الشافي في شرح الكافي - ج2

- خليل بن غازي‏ القزويني المزيد...
582 /
55

الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؟

) انتهى. (1)

وهذا ساقط من قلم ناسخ الكافي. وحاصله أنّ السؤال ب «متى‏ كان» إنّما هو في الحوادث، وهو قديم.

(قَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام))

في الدليل عليه:

(إِنِّي لَمَّا نَظَرْتُ إِلى‏ جَسَدِي، وَلَمْ يُمْكِنِّي فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ فِي الْعَرْضِ وَالطُّولِ، وَدَفْعِ الْمَكَارِهِ عَنْهُ، وَجَرِّ الْمَنْفَعَةِ إِلَيْهِ، عَلِمْتُ أَنَّ لِهذَا الْبُنْيَانِ)

أي الجسد أو العالم. والمآل واحد.

(بَانِياً، فَأَقْرَرْتُ بِهِ).

حاصله ما مضى‏ في ثاني الباب.

(مَعَ مَا أَرى‏).

بعدما استدلّ بالآيات في الأنفس، شرع في الاستدلال بالآيات في الآفاق:

(مِنْ دَوَرَانِ الْفَلَكِ بِقُدْرَتِهِ).

الدوران- بفتح المهملة وفتح الواو-: الحركة في محيط الدائرة ونحوه، كحركة الشمس والقمر وسائر النجوم. والفلك- بفتح الفاء وفتح اللام- جمع فلكة بسكون اللام، وهي ما استدار شكله. والمراد هنا الشمس والقمر وسائر النجوم. ومضى بيانه في الدليل الأوّل من أوّل الباب.

ويبعد كون المراد بالفلك السماءَ المحيطةَ بالأرض؛ لأنّا لا نرى دورانها، بل لا دوران لها، كما مضى في شرح الدليل الخامس من أوّل الباب.

(وَإِنْشَاءِ السَّحَابِ، وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ)

أي تغييرها من جهة إلى اخرى، أو من مكان إلى آخر، فإنّ كلّ واحد من أمثال ذلك من الحوادث دالّ على محدث العالم المثبت، كما مضى في الدليل الرابع من أوّل الباب. وما ذكره الطبيعيّون من الأسباب الطبيعيّة للسحاب وللرياح كالتبخّر وكالتخلخل والتكاثف ممّا تضحك منه الثكلى.

(وَمَجْرَى)؛

مصدر ميمي، أو اسم مكان.

(الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ)

: السيّارات أو جميعها، فإنّ اختصاص كلّ منها بمجرى خاصّ مع تشابه الأمكنة والجهات في تمام الحقيقة- كما مضى في الدليل الثالث من‏

____________

(1). عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج 2، ص 120، باب 11، ح 28. وهذه العبارة موجود في أكثر مخطوطات الكافي والمطبوع منه.

56

أوّل الباب- دليل على محدث العالم المثبت، وأنّ اللَّه يأتي بالشمس من المشرق.

(وَغَيْرِ ذلِكَ مِنَ الْآيَاتِ)

أي الدلائل على قدرة فاعلها على كلّ شي‏ء.

(الْعَجِيبَاتِ)

أي الخارجة عن أن يتوهّم أنّها فعل الطبائع.

(الْمُبَيِّنَاتِ)؛

بالموحّدة والخاتمة والنون بصيغة المفعول من باب التفعيل، أو الفاعل منه، أو من باب الإفعال.

(عَلِمْتُ).

إنشاء في موضع «شهدت» و «أشهد».

(أَنَّ لِهذَا)

أي للنظام المشاهد في السماوات والأرض وما بينهما.

(مُقَدِّراً)؛

أي مدبِّراً.

(وَمُنْشِئاً).

اسم فاعل من الإنشاء، أي محدثاً له من كتم العدم؛ لما مرَّ في عنوان الباب من أنّ المدبّر الفاعل لا يكون إلّامحدثاً.

الرابع:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْخَفَّافِ، أَوْ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ الدَّيَصَانِيَّ)؛

بفتح المهملة وفتح الخاتمة والمهملة والألف والنون، أي الملحد، يُقال: داص يديص ديصاناً، أي مالَ وحاد. (1)

(سَأَلَ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ، فَقَالَ لَهُ: أَلَكَ رَبٌّ؟)

أي فاعل مجرّد مدبّر لكلّ ما عداه، ولا مجرّد سواه، كما مضى في ثالث الباب من قوله (عليه السلام): «إذا عجزت حواسّنا عن إدراكه أيقنّا أنّه ربّنا».

(فَقَالَ: بَلى‏)

أي نعم. وإنّما قال «بلى» في جواب السؤال بالإثبات- مع أنّها حرف وضعت لترك النفي- لأنّ السائل يعتقد النفي.

(قَالَ: أَقَادِرٌ هُوَ؟)

أي على‏ كلّ شي‏ء واقع. ومعنى القدرة استجماع العلّة التامّة للفعل، والعلّةِ التامّة للترك.

(قَالَ: نَعَمْ، قَادِرٌ قَاهِرٌ).

إنّما قال هنا «نعم» لأنّ السائل لم يعتقد نفي القدرة عن الربّ بعد فرض تحقّقه.

____________

(1). الصحاح، ج 3، ص 1040؛ القاموس المحيط، ج 2، ص 304 (داص).

57

(قَالَ: يَقْدِرُ أَنْ)

أي على أن.

(يُدْخِلَ)؛

بصيغة المضارع المعلوم من باب الإفعال.

(الدُّنْيَا)؛

مؤنّث الأدنى، أي القربى. والمراد بها السماء السابعة العُليا؛ لأنّها أعلى ممّا في جوفها، وكلّ أعلى أقرب إلى اللَّه تعالى بنوع من المجاز، كما في قوله تعالى في سورة الصافّات: «إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ». (1)

(كُلَّهَا الْبَيْضَةَ).

هي مفعولٌ ثانٍ ل «يدخل» و «البيضة» واحد بيض الطائر، وهو شامل لبيض العصفور والحمام ونحوهما.

(لَا يُكَبِّرُ

(2)

بصيغة المضارع المعلوم للغائب من باب التفعيل، والجملة حال عن فاعل «يدخل» أو للغائبة من باب حسن، والجملة حال عن البيضة، وإن كانت بدون واو الحال ولا ضمير مع اشتراط أحدهما في الجملة الحاليّة إذا كانت مضارعاً منفيّاً، وذلك لأنّ التكرار يقوم مقام الضمير كما في قوله تعالى: «الْحَاقَّةُ* مَا الْحَاقَّةُ». (3)

(الْبَيْضَةَ

(4)

مفعول به ل «يكبّر» أو فاعله.

(وَلَا يُصَغِّرُ

(5)

الدُّنْيَا؟)؛

بصيغة المضارع المعلوم من باب التفعيل، أو باب حسن، وهو عطف انسحاب فيجوز خلوّه عن الضمير وما يقوم مقامه على تقدير كون صاحب الحال «البيضة».

مقصود الديصاني الاستدلال على تجرّد النفس الناطقة الإنسانيّة ليبطل به القاعدة الإسلاميّة، وهي أنّه لا مجرّد سوى اللَّه تعالى، وهذا الاستدلال مأخوذ من كلام أرسطو في كتاب النفس، (6) وحاصله: أنّه لو كان النفس الناطقة جسماً لزم أن لا يعرف جسماً أكبر

____________

(1). الصافّات (37): 6.

(2). في الكافي المطبوع: «تَكْبُرُ».

(3). الحاقّة (69): 1 و 2.

(4). في الكافي المطبوع: «البيضةُ» بالضم.

(5). في الكافي المطبوع: «تَصْغُرُ».

(6). حكاه في الشفاء (الطبيعيات)، ج 2، ص 197؛ المطالب العالية في العلم الإلهي، ج 7، ص 189؛ المباحث‏المشرقية، ج 2، ص 399؛ المحصّل، ص 543؛ معارج الفهم في شرح النظم، ص 544.

58

منها؛ لأنّه يستلزم دخول الأكبر كلّه في حيّز الأصغر بدون تكبير ولا تصغير، وهو محال بالذات؛ وذلك لأنّ إدراك الجسم جسماً لا يتصوّر إلّابمماسّة الأوّل جميع أجزاء الثاني.

(قَالَ هِشَامٌ: النَّظِرَةَ)؛

بفتح النون وكسر المعجمة: التأخير والإمهال؛ أي أطلب منك النظرة.

(فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَنْظَرْتُكَ حَوْلًا)؛

بالفتح، أي سنةً. توهّم أنّه لا يقدر على جوابه أحدٌ.

(ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُ. فَرَكِبَ هِشَامٌ إِلى‏ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ)

أي للدخول عليه.

(فَأَذِنَ لَهُ)؛

بفتح الهمزة أو ضمّها.

(فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ،

(1)

أَتَانِي عَبْدُ اللَّهِ الدَّيَصَانِيُّ بِمَسْأَلَةٍ لَيْسَ الْمُعَوَّلُ)؛

مصدر ميمي من باب التفعيل.

(فِيهَا إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَعَلَيْكَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): عَمَّا ذَا سَأَلَكَ؟ فَقَالَ: قَالَ لِي: كَيْتَ وَكَيْتَ)؛

لفظ محمّد بن إسحاق، كنّى بهما عن الحكاية بتمامها، و «كيت»- بفتح الكاف وسكون الخاتمة وفتح المثنّاة فوق وكسرها وضمّها- لا تستعمل إلّامكرّرة بواو العطف.

(فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): يَا هِشَامُ،

(2)

كَمْ حَوَاسُّكَ؟ قَالَ: خَمْسٌ).

هي: الباصرة، واللامسة، والذائقة، والسامعة، والشامّة.

وظاهر هذا إبطال ما أثبته الفلاسفة من الحواسّ الخمس الباطنة، وزعموا أنّ الحواسّ عشر، (3) ويؤيّده ما يجي‏ء في الآتي من قوله (عليه السلام): «لا يدرك بالحواسّ الخمس».

(قَالَ: أَيُّهَا أَصْغَرُ؟ قَالَ: النَّاظِرُ)

أي الباصرة. والناظر ما في المقلة من السواد الأصغر الذي فيه إنسان العين، وصِغره بالنسبة إلى محلّ اللامسة والذائقة ظاهر، وأمّا بالنسبة إلى محلّ السامعة والشامّة، فإمّا باعتبار أنّ فضاء الصِماخ والمنخر أكبر من الناظر، وهما محلّان لهما في الظاهر، وإمّا باعتبار الحقيقة.

____________

(1). في النسختين:+/ «(صلى الله عليه و آله)».

(2). في النسختين:-/ «يا هشام».

(3). حكاه في شرح المقاصد، ج 2، ص 22؛ الحكمة المتعالية، ج 9، ص 56.

59

(قَالَ: وَكَمْ).

تمييزه محذوف، أي كم ذرعاً.

(قَدْرُ النَّاظِرِ؟ قَالَ: مِثْلُ الْعَدَسَةِ أَوْ أَقَلُّ مِنْهَا).

ويجي‏ء في «كتاب الأطعمة» في ثاني «باب الحمّص» (1) وثالثه أنّ العدس هو الحمّص في لغة أهل الحجاز، وحَبٌّ معروف أصغر من الحمّص في لغة أهل العراق؛ يعني إنّي عارف بأنّه ليس ممّا يقاس بالذرع.

(فَقَالَ لَهُ: يَا هِشَامُ، فَانْظُرْ أَمَامَكَ وَفَوْقَكَ وَأَخْبِرْنِي بِمَا تَرى‏. فَقَالَ:)

أي نظر، فقال:

(أَرى‏ سَمَاءً وَأَرْضاً وَدُوراً)؛

بضمّ المهملة وسكون الواو: جمع «دار».

(وَقُصُوراً)؛

جمع «قصر».

(وَبَرَارِيَ وَجِبَالًا وَأَنْهَاراً. فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): إِنَّ الَّذِي قَدَرَ أَنْ يُدْخِلَ الَّذِي تَرَاهُ الْعَدَسَةَ)

. المراد مثل العدسة.

(أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا قَادِرٌ أَنْ يُدْخِلَ الدُّنْيَا كُلَّهَا الْبَيْضَةَ لَايُصَغِّرُ

(2)

الدُّنْيَا وَلَا يُكَبِّرُ

(3)

الْبَيْضَةُ).

(فَأَكَبَّ هِشَامٌ).

يُقال: كبّه كنصره وأكبّه، أي صرعه لوجهه فأكبّ هو. وهذا من النوادر أن يكون «فَعَلَ» متعدّياً البتّة، و «أفعل» لازماً.

(عَلَيْهِ):

على أبي عبداللَّه (عليه السلام).

(وَقَبَّلَ يَدَيْهِ وَرَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ، وَقَالَ: حَسْبِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، وَانْصَرَفَ إِلى‏ مَنْزِلِهِ).

حسبي- بفتح الحاء وسكون السين المهملتين والموحّدة- مضاف إلى ياء المتكلّم خبر مبتدأ محذوف؛ أي هذا كاف لي، يعني تفطّنت بما أشرتَ إليه، ولا حاجة لي إلى تفصيله.

حاصل الجواب: النقض الإجمالي بحيث يظهر منه الحلّ أيضاً، وتقرير النقض أنّه لو تمّ هذا الاستدلال، لزم أن لا يدرك الناظر جسماً أكبر منه؛ لأنّ الناظر جسم بالاتّفاق، وبطلان اللازم ضروري.

وتقرير الحلّ: أنّ إدراك الناظر جسماً أكبر منه إن كان بدخول الأكبر في حيّز الأصغر

____________

(1). الكافي، ج 6، ص 342، باب الحمّص، ح 2.

(2). في الكافي المطبوع: «تَصْغُرُ».

(3). في الكافي المطبوع: «تَكْبُرُ».

60

باعتقاد الزنادقة، فليكن إدراك النفس الناطقة جسماً أكبر منها كذلك، وإن كان بغير دخولٍ، ظهر منع قولهم: إنّ إدراك الجسم جسماً لا يتصوّر إلّابمماسّة الأوّل لجميع‏ (1) أجزاء الثاني.

(وَغَدَا عَلَيْهِ الدَّيَصَانِيُّ)

أي أتاه بكرةً؛ لِما حدث في نفسه من الاضطراب والخوف من أن يجيب عنه أبو عبداللَّه (عليه السلام)، أو لإظهار التبختر والتعجيز.

والغدوة- بالضمّ-: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والغدوّ نقيض الرواح.

(فَقَالَ لَهُ: يَا هِشَامُ، إِنِّي جِئْتُكَ مُسَلِّماً، وَلَمْ أَجِئْكَ مُتَقَاضِياً لِلْجَوَابِ. فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: إِنْ كُنْتَ جِئْتَ).

زيادة «كنت» لنقل مدخول «إن» عن الاستقبال إلى الماضي.

(مُتَقَاضِياً، فَهَاكَ).

«ها» مقصورةً وممدودةً اسم فعل بمعنى «خذ» وتلحق بها كاف الخطاب.

(الْجَوَابَ)

؛ منصوب على المفعوليّة.

(فَخَرَجَ الدَّيَصَانِيُّ عَنْهُ)

بعد سماع الجواب.

(حَتّى‏ أَتى‏ بَابَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)

لِما عرف من أنّ الجواب من عنده (عليه السلام).

(فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا قَعَدَ، قَالَ لَهُ: يَا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، دُلَّنِي عَلى‏ مَعْبُودِي)

أي على ما تزعم أنّه يجب عليَّ عبادتهُ، وهو المحدث للعالم المثبت.

(فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): مَا اسْمُكَ؟)

. إيناس له بالإصغاء إلى الدليل، وإشارة إلى أنّ العلم بالصانع مركوز في كلّ ذهن عاقل، وكلّ واحدٍ منهم ملهم بالنظر في برهان يفضي به إلى علم، وإنّما إنكار الجاحد له باللسان دون الجنان.

(فَخَرَجَ عَنْهُ، وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِاسْمِهِ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: كَيْفَ؟)

(2)

؛

أي لِمَ لم تخبره باسمك؟

(قَالَ: لَوْ كُنْتُ قُلْتُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ، كَانَ يَقُولُ: مَنْ هذَا الَّذِي أَنْتَ لَهُ عَبْدٌ؟ فَقَالُوا لَهُ: عُدْ إِلَيْهِ، وَقُلْ لَهُ: يَدُلُّكَ عَلى‏ مَعْبُودِكَ، وَلَا يَسْأَلُكَ عَنِ اسْمِكَ فَرَجَعَ إِلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ: يَا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، دُلَّنِي عَلى‏ مَعْبُودِي، وَلَا تَسْأَلْنِي عَنِ اسْمِي، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «اجْلِسْ» وَإِذَا)؛

____________

(1). في «ج»: «جميع».

(2). في الكافي المطبوع:+/ «لَم تُخْبِرْه بِاسْمِكَ؟».

61

للمفاجأة.

(غُلَامٌ)؛

مبتدأ.

(لَهُ)؛

صفة للمبتدأ.

(صَغِيرٌ)؛

صفة اخرى‏.

(فِي كَفِّهِ بَيْضَةٌ يَلْعَبُ بِهَا)؛

الجملة خبر المبتدأ.

(فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): نَاوِلْنِي يَا غُلَامُ الْبَيْضَةَ، فَنَاوَلَهُ إِيَّاهَا. فَقَالَ‏

(1)

أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): يَا دَيَصَانِيُّ، هذَا حِصْنٌ).

الحصن- بكسر الحاء وسكون الصاد- في الأصل كلّ موضع له سور مع سوره.

(مَكْنُونٌ)

أي مستور من جميع الجهات ليس له باب أصلًا؛ لئلّا يخرج منه مصلح ولا يدخل فيه مُفسد.

(لَهُ جِلْدٌ غَلِيظٌ)

لئلّا ينكسر بأدنى شي‏ء، وليس غلظته بحيث لا ينكسر في وقت الانفلاق لخروج الفرخ.

(وَتَحْتَ الْجِلْدِ الْغَلِيظِ جِلْدٌ رَقِيقٌ)

لئلّا يتحرّك ما فيه بشدّة تحريك البيضة، فلا يتشوّش ولا يختلط الماءآن غالباً.

(وَتَحْتَ الْجِلْدِ الرَّقِيقِ ذَهَبَةٌ مَائِعَةٌ)

فهي متشابهة الأجزاء.

(وَفِضَّةٌ ذَائِبَةٌ)

فهي أيضاً متشابهة الأجزاء، الميع والذوب واحد، وهو خلاف الانجماد، إلّاأنّ الذائب أرقّ وأسرع سيلاناً.

(فَلَا).

الفاء للتفريع على ما قبله؛ لاشتماله على ذكر الجلد الرقيق وكون الذهبة أغلظ من الفضّة. أو للتعقيب والتعجّب باعتبار اشتمال ما قبله على المَيْع والذوب، والتعجّب في «ثمّ» يكون أكثر منه في الفاء.

(الذَّهَبَةُ الْمَائِعَةُ تَخْتَلِطُ بِالْفِضَّةِ الذَّائِبَةِ)

بأن يتحرّك شي‏ء من الفضّة إلى مكان الذهبة. (2)

(وَلَا الفِضَّةُ الذَّائِبَةُ تَخْتَلِطُ بِالذَّهَبَةِ الْمَائِعَةِ)

بأن يتحرّك شي‏ء من الفضّة إلى مكان الذهبة.

(فَهِيَ عَلى‏ حَالِهَا)

أي الحصن. والتأنيث باعتبار البيضة، والفاء للتفريع على ما قبلها باعتبار اشتمالها على ذكر الكِنّ والجلدين.

____________

(1). في الكافي المطبوع:+/ «له».

(2). في «ج»: «الذهبة إلى مكان الفضة» بدل من «الفضّة إلى مكان الذهبة».

62

والمراد بحالها الحال اللائقة بها، الدالّة على حكمة فاعلها بقول: «كُن».

(لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا خَارِجٌ مُصْلِحٌ؛ فَيُخْبَرُ عَنْ صَلَاحِهَا، وَ لم يَدْخُلْ‏

(1)

دَخَلَ فِيهَا مُفْسِدٌ؛ فَيُخْبَرَ عَنْ فَسَادِهَا)

. استئناف بياني لقوله: «فهي على حالها». والمراد أنّها غير فاقدة لشي‏ء مصلح لها؛ أي شي‏ء رُوعي فيه الحكمة، ولم تشتمل على مفسد؛ أي شي‏ء هو خلاف مقتضى الحكمة.

وقوله: «فيخبر عن صلاحها» تفريع على النفي، فهو مرفوع مثل: لم يخرج من قلب زيد شرط للإيمان فيدخلُ الجنّة. والفعل بصيغة المجهول من باب الإفعال، والظرف نائب الفاعل. والمراد أنّ كلّ عاقل يخبر عن أنّها مشتملة على جميع ما ينبغي لها من المصالح.

وقوله: «فيخبر عن فسادها» تفريع على المنفيّ، فهو منصوب، مثل: لم يدخل في قلب زيد مناف للإيمان فيدخلَ النار. والفعل هنا أيضاً بصيغة المجهول من باب الإفعال، والظرف نائب الفاعل. والمراد أنّه لا يخبر عاقل عن أنّها مشتملة على شي‏ء لا يوافق حكمة فاعلها.

(لَا يُدْرى‏ ألِلذَّكَرِ

(2)

خُلِقَتْ أَمْ لِلْأُنْثى‏)،

لتشابهها وتشابه جزءيها.

(وَ

(3)

تَنْفَلِقُ عَنْ مِثْلِ أَلْوَانِ الطَّوَاوِيسِ)؛

جمع طاووس: طائرٌ معروف ذو ألوان عجيبة.

(أَتَرى‏ لَهَا مُدَبِّراً؟).

الاستفهام تقريري؛ أي معلوم ضرورةَ أنّ هذه الاختلافاتِ في الكيف، الحاصلةَ في أجزاء منّي الديكة والدجاجة حين كونه حصناً، وحين كونه مثل الطواويس ليس من طبع المنّي، ولا من غيره ممّا لا علم له، كيف لا وقد رُوعي فيما نحن فيه جميع تلك الحِكَم والمصالح، وأنّه على تقدير القول بالمدبّر ليس مدبّرها الدجاجةَ الموكّلة بها، ولا الإنسانَ، ولا نحوَ ذلك من المباشرين، بل مدبّرها من ليس له في تدبيره آلة ومباشرة وفعل علاجي، فيستحيل عليه النقض بديهةً، ويكون قادراً على كلّ ممكن؛ لأنّ التعذّر نقص، فيكون كلّ جزء من العالم حادثاً؛ لأنّ القديم غير مقدور كما مرّ في شرح عنوان الباب.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «ولا دَخَلَ».

(2). في الكافي المطبوع: «للذكر».

(3). في الكافي المطبوع:-/ «و».

63

(فَأَطْرَقَ مَلِيّاً)؛

بفتح الميم وكسر اللام وتشديد الخاتمة؛ أي طويلًا من الزمان ليتفكّر في الشقوق، ويتعرّف الحقّ.

(ثُمَّ)

بعد مدّة

(قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَاإِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَاشَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ

(1)

أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ‏ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ إِمَامٌ وَحُجَّةٌ

(2)

مِنَ اللَّهِ عَلى‏ خَلْقِهِ)

. عرف ذلك من مباحثاته قبل ذلك مع العلماء المنتسبين إلى الإسلام والفرق بين أجوبتهم وجوابه (عليه السلام).

(وَأَنَا تَائِبٌ مِمَّا كُنْتُ فِيهِ)

من الزندقة.

الخامس:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِّ)؛

بضمّ الفاء وفتح القاف وسكون الخاتمة نسبة إلى فقيم دارم، والنسبة إلى فقيم كنانة- الذين هم نسَأة الشهور (3) في الجاهليّة- فُقَمي بحذف الخاتمة. (4)

(عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ فِي حَدِيثِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي أَتى‏ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)

) قوله: (

وَكَانَ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام):

) لفظُ هشام؛ كأنّ الزنديق قال قبل بيان حدوث العالم وإثبات المحدث: لو كان للعالم محدِث مثبتِ جاز كون المحدث المثبت له اثنين.

فاستدلّ (عليه السلام) على نفيه بثلاثة أدلّة: النظر في أوّلها: في قدرة المحدث، وفي ثانيها: في علمه، وفي ثالثها: في إرادته.

الدليل الأوّل:

(لَا يَخْلُو قَوْلُكَ: «إِنَّهُمَا اثْنَانِ» مِنْ أَنْ يَكُونَا قَدِيمَيْنِ).

حاصله أنّ المحدث المثبت للعالم يستحيل بديهةً أن يكون ناقصاً، والاثنينيّة فيه يستلزم النقص؛ لأنّه لو كانا اثنين فلا شكّ أنّ كلّاً منهما قديم؛ لأنّ الاحتياج في الوجود إلى الغير أصل كلّ نقص، فلم يكن‏

____________

(1). في الكافي المطبوع:-/ «أشهد».

(2). في النسختين: «حجّة» بدون الواو.

(3). قال الجوهرى: «ورجل ناسئ وقوم نسأة، مثل: فاسق وفسقة، وذلك أنّهم كانوا إذا صدروا عن منى يقوم رجل من كنانة فيقول: أنا الذي لا يردّ لي قضاء، فيقولون: أنسئنا شهر، أي آخرّ عنّا حرمة المحرم واجعلها في صفر؛ لأنّهم كانوا يكرهون أن تتوالى عليهم ثلاثة أشهر لا يغيّرون فيها؛ لأنّ معاشهم كان من الغارة فيحلّ لهم المحرم». الصحاح، ج 1، ص 77 (نسأ).

(4). القاموس المحيط، ج 4، ص 160؛ تاج العروس، ج 17، ص 543 (فقم).

64

أحد الشريكين من محدَثات الآخر. وهذا إشارة إلى إبطال مذهب المجوس في الاثنينيّة، وهو أنّ صانع الخيرات بلا آلة «يزدان» وهو اللَّه تعالى، وصانع الشرور بلا آلة «أهرَمَنْ» وهو الشيطان. وأهرمن من محدثات يزدان، وكلّ منهما مستقلّ في القدرة على فعله. (1)

وحينئذٍ نقول: لا يخلو هذان القديمان من أن يكونا:

(قَوِيَّيْنِ)

أي مستقلّين بالقدرة على كلّ ممكن في نفسه، سواء كان موافقاً للمصلحة أم مخالفاً.

(أَوْ يَكُونَا ضَعِيفَيْنِ)

ولو في ممكن من الممكنات، أي غير مستقلّين بالقدرة على ممكنٍ مّا في نفسه.

(أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَوِيّاً)

على كلّ ممكن في نفسه‏

(وَالْآخَرُ ضَعِيفاً)

في ممكن من الممكنات.

(فَإِنْ كَانَا قَوِيَّيْنِ، فَلِمَ لَايَدْفَعُ)

. الاستفهام للإنكار، أي يدفع البتّة

(كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ)

عن الشركة

(وَيَتَفَرَّدَ بِالتَّدْبِيرِ؟).

لأنّ كون كلّ منهما قويّاً في مقدور واحد مشتملٌ على التدافع، أي التنافي، فضلًا عن كون كلّ منهما قويّاً في كلّ ممكن؛ لأنّ معنى القوّة والقدرة بالاستقلال كون شخص بحيث لو أراد أيّ مقدور به من فعل وترك، لم يقدر غيره على منافي مراده، فقوّة كلّ منهما في كلّ ممكن مستلزمة لضعف الآخر في كلّ ممكن، وأن لا يصدر عن الآخر ممكن إلّابتمكين الأوّل إيّاه وعدم إرادته ضدّه، وهذا تفرّد بالتدبير في كلّ ممكن.

ويحتمل أن يُراد بدفع كلّ منهما صاحبَه دفعُه عن القوّة، أو عن إرادته ضدّ مراد الأوّل. ومآل الكلّ واحد.

وفي هذا إشارة إلى إبطال مذهب المجوس مرّةً اخرى، وإلى إبطال مذهب أشباه المجوس من هذه الامّة، وهم المعتزلة القائلون باستقلال العبد في قدرته على‏

____________

(1). مجمع البيان، ج 4، ص 125؛ معارج الفهم، ص 379؛ المواقف، ج 3، ص 65؛ شرح المواقف، ج 8، ص 44؛ نقد المحصّل، ص 131 (طبع مصر)؛ تفسير الرازي، ج 13، ص 113.

65

فعله الاختياري. (1)

وإنّما التزموا ذلك لحكمهم بتقدّم قدرة العبد على وقت الفعل والترك، والقدرة لا يمكن تحقّقها إلّامع استجماع العلّة التامّة حقيقةً أو حكماً؛ وهو أن يكون ما لم يوجد بعدُ من المقدورات منها باختياره. وسيجي‏ء تفصيل المبحث في أوّل «باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين» وثاني «باب الاستطاعة».

(وَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَوِيٌّ)

أي على كلّ ممكن في نفسه‏

(وَالْآخَرَ ضَعِيفٌ)

أي في ممكن ما.

(ثَبَتَ أَنَّهُ)

أي المحدث المثبت للعالم‏

(وَاحِدٌ كَمَا نَقُولُ؛ لِلْعَجْزِ الظَّاهِرِ فِي الثَّانِي)

.

يعني أنّ الضعف- وإن كان مجامعاً لأصل القدرة- مستلزم للعجز عن ممكن ما في نفسه استلزاماً ظاهراً؛ لأنّ القادر على فعلٍ الضعيفَ فيه عاجزٌ عن عدم ضدّه في وقته، أي هو باختيار غيره؛ إن شاء فعل الضدّ وأخرجه عن أصل القدرة، وإن شاء لم يفعل ويكون قادراً حينئذٍ. وظاهر أنّ العجز نقص، وبطلان الشقّ الثالث مستلزم لبطلان الشقّ الثاني بطريقٍ أولى، ولذا لم يذكره.

الدليل الثاني:

(وَإِنْ‏

(2)

قُلْتَ: إِنَّهُمَا اثْنَانِ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَا مُتَّفِقَيْنِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ)

أي أن يكون كلّ منهما محدثاً لكلّ ما أحدثه الآخر. وبطلان هذا ظاهر؛ لأنّ تعلّق إيجادين بموجود واحد شخصي بسيط بديهيُّ الاستحالة، ولذا لم يتعرّض لإبطاله.

(أَوْ مُفْتَرِقَيْنِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ)

أي أن لا يكون واحد منهما محدثاً لشي‏ء ممّا أحدثه الآخر أصلًا.

ولم يتعرّض لشقّ ثالث هو أن يكونا متّفقين من جهة ومفترقين من جهة؛ لأنّه‏

____________

(1). شرح الاصول الخمسة، ص 390. وحكاه السيّد المرتضى في الذخيرة في علم الكلام،، ص 88؛ وشرح جمل العلم والعمل، ص 97؛ والشيخ الطوسي في الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد، ص 104؛ والعلّامة في معارج الفهم في شرح النظم، ص 262.

(2). في الكافي المطبوع: «فإن».

66

شريك للأوّل في المفسدة، وللثاني أيضاً.

(فَلَمَّا رَأَيْنَا)

. هذا لإبطال الشقّ الثاني.

(الْخَلْقَ)؛

مصدر بمعنى المفعول، أي العالم، وهو الأجسام وصفاتها التي ليست باختيارنا.

(مُنْتَظِماً، وَالْفُلْكَ‏

(1)

بالضمّ: السفينة. (2)

(جَارِياً، وَالتَّدْبِيرَ وَاحِداً، وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)

أي مجي‏ء كلّ منهما خلف الآخر وزيادته ونقصانه.

(وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، دَلَّ صِحَّةُ الْأَمْرِ وَالتَّدْبِيرِ، وَائْتِلَافُ)؛

بالرفع عطف على «صحّة».

(الْأَمْرِ عَلى‏)؛

صلة «دلّ».

(أَنَّ الْمُدَبِّرَ)

أي المحدث للعالم بتدبير

(وَاحِدٌ).

توضيحه: أنّ هذا الشقّ يستلزم أن يكون كلّ منهما جاهلًا بما يفعله الآخر، وبما يتركه، فيكون وجود كلّ جزء من العالم اتّفاقيّاً لم يراع فاعله في فعله إيّاه حكمةً أصلًا، وهذا يؤدّي إلى أن لا يكون النظام المشاهد منتظماً؛ لأنّه لولاه فإمّا أن يكون كلّ منهما عالماً حين فعله شيئاً من النظام المشاهد بأنّه لو تركه لفعله الآخر، لحكمة كلّ منهما، وإمّا أن يكون عالماً بأنّه لو تركه لتركه الآخر أيضاً.

وهما باطلان:

أمّا الأوّل فلأنّ إحداث أحدهما ذلك المعلول عبث حينئذٍ؛ لأنّ كلّاً منهما مستقلّ بالقدرة، وإنّما يفعل للحكمة لا لنفع راجع إليه، فإحداث أحدهما ذلك المعلول ليس أولى بوجه من تركه إيّاه مع إحداث الآخر إيّاه.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «والفَلَكَ». وفي حاشية «أ»: «الفُلك- بضمّ فاء وسكون لام-: كشتى، واينجا استعاره شده براى معاش آدميان وسائر حيوانات، بنابر تشبيه دنيا به دريا».

(2). في حاشية «أ»: «صحّ اتّصاف الفلك بالجاري بدون التاء، كما اتّصف بالمشحون في قوله تعالى في سورة الشعراء: «فَأَنْجَيْناهُ وَ مَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ» قال الطبرسي رحمه الله في مجمعه: فخلّصناه ومن معه في السفينة المملوّة من الناس وغيرهم من الحيوانات».

67

وأمّا الثاني فلأنّه يكون ترك الآخر له مع ترك الأوّل قبيحاً وخلاف الحكمة، فيستلزم علم كلّ منهما بنقص في الآخر.

الدليل الثالث:

(ثُمَّ يَلْزَمُكَ)؛

بفتح الخاتمة من باب علم. وإنّما زاد هذا ولم يقل: «وإن ادّعيت اثنين فلابدّ من فرجة» إلى آخره، إشارةً إلى أنّ هذا الدليل شريك مع الدليل الثاني في الشقّين، وإنّما الفرق في إبطال الشقّ الثاني منه بدليل آخر، فهو معطوف بالمعنى على قوله:

«فلمّا رأينا الخلق» إلى آخره.

(إِنِ ادَّعَيْتَ)؛

بكسر الهمز شرطيّة، أو بفتحها مصدريّة، والمصدر نائب ظرف الزمان؛ أي حين ادّعيت، أو بتقدير اللام، أي لأن ادّعيت.

(اثْنَيْنِ)

مفترقين من كلّ جهة.

(فُرْجَةٌ)؛

بالضمّ فاعل «يلزمك»، وأصلها الشقّ بين أجزاء الحائط. والمراد هنا ثالث يعيّن بعض أجزاء العالم لواحدٍ منهما، وبعضاً آخر من أجزاء العالم للآخَر منهما، تشبيهاً لهما بجسمين بينهما جسم.

(مَّا)؛

للإيهام. (1)

(بَيْنَهُمَا حَتّى‏ يَكُونَا)

أي المدبّران.

(اثْنَيْنِ)؛

لامتناع الإرادة والترجيح من جهة الأوّلين، فإنّ كلّاً منهما مستقلّ بالقدرة، غنيّ من كلّ جهة، إنّما يريد شيئاً للحكمة لا لنفع راجع إليه، فلو لم يكن فرجة كان فعله هذا لبعض دون البعض الآخر ترجيحاً بلا مرجّح، نظير ما فرضوه في نحو: رغيفي الجائع.

(فَصَارَتِ الْفُرْجَةُ ثَالِثاً بَيْنَهُمَا، قَدِيماً مَعَهُمَا، فَيَلْزَمُكَ)

بالخاتمة

(ثَلَاثَةٌ)؛

بالرفع، أي فيلزم خلاف الفرض، وهو أن يكون المدبّر ثلاثة، لأنّه لو لم يكن التعيين والتمييز صادراً عن الثالث على سبيل التدبير، كان على سبيل الإيجاب، كالتأثيرات الطبيعيّة عندهم؛ فيلزم أن لا يكون أحدهما قادراً أصلًا؛ لأنّ أثر الطبيعة لو أمكن تحقّقه وجب‏

____________

(1). في «ج» قد تقرأ: «للإبهام».

68

بوجوب سابق، وإلّا لم يوجد. وأيضاً يلزم أن يكون الثالث ناقصاً ومن أجزاء العالم، وهذا باطل؛ لأنّه كالحاكم على الأوّلين، فهو أولى بأن يكون مدبّراً للعالم منهما.

(فَإِنِ ادَّعَيْتَ)

أي بعد لزوم الثالث‏

(ثَلَاثَةً، لَزِمَكَ مَا قُلْتُ فِي الِاثْنَيْنِ)؛

أي ثمّ ننقل الكلام إلى الثلاثة، فنقول: لابدّ من الفرجة بينهم حتّى يكونوا ثلاثة.

(حَتّى‏ يَكُونَ بَيْنَهُمْ فُرْجَتَانِ‏

(1)

)

أي فلابدّ من فرجتين بينهم إحداهما لتمييز أثر أوّلهم عن ثانيهم، (2) والاخرى لتمييز أثر ثانيهم عن ثالثهم. (3)

(فَيَكُونُوا خَمْسَةً)

أي فيلزم خلاف الفرض. وإنّما لم يكتف (عليه السلام) بعد نقل الكلام إلى الثلاثة بالاحتياج إلى فرجة واحدة للتمييزين حتّى يكون المجموع أربعة لا خمسة، وإن كان المطلوب- وهو لزوم خلاف الفرض والإفضاء إلى التسلسل- حاصلًا به أيضاً؛ تشبيهاً لهم بالأجسام المترتّبة وضعاً؛ أو لأنّ هناك ثلاثةَ تمييزات، وتخصيصُ واحد منها بمميّز كما هو اللازم أوّلًا، وإشراك اثنين منها بواحد مع اتّحاد النسبة تحكّم.

(ثُمَّ يَتَنَاهى‏)

أي يبلغ‏

(فِي الْعَدَدِ إِلى‏ مَا لَانِهَايَةَ لَهُ فِي الْكَثْرَةِ)

أي ثمّ ننقل الكلام إلى الخمسة وهكذا، ويلزم خلاف الفرض في كلّ مرتبة، ويلزم التسلسل أيضاً. هذه هي الأدلّة الثلاثة على نفي الشريك له تعالى في صنع العالم. (4)

____________

(1). في الكافي المطبوع: «حتّى تكون بينهم فرجة».

(2). في حاشية «أ»: «وهو الفرجة المذكورة سابقاً».

(3). في حاشية «أ»: «وأمّا تمييز أثر أوّلهم عن ثالثهم فهو فعل ثانيهم».

(4). في حاشية «أ»: «وأما الردّ على الثنوية من الكتاب فقوله عزّوجلّ: «مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ» فأخبر اللَّه تعالى أن لو كان معه آلهة لا نفرد كلّ منهم بخلقه، ولأبطل كلّ منهم فعل الآخر، وحاول منازعته فأبطل تعالى إثبات إلهين خلاقين بالممانعة وغيرها، ولو كان ذلك لثبت الاختلاف وطلب كلّ إله أن يعلو على صاحبه، فإذا شاء أحدهم أن يخلق إنساناً وشاء الآخر أن يخلق بهيمة اختلفا وتباينا في حال واحد، واضطرّهما ذلك إلى التضادّ والاختلاف والفساد، وكلّ ذلك معدوم، فإذا بطلت هذه الحال كذلك ثبتت الوحدانيّة بكون التدبير واحداً والخلق متّفقاً غير متفاوت، والنظام مستقيماً. وأبان سبحانه لأجل هذه المقالة ومن قاربهم إلى أنّ الخلق لا يصلحون إلّابصانع واحد، فقال: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» ثم نزّه نفسه فقال: «سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ»* فالدليل على أنّ الصانع واحد، حكمة التدبير وبيان التقدير. رسالة المحكم والمتشابه لعلم الهدى (رحمه اللَّه)».

69

واعلم أنّ المشهور أنّ قوله تعالى في سورة الأنبياء: «أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ* لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» (1)، وقوله تعالى في سورة المؤمنين: «مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ» (2) لنفي الشريك في صنع العالم، وذلك بإرجاع قوله: «لفسدتا» وقوله: «لذهب» إلى الدليل الثاني، وإرجاع قوله: «ولعلا» إلى الدليل الأوّل.

وهو ممنوع؛ لاحتمال‏ (3) كون الآيتين كقوله تعالى في سورة التوبة: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» (4) نفياً للشريك في الحكم في امور الدِّين، ونهياً عن الاختلاف فيها، (5) بأن يُراد بالإله من يحكم فيها من عند نفسه، ويُتَّبعُ بدون إجازة الأعلى منه، وبالفساد ما يترتّب على الاختلاف فيها، وبالولد من يحكم فيها من عند نفسه مع الإجازة، وبالذهاب بما خلق الفرحُ به، كقوله تعالى في سورة المؤمنين: «كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» (6)، وبالخَلَق الكذبُ، وبالعلوّ الاستعلاء، كقوله تعالى في سورة القَصَص:

«تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (7).

(قَالَ هِشَامٌ: فَكَانَ مِنْ سُؤَالِ الزِّنْدِيقِ أَنْ قَالَ: فَمَا الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؟)

يعني ثبت أنّه لو كان للعالم محدثِ مثبِت لكان واحداً، ولكن ما الدليل على أصل وجوده؟

____________

(1). الأنبياء (21): 21- 22.

(2). المؤمنون (23): 91.

(3). في حاشية «أ»: «قوله (قدّس سرّه): (لاحتمال) إلى آخره. هذا الاحتمال موافق لما ذكره في توضيح خطبة عند قوله: وجعل بقاء أهل الصحّة والسلامة بالأدب والتعليم؛ فتذكر. (مهدي)».

(4). التوبة (9): 31.

(5). في حاشية «أ»: «في ثاني السادس والثلاثين من كتاب التوحيد لابن بابويه عن هشام بن الحكم قال: قلت لأبى‏عبد اللَّه (عليه السلام): ما الدليل على أنّ اللَّه واحد. قال: اتّصال التدبير وتمام الصنع، كما قال عزّوجلّ: «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا» ولا يبعد حمله على ما ذكره الشارح- أيّده اللَّه- بأن يكون المراد أنّ اتصال التدبير وتمام الصنع يدلّ على وحدة الحاكم المستحقّ للعبادة، ويؤيّده أنّ السائل إنّما سأل عن دليل وحدة المستحقّ للعبادة، لا عن دليل وحدة صانع العالم». التوحيد، ص 250 باب (36) الردّ على الثنوية والزنادقة، ح 2.

(6). المؤمنون (23): 53.

(7). القصص (28): 83.

70

(فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): وُجُودُ)

؛ مصدر «وجده»: إذا أدركه، وهو خبر مبتدأ محذوف، أي الدليل وجود؛ أو مبتدأ.

(الْأَفَاعِيلِ)؛

جمع افعولة، (1) وهي الفعل العجيب؛ تقول: إنّ الرُشا تفعل الأفاعيل وتنسئ إبراهيم وإسماعيل؛ أي الأعاجيب. (2)

والمراد بها كلّ ما فيه الحكمة من العالم، فلا يمكن أن يكون بلا فاعل، ولا أن يكون فاعله بلا تدبير ككون الجبال أوتاداً؛ أي لئلّا يتحرّك الأرض التي جعل مركز ثقلها في وسطها؛ إمّا تقديراً، وذلك إن كانت الأرض كقطعة من وجه كرة، كما هو ظاهر الخطابات الشرعيّة كدحو الأرض‏ (3) ومدّها وفرشها؛ (4) وإمّا تحقيقاً، وذلك إن كانت كرةً تامّة مصمتة، كما زعمه الفلاسفة (5) بالأمواج والعواصف‏ (6) حركة وضعيّة هي الزلزلة، وذلك بجعل الجبال صخوراً لا تتفتّت بالرياح، وجعلها أوتاداً للأرض مغروزة في الهواء الذي فيه معاوقة في الجملة، وفي الماء الذي فيه معاوقة أكثر، فتجبر تلك المعاوقة باعتبار كثرة الجبال جدّاً ما كاد (7) أن يحصل من الزلزلة بالرياح والأمواج، فإنّ زلزلة الأرض بجميعها تحتاج حينئذٍ إلى خرق هواء كثير وماء كثير جدّاً، وإذا نسف اللَّه الجبال نسفاً (8) وقع زلزلة الساعةَ، وكخلق الهواء المعاوق في الجملة في الجوّ، (9) فإنّه لو

____________

(1). في تاج العروس: «افعول».

(2). تاج العروس، ج 15، ص 585 (فعل).

(3). دحا اللَّه الأرض بدحوها ويدحاها دحواً: بسطها. القاموس المحيط، ج 4، ص 327 (دحا).

(4). كما في سورة النازعات (79): 30، وسورة الحجر (15): 19، وسورة ق (50): 7، وسورة الذاريات (51): 48.

(5). المواقف، ج 2، ص 437؛ الحكمة المتعالية، ج 5، ص 169؛ المبدأ والمعاد، ص 497؛ بحار الأنوار، ج 56، ص 389.

(6). عصفت الريح تعصف: اشتدّت. وفي يوم عاصف، أي تعصف فيه الريح؛ فاعل بمعنى مفعول. القاموس المحيط، ج 3، ص 176 (عصف).

(7). في حاشية «أ»: «مفعول: تجبر».

(8). نسف البناء ينسفه: قلعه من أصله. والجبال: دكّها وذرأها. القاموس المحيط، ج 3، ص 199 (نسف).

(9). في حاشية «أ»: «الجوّ على ما في القاموس داخل البيت، والمراد هنا بين السماء والأرض».

71

كان خالياً لم يكن للطير طيران في الجوّ لا بصفٍ‏ (1) ولا بقبضٍ، فما يمسكهنّ إلّا الرحمن، وكخلق الإنسان وأعضائه وعروقه وأحشائه وعضلاته وآلات القبض والبسط ونحو ذلك ممّا لا يتأتّى من شي‏ء غير ذي علمٍ وحكمة.

ويحتمل أن يُراد بالأفاعيل الحوادث التي يعلم كلّ ناظر فيها أنّها ليست بسبب من الطبائع؛ لكمال ظهور أمرها كتصريف الرياح العواصف، وتسخير السُّحب الثقال القواصف‏ (2) ونحو ذلك، سواء علم الحكمة فيه، أم لا.

ويحتمل أن يُراد بالأفاعيل كلّ حادثٍ من حوادث العالم. ويرجع الدليل إلى ما حرّرناه في الدليل الثاني من أوّل الباب.

(دَلَّتْ).

(3)

ا

ستئناف بياني للجملة السابقة، أو خبر «وجود» والتأنيث باعتبار المضاف إليه.

(عَلى‏ أَنَّ صَانِعاً)

أي صانعاً عظيماً، وهو ما لا يكون فعله بآلة ومباشرة وفعل علاجي، ولا يمكن فيه نقص.

(صَنَعَهَا، أَلَا تَرى‏ أَنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلى‏ بَنَاءٍ

(4)

بفتح الموحّدة والنون والمدّ مصدر استعمل في المفعول، أي ما بني كقصر وبيت.

(مَشِيدٍ

(5)

بفتح الميم وكسر المعجمة وسكون الخاتمة، أو بضمّ الميم وفتح المعجمة وتشديد الخاتمة المفتوحة. والشيد بالكسر: كلّ شي‏ء طليتَ به الحائط من جصّ أو ملاط. وبالفتح المصدر تقول: شاده يشيده شيداً، أي جصَّصَه. والمشيد:

المعمول بالشيد كقوله تعالى: «وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ» (6)، و المُشَيَّد بالتشديد: المطوّل‏ (7) كقوله‏

____________

(1). الصفّ: أن يبسط الطائر جناحيه. القاموس المحيط، ج 3، ص 162 (صفف).

(2). قصف الرعد وغيره قصيفا: اشتدّ صوته. القاموس، ج 3، ص 185 (قصف).

(3). في حاشية «أ»: «في كتاب التوحيد: (وجود الأفاعيل التي دلّت) فوجود خبر مبتدأ محذوف و دلّت صلة التي».

(4). في الكافي المطبوع: «بناء» بكسر الباء.

(5). في الكافي المطبوع: «مشيّد».

(6). الحج (22): 45.

(7). غريب الحديث لابن سلام، ج 2، ص 73؛ الصحاح، ج 2، ص 495؛ لسان العرب، ج 3، ص 244 (شيد).

72

تعالى: «فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ». (1)

(مَبْنِيٍّ)

أي مرعيّ في بنائه المصالحُ من التناظر بين أجزائه وأبوابه ونحو ذلك.

(عَلِمْتَ أَنَّ لَهُ بَانِياً)

أي علمت أنّه ليس من فعل غير ذي علمٍ كالطبيعة، وأنّ له بانياً ماهراً في البناء.

(وَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَرَ الْبَانِيَ وَلَمْ تُشَاهِدْهُ؟)

. المشاهدة: المعاينة، وهي الرؤية المتكرّرة؛ أي لم تشاهد بناءه المبنيّ. (2)

(قَالَ: فَمَا هُوَ؟)

. سؤال عن حقيقته.

(قَالَ: شَيْ‏ءٌ)

أي كائن في نفسه في الخارج.

(بِخِلَافِ الْأَشْيَاءِ)

أي لا يعرف بحقيقته، إنّما يُعرف بنعوته؛ لأنّه خلاف الأشياء.

وحاصل الدليل ما يجي‏ء في أوّل الباب الثاني‏ (3) في شرح قوله: «وكيف تدركه الأوهام وهو خلاف ما يعقل» إلى آخره. ونظيره قوله تعالى حكايةً عن فرعون وموسى‏ قال:

«وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ* قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ... قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ» (4)؛ لتوهّمه أنّ الجواب غير مطابق للسؤال، ومعنى المخالفة لها أن لا يكون بينهما مشترك ذاتي، وهو ما يفهم من قوله: «غير أنّه» إلى آخره.

(أَرْجِعْ)؛

بصيغة المتكلّم وحده، أي أقصد.

(بِقَوْلِي)

أي بشي‏ء بخلاف الأشياء.

(إِلى‏ إِثْبَاتِ مَعْنىً)

أي كائن في الخارج في نفسه.

(وَأَنَّهُ)

أي وإلى أنّ ذلك المعنى وهو كالتفسير لقوله: «معنى».

(شَيْ‏ءٌ بِحَقِيقَةِ الشَّيْئِيَّةِ).

إلى هنا مرجع قوله: «شي‏ء» وما بعده مرجع قوله: «بخلاف‏

____________

(1). النساء (4): 78.

(2). في حاشية «أ»: «مفعول له لبنائه».

(3). أي الحديث 2 من باب إطلاق القول بأنّه شي‏ء.

(4). الشعراء (26): 23- 27.

73

الأشياء».

والمراد «بحقيقة الشيئيّة» أن يكون له مائيّةٌ وإنّيّة متغايران حقيقةً، أي أن لا يكون نفس الإنّيّة؛ لأنّها أمر اعتباري معدوم في الخارج لا يمكن أن يقوم بنفسه. (1)

فهذا ردّ للقول بأنّه تعالى وجود قائم بنفسه قياماً مجازيّاً بمعنى عدم القيام بالغير.

ويحتمل أن يكون المراد بحقيقة الشيئيّة ما وضع له لفظ الشيئيّة في اللغة، وهو الذي يفهمه كلّ من عرف اللغة من الصبيان وغيرهم؛ إذ ليس حقيقة الشيئيّة وراء هذا المفهوم لكلّ أحد، وهو ثبوت الوجود لغيره.

فهذا ردّ للقول بأنّ لفظ «الشي‏ء» و «الموجود» فيه تعالى مجاز، (2) وللقول بأنّ ما نفهمه من لفظ «الشيئيّة» و «الوجود» عرضي للأفراد، وحقيقة الشيئيّة والوجود أمرٌ آخر هو عين ذاته تعالى. (3) وسيجي‏ء تفصيل إبطاله في سادس الباب الثاني. (4)

(غَيْرَ)؛

بالنصب أو الفتح للاستثناء المنقطع، استدراك عمّا قبله لدفع ما تتسارع الأذهان العامّيّة (5) إليه بسبب إطلاق لفظ «شي‏ء» عليه من التشبيه.

(أَنَّهُ)؛

بالفتح والتشديد، والضمير للَّه.

(لَا جِسْمٌ)؛

مرفوع على خبريّة «أنّ» و «لا» للنفي مهملة. والمراد بالجسم هذا الطويل العريض العميق، لا من حيث يلاحظ له شكل حسن، ولا لطافة وصفاء؛ فإنّه من حيث الشكل يسمّى «صورة» ومن حيث اللطافة والصفاء «جوهراً».

(وَلَا صُورَةٌ). أ

صل الصورة الشكل، وهو هيئة الإنسان وغيره. والمراد هنا الطويل العريض العميق من حيث إنّ له شكلًا حسناً. ويجي‏ء في «باب النهي عن الجسم والصورة».

(وَلَا يُحَسُّ)؛

بالمهملتين مضاعف مبنيّ للمفعول من باب نصر، أو باب الإفعال، معطوف على قوله: «لا جسم»، استدلال على أنّه لا يصحّ السؤال عن حقيقته ب «ما هو»

____________

(1). في «ج»: «هذا».

(2). انظر الحكمة المتعالية، ج 7، ص 349.

(3). انظر الحكمة المتعالية، ج 7، ص 349.

(4). أي الحديث 6 من باب إطلاق القول بأنّه شي‏ء.

(5). في حاشية «أ»: «كذا أفاد سلمه اللَّه».

74

بأنّه لا يعقل كنه ذات ما ليس بجسماني ضرورةً؛ إذ طريق ضروريّة الذات منحصر في الإحساس وتنبّه المشاركات والمباينات في المحسوسات.

(وَلَا يُجَسُّ)،

بالجيم مبنيّ للمفعول من باب نصر من جسّ: إذا تفحّص عن باطن الامور؛ أي لا يعقل كنه ذاته نظراً؛ إذ التعقّل النظري إنّما يُكتسب من التعقّل الضروري، وطريقه منحصر في الإجساس. وقد مرّ نفيه عنه تعالى آنفاً، ويجي‏ء في ثاني السابع‏ (1) «غير محسوس ولا مجسوس».

(وَلَا يُدْرَكُ)؛

بصيغة المجهول من باب الإفعال؛ أي لا يدرك شخصه. ويحتمل المعلوم.

(بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ)؛

جمع حاسّة: السمع والبصر والشمّ والذوق واللمس.

(لَا تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ)

أي لا تصيبه على حدة- أي لا بدلالة أثره عليه، ولا بوحي إلى نبيّ- خطراتُ القلوب، فَصَله؛ (2) لأنّه دليل على أنّه لا يدرك بالحواسّ بطريقٍ أولى.

(وَلَا تَنْقُصُهُ).

النقص من باب نصر يجي‏ء متعدّياً كهذا، ولازماً. والمراد به نحو الهَرَم بعد الشباب.

(الدُّهُورُ)؛

جمع دهرٍ: الزمان الطويل.

(وَلَا تُغَيِّرُهُ الْأَزْمَانُ).

التغيّر هنا نحو الشباب بعد الصَبوة. (3) وللحديث تتمّة يجي‏ء في سادس الباب الثاني. (4)

السادس:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي)

؛ من زيادات التلامذة.

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: كَفى‏ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)

. جمع «لبّ» بضمّ اللام: العقل.

____________

(1). أي الحديث 6 من باب النسبة.

(2). كذا في «أ». و في «ج»: «فضلة» واللَّه أعلم.

(3). «الصبوة»: جهلة الفتوة. والصبي: من لم يفطم بعد. القاموس المحيط، ج 4، ص 351 (صبا).

(4). أي الحديث 6 من باب إطلاق القول بأنّه شي‏ء.

75

(بِخَلْقِ).

الخلق: التقدير، تقول: خلقت الأديم: (1) إذا قدّرته قبل القطع. (2)

(الرَّبِّ).

ربّ كلّ شي‏ءٍ: مالكه. والربّ اسم من أسماء اللَّه عزّ وجلّ، ومعناه ربّ العالمين، ولا يُقال في غيره إلّابإضافة.

(الْمُسَخِّرِ)؛

بكسر المعجمة المشدّدة، صفة «خلق»؛ استدلال بتسخيره تعالى السحاب والرياح والشمس والقمر ونحو ذلك لمنافع الناس بلا آلة ومباشرة.

(ومَلْكِ‏

(3)

الرَّبِّ)؛

الملك بفتح الميم وسكون اللام مصدر بمعنى العزّ والغلبة على المملكة، والاسم بضمّ الميم.

(الْقَاهِرِ).

صفة «ملك»؛ استدلال بملكوت السماوات والأرض كرفع السماء بغير عمدٍ وفرش الأرض، وأنّه لا يُبدِّل حكمته الوسائل، ويعجِز عن معارضته كلّ أحد.

(وَجَلَالِ الرَّبِّ).

الجلال: العظمة.

(الظَّاهِرِ).

صفة «جلال»؛ استدلال بعظمته في مخلوقاته؛ أي خلقه اموراً عظيمة، وهو ظاهر عند كلّ عاقل.

(وَنُورِ الرَّبِّ)

أي النور الذي خلقه الربّ لمنافع الناس كنور الشمس والقمر والنجوم.

(الْبَاهِرِ).

صفة «نور» يُقال: بهرَ القمر: إذا أضاء حتّى غلب ضوؤه ضوءَ الكواكب.

وبهرَ فلان أترابَه: (4) إذا غلبهم حُسناً. (5) استدلالٌ بالحِكَم المَرعيّة في خلق الأنوار الباهرة.

(وَبُرْهَانِ الرَّبِّ).

البرهان- بضمّ الموحّدة وسكون المهملة-: الحجّة، وقد برهن عليه، أي أقام عليه الحجّة.

(الصَّادِقِ).

صفة «برهان»؛ استدلالٌ بحججه على خلقه من الأنبياء والأئمّة

____________

(1). «الأديم»: أجلد أو أحمره أو مدبوغه. القاموس المحيط، ج 4، ص 73 (أدم) م ق.

(2). الصحاح، ج 4، 147 (خلق).

(3). في الكافي المطبوع: «ومُلك» بضمّ الميم.

(4). الترب، بالكسر: من ولد معك، وهي تربى. القاموس المحيط، ج 1، ص 39 (ترب).

(5). تاج العروس، ج 6، ص 120 (بهر).

76

المعبّرين عنه، الصادقين في جميع أحكامهم، فإنّ خلقهم ليس على مجرى أفعال الطبيعة، وصدقهم في كلّ أحكام الشرع من الخوارق، كما قال تعالى: «كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ». (1) وهو من أعظم الدلائل على صانع العالم البري‏ء من كلّ نقص.

(وَمَا أَنْطَقَ بِهِ أَلْسُنَ الْعِبَادِ)

من اللغات واللهجات المختلفة، وآلات التنطّق بها، والمخارج للحروف والصوت المقارن بحيث يعرف الصبيّ في أوائل سنّه صوت امّه عن جميع ما عداها. والحكمة في هذا لا يخفى.

(وَمَا أَرْسَلَ بِهِ الرُّسُلَ)

أي خوارق العادات المقارنة للدعوى؛ فإنّها دالّة على الصانع قبل إخبار الرسل به أيضاً.

(وَمَا أَنْزَلَ عَلَى الْعِبَادِ)

من الامور الخارجة عن أفعال الطبيعة كالطوفان، وطير أبابيل، وحسر الفيل عن الحرم، والعذاب على الامم السالفة في الدنيا، ونحو ذلك.

(دَلِيلًا عَلَى الرَّبِّ)

القادر على كلّ شي‏ء.

(عَزَّ وَجَلَّ).

____________

(1). التوبة (9): 119.

77

باب إطلاق القول بأنّه تعالى شي‏ء

الباب الثاني بَابُ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ تعالى شَيْ‏ءٌ

فيه سبعة أحاديث.

الإطلاق: الإباحة؛ مأخوذ من الطلق بالكسر، وهو الحلال. والمصدر مضاف إلى المفعول، ومضى في الخطبة قول المصنّف: «على ما أطلقه العالم (عليه السلام)». والإطلاق أيضاً ضدّ التقييد.

و «الشي‏ء» ذات ثبت له الكون الخارجي في نفسه.

ففي هذا الباب بيان أمرين:

الأوّل‏

: أنّ له تعالى مائيّةً وإنّيّةً، أي ذاتاً وكوناً متغايرين حقيقةً؛ أي لا يحمل أحدهما على الآخر مواطاةً بدون تجوّز، وهو بإبطال التعطيل؛ أي إبطال القول بأنّه تعالى محض الكون، كما توهّمه المعتزلة والفلاسفة، (1) وصحّحه بعضهم بأنّه تعالى الوجود القائم بنفسه قياماً مجازيّاً بمعنى عدم القيام بالغير، (2) وهذا يستلزم القول بأنّه تعالى معدوم حقيقةً؛ لبداهة أنّ المفهوم لكلّ أحد من الكون ومرادفاته في اللغات أمرٌ اعتباري لا يحمل على الكائن في الخارج في نفسه مواطاةً، لا حملَ ذاتيٍّ، ولا حملَ عرضيٍّ.

الثاني‏

: أنّه تعالى غير مقيّد بشي‏ءٍ آخر، أي لا تحلّ فيه المعاني، كما توهّمه الأشاعرة؛ أو المراد أنّه غير مقيّد لا بحلول المعاني، ولا بأن يمكن لغيره تعالى تعيين ذاته، أي كنهُه غير معلوم لغيره، وكذا تشخّصه، فيثبت أنّ الحقّ في أسمائه وصفاته تعالى الأمر بين‏

____________

(1). انظر الحكمة المتعالية، ج 8، ص 15؛ المبدأ والمعاد، ص 122.

(2). في حاشية النسختين: «هو الدواني في حاشية شرح التجريد (منه دام ظلّه)».

78

الأمرين: مذهب المعتزلة ومذهب الأشاعرة، كما أنّ الحقّ في أفعال العباد الأمر بين الأمرين: الجبر والقدر. وسيجي‏ء في «باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين» وكما أنّ الحقّ في حقيقة الإيمان المنجي من الخلود في النار الأمر بين الأمرين: مذهب المرجئة (1) ومذهب الوعيديّة. (2) ومضى بيانه في «باب التقليد» من «كتاب العقل» لمّا كان التعطيل منافياً صريحاً للإقرار بمحدث العالم ومثبته، ذكر هذا الباب عقيب الأوّل لكمال الربط.

الأوّل:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ)؛ من زيادات التلامذة. (عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام)

هو الجواد (عليه السلام).

(عَنِ التَّوْحِيدِ)

أي معنى‏ «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ».

(فَقُلْتُ).

الفاء للتعقيب؛ أي بعد بيان معنى أحد بلا فصل.

(أَتَوَهَّمُ).

الهمزة للمتكلّم، والاستفهام مقدّر؛ أي أأتصوّر في مقام التوحيد.

(شَيْئاً؟)

أي ذاتاً ثبت له الكون، فيكون له تعالى مائيّة وإنّيّة متغايران حقيقةً كسائر الأشياء، ومعادل الاستفهام أن يقول: أم هو نفس الكون والشيئيّة.

وحاصل السؤال أنّ اعتقاد أنّ اللَّه تعالى شي‏ء هل يجامع التوحيد المأمور به، أم لا؟

(فَقَالَ: نَعَمْ).

هذا لإبطال التعطيل، وما بعده إلى قوله: «في الأوهام» لإبطال التقييد.

(غَيْرَ)؛

منصوب صفة «شيئاً» لأنّ «نعم» في حكم تكرار الجملة، وهذا جارٍ مجرى الاستدراك عن قوله: «نعم».

(مَعْقُولٍ).

العقل ضدّ الإطلاق؛ من عقله كنصر وضرب: إذا أمسكه وحبسه؛ يعني أنّه تعالى غير متصوّر بنفسه وكنهه.

(وَلَا مَحْدُودٍ)

أي ولا محاط بسطح؛ وكأنّه إشارة إلى أنّه لو كان معقولًا لكان‏

____________

(1). كلمة المرجئة تطلق على جماعة متعدّدة، والجماعة المناسبة هنا هي القائلة بأنّه لا تضرّ مع الإيمان معصيته كما لاتنفع مع الكفر الطاعة. وقيل: هم القائلون بتأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، فلا يقضى عليه بحكم ما في الدنيا من كونه من أهل الجنّة أو من أهل النار. الملل والنحل للشهرستاني، ج 1، ص 139.

(2). هم القائلون بأنّ مرتكب الكبيرة لابدّ وأن يخلّد في النار. كشف المراد، ص 562، وفي طبعة تحقيق الزنجاني، ص 442، وفي طبعة تحقيق السبحاني، ص 280.

79

محدوداً، كما في قولك: زيد غير عاصٍ ولا معذّب. وهو المراد بما في أوّل خطبة من نهج البلاغة من قوله: «ومَن أشار إليه فقد حدّه» (1) إذ المراد بالإشارة إليه عقله.

وحاصل الجواب: أنّ توهّمه شيئاً لا ينافي التوحيد المأمور به؛ إنّما ينافيه توهّمه شيئاً معقولًا.

(فَمَا).

تفريعٌ على قوله: «غير معقول ولا محدود».

(وَقَعَ وَهْمُكَ عَلَيْهِ)

أي أدركه وأصابه. «وهمُك» بمعنى «ذهنك».

(مِنْ شَيْ‏ءٍ).

«من» للتبيين، مثل: «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ» (2).

(فَهُوَ)

أي الصانع تعالى‏

(خِلَافُهُ).

خلاف الشي‏ء: مغايره الذي ليس أمر ذاتي مشتركاً بينهما. وهذا ناظر إلى قوله: «غير معقول». وإلى هذا اشير فيما روي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: «كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه فهو (3) مخلوق مصنوع مثلكم، مردود إليكم، ولعلّ النمل الصغار تتوهّم أنّ للَّه‏تعالى زُبانيين فإنّ ذلك كمالها، وتتوهّم أنّ عدمهما نقصان لمَن لا يتّصف بهما، وهكذا حال العقلاء فيما يصفون اللَّه تعالى به» انتهى. (4)

فالمراد بالتمييز بالوهم إدراك الوهم إيّاه، والمراد بالوصف وصفه تعالى بأوهامهم، وهو المنهيّ عنه فيما يجي‏ء في «باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه» قال تعالى: «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ» (5). ولقد زلَّ قدم مَن توهّم أنّ مراده (عليه السلام) أنّه لا اعتماد على اعتقاد أنّ اللَّه تعالى عالم بجميع المعلومات، قادر على جميع الممكنات، وهكذا في سائر الأسماء الحُسنى والصفات العلى، وإنّما كلّف الإنسان به لأنّه لا يسعه معرفة اللَّه إلّابما عَرَفه وألِفه من كمالات نفسه، وذلك لأنّ هذا التوهّم ذهابٌ إلى مذهب‏

____________

(1). نهج البلاغة، ج 1، ص 15 باب المختار من خطب أمير المؤمنين (عليه السلام).

(2). البقرة (2): 106.

(3). في «ج»:-/ «فهو».

(4). شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني، ج 1، ص 110؛ بحار الأنوار، ج 66، ص 293.

(5). الصافّات (37): 180.

80

السوفسطائيّة (1) المنكِرين للعلوم.

(وَ

(2)

لَا يُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ)؛

بصيغة المعلوم من باب الإفعال؛ أي لا يماثله في الاسم الجامد المحض كالبلّور والزمرّد. وهذا ناظر إلى قوله: «ولا محدود».

(وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ).

المراد بالأوهام هنا أذهان أهل البدع والأهواء، كالأشاعرة المدّعين أنّهم يرون اللَّه بأعينهم في الآخرة. (3) وقد يستعمل الأوهام مطلقة.

(وَ

(4)

كَيْفَ تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ وَهُوَ خِلَافُ مَا يُعْقَلُ، وَخِلَافُ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الْأَوْهَامِ؟!)

.

استدلال بقوله تعالى في سورة الأنعام: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ»، (5) ويجي‏ء في التاسع والعاشر والحادي عشر من «باب في إبطال الرؤية».

والمراد ب «ما يعقل» ما يتصوّر في أذهان أهل الحقّ. وذكر قسمي الأذهان على حدة للإشارة إلى أنّه إذا لم يدركه أذهان أهل الحقّ، لم يدركه أذهان أهل الباطل بطريقٍ أولى.

(إِنَّمَا يُتَوَهَّمُ شَيْ‏ءٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَلَا مَحْدُودٍ).

إعادة للحقّ بعنوان الحصر ليثبت الأمر بين الأمرين بعد ما ثبت بطلان الأمرين؛ أي حدّي التعطيل والتقييد ليكون فذلكةً للمبحث، فهو استئناف بياني.

الثاني:

(مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ،

(6)

عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ‏ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سُئِلَ أَبُو جَعْفَرٍ الثَّانِي (عليه السلام): يَجُوزُ)؛

بصيغة المضارع المعلوم الغائب من باب نصر بتقدير القول والاستفهام.

____________

(1). السفسطة: قياس مركّب من الوهميّات، والغرض منه إفحام الخصم وإسكاته. والسوفسطائية: فرقة ينكرون الحسيّات والبديهيّات وغيرها، الواحد: سوفسطائي. المعجم الوسيط، ج 1، ص 433.

(2). في الكافي المطبوع:-/ «و».

(3). انظر المواقف للإيجي، ج 3، ص 158 و 160 و 175؛ شرح المواقف، ج 8، ص 117 و 121؛ معارج الفهم في شرح النظم، ص 338، ولا بأس بالنظر لكتاب رؤية اللَّه في ضوء الكتاب والسنّة للسبحاني.

(4). في الكافي المطبوع:-/ «و».

(5). الأنعام (6): 103.

(6). في حاشية «أ»: «محمّدبن إسماعيل هذا هو البرمكي صاحب الصومعة عند الصدوق رحمه الله». الوافي، ج 1، ص 333.

81

(أَنْ يُقَالَ لِلّهِ: إِنَّهُ شَيْ‏ءٌ؟)

أي ذات ثبت له الكون بدون اعتبار خصوصيّة في الذات، كما قالوا في مفهوم المشتقّات، فللاستفهام هنا معادلان:

الأوّل: أن يُقال: إنّه تعالى نفس الكون.

الثاني: أن تعتبر في ذاته خصوصيّة مدركة لنا.

(قَالَ: نَعَمْ، يُخْرِجُهُ)؛

بالخاتمة للمضارع، والضميرُ المرفوع المستتر للقول، والمنصوبُ البارز للَّه.

(مِنَ الْحَدَّيْنِ: حَدِّ التَّعْطِيلِ، وَحَدِّ التَّشْبِيهِ‏

(1)

).

الحدّ: الطرف، والتعطيل: الإخلاء وترك الشي‏ء ضياعاً. والمراد به الإخلاء من الوجود بأن يُقال: إنّه تعالى نفس الوجود؛ وذلك لبداهة أنّه لا يفهم من الوجود ومرادفاته في اللغات إلّاأمر اعتباري مشترك معنوي بين جميع الموجودات، غير ممكن القيام بنفسه.

وإنكارُ هذا بالقول بأنّه تعالى وجودٌ قائم بنفسه قياماً مجازيّاً بمعنى عدم القيام بالغير، أو بالقول بأنّ الوجود مشترك‏ (2) لفظي خروجٌ عن جبلّة الإنسان، والتشبيهُ القولُ بأنّه تعالى جسم، وذلك بالقول بأنّه يمكن لغيره تعالى إدراك ذاته تعالى كما فصّل في أوّل الباب.

والمراد بإخراجه من الحدَّين جعله بين الحدّين، وجملة «يخرجه» إلى آخره استئناف بيانيّ تعليلي، يعني لولا هذا القول لدخل في حدّ التعطيل أو حدّ التشبيه، ولو جعل معادل الاستفهام الأوّل فقط، كان المراد أنّه لولا هذا القول لم يخرج من الحدّين معاً وإن كان خارجاً من الثاني.

____________

(1). في حاشية «أ»: «لما ذلّ السؤال على أنّ السائل إنّما نفى التشبيه عن اللَّه- جلّ جلاله- أجاب (عليه السلام) بقوله: يخرجه من‏الحدّين، وإلّا فإطلاق الردّ عليه إخراج له من حدّ التعطيل فقط، فينبغي أن يقال: شي‏ء لا كالأشياء». الوافي، ج 1، ص 334.

(2). بمعنى أنّ الوجود فيه تعالى غير الوجود في غيره.

82

الثالث:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ يُونُسَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ)؛

بفتح الميم وسكون المعجمة والمهملة والقصر أو المدّ، اسمه: حميد بن المثنّى. (1)

(رَفَعَهُ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ خِلْوٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَخَلْقَهُ خِلْوٌ مِنْهُ).

الخلو- بكسر المعجمة وسكون اللام: الخالي، والمراد بالخلق المخلوق. والفقرة الاولى ردّ على القائلين بحلول الحوادث فيه تعالى، (2) والفقرة الثانية ردّ على الحلوليّة من الصوفيّة القائلين بأنّه تعالى يحلّ في الأولياء، (3) ومن النصارى القائلين بأنّه تعالى حلَّ في عيسى، (4) وكلتا الفقرتين ردّ على الاتّحاديّة من الصوفيّة القائلين بأنّه تعالى متّحد مع كلّ مخلوق، ومن النصارى القائلين بأنّه تعالى متّحد مع عيسى‏. (5)

(وَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ «شَيْ‏ءٍ»)

أي كائن في نفسه‏

(فَهُوَ مَخْلُوقٌ)

أي محدث زماناً، سواءً كان باعتبار وجوده في نفسه في الخارج، أم في الذهن عند القائلين بالوجود الذهني.

(مَا خَلَا اللَّهَ)؛

بالنصب على الاستثناء. وهذه الفقرة إبطال للتعطيل، فإنّها تدلّ على أنّه يقع عليه تعالى اسم «شي‏ء» كما يقع على مخلوقه، فهو شي‏ء بحقيقة الشيئيّة، أي له تعالى مائيّة وإنّيّة متغايران حقيقةً كالمخلوقات، وهي منضمّةً إلى سابقها تدلّ على إبطال حلول المعاني القديمة فيه تعالى.

الرابع:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْبَرْقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)

____________

(1). رجال النجاشي، ص 133، الترجمة 340؛ الفهرست للطوسي، ص 114، الترجمة 236؛ رجال الطوسي، ص 192، الترجمة 245. وانظر معجم رجال الحديث، ج 7، ص 309، الترجمة 4097.

(2). مثل الكرامية، كما حكاه عنهم الأسفرائيني البغدادي في الفرق بين الفرق، ص 173، والعلّامة في معارج الفهم في‏شرح النظم، ص 361.

(3). حكاه عنهم الرازي في تفسيره الكبير، ج 11، ص 191، و ج 24، ص 128. وانظر الفتوحات المكيّة، ج 2، ص 334.

(4). حكاه الرازي في تفسيره، ج 16، ص 28.

(5). تفصيل الكلام في معارج الفهم في شرح النظم، ص 363؛ تلخيص المحصّل للطوسي، ص 260.

83

يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ خِلْوٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَخَلْقَهُ خِلْوٌ مِنْهُ، وَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ «شَيْ‏ءٍ» مَا خَلَا اللَّهَ، فَهُوَ مَخْلُوقٌ).

مضى معناه آنفاً.

(وَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ)

أي ما خلا اللَّه تعالى. وضمّ هذا للتصريح بأنّ المراد بقوله:

«مخلوق» إنّه مخلوق للَّه‏تعالى.

(تَبَارَكَ الَّذِي).

البركة بفتحتين: كثرة النماء والسعادة، ونقْله إلى التفاعل يفيد مبالغة، ويُقال: تبارك اللَّه بمعنى اتّصف بكلّ كمال، كما أنّ «تعالى اللَّه» بمعنى تنزّه عن كلّ نقص، فلا يستعملان في غير اللَّه، وضمّ هذا لدفع ما يتوهّم من السابق، وهو اشتراك الوجود معنىً بينه وبين خلقه من التشبيه، وللإشارة إلى حسن التجوّز في التعميم في خالق كلّ شي‏ء، وهذا التعميم وقع في القرآن أيضاً؛ أي ليس يُقاس تعالى بغيره، فهو مستثنى استثناءً ظاهراً وإن لم يذكر الاستثناء.

ونظير هذا ما رواه ابن بابويه في معاني الأخبار عن أبي عبداللَّه (عليه السلام) أنّه سأله رجل عن قول رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء (1) على ذي لهجةٍ (2) أصدق من أبي ذرّ» وقال: فأين رسول اللَّه وأمير المؤمنين؟ وأين الحسن والحسين؟ قال (عليه السلام): «إنّا أهلُ بيتٍ لا يُقاس بنا أحد». (3)

(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).

اقتباس من سورة الشورى، (4) والكاف للتشبيه.

و «مثل» مُقحمٌ للمبالغة وكونه كدعوى شي‏ء ببرهانه كقولك: مثلك لا يبخل، أي أنت لا تبخل لأنّك على صفةِ كذا، وكلّ من كان على صفةِ كذا لا يبخل، فهو كدعوى له ببرهان. ومثل الشي‏ء ما كان متّفقاً معه في كلّ واحدةٍ من صفاته بأن يكون علمه- مثلًا- على قدر علمه لا ينقص عنه، وكذا قدرته ونحوهما.

والمراد بشبيه مثله تعالى شي‏ء يصلح لأن يكون زوجاً له بأن يكون كلّ منهما جسمانيّاً، أو يكون كلّ منهما مجرّداً، بقرينة قوله فيما قبل: «جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً

____________

(1). الخضراء: كناية عن السماء. والغبراء. كناية عن الأرض. وأقلّت، أي حملت ورفعت.

(2). في حاشية «أ»: «اللهجة، ويحرّك: اللسان». الصحاح، ج 1، ص 339 (لهج).

(3). معاني الأخبار، ص 178، باب معنى قول النبي (صلى الله عليه و آله) ما أظلّت الخضراء و ...، ح 2.

(4). الشورى (42): 11.

84

وَ مِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ». (1)

والبطلة يقولون: معنى الآية كما أنّه ليس مثله موجوداً ليس شي‏ء غيره موجوداً، فيعطون «ليس» حكمَ «كان» التامّةِ، أو يقدّرون الخبر، واللام في «السميع البصير» تفيد الحصر، وهو تقوية للنفي ببيان أنّ السمع والبصر- اللذين هما أظهر الحواسّ والكمالات وطرق العلم- ليسا خالصين في غيره تعالى، فإنّهما فيه مشوبان بالصمم والعمى.

بيانه: أنّه ليس كلّ صوت مسموعاً للإنسان- مثلًا- بل يحتاج سماعه إلى شروط مشهورة، وهو فيما تحقيق الشروط إنّما يسمعه بعد حدوثه بزمان قليل أو كثير بحسب قرب المسافة وبُعدها، فيظنّ أنّه حادث حين سمعه، وأنّه ليس كلّ جسم مرئيّاً للإنسان، بل يحتاج رؤيته إلى شروط مشهورة، وهو فيما تحقّق الشروط إنّما يراه على قدر زاوية الجليديّة، (2) وهي مختلفة بحسب قُرب المسافة وبُعدها مع اتّحاد المرئيّ، فيظنّه على قدر ليس عليه كما في رؤيته الكواكب ونحوها، وكذا يختلف الظنّ بلون المرئيّ كثيراً بحسب اختلاف الليل والنهار والأوضاع كما هو المجرّب.

الخامس:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَطِيَّةَ)؛

بفتح العين المهملة وكسر الطاء المهملة وتشديد الخاتمة.

(عَنْ خَيْثَمَةَ)؛

بفتح المعجمة وسكون الخاتمة وفتح المثلّثة.

(عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خِلْوٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَخَلْقَهُ خِلْوٌ مِنْهُ، وَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ «شَيْ‏ءٍ» مَا خَلَا اللَّهَ تَعَالى‏، فَهُوَ مَخْلُوقٌ، وَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ).

مضى معناه آنفاً.

السادس:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): أَنَّهُ قَالَ لِلزِّنْدِيقِ حِينَ سَأَلَهُ)

أي قال له سائلًا:

(مَا هُوَ؟)

.

الضمير للَّه‏تعالى.

____________

(1). الشورى (42): 11.

(2). الجليدية هي رطوبة صافية كالبَرَد. والجليد مستديرة في العين، بها يتحقّق البصر. قانون لابن سينا، ج 2، ص 108، فصل في تشريح العين.

85

(قَالَ)

تكرار للأوّل.

(هُوَ شَيْ‏ءٌ بِخِلَافِ الْأَشْيَاءِ، ارْجِعْ بِقَوْلِي إِلى‏ إِثْبَاتِ مَعْنىً، وَأَنَّهُ شَيْ‏ءٌ بِحَقِيقَةِ الشَّيْئِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَاجِسْمٌ وَلَا صُورَةٌ، وَلَا يُحَسُّ وَلَا يُجَسُّ، وَلَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، لَاتُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ، وَلَا تَنْقُصُهُ الدُّهُورُ، وَلَا تُغَيِّرُهُ الْأَزْمَانُ).

مضى مع شرحه في خامس الأوّل؛ (1) كرّره في هذا الباب؛ لأنّ قوله: «شي‏ء» لإبطال التعطيل، وقوله: «بخلاف الأشياء» لإبطال التشبيه، وليظهر أنّ هذا مع ما مضى فيه رواية واحدة، وللرواية تتمّة اخرى يجي‏ء في أوّل أوّل كتاب الحجّة. (2)

(فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ)

. مقصوده الاعتراض على قوله: «لا جسم ولا صورة».

(فَتَقُولُ)؛

بتقدير الاستفهام، وبالخطاب.

(إِنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ؟ قَالَ: هُوَ سَمِيعٌ، بَصِيرٌ؛ سَمِيعٌ)

أي لكن هو سميع‏

(بِغَيْرِ جَارِحَةٍ، وَبَصِيرٌ بِغَيْرِ آلَةٍ).

المقصود أنّه سميع لا بجارحة، وبصير لا بآلة، وإنّما لم يجبه هكذا، مع أنّ فيه التصريحَ الذي لا يحتاج إلى التفسير الآتي، لأنّه ليس فيه تصريح ببطلان أن يكونا ببعضه الذي ليس بجارحة ولا آلة، أو بصفة موجودة في الخارج في نفسها، ويحتمل أن يكون وجهه أن يبيّن له تفسير ما يُقال أيضاً في هذا المقام كثيراً، ولا تصريح فيه.

(بَلْ يَسْمَعُ بِنَفْسِهِ، وَيُبْصِرُ بِنَفْسِهِ، لَيْسَ قَوْلِي: إِنَّهُ سَمِيعٌ يَسْمَعُ بِنَفْسِهِ، وَبَصِيرٌ يُبْصِرُ)

أي وبصير يبصر

(بِنَفْسِهِ أَنَّهُ شَيْ‏ءٌ، وَالنَّفْسُ شَيْ‏ءٌ آخَرُ)

أي مغايرٌ له حقيقةً لظاهر الباء، فإنّه يقتضي المغايرة بين الفاعل وما دخلت عليه.

(وَلكِنْ أَرَدْتُ عِبَارَةً)

أي تعبيراً

(عَنْ نَفْسِي)

أي عمّا في نفسي بلفظ مع ضيق الألفاظ المستعملة لا في مجاز فيه.

(إِذْ كُنْتُ مَسْؤُولًا، وَإِفْهَاماً)؛

عطف على «عبارةً».

(لَكَ؛ إِذْ كُنْتَ سَائِلًا، فَأَقُولُ)

أي فاعبّر عمّا في نفسي بتعبير آخر حتّى ينضمّ إلى‏

____________

(1). أي الحديث 5 من باب حدوث العالم.

(2). أي الحديث 1 من باب الاضطرار إلى الحجّة.

86

التعبير الأوّل ويتّضح المراد.

(إِنَّهُ سَمِيعٌ بِكُلِّهِ).

لمّا كان لفظة «بكلّه» أبعد من احتمال أن يكون المراد منه ببعضه من لفظة «بنفسه» ضمّ ذلك.

(لَا أَنَّ).

احتاط مرّةً اخرى لئلّا يتوهّم أنّ المراد بالكلّ ما هو مركّب من الأجزاء.

(الْكُلَّ مِنْهُ)؛

اسم «أنّ»، و «من» بمعنى «في»، والضمير للَّه.

(لَهُ بَعْضٌ).

الضمير للكلّ، والجملة خبر «أنّ».

(وَلكِنِّي أَرَدْتُ إِفْهَامَكَ، وَالتَّعْبِيرُ عَنْ نَفْسِي، وَلَيْسَ مَرْجِعِي)؛

بكسر الجيم مصدر ميمي، أي قصدي‏

(فِي ذلِكَ)

أي في التعبير عمّا في نفسي.

(إِلَّا إِلى‏ أَنَّهُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، الْعَالِمُ الْخَبِيرُ).

ضمّ هذين على سبيل المثال والإشارة إلى أنّ ما قلنا في السمع والبصر جارٍ في جميع صفات ذاته.

(بِلَا اخْتِلَافِ الذَّاتِ)

أي بدون أن يكون فيه جزء دون جزء.

(وَلَا اخْتِلَافِ الْمَعْنى‏)

أي بدون أن يكون فيه موجود في نفسه في الخارج، دون موجود آخر في نفسه في الخارج، سواء كانا ذاتاً وصفةً، أم غيرهما.

ويتحصّل من الكلام أنّ الباء للآلة المجازيّة تشبيهاً له تعالى بالآلة، ويكفي فيه التغاير الاعتباري.

(قَالَ لَهُ السَّائِلُ: فَمَا هُوَ؟)

ليس مقصود السائل- بإعادة هذا السؤال بعد ما ذكره سابقاً وسمع الجواب بأنّه تعالى لا يعرف بكنهه- السؤالَ عن كنهه تعالى، بل مقصوده السؤال عن أقرب أسمائه إلى كنهه، أي أسمائه المختصّة به تعالى، سواء كان فيها عَلَم شخصي- كما هو المشهور بين المخالفين لنا في لفظة اللَّه‏ (1)- أم لم يكن كما هو الحقّ.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): هُوَ الرَّبُّ، وَهُوَ الْمَعْبُودُ)

أي المستحقّ للعبادة

(وَهُوَ اللَّهُ).

حاصل الجواب: أنّ من أقرب أسمائه ثلاثة، وهي نعوتٌ مختصّة به تعالى، وامور اعتباريّة ليست بمعانٍ؛ بناءً على أنّ ثبوت نعت لشي‏ء لا يستلزم ثبوت المثبَت في نفسه‏

____________

(1). المواقف، ج 3، ص 305؛ تفسير الرازي، ج 12، ص 156؛ وج 21، ص 219؛ وج 32، ص 56.

87

في الخارج، ومن تلك النعوت الربّ، بمعنى مالك كلّ شي‏ء، وحاكم كلّ نزاع، ويكفي في أن يكون هو المعبودَ لا غيره، ومن تلك النعوت اللَّه، ولفظة «اللَّه» أصلها إله على فعال بمعنى فاعل، أي مستحقّ للعبادة، ولام التعريف للعهد، ومفادها: الذي هو خالق الأجسام وصانعها.

(وَلَيْسَ قَوْلِيَ: «اللَّهُ»)

أي قولي: «وهو اللَّه»

(إِثْبَاتَ هذِهِ الْحُرُوفِ)

. المراد بإثبات هذه الحروف الحكم بأنّها دالّة عليه تعالى بلا توسّط نعت له تعالى بأن يكون المركّب منها عَلَماً شخصيّاً له.

(أَلِفٍ وَلَامٍ وَهاءٍ)؛

مجروراتٍ؛ لأنّها بدل تفصيل ل «هذه الحروف» وألف تشمل‏ (1) الهمزة في أوّل لفظة اللَّه، واللّيّنةَ التي قبل آخره.

(وَلَا رَاءٍ وَلَا بَاءٍ).

الواو الاولى للحال، والثانية للعطف، و «لا» في الموضعين لنفي الجنس، وذكر الجملة الحاليّة دفعاً لتوهّم أنّ المراد بإثبات هذه الحروف الحكم بوجودها في أنفسها في الخارج، ونصّاً على ما ذكرنا في المراد منه، فإنّ المخالفين لنا لم يذهبوا إلى كون لفظة «الربّ» علماً شخصيّاً له تعالى.

(وَلكِن أرْجِعُ‏

(2)

بصيغة المتكلّم وحده من باب ضرب، أي أقصد بقولي: «هو اللَّه».

(إِلى‏ مَعْنىً)

أي إلى موجود في نفسه في الخارج.

(وَشَيْ‏ء خَالِقِ الْأَشْيَاءِ وَصَانِعِهَا، وَنَعْتِ هذِهِ الْحُرُوفِ)؛

قوله: «وشي‏ء»- بفتح المعجمة وسكون الخاتمة والهمز- عطف على «معنى» ومضاف، والمراد ب «خالق الأشياء» لفظ خالق الأشياء، وكذا المراد ب «صانعها» بالجرّ، والمراد ب «شي‏ء خالق الأشياء» المفهوم الذي وضع له لفظ خالق الأشياء باعتبار أنّ اللفظ المهمل ليس له شي‏ء، وكذا المراد بشي‏ء صانعها.

وقوله: «ونعت» بفتح النون وسكون المهملة والمثنّاة فوق مضافٌ ومجرور بالعطف على شي‏ء عطفَ التفسير.

____________

(1). في «ج»: «تشتمل».

(2). في الكافي المطبوع: «ارْجِعْ».

88

وقوله: «هذه الحروف» تركيب توصيفي وإشارة إلى حروف لفظة «اللَّه» أو لفظ «خالق الأشياء» أو لفظ «صانعها». ومآل الكلّ واحد؛ فإنّ الأخيرين كالمرادف للام العهد في «اللَّه» والاكتفاء بهما اقتصارٌ اعتماداً على ظهور المراد وإشارةً إلى مناط دفع شبهة المخالفين حيث قالوا: لو لم يكن لفظة «اللَّه» علماً شخصيّاً، لما أفاد قولنا: لا إله إلّااللَّه التوحيد، والمقصود أنّ المعنى خارج عمّا وضع له هذه الحروف؛ إنّما هو مدلول التزامي لها كما هو مشهور بين أهل العربيّة من أنّ الذات خارج عن مفهوم وُضع له المشتقّات.

(وَهُوَ)؛

مبتدأ، أي ما سألت عن أقرب أسمائه بما هو.

(الْمَعْنى‏)؛

خبر المبتدأ، واللام للحصر؛ أي دون نعت هذه الحروف.

(سُمِّيَ بِهِ)؛

خبر آخر، ونائب الفاعل ضمير مستتر راجع إلى المبتدأ، والضمير المجرور راجع إلى «نعت هذه الحروف» أي وُسِمَ به، وجعل مدلولًا عليه به. ويمكن أن يكون «هو» ضمير الشأن، و «المعنى» مبتدأً و «سمّي به» خبره.

(اللَّهُ، وَالرَّحْمنُ، وَالرَّحِيمُ، وَالْعَزِيزُ، وَأَشْبَاهُ ذلِكَ)؛

مبتدأ ومعطوفات على المبتدأ.

(مِنْ أَسْمَائِهِ)

؛ خبر المبتدأ، والضمير للمعنى في قوله: «وهو المعنى».

والمقصود تأكيد أنّه لا فرق بين لفظة «اللَّه» وبين سائر الأسماء في أنّه ليس علماً شخصيّاً.

(وَهُوَ الْمَعْبُودُ جَلَّ وَعَزَّ).

الضمير للمعنى، والمقصود أنّه لا يجوز عبادة اسم من أسمائه.

(قَالَ لَهُ السَّائِلُ: فَإِنَّا لَمْ نَجِدْ مَوْهُوماً إِلَّا مَخْلُوقاً).

الفاء للتعقيب، و «إنّا» بكسر الهمزة وتشديد النون، والتقدير: «فأقول: إنّا».

و «لم نجد» بالجيم ومهملة من الوجدان بضمّ الواو وسكون الجيم.

والموهوم: ما تعلّق به الوهم، سواء كان بكنهه أم بوجهه، وسواء كان بالهذيّة أم بغيرها. مراده أنّ الوجدانيّات من أقسام الضروريّات، وكما نعلم بالوجدان حين تعلّق وهمنا بشي‏ء أنّ لنا موهوماً، نعلم بالوجدان أنّ ذلك الموهوم مخلوق، فيبطل قولكم في إثبات الصانع.

89

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): لَوْ كَانَ ذلِكَ كَمَا تَقُولُ، لَكَانَ التَّوْحِيدُ عَنَّا مُرْتَفِعاً؛ لِأَنَّا لَمْ نَكْلَفْ‏

(1)

غَيْرَ مَوْهُومٍ)

. «ذلك» إشارة إلى الموهوم. و «كما تقول» عبارة عن المنحصر في معلوم المخلوقيّة بالوجدان، واللام في «التوحيد» للعهد الخارجي، وهو عبارة عن مضمون قوله (عليه السلام): «هو الربّ، وهو المعبود، وهو اللَّه» إلى آخره، أو عبارة عن مضمون جميع ما ذكر في جواب السائل في هذا الحديث.

والمرتفع بكسر الفاء: المسلوب والمنتفي.

و «لم نكلف» معلوم باب علم من الكَلف بالفتح، وهو ارتكاب العمل مع شغل قلب ومشقّة. (2) وفي كتاب التوحيد لابن بابويه: «لم نتكلّف». (3) ومآلهما واحد.

قال ابن الأثير في النهاية:

فيه: «اكْلفُوا من العمل ما تطيقون». يُقال: كَلِفت بهذا الأمر أكْلَف بهِ: إذا وَلِعْتَ به وأحببتهُ.

وقال: وكلِفته: إذا تحمّلتُهُ، وقال: وتكلَّفت الشي‏ء: إذا تجشّمته على مشقّة. وقال:

والكَلْف: الولوع بالشي‏ء مع شغل قلب ومشقّة. (4)

وحاصل الجواب: أنّه لو كان كلّ موهوم معلومَ المخلوقيّة بالوجدان، لكان ما صدر عنّا سابقاً من التوحيد غيرَ صادر عنّا، لأنّه تعلّق وهمنا به، ولم نعلم‏ (5) بالوجدان مخلوقيّته، والعلم بالوجدانيّات يجب أن يكون مشتركاً بين جميع العقلاء، غير مختصّ ببعض دون بعض.

(وَلكِنَّا نَقُولُ: كُلُّ مَوْهُومٍ بِالْحَوَاسِّ مُدْرَكٍ بِهِ‏

(6)

تَحُدُّهُ الْحَوَاسُّ وَتُمَثِّلُهُ؛ فَهُوَ مَخْلُوقٌ).

استدراك عن إنكار كون كلّ موهوم مخلوقاً.

والمراد بالحواسّ الخمس: السمع، والبصر، والشمّ، والذوق، واللمس.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «نُكَلَّفْ» للمجهول.

(2). لسان العرب، ج 9، ص 307 (كلف).

(3). التوحيد، ص 246، باب الردّ على الثنويّة والزنادقة، ح 1. وفيه: «نكلف» بدل «نتكلف».

(4). النهاية، ج 4، ص 197 (كلف).

(5). في «ج»: «تعلم».

(6). في الكافي المطبوع: «بها».

90

و «مدرك به» اسم مفعول بالجرّ صفة موضحة ل «موهوم بالحواسّ» والباء للآلة، وضمير «به» للوهم المذكور في ضمن موهوم.

و «تحدّه» بالحاء المهملة وشدّ الدال المهملة معلوم باب نصر، والجملة خبر المبتدأ، وتمثيل الحواسّ إيّاه أن يعلم بالحواسّ أنّ له شكلًا خاصّاً.

والفاء للتفريع.

(إِذْ كَانَ النَّفْيُ هُوَ الْإِبْطَالَ وَالْعَدَمَ، وَالْجِهَةُ الثَّانِيَةُ: التَّشْبِيهُ؛ إِذْ كَانَ التَّشْبِيهُ هُوَ صِفَةَ الْمَخْلُوقِ الظَّاهِرِ التَّرْكِيبِ وَالتَّأْلِيفِ).

الظاهر أنّه سقط من قلم الناسخين هنا شي‏ء، وفي كتاب التوحيد لابن بابويه وفي كتاب الاحتجاج للطبرسي هكذا: «وَلَابُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ صَانِعٍ للْأَشْيَاءِ خَارِج مِنَ الْجِهَتَيْنِ الْمَذْمُومَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: النَّفْيُ؛ إِذْ كَانَ النَّفْيُ هُوَ الْإِبْطَالَ» إلى آخره، (1) ف «إذ» في الموضعين لتعليل «مذمومتين»، «هو» في الموضعين ضمير الفصل؛ يجوز نصب «الإبطال» عند من يلغي ضمير الفصل، ورفعه على أنّه خبر «هو» (2) عند من لا يلغي.

و «العدم» بالضمّ وبضمّتين، وبفتحتين مصدر عدمه كعلم: إذا فقده.

و «الجهة» مثلّثة الجيم: الطرف. ومضى إخراجه تعالى من حدّي التعطيل والتشبيه في ثاني الباب.

«صفة» مصدر وصفه: إذا أخبر عنه، ويجوز نصبه ورفعه كما مرّ.

«المخلوق» مضاف إليه والإضافة إلى المفعول.

«الظاهر» بالجرّ صفة «المخلوق» أي الواضح التركيب بالجرّ على أنّه مضاف إليه لفظاً وفاعل معنى.

و «التأليف» بالجرّ على العطف، أو بالنصب على أنّ الواو بمعنى «مع». والمراد المخلوق الذي ظاهر أنّه ركبه وألفه غيره.

____________

(1). التوحيد، ص 246، باب الردّ على الثنويّة والزنادقة، ح 1. وفيه: «الأشياء» بدل «للأشياء»؛ الاحتجاج، ج 2، ص 70، وفيه: «الأشياء خارجاً» بدل «للأشياء خارج».

(2). في «أ»: «وهو».

91

وهنا أربعة احتمالات:

الأوّل‏

: أن يكون المراد بالتركيب جمع أجزائه بعضها مع بعض إلى أن يبلغ مقداراً خاصّاً مع احتمال الزيادة والنقصان، كما يجي‏ء توضيحه في سادس «باب النهي عن الجسم والصورة» عند قوله: «الجسم محدود متناه» إلى آخره.

والمراد بالتأليف النضد، أي جمع كلّه مع الأجسام الاخرى على نسبة خاصّة بتخصيص كلّ جسم بمكان خاصّ، كما مضى توضيحه في الدليل الثالث من أوّل الباب.

الثاني‏

: أن يراد عكس ذلك.

الثالث‏

: أن يُراد بكلّ منهما جمع الأجزاء.

الرابع‏

: أن يُراد بكلّ منهما جمع كلّه مع الأجسام.

(فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إِثْبَاتِ الصَّانِعِ).

لمّا استدلّ على كون الصانع على تقدير وجوده خارجاً من الجهتين، وكان دليل إبطال جهة التشبيه دليلًا على إثبات الصانع أيضاً، فرّعه عليه.

(لِوُجُودِ الْمَصْنُوعِينَ).

الوجود مصدر «وجده» كوعده؛ أي أدركه، والإضافة إلى المفعول، أي لأنّا نجد المصنوعين وهم العقلاء من الأجسام والجسمانيّات الظاهرة التركيب والتأليف، أو المراد أعمّ، وغَلَّب العقلاء على غيرهم.

(وَالِاضْطِرَارِ)؛

بالجرّ معطوف على «وجود» أي اضطرارنا.

(إِلَيْهِمْ)

أي إلى المصنوعين.

(أَنَّهُمْ مَصْنُوعُونَ)؛

بفتح الهمزة بدل اشتمال عن الضمير في «إليهم» أي ولاضطرارنا إلى أنّهم مصنوعون، ومعناه: لعلمنا البتّة بكونهم مصنوعين، وحينئذٍ لا ينافي كون العلم نظريّاً، إذ هو واضح الدليل، فكأنّ الدليل لوضوحه جَبَرَ على العلم، وقد اشير إلى وضوح الدليل في قوله: «الظاهر التركيب». ويحتمل أن يكون معناه: لعلمنا الضروري بكونهم مصنوعين.

(وَأَنَّ صَانِعَهُمْ غَيْرُهُمْ)؛

بفتح الهمزة والتشديد معطوف على «أنّهم» أو على «وجود».

(وَلَيْسَ مِثْلَهُمْ).

معطوف على «غيرهم» عطفَ تفسير؛ أي ليس محدوداً ممثّلًا.

(إِذْ كَانَ مِثْلُهُمْ).

دليلٌ على قوله: «وليس مثلهم» أو على قوله: «وأنّ صانعهم» إلى آخره.

92

(شَبِيهاً بِهِمْ)

أي شريكاً لهم‏

(فِي ظَاهِرِ التَّرْكِيبِ وَالتَّأْلِيفِ).

مضى معناه آنفاً، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أو قوله: «ظاهر» منّون، وقوله: «التركيب» بدل، أو عطف بيان على ما جوّزه الزمخشري في قوله تعالى: «فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ» (1)، مع كون الأوّل نكرة، والثاني معرفة. (2)

حاصل الدليل أنّ صانع الجسم لا من مادّة سبقت لا يمكن أن يكون جسماً؛ لأنّه لا يجي‏ء الأشياء للجسم إلّابالمباشرة والمعالجة، ولا صانع‏ (3) لا من مادّة سبقت يجب أن لا يكون فيه نقص من وجه، فيجب أن يكون نافذ الإرادة، كما يجي‏ء في آخر الحديث.

ولو كان حاصل الدليل أنّه لو كان صانعه جسماً لزم التسلسل، لم يتمّ الدليل إلّابإثبات أنّ الممكن يحتاج في البقاء إلى فاعله، أو امتناع التسلسل في المتعاقبة أيضاً.

(وَفِيمَا يَجْرِي).

عطفٌ على «في ظاهر التركيب»، وهو بفتح ياء المضارعة من الجريان، والضمير المستتر ل «ما» ويجوز ضمّها من الإجراء والضمير المستتر لظاهر، والعائد المنصوب محذوف.

(عَلَيْهِمْ)

أي بدون اختيارهم‏

(مِنْ حُدُوثِهِمْ).

بيانٌ لما.

(بَعْدَ إِذْ)

أي بعد وقت، فهو تصريح بالحدوث الزماني لدفع توهّم كفاية الحدوث الدهري، المساوق للحدوث الذاتي، المساوق للإمكان الذاتي.

(لَمْ يَكُونُوا)

أي أصلًا، لا بصورتهم ولا بمادّتهم؛ لأنّ الدليل السابق جارٍ في كلّ واحدٍ من الجسمانيّات.

(وَتَنَقُّلِهِمْ)؛

بالمثنّاة فوق وفتح النون وضمّ القاف المشدّدة، معطوف على «حدوثهم» أي وقابليّتهم للانتقال وإن لم ينتقلوا، أو جعل الجائز المقدور لصانعهم عليهم كالواقع، كقولك: الحمد للَّه‏الذي صغّر جسم البعوض، وكبّر جسم الفيل، أو فيه تغليب الإنسان في مبتدأ فطرته إلى كماله على غيره.

____________

(1). آل عمران (3): 97.

(2). الكشّاف، ج 1، ص 447.

(3). في «ج»:-/ «لا صانع».

93

(مِن صِغَرٍ إِلى‏ كِبَرٍ، وَسَوَادٍ إِلى‏ بَيَاضٍ، وَقُوَّةٍ إِلى‏ ضَعْفٍ، وَأَحْوَالٍ).

يجوز عطفها على «صغر» وعلى «كبر». والمآل واحد.

(مَوْجُودَةٍ)؛

من الوجود المقابل للفقد؛ أي غير مجهولة لأحد.

(لَا حَاجَةَ بِنَا إِلى‏ تَفْسِيرِهَا؛ لِبَيَانِهَا)

أي لظهورها.

(وَوُجُودِهَا)؛

ضدّ الفقد، أي وعلم كلّ أحد بها، وهنا مقدّمة مطويّة؛ أي وهذا محال في خالق الأجسام لا من شي‏ء؛ لأنّه نقص.

(قَالَ السَّائِلُ: فَقَدْ حَدَدْتَهُ إِذْ أَثْبَتَّ وُجُودَهُ).

الحدّ بالفتح مصدر باب نصر: التمييز والإحاطة.

وهذا مناقشة في قوله (عليه السلام): «فلم يكن بدّ من إثبات الصانع» بأنّه يتضمّن إثبات وجود له منضمّ إليه انضمام البياض إلى الجسم، فيتضمّن تمييزك إيّاه عن عارضه، أو إحاطة ذهنك به.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): لَمْ أَحُدَّهُ).

لم يقل: «لم اثبت وجوده» لأنّ إثبات مفهوم كما يُطلق على الحكم بكونه موجوداً في نفسه في الخارج وهو المتبادر لغةً، يُطلق على الحكم بكونه قائماً بشي‏ء في الخارج، وهو (عليه السلام) قد أثبت وجوده بهذا المعنى، لكنّه لا يستلزم المحدوديّة؛ لأنّ قيام الامور الاعتباريّة بذاته تعالى لا يستلزم أن يكون تعالى محدوداً، إذ ليس وجودها في الخارج وجودَها في أنفسها، بل وجودَها الرابطي فقط، والمحدوديّة إنّما يلزم إثبات الصفة بمعنى الحكم بوجود الصفة في نفسها في الخارج، لأنّها لا تكون إلّاللجسمانيّات.

(وَلكِنِّي أَثْبَتُّهُ)؛

بتشديد التاء بصيغة الماضي، فيه بيان الفرق بين إثبات ذاته وإثبات صفته بالمعنى المبتادر لغةً من الإثبات، وفيه إشارة إلى أنّه (عليه السلام) لم يثبت وجوده بهذا المعنى.

(إِذْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مَنْزِلَةٌ).

استدلالٌ على أنّه تعالى شي‏ء بحقيقة الشيئيّة بأنّه لولاه لكان معدوماً بحقيقة العدم؛ إذ ليس بين المنزلتين منزلة، والنزاع بين القائلين بالحال وغيرهم لفظي؛ لتخصيصهم «الموجود» و «المعدوم» بالذات اصطلاحاً، دون غيرهم.

(قَالَ‏

(1)

السَّائِلُ: فَلَهُ).

الفاء للتفريع والاستفهام مقدّر.

____________

(1). في الكافي المطبوع:+/ «له».

94

(إِنِّيَّةٌ)؛

بكسر الهمز والنون المشدّدة المكسورة والياء المشدّدة، منسوبٌ إلى «إنّ» للتحقيق مع الهاء المصدريّة، أي كونٌ.

(وَمَائِيَّةٌ؟)

. منسوبٌ إلى «ما» الاستفهام مع زيادة همزة بعد ألفها، والهاء المصدريّة بعد الياء المشدّدة، وقد يُقال لها: ماهيّة أيضاً؛ أي أفله كون وذات متغايران؟ بأن لا يحمل أحدهما على الآخر مواطأةً حقيقة.

(قَالَ: نَعَمْ، لَايَثْبُتُ‏

(1)

بصيغة المعلوم من باب نصر، أو المجهول من باب الإفعال من الإثبات الذي ليس بينه وبين النفي منزلة، والجملة استئناف للاستدلال على قوله: «نعم».

(الشَّيْ‏ءُ)

سواء كان واجباً بالذات، أم ممكناً.

(إِلَّا بِإِنِّيَّةٍ وَمَائِيَّةٍ).

أي متغايرين حقيقةً وإن كانا متّحدين مجازاً، وهو المراد للمحقّقين من القائلين بعينيّة صفات ذاته تعالى له. (2)

(قَالَ‏

(3)

السَّائِلُ: فَلَهُ كَيْفِيَّةٌ؟)

. الفاء للتفريع على أن يكون له إنّيّة ومائيّة متغايرتان، ومضمونه خبر. والمراد بالكيفيّة الخصوصيّة التي يمتاز بها الشي‏ء عن غيره، وهي على قسمين:

الأوّل: ما يمتاز به الشي‏ء في نفسه، وباعتبار ذاته عن غيره من الذوات.

الثاني: ما يمتاز به الشي‏ء في عارضه الموجود في الخارج عمّا ليس له هذا العارض.

(قَالَ (عليه السلام): لَا؛ لِأَنَّ الْكَيْفِيَّةَ جِهَةُ الصِّفَةِ وَالْإِحَاطَةِ).

«لا» هنا لنفي ما بعدها؛ كما في قولك: أكرمت زيداً لا لأنّه فاضل، ولكن لخوفي منه.

و «الجهة» مثلّثة الجيم: الطريق. والمقصود نفي القسم الثاني من الكيفيّة، بناءً على أنّه لا يمكن أن يتحقّق إلّافيما يمكن صفته؛ أي بيان حقيقته باسم جامد. والإحاطة به أي إدراك الوهم إيّاه كالجسم.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «يُثْبَتُ» المجهول من باب الإفعال.

(2). انظر نهج الحقّ وكشف الصدق، ص 64، صفاته عين ذاته؛ ومعارج الفهم، ص 389.

(3). في الكافي المطبوع:+/ «له».

95

(وَلكِنْ لَابُدَّ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ جِهَةِ التَّعْطِيلِ وَالتَّشْبِيهِ).

استدراكٌ عن نفي القسم الثاني من الكيفيّة لإثبات القسم الأوّل منها، وتقدير الكلام: ولكن لأنّه لابدّ.

والمقصود أنّه لو لم يكن له القسم الأوّل من الكيفيّة، لزم النفي والتعطيل، فقوله:

«والتشبيه» إمّا بالجرّ عطف على «التعطيل» وإمّا بالنصب، والواو بمعنى «مع».

(لِأَنَّ).

استدلالٌ على وجوب الخروج من الجهتين.

(مَنْ نَفَاهُ)

أي من نفى أن يكون له كيفيّة بالمعنى الأوّل.

(فَقَدْ أَنْكَرَهُ وَدَفَعَ رُبُوبِيَّتَهُ وَأَبْطَلَهُ).

إنكاره جحد كونه مستحقّاً للعبادة، وهو لازم لدفع الربوبيّة؛ أي دفع كونه مالكاً لكلّ شي‏ء، وهو لازم للإبطال؛ لأنّ المعدوم حقيقةً لا يكون ربّاً، فلا يكون إلهاً.

(وَمَنْ شَبَّهَهُ بِغَيْرِهِ)؛

بالقول بأنّ له كيفيّةً بالمعنى الثاني.

(فَقَدْ أَثْبَتَهُ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ الْمَصْنُوعِينَ)؛

هي أن يكون جسماً محدوداً ممثّلًا.

(الَّذِينَ لَايَسْتَحِقُّونَ الرُّبُوبِيَّةَ)

؛ لأنّهم لا يملكون لأنفسهم دفع ضرر ولا جلب نفع دون مالكهم.

(وَلكِنْ).

هذا الكلام تكرار وبدل لقوله: «ولكن لابدّ من الخروج» إلى آخره، للتصريح على المراد.

(لَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ أَنَّ لَهُ كَيْفِيَّةً)

أي القسم الأوّل منها.

(لَا يَسْتَحِقُّهَا غَيْرُهُ)

أي لا تتحقّق بتمامها في غيره.

(وَلَا يُشَارَكُ فِيهَا)؛

بفتح الراء إمّا بأن يكون فيه ضمير مستتر راجع إلى اللَّه، وإمّا بأن يكون الظرف قائماً مقام الفاعل؛ أي ولا تتحقّق‏ (1) ببعضها في غيره.

(وَلَا يُحَاطُ بِهَا).

الظرف قائم مقام الفاعل؛ أي لا يحيط شي‏ء بها إحاطةَ الجسم بجسم آخر، أو المكان بالمتمكّن، أو نحو ذلك.

(وَلَا يَعْلَمُهَا غَيْرُهُ)

أي ولا يدرِك كنهها لا بالضرورة، ولا بالنظر.

(قَالَ السَّائِلُ: فَيُعَانِي الْأَشْيَاءَ بِنَفْسِهِ؟).

الفاء للتفريع على ما ذكره (عليه السلام) في قوله: «لوجود

____________

(1). في «ج»: «يتحقّق».

96

المصنوعين» إلى آخره، والاستفهام مقدّر. والمعاناة: تحمّل التعب في فعل.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): هُوَ أَجَلُّ)؛

يعني أنّ المعاناة نقص لا يمكن أن تتحقّق في صانع الجسم بلا مادّة سبقت، فمصنوعاته صادرةٌ عنه بلا معاناة.

(مِنْ أَنْ يُعَانِيَ الْأَشْيَاءَ)

أي من أن لا يكون فعله بمحض الإرادة والمشيئة بل‏

(بِمُبَاشَرَةٍ وَمُعَالَجَةٍ)؛

إذ المباشرة فعل البدن، وكذا المعالجة.

وفيه دلالة على أنّ المعاناة لا يمكن إلّافي البدن.

(لِأَنَّ ذلِكَ صِفَةُ الْمَخْلُوقِ)

أي لأنّه صفة الأجسام المخلوقة، أي المدبّرة المحدودة في «أين» و «كم»، أو لأنّه نقص لا يكون في الخالق الذي قد دلّ الدليل على أنّه بري‏ء من كلّ نقص.

(الَّذِي لَاتَجِي‏ءُ)

أي‏ (1) لا يأتي طائعاً كما في قوله تعالى‏ في سورة فصّلت: «فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ» (2).

(الْأَشْيَاءُ لَهُ)

أي إذا أرادها.

(إِلَّا بِالْمُبَاشَرَةِ وَالْمُعَالَجَةِ، وَهُوَ)

أي صانع الجسم بلا مادّة سبقت‏

(مُتَعَالٍ)

أي عن كلّ نقص‏

(نَافِذُ الْإِرَادَةِ وَالْمَشِيئَةِ).

ذكر «المشيئة» بعد «الإرادة» هنا للترقّي؛ لأنّ المشيئة قبل الإرادة، كما يجي‏ء في باب البداء.

(فَعَّالٌ لِمَا يَشَاءُ).

السابع:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، قَالَ: سُئِلَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): أَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تعالى شَيْ‏ءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، يُخْرِجُهُ مِنَ الْحَدَّيْنِ: حَدِّ التَّعْطِيلِ، وَحَدِّ التَّشْبِيهِ).

مضى شرحه في ثاني الباب.

____________

(1). في «ج»: «أو».

(2). فصّلت (41): 11.

97

باب أنّه تعالى لا يعرف إلّابه‏

الباب الثالث بَابُ أَنَّهُ تعالى لَايُعْرَفُ إِلَّا بِهِ‏

فيه ثلاثة أحاديث، وشرح من المصنّف.

و «يعرف» بصيغة المجهول من باب ضرب، وفيه ضمير راجع إلى اللَّه تعالى.

والباءللسببيّة، والاستثناء مفرّغ، أي لا يعرف ربوبيّته إلّابإلهامه تعالى كلَّ من بلغ حدّ التمييز ورأى السماء والأرض وسائر ما خَلَق اللَّه من شي‏ء ربوبيَّته، كما في قوله تعالى في سورة والشمس: «فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها» (1)، وقوله في سورة الأعراف: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ شَهِدْنا». (2)

وفي كلّ شي‏ء له شاهد* * * يدلّ على أنّه واحد (3)

الأوّل:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ السَّكَنِ)،

بفتح المهملة، وفتح الكاف.

____________

(1). الشمس (91): 8.

(2). الأعراف (7): 172.

(3). هذا البيت محكي عن الشاعر أبي إسحاق إسماعيل بن القاسم الملقّب بأبي العتاهية المولود سنة 130 ق بعين التمر. انظر تاج العروس، ج 19، ص 62؛ أعيان الشيعة، ج 3، ص 397 عن ديوانه ص 122 المطبوع في بيروت. و حكاه عن الشاعر عليّ بن إبراهيم القمّي في تفسيره، ج 2، ص 267، والطبرسي في جوامع الجامع، ج 3، ص 429؛ ومجمع البيان، ج 9، ص 260؛ وج 10، ص 316، وابن المنير الإسكندري في كتاب الإنصاف فيما تضمنه الكشّاف، ج 2، ص 526.

98

(عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): اعْرِفُوا اللَّهَ بِاللَّهِ).

صورته أمر، ومعناه النهي عن الوسواس في تحصيل معرفة اللَّه بتتبّع ما قاله الفلاسفة وأتباعهم من الدور والتسلسل ونحو ذلك. (1)

ويمكن أن يحمل عليه قوله تعالى في سورة الشورى: «وَ الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ عَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ» (2).

(وَالرَّسُولَ بِالرِّسَالَةِ)

أي بأنّ ربوبيّته تعالى يستلزم أن يرسل رسولًا إلى من لم يوحَ إليه، كما يجي‏ء في «كتاب الحجّة» في ثاني الأوّل‏ (3) من قوله: «إنّ من عرف أنّ له ربّاً فقد ينبغي‏ (4) له أن يعرف أنّ لذلك الربّ رضاً وسخطاً، وأنّه لا يعرف رضاه وسخطه إلّا بوحيٍ أو رسولٍ، فمن لم يأته الوحي فقد ينبغي له أن يطلب الرسل، فإذا لقيهم عرف أنّهم الحجّة، وأنّ لهم الطاعةَ المفترضة».

(وَأُولِي الْأَمْرِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)

أي بأنّ ربوبيّته تعالى يستلزم أن ينصب بعد الرسل وقبل مجي‏ء شريعة جديدة حجّةً للأمر بالمعروف والعدل والإحسان؛ لئلّا يكون للناس على اللَّه حجّة بعد الرسل، فيجب على الناس بعد الرسول طلب ذلك الحجّة، فإذا رأوه عرفوه، كما يجي‏ء في «كتاب الحجّة» في ثاني الأوّل أيضاً بعد ما سبق من قوله: «وقلت للناس: أليس تزعمون أنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) كان هو الحجّة من اللَّه على خلقه؟ قالوا: بلى، قلت: فحين مضى رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)(5) مَن كان الحجّةَ على خلقه؟

فقالوا: القرآن، فنظرت في القرآن، فإذا هو يخاصم به المرجئ‏ (6) والقدري والزنديق‏

____________

(1). حكاه الإيجي في المواقف، ج 3، ص 73؛ وحكاه الرازي في المحصّل، ص 342؛ والمحقّق في المسلك في اصول الدين، ص 52؛ والعلّامة في معارج الفهم، ص 212.

(2). الشورى (42): 16.

(3). أي الحديث 2 من باب الاضطرار إلى الحجّة.

(4). في المصدر: «فينبغي».

(5). في «ج»:-/ «رسول اللَّه».

(6). المرجئة: فرقة من فرق الإسلام يعتقدون أنه لا يضرّ مع الإيمان معصية ولا ينفع مع الكفر طاعة.

99

الذي لا يؤمن به حتّى يغلب الرِّجال بخصومته، فعرفت أنّ القرآن لا يكون حجّة إلّا بقيّم، فما قال فيه من شي‏ء كان حقّاً، فقلت لهم: مَن قيّم القرآن؟ فقالوا: ابن مسعود قد كان يعلم، وعمر يعلم، وحذيفة يعلم، قلت: كلَّه؟ قالوا: لا، فلم أجد أحداً يُقال: إنّه يعرف ذلك كلّه إلّاعليّاً (صلوات اللَّه عليه)، وإذ كان الشي‏ء بين القوم فقال هذا: لا أدري، وقال هذا: لا أدري، وقال هذا: لا أدري وقال هذا: أنا أدري، فأشهد أنّ عليّاً (عليه السلام) كان قيّم القرآن، وكانت طاعته مفترضة، وكان الحجّةَ على الناس بعد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، وأنّ ما قال في القرآن فهو حقّ». (1)

الشرح:

(وَ مَعْنى‏ قَوْلِهِ (عليه السلام): «اعْرِفُوا اللَّهَ بِاللَّهِ»)

. هذا عنوان ما بعده، بقرينة ذكر «يعني» فيما بعده، وظاهر ذكر الواو في قوله: «ومعنى» أنّ المقصود بيان معنى آخر لمعرفة اللَّه باللَّه غيرِ ما يفهم منه، بقرينة ما بعده كما ذكرنا في شرحه.

وحاصله: أنّ المراد معرفة اللَّه بتشبيهه بنفسه بمعنى نفي تشبيهه‏ (2) بغيره، نظير قولهم: الجوهر ما قام بنفسه بمعنى أنّه لم يقم بغيره، وهذا المعنى هو الموافق لما يجي‏ء في رابع الخامس عشر (3) من قوله: «من زعم أنّه يعرف اللَّه بحجاب» إلى آخره.

(يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَشْخَاصَ)؛

هي الأجسام العظيمة كالسماء ونحوها، يُقال: رجل شخيص، أي جسيم؛ أو المراد أفراد الإنسان.

(وَالْأَنْوَارَ)؛

هي الأجسام الظاهرة بنفسها، المظهرة لغيرها، كالشمس والقمر والكواكب والنار؛ أو المراد الحجج المعصومون.

(وَالْجَوَاهِرَ وَالْأَعْيَانَ).

عبّر بهما عن روح الإنسان وسائر بدنه.

____________

(1). الحديث 2 من باب الاضطرار إلى الحجّة.

(2). في «ج»: «تشبيه».

(3). أي الحديث 4 من باب حدوث الأسماء.

100

(فَالْأَعْيَانُ: الْأَبْدَانُ، وَالْجَوَاهِرُ: الْأَرْوَاحُ).

نَشْرٌ على عكس ترتيب اللفّ، والنكتة الإشارة إلى أنّ مجموعهما لردّ مذهب واحد من المشبّهة هو تشبيهه تعالى بنحو الشابّ الموفّق في سنّ أبناء ثلاثين، كما يجي‏ء في ثالث العاشر. (1)

(وَهُوَ- جَلَّ وَعَزَّ- لَايُشْبِهُ جِسْماً)

أي بدناً

(وَلَا رُوحاً).

وأمّا قوله:

(وَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِي خَلْقِ الرُّوحِ الْحَسَّاسِ الدَّرَّاكِ أَمْرٌ وَلَا سَبَبٌ، هُوَ الْمُنْفَرِدُ

(2)

بِخَلْقِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَامِ)،

فإنّما ذكره لدفع توهّم أن يكون لشي‏ء من العالم خالق آخر مجرّد، فيتوهّم أن يكون اللَّه تعالى شبيهاً به.

والأمر: الخلق بمحض الإرادة، مأخوذ من قوله تعالى: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ». (3)

والسبب بفتحتين: الحبل وما يتوصّل به إلى غيره، والمراد به هنا الخلق بمباشرة ومعالجة.

(فَإِذَا نَفى‏)؛

بصيغة الماضي المعلوم من باب ضرب، وفيه ضمير راجع إلى العارف المفهوم من «اعرفوا».

(عَنْهُ الشَّبَهَيْنِ: شَبَهَ الْأَبْدَانِ، وَشَبَهَ الْأَرْوَاحِ).

هذا على سبيل المثال، وفيه إشعار بأنّ نفي الشبهين هو العمدة.

(فَقَدْ عَرَفَ اللَّهَ بِاللَّهِ)

أي بتشبيهه بنفسه. ومضى معناه.

(وَإِذَا شَبَّهَهُ بِالرُّوحِ أَوِ الْبَدَنِ أَوِ النُّورِ)

. لم يذكر الشبه بالأشخاص هنا أيضاً للإشارة إلى ظهور بطلانه.

(فَلَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ بِاللَّهِ).

قال ابن بابويه في كتابه في التوحيد في «باب أنّه عزّ وجلّ لا يعرف إلّابه» بعد نقل هذا الشرح عن محمّد بن يعقوب، وبعد ذكر أحاديث لم يذكرها محمّد بن يعقوب في هذا الباب:

قال مصنّف هذا الكتاب رضى الله عنه: القول الصواب في هذا الباب هو أن يُقال: عرفنا اللَّه باللَّه لأنّا

____________

(1). أي الحديث 3 من باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى.

(2). في الكافي المطبوع: «المتفرِّد».

(3). يس (36): 82.

101

إن عرفناه بعقولنا، فهو عزّ وجلّ واهِبُها، وإن عرفناه عزّ وجلّ بأنبيائه ورسله وحججه (عليهم السلام)، فهو عزّ وجلّ باعثهم ومرسلهم ومتّخذهم حججاً، وإن عرفناه بأنفسنا فهو عزّ وجلّ محدثها، فبه عرفناه. (1) وقد قال الصادق (عليه السلام): «لولا اللَّه ما عُرِفنا، ولولا نحن ما عُرِفَ اللَّه». ومعناه لولا الحجج ما عرف اللَّه حقّ معرفته، ولولا اللَّه ما عرف الحجج.

انتهى. (2)

ثمّ قال ابن بابويه:

ولو استغنى في معرفة التوحيد بالنظر عن تعليم اللَّه عزّ وجلّ وتعريفه، لما أنزل اللَّه عزّ وجلّ ما أنزل من قوله: «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» (3)، ومن قوله: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» (4)، إلى آخرها، ومن قوله: «بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ» إلى قوله: «وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» (5)، وآخرِ الحشر وغيرِها من آيات التوحيد.

انتهى. (6)

الثاني:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ سِمْعَانَ)؛

بكسر المهملة وفتحها، وسكون الميم والمهملة وألف ونون.

(عَنْ أَبِي رُبَيْحَةَ)؛

بضمّ المهملة، وفتح الموحّدة، وسكون الخاتمة ومهملة.

(مَوْلى‏ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)).

الظاهر أنّ اسمه: رباح بفتح المهملة والموحّدة والألف ومهملة.

(قَالَ: سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: بِمَا عَرَّفَنِي نَفْسَهُ).

الباء أوّلًا وثانياً

____________

(1). فى حاشية «أ»: «ويجي‏ء في كتاب الحجّة في ثاني الثاني عشر أنّه قال أبو عبداللَّه (عليه السلام): الأوصياء هم أبواب اللَّه عزّوجلّ التي يؤتى منها، ولولاهم ما عرف اللَّه عزّ وجلّ، وبهم احتجّ اللَّه- تبارك وتعالى- على خلقه. انتهى».

(2). التوحيد، ص 290، باب أنّه عزّوجلّ لا يرعف إلّابه، ذيل ح 10.

(3). محمّد (47): 19. وفي المخطوطين «هو» بدل «اللَّه».

(4). الإخلاص (112): 1.

(5). الأنعام (6): 101.

(6). التوحيد، ص 291.

102

للسببيّة. «ربّك» أي إنّ لك ربّاً لا يشرك في حكمه أحداً، ولا يجوز العبادة إلّاله. «ما» مصدريّة. «عرّفني» معلوم باب التفعيل. «نفسه» بالنصب مفعول به.

(قِيلَ: وَكَيْفَ عَرَّفَكَ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ‏

(1)

: لَايُشْبِهُهُ صُورَةٌ).

هذا إلى آخره بيان اللوازم البيّنة للربوبيّة. (2)

(وَلَا يُحَسُّ بِالْحَوَاسِّ، وَلَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ، قَرِيبٌ فِي بُعْدِهِ)

. «في» بمعنى «مع» أي لا يستلزم بُعده منّا- بمعنى عدم الشبه بينه وبين خلقه- أن لا يكون قريباً منّا بظهور الدلالة عليه، أو بعلمه بكلّ شي‏ء.

(بَعِيدٌ فِي قُرْبِهِ)

. إنّما ذكر ذلك مع أنّه معلوم من سابقه؛ احتياطاً بتكرار نفي التشبيه ببيان أنّ قربه منّا لا يستلزم التشبيه.

(فَوْقُ‏

(3)

كُلِّ شَيْ‏ءٍ، وَلَا يُقَالُ: شَيْ‏ءٌ فَوْقَهُ).

تصحيحٌ لبُعده. و «فوق» بالرفع من الظروف المتمكِّنة، والفوقيّة بالعلّيّة لكلّ شي‏ء، أو بالقدرة على كلّ شي‏ء، ومقول القول جملة قولِه: «شي‏ء فوقه». وإنّما جاز وقوع النكرة مبتدأً لأنّها هنا في حكم ما في سياق النفي.

(أَمَامُ‏

(4)

كُلِّ شَيْ‏ءٍ، وَلَا يُقَالُ: لَهُ أَمَامٌ).

تصحيحٌ أيضاً لبعده تعالى. و «أمام» بفتح الهمزة بالرفع من الظروف المتمكّنة، أي قبل كلّ شي‏ء بالزمان. ومقول القول جملة قولِه: «له أمام».

(دَاخِلٌ فِي الْأَشْيَاءِ لَاكَشَيْ‏ءٍ دَاخِلٍ فِي شَيْ‏ءٍ).

تصحيحٌ أيضاً لبُعده ببيان أنّ دخوله في الأشياء إنّما هو بكونه شيئاً بحقيقة الشيئيّة، أو بعلمه بكلّ شي‏ء، لا كجسماني داخل في جسماني.

(وَخَارِجٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ لَاكَشَيْ‏ءٍ خَارِجٍ مِنْ شَيْ‏ءٍ).

تصحيحٌ أيضاً لبعده بأنّ خروجه‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «قال».

(2). في «ج»: «لشواهد الربوبيّة». وفي حاشية «أ»: «الشواهد الربوبيّة في الآفاق والأنفس» بدل «اللوازم البينة للربوبيّة».

(3). في الكافي المطبوع: «فوقَ» بفتح الأخير.

(4). في الكافي المطبوع: «أمامَ» بفتح الأخير.

103

من الأشياء إنّما هو بتباين ذاته مع ذواتها، لا كجسماني خارج من جسماني.

(سُبْحَانَ مَنْ هُوَ هكَذَا وَلَا هكَذَا غَيْرُهُ).

أي كلّ ما عداه تعالى له دخول مكاني وكذا خروجه، وقس عليهما الباقي.

(وَلِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مَبْتَدَأٌ

(1)

بفتح المهملة، مرفوع على الابتداء، وخبره الظرف المتقدّم عليه. وإنّما ذكره ليكون دليلًا على قوله: «ولا هكذا غيره». والمراد بالمَبتدأ الحدّ، أي لكلّ شي‏ء غيره تعالى حدّ معيّن يبتدأ منه وجوده، إمّا واحد كالكرة، وإمّا متعدّد كالمكعّب. وهذا لإبطال قول الفلاسفة القائلين بقدم العالم، وبتجرّد العقول والنفوس. (2)

الثالث:

(مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيى‏، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): إِنِّي نَاظَرْتُ قَوْماً، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ- جَلَّ جَلَالُهُ- أَجَلُّ)

أي أظهر وأوضح؛ مأخوذ من الجلّ بالكسر ضدّ الدقّ، أو من الجليل ضدّ الحقير. (3)

(وَأَكْرَمُ)

(4) أي أعزّ. كأنّ الخفيّ- الذي يحتاج في إثباته إلى دقّة نظر وطول فكر ومناظرة- فيه ذلّة.

(مِنْ أَنْ يُعْرَفَ بِخَلْقِهِ).

الباء للآلة؛ (5) أي من أن يعرف ربوبيّته بتعليم خلقه كالأنبياء والرُّسل ونحوهم.

(بَلِ)؛

للإضراب والإبطال، كقوله سبحانه: «بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ» (6).

(الْعِبَادُ)

أي المصطفَون، وهم الرُّسل والأئمّة (عليهم السلام).

(يُعْرَفُونَ بِاللَّهِ)؛

بصيغة المجهول من باب ضرب؛ أي يعرف رسالتهم وإمامتهم‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «مُبتدأ» بضمّ الأوّل.

(2). انظر الحكمة المتعالية، ج 6، ص 2- 7 لترى قول الفلاسفة في قدم العالم وحدوثه.

(3). القاموس المحيط، ج 3، ص 350 (جلّ).

(4). في الكافي المطبوع: «وأعزّ وأكرم» بدل «وأكرم».

(5). في «ج»: «للسببية».

(6). الأنبياء (21): 26.

104

بمعرفة ربوبيّة اللَّه، كما بيّنّاه في شرح أوّل الباب.

ويحتمل أن يكون «يعرفون» بصيغة المعلوم؛ أي يعرفون اللَّه باللَّه؛ ومضى معناه.

والأوّل أوفق بتتمّته التي تجي‏ء في «كتاب الحجّة» في ثاني الأوّل‏ (1) وخامس عشر الثامن. (2)

(فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ).

تصديقٌ لمناظرته.

____________

(1). أي الحديث 2 من باب الاضطرار إلى الحجّة.

(2). أي الحديث 15 من باب فرض طاعة الأئمّة.