي سمّتني امّي حيدرة». (1)

(لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ).

(2) اللام للانتفاع، وهو شامل للطاعة والعصيان؛ لأنّ كلّ فعل أو ترك‏

____________

(1). الإرشاد للمفيد، ج 1، ص 126؛ الأمالي للطوسي، ص 4، المجلس 1، ح 2؛ روضة الواعظين، ج 1، ص 130؛ الخرائج والجرائح، ج 1، ص 218.

(2). في حاشية «أ»: «قوله: بمشيّتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء إلى آخره، أي بالمشيّة التي خلقتها فيك، وجعلتك ذا مشيّة- وهي من آثار مشيّة اللَّه سبحانه- كنتَ أنت الذي تشاء لنفسك على وفق هواها ما تشاء، وبالقوّة التي خلقتها فيك- وهي من آثار قوّة اللَّه، ولعلّ المراد بها القوّة العقلانيّة- أدّيتَ فريضتي، وبنعمتي التي أنعمتها عليك من قدرتك على ما تشاء، والقوى الشهوانيّةِ والغضبيّةِ- التي بها حفظ الأبدان والأنواع وصلاحها- قويتَ على معصيتي. وقوله: جعلتك سميعاً بصيراً قويّاً. السمعُ والبصر ناظر إلى الفقرة الثانية، والقوّةُ إلى الفقرة الثالثة. وقوله: ما أصابك من حسنة فمن اللَّه؛ لأنّه من آثار ما افيض عليه من جانب اللَّه. وما أصابك من سيّئة فمن نفسك، لأنّه من طغيانها بهواه. وقوله: وذاك أنّي أولى بحسناتك منك إلى آخره، بيان للفرق، مع أنّ الكلّ مستند إليه ومُنْتَهٍ به بالأخرة، وللعبد في الكلّ مدخل بالترتّب على مشيّته وقواه العقلانيّةِ والنفسانيّةِ بأنّ ما يؤدّي إلى الحسنات منها أولى به سبحانه؛ لأنّه من مقتضيات خيريّته سبحانه وآثارِه الفائضة من ذلك الجناب بلا مدخليّة للنفوس إلّاالقابليّة لها، وما يؤدّي إلى السيّئات منها أولى بالأنفس؛ لأنّها مَناقصُ، من آثار نقصها لا تستند إلّاإلى ما فيه منقصة. وقوله: وذاك أنّني لا أُسأل عمّا أفعل وهم يُسألون، بيان لكونه أولى بالحسنات بأنّ ما يصدر ويفاض من الخير المحض من الجهة الفائضة منه، لا يسأل عنه ولا يؤاخذ به؛ فإنّه لا مؤاخذة بالخير الصرف، وما ينسب إلى غير الخير المحض ومَن فيه شرّيّة ينبعث منه الشرّ يؤاخذ بالشرّ، فالشرور وإن كانت من حيث وجودها منتسبةً إلى خالقها، فمِن حيث شرّيّتها منتسبةٌ إلى مُنشئها وأسبابها القريبة المادّيّة؛ صدق اللَّه العظيم (ميرزا رحمه الله)». الحاشية على اصول الكافي، ص 489.

458

اختياري موقوف على الداعي، قال تعالى في سورة المدّثّر: «إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ* فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ* وَ ما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» (1)، وفي سورة الإنسان: «إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبِيلًا* وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» (2)، ولعلّه لم يقل بمشيّئتي تشاء لنفسك ما تشاء مع أنّه أخصر إشارةً إلى أنّ ابن آدم يجعل نفسه معتدّاً بها، ومشاراً إليها في مشيّئته الأفعال الحسنة لنفسه.

(وَبِقُوَّتِي أَدَّيْتَ فَرَائِضِي)

أي بالقوّة التي جعلتها فيك بالتوفيق للقبول منّي ووضع ثقل العمل كما يجي‏ء في ثاني «باب السعادة والشقاء». وتقديم الظرف هنا أيضاً للحصر كما مرّ، لا حول ولا قوّة إلّاباللَّه.

(وَبِنِعْمَتِي قَوِيتَ عَلى‏ مَعْصِيَتِي).

أشار بتغيير الاسلوب إلى أنّه تعالى لا يفعل ما يقوّي معصية العاصي لأجل عصيانه، بل لمصلحة اخرى أوجبته، بخلاف ما يقوّي جانب الطاعة.

(جَعَلْتُكَ سَمِيعاً بَصِيراً قَوِيّاً).

بيانٌ لبعض النعمة على سبيل المثال، وهو في أكثر المكلّفين.

والمراد بالقوّة قوّة البدن الحاصلةُ بالصحّة ونحوها، أو القوّة الحاصلة بكثرة الأتباع.

( «ما أَصابَكَ)*. استئناف لبيان ما يتفرّع على قوله: «وبقوّتي» إلى آخره. وهذا مذكور بلفظه في سورة النساء. (3) و «ما» موصولة متضمّنة معنى الشرط.

____________

(1). المدثر (74): 54- 56.

(2). الإنسان (76): 29- 30.

(3). في حاشية «أ»: «والمخاطب فيها رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) (مهدي)».

459

(مِنْ)

؛ للتعليل نحو: «مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا» (1)، وقيل: للتبيين. (2)

(حَسَنَةً*) أي حسن من الأفعال أو التروك، والتأنيث باعتبار الصفة والخصلة، فالمراد ب «ما» جزاء الحسنة في الدنيا أو الآخرة.

(فمن الله) أي ليس مبنيّاً على استحقاقك إيّاه بالمكافأة، بل هو فوق المكافأة، ومبنيّ على الكرم.

(وَ ما أَصابَكَ مِنْ‏

للتعليل، وقيل: للتبيين. (3)

(سيئة) أي قبيح من الأفعال أو التروك.

(فَمِنْ نَفْسِكَ» (4)) أي مبنيّ على استحقاقك إيّاه بالمكافأة، بل هو دون المكافأة؛ قال تعالى في سورة حم عسق: «وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ». (5)

يجي‏ء في «كتاب الإيمان والكفر» في ثالث «باب نادر أيضاً» (6) ما يدلّ على أنّ هذه الآية ليست في المعصومين، فما أصابهم لأسباب اخرى منها تعريضهم للأجر العظيم بالصبر عليه.

(وَذَاكَ).

تعليلٌ لقوله: «ما أصابك» إلى آخره.

(أَنِّي)

أي لأنّي‏

(أَوْلى‏ بِحَسَنَاتِكَ)

أي أعمالك الصالحة

(مِنْكَ).

معنى كونه تعالى أولى بها من العبد أنّ الفعل الحسن قد يكون في مقابلة نعمة سابقة، وقد يكون لطلب ثواب لاحق. ولو بنى معاملته تعالى مع المطيع على المكافأة، كان جعل حسناته في مقابلة النعم السابقة أولى من جعلها لطلب ثواب لاحق؛ فالمراد

____________

(1). نوح (71): 25.

(2). مجمع البيان، ج 3، ص 137.

(3). مجمع البيان، ج 3، ص 137.

(4). النساء (4): 79.

(5). الشورى (42): 30.

(6). الكافي، ج 2، ص 450، ح 3.

460

بالأولويّة الأولويّة على تقدير فرض المكافأة، لا مطلقاً؛ فلا ينافي ذلك وجوب الثواب عليه تعالى في قضيّة الكرم وإن يستحقّ المطيع الثواب عليها بهذا الاعتبار وإن لم يستحقّه عليها باعتبار المكافأة. وقد دلَّ البرهان، على أنّه لا يصدر عنه تعالى ثواب ولا عقاب ولا فعل غير ذلك ولا ترك إلّابصفة الوجوب.

(وَأَنْتَ أَوْلى‏ بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي).

معنى الأولويّة هنا أنّ القبيح قد يتجاوز عنه لملاحظة ما يجبره من الحسنات السابقة أو اللاحقة الفارغة للجبر، وقد يعاقب عليه لعدم مقارنته ما يجبره، فيبقى على فاعله، ولو بنى معاملته تعالى مع المسي‏ء على المكافأة، كان جعل سيّئة ممّا يبقى على فاعله أولى من جعله ممّا يتجاوز عنه، سواء كانت السيّئة من المقرّبين، أو من غيرهم؛ لأنّ حسنات المقرّبين غير فارغة للجبر؛ لأنّ اللَّه أولى بها من العبد كما مرّ آنفاً.

فالمراد بالأولويّة هنا أيضاً الأولويّة على تقدير فرض المكافأة، فلا ينافي وجوب العفو عن بعض العُصاة في قضيّة الكرم، ووجوب عقاب بعض العصاة؛ لأنّ العفو عنه ظلم شديد «وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ». (1)

(وَذَاكَ).

تعليلٌ للتعليل السابق.

(أَنَّنِي)

أي لأنّني. يجوز فيه حذف نون الوقاية- كما سبق- وذكرُها كما هنا.

(لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)

أي لا احاسب على معاملتي مع عبادي في التكليف والثواب والعقاب، والعباد يحاسبون على معاملتهم معي في الخير والشرّ.

وهذا من الكناية، والمقصود أنّي أكرم الأكرمين، أترك من حقّي في معاملتي مع عبادي أكثر ممّا آخذ أضعافاً مضاعفة، فلا يصلح لعبدي- سواءً كان مطيعاً أم عاصياً، معذّباً أم معفوّاً عنه- أن يحاسبني بأن يطلب حقّه منّي على المكافأة، فإنّ هذا لا ينفعه ويضرّه؛ وذلك لأنّ حسنة العبد بعد ما أنعم اللَّه تعالى عليه بما لا يعدّ ولا يحصى، فلو عمل تعالى مع المطيع بالمكافأة دون الكرم، لذهب بجميع ما كدح له وجملة ما سعى‏

____________

(1). آل عمران (3): 182.

461

فيه جزاءً للصغرى من أياديه تعالى ومننه، ولبقي رهيناً بين يديه تعالى بسائر نعمه، فلا يستحقّ شيئاً من ثوابه إن لم يستحقّ العقاب؛ هذا حال المطيع.

فأمّا العاصي أمرَه تعالى والمواقع نهيَه تعالى فإنّ اللَّه تعالى لم يعاجله بعقوبته، مع أنّ عصيانه بعد نعمه تعالى التي لا تعدّ ولا تحصى، ولقد كان يستحقّ في أوّل ما همَّ بعصيانه كلّ ما أعدَّ لجميع خلقه من العقوبة، كما في الصحيفة الكاملة «من دعائه (عليه السلام) إذا اعترف بالتقصير عن تأدية الشكر». (1) وأمّا أنّ العباد يحاسبون فلأنّهم يضيّعون حقوقاً كثيرة للَّه‏تعالى، ويأتون بما ليس لهم أن يأتوا به.

وإنّما خصَّ الفعل بالذكر مع أنّه تعالى لا يسأل عمّا يترك أيضاً وهم يسألون، لأنّه الأهمّ، والتركُ يعلم بالمقايسة.

وهذا مأخوذٌ من قوله تعالى في سورة الأنبياء: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ* لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ» (2) أي ليس فيهما له شركاء بأن يكون لهم أن يقولوا في الدين بغير إذنه بل بآرائهم، ويكون عليه أن يرضى كما في نهج البلاغة من كلام له (عليه السلام) في ذمّ اختلاف العلماء في الفتيا من قوله (عليه السلام): «أم كانوا شركاء له، فلهم أن يقولوا، وعليه أن يرضى». (3)

وقوله: «لا يسأل» إلى آخره، كالوعيد، أي ليس لأحدٍ على اللَّه حقّ في معاملة التكليف وغيره كما مرَّ آنفاً، فيداريه على ما يقول بغير إذنه ويتّخذه شريكاً، وله تعالى الحقّ على كلّ أحد، فلو عامل مع النبيّين والصدِّيقين لا بالكرم بل بالمكافأة، لاستحقّوا العقوبة.

ولا ينافي ذلك عصمتهم ولا قاعدة التحسين والتقبيح العقليّين، بل هو مبنيّ على وجوب شكر المُنعم عقلًا، وعلى أنّه ما من أحد إلّاوهو مقصّر عن تأدية حقّ الشكر.

____________

(1). الصحيفة السجّاديّة (أبطحي)، ص 183، الدعاء 98، وفي الطبعة الاخرى، ص 184.

(2). الأنبياء (21): 22- 23.

(3). نهج البلاغة، ص 61، الخطبة 18.

462

باب الابتلاء و الاختبار

الباب السابع والعشرون بَابُ الِابْتِلَاءِ وَ الِاخْتِبَارِ

فيه حديثان.

الابتلاء والاختبار: الامتحان، والمراد هنا فعل أو ترك صادر من اللَّه تعالى لحكمة ومصلحة يقرّب العبد إلى العصيان؛ قال تعالى في سورة المؤمنين: «وَ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ» (1)، ويقال له: البلاء؛ قال تعالى في سورة القلم: «إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ». (2) والجميع مَجازات في حقّه تعالى، والمراد ضدّ اللطف في الاقتضاء لا في المحلّ، فيجوز اجتماعه معه في محلّ، فيكون العبد حينئذٍ قريباً إلى المعصية من جهة، وبعيداً عنه من جهة اخرى؛ أي باب أنّه لا تكليف إلّامع الابتلاء والاختبار، أو باب أنّه قد يكون التكليف مع الابتلاء والاختبار.

وهذا الباب للردّ على المعتزلة في قولهم: إنّه لا يجوز على اللَّه تعالى ضدّ اللطف، (3) وهو من فروع أوّل خلافيهم معنا، وقد مضى في أوّل الخامس والعشرين. (4)

ومن الدليل على إبطال مذهب المعتزلة أنّا نعلم في أهل الثروة والسلطنة ضدّ

____________

(1). المؤمنون (23): 30.

(2). القلم (68): 17.

(3). المغني في أبواب العدل والتوحيد، ص 116.

(4). أي في الحديث 1 من باب في أنّه لا يكون شي‏ء في السماء والأرض إلّابسبعة.

463

اللطف بديهة، ولا يأمن مكر اللَّه إلّاالقوم الخاسرون.

الأوّل:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّيَّارِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: مَا مِنْ قَبْضٍ وَلَا بَسْطٍ).

(1)

يُقال: قبضه كضربه: إذا تناوله؛ وعليه بيده: إذا أمسكه؛ ويده عنه: إذا امتنع عن إمساكه.

والبسط: مدّ اليد إلى الشي‏ء لإدراكه؛ يعني ما من امتناع عن المأمور به، ولا ارتكاب للمنهيّ عنه.

(إِلَّا وَلِلّهِ فِيهِ مَشِيئَةٌ وَقَضَاءٌ).

مضى معناهما في أوّل الخامس والعشرين.

(وَابْتِلَاءٌ).

مضى معناه آنفاً. وهذا للردّ على المعتزلة في أوّل خلافيهم معنا، وقد مضى في الباب المذكور. أمّا في المشيئة والقضاء فظاهر، وأمّا في الابتلاء فإنّه مقرّب إلى العصيان، فهو ضدّ اللطف وهم لا يجوّزون ترك اللطف الناجع، فضلًا عن ضدّ اللطف.

الثاني:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ‏

(2)

الطَّيَّارِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ فِيهِ قَبْضٌ أَوْ بَسْطٌ مِمَّا)؛

صفة «شي‏ء» و «من» بيانيّة أو تبعيضيّة.

(أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَوْ نَهى‏ عَنْهُ).

النشر على ترتيب اللفّ.

(إِلَّا وَفِيهِ لِلّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- ابْتِلَاءٌ وَقَضَاءٌ).

معناه ظاهر من أوّل الباب.

____________

(1). في حاشية «أ»: «قوله: ما من قبض ولا بسط إلى آخره، أي ما من تضييق ولا توسعة إلّاللَّه‏فيه مشيّة وقضاء لذلك القبض أو البسط، أو لما يؤدّي إليه، وابتلاءٌ واختبار لعباده. والحديث الذي بعده كهذا الحديث إلّاأنّه خصّ بما أمر اللَّه به أو نهى عنه، ولعلّه ليس لاختصاص الحكم به، بل لبيان الحكم في الخاصّ وإن لم يختصّ به (ميرزا رحمه الله)». الحاشية على اصول الكافي، ص 490

(2). في الكافي المطبوع:+/ «محمّد».

464

باب السعادة و الشقاء

الباب الثامن والعشرون بَابُ السَّعَادَةِ وَ الشَّقَاءِ

فيه ثلاثة أحاديث.

والسعادة بفتح السين المهملة من باب نصر: الرخاء والسعة، والمراد هنا ما يفضي بصاحبه إلى حسن الخاتمة بدون جبر. والشقاء بفتح المعجمة والقصر- وقد يمدّ- من باب علم: الشدّة والعُسر، والمراد هنا ما يفضي بصاحبه إلى سوء الخاتمة بدون جبر.

وهذا الباب للردّ على مَن قال: (1) إنّ الأمر مستأنف بمشيئة العبد، والسعادة والشقاء ليسا إلّامساوقين لفعله الحسن وفعله القبيح في بدنه.

نقل الشهرستاني في كتاب الملل والنحل عن النظّام‏ (2) من المعتزلة أنّه كذّب ابن مسعود رضى الله عنه في روايته: «السعيد مَن سعد في بطن امّه، والشقيّ مَن شقي في بطن امّه». (3)

ومن الدليل على إبطال مذهب المعتزلة أنّا نعلم بديهةً أنّ فعل العصيان وتكرّره يورث مَلَكة وهيئة تبعث صاحبها على البقاء على العصيان وانتهاك حرمات اللَّه، وقد تبقى إلى آخر عمره، وليس هذه المَلكة من فعل العبد، بل هي فعلٌ فعل اللَّه باختيار وهي الشقاء، لكنّها تختلف شدّةً وضعفاً.

____________

(1). في «ج»: «على المعتزلة في قولهم» بدل «على من قال».

(2). النظام هو أبو اسحاق إبراهيم بن سيار البصري ابن اخت أبي هذيل العلاف، شيخ المعتزلة، كان في أيّام هارون‏الرشيد، توفّي النظام سنة 231 هجرية. تاريخ المعتزلة لفالح الربيعي، ص 97.

(3). الملل والنحل، ج 1، ص 57.

465

الأوّل:

(مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيى‏، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاءَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ)

(1) أي قبل خلق شي‏ء من الأبدان، ويحتمل أن يُراد قبل نفخ الروح في بطن الامّ، والمراد أصل السعادة والشقاء بدون شدّة، فإنّ الشديد منهما إنّما يحدث بتكرّر العصيان بعد التكليف في الأبدان، فليسا مساوقين للأفعال الحسنة والقبيحة في الأبدان. ولعلّ ذلك بعد خلق الأرواح وتكليفهم يوم الميثاق وإطاعة بعضهم ومعصية آخرين مع تسوية اللطف فيه بين السعيد والشقيّ.

ويجي‏ء في «كتاب الإيمان والكفر» في ذيل «باب طينة المؤمن والكافر» في أوّل «بابٌ آخر منه، وفيه زيادة وقوع التكليف الأوّل» قوله: «فثمّ ثبتت الطاعة والمعصية». (2)

ويمكن أن يُقال: خلق السعادة والشقاء قبل هذا حين خلق مادّة كلّ روح، فجعل بعض المادّة ماءً عذباً، وبعضها ماءً اجاجاً، وخلق بعضهم من علّيّين، وبعضهم من سجّين ونحو ذلك، كما يجي‏ء في الباب المذكور من قول أبي جعفر (عليه السلام): «إنّ اللَّه- عزّ وجلّ- قبل أن يخلق الخلق قال: كُن ماءً عذباً أخلق منك جنّتي وأهل طاعتي، وكُن ملحاً اجاجاً أخلق منك ناري وأهل معصيتي» الحديث. (3)

ويجي‏ء في «كتاب الإيمان والكفر» في «باب طينة المؤمن والكافر» قول أبي جعفر (عليه السلام): «وقلوبهم تهوي إلينا؛ لأنّها خلقت ممّا خلقنا». (4)

____________

(1). في حاشية «أ»: «قوله: إنّ اللَّه خلق السعادة والشقاوة إلى آخره، أي قدّرهما لعباده تقديراً سابقاً على الخلق، فمن خَلَقه اللَّه سعيداً على وفق تقديره لم يُبغضه أبداً؛ إنّما يبغض عمله- إن عمل سوءاً- و لم يبغضه، ومَن قدّره شقيّاً وخلقه شقيّاً على وفق تقديره لم يحبّه أبداً، وإن عمل عملًا صالحاً أحبّ عمله؛ لأنّه يحبّ الخير والصلاح، وأبغضه لشقاوته ولما يصير إليه من عدم الثبات على الإيمان، فإذا أحبّ اللَّه شيئاً لم يبغضه أبداً، وإذا أبغض اللَّه شيئاً لم يحبّه أبداً؛ فإنّ كلّ خير وصلاح محبوبه، وكلَّ شرّ وفَساد مبغوض له أبداً (ميرزا رحمه الله)». الحاشية على اصول الكافي، ص 491.

(2). الكافي، ج 2، ص 6، ح 1.

(3). الكافي، ج 2، ص 6، ح 1.

(4). الكافي، ج 2، ص 4، ح 4.

466

وهذا لا يقتضي الجبر؛ لأنّ الهوي إلى شى‏ء لا ينافي القدرة على ضدّه؛ ففي التعليل مسامحة، وهو من قبيل تعليل الشي‏ء بالكاشف عنه وبالعلّة لإثباته، لا لثبوته؛ كأن يقال:

تهوي إلينا لأنّ اللَّه علم منهم ذلك، والعلم تابع وكاشف.

وأمّا قولهم (عليهم السلام) في ذلك الباب: «لا يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء، ولا هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء» فسيجي‏ء تحقيقه في ثاني «باب الاستطاعة».

(فَمَنْ خَلَقَهُ اللَّهُ سَعِيداً، لَمْ يُبْغِضْهُ)

أي لم يكله إلى نفسه، ولم يحدث فيه شقاء.

(أَبَداً، وَإِنْ عَمِلَ شَرّاً، أَبْغَضَ عَمَلَهُ‏

(1)

).

المراد ببغضه تعالى العملَ النهيُ عنه باعتبار استمرار ذلك النهي وتعلّقه به.

(وَلَمْ يُبْغِضْهُ)؛

فإنّه إن أبغضه- أي وكله إلى نفسه- رسخ فيه حبُّ عمل الشرّ، وصار إلى سوء الخاتمة.

والمعتزلة- القائلون بأنّ السعادة والشقاء مساوقان للعمل الحسن والقبيح في الأبدان، وينكرون خلق السعادة- يقولون: إنّ من عمل شرّاً أبغضه اللَّه، فإن عمل خيراً انقلب بغضه حبّاً.

(وَإِنْ كَانَ شَقِيّاً)

أي ومَن خلقه اللَّه شقيّاً.

(لَمْ يُحِبَّهُ أَبَداً)

أي لم يحدث فيه سعادة.

(وَإِنْ عَمِلَ صَالِحاً، أَحَبَّ عَمَلَهُ)

. المراد بحبّه تعالى العملَ الأمرُ به باعتبار استمرار ذلك الأمر وتعلّقه به.

(وَأَبْغَضَهُ)

أي وكله إلى نفسه.

(لِمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ)

أي لعلمه بما يصير إليه من حسن الخاتمة وسوء الخاتمة.

(فَإِذَا أَحَبَّ اللَّهُ شَيْئاً، لَمْ يُبْغِضْهُ أَبَداً، وَإِذَا أَبْغَضَ شَيْئاً، لَمْ يُحِبَّهُ أَبَداً).

تصريحٌ بالفذلكة.

____________

(1). في «ج»: «عليه».

467

إن قلت‏

: قال تعالى في سورة الفتح: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» (1) وقال: «فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى‏ نَفْسِهِ» (2). وروى الزمخشري عن جابر بن عبداللَّه أنّه قال: بايعنا رسول اللَّه صلى الله عليه و سلم تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفرّ، فما نكث أحدٌ منّا البيعة إلّاجدّ بن قيس وكان منافقاً اختبأ تحت إبط بعيره ولم يَسِرْ مع القوم.

انتهى. (3) وقد فرَّ قوم بعد بيعة الرضوان في غزوة خيبر؛ روى البخاري عن البراء بن عازب أنّه قيل له: طوبى لك صحبت رسول اللَّه صلى الله عليه و سلم وبايعته تحت الشجرة، فقال: يابن أخي إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده. انتهى. (4)

إن أرجع ضمير «بعده» إلى المذكور من البيعة، فكأنّه يشير إلى من فرَّ يوم خيبر، وإلى أنّه لا يجوز الاعتماد على محض صورة الصحبة والبيعة، وإن أرجع ضمير «بعده» إلى رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، فالمعنى ظاهر. وهذا يدلّ على أنّ الرضا منه تعالى ينقلب، والحبّ والرضا واحد.

قلت‏

: لعلّه لم يقل اللَّه تعالى: «لقد رضي اللَّه عن الذين بايعوك تحت الشجرة» مع أنّه أخصر للإشعار بأنّه لم يرض عن جميع المبايعين، فيكون المراد بالمؤمنين حينئذٍ أهلَ السعادة.

إن قلت‏

: ذكر «إذ» في قوله: «إذ يبايعونك» يدلّ على أنّه لم يكن راضياً عنهم قبل ذلك، فهذا يدلّ على حدوث الرضا بالأعمال الصالحة، والحديث يدلّ على خلاف ذلك.

قلت‏

: قد ذكر في الحديث أنّ الحبّ قد يتعلّق بالشخص لسعادته، وقد يتعلّق بالعمل لموافقته الأمر، وأنّ المتعلّق بالعمل يحدث بحدوث العمل، وينتفي بانتفائه، فلعلّ ما في الآية من القسم الثاني، وإنّما علّق بهم إشعاراً بأنّه اجتمع فيه القسمان، فيكون المراد بالمؤمنين حينئذٍ أيضاً أهل السعادة، أو هو تعليق مجازي، ولا حجر في‏

____________

(1). الفتح (48): 18.

(2). الفتح (48): 10.

(3). الكشّاف، ج 3، ص 543.

(4). صحيح البخاري، ج 5، ص 66.

468

المجاز، فيمكن أن يكون المراد بالمؤمنين حينئذٍ أعمّ من أهل السعادة، وذلك على مذهب من يجوّز الارتداد في المؤمن حقيقةً، وفيه خلاف مشهور في علم الكلام.

إن قلت‏

: قد ورد في الأدعية المأثورة طلب تبديل الشقاء بالسعادة، كما في أدعية شهر رمضان من التهذيب في «باب الدعاء بين الركعات» بعد الثماني ركعات التي بعد المغرب، عن ذريح، عن أبي عبداللَّه (عليه السلام): «يا ذا المنّ لا مَنَّ عليك، يا ذا الطَوْل لا إله إلّا أنت، ظهير اللاجئين، ومأمَن الخائفين، وجار المستجيرين إن كان في امّ الكتاب عندك أنّي شقيّ أو محروم أو مقتّر عليَّ رزقي، فامح من امّ الكتاب شقائي وحرماني وإقتار رزقي، واكتبني عندك سعيداً موفّقاً للخير، موسّعاً عَليَّ رزقك، فإنّك قلت في كتابك المنزل على نبيّك المُرسل صلواتك عليه وآله: «يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» (1)» الدعاء (2) وطلب الماضي غير معقول؟

قلت‏

: هاهنا فائدة مهمّة لابدّ من معرفتها، وهي أنّ باب الدعاء باب واسع يسع من الشعريات- التي تسمّى في باب الدعاء انقطاعاً إلى اللَّه- ما لا يسعه غيره لبيان المسائل، فلا نسلّم أنّه طلب حقيقة، بل هو إظهار للرضا بالسعادة، ويترتّب عليه ثواب، وله نظائر كثيرة:

منها:

«إلهي لئن طالبتني بذنبي لُاطالبنّك بكرمك، وإن طالبتني بجريرتي لُاطالبنّك بعفوك، ولئن أمرتني إلى النار لُاخبرنّ أهلها أنّي كنت أقول: لا إله إلّااللَّه، محمّدٌ رسول اللَّه». (3)

ومنها

الدعاء: «إن كنتُ من أهل النار فأسألُك أن تجعلني فداء امّة محمّد، وتشغلَ النار بي حتّى يبرّ يمينك، ولا تسعَ النار لأحدٍ غيري». (4)

ومنها

: ما في الصحيفة الكاملة من نسبة الذنوب إلى المعصوم، كما في دعائه في‏

____________

(1). الرعد (13): 39.

(2). تهذيب الأحكام، ج 3، ص 72، ح 4.

(3). الأمالي للصدوق، ص 357، المجلس 57، ح 2؛ روضة الواعظين، ج 2، ص 329؛ مفتاح الفلاح، ص 24 بتفاوت يسير.

(4). تفسير الرازي، ج 22، ص 106 بالمضمون.

469

الاستقالة، (1) ومثل ذلك اللعن على الظالمين، فإنّه إظهار للخروج عن حزبهم وتبرّى‏ء منهم، بقرينة أنّ طلب العذاب لشخص إن كان مع العلم بأنّه لا يعفو اللَّه عنه البتّة كان عبثاً، وإن كان بدون ذلك كان قبيحاً.

الثاني:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ رَفَعَهُ، عَنْ شُعَيْبٍ الْعَقَرْقُوفِيِّ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: كُنْتُ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) جَالِساً وَقَدْ سَأَلَهُ سَائِلٌ، فَقَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ).

«من» للابتداء. و «أين» للاستفهام عن المكان، والمقصود هنا بأيّ سبب.

(لَحِقَ)؛

بصيغة الماضي المعلوم؛ يُقال: لحقه كعلم ولحق به لحاقاً بالفتح، أي أدركه.

(الشَّقَاءُ)؛

بالرفع، أي الميل إلى المعصية بالطبع والجبلّة.

(أَهْلَ)؛

بالنصب.

(الْمَعْصِيَةِ)

أي الذين خاتمتهم السوء والمعصية.

(حَتّى‏).

هي للتعليل، نحو آية سورة الفرقان: «وَ لكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَ آباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ» (2).

(حَكَمَ اللَّهُ لَهُمْ)؛

بصيغة الماضي المعلوم، وفيه ضمير اللَّه، واللام للاستحقاق، نحو آية سورة الأنفال: «وَ أَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ» (3) أي ختم لهم.

(فِي عِلْمِهِ).

«في» هذه للظرفيّة المجازيّة، نحو: «وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ» (4)؛ فالمعنى أنّ هذا الحكم في جملة علمه الأزلي وفرد من أفراده، لا في حكمه في وحيه إلى رسله.

(بِالْعَذَابِ عَلى‏ عَمَلِهِمْ؟)

أي بأنّ العذاب واجب في قضيّة الحكمة على عملهم، (5) لا يجوز العفو عنهم؛ لأنّ العفو عنهم ظلم؛ أي وضع للشي‏ء في غير موضعه، بل ظلاميّة،

____________

(1). الصحيفة السجّاديّة (ابطحي)، ص 99، الدعاء 9.

(2). الفرقان (25): 18.

(3). الأنفال (8): 14.

(4). البقرة (2): 179.

(5). في «ج»: «علمهم».

470

كما في قوله تعالى في سورة الأنفال: «ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ* ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ». (1)

هذا السؤال مبنيّ على صدق قضيّتين:

الاولى: أنّ حكمه تعالى في علمه الأزلي بعذاب أهل المعصية على عملهم بسبب لحوق الشقاء بهم في الأوّل.

الثانية: أنّ لحوق الشقاء بهم بسبب من الأسباب والسؤال عن خصوصيّة هذا السبب.

(فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): أَيُّهَا السَّائِلُ).

فيه تعنيف وإشارة إلى تجاسر السائل ببناء سؤاله على حكمه بصدق القضيّة الاولى من القضيّتين المذكورتين مع ظهور فسادها.

(حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ).

(2) مصدر مضاف، والمراد به هنا حكمه تعالى في علمه الأزلي بكلّ شي‏ء، سواء كان حكمه للأشقياء بالعذاب على عملهم، أم حكمه للسعداء بالثواب على عملهم، أم غيرهما. وهو مبتدأ خبره قوله:

(لَا يَقُومُ لَهُ)

أي للحكم.

(أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ بِحَقِّهِ).

الحقّ مصدر باب نصر: الإيجاب والإثبات، والضمير لحكم‏

____________

(1). الأنفال (8): 181- 182.

(2). في حاشية «أ»: «قوله: حكم اللَّه تعالى لا يقوم له أحد من خلقه بحقّه إلى آخره، لمّا سأل السائل عمّا يستند إليه‏حكم اللَّه بعذاب أهل الشقاء، وأنّه لابدّ أن يكون لحوق الشقاء لهم مقدّماً على حكم اللَّه في علمه حتّى يترتّب عليه ذلك الحكم، وعمّا يستند إليه لحوق الشقاء [سابقاً على حكمه في علمه، وأنّه لا شي‏ء قبل علمه ليستند إليه لحوقُ الشقاء] لهم، أجاب (عليه السلام) بأنّ حكم اللَّه تعالى لا يقوم له أحد من خلقه بموجبه وبيان سببه، أو بما يليق به، وبأن يكون بياناً لسببه ولا بإدراكه وفهمه، وما هو كذلك فحقيق بأن لا يُتعرّض لبيانه، والسكوتُ عمّا يعجز اللسان عن بيانه أولى من التعرّض للبيان. ثمّ بيّن بقوله: فلمّا حكم بذلك إلى آخره، أنّ حكمه بذلك في علمه يترتّب عليه إعطاء المعرفة لأهل السعادة وأهلِ المحبة، ووضعُ ثقل العمل عنهم بثبوت ما هم أهلُه، وإعطاءُ أهل الشقاء والمعصية القوّةَ على معصيتهم لما علمه فيهم من الشقاء، ومنعهم ولم يعطهم إطاقة القبول منهم، فواقعوا ما سبق لهم في علمه من السعادة والشقاوة وتوابعهما، ولم يقدروا على الإتيان بحال لهم تنجّيهم من عذابه؛ لأنّ علمه أولى بحقيقة التصديق والوقوع، وقوله: وهو معنى شاء ما شاء، أي ما ذكرناه من أنّه لا يقوم لحكم اللَّه أحد من خلقه بحقّه معنى شاء ماشاء، وهو سرّه الذي لم يطّلع عليه أحد من خلقه (ميرزا رفعيا رفع اللَّه قدره ورحمه)». الحاشية على اصول الكافي لميرزا رفيعا، ص 491- 492. ومابين المعقوفين من المصدر.

471

اللَّه؛ أي ليس وجود أحد من المخلوقين حاقّاً لحكم اللَّه في علمه الأزلي، فضلًا عن لحوق الشقاء بذلك المخلوق، فإنّه أيضاً مخلوق حادث، والحادث لا يكون حاقّاً للقديم الأزلي.

إن قلت‏

: العلم بلا شي‏ء محضٍ محال، يجوز قِدم علمه تعالى بكلّ شي‏ء مع حدوث كلّ مخلوق.

قلت‏

: إن اريد بالشي‏ء الموجودُ في الخارج أو في الذهن، فلا نسلّم استحالة العلم بلا شي‏ء محض، وإن اريد به أعمّ من الثابت في الخارج بدون وجود، فيجوز علمه تعالى أزلًا بكلّ شي‏ء؛ لثبوت المعدومات في الخارج أزلًا وأبداً بدون تأثير وخلق. وتفصيله في حواشينا على عدّة الاصول.

(فَلَمَّا حَكَمَ بِذلِكَ، وَهَبَ لِأَهْلِ مَحَبَّتِهِ الْقُوَّةَ عَلى‏ مَعْرِفَتِهِ).

«لمّا» هنا ك «لّما» في قولك:

لمّا أكرمتني أمس أكرمتك اليوم. و «حَكَمَ» بصيغة ماضي معلوم باب نصر. والباء للمصاحبة، نحو: اهبط بسلام؛ أي معه. والإشارة إلى عدم القيام المفهوم من قوله: «لا يقوم له أحد من خلقه بحقّه».

والمراد بأهل محبّته: الذين حكم في علمه الأزلي بأنّهم يحبّونه، فإضافة المصدر إلى المفعول كما في «معرفته».

ومعرفتُه الاعتراف بربوبيّته يوم قال: «أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏». (1) والمراد بالقوّة على معرفته: انشراح صدورهم للإسلام بعد تعلّقهم بالأبدان، كما في قوله في سورة الأنعام:

«فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ» (2).

(وَوَضَعَ عَنْهُمْ ثِقَلَ الْعَمَلِ).

عطفُ تفسير، والمراد بالعمل المعرفة، فإنّها من أعمال القلب، فهذا لا ينافي ما يجي‏ء في «كتاب الجنائز» في أوّل «باب العلّة في غسل الميّت غسل الجنابة» من قول أبي جعفر (عليه السلام) لمخالف استبصر: «أما أنّ عبادتك يومئذٍ كانت‏

____________

(1). الأعراف (7): 172.

(2). الأنعام (6): 125.

472

أخفّ عليك من عبادتك اليوم، لأنّ الحقّ ثقيل، والشيطان موكّل بشيعتنا». (1)

(بِحَقِيقَةِ مَا هُمْ أَهْلُهُ).

فيه إشارة إلى تفاوت السعداء في هبة القوّة ووضع الثقل.

والحقيقة: المقدار؛ أي وهب لكلّ من أهل محبّته القوّةَ بمقدار ما هو أهله، لا زائداً ولا ناقصاً؛ فكذا وضع الثقل عنهم.

(وَوَهَبَ)

. إشارةٌ إلى أنّ ذلك باستحقاقهم، فكأنّهم طلبوه فاعطوا، والهبة بعد تعلّقهم بالأبدان.

(لِأَهْلِ الْمَعْصِيَةِ)

أي الذين حكم لهم في علمه الأزلي بمعصيتهم بعد تعلّقهم بالأبدان وإنكارهم المعرفة التي صدرت عنهم يوم التكليف الأوّل.

(الْقُوَّةَ عَلى‏ مَعْصِيَتِهِمْ)

أي انشراح صدورهم للكفر وضيقها عن الإسلام، كما في قوله تعالى في سورة النحل: «وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» (2)، وفي سورة الأنعام: «وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ» (3).

(لِسَبْقِ عِلْمِهِ فِيهِمْ)

أي لعلمه السابق الأزلي بأنّهم يستحقّون هبة القوّة على معصيتهم.

(وَمَنَعَهُمْ)؛

بصيغة الماضي المعلوم المجرّد.

(إِطَاقَةَ الْقَبُولِ مِنْهُ)

أي انشراح صدورهم للقبول من اللَّه؛ يُقال: أطقت الشي‏ء وهو في طوقي، أي في وسعي. وطوّقني اللَّه أداء حقّك، أي قوّاني؛ (4) قال تعالى في سورة البقرة:

«رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ» (5).

(فَوَاقَعُوا)؛

بالقاف والمهملة؛ أي خالطوا وفعلوا باختيارهم. وفي نسخة بالفاء

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 161، ح 1.

(2). النحل (16): 106.

(3). الأنعام (6): 125.

(4). الصحاح، ج 4، ص 1519؛ لسان العرب، ج 10، ص 233 (طوق).

(5). البقرة (2): 286.

473

والقاف، وهي الموافقة لرواية ابن بابويه في توحيده. (1)

(مَا سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ)

يعني معصيتهم المعلومة له أزلًا.

(وَلَمْ يُقْدَرُوا

(2)

بصيغة المضارع المجهول من باب نصر وضرب، مأخوذ من القدر بمعنى التدبير مطلقاً. والفاعل هو اللَّه تعالى. وقدر اللَّه تعالى غير عمله تعالى‏.

(أَنْ يَأْتُوا حَالًا تُنْجِيهِمْ مِنْ عَذَابِهِ)؛

مرفوع على أنّه بدل اشتمال من الضمير؛ تقول:

أتيت الأمر، أي فعلته. والمقصود أنّ قدر اللَّه تعالى تعلّق بمعصيتهم ولم يتعلّق بحال تنجيهم من عذابه.

(لِأَنَّ)؛

تعليل لقوله: «لم يقدروا» إلى آخره.

(عِلْمَهُ)

أي علمه الأزلي بأنّهم أهل المعصية على تقدير تسوية اللطف بين جميع المكلّفين.

(أَوْلى‏ بِحَقِيقَةِ التَّصْدِيقِ)

أي أولى بأن يعمل بمقتضاه كما هو حقّه.

(وَهُوَ).

راجعٌ إلى ما يفهم من قوله: «ووهب لأهل المعصية» إلى آخره، أو من قوله:

«فواقعوا» إلى آخره، أو من قوله: «وهب لأهل محبّته» إلى آخره. ومآل الكلّ واحد.

(مَعْنى‏ «شَاءَ مَا شَاءَ»).

الضميران المستتران للَّه، و «ما» نافية، والجملة الثانية معطوفة على الاولى بحذف العاطف، والنشر على ترتيب اللفّ؛ يعني أنّ هبته تعالى لأهل المعصية القوّة على معصيتهم معنى مشيئته تعالى لمعصيتهم، ومنعه تعالى إيّاهم إطاقة القبول منه معنى عدم مشيئته تعالى لقبولهم منه.

وهذا إشارة إلى تفسير أمثال قوله تعالى في سورة الدهر والتكوير: «وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» (3)*، وفي سورة يونس: «قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَ لا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ» (4).

____________

(1). التوحيد، ص 354، باب السعادة والشقاوة، ح 1.

(2). في الكافي المطبوع: «يَقْدِرُوا» بالمعلوم.

(3). الإنسان (76): 30؛ التكوير (81): 29.

(4). يونس (10): 49.

474

(وَهُوَ سِرُّهُ).

الضمير المرفوع راجع إلى «معنى شاء ما شاء»، والضمير المجرور راجع إلى‏اللَّه تعالى؛ يعني أنّ هذا المعنى لشاء ما شاء سرُّ اللَّه الذي أودعه صدور أوليائه من أهل بيت نبيّه صلّى اللَّه عليهم، ولا يعلمه إلّاالعالم منهم، أو من علّمه العالم منهم، كما يجي‏ء في عاشر الباب الآتي، فلا تذيعوه عند المخالفين وأهل الضلال، فإنّ المجبّرة منهم يفسّرون مشيئته تعالى في أمثال‏ «وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ»* بما يفضي إلى الجبر، (1) والقدريّة منهم يفسّرون مشيئته تعالى بمحض علمه، ويجعلون العبد مستقلّاً في قدرته.

والحقّ الأمر بين الأمرين، كما يجي‏ء في الباب الآتي.

ونظير هذا السرّ ما يجي‏ء في «كتاب الحيض» في أوّل «باب معرفة دم الحيض والعذرة والقرحة» من قول أبي الحسن موسى‏ (عليه السلام): «يا خلف، سرّ اللَّه سرّ اللَّه فلا تذيعوه، ولا تعلّموا هذا الخلق اصول دين اللَّه، بل ارضوا لهم ما رضي اللَّه لهم من ضلال». (2)

حاصل الجواب: أنّ اللَّه تعالى علم في الأزل أنّ مقتضى الحكمة أن يخلق فيما لا (3) يزال أقواماً من الإنس والجنّ، ويكلّفهم بأشياء بعد الإقرار والتمكين وإزاحة العلّة ببعث الرُّسل وإنزال الكتب، وعلم أيضاً أنّه على تقدير تسوية اللطف بين جميع المكلّفين يختار بعضهم الطاعة بدون جبر، ويختار بعضهم العصيان بدون جبر، فخلقهما فيما لا يزال، ووهب للأوّلين القوّة على معرفته، ووضع عنهم ثقل العمل، مع قدرته تعالى على ما يصرفهم عن ذلك باختيارهم خلاف ذلك، ووهب للآخرين القوّة على معصيتهم، ومنعهم قوّة القبول منه، مع قدرته تعالى على ما يصرفهم عن ذلك باختيارهم خلاف ذلك؛ فلا جور في مشيئته تعالى عند خلق السعادة للأوّلين والشقاء للآخرين.

____________

(1). انظر تفسير الكبير، ج 13، ص 152؛ وج 14، ص 178؛ و ج 30، ص 210.

(2). الكافي، ج 3، ص 92، ح 1.

(3). فى «ج»:-/ «لا».

475

ويتلخّص من هذا الجواب أنّه إذا قال السائل: من أين لحق الشقاء أهلَ المعصية في بطون امّهاتهم مثلًا؟ فالجواب: من علم اللَّه الأزلي بأنّهم أهل المعصية. وإن قال: من أين لحقت المعصية أهل المعصية بعد تكليفهم في الأبدان؟ فالجواب: من سوء اختيارهم لأنفسهم مع قدرتهم أن يأتوا حالًا تنجيهم، فإنّ معصيتهم ليست واجبة بالوجوب السابق، إنّما هي واجبة بالوجوب اللاحق.

وتفصيل دفع الشكوك عن هذا في حواشينا على عدّة الاصول.

الثالث:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عِمْرَانَ الْحَلَبِيِّ، عَنْ مُعَلّى‏ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَنْظَلَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، أَنَّهُ قَالَ: يُسْلَكُ بِالسَّعِيدِ).

«سلك» يستعمل لازماً ومتعدّياً، فإن جعل هنا من اللازم، فهو بصيغة المضارع المجهول، والباء للتعدية، والظرف قائم مقام الفاعل، أو المعلوم والباء للتعدية، وفيه ضمير راجع إلى اللَّه؛ وإن جعل من المتعدّي من المجهول، فالباء لتقوية الإلصاق، والظرف قائم مقام الفاعل، أو المعلوم والباء للتقوية، وفيه ضمير اللَّه.

(فِي طَرِيقِ الْأَشْقِيَاءِ)

أي الطريق الذي يكون غالباً للأشقياء، وهو طريق المعاصي.

(حَتّى‏ يَقُولَ النَّاسُ).

يجوز في «يقول» الرفع كقراءة نافع‏ «حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ» (1) فتكون «حتّى» الابتدائيّة الداخلة على الجمل وما بعدها حاليّةً محكيّة، أي حتّى حاله حينئذٍ أنّ الناس يقولون. ويجوز النصب كقراءة الباقين، فتكون «حتّى» جارّةً بمعنى «إلى» نحو «حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى‏». (2)

(مَا أَشْبَهَهُ)؛

فعل تعجّب.

(بِهِمْ).

إنّما يقولونه حين ظنّوا أنّه ليس منهم.

(بَلْ هُوَ مِنْهُمْ!)

أي بل حتّى يقولوا: هو منهم، وهذا إنّما يقولونه حين ظنّوا أنّه منهم.

ويحتمل أن يكون لفظة «بل» أيضاً من كلام الناس.

(ثُمَّ يَتَدَارَكُهُ)

أي يلحقه ويأخذه عن هذا الطريق. والفعل المنسوب إلى واحد إذا

____________

(1). حكاه في التبيان، ج 2، ص 197؛ مجمع البيان، ج 2، ص 67. والآية في سورة البقرة (2): 214.

(2). طه (20): 91.

476

نقل إلى باب التفاعل أفاد المبالغة، باعتبار أنّ الغالب فيما فيه مغالبة المبالغة.

(السَّعَادَةُ)

التي خلقها اللَّه تعالى فيه في بطن امّه مثلًا.

(وَقَدْ يُسْلَكُ بِالشَّقِيِّ طَرِيقَ السُّعَدَاءِ حَتّى‏ يَقُولَ النَّاسُ: مَا أَشْبَهَهُ بِهِمْ، بَلْ هُوَ مِنْهُمْ! ثُمَّ يَتَدَارَكُهُ الشَّقَاءُ)

أي يغلب عليه ويأخذه من هذا الطريق، كقوله تعالى حكايةً: «رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا». (1)

ونسبة التدارك إلى السعادة والشقاء مجاز، والمقصود التوفيق والخذلان على وفق ما خلق فيه بدون جبر ووجوب سابق، كما ذكرنا في شرح ثاني الباب.

(إِنَّ مَنْ كَتَبَهُ اللَّهُ سَعِيداً).

استئنافٌ بياني؛ أي من ثبت اسمه في صحيفة السعداء، مثل ما يجي‏ء في «كتاب الصلاة» في أوّل «باب النوادر»: «وأنّ في البيت المعمور لرقّاً من نور، فيه كتابٌ من نور، فيه اسم محمّد وعليٍّ والحسن والحسين والأئمّة (عليهم السلام) وشيعتهم إلى يوم القيامة، لا يزيد فيهم رجل ولا ينقص منهم رجل». (2)

(وَإِنْ)؛

وصليّة.

(لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا)

أي من عمره في الدنيا.

(إِلَّا فُوَاقُ)

(3)

؛

بضمّ الفاء- وقد يفتح-: ما بين الحلبتين من الوقت، أو ما بين فتح يدك وقبضها على الضرع. (4)

(نَاقَةٍ خَتَمَ)؛

بالمعجمة والمثنّاة فوقُ بصيغة ماضي معلوم باب ضرب، وفيه ضمير اللَّه. ويحتمل المجهول.

____________

(1). المؤمنون (23): 106.

(2). الكافي، ج 3، ص 482، ح 1.

(3). فى حاشية «أ»: «قوله: إلّافواق ناقة، الفواق- كغراب-: ما بين الحلبتين من الوقت؛ لانّها تحلب ثم تترك سويعةيرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب، أو مابين فتح يدك وقبضها على الضرع، وفي الحديث: العيادة قدر فواق ناقة (ميرزا رحمه الله)». الحاشية على اصول الكافي لميرزا رفيعا، ص 492. والحديث في الكافي، ج 3، ص 117، باب كم يعاد المريض و ...، ح 2.

(4). لسان العرب، ج 10، ص 316 (فوق).

477

(لَهُ بِالسَّعَادَةِ)

أي بفعل يناسب سعادته، وذلك بالتوفيق.

وفي الكلام اقتصار، أي ومن كتبه اللَّه شقيّاً وإن لم يبق من الدنيا إلّافواق ناقة ختم له بالشقاء. ويجي‏ء في «كتاب الحجّة» في سادس عشر «مولد النبيّ (صلى الله عليه و آله) ووفاته» عن أبي عبداللَّه (عليه السلام) قال: «خطب رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) الناس، ثمّ رفع يده اليمنى قابضاً على‏ كفّه، ثمّ قال:

أتدرون أيُّها الناس ما في كفّي؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، فقال: فيها أسماء أهل الجنّة، وأسماء آبائهم وقبائلهم إلى يوم القيامة، ثمّ رفع يده الشمال فقال: أيّها الناس أتدرون ما في كفّي؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، فقال: فيها أسماء أهل النار، وأسماء آبائهم وقبائلهم إلى يوم القيامة، ثمّ قال: حكم اللَّه وعدل حكم اللَّه وعدل‏ «فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ». (1)

____________

(1). الكافي، ج 1، ص 444، ح 16. والآية في سورة الشورى (42): 7.

478

باب الخير و الشرّ

الباب التاسع والعشرون بَابُ الْخَيْرِ وَ الشَّرِّ

فيه ثلاثة أحاديث.

وهذا الباب للردّ على القدريّة المعتزلة في قولهم: إنّ نحو قوله تعالى: «خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ» (1)* مخصَّص بما عدا أفعال العباد. (2) وهذا من فروع خلافَيْهم اللذين مضيا في أوّل الخامس والعشرين. (3)

الأوّل:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: إِنَّ مِمَّا أَوْحَى اللَّهُ إِلى‏ مُوسى‏ (عليه السلام)، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي التَّوْرَاةِ).

ذكر الإنزال بعد الوحي بيان لطريق الوحي، ويحتمل أن يكون تأسيساً، فيكون المراد أنّه كرّر على موسى هذا البيان لشدّة الاحتياج إلى معرفته، فأوحى إليه أوّلًا وكأنّه حين كلّمه تكليماً، وأنزل ثانياً في الألواح التي كتب فيها التوراة:

(أَنِّي أَنَا اللَّهُ لَاإِلهَ إِلَّا أَنَا، خَلَقْتُ الْخَلْقَ)

أي العباد خلقَ تكوينٍ.

(وَخَلَقْتُ الْخَيْرَ)

(4) أي الفعل الحسن. وخلقه ليس بإيجاده تعالى إيّاه، بل بالمشيئة

____________

(1). الأنعام (6): 102؛ الرعد (13): 16؛ الزمر (39): 62؛ غافر (40): 62.

(2). انظر معارج الفهم، ص 408؛ المسلك في اصول الدين، ص 83.

(3). أي في الحديث 1 من باب في أنّه لا يكون شي‏ء في السماء والأرض إلّابسبعة.

(4). فى حاشية «أ»: «قوله: خلقت الخلق وخلقت الخير إلى آخره، لعلّ المراد بالخلق الموجود العيني القارّ الوجود، وبالخير والشرّ ما هو من الأعمال والأقوال، وكلّ الموجودات بأقسامها مستند الوجود إليه سبحانه. واستناد بعضها إلى من يفعله باعتبار جريانه على يده ووقوعه تبع قدرته وإرادته بالمدخليّة لا بالإيجاد، وإنّما إعطاء الوجود من الواجب بذاته، الموجب الموجد للأشياء كما هي في عمله بمشيته وإرادته وقدره وقضاءه، فلأفعال العباد موجد موجب وشرائط وأسباب، فالموجد الموجب هو الواجب الوجود بذاته وهو خالقها وخالق كلّ شي‏ء، وما قدرته وإرادته من شرائطها وأسبابها هو العامل لها، فهي بين موجب موجد وشرائط وأسباب مقرّبة لها إلى الوجود، ووجودها وجهة خيريتها من ذلك المبدأ الفاعل وظهورها على يد عاملها، وجهات شرّيتها من شرائطها وأسبابها التي هي من أحوال عاملها، وواسطة ظهورها يجريها على يده وبقدرته وإرادته سبحانه، فينتسب إلى العامل بهذه الجهة، فخالقها وموجدها هو اللَّه سبحانه، وعاملها والمتكلّف بكسبها بقدرته وإرادته، وسائر قواه وجوارحه هو من جرت هي على يده بقدرته وإرادته. وسيجي‏ء ما يغنيك لتحقيق هذا إن شاء اللَّه. والحديثان الآخران كهذا الحديث إلّاأنّه زاد فيهما الوعيد على المنكر لما قاله والمتشّكل فيه (ميرزا رفيعا رفع اللَّه قدره ورحمه بالنبي والوصي وغفر له)». الحاشية على اصول الكافي لميرزا رفيعا، ص 493.

479

والإرادة والقدر والقضاء والإذن، كما مرّ في أوّل الخامس والعشرين، (1) ويسمّى خلقَ تقديرٍ. وأمّا خلق التكوين، فهو الإيجاد.

(وَأَجْرَيْتُهُ عَلى‏ يَدَيْ)؛

تثنية «يد» بحذف النون للإضافة.

(مَنْ أُحِبُّ)؛

بصيغة متكلّم باب الإفعال، أي احبّ إجراءه على يديه. ويحتمل أن يُراد مَن احبّه، أي عبادي الصالحين.

(فَطُوبى‏)؛

فُعْلى من الطيب، قلبوا الياء واواً للضمّة قبلها. و «طوبى» أيضاً اسم شجرة في الجنّة، (2) وقيل: اسم الجنّة، (3) وهو مبتدأ خبره:

(لِمَنْ أَجْرَيْتُهُ عَلى‏ يَدَيْهِ، وَأَنَا اللَّهُ لَاإِلهَ إِلَّا أَنَا، خَلَقْتُ الْخَلْقَ)

أي العباد خلقَ تكوين.

(وَخَلَقْتُ الشَّرَّ)

أي خلقَ تقدير.

(وَأَجْرَيْتُهُ عَلى‏ يَدَيْ مَنْ أُرِيدُهُ)

أي اريد إجراءه على يديه.

(فَوَيْلٌ).

كلمة عذاب، وهي مبتدأ.

(لِمَنْ أَجْرَيْتُهُ عَلى‏ يَدَيْهِ).

إن قلت‏

: وقع في دعاء العديلة: «أزاح العلل في التكليف، وسوّى في التوفيق بين‏

____________

(1). أي في الحديث 1 من باب في أنّه لا يكون شي‏ء، في السماء والأرض إلّابسبعة.

(2). الصحاح، ج 1، ص 173 (طيب).

(3). لسان العرب، ج 1، ص 565 (طيب).

480

الضعيف والشريف، مكّن أداء المأمور، وسهّل سبيل اجتناب المحظور». (1)

قلت‏

: لعلّ المراد بالتوفيق هنا إعطاء جميع ما يتوقّف عليه المكلّف به، سواء كان فعلًا أو تركاً، مع اللطف المزيح للعلّة، كبعث الرسل وإنزال الكتب. وتسوية التوفيق بين الضعيف والشريف للردّ على المجبّرة القائلين بأنّ السعيد غير قادر على العصيان؛ لفقد بعض أجزاء العلّة التامّة للعصيان فيه، والشقيّ غير قادر على الطاعة؛ لفقد بعض أجزاء العلّة (2) التامّة للطاعة فيه. (3)

وهذا باطل، إنّما التفاوت بينهما لحسن اختيار أحدهما وسوء اختيار الآخر مع قطع النظر عمّا هو خارج عن العلّة التامّة وعلمه تعالى أزلًا باختيارين، كما يظهر ممّا مضى في ثاني الباب السابق.

الثاني:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: إِنَّ فِي بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كُتُبِهِ: أَنِّي أَنَا اللَّهُ لَاإِلهَ إِلَّا أَنَا، خَلَقْتُ الْخَيْرَ، وَخَلَقْتُ الشَّرَّ، فَطُوبى‏ لِمَنْ أَجْرَيْتُ عَلى‏ يَدَيْهِ الْخَيْرَ، وَوَيْلٌ لِمَنْ أَجْرَيْتُ عَلى‏ يَدَيْهِ الشَّرَّ).

ظهر معناه من سابقه.

(وَوَيْلٌ لِمَنْ يَقُولُ: كَيْفَ ذَا؟)

أي لِمَ اجرِيَ الخير في يدي هذا.

(وَكَيْفَ ذَا؟)

أي لِمَ اجري الشرّ على يدي.

هذا تصريح بأنّه لا يجوز الاستكشاف عن تفصيل سرّ خلقه تعالى للخير والشرّ؛ وذلك لعدم قابليّة العباد لمعرفته، وربّما أدّى إلى إنكارهم خلقه تعالى للخير والشرّ، كالقدريّة المعتزلة.

الثالث:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ يُونُسَ، عَنْ بَكَّارِ)؛

بفتح‏

____________

(1). قال في الذريعة، ج 8، ص 192: «دعاء العديلة من إنشاء بعض العلماء قد شرح فيه العقائد الحقّة مع الإقرار بها والتصديق بحقيتها فصلّ فيه ما أجمل ذكره في دعاء الوصية والعهد الذي رواه الكليني».

(2). في «ج»:-/ «العلة».

(3). انظر شرح اصول الكافي للمازندراني، ج 9، ص 375.

481

الموحّدة، وشدّ الكاف، ومهملة.

(بْنِ كُرْدُمٍ)؛

بضمّ الكاف، وسكون الراء المهملة، وضمّ الدال المهملة.

(عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ)؛

بضمّ المهملة، وفتح الميم.

(وَعَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا اللَّهُ لَاإِلهَ إِلَّا أَنَا، خَالِقُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَطُوبى‏ لِمَنْ أَجْرَيْتُ عَلى‏ يَدَيْهِ الْخَيْرَ، وَوَيْلٌ لِمَنْ أَجْرَيْتُ عَلى‏ يَدَيْهِ الشَّرَّ).

ظهر معناه من سابقه.

(وَوَيْلٌ لِمَنْ يَقُولُ: كَيْفَ هذَا؟

(1)

).

أي لِمَ خصّ بعضَنا بالخير، وبعضنا بالشرّ.

(قَالَ يُونُسُ).

هذا كلام محمّد بن عيسى.

(يَعْنِي)

أي بقوله: «من يقول: كيف هذا».

(مَنْ يُنْكِرُ هذَا الْأَمْرَ)

أي خلق اللَّه الخير والشرّ، وتخصيص بعض بالخير وبعض بالشرّ.

(بِتَفَقُّهٍ فِيهِ)

؛ بحرف الجرّ وصيغة مصدر باب التفعّل. وفي بعض النسخ بصيغة المضارع الغائب المعلوم من باب التفعّل. وعلى التقديرين حال عن فاعل «ينكر».

والضمير المجرور ل «هذا الأمر» أو للإنكار. والتفقّه: تكلّف الفقه.

وظاهر هذا الشرح ليونس أنّ أصل السؤال بدون إنكار ليس منهيّاً عنه، وهذا منافٍ لأحاديث كثيرة، منها: ما رواه ابن بابويه في «باب القضاء والقدر» في توحيده من قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «ألا إنّ القدر سرّ من سرّ اللَّه» إلى قوله: «فمن تطلّع عليها فقد ضادّ اللَّه» الحديث. (2)

وكأنّه مستنبط أيضاً من قوله تعالى في سورة الأنبياء: «لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ» (3)، فليحمل على أنّ التفكّر على سبيل الوسوسة في خلق اللَّه تعالى الخير

____________

(1). في الكافي المطبوع: «كيف ذا؟ وكيف هذا؟».

(2). التوحيد، ص 383، ح 32.

(3). الأنبياء (21): 22- 23.

482

والشرّ في أهلهما بدون قصد متأكّد، ولا سؤال متكرّر، ليس منهيّاً عنه؛ لما يجي‏ء (1) في «كتاب الروضة» قُبيل‏ (2) حديث آدم مع الشجرة عن أبي عبداللَّه (عليه السلام): «ثلاثة لم ينجُ منها نبيّ فمن دونه: التفكّر في الوسوسة في الخلق، والطيرة، والحسد؛ إلّاأنّ المؤمن لا يستعمل حسده». (3)

____________

(1). في «ج»:-/ «يجي‏ء».

(2). في «ج»: «قبل».

(3). الكافي، ج 8، ص 108، ح 86.

483

باب الجبر و القدر و الأمر بين الأمرين‏

الباب الثلاثون بَابُ الْجَبْرِ وَ الْقَدَرِ وَ الْأَمْرِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ‏

فيه أربعة عشر حديثاً.

المذاهب في أفعال العباد خمسة، اثنان للجبريّة، وهما مذهب جهم بن صفوان الترمذي- بكسر المثنّاة فوق‏ (1) وسكون المهملة وكسر الميم ومهملة (2)- ومَن تبعه، ومذهب الأشاعرة، وواحد للقدريّة وهم المعتزلة، وواحد لأهل الأمر بين الأمرين، أي بين الجبر والقدر، وهم أهل الحقّ، وواحد حدث من مزج الفلسفة بقواعد المعتزلة، وهو مذهب أبي الحسين البصري من المعتزلة ومن تبعه، وهذا قولٌ بالجبر والقدر معاً.

مذهب جهم: أنّ حركة الماشي كحركة المرتعش وكحركة الورق في الشجر، وفاعل الجميع هو اللَّه بلا مقارنة قدرة في العبد أصلًا، وأنّه لا يستحقّ العبد مدحاً ولا ذمّاً عقلًا. (3) وهذا غلوّ في الجبر.

ومذهب الأشاعرة: أنّ فاعل الجميع هو اللَّه، لكن حركة الماشي ليست كحركة المرتعش، فإنّ الاولى مجامعة لقدرة في العبد غير مؤثّرة، بخلاف الثانية، فالاولى بكسب العبد دون الثانية، ومعنى الكسب أنّ الفعل أو الترك مقارنة القدرة (4) في العبد غير

____________

(1). في «ج»:-/ «فوق».

(2). هو جهم بن صفوان العبدي السمرقندي من بني راسب، وهو أوّل من قال بالجبر، قتله نصر بن سيار سنة 128 هجرية. الكامل في التاريخ، حوادث سنة 128 هجرية؛ الأعلام للزركلي، ج 2، ص 141.

(3). حكاه عنه العلّامة في معارج الفهم، ص 408. وانظر شرح العيون في شرح رسالد ابن زيدون لابن نباتة، ص 162.

(4). في «ج»: «لقدرة».

484

مؤثّرة بالفعل؛ لمقارنتها تأثير قدرة اللَّه التي هي أقوى منها، ومن شأنها التأثير أي علم اللَّه تعالى أنّه لو لم تجامع قدرته تأثير قدرة اللَّه، لأثّرت على وفق ما أثّرت قدرة اللَّه فيه من الفعل أو الترك، وأنّه لا يستحقّ العبد مدحاً ولا ذمّاً عقلًا. (1)

ومذهب القدريّة: أنّ العبد مؤثّر في الفعل والترك، وقادر على كليهما، وأنّه يستحقّ المدح أو الذمّ عقلًا، وأنّه لم يبق للَّه‏تعالى طريق إلى إطاعة العاصي في ذلك الوقت إلّا القسر والإلجاء، فإنّه يجب على اللَّه تعالى كلّ لطف ناجع، فليس في مقدوره تعالى من اللطف ما لو فعله بالعاصي في وقتٍ لأطاع فيه، فليس فعل العبد ولا تركه بمشيئة اللَّه ولا إرادته ولا قدره ولا قضائه. وقد مرّ معنى الجميع في أوّل الخامس والعشرين، (2) وأنّ قدرته على فعل في وقت تتقدّم على ذلك الوقت، فهو مستقلّ بالقدرة غير متوقّف فعله ولا تركه على الإذن من اللَّه. (3)

ومذهب أهل الأمر بين الأمرين: أنّ العبد مؤثّر في فعله وتركه، وقادر على كليهما، ويستحقّ المدح أو الذمّ عقلًا، وأنّ للَّه‏تعالى طرقاً لا تُعدّ ولا تحصى إلى اختيار العاصي في وقت للطاعة فيه، فما من فعلٍ أو ترك من العبد إلّابمشيئة اللَّه وإرادته وقدره وقضائه، وأنّ قدرته على فعل أو ترك في وقت لا تتقدّم على ذلك الوقت، فلا يستقلّ العبد بالقدرة، بل يتوقّف فعله وتركه على الإذن من اللَّه.

ومذهب أبي الحسين هو مذهب المعتزلة بعينه، مع ضمّ قاعدة من الفلسفة هي أنّ الشي‏ء ما لم يجب بوجوب سابق لم يوجد؛ لامتناع تخلّف المعلول عن العلّة التامّة. (4)

والمراد بالوجوب السابق الوجوب بالنسبة إلى الموقوف عليه، فهو جبري قدري؛ أمّا كونه جبريّاً فلأنّ هذه القاعدة شريكة لمذهب جهم والأشاعرة في استلزام ارتفاع‏

____________

(1). اللمع في الردّ على أهل الزيغ والبدع للأشعري، ص 72؛ الملل والنحل للشهرستاني، ج 1، ص 89. وحكاه العلّامة في نهج الحقّ وكشف الصدق، ص 97 ومناهج اليقين، ص 366، وفي الطبعة الاخرى، ص 235.

(2). أي في الحديث 1 من باب في أنّه لا يكون شي‏ء في السماء والأرض إلّابسبعة.

(3). شرح الاصول الخمسة، ص 316. وانظر الرسالة السعديّة للعلّامة، ص 97.

(4). حكاه عنه العلّامة في معارج الفهم، ص 409.

485

الحُسن والقبح العقليّين، فقد وقع فيما فرَّ منه من ثمرة الجبر، بل نقول: إنّ لفظ الجبر أنسب بهذا المذهب لغةً وتفصيله في محلّه، وأمّا كونه قدريّاً فظاهر.

الأوّل:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِمَا رَفَعُوهُ، قَالَ:

كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) جَالِساً بِالْكُوفَةِ بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ)؛

مصدر ميمي، أي انصرافه.

(مِنْ صِفِّينَ)؛

بكسر المهملة وكسر الفاء المشدّدة؛ من صفن الفرس: إذا ثنى حافره، كسجّين من سجن اسم موضع قرب الرقّة شاطئ الفرات، كانت به الواقعة العظمى بين أمير المؤمنين (عليه السلام) وبين معاوية. (1)

(إِذْ)؛

للمفاجأة.

(أَقْبَلَ شَيْخٌ فَجَثَا)؛

بالجيم والمثلّثة كدعا ورمى؛ أي فجلس على ركبتيه.

(بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ‏

(2)

: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَخْبِرْنَا عَنْ مَسِيرِنَا إِلى‏ أَهْلِ الشَّامِ)،

أي معاوية وعسكره.

(أَ بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَقَدَرٍ؟).

ليس المراد بالقضاء والقدر هنا ما يُراد بهما إذا عدّا في الخصال السبع التي مرّ تفسيرها في أوّل الخامس والعشرين، (3) بل المراد بكلّ منهما هنا أعمّ من الخصال الخمس الاول المذكورة فيه؛ وهي المشيئة والإرادة والقدر والقضاء والإذن، فنقول: التدبير من اللَّه للواقع من فعل عبد أو تركه له اعتبارُ أنّ الأوّل كونه قطعاً وفصلًا؛ أي لا يرجع عنه بندم ونحوه، والثاني كونه موافقاً للحكمة والمقدار اللائق، فبالاعتبار الأوّل يسمّى قضاءً، وبالاعتبار الثاني يسمّى قدراً، فالقضاء والقدر هنا متّحدان بالذات، متغايران بالاعتبار والمفهوم.

(فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَجَلْ)؛

بالهمز والجيم المفتوحتين وسكون اللام، جوابٌ مثل «نعم».

____________

(1). انظر القاموس المحيط، ج 4، ص 242.

(2). في الكافي المطبوع:+/ «له».

(3). أي في الحديث 1 من باب في أنّه لا يكون شى‏ء في السماء والأرض إلّابسبعة.

486

(يَا شَيْخُ، مَا عَلَوْتُمْ تَلْعَةً)؛

بفتح المثنّاة فوق وسكون اللام ومهملة: ما ارتفع من الأرض؛ من تلع النهار كمنع، أي ارتفع. وقيل: التلاع: مجاري أعلى الأرض إلى بطون الأودية. (1)

(وَلَا هَبَطْتُمْ بَطْنَ وَادٍ).

بطن الوادي: ما بين طرفيه من الأرض المنخفض.

(إِلَّا بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَقَدَرٍ).

ليس ذلك مقصوراً على محلّ السؤال، ففي نهج البلاغة:

«اللّهُمَّ إنّك آنس الآنسين لأوليائك» إلى قوله: «وإن صبّت عليهم المصائب لجاؤوا إلى الاستجارة بك علماً بأنَّ أزمّة الامور بيدك، ومصادرها عن قضائك». (2)

(فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ)؛

بصيغة المتكلِّم وحده من المضارع. والاحتساب من الحسب كالاعتداد من العدّ. وإنّما يُقال لمن ينوي بعمله وجهَ اللَّه: احتسبه؛ لأنّ له حينئذٍ أن يعتدّ ب «عمله»، فجعل في حال مباشرة الفعل كأنّه معتدّ به.

واحتساب الشي‏ء عند اللَّه كما يكون في الأعمال الصالحات، يكون عند نزول البلايا والمكروهات، وهو عند المكروهات، البدار إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر. هذا أصله، وقد يُستعمل في مجرّد إظهار الكراهة والتضجّر.

وكلام الشيخ من الأوّل؛ لأنّه ذكر ذلك حين سمع ما يوهم الغلط من الإمام، ولم يخرج عن موالاته صبراً وانتظاراً للفرج بالكشف عن الحقّ. أو من الثاني؛ لأنّه ذكر ذلك حين اعتقد أنّه لا أجر لعبدٍ على عمل؛ لأنّ العبد في فعله مجبور، إنّما له العوض، والسعي للعوض سهل.

(عَنَائِي)؛

بفتح المهملة والنون والمدّ: النصب والتعب يُريد تعبه في سماع الجواب، أو في المسير إلى‏ (3) الشام، فإنّه لم يترتّب باعتقاده ما قصده به من الأجر.

(يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ لَهُ: مَهْ)؛

بفتح الميم وسكون الهاء، اسم فعل بمعنى اسكت،

____________

(1). الصحاح، ج 3، ص 1192؛ تاج العروس، ج 11، ص 47 (تلح).

(2). نهج البلاغة، ص 349، ح 227.

(3). في «ج»:+/ «أهل».

487

وقيل: اكفف؛ (1) أي مه عن مثل هذا الكلام الدالّ على توهّم أنّه لا أجر لعبدٍ في عمل.

(يَا شَيْخُ، فَوَ اللَّهِ، لَقَدْ عَظَّمَ)؛

بشدّ الظاء.

(اللَّهُ لَكُمُ الْأَجْرَ فِي مَسِيرِكُمْ).

مصدر ميمي؛ أي إلى أهل الشام.

(وَأَنْتُمْ سَائِرُونَ)

أي فاعل السير أنتم، لا غيركم. وهو لردّ توهّم الجبر على مذهب جهم، أو مذهب الأشاعرة.

(وَفِي مُقَامِكُمْ)؛

بضمّ الميم مصدر ميمي؛ أي لبثكم بحذاء العدوّ بصفّين.

(وَأَنْتُمْ مُقِيمُونَ)،

لا غيركم.

(وَفِي مُنْصَرَفِكُمْ)؛

بفتح الراء، مصدر ميمي.

(وَأَنْتُمْ مُنْصَرِفُونَ)

لا غيركم، وأمّا قوله:

(وَلَمْ تَكُونُوا فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ حَالَاتِكُمْ)

أي المسير والمقام والمنصرف‏

(مُكْرَهِينَ)،

بفتح الراء.

(وَلَا إِلَيْهِ)

أي إلى شي‏ء من حالاتكم‏

(مُضْطَرِّينَ)؛

فلردّ توهّم الجبر الذي هو مذهب أبي الحسين كما مرَّ آنفاً، وليس المقصود بيان العلّة للأجر وتعظيمه، وإلّا لكان الأنسب حذفَ الواو؛ لكمال الاتّصال.

والإكراه والاضطرار واحد إلّاأنّ الأوّل أشدّ من الثاني، ولذا نفى الأضعف بعد نفي الأشدّ، ولمّا كان القول بامتناع تخلّف المعلول عن العلّة التامّة مستلزماً للقول بأنّ العبد الفاعل لأفعال نفسه مضطرّ مكروه في صورة مختار، ويستلزم ذلك أيضاً بطلان الأجر كمذهب جهم والأشاعرة، احتيج إلى الردّ على هذا القول أيضاً بعد الردّ على قولهما.

(فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: وَكَيْفَ لَمْ نَكُنْ فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ حَالَاتِنَا مُكْرَهِينَ، وَلَا إِلَيْهِ مُضْطَرِّينَ).

علم الشيخ من ثبوت تعظيم الأجر مع ثبوت القضاء والقدر بطلانَ مذهب جهم والأشاعرة، وذلك لأنّ الضرورة قاضية باستلزامهما نفي الثواب والعقاب، وإنّما حصلت لهم شبهة

____________

(1). الصحاح، ج 6، ص 2250 (مه).

488

عجزوا عن جوابها، فارتكبوا خلاف الضرورة، لكن توهّم الشيخ استلزام ثبوت القضاء والقدر حينئذٍ لمذهب أبي الحسين وهو كون فعل اللَّه موجباً بالوجوب السابق لفعل العبد الصادر منه، وظهورُ منافاته لأمر الثواب والعقاب ليس في مرتبة ظهور منافاة مذهب جهم والأشاعرة، ولذا ذهب أبو الحسين وأتباعه إلى قاعدة التحسين والتقبيح العقليّين دون جهم والأشاعرة. (1)

(وَكَانَ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ مَسِيرُنَا وَمُنْقَلَبُنَا).

مصدر ميمي؛ أي انقلابنا في الحرب مع العدوّ من مكان إلى مكان، ومن حال إلى حال.

(وَمُنْصَرَفُنَا؟! فَقَالَ لَهُ: وَتَظُنُّ).

الواو للعطف على مقدّر، وفيه استفهام للإنكار؛ أي أظننت قبل هذا الجواب المشتمل على إثبات الأجر مع القضاء والقدر، وتظنّ بعده:

(أَنَّهُ)

أي أنّ ما تعلّق بمسيركم إلى أهل الشام من القضاء والقدر.

(كَانَ قَضَاءً حَتْماً)؛

بفتح المهملة وسكون المثنّاة فوق، مصدر قولك: حتمت عليه الشي‏ء، أي أوجبت، والوصف بالمصدر للمبالغة، والمراد موجباً للفعل على العبد بحيث لم يكن له سبيل إلى تركه أصلًا؛ لفقده العلّة التامّة للترك، كأن يكون الفعل واجباً بالوجوب السابق.

(وَقَدَراً لَازِماً)

أي ممتنع التغيّر لوجوبه بالنسبة إلى علّته التامّة بالوجوب السابق، كما هو مقتضى قاعدة الفلاسفة. (2) وفي نهج البلاغة: «لعلّك ظننت قضاءً لازماً، وقدراً حاتماً». (3) ومعنى العبارتين واحد.

(إِنَّهُ)

. الضمير راجع إلى ما رجع إليه ضمير «أنّه كان».

(لَوْ كَانَ كَذلِكَ)

أي لو كان قضاءً حتماً، وقدراً لازماً.

____________

(1). حكى ذلك عن أبي الحسين وعن جهم والأشاعرة العلّامة في مناهج اليقين، ص 358، وفي الطبعة الاخرى، ص 230؛ معارج الفهم في شرح النظم، ص 400.

(2). أي قولهم باستحالة تخلّف المعلول عن العلّة التامّة.

(3). نهج البلاغة، ص 481، ح 78.

489

(لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ).

دليل على إبطال مذهب أبي الحسين، ويبطل به مذهب جهم والأشاعرة: أيضاً، وتقريره: أنّ الثواب هو الأجر، وهو نفع مقارن للتعظيم والمحمدة، والعقاب ضرّ مقارن للإهانة واللوم، ولا يتصوّران مع شي‏ء من معاني الجبر، لأنّ كلّاً منهما مع بيّنة وحجّة بالغة، وإلّا كان سفهاً يتعالى عنه.

وبهذا يحصل الفرق بين الأجر والعوض؛ ففي نهج البلاغة: وقال (عليه السلام) لبعض أصحابه في علّة اعتلّها: «جعل اللَّه ما كان من شكواك حطّاً لسيّئاتك، فإنّ المرض لا أجر فيه، ولكنّه يحطّ السيّئات، ويحتّها حتّ الأوراق، وإنّما الأجر في القول باللسان والعمل بالأيدي والأقدام، وأنّ اللَّه سبحانه يُدخِل بصدق النيّة والسريرة الصالحة مَن يشاء من عباده الجنّة». (1)

وقال فيه السيّد الرضيّ رحمه الله:

وأقول: صدق (عليه السلام) إنّ المرض لا أجر فيه؛ لأنّه من قبيل ما يستحقّ عليه العوض؛ لأنّ العوض يستحقّ على ما كان في مقابلة فعل اللَّه تعالى بالعبد من الآلام والأمراض وما يجري مجرى ذلك، والأجر والثواب يستحقّان على ما كان في مقابلة فعل العبد، فبينهما فرق قد بيّنه (عليه السلام) كما يقتضيه علمه الثاقب، ورأيه الصائب. انتهى. (2)

ويندفع بهذا التقرير ما قيل في تجويز العقاب على النسيان أو الخطأ من أنّ الذنوب كالسموم، فكما أنّ تناولها يؤدّي إلى الهلاك وإن كان خطأً، فتعاطي الذنوب لا يبعد أن يفضي إلى العقاب وإن لم تكن عزيمة. انتهى. (3) يريد أنّها كسائر العادّيّات المترتّبة على أسبابها من غير لزوم عقلي ولا اتّجاه سؤال.

وفيه: أنّ لوم المجبور سفاهة، فيتوجّه فوق السؤال، وكذا يندفع ما يقال من أنّ عقاب الكافر كإحراق الحطب، وثوابَ المؤمن كَلفِّ الجوهرة في الحرير؛ كلّ منهما يقتضي‏ (4)

____________

(1). نهج البلاغة، ص 476، الحكمة 42.

(2). نهج البلاغة، ص 476، ذيل الحكمة 42.

(3). تفسير البيضاوي، ج 1، ص 586 ذيل الآية: «رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا».

(4). في «ج»: «مقتض».

490

طبع الكافر والمسلم وذواتهما، (1) ولذا يُقال: فلان سيّ‏ء الذات، وفلان حسن الذات.

انتهى. وذلك لأنّ لوم الحطب ومحمدة الجوهرة سفاهة، وأيّ سفاهة، فالقياس مع الفارق، وسوء الذات وحسنه مجاز عن تمكّن حبّ الشرّ وحبّ الخير كما مرَّ في أحاديث «باب السعادة والشقاء» فإنّ اختلاف الذات بغير هذا بين أفراد الإنسان غير معلوم لأحدهم.

(وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ).

دليل آخر تقريره: أنّ الأمر والنهي طلب، ولا يصحّ الطلب في المجبور بأحد المعاني الثلاثة؛ لأنّ طلب ما ليس فعله أو موجبه بالوجوب السابق إلّافي يد الطالب سفه، فليس الأمر كتسبيب سائر الأسباب المفضية إلى الأفعال عادةً، بأن يجبر اللَّه العبد عقيب ذلك الطلب، كما يحرق عقيب مماسّة النار عادةً، فإنّ الأوّل قبيح في نفسه وسفاهة يتعالى عنه، بخلاف الثاني، وليس أيضاً وقوع المأمور عقيب الأمر عادياً.

(وَالزَّجْرُ).

دليل آخر، وهو من زجر الإبل: إذا حثّها وحملها على السرعة. وزواجر اللَّه تعالى: بلاياه النازلة على العُصاة ووعده‏ (2) وأحكامه في القصاص والحدود ونحو ذلك.

تقرير الدليل: أنّ زجر المجبور بأحد المعاني الثلاثة سفه وقبيح في نفسه يتعالى عنه، فليس هذا أيضاً كتتميم سائر الأسباب المفضية إلى الأفعال عادةً.

(مِنَ اللَّهِ).

الظرف مستقرّ وهو حال عن كلّ من الثواب والعقاب، والأمر والنهي والزجر، وفائدته أنّه لا يلزم من الجبر بطلان الثواب ونحوه مطلقاً؛ لجواز أن يأتي به السفيه في مقابلة فعل جبري.

(وَسَقَطَ مَعْنَى الْوَعْدِ).

دليل آخر، والمراد بمعنى الوعد مناطه ومحسّنه.

(وَالْوَعِيدِ)

أي مطلقاً، سواء كان وعد اللَّه ووعيده، أم وعد العباد ووعيدهم.

(فَلَمْ تَكُنْ لَائِمَةٌ لِلْمُذْنِبِ، وَلَا مَحْمَدَةٌ لِلْمُحْسِنِ).

الفاء تدلّ على أنّ فرد معنى الوعد ثبوت المحمدة، وفرد معنى الوعيد ثبوت اللائمة، فسقوط المعنيين يستلزم عدمهما.

____________

(1). في «ج»: «ذاتهما».

(2). في «ج»:+/ «ووعيده».

491

واللام في «للمذنب» و «للمحسن» للاختصاص.

وتقرير الدليل: أنّ اللائمة- وهي التثريب والتنديم- معلوم بديهةَ أنّه لا يستحقّها المجبور، وأنّها ليست كالذمّ بالآفة والعاهة، وكذا الكلام في المحمدة، فإنّها ليست كالمدح برشاقة القدّ، (1) وصباحة الخدّ ونحوهما، وثبوت اللائمة للمذنب معلوم عقلًا وشرعاً؛ أمّا الأوّل فلأنّه مركوز في ذهن كلّ عاقل حتّى الأطفال يلومون من أساء، وأمّا الثاني فلآيات كثيرة منها قوله تعالى في سورة المؤمنين: «قالَ اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ* إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا» (2) الآيات.

(وَلَكَانَ).

دليل آخر، وهو معطوف على قوله: «لبطل». وزيادة اللام هنا للإشعار بأنّ الأدلّة السابقة متشابهة الجنس، وهذا الدليل ليس من جنسها، وبأنّ مفسدته أشدّ من مفسدتها.

(المُذْنِبُ أَوْلى‏ بِالْإِحْسَانِ مِنَ الْمُحْسِنِ، وَلَكَانَ الْمُحْسِنُ أَوْلى‏ بِالْعُقُوبَةِ مِنَ الْمُذْنِبِ).

حاصله: أنّه لو كان جبر مع تحقّق ثواب وعقاب- كما هو المتّفق عليه بين كلّ المسلمين- لكان المذنب إلى آخره، وهو باطل.

ولا يجوز للخصم أن يقول: إنّ فرض الثواب والعقاب مع الجبر فرض محال.

وذلك لأنّه إقرار بفساد الجبر؛ لأنّ ثبوت الثواب والعقاب متّفق عليه ومعلوم.

ويحتمل أن يُراد بالإحسان النفع، وبالعقوبة الإيلام مطلقاً، ووجه الأولويّتين أنّ المذنب قد اجبر على قبيح وهو شرّ، والمحسن قد اجبر على حسن وهو خير، فحسبهما هذا الشرّ وهذا الخير، فلو كان مع الجبر ثواب وعقاب، أو نفع وضرر، لكان الأولى التلاقيَ وجبر الجبرين على هذا الفرض للمحال أو الممكن.

إن قلت‏

: قد حصل للمذنب راحة في الدنيا، وللمُحسن تعب تكلّف الأعمال الشرعيّة؟

قلت‏

: نرى المتّقين الراضين بقضاء اللَّه تعالى أوسعَ معيشةً من المذنبين الساخطين للقضاء؛ لأنّهم دائماً في تعب نفساني، بل وجسماني حتّى ملوكهم، وقد أخبر اللَّه تعالى عن الكفّار بأنّ لهم معيشةً ضنكى، ولكن إبليس قد لبّس عليهم، ولا يلتفتون إلى تعبهم، ولا

____________

(1). في «ج»: «القدر».

(2). المؤمنون (23): 108- 109.

492

يخلّصون أنفسهم من ذلك التعب، والأعمال الشرعيّة ليست كبيرة على الخاشعين، وأثقل شي‏ء عليهم المعاصي؛ على أنّه يكفي في الدليل كون المذنب المفلس السقيم الوضيع بين أهله، والناس أولى بالإحسان من المحسن الغنيّ الصحيح الرفيع بين أهله والناس.

(تِلْكَ)

أي كون القضاء حتماً، والقدر لازماً. والتأنيث باعتبار الخبر.

(مَقَالَةُ)

أي قول‏

(إِخْوَانِ)؛

جمع أخ، والاخوّة هنا بمعنى المشابهة.

(عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ)،

هم مشركو العرب النافون للبعثة والبعث والعقاب والثواب، وكانوا مفوّضةً؛ لقوله تعالى في سورة الروم: «هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ» (1)، الآية.

وقد أوضحناه في «كتاب العقل» في ثاني عشر «باب العقل والجهل».

وروي عن ابن بابويه في توحيده في «باب القضاء والقدر» عن أبي عبداللَّه (عليه السلام) أنّه قال:

«إنّ القدريّة مجوس هذه الامّة، وهم الذين أرادوا أن يصفوا اللَّه بعدله، فأخرجوه من سلطانه، وفيهم نزلت هذه الآية: «يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى‏ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ* إِنَّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ» (2)». (3)

وروى مسلم عن أبي هريرة قال: جاء مشركوا قريش إلى النبىّ صلى الله عليه و سلم يخاصمونه في هذا القدر، فنزلت هذه الآية: «إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ» إلى: «إِنَّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ» (4). (5)

ويحتمل أن يُقال: إنّ المراد بعَبَدة الأوثان هنا الجبريّة من المشركين، وكان فيهم جبريّة في عهد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، وكون المراد بعبدة الأوثان هنا الجبريّة منهم موافق لكلام أكثر أصحابنا المتكلِّمين. (6)

____________

(1). الروم (30): 28.

(2). القمر (54): 48 و 49.

(3). التوحيد، ص 382، ح 29.

(4). القمر (54): 47- 49.

(5). صحيح مسلم، ج 8، ص 52.

(6). انظر شرح اصول الكافي للمازندراني، ج 5، ص 9.

493

(وَخُصَمَاءِ الرَّحْمنِ).

معطوفٌ على «عَبَدة الأوثان» لا على «إخوان». والمراد بهم المفوّضة، وهم مَن على رأي المعتزلة في مسألة القدر، سواء كانوا من المعتزلة، أم من أهل المذاهب الاخرى؛ رووا عن النبيّ (عليه السلام) أنّه قال: «القدريّة خصماء اللَّه في القدر» (1) ولا يتصوّر الخصومة في القدر إلّاعلى رأي المفوّضة، وقد تكرّر في الحديث «إنّ المفوّضة مضادّوا اللَّه في ملكه» كما يجي‏ء في شرح ثاني «باب الاستطاعة».

وتخصيص اسم الرحمان بالذكر لأنّ معناه من أعطى كلّ شي‏ءٍ خلقه؛ أي ما يليق به من التدبير، فهو خالق كلّ شي‏ء على وفق الحكمة، غير عاجز عن شي‏ء كاللطف الناجع بالنسبة إلى العاصي. فهذا التخصيص كالتخصيص في قوله تعالى في سورة الفرقان:

«وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَ مَا الرَّحْمنُ» (2)، وفي سورة الملك: «ما تَرى‏ فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ». (3)

والاخوّة بين الجبريّة والمفوّضة باعتبار أنّ كلّاً منهما على طرف خارج عن الحقّ الذي بينهما، ويقال للمتقابلين: إنّهما متشابهان كما قيل: إنّ قصّة سورة براءة تشابه قصّة الأنفال وتناسبها؛ لأنّ في الأنفال ذكرَ العهود، وفي براءة نبذَها، فضمّت إليها. انتهى. (4)

وظاهر الحديث أنّ القول بالتفويض أشدّ مخالفةً للحقّ من القول بالجبر.

(وَحِزْبِ الشَّيْطَانِ، وَقَدَرِيَّةِ هذِهِ الْأُمَّةِ وَمَجُوسِهَا).

هذه الثلاثة أوصاف أيضاً للمفوّضة، فهي معطوفات على «خصماء الرحمن» عطفَ انسحاب؛ فالمعنى أنّ تلك مقالة إخوان طائفتين: الاولى: عَبدة الأوثان، والثانية: الطائفة الجامعة لهذه الأوصاف الأربعة وهم المفوّضة.

إن قلت‏

: لِمَ عطفت الأوصاف الأربعة على «عَبَدة الأوثان» ولم تعطفها ولا بعضها

____________

(1). في حاشية «أ»: «رواه الشهرستاني في الملل والنحل (منه)». الملل والنحل، ج 1، ص 43؛ معارج اليقين في‏اصول الدين، ص 459.

(2). الفرقان (25): 60.

(3). المُلك (67): 3.

(4). تفسير البيضاوي، ج 3، ص 127.

494

على «إخوان»، فتكون الأوصاف الأربعة، أو بعضها أوصافاً للجبريّة، موافقة لكلام محقّقي‏ (1) مشهوري أصحابنا المتكلِّمين في تفسير القدريّة بالجبريّة، وتصحيح مذهب المعتزلة؟

قلت‏

: لُامور:

الأوّل: أنّه لو (2) كانت هي أو بعضها معطوفة على «إخوان» صار المعطوف عليه أبعد ولو باعتبار الابتداء فقط.

الثاني: أنّه حينئذٍ يصير ذو الفاصلة المعطوف أقصر من ذي الفاصلة المعطوف عليه، وهو خلاف الأولى ما لم تدع إليه ضرورة.

الثالث- وهو العمدة لفظاً-: تعرّضه (عليه السلام) في الاستئناف البياني في قوله: «إنّ اللَّه تبارك وتعالى» إلى آخره، لإبطال مذهب المفوّضة أيضاً متوسّطاً بين إبطال زعم الجبريّة وإبطال ظنّ عَبَدة الأوثان. وهذا تصريح بأنّ المراد بالقدريّة ونحوها هنا المفوّضة، وأنّ إبطال التفويض ليس استطراداً.

الرابع- وهو العمدة معنى-: كثرة الأحاديث عن أهل البيت (عليهم السلام) في ذمّ المفوّضة المكذّبين بقدر اللَّه في فعل العبد، وأنّهم هم القدريّة ومجوس هذه الامّة، يجي‏ء في «كتاب الإيمان والكفر» في «باب اصول الكفر وأركانه»: قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «خمسة لَعَنْتُهُم وكلُّ نبيٍّ مجاب: الزائدُ في كتاب اللَّه، والتارك لسنّتي، والمكذِّب بقدر اللَّه» الحديث. (3) وفي «كتاب الحجّة» في «باب ما أمر النبيّ (صلى الله عليه و آله) بالنصيحة لأئمّة المسلمين»:

«قدريّ يقول: لا يكون ما شاء اللَّه عزّ وجلّ، ويكون ما شاء إبليس» الحديث. (4) وأمثال ذلك كثيرة.

ونحن بعد ما دلّنا البراهين العقليّة والنقليّة- التي سنذكرها في شرح ثاني «باب‏

____________

(1). في «ج»:-/ «محققي».

(2). في «ج»: «أو».

(3). الكافي، ج 2، ص 293، ح 14.

(4). الكافي، ج 1، ص 403، ح 2.

495

الاستطاعة»- على بطلان كلّ من الجبر والتفويض بالمعنى الذي نذكره بُعيدَ هذا عند قوله (عليه السلام): «ولم يملِّك مفوِّضاً» أوثَقُ بأحاديثهم (عليهم السلام) في تفسير هذه اللفظة بالمفوّضة منّا بكلام هؤلاء المشهورين في تفسيرها بالجبريّة، وإن كانت الأحاديث أخبار آحاد نرى هؤلاء المشهورين قد خالفوا من هو أقدم منهم من أصحابنا كالمصنّف، من تصريحاته أنّه قال: «باب الجبر والقدر، والأمر بين الأمرين».

وعليّ بن إبراهيم بن هاشم قال في مقدّمات تفسير القرآن:

وأمّا الردّ على المعتزلة فإنّ الردّ في القرآن عليهم كثير؛ وذلك أنّ المعتزلة قالوا: نحن نخلق أفعالنا، وليس للَّه‏فيها صنع ولا مشيئة ولا إرادة، ويكون ما شاء إبليس، ولا يكون ما شاء اللَّه. انتهى. (1)

والفضل بن شاذان قال في كتاب الإيضاح كما قال عليّ بن إبراهيم‏ (2)، وقد عدّ أصحاب كتب الرجال من كتب هشام بن الحكم كتابَ الجبر والقدر، وكتابَ الردّ على المعتزلة (3)، وأمثال ذلك كثيرة.

ونرى من ذكرتم من المشهورين لم يستندوا في تفسيرها بالجبريّة إلّاإلى امور:

الأوّل:

تصريح هذا الحديث به، وهو مبنيّ على عطف الأوصاف الأربعة أو بعضها على «إخوان».

فالجواب‏

: أنّهم إن رضوا فيه رأساً برأس كان خيراً لهم، وإنّما جرّهم إلى ذلك قلّة مبالاتهم بأحاديث الاصول، والتأمّل في معانيها، وفي المراد بالتفويض، وفي المراد بالواسطة بين الجبر والتفويض، ولذا قال بعضهم: إنّ هذا حديث الأصبغ‏ (4) إنّما حديث الأصبغ قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «ألا إنّ القدر سرٌّ من سرّ اللَّه، وسترٌ من ستر اللَّه» إلى آخر

____________

(1). تفسير القمّي، ج 1، 23.

(2). الإيضاح، ص 6 و 7.

(3). رجال النجاشي، ص 433، الرقم 1164.

(4). في حاشية «أ»: «العلّامة في شرح التجريد (منه)». كشف المراد، ص 433، وفي طبعة الزنجاني، ص 341، وفي‏طبعة السبحاني، ص 88.

496

الحديث المرويّ في كتاب التوحيد لابن بابويه. (1)

وقال بعضهم في بيان الجبر والتفويض: والواسطة- الذي ينظر إلى أسباب الأوّل، ويعلم أنّها ليست بقدرة العبد ولا بإرادته- يحكم بالجبر، وهو غير صحيح مطلقاً؛ لأنّ السبب القريب للفعل هو قدرته وإرادته، والذي ينظر إلى السبب القريب ينظر بالاختيار، وهو أيضاً ليس بصحيح مطلقاً؛ لأنّ الفعل لم يحصل بأسباب كلّها مقدورة ومرادة، والحقّ ما قال بعضهم: لا جبر ولا تفويض ولكن‏ (2) أمرٌ بين أمرين. انتهى. (3)

وقد أبطلنا مبنى هذا في حواشينا على عدّة الاصول، وبيّنّا أنّه قول بالجبر والتفويض معاً، وسننقل في حادي عشر الباب ما قال بعضهم أيضاً في معنى التفويض والواسطة.

الثاني‏

: ما روي عن الحسن عن حذيفة أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) قال: «لُعنت القدريّة والمرجئة على لسان سبعين نبيّاً» قال: قيل: ومَن القدريّة يارسول اللَّه؟ قال: «قومٌ يزعمون أنّ اللَّه قدّر عليهم المعاصي وعذّبهم عليها». (4)

وعن الحسن أنّ اللَّه تعالى بعث محمّداً (صلى الله عليه و آله) إلى العرب وهم قدريّة مجبّرة يحمّلون ذنوبهم على اللَّه، وتصديقه في قول اللَّه تعالى: «وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ». (5) انتهى. (6)

فالجواب‏

: أنّ الحسن البصري سامريّ هذه الامّة كما نقله الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، (7) ويجي‏ء في ثاني «باب الاستطاعة» طعن الحسن بن‏

____________

(1). التوحيد، ص 383، بيانه في تفسير الأجل، ح 32.

(2). في «أ»: «ولكنّه».

(3). حكاه صدر الدين الشيرازي في الحكمة المتعالية، ج 8، ص 331 عن المحقّق الطوسي في شرح رسالة العلم، بتفاوت يسير.

(4). الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، ص 344؛ وعنه في البحار، ج 5، ص 47، ح 73؛ متشابه القرآن لابن شهر آشوب، ج 1، ص 202؛ الصراط المستقيم، ج 1، ص 39.

(5). الأعراف (7): 28.

(6). الكشّاف، ج 2، ص 75.

(7). الاحتجاج، ج 1، ص 251.

497

عليّ (عليهما السلام) عليه، ويجي‏ء في «كتاب الحجّ» في أوّل «باب ابتلاء الخلق واختبارهم بالكعبة» أنّ ابن أبي العوجاء كان من تلامذة الحسن البصري، فانحرف عن التوحيد، فقيل له:

تركت مذهب صاحبك، ودخلت فيما لا أصل له ولا حقيقة؟ فقال: إنّ صاحبي كان مخلّطاً، كان يقول طوراً بالقدر، وطوراً بالجبر، وما أعلمه اعتقد مذهباً دام عليه. انتهى. (1) فلا يعبأ بنقله واستنباطه؛ إذ هو خبيث جمع بين خُبثَين: التصوّف، والاعتزال.

الثالث‏

: أنّ الشي‏ء إنّما ينسب إليه مصدّقه لا مكذّبه، والمعتزلة جاحدون لقدر اللَّه، وهو مبنيّ على أنّ من يفسّرها بالمفوّضة يقول: مفهوم القدريّة مكذّبوا قدر اللَّه.

فالجواب‏

: أنّ وجه تسميتهم بالقدريّة أنّهم لمّا قالوا: إنّه ليس للَّه‏قدر أصلًا في أفعالنا في وقتِ إقدارنا عليها، نسبوا جميع القدر فيها إلى أنفسهم، فنسبوا إلى ما نسبوه بالكلّيّة إلى أنفسهم.

إن قلت‏

: يجي‏ء في «كتاب الحجّة» في «باب ما يفصل به بين دعوى المحقّ والمبطل في أمر الإمامة» عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) أنّه قال لهشام بن سالم: «لا إلى المرجئة، ولا إلى القدريّة، ولا إلى الزيديّة، ولا إلى المعتزلة، ولا إلى الخوارج، إليَّ إليَّ» الحديث. (2) وظاهر المقابلة أنّ القدريّة غير المعتزلة.

قلت‏

: هذا في جواب كلام هشام وعلى طبقه، وتوجيه كلامه أنّ للمعتزلة قواعدَ قد شاركهم في كلّ منها جمع من غيرهم، وأخصّ قواعدهم بهم هي التي سُمّوا بسببها معتزلةً، وهي القول بالوعيد؛ أي أنّ صاحب كبيرة بلا توبة خارج عن الإيمان ومخلّد في النار، وبها اعتزل واصل بن عطاء مع جماعة عن مجلس استاذه الحسن البصري، فقال الحسن: اعتزل عنّا واصل. (3) واستعمال لفظ المعتزلة في كلامه باعتبار هذه‏

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 197، ح 1.

(2). الكافي، ج 1، ص 352، ح 7.

(3). الوافي بالوفيات، ج 27، ص 245.

498

القاعدة، فكأنّه قال: ولا إلى الوعيديّة؛ فمقابلهم هنا المرجئة لا القدريّة، فإنّ مذهب المرجئة أنّ الإيمان المنجي عن الخلود في النار هو العلم بصدق جميع ما جاء به النبيّ، أو هو والإقرار باللسان، فلا يخرج العالم المقرّ به عن الإيمان، وإن فعل كلّ كبيرة وخرج عن الدنيا بلا توبة، فهما على طرفي الإفراط والتفريط.

والحقّ الأمر بين الأمرين في هذا أيضاً، وهو أنّ الإيمان الطوع لجميع ما جاء به النبيّ (صلى الله عليه و آله)، وعلامته سوء السيّئة وسرور الحسنة.

وقال الكشّي في ترجمة الزهّاد الثمانية: «والحسن كان يلقى كلّ أهل فرقة بما يهوون، وكان يتصنّع للرياسة وكان رئيس القدريّة» انتهى. (1)

والمتعصّبون للمعتزلة إن أجابوا عن البراهين على إبطال ما نسمّيه تفويضاً، أو جوّزوا أن لا يكون التفويض بهذا المعنى مذهباً للمعتزلة، سامحناهم في التفسير، وإلّا قلنا: المعتزلة قدريّة مرّتين؛ لقولهم بكلا فردي التفويض، كما سيظهر بُعيد هذا.

قيل: المراد أنّ القول بأنّ كون الحوادث بقدر اللَّه وقضائه يستلزم أن يكون العباد مجبورين مقالة طائفتين: إحداهما: الأشاعرة، والاخرى: المعتزلة، ثمّ قيل: القدريّة والأشاعرة زعموا أنّ القدر والقضاء لا يكونان إلّابطريق الإلجاء، فنفاهما المعتزلة، وأثبتهما الأشاعرة. انتهى.

وهذا مبنيّ على أنّ الأوصاف الأربعة أو بعضها معطوفة على «إخوان»، وليست أوصافاً للجبريّة، فاحتيج إلى هذا التأويل، ووجه كون المفوّضة حزب الشيطان أنّهم قالوا كالمجوس: إنّ الشيطان مستقلّ بالقدرة على فعله، وفعله مفوّض إليه، وقد يقع ما شاء شيطان دون ما شاء اللَّه. (2) وقد وضعت المجوس حكايات في أنّه وقع الحرب بين اللَّه والشيطان. (3)

ويحتمل أن يكون الأوّلان من الأوصاف الأربعة للمجوس، والأخيران للمعتزلة

____________

(1). اختيار معرفة الرجال، ج 1، ص 315، ح 154.

(2). انظر المواقف للايجي، ج 3، ص 65؛ مجمع البيان، ج 4، ص 125؛ معارج الفهم، ص 379.

(3). حكى ذلك العلّامة في معارج الفهم، ص 379. وفي الملخّص في اصول الدين، ص 289 إشارات إلى ذاك.

499

وأضرابهم من المنتسبين إلى الإسلام، فلا يكون العطف في قوله: وقدريّة، عطفَ انسحاب، وتكون للأشاعرة ثلاثة إخوة. وظاهر (1) قوله (عليه السلام): «وقدريّة هذه الامّة» أنّ لفظة القدريّة كانت في الأصل واقعة على المجوس نقلت إلى المفوّضة.

(إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالى‏).

استئنافٌ لبيان بطلان مقالة الجبريّة أوّلًا؛ لأنّ أصل الكلام فيها، ثمّ بيان بطلان زعم المفوّضة، ثمّ بيان بطلان القدر المشترك بينهما.

(كَلَّفَ تَخْيِيراً، وَنَهى‏ تَحْذِيراً، وَأَعْطى‏ عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيراً).

هذه الفقرات الثلاث لبيان بطلان الجبر، والمراد بالتكليف الأمر، وبالتخيير تعيين الخير من الفعل والترك للقادر على كلّ منهما أنّه الفعل، فالتخيير يستحيل أن يكون مع عدم قدرة المأمور على الفعل أو على الترك، ويلزم من كلّ من مذاهب الجبر الثلاثةِ عدمُ تمكّن فاعل شي‏ء من تركه، ولا تارك شي‏ء من فعله.

والمراد بالتحذير تعيين المحذور من الفعل والترك للقادر على كلّ منهما أنّه الفعل، فلا يجامع الجبر؛ لما مرّ آنفاً.

والمراد بإعطاء الكثير على القليل الوعد له عليه للترغيب في أعمال الخير للقادر على الخير والشرّ، فلا يجامع الجبر؛ لما مرَّ آنفاً.

(وَلَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً، وَلَمْ يُطَعْ مُكْرَهاً، وَلَمْ يُمَلِّكْ مُفَوِّضاً).

هذه الفقرات الثلاث لبيان بطلان زعم خصماء الرحمن والقدريّة المذكورين سابقاً بتقريب إخوانهم.

اعلم أنّ التفويض في اللغة ردّ الأمر في شي‏ء إلى أحد، وجعْله حاكماً فيه، كما أنّ الوكل صرف الأمر في شي‏ء إلى أحد، وجعله معتمداً عليه فيه، (2) وفي اصطلاح المتكلّمين نوع من الإقدار، وهو إقدار اللَّه تعالى العبد بحيث يخرج عن يده تعالى أزمّة المقدور في وقت هذا الإقدار. (3)

____________

(1). في «ج»: «فظاهر».

(2). النهاية، ج 3، ص 479؛ لسان العرب، ج 7، ص 210 (فوض).

(3). المواقف، ج 3، ص 221.

500

وللتفويض بهذا المعنى فردان هو القدر المشترك بينهما:

الأوّل‏

: إقدار اللَّه تعالى العبدَ على فعل بحيث لا يكون في مقدوره تعالى من المقرّبات إلى الفعل أو إلى الترك ما لو فعله بالعبد لاختار غير ما اختاره من الفعل والترك، فيلزمه أن يصدر عن العبد ما يختاره وإن شاء اللَّه أن لا يصدر. وقد بيّنّا في تحرير محلّ النزاع بيننا وبين المعتزلة معنى مشيئة اللَّه في أوّل الخامس والعشرين. (1)

وهذا مذهب المعتزلة؛ لقولهم بوجوب كلّ لطف ناجع على اللَّه تعالى. (2)

ويلزم من ذلك أنّ العبد إن اختار العصيان كان عاصياً بغلبة على اللَّه، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً، فإنّه لو كان في مقدوره تعالى لطف ناجع لفعل؛ لأنّه لا يترك الواجب عليه مع قدرته عليه، وعندهم أنّ كلّ لطف ناجع يجب عليه، فلم يتحقّق العصيان إلّا لعدم قدرته على اللطف الناجع.

ويلزم من ذلك أيضاً أنّ العبد إن اختار الطاعة كان مطيعاً بإكراه؛ بمعنى أنّه بحيث إن شاء اللَّه تعالى على فرض المحال تركَ الطاعة، ربّما لم يقدر على صرفه عن اختياره الطاعة إلى اختياره تركها؛ لعدم الفرق بين الإقدار على الطاعة، والإقدار على العصيان بديهةً واتّفاقاً.

الثاني‏

: إقدار اللَّه تعالى العبدَ في وقت على فعل في ثاني الوقت، ويلزم من ذلك أن يكون العبد مستقلّاً في القدرة غير موقوف فعله على الإذن من اللَّه. وقد مضى أيضاً معنى الاستقلال ومعنى الإذن في أوّل الخامس والعشرين. (3) وهذا أيضاً مذهب المعتزلة حتّى أنّ أكثرهم يقولون: لا تبقى القدرة في وقت الفعل. (4)

____________

(1). أي في الحديث 1 من باب في أنّه لا يكون شي‏ء في الأرض ولا في السماء إلّابسبعة.

(2). المغني في أبواب العدل والتوحيد، ص 116؛ وحكاه عنهم الرازي في كتاب المحصّل، ص 481؛ والعلّامة في معارج الفهم، ص 422.

(3). أي في الحديث 1 من باب في أنّه لا يكون شي‏ء في الأرض ولا في السماء إلّابسبعة.

(4). شرح الاصول الخمسة، ص 390. وحكاه السيّد المرتضى في الذخيرة في علم الكلام، ص 88؛ وشرح جمل العلم والعمل، ص 97؛ والشيخ الطوسي في الاقتصاد، ص 104.

501

واعلم أنّ المعتزلة قدريّة مرّتين؛ لأنّهم لمّا قالوا بالتفويض الأوّل، أنكروا قسماً من قدرة اللَّه على التصرّف في فعلهم، فأنكروا قسماً من قدرته‏ (1) تعالى أي تدبيره وتقديره تعالى؛ لأنّه لا يتأتّى التدبير في شي‏ء من جهة إلّامن القادر على وجوه التصرّف فيه من هذه الجهة، فنسبوا جميع القدر الذي يكون من هذه الجهة إلى أنفسهم.

ولمّا قالوا بالتفويض الثاني أنكروا قسماً آخر من قدرة اللَّه تعالى على التصرّف في فعلهم، فأنكروا قسماً آخر من قَدَرِهِ وتدبيره في فعلهم، فنسبوا جميع القدر الذي يكون من هذه الجهة إلى أنفسهم.

وقوله: «لم يعص» بصيغة المجهول، وفيه ضمير اللَّه، وكذا قوله: «لم يطع». وقوله:

«مكرهاً» بفتح الراء. وقوله؛ «لم يملّك» بشدّ اللام المكسورة، ومعنى التمليك هنا الإقدار.

وقوله: «مفوّضاً» بشدّ الواو المكسورة. ويحتمل أن يكون المراد بالتفويض هنا الفردَ الثانيَ من التفويض، من قبيل استعمال العامّ في الخاصّ مجازاً، فيكون كلّ من الفقرات الثلاث نفياً لاعتقاد من المفوّضة غيرِ منفيّ بالاخريين. ويحتمل أن يكون المراد به الأعمَّ، فيكون تعميماً بعد تخصيص، وفي سورة يونس: «قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَ لا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ» (2).

(وَلَمْ يَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا، وَلَمْ يَبْعَثِ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ عَبَثاً

«ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ» (3)

).

هذه الفقرات الثلاث لبيان بطلان القدر المشترك بين الجبر والتفويض، فإنّه يلزم على كلّ منهما بطلان الأمر والنهي والثواب والعقاب؛ أمّا على الجبر، فلما مرّ من قوله:

«لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي»، وأمّا على التفويض، فلما يجي‏ء في حادي عشر الباب من قوله: «لو فوّض إليهم لم يحصُرْهم بالأمر والنهي». فعلى‏

____________

(1). في «ج»: «قدره».

(2). يونس (10): 49.

(3). ص (38): 27.

502

التقديرين يلزم كون خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلًا، وكون بعث النبيّين عبثاً، فقوله: «ذلك» إشارة إلى القدر المشترك بين الجبر والتفويض الملزوم لكون الخلق باطلًا، والبعث عبثاً.

وهذه الفقرة إشارة إلى ما في قوله تعالى في سورة ص: «وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ* أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ» (1).

(فَأَنْشَأَ الشَّيْخُ يَقُولُ

:

أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِي نَرْجُو بِطَاعَتِهِ‏* * * يَوْمَ النَّجَاةِ مِنَ الرَّحْمنِ غُفْرَاناً

أَوْضَحْتَ مِنْ أَمْرِنَا مَا كَانَ مُلْتَبِساً* * * جَزَاكَ رَبُّكَ بِالْإِحْسَانِ إِحْسَاناً).

الثاني:

(الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: مَنْ زَعَمَ)

أي ادّعى. وأكثر ما يستعمل في دعوى الباطل.

(أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ).

قال تعالى في سورة الأعراف: «قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ» (2)، ويجي‏ء في «كتاب الحجّة» في تاسع «باب من ادّعى الإمامة وليس لها بأهل» ما يدلّ على أنّ المراد بالأمر التكليف، وأنّ المراد بالفاحشة الايتمام بأئمّة الجور. (3) والمقصود هنا (4) الردّ على المذاهب الثلاثة: الجبريّةِ مذهبِ جهم بن صفوان، والأشاعرةِ، وأبي الحسين البصري من المعتزلة بطريق الكناية، فإنّ الجبر على الفحشاء أشدّ قبحاً من الأمر بالفحشاء، فكذب دعوى الأمر بالفحشاء يستلزم كذب دعوى‏

____________

(1). ص (38): 27- 28.

(2). الأعراف (7): 28.

(3). في «ج»: «الفحشاء: الخصلة المخالفة للعقل والنقل الصريح. والمراد هنا التصديق بأنّ اللَّه جبر عباده على أفعالهم، ومع هذا يعذّب العاصي ويثيب المطيع» بدل «قال تعالى في سورة الأعراف» إلى هنا.

(4). في «ج»:-/ «هنا».

503

الجبر على الفحشاء بطريقٍ أولى. (1)

(وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ إِلَيْهِ)

أي مفوّضٌ إليه بأحد فردي التفويض المذكورين في‏ (2) أوّل الباب.

(فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ).

ردٌّ على المعتزلة وعلى أبي الحسين البصري.

إن قلت‏

: ورد في الدعاء المأثور: «الخير في يديك، والشرّ ليس إليك». (3)

قلت‏

: معناه أنّ الشرّ ليس متوجّهاً إليك، وهو إشارة إلى أنّ اللَّه أولى بحسنات العبد منه، والعبد أولى بسيّئاته من اللَّه. وقد مرَّ تفسيره في آخر «باب المشيئة والإرادة».

ويحتمل أن يكون المراد أنّ الشرّ لا يتقرّب به إليك، ولا يبتغي به وجهك، أو أنّ الشرّ لا يصعد إليك، وإنّما يصعد إليك الخير، كما في قوله تعالى: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ» (4).

الثالث:

(الْحُسَيْنُ،

(5)

عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ‏ الرِّضَا (عليه السلام)، قَالَ: سَأَلْتُهُ، فَقُلْتُ: اللَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ)

أي العمل في الطاعة والمعصية ونحوهما، والاستفهام مقدّر.

(إِلَى الْعِبَادِ؟)

أي إلى كلّ منهم باعتبار أمر نفسهِ.

(قَالَ: اللَّهُ أَعَزُّ)

أي أغلب قدرةً، وأقوى ملكاً

(مِنْ ذلِكَ)

أي من أن يفوّض.

وهو إشارة إلى دليل عقلي على بطلان كلّ فردي التفويض بأنّه يستلزم إخراج اللَّه من سلطانه، وسيجي‏ء تحريره في شرح ثاني «باب الاستطاعة».

____________

(1). في «ج»:-/ «بطريق الكناية» إلى هنا.

(2). في «ج»:+/ «شرح».

(3). الكافي، ج 3، ص 310، باب افتتاح الصلاة والحدّ في التكبير، ح 7؛ الفقيه، ج 1، ص 303، ذيل ح 916؛ تهذيب الأحكام، ج 2، ص 67، ح 12؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 24، ح 7247.

(4). فاطر (35): 10.

(5). في الكافي المطبوع:+/ «بن محمّد».

504

(قُلْتُ: فَجَبَرَهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي؟)

. الاستفهام مقدّر، والفاء للتفريع، وذِكْر المعاصي- مع أنّ الطاعات كالمعاصي فيما نحن فيه- مبنيّ على أنّ السائل اعتقد التفويض استدلالًا بأنّه لولاه لزم قبيح، وهو الجبر على المعاصي، لا الجبر على الطاعات؛ لأنّ قبحه غير ظاهر.

(فَقَالَ‏

(1)

: اللَّهُ أَعْدَلُ وَأَحْكَمُ)؛

من الحكمة.

(مِنْ ذلِكَ)

أي من أن يجبر على المعاصي. وهو إشارة على أنّ الجبر على المعاصي التي نهى اللَّه تعالى عنها ظلم؛ أي وضع للشي‏ء في غير موضعه وسفه بدون العقاب، فضلًا عن أن يكون معه عقاب.

(قَالَ: ثُمَّ قَالَ: قَالَ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَنَا أَوْلى‏ بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ، وَأَنْتَ أَوْلى‏ بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي؛ عَمِلْتَ)؛

بصيغة الخطاب.

(الْمَعَاصِيَ بِقُوَّتِيَ الَّتِي جَعَلْتُهَا فِيكَ).

هذا لإثبات الواسطة بين التفويض والجبر، ومضى تفسيره في آخر «باب المشيئة والإرادة».

الرابع:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مَرَّارٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام): يَا يُونُسُ، لَاتَقُلْ).

يونس بن عبد الرحمن من فضلاء متكلِّمي أصحابنا وكأنّ الإمام (عليه السلام) استشعر منه أنّه يحترز عن أن يقول: ما شاء اللَّه كان، وما لم يشأ لم يكن، (2) لتوهّمه أنّ ذلك يستلزم الجبر، أو أنّ مشيئة المعاصي قبيحة، أو أنّ النهي عمّا يشاء قبيح، فمهّد (عليه السلام) أوّلًا نفي التفويض لينجرّ الكلام إلى إثبات ما يحترز عنه. ويحتمل أنّه (عليه السلام) استشعر منه الميل إلى التفويض أيضاً.

(بِقَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ).

هم مَن على رأي المعتزلة في مسألة القدر كما مرّ في أوّل الباب،

____________

(1). في الكافي المطبوع: «قال».

(2). شرح المقاصد في علم الكلام، ج 2، ص 97 و 145.