الشافي في شرح الكافي - ج2

- خليل بن غازي‏ القزويني المزيد...
582 /
155

(عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ يَهُودِيّاً يُقَالُ لَهُ: «سُبُّخْت»

(1)

بضمّ المهملة، وضمّ الموحّدة المشدّدة، وسكون المعجمة، وبالمثنّاة فوق.

وفي رواية ابن بابويه في توحيده أنّه كان فارسيّاً، وكان من ملوك فارس. (2)

(جَاءَ إِلى‏ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ)؛

على عادة ذلك الزمان.

(جِئْتُ أَسْأَلُكَ)؛

بالرفع أو النصب، كما مرّ في رابع السادس. (3)

(عَنْ رَبِّكَ، فَإِنْ أَنْتَ أَجَبْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ)

أي بجواب حقّ. والجزاء محذوف، أي آمنت بأنّك رسول اللَّه، أو كنت معك.

(وَإِلَّا رَجَعْتَ‏

(4)

).

بصيغة الخطاب، أي عن دعوى النبوّة؛ أو التكلّم، أي إلى وطني.

(قَالَ: سَلْ عَمَّا شِئْتَ، قَالَ: أَيْنَ رَبُّكَ؟ قَالَ: هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَلَيْسَ فِي شَيْ‏ءٍ مِنَ الْمَكَانِ الْمَحْدُودِ)؛

بالجرّ صفة المكان، أي المتميّز عن أمكنة غيره تعالى، كما مضى في ثالث السادس‏ (5) من قوله: «ولا مكان جاوَرَ شيئاً» فكونه في كلّ مكان يرجع إلى إحاطة علمه وحفظه بكلّ شي‏ء: ظاهره وباطنه، موافقاً لما في سورة الحديد: «وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ» (6)، وفي سورة النساء: «وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطاً» (7)، وفي سورة سبأ: «وَ رَبُّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَفِيظٌ» (8).

(قَالَ: وَكَيْفَ هُوَ؟)؛

سؤالٌ عن كنه ذاته.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «سُبِحَت» وكذا في بقية الموارد إلى آخر الرواية.

(2). التوحيد، ص 311، باب حديث سبحت اليهودي، ح 2.

(3). أي الحديث 4 من باب الكون والمكان.

(4). في الكافي المطبوع: «رجعتُ» بضمّ الأخير.

(5). أي الحديث 3 من باب الكون والمكان.

(6). الحديد (57): 4.

(7). النساء (4): 126.

(8). سبأ (34): 12.

156

(قَالَ: وَكَيْفَ)؛

استفهام إنكار.

(أَصِفُ رَبِّي)

أي ابيّن كنه ذاته.

(بِالْكَيْفَ)

(1)

؛

بالفتح، أي بما يقال على شي‏ء في جواب السؤال عنه ب «كيف».

(وَالْكَيْفَ)

(2)

؛

بالفتح.

(مَخْلُوقٌ)؛

فإنّ كلّ مدرك محسوسٌ، كما مضى في أوّل الثاني، (3) وكلّ محسوس مخلوق.

(وَاللَّهُ لَايُوصَفُ بِخَلْقِهِ؟)

أي لا يبيَّن كنه ذاته ببيان مخلوقه.

(قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ)

أي فمن أيّ دليل.

(نَعْلَمُ‏

(4)

أَنَّكَ نَبِيُّ اللَّهِ؟ قَالَ: فَمَا بَقِيَ حَوْلَهُ حَجَرٌ وَلَا غَيْرُ ذلِكَ إِلَّا تَكَلَّمَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍ‏ مُبِينٍ)؛

بخلق اللَّه تعالى ذلك الصوت والكلام من جهته، أو جعله تعالى إيّاه ذا علم أيضاً في ذلك الوقت.

(يَا سُبُّخْتَ)،

بتقدير القول.

(إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)).

زاد في الجواب على السؤال، فإنّ الرسالة فوق النبوّة.

(فَقَالَ سُبُّخْتَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ أَمْراً أَبْيَنَ مِنْ هذَا).

الكاف حرفيّة للتشبيه، أو اسميّة بمعنى مثل. وعلى الأوّل الظرف صفة لموصوف محذوف هو مفعول فيه بتقدير «يوماً كاليوم»، وعلى الثاني الكاف منصوب المحلّ على الظرفيّة.

وقوله: «أمراً» بفتح الهمز وسكون الميم، أو بالهمز والألف وكسر الميم، وعلى الأوّل هو ضدّ النهي، أو بمعنى الحادثة.

وقوله: «أبين» بالموحّدة والخاتمة أفعل التفضيل بمعنى أوضح، أو بصيغة المضارع المعلوم المتكلّم من باب ضرب بمعنى أنفَصِلُ، وعلى الأوّل هو منصوب مفعولٌ ثانٍ ل «رأيت» أو صفة «أمراً». و «هذا» عبارة عن الأمر الواقع في اليوم.

والمراد بنفي رؤيته أبين منه في غير ذلك اليوم أنّه أبين من كلّ بيّن رأيته في غير

____________

(1). في الكافي المطبوع: «بالكيفِ».

(2). في الكافي المطبوع: «والكيفُ».

(3). أي الحديث 1 من باب إطلاق القول بأنّه شي‏ء.

(4). في الكافي المطبوع: «يُعلم».

157

ذلك اليوم، كما يُقال: ما رأيت في البلد أفضل من زيد؛ أي هو أفضل من كلّ فاضل فيه.

أو عبارة عن المحسوس الحاضر القريب مطلقاً؛ أي هو أظهر من كلّ مشاهد قريب.

ولا ينافي ذلك كون اسم الإشارة ونحوه موضوعاً بوضع عامّ لموضوع له خاصّ، فإنّه قد يستعمل في العامّ ولو مجازاً، كما يُقال في النداء: يا هذا، وفي الدعاء: يا هو.

وعلى الثاني هذا عبارة عن دين اليهود، وحينئذٍ الظرف في «كاليوم» مفعول ثان ل «رأيت» قدّم على المفعول الأوّل، وهو بتقدير كأمر اليوم. و «أمراً» مفعول أوّل اخّر، والجملة بعده‏ (1) استئناف بياني.

(ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَاإِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ).

الثاني عشر:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْخَثْعَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَتِيكٍ)؛

بفتح المهملة، وكسر المثنّاة فوق، وسكون الخاتمة.

(قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنْ شَيْ‏ءٍ)

أي طلبت منه قليلًا

(مِنَ الصِّفَةِ)

أي بيان الكنه؛ مصدر قولك: وصفتُ فلاناً: إذا ذكرتَ ما أدركتَ منه.

(فَرَفَعَ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: تَعَالَى الْجَبَّارُ، تَعَالَى الْجَبَّارُ)،

عن أن يوصف.

(مَنْ تَعَاطى‏)

أي تناول‏

(مَا ثَمَّةَ

(2)

)

أي الكلام في صفته تعالى‏

(هَلَكَ).

____________

(1). في حاشية «أ»: «أي الفعلية».

(2). في الكافي المطبوع: «ثمّ».

158

باب في إبطال الرؤية

الباب التاسع بَابٌ فِي إِبْطَالِ الرُّؤْيَةِ

فيه أحد عشر حديثاً.

ونقل كلام عن هشام بن الحكم، وكأنّه في تبيين معنى رابع الباب، وفي تقوية التاسع والعاشر والحادي عشر. هذا الباب للردّ على الأشاعرة، وهم تابعون في ذلك للمجسّمة، ويجي‏ء تحرير محلّ النزاع في رابع الباب.

الأوّل:

(مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ)؛

هو الأرمني. (1)

(قَالَ: كَتَبْتُ إِلى‏ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)

هو الحسن العسكري (عليه السلام).

(أَسْأَلُهُ: كَيْفَ يَعْبُدُ الْعَبْدُ رَبَّهُ وَهُوَ لَايَرَاهُ؟)

أي بالبصر.

(فَوَقَّعَ (عليه السلام)

بتشديد (2) القاف، أي كتب:

(يَا أَبَا يُوسُفَ، جَلَّ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ وَالْمُنْعِمُ عَلَيَّ وَعَلى‏ آبَائِي أَنْ يُرى‏)

أي بالبصر؛ لأنّه يستلزم أن يكون ذا وضع، وسيجي‏ء بيانه في رابع الباب.

(قَالَ: وَسَأَلْتُهُ)

أي في الكتاب.

(هَلْ رَأى‏ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) رَبَّهُ؟)

أي بالبصر ليلة المعراج كما زعمه الأشاعرة.

____________

(1). ذكره النمازي في مستدركات علم رجال الحديث، ج 8، ص 269، الترجمة 16415 وقال: «لم يذكروه» ولم يذكر الأرمني.

(2). في «ج»: «بشدّ».

159

(فَوَقَّعَ (عليه السلام): إِنَّ اللَّهَ- تَبَارَكَ وَتَعَالى‏- أَرى‏ رَسُولَهُ بِقَلْبِهِ مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ مَا أَحَبَّ).

المراد بعظمته كونه أعظم من أن يرى بالبصر، وبنور عظمته الدلائل الدالّة عليها المنضمّة إلى ما سبقها من الدليل، أو عظيم خلقه كما مضى في تاسع الثامن. (1)

وقوله: «أرى» من مجاز المشاكلة (2) وقرينته «بقلبه». وحاصل الجواب: لم يره، بل رأى أنّه لا يراه، ولا يمكن لأحدٍ رؤيته.

الثاني:

(أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيى‏، قَالَ:

سَأَلَنِي أَبُو قُرَّةَ)؛

بضمّ القاف وشدّ المهملة.

(الْمُحَدِّثُ)؛

بكسر المهملة المشدّدة.

(أَنْ أُدْخِلَهُ عَلى‏ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام)، فَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي ذلِكَ، فَأَذِنَ لِي فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْأَحْكَامِ حَتّى‏ بَلَغَ سُؤَالُهُ إِلَى التَّوْحِيدِ)

أي تنزيه اللَّه عمّا لا يليق به.

(فَقَالَ أَبُو قُرَّةَ: إِنَّا رُوِّينَا)؛

بتشديد الواو بصيغة المجهول، تقول: روّيت الحديث روايةً: إذا حملته ونقلته، وروّيت زيداً الحديث ترويةً: إذا نقلت الحديث لزيد؛ أي روّينا عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله).

(أَنَّ اللَّهَ قَسَّمَ‏

(3)

بتشديد المهملة. والتقسيم: التفريق.

(الرُّؤْيَةَ وَالْكَلَامَ)

أي مجموعهما؛ فالعطف عطف انسحاب.

(بَيْنَ نَبِيَّيْنِ، فَقَسَمَ)؛

كضرب، أي أفرز وأعطى.

(الْكَلَامَ لِمُوسى‏)،

كما في قوله تعالى: «وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى‏ تَكْلِيماً» (4).

(وَلِمُحَمَّدٍ الرُّؤْيَةَ. فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام): فَمَنِ)

أي لو كانت هذه الرواية عن رسول اللَّه‏

____________

(1). أي الحديث 9 من باب النهي عن الكلام في الكيفية.

(2). مجاز المشاكلة: هو ذكر الشي‏ء بلفظ غيره لمصاحبته ذلك الغير تحقيقاً أو تقديراً نحو:

قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه‏* * * قلت اطبخوا لي جبّة وقميصاً

ذكر خياطة الجبّة بلفظ الطبخ لمصاحبته طبخ الطعام. ونحو قوله تعالى: «تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ».

(3). في الكافي المطبوع: «قَسَمَ» بفتح السين.

(4). النساء (4): 146.

160

صحيحة، فمن‏

(الْمُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ إِلَى الثَّقَلَيْنِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإنْسِ‏

«لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ») هو في سورة الأنعام. (1)

(وَ

«لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً») هو في سورة طه، (2) و «علماً» تمييز، أي لا يحيط علمهم به؛ أي لا يدركونه.

(وَ

«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ»

؟)

هو في سورة الشورى، (3) ومضى في رابع الثاني؛ (4) يعني أنّ الرؤية يستلزم أن يكون جسماً، كما سيجي‏ء بيانه في رابع الباب، فيكون له مثل.

(أَ لَيْسَ مُحَمَّدٌ؟).

رفعه على أنّه اسم «ليس» وخبره محذوف بتقدير: أليس محمّد المبلِّغ.

(قَالَ: بَلى‏)،

محمّد المبلِّغ.

(قَالَ: كَيْفَ يَجِي‏ءُ رَجُلٌ إِلَى الْخَلْقِ جَمِيعاً، فَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ):

إلى طاعته‏

(بِأَمْرِ اللَّهِ، فَيَقُولُ:

«لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ»

، وَ

«لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً»

وَ

«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ»

ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا رَأَيْتُهُ بِعَيْنِي، وَأَحَطْتُ بِهِ عِلْماً).

إحاطة العلم به اللازمة للرؤية إدراكه على الوجه الجزئي الحقيقي والهذيّة.

(وَهُوَ عَلى‏ صُورَةِ الْبَشَرِ؟!)،

حكاية واقعة، فإنّ المخالفين ادّعوا ذلك في رواياتهم، كما يجي‏ء في ثالث «باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه جلّ وتعالى».

ويحتمل أن يكون بناءً على أنّ المرئيّ لا يكون إلّاذا أين ووضع وشكل، وهو الصورة، فيكون له مثل من البشر مثلًا، والنشر على ترتيب اللفّ.

(أَمَا تَسْتَحْيُونَ‏

(5)

؟).

الخطاب لأجل أنّ المخاطب كان معتقداً لصدق الروايات.

(مَا قَدَرَتِ الزَّنَادِقَةُ).

استئناف بياني.

____________

(1). الأنعام (6): 103.

(2). طه (20): 110.

(3). الشورى (42): 11.

(4). أي الحديث 4 من باب إطلاق القول بأنّه شي‏ء.

(5). في «ج»: «يستحيون». وفي الكافي المطبوع: «تستحون».

161

(أَنْ تَرْمِيَهُ)

أي على أن ترميه.

(بِهذَا).

تقول: رميت زيداً بأمرٍ: إذا نسبته إلى زيد في الخصومة وقذفته.

(أَنْ يَكُونَ)؛

بدل عن هذا.

(يَأْتِي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِشَيْ‏ءٍ، ثُمَّ يَأْتِي بِخِلَافِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ).

إشارةٌ إلى أنّه يصير ذا وجهين، وذا لسانين، والمخالفة باعتبار دلالة قوله: «لا تدركه» و «لا يحيطون» على امتناع الإدراك والإحاطة، فلفظة: «ثمّ» للتعجّب، أو على الاستمرار في المستقبل، ويكون الإخبار عن الرؤية بعدهما، فلفظة: «ثمّ» للتراخي في الزمان.

(قَالَ أَبُو قُرَّةَ: فَإِنَّهُ يَقُولُ)

في سورة النجم.

( «وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏»؟ (1)

)

قالوا: أي مرّةً اخرى، فَعْلَة من النزول اقيمت مقام المرّة، ونصبت نصبَها؛ إشعاراً بأنّ الرؤية في هذه المرّة كانت أيضاً بنزول جبرئيل المفهوم من قوله قبل: «ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى» (2) توهّم أنّ الضمير المنصوب في «رآه» راجع إلى اللَّه تعالى.

(فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام): إِنَّ بَعْدَ هذِهِ الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلى‏ مَا رَأى‏؛ حَيْثُ)؛

للتعليل.

(قَالَ: قبل قوله:

«وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏» «ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏» (3)) «ما» في الاولى نافية، وفي الثانية موصولة بتقدير «فيما» أو مصدريّة نائبة عن ظرف الزمان؛ أي ما دام رأى. وعلى التقديرين «كذب» مأخوذ من كذبته نفسه: إذا منّته الأمانيّ وخيّلت إليه من الآمال ما لا يكاد يكون. وضمير «رأى» راجع إلى الفؤاد. واللام فيه للعهد على ظاهر ما يجي‏ء، ويجوز أن تكون للجنس بأن يكون المراد أنّه لا يمكن أن يكون جزم الفؤاد بشي‏ء جهلًا مركّباً، بل الجهل المركّب ظنّ، ولم يبلغ مرتبة الجزم.

وإنّما ذكر هذه مع أنّها ليست بعد هذه الآية ليعلم أنّ ما يدلّ على ما رأى غير متعلّق بالنزلة الاخرى، وليست بياناً للمرئيّ باعتبارها، بل هو متعلّق بالنزلة التي سيق الكلام‏

____________

(1). النجم (53): 8.

(2). النجم (53): 8.

(3). النجم (53): 11.

162

لإثباتها، وهي المتأخّرة زماناً المفهومة من قوله: «ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏»، لكن لمّا كان المرئيّ في كلّ من النزلتين عين المرئيّ في الاخرى، كان الدالّ على المرئيّ في النزلة المسوق لها الكلام عينَ الدالّ على المرئيّ في النزلة الاخرى.

(يَقُولُ: مَا كَذَبَ فُؤَادُ مُحَمَّدٍ).

«ما» نافية، وظاهره أنّ اللام في الفؤاد للعهد الخارجي، ويمكن أن يكون من قبيل ذكر العمدة المسوق لها الكلام، فلا ينافي أن يكون اللام في الفؤاد للجنس.

(مَا رَأَتْ عَيْنَاهُ).

«ما» نافية، والجملة استئناف بياني للسابقة.

(ثُمَّ أَخْبَرَ بِمَا رَأى‏)

أي بعد قوله: «وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏»، وهذا موضع الاستشهاد. (1)

(فَقَالَ:

«لَقَدْ رَأى‏ مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى‏»؛ اللام هي الموطّئة للقسم؛ أي واللَّه لقد رأى الكبرى‏ (2) من آياته. ويجوز أن تكون «الكبرى» صفةً للآيات على أنّ المفعول محذوف؛ أي ما رأى.

(فَآيَاتُ اللَّهِ غَيْرُهُ).

الفاء للبيان، حاصل الجواب إظهار غلط أبي قرّة بوجهين:

الأوّل: أنّ الرائي فؤاد محمّد، لا (3) عيناه.

والثاني: أنّ المرئيّ آية من آيات اللَّه، لا شخصه تعالى. وكأنّ تلك الآية الكبرى النصّ على إمامة أمير المؤمنين (صلوات اللَّه عليه)، ويجي‏ء في «كتاب الحجّة» في ثالث «باب أنّ الآيات التي ذكرها اللَّه عزّ وجلّ في كتابه هم الأئمّة (عليهم السلام)» كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «ما للَّه عزّ وجلّ آية هي أكبر منّي».

____________

(1). في حاشية «أ»: «في احتجاج الطبرسي رحمه الله في ذيل احتجاجات عليّ (عليه السلام) عند قوله: احتجاجه (عليه السلام) على زنديق جاء إليه مستدلًاّ بآي من القرآن متشابهة هكذا: وأمّا قوله: «وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏* عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى‏» يعنى محمّداً (صلى الله عليه و آله) حين كان عند سدرة المنتهى حيث لا يجاوزها خلق من خلق اللَّه عزّوجلّ، وقوله في آخر الآية: «ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى‏* لَقَدْ رَأى‏ مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى‏» رأى جبرئيل في صورته مرّتين، هذه المرّة ومرّة اخرى، وذلك أنّ خلق جبرئيل خلق عظيم، فهو من الروحانيّين الذين لايدرك خلقهم ولا وصفهم إلّااللَّه رب العالمين». الاحتجاج، ج 1، ص 243.

(2). في «ج»:+/ «أي».

(3). في «ج»: «ولا».

163

(وَقَدْ قَالَ اللَّهُ)

أي ولا يجوز الاستناد إلى ما قلت مع هذه الآية.

( «وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً» (1)

فَإِذَا رَأَتْهُ الْأَبْصَارُ، فَقَدْ أحَاطَ

(2)

بِهِ الْعِلْمَ، وَوَقَعَتِ الْمَعْرِفَةُ)

أي وقعت على ذاته تعالى.

(فَقَالَ أَبُو قُرَّةَ: فَتُكَذِّبُ)؛

بشدّ المعجمة المكسورة.

(بِالرِّوَايَاتِ؟ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام): إِذَا كَانَتِ الرِّوَايَاتُ مُخَالِفَةً لِلْقُرْآنِ، كَذَّبْتُهَا).

يُقال:

كذّب به تكذيباً: إذا لم يؤمن به؛ وكذّبه تكذيباً: إذا أخبر أنّه كاذب. ففي كلام أبي قرّة إشارة إلى صدق الروايات، وفي كلامه (عليه السلام) تصريح بكذبها.

(وَمَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ).

عطف على القرآن.

(أَنَّهُ)

أي من أنّه. ويمكن أن يكون «ما أجمع» مبتدأ و «أنّه» خبره.

(لَا يُحَاطُ بِهِ).

الظرف قائم مقام الفاعل.

(عِلْماً)؛

مفعول له، أو تمييز للفاعل المحذوف.

(وَ

«لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» (3)

وَ

«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» (4)

).

المعنى أنّ المسلمين ما أوّلوا هذه الآيات، بل أجمعوا على ظواهرها، أو أنّهم أجمعوا على أنّها من القرآن.

الثالث:

(أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلى‏ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام) أَسْأَلُهُ عَنِ الرُّؤْيَةِ وَمَا تَرْوِيهِ الْعَامَّةُ)؛

هو أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) رآه ليلة المعراج‏ (5)، وأنّ المؤمنين يرونه في الآخرة. (6)

(وَالْخَاصَّةُ)؛

هو أنّه لا يمكن رؤيته أصلًا.

____________

(1). طه (20): 110.

(2). في الكافي المطبوع: «أحاطت».

(3). الأنعام (6): 103.

(4). الشورى (42): 11.

(5). حكاه الفخر الرازي في تفسيره، ج 25، ص 186 بلفظ «قيل».

(6). حكاه ابن عبد البرّ في كتاب الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمّة الفقهاء، ص 82 عن الشافعي، وحكاه الشهرستاني في الملل والنحل، ج 1، ص 100 عن الأشاعرة.

164

(وَسَأَلْتُهُ أَنْ يَشْرَحَ لِي ذلِكَ)

أي يبيّن بطلان ما ترويه العامّة، وصدقَ ما ترويه الخاصّة بدليل.

(فَكَتَبَ بِخَطِّهِ: اتَّفَقَ الْجَمِيعُ)

أي جميع القائلين بجواز الرؤية بالعين.

(لَا تَمَانُعَ بَيْنَهُمْ أَنَّ)

أي على أنّ.

(الْمَعْرِفَةَ).

اللام للعهد الخارجي؛ أي معرفة اللَّه تعالى.

(مِنْ جِهَةِ الرُّؤْيَةِ).

الظرف متعلّق ب «المعرفة».

(ضَرُورَةٌ)؛

مرفوع، أي ضروريّة. والمراد أنّ فاعلها غير قابلها، بناءً على أنّها غير مولدة من الفكر في شي‏ء.

(فَإِذَا جَازَ أَنْ يُرَى اللَّهُ بِالْعَيْنِ، وَقَعَتِ الْمَعْرِفَةُ ضَرُورَةً).

منصوبٌ حال عن المعرفة، أي اضطراراً؛ (1) يعني فثبت بالإجماع المركّب صدقُ هذه الشرطيّة عند القائلين بجواز الرؤية، وعند المنكرين للجواز أيضاً.

(ثُمَّ لَمْ تَخْلُ تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ)

الاضطراريّة

(مِنْ أَنْ تَكُونَ إِيمَاناً)

أي شرطاً للإيمان الذي هو الطوع والانقياد.

(أَوْ لَيْسَتْ بِإِيمَانٍ)

أي ليست شرطاً للإيمان.

(فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ مِنْ جِهَةِ الرُّؤْيَةِ إِيمَاناً)

أي شرطاً للإيمان.

(فَالْمَعْرِفَةُ الَّتِي فِي دَارِ الدُّنْيَا مِنْ جِهَةِ الِاكْتِسَابِ)

أي من جهة الاختيار بأن يكون فاعلها قابلَها بناءً على أنّها مولدة من الفكر في شي‏ء.

(لَيْسَتْ بِإِيمَانٍ)

أي ليست مقارنة للإيمان.

(لِأَنَّهَا ضِدُّهُ)

أي لأنّ المعرفة الاكتسابيّة ضدّ الإيمان، بناءً على أنّ المشروط بضدّ شي‏ء ضدُّ ذلك الشي‏ء، أو لأنّ الضرورة ضدّ الاكتساب، بناءً على أنّه لا يمكن أن يكون شي‏ء واحد بالنسبة إلى عبد واحد اختياريّاً واضطراريّاً معاً في وقت واحد.

(فَلَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا مُؤْمِنٌ)

أي إلّامن رآه في الدنيا، وهو نادر جدّاً عند القائلين بالرؤية.

____________

(1). في «ج»: «اضطرارية».

165

(لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوُا اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ)

أي لأنّ جميع المؤمنين لم يروه في الدنيا.

(وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ الَّتِي مِنْ جِهَةِ الرُّؤْيَةِ إِيمَاناً، لَمْ تَخْلُ هذِهِ الْمَعْرِفَةُ الَّتِي مِنْ جِهَةِ الِاكْتِسَابِ)

أي ما هو قبل الرؤية.

(أَنْ)

أي عن أن‏

(تَزُولَ)

أي بعد الرؤية؛ لحدوث ضدّها، بناءً على اتّفاق الجميع والإجماع المركّب.

(وَلَا تَزُولُ)؛

بالرفع، والواو للحال. وهذا لبيان المقدّمة الاستثنائيّة، أي معلوم أنّ المعرفة الاكتسابيّة لا تزول بالرؤية.

قال الشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه اللَّه تعالى) في كتاب عدّة الاصول في فصل في حقيقة العلم وأقسامه:

والعلوم على ضربين: ضروريّ ومكتسب. فحدّ الضروري ما كان من فعل غير العالم به‏ (1) على وجه لا يمكنه دفعه عن نفسه بشكٍّ أو شبهةٍ. وهذا الحدّ أولى ممّا قاله بعضهم من أنّه ما لا يمكن العالمَ دفعه عن نفسه بشكٍّ أو شبهة إذا انفرد، لأنّ ذلك تحرّز لمن اعتقد بقول النبيّ (صلى الله عليه و آله): إنّ زيداً في‏الدار، ثمّ‏ (2) شاهده، فإنّه لا يمكنه أن يدفع ذلك عن نفسه، ومع هذا فهو اكتساب، وهذا لا يصحّ عندنا؛ لأنّ العلم بالبلدان والوقائع وما جرى مجراهما هذا الحدُّ موجود فيه، وعند كثير من أصحابنا أنّه مكتسب قطعاً، وعند بعضهم هو على الوقف، فلا يصحّ ذلك على الوجهين معاً- إلى قوله-: وأمّا العلم المكتسب فحدّه أن يكون من فعل العالم به، وهذا الحدّ أولى؛ إلى آخره. (3)

(فِي الْمَعَادِ).

متعلّق بقوله: «لا تزول»؛ أي فضلًا عن أن تزول في الدنيا.

(فَهذَا دَلِيلٌ عَلى‏ أَنَّ اللَّهَ- عَزَّ وَجَلَّ ذِكْرُهُ‏

(4)

- لَايُرى‏ بِالْعَيْنِ؛ إِذِ الْعَيْنُ تُؤَدِّي إِلى‏ مَا وَصَفْنَاهُ)

من الأمر المعلوم البطلان، وهو انتفاء المؤمن في الدنيا، أو زوال المعرفة

____________

(1). في المخطوطتين: «فيه». والمثبت عن المصدر.

(2). في المخطوطتين: «في». والمثبت عن المصدر.

(3). عدّة الاصول، ج 1، ص 13، وفي الطبعة الاخرى، ج 1، ص 53.

(4). في الكافي المطبوع:-/ «ذكره».

166

الاكتسابيّة بعد الرؤية.

الرابع:

(وَعَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلى‏ أَبِي الْحَسَنِ الثَّالِثِ (عليه السلام) أَسْأَلُهُ عَنِ الرُّؤْيَةِ)

أي عن الدليل على أنّه لا يمكن أن يرى اللَّه تعالى أحد، لا في الدنيا ولا في الآخرة.

(وَمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ‏

(1)

)

أي وعن تحرير محلّ النزاع بين القائلين بإمكانه، والقائلين باستحالته عقلًا.

(فَكَتَبَ (عليه السلام): لَايجُوزُ

(2)

الرُّؤْيَةُ).

هذا إلى قوله: «لم يصحّ الرؤية» تمهيد لتحرير محلّ النزاع؛ أي لا يمكن بحسب العادة رؤية أحدنا شيئاً في الدنيا.

(مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الرَّائِي وَالْمَرْئِيِّ هَوَاءٌ)

أي فضاء خال؛ شبّه به ما ليس فيه ما يمنع نفوذ البصر.

(يَنْفُذُهُ الْبَصَرُ)

أي شعاع البصر، فظاهره يبطل مذهب الانطباع. (3) ويحتمل أن يُراد بنفوذ البصر في الهواء توسّله به إلى الرؤية ولو بالانطباع.

(فَإِذَا انْقَطَعَ الْهَوَاءُ عَنِ الرَّائِي وَالْمَرْئِيِّ).

أي عن المجموع من حيث المجموع. وله في بادئ الرأي ثلاث صور: الاولى: أن ينقطع عن كلّ منهما؛ الثانية: أن ينقطع عن الرائي فقط؛ الثالثة: أن ينقطع عن المرئيّ فقط.

(لَمْ يصِحَ‏

(4)

الرُّؤْيَةُ)

أي لم يصحّ عادةً في رؤية أحدنا شيئاً، سواء كانت ممكنة بخرق العادة، أم لا.

(وَكَانَ).

عطفٌ على قوله: «لم يصحّ». وهذا إلى قوله: «وجب الاشتباه» تحرير لمحلّ النزاع.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «فيه الناس».

(2). في الكافي المطبوع: «تجوز».

(3). هو مذهب الطبيعيّين القائلين بأنّ الإبصار انطباع شبع المرئي في جزء من الرطوبة الجليوية التي يشبه البَرَدوالجمد؛ فإنّها مثل مرآة، فإذا قابلها متلوّن مضي‏ء انطبع مثل صورته فيها كما ينطبع صورة الإنسان في المرآة. الحكمة المتعالية، ج 9، ص 178.

(4). في الكافي المطبوع: «تصحّ».

167

(فِي ذلِكَ)

أي في انقطاع الهواء عنهما

(الِاشْتِبَاهُ)

أي اشتباه الحقّ بالباطل على جمع من الناظرين واختلافهم في أنّه هل يجوز أن تتحقّق الصورة الثالثة أو الاولى على خرْق العادة في رؤيتنا شيئاً، أم لا؟

فمَن جوّز الثالثة، جوّز أن يرى اللَّه أحد من عباده، ومَن جوّز الاولى، جوّز أن يرى اللَّه ذاته، ومَن لم يجوّز شيئاً من الصورتين، لم يجوّز شيئاً من الرؤيتين، وذلك مع اتّفاقهم على جواز الصورة الثانية، لا على العادة المستمرّة في رؤيتنا شيئاً، فإنّ اللَّه تعالى يرى الأجسام.

(لِأَنَّ).

دليلٌ على أنّه محلّ الاشتباه ببيان ما به اشتبه الحقّ على منكريه.

(الرَّائِيَ مَتى‏ سَاوَى الْمَرْئِيَّ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ بَيْنَهُمَا فِي الرُّؤْيَةِ، وَجَبَ الِاشْتِبَاهُ)

.

يعني أنّ الناس إذا علموا أنّ العادة في رؤيتنا شيئاً أن يكون الرائي كالمرئيّ في الاحتياج في الرؤية إلى اتّصال الهواء به، وعلموا جواز خلاف العادة في الرائي كما في الصورة المتّفق عليها، يحكم وهمهم بجوازه في المرئيّ أيضاً بخرق العادة، وذلك بقياس الصورة الثالثة على الثانية، فمن تبع حكم وهمه هذا، اشتبه عليه الحقّ، وتوهّم جواز رؤية كلّ موجود بالعين. كما هو الواقع عند الأشاعرة في رؤية اللَّه تعالى، (1) أو باليد والرجل ونحو ذلك كما هو احتمالٌ محضٌ عندهم، وذلك بخرق العادة.

ومعنى «الموجب»- بكسر الجيم- الرابطُ، والسبب الموجب هو الهواء، والمساواة فيه الاشتراك في الاحتياج إليه في الرؤية. والظرف متعلّق ب «الموجب».

ويحتمل أن يكون الموجَب بفتح الجيم، أي ما يحكم العقل بوجوبه عادةً في الرؤية، والظرف حينئذٍ مستقرّ حال عن السبب.

وتوضيح تحرير محلّ النزاع: أنّ النفس الناطقة الإنسانيّة لها أنواع من الانكشاف، بعضها بواسطة إحدى الحواسّ الخمس الظاهرة بلا تصرّف، وبعضها بواسطة الحواسّ‏

____________

(1). انظر تفسير الرازي، ج 3، ص 50، وص 58؛ و ج 13، ص 126- 131؛ شرح المواقف، ج 8، ص 115.

168

الخمس الظاهرة مع تصرّف ينسبه الفلاسفة إلى حواسَّ خمسٍ باطنةٍ، (1) وبعضها بلا واسطتهما، كانكشاف الإنسان عند نفسه.

وهذه الأنواع كما أنّها ممتاز بعضُها عن بعض باعتبار امتياز الآلة وعدم الآلة، وباعتبار امتياز بعض الآلات عن بعض يمتاز أيضاً باعتبار نفس ذلك الانكشاف؛ مثلًا الانكشاف الحاصل لها لا بآلة ممتازٌ عمّا لها فيه آلةٌ، والانكشاف الحاصل لها بآلة البصر مثلًا ممتاز عن الانكشاف الحاصل لها بآلة اللمس.

والمراد بالرؤية هنا الانكشاف المخصوص بدون اعتبار الآلة المخصوصة، وإن كان لم يحصل لنا في الدنيا إلّابها.

فمذهب الأشاعرة أنّ هذا النوع من الانكشاف يجوز تعلّقه بكلّ موجود، فيجوز رؤية نحو الحرارة والأصوات والروائح والطعوم، ويصحّ أن يَرى أعمى صين بقّةَ أندلس، ويرى صوت طيرانها وريحها وطعمها ومزاجها، فقالوا: يجوز لنا أن نرى اللَّه، ونرى علمه وقدرته وسائر صفاته، كلّ ذلك بخرق العادة. (2)

(وَكَانَ ذلِكَ التَّشْبِيهَ).

هذا إلى آخره بيان للدليل العقلي على امتناع أن يرى اللَّه أحد، وهو معطوف على قوله: «كان في ذلك الاشتباه».

وقوله: «ذلك» بالمعجمة على لفظ اسم الإشارة، إشارةٌ إلى الدليل العقلي، وهو الذي سأل السائل عنه أوّلًا، وهو اسم «كان» وخبرها «التشبيه». وإنّما أخّر (عليه السلام) بيان الدليل لأنّ الأولى في ترتيب البحث‏ (3) تقديم تحرير محلّ النزاع على بيان الدليل على الحقّ؛ يعني وكان الدليل تشبيه دليل امتناع الرؤية عقلًا بدليل امتناع السمع واللمس والذوق والشمّ عقلًا.

بيان ذلك: أنّا نقول للقائل بجواز الرؤية على سبيل خرق العادة: هل تجوّز أنت أن‏

____________

(1). حكاه العلّامة في كشف المراد (تحقيق الآملي)، ص 295، عن الأوائل.

(2). حكاه عن الأشاعرة في المواقف، ج 3، ص 199؛ شرح المواقف، ج 8، ص 138.

(3). في «ج»: «المبحث».

169

يكون اللَّه تعالى مسموعاً وملموساً ومذوقاً ومشموماً على سبيل خَرْق العادة، أم لا؟

فإن قال: نعم، فقد كابر مقتضى عقله؛ لوضوح امتناعه. وإن قال: لا، نقول له: بأيّ دليل عرفت أنّه لا يجوز ولو بخرق العادة؟ ولابدّ له أن يقول: الدليل أنّه يجب في المسموع مثلًا أن يكون ذا وضع، وعَرَضاً هو الصوت، فنقول له: هذا في عادتنا في السمع لِمَ لا يجوز أن يسمع غير ذي الوضع، أو غير العَرَض بخرق العادة؟ فإن قال: نعلم بالعقل أنّه لا يجوز ذلك ولو بخرق العادة، قلنا: في الرؤية مثله حرفاً بحرف على مذهب من يقول: إنّ المرئيّ هو اللون والضوْء دون الجسم، (1) ونكتفي بذكر الوضع من كلامه على مذهب غيره، ونبدّل العرضَ بالجسم.

(لِأَنَّ الْأَسْبَابَ لَابُدَّ مِنِ اتِّصَالِهَا بِالْمُسَبِّبَاتِ‏

(2)

).

استدلالٌ على أنّ التشبيه دليل [كون‏] المراد بالأسباب البراهين التي هي أسباب العلم والحكم بالنتائج، واتّصالها بالتاء المثنّاة المشدّدة المكسورة كما في النسخ. ويمكن أن يكون بسكون الخاتمة، والباء في «بالمسبّبات» بصيغة اسم فاعل باب التفعيل للإلصاق على الأوّل، وللآلة على الثاني، وهي عبارة عن مناطات دلالة البراهين على النتائج يعني أنّ البراهين العقليّة- التي هي أسباب العلوم بالنتائج- لابدّ من أن لاتفارق مناط سببيّتها للعلوم بالنتائج في كلّ موضع تحقّقت فيه، وهذا لضرورة وجوب اطّرادها باعتبار ما هو مناط الدلالة؛ مثلًا إذا سلّمتم أنّ زيداً حادث، وأنّ الدليل العقلي على حدوثه أنّه متغيّر، لزمكم أن تسلّموا أنّ عمراً حادث بهذا الدليل؛ إذ خصوصيّة زيد وعمرو لغو ليست داخلة في مناط الدلالة. وهذا نوع من إيناس الخصم بإصغاء الدليل.

فظهر أنّ القائلين بجواز الرؤية لم يذهب وهمهم إليه إلّالروايات‏ (3) موضوعة وضع أكثرها المجسّمة، ولألفاظ من القرآن لم يفهموا معناها، فحملوا أنفسهم على المكابرة

____________

(1). انظر شرح المواقف، ج 8، ص 124؛ كشف المراد (تحقيق الآملي) ص 413، وفي طبعة الزنجاني ص 324.

(2). في الكافي المطبوع: «بالمسبَّبات» بفتح الباء المشدّدة.

(3). في «ج»: «الروايات».

170

لمقتضى العقل، وذلك كما تمسّكت المجسّمة بنحو قوله تعالى: «وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا» (1).

قال الزركشي من الأشاعرة في شرح جمع الجوامع:

وفي الصحيحين في حديث الرؤية «فيأتيهم اللَّه في صورة لا يعرفونها فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: نعوذ باللَّه منك هذا مكاننا حتّى يأتينا ربّنا، فإذا جاء ربّنا عرفناه، فيأتيهم اللَّه تعالى في صورته التي يعرفونها، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: أنت ربّنا فيتبعونه». (2) قال الأئمّة: المعنى أنّهم يرون اللَّه على ما كانوا يعتقدونه من الصفات التي هو عليها من تنزيهه وتقديسه. وفي حديث آخر: وكيف يعرفونه؟ قال: «إنّه لا شبيه له». انتهى. (3)

يا لهذا التأويل، سبحانه وتعالى عمّا يصفون، يجي‏ء في كلام هشام ما يشبه أن يكون شرحاً آخر غير ما ذكرنا لمثل هذا الحديث.

الخامس:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَضَرْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام)، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ)

على بني اميّة بدون إذن الأئمّة (عليهم السلام).

(فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ، أَيَّ شَيْ‏ءٍ تَعْبُدُ؟ قَالَ: اللَّهَ تَعَالى‏.

(4)

قَالَ: رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: بَلْ)؛

إضراب عن الرؤية.

(لَمْ تَرَهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْأَبْصَارِ)

أي بدون قصد مجاز.

(وَلكِنْ).

استدراكٌ لعدم مشاهدة الأبصار.

(رَأَتْهُ الْقُلُوبُ)

أي آمنت به‏

(بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ)؛

جمع حقيقة، وهي الراية تكون في العسكر علامةً لهم، والمراد هنا علامات صحّة الإيمان موافقاً لما مضى في «كتاب العقل» في أوّل «باب الأخذ بالسنّة وشواهد الكتاب» وهو آخر الأبواب من قوله: «إنّ على كلّ حقٍّ حقيقةً»، وما يجي‏ء في «كتاب‏

____________

(1). الفجر (89): 22.

(2). صحيح البخاري، ج 7، ص 2- 5 كتاب الرقاق؛ و ج 8، ص 179 كتاب التوحيد؛ صحيح مسلم، ج 1، ص 113، باب معرفة طريق الرؤية.

(3). انظر شرح مسلم للنووي، ج 3، ص 19.

(4). في «ج»:-/ «تعالى».

171

الإيمان والكفر» في أحاديث «باب حقيقة الإيمان واليقين» وهو السابع والعشرون. (1)

(لَا يُعْرَفُ بِالْقِيَاسِ).

استئناف بياني، تقول: قست الشي‏ء بالشي‏ء: إذا قدّرته على قدره؛ أي لا يعرف ذاته بالحدّ التامّ، ويمكن تخفيف الراء وتشديدها.

(وَلَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ، وَلَا يُشَبَّهُ).

يجوز تخفيف الموحّدة بأن يكون بصيغة المعلوم، وتشديدُها بأن يكون بصيغة المجهول.

(بِالنَّاسِ)

أي بشي‏ء أصلًا. وتخصيصه بالذِّكر للسجع، ولأنّه الواقع عند المشبّهة، كما مضى في ثاني الباب من قوله: «وهو على صورة البشر»، والتشبيه القول بأنّ موجوداً في الخارج مشترك معنى بينهما، كما يجي‏ء في أوّل السابع عشر (2) من قوله:

«إنّما التشبيه في المعاني» إلى آخره.

(مَوْصُوفٌ)؛

من وصفت الشي‏ء: إذا بيّنته بما فيه.

(بِالْآيَاتِ).

الآية: العلّامة، وجملة حروف من كتاب اللَّه، والأصل أَوَيَة بالتحريك، والأظهر هنا الثانية (3)، ليكون إشارة إلى النهي عن وصفه تعالى بغير ما وصف به نفسه، وليكون قوله:

(مَعْرُوفٌ بِالْعَلَامَاتِ)،

تأسيساً.

(لَا يَجُورُ)؛

بصيغة المعلوم من الجور، وهو الميل عن الصواب، أو بصيغة المجهول من التجوير، وهو النسبة إلى الجور.

(فِي حُكْمِهِ):

في قضائه وقدره، ويدخل فيه الأحكام الشرعيّة أيضاً.

(ذلِكَ اللَّهُ لَاإِلهَ إِلَّا هُوَ. فَخَرَجَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ:

«اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ» (4))؛ بالإفراد في قراءة ابن كثير وحفص عن عاصم، وبالجمع في قراءة الباقين. (5)

____________

(1). الكافي، ج 2، ص 52، باب حقيقة الإيمان واليقين.

(2). أي الحديث 1 من باب آخر وهو من الباب الأوّل.

(3). الصحاح، ج 6، ص 2275 (أيا).

(4). الأنعام (6): 124.

(5). حكى ذلك الطبرسي في مجمع البيان، ج 4، ص 153.

172

وهذا إشارة إلى أنّه (عليه السلام) من أهل بيت الرسالة العالمين بجميع رسالات اللَّه تعالى. (1)

السادس:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْمَوْصِلِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: جَاءَ حِبْرٌ)

من أحبار اليهود

(إِلى‏ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ حِينَ عَبَدْتَهُ؟)

أي حين صرت عبداً له، أو حين شرعت في عبادته كالصلاة.

(قَالَ: فَقَالَ: وَيْلَكَ، مَا كُنْتُ أَعْبُدُ).

زيادة «كنت» للدلالة على أنّه يستقبح ذلك.

(رَبّاً لَمْ أَرَهُ).

أخرج كلام السائل على خلاف مقتضى الظاهر قصداً إلى المبالغة في استحالة الرؤية بالبصر، فكأنّه لا يقصد.

(قَالَ: وَكَيْفَ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: وَيْلَكَ، لَاتُدْرِكُهُ الْعُيُونُ فِي مُشَاهَدَةِ الْأَبْصَارِ، وَلكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ).

مضى شرحه آنفاً.

السابع:

(أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيى‏، عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ)

أي عاصم‏

(ذَاكَرْتُ).

المذاكرة: المكالمة.

(أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِيمَا يَرْوُونَ)؛

بواوين، أي يروي المخالفون عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله). وفي بعض النسخ بواو واحدة؛ أي يعتقد المخالفون.

(مِنَ الرُّؤْيَةِ، فَقَالَ: الشَّمْسُ)

أي نورها

(جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْكُرْسِيِّ، وَالْكُرْسِيُّ)

أي نوره‏

(جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْعَرْشِ، وَالْعَرْشُ)

أي نوره‏

(جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْحِجَابِ، وَالْحِجَابُ)

أي نوره‏

(جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ السِّتْرِ)؛

بكسر المهملة وسكون المثنّاة فوقُ. والفرق بين الحجاب والستر أنّ الحاجب للمَلِك قد يكون في داره بعيداً بأبواب عنه، والستر مرخى عنده، فاستُعيرا للقريب والأقرب مرتبةً، وهذا إلزام على المخالفين، فإنّه في رواياتهم، (2) ويجي‏ء في ثالث‏

____________

(1). في حاشية «أ»: «المراد بها على ما في الصافي كتب اللَّه تعالى أو أجزاؤها كالسور والآيات».

(2). فتح الباري، ج 13، ص 354، باب قول اللَّه تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ»*؛ تفسير ابن كثير، ج 4، ص 290، تفسيرسورة الرحمن؛ الدر المنثور، ج 6، ص 290، تفسير سورة القيامة.

173

الحادي عشر (1): «احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير سترٍ مستور». وتفسير العرش والكرسيّ يجي‏ء في «باب العرش والكرسيّ».

(فَإِنْ كَانُوا صَادِقِينَ)

في روايتهم. إشارةٌ إلى أنّهم كذبوا على رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) ترويجاً لرأيهم.

(فَلْيَمْلَؤُوا أَعْيُنَهُمْ مِنَ الشَّمْسِ).

مضى شرح مثله في عاشر «باب النهي عن الكلام في الكيفيّة».

(لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ)

؛ حاليّة. والدون: أدنى مكاناً من الشي‏ء. والسحاب بالفتح، إن اريد به الغيم لم يناسب المقام، فلعلّ المراد به ما ينسحب على وجه الأرض من الأجزاء البخاريّة المتوسّطة بين الناظر والشمس بُعَيدَ الطلوع، وقُبيلَ الغروب، فإنّه يمكن أن يملأ العين من الشمس فيهما، فهو من سحبه- كمنعه-: إذا جرّه على وجه الأرض.

الثامن:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنِ ابْنِ أَبِي نَصْرٍ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): لَمَّا أُسْرِيَ)؛

بصيغة المجهول.

(بِي إِلَى السَّمَاءِ، بَلَغَ بِي جَبْرَئِيلُ مَكَاناً لَمْ يَطَأْهُ قَطُّ جَبْرَئِيلُ).

وضع الظاهر موضع الضمير لتفخيم المكان، فوطئه ببركته (صلى الله عليه و آله)، أو بلغ به إلى حدّه.

(فَكُشِفَ لَهُ)،

بصيغة المجهول.

(فَأَرَاهُ اللَّهُ)؛

من باب الالتفات؛ أي فكشف لي فأراني اللَّه، أو هو نقل بالمعنى.

(مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ).

المراد جسم هو أعجب ما يكون من الأجسام، وأَدَلُّها على عظمة اللَّه تعالى موافقاً لما يجي‏ء في «كتاب الحجّة» في ثالث عشر «مولد النبيّ (صلى الله عليه و آله) ووفاته». (2) أو المراد النور المنقسم إلى أنوار أربعة، كما يجي‏ء في أوّل «باب العرش والكرسيّ». أو المراد النصّ على إمامة أمير المؤمنين موافقاً لآية سورة النجم: «لَقَدْ رَأى‏ مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى‏» (3)، ومضى في ثاني الباب.

____________

(1). أي الحديث 3 من باب النهي عن الجسم والصورة.

(2). الكافي، ج 1، ص 442، باب مولد النبي (صلى الله عليه و آله) ووفاته، ح 13.

(3). النجم (53): 18.

174

(مَا أَحَبَّ)

أي ما شاء اللَّه، أو ما أحبَّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله). وهذا تكذيب لروايات المخالفين أنّه (صلى الله عليه و آله) رأى‏ (1) اللَّه ببصره. (2)

وأمّا قوله‏

(فِي قَوْلِهِ تَعَالى‏

(3)

:

«لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ» (4)

)

فقيل: إنّه كلام مستأنف من محمّد بن يعقوب عنواناً للأحاديث التي بعده؛ أي الكلام في قوله: «لا تُدْرِكُهُ» انتهى. (5)

والأظهر على هذا أن يقدّم عليه ما يرويه عن هشام بن الحكم.

ويحتمل أن يكون تتمّة كلام الرضا (عليه السلام) ويكون «في» بمعنى «مع» نحو: «فَخَرَجَ عَلى‏ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ». (6)

التاسع:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ:

«لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» (7)

قَالَ: إِحَاطَةُ الْوَهْمِ).

يعني المراد بالأبصار ما يعمّ أبصار العيون وأبصار القلوب، وبالإدراك التخيّل والتمثّل عند القلوب بأن يجعل له حدّاً كإدراكنا للبلاد البعيدة.

(أَ لَاتَرى‏ إِلى‏ قَوْلِهِ).

استشهادٌ بما بعد الآية في سورة الأنعام على أنّ البصر هنا غير حاسّة الرؤية التي في العين.

( «قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ»

؟ لَيْسَ يَعْنِي)

بقوله: «بصائر»

(بَصَرَ الْعُيُونِ)

أي ما أخذ

____________

(1). في «ج»: «أري».

(2). تفسير القرطبي، ج 7، ص 56.

(3). فى النسختين:-/ «تعالى».

(4). الأنعام (6): 103.

(5). في حاشية «أ»: «القائل ميرزا محمّد رحمه الله (منه)». وانظر الحاشية على اصول الكافي لرفيع الدين النائيني، ص 334.

(6). القصص (28): 79.

(7). في حاشية «أ»: تمام الآية في سورة الأنعام هكذا «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ* قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ».

175

من البصر بمعنى بصر العيون؛ أي حاسّة الرؤية التي في العيون، فإنّ البصائر جمع بصيرة بمعنى الحجّة أو الاستبصار، فليس مشتقّاً من بصر العيون، كما في قوله:

«فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ» (1)، وفي الدعاء: «يا مقلّب القلوب والأبصار». (2)

( «فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ»

)

تتمّة الآية.

(لَيْسَ يَعْنِي)

بقوله: «أبصر» المأخوذ

(مِنَ الْبَصَرِ بِعَيْنِهِ)

أي البصر الذي هو بعينه، أي في عينه. أو المراد أنّه ليس من البصر المعيّن المخصوص وهو حاسّة الرؤية. ويحتمل أن يكون الأصل من «أبصر بعينه» فما في النسخ تصحيف.

( «وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها») (3) تتمّة الآية.

(لَيْسَ يَعْنِي عَمَى الْعُيُونِ).

وقوله:

(إِنَّمَا عَنى‏ إِحَاطَةَ الْوَهْمِ)،

تأكيدٌ لقوله: ليس يعني بصر العيون.

(كَمَا يُقَالُ).

استشهادٌ له حين التأكيد.

(فُلَانٌ بَصِيرٌ بِالشِّعْرِ، وَفُلَانٌ بَصِيرٌ بِالْفِقْهِ، وَفُلَانٌ بَصِيرٌ بِالدَّرَاهِمِ، وَفُلَانٌ بَصِيرٌ بِالثِّيَابِ).

ومراد القائل مستبصر بها ببصر قلبه.

(اللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُرى‏ بِالْعَيْنِ).

فالاقتصار على عدم إدراك بصر العين اكتفاء ببيان أمرٍظاهرٍ كأنّه لا حاجة إلى بيانه.

العاشر:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام)، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ اللَّهِ: هَلْ يُوصَفُ؟)

أي هل يصفه العبد من عند نفسه بغير ما وصف تعالى به نفسه فيقول: إنّه جسم أو صورة؟

(فَقَالَ: أَ مَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلى‏، قَالَ: أَ مَا تَقْرَأُ قَوْلَهُ تَعَالى‏:

«لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ

____________

(1). الحشر (59): 2.

(2). مصباح المتهجد، ص 132 و 365؛ المصباح للكفعمي، ص 248.

(3). الأنعام (6): 104.

176

يُدْرِكُ الْأَبْصارَ»؟ (1)

قُلْتُ: بَلى‏، قَالَ: فَتَعْرِفُونَ الْأَبْصَارَ؟، قُلْتُ: بَلى‏، قَالَ: مَا هِيَ؟ قُلْتُ:

أَبْصَارُ الْعُيُونِ)

أي حواسّ الرؤية التي هي في العيون.

(فَقَالَ: إِنَّ أَوْهَامَ الْقُلُوبِ)

أي أبصار القلوب. وإنّما سمّاها أوهاماً لأنّ الإدراك لا يستعمل إلّافي التخيّل والتوهّم.

(أَكْبَرُ)؛

بالموحّدة، أي أهمّ نفياً، أو أعمّ تعلّقاً، كما يجي‏ء في حادي عشر الباب.

(مِنْ أَبْصَارِ الْعُيُونِ، فَهُوَ)

أي فاللَّه، أو فالمراد.

(لَا تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَوْهَامَ).

مرّ شرحه في تاسع الباب.

الحادي عشر:

(مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْقَاسِمِ أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام))

أي الثاني ( «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ»؟ (2)

).

هو على سبيل الاستفهام التعجّبي، لا الإنكاري؛ أي ألا تدركه الأبصار؟

(فَقَالَ: يَا أَبَا هَاشِمٍ، أَوْهَامُ الْقُلُوبِ أَدَقُّ)

أي ألطف وأسرع تعلّقاً.

(مِنْ أَبْصَارِ الْعُيُونِ؛ أَنْتَ).

استئنافٌ بياني.

(قَدْ تُدْرِكُ بِوَهْمِكَ السِّنْدَ)؛

بكسر السين: بلاد، أي تتصوّرها بحدودها ووضعها وقربها وبُعدها بالنسبة إلى مكانك وشكلها ونحو ذلك بالقياس إلى ما رأيته من البلاد.

(وَالْهِنْدَ).

هي أيضاً بلاد.

(وَالْبُلْدَانَ)

أي وسائر البلدان.

(الَّتِي)؛

صفة البلدان.

(لَمْ تَدْخُلْهَا).

بصيغة المضارع المخاطب المعلوم من باب نصر.

(وَلَا تُدْرِكُهَا).

الواو للحال، أو للعطف على «تدرك» والضمير للبلدان.

(بِبَصَرِكَ)

أي حين تدركها بوهمك.

____________

(1). الأنعام (6): 103.

(2). الأنعام (6): 103.

177

(وَأَوْهَامُ الْقُلُوبِ لَاتُدْرِكُهُ، فَكَيْفَ أَبْصَارُ الْعُيُونِ؟!)

. حمل أبو هاشم الأبصار في نحو قوله تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» على أبصار العيون، وتعجّب من عدم إدراك أبصار العيون له، فأجاب (عليه السلام) بما يرفع تعجّبه، ولم يتعرّض لكون المراد بالأبصار ما حمله عليه، أو أعمّ نقل كلام هشام بن الحكم.

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ).

(1) الظاهر أنّ صدر كلام هشام إلى قوله: «ولا في حَيّزه» تمهيد لشرح مثل ما مضى في رابع الباب، وقوله: «وإدراك البصر» إلى قوله: «في إنفاذ بصره» شرح لمثل ما مضى في رابع الباب، ولعلّه سمع مثله من بعض الأئمّة الماضين، فإنّه لم يبلغ زمن أبي الحسن الثالث (عليه السلام)، ولكن شرحه من عند نفسه بغير ما ذكرنا في شرحه. وقوله: «فأمّا القلب» إلى آخره لعلّه لتقوية التاسع والعاشر والحادي عشر من الباب.

(قَالَ: الْأَشْيَاءُ لَاتُدْرَكُ)

أي إدراكاً على وجه الجزئي الحقيقي والهذيّة، أو على ما يجري مجرى ذلك كتخيّل البلدان كما مرَّ آنفاً.

(إِلَّا بِأَمْرَيْنِ: بِالْحَوَاسِّ، وَالْقَلْبِ؛ وَالْحَوَاسُّ إِدْرَاكُهَا عَلى‏ ثَلَاثَةِ مَعَانٍ)

أي أقسام:

(إِدْرَاكاً)؛

منصوب ب «أعني» المقدّرة.

(بِالْمُدَاخَلَةِ، وَإِدْرَاكاً بِالْمُمَاسَّةِ، وَإِدْرَاكاً بِلَا مُدَاخَلَةٍ وَلَا مُمَاسَّةٍ. فَأَمَّا الْإِدْرَاكُ الَّذِي بِالْمُدَاخَلَةِ، فَالْأَصْوَاتُ)

تدخل في الصماخ وتُدرك.

(وَالْمَشَامُّ)؛

جمع مشمومٍ تنفصل من الجسم ذي الرائحة أجزاء لطيفة فتدخل المنخر فتدرك.

(وَالطُّعُومُ)

؛ تنفصل من ذي الطعم أجزاء لطيفة، وتغوصُ في جرم اللسان مع الريق، فتدرك، أو يدخُل ذو الطعم نفسه في الفم.

____________

(1). جاء في الحاشية على اصول الكافي لرفيع الدين النائيني، ص 336 ما نصّه: «لما أورد الأحاديث المرويّة عن أهل‏البيت (عليهم السلام) في نفي الإبصار بالعيون وأوهام القلوب، ذيّل الباب بما نقل عن هشام بن الحكم الذي هو رأس أصحاب الصادق (عليه السلام) ورئيسهم في الكلام الذي إنّما يظنّ به أنّ كلامه مأخوذ عن أحاديث أهل البيت وأقوالهم (عليهم السلام)».

178

(وَأَمَّا الْإِدْرَاكُ بِالْمُمَاسَّةِ، فَمَعْرِفَةُ الْأَشْكَالِ مِنَ التَّرْبِيعِ وَالتَّثْلِيثِ، وَمَعْرِفَةُ اللَّيِّنِ)؛

بالكسر مصدر باب ضرب.

(وَالْخُشْنِ‏

(1)

بضمّ الخاء وسكون الشين المعجمتين، مصدر باب حسن كالخشنة بالضمّ والخشونة.

(وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ. وَأَمَّا الْإِدْرَاكُ بِلَا مُمَاسَّةٍ وَلَا مُدَاخَلَةٍ، فَالْبَصَرُ)

أي فإدراك البصر

(فَإِنَّهُ)

أي البصر

(يُدْرِكُ الْأَشْيَاءَ بِلَا مُمَاسَّةٍ وَلَا مُدَاخَلَةٍ فِي حَيِّزِ غَيْرِهِ)؛

بأن يصير شي‏ء من البصر في حيّز المرئيّ.

(وَلَا فِي حَيِّزِهِ)

أي حيّز البصر، بأن يدخل شي‏ء من المرئيّ في حيّز البصر.

(وَإِدْرَاكُ الْبَصَرِ لَهُ سَبِيلٌ)

أي ما يمكن حركة شعاع البصر فيه.

(وَسَبَبٌ)

أي ما يتوصّل به إلى الرؤية.

(فَسَبِيلُهُ الْهَوَاءُ)

أي الفضاء الخالي، يُقال لكلّ خال: هواء؛ شُبّه المكان- الذي فيه جسم شفّاف غير مرئيّ- بالخالي.

(وَسَبَبُهُ الضِّيَاءُ، فَإِذَا كَانَ السَّبِيلُ مُتَّصِلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْئِيِّ)

أي لم يكن بينهما جسم كثيف أصلًا.

(وَالسَّبَبُ قَائِمٌ)

أي موجود، وهي جملة حاليّة.

(أَدْرَكَ مَا يُلَاقِي)

أي ما يلاقيه شعاعه.

(مِنَ الْأَلْوَانِ وَالْأَشْخَاصِ)

أي الأجسام الكثيفة.

(فَإِذَا حُمِلَ الْبَصَرُ عَلى‏ مَا لَاسَبِيلَ لَهُ فِيهِ، رَجَعَ رَاجِعاً).

يُقال: حملت زيداً على كذا:

إذا كلّفته به. والمعنى: على رؤية ما لا سبيل له فيه؛ أي ما ليس فيه مسامٌّ وفُرَجٌ صغيرة جدّاً يدخل فيها شعاع البصر في الجملة، ف «ما» عبارة عن المرآة ونحوها، ولو كان بدل «فيه» «إليه» كان «ما» عبارةً عن باطن المرآة، وكان أوفق لقوله: «فإذا حمل القلب» إلى‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «الخَشِن» بفتح الخاء وكسر الشين.

179

آخره، لكن ينتقض بصورة توسّط الجسم الكثيف بين المحمول والمحمول عليه.

(فَحَكى‏)

أي رأى البصر، وسمّاه حكاية لأنّه بواسطة.

(مَا وَرَاءَهُ)

أي ما وراء البصر بمعنى شعاع البصر. و «ما وراءه»: ما يلاقيه في رجوعه وإن كان متوسّطاً بين الناظر والمحمول عليه.

(كَالنَّاظِرِ فِي الْمِرْآةِ).

وقوله:

(لَا يَنْفُذُ بَصَرُهُ فِي الْمِرْآةِ).

استئنافٌ بياني.

(فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ، رَجَعَ رَاجِعاً).

حالٌ باعتبار أنّ المراد نوعاً (1) من الراجع، فإنّ الرجوعات متفاوتة بحسب تفاوت المَرائي والصفاء والجلاء، فكذلك الراجعات.

(يَحْكِي مَا وَرَاءَهُ، وَكَذلِكَ النَّاظِرُ فِي الْمَاءِ الصَّافِي)

الذي لا يُرى تحتُه.

(يَرْجِعُ)

أي يرجع شعاع بصره‏

(رَاجِعاً فَيَحْكِي مَا وَرَاءَهُ؛ إِذْ لَاسَبِيلَ لَهُ فِي إِنْفَاذِ بَصَرِهِ).

لا يخفى أنّه إذا كان مراد هشام إقامة البرهان على عدم إمكان رؤية اللَّه تعالى، لم يكد يتمّ؛ لأنّ ما ذكره على طبق العادة في رؤيتنا، والقائلون بإمكان رؤيته تعالى لا يقولون إنّه على طبق العادة.

(فَأَمَّا الْقَلْبُ فَإِنَّمَا سُلْطَانُهُ)

أي سلطنته بالإدراك على الوجه‏ (2) الجزئي، أو ما يجري مجراه من التخيّل.

(عَلَى الْهَوَاءِ)

أي على ما في الهواء. والمراد بالهواء الفضاء مطلقاً؛ أي البُعد الذي فيه الأجسام.

(فَهُوَ يُدْرِكُ جَمِيعَ مَا فِي الْهَوَاءِ وَيَتَوَهَّمُهُ، فَإِذَا حُمِلَ)؛

بصيغة المجهول.

(الْقَلْبُ عَلى‏ مَا لَيْسَ)

أي على إدراك ما ليس‏

(فِي الْهَوَاءِ مَوْجُوداً، رَجَعَ رَاجِعاً فَحَكى‏ مَا فِي الْهَوَاءِ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَحْمِلَ قَلْبَهُ عَلى‏)

إدراكِ‏

(مَا لَيْسَ مَوْجُوداً فِي الْهَوَاءِ مِنْ‏

____________

(1). كذا في النسخ.

(2). في «ج»: «وجه».

180

أَمْرِ التَّوْحِيدِ).

الظرف متعلّق ب «ليس» أي من جهة أمر التوحيد، والمعنى أنّه لولا ذلك لما استقام أمر التوحيد.

(جَلَّ اللَّهُ وَعَزَّ)

عن أن يكون في الهواء. وهو استئناف بياني لأمر التوحيد.

(فَإِنَّهُ إِنْ فَعَلَ ذلِكَ، لَمْ يَتَوَهَّمْ إِلَّا مَا فِي الْهَوَاءِ مَوْجُودٌ، كَمَا قُلْنَا فِي أَمْرِ الْبَصَرِ؛ تَعَالَى اللَّهُ أَنْ يُشْبِهَهُ خَلْقُهُ).

لا يُقال: أمثال هذه قياسات شعريّة لا تصلح للاستدلال.

لأنّا نقول: ليس المقصود الاستدلال، بل التنظير والتقريب إلى الأفهام، والمقصود بالبيان وهو ما يفهم من قوله: «لا ينبغي للعاقل» إلى آخره. ومن قوله: «فإنّه إن فعل ذلك» إلى آخره، أمرٌ بيّن لا حاجة له إلى استدلال.

قيل: لا يُقال: ينتقض ذلك بإدراك النفس الناطقة ذاتها على وجه جزئي.

لأنّا نقول: الكلام في إدراك النفس الناطقة غيرها، أو الكلام في العلم الحصولي لا الحضوري، وهو الذي يكفي في تحقّقه مجرّد حضور المعلوم عند العالم؛ أي عدم غيبوبته عنه.

أو المراد أنّ القلب يتمكّن من إدراك‏ (1) عالم الأجسام على وجه التخيّل والتمثيل، ولايتمكّن من إدراك غير عالم الأجسام على ذلك الوجه. انتهى. (2)

ويمكن الجواب أيضاً بمنع تجرّد النفس الناطقة.

____________

(1). في «ج»:+/ «غير».

(2). انظر المواقف، ج 2، ص 672.

181

باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى‏

الباب العاشر بَابُ النَّهْيِ عَنِ الصِّفَةِ بِغَيْرِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ تَعَالى‏ (1)

فيه اثنا عشر حديثاً.

«الصفة» مصدر قولك: وصفت فلاناً: إذا بيّنته، سواء كان باسم جامد محض، مثل: هذا بلّور، أم بمشتقّ، نحو: هذا فاضل، أم بما يجري مجرى المشتقّ، مثل: هذا الذي ضرب زيداً.

«غير» هنا بمعنى المنافي، نحو آية سورة النساء: «بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ». (2)

و «ما» الموصولة للعهد أو للجنس. وعلى الأوّل عبارة عن نحو قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» (3) ممّا يدلّ على نفي تشبيهه تعالى بالأجسام، كأن يُقال: إنّه تعالى كالبلّورة ونحو ذلك، فليس المقصود بيان عدم استقلال العقل بمعرفة أنّه موجود وواجب الوجود، وأنّه بري‏ءٌ من كلّ نقص في صفات ذاته وصفات فعله، وكذا أنّه عالم وقادر ونحو ذلك.

الأوّل:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مَعْرُوفٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَتِيكٍ)؛

بفتح المهملة، وكسر المثنّاة فوق، وسكون الخاتمة.

(الْقَصِيرِ، قَالَ: كَتَبْتُ عَلى‏ يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ إِلى‏ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): أَنَّ قَوْماً بِالْعِرَاقِ يَصِفُونَ اللَّهَ بِالصُّورَةِ)

أي بالشكل‏

(وَبِالتَّخْطِيطِ)

أي بامتياز الأعضاء بعضها عن بعض.

____________

(1). في النسختين: «جلّ تعالى».

(2). النساء (4): 81.

(3). الشورى (42): 11.

182

(فَإِنْ رَأَيْتَ)؛

من الرأي.

(جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيَّ بِالْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ مِنَ التَّوْحِيدِ)

أي من تنزيه اللَّه تعالى عمّا يوجب شركاً. وجزاء الشرط محذوف، أي فإن رأيت ذلك أحسنت. (1)

(فَكَتَبَ إِلَيَّ: سَأَلْتَ- رَحِمَكَ اللَّهُ- عَنِ التَّوْحِيدِ وَمَا)

أي وعمّا.

(ذَهَبَ إِلَيْهِ مَنْ)؛

موصولة.

(قِبَلَكَ)؛

بكسر القاف وفتح الموحّدة، أي عندك. والعائد مبتدأ محذوف، (2) أي هو، والظرف خبر عنه.

(فَتَعَالَى)

أي فالجواب تعالى‏

(اللَّهُ)

عن أن يوصف بالصورة وبالتخطيط.

(الَّذِي‏

«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» (3)

).

مضى شرحه في رابع الثاني. (4)

(تَعَالى‏ عَمَّا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ، الْمُشَبِّهُونَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ)

في الصورة والتخطيط ونحوهما.

(الْمُفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ).

لمّا فرغ من الجواب عن السؤال عمّا ذهب إليه مَنْ قِبلَهُ، شرَعَ في الجواب عن السؤال عن المذهب الصحيح، وقال:

(فَاعْلَمْ- رَحِمَكَ اللَّهُ- أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ فِي التَّوْحِيدِ مَا نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ).

إشارةٌ إلى قاعدة مذكورة في قوله تعالى في سورة النحل: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ» (5)، فإنّه يدلّ على أنّ المسائل، أي القضايا الغير

____________

(1). في حاشية «أ»: «قوله: أحسنت، لعلّ معناه جدت بكتابته، نظير قوله تعالى‏ «أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ» إذا لو كان معناه فعلت فعلًا حسناً كما في قولك: إن ضربت زيداً أحسنت، لم يناسب المقام. ولو قدّر الجزاء كتبته أو مننت عليّ بكتابته أو نحوها كان أظهر كما لا يخفى (مهدي)».

(2). في حاشية «أ»: «قوله: مبتدأ محذوف إلى آخره، الظاهر أنّه قدّر متعلّق الظرف مفرداً، فيكون التقدير: من هوحاصل قبلك، إذ لو قدّره جملة لم يحتج إلى تقدير المبتدأ، ويكون التقدير حينئذٍ من حصل قبلك، ويكون العائد هو فاعل حصل. وهو أولى ممّا فعله (قدّس سرّه)، إذ يلزم على ما قدّره حذف صدر صلة غير، أي مع عدم طول الصلة. وهو ضعيف عند جمهور النحاة (مهدي)».

(3). الشورى (42): 11.

(4). أي في الحديث 4 من باب إطلاق القول بأنّه شي‏ء.

(5). النحل (16): 43- 44.

183

الضروريّة (1) على ثلاثة أقسام:

الأوّل: ما يمكن أن يستنبط من البيّنات، بحيث لا يبقى اختلاف حقيقي فيه بين المتخاصمين.

الثاني: ما ليس كذلك، وهو مذكور في الزبر؛ أي في محكمات القرآن.

الثالث: ما عدا الأوّلين.

وعلى‏ (2) أنّ حكم الأوّل وجوب الرجوع إلى البيّنات، أو إلى الزبر إن وجدت فيه بخصوصه، أو إلى سؤال أهل الذكر إن تيسّر، أو السكوت. وحكم الثاني وجوب الرجوع إلى الزبر إن وجدت فيه بخصوصه، أو إلى سؤال أهل الذكر إن تيسّر، أو السكوت. وحكم الثالث وجوب سؤال أهل الذكر، أو السكوت. وأمّا قوله:

(فَانْفِ عَنِ اللَّهِ)؛

إلى قوله: «الواصفون» لبيان‏ (3) القسم الأوّل من الأقسام الثلاثة.

(الْبُطْلَانَ)

أي أن يكون نفس فرد الوجود، ولا يكون له مائيّة وإنّيّة.

(وَالتَّشْبِيهَ)

أي أن يكون كالأجسام في الصورة والتخطيط ونحوهما.

(فَلَا نَفْيَ وَلَا تَشْبِيهَ)

أي لا يصحّان.

(هُوَ اللَّهُ الثَّابِتُ الْمَوْجُودُ).

ناظرٌ إلى النفي.

(تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ).

ناظرٌ إلى التشبيه. وأمّا قوله:-

(وَلَا تَعْدُوا)؛

بسكون العين المهملة وتخفيف الدال المهملة المضمومة، أي لا تخاصموا، أو (4) لا تجاوزوا في صفته.

(الْقُرْآنَ؛ فَتَضِلُّوا بَعْدَ الْبَيَانِ)

- فلبيان القسم الثاني الذي وجد فيه محكمات القرآن بخصوصه، والقسم الثالث الذي وجد فيه محكمات القرآن‏ (5) بعمومه.

____________

(1). في «ج»: «البديهية».

(2). عطف على «أن المسائل» إلى آخره.

(3). في حاشية «أ»: «فلبيان ظ».

(4). في «ج»: «و».

(5). في «ج»:- «بخصوصه و القسم الثالث الذي وجد فيه مححكمات القرآن».

184

والمراد بالبيان بيان محكمات القرآن طريقة العلم فيهما، كما مرّ في آية سورة النحل، وبالضلال الحكم بدون سلوك طريقة العلم المذكورة في القرآن فيهما.

الثاني:

(مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام): يَا أَبَا حَمْزَةَ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُوصَفُ بِمَحْدُودِيْهِ‏

(1)

بسكون الخاتمة، والضمير الراجع إلى اللَّه، والباء للآلة؛ أي بقياسه على محدوديه؛ أي الأشخاص المقدّرة بمقدار لا تتجاوزه بتدبيره تعالى.

(عَظُمَ)؛

كحسن.

(رَبُّنَا مِنَ‏

(2)

الصِّفَةِ)،

اللام للعهد؛ أي الوصف بمحدوديه.

(وَكَيْفَ‏

(3)

يُوصَفُ بِمَحْدُودِيْهِ‏

(4)

مَنْ لَايُحَدُّ).

الاستفهام للإنكار، والفعلان بصيغة المجهول.

وهذا استدلال على أنّه تعالى لا يوصف بالقياس على محدوديه، لو كان موصوفاً كذلك لكان محدوداً؛ أي ذا مقدار لم يتجاوزه؛ ضرورةَ أنّ المجرّد لا يقاس بالجسماني.

(وَ

«لا تُدْرِكُهُ»). عطف تفسير للاستدلال من سورة الأنعام، على أنّه لا يحدّ يعني لا تصيبه على حدة.

( «الْأَبْصارُ») أي أبصار العيون وأبصار القلوب.

( «وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ»). اللام للحصر؛ أي هو المجرّد. ويجي‏ء تفسير اللطيف في الأوّل والثاني من السابع عشر (5) بالفاعل بلا علاج، وهو يرجع إلى ما ذكرنا.

( «الْخَبِيرُ» (6)

؟!)

بكلّ شي‏ء حتّى الغيب الذي لا يعلمه الجسماني من عند نفسه.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «بمحدوديّة» بتشديد الياء.

(2). في الكافي المطبوع: «عن».

(3). في الكافي المطبوع: «فكيف».

(4). في الكافي المطبوع: «بمحدوديّة» بتشديد الياء.

(5). أي الحديث 1 و 2 من باب آخر و هو من الباب الأول.

(6). الأنعام (6): 103.

185

الثالث:

(مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخَزَّازِ)؛

بفتح المعجمة والزاءين المعجمتين اولاهما مشدّدة وبينهما ألف: بيّاع الخزّ.

(وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَا: دَخَلْنَا عَلى‏ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام)، فَحَكَيْنَا لَهُ أَنَّ مُحَمَّداً (صلى الله عليه و آله) رَأى‏ رَبَّهُ فِي هَيْئَةِ

(1)

الشَّابِّ)

أي حكينا له هذه الرواية تصديقاً لها.

وظاهر هذا أنّ الراويين ذهبا إلى مذهب أبي الخطّاب في الغلوّ، حيث كان يقول:

جعفر بن محمّد الصادق إله وأنا رسوله، (2) فتوهّما (3) موافقة هشام بن سالم وصاحبيه لهما، مع أنّهم بُرآء من هذا القول؛ فهذا الحديث لا يوجب قدحاً فيهم.

(الْمُوَفَّقِ)؛

بصيغة اسم المفعول، من التوفيق، وهو سلب المنافرة بين شيئين فصاعداً؛ أي المتوافق الأعضاء متناسبها الذي كلّ واحدٍ من أعضائه موافق للباقي ومناسب له. والأصل «الموفّق فيه».

(فِي سِنِّ أَبْنَاءِ ثَلَاثِينَ سَنَةً).

الظرف متعلّق بالموفّق، فإنّ التوفيق في كلّ سنّ غير التوفيق في سنٍّ آخَرَ؛ مثلًا إذا لم يكن على وجه ابن ثلاثين لحيةٌ، ما كان موفّقاً.

(وَقُلْنَا: إِنَّ هِشَامَ بْنَ سَالِمٍ وَصَاحِبَ الطَّاقِ)؛

هو محمّد بن النعمان أبو جعفر الأحول الصرّاف في طاق المحامل بالكوفة. (4)

(وَالْمِيثَمِيَّ)؛

بكسر الميم وسكون الخاتمة وفتح المثلّثة: أحمد بن الحسن بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم. (5)

____________

(1). في الكافي المطبوع:+/ «في صورة».

(2). الوافي بالوفيات، ج 13، ص 215.

(3). في «ج»: «وتوهّما».

(4). رجال النجاشي، ص 325، الرقم 886؛ خلاصة الأقوال، ص 237، الرقم 12؛ رجال ابن داود، ص 180، الرقم 1463.

(5). اختيار معرفة الرجال، ج 2، ص 768، الرقم 889؛ رجال الطوسي، ص 332، الرقم 29.

186

(يَقُولُونَ: إِنَّهُ أَجْوَفُ إِلَى السُّرَّةِ وَالْبَقِيَّةُ)

أي من السرّة إلى الرجلين.

(صَمَدٌ)

أي مصمت ليس له جوف.

(فَخَرَّ سَاجِداً لِلَّهِ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَكَ مَا عَرَفُوكَ).

ضمير الجمع للراويين وأمثالهما.

(وَمَا

(1)

وَحَّدُوكَ)

أي ما أفردوك بالعبادة إذ (2) عبدوا جسماً، وهو غيرك البتّة.

(فَمِنْ أَجْلِ ذلِكَ وَصَفُوكَ).

الوصف إذا لم يتعدّ بالباء يُراد به بيان الشي‏ء بالاسم الجامد المحض كالجسم، وإذا تعدّى بالباء يُراد به أعمّ من ذلك.

(سُبْحَانَكَ لَوْ عَرَفُوكَ، لَوَصَفُوكَ بِمَا وَصَفْتَ بِهِ نَفْسَكَ)

أي في القرآن، وهو نفي البطلان والتشبيه، كما مرّ في أوّل الباب.

(سُبْحَانَكَ كَيْفَ طَاوَعَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ)؛

مصدريّة. والمصدر نائب ظرف الزمان.

(شَبَّهُوكَ‏

(3)

بِغَيْرِكَ؟!)

في الصورة والتخطيط والتجويف ونحو ذلك.

(اللَّهُمَّ لَاأَصِفُكَ إِلَّا بِمَا وَصَفْتَ بِهِ نَفْسَكَ)

أي في القرآن.

(وَلَا أُشَبِّهُكَ بِخَلْقِكَ، أَنْتَ أَهْلٌ لِكُلِّ خَيْرٍ)

أي أنت موفّق لكلّ خير، موافقاً لما يجي‏ء في سادس السادس والعشرين: وذاك أنّي أولى بحسناتك منك، (4) ومناسباً لآية سورة المدّثّر: «هُوَ أَهْلُ التَّقْوى‏» (5). أو المراد خير الأسماء كلّها لك، كالكريم والرحيم والقادر والعليم.

(فَلَا تَجْعَلْنِي)

بالخذلان‏

(مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: مَا تَوَهَّمْتُمْ)

أي وقع وهمكم عليه، وباشره وهمكم بإدراك اسم جامد محض له.

(مِنْ شَيْ‏ءٍ فَتَوَهَّمُوا اللَّهَ غَيْرَهُ).

هذا من قبيل مجاز المشاكلة. (6) والمراد: اعلموا أنّ اللَّه غيره.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «لا».

(2). في «ج»: «أي».

(3). في الكافي المطبوع: «يُشَبِّهوكَ».

(4). أي الحديث 6 من باب المشيئة والإرادة.

(5). المدثّر (74): 56.

(6). تقدّم توضيحه.

187

(ثُمَّ قَالَ: نَحْنُ آلَ)؛

منصوب بالاختصاص، (1) أو مرفوع بالبدليّة أو الخبريّة.

(مُحَمَّدٍ النَّمَطُ الْأَوْسَطُ).

النمط بفتحتين: القسم من الأقسام؛ والنمط: الجماعة من الناس أمرهم واحد (2) وكلّ منهما محتملٌ هنا.

(الَّذِي لَايُدْرِكُنَا الْغَالِي، وَلَا يَسْبِقُنَا التَّالِي).

هذا شكاية بأنّ الناس مأمورون غاليهم بالرجوع إلى النمط الأوسط، وتاليهم باللحوق بالنمط الأوسط، ولكنّا النمط الأوسط الذي لا يدركنا الغالي؛ أي لا يرجع إلينا فيدركنا، ولا يسبق إلينا التالي. وإنّما حذف «إلى» هنا واوصل الفعل بنفسه للازدواج مع «يدركنا». وذكر ضمير المتكلّم مع الغير في مقام العائد إلى «الذي» لرعاية جانب المعنى؛ فإنّ اللفظ وإن كان مفرداً وغائباً لكنّه عبارة عن جماعةٍ أحدهم المتكلّم.

وقال بعضهم في ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «أنا الذي سمّتني امّي حيدرة» (3) إنّه من قبيل الالتفات من الغيبة إلى التكلّم.

(يَا مُحَمَّدُ).

لمّا أبطل اعتقاد المخالفين، أراد أن لا يكذّب لفظ الرواية التي رووه إمّا للمماشاة وفرض الصدق، فإنّ ذلك مظنّة الوصول إلى المخالفين، وتكذيبُ رواياتهم يشوشّهم جدّاً ويتناقلونه، أو لغير ذلك، فقال:

(إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) حِينَ نَظَرَ إِلى‏ عَظَمَةِ رَبِّهِ كَانَ فِي هَيْئَةِ الشَّابِّ الْمُوَفَّقِ، وَسِنِّ أَبْنَاءِ ثَلَاثِينَ سَنَةً).

حمل لفظ الرواية على معنى آخر غير ما فهمه المخالفون، وجعل الظرفين حالين لفاعل «رأى»، وجعل الظرف الثاني معطوفاً على الأوّل بحذف‏

____________

(1). في حاشية «أ»: «قوله آل منصوب إلى آخره، فعلى أوّل الوجوه الثلاثة وثانيها يكون النمط خبراً، وعلى ثالثها يكون إمّا خبراً ثانياً أو صفة لآل. هذا، ويلزم على الوجه الثاني إبدال الظاهر في ظمير المتكلّم، وهو غير جائز عند غير الأخفش. قال ابن الحاجب: ولا يبدّل ظاهر من مضمر بدل الكلّ إلّامن الغائب؛ فتأمّل (مهدي)».

(2). مختار الصحاح، ص 347.

(3). روضة الواعظين، ص 130؛ مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) للكوفي، ج 2، ص 500؛ مقاتل الطالبيين، ص 14. ونقله أحمد في مسنده، 4، ص 52؛ ومسلم في صحيحه، ج 5، ص 195؛ والحاكم في مستدركه، ج 3، ص 39. وعجز البيت: «كليث غابات كريه المنظرة».

188

العاطف؛ أي وفي سنّ. وهذا حمل لروايتهم على أنّه قبل النبوّة والمعراج، ولو كان بدل الواو هنا «في» وكان الظرف الثاني متعلّقاً بموفّق، لكان الحمل صحيحاً أيضاً، ولم يدلّ على أنّه قبل النبوّة والمعراج، لكنّ النسخ لا تساعد هذا.

(يَا مُحَمَّدُ، عَظُمَ رَبِّي وَجَلَّ أَنْ)

أي عن أن‏

(يَكُونَ فِي صِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ. قَالَ)

أي محمّد.

(قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، مَنْ كَانَتْ رِجْلَاهُ فِي خُضْرَةٍ؟)

. كأنّه كان مذكوراً في تتمّة الرواية، فسأل: مَن هو؟

(قَالَ: ذاكَ مُحَمَّدٌ، كَانَ إِذَا نَظَرَ إِلى‏ رَبِّهِ بِقَلْبِهِ، جَعَلَهُ فِي نُورٍ مِثْلِ نُورِ الْحُجُبِ حَتّى‏ يَسْتَبِينَ لَهُ مَا فِي الْحُجُبِ؛ إِنَّ نُورَ اللَّهِ: مِنْهُ أَخْضَرُ، وَمِنْهُ أَحْمَرُ، وَمِنْهُ أَبْيَضُ، وَمِنْهُ غَيْرُ ذلِكَ)

.

سيجي‏ء في أوّل «باب العرش والكرسيّ» أنّ منه أصفر وسنبيّنهُ.

ولا يبعد أن يحمل «الحجب» هنا على الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام).

(يَا مُحَمَّدُ، مَا شَهِدَ لَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَنَحْنُ الْقَائِلُونَ بِهِ).

لا ينافي هذا الحصرَ في الكتاب؛ لأنّ السنّة تفسير للكتاب، وكشف عن المراد به.

الرابع:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ بِشْر)؛

بكسر الموحّدة وسكون المعجمة والمهملة، وفي كتب الرجال «بشير» بالخاتمة بعد الشين. (1)

(الْبَرْقِيِّ)؛

بفتح الموحّدة وسكون المهملة. وفي كتاب الرجال لابن داود: «الرقّي» بدون الباء مع فتح المهملة، وتشديد القاف. (2)

(قَالَ: حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَامِرٍ الْقَصَبَانِيُّ)؛

بفتح القاف، وفتح المهملة والموحّدة، والنون.

(قَالَ: أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ الْجَهْمِ)؛

بفتح الجيم، وسكون الهاء.

____________

(1). رجال الطوسي، ص 412، الرقم 55؛ نقد الرجال، ج 1، ص 108، الرقم 19.

(2). رجال ابن داود، ص 227، الرقم 21 و 22.

189

(عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام)، قَالَ: قَالَ: لَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَنْ يَصِفُوا اللَّهَ بِعَظَمَتِهِ)

أي بكنه ذاته، وهو اسمه الجامد المحض الذي عظم عن أن يناله أحدٌ من خلقه. أو المراد تفصيل كمالاته، موافقاً لما يجي‏ء في حادي عشر الباب.

(لَمْ يَقْدِرُوا).

الخامس:

(سَهْلٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَمَذَانِيِّ)؛

بفتح الميم والمعجمة.

(قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى الرَّجُلِ)؛

يعني أبا الحسن الثالث (عليه السلام).

(أَنَّ مَنْ قِبَلَنَا)

أي عندنا

(مِنْ مَوَالِيكَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي التَّوْحِيدِ):

في التنزيه عن الشريك حيث قالوا بشي‏ءٍ ينافيه.

(فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: جِسْمٌ)

أي جسد غير مجوّف.

(وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: صُورَةٌ)

أي جسد مجوّف.

(فَكَتَبَ (عليه السلام) بِخَطِّهِ: سُبْحَانَ مَنْ لَايُحَدُّ)

أي لا يحيط به مقدار لا يتجاوزه.

(وَلَا يُوصَفُ)،

أي لا يُدرك كنه ذاته.

(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ).

استدلال على أنّه لا يوصف ولا يحدّ لإبطال المذهبين.

(وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ؛ أَوْ قَالَ)

بدل «العليم»:

(الْبَصِيرُ).

كما في سورة الشورى. (1)

السادس:

(سَهْلٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: كَتَبَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ (عليهما السلام) إِلى‏ أَبِي: «أَنَّ اللَّهَ أَعْلى‏ وَأَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُبْلَغَ)؛

بصيغة المجهول‏

(كُنْهُ صِفَتِهِ).

كنه الشي‏ء: حقيقته، وصفته بيانه باسم جامد محض، أو تفصيل كمالاته. وعلى الأوّل المراد أنّ كلّ بيانه باسم جامد محض باطل. وعلى الثاني المراد ما يجي‏ء في حادي عشر الباب.

(فَصِفُوهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ)

في القرآن.

(وَكُفُّوا عَمَّا سِوى‏ ذلِكَ)

أي عن طلب كنه صفته.

____________

(1). الشورى (42): 11.

190

السابع:

(سَهْلٌ، عَنِ السِّنْدِيِّ)؛

بكسر المهملة، وسكون النون، والمهملة، وشدّ الخاتمة.

(ابْنِ الرَّبِيعِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ حَفْصٍ أَخِي مُرَازِمٍ، عَنِ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: سَأَ لْتُ أَبَا الْحَسَنِ (عليه السلام) عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنَ الصِّفَةِ)

أي من بيان اللَّه تعالى باسم جامد محض.

(فَقَالَ: لَاتَجَاوَزْ مَا فِي الْقُرْآنِ).

هو نفي الصفة؛ يعني أنّه لا يجوز الصفة حقيقةً.

الثامن:

(سَهْلٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْقَاسَانِيِّ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَيْهِ: أَنَّ مَنْ قِبَلَنَا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي التَّوْحِيدِ. قَالَ: فَكَتَبَ (عليه السلام): سُبْحَانَ مَنْ لَايُحَدُّ، وَلَا يُوصَفُ‏

«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» (1)

).

مضى شرحه في خامس الباب.

التاسع:

(سَهْلٌ، عَنْ بَشِير)؛

بفتح الموحّدة، وكسر المعجمة، والخاتمة. (2)

(بْنِ بَشَّارٍ)؛

بفتح الموحّدة وشدّ المعجمة.

(النَّيْسَابُورِيِّ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى الرَّجُلِ)

. قيل: الهادي (عليه السلام). (3)

(أَنَّ مَنْ قِبَلَنَا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي التَّوْحِيدِ: فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ:

(4)

جِسْمٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ:

(5)

صُورَةٌ. فَكَتَبَ‏

(6)

: «سُبْحَانَ مَنْ لَايُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ، وَلَا يُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ، وَ

«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» (7)

).

مضى شرحه في خامس الباب.

____________

(1). الشورى (42): 11.

(2). في «ج»: «بشر؛ بكسر الموحّدة، وسكون المعجمة» بدل «بشير؛ بفتح الموحّدة، وكسر المعجمة، والخاتمة».

(3). في حاشية «أ»: «ا م ن (منه)». الظاهر أنّ المراد منه محمّد أمين الإسترابادى في حاشية على الكافي. وانظر شرح اصول الكافي للمازندراني، ج 3، ص 212.

(4). في الكافي المطبوع:+/ «هو».

(5). في الكافي المطبوع:+/ «هو».

(6). في الكافي المطبوع:+/ «إليّ».

(7). الشورى (42): 11.

191

العاشر:

(سَهْلٌ قَالَ: كَتَبْتُ إِلى‏ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ: قَدِ اخْتَلَفَ يَا سَيِّدِي، أَصْحَابُنَا فِي التَّوْحِيدِ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هو جِسْمٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ:

(1)

صُورَةٌ، فَإِنْ‏ رَأَيْتَ يَا سَيِّدِي، أَنْ تُعَلِّمَنِي مِنْ ذلِكَ مَا أَقِفُ عَلَيْهِ وَلَا أَجُوزُهُ، فَعَلْتَ مُتَطَوِّلًا عَلى‏ عَبْدِكَ.

فَوَقَّعَ بِخَطِّهِ (عليه السلام): سَأَلْتَ عَنِ التَّوْحِيدِ، وَهذَا عَنْكُمْ مَعْزُولٌ).

إنّما أدخل (عليه السلام) السائل في الخطاب لقوله: «من ذلك» فإنّه يدلّ ظاهره على أنّ التوحيد أحد المذكورين، أو لقوله:

«أصحابنا».

(اللَّهُ وَاحِدٌ أَحَدٌ

«لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ* وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» (2)

، خَالِقٌ وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، يَخْلُقُ- تَبَارَكَ وَ تَعَالى‏- مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَجْسَامِ وَغَيْرِ ذلِكَ وَلَيْسَ بِجِسْمٍ، وَيُصَوِّرُ مَا يَشَاءُ وَلَيْسَ بِصُورَةٍ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ أَنْ)

أي عن أن‏

(يَكُونَ لَهُ شِبْهٌ)

في الجسم أو الصورة. هو خبر مبتدأ محذوف؛ أي هو.

(هُوَ لَاغَيْرُهُ)

أي ليس شي‏ء مدرك لنا كالجسم محمولًا عليه.

( «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» (3)

).

مضى شرحه في خامس الباب.

الحادي عشر:

(مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْفُضَيْلِ)؛

بضمّ الفاء، وفتح المعجمة، والخاتمة.

(بْنِ يَسَارٍ)؛

بفتح الخاتمة وتخفيف المهملة.

(قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَايُوصَفُ، وَكَيْفَ يُوصَفُ وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ‏

) في سورة الأنعام والزمر: ( «وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» (4)*

؟! فَلَا يُوَصَّفُ‏

(5)

بِقَدَرٍ إِلَّا كَانَ أَعْظَمَ‏

____________

(1). في الكافي المطبوع:+/ «هو».

(2). التوحيد (112): 3 و 4.

(3). الشورى (42): 11.

(4). الأنعام (6): 91؛ الزمر (39): 67.

(5). في الكافي المطبوع: «يوصَف».

192

مِنْ ذلِكَ).

يجي‏ء هذا مع تتمّة في «كتاب الإيمان والكفر» في سادس عشر «باب المصافحة» (1) ويظهر منها أنّ «يُوَصَّف» بصيغة المجهول من باب التفعيل، أو باب ضرب. والمراد بالتوصيف أو الوصف: بلوغ أقصى الغاية في كمالاته التفصيليّة، وهو المراد بالقدر أيضاً. فقوله: «فلا يوصّف بقدر» أي لا يوصّف بوصف تفصيليّ لكمالاته، وضمير «قدروا» للخلائق أجمعين، أو لجمعٍ سيق الكلام فيهم.

الثاني عشر:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ).

قيل: كأنّه الجوّاني. (2)

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَظِيمٌ رَفِيعٌ، لَايَقْدِرُ الْعِبَادُ عَلى‏ صِفَتِهِ)

أي على تفصيل كمالاته، كما مرّ في السابق.

(وَلَا يَبْلُغُونَ كُنْهَ عَظَمَتِهِ).

أي ما هو حقّه من تفصيل كمالاته.

( «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» (3)). مضى في ثاني الباب، وفيه إشارة إلى ما روي عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) أنّه قال: «لا احصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». (4)

(وَلَا يُوصَفُ)

أي لا يبيّن‏

(بِكَيْفٍ)؛

مجرور منوّن، أي بكيفيّة كائنة في نفسها في الخارج، ذاتيّة أو عارضة (5) له تعالى.

____________

(1). الكافي، ج 2، ص 182، باب المصافحة، ح 16.

(2). في حاشية «أ»: «القائل ميرزا محمّد (منه)».

(3). الأنعام (6): 103.

(4). في مصباح المتهجد، ص 315 و 838: «ولا احصي نعمتك ولا الثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». وفي ص 346 بلفظ آخر. ورواه مسلم في صحيحه، ج 2، ص 51 كما في المتن؛ سنن ابن ماجة، ج 2، ص 1263؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 201، ح 879، باب في دعاء في الركوع.

(5). في «ج»: «عرضية».

193

(وَلَا أَيْنَ)؛

بالفتح، ويكسر مجرور منوّن، أي ولا حين بأن يُقال: متى كان، كما مضى في ثاني السادس. (1)

(وَحَيْثٍ)؛

مجرور منوّن، أي والكون في مكان. ولعلّ ترك تكرار «لا» هنا للإشعار بتلازم «أين» و «حيث» وكونهما من الامور الاعتباريّة، دون الكيف.

(وَكَيْفَ أَصِفُهُ بِالْكَيْفِ وَهُوَ الَّذِي كَيَّفَ)؛

بشدّ الخاتمة المفتوحة.

(الْكَيْفَ)؛

بالفتح، أي الكيفيّة؛ أو بشدّ الخاتمة المكسورة، أي ذا الكيفيّة، وكذا في البواقي.

(حَتّى‏ صَارَ كَيْفاً، فَعُرِفَتِ الْكَيْفُ بِمَا كَيَّفَ لَنَا مِنَ الْكَيْفِ؟! أَمْ)؛

منقطعة بمعنى «بل».

(كَيْفَ أَصِفُهُ بِأَيْنٍ)

أي بحينٍ.

(وَهُوَ الَّذِي أَيَّنَ الْأَيْنَ)؛

بالفتح، أي الحين؛ أو بشدّ الخاتمة المكسورة، أي ذا الحين، وكذا في البواقي.

(حَتّى‏ صَارَ أَيْناً، فَعُرِفَتِ الْأَيْنُ بِمَا أَيَّنَ لَنَا مِنَ الْأَيْنِ؟! أَمْ كَيْفَ أَصِفُهُ بِحَيْثٍ وَهُوَ الَّذِي حَيَّثَ الْحَيْثَ)

؛ بالفتح، أو بشدّ الخاتمة المكسورة، وكذا في البواقي.

(حَتّى‏ صَارَ حَيْثاً، فَعُرِفَتِ الْحَيْثُ بِمَا حَيَّثَ لَنَا مِنَ الْحَيْثِ؟! فَاللَّهُ- تَبَارَكَ وَتَعَالى‏- دَاخِلٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ)

لا بالمباشرة

(وَخَارِجٌ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ)

مكاني ( «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ»). مضى في ثاني الباب.

(لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ). إشارة إلى أنّ كمال التوحيد نفي تلك الصفات، وكذا كمال التعظيم.

( «وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» (2)

).

مضى في ثاني الباب.

____________

(1). أي الحديث 2 من باب الكون والمكان.

(2). الأنعام (6): 103.

194

باب النهي عن الجسم و الصورة

الباب الحادي عشر بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْجِسْمِ وَ الصُّورَةِ

فيه ثمانية أحاديث.

الجسم بالكسر: الجسد الغير المجوّف؛ والصورة: الجسد المجوّف.

والمراد النهي عن القول بأنّه تعالى جسم، وعن القول بأنّه تعالى صورة.

الأوّل:

(أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيى‏، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ يَرْوِي عَنْكُمْ)

أي عن بعض قراباتكم.

ولعلّ المرويَّ عنه غير معصوم، فلا قدح فيه على هشام، ولو كان المراد أحد المعصومين، فالقدح راجع إلى ابن أبي حمزة، وهو البطائني. ولعلّه فهم من لفظ هشام هذا، ونقله بالمعنى، أو روى عن غيرهم، وتوهّم أنّه يروي عنهم.

(أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ صَمَدِيٌّ)

أي لا جوف له‏

(نُورِيٌّ)

أي جميل جدّاً.

(مَعْرِفَتُهُ)؛

مبتدأ.

(ضَرُورَةً

(1)

)

أي ضروريّةً، وهو منصوب على أنّه صفة مفعول مطلق محذوف؛ أي معرفته معرفةً ضروريّةً حاصلةٌ بالرؤية.

(يَمُنُّ بِهَا عَلى‏ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ).

الجملة خبر المبتدأ.

وهذا مبنيّ على أنّ المجوّزين للرؤية يقولون: إنّ المعرفة من جهة الرؤية ضرورة،

____________

(1). في الكافي المطبوع: «ضرورةٌ» بضمّ الأخير.

195

كما مضى في ثالث التاسع. (1)

ويجوز رفع «ضرورة» على أنّه خبر المبتدأ وكون الجملة بعده استئنافاً بيانيّاً، أو صفة بعد صفة. وهذا مبنيّ على أنّه على تقدير تجويز كون بعض الأجسام غير مخلوق لا يمكن معرفته بالاستدلال أصلًا، وما تمسّك به‏ (2) الفلاسفة من إبطال الدور والتسلسل لإثبات الصانع للعالم‏ (3) لا يتمّ؛ لأنّه لا يستلزم كونه صانعاً، أي فاعلًا لا بالإيجاب، وأيضاً هم يجوّزون التسلسل في الامور الغير المجتمعة في جانب المبدأ، ولم يقيموا قبل إثبات الصانع برهاناً على احتياج الممكن في البقاء إلى بقاء فاعله.

(فَقَالَ (عليه السلام): سُبْحَانَ مَنْ لَايَعْلَمُ أَحَدٌ كَيْفَ هُوَ)

أي ذاته‏

(إِلَّا هُوَ

«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ»

لَايُحَدُّ)؛

بالمهملتين وشدّ الثانية، مجهول باب نصر؛ أي ليس محصوراً في مقدار لا يتجاوزه. وهذا ناظر إلى‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ». (

وَلَا يُحَسُّ)؛

بالمهملتين، وشدّ الثانية، معلوم باب نصر. والحسّ بالفتح: إلقاء السمع إلى الحسّ بالكسر، أي الصوت الخفيّ، وهو نوع من الحيلة للسماع، وهذا ناظر إلى السميع.

(وَلَا يُجَسُّ)؛

بالجيم وشدّ المهملة، معلوم باب نصر. والجسّ بالفتح: إحداد النظر إلى شي‏ء للاستثبات. وهذا ناظر إلى البصير.

(وَلَا يُدْرِكُهُ الْحَوَاسُّ،

(4)

وَلَا يُحِيطُ بِهِ شَيْ‏ءٌ):

سطح أو ذهن.

(وَلَا جِسْمٌ وَلَا صُورَةٌ، وَلَا تَخْطِيطٌ وَلَا تَحْدِيدٌ).

«لا» في المواضع الأربعة غير عاملة دخلت على الجملة الاسميّة، فوجب تكرارها. و «جسم» مرفوع منوّن على أنّه خبر مبتدأ محذوف، أي لا هو جسم، وكذا نظائره.

____________

(1). أي الحديث 3 من باب في إبطال الرؤية.

(2). في «ج»:-/ «به».

(3). حكاه عن المحقّقين العلّامة في معارج الفهم، ص 211. وانظر المسلك في اصول الدين، ص 52؛ والمحصّل‏للرازي، ص 342.

(4). في الكافي المطبوع: «لا تدركه الأبصار ولا الحواسّ».

196

والتخطيط- بالمعجمة والمهملتين-: تمييز أعضاء الجميل بعضِها عن بعض، من القاموس: «المخطّط كمعظّم: الجميل». (1) والمراد به هنا ذو التخطيط، وهو ناظر إلى قوله:

«نوري».

والتحديد بالمهملات: تعيين الشي‏ء في جهة ومكان، وذلك إذا كان مرئيّاً. والمراد به هنا ذو تحديد، وهو ناظر إلى قوله: «معرفته ضرورة» إلى آخره.

ويحتمل كون «لا» في الأخيرين لنفي الجنس، فيكونا مبنيَّين على الفتح. (2)

الثاني:

(مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلى‏ أَبِي الْحَسَنِ)

يعني الثالث (عليه السلام).

(أَسْأَلُهُ عَنِ الْجِسْمِ وَالصُّورَةِ، فَكَتَبَ: سُبْحَانَ مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ، لَاجِسْمٌ).

إمّا من قبيل زيد لا قائم، فيكون خبراً لمبتدأً محذوفٍ؛ وإمّا لبيان تفصيل «شي‏ء».

(وَلَا صُورَةٌ. وَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الرَّجُلَ)

أي قال: «كتبت إلى الرجل (عليه السلام) أسأله» إلى آخره.

الثالث:

(مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ)

؛ بفتح الموحّدة، وكسر الزاي، وسكون الخاتمة والمهملة.

(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: جِئْتُ إِلَى الرِّضَا (عليه السلام) أَسْأَلُهُ عَنِ التَّوْحِيدِ، فَأَمْلى‏ عَلَيَّ).

الإملاء أن يقول أحد شيئاً ويكتب آخر.

(الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ الْأَشْيَاءِ).

الفطر: الشقّ، والمراد هنا التمييز بين أنواع الأجسام بعد ما كان أصلُ جميعها الماءَ البسيطَ المتشابه الأجزاء، ومنه قوله تعالى في سورة فاطر:

«الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (3)، ويُقال له: الفتق أيضاً، كما في قوله تعالى في سورة الأنبياء: «أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَ‏

____________

(1). القاموس المحيط، ج 2، ص 358 (خط).

(2). من قوله: «لا في المواضع الأربعة» إلى هنا ليس في «ج».

(3). فاطر (35): 1.

197

شَيْ‏ءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ» (1).

(إِنْشَاءً).

مصدرٌ اقيم مقام ظرف الزمان، مثل رأيته قدوم الحاجّ. والإنشاء: الاختراع، وهو الخلق بلا مادّة. والمراد أنّه لم يتوسّط زمان طويل بين الإنشاء والفطر.

(وَمُبْتَدِعِهَا).

الابتداع: الإحداث الذي ليس لاحتذاء مثال عن فاعلٍ آخَرَ. والبدعة ضدّ السنّة.

(ابتداءً)؛

مصدر اقيم مقام ظرف الزمان.

(بِقُدْرَتِهِ).

ناظر إلى «فاطر الأشياء إنشاءً» فإنّ الفطر مع الخلق بلا مادّة لا يكون إلّا بكمال القدرة ونفاذ المشيئة. وفيه إشارة إلى الفرق بين قدرة اللَّه وقدرة العباد؛ فإنّ تأثير قدرتهم لا يكون إلّامع سبق مادّة، بخلاف قدرة اللَّه.

(وَحِكْمَتِهِ)

أي علمه بوجوه المصلحة. ناظرٌ إلى «مبتدعها ابتداءً» فإنّ الخلق لا لاحتذاء مثال لا يكون إلّابكمال العلم بوجوه المصلحة. وفيه إشارة إلى إبطال قول مَن قال: إنّه لو كان العالم حادثاً لزم تعطيله تعالى في الأزل. (2) فالنشر على ترتيب اللفّ.

(لَا مِنْ شَيْ‏ءٍ).

الظرف مستقرّ، خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي إحداث الأشياء لا من مادّة.

(فَيَبْطُلَ الِاخْتِرَاعُ)

أي الإنشاء؛ لأنّ فعله حينئذٍ بعد شأنيّة الوجود. وهذه الفقرة ناظرة إلى «فاطر الأشياء إنشاء».

(وَلَا لِعِلَّةٍ).

العلّة- بكسر المهملة-: السبب؛ وبفتحها: العود إلى الشرب. والمراد على الأوّل المعدّات الغير المتناهية من جانب المبدأ، كما زعمته مشّائيّة الفلاسفة؛ وعلى الثاني الأمثال الغير المتناهية من جانب المبدأ، كما زعمته إشراقيّة الفلاسفة. (3) وسيجي‏ء في «باب جوامع التوحيد» في شرح كلام المصنّف لتوضيح الحديث الأوّل.

(فَلَا يَصِحَّ الِابْتِدَاعُ).

هذه الفقرة ناظرة إلى «مبتدعها ابتداءً».

____________

(1). الأنبياء (21): 30.

(2). حكى ذلك الإيجي في المواقف، ج 1، ص 363.

(3). حكاه التفتازاني في شرح المقاصد، ج 1، ص 98.

198

(خَلَقَ)

. الخلق: التقدير. والخالق في أسمائه تعالى: المخترع المبتدع؛ فهو استئناف بياني.

(مَا شَاءَ).

ناظرٌ إلى الاختراع؛ أي كلّ ما شاء. ومعناه الاستقلال بالقدرة على الخلق، وملاكه تقدّم القدرة على الخلق على وقت الخلق، كما سيجي‏ء بيانه في ثاني «باب الاستطاعَة».

(كَيْفَ شَاءَ).

ناظرٌ إلى «الابتداع».

(مُتَوَحِّداً بِذلِكَ)

أي بخلق ما شاء كيف شاء؛ يعني أنّ غيره من الخالقين لا يخلقون كلّ ما شاؤوا؛ لعدم عموم قدرتهم، ولا يخلقون ما خلقوا كيف شاؤوا؛ لأنّهم ليسوا مستقلّين بالقدرة أصلًا.

(لِإِظْهَارِ حِكْمَتِهِ).

المقصود إظهار حكمته على الغير؛ لأن يُعلِمَها غيره.

(وَحَقِيقَةِ رُبُوبِيَّتِهِ).

عطفٌ على «حكمته». والحقيقة: ما يحقّ عليك أن تحميه. وربّ كلّ شي‏ء: مالكه، والاسم «الربوبيّة» بالضمّ، وحقيقة ربوبيّته: أنّه خالق كلّ شي‏ء وحاكم كلّ نزاع، فإنّه الذي يجب علينا أن نصدّق به، وندفع عنه الطعن من ربوبيّته.

(لَا تَضْبِطُهُ الْعُقُولُ)

أي لا تحيط بمائيّته.

(وَلَا يَبْلُغُهُ‏

(1)

الْأَوْهَامُ).

جمع وَهْم، وهي خطرات القلوب؛ أي ليس ممّا يلمع للقلوب ثمّ يغيب عنها، كما في بعض الأشياء الدقيقة. أو المراد: لا يُدرك شخصه على الوجه الجزئي، أو الجاري مجراه، كما في تخيّل البلاد البعيدة.

(وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ)

أي أبصار العيون بقرينة المقابلة. ويحتمل أن يُراد الأعمّ منها ومن أبصار القلوب، فيكون تعميماً بعد تخصيص.

(وَلَا يُحِيطُ بِهِ)

أي لا يستوعبه.

(مِقْدَارٌ).

أكثر ما يطلق المقدار على الكمّ المتّصل؛ أي ليس محسوساً بغير البصر

____________

(1). في الكافي المطبوع: «لا تبلغه».

199

أيضاً؛ لأنّه لا يمكن إلّافيما له مقدار. وقوله:

(عَجَزَتْ دُونَهُ الْعِبَارَةُ، وَكَلَّتْ دُونَهُ الْأَبْصَارُ، وَضَلَّ فِيهِ تَصَارِيفُ الصِّفَاتِ)،

نشرٌ على ترتيب اللفّ؛ فالاولى ناظرة إلى عدم ضبط العقول وعدم بلوغ الأوهام؛ أي لا يبلغ التعبير مائيّته، أو ولا شخصه. والثانية ناظرة إلى عدم إدراك الأبصار. والثالثة ناظرة إلى عدم إحاطة المقدار.

والصفات جمع الصفة بالمعنى المصدري؛ أي بيانه باسم جامد محض، كما أنّ «التصاريف» جمع التصريف بمعنى التغيير. وإنّما سمّي مراتب الصفات تغييراتٍ؛ لأنّ الواصف له بمرتبة من الوصف إذا وصفه وصفاً آخر، انتقل من مرتبة إلى اخرى، فغيّر صفة، أي مرتبة من صفته إلى صفة اخرى، أي مرتبة اخرى فوقها.

(احْتَجَبَ)

أي اختفى هذا الخفاءَ الشديد.

(بِغَيْرِ حِجَابٍ).

الحَجْب: المنع عن الدخول؛ وحجاب الملك: ما يمنع الغير عن الدخول إليه بغير إذنه، سواء كان بوّاباً أو ستراً، أو غير ذلك.

(مَحْجُوبٍ)؛

صفةٌ. وفيه إشارة إلى أنّ شدّة احتجاب ملوك أهل الدنيا لا يكون إلّا بتعدّد الحُجّاب.

(وَاسْتَتَرَ بِغَيْرِ سِتْرٍ).

هو ما يسدَل على باب البيت الذي فيه الإنسان؛ لمنع الغير عن النظر إليه، أو لنحو ذلك. (1)

(مَسْتُورٍ).

هذا أيضاً صفة، ومعناه ظاهر ممّا مرّ.

(عُرِفَ بِغَيْرِ رُؤْيَةٍ)؛

بضمّ الراء وسكون الهمزة، أي عرف ربوبيّته من غير أن يكون مرئيّاً، بل بالعلامات.

(وَوُصِفَ بِغَيْرِ صُورَةٍ).

ليس الباء صلة للوصف، بل للسببيّة؛ أي لا بسبب صورة وهي بدن الإنسان ونحوه ممّا هو مجوّف؛ أي من غير أن يكون له صورة يوصف على حسبها، بل يوصف على استجماعه لصفات الكمال.

____________

(1). في حاشية «أ»: «الستر- بالكسر-: واحد الستور. والأستار- وبالفتح- مصدر قولك: سترت الشي‏ء: إذا غطيته».

200

(وَنُعِتَ).

النعت بيان ما يختصّ به تعالى، ككونه خالق كلّ شي‏ء. والوصف أعمّ، فيتناول نحو العلم.

(بِغَيْرِ جِسْمٍ)

أي لا بسبب شي‏ء مصمت غير مجوّف.

(لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ

(1)

الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ).

أصله: المتعالي، حذفت الياء اكتفاءً بالكسرة، ثمّ يحذف الكسرة في الوقف.

الرابع:

(مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُكَيمٍ‏

(2)

بضمّ المهملة، وفتح الكاف.

(قَالَ: وَصَفْتُ)

أي مدحت‏

(لِأَبِي إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) قَوْلَ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ)

أي ما يُنسَب إليه من أنّه تعالى صورة.

(الْجَوَالِيقِيِّ):

بيّاع الجواليق، بفتح الجيم، جمع جُوالَق بضمّ الجيم وفتح اللام، معرّب «جوال» وهو وعاء يُنسج من الصوف أو الشعر، ويُقال له: اللبيد. (3)

(وَحَكَيْتُ لَهُ قَوْلَ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، إنَّهُ)؛

بالكسر، مقول قول؛ أو بالفتح، بدل «قول».

(

جِسْمٌ‏

). ذِكْر الوصف في الأوّل والحكاية في الثاني مبنيّ على‏ (4) أنّ ابن حكيم كان من أصحاب أبي الخطّاب، وتوهّم أنّ ابن سالم يوافقه في التشبيه والصورة معاً، وأنّ ابن حكيم يوافقه في التشبيه ويخالفه في الصورة. ويجي‏ء في شرح سادس الباب أنّ الهشامين بريئان من هذين القولين.

(فَقَالَ:

(5)

لَايُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ، أَيُّ فُحْشٍ أَوْ خَناً).

الخنا- بفتح المعجمة والنون والقصر-:

الهلاك. وخنا الدهر: آفاته.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «اللَّه».

(2). في الكافي المطبوع: «حكيم» بفتح الحاء وكسر الكاف.

(3). النهاية، ج 1، ص 287 (جلق)؛ لسان العرب، ج 3، ص 388 (لبد).

(4). في «ج»:+/ «المراد بالوصف هنا المدح و».

(5). في الكافي المطبوع:+/ «إنّ اللَّه تعالى».

201

(أَعْظَمُ مِنْ قَوْلِ مَنْ يَصِفُ خَالِقَ الْأَشْيَاءِ بِجِسْمٍ)

أي بأنّه جسم.

(أَوْ صُورَةٍ، أَوْ بِخِلْقَةٍ، أَوْ بِتَحْدِيدٍ)

أي تمييز أعضائه بعضها عن بعض.

(وَأَعْضَاءٍ؟ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً).

الخامس:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ رَفَعَهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَرَجِ الرُّخجِيِّ)؛

بضمّ المهملة وفتح المعجمة والجيم، نسبة إلى قرية بكرمان. (1) قال المطرزي في المغرب: «الرخج إعراب رخذ بوزن زفر، اسم كورة استولى عليها الترك». (2)

(قَالَ: كَتَبْتُ إِلى‏ أَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام) أَسْأَلُهُ عَمَّا قَالَ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ فِي الجِسْمِ)

. هو أنّ الجسم أولى بالفاعليّة من الصورة على تقدير التشبيه؛ لأنّه أبسط.

(وَهِشَامُ بْنُ سَالِمٍ فِي الصُّورَةِ).

هو أنّ الصورة أولى بالفاعليّة من الجسم على تقدير التشبيه؛ لأنّها أشرف.

(فَكَتَبَ (عليه السلام): دَعْ عَنْكَ حَيْرَةَ الْحَيْرَانِ، وَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، لَيْسَ الْقَوْلُ مَا قَالَ الْهِشَامَانِ).

حيرة الحيران عبارةٌ عن الفكر في أمثال هذا من الوهميّات التقديريّة، فإنّه لا ينفع في الدين ولا في الدنيا. فالمراد بالقول القول النافع، و «ما» موصولة.

السادس:

(مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ:

سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ ظَبْيَانَ)؛

بفتح المعجمة، وسكون الموحّدة، والخاتمة.

(يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلى‏ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ يَقُولُ قَوْلًا عَظِيماً).

هذا من تخليط يونس بن ظبيان وسوء فهمه، فإنّه كان من أصحاب أبي الخطّاب محمّد بن مقلاص، وكان أبو الخطّاب يدّعي لأبي عبداللَّه (عليه السلام) الربوبيّة، ولنفسه الرسالة، فكان‏

____________

(1). قال البكري الأندلسي في معجم ما استعجم، ج 2، ص 646: «رخج بضمّ أوّله وتشديد ثانيه بعده جيم: كورة من‏كور فارس، وأصله بالفارسية: رخذ، فعرّب». وفي لسان العرب، ج 2، ص 283: «كورة: مدينة من نواحي كابل، معرب رفو». ونقل في تاج العروس، ج 3، ص 383 أنّها قرية ببغداد.

(2). حكاه عن المغرب المازندراني في شرح اصول الكافي، ج 3، ص 229.

202

قائلًا بالصورة من مذهبي التشبيه، (1) وكان هشام بن الحكم يدفع مذهبه، بأنّه لو صحّ التشبيه لكان اللَّه جسماً، لا صورة؛ لأنّ الأشياء حينئذٍ شيئان إلى آخره، وحاصله: أنّ الجسم أبسط من الصورة، فهو أولى بالفاعليّة، وهي أولى بالمفعوليّة، وكان هشام بن سالم يعارضه ويقول: الصورة أولى بالفاعليّة حينئذٍ؛ لأنّها أشرف كما ذكر في شرح السابق.

والقرينة على هذا أشياء:

الأوّل: قوله (عليه السلام): «والصورة محدودة متناهية» وذلك لأنّ هشاماً لم يذهب إلى الصورة بل أبطلها.

الثاني: قول يونس: «فما أقول» فإنّه يدلّ على أنّ يونس كان قائلًا بالصورة.

الثالث: قوله (عليه السلام): «كما يقولون»، فإنّ الضمير لأبي الخطّاب وأصحابه، ولو كان المقصود إبطال مذهب هشام كان بدله «كما يقول».

ويظهر بهذا أنّ قوله (عليه السلام): «ويله»، إن كان بالضمير ومنادى مضافاً، كان للتعجّب من مهارة هشام في الكلام، نظير قولهم: ويل امّه مِسعر حربٍ؛ (2) تعجّباً من الشجاعة؛ وإن كان بالتاء كان مرفوعاً، على أنّه خبر مبتدأ محذوف؛ أي هذا الكلام من هشام ويلة وفضيحة لمذهبكم في الصورة؛ فالاستفهام في قوله: «أما علم» إنكاري؛ واللَّه أعلم.

(إِلَّا أَنِّي أَخْتَصِرُ لَكَ مِنْهُ أَحْرُفاً، يَزْعَمُ‏

(3)

أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ شَيْئَانِ)

أي منحصرة في شيئين لا ثالث لهما.

(جِسْمٌ، وَفِعْلُ الْجِسْمِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ).

الفاء للترتيب الذكري.

(الصَّانِعُ)

أي لفظ الصانع.

(بِمَعْنَى الْفِعْلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ‏

) أي الفاعل لغيره، أو للممكنات.

____________

(1). الملل والنحل، ج 1، ص 179 (الخطابية).

(2). قال ابن الأثير في النهاية، ج 2، ص 367: «في حديث أبي بصير: «ويل امّه مسعر حرب لو كان له أصحاب» يقال: سعرت النار والحرب: إذا أو قدتهما. وسعرتهما بالتشديد للمبالغة. والمسعر والمسعار: ما تحرك به النار من آلة الحديد. وانظر ج 5، ص 236. والمراد التعجّب من شجاعته.

(3). في الكافي المطبوع: «فزعم».

203

(فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «وَيْلَهُ،

(1)

أَمَا عَلِمَ أَنَّ الْجِسْمَ مَحْدُودٌ مُتَنَاهٍ).

الحدّ: المنع. ومنتهى الشي‏ء، والتناهي: البلوغ إلى منتهى؛ يعني لكلّ جسم مقدار خاصّ ليس مقداره لازماً لذاته عقلًا، فهو محدود؛ أي ممنوع عن الزيادة لم يتجاوز عن حدّه. و «متناه» أي بالغ حدّه لم يتقاصر عن حدّه مع إمكان التجاوز والتقاصر فيه بالنسبة إلى ذاته.

أمّا أنّ لكلّ جسم مقداراً خاصّاً، فلبراهين تناهي الأبعاد.

وأمّا أنّه ليس مقداره لازماً لذاته عقلًا، فلأنّ كلّ جسم إمّا مفرد وإمّا مركّب من المفردات، والجسم المفرد إمّا مركّب من أجزاء لا تتجزّى، وإمّا متّصل واحد قابل للقسمة الوهميّة لا إلى نهاية. والأوّل باطل لأدلّة إبطال الجزء الذي لا يتجزّى، والثاني ليس مقداره لازماً لذاته عقلًا؛ لأنّ نصفه الوهمي مثلًا إذا حصل في الوهم يحمل عليه تمام مهيّة الكلّ، ولا يحمل عليه مقدار الكلّ، ولا الوجود الخارجي، ولا التشخّص الخارجي.

إن قلت‏

: عدم لزوم المقدار لا يدلّ على كلّ من المحدوديّة والتناهي بل على أحدهما.

قلت‏

: أحدهما كافٍ في المدّعى هنا، وإنّما ارتكب الزيادة في الدعوى للإشارة إلى أنّ كلّاً منهما يستلزم الآخر؛ لتشابه المقادير في تمام المهيّة (2) ضرورةً.

(وَالصُّورَةَ مَحْدُودَةٌ مُتَنَاهِيَةٌ؟).

زيادة هذا للإشارة إلى ردّ قول هشام الجواليقي أيضاً.

(فَإِذَا احْتَمَلَ الْحَدَّ، احْتَمَلَ).

الفاء للتفريع، والضميران للَّه‏تعالى.

(الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ).

احتمال الحدّ إنّما يستلزم احتمال الزيادة أوّلًا، واحتمال النقصان ثانياً، بناءً على أنّ كلّاً منهما يستلزم الآخر كما مرّ آنفاً.

والمراد بالزيادة التخلخل الحقيقي، وبالنقصان التكاثف الحقيقي، فلا يتغيّر معهما التشخّص. أو المراد بهما ما يعمّهما وما يتغيّر معه التشخّص.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «ويحه».

(2). في «ج»: «الماهية».

204

(وَإِذَا احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، كَانَ مَخْلُوقاً)

أي كان تعيين هذا القدر دون قدر آخر مع احتمال الطبيعة المشتركة لكلّ منهما مستنداً إلى خارجٍ عن هذا الجسم مدبّرٍ؛ لأنّه لا يمكن أن يكون ذلك مستنداً إلى الطبيعة؛ لما مرّ من اشتراكها (1) بين الجميع، ولا إلى موجبٍ آخَرَ؛ لتشابه المقادير في تمام المهيّة.

(قَالَ: قُلْتُ: فَمَا أَقُولُ؟ قَالَ: لَاجِسْمٌ)

أي لا هو جسم، كما مضى في شرح أوّل الباب.

(وَلَا صُورَةٌ، وَهُوَ مُجَسِّمُ الْأَجْسَامِ، وَمُصَوِّرُ الصُّوَرِ، لَمْ يَتَجَزَّأْ)

أي غير منقسم، لا في وجود، ولا في عقل، ولا في وهم؛ لما مرّ آنفاً من أنّ المخلوقيّة لازمة للقسمة.

(وَلَمْ يَتَنَاهَ، وَلَمْ يَتَزَايَدْ، وَلَمْ يَتَنَاقَصْ، لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُونَ)؛

بصفة الخطاب أو الغيبة.

(لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ فَرْقٌ)

أي كان الخالق مخلوقاً.

(وَلَا بَيْنَ الْمُنْشِئِ وَالْمُنْشَا)

أي كان المنشئ منشأ. وإنّما ذكر ذلك لأنّ الخالق بحسب المفهوم أعمّ من المنشئ؛ لأنّ الخالق المدبّر، والمنشئ المحدث.

(لكِنْ هُوَ الْمُنْشِئُ)

أي ليس غيره منشئَ جسم، وفاعلًا بلا علاج.

(فَرَّقَ)؛

بصيغة الماضي المعلوم من باب نصر، والجملة استئناف بياني.

(بَيْنَ مَنْ جَسَّمَهُ)

بأن جعل بعضه صغيراً وبعضه أصغر، وبعضه كبيراً وبعضه أكبر.

واختار لفظة «من» على‏ (2) «ما» لأجل أنّهم جعلوه‏ (3) جسماً عالماً، فأفاد أنّه الفارق بين الأجسام العالمة، وفيه دلالة على نفي تجرّد النفس الناطقة.

(وَصَوَّرَهُ)

أي جعل بعضه على صورة حسنة، وبعضه على صورة شوهاء، ويقال: إنّ الأرواح على صور الأبدان، فتسمّى حين المفارقة أبداناً مثاليّة (4).

(وَأَنْشَأَهُ)

أي جعل إنشاء بعضه مقدّماً، وبعضه مؤخّراً.

(إِذْ كَانَ لَايُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ، وَلَا يُشْبِهُ هُوَ شَيْئاً).

ظرف للحصر المفهوم من قوله: «لكن‏

____________

(1). في «ج»: «اشتراكهما».

(2). في «ج»:+/ «بعضه».

(3). في «ج»: «جعلوا».

(4). انظر عمدة القاري، ج 19، ص 33 ذيل الآية: «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ».