الشافي في شرح الكافي - ج2

- خليل بن غازي‏ القزويني المزيد...
582 /
105

باب أدنى المعرفة

الباب الرابع بَابُ أَدْنَى الْمَعْرِفَةِ

فيه أربعة أحاديث.

المراد بالمعرفة هنا الاعتراف، أي الإقرار، وبأدناها ما لا يجتزأ في الحكم بالإسلام في باب معرفة الخالق بدونه؛ لكونه متعلّقاً بضروريّات دين الإسلام، ومذكوراً في محكمات القرآن ونحوها.

الأوّل:

(مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَلَوِيِّ؛ وَعَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ‏

(1)

، عَنِ‏ الْمُخْتَارِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُخْتَارِ الْهَمْدَانِيِّ جَمِيعاً، عَنِ الْفَتْحِ بْنِ يَزيدَ

(2)

، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام)).

الفتح من أصحاب الرِّضا (عليه السلام) موافقاً لما يجي‏ء (3) في «كتاب النكاح» في ثالث «باب وقوع‏

____________

(1). في «أ»: «عن عليّ بن إبراهيم» بدل «وعليّ بن إبراهيم». وفي حاشية «أ»: «قوله: عن عليّ بن إبراهيم. وكذا في نسخ‏الشافي موافقاً لأكثر المتون، وفي شرح الفاضل المازندراني أصلح مآله «وعليّ» بالواو بدل «عن» وهو أصوب بدليل لفظ «جميعاً» وأنّ المصنّف رحمه الله يروى عن عليّ بن إبراهيم بلا واسطة، وأنّ ما يجي‏ء في باب وقوع الولد، كتاب النكاح هكذا: عليّ بن إبراهيم عن المختار بن محمّد المختار ومحمّد بن الحسن عن عبد اللَّه بن الحسن جميعاً عن الفتح بن يزيد، قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الشروط في المتعة، الحديث. ويوافقه ما يجي‏ء في أوّل الثاني عشر من هذا الكتاب (مهدي)».

(2). في الكافي المطبوع:-/ «بن يزيد».

(3). في حاشية «أ»: «ردّ على صاحب كشف الغمّة حيث عدّه من أصحاب الهادي (عليه السلام) (منه)».

وفي مكان آخر: «قوله: موافقاً لما يجي‏ء، إلى آخره، قد ذكرنا الحديث في الحاشية السابقة، ثم إنّ الفاضل المازندراني أصلح مآله بعد نقل اختلاف أصحاب الرجال في أنّ أبا الحسن الذي روى عنه الفتح الرضا هو أمّ الهادي (عليهما السلام)، أيّد الأوّل بأنّ الصدوق رحمه الله روى هذا الحديث في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) في باب ما جاء عن الرضا (عليه السلام) من الأخبار في التوحيد، ويظهر منه أنّه غفل أو تغافل عما قدّمه في الديباجة من أنّ المراد بأبي الحسن على الإطلاق هو الكاظم (عليه السلام) حيث قال فيه عند قول المصنف: «وقد قال العالم (عليه السلام)»: من دخل في الإيمان إلى آخره، المراد بالعالم هنا موسى بن جعفر (عليهما السلام). وقيل: هو المراد من العالم إذا اطلق. ويقال: والكاظم أبو الحسن على الإطلاق وأبو الحسن الأوّل والعبد الصالح وأبو إبراهيم. ويقال: أبو الحسن الثاني للرضا (عليه السلام)، وأبو الحسن الثالث للهادي (عليه السلام)، وأبو عبد اللَّه للصادق (عليه السلام)، وأبو جعفر على الإطلاق وأبو جعفر الأوّل للباقر (عليه السلام)، وأبو جفعر الثاني للجواد (عليه السلام)، والماضي وأبو محمّد للعسكري (عليه السلام) انتهى.

وقد عرفت الآن أنّ ما ذكره ثمّة ليس مطّرداً. ويدلّ على عدم الإطّراد أيضاً إنّا لم نجد من أصحاب الرجال من يجوّز أن يكون الفتح من أصحاب الكاظم (عليه السلام) (مهدي)».

106

الولد» (1).

(قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ أَدْنَى الْمَعْرِفَةِ، فَقَالَ: الْإِقْرَارُ بِأَنَّهُ لَاإِلهَ)

أي لا مستحقّ للعبادة

(غَيْرُهُ، وَلَا شِبْهَ‏

(2)

لَهُ).

شبه الشي‏ء- بالكسر وبالتحريك، وكأمير- ما يصلح لأن يكون زوجاً له بأن يكون كلّ منهما جسمانيّاً، أو يكون كلّ منهما مجرّداً. وهذا ردّ على المجسّمة والفلاسفة.

(وَلَا نَظِيرَ لَهُ)،

النظير: المناظر؛ أي المضادّ. وهذا ردّ على المجوس؛ حيث جعلوا إبليس مضادّاً للَّه‏تعالى‏ (3)، وعلى المعتزلة المفوّضة، (4) كما سيجي‏ء في «باب الاستطاعة».

(وَأَنَّهُ).

تكراره هنا للإشارة إلى أنّ ما قبله صِفات سلبيّة، وما بعده ثبوتيّة.

(قَدِيمٌ)

أي مستمرّ الكون‏ (5) في جانب الماضي إلى غير النهاية. وهذا ردّ على من قال في حدوث العالم واختصّ الحدوث بوقته، (6) إذ لا وقت قبله مراداً به أنّه لا استمرار قبل العالم أصلًا.

(مُثْبِتٌ)

(7)

؛

بكسر الباء؛ أي فعّال لما يريد؛ من أثبته: إذا شدّه بالثبات بالكسر، وهو

____________

(1). الكافي، ج 5، ص 464، باب وقوع الولد، ح 3.

(2). في «ج»: «شبيه».

(3). نظريّة المجوس تجدها في رسائل المرتضى، ج 3، ص 284؛ والمواقف للإيجي، ج 3، ص 65؛ ومجمع البيان، ج 4، ص 125؛ وتفسير الرازي، ج 13، ص 113.

(4). لا بأس بمراجعة كتاب لبّ الأثر في الجبر والقدر (محاضرات الإمام الخميني رحمه الله) للتعرف على نظريّة المفوّضة.

(5). في «ج»: «الوجود».

(6). في حاشية «أ»: «القائل صاحب التجريد (منه)».

(7). في الكافي المطبوع: «مُثْبَتُ» بفتح الباء.

107

سير يشدّ به الرَّحْل. أو معناه عالم بما يفعل وما يترك؛ من أثبته: إذا عرفه حقّ المعرفة، فمعناه حكيم؛ أو بفتحها، أي أبديٌّ استُعير من الرَّحْل المشدود بالثبات. أو معناه أنّه محكوم عليه بأنّه شي‏ء بحقيقة الشيئيّة.

(مَوْجُودٌ)

أي حاضر عند الشدائد، يُجيب دعوة الداع إذا دعاه، فالوجود هنا مقابل للفقد؛ يُقال: وجدتُ الشي‏ء وأنا واجده، وهو موجود، وهذا مشتمل على أنّه سميعٌ بصير.

وقوله:

(غَيْرُ فَقِيدٍ)

بيانٌ ل «موجود» للتصريح بالعموم.

(وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ).

مضى شرحه في رابع «باب إطلاق القول بأنّه تعالى شي‏ء».

الثاني:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ طَاهِرِ بْنِ حَاتِمٍ)؛

ابن ماهويه القزويني.

(فِي حَالِ اسْتِقَامَتِهِ‏

). كان مستقيماً ثمّ تغيّر وأظهر الغلوّ.

(أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى الرَّجُلِ)

ذكره الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام)، (1) وقال: غال كذّاب أخو فارس، (2) ثمّ ذكره في باب من لم يرو عن أحد من الأئمّة (عليهم السلام). (3)

(مَا الَّذِي لَايُجْتَزَأُ فِي مَعْرِفَةِ الْخَالِقِ بِدُونِهِ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: لَمْ يَزَلْ عَالِماً وَسَامِعاً)

أي سميعاً، كما في كتاب التوحيد لابن بابويه، (4) فإنّ السماع من صفات الفعل، والسمع من صفات الذات.

____________

(1). في حاشية «أ»: «قوله (في أصحاب الرضا (عليه السلام)) يوافق ما ذكره الاستاذ المحقّق رضى الله عنه في ضيافة الاخوان، وما في‏حواشي الفاضل النائيني لهذا الكتاب، وما في كتابي الرجال للفاضل الإسترابادي رحمه الله عن طاهر بن حاتم بن ماهويه قال: كتبت إلى الطيّب- يعني أبا الحسن (عليه السلام)-، ما الذي لا يجتزأ في معرفة الخالق جلّ جلاله بدونه؟ فكتب: ليس كمثله شى‏ء، لم يزل سميعاً وعليماً وبصيراً، وهو الفعّال لما يريد. ويظهر منه أنّ من روى عنه من هو غير سهل وغير اللذين نقل عنه كتاب الرجال. ثمّ الفاضل المازندراني- أصلح اللَّه مآله- بعد ذكر نسب طاهر وتوضيح ماهويه- بفتح الهاء والواو ومذهبه كما في المتن- قال: وطاهر من أصحاب أبي عبد اللَّه وأصحاب أبي الحسن موسى أخوه فارسي من أصحاب الرضا (عليه السلام)، ثم قال في شرح الحديث كتب إلى الرجل هو الكاظم أو الصادق (عليهما السلام)، انتهى».

(2). رجال الشيخ، ص 359، أصحاب أبي الحسن الرضا (عليه السلام).

(3). رجال الشيخ، ص 428، باب ذكر أسماء من لم يرو عن أحد من الأئمّة (عليهم السلام).

(4). التوحيد، ص 197، ضمن الحديث 9.

108

(وَبَصِيراً، وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ)

أي لما يريد فعله. والمعنى: أنّه نافذ الإرادة لا يمتنع عن إرادته شي‏ء.

الثالث:

(وَسُئِلَ‏

(1)

أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنِ الَّذِي لَايُجْتَزَأُ بِدُونِ ذلِكَ)؛

من وضع الظاهر موضع المضمر؛ أي بدونه.

(مِنْ مَعْرِفَةِ الْخَالِقِ، فَقَالَ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ، وَلَا يُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ، لَمْ يَزَلْ عَالِماً، سَمِيعاً، بَصِيراً).

ظهر معناه ممّا مرّ.

الرابع:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ بْنِ بَقَّاحٍ)؛

بفتح الموحّدة، وشدّ القاف والألف والمهملة.

(عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: إِنَّ أَمْرَ اللَّهِ)

أي أفعاله‏

(كُلَّهُ عَجِيبٌ)

أي حسن حكيم.

(إِلَّا)؛

بالكسر والتشديد عاطفة بمنزلة الواو؛ أي خصوصاً، أو بالفتح والتخفيف تنبيه.

(أَنَّهُ)؛

بالفتح أو الكسر.

(قَدِ احْتَجَّ عَلَيْكُمْ بِمَا قَدْ عَرَّفَكُمْ)

أي في محكمات القرآن ونحوها.

(مِنْ نَفْسِهِ)

في صفاته وأفعاله.

وهذا الحديث هو المعيار لأدنى المعرفة، وجميع ما ذكر في الأحاديث السابقة من قبيل بيان الشي‏ء بمثاله، وبهذا يندفع الاعتراض بأنّ الأحاديث في «باب أدنى المعرفة» مختلفة بالزيادة والنقصان، ولا يجوز الاختلاف في أدنى المعرفة.

____________

(1). في حاشية «أ»: «قوله: (وسئل) إلى آخره. جوّز الفاضل النائيني- رفع قدره- أن يكون هذا من تتمّة مكاتبة طاهربن حاتم، وأن يكون حديثاً مستأنفاً مرسلًا. وقال الفاضل المازندراني: الظاهر أنّه ليس من تتمّة المكاتبة، ويؤيّده أنّ الصدوق رحمه الله روى هذه المكاتبة بعينها ولم يذكر هذه اللاحقة. انتهى. وأنت عرفت كما نقلنا مخالفة التوقيع المروي من توحيد الصدوق كما في المتن (مهدي)».

109

باب المعبود

الباب الخامس بَابُ الْمَعْبُودِ

فيه أربعة أحاديث.

لمّا كان تعيين ما يستحقّ العبادة من ذاته تعالى وأسمائه مناسباً للأبواب السابقة، ألحقه بها.

الأوّل:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنِ ابْنِ رِئَابٍ، وَعَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِالتَّوَهُّمِ‏

(1)

)

أي بإيقاع الوهم عليه على وجه الإدراك له على حدة، أي لا بمحض التصوّر بالوجه.

(فَقَدْ كَفَرَ)

أي لم يعبد اللَّه أصلًا. وحصر عبادته في غيره تعالى كما يفهم من تقديم المفعول في قوله تعالى في سورة الزمر: «قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ» (2).

(وَمَنْ)

أي ومن لم يعبد بالتوهّم لكن‏

(عَبَدَ الِاسْمَ‏

(3)

)

أي ما وضع له لفظ «اللَّه» و «الخالق» و «العالم» ونحوها، وهو المفهوم الحاصل في الذهن وهو جزء الكلام النفسي المدلول عليه بالكلام اللفظي.

____________

(1). في حاشية «أ»: «بالتوهّم؛ يعني من غير جزم بوجوده، أو بما يتوهّمه من مفهوم اللفظ، أي عبد الصورة الوهميّةالتي تحصل في ذهنه من مفهوم اللفظ». الوافي، ج 1، ص 346.

(2). الزمر (39): 64.

(3). في حاشية «أ»: «ومن عبد الاسم، أي اللفظ الدالّ على المسمّى، أو ما يفهم من اللفظ من الأمر الذهني دون‏المعنى، أي ما يصدق عليه اللفظ أعني المسمّى الموجود في خارج الذهن. والحاصل أنّ الإسم وما يفهم منه غير المسمّى؛ فإنّ لفظ الإنسان مثلًا ليس بإنسان، وكذا ما يفهم من هذا اللفظ ممّا يحصل في الذهن؛ فإنّه ليس له جسميّة ولا حياة ولا نطق ولا شي‏ء من خواصّ الإنسانيّة». الوافي، ج 1، ص 346.

110

(دُونَ الْمَعْنى‏)؛

بفتح الميم، وسكون المهملة، وفتح النون والقصر: اسم مكان؛ أي المقصد، أو بكسر النون، وشدّ الخاتمة: اسم مفعول؛ أي المقصود، أي دون الموجود في نفسه في الخارج، المقصودِ تصوّره بالوجه بإيقاع الاسم عليه. فالفرق بين المعنى والمسمّى أنّه يعتبر في المعنى كون الاسم خارجاً عنه، وجهاً من وجوهه، ولا يعتبر في المسمّى ذلك.

(فَقَدْ كَفَرَ)؛

إذ لم يعبد اللَّه أصلًا.

(وَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ وَالْمَعْنى‏).

هذا حال من ادّعى أنّ صفاته تعالى موجودة في أنفسها في الخارج وهم الأشاعرة. (1)

(فَقَدْ أَشْرَكَ)

مع اللَّه غيره ممّا لا يستحقّ العبادة؛ لأنّ صفة الكمال الموجودة في نفسها في الموصوف أكبر من الموصوف، كما يشير إليه قوله تعالى: «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ» (2)، وقد مرَّ بيانه في ثالث الثالث والعشرين من «كتاب العقل‏ (3)» فهي أولى من ذات اللَّه حينئذٍ باستحقاق العبادة.

(وَمَنْ عَبَدَ الْمَعْنى‏ بِإِيقَاعِ الْأَسْمَاءِ)

أي حملها

(عَلَيْهِ بِصِفَاتِهِ).

الباء للملابسة. والفرق بين الصفة والاسم أنّ الاسم ما يحمل على الشي‏ء مواطأةً كالعالم وذو القوّة، والصفةَ ما يحمل على الشي‏ء لا مواطأة، بل بتوسّط ما يشتقّ منه، أو بتوسّط «ذو» كالعلم والقوّة المحمولين بتوسّط حمل العالم وذو القوّة؛ أي مع إرادته صفاته لا يجعل بعض أسمائه علماً لذاته.

(الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ)

أي لم يتجاوز في المختلف فيه اختلافاً حقيقيّاً مستقرّاً إلى وصفه بغير ما وصف به نفسه في محكمات القرآن بخصوصه كالعلم والقدرة، أو بعمومه كما في الأمر بسؤال أهل الذِّكر فيما لم يعلم بالبيّنات والزبر. وهذا ردّ على الذين يلحدون في أسمائه. (4)

____________

(1). شرح المواقف، ج 8، ص 18؛ شرح العقيدة الطحاوية، ص 129. وانظر الفتوحات المكّيّة، ج 1، ص 680.

(2). المائدة (5): 73.

(3). أي الحديث 3 من باب الأخذ بالسنّة وشواهد الكتاب.

(4). فيه إشارة إلى قوله تعالى في سورة الأعراف (7): 180 «وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ فَادْعُوهُ بِها وَ ذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ».

111

(فَعَقَدَ)

أي شدّ وربط، وفيه ضمير «مَن».

(عَلَيْهِ).

الضمير راجع إلى «المعنى». ويجوز رجوعه إلى مصدر «عبد» أو إلى «الإيقاع».

(قَلْبَهُ)؛

مفعول «عقد». والمراد بعقد القلب إمّا الإخلاص في العبادة، وإمّا الطوع القلبي المعبَّر عنه في حدّ الإيمان بالتصديق، وهو غير العلم كما سيجي‏ء في ثالث «باب في إبطال الرؤية».

(وَنَطَقَ بِهِ).

راجع إلى ما رجع إليه ضمير «عليه».

(لِسَانُهُ)؛

فاعل «نطق». وهو إشارة إلى أنّ الإقرار معتبر في الإيمان الكامل، بقرينة قوله: «حقّاً».

(فِي سِرِّ أمْرِهِ‏

(1)

وَعَلَانِيَتِهِ)

. نَشْرٌ على ترتيب اللفّ.

(فَأُولئِكَ أَصْحَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَقّاً).

الثاني:

(وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ بدل قوله: «فَأُولئِكَ أَصْحَابُ» إلى آخره:

«أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا»*

).

الثالث:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ: أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَاشْتِقَاقِهَا)

. من قبيل: أعجبني زيد وحسنه؛ أي سأل عن اشتقاق أسماء اللَّه.

ويحتمل أن يكون المسؤول عنه كلّ واحدٍ من نفس الأسماء واشتقاقها، وكأنّ ذلك بعد سماعه أنّ الأسماء ليست أسماء ذات بذاته بأن تكون أعلاماً أو بعضها علماً، بل هي مشتقّات، أي ملحوظ في وضعها وإطلاقها عليه تعالى دلالتها على الصفات.

ويحتمل أن يكون المراد بالاشتقاق معناه اللغوي؛ أي أخذها من أصل، سواء كانت أعلاماً أم لا.

ويبعّده قوله: «والإله يقتضي مألوهاً» إلى آخره.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «سرائره» بدل «سرّ أمره».

112

(اللَّهُ)؛

بتقدير القول. إنّما خصّ اللَّه بالذِّكر لكثرة الخلاف فيه بين الناس.

قال في القاموس: «واختلف فيه على عشرين قولًا ذكرتها في المباسيط أصحّها عَلَم غير مشتقّ» انتهى. (1)

وقال الجوهري:

لاه يليه ليهاً: تستّر. وجوّز سيبويه أن يكون لاهٌ أصل اسم اللَّه، قال الشاعر: لاهه الكبار، أي إلاهه‏ (2). ادخلت عليه الألف واللام، فجرى مجرى الاسم العَلَم كالعبّاس والحسن، إلّا أنّه يخالف الأعلام من حيث كان صفة. انتهى. (3)

(مِمَّا).

متعلّقٌ ب «مشتقّ» أي من أيّ شي‏ء. وإثبات ألفها مع دخول الجارّ عليه شاذّ.

(هُوَ مُشْتَقٌّ؟ قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا هِشَامُ، اللَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ إِلهٍ)؛

على وزن فعال بمعنى فاعل؛ من ألههم كنصر إذا استحقّ عبادتهم، ادخل عليه في الجلالة حرف التعريف للعهد، (4)

____________

(1). القاموس المحيط، ج 4، ص 280 (أله).

(2). في حاشية «أ»: «قوله: (لاهه الكبار) هذا جزء بيت لابن جني أو الأعشى‏ وتمامه:

حلفة من أبي رياح‏* * * يسمعها لاهه الكبار

الحلفة: واحد الحلف بمعنى القسم، ورواية القاف بدل الفاء تحريف. وأبو رياح: اسم رجل. والكبار- بضمّ الكاف وتخفيف الباء- بمعنى العظيم، كما نصّ عليه العيني في شرح شواهد الألفية، وهو نعت لاهه. وروي: «يشهدها» مكان «يسمعها». وروي «لاهم» بالميم بدل الهاء الثانية. قال العيني: وفيه شذوذان؛ أحدهما: استعماله في غير النداء؛ لأنّه فاعل يسمعها، والآخر تخفيف ميمه وأصله التشديد. انتهى. ولقائل أن يقول: لعلّ أصالة التشديد مختصّة بالنداء (مهدي)».

(3). الصحاح، ج 6، ص 2248 (ليه).

(4). في حاشية «أ»: «قوله: (قدّس سرّه) (للعهد)، إلى آخره المراد به إمّا العهد الخارجي، كما سيصرح به في الباب‏السادس عشر في شرح حديث الحسن بن راشد. وإمّا العهد العلمي، وهو الأنسب. ومآلهما واحد؛ فإنّ الثاني من أصناف الأوّل، بناءً على أنّ مرادهم بالعهد الخارجي القسيم للجنس والاستغراق. والعهد الذهني ما قصد يمد قوله فرد معين من الحقيقه، سواء كان التعيين بسبب سبق الذكر صريحاً أو كناية، وهو المسمىّ بالعهد الذكري، وقد اجتمعا في قوله تعالى: «وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى‏» إذا الانثى إشارة إلى ما صرّح به سابقاً في قولها: «رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏» والذكر إشارة إلى ما سبق ذكره كناية في قولها: «رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً» فإنّ «ما» وإن كان يعمّ الذكور والإناث، لكن التحرير- وهو أن يعتق الولد لخدمة بيت المقدس- إنّما كان للذكور؛ صرّح بذلك التفتازاني في المطوّل. أو كان التعيين بسبب حضور مدخولها، وهو المسمّى بالعهد الحضوري. وزعم بعض أنّها لا تدخل إلّاعلى الزمان الحاضر، أو المنادي، أو المشار إليه نحو: الآن، ويا أيّها الرجل، وهذا الرجل. وتفصيله في مغني لابن هشام. أو كان التعيين لسبب سبق علم المتكلّم والمخاطب به، وهو المسمّى بالعهد العلمي، كما في قوله تعالى‏ «بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ»* وقوله تعالى: «تَحْتَ الشَّجَرَةِ» وقوله تعالى: «إِذْ هُما فِي الْغارِ» صرح بذلك الأزهري في التصريح (مهدي)».

113

فجرى مجرى العلم؛ أي الذي يستحقّ عبادة كلّ مَن سواه، ولا يستحقّ غيره عبادته.

ونظيره إمام مَن أمّهم: إذا تقدّمهم. وقيل: إله بمعنى مألوه. انتهى. (1)

وهذا كما قيل في إمام: إنّه بمعنى مفعول؛ أي من يؤتمُّ به. (2) ويبطله قوله:

(وَالْإِلهُ)؛

بالرفع على الابتداء، واللام للجنس.

(يَقْتَضِي)

أي يستلزم استلزامَ أحد المتضايفين للآخر.

(مَأْلُوهاً)

أي من عبادته واجبة مستحقّة بالفتح. استدلالٌ على أنّ هذا الاسم ليس عين المسمّى بأنّ الأمر النسبي لا يمكن أن يكون علميّاً، ولا أن يكون ذاتاً أو ذاتيّاً لموجود في نفسه في الخارج.

وسيجي‏ء في رابع «باب جوامع التوحيد»: «كان ربّاً إذ لا مربوب، وإلهاً إذ لا مألوه» مع شرحه.

(وَالِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمّى‏).

لمّا بيّن أنّ اللَّه ليس عين مسمّاه، أراد أن يعمّم ويبطل القول بأنّ اسماً من أسمائه عين المسمّى، ومضى بيانه في أوّل الباب. وأمّا مغايرة اللفظ للمسمّى، فأظهر من أن يحتاج إلى بيان.

(فَمَنْ عَبَدَ).

تفريعٌ على قوله: «والاسم غير المسمّى».

(الِاسْمَ دُونَ المَعْنى‏، فَقَدْ كَفَرَ وَلَمْ يَعْبُدْ شَيْئاً)

أي شيئاً معتدّاً به مستحقّاً للعبادة؛ لأنّه مفهوم اعتباري غير موجود في الخارج في نفسه.

(وَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ وَالْمَعْنى‏، فَقَدْ كَفَرَ وَعَبَدَ اثْنَيْنِ)

أي شيئين معتدّاً بهما بزعمه؛

____________

(1). الصحاح، ج 6، ص 2223؛ لسان العرب، ج 13، ص 469 (إله).

(2). الصحاح، ج 6، ص 2223؛ لسان العرب، ج 13، ص 469 (إله).

114

لاعتقاده أنّ الاسم موجود في نفسه في المعنى. ومضى بيانه في شرح أوّل الباب، أو شيئين مطلقاً.

(وَمَنْ عَبَدَ الْمَعْنى‏ دُونَ الِاسْمِ، فَذَاكَ التَّوْحِيدُ)

أي فعمله التوحيدُ الحصرُ؛ لأنّ التوحيد يشتمل على أمرين:

الأوّل: الإقرار باستحقاق العبادة لمن يستحقّها. وهذا غير متحقّق فيمن عبد الاسم دون المعنى.

الثاني: الإقرار بأنّه لا يستحقّ العبادة إلّاإله واحد. وهذا غير متحقّق فيمن عبد الاسم والمعنى.

(أَ فَهِمْتَ يَا هِشَامُ؟ قَالَ: فَقُلْتُ:

(1)

زِدْنِي)

بياناً. زاد (عليه السلام) البيانَ بالاستدلال على أنّه ليس كلّ اسم له تعالى ولا بعض أسمائه عينَ المسمّى.

(قَالَ: إِنَّ لِلّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً

(2)

).

تخصيص هذا العدد بالذِّكر مع أنّه يجي‏ء أكثر منه في أوّل «باب حدوث الأسماء» مماشاةٌ مع المخالفين؛ لأنّه موافق لرواياتهم أيضاً.

(فَلَوْ كَانَ الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمّى‏، لَكَانَ كُلُّ اسْمٍ مِنْهَا إِلهاً)

أي لَتحقّق تسعة وتسعون إلهاً غير ذات اللَّه.

وهذا الدليل مبنيّ على مقدّمات:

الاولى‏

: أنّ المفهومات التسعة والتسعين متغايرة ضرورةً.

الثانية

: أنّه لو كان الاسم عين المسمّى، لكان المسمّى عين صفة فيه تعالى؛ لظهور بطلان كون اسم عين مسمّاه، والمسمّى عين ذاته تعالى، أو عين ذات مخلوقة له تعالى.

أمّا الأوّل، فلأنّه لم يحصل، بل لا يمكن لنا إدراك شخصه تعالى ولا إدراك كنه ذاته، مع أنّا ندعوه بكلّ من هذه الأسماء. وإليه يشير في قوله: «وكلّها غيره» إلى آخره.

____________

(1). في «ج»: «قلت».

(2). في حاشية «أ»: «روى محمّد بن بابويه رحمه الله في الباب التاسع والعشرين بإسناده عن عليّ (عليه السلام) قال، قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): للَّه عزّوجلّ تسعة وتسعون اسماً؛ من دعا اللَّه بها استجاب له، ومن أحصاها دخل الجنّة». التوحيد، ص 195، ح 9.

115

وأمّا الثاني، فلأنّ كون اسم شي‏ء عينَ مباينٍ له سفسطة.

الثالثة

: أن يكون الصفة فيه تعالى يستلزم كونها قديمة وصفة كمال؛ لاستحالة حلول الحوادث فيه تعالى.

الرابعة

: أنّ كمال الشي‏ء لو كان صفة فيه، لكان أكبر وأولى باستحقاق العبادة من الموصوف. ومضى في أوّل الباب ما يوضح هذا الدليل.

(وَلكِنَّ اللَّهَ مَعْنىً)

أي مقصود التصوّر بالوجه.

(يُدَلُّ)؛

بصيغة المجهول استئنافٌ لبيان كونه تعالى معنى، أو صفةً موضحة ل «معنى».

(عَلَيْهِ).

الظرف قائم مقام الفاعل.

(بِهذِهِ الْأَسْمَاءِ)؛

لأن يعلم بالوجه. وهذا إشارة إلى ما تقرّر من الفرق بين العلم بالشي‏ء بالوجه والعلم بوجه الشي‏ء؛ بأنّ الثاني تصوّر بالكنه، بخلاف الأوّل؛ وإلى أنّ ما نحن فيه من الأوّل.

(وَكُلُّهَا)

أي كلّ واحد منها

(غَيْرُهُ)

أي لا يمكن أن يكون اسم من أسمائه عينَ مسمّاه، والمسمّى عين ذاته تعالى.

(يَا هِشَامُ، الْخُبْزُ اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ، وَالْمَاءُ اسْمٌ لِلْمَشْرُوبِ، وَالثَّوْبُ اسْمٌ لِلْمَلْبُوسِ، وَالنَّارُ اسْمٌ لِلْمُحْرِقِ).

اللام في المأكول ونظائره للعهد.

وهذا استدلال على قوله: «وكلّها غيره» أي كلّ واحدٍ من هذه الأسماء عين الذات المسمّى؛ لأنّه من أسماء الأجناس، ويستحيل أن تتصادق في شي‏ء واحد، ونعلم بديهةً أنّ اسماً من أسماء اللَّه تعالى ليس من هذا القبيل، فهو غير الذات.

(أَ فَهِمْتَ يَا هِشَامُ، فَهْماً تَدْفَعُ بِهِ).

إشارة إلى أنّ ذكر هذه الأسماء على سبيل المثال، فهكذا أعلام الأشخاص والأجناس.

(وَتُنَاضِلُ)؛

بالنون والمعجمة؛ أي تجادل وتخاصم.

(بِهِ أَعْدَاءَنَا).

تسميتهم أعداءً أو نواصبَ كتسمية الذين قالوا: إنّ اللَّه ثالث ثلاثة من النصارى أعداءَ اللَّه مع دعواهم أنّهم أحبّ أحبّائه.

(وَالْمُلحِدينَ)

في أسمائه تعالى.

116

(مَعَ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- غَيْرَهُ؟).

استعمال «مع» هنا لتضمين «الملحدين» معنى «العابدين» أو نحو ذلك.

(قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَقَالَ: نَفَعَكَ اللَّهُ بِهِ، وَثَبَّتَكَ)؛

بشدّ الموحّدة.

(يَا هِشَامُ. قَالَ هِشَامٌ: فَوَ اللَّهِ، مَا قَهَرَنِي أَحَدٌ فِي التَّوْحِيدِ حَتّى‏ قُمْتُ مَقَامِي هذَا)

أي حتّى بلغت مرتبتي هذه ببركة دعائه، أو بيانه (عليه السلام)، أو حتّى وقفت في هذا المكان، أي إلى الآنَ.

وهذا الحديث سيجي‏ء بأدنى تغيير في «باب معاني الأسماء واشتقاقها».

الرابع:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلى‏ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، أَوْ قُلْتُ لَهُ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، نَعْبُدُ)؛

بتقدير الاستفهام.

(الرَّحْمنَ الرَّحِيمَ الْوَاحِدَ الْأَحَدَ الصَّمَدَ؟)؛

يعني الأسماء، أو هو مجمل يحتمل المسمّى بها أيضاً، فيحتاج إلى تفصيل في الجواب.

(قَالَ: فَقَالَ: إِنَّ مَنْ عَبَدَ الِاسْمَ دُونَ الْمُسَمّى‏ بِالْأَسْمَاءِ)

أي دون أن يعبد الذات الخارج عن هذه الأسماء المتصوّر بهذه الأسماء تصوّراً بالوجه.

(فَقَدْ أَشْرَكَ)

أي عبد متعدّداً؛ ضرورةَ تغاير المفهومات.

(وَكَفَرَ)

أي لم يعبد المستحقّ للعبادة.

(وَجَحَدَ)

المستحقّ للعبادة.

(وَلَمْ يَعْبُدْ شَيْئاً)

أي شيئاً معتدّاً به، مستحقّاً للعبادة. ومضى بيانه في أوّل الباب وثالثه.

(بَلِ اعْبُدِ)؛

بصيغة الأمر من باب نصر.

(اللَّهَ الْوَاحِدَ الْأَحَدَ الصَّمَدَ)

أي الذات المعهود الذي يصدق عليه الأسماء وكلّها غيره.

وفيه إشعار بأنّ لفظة «اللَّه» جارٍ مجرى العَلَم؛ باعتبار أنّ اللام فيه للعهد، كما مرّ في ثالث الباب.

وللتصريح بهذا المعنى قال:

(الْمُسَمّى‏)؛

بدل الكلّ، أو عطف البيان.

117

(بِهذِهِ الْأَسْمَاءِ)

الأربعة.

(دُونَ الْأَسْمَاءِ)

أي لا تعبد الأسماء.

(إِنَّ الْأَسْمَاءَ صِفَاتٌ)

أي ليس شي‏ء منها ذاتاً، وهو احتراز عن أن يكون اسم منها عين المسمّى، والمسمّى عينَ ذاته تعالى، أو عينَ ذات مخلوقة له تعالى.

(وَصَفَ)

أي اللَّه تعالى‏

(بِهَا نَفْسَهُ)

تعالى؛ أي ليست قديمة باعتبار وجودها في أنفسها. وهو احتراز عن أن يكون اسم عين المسمّى، والمسمّى عينَ صفة فيه تعالى، فتكون قديمةً. ومضى بيانه في أوّل الباب.

118

باب الكون والمكان‏

الباب السادس بَابُ الْكَوْنِ وَالْمَكَانِ‏

فيه تسعة أحاديث.

«الكون» هنا مصدر «كان» التامّة، نحو: كان اللَّه ولم يكن معه شي‏ء. والمراد الإنّيّة.

و «المكان» بفتح الميم الزائدة ظرف الكون، مثل الامتداد الغير المتناهي الذي فيه كون اللَّه تعالى، ويسمّى باعتبار الماضي أزلًا، وباعتبار المستقبل أبداً، ومثل الوقت والحين، وهو الامتداد المنقطع في جانب الماضي، سواء كان منقطعاً في جانب المستقبل أيضاً أم لا. ويجي‏ء نفيه عن اللَّه تعالى في ثالث الباب في قوله: «ولا ابتدع لمكانه مكاناً». ومثل الموضع الذي يكون للجسم. ويجي‏ء نفيه عن اللَّه تعالى في سادس الباب وثامنه. (1)

الأوّل:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: سَأَلَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ)؛

بسكون الزاي وفتح المهملة.

(أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ مَتى‏ كَانَ؟ فَقَالَ: مَتى‏ لَمْ يَكُنْ حَتّى‏ أُخْبِرَكَ مَتى‏ كَانَ؟).

لمّا كان السؤال ب «متى» إنّما هو عن وقت حدوث الحادث، فإذا وقع عن قديم لم يستحقّ الجواب، كان ما ذكره (عليه السلام) في موضع الجواب بياناً لعدم استحقاق الجواب.

(سُبْحَانَ مَنْ لَمْ يَزَلْ).

إثبات لقدمه، وهي ناقصة.

(وَلَا يَزَالُ).

إثباتٌ لدوامه، وهي أيضاً ناقصة.

____________

(1). سيجي‏ء بعد خمس صفحات.

119

(فَرْداً).

خبر «لم يزل» و «لا يزال» على سبيل التنازع؛ أي أحداً غير ذي أجزاء، ولا شريك في ذاته.

(صَمَداً):

سيّداً مصموداً إليه في القليل والكثير، كما سيجي‏ء في أوّل‏ (1) «باب تأويل الصمد». وهو مفعول فعل محذوف بتقدير «أعني». ويحتمل كون «فرداً» خبرَ «لم يزل»، و «صمداً» خبرَ «لا يزال» على اللفّ والنشر المرتّب. ولو جعل «صمداً» هنا بمعنى «قادر» أو بمعنى «غنيّ» أمكن كونه خبراً ثانياً للفعلين.

(لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً)؛

زوجة، أو المراد أمرٌ مشارك له في القدم، والتأنيث باعتبار السماء ونحو ذلك ممّا قالت الزنادقة بقدمه، وأنّه يتسبّبُ به إلى توليد الحوادث.

(وَلَا وَلَداً)

أي مشاركاً له في الحقيقة حاصلًا منه، أو ما صدر عنه بالإيجاب، كما قالته الزنادقة في الحوادث اليوميّة. (2)

الثاني:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلى‏ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام) مِنْ وَرَاءِ نَهَرِ بَلْخَ).

هو جيحون، وبلخ متّصل به في جانب خراسان، وفي جانبه الآخر بخارا وسمرقند وأمثالهما، وهي ما وراء النهر. (3)

(فَقَالَ: إِنِّي أَسأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَإِنْ أَجَبْتَنِي فِيهَا بِمَا عِنْدِي).

الباء للمصاحبة، و «ما عندي» عبارة عن الشبهات المشهورة المنقولة عن الجبريّة والزنادقة الفلاسفة القائلين بامتناع تخلّف المعلول عن العلّة التامّة. (4)

(قُلْتُ بِإِمَامَتِكَ، فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام): سَلْ عَمَّا شِئْتَ. فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ رَبِّكَ مَتى‏).

____________

(1). في «أ»:-/ «أول».

(2). مراد الفلاسفة القائلين أنّ اللَّه موجب لخلق الأشياء، وهي موجودة قديمة بقدمه.

(3). ذكر ذلك السيوطي في الديباج على مسلم، ج 6، ص 185؛ وفيات الأعيان، ج 6، ص 427.

(4). امتناع تخلّف المعلول عن العلّة التامّة أمر مسلّم بين الفلاسفة. راجع شرح الأسماء الحسنى للسبزواري، ج 2، ص 29؛ شرح المقاصد، ج 1، ص 301؛ وج 2، ص 58 و 109.

120

بدلَه «أين» في رواية ابن بابويه في كتابه في التوحيد، (1) وكأنّه تحريف مبنيّ على الغفلة عمّا نذكره.

(كَانَ؟)

أي قبل خلْق ما خلَق.

(وَكَيْفَ كَانَ؟ وَعَلى‏ أَيِّ شَيْ‏ءٍ كَانَ اعْتِمَادُهُ)

في خلق ما خلق؟

وهذا إشارة إلى ما في شبههم من أنّه لا يمكن حدوث شي‏ء إلّابحدوث شرط من أجزاء علّته التامّة.

(فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام): إِنَّ اللَّهَ- تَبَارَكَ وَتَعَالى‏- أَيَّنَ)؛

بشدّ (2) الخاتمة بصيغة الماضي المعلوم من باب التفعيل، مشتقّ من الأين بسكون الخاتمة بمعنى الحين.

(الْأَيِّنَ‏

(3)

بشدّ الخاتمة المكسورة على وزن فيعل كسيّد؛ أي ذا الأين بسكون الخاتمة بمعنى ذي الحين.

(بِلَا أَيْنٍ)؛

بفتح الهمزة وكسرها، وسكون الخاتمة منوّناً؛ أي بلا حين. ففي القاموس:

«الأين: الإعياء، والحيّة، والرجل، والحِمْل، والحين، ومصدر آن يئين أي حان، وآن أَينك ويكسر، وآنُك حان حينك» انتهى. (4)

ولذا يقابل بحيث في ثاني عشر «باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه جلّ وتعالى»؛ ويقابل بمكان في سابع «باب جوامع التوحيد».

(وَكَيَّفَ)؛

بتشديد الخاتمة بصيغة الماضي المعلوم من باب التفعيل، مشتقّ من الكيف بسكون الخاتمة، وهو خصوصيّة لشي‏ء كائنةٌ في نفسها في الخارج، عارضة له.

(الْكَيِّفَ)

(5)

؛

بشدّ الخاتمة المكسورة.

____________

(1). التوحيد، ص 125، باب القدرة، ح 3؛ عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج 2، ص 107، باب ماجاء عن الرضا (عليه السلام) من‏الأخبار في التوحيد، ح 6.

(2). في «ج»: «بتشديد».

(3). في الكافي المطبوع: «الأيْنَ» بدون تشديد الياء.

(4). القاموس المحيط، ج 4، ص 200 (الأين).

(5). في الكافي المطبوع: «الكيف» بدون تشديد الياء.

121

(بِلَا كَيْفٍ)؛

بسكون الخاتمة منوّناً، أو مبنيّ على الفتح حكايةً. والمآل واحد.

(وَكَانَ اعْتِمَادُهُ عَلى‏ قُدْرَتِهِ).

حاصل الجواب: أنّ القدرة القديمة للعالم بكلّ شي‏ء وكلّ مصلحة كافية في خلق أوّل الحوادث وما بعده، ولا حاجة إلى حدوث شرط.

وهذا تحقيق الحقّ في ربط الحادث بالقديم.

(فَقَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَاإِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّ عَلِيّاً وَصِيُّ رَسُولِ اللَّهِ، وَالْقَيِّمُ بَعْدَهُ بِمَا أقَامَ‏

(1)

بِهِ).

وضمير «به» عائد إلى «ما».

(رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)، وَأَنَّكُمُ الْأَئِمَّةُ الصَّادِقُونَ، وَأَنَّكَ الْخَلَفُ مِنْ بَعْدِهِمْ).

الثالث:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَن الْقَاسِمِ بْنِ مَحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلى‏ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ رَبِّكَ مَتى‏ كَانَ؟ فَقَالَ: وَيْلَكَ).

الويل: الموت فجأة، وهو منصوب بإضمار حرف النداء.

(إِنَّمَا يُقَالُ لِشَيْ‏ءٍ لَمْ يَكُنْ)؛

صفة ل «شي‏ء».

(مَتى‏ كَانَ)؛

مقول القول.

(إِنَّ رَبِّي- تَبَارَكَ وَتَعَالى‏- كَانَ).

تامّةٌ للاستمرار في الماضي إلى غير النهاية، نحو كان اللَّه ولم يكن معه شي‏ء. والجملة استئناف لبيان عدم استحقاق هذا السؤال للجواب الحقيقي.

وأوضح (عليه السلام) الحقّ خمس مرّات‏

ليرتفع اشتباه السائل بالكلّيّة،

الاولى:

قوله:

(وَلَمْ يَزَلْ حَيّاً)؛

بفتح الزاي من الأفعال الناقصة، أو «كان» ناقصة «ولم يزل» معطوف على «كان» و «حيّاً» خبر لهما على سبيل التنازع، وحينئذٍ ابتداء الاولى من قوله: «إن ربي» وإنّما ذكر هذا إلى آخره لئلّا يحمل الكون هنا على الحدوث، ولدفع توهّمٍ هو أنّ الكون كما يستعمل في الوجود قد يستعمل في الحياة، فأراد (عليه السلام) أنّه كما لم‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «قام».

122

يكن وجوده حادثاً، كذلك لم يكن حياته حادثاً، فلم يصحّ هذا السؤال باعتباره أيضاً، ولا ينافي ذلك تغيّر صفة فعله، كما يجي‏ء في قوله: «قبل أن ينشئ» وقوله: «بعد إنشائه».

(بِلَا كَيْفَ)

(1)

؛

إمّا بالبناء على الفتح حكايةً، وإمّا بالجرّ والتنوين؛ أي بلا كيف لربّي تعالى أو لحياته. وتفسير الكيف مضى في شرح ثاني الباب.

(وَلَمْ يَكُنْ لَهُ «كَانٌ»

(2)

اسم منوّن مأخوذ من فعلٍ ماضٍ من الأفعال التامّة أو الناقصة كالقيل والقال، أو فعل محكيّ. والأوّل أنسب بما يجي‏ء في «كتاب الحجّة» في تاسع «مولد النبيّ (صلى الله عليه و آله)» عن أبي عبداللَّه (عليه السلام) قال: «إنّ اللَّه كان إذ لا كان، فخلق الكان والمكان».

والمراد أنّ الكلام حادث ف «كان» أيضاً حادث. أو المراد أنّه لم يتغيّر في صفة ذات أصلًا، لا في الحياة ولا في غيرها؛ إذ لم يكن ممّن يُقال فيه: كان كذا فصار كذا، يقال في الوعظ: كأنّك واللَّه قد كنتَ وصرتَ إلى كان وكنت، أي صرت إلى أن يقال عنك: كان فلان كذا، (3) وتقول: كنت كذا، (4) والكنتيّ ككرسيّ: الكبير العمر؛ لأنّه يقول كثيراً: كنت كذا وكذا. (5)

(وَلَا كَانَ لِكَوْنِهِ).

اللام للسببيّة، والكون: الإنّيّة، والضمير للَّه. (6)

(كَوْنُ كَيْفٍ)؛

بالإضافة. وهذه الجملة لإبطال مذهب الصفاتيّة كالأشاعرة القائلين بأنّ صفاته تعالى كالعلم والقدرة كائنة في أنفسها في الخارج، ومن مقولة الكيف، وهي صادرة عنه بالإيجاب؛ أي كونها مترتّبة على محض كونه بدون توسّط قدرة وإرادة.

وهذا المذهب قول بتعدّد القدماء. (7) وبطلانه واضح بالأدلّة العقليّة والنقليّة.

(وَلَا كَانَ لَهُ)

أي لربّي‏

(أَيْنٌ).

مرفوعٌ منوّن؛ أي حين، كما مرّ في السابق.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «كَيْفٍ» بتنوين الكسر في آخره.

(2). في الكافي المطبوع: «كانَ».

(3). النهاية، ج 4، ص 212 (كون).

(4). في «ج»:-/ «و».

(5). لسان العرب، ج 13، ص 369 (كان).

(6). في حاشية «أ»: «والأولى الضمير لربّي؛ لأنّه المذكور في اللفظ، وهكذا في المواضع الخمس الآتية في الفقرة الثانية (مهدي)».

(7). حكاه عن الأشاعرة العلّامة في كشف المراد، ص 402؛ وفي طبعة تحقيق الزنجاني ص 314.

123

(وَلَا كَانَ فِي شَيْ‏ءٍ)

محيط به.

(وَلَا كَانَ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ)

يكون ثقله عليه.

(وَلَا ابْتَدَعَ لِمَكَانِهِ مَكَاناً).

مضى معنى المكان في شرح عنوان الباب. والمراد إبطال قول من زعم أنّ اختصاص أوّل الحوادث بوقته؛ لأنّه ليس قبله وقت ولا امتداد وبقاء هو مكان اللَّه تعالى، فمكانه ومكان الحوادث واحد، وتقدّمه على أوّل الحوادث تقدّم بالذات فقط.

(وَلَا قَوِيَ)؛

كرضي، أي ولا حصل له زيادة قدرة.

(بَعْدَ مَا)؛

مصدريّة.

(كَوَّنَ الْأَشْيَاءَ)؛

بتشديد الواو.

(وَلَا كَانَ ضَعِيفاً)

أي ناقص القدرة.

(قَبْلَ أَنْ يُكَوِّنَ شَيْئاً)؛

فهو ذو القوّة المتين، وقوّته قبل تكوين الأشياء كقوّته بعد تكوين الأشياء.

(وَلَا كَانَ مُسْتَوْحِشاً قَبْلَ أَنْ يَبْتَدِعَ شَيْئاً، وَلَا يُشْبِهُ)؛

بصيغة معلوم باب الإفعال.

(شَيْئاً مَذْكُوراً)

أي محفوظاً ذهنيّاً بأن يكون متصوّراً في الأذهان بشخصه أو بكنهه.

وفي رواية ابن بابويه في كتابه في التوحيد بدل «مذكوراً»: «مكوّناً». (1)

(وَلَا كَانَ خِلْواً)؛

بكسر المعجمة وسكون اللام، أي خالياً.

(مِنْ الْمُلْكِ)؛

بضمّ الميم وسكون اللام: السلطنة.

(قَبْلَ إِنْشَائِهِ)؛

لأنّ مناط الملك القدرة المعلومة، وهي حاصلة له قبل الإنشاء.

وفي رواية ابن بابويه: «خلواً من القدرة على الملك». (2)

وإضافة «إنشاء» إلى الضمير إضافة إلى المفعول، أي قبل إنشاء شي‏ء.

(وَلَا يَكُونُ مِنْهُ):

من الملك‏

(خِلْواً بَعْدَ ذَهَابِهِ)

أي ذهاب شي‏ء، أو ذهاب كلّ شي‏ء،

____________

(1). التوحيد، ص 173، باب نفي المكان، ح 2. وفي حاشية «أ»: «مكنوناً».

(2). التوحيد، ص 173، باب نفي المكان، ح 2.

124

فإنّه لمّا كان الذهاب كالنفي، كان «شي‏ء» كالنكرة في سياق النفي.

ويجوز أن يكون الضمير في «ذهابه» راجعاً إلى الإنشاء، ويكون ضمير «إنشائه» راجعاً إلى اللَّه بأن يكون إضافةً إلى الفاعل، ويكون المراد بذهاب الإنشاء ذهاب المُنشَأ.

الثانية

: قوله:

(لَمْ يَزَلْ)؛

بفتح الزاي ناقصة.

(حَيّاً بِلَا حَيَاةٍ):

كائنة في الخارج في نفسها حقيقة، أو باعتبار شرط لها غير الذات.

وإنّما ذكر ذلك إشعاراً بأنّ التغيّر في الحياة إنّما يتصوّر على تقدير وجودها.

(وَمَلِكاً)؛

بفتح الميم وكسر اللام.

(قَادِراً).

صفة موضحة جارية مجرى التفسير.

(قَبْلَ أَنْ يُنْشِئَ شَيْئاً).

الظرف متعلّق ب «لم يزل» باعتبار كون خبره «ملكاً قادراً».

(وَمَلِكاً)؛

بفتح الميم وكسر اللام معطوفٌ على «ملكاً» الأوّلِ.

(جَبَّاراً).

صفة موضحة جارية مجرى التفسير. ومعنى الجبر هنا أنّ فعله بمحض نفوذ الإرادة ليس من الأفعال العلاجيّة.

(بَعْدَ إِنْشَائِهِ).

الظرف متعلّق ب «لم يزل» باعتبار كون خبره «ملكاً جبّاراً». وحين الإنشاء داخل في هذا الشقّ عرفاً، والضمير للَّه.

(لِلْكَوْنِ).

الظرف متعلّق بالإنشاء، واللام للعهد الخارجي؛ أي كون الممكن كالنظام المشاهد.

(فَلَيْسَ).

تفريعٌ على قوله: «لم يزل حيّاً بلا حياة» إلى آخره.

(لِكَوْنِهِ كَيْفٌ).

مضى شرح مضمونه في الاولى.

(وَلَا لَهُ)

أي للَّه‏

(أَيْنَ‏

(1)

).

مبنيٌّ على الفتح حكايةً، أو مرفوع.

(وَلَا لَهُ)

أي للَّه‏

(حَدٌّ)

أي أن يحيط به مقدار لا يتجاوزه.

(وَلَا يُعْرَفُ)

أي اللَّه‏

(بِشَيْ‏ءٍ)

أي بموجود، سواء كان جسمانيّاً أم مجرّداً.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «أيْنٌ».

125

(يُشْبِهُهُ)؛

من باب الإفعال؛ أي يشاركه في معنى. ويجي‏ء بيانه في أوّل السابع عشر (1) عند قوله: «إنّما التشبيه في المعاني، فأمّا في الأسماء فهي واحدة».

وهذا التقييد للإشارة إلى أنّ معرفة ربوبيّته تحصل بالنظر في كلّ مخلوق، كما في سورة الأعراف: «أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ» (2).

(وَلَا يَهْرَمُ لِطُولِ الْبَقَاءِ)؛

كيعلم، والضمير للَّه. والمقصود أنّه لا يختلف الصدور عنه صعوبةً وسهولة باعتبار الهرم وضدّه. والهَرَم محرّكةً: أقصى الكِبَر. (3) والمراد به هنا ضعف الهرم.

(وَلَا يَصْعَقُ لِشَيْ‏ءٍ)؛

كيعلم؛ أي لا يفزع لخوف فيضعف ويضطرب، أو لا يغشى عليه، أو لا يموت. والمعنى: لا يمكن أن يصعق.

(بَلْ لِخَوْفِهِ تَصْعَقُ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا).

لام «الأشياء» للجنس، أو للعهد الخارجي.

وعلى الأوّل نسبة الخوف والصَعْق إلى الجمادات تمثيل لعظمته تعالى، كما في سورة الأحزاب: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها». (4)

وعلى الثاني المراد بالأشياء الأشياء الصَعِقَة، وهي مَن في السماوات ومن في الأرض إلّامن شاء اللَّه، كما في سورة النمل: «وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ» (5)، وفي سورة الزمر: «وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ». (6)

الثالثة

: قوله:

(كَانَ حَيّاً)؛

ناقصة.

____________

(1). أي الحديث 2 من باب آخر وهو من الباب الأوّل.

(2). الأعراف (7): 185.

(3). لسان العرب، ج 12، ص 607 (هرم).

(4). الأحزاب (33): 72.

(5). النمل (27): 87.

(6). النمل (27): 68.

126

(بِلَا حَيَاةٍ حَادِثَةٍ)

أي كائنةٍ في نفسها في الخارج. وهذا التعبير من قبيل وضع نفي اللازم في مقام نفي الملزوم للإشارة إلى اللزوم، كما يجي‏ء بيانه في سادس الثاني والعشرين‏ (1) عند قوله: «وشهادتهما جميعاً بالتثنية الممتنع منه الأزل».

(وَلَا كَوْنٍ).

مصدر كان الناقصة أو التامّة. وعلى الأوّل المراد كونه حيّاً.

(مَوْصُوفٍ).

صفة مقيّدة لكونٍ؛ أي متقدّر بقدر معيّن. ويجي‏ء نظيره في حادي عشر العاشر (2) في قوله: «إنّ اللَّه لا يوصف [وكيف يوصف؟] (3) وقد قال في كتابه: «وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» (4)، فلا يوصف بقدر إلّاكان أعظم من ذلك».

(وَلَا كَيْفٍ)

أي كيفيّة. ومضى تفسيرها وتقسيمها إلى قسمين في سادس الثاني‏ (5) عند قوله: «فله كيفيّة؟ قال (عليه السلام): لا لأنّ الكيفيّة جهة الصفة والإحاطة».

(مَحْدُودٍ)

أي محاط، وهو صفة مقيّدة ل «كيف» للاحتراز عن القسم الأوّل من قسمي الكيفيّة.

(وَلَا أَيْنٍ)؛

بالفتح والكسر (6) منوّناً؛ أي حين.

(مَوْقُوفٍ)

أي محبوس‏

(عَلَيْهِ).

الضمير للأين، والمعنى: أين لا يكون اللَّه في غيره، وهو صفة موضحة ل «أين».

(وَلَا مَكَانٍ جَاوَرَ شَيْئاً).

مضى تفسير «المكان» في شرح عنوان الباب، وهو أعمّ من الموضع.

و «جاور» بالجيم والمهملة. و «شيئاً» بفتح المعجمة وسكون الخاتمة والهمز،

____________

(1). أي الحديث 6 من باب جوامع التوحيد.

(2). أي الحديث 11 من باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى.

(3). مابين المعقوفين من المصدر.

(4). الأنعام (6): 91.

(5). أي الحديث 6 من باب إطلاق القول بأنّه شي‏ء.

(6). في حاشية «أ»: «أي بفتح الهمزة وكسرها، كما مرّ في ثاني هذا الباب. وهو مجرور؛ لكونه معطوفاً على: لاحياة. (مهدي)».

127

والجملة صفة مقيّدة ل «مكان» يعني ولا مكان محدود، فإنّ المحدود من جملة المكان مجاور لمكان ملاصق به ولما في ذلك المكان. فهذا (1) موافق لما يجي‏ء في حادي عشر الثامن‏ (2) من قوله: «هو في كلّ مكان، وليس في شي‏ءٍ من المكان المحدود».

(بَلْ حَيٌّ يَعْرِفُ)

(3)

؛

بصيغة المعلوم من باب ضرب، صفة موضحة ل «حيّ» للإشارة إلى أنّ الكيف ونحوه ليس مناط حقيقة الحياة. ويجي‏ء في ثاني الباب الآتي «عارف بالمجهول».

(وَمَلَكٌ)؛

بالفتح، وككتف: ذو المُلك؛ بالضمّ.

(لَمْ يَزَلْ)؛

بفتح الزاي ناقصة.

(لَهُ الْقُدْرَةُ وَالْمُلْكُ)؛

بالضمّ: السلطنة والعظمة.

(أَنْشَأَ مَا شَاءَ حِينَ شَاءَ بِمَشِيئَتِهِ).

استئنافٌ لبيان تقدّم قدرته وملكه على وقت الفعل. ويجي‏ء تفصيله في ثاني «باب الاستطاعة».

(لَا يُحَدُّ)

أي لا يحاط بمقدار لا يتجاوزه.

(وَلَا يُبَعَّضُ)؛

بصيغة المجهول من باب التفعيل؛ أي لا ينقسم إلى أجزاء عقليّة، ولا إلى أجزاء مقداريّة.

(وَلَا يَفْنى‏).

يُقال: فني فلان- كرضي وسعى-: إذا هرم. والفاني: الشيخ الكبير.

وفني‏الشي‏ء: إذا عدم.

الرابعة

: قوله:

(كَانَ أَوَّلًا بِلَا كَيْفٍ، وَيَكُونُ آخِراً)

أي باقياً بعد فناء ما عداه.

(بِلَا أَيْنٍ)

أي بلا حين. وتخصيص الكيف بالأوّل والأين بالآخر لأنّ معارضة الوهم للعقل قبل حدوث الأجسام أكثرها في الكيف، وبعد فنائها في الأين أيضاً، فلمّا نفى‏

____________

(1). في «ج»: «وهذا».

(2). أي الحديث 11 من باب النهي عن الكلام في الكيفيّة. ورقم الحديث في الكافي المطبوع: «9» وترقيم الحديث ب «11» خاصّ بملّاخليل القزويني.

(3). في الكافي المطبوع: «يُعرَف».

128

الكيف أوّلًا- ويعلم منه نفيه آخراً أيضاً- اكتفى في الآخر بنفي الأين.

إن قلت‏

: قوله: «ويكون» يدلّ على سبق الأوّليّة له على الآخريّة، وهذا مناف لما في نهج البلاغة من قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «الذي لم يسبق له حالٌ حالًا، فيكون أوّلًا قبل أن يكون آخراً؟» (1).

قلت‏

: سَبْق أوّليّته على آخريّته إمّا باعتبار سبق حال فيه من كيف وكمّ على حال اخرى فيه، أو لا. والمراد بما في نهج البلاغة نفي الأوّل. ويجي‏ء في خامس السادس عشر. (2) والمراد هنا إثبات الثاني.

(وَ

«كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» (3)). سيجي‏ء تفسيره في أوّل «باب النوادر» وثانيه.

«لَهُ الْخَلْقُ». هذا إلى آخره اقتباس من سورة الأعراف. (4)

«الخلق»: التقدير؛ تقول: خلقت الأديم: إذا قدّرته قبل القطع‏ (5). ولا يلزم أن يكون الخالق لشي‏ء مكوّناً له، والمراد بإطلاق الخلق التقدير من جميع الوجوه، وهو مختصّ باللَّه تعالى.

«وَ الْأَمْرُ» أي الحكم؛ إذ لا حكم إلّاللَّه. أو المراد كون الخلق بمحض نفوذ الإرادة بلا فعل علاجي وتعب؛ مأخوذاً من قوله تعالى في سورة يس: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (6). وحينئذٍ يمكن أن يكون المراد بالخلق مطلق التدبير، ويكون التخصيص المفهوم من تقديم الظرف باعتبار المجموع.

«تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» (7).

____________

(1). نهج البلاغة، ص 96، الخطبة 65.

(2). أي الحديث 5 من باب معاني الأسماء واشتقاقها.

(3). القصص (28): 88.

(4). الأعراف (7): 54. وهذا ليس اقتباس، بل هي آية؛ إلّاأن يكون مقصوده من الاقتباس إدراج الكلام القرآني في كلامه.

(5). الصحاح، ج 4، ص 1470 (خلق).

(6). يس (36): 82.

(7). تتمّة الآية 54 من سورة الأعراف.

129

الخامسة

: قوله:

(وَيْلَكَ أَيُّهَا السَّائِلُ، إِنَّ رَبِّي لَاتَغْشَاهُ)

أي لا تعرضه، أو لا تدركه‏

(الْأَوْهَامُ)؛

جمع «وَهم» بالفتح، وهو الغلط في الحساب ونحوه؛ أو هو الخاطر.

(وَلَا تَنْزِلُ بِهِ الشُّبَهَاتُ)؛

بضمّ المعجمة، وفتح الموحّدة وإسكانها وضمّها، جمع «شبهة» بالضمّ: الالتباس. والمراد أنّ اللَّه بالغ أمره، لا يشتبه عليه شي‏ء.

(وَلَا يُجَارُ)

من شي‏ء؛ بالجيم على ما في أكثر النسخ؛ إمّا بضمّ ياء المضارعة والألف من الإجارة، يُقال: أجاره اللَّه من العذاب، أي أنقذه؛ وإمّا بفتحها والهمز، يقال: جأر- كمنع- جأراً وجؤاراً: (1) إذا رفع صوته بالدعاء، وتضرّع واستغاث. (2) وفي بعض النسخ بالمهملة، وبفتح ياء المضارعة، من باب علم، من الحيرة.

(وَلَا يُجَاوِرُهُ‏

(3)

شَيْ‏ءٌ)

أي مجاورة مكانيّة.

(وَلَا تَنْزِلُ‏

(4)

بِهِ الْأَحْدَاثُ)؛

جمع حدث بفتحتين: نوائب الدهر وبلاياه.

(وَلَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْ‏ءٍ)

أي لا يجوز لأحد الاعتراضُ عليه في شي‏ء فَعَلَه، أو الاستكشاف عن سرّ قدر ما قدَّر، وخلق ما خَلَقَ؛ لأنّه يتعالى عن أذهان الخلائق، ومعلوم أنّ ربّنا الذي أعطى كلّ شي‏ءٍ خلقه، أي ما يليق به من الخلق والتدبير؛ لرعاية الحكمة في كلّ ما خلق.

(وَلَا يَنْدَمُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ).

جارٍ مجرى عطف التفسير.

(وَ

«لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ»

).

اقتباس من آية الكرسيّ، (5) وهو فيها استئناف لبيان قوله:

«الْقَيُّومُ».

____________

(1). في «ج»: «وجؤراً».

(2). القاموس المحيط، ج 1، ص 384 (جأر).

(3). في الكافي المطبوع: «ولا يجاوزه».

(4). في الكافي المطبوع: «ولا ينزل».

(5). البقرة (2): 255. والظاهر أنّ مقصوده من الاقتباس إدراج الكلام القرآني في كلامه.

130

والسنة: الإعياءُ الحاصل من الأعمال الشاقّة، والنعاسُ. والأوّل أوفق بما سيجي‏ء في «كتاب العشرة» في الثاني والرابع من «باب الجلوس». (1) وعلى الثاني المراد أنّه لا تصرفه عن كونه قيّوماً- أي قائماً بكلّ ما يحتاج إليه كلّ شي‏ء- سنةُ المخلوقين، بل ولا نومهم؛ لأنّ المحتاج المخلوق له تعالى لا ينحصر في ذوات الأنفس، وحاجة ذوات الأنفس لا تنحصر فيما يعرضونه على اللَّه، ويطلبونه منه في يقظتهم، بل له كلّ شي‏ء، كما يدلّ عليه الاستئناف البياني بقوله:

( «لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى‏»

).

هذا مأخوذ من سورة طه. (2)

وفي القاموس: «الثرى: الندى والترابُ النَّدِيُّ، أو الذي إذا بُلَّ لم يَصِر طيناً [لازباً] كالثَرياء ممدودةً، والخيرُ، والأرضُ» انتهى. (3)

فيمكن أن يكون المراد هنا الخيرَ، ويكون عبارة عن القدرة، ويكون المراد بما تحت الثرى كلّ مقدور.

ولا ينافي هذا ما في «كتاب الروضة» في حديث الحوت على أيّ شي‏ء هو؟:

أنّ الأرض على الحوت، والحوت على الماء، والماء على صخرة، والصخرة على قرن ثور أملس، وهو على الثرى وعند ذلك ضلّ علم العلماء. (4) لكن لا يُوافق‏

____________

(1). الكافي، ج 2، ص 661، باب الجلوس، ح 2 و 4. وفي حاشية «أ»: « (قوله: في الثاني والرابع) إلى آخر ثاني ذلك‏الباب بعد الإسناد هكذا: عن أبي حمزة الثمالي قال: رأيت عليّ بن الحسين (عليهما السلام) قاعداً واضعاً إحدى رجليه على فخذه، فقلت: إنّ الناس يكرهون هذه الجلسة ويقولون: إنّها جلسة الربّ، فقال: إنّي إنّما جلست هذه الجلسة للملالة، والربّ لا يملّ ولا تأخذه سنة ولا نوم. وخامس ذلك الباب بعد الإسناد هكذا: عن حمّاد بن عثمان قال: جلس أبو عبد اللَّه (عليه السلام) متورّكاً رجله اليمني على فخذه اليسرى، فقال له رجل: جعلت فداك هذه جلسة مكروهة. فقال: لا، إنّما هو شي‏ء قالته اليهود لما أن فرغ اللَّه عزّوجلّ من خلق السموات والأرض واستوى على العرش جلس هذه الجلسة ليستريح. فأنزل اللَّه عزّوجلّ: «اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ» وبقى أبو عبداللَّه (عليه السلام) متورّكاً كما هو (مهدي)».

(2). طه (20): 6.

(3). القاموس المحيط، ج 4، ص 308 (ثرى).

(4). الكافي، ج 8، ص 89، ح 55.

131

هذا (1) ما في «كتاب الروضة» في حديث زينب العطّارة (2)؛ واللَّه أعلم.

الرابع:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ، قَالَ: اجْتَمَعَتِ الْيَهُودُ إِلى‏).

ضمّن «اجتمع» معنى «توجّه».

(رَأْسِ الْجَالُوتِ).

الرأس: سيّد القوم ومقدّمهم، و «جالوت» اسم أعجمي؛ أي مقدّم بني الجالوت في العلم.

(فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ هذَا الرَّجُلَ عَالِمٌ فِي الْمُسْلِمِينَ يُقَالُ فِي عِلْمِهِ أشْيَاء عَجِيبَةٌ

(3)

- يَعْنُونَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)- فَانْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ؛ نَسْأَلْهُ)؛

بالجزم، أي للامتحان أو الإلزام.

(فَأَتَوْهُ، فَقِيلَ لَهُمْ: هُوَ فِي الْقَصْرِ)؛

بالفتح: المنزل، أو كلّ بيت من حجر.

(فَانْتَظَرُوهُ حَتّى‏ خَرَجَ، فَقَالَ لَهُ رَأْسُ الْجَالُوتِ: جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ)؛

بالرفع بإضمار «أن» وإهمالها، أي لأن نسألك؛ أو حال مقدّرة، أو استئناف بياني للتعليل، أو بالنصب على إضمار «أن» وإعمالها.

(قَالَ‏

(4)

: سَلْ يَا يَهُودِيُّ، عَمَّا بَدَا لَكَ)

أي سنح لك أن تسأل عنه.

(فَقَالَ: أَسْأَلُكَ عَنْ رَبِّكَ: مَتى‏ كَانَ؟)

. ليس هذا السؤال مبنيّاً على اعتقاد حدوث الربّ، بل هو مبنيّ على أنّ مذهب اليهود كالزنادقة الفلاسفة قِدَم العالم مستنداً بامتناع تخلّف المعلول عن العلّة التامّة، وأنّه لو كان العالم حادثاً- كما ذهب إليه أهل الإسلام- لزم أن يكون الربّ حادثاً؛ إذ لو كان قديماً لتوقّف حدوث أوّل الحوادث على حدوث شرط، كقصد أو شوق غاية، وهو خلاف الفرض ومستلزم للتسلسل؛ يعني إذا كان‏

____________

(1). في حاشية «أ»: «قوله: (لكن لايوافق) إلى آخره وذلك لأنّ في فقرات حديثها هكذا: والسبع والديك والصخرة والحوت والبحر المظلم والهواء والثرى بمن فيه ومن عليه عند السماء الاولى كحلقة في فلاة فيّ».

(2). الكافي، ج 8، ص 153، ح 143.

(3). في الكافي المطبوع:-/ «في المسلمين يقال: في علمه أشياء عجيبة».

(4). في الكافي المطبوع: «فقال».

132

العالم حادثاً- كما زعمتم- فمتى كان الربّ؟

(فَقَالَ)

أمير المؤمنين (عليه السلام) في جوابه خمس جمل:

الاولى‏: (كَانَ بِلَا كَيْنُونِيَّةٍ).

«كان» تامّة، والكينون بفتح الكاف وسكون الخاتمة ونونين بينهما واو: الكائن الحادث، أصله الكيَّنون بفتح الخاتمة وتشديدها، فيعلول من الكون، كالديموم من الدوام، بدليل أنّه لولا ذلك لقيل: كونون ودوموم، لأنّهما من الواوي، وأيضاً لم يثبت في كلامهم فعلول بالفتح، واضيف إليه هنا ياء مشدّدة للنسبة، ثمّ تاء للمصدريّة، كما في الديموميّة، وكما في الكيفوفيّة والأينونيّة. وقد مضيا في ثالث الأوّل، (1) والمشهور في كتب اللغة «كينونة» و «ديمومة» بدون الياء المشدّدة؛ (2) أي بلا حدوث. وهذا إشارة إلى نفي اللزوم الذي توهّمه السائل.

الثانية: (كَانَ بِلَا كَيْفَ،

(3)

كَانَ).

«كان» في الموضعين تامّة، و «كيف» مبنيّ على الفتح.

والمراد أنّ أذهان الخلائق قاصرة عن إدراك أزله بلا أزليّة العالم، كما يجي‏ء في خامس الثاني والعشرين‏ (4) من قوله (عليه السلام): «أزله نهي‏ (5) لمجاوِل الأفكار».

الثالثة: (لَمْ يَزَلْ بِلَا كَمْ‏

(6)

وَبِلَا كَيْفَ‏

(7)

كَانَ)؛

«لم يزل» بفتح الزاي ناقصة خبرها الظرف.

و «كم» بفتح الكاف وسكون الميم، استفهاميّة استعملت فيما يُقال في جواب الاستفهام الحقيقي، نحو: علمت أين زيد. و «كيف» مبنيّ على الفتح. و «كان» عاملُ كلٍّ مِن «كم» و «كيف». فالمراد: بلا كم كان، وبلا كيف كان.

الرابعة: (لَيْسَ لَهُ قَبْلٌ، هُوَ قَبْلَ الْقَبْلِ بِلَا قَبْلٍ وَلَا غَايَةٍ وَلَا مُنْتَهىً).

«قبل» في المواضع الأربعة بفتح القاف وسكون الموحّدة، وفي الأوّل والرابع بمعنى شرط حادث يتوقّف عليه صدور أوّل الحوادث عنه.

____________

(1). أي الحديث 3 من باب حدوث العالم وإثبات المحدث.

(2). الصحاح، ج 6، ص 2190؛ لسان العرب، ج 13، ص 364 (كون).

(3). في الكافي المطبوع: «كَيْفٍ».

(4). أي الحديث 5 من باب جوامع التوحيد.

(5). في المصدر: «نهية».

(6). في الكافي المطبوع: «كَمٍّ».

(7). في الكافي المطبوع: «كَيْفٍ».

133

وقوله: «هو قبل القبل بلا قبل» استئناف بياني للسابق؛ أي هو مقدّم على أوّل الحوادث بلا توقّف صدور أوّل الحوادث عنه على شرط حادث، كما مضى في ثاني الباب من قوله (عليه السلام): «وكان اعتماده على قدرته».

وهذا مناط دفع شبه اليهود والفلاسفة، وبه يظهر جواز تخلّف المعلول عن العلّة التامّة في الأفعال الاختياريّة، وتفصيله في المقدّمة الثانية من الحاشية الاولى من حواشينا على عدّة الاصول. (1)

و «لا» في قوله: «ولا غاية» وفي قوله: «ولا منتهى» مزيدة لتأكيد النفي. والغاية: النفع الحاصل للفاعل بسبب فعله.

و «منتهى» مجرور تقديراً ومنوّن، والمراد به الغاية المقصودة بالذات، ويُقال لها:

غاية الغايات. ونفيه هنا بعد نفي الغاية من قبيل قوله تعالى في سورة يونس: «وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (2)، وفي سورة القمر: «وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ» (3)، وفي سورة المجادلة: «وَ لا أَدْنى‏ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ» (4).

الخامسة

:

(انْقَطَعَتْ عَنْهُ الْغَايَةُ وَهُوَ غَايَةُ كُلِّ غَايَةٍ).

هذه لتأكيد نفي الغاية المذكورِ (5) في الرابعة، وذلك لأنّ الأوهام العامّيّة تستبعد أن يكون فعل بلا غاية.

وقوله: «وهو غاية كلّ غاية» إشارة إلى ما في سورة التوبة من قوله تعالى: «وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ» (6). والمراد أنّ كلّ نفع دنيوي أو اخروي للعباد سهل في جنب رضاه تعالى، ورضاه منتهى مراتب الغايات.

____________

(1). الحاشية الاولى للمصنّف على عدّة الاصول غير مطبوعة. انظر مقدّمة عدّة الاصول، ج 1، ص 4. وهي أوسع حواشي المصنّف على العدّة.

(2). يونس (10): 61.

(3). القمر (54): 53.

(4). المجادلة (58): 7.

(5). في حاشية «أ»: «صفة لنفي الغاية (سمع)».

(6). التوبة (9): 72.

134

(فَقَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ: امْضُوا بِنَا)؛

الباء للملابسة.

(فَهُوَ أَعْلَمُ مِمَّا يُقَالُ فِيهِ).

الفاء للبيان، وقوله: «ممّا يقال فيه» لرعاية معنى «فهو أعلم»؛ لأنّه بمعنى: فعلمه أكثر. المتتبّع الخبير بأساليب الكلام يعرف أنّه لم يجتمع مثل هذه المعاني الكثيرة الدقيقة مع مثل هذه الألفاظ القليلة البليغة بعد كلام اللَّه تعالى ورسوله (عليه السلام) في غير كلام أمير المؤمنين وأولاده الأحد عشر (عليهم السلام).

الخامس:

(وَ بِهذَا الْإِسْنَادِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْمَوْصِلِيِّ)؛

بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر المهملة. (1)

(عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: جَاءَ حِبْرٌ)؛

بكسر المهملة وفتحها وسكون الموحّدة:

العالم بتحبير الكلام والعلم، أي تحسينه. (2)

(مِنَ الْأَحْبَارِ)

أي من أحبار اليهود.

(إِلى‏ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَتى‏ كَانَ رَبُّكَ؟)

(فَقَالَ لَهُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ).

«الثكل» بالضمّ وبفتحتين مصدر باب علم: فقدان الولد؛ وامرأة ثاكل وثكلى. (3) وهذا دعاء عليه بالموت، وليس المقصود أن تكون له امّ ثاكل حقيقةً.

(وَمَتى‏ لَمْ يَكُنْ حَتّى‏ يُقَالَ: مَتى‏ كَانَ؟ كَانَ رَبِّي قَبْلَ الْقَبْلِ بِلَا قَبْلٍ).

ظاهر ممّا مرّ في رابع الباب.

(وَبَعْدَ الْبَعْدِ).

«بعد» منصوب على الظرفيّة، وهو معطوف على «كان» لا على خبرها، فالمعنى: ويكون بعد البعد. والمراد بالبعد: آخر الحوادث المتسلسلة المعروفة.

(بِلَا بَعْدٍ)؛

لردّ توهّم أنّ انتفاء الحوادث المتسلسلة المعروفة بالمرّة (4) إنّما يكون‏

____________

(1). في حاشية «أ»: «نسبة إلى الموصل كمجلس، وهو أرض بين العراق والجزيرة. والموصلان هي والجزيرة على ما في القاموس» ج 4، ص 65.

(2). لسان العرب، ج 4، ص 158؛ مجمع البحرين، ج 1، ص 444 (حبر).

(3). النهاية، ج 1، ص 217 (ثكل).

(4). في حاشية «أ»: «متعلّقة بانتفاء، يعني انتفاءها بتمام أجزائها وجزئيّاتها (مهدي)».

135

لحدوث مانع عنها خارجٍ عن جنسها وعن سلسلتها. وفي نهج البلاغة في خطبة أوّلها:

«ما وحّده من كيّفه» (1) و «أنّه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده، لا شي‏ء معه كما كان قبل ابتدائها، كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت ولا مكان ولا حين ولا زمان، عُدِمَتْ عند ذلك الآجال والأوقات، وزالت السنون والساعات» انتهى. (2)

لمّا كان لفظ الوقت والحين والزمان والأجل إنّما يطلق على هذا الامتداد باعتبار أنّه ظرف للحادث، فلا يستلزم نفيها نفي الامتداد رأساً بقرينة «ثمّ» في قوله بعده: «ثمّ يعيدها بعد الفناء» إذا لم تكن للتعجّب.

(وَلَا غَايَةَ وَلَا مُنْتَهى‏ لِغَايَتِهِ).

ضمير «غايته» للَّه، وهو ظاهر ممّا مرّ في شرح رابع الباب.

(انْقَطَعَتِ الْغَايَاتُ)

أي العلل الغائيّة المترتّبة التي تكون للعابدين في عباداتهم.

(عِنْدَهُ)

أي عند ربّي.

(فَهُوَ).

تفريعٌ على الانقطاع عنده؛ أي فربّي تعالى.

(مُنْتَهى‏ كُلِّ غَايَةٍ)

أي غاية الغايات.

(فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَفَنَبِيٌّ أَنْتَ؟)

. أشارةٌ إلى أنّه لا يُعلم ذلك كذلك إلّابالوحي.

(فَقَالَ: وَيْلَكَ، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ)

العبد كما يُطلق على العابد يُطلق على القنّ‏ (3) ومعناه هنا مطيع كمال الإطاعة كالقِنّ.

(مِنْ عَبِيدِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه و آله)).

فيه تصديق لما أشار إليه الحِبر، (4) وإثبات للواسطة.

السادس:

(وَرُوِيَ أَنَّهُ سُئِلَ (عليه السلام)).

يحتمل رجوعه إلى أبي عبداللَّه (عليه السلام) وإلى أمير المؤمنين (عليه السلام).

(أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ سَمَاءً وَأَرْضاً؟ فَقَالَ (عليه السلام): أَيْنَ سُؤَالٌ عَنْ مَكَانٍ)

أي عن‏

____________

(1). نهج البلاغة، ص 272، الخطبة 186.

(2). نهج البلاغة، ص 276، الخطبة 186.

(3). في حاشية «أ»: «القِنّ بالكسر: عبدٌ مُلِكَ هو وأبواه، للواحد والجمع، أو هو يجمع أقناناً وأقِنّة، أو هو الخالص‏العبودة بيّن القنونة والقنانة». القاموس المحيط، ج 4، ص 261 (قنّ).

(4). في «ج»: «الخبر».

136

موضعِ ما لا يمكن كونه إلّافي موضع.

(وَكَانَ اللَّهُ وَلَا مَكَانَ)

أي ولا موضع أصلًا؛ فليس اللَّه ممّا لا يمكن كونه إلّافي موضع، فلا يصحّ فيه هذا السؤال.

السابع:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى‏، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ لِلْيَهُودِ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) مِنْ أَجْدَلِ النَّاسِ).

الجدل: المناظرة.

(وَأَعْلَمِهِمْ، اذْهَبُوا بِنَا إِلَيْهِ لَعَلِّي أَسْأَلُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، وَأُخَطِّئُهُ)؛

بصيغة المتكلّم وحده من باب التفعيل، أي أنسبه إلى الخطأ.

(فِيهَا).

يمكن أن يكون هذا الكلام صدر من مقدّم آخَرَ ليهود آخرين غير ما مضى في رابع الباب بأن يكون قبله أو بعده بزمان طويل.

(فَأَتَاهُ)

مع اليهود

(فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ، قَالَ (عليه السلام): سَلْ عَمَّا شِئْتَ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَتى‏ كَانَ رَبُّنَا؟ قَالَ لَهُ: يَا يَهُودِيُّ، إِنَّمَا يُقَالُ: «مَتى‏ كَانَ» لِمَنْ لَمْ يَكُنْ؛ فَكَانَ)؛

معطوف على «لم يكن».

( «مَتى‏ كَانَ»).

«متى» هنا ظرف ل «كان» للتعميم في الوقت، فهذا بمعنى في أيّ وقت كان؛ أي سواء كان زمان حدوثه قبل هذا الزمان الذي نحن فيه بقليل أم بكثير. ونظيره في التعميم في المكان أضرب زيداً أين كان، «وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ». (1)

(هُوَ كَائِنٌ).

استئناف بياني.

(بِلَا كَيْنُونِيَّةِ).

مضى في رابع الباب.

(كَائِنٍ)؛

بالجرّ على الإضافة، أي بلا حدوث يكون للكائن، كأنّه (عليه السلام) توسّم من اليهودي إنكاراً لذلك وتعجّباً وإرادة أن يقول: كيف يكون شي‏ء أزليّاً وبلا كينونيّة على تقدير حدوث العالم، فقال:

(كَانَ بِلَا كَيْفَ‏

(2)

يَكُونُ).

«كيف» مبنيّ على الفتح للاستفهام الإنكاري؛ أي بلا تعجّب‏

____________

(1). النساء (3): 89.

(2). في الكافي المطبوع: «كَيْفٍ».

137

وإنكار بأن يُقال: كيف يكون، أي كيف يمكن أو يتصوّر هذا.

(بَلى‏).

إثباتٌ لما توسّم منه إنكاره؛ أي بلى يكون‏

(يَا يَهُودِيُّ، ثُمَّ بَلى‏)

يكون‏

(يَا يَهُودِيُّ، كَيْفَ يَكُونُ لَهُ قَبْلٌ؟!)

استئنافٌ بياني لبيان قوله: «بلى».

(هُوَ قَبْلَ الْقَبْلِ بِلَا غَايَةٍ، وَلَا مُنْتَهى‏ غَايَةٍ).

مضى في رابع الباب ما يوضحه.

(وَلَا غَايَةٍ

(1)

إِلَيْهَا).

«غاية» بالجرّ والتنوين. و «إليها» بكسر الهمزة وفتح اللام وسكون الخاتمة، والضمير الراجع إلى «غاية» نعت لغاية. و «إلى» بمعنى «مع»، أي ليس له غايتان في مرتبة. ونفي هذا بعد نفي ما سبق كنفي منتهى الغاية بعد نفي الغاية. ومضى بيانه في رابع الباب.

(انْقَطَعَتِ الْغَايَاتُ عِنْدَهُ، هُوَ غَايَةُ كُلِّ غَايَةٍ).

مرَّ نظيره في خامس الباب.

(فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ دِينَكَ الْحَقُّ، وَأَنَّ مَن).

في بعض النسخ «ما».

(خَالَفَهُ بَاطِلٌ).

عرف ذلك بعلمه بأنّ العرب لا عهد لهم بكتاب، فضلًا عن تعلّم المسائل الإلهيّة، ولا سيّما الغامضات التي يدقّ خفاؤها (2) عن ذهن المشغولين بها بغير استناد إلى وحي كالفلاسفة، فعلم أنّه معجز.

ويمكن أن يكون المراد بدينه ما عليه الإماميّة، وعرف ذلك بامتحان الغاصبين لحقّه.

الثامن:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ رَفَعَهُ، عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): أَكَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْ‏ءَ غَيْرُهُ؟

(3)

قَالَ: نَعَمْ، كَانَ وَلَا شَيْ‏ءَ. قُلْتُ: فَأَيْنَ كَانَ يَكُونُ؟).

تقول: كان زيد يفعل كذا: إذا أخبرت عن استمرار فعله في جانب الماضي.

(قَالَ: وَكَانَ مُتَّكِئاً فَاسْتَوى‏ جَالِساً)؛

لسماعه منه شيئاً عظيماً.

(وَقَالَ: أَحَلْتَ)

أي قست اللَّه تعالى على غيره، أو وصفته بمُحال؛ من‏ (4) أحال الرجل:

____________

(1). في الكافي المطبوع: «غايةَ».

(2). في حاشية «أ»: «فاعل يدق، والغرض المبالغة في الخفاء (سمع منه)».

(3). في الكافي المطبوع:-/ «غيره».

(4). في «ج»:-/ «من».

138

إذا أتى بالمحال وتكلّم به.

(يَا زُرَارَةُ، وَسَأَلْتَ عَنِ الْمَكَانِ)

أي الموضع‏

(إِذْ لَامَكَانَ).

التاسع:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَصْرٍ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْمَوْصِلِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: أَتى‏ حِبْرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَتى‏ كَانَ رَبُّكَ؟ قَالَ: وَيْلَكَ، إِنَّمَا يُقَالُ: «مَتى‏ كَانَ» لِمَا لَمْ يَكُنْ)

في وقت ما

(فَأَمَّا مَا كَانَ)

أي دائماً

(فَلَا يُقَالُ: «مَتى‏ كَانَ»، كَانَ قَبْلَ الْقَبْلِ بِلَا قَبْلٍ، وَبَعْدَ الْبَعْدِ بِلَا بَعْدٍ، وَلَا مُنْتَهى‏ غَايَةٍ):

ولاغاية. مضى في خامس الباب.

(لِتَنْتَهِيَ غَايَتُهُ).

اللام متعلّق بالمنفيّ، وهذا لدفع توهّم صحّة نفي منتهى غاية مطلقاً، وذلك لأنّه تعالى منتهى غايات العابدين كما مرّ، وهذا القيد مراد في قوله: «ولا منتهى غاية» في سابع الباب.

(فَقَالَ لَهُ: أَنَبِيٌّ أَنْتَ؟ فَقَالَ: لِأُمِّكَ الْهَبَلُ).

دعاءٌ عليه بالموت. والهبل بفتح الهاء وفتح الموحّدة مصدر قولك: هبِلَتْهُ امّه- كعلم- أي ثكِلتهُ. (1)

(إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)).

____________

(1). النهاية، ج 5، ص 240؛ لسان العرب، ج 11، ص 686 (حبل).

139

باب النسبة

الباب السابع بَابُ النِّسْبَةِ

فيه أربعة أحاديث.

النسبة بكسر النون وسكون المهملة والموحّدة مصدر باب نصر وضرب، ذكر النسب كأن يُقال: زيد بن عمرو. والمراد هنا نسبة الربّ، وهي ذكر ما يقوم مقام نسبه كما في سورة الإخلاص؛ إذ لا نسب له حقيقةً.

ويجي‏ء في «كتاب الصلاة» في أوّل «باب النوادر»: «اقرأ يا محمّد نسبة ربّك تبارك وتعالى‏ «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» إلى قوله: اقرأ «إِنَّا أَنْزَلْناهُ»* فإنّها نسبتك ونسبة أهل بيتك إلى يوم القيامة». (1)

الأوّل:

(أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيى‏، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)، فَقَالُوا:

انْسِبْ)؛

كانصر واضرب.

(لَنَا رَبَّكَ)

أي اذكر لنا ما يقوم مقام نسبه.

(فَلَبِثَ)؛

كعلم.

(ثَلَاثاً)

أي ثلاث ساعات؛ ولو كان المقصود الأيّام لقال: ثلاثة.

(لَا يُجِيبُهُمْ).

لعلّ المصلحة في تأخير الوحي بيانه تعالى للناس أنّه ينبغي للجاهل بشي‏ء أن يسكت عنه ما دام لم يعلم.

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 485، باب النوادر، ح 1.

140

(ثُمَّ نَزَلَتْ:

«قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»

إِلى‏ آخِرِهَا).

يستفاد أنّ المقول لهم في قوله: «قل» اليهود، وأنّ الضمير راجع إلى النسب.

الثاني:

(وَ رَوَاهُ)

أي روى مضمونه‏

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ. وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏).

كذا في النسخ، والمظنون أنّ الواو هنا من زيادة الكاتب، وأنّ هذا استئناف سند الحديث الثاني، وما قبله متعلّق بالحديث الأوّل، فيكون المراد بقوله: «ورواه»: روى لفظه.

(عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عَمْرٍو النَّصِيبِيِّ)؛

بفتح النون وكسر المهملة وسكون الخاتمة والموحّدة، نسبةً إلى نصيبين على لفظ جمع نصيب، وهو اسم بلد. (1)

(عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ‏

«قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»

فَقَالَ: نِسْبَةُ اللَّهِ)

.

تسميته نسبة اللَّه ونسبة الربّ باعتبار أنّه مذكور جواباً عن السؤال عن نسبه تعالى.

(إِلى‏ خَلْقِهِ أَحَداً، صَمَداً)؛

منصوبان على التمييز، أو بفعل مقدّر؛ أي ذكر اللَّه في نسبته أحداً صمداً. لمّا كان معنى الأحد الفرد المتفرّد، ومعنى الصمد المصمود إليه في الحوائج- من صمده إذا قصده‏ (2)- وكان لهذين الوصفين لوازم، أراد أن يبيّن لوازمهما، فقوله:

(أَزَلِيّاً)،

ناظرٌ إلى معنى «أحد» وهو منصوب بفعل مقدّر؛ أي يعني أزليّاً، أو بالتفسير؛ أي أزليّاً، (3) والمراد متفرّداً في الوجود عمّا عداه بالأزليّة. وقوله:

(صَمَدِيّاً)،

ناظرٌ إلى معنى الصمد، والنسبة للمبالغة كالأحمري؛ أي مستحقّاً لأن يصمد إليه في الحوائج. وقوله:

(لَا ظِلَّ لَهُ يُمْسِكُهُ، وَهُوَ يُمْسِكُ الْأَشْيَاءَ بِأَظِلَّتِهَا)،

ناظرٌ إلى معنى «أحد» يُقال: فلان‏

____________

(1). هي مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من الموصل إلى الشام، بينها وبين سنجار تسعة فراسخ، وبينها وبين الموصل ستّة أيّام. معجم البلدان، ج 5، ص 288 (نحيبين).

(2). الفروق اللغويّة لأبي هلال، ص 289، الرقم 1157؛ لسان العرب، ج 3، ص 258 (صمد).

(3). في النسختين: «أي أي أزليّاً».

141

يعيش في ظلّ فلان، أي في كنفه وحفظه، أي ليس له معين ينضمّ إليه ويحفظه، وهو يحفظ الأشياء مع حافظيها الظاهرة، أو بسببهم، كخلقه تعالى جبلّة الأبوين على العطوفة للولد ونحو ذلك.

وفيه إشارة إلى قوله تعالى في سورة النحل: «أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى‏ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ»، (1) أفرد اليمين لأنّ المحافظ للشي‏ء بقصد الخير أقلّ من محافظهِ لا بقصد الخير. وقوله:

(عَارِفٌ بِالْمَجْهُولِ، مَعْرُوفٌ عِنْدَ كُلِّ جَاهِلٍ)،

ناظرٌ إلى معنى الصمد.

ومعنى «عارف» عالم مجرّداً عن تجدّد العلم؛ (2) أي عالم بما يجهله غيره من ضمائر

____________

(1). النحل (16): 48.

في حاشية «أ»: «أي أو لم ينظروا إلى المخلوقات التي لها ظلال متفيّئة عن أيمانها وشمائلها، أي عن جانبي كلّ واحد منها؛ استعارة من يمين الإنسان وشماله. ولعلّ توحيد اليمين وجمع الشمائل باعتبار اللفظ والمعنى، كتوحيد الضمير في ضلاله، وجمعه في قوله: «سُجَّداً لِلَّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ» وهما حالان من الضمير في ظلاله. والمراد من السجود الاستسلام، سواء كان بالطبع أو الاختيار، و «سجّداً» حال من الظلال. و «هم داخرون» حال من الضمير، والمعنى: يرجع الظلال بارتفاع الشمس وانحدارها أو باختلاف مشارقها ومغاربها بتقدير اللَّه تعالى من جانب إلى جانب منقادة لما قدّر لها من التفيؤ أو واقعة على الأرض ملتصقة لها على هيئة الساجد. والأجرام في أنفسها أيضاً داخرة، أي صاغرة منقادة لأفعال اللَّه تعالى فيها. وجمع «داخرون» بالواو؛ لأنّ من جملتها من يعقل، أو لأنّ الدخور من أوصاف العقلاء. وقيل: المراد باليمين والشمائل يمين الفلك وهو جانبه الشرقي؛ لأنّ الكواكب تظهر منه آخذة في الارتفاع والسطوع، وشماله هو الجانب الغربي المقابل له؛ فإنّ الظلال في أوّل النهار يبتدي من المشرق واقعة على الربع الغربي من الأرض، وعند الزوال يبتدئ من المغرب واقعة على الربع الشرفي من الأرض. (بيضاوي)». أنوار التنزيل، ج 2، ص 405.

(2). في حاشية «أ»: «قوله (قدّس سرّه): مجرّداً عن تجدد العلم» لعلّه إشارة إلى بطلان ما زعمه التفتازاني في المطوّل وأضرابه في معني المعرفة حيث قال في أوائل الفنّ الأوّل: المعرفة يقال لإدراك الجزئي أو البسيط والعلم للكلّ أو المركب، ولذا يقال: عرفت اللَّه، دون: علمته، وأيضاً المعرفة يقال لإدراك مسبوق بالعدم أو للأخير من الإدراكين، شي‏ء واحد إذا تخلل بينهما عدم بأن أدرك أولًا ثمّ ذهل عنه ثم أدرك ثانياً». والعلم الإدراك المجرّد من هذين الاعتبارين، ولذا يقال: اللَّه تعالى عالم، ولايقال: عارف؛ انتهى. وذلك لأنّ كلام الإمام (عليه السلام) أعدل شاهد في هذا المقام وعديله في الشهادة ما في الخطبة الاولى من نهج البلاغة في قوله (عليه السلام): أحال الأشياء لأوقاتها، إلى قوله (عليه السلام): عارفاً بقرائنها وأحنائها؛ انتهى. والمعنى عارفاً بما يقترن بها على وجه التركيب أو المجاورة أو العروض والأحناء بحاء مهملة والنون، جمع: حنو بالكسر بمعنى الجانب؛ فلا تغفل (مهدي)».

142

الخلق وحوائجهم، وهو معروف عند كلّ جاهل به منكرٍ (1) له؛ لأنّ من ينكره إنّما ينكر بلسانه مع إقرار قلبه به، (2) كما في نهج البلاغة من قوله (عليه السلام): «فهو الذي تشهد له أعلام الوجود، على إقرار قلب ذي الجحود»؛ (3) فكلّ خلقه في الحقيقة يرفع حوائجه إليه في اضطراره إذا راجع قلبه. ويمكن أن يُراد بالجاهل نحو الأطفال المميّزين. وقوله:

(فَرْدَانِيّاً، لَاخَلْقُهُ فِيهِ، وَلَا هُوَ فِي خَلْقِهِ، غَيْرُ مَحْسُوسٍ وَلَا مَجْسُوسٍ، لَاتُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ)،

ناظرٌ إلى معنى «أحد».

والفردانيّ نسبة إلى الفرد، وزيادة الألف والنون للمبالغة؛ أي فرد الذات ليس خلقه فيه بأن يكون موصوفاً بصفة موجودة في الخارج في نفسها، وليس هو في خلقه لا بالحلول، ولا بالأين، ولا بالجزئيّة لمركّب حقيقي، ولا بالاتّحاد وأمثال ذلك.

قوله: «غير محسوس» بالحاء المهملة، أي لا يعقل ذاته ضرورة.

وقوله: «ولا مجسوس» بالجيم، أي ولا يعقل ذاته نظراً، كما مضى في خامس الأوّل. (4)

وقوله: «لا تدركه» استئنافٌ للإشارة إلى أنّه لو كان محسوساً لكان بالأبصار؛ لظهور بطلان تعلّق الحواسّ الاخر به، أو تخصيص بعد تعميم للاهتمام؛ لوقوع الخلاف المشهور فيه. (5) وقوله:

(عَلَا فَقَرُبَ، وَدَنَا فَبَعُدَ، وَعُصِيَ فَغَفَرَ، وَأُطِيعَ فَشَكَرَ)،

ناظرٌ إلى معنى الصمد؛ أي مع علوّه وربوبيّته قريب من أذهان الناظرين في ملكوت السماوات والأرض وما خلق اللَّه‏

____________

(1). في «ج»: «منكراً».

(2). في «ج»:-/ «به».

(3). نهج البلاغة، ص 53، الخطبة 49.

(4). أي الحديث 5 من باب حدوث العالم وإثبات المحدث.

(5). في حاشية «أ»: «متعلّق بوقوع».

143

من شي‏ء، ومع دنوّه من أذهاننا بعيد عن صفاتنا الرذيلة وعمّا لا يليق به، كإثبات الشريك في التكوين بمحض قول: «كُن»، أو في استحقاق العبادة، أو في الاسم الجامد المحض. والفاء التعقيبيّة هنا باعتبار معرفتنا بذلك، وهو تعالى يغفر العصيان ويشكر الطاعة، فهو المستحقّ لرفع الحوائج إليه. وقوله:

(لَا تَحْوِيهِ أَرْضُهُ، وَلَا تُقِلُّهُ سَمَاوَاتُهُ، حَامِلُ الْأَشْيَاءِ بِقُدْرَتِهِ، دَيْمُومِيٌّ، أَزَلِيٌّ)،

ناظرٌ إلى معنى «أحد» يُقال: حواه بالمهملة إذا غلبه وملكه، وأجواه بالجيم إذا أحزنه، ويُقال: أقلّه إذا جعله مستقلّاً مستبدّاً، أي لا يحصل له بسبب معصية أهل أرضه مغلوبيّة أو حُزن، ولا يحصل له بسبب إطاعة أهل سماواته رفعة شأن؛ لأنّه حامل كلّ شي‏ء لا بجارحة بل بقدرته؛ لأنّه ديمومي، أي لا يتغيّر؛ نسبة إلى «ديمومة» مصدر دام الشي‏ء يدوم ويدام دوماً ودواماً وديمومة، أي أبدي.

وتكرار «أزليٌّ» هنا لبيان «ديمومي» لأنّ ما ثبت‏ (1) قدمه امتنع عدمه، أو لكمال مناسبته مع «ديمومي». وقوله:

(لَا يَنْسى‏ وَلَا يَلْهُو، وَلَا يَغْلَطُ وَلَا يَلْعَبُ، وَلَا لِإِرَادَتِهِ فَصْلٌ، وَفَصْلُهُ جَزَاءٌ، وَأَمْرُهُ وَاقِعٌ)،

بيانٌ آخر لقوله: «لا تحويه» إلى آخره، أو ناظر إلى معنى الصمد؛ يُقال: نسِيَه- كرضي-: إذا ذهب علمه به عن ذهنه بالكلّيّة، ويُقال: لَها عنه- كدعا ورضي-: إذا غفل وترك ذكره، ويُقال: غلط- كعلم- في الحساب وغيره: إذا لم يعرف وجه الصواب فيه.

واللَعب- بالفتح والكسر، وككتف مصدر باب علم-: ضدّ الجدّ.

ومعنى «عدم فضل لإرادته» إن كان بالمعجمة أنّها تستلزم المراد، وإن كان بالمهملة أنّ إرادته ليست فاصلة بين شي‏ء وشي‏ء بأن تتعلّق بطاعة دون معصية، فإنّ كلّ‏ (2) واقع بإرادته تعالى حتّى معاصي العباد، كما يجي‏ء في أوّل «باب في أنّه لا يكون شي‏ء في الأرض ولا في السماء إلّابسبعة». أو المراد أنّه قادر على كلّ شي‏ء لا يمتنع عن إرادته شي‏ء دون شي‏ء.

____________

(1). في «ج»: «يثبت».

(2). في «ج»: «كان».

144

وقوله: «وفصله» بالمهملة، لمّا كان نفي الفصل المنسوب إلى الإرادة منسوباً إلى المريد، وقد نُسِب الفصل إلى اللَّه تعالى في قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ» (1)، وبه سمّي يومُ القيامة يومَ الفصل، قال: «وفصله جزاء» للمطيعين بالجنّة، وللعاصين بالنار؛ دفعاً لتوهّم المناقضة.

ثمّ عاد إلى تقوية أن ليس لإرادته فصل وقال: «وأمره واقع»، والأمر مأخوذ من قوله تعالى: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (2)، ويجي‏ء تحقيقه في حادي عشر «باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين». والمراد بالوقوع وقوعه باعتبار المأمور والمأمور به، ومناسبة هذه الأوصاف لرفع الحوائج إليه ظاهرة.

ويجوز أن يكون قوله: «ولا لإرادته» إلى آخره، منفصلًا عمّا قبله، وتمهيداً لقوله بعده: «لم يلد» إلى آخره، والمعنى حينئذٍ أنّه ليس لإرادته شيئاً فصلُ شي‏ءٍ عن ذاته وإخراجه منها حتّى يمكن أن يكون بعض ما أراد ولداً له.

( «لَمْ يَلِدْ»

فَيُورِثَ‏

(3)

بكسر الراء.

( «وَ لَمْ يُولَدْ»

فَيُشَارِكَ‏

(4)

بكسر الراء.

( «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ»

).

الثالث:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ)؛

كزبير، أو كأمير.

(قَالَ: سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام) عَنِ التَّوْحِيدِ)

أي عن إفراد المعبود الحقّ بحيث يمتاز عن غيره: هل يمكن أن يكون بمعرفته بشخصه، أو بكنه ذاته، أم لا؟ بل يكتفى فيه بمعرفته بأسمائه وصفاته المختصّة به وكلّها غيره وهو مستور بها، فإنّها وجهه لا كنهه؟

____________

(1). الحجّ (22): 17.

(2). يس (36): 82.

(3). في الكافي المطبوع: «فيورَث» بفتح الراء.

(4). في الكافي المطبوع: «فيشارَك» بفتح الراء.

145

(فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ- عَزَّ وَجَلَّ- عَلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَقْوَامٌ مُتَعَمِّقُونَ)

أي طالبون للنزول إلى عمق أسمائه وصفاته تعالى لإدراك كنه ذاته أو شخصه كالمجسّمة وكالأشاعرة الطالبين لرؤيته تعالى.

(فَأَنْزَلَ‏

(1)

تَعَالى‏

«قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»

وَ الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ الْحَدِيدِ إِلى‏ قَوْلِهِ:

«وَ هُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» (2)) يحتمل أن يكون أوّلها: «هُوَ الْأَوَّلُ» أو أوّل السورة، فهي قوله تعالى: «سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَ ما يَخْرُجُ مِنْها وَ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَ ما يَعْرُجُ فِيها وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ* لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ هُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» (3).

(فَمَنْ رَامَ)

أي قصد

(وَرَاءَ ذلِكَ)

أي خلف ذلك. والمراد شخصه وكنه ذاته تعالى المستور بهذه الأسماء والصفات المختصّة، فإنّ المستور بالشي‏ء يكون خلفه. ويمكن أن يُراد ب «وراء» أمام بفتح الهمزة؛ فإنّه من الأضداد. والمآل واحد، والأخير أنسب بما مرّ في أوّل الأوّل‏ (4) من قوله: «ولم تَجُرْ هناك فتعرف ما خلفهنّ».

(فَقَدْ هَلَكَ).

لأنّه لو كان حسناً لما اكتفى اللَّه تعالى بالأسماء والصفات التي كلّها غيره. ويجي‏ء مثله في سابع الباب الآتي.

الرابع:

(مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَفَعَهُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُهْتَدِي، قَالَ: سَأَلْتُ الرِّضَا (عليه السلام) عَنِ التَّوْحِيدِ)

أي عن مقدار ما يجب معرفته منه.

____________

(1). في الكافي المطبوع:+/ «اللَّه».

(2). الحديد (57): 1- 6.

(3). الحديد (57): 1- 6.

(4). أي الحديث 1 من باب حدوث العالم واثبات المحدث.

146

(فَقَالَ: كُلُّ مَنْ قَرَأَ

«قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»

وَآمَنَ بِهَا، فَقَدْ عَرَفَ التَّوْحِيدَ. قُلْتُ: كَيْفَ يَقْرَؤُهَا؟

قَالَ: كَمَا يَقْرَأُ

(1)

النَّاسُ، وَزَادَ فِيهِ: كَذلِكَ اللَّهُ رَبِّي، كَذلِكَ اللَّهُ رَبِّي).

كون «زاد» بلفظ الماضي دليل على أنّه تفسير لقوله: «آمن بها»، وليس من تتمّة الجواب وداخلًا في القراءة.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «يقرؤها».

147

باب النهي عن الكلام في الكيفيّة

الباب الثامن بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْكَلَامِ فِي الْكَيْفِيَّةِ

فيه اثنا عشر حديثاً.

المراد بالكيفيّة ذات الصانع تعالى كما مرّ في سادس الثاني‏ (1) من قوله (عليه السلام): «ولكن لابدّ من إثبات أنّ له كيفيّة» إلى آخره.

الأوّل:

(مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): تَكَلَّمُوا فِي خَلْقِ اللَّهِ، وَلَا تَتَكَلَّمُوا فِي اللَّهِ)

أي في ذات اللَّه.

(لأِنَّ الْكَلَامَ فِي اللَّهِ لَايَزْدَادُ صَاحِبَهُ إِلَّا تَحَيُّراً)

أي لا يمكن لنا إدراكه.

الثاني:

(وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرى‏، عَنْ حَرِيزٍ).

هذا الحديث موقوف، (2) وحريز بفتح المهملة وآخره زاي من رجال أبي عبداللَّه (عليه السلام)، وقيل: أبي‏ (3) الحسن (عليه السلام) أيضاً. (4)

(تَكَلَّمُوا فِي كُلِّ شَيْ‏ءٍ، وَلَا تَتَكَلَّمُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ).

«ذات» في الأصل مؤنّثُ ذو بمعنى الصاحب، وتقتضي شيئين: موصوفاً ومضافاً إليه؛ تقول: امرأة ذات مال، وللثنتين: ذواتا

____________

(1). أي الحديث 6 من باب إطلاق القول بأنّه شي‏ء.

(2). وهو ما روي عن مصاحب المعصوم من قول أو فعل، متّصلًا كان أو منقطعاً، وقد يطلق على غير المصاحب‏مقيّداً، مثل وقفه فلان على فلان. البداية في علم الدراية (رسائل في دراية الحديث)، ج 1، ص 129.

(3). في «ج»: «لأبي». وفي حاشية «أ»: «هو الكاظم (عليه السلام) كما في الرجال المتوسّط للفاضل الإسترابادي (منه)».

(4). رجال النجاشي، ص 144، الترجمة 375. وذكره الطوسي في رجاله، ص 194، الترجمة 273 في أصحاب أبي عبد اللَّه (عليه السلام) ولم يذكره في أصحاب أبي الحسن (عليه السلام).

148

مال، وللجماعة: ذوات مال‏ (1) ثمّ اقتطعوا عنها مقتضيها، وأجروها مجرى الأسماء التامّة المستقلّة بأنفسها غير المقتضية لما سواها فقالوا: ذات متميّزة، وذاتان متميّزتان، وذوات متميّزات، ونسبوا إليها كما هي من غير تغيير علامةَ التأنيث، فقالوا: الصفات الذاتيّة، واستعملوها استعمالَ «النفس» و «الشي‏ء» (2)، وهو المراد هنا، فالمقصود (3) النهي عن الكلام في بيان كنه حقيقة اللَّه.

وقد يستعمل «ذات اللَّه» بمعنى «أمر اللَّه» كما قيل في قول العرب: جعل اللَّه ما بيننا في ذاته. (4) وعليه قول أبي تمّام: فيضرب في ذات الإله فيوجِعُ. (5) وهو المراد بما في آخر «كتاب الروضة» عن عليّ بن الحسين (عليهما السلام) أنّه كان يقول: «ويل امّه فاسقاً من لا يزال ممارياً، ويل امّه فاجراً من لا يزال مخاصماً، ويل امّه آثماً مَن كثر كلامه في غير ذاتِ اللَّه عزّ وجلّ» انتهى. (6)

فالمقصود به النهي عن الكلام بالرأي في الأحكام الشرعيّة، فلا منافاة بينهما.

الثالث:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): إِنَّ اللَّهَ- عَزَّ وَجَلَّ- يَقُولُ:)

في سورة النجم ( «وَ أَنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الْمُنْتَهى‏» (7)

فَإِذَا انْتَهَى الْكَلَامُ إِلَى اللَّهِ)

أي إلى ذات اللَّه‏

(فَأَمْسِكُوا).

____________

(1). الصحاح، ج 6، ص 2551؛ لسان العرب، ج 15، ص 457؛ تاج العروس، ج 20، ص 388 (ذو).

(2). البرهان للزركشي، ج 4، ص 278.

(3). في «ج»: «والمقصود».

(4). في حاشية «أ»: «نقله في المغرب (منه دام ظله)». وانظر البرهان للزركشي، ج 4، ص 278 وحكاه السيّد علي خان‏في رياض السالكين، ص 34 عن صاحب التكملة.

(5). حكاه عنه الثعالبي في يتيمة الدهر، ج 4، ص 148، والزركشي في البرهان، ج 4، ص 278، وكلّ البيت:

يقول فيبدع ويمشي فيسرع‏* * * ويضرب في ذات الإله فيوجع‏

وحكاه أيضاً البغدادي في خزانة الأدب، ج 1، ص 151، والمراد فيضرب بسبب أمر اللَّه.

(6). الكافي، ج 8، ص 391، ح 587، وفيه: «وَيْلُمِّه» بدل «ويل امّه»؛ وسائل الشيعة، ج 12، ص 237، ح 16185.

(7). النجم (53): 42.

149

تفسير للآية بأنّ «إلى» حرف جرّ قدّمت لإفادة الحصر. و «المنتهى» مصدر ميمي، ومدخول «إلى» يكون خارجاً عن الحكم، كما أنّ مدخول «من» خارج عنه.

والمراد أنّ الكتاب الذي عُبّر عنه في سابق الآية ب «ذكرنا» في قوله: «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا» (1) وهو المتولّى عنه في قوله في سابق الآية أيضاً: «أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى» (2) تبيانٌ‏ (3) لكلّ شي‏ء سوى ذات اللَّه تعالى، فالحجّة قائمة على من تولّى عن ذكر اللَّه، فلم يبق للإنسان المتولّي عن كتاب اللَّه، طريق الاعتذار لدفع الجزاء الأوفى عن نفسه بأنّ بعض الأحكام لم يكن مبيّناً في كتاب اللَّه، وذلك لأنّ محكمات كتاب اللَّه امّ الكتاب، فهنّ دلالات صريحة على إمامٍ عالم بجميع المتشابهات والأحكام في كلّ زمانٍ، كما مرّ تفصيله في شرح الثاني عشر من أوّل «كتاب العقل». والحاصل أنّه لا انتهاء لتبيان كتاب اللَّه إلّاإلى ذات اللَّه، وإنّما لم يبيّن في كتاب اللَّه لعدم إمكان علم الخلائق به.

ثمّ إنّ المشهور بين العامّة في تفسير الآية أنّ المراد أنّ انتهاء الخلائق بعد الموت والحشر إلى اللَّه للحساب والثواب والعقاب. (4)

ولا يخفى أنّه على هذا يصير ذكرُ هذه الآية بعد قوله: «وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى‏* ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى‏» (5) قليل الفائدة.

الرابع:

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ،

(6)

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ‏ مُسْلِمٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ النَّاسَ لَايَزَالُ لَهُمُ‏

(7)

الْمَنْطِقُ)

أي جائزاً لهم‏

____________

(1). النجم (53): 29.

(2). النجم (53): 33.

(3). خبر «أنّ» في قوله: «والمراد أنّ الكتاب».

(4). جامع البيان للطبري، ج 27، ص 98؛ تفسير الثعلبي، ج 9، ص 154؛ تفسير السمعاني، ج 5، ص 301؛ تفسير البغوي، ج 4، ص 255.

(5). النجم (53): 40- 41.

(6). في «ج»:-/ «عن أبي أيّوب».

(7). في الكافي المطبوع: «بهم».

150

المنطق، أو ثابتاً لهم المنطق الصحيح.

(حَتّى‏ يَتَكَلَّمُوا فِي اللَّهِ)

أي في كنه ذات اللَّه.

(فَإِذَا سَمِعْتُمْ ذلِكَ)

أي كلامهم في كنه ذات اللَّه.

(فَقُولُوا: لَاإِلهَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ).

المراد: قولوا ذلك لهم نهياً لهم عن الكلام في اللَّه، وذلك لأنّه لو أمكن لنا إدراكه تعالى، لكان جسماً كالأجسام، كما بيّنّا في أوّل الثاني‏ (1) عند قوله: «فما وقع وهمك عليه من شي‏ء فهو خلافه».

الخامس:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ، قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): يَا زِيَادُ، إِيَّاكَ وَالْخُصُومَاتِ).

هي الكلام فيما لا ينفعهم في الآخرة، أو لا فيها ولا في الدنيا، أو هي التي تقع بين المرائين من طلبة العلم في المجالس، أو هي كثرة تتبّع الاحتمالات والإفراط في التدقيقات.

(فَإِنَّهَا تُورِثُ الشَّكَّ)

فيما يجب الاعتناء به، أو في الضروريّات، أو في المعلومات من اصول الدين. وهذا مجرّب قد يصرف الإنسان عمره فيما لا يعنيه، ولا يعلم ما يعنيه، وقد يمنع أحد في المجلس ضروريّاً مخالفاً لما ادّعاه، ويتتبّع احتمالات تورثه الشكّ في ذلك الضروري وفي اليقيني.

(وَتُحْبِطُ الْعَمَلَ):

تُبطل طلبَ العلم بحيث لا يبقى له ثواب عليه.

(وَتُرْدِئُ)؛

إمّا بالهمز من رَدُؤَ كحَسُنَ، أي فسد؛ وأردأتُه: أفسدته. (2) وإمّا بالياء من ردي كعلم، أي هلك، وأرداه غيره: أهلكه. (3)

____________

(1). أي 1 من باب إطلاق القول بأنه شي‏ء.

(2). الصحاح، ج 1، ص 52 (ردأ).

(3). الصحاح، ج 6، ص 2355 (ردي).

151

(صَاحِبَهَا)

أي صاحب الخصومات، فإنّه غير مقبولٍ عند الناس، وهالك في الآخرة.

(وَعَسى‏ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الشَّيْ‏ءِ

(1)

كذات اللَّه تعالى. وفي بعض النسخ «بالشي‏ء» كإنكار ما علم من الدين ضرورةً.

(فَلَا يُغْفَرَ)

هذا التكلّم‏

(لَهُ؛ إِنَّهُ كَانَ فِيمَا مَضى‏ قَوْمٌ تَرَكُوا عِلْمَ مَا وُكِّلُوا بِهِ)؛

بصيغة المجهول من التوكيل، يُقال: وكّلتُهُ بأمر كذا توكيلًا: إذا جعلتَه متولّياً له، محافظاً عليه.

ولو كان بتخفيف الكاف، لقال: ما وُكِل إليهم.

(فَطَلَبُوا

(2)

عِلْمَ مَا كُفُوهُ)؛

بتخفيف الفاء بصيغة المجهول، من كفاه إيّاه يكفيه كفاية: إذا أغناه عن مؤونة طلبه؛ أي كفاهم اللَّه إيّاه، أو كفاهم ما وكّلوا به إيّاه.

(حَتّى‏ انْتَهى‏ كَلَامُهُمْ)

فيما لا يعنيهم‏

(إِلَى اللَّهِ فَتَحَيَّرُوا، حَتّى‏)؛

هي الداخلة على الجمل.

(إنْ)

(3)

؛

بكسر الهمزة مخفّفة من المثقّلة واللام بعدها هي الفارقة، أي إنّه.

(كَانَ الرَّجُلُ لَيُدْعى‏ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَيُجِيبُ مِنْ خَلْفِهِ، وَيُدْعى‏ مِنْ خَلْفِهِ، فَيُجِيبُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ).

تمثيلٌ لعدم الربط في كلامهم.

السادس:

(وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرى‏: حَتّى‏ تَاهُوا فِي الْأَرْضِ).

تمثيل لشدّة تحيّرهم، يُقال:

تاه في الأرض يتيه تيهاً: إذا ذهب متحيّراً. (4)

السابع:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مَيَّاحٍ)؛

بفتح الميم، وتشديد الخاتمة، والمهملة.

(عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: مَنْ نَظَرَ فِي اللَّهِ: كَيْفَ هُوَ)

أي من طلب إدراكه‏

(هَلَكَ).

____________

(1). في الكافي المطبوع: «بالشي‏ء».

(2). في الكافي المطبوع: «وطلبوا».

(3). في الكافي المطبوع: «أن».

(4). الصحاح، ج 6، ص 2229؛ النهاية، ج 1، ص 203 (تيه).

152

الثامن:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ، عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ مَلِكاً عَظِيمَ الشَّأْنِ كَانَ فِي مَجْلِسٍ لَهُ، فَتَنَاوَلَ الرَّبَّ،

(1)

فَفُقِدَ، فَمَا يُدْرى‏ أَيْنَ هُوَ).

«ملكاً» بفتح الميم وكسر اللام، أي مسلّطاً على جمع كثيرين في فنّ، كما يقال لإمرئ قيس: الملك الضلّيل؛ لأنّه كان مسلّطاً على شعراء العرب في فنّ الشعر. (2)

«عظيم الشأن» مبالغة في تسلّطه.

«فتناول الربّ» أي أخذ في التكلّم في كنه ذاته.

«ففقد» بفاء وقاف ومهملة، مجهول باب ضرب؛ أي ففقده أصحابه.

الفاء في «فما» للبيان. «يدرى» مجهول، ناقص باب ضرب حكاية الحال الماضية.

ضمير «هو» للملك؛ أي فما يعلم أصحابه موقعه. والمراد أنّه خولط، فخرج كلامه عن الانتظام بعد ما كان منتظماً في فنّه.

التاسع:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنِ الْعَلَاءِ)؛

بفتح المهملة والمدّ.

(بْنِ رَزِينٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالتَّفَكُّرَ فِي اللَّهِ)

أي في كنه ذات اللَّه.

(وَلكِنْ إِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَنْظُرُوا فِي‏

(3)

عَظَمَتِهِ).

فيه إشعار بأنّ المتفكّر في اللَّه قاصد للنظر في عظمته بوسيلة التفكّر فيه، كما قالوا في قوله تعالى في المشبّهة: «وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» (4) أي ما عظّموه حقّ تعظيمه. (5)

(فَانْظُرُوا إِلى‏ عَظِيمِ خَلْقِهِ).

الخَلق هنا مصدر بمعنى التدبير، وإضافة «عظيم» من‏

____________

(1). في الكافي المطبوع:+/ «تبارك وتعالى».

(2). لسان العرب، ج 11، ص 394 (ضلال).

(3). في الكافي المطبوع: «إلى».

(4). الأنعام (6): 91.

(5). القائل صاحب القاموس المحيط، ج 2، ص 114 (قدر).

153

قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف كجرد قطيفة؛ (1) أي إلى أنّه خالق كلّ مخلوق، فإنّ ذلك طريق النظر في عظمته، لا ما سلكتموه.

ويحتمل أن تكون الإضافة لاميّة، أو الخلق هنا بمعنى المخلوق، والإضافة بمعنى «من».

العاشر:

(مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَفَعَهُ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ أَكَلَ قَلْبَكَ طَائِرٌ، لَمْ يُشْبِعْهُ)؛

من باب الإفعال. وهذا كناية عن الصِّغر، وفيه إشعار بعدم تجرّد النفس الناطقة.

(وَبَصَرُكَ لَوْ وُضِعَ عَلَيْهِ خَرْتُ إِبْرَةٍ).

الخَرْت- بفتح المعجمة وقد تضمّ وسكون المهملة والمثنّاة فوق-: ثقب الإبرة ونحوها. (2)

(لَغَطَّاهُ).

عبارة عن صغر الناظر.

(تُرِيدُ)

أي تطلب بالفكر والنظر، وتدّعي إمكانَ‏

(أَنْ تَعْرِفَ بِهِمَا)

أي تدرك بالقلب والبصر.

(مَلَكُوتَ)؛

بفتح الميم واللام: العزّ والسلطنة. والمضاف محذوف؛ أي ذا ملكوت.

(السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؟ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً)

في دعواك إمكان أن تعرف بالقلب والبصر ملكوت السماوات والأرض.

(فَهذِهِ الشَّمْسُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ).

«الشمس» صفةٌ ل «هذه» والخبر «خلق»، أو خبرٌ و «خلق» خبر آخر، والجملة جزاء صورةً، وتمهيد للبدل وهو الجزاء حقيقةً، وهو قوله:

(فَإِنْ قَدَرْتَ أَنْ تَمْلَأَ عَيْنَيْكَ مِنْهَا، فَهُوَ كَمَا تَقُولُ).

تقدير الكلام فقدرت أن تملأ عينيك منها «وإن قدرت أن تملأ عينيك منها فهو كما تقول» استدلال على عدم إمكان‏

____________

(1). أي قطيفة جرد، بمعني قطيفة بالية. والقطيفة: كساء له خمل كما في النهاية، ج 4، ص 84. وفي شرح الرضي على‏الكافية، ج 2، ص 244: «جرد قطيفة كخاتم فضة. وجرد، أي بال؛ إذ الجرد يحتمل أن يكون من القطيفة ومن غيرها، كما كان خاتم محتملًا أن يكون من الفضّة ومن غيرها».

(2). كتاب العين، ج 4، ص 236؛ الصحاح، ج 1، ص 248؛ لسان العرب، ج 2، ص 29 (خرت).

154

إدراكنا ذاته بأنّ من يعجز عن إحساس مرتبة من كيفيّةٍ لجسماني إلّابخرق العادة يستحيل أن يدرك ما ليس بجسماني ولو بخرق العادة، وذكر الشمس للمناسبة باعتبار أنّها نورٌ جسماني، واللَّه تعالى نور غير جسماني، فلو استدلّ عليه بأنّ الجسم الصغير إذا بعد بُعداً مفرِطاً لا يمكنك إحساسه، فكيف يمكن أن تدرِك اللَّه كان تماماً. (1)

ويمكن أن يُقال: ليس المقصود الاستدلال على بطلان مدّعى الخصم، بل المقصود ما هو المتعارف بعد إبطال مدّعى شخص بالبرهان العقلي أو النقلي من التعجّب من دعواه، وبيان أنّه ليس هذا موضع التوهّم، فإنّ دواعي الغلط منتفية هنا، فإنّ الجهل المركّب ودعوى الأمر العظيم إنّما يتوهّم فيما كان المباشر عظيماً، فيتوهّم منه أنّه يقدر على كذا، أو يكون قادراً على أشياء صعبة لم يعجز عنها، فيتوهّم منه أنّه يقدر على كذا أيضاً، وليس ما نحن فيه كذلك. وهذا كأن يدّعي مريض أنّه إن صحّ لقدر على رفع الجبل، فتقول له بعد إبطال مدّعاه: إنّك تموت ضعفاً، وتريد أن ترفع الجبل؟ فإن كنت صادقاً فارفع هذا الكوز؛ تعني بذلك أنّ دواعي هذا الجهل المركّب- أي توهّم رفع الجبل- منتفية حين المرض.

وقوله: «فهو كما تقول» مماشاة؛ فإنّ عدم صحّة الدليل لا يستلزم عدم المدلول.

ويمكن أن يحمل الصدق على موافقة الاعتقاد لا على مطابقة نفس الأمر، والمراد أنّ الدعوى هنا بدون اعتقاد.

الحادي عشر:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ الْيَعْقُوبِيِ‏

(2)

بفتح الخاتمة.

(عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلى‏ مَوْلى‏ آلِ سَامٍ)؛

بالمهملة والألف والميم المخفّفة بطن من لؤي بن غالب. (3)

____________

(1). في حاشية «أ»: «جواب فلو استدلّ».

(2). في الكافي المطبوع: «البعقوبي» بالباء.

(3). رجال ابن داود، ص 127، الترجمة 933.