الشافي في شرح الكافي - ج2

- خليل بن غازي‏ القزويني المزيد...
582 /
205

هو المنشئ» إلى آخره. والفعلان بصيغة المضارع المعلوم من باب الإفعال، أي لو أشبهه شي‏ء في التجرّد ونفوذ الإرادة، لأمكن أن يكون فارقاً شريكاً للَّه، فلا يصحّ الحصر.

وفيه دلالة على عدم مجرّد سوى اللَّه، ولو أشبه هو شيئاً في الجسميّة لكان منشأ مفروقاً، لا فارقاً.

السابع:

(مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْحَمَّانِيِّ).

منسوبٌ إلى حمّان- بفتح المهملة وشدّ الميم والنون- اسم رجل. وقيل في ترجمة يحيى بن عبد الحميد: الحمّاني بكسر المهملة (1).

(قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليهما السلام): إِنَّ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ زَعَمَ)

أي ادّعى وقتاً ما قبل وصوله إلى مجلس أبي عبداللَّه (عليه السلام)، ولو كان المراد بقاءَه عليه لكان القدح راجعاً إلى الحسن؛ لأنّه نسب إليه ما ليس فيه، واتّقاه الإمام، أو لنحو ذلك.

(أَنَّ اللَّهَ تَعَالى‏

(2)

جِسْمٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ، عَالِمٌ، سَمِيعٌ، بَصِيرٌ، قَادِرٌ، مُتَكَلِّمٌ، نَاطِقٌ)

أي باللسان، فهو أخصّ من المتكلّم.

(وَالْكَلَامُ وَالْقُدْرَةُ وَالْعِلْمُ يَجْرِي مَجْرى‏ وَاحِدٍ، لَيْسَ شَيْ‏ءٌ مِنْهَا مَخْلُوقاً. فَقَالَ (عليه السلام): قَاتَلَهُ اللَّهُ).

قد يُراد بهذا «عاداه» أو «لعنه». وقد يُراد به التعجّب من الشي‏ء، كقولهم: تَرِبَت يداه‏ (3). ولا يُراد به حينئذٍ وقوع الأمر. والمراد به هنا الأخير. وإن اريد أحد الأوّلين، فضمير «قاتله» راجع إلى القائل بهذا القول حين هو قائل به، لا مطلقاً. و «فاعَلَ» يكون بين اثنين في الغالب، وقد يكون للواحد ك «سافرت» و «طارقت».

____________

(1). في حاشية «أ»: «القائل ميرزا محمّد في باب الكنى (منه دام ظله)».

(2). في الكافي المطبوع:-/ «تعالى».

(3). قال ابن الأثير في النهاية، ج 1، ص 184: «عليك بذات الدين تربت يداك قرب الرجل إذا افتقر، أي لصق‏بالتراب. وأترب: إذا استغنى‏. وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب ولا وقوع الأمر به كما يقولون: قاتله اللَّه. وقيل: معناها: للَّه‏درك. وقيل: أراد به المثل ليري المأمور بذلك الجدّ، وإنّه إن خالفه فقد أساء».

206

(أَ مَا عَلِمَ أَنَّ الْجِسْمَ مَحْدُودٌ)

أي فيناقض قوله بالجسميّة قولَه: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» كما مرّ في سادس الباب.

(وَالْكَلَامَ).

منصوبٌ معطوف على الجسم.

(غَيْرُ الْمُتَكَلِّمِ؟).

معطوفٌ على «محدود» يعني أنّ الكلام زائد على ذات المتكلِّم؛ لأنّه من صفات الفعل، فليس كالقدرة والعلم، فإنّهما من صفات الذات وعين ذاته تعالى، فالكلام مخلوق دونهما. لمّا كان إبطال كونه جسماً مشتملًا على إبطال كونه ناطقاً، لم يتعرّض له هنا صريحاً.

(مَعَاذَ اللَّهِ).

مصدرٌ مضاف، معناه: أعوذ باللَّه معاذاً.

(وَأَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِنْ هذَا الْقَوْلِ).

لم يقل هذا القائل إشارةً إلى رجوعه عنه.

قوله:

(لَا جِسْمٌ، وَلَا صُورَةٌ، وَلَا تَحْدِيدٌ)،

لإبطال الجسميّة.

وقوله:

(وَكُلُّ شَيْ‏ءٍ سِوَاهُ مَخْلُوقٌ)،

لإبطال كون الكلام كالعلم والقدرة.

وقوله:

(إِنَّمَا يُكَوَّنُ‏

(1)

الْأَشْيَاءُ بِإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، مِنْ غَيْرِ كَلَامٍ، وَلَا تَرَدُّدٍ فِي نَفَسٍ)؛

بفتح الفاء.

(وَلَا نُطْقٍ بِلِسَانٍ)،

لإبطال كونه ناطقاً.

الثامن:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ يُونُسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ:

وَصَفْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام) قَوْلَ هِشَامٍ الْجَوَالِيقِيِّ وَمَا يَقُولُ فِي الشَّابِّ الْمُوَفَّقِ).

مضى في ثالث العاشر. (2)

(وَوَصَفْتُ لَهُ قَوْلَ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَايُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ).

معناه ظاهر ممّا مضى في أحاديث الباب. ومعنى «يقول»: ينسب إليه أنّه يقول. وبالجملة جلالة قدر الرجلين يوجب تأويل الأحاديث إمّا بما ذكرنا، أو بنحو ذلك؛ للأحاديث الصريحة المعارضة؛ والعلم عند اللَّه.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «تُكَوَّنُ».

(2). أي الحديث 3 من باب النهي عن الصفة بغير ماوصف به نفسه تعالى.

207

باب صفات الذات‏

الباب الثاني عشر بَابُ صِفَاتِ الذَّاتِ‏

فيه ستّة أحاديث.

أي صفات له تعالى وجوديّةٌ ليس لها مصداقٌ موجودٌ في نفسه في الخارج إلّاذاته تعالى، فيمتنع اتّصافه تعالى بضدّها، أو يُقال: صفات له وجوديّة يمتنع انفكاكها عنه تعالى.

وسيجي‏ء بيان الحدّين في ذيل «باب الإرادة أنّها من صفات الفعل».

الأوّل:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الطَّيَالِسِيِّ)؛

بفتح المهملة والخاتمة وكسر اللام والمهملة: منسوب إلى طيالسة، جمع «الطيلسان» مثلّثة اللام، وهو ثوب معروف من صوف، والنسبة للبيع. (1)

(عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيى‏، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ- عَزَّ وَجَلَّ- رَبُّنَا،

(2)

وَالْعِلْمُ ذَاتُهُ وَلَا مَعْلُومَ).

«لم يزل» بفتح الزاي من الأفعال الناقصة. و «اللَّه» مرفوع، و «عزّ وجلّ» جملة معترضة. و «ربّنا» مرفوع بدل أو عطف بيان للَّه.

وقوله: و «العلم ذاته» جملة حاليّة اقيمت مقام خبر «لم يزل»، وهو كائناً نظير ضربي زيداً وهو قائم.

وقوله: «ولا معلوم» معطوف على الجملة الحاليّة، أو جملة حاليّة اخرى قيد للُاولى.

____________

(1). انظر لسان العرب، ج 6، ص 124 (طلس).

(2). في الكافي المطبوع: «ربَّنا» بفتح الباء.

208

ويمكن أن يكون «ربّنا» منصوباً خبر «لم يزل» فيكون راجعاً إلى ما سيجي‏ء في رابع «باب جوامع التوحيد» من قوله: «كان ربّاً إذ لا مربوب». أو مرفوعاً فاعل عزّ وجلّ، فيكون جزء الجملة المعترضة.

(وَالسَّمْعُ ذَاتُهُ وَلَا مَسْمُوعَ، وَالْبَصَرُ ذَاتُهُ وَلَا مُبْصَرَ، وَالْقُدْرَةُ ذَاتُهُ وَلَا مَقْدُورَ)

أي هذه الصفات صفات ذاته بالمعنى الذي مضى آنفاً، لو كان المراد أنّ مفهوم العلم نفس ذاته لم يكن صحيحاً؛ لأنّ مفهوم العلم متصوّر لنا، وذاته غير متصوّر لنا. ولو كان المراد أنّ لمفهوم العلم فرداً حقيقيّاً هو نفس ذاته تعالى، لم يصحّ؛ لبراهينَ: منها: أنّ مفهوم العلم مشترك معنوي بينه وبين خلقه بحمل الاشتقاق، وليس له في خلقه فرد حقيقي موجود في نفسه في الخارج، فليس له فرد حقيقي موجود في نفسه في الخارج أصلًا؛ لأنّ العقل لا يجوّز ذلك الاختلاف في المشترك المعنوي، وإلّا لجوّز أن يكون جسم أبيضَ ببياض ليس له فرد حقيقي موجود في نفسه في الخارج.

وتفصيل ذلك في الحاشية (1) الاولى من حواشينا على عدّة الاصول. (2)

(فَلَمَّا أَحْدَثَ الْأَشْيَاءَ وَكَانَ)؛

تامّة.

(الْمَعْلُومُ، وَقَعَ الْعِلْمُ مِنْهُ عَلَى الْمَعْلُومِ).

المراد بوقوع العلم على المعلوم تجدّد نسبةٍ بين العلم والمعلوم، لولا تحقّقها لم يكن العلم علماً به. وقد يعبّر عن هذا الوقوع بالعلم، وقس على هذا وقوع البصر وغيره.

ويمكن أن يُراد بالوقوع تجدّد وجود متعلّقه في الخارج على حسب ما تعلّق به.

وكأنّ هذا إشارة إلى تفسير آيات، ودفع الإشكال عنها مثل قوله تعالى: «لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى‏» (3)، وقوله: «وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ» (4)، وقوله: «فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ» (5) بأنّ العلم يُطلق‏

____________

(1). في «ج»: «حاشية».

(2). الحاشية الاولى للمصنّف على العدّة غير مطبوعة.

(3). الكهف (18): 12.

(4). آل عمران (3): 142.

(5). الفتح (48): 18.

209

على معنيين: أحدهما: من صفات الذات. والآخر: من صفات الفعل، وهو وقوع العلم بالمعنى الأوّل على المعلوم.

وإشارة أيضاً إلى ردّ ما يزعمه الفلاسفة من أنّ علمه تعالى حضوري لا يمكن إلّا بوجود المعلوم في الخارج، ومن أنّه تعالى لا يعلم الجزئيّات إلّاعند وقوعها، فأمّا قبل ذلك فإنّه لا يعلم إلّاالمهيّة. (1)

وإشارة أيضاً إلى ردّ ما يزعمه اليهود والفلاسفة حيث قالوا: إنّ اللَّه تعالى فرغ من الأمر بل علمه واقع على معلومه أزلًا وأبداً في ظرف الدهر، قالوا: أوعية الوجود ثلاثة:

السرمد، والدهر، والزمان، (2) وإثبات البداء للَّه‏تعالى لإبطال ذلك، كما يجي‏ء في أحاديث «باب البداء». (3)

(وَالسَّمْعُ عَلَى الْمَسْمُوعِ).

يعبّر عن وقوع السمع على المسموع بالسماع.

(وَالْبَصَرُ عَلَى الْمُبْصَرِ).

يعبّر عن هذا الوقوع بالإبصار.

(وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْمَقْدُورِ).

إن قلت‏

: تحقّق المقدور ليس محقّقاً لكون القدرة قدرةً؛ فإنّها متعلّقة بالنقيضين.

قلت‏

: ذلك بانضمام الحكمة، فإنّ الحكيم لو لم يفعل ما يقتضيه المصلحة، كان لعدم قدرته عليه.

(قَالَ: قُلْتُ: فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُتَحَرِّكاً؟).

الفاء للتفريع، ويمكن أن يكون هذا بطريق الاستفهام، وأن يكون بطريق الحكم.

والمراد بالحركة الانتقال من صفة إلى اخرى. توهّم السائل أنّ العلم إذا كان أزليّاً ووقوعه على المعلوم حادثاً، كان اللَّه منتقلًا من علمٍ إلى آخر، وهذا مبنيّ على أنّ العلم‏

____________

(1). حكاه في شرح نهج البلاغة، ج 7، ص 23 عن أرسطوطاليس؛ والإيجي في المواقف، ج 3، ص 108 عن الفلاسفة؛ والجرجاني في شرح المواقف، ج 8، ص 74.

(2). شرح المقاصد، ج 1، ص 191.

(3). الكافي، ج 1، ص 146.

210

بأنّ الشي‏ء سيوجد غير العلم بوجوده حين يوجد، ويزول الأوّل بالثاني وذلك لتغاير المعلومين، وكذا العلم بأنّ الشي‏ء وجد قبل ذلك غير العلم بوجوده حين وجد، ويزول الثاني بالأوّل، فالعلم بالشي‏ء بأنّه سيقع بعد عشر سنين غير العلم بأنّه سيقع بعد خمس سنين مثلًا، ويلزم من ذلك أن يكون اللَّه تعالى منتقلًا أزلًا وأبداً من علمٍ إلى آخر، وقس على ذلك الانتقالَ من سمعٍ إلى سمع، ومن بصرٍ إلى بصر، ومن قدرةٍ إلى قدرة. ويمكن أن يكون توهّم السائل مخصوصاً بالعلم، فإنّ هذا التوهّم في غيره بعيد جدّاً.

(قَالَ: فَقَالَ: تَعَالَى اللَّهُ‏

(1)

).

حاصله أنّ العلم بأنّ الشي‏ء سيقع عين‏ (2) العلم بوقوعه حين يقع، وكذا السمع والبصر والقدرة. والدليل عليه أنّ زوال علم لا يمكن إلّابالجهل بما علمه بذلك العلم، واللَّه يتعالى عن ذلك، وكذا زوال سمع وبصر وقدرة إنّما يكون بصمّ وعمى‏ وعجز تقابلها، وأمّا الانتقال في حصص العلم- مثلًا- المختلفةِ باختلاف أمرٍ خارجٌ عن العلم والمعلوم، كالأزمنة الغير المتناهية، فهذا غير متنازع فيه.

(إِنَّ الْحَرَكَةَ)

أي انتقال اللَّه من صفة إلى صفة

(صِفَةٌ)؛

بالتنوين.

(مُحْدَثَةٌ)؛

بصيغة اسم المفعول من باب الإفعال، مرفوعٌ نعت «صفة».

(بِالْفَعْلِ‏

(3)

).

بفتح الفاء وسكون المهملة مصدر باب منع؛ أي بالتأثير. وهذا إشارة إلى أنّه يمتنع أن يكون القديم موجوداً بتأثير مؤثّر ضرورةً، فالزنادقة والأشاعرة القائلون بتعدّد القدماء مكابرون لمقتضى عقولهم لشُبه واهية، ومعارضات وهميّة. وإلى هذا اشير فيما رواه ابن بابويه في توحيده في باب مجلس الرِّضا (عليه السلام) مع سليمان المروزي إلى آخره، حيث قال: ثمّ قال الرضا (عليه السلام): «يا سليمان، أسألك مسألة» قال: سَلْ جعلت فداك، قال: «أخبرني عنك وعن أصحابك يكلِّمون‏ (4) الناس بما يفقهون ويعرفون، أو بما لا يفقهون ولا يعرفون؟» قال: بل بما يفقهون ويعلمون، قال الرضا (عليه السلام): «فالذي يعلم الناس أنّ المريد غير الإرادة، وأنّ المريد قبل الإرادة، وأنّ الفاعل قبل المفعول، وهذا يبطل‏

____________

(1). في الكافي المطبوع:+/ «عن ذلك».

(2). في «ج»: «حين».

(3). في الكافي المطبوع: «بالفِعل» بكسر الفاء.

(4). في المصدر: «تكلّمون».

211

قولكم: إنّ الإرادة والمريد شي‏ءٌ واحد». (1)

(قَالَ: قُلْتُ: فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُتَكَلِّماً؟).

توهّم من أزليّة العلم ونحوه أزليّةَ التكلّم، قياساً على العلم ونحوه.

(قَالَ: فَقَالَ: إِنَّ الْكَلَامَ صِفَةٌ مُحْدَثَةٌ لَيْسَتْ بِأَزَلِيَّةٍ، كَانَ اللَّهُ- عَزَّ وَجَلَّ- وَلَا مُتَكَلِّمَ)

؛ بكسر اللام أو فتحها، بمعنى المتكلّم به أو المصدر.

ولم يقل: إنّ التكلّم صفة محدثة إشارةً إلى أنّ المتكلّم قد يُطلق على القادر على الكلام، وقد يُطلق على العالم بمعاني الكلام، ولا نزاع لنا في أزليّتهما، لكنّهما داخلان في صفة القدرة والعلم، وما نحن فيه التكلّم بمعنى إحداث الكلام ليصير صفة اخرى، والكلام صفة حادثة؛ فالتكلّم المساوق له حادث البتّة.

الثاني:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْ‏ءَ غَيْرُهُ)،

أي لا شي‏ء موجود في الخارج في نفسه غيره.

(وَلَمْ يَزَلْ عَالِماً بِمَا يَكُونُ؛ فَعِلْمُهُ بِهِ)

أي بما يكون‏

(قَبْلَ كَوْنِهِ كَعِلْمِهِ بِهِ بَعْدَ كَوْنِهِ)

أي ليس بينهما تفاوت بالزيادة والنقصان، ولا بالإجمال والتفصيل. والإشارات فيه كما في أوّل الباب.

الثالث:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيى‏، عَنِ الْكَاهِلِيِّ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلى‏ أَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام): فِي دُعَاءٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مُنْتَهى‏ عِلْمِهِ؟)

أي حمداً ينتهي منتهى علمه.

(فَكَتَبَ إِلَيَّ: لَاتَقُولَنَّ مُنْتَهى‏ عِلْمِهِ؛ فَلَيْسَ لِعِلْمِهِ مُنْتَهىً، وَلكِنْ قُلْ: مُنْتَهى‏ رِضَاهُ).

علومه تعالى غير متناهية؛ لعدم تناهي المفهومات، ولا يبطله برهان التطبيق ونحوه، فإنّها إنّما تبطل «لا تناهي» ما له مجموع، وهو الموجود في نفسه في الخارج، فلا يبطل‏

____________

(1). التوحيد، ص 446، باب مع سليمان المروزي، ح 1.

212

الموجودات الرابطيّة في الخارج، ولا الثابتات في الخارج المعدومة فيه، ولتفصيله محلّ آخر، ورضاه تعالى متناه، فإنّ الرِّضا إنّما يحصل بفعل المكلّف به وهو متناه.

ومناسبة الحديث بالباب باعتبار أنّه يدلّ على أنّ العلم من صفات الذات، إذ لو كان من صفات الفعل لكان متناهياً؛ إذ الحوادث الموجودة في الخارج في نفسها متناهية.

الرابع:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ: أَنَّهُ كَتَبَ إِلى‏ أَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام) يَسْأَلُهُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: أَ كَانَ يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ أَنْ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ).

اشتهر بين الناس شُبَهٌ في العلم التفصيلي له تعالى بكلّ شي‏ء أزلًا وأبداً، وهي الباعثة على هذا السؤال.

(وَكَوَّنَهَا).

الخلق: التقدير، وهو أعمّ من التكوين، وكلّ منهما حادث؛ أمّا التكوين فظاهر، وأمّا الخلق فقط، فلأنّه حينئذٍ عبارة عن فعل أو ترك يعلم تعالى معه صدور فعل أو ترك عن العبد باختياره، وأنّه لولاه لم يصدر عن العبد ذلك، والترك كالفعل تابع للداعي ومصنوع، فكلّ منهما حادث كما مرّ في شرح «باب حدوث العالم». ولا ينافي هذا كونُ عدم الفعل الأزليّ غير تابع للداعي.

(أَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذلِكَ حَتّى‏ خَلَقَهَا وَأَرَادَ خَلْقَهَا وَتَكْوِينَهَا).

يدلّ على أنّ الإرادة مع المراد، لا قبله.

(فَعَلِمَ مَا خَلَقَ عِنْدَ مَا خَلَقَ،

(1)

وَمَا كَوَّنَ عِنْدَ مَا كَوَّنَ؟).

هذا ما ذهب إليه بعض الناس حين عجزه عن جواب الشّبه قال: علمه تعالى التفصيلي حادث شيئاً فشيئاً بحسب حدوث الأشياء، وهو حضوري؛ إذ حصول الصور فيه تعالى محال.

(فَوَقَّعَ بِخَطِّهِ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ تَعَالى‏

(2)

عَالِماً بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْأَشْيَاءَ كَعِلْمِهِ بِالْأَشْيَاءِ بَعْدَ مَا خَلَقَ الْأَشْيَاءَ).

____________

(1). في «ج»:-/ «عند ما خلق».

(2). في الكافي المطبوع:-/ «تعالى».

213

لم يتعرّض لدفع الشُّبه المشهورة إشارةً إلى أنّها واهية جدّاً، إذ هي مبنيّة على قواعد الفلاسفة التي هي أوهن من بيت العنكبوت، منضمّةٌ إلى معلوم هو أنّ العلم بلا شي‏ء محضٍ محالٌ.

ولقد ذكرنا الشّبه وأجبنا عنها في الحاشية الاولى من حواشينا على عدّة الاصول.

الخامس:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ، قَالَ:

كَتَبْتُ إِلَى الرَّجُلِ)

؛ هو أبو الحسن الثالث (عليه السلام)

(أَسْأَلُهُ أَنَّ مَوَالِيَكَ اخْتَلَفُوا فِي الْعِلْمِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَالِماً قَبْلَ فَعْلِ‏

(1)

بفتح الفاء، وسكون المهملة.

(الْأَشْيَاءِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَانَقُولُ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَالِماً؛ لِأَنَّ مَعْنى‏ «يَعْلَمُ» «يَفْعَلُ»).

«معنى» مضاف إلى «يَعلم» و «يفعل» بصيغة المضارع الغائب. فالمراد بالمعنى ما يرجع إليه الشي‏ء ولازمه، فالمراد بالمعنى المفهوم؛ لما علم هذا البعض أنّ العلم بلا شي‏ء محضٍ محالٌ. وتوهُّمُ أنّ المشيّة المطلقة يساوق الوجود توهُّمُ أنّ علمه تعالى بغيره لا يمكن إلّا مع وجود ذلك الغير في نفسه، وكلّ وجود الغير بفعلهِ تعالى.

(فَإِنْ).

الفاء لبيان الدلالة، أو للتفريع على الدليل.

(أَثْبَتْنَا الْعِلْمَ)

أي في الأزل‏

(فَقَدْ أَثْبَتْنَا فِي الْأَزَلِ مَعَهُ شَيْئاً)

أي موجوداً في نفسه بدون أن يكون فعله تعالى، إن جعل الفاء في «فإن» للبيان؛ أو بأن يكون فعلَه تعالى إن جُعِلت للتفريع.

(فَإِنْ رَأَيْتَ- جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ- أَنْ تُعَلِّمَنِي مِنْ ذلِكَ مَا أَقِفُ عَلَيْهِ وَلَا أَجُوزُهُ.).

جزاؤه محذوف، أي تطوّلت.

(فَكَتَبَ بِخَطِّهِ (عليه السلام): لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَالِماً تَبَارَكَ وَتَعَالى‏ ذِكْرُهُ).

لم يتعرّض لدفع الشُّبهة إشارةً إلى قبح الخوض في أمثال ذلك؛ لقيام البرهان العقلي والنقلي على علمه تعالى بكلّ شي‏ء، والشبهة لا تفيد الجزم أصلًا، وإنّما تفيد معارضة

____________

(1). في الكافي المطبوع: «فِعل» بكسر الفاء.

214

وهميّة لا يُعبَأ بها؛ لأنّ الباطل لجلج مضطرب؛ (1) أو إلى ظهور ورود المنع بأنّا لا نسلّم أنّ معنى «يعلم» «يفعل»؛ لجواز ثبوت المعدومات في الخارج.

السادس:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ سُكَّرَةَ)؛

بضمّ المهملة، وشدّ الكاف المفتوحة.

(قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُعَلِّمَنِي هَلْ كَانَ اللَّهُ- جَلَّ وَجْهُهُ-).

يجي‏ء معنى الوجه في «باب النوادر». (2)

(يَعْلَمُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ أَنَّهُ)؛

بفتح الهمزة وشدّ النون، من الحروف المشبّهة بالفعل.

(وَحْدَهُ؟)؛

بفتح الواو وسكون الحاء المهملة والدال المهملة والضمير: مصدر باب ورث، منصوبٌ عند أهل الكوفة على الظرف، أي في وحده؛ وعند أهل البصرة على المصدر، أي يحد وحده. (3) وهو على التقديرين خبر «أنّ».

(فَقَدِ اخْتَلَفَ مَوَالِيكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ كَانَ يَعْلَمُ)

أي ذلك‏

(قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئاً مِنْ خَلْقِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا مَعْنى‏ «يَعْلَمُ» «يَفْعَلُ»)

أي مرجع قولنا: «يعلم غيره» أنّ الغير موجود حتّى يكون معلوماً له، فيلزم ذلك أن يكون فعل صادراً عنه.

(فَهُوَ).

الفاء للتفريع إشارة إلى لزوم صدق هذا لما قبله.

(الْيَوْمَ)

أي حين خلق الأشياء.

(يَعْلَمُ أَنَّهُ)؛

بفتح الهمزة، من الحروف المشبّهة بالفعل.

(لَا غَيْرُهُ).

«لا غير» مرفوع على أنّه خبر «أنّ» ومضاف إلى الضمير الراجع إلى اللَّه.

والمقصود أنّه لمّا أوجد الغير، علم وجود الغير، وعلم أنّه ليس غيره، أي لم يتّحد مع‏

____________

(1). في «ج»:-/ «مضطرب».

(2). أي باب النوادر من كتاب التوحيد.

(3). انظر تفسير النسفي، ج 2، ص 288 ذيل الآية: «وَ إِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ».

215

غيره، كما توهّمه القائلون بالاتّحاد كبعض النصارى حيث قالوا: إنّ اللَّه هو المسيح بن مريم، (1) وكبعض الصوفيّة، (2) وليس له جزء محمول عليه، ولا صفة موجودة في نفسها في الخارج محمولة عليه، بناءً على اتّحاد المبدأ والمشتقّ بالذات وتغايرهما بالاعتبار.

(قَبْلَ فِعْلِ الْأَشْيَاءِ)؛

يعني أنّ العلم نحو حكاية، والحكاية حادثة، والمحكيّ أزلي.

(فَقَالُوا)

أي البعض الأخير. وضمير الجمع لرعاية جانب المعنى، والفاء للبيان، أي قالوا في بيان اللّزوم:

(إِنْ أَثْبَتْنَا أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَالِماً بِأَنَّهُ لَاغَيْرُهُ، فَقَدْ أَثْبَتْنَا مَعَهُ غَيْرَهُ فِي أَزَلِيَّتِهِ، فَإِنْ رَأَيْتَ يَا سَيِّدِي أَنْ تُعَلِّمَنِي مَا لَاأَعْدُوهُ إِلى‏ غَيْرِهِ. فَكَتَبَ (عليه السلام): مَا زَالَ اللَّهُ عَالِماً تَبَارَكَ وَتَعَالى‏ ذِكْرُهُ)

أي بكلّ شي‏ء.

وحاصله منع أنّ معنى «يعلم» «يفعل»؛ لجواز ثبوت المعدومات في الخارج بدون وجود في الخارج، وبيانه تفصيلًا في الحاشية الاولى من حواشينا على عدّة الاصول. (3)

____________

(1). حكى القرآن الكريم ذلك عنهم في الآية 17 و 72 من سورة المائدة: «لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ‏ابْنُ مَرْيَمَ ...».

(2). حكى الفاضل المقداد في اللوامع الإلهيّة، ص 160 عن جمع من المتصوّفة بحلوله في قلوب العارفين، وحكاه العلّامة في معارج الفهم، ص 360 عن بعض الصوفيّة.

(3). الحاشية الاولى على عدّة الاصول للمصنّف غير مطبوعة.

216

باب آخر و هو من الباب الأوّل‏

الباب الثالث عشر بَابٌ آخَرُ وَ هُوَ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ‏

فيه حديثان.

والفرق بين هذا الباب والباب الأوّل- أي الذي قبله- أنّ المقصود بالذات في الباب الأوّل إثبات أنّ له تعالى صفاتِ ذاتٍ، والمقصود بالذات في هذا الباب أنّ صفات ذاته تعالى عين ذاته بالمعنى الذي ذكرناه في الباب الأوّل.

الأوّل:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ حَرِيزٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ فِي صِفَةِ الْقَدِيمِ: إِنَّهُ وَاحِدٌ، صَمَدٌ، أَحَدِيُّ الْمَعْنى‏).

المراد بالمعنى: الموجود في نفسه في الخارج، فإنّه مقصود بحمل الصفات عليه، سواء كان ذاتاً أو صفةً أو جزءاً لأحدهما.

(لَيْسَ بِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ).

المراد بالمعاني هنا: الصفات الموجودة في أنفسها في الخارج المحمولة عليه تعالى، أو ما يشمل الأجزاء أيضاً، أو ما يشمل أيضاً ما يقوله أهل الاتّحاد كبعض النصارى حيث قالوا: إنّ اللَّه هو المسيح بن مريم، (1) وكبعض الصوفيّة. (2)

لمّا كان الأهمّ هنا نفيَ كون صفاته تعالى موجودة في أنفسها في الخارج، جعل نفيه استئنافاً مفسّراً ل «أحديّ المعنى»؛ أي ليس ببصير بصراً موجوداً في الخارج، ولا

____________

(1). تقدّم قبل صفحتين.

(2). تقدّم قبل صفحتين.

217

بسميع سمعاً موجوداً في الخارج، وعليه فقس.

(مُخْتَلِفَةٍ)

أي متغايرة بالذات وحقيقةً، لا متغيّرة بالاعتبار حتّى يُقال: إنّكم أيضاً قائلون بالمعاني الكثيرة؛ لأنّ ذات القديم تعالى من حيث إنّه عالم غير ذاته من حيث إنّه قادر وهو معنى.

(قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، يَزْعُمُ)

أي يدّعي‏

(قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنَّهُ يَسْمَعُ بِغَيْرِ الَّذِي يُبْصِرُ، وَيُبْصِرُ بِغَيْرِ الَّذِي يَسْمَعُ؟)

يعني ما به يسمع وما به يبصر موجودان في الخارج في نفسهما، وهما متغايران.

(قَالَ: فَقَالَ: كَذَبُوا)

في زَعمهم‏

(وَأَلْحَدُوا)

أي مالوا عن الحقّ في صفاته تعالى، إشارة إلى قوله تعالى: «وَ ذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ» (1).

(وَشَبَّهُوا)

أي شبّهوه بخلقه.

(تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذلِكَ؛ إِنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، يَسْمَعُ بِمَا يُبْصِرُ، وَيُبْصِرُ بِمَا يَسْمَعُ)

أي بنفس ذاته.

(قَالَ: قُلْتُ: يَزْعُمُونَ أَنَّهُ بَصِيرٌ عَلى‏)؛

بنائيّة أو نهجيّة.

(مَا يَعْقِلُونَهُ؟)

؛ بالمهملة والقاف.

توهّم السائل من قوله (عليه السلام): «وشبّهوا» أنّ مراده التشبيه في الجسميّة والعين والاذن، فقال: ليس مرادهم بما به يبصر العينَ، وبما به يسمع الاذنَ حتّى يلزم تشبيه، بل مرادهم أمرٌ يعقلونه، فإنّهم يقولون: إنّ ما نعقله من مفهوم البصر ليس مفهوماً اعتباريّاً، بل هو موجود في الخارج في نفسه، وهو قائم به بدون آلة وجارحة، وكذا السمع.

(قَالَ: فَقَالَ: تَعَالَى اللَّهُ)

أي هذا أيضاً تشبيه ومرادي بالتشبيه هذا.

(إِنَّمَا يُعْقَلُ مَا كَانَ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِ).

دليل على بطلان زعمهم، وحاصله أنّ البصر الذي يعقلونه مخلوق، فإنّه لا يعقل إلّاما كان مخلوقاً، فلزم التشبيه أي اتّصافه تعالى بالحوادث كخلقه، كما سيجي‏ء في سادس «باب جوامع التوحيد».

____________

(1). الأعراف (7): 180.

218

(لَيْسَ‏

(1)

اللَّهُ كَذلِكَ)

أي ليس بصيراً على ما يعقلونه، متّصفاً بما كان بصفة المخلوق.

الثاني:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ:

فِي حَدِيثِ الزِّنْدِيقِ- الَّذِي سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)- أَنَّهُ قَالَ لَهُ: وتَقُولُ:

(2)

إِنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ؟ فَقَالَ‏ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): هُوَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، سَمِيعٌ بِغَيْرِ جَارِحَةٍ، وَبَصِيرٌ بِغَيْرِ آلَةٍ، بَلْ يَسْمَعُ بِنَفْسِهِ، وَيُبْصِرُ بِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ قَوْلِي: إِنَّهُ سَمِيعٌ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ شَيْ‏ءٌ وَالنَّفْسُ شَيْ‏ءٌ آخَرُ، وَلكِنِّي أَرَدْتُ عِبَارَةً عَنْ نَفْسِي؛ إِذْ كُنْتُ مَسْؤُولًا، وَإِفْهَاماً لَكَ؛ إِذْ كُنْتَ سَائِلًا، فَأَقُولُ: يَسْمَعُ بِكُلِّهِ لَاأَنَّ كُلَّهُ لَهُ بَعْضٌ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ لَنَا لَهُ بَعْضٌ، ولكِنْ أَرَدْتُ إِفْهَامَكَ، وَالتَّعْبِيرَ عَنْ نَفْسِي، وَلَيْسَ مَرْجِعِي فِي ذلِكَ كُلِّهِ إِلَّا إِلى‏ أَنَّهُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، الْعَالِمُ الْخَبِيرُ، بِلَا اخْتِلَافِ الذَّاتِ، وَلَا اخْتِلَافِ مَعْنىً).

هذا الحديث مضى في سادس «باب إطلاق القول بأنّه تعالى شي‏ء» وفيه تفاوت لا يحتاج إلى الشرح إلّاقوله: «لأنّ الكلّ لنا له بعض»، وهو علّة للمنفيّ، أي لا يتوهّم من كون كلّنا ذا جزء كونُ كلّه ذا جزء.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «وليس».

(2). في الكافي المطبوع: «أتقول» بدل «وتقول».

219

باب الإرادة أنّها من صفات الفعل، و سائر صفات‏الفعل‏

الباب الرابع عشر بَابُ الْإِرَادَةِ أَنَّهَا مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، وَ سَائِرِ صِفَاتِ‏الْفِعْلِ‏

فيه سبعة أحاديث، وشرح من المصنّف.

أي باب بيان أنّ الإرادة من صفات الفعل أي حادثة بحدوث الفعل، فقوله: «أنّها» بفتح الهمزة بدل اشتمال للإرادة.

وقوله: «وسائر»، بالجرّ معطوف على «الإرادة» أو بالنصب معطوف على اسم «أنّ».

وتفسير صفات الفعل يجي‏ء في كلام المصنّف في ذيل الباب.

وهذا الباب لردّ ما اختاره أبو الحسين‏ (1) من أنّ الإرادة عين الداعي، (2) والأشاعرة من أنّها أمرٌ شبيه بالعزم قديم، (3) ولردّ نحو ذلك في سائر صفات فعله. ولابدّ من تحرير محلّ النزاع لئلّا يكون النزاع لفظيّاً.

فنقول: إنّ المشيئة والإرادة والكراهة والغضب والرحم والرضا والسخط والحبّ والبغض ونحو ذلك ألفاظ مستعملة لغةً وشرعاً على طبق اللغة في المخلوقات وفي الخالق تعالى بالاشتراك المعنوي، فلكلّ منها معنى لغوي هو المراد هنا، فإنّه لو اصطلح كلّ منازع على معنى غير ما اصطلح عليه الآخر، لم يكن النزاع‏

____________

(1). هو أبو الحسين البصري المتكلّم على مذهب المعتزلة الساكن في بغداد والدارس فيها، والمتوفّى سنة 436 هجريّة. تاريخ بغداد، ج 3، ص 10؛ وفيات الأعيان، ج 4، ص 271.

(2). حكاه عن أبي الحسين البصري الخواجة في تلخيص المحصّل، ص 281؛ والعلّامة في معارج الفهم، ص 299؛ والمحقّق اللاهيجي في شوارق الإلهام، ص 552 عن محقّقي المعتزلة.

(3). حكاه عنهم الخواجة في تلخيص المحصّل، ص 281؛ والعلّامة في أنوار الملكوت، ص 137.

220

معنويّاً، والذي يتلخّص من استعمالات أهل اللغة للإرادة أنّها نوع تخصيص لأحد البدلين بالوقوع.

الأوّل:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْعَطَّارُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَهْوَازِيِّ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: قُلْتُ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُرِيداً؟)

أي للعالم فيما لا يزال.

(قَالَ: إِنَّ الْمُرِيدَ)

أي لفعل نفسه‏

(لَا يَكُونُ)؛

ناقصة.

(إِلَّا لِمُرَادٍ)؛

الظرف خبر «لا يكون» لأنّ الاستثناء مفرّغ، أي إلّامريداً لمراد.

(مَعَهُ)

أي مع المريد وقت الإرادة.

إن قلت‏

: ينتقض هذا بإرادة العبد شيئاً بالعزم عليه.

قلت‏

: هذا إنّما يرد لو جعل اللام في قوله: «المريد» للجنس، وأمّا إذا جعلت للعهد الخارجي، فالمقصود بيان موضع السؤال، وهو اللَّه تعالى.

(لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَالِماً)؛

بأنّه سيوجد العالم في وقت كذا، وبوجوه المصالح والمفاسد.

(قَادِراً)

على الإيجاد في وقت سيوجده فيه، فإنّ قدرته تعالى على فعل في وقت تتقدّم عليه، بخلاف قدرة العباد. وضمّ هذا لدفع توهّم أنّ العلم ينافي القدرة، كما يجي‏ء في آخر «باب البداء».

ويحتمل أن يُراد أنّه كان قادراً في كلّ وقت من الأزل على أن يفعل العالم فيه وإنّما أخّره لعلمه بوجوه المصالح والمفاسد.

(ثُمَّ أَرَادَ)

أي العالم في وقته.

الثاني:

(مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ بَكْرِ)؛

بفتح الموحّدة مكبّراً.

(بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْجَهْمِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): عِلْمُ اللَّهِ وَمَشِيئَتُهُ)؛

بفتح الميم وكسر المعجمة وسكون الخاتمة والهمز،

221

وقد تُقلب ياءً وتُدغم بمعنى مساوق للقدر المشترك بين الخصال الأربع الاول‏ (1) من السبع المذكورة في الباب الخامس والعشرين. (2)

(هُمَا مُخْتَلِفَانِ)

أي متباينان، لا يصدق أحدهما على الآخر أصلًا.

(أَوْ مُتَّفِقَانِ؟)

أي يصدق أحدهما على الآخر في الجملة.

(فَقَالَ: الْعِلْمُ لَيْسَ هُوَ الْمَشِيئَةَ)

أي لا شي‏ء من العلم مشيئة، وإنّما عرّف الخبر لأنّ من زعم أنّهما متّفقان ذهب إلى أنّ بعض العلم كلّ المشيئة، أي كلّ مشيئة علمٌ، بدون العكس الكلّي؛ فإنّه زعم أنّ المشيئة هي الداعي، أي العلم بالمصلحة.

(أَ لَاتَرى‏ أَنَّكَ تَقُولُ: سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَا تَقُولُ: سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ عَلِمَ اللَّهُ)

أي لو كان كلّ مشيئة علماً، لاستلزم صحّةُ إن شاء اللَّه صحّةَ إن علم اللَّه، وهو غير صحيح أي على الحقيقة دون المجاز؛ فلا ينافي صحّة الحكم بحدوث علمٍ استعمل مجازاً في وقوع المعلوم، كما في قوله تعالى: «لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ» (3)، ولمّا يعلم اللَّه.

(فَقَوْلُكَ: «إِنْ شَاءَ اللَّهُ» دَلِيلٌ عَلى‏ أَنَّهُ لَمْ يَشَأْ)

أي بعض أفراد المشيئة لم يصدر عنه‏ (4) بعدُ؛ لأنّ «إن» ناقلة للماضي إلى المضارع، ولا ينافي ذلك صدور بعض أفراد المشيئة قبل ذلك، كما يجي‏ء في أوّل «باب في أنّه لا يكون» إلى آخره.

(فَإِذَا شَاءَ، كَانَ الَّذِي شَاءَ كَمَا شَاءَ).

حاصل الدليل: أنّه إن كان المنازع اصطلح على أن يقول للعلم بالمصلحة إنّها مشيئة، فلا نزاع في الاصطلاح، وإن ادّعى أنّ المشيئة بالمعنى اللغوي الذي ورد عليه القرآن والحديث ليست في اللَّه تعالى إلّاالعلم بالمصلحة، فهذا باطل؛ لأنّ العقلاء في محاوراتهم لا يستعملون المشيئة إلّافي أمرٍ متجدّد صادر عن الشائي بتبعيّة داع، ألا

____________

(1). في «ج»:-/ «الأوّل».

(2). أي في باب أنّه لا يكون شي‏ء في السماء والأرض إلّابسبعة.

(3). الكهف (18): 12.

(4). في «ج»: «عنه لم يصدر».

222

ترى أنّك، إلى آخره. (1)

إن قلت‏

: هذا الدليل يدلّ على أنّ بعض أفراد المشيئة- وهو المشيئة لفعل الغير- حادث والمنازع إنّما نزاعه في المشيئة لأفعال نفسه تعالى وتروكه.

قلت أوّلًا

: لا يمكن حدوث مشيئة لفعل غيره إلّابحدوث مشيئة له لفعل نفسه أو تركه، ألا ترى أنّك تقول: سأفعل كذا إن شاء اللَّه ما أفضى إلى فعلي، ولا تقول: إن علم اللَّه. ويجي‏ء في رابع الباب ورابع «باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين» ما يوضحه.

وثانياً

: إنّ انتفاء الفرق معلوم من استعمالات اللغة، فإنّه يتلخّص من استعمالاتها أنّها صادرة عن الشائي لداع كما مرَّ آنفاً، ولذا يقولون: إنّه تعالى قادر إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، واستعمالات القرآن على طبق ذلك، كما في قوله تعالى في سورة إبراهيم: «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ» (2).

والذي يتلخّص من استعمالات هذه اللفظة أنّ حدّها أنّها نوع تخصيص بسبب داع لأحد أمرين بينهما بدليّة بالوقوع، (3) وهو أعمّ مفهوماً من العزم والإحداث والترك، ومن الأمر والنهي، والميل والشوق والتمنّي ونحو ذلك.

ومن استعمالاتها قوله تعالى في سورة النحل: «لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ» (4)، وقوله فيها:

«وَ قالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ» (5).

(وَعِلْمُ اللَّهِ السَّابِقُ الْمَشِيئَةَ

(6)

)

؛ بالنصب على المفعوليّة لاسم الفاعل؛ لأنّه مع اللام. (7)

____________

(1). مراده من قوله: «ألاترى أنّك إلى آخره» أي: ألاترى أنّك تقول: سأفعل كذا إن شاء اللَّه، ولا تقول: سأفعل كذا إن علم اللَّه.

(2). إبراهيم (14): 19.

(3). في حاشية «أ»: «متعلّق بتخصيص (سمع)».

(4). النحل (16): 31.

(5). النحل (16): 35.

(6). في الكافي المطبوع: «للمشيئة».

(7). في حاشية «أ»: «قوله: لأنّه مع اللام، إشارةٌ إلى دفع توهّم هو أنّه لايجوز النصب هنا، لأنّ اسم الفاعل هنا ماض معنى، ومثله لا يعمل النصب على الأصحّ. وحاصل الدفع أنّ عدم الجواز إنّما هو إذا كان اسم الفاعل مجرّداً عن اللام، ولما كان هنا مع اللام جاز عمله النصب على ما بيّن في محلّه؛ فتأمّل (مهدي)».

223

و «السابق» إمّا بالموحّدة وإمّا بالهمز من ساق يسوق.

فعلى الأوّل ينبغي أن يُراد قصر علم اللَّه في السابق قصرَ قلبٍ أي ليس العلم نفس المشيئة، بل هو أمرٌ سابق عليها.

وعلى الثاني ينبغي أن يُراد قصر السائق في علم اللَّه؛ أي علم العباد ليس سائقاً لمشيئتهم. فهو إشارة إلى دليل آخر على أنّ العلم ليس هو المشيئة.

تقريره: أنّه لو كان كذلك، لامتنع بالذات انفكاك المشيئة عن العلم. وليس كذلك؛ لأنّ العلم الذي يدّعى أنّه المشيئة إمّا الداعي مطلقاً، أو الداعي القويّ. والأوّل باطل؛ لأنّ الداعيين قد يكونان متعارضين متعلّقين بطرفي الفعل والترك من جهتين، كما في قوله تعالى: «وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما» (1)، والمشيئة لا تتعلّق إلّابأحدهما. والثاني قد تتخلّف عنه المشيئة في العباد، فعلمهم بالمصلحة قد لا يسوق منعه‏ (2) المشيئة، فتتعلّق مشيّتهم بما علموا أنّ نقيضه أحسن منه، فلا يتّحدان؛ فعلم أنّ وقوع مشيئة اللَّه تعالى على طبق علمه إنّما هو لسوق علم اللَّه مشيئته بدليل خارج هو حكمته وعدله، وليس لاتّحاد العلم والمشيئة.

الثالث:

(أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيى‏، قَالَ:

قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام))

أي الرضا

(أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِرَادَةِ)

أي عن فرد الإرادة ومصداقها.

وليس المراد السؤال عن نفس مفهومها، فإنّها معلومة من اللغة كما مرّ آنفاً، والمراد إرادة الفعل، فإنّ إرادة الترك يسمّى كراهة أي للفعل، كما في قوله تعالى في سورة التوبة:

«وَ لكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ» (3)، ولأنّها العمدة، ويعلم إرادة الترك بالمقايسة.

(مِنَ اللَّهِ)

أي الصادرة من اللَّه.

____________

(1). البقرة (2): 219.

(2). في «ج»:-/ «منعه».

(3). التوبة (9): 46.

224

(وَمِنَ الْخَلْقِ؟)

أي وعن الإرادة من المخلوق، والسؤال عن إرادتهما لفعل نفسهما.

(فَقَالَ‏

(1)

: الْإِرَادَةُ مِنَ الْخَلْقِ الضَّمِيرُ).

هو الاسم من أضمرت شيئاً في نفسي: إذا أخفيته فيها.

والمراد به هنا العزم، أو الأعمّ منه ومن الميل والشوق والتمنّي والحيلة في التوسّل إلى فعل لنفسه ونحو ذلك. وليس المراد أنّه لا يمكن إرادة شي‏ء في العبد إلّابالضمير؛ فإنّه يلزم التسلسل؛ لأنّ الضمير بمعنى العزم من الأفعال الاختياريّة.

(وَمَا يَبْدُو لَهُمْ)

أي وما يتجدّد للخلق أن يفعله‏ (2) بدون لزوم واضطرار، فالعائد مستتر في «يبدو». وهو إشارة إلى أنّ الضمير لا يوجب الفعل؛ لجواز أن ينفسخ.

(بَعْدَ ذلِكَ)

أي بعد الضمير زماناً.

(مِنَ)؛

بيانيّة ل «ما».

(الْفَعْلِ‏

(3)

بالفتح، أي الإحداث للمراد.

(وَأَمَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالى‏، فَإِرَادَتُهُ إِحْدَاثُهُ)

أي إحداثه المراد.

(لَا غَيْرُ ذلِكَ)

أي لا يتحقّق فيه ضمير أصلًا.

إن قلت‏

: إذا كان مشيئته تعالى الإحداثَ، كان قولنا: إن شاء اللَّه فعل كذا لغواً؛ لاتّحاد الشرط والجزاء فيه؟

قلت‏

: المشيئة لشي‏ء أعمّ من إحداث ذلك الشي‏ء؛ لأنّها تتحقّق‏ (4) بإحداث شي‏ء آخر لأن يفضي إلى ذلك الشي‏ء كما مرَّ آنفاً، فلا اتّحاد.

(لِأَنَّهُ لَايُرَوِّئ)؛

بالمهملة وشدّ الواو والهمز، تقول: روّأت في الأمر تَرْوِئَةً وترويئاً (5) بالهمز فيهما: إذا نظرت فيه ولم تعجّل بجواب. والاسم: الرويّة، بفتح الراء وكسر الواو

____________

(1). في الكافي المطبوع: «قال: فقال» بدل «فقال».

(2). في حاشية «أ»: «يفعلوه» ظ.

(3). في الكافي المطبوع: «الفِعل» بكسر الفاء.

(4). في «ج»: «يتحقق».

(5). في «ج»: «تروئاً».

225

وشدّ الخاتمة، (1) جرت في كلامهم بغير همز، وأصلها الهمز.

(وَلَا يَهُمُّ)؛

بصيغة المعلوم من المجرّد، من همّ بالشي‏ء يَهُمُّ بالضمّ همّاً- والاسم:

الهمّة بكسر الهاء-: إذا قصده.

(وَلَا يَتَفَكَّرُ)؛

بصيغة المعلوم من باب التفعّل. والتفكّر: الانتقال من ضميرٍ إلى ضمير.

(وَهذِهِ الصِّفَاتُ مَنْفِيَّةٌ عَنْهُ، وَهِيَ صِفَاتُ الْخَلْقِ).

أي المخلوق.

(فَإِرَادَةُ اللَّهِ الْفَعْلُ هِيَ‏

(2)

بالفتح، أي الإحداث للمراد.

(لَا غَيْرُ ذلِكَ؛ يَقُولُ لَهُ)

أي للمراد:

( «كُنْ» فَيَكُونُ بِلَا لَفْظٍ، وَلَا نُطْقٍ بِلِسَانٍ)

أي استعمال القول. و «كن» على سبيل الاستعارة التمثيليّة.

(وَلَا هَمٍّ،

(3)

وَلَا تَفَكُّرٍ)؛

بالجرّ والتنوين.

(وَلَا كَيْفَ لِذلِكَ)؛

مبنيّ على الفتح، و «لا» لنفي الجنس، ويحتمل الجرّ والتنوين.

والكيف خصوصيّة موجودة في نفسها تعرض الشي‏ء، يعني لا كيف لذلك القول؛ لأنّه ليس كلاماً حقيقةً حتّى يكون موجوداً في نفسه ومحلّاً لموجود آخر، بل محض نفوذ الإرادة.

(كَمَا أَنَّهُ).

الكاف للتعليل، نحو: تجاوز اللَّه عنه كما لا يعلم. وضمير «أنّه» للَّه‏أو للشأن.

(لَا كَيْفَ لَهُ)

أي للَّه.

الرابع:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْمَشِيئَةَ بِنَفْسِهَا، ثُمَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِالْمَشِيئَةِ)

أي ليس المشيئة عين الداعي، بل هي أمرٌ تابع للداعي، وصادر بخلق وتدبير. والمشيئة: الإحداث كما مرّ في ثالث الباب.

____________

(1). لسان العرب، ج 1، ص 90 (روأ).

(2). في الكافي المطبوع: «الفِعلِ» بالكسر بدل «هي الفَعل».

(3). في الكافي المطبوع: «همّة».

226

وقد بيّن ذلك بحيث يندفع به إشكال يورد في المشهور على حدوث الإحداث، وهو أنّه لو كان كذلك، لكان أيضاً ممكناً حادثاً محتاجاً إلى إحداث آخر وهكذا، ويلزم التسلسل.

وحاصل الدفع: أنّ إحداث الإحداث بنفس ذلك الإحداث لا بإحداثٍ آخَرَ، وسرّه أنّ الصادر عن الفاعل حقيقةً هو المعلول، وليس الإحداث صادراً عنه حقيقةً، بل هو نفس المعلول لكن لا حقيقة، بل بمعنى أنّ مصداقه نفس المعلول، أي هو منتزع عن الفاعل في مرتبة صدور المعلول عنه تبعاً للداعي، فإحداث المعلول حقيقةً منسوب إليه بالعرض.

وهذا الإشكال قويّ على أبي الحسين وأتباعه الذين تبعوا الفلاسفة في أنّ الإيجاد مقدّم بالذات على المعلول، فإنّ الإحداث إذا استقلّ بمرتبة على حدة، استحال تحقّقها بدون إحداثٍ آخَرَ يتعلّق به على حدة.

فجوابهم عن الإشكال بأنّ التأثير أمرٌ اعتباري لا حاجة له إلى تأثير، إنّما يتمّ على ما بيّنّاه لا على مذهبهم.

والباء هنا مثلها في قولهم: ماهيّة الشي‏ء ما به الشي‏ء هو هو.

ولفظة «ثمّ» للتعجّب باعتبار أنّ كون إيجادٍ واحدٍ منسوباً إلى حادثين باعتبارين:

أحدهما نفسه، والآخر غيره، عجيبٌ.

واعلم أنّه يحتمل أن يكون المراد بالحديث دفع إشكال آخر هو للمعتزلة في قولنا:

ما شاء اللَّه كان، وما لم يشأ لم يكن، فإنّهم يقولون: يستحيل أن يشاء اللَّه قبيحاً.

وحاصل الدفع: أنّ خلقه تعالى متعلّق بكلّ واقع من الأفعال والتروك، لكنّه على قسمين:

الأوّل: خلقه لأفعال نفسه أو تروكه تعالى، وهو بمشيئة متعلّقة بها أوّلًا وبالذات.

الثاني: خلقه لأفعال العباد أو تروكهم، وهو بمشيئة متعلّقة بها ثانياً وبالعرض؛ فمعنى مشيئة اللَّه لمعاصي العباد أنّه خلق أشياءً بمشيئة لها أوّلًا وبالذات، وعلم أنّها يفضي إلى اختيار العباد المعاصي، فهذه المشيئة بعينها تنسب إلى المعاصي بالعرض؛ لا أنّ له تعالى مشيئةً على حدة منسوبةً على حدة إلى المعاصي.

227

وهذا الاحتمال ألصق بما روى ابن بابويه في كتاب التوحيد في «باب المشيئة والإرادة» قال: قال أبو عبداللَّه (عليه السلام): «خلق اللَّه المشيئة قبل الأشياء، ثمّ خلق الأشياء بالمشيئة». (1)

إن قلت‏

: كيف يتعلّق الخلق بالمشيئة والخلق أيضاً من صفات الفعل؟

قلت‏

: فيه مسامحة، والمراد تعلّقه بما شاء. ويمكن أن يكون المراد بالمشيئة مصداقَ المشيئة، وهو الماء الذي خلق أوّلًا، وكان مادّة سائر الأشياء، كما يجي‏ء في «كتاب الحجّة» في ثاني «باب نادر فيه ذكر الغيب». (2)

الخامس:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنِ الْمَشْرِقِيِّ)؛

بفتح الميم، وسكون المعجمة، وكسر المهملة والقاف.

(حَمْزَةَ بْنِ الْمُرْتَفِعِ)؛

بكسر الفاء.

(عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسِ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ).

هو من رؤساء المعتزلة، (3) ويجي‏ء خبث عقيدته في «كتاب الجهاد» في «باب دخول عمرو بن عبيد والمعتزلة على أبي عبداللَّه (عليه السلام)». (4)

(فَقَالَ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى‏)

في سورة طه: ( «وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى‏» (5)

مَا ذلِكَ الْغَضَبُ؟ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): هُوَ الْعِقَابُ)

أي لا الكيفيّة الموجودة في الخارج في نفسها تعتري الإنسان، وتسمّى بالطيش والنزق والخفّة ونحو ذلك.

(يَا عَمْرُو؛ إِنَّهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ زَالَ مِنْ شَيْ‏ءٍ)

أي من صفة موجودة في الخارج في نفسها هي الرحمة.

____________

(1). التوحيد، ص 339، باب المشيئة والإرادة، ح 8.

(2). الكافي، ج 1، ص 256، باب نادر فيه ذكر الغيب، ح 2.

(3). ذكره ابن حبان في المجروحين، ج 2، ص 69 وقال: «اعتزل مجلس الحسن ومعه جماعة فسمّوا المعتزلة، وكان‏يشتم أصحاب محمّد (صلى الله عليه و آله) ويكذب في الحديث».

(4). الكافي، ج 5، ص 23، باب دخول عمرو بن عبيد والمعتزلة على أبي عبد اللَّه (عليه السلام).

(5). طه (20): 81.

228

(إِلى‏ شَيْ‏ءٍ)

أي صفة موجودة في الخارج في نفسها هي الطيش.

(فَقَدْ وَصَفَهُ صِفَةَ)؛

مفعول مطلق، أو منصوب بنزع الخافض؛ أي بصفة.

(مَخْلُوقٍ، وَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّوَجَلَ‏

(1)

لَايَسْتَفِزُّهُ‏

(2)

شَيْ‏ءٌ؛ فَيُغَيِّرَهُ).

يُقال: استفزّه‏ (3) الخوف، أي استخفّه وجعله غير مطمئنّ؛ يعني إنّما يكون الرحمة والغضب فيمن يخافُ من شي‏ء، فلا يجريان في اللَّه تعالى.

السادس:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ فِي حَدِيثِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فَكَانَ مِنْ سُؤَالِهِ: أَنْ قَالَ لَهُ: فَلَهُ رِضاً وَسُخْطٌ؟

(4)

)

بالضمّ وضمّتين وفتحتين، مصدر باب علم: الغضب.

(فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): نَعَمْ، وَلكِنْ لَيْسَ ذلِكَ عَلى‏)

نهجيّة

(مَا يُوجَدُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ)

أي مصداقهما فيه غير مصداقهما في المخلوقين.

(وَذلِكَ أَنَّ)

أي لأنّ‏

(الرِّضَا)

أي مصداق الرضا من المخلوق.

(حَالٌ)

أي صفة موجودة في نفسها في الخارج.

(تَدْخُلُ عَلَيْهِ)

أي على المخلوق.

(فَتَنْقُلُهُ مِنْ حَالٍ)

هي مصداق السخط.

(إِلى‏ حَالٍ)

هي مصداق الرضا.

(لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ أَجْوَفُ)

أي محلّ الصفات والتغييرات.

(مُعْتَمَلٌ‏

(5)

).

اسم مفعول من باب الافتعال؛ أي معمول من أصناف من الأجزاء.

(مُرَكَّبٌ).

اسم مفعول من باب التفعيل؛ أي جعل فيه صفات جبليّة كالجُبن والبُخل‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «تعالى».

(2). في «ج»: «يستفذّه».

(3). في «ج»: «استفذّه».

(4). في الكافي المطبوع: «سَخَط» بفتحتين.

(5). في الكافي المطبوع: «معتمِل» بكسر الميم.

229

والحسد ونحو ذلك وأضدادها.

(لِلْأَشْيَاءِ فِيهِ مَدْخَلٌ).

هذا نتيجة للأوصاف الثلاثة. والمدخل مصدر ميمي؛ أي يتّصف بالأشياء بعدما لم يتّصف.

(وَخَالِقُنَا لَامَدْخَلَ لِلْأَشْيَاءِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ)

أي لا اختلاف فيه ولا تفاوت ولا زيادة ولا نقصان، كما سيجي‏ء بعد «باب حدوث الأسماء» في أوّل «باب آخر» (1) وهذا ناظر إلى «أجوف».

(وَأَحَدِيُّ الذَّاتِ).

الواو للعطف؛ أي ذاته أحديّ لا أجزاء فيه أصلًا، وهذا ناظر إلى «معتمل».

(وَأَحَدِيُّ الْمَعْنى‏).

المراد بالمعنى الموجود في نفسه في الخارج، أي ليس فيه صفة موجودة في الخارج في نفسها أصلًا كما أنّه لا جزء له. وهذا ناظر إلى «مركّب»، فالنشر على ترتيب اللفّ.

(فَرِضَاهُ ثَوَابُهُ، وَسَخَطُهُ عِقَابُهُ، مِنْ غَيْرِ شَيْ‏ءٍ يَتَدَاخَلُهُ)

أي يداخله. والمراد دخول كلّ جزء من أحدهما في جزء من الآخر.

(فَيُهَيِّجُهُ)؛

بشدّ الخاتمة.

(وَيَنْقُلُهُ مِنْ حَالٍ)

هي الاطمئنان‏

(إِلى‏ حَالٍ)

هي الطيش.

(لِأَنَّ ذلِكَ)

أي الشي‏ء المتداخل.

(مِنْ صِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ الْعَاجِزِينَ):

الخائفين من وقوع مضرّ يعجزون عن دفعه.

(الْمُحْتَاجِينَ)

: الخائفين من فوت نفع يحتاجون إليه، فيستفزّهم الخوفان.

السابع:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: الْمَشِيئَةُ مُحْدَثَةٌ)؛

بفتح الدال المخفّفة، أي حادثة.

____________

(1). أي الحديث 1 من باب آخر وهو من الباب الأوّل.

230

وليس المراد أنّها يتعلّق بها إحداثٌ حقيقةً، إلّاأن يُراد بالمشيئة مصداقها، وهو الماء، كما ذكرنا في شرح رابع الباب. وهذا للردّ على كونها نفس الداعي.

ويحتمل كسر الدال، أي يستحيل أن لا يحدث ما شاء اللَّه كما شاء، فهو للردّ على التفويض. وسيجي‏ء بيانه في أوّل «باب في أنّه لا يكون شي‏ء» إلى آخره، لكن لا يناسب الباب.

الشرح‏

(جُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي صِفَاتِ الذَّاتِ وَصِفَاتِ الْفِعْلِ).

هذا إلى آخر الباب كلام المصنّف (رحمه اللَّه).

قيل: (1) حاصل الكلام أنّه ذكر معيارين للتمييز بين صفات الذات وبين صفات الفعل:

أحدهما: أنّ كلّ صفة من صفاته تعالى يوجد هي في حقّه تعالى دون نقيضها، فهي من صفات الذات؛ وكلّ صفة توجد هي ونقيضها في حقّه تعالى، فهي من صفات الفعل.

وثانيهما: أنّ كلّ صفة يمكن أن تتعلّق بها قدرته تعالى وإرادته، فهي من صفات الفعل، وكلّ صفة ليست كذلك، فهي من صفات الذات، انتهى.

(إِنَّ كُلَّ شَيْئَيْنِ)

أي صفتين متقابلتين.

(وَصَفْتَ اللَّهَ بِهِمَا)

أي بكلّ منهما وصفاً موافقاً لنفس الأمر. وهذا للاحتراز عن شيئين لم يوصف إلّابأحدهما، فإنّهما إن كانا جميعاً في الوجود، كان ما يوصف به منهما من صفات الذات كالعلم والجهل، وإن لم يكونا جميعاً في الوجود، فإن كان ما يوصف به منهما الطرف الوجودي، كان من صفات الذات كالحياة وعدم الحياة، وإن كان ما يوصف به منهما الطرف العدمي، كان من صفات التمجيد والتقديس كالأين وعدم الأين، ولا يسمّى صفة فعل ولا صفة ذات.

____________

(1). في حاشية «أ»: «ا م ن (منه سلمه اللَّه)». والظاهر أنّ المراد منه محمّد أمين الإسترابادي في حاشيته على الكافي.

231

(وَكَانَا جَمِيعاً فِي الْوُجُودِ).

المراد بالوجود مقابل العدم، وبكونهما في الوجود أن يكون لكلّ منهما حصّة من جانب الوجود كالمتقابلين تقابلَ العدم والملكة، أو تقابل التضادّ، أو التضايف.

وهذا للاحتراز عن شيئين: أحدهما: (1) سلب محض للآخر؛ أي تقابلهما تقابل السلب والإيجاب كالعلم وعدم العلم، فإنّ اللَّه تعالى يتّصف بكلّ منهما من جهتين، وليس شي‏ء منهما من صفات الفعل، بل الوجودي من صفات الذات، والعدمي لا يسمّى باسم.

أمّا اتّصافه تعالى بالعلم فظاهر، وأمّا اتّصافه تعالى بعدم العلم فإنّه تعالى لا يعلم لنفسه شريكاً؛ قال تعالى في سورة يونس: «قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ» (2)، وفي سورة الرعد: «أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ» (3)، ولا يعلم في بعض الكفّار خيراً؛ قال تعالى: «لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ» (4)، وليس كلّ صفات الذات كذلك، فإنّه تعالى لا يتّصف بنقيض الحياة أصلًا.

أو المراد بالوجود القدرة، ومنه الحديث: «لَيُّ الواجد يُحلّ عقوبتَه وعرضَه» (5) أي القادر على قضاء دينه. ويقال: أوجده بعد ضعف، أي قوّاه. فالمراد بكونهما في الوجود كونهما مقدورين للَّه‏تعالى، أو المراد بالوجود المقدور مسامحةً، وبكونهما في الوجود تعلّقهما بمقدور.

إن قلت‏

: هل يجوز أن يكون مراد المصنّف رحمه الله بكونهما في الوجود تعلّقهما

____________

(1). في حاشية «أ»: «هذا مع ما بعده صفة شيئين».

(2). يونس (10): 18.

(3). الرعد (13): 33.

(4). الأنفال (8): 23.

(5). الأمالي للطوسي، ص 520، المجلس 18، ح 53. وعنه في وسائل الشيعة، ج 18، ص 333، ح 23792؛ تذكرةالفقهاء، ج 14، ص 66؛ عوالي اللآلي، ج 4، ص 72، ح 44. ورواه من العامّة أحمد في مسنده، ج 4، ص 222 و ص 389؛ والبخاري في صحيحه، ج 3، ص 85، كتاب الاستقراض؛ وابن ماجة في سننه، ج 2، ص 811، ح 2427. والليّ: المطل، والعقوبة حبسه، والمغرض الإغلاظ له في القول.

232

بموجود (1) أو بثابت، (2) أو كون الوصف بكلّ منهما حقّاً موافقاً لنفس الأمر؟

قلت‏

: لا يجوز؛ لأنّه يلزم أن يكون القدرة بمعنى صحّة الفعل والترك من صفات الفعل؛ لأنّ نقيض قدرته تعالى يتعلّق بنفسه تعالى، وهو موجود وثابت.

(فَذلِكَ)

أي كلّ منهما

(صِفَةُ فِعْلٍ؛ وَتَفْسِيرُ هذِهِ الْجُمْلَةِ)

أي توضيحها بالأمثلة لها ولقسيمها المعلوم منها بالمقايسة، أي صفات الذات.

(أَنَّكَ تُثْبِتُ)؛

بضمّ تاء المضارعة، أي تَعْلَمُ.

(فِي الْوُجُودِ)

أي فيما يتعلّق به الطرف الذي فيه حصّة من جانب الوجود.

(مَا يُرِيدُ)

وهو كلّ كائن من الممكنات.

(وَمَا لَايُرِيدُ)

وهو ما يكرهه، كما في قوله تعالى في سورة التوبة: «وَ لكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ» (3).

(وَ مَا يَرْضَاهُ وَ مَا يَسْخَطُهُ، وَ مَا يُحِبُّ وَمَا يُبْغِضُ).

يجي‏ء في سادس «باب النوادر» (4):

تفسير للرضا والسخط ونحوهما. ويجي‏ء في خامس «باب المشيّة والإرادة» قوله: «لم يحبّ أن يقال: ثالث ثلاثة ولم يرض لعباده الكفر».

(فَلَوْ كَانَتِ الْإِرَادَةُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ).

هي الصفات التي كانت في الوجود، ووصفت اللَّه بها ولم تصفه بمقابلاتها التي هي في الوجود.

(مِثْلِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، كَانَ مَا لَايُرِيدُ)

أي إثبات ما لا يريد في الوجود.

(نَاقِضاً لِتِلْكَ الصِّفَةِ)

أي مناقضاً لأصل إثباتها، فيلزم اجتماع النقيضين.

(وَلَوْ كَانَ مَا يُحِبُّ)؛

أي حبّه.

(مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، كَانَ مَا يُبْغِضُ)

أي البغض، أو إثبات ما يبغض.

____________

(1). في حاشية «أ»: «أي في الخارج (سمع)».

(2). في حاشية «أ»: «أي فقي نفس الأمر بناءً على ثبوت المعدومات في نفس الأمر (سمع)».

(3). التوبة (9): 46.

(4). أي باب النوادر من كتاب التوحيد.

233

(نَاقِضاً لِتِلْكَ الصِّفَةِ؛ أَ لَاتَرى‏ أَنَّا لَانَجِدُ فِي الْوُجُودِ مَا لَايَعْلَمُ)؛

بصيغة المعلوم، وفيه ضمير اللَّه، أي مع قيد يخرجه عن السلب المحض، ويعطيه حصّة من جانب الوجود، كأن يُقال «لا يعلم» ومن شأنه أن يُعلَم.

وإنّما قال: «في الوجود» لئلّا ينتقض بعدم علمه تعالى بالمنفيّ المحض كالشريك.

(وَمَا لَايَقْدِرُ عَلَيْهِ)

بأن يُقال: «لا يقدر عليه» ومن شأنه أن يكون مقدوراً، ولولا قوله:

«في الوجود» لانتقض بعدم قدرته، بمعنى صحّة الفعل والترك على نفسه.

(وَكَذلِكَ صِفَاتُ ذَاتِهِ تعالى)

أي مثل ما قلنا في العلم والقدرة سائر صفات ذاته تعالى. وهو إشارة إلى الحدّ الذي ذكرنا آنفاً لصفات الذات.

(الأزليّة).

إشارة إلى فصل آخر في حدّ صفات الذات بدل قولنا: «ولم تصفه» إلى آخره. فيحصل حدّ آخر لصفات الذات، وهي صفاته التي كانت في الوجود، وكانت أزليّةً.

(لَسْنَا نَصِفُهُ).

استئناف لبيان الحدّين لصفات الذات؛ أي لا نصفه البتّة؛ لقبح هذا الوصف وبطلانه. وهذا ناظر إلى الحدّ الأوّل.

(بِقُدْرَةٍ)

على بعض‏

(وَعَجْزٍ)

عن آخر. ومعنى العجز عدم القدرة على ما من شأنه أن يكون مقدوراً.

(وَذِلَّةٍ

(1)

بكسر المعجمة، هي عدم القدرة بالاستقلال على ما من شأنه أن يكون مقدوراً بالاستقلال، فيجتمع مع أصل القدرة كما في العباد بالنسبة إلى أفعالهم الاختياريّة، ومقابلها العزّة. والمراد: لا نصفه بعزّة بالنسبة إلى بعض، وذلّة بالنسبة إلى آخر.

(وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ).

عودٌ إلى مثال صفات الفعل لتوضيح الحدّ الأوّل لصفات الذات.

(يُحِبُّ مَنْ أَطَاعَهُ)

أي ينصره، أو يأمر بإطاعته ويثيبه.

(وَيُبْغِضُ مَنْ عَصَاهُ)

أي يخذله، أو ينهى عن عصيانه ويعاقبه.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «بقدرة وعجز، وعلمٍ وجهلٍ، وسفهٍ وحكمةٍ وخطاً، وعزٍّ وذلة».

234

(وَيُوَالِي)

أي ينصر

(مَنْ أَطَاعَهُ، وَيُعَادِي مَنْ عَصَاهُ، وَإِنَّهُ يَرْضى‏)

عن بعض‏

(وَيَسْخَطُ)

على آخر.

(وَيُقَالُ فِي الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِّي، وَلَا تَسْخَطْ عَلَيَّ).

(1) كأنّه لتوضيح الحدّ الثاني بأمثلة قسيمه قدّم على بيان نفس الحدّ الثاني؛ أي كلّ منهما مقدور للَّه‏تعالى وبإرادته.

(وَلَا يَجُوزُ).

هذا لبيان نفس الحدّ الثاني، وحاصله أنّ الأزلي ليس بقدرة اللَّه تعالى ولا بإرادته.

(أَنْ يُقَالَ: يَقْدِرُ أَنْ يَعْلَمَ)

أي ما علمه.

(وَلَا)؛

للعطف، أي ولا أن يُقال:

(يَقْدِرُ أَنْ لَايَعْلَمَ)

أي ما لم يعلمه كالشريك.

وهذا تأسيس لكن ذكره بتقريب، فإنّ عدم العلم ليس من صفات الذات.

ويمكن أن يكون المراد أنّ عدم علمه بما علمه ليس بقدرته، فيكون تأكيداً؛ لأنّ القدرة نسبتها إلى الطرفين على سواء إلّاعند الأشعري. (2)

(وَيَقْدِرُ)

أي ولا يجوز أن يُقال: يقدر

(أَنْ يَمْلِكَ، ولَا)؛

للعطف.

(يَقْدِرُ أَنْ لَايَمْلِكَ، وَيَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ عَزِيزاً حَكِيماً، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ لَايَكُونَ عَزِيزاً حَكِيماً، وَيَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ جَوَاداً، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ لَايَكُونَ جَوَاداً، وَيَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ غَفُوراً، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ لَا يَكُونَ غَفُوراً).

لفظة «لا» العاطفة غير موجودة في الفقرة الثانية أيضاً من الأمثلة الأخيرة في بعض النسخ، والأولى حذفها في غير المثال الأوّل؛ لأنّ ذكرها في الفقرة الثانية مع حذفها في الاولى غير حَسَن.

(ولَا يَجُوزُ أَيْضاً أَنْ يُقَالَ).

هذا أيضاً لتوضيح الحدّ الثاني.

(أَرَادَ أَنْ يَكُونَ رَبّاً).

سيجي‏ء تفسير الربّ وأزليّته في رابع «باب جوامع التوحيد».

____________

(1). في الكافي المطبوع:+/ «وَتَوَلَّنِي وَلَا تُعَادِنِي».

(2). حكاه عن الأشاعرة الخواجة نصير الدين الطوسي في تلخيص المحصّل، ص 167؛ والعلّامة الحلّي في معارج الفهم، ص 274.

235

(وَقَدِيماً وَعَزِيزاً وَحَكِيماً وَمَالِكاً وَعَالِماً وَقَادِراً؛ لِأَنَّ)

أي ليس سرّه إلّاأنّ‏

(هذِهِ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَالْإِرَادَةُ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ).

وفيه ردّ على الأشاعرة حيث ذهبوا إلى أنّ قدرته تعالى تابعة لإرادته، كما قيل في تفسير سورة طه‏ (1) عند قوله تعالى: «وَ إِنْ تَجْهَرْ» (2).

إن قلت‏

: لا يجوز أيضاً أن يُقال: أراد أن يكون مريداً؛ للزوم التسلسل في الإرادات، فيلزم أن لا تكون الإرادة من صفات الفعل؟

قلت‏

: لا يلزم؛ لأنّ هذا ليس حدّاً على حدة لصفات الذات، بل لبيان الحدّ الثاني بأنّ كلّ أزليّ ممّا لا يمكن تعلّق الإرادة به، ولا يجب العكس كلّيّاً، على أنّا لا نسلّم أنّه لا يجوز أن يُقال: أراد أن يكون مريداً؛ لما مرَّ في رابع الباب من أنّ إرادة الإرادة عين الإرادة.

(أَ لَاتَرى‏ أَنَّهُ يُقَالُ: أَرَادَ هذَا وَلَمْ يُرِدْ هذَا)

أي ممّا من شأنه أن يُراد.

(وَصِفَاتُ الذَّاتِ).

عاد إلى بيان الحدّ الأوّل.

(يُنْفى‏

(3)

بصيغة المجهول. والمراد أنّه ينفي بالكلّيّة، ولا يمكن أن يتحقّق أصلًا.

(عَنْهُ بِكُلِّ صِفَةٍ مِنْهَا ضِدُّهَا)

أي مقابلها الذي هو في الوجود.

(يُقَالُ: حَيٌّ وَعَالِمٌ وَسَمِيعٌ وَبَصِيرٌ وَعَزِيزٌ وَحَكِيمٌ، غَنِيٌّ).

ظاهره جعل «عزيز» و «غنيّ» من صفات الذات، ولا ضير؛ لأنّه يختلف استعمالهما، وأراد بهما هنا ما في الوجود.

ويحتمل بعيداً أن يكون اصطلاح المصنّف تعميم صفات الذات بحيث تشمل صفات التمجيد أيضاً.

____________

(1). تفسير البيضاوي، ج 3، ص 70 قال: «ولمّا كانت القدرة تابعة للإرادة وهي لا تنقكّ عن العلم عقب ذلك بإحاطة علمه تعالى بجليّات الامور وخفيّاتها على سواء، فقال: «وَ إِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ‏و يَعْلَمُ السّرَّ وَ أَخْفَى» أي وإن تجهر بذكر اللَّه ودعائه فاعلم أنّه غنّي عن جهرك؛ فإنّه يعلم السرّ وأخفى منه، وهو ضمير النفس».

(2). طه (20): 7.

(3). في الكافي المطبوع: «تَنْفِي» بصيغة المعلوم.

236

(مَلِكٌ، حَلِيمٌ، عَدْلٌ، كَرِيمٌ؛ فَالْعِلْمُ ضِدُّهُ الْجَهْلُ، وَالْقُدْرَةُ ضِدُّهَا الْعَجْزُ، وَالْحَيَاةُ ضِدُّهَا الْمَوْتُ، وَالْعِزَّةُ ضِدُّهَا الذِّلَّةُ، وَالْحِكْمَةُ).

هي مجموع الفهم، أي الفطانة والعقل، أي التأدّب بالآداب الحسنة بالفكر الصائب ونحوه، كما مضى في «كتاب العقل» في ثاني عشر «باب العقل والجهل». (1)

(ضِدُّهَا الْخَطَأُ)

أي في الفكر، فهو ضدّ لها باعتبار اشتمالها على العقل.

(وَضِدُّ الْحِلْمِ الْعَجَلَةُ وَالْجَهْلُ).

هو مشترك بين ضدّ العلم وضدّ العقل وضدّ الحلم.

(وَضِدُّ الْعَدْلِ الْجَوْرُ وَالْظُّلْمُ).

____________

(1). في حاشية «أ»: «في ذيل قوله (عليه السلام): يا هشام إنّ اللَّه يقول في كتابه: «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ» يعني عقل، وقال: «وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ» قال: الفهم والعقل».

237

باب حدوث الأسماء

الباب الخامس عشر بَابُ حُدُوثِ الْأَسْمَاءِ

فيه أربعة أحاديث.

المراد بالأسماء ما هي أجزاء للكلام النفسي، وتحمل عليه تعالى مواطأةً كالعالم، وهي متّحدة بالذات مع الصفات التي هي مفهومات المبادئ كالعلم، مغايرة لها بالاعتبار.

ولا ينافي حدوث الأسماء بهذا الاعتبار قدمها باعتبار أنّها محكيّ الكلام النفسي، ولا وجود لها في نفسها أصلًا، كما مرّ في سادس الثاني‏ (1) في شرح قوله: «لأنّا لم نكلّف غير موهوم».

وهذا الباب للردّ على الأشاعرة في قولهم بقدم الكلام النفسي من القرآن ونحوه؛ (2) لأنّ إثبات حدوث الأسماء يثبت حدوث الكلام بطريقٍ أولى، كما أنّ قدم الكلام يستلزم قدم الأسماء بطريقٍ أولى؛ وللردّ على القائلين بأنّ بعض أسمائه تعالى علم لذاته؛ (3) وللردّ على الأشاعرة في قولهم بقدم المعاني القائمة بذاته تعالى بناءً على وجود الأشياء بأنفسها في الأذهان؛ (4) وللردّ على المعتزلة القائلين بعينيّة صفاته تعالى له حقيقةً. (5)

____________

(1). أي في الحديث 6 من باب إطلاق القول بأنه شي‏ء.

(2). المواقف للإيجي، ج 3، ص 140- 143؛ حاشية الشريف الجرجاني على الكشّاف، ص 4؛ محصّل أفكارالمتقدّمين والمتأخّرين، ص 250؛ الأربعون في اصول الدين للرازي، ج 1، ص 249؛ شرح المواقف، ج 8، ص 93. وانظر معارج الفهم للعلّامة، ص 307.

(3). انظر تفسير الرازي، ج 1، ص 271؛ تفسير البيضاوي، ج 1، ص 34.

(4). المواقف للإيجي، ج 3، ص 85 و 138 و 302؛ شرح المواقف، ج 8، ص 36 و 98 و 207.

(5). حكاه عن جماعة من المعتزلة التفتازاني في شرح المقاصد، ج 2، ص 72. وانظر شرح المواقف، ج 8، ص 45؛ ومعارج الفهم للعلّامة، ص 389.

238

الأوّل:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَمَّادٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ)

؛ بفتح الخاتمة.

(عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ- تَبَارَكَ وَتَعَالى‏- خَلَقَ اسْماً).

خلقنا الشي‏ء: تقديرنا إيّاه قبل فعله، وهو في اللَّه تعالى المستحيلِ عليه الفكُر إيجادُ أمر ليفضي إليه كإيجاده اللوح المحفوظ ليكتب فيه الإسم.

وقوله: «اسماً» بصيغة المفرد؛ أي أمراً يصلح لأن يكون جزءاً للكلام النفسي. وهو بيان صفة جامعة لصفاته تعالى جميعاً، وهو الاسم الأعظم، وفي الدعاء: «اللّهُمَّ إنّي أسألُكَ باسمك الأعظم الأعظم الأعظم». (1) ووجهه ما يفهم ممّا يجي‏ء في هذا الحديث من أنّه أعظم من كلّ من الأجزاء الأربعة، وكلّ من ثلاثة منها أعظم من كلّ من أجزائه التي هي من الأركان الاثني عشر، وكلّ من الأركان الاثني عشر أعظم من أجزائه التي هي من الأسماء الثلاثمائة والستّين.

(بِالْحُرُوفِ)؛

متعلّق بمتصوّت.

(غَيْرَ)؛

بالنصب على أنّه صفة «اسماً»، وكذا نظائره، وهو مضاف إلى:

(مُتَصَوَّتٍ)؛

بالمهملة وفتح الواو المشدّدة والمثنّاة فوق؛ أي ليس خلقه الاسم بإيجاد صوت.

(وَبِاللَّفْظِ غَيْرَ مُنْطَقٍ)؛

بفتح المهملة المخفّفة، من أنطق بالشي‏ء: إذا تلفّظ به، أو عرّضه للتلفّظ به.

(وَبِالشَّخْصِ)

أي بالمعيّن من الموجود في نفسه في الخارج، أو بالجسم كبدن الإنسان والجنّ والملائكة.

(غَيْرَ مُجَسَّدٍ)؛

بفتح السين المشدّدة، يُقال: صوتٌ مجسّد؛ أي مرقوم على نغمات ولحنة.

(وَبِالتَّشْبِيهِ)

باسم آخر له تعالى، أو لخلقه تعالى.

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 452- 453، باب دعاء الدم، ح 1 و 3؛ الفقيه، ج 2، ص 532، دعاء الطواف؛ وص 568، ح 3158؛ تهذيب الأحكام، ج 3، ص 96، ح 30؛ وسائل الشيعة، ج 13، ص 463، ح 18219؛ وص 465، ح 18221.

239

(غَيْرَ مَوْصُوفٍ)

أي غير مبيّن؛ من وصفه: إذا بيّنه. وذلك لأنّه أعظم من كلّ اسم، ولا يشبه الأعلى بالأدنى.

(وَبِاللَّوْنِ غَيْرَ مَصْبُوغٍ)؛

بالموحّدة والمعجمة، أو بالنون والمهملة. وعلى التقديرين المراد أنّه ليس مكتوباً، فإنّ غالب الكتابة بالمداد، وهذا من المجاز في النسبة، فإنّ الاسم إذا كتب لم يصر بذلك مصبوغاً حقيقةً، وقوله:

(مَنْفِيٌّ عَنْهُ)؛

مبتدأ.

(الْأَقْطَارُ).

فاعل «منفيّ» قائم مقام الخبر، وهذا صحيح عند الأخفش والكوفيّين وإن لم يكن بعد النفي أو الاستفهام. (1) والأقطار جمع قطر بالضمّ: الناحية.

(مُبْعَدٌ)؛

على لفظ اسم المفعول، من باب الإفعال أو التفعيل.

(عَنْهُ الْحُدُودُ)

أي الأطراف.

(مَحْجُوبٌ)

أي ممنوع.

(عَنْهُ حِسُّ كُلِّ مُتَوَهِّمٍ، مُسْتَتِرٌ)؛

على لفظ اسم الفاعل؛ أي خفيّ.

(غَيْرُ مَسْتُورٍ)

أي ليس خفاؤه بأمر سُتر عليه.

(فَجَعَلَهُ).

الفاء للبيان، والضمير المنصوب للاسم.

(كَلِمَةً تَامَّةً)

أبي جامعة لجميع أسمائه تعالى.

(عَلى‏ أَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ)

أي مبنيّة على أربعة أجزاء.

(مَعاً)؛

اسمٌ بدليل التنوين، وهو حال عن أربعة أجزاء. ومعناه «جميعاً» عند ابن مالك. (2) وقال ثعلب: إذا قلت: جاءا جميعاً، احتمل أنّ فعلهما في وقت [واحد] أو في وقتين، وإذا قلت: جاءا معاً، فالوقت واحد. انتهى. (3) فعلى الأوّل قوله:

(لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا

(4)

قَبْلَ الْآخَرِ)،

مقيّدٌ لقوله: «معاً». وعلى الثاني موضح له، وهو

____________

(1). حكاه عنهما ابن هشام في مغني اللبيب، ج 2، ص 444.

(2). حكاه عنه ابن هشام في مغني اللبيب، ج 1، ص 439.

(3). حكاه عنه ابن هشام في مغني اللبيب، ج 1، ص 439. ومابين المعقوفين من المغني.

(4). في الكافي المطبوع: «منها واحد». وفي «ج»: «واحد منها».

240

استئناف بياني أو حال اخرى.

ومعنى القبليّة كونه جزءاً لآخر.

(فَأَظْهَرَ مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَسْمَاءٍ)

أي أظهر على المكلّفين منها ثلاثة أجزاء بنصب الأدلّة الدالّة عليها، كوضع ثلاثة؛ ألفاظ لها وإثباتها له تعالى.

(لِفَاقَةِ الْخَلْقِ إِلَيْهَا).

يعني أنّ المقصود بإظهارها أن يعرفوا صانعهم بالوجوه الثلاثة، فيدعوه بها ويعبدوه، لا أن يعرفوا نفس الوجوه الثلاثة؛ لما تبيّن في موضعه من الفرق بين العلم بالشي‏ء بالوجه، والعلم بوجه الشي‏ء.

(وَحَجَبَ مِنْهَا)

أي من الأربعة الأجزاء

(وَاحِداً).

هذا هو المراد بما في نهج البلاغة في خطبة أوّلها: «الحمد للَّه‏الذي بطن خفيّات الامور» من قوله (عليه السلام): «لم يطلع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته». (1)

(وَهُوَ)

أي الواحد المحجوب، أو الاسم الأعظم. ويبعّد هذا قولُه فيما بعد:

«وحجب الاسم الواحد» إلى آخره.

(الِاسْمُ الْمَكْنُونُ الْمَخْزُونُ)

أي ما اشتهر على ألسنة الداعين في قولهم: «اللّهمّ إنّي أسألك باسمك المكنون المخزون». (2)

والمراد أنّه محجوب عن العامّة، أو محجوب بعضه؛ فلا ينافي إظهار بعضه لخزّان علمه المقرّبين لديه. سيجي‏ء في «كتاب الحجّة» في «باب ما اعطي الأئمّة (عليهم السلام) من اسم اللَّه الأعظم» أنّ اسم اللَّه الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفاً، واعطي منها آصف حرفاً، واعطي منها عيسى حرفين، وموسى أربعةً، وإبراهيم ثمانيةً، ونوح خمسة عشر، وآدم خمسة وعشرين، ومحمّد وأهل بيته (عليهم السلام) اثنين وسبعين، وحرف عند اللَّه تبارك وتعالى‏

____________

(1). نهج البلاغة، ص 87، الخطبة 49.

(2). الفقيه، ج 1، ص 324، ح 949؛ تهذيب الأحكام، ج 2، ص 108، ح 178؛ معاني الأخبار، ص 139، باب معنى المخبيات، ح 1؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 485، ح 8506.

241

استأثر به في علم الغيب. (1)

(فَهذِهِ)؛

مبتدأ وإشارة إلى الثلاثة.

(الْأَسْمَاءُ)؛

خبر المبتدأ؛ أي يرجع إلى إحدى هذه الثلاثة كلّ واحدٍ من الأسماء.

ويحتمل أن يكون صفة هذه.

(الَّتِي ظَهَرَتْ)؛

صفة الأسماء، أو خبر المبتدأ.

(فَالظَّاهِرُ هُوَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالى‏).

يمكن توجيهه بوجهين:

الأوّل‏

: أن يكون الفاء للتفريع على ما سبق باعتبار اشتماله على قوله: «لفاقة الخلق إليها» ويكون «الظاهر» مبتدأ، ويكون «هو» خبر المبتدأ وراجعاً إلى ذات صانع العالم، فإنّه مقصود لكلّ ذهن، ويكون «اللَّه» بدلًا عن الضمير الغائب أو عطف بيان له؛ أي فالظاهر بهذه الثلاثة؛ يعني فالمقصود بالظهور بالذات بهذه الثلاثة ذات صانع العالم بالوجوه الثلاثة. وإنّما خصّ لفظ «اللَّه» لأنّه جارٍ مجرى العَلَم لذاته، وحينئذٍ قوله تبارك وتعالى ليس داخلًا في خبر المبتدأ.

قال ابن فهد في كتاب عدّة الداعي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «رأيت الخضر (عليه السلام) في المنام قبل بدر بليلة، فقلت له: علّمني شيئاً انصر به على الأعداء؟ فقال: قل: يا هو، يا من لا هو إلّاهو. فلمّا أصبحت قصصتها على رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) فقال: ياعليّ عُلِّمت الاسم الأعظم، فكان على لساني يوم بدر». وأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قرأ «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» فلمّا فرغ قال: «يا هو، يا من لا هو إلّاهو، اغفر لي، وانصرني على القوم الكافرين». وكان (عليه السلام) يقول ذلك يوم صفّين وهو يطارد. انتهى. (2)

الثاني‏

: أن يكون الفاء للتعقيب والتفصيل، ويكون «هو» ضمير الفصل، ويكون خبر المبتدأ مجموعَ قوله: «اللَّه تبارك وتعالى» يعني فالظاهر من جملة الأربعة ما يفهم من‏

____________

(1). الكافي، ج 1، ص 230، ح 2.

(2). عدّة الداعي، ص 262، في الأدعية التي تستدفع بها المكاره. وانظر التوحيد للصدوق، ص 89 باب تفسير «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» إلى آخرها، ح 2؛ مجمع البيان، ج 10، ص 486، تفسير سورة الاخلاص.

242

هذا اللفظ من الأسماء فأحدها: (1) ما يدلّ عليه لفظ «اللَّه»، وثانيها: ما يفهم من لفظ «تبارك»، وثالثها: ما يفهم من لفظ «تعالى». ولا بأس بكون الأخيرين بلفظ الجملة؛ لأنّه قد يحكى الاسم على ما هو المشهور في استعماله في القرآن ونحوه، كما يجي‏ء في هذا الحديث من قوله: «لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ» (2) ولذا كان الثالث مع حرف العطف دون الثاني. وكما في الدعاء المأثور: «اللّهُمَّ إنّي أسألُكَ باسمك بسم اللَّه الرحمن الرحيم». (3) ويؤيّد هذا وجود حرف العطف في الثاني أيضاً في بعض النسخ الصحيحة من كتاب التوحيد لابن بابويه هكذا: «فالظاهر هو اللَّه وتبارك وسبحان». (4)

وهذا موافق لما روى ابن بابويه في كتاب كمال الدِّين وتمام النِّعمة عن أبي القاسم بن روح (قدّس اللَّه روحه) أنّه سأله رجل: ما معنى قول العبّاس للنبيّ (صلى الله عليه و آله): إنّ عمّك أبا طالب قد أسلم بحساب الجمّل، وعقد بيده ثلاثة وستّين؟ فقال: عنى بذلك إله أحد جواد.

انتهى. (5)

فإنّ إلهاً واللَّه واحد، وكذا «جواد» و «تبارك» واحد، هو من أعطى كلّ شي‏ءٍ خلقه؛ أي تدبيره اللائق به، وكذا «أحد» و «تعالى» واحد؛ فإنّ المراد بأحد المنفرد عمّا يوجب حاجة كالشريك أو الجزء أو نحو ذلك، وبالمتعالي المنزّهُ عن النقص.

قيل: «أحد» (6) يدلّ على مجامع صفات الجلال كما دلَّ «اللَّه» على جميع صفات الكمال؛ إذ الواحد الحقيقي ما يكون منزّه الذات عن أنحاء التركيب والتعدّد وما يستلزم أحدهما كالجسميّة والتحيّز والمشاركة في الحقيقة وخواصّها كوجوب الوجود

____________

(1). في «ج»: «فأحدهما».

(2). البقرة (2): 255.

(3). تهذيب الأحكام، ج 3، ص 114، دعاء أوّل يوم من شهر رمضان؛ وص 124، ح 268، وداع شهر رمضان؛ مصباح‏المتهجّد، ص 338، صلاة اخرى للحاجة؛ وص 664، دعاء اوّل يوم من شهر رمضان.

(4). التوحيد، ص 191، باب أسماء اللَّه، ح 3.

(5). كمال الدين، ص 520، الباب الخامس والأربعون، ح 48.

(6). في «ج»: «أحداً».

243

والقدرة الذاتيّة والحكمة التامّة المقتضية للُالوهيّة. انتهى. (1)

فيشتمل هذه الأسماء الثلاثة إجمالًا على ما ظهر من جميع صفات الذات وجميع صفات الفعل وجميع صفات التمجيد.

وقول الرجل: «وعقد بيده ثلاثة وستّين» مبنيّ على قاعدة وضعها القدماء في صور أصابع اليدين لضبط الواحد إلى عشرة آلاف، وصورة الثلاثة والستّين أن يثني الخنصر والبنصر والوسطى من اليمنى للثلاثة، كما هو المعهود بين الناس في عدّ الواحد إلى الثلاثة، لكن يوضع رؤوس الأنامل في هذه العقود قريبة من اصولها، وأن يوضع للستّين ظفر إبهام اليمنى على باطن العقدة الثانية للسبّابة، كما يفعله‏ (2) الرُّماة. (3)

(وَسَخَّرَ سُبْحَانَهُ لِكُلِّ اسْمٍ مِنْ هذِهِ الْأَسْمَاءِ أَرْبَعَةَ أَرْكَانٍ).

التسخير: التذليل، واستعير هنا للتفصيل؛ لأنّ الكلّ مبنيّ على الأجزاء، فكأنّ كلّ جزء منه حامل له كالمركوب للراكب؛ أي وفصل كلّ اسم من الأسماء الثلاثة على أربعة أسماء، كلّ اسم منها جزءٌ من أجزائه، والجزء يسمّى ركناً. ويمكن أن يكون تسميته ركناً باعتبار أنّه أصل للاثني عشر، كما يجي‏ء بُعَيْدَ هذا. وهذا ألصق بقوله:

(فَذلِكَ اثْنَا عَشَرَ رُكْناً، ثُمَّ خَلَقَ لِكُلِّ رُكْنٍ مِنْهَا ثَلَاثِينَ اسْماً فِعْلًا).

المراد بالفعل مقابل القوّة، أي ليس متّصلًا بسائر الأسماء حتّى يكون قوّة كنصف الجسم المفرد.

(مَنْسُوباً إِلَيْهَا)

أي إلى الأسماء الثلاثة بأن يكون تفصيلًا وتابعاً لها، وذلك بتوسّط الأركان الاثني عشر. أو الضمير راجع إلى الأركان باعتبار دلالة قوله: «كلّ ركن» عليها.

ويبعّد هذا قوله فيما بعد: «فهي نسبة لهذه الأسماء الثلاثة».

(فَهُوَ).

الضمير راجع إلى مرجع ضمير «هو» في قوله: «فالظاهر هو اللَّه» أي فذات اللَّه تبارك وتعالى.

____________

(1). تفسير البيضاوي، ج 5، ص 547، تفسير سورة الإخلاص.

(2). في «ج»: «يفعل».

(3). نقل هذا الكلام مع تفصيل أكثر الشيخ عليّ أكبر غفاري فى حاشيته على معاني الأخبار، ص 285 باب معنى إسلام أبي طالب بحساب الجمل من هامش النسخة التي تفضّل بها عليه السيد المرعشي.

244

(الرَّحْمنُ، الرَّحِيمُ، الْمَلِكُ، الْقُدُّوسُ، الْخَالِقُ، الْبَارِئُ)؛

بالموحّدة وكسر المهملة والهمز: ما لا يشابه مخلوقه.

(الْمُصَوِّرُ

«الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ»

الْعَلِيمُ، الْخَبِيرُ، السَّمِيعُ، الْبَصِيرُ، الْحَكِيمُ، الْعَزِيزُ، الْجَبَّارُ، الْمُتَكَبِّرُ، الْعَلِيُّ، الْعَظِيمُ، الْمُقْتَدِرُ، الْقَادِرُ، السَّلَامُ، الْمُؤْمِنُ، الْمُهَيْمِنُ، الْبَارِي)؛

بالموحّدة وكسر المهملة والخاتمة: المصلح؛ من برى السهم من باب ضرب:

إذا نَحَتَهُ.

(الْمُنْشِئُ، الْبَدِيعُ، الرَّفِيعُ، الْجَلِيلُ، الْكَرِيمُ، الرَّازِقُ، الْمُحْيِي، الْمُمِيتُ، الْبَاعِثُ، الْوَارِثُ.

فَهذِهِ الْأَسْمَاءُ وَمَا كَانَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنى‏ حَتّى‏ تَتِمَ‏

(1)

ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ اسْماً)؛

حاصلة من ضرب الاثني عشر ركناً في ثلاثين اسماً.

(فَهِيَ).

تكرار لقوله: «فهذه الأسماء» إلى آخره؛ لبُعد العهد.

(نِسْبَةٌ لِهذِهِ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَهذِهِ الْأَسْمَاءُ الثَّلَاثَةُ

(2)

أَرْكَانٌ)

أي دالّة على فعل منسوب إليها.

(وَحَجَبَ الِاسْمَ الْوَاحِدَ)

من الأربعة.

(الْمَكْنُونَ الْمَخْزُونَ بِهذِهِ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ).

الظرف متعلّق بقوله: «حجب» لما أظهر هذه ولم يظهره كانت كالستر عليه.

(وَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالى‏)

أي مدلول قوله تعالى في سورة بني إسرائيل:

( «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ»

)

الذي هو جارٍ مجرى العَلَم للذات، أو أوّل الأركان الأوّليّة.

( «أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ»

)

الذي هو أوّل النسب الثلاثمائة والستّين.

( «أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏» (3)

).

هذا معنى الحديث.

وأمّا تعيين الأركان الاثني عشر، وتعيين كلّ أربعة أركان من الأركان الاثني عشر

____________

(1). في «أ»: «يتمَّ».

(2). في المخطوطتين:-/ «وهذه الأسماء الثلاثة».

(3). الإسراء (17): 110.

245

لواحد من الثلاثة بعينه، وتعيين الثلاثمائة والستّين اسماً، وتعيين كلّ ثلاثين منها لواحد من الاثني عشر بعينه، فخارج عن المعنى الذي يقصد المتكلّم إلقاءه في ذهن السامع، ولعلّه من الغيب الذي لا يعلم بدون توقيف.

الثاني:

(أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَمُوسَى بْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ سِنَانٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام): هَلْ كَانَ اللَّهُ- عَزَّ وَجَلَّ- عَارِفاً بِنَفْسِهِ)

أي بحقيقتها وكنه ذاتها.

(قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: يَرَاهَا)؛

بفتح الخاتمة للمضارعة والمهملة، أي هل كان يعرفها معرفةً محيطة بها كالرؤية، بأن تتعلّق بخصوصيّتها على الوجه الجزئي الحقيقي، أو بها وبكنه ذاتها أيضاً.

وإنّما ذكر السائل ذلك لأنّ تلك المعرفة مصحّحة لتسمية نفسه باسمٍ عَلَمٍ لها، فهذا ليس مقصوداً بالذات بالسؤال، بل هو تمهيد للسؤال في قوله:

(وَيُسْمِعُهَا؟

(1)

)

بالخاتمة المضمومة للمضارعة، وسكون المهملة، وكسر الميم، ومهملة، والمفعول الثاني محذوف؛ أي يسمعها اسماً لها. ويمكن أن يكون هنا تحريف من الناسخين بأن يكون الأصل «ويسمّيها».

(قَالَ: مَا كَانَ مُحْتَاجاً إِلى‏ ذلِكَ)

أي إلى أن يسمعها، أو إلى أن يسمّيها.

(لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْأَلُهَا)

أي شيئاً.

(وَلَا يَطْلُبُ مِنْهَا)

أي ولم يكن يطلب منها شيئاً؛ فهو عطف تفسير على قوله:

«يسألها».

(هُوَ نَفْسُهُ، وَنَفْسُهُ هُوَ).

وقوله:

(قُدْرَتُهُ نَافِذَةٌ)،

استئنافٌ بياني؛ دفعاً لتوهّم أن يُقال: إنّ الشخص قد يفكّر ويطلب من نفسه الإقدام على أمر تهجم عنه؛ لخوفها من العجز عنه، أو لمشقّةٍ لها فيه وإن كان‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «وَيَسْمَعُها».

246

لفظ الطلب فيه مجازاً، وربّما سمّي نفسه حينئذٍ، مع أنّه نفسه ونفسه هو.

(فَلَيْسَ يَحْتَاجُ إلى‏ أَنْ يُسَمِّيَ نَفْسَهُ، وَ لكِنَّهُ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَسْمَاءً)؛

جمع «اسم».

(لِغَيْرِهِ يَدْعُوهُ بِهَا).

المراد بالدعاء النداء، كقولنا: «يا اللَّه، يا رحمن، يا رحيم» حين العبادة وطلب الحاجة.

(لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَدْعُ بِاسْمِهِ، لَمْ يَعْرِفْ‏

(1)

).

الضمير المنصوب لغيره أو للشأن أو للَّه، والفعلان على الأوّل بصيغة المعلوم، وعلى الثاني بصيغة المعلوم أو المجهول، وعلى الثالث بصيغة المجهول. والمراد أنّ الداعي بغير اسمه إنّما يعرف غيره، وإنّما يعبد غيره كالمجسّمة؛ أو المراد أنّه تعالى يعرف نفسه بغير حاجة إلى اسم، بخلاف غيره.

(فَأَوَّلُ مَا اخْتَارَ لِنَفْسِهِ: الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).

الفاء للتفصيل. والمراد أنّ الأوّل «العليّ» ثمّ «العظيم» الذي مضى في أوّل الباب يدلّ على أنّ أوّل أسمائه الاسم الأعظم، ثمّ الأربعة، ثمّ الاثنا عشر، وأنّ «العليّ العظيم» من الأسماء الثلاثمائة والستّين، فوجه الجمع بينهما أنّ الأوّليّة في أوّل الباب باعتبار جعل المبدأ أشمل الأسماء، وهنا باعتبار جعل المبدأ أقدم الأسماء التي يجعلها العبد وسيلة لمعرفة اللَّه.

بيان ذلك: أنّ الإنسان إذا بلغ حدّ التمييز، وشرع في النظر في مخلوق بلا حركة ولا آلة ولا علاج، بل بمحض نفوذ الإرادة وقول «كُن» علم أوّلًا أنّ له خالقاً برئاً من كلّ نقص، وهو المراد بالعليّ، ومتّصفاً بكلّ كمال، وهو المراد بالعظيم، ثمّ يتدرّج إلى تفصيل أسماء اللَّه تعالى حتّى يبلغ مقصوده، وهو معرفة أنّه اللَّه، أي معرفة أنّه الذي خلق السماوات والأرض بقول «كُن»، وهو المعبود بالحقّ، وإذا بلغ ذلك بلغ أقصى المطلوب منه في معرفة الخالق، وهو معرفة المعبود بالحقّ.

(لِأَنَّهُ أَعْلَى الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا).

الضمير للعليّ العظيم، و «أعلى» أفعل التفضيل، والمراد:

أظهر، استعير من العلوّ المكاني باعتبار أنّ المتوجّه إلى بلد مثلًا إنّما يظهر عليه أوّلًا العمارات المرتفعة. والمراد بالأشياء: الأسماء التي تجعل وسيلة لمعرفة اللَّه.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «لم يُدْعَ باسمه، لم يُعرَفْ» بدل «لم يَدْعُ باسمه، لم يَعْرف».

247

(فَمَعْنَاهُ: اللَّهُ، وَاسْمُهُ: الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).

المراد بالمعنى: المطلوب بالذات، والضميران للَّه، أي فأقصى مطلوبه من غيره معرفة أنّه اللَّه، أي المعبود بالحقّ كما مرّ آنفاً. و «اسمه» الذي اختاره لغيره ليكون وسيلة لمعرفة اللَّه العليّ العظيم.

ويمكن أن يكون الضميران لغيره، أي فمقصود الغير الذي ينظر في ملكوت السماوات والأرض ويتتبّع الأسماء معرفة اللَّه. والاسم الذي يجعله ذلك الغير وسيلة لمعرفة ذلك المقصود هو العليّ العظيم.

(هُوَ أَوَّلُ أَسْمَائِهِ عَلَا عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ).

ضمير «هو» للعليّ العظيم، وضمير «أسمائه» للغير أو للَّه، والجملة استئناف بياني لقوله: «واسمه العليّ العظيم»، و «علا» فعل ماضٍ مستعار من العلوّ المكاني، والضمير المستتر للعليّ العظيم، و «على» حرف جرّ، و «كلّ شي‏ء» بمعنى كلّ اسم. والمقصود أنّه ليس أوّليّته إلّالأنّه أظهر الأسماء عند الناظر في المخلوقات المتتبّع للأسماء.

الثالث:

(وَبِهذَا الْإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، قَالَ: سَأَلْتُهُ)

أي أبا الحسن الرضا (عليه السلام).

(عَنِ الِاسْمِ: مَا هُوَ؟ قَالَ: صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ).

الصفة مصدر وصفه يصفه كضرب: إذا بيّنه ونعته. والمراد هنا ما يبيّن به، والمقصود أنّ كلّ اسم من أسمائه تعالى لبيان وجه من وجوهه، وليس شي‏ء منها عَلَماً ولا اسمَ جنس. ويمكن أن يُراد بالصفة ما قام بغيره كالعلم والقدرة، ويكون المقصود بيان أنّ المشتقّ والمبدأ متّحدان بالذات، متغايران بالاعتبار؛ فالعالم هو العلم باعتبار أنّه لذات موصوف به.

الرابع:

(مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ).

قيل: الظاهر «عن خالد» كذا في كتاب التوحيد. انتهى. (1)

____________

(1). في حاشية «أ»: «القائل مولانا محمّد أمين رحمه الله (منه)». وانظر التوحيد، ص 192، باب أسماء اللَّه، ح 6.

248

(ابْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلى‏، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ).

المقصود بهذا الحديث بيان خمسة امور:

الأوّل‏

: أنّه ليس اسم من أسمائه تعالى مفهوماً عَلَميّاً، كما توهّمه الأشاعرة في اللَّه أو الرحمن أيضاً؛ (1) ولا نفسَ ذاته تعالى حقيقةً، كما توهّمه المعتزلة حيث قالوا: هو تعالى العلم القائم بنفسه بمعنى عدم القيام بالغير، وكذا في سائر صفات ذاته. (2)

الثاني‏

: أنّه ليس اسم من أسمائه تعالى موجوداً في نفسه في الخارج، قائماً به تعالى قياماً حقيقيّاً، كما توهّمه الأشاعرة القائلون بالمعاني القديمة. (3)

ويظهر بمجموع هذين الأمرين أنّ شيئاً من أسمائه ليس قديماً.

الثالث‏

: أنّه لا يمكن معرفة كنه ذاته ولا شخصه ولو بأقصى ما بلغ إليه تدقيقات أذهان المخلوقين.

الرابع‏

: أنّه ليس في الممكنات مجرّد، فليس كمثله شي‏ء.

الخامس‏

: بطلان قول الفلاسفة الزنادقة: إنّ كلّ حادث مسبوق بمادّة قديمة متحرّكة لا ابتداء لحركتها، كما نقل عن ابن سينا في أوّل الأوّل‏ (4) عند شرح الدليل الثاني. (5)

وأشار إلى الأمر الأوّل بقوله:

(اسْمُ اللَّهِ غَيْرُهُ).

(6) المراد بالاسم ما هو جزء للكلام النفسي، ويحمل عليه تعالى مواطأةً كالعالم.

____________

(1). انظر تفسير الرازي، ج 1، ص 108؛ شرح المواقف، ج 8، ص 207؛ شرح المقاصد، ج 2، ص 169.

(2). حكاه في تفسير الرازي، ج 1، ص 108 عن المعتزلة؛ شرح المواقف، ج 8، ص 207؛ شرح المقاصد، ج 2، ص 169.

(3). حكاه عن الأشاعرة ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 74؛ وج 20، ص 227.

(4). أي الحديث 1 من كتاب العقل والجهل.

(5). الشفاء، ص 373، فضل 1، انتشارات ناصر خسرو، الطبعة الاولى.

(6). في حاشية «أ»: «اسم اللَّه غيره، سواء اريد به اللفظ، أو الكتابة، أو المفهوم الذي يفتقر في وجوده وتعلّقه إلى غيره. وهذا الحكم ظاهر» الوافي، ج 1، ص 468، ذيل ح 378.

249

وهذا إبطال لكون اسم من أسمائه تعالى عين المسمّى، والمسمّى عينَ ذاته تعالى، كما مضى بيانه في أوّل الخامس. (1)

وأشار إلى الأمر الثاني بقوله:

(وَكُلُّ شَيْ‏ءٍ)

أي موجود في نفسه.

(وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ «شَيْ‏ءٍ»

(2)

للتعميم من قبيل: «طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ» (3).

(فَهُوَ مَخْلُوقٌ)

أي حادث، سواء كان باعتبار وجوده في نفسه في الأذهان، أم باعتبار وجوده في نفسه في الخارج.

وهذا إبطال لكون اسم من أسمائه عينَ المسمّى، والمسمّى معنىً قائماً بذاته تعالى كما مضى بيانه في أوّل الخامس‏ (4) أيضاً.

(مَا خَلَا اللَّهَ).

لمّا كان هنا مظنّة أن يتوهّم أنّ الكلام في نحو الألفاظ، لا فيما وضعت الألفاظ له، أشار إلى دفع هذا التوهّم بقوله:

(فَأَمَّا مَا عَبَرَتْهُ‏

(5)

الْأَلْسُنُ).

هو اللفظ، و «عبرت» بالمهملة والموحّدة ومهملة بصيغة المعلوم للغائبة من باب نصر؛ يُقال: عبر النهرَ: إذا مرَّ به وتجاوزه تدريجاً. وهذا الوصف لتوضيح الحكم الذي بعده.

(أَوْ عَمِلَتِ الْأَيْدِي)؛

هو النقش والكتابة.

(فَهُوَ مَخْلُوقٌ)

أي مخلوق البتّة، لا مجال لتوهّم أحد أنّه ليس بمخلوق. وليس كلامنا فيه.

(وَاللَّهُ)؛

مبتدأ، أي ما وضع له لفظ اللَّه. أجرى الكلام في اسم اللَّه على سبيل المثال؛ لأنّه قد يتوهّم أنّه عَلَم، فإذا ظهر مغايرته، ظهر (6) مغايرة سائر الأسماء بطريقٍ أولى.

____________

(1). أي في الحديث 1 من باب المعبود.

(2). في حاشية «أ»: «ما خلا اللَّه، أي ما خلا ذاته. ومعناه المسمّى باسم اللَّه». الوافي، ج 1، ص 468، ذيل ح 378.

(3). الأنعام (6): 38.

(4). أي في الحديث 1 من باب المعبود.

(5). في الكافي المطبوع: «عَبَّرَتْهُ» بالتشديد.

(6). في «ج»: «ظهره».

250

(غَايَةٌ)؛

خبره. والغاية: الراية. والمراد هنا العلّامة.

(مِنْ‏

(1)

بكسر الميم للتبعيض.

(غَايَاتِهِ‏

(2)

جمع غاية. والضمير راجع إلى اللَّه المذكور في قوله: «اسم اللَّه غيره».

عاد (عليه السلام) بعد دفع التوهّم إلى توضيح الأمر الأوّل بدفع توهّمٍ آخَرَ، هو أن يخصّص هذا الحكم بما عدا هذا الاسم، بأن يجعل نفسَ المسمّى أي عَلَماً لذاته تعالى، كما توهّمه قوم؛ (3) فأفاد أنّ اللَّه- أي ما وضع هذا اللفظ له وهو ما يفهم من إطلاقه- غايةٌ من غاياته، أي صفة من صفاته كسائر أسمائه. استعار لفظ «الغاية» لصفة من لا يعرف إلّا بالصفة؛ تشبيهاً لها بالراية التي هي علامة مَن هي له.

(وَالْمَعْنى‏

(4)

).

في بعض النسخ بفتح الميم وسكون المهملة والنون والألف؛ أي الموجود في نفسه الذي يقصد بالغاية. وفي بعض النسخ بضمّ الميم وفتح المعجمة وتشديد الخاتمة والألف، أو بسكون المعجمة وتخفيف الخاتمة والألف. يُقال: غيّيته وأغييتُهُ، أي جعلته ذا غاية؛ فمآل الجميع واحد.

(غَيْرُ الْغَايَةِ).

وقوله:

(وَالْغَايَةُ مَوْصُوفَةٌ)

أي بحدٍّ مسمّى، بقرينة التقييد فيما يجي‏ء. وهذا ابتداء دليل على أنّ ذا الغاية هنا غير الغاية؛ أي كلّ مفهوم وضع له لفظ- وهو ما سمّيناه هنا غايةً موصوف؛ أي يمكن بيانه للغير بكنه ما وضع اللفظ له، فإنّ وضع الألفاظ إنّما يكون للإفادة والاستفادة.

(وَكُلُّ مَوْصُوفٍ)

أي بحدٍّ مسمّى‏

(مَصْنُوعٌ، وَصَانِعُ الْأَشْيَاءِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِحَدٍّ مُسَمّىً).

____________

(1). في الكافي المطبوع: «مَنْ» بفتح الميم.

(2). في الكافي المطبوع: «غاياه».

(3). حكاه الرازي في تفسيره، ج 1، ص 108 عن الحشوية والكرامية والأشعرية؛ تفسير ابن كثير، ج 1، ص 20. وانظر تفسير البيضاوي، ج 1، ص 29.

(4). في الكافي المطبوع: «المغيا».

251

الحَدّ بالفتح: تمييز الشي‏ء عن الشي‏ء، والحاجز بين شيئين، ومنتهى الشي‏ء. والمراد هنا المائيّة. والمسمّى: المعيّن. والمراد بوصفه بحدّ مسمّى بيانه بشخصه، أو بكنه حقيقته. وهو احتراز عن وصفه بالمائيّة المطلقة، كما مرّ في سادس الثاني‏ (1) من قوله:

قال له السائل: فله إنّيّة ومائيّة؟ قال: «نعم لا يثبت الشي‏ء إلّابإنّيّة ومائيّة» أي وصانع الأشياء غير مصنوع.

وإنّما عبّر عن هذا المعنى بهذه العبارة إشارةً إلى دليل على قوله: «وكلّ موصوف مصنوع» هو ما بيّنّاه في أوّل الثاني، (2) وحاصله: أنّ المراد بالموصوف المبيّنُ بحدّ مسمّى، وهو إمّا بيانه‏ (3) بشخصه، أو بكنهه، وكلاهما باطل.

وأشار إلى بطلان الأوّل بقوله:

(لَمْ يَتَكَوَّنْ؛ فَيُعْرَفَ كَيْنُونِيَّتُهُ بِصُنْعِ غَيْرِهِ).

استئنافٌ بياني، والتكوّن: (4) التشكّل بشكل، وفي الحديث: «من رآني في المنام فقد رآني؛ فإنّ الشيطان لا يتكوّنني». (5) وفي رواية:

«لا يتكوّن في صورتي» (6) أي لا يتشكّل بشكلي، وحقيقته لا يصير كائناً بشكلي.

والكينون بفتح الكاف وسكون الخاتمة وضمّ النون: الكائن الحادث، والكينونيّة بزيادة ياء النسبة والتاء للمصدريّة: (7) الحدوث. ومضى في رابع «باب الكون والمكان».

والمراد هنا شكله وتشخّصه. والصنع: التدبير، والظرف متعلّق إمّا ب «يعرف» وإمّا ب «كينونيّة».

____________

(1). أي في الحديث 6 من باب إطلاق القول بأنّه شي‏ء.

(2). أي في الحديث 1 من باب إطلاق القول بأنّه شي‏ء.

(3). في «ج»: «ببيانه».

(4). في «ج»: «التكوين».

(5). النهاية لابن الأثير، ج 4، ص 211 (كون)؛ مسند أبي يعلى، ج 11، ص 405، ح 6530؛ الكامل لعبد اللَّه بن عدى، ج 4، ص 237، ح 1064؛ فتوحات المكّيّة، ج 1، ص 537.

(6). النهاية لابن الأثير، ج 4، ص 211 (كون)؛ مسند أبي يعلى، ج 11، ص 405، ح 6530؛ الكامل لعبد اللَّه بن عدى، ج 4، ص 237، ح 1064؛ فتوحات المكّيّة، ج 1، ص 537.

(7). في حاشية «أ»: «متعلّق بزيادة (مهدي)».

252

وأشار إلى بطلان الثاني بقوله:

(وَلَمْ يَتَنَاهَ إِلى‏ غَايَةٍ إِلَّا كَانَتْ غَيْرَهُ)

أي ولم يكن له في سلسلة أجزاء المحمولات عليه وتتبّع دقائقها إلى أقصى تدقيق المخلوقين انتهاء إلى كنه ذاته، فلا يمكن العلم بكنه ذاته بالنظر.

(لَا يَذِلُ‏

(1)

مَنْ فَهِمَ هذَا الْحُكْمَ أَبَداً).

خبرٌ عن عدم مذلّته في الدنيا في المباحثات، أو فيها (2) وفي العقبى، أو جملة دعائيّة.

(وَهُوَ التَّوْحِيدُ الْخَالِصُ، فَارْعَوْهُ وَصَدِّقُوهُ)

أي صدّقوا به.

(وَتَفَهَّمُوهُ)

أي تفكّروا طلباً لفهمه؛ يُقال: تفهّم الكلام: إذا فهمه شيئاً بعد شي‏ء.

(بِإِذْنِ اللَّهِ).

ذكْر هذا- مع أنّه لا يكون شي‏ء إلّابإذن اللَّه- تعليم أنّ المتفهّم ينبغي أن يعلم ذلك ويتوسّل به، ولا يجعل نفسه مستقلّة في الفكر والتفهّم ليتيسّر له ذلك.

وأشار إلى الأمر الثالث بقوله:

(مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْرِفُ اللَّهَ بِحِجَابٍ)

أي بتشبيهه بحجاب، بكسر المهملة وتخفيف الجيم. وهو في الأصل ما يستتر به، والمراد هنا جسم نوراني يتلألأ ويذهب بالأبصار، كما يجي‏ء في «كتاب الحجّة» في ثالث عشر «مولد النبيّ (صلى الله عليه و آله)». (3) ومضى نظيره في سابع التاسع. (4) أو المراد أمرٌ دقيق أدقّ ما بلغ إليه أذهان المخلوقين، وهو مستور عن كلّ ذهن سوى ذهن أوحَديّ الزمان، فكأنّه حجاب نفسه كالهيولى عند القائلين بأنّ كلّ جسم مركّبٌ من الهيولى والصورة.

(أَوْ بِصُورَةٍ).

الصورة بالضمّ: الشكل، والمراد هنا جسم ذو صورة أحسنَ ما يكون من الصور.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «يزلّ».

(2). في «أ»: «فيهما».

(3). الكافي، ج 1، ص 442، باب مولد النبي (صلى الله عليه و آله) ووفاته، ح 13.

(4). أي في الحديث 7 من باب في إبطال الرؤية.

253

(أَوْ بِمِثَالٍ).

المثال بكسر الميم: المقدار، والمراد هنا جسم ذو مقدار أعظمَ ما يكون من المقادير.

(فَهُوَ مُشْرِكٌ)؛

قد أشرك معه غيره في استحقاق العبادة.

(لِأَنَّ حِجَابَهُ وَمِثَالَهُ وَصُورَتَهُ غَيْرُهُ).

الضمائر الثلاثة الاوَل ل «من زعم» باعتبار أنّه معبوده، أو للَّه‏باعتبار أنّه مخلوقه؛ لأنّه خالق كلّ شي‏ء. وعلى التقديرين الضمير الرابع للَّه.

(وَإِنَّمَا هُوَ وَاحِدٌ)

أي لا شريك له.

(مُوَحَّدٌ

(1)

بصيغة اسم المفعول من باب التفعيل، أي يجب على المكلّفين نفي الشريك في استحقاق العبادة عنه.

(وَكَيْفَ‏

(2)

يُوَحِّدُهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَرَفَهُ بِغَيْرِهِ؟! وَإِنَّمَا عَرَفَ اللَّهَ مَنْ عَرَفَهُ بِاللَّهِ).

أي بتشبيهه بنفسه بمعنى نفي تشبيهه بغيره. وقد مضى في شرح ذيل أوّل الثالث ما (3) يوضح هذا.

(فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِهِ، فَلَيْسَ يَعْرِفُهُ، إِنَّمَا يَعْرِفُ غَيْرَهُ)؛

لأنّ اعتقاده يرجع إلى إنكار اللَّه تعالى حقيقةً، كما يدلّ عليه الحصر المفهوم من تقديم المفعول في قوله تعالى في سورة الزمر: «قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ». (4)

وأشار إلى الأمر الرابع بقوله:

(لَيْسَ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ شَيْ‏ءٌ).

استئناف لبيان أنّ غيره تعالى لا يكون إلّامن الجسمانيّات حتّى يتصحّح أنّ معرفته بغيره إنكار لصانع العالم؛ أي لا واسطة بينه تعالى وبين الجسمانيّات، فثبت أنّه لا مجرّد إلّااللَّه، وليس كمثله شي‏ء. واللام في «المخلوق» إمّا للعهد؛ أي الجسمانيّات، وإمّا للجنس بناءً على أنّ القائلين بالمجرّد قائلون بقدمه، سواء كان عقلًا أو نفساً. وقد ظهر امتناع مجرّد سوى اللَّه، وامتناع قديم سوى اللَّه في‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «مُتَوَحِّدٌ».

(2). في الكافي المطبوع: «فكيف».

(3). أي في الحديث 1 من باب أنّه تعالى لا يعرف إلّابه.

(4). الزمر (39): 64.

254

شرح عنوان الباب الأوّل. (1) ويمكن أن يكون المراد أنّه ليس شي‏ء مشتركاً ذاتيّاً بين الخالق والمخلوق.

وأشار إلى الأمر الخامس بقوله:

(وَاللَّهُ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ لَامِنْ شَيْ‏ءٍ كَانَ)

أي لا من مادّة قديمة؛ للزوم التسلسل في الحوادث المتعاقبة، وللزوم تعدّد الواجب الوجود؛ لما مرّ في شرح عنوان الباب الأوّل من أنّ القديم لا يتعلّق به إيجاد، فلا يكون المادّة قديمة. (2)

(وَاللَّهُ يُسَمّى‏ بِأَسْمَائِهِ وَهُوَ غَيْرُ أَسْمَائِهِ، وَالْأَسْمَاءُ غَيْرُهُ).

تأكيد وإعادة للأمر الأوّل.

____________

(1). أي باب حدوث العالم وإثبات المحدث.

(2). في «ج»: «قديماً».