الشافي في شرح الكافي - ج2

- خليل بن غازي‏ القزويني المزيد...
582 /
255

باب معاني الأسماء و اشتقاقها

الباب السادس عشر بَابُ مَعَانِي الْأَسْمَاءِ وَ اشْتِقَاقِهَا

فيه اثنا عشر حديثاً

، أوّلها ينحلّ إلى حديثين، وكذا رابعها.

والمراد ب «معاني الأسماء» هنا المفهومات التي وضعت الأسماء لها. و «اشتقاقها» عطف على المعاني. والضمير للأسماء، أي بيان ما وضع له الأسماء، وبيان أنّ كلّ الأسماء من المشتقّات، أي ليس فيها عَلَم شخصي ولا اسم جنس.

الأوّل:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَحْيى‏، عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ تَفْسِيرِ

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»*

قَالَ‏

(1)

: «الْبَاءُ بَهَاءُ اللَّهِ، وَالسِّينُ سَنَاءُ اللَّهِ، وَالْمِيمُ مَجْدُ اللَّهِ‏

(2)

- وَرَوى‏ بَعْضُهُمْ).

الظاهر أنّ الضمير راجع إلى «عدّة»، والمقصود أنّه روى بدل «الميم مجدُ اللَّه»:

(الْمِيمُ مُلْكُ اللَّهِ).

ليس المقصود أنّ هذه الحروف مستعملة في هذه المعاني، بل المقصود أنّ المتكلّم بكلام يستعمله في معنى قد يركّبه من حروف مناسبة لأوصافه، ويقصد أداء الأوصاف إلى ذهن المخاطب، كما تقول حكايةً عن بخيل لئيم: «بلّ فلان» (3).

____________

(1). في الكافي المطبوع: «فقال».

(2). في حاشية «أ»: «اشير بهذا التفسير إلى علم الحروف؛ فإنّه علم شريف يمكن أن يستنبط منه جميع العلوم والمعارف، كلّيّاتها وجزئيّاتها، إلّاأنّه مكنون عند أهله، وكان الرحمن إنّما هو من الرحمة التي وسعت كلّ شي‏ء، والرحيم من الرحمة التي يختصّ بها من يشاء من عباده». الوافي، ج 1، ص 469، ذيل ح 379.

(3). لا يخفى عليك أنّ الباء في «بلّ» مأخوذة من بخيل، واللام مأخوذة من لئيم، وقد تبدل هذه الكلمة ويستعمل‏غيرها أو قريب منها مثل «رطب».

256

وقد يركّبه من حروف غير مناسبة لأوصافه؛ لعدم قصده إلى الأوصاف، كما تقول حكايةً عنه: «رطب فلان». ولا شكّ أنّ الكلام الأوّل أبلغ وأعلى مرتبةً من الثاني.

ونظير ذلك قوله تعالى في وصف الشجرة الملعونة في القرآن وهم بنو اميّة:

«وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً» (1).

وربّما يقصَدُ بكلام واحد معانٍ مختلفة غير متعارضة، وبذلك يصير في أعلى طبقات البلاغة، كما قالوا في تعدّد بطون القرآن.

(وَاللَّهُ إِلهُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ).

ظاهره أنّ اللام هنا للعهد الخارجي.

(الرَّحْمنُ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ)

أي مخلوقاته حيث يعطي كلّاً منها ما يليق به من الخلق، أي التدبير.

(وَالرَّحِيمُ بِالْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً)؛

حيث يسدّدهم ويغفر لهم ذنوبهم وهو وليّهم.

الثاني:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ: أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَاشْتِقَاقِهَا: اللَّهُ مِمَّا هُوَ مُشْتَقٌّ؟ فَقَالَ: يَا هِشَامُ، اللَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ إِلهٍ، وَإلهُ‏

(2)

يَقْتَضِي مَأْلُوهاً، وَالِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمّى‏، فَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ دُونَ الْمَعْنى‏، فَقَدْ كَفَرَ وَلَمْ‏ يَعْبُدْ شَيْئاً؛ وَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ وَالْمَعْنى‏، فَقَدْ أَشْرَكَ وَعَبَدَ اثْنَيْنِ؛ وَمَنْ عَبَدَ الْمَعْنى‏ دُونَ الِاسْمِ، فَذَاكَ التَّوْحِيدُ، أَفَهِمْتَ يَا هِشَامُ؟

قَالَ: قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْماً، فَلَوْ كَانَ الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمّى‏، لَكَانَ كُلُّ اسْمٍ مِنْهَا إِلهاً، وَلكِنَّ اللَّهَ مَعْنىً يُدَلُّ عَلَيْهِ بِهذِهِ الْأَسْمَاءِ وَكُلُّهَا غَيْرُهُ.

يَا هِشَامُ، الْخُبْزُ اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ، وَالْمَاءُ اسْمٌ لِلْمَشْرُوبِ، وَالثَّوْبُ اسْمٌ لِلْمَلْبُوسِ، وَالنَّارُ اسْمٌ لِلْمُحْرِقِ؛ أَفَهِمْتَ يَا هِشَامُ فَهْماً تَدْفَعُ بِهِ، وَتُنَاقِلُ‏ (3) بِهِ أَعْدَاءَنَا)؛ بالنون والقاف بصيغة المضارع المخاطب المعلوم من باب المفاعلة، أو من باب التفاعل بحذف إحدى التاءين.

____________

(1). الإسراء (17): 60.

(2). في الكافي المطبوع: «الإله».

(3). في الكافي المطبوع: «تُناضِل».

257

والمناقلة والتناقل: سرعة نقل الشي‏ء من حالة إلى اخرى، والمراد هنا الإسكات وإلزام الحقّ.

(الْمُلحِدِينَ‏

(1)

مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ غَيْرَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: نَفَعَكَ اللَّهُ بِهِ وَثَبَّتَكَ يَا هِشَامُ.

قَالَ‏

(2)

: فَوَ اللَّهِ، مَا قَهَرَنِي أَحَدٌ فِي التَّوْحِيدِ حَتّى‏ قُمْتُ مَقَامِي هذَا).

مضى هذا في ثالث «باب المعبود» بأدنى تغيير.

الثالث:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَحْيى‏، عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: سُئِلَ عَنْ مَعْنَى اللَّهِ، فَقَالَ:

اسْتَوْلى‏ عَلى‏ مَا دَقَّ وَجَلَّ).

(3) يعني أنّ اللام في «اللَّه» للعهد الخارجي؛ أي الإله الذي خلق السماوات والأرض بقول: «كُن» وهو الغالب الذي بيده أزمّة الامور كلّها، صغيرها وكبيرها.

الرابع:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ هِلَالٍ)

، بكسر الهاء

(قَالَ: سَأَلْتُ الرِّضَا (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏

(4)

:

«اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (5)

فَقَالَ: هَادٍ لِأَهْلِ السَّمواتِ،

(6)

وَهَادٍ لِأَهْلِ الْأَرْضِ).

(وَفِي رِوَايَةِ الْبَرْقِيِّ: هُدى‏ مَنْ فِي السَّمَاءِ، وَهُدى‏ مَنْ فِي الْأَرْضِ).

مآل الروايتين واحد، والمراد بالهداية إراءة طريق العلم بأحكامه في الحلال والحرام ببعث الرُّسل، وإنزال الكتب، وتعيين الأوصياء، وإراءة حظر اتّباع الظنّ والاختلاف عن رأي، ونحو ذلك.

الخامس:

(أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيى‏، عَنْ‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «المتّخذين».

(2). في الكافي المطبوع:+/ «هشام».

(3). في حاشية «أ»: «لما كان اللَّه اسماً للذات الأحديّة القيوميّة، فسّر بما يختصّ به الذات، وهو استيلاؤها على الدقيق‏والجليل» الوافي، ج 1، ص 470، ذيل ح 380.

(4). في الكافي المطبوع:+/ «عزّوجلّ».

(5). النور (24): 35.

(6). في الكافي المطبوع: «السماء».

258

فُضَيْلِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)

في سورة الحديد:

( «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ» (1)

وَقُلْتُ: أَمَّا «الْأَوَّلُ» فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، وَأَمَّا «الْآخِرُ» فَبَيِّنْ لَنَا تَفْسِيرَهُ.

فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ إِلَّا يَبِيدُ

(2)

يُقال: باد الشي‏ء: إذا هلك.

(أَوْ يَتَغَيَّرُ)

أي يزيد في أجزائه وينقص.

(أَوْ يَدْخُلُهُ التَّغَيُّرُ)

أي يمكن فيه أن يتغيّر من نقصان في أجزائه إلى زيادة، أو من زيادة في أجزائه إلى نقصان.

(وَالزَّوَالُ)

أي يمكن فيه أن يبيد.

(أَوْ يَنْتَقِلُ مِنْ لَوْنٍ إِلى‏ لَوْنٍ، وَمِنْ هَيْئَةٍ)

أي شكل. وإنّما عُطف بالواو ولم يعطف ب «أو» كما سبق إشارةً إلى أنّ قوله: «أو ينتقل» إلى آخره قسيم لما قبله، فإنّ ما قبله باعتبار الأجزاء والذات، وهو إلى آخره باعتبار العوارض.

(إِلى‏ هَيْئَةٍ، وَمِنْ صِفَةٍ)

أي موجودة في نفسها في الخارج‏

(إِلى‏ صِفَةٍ، وَمِنْ زِيَادَةٍ)

في صفته‏

(إِلى‏ نُقْصَانٍ، وَمِنْ نُقْصَانٍ)

في صفته‏

(إِلى‏ زِيَادَةٍ إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ بِحَالَةٍ وَاحِدَةٍ)

أي ليس فيه إمكان تغيّر (3) موجود في نفسه في الخارج.

(هُوَ الْأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ، وَهُوَ الْآخِرُ عَلى‏)

نهجيّة

(مَا لَمْ يَزَلْ)

أي على ما كان أوّلًا؛ أي لا يمكن فيه التغيّر (4) بحسب ذاته. وهذا ناظر إلى قوله: «إلّا يبيد» إلى قوله: «والزوال».

(وَلَا تَخْتَلِفُ عَلَيْهِ الصِّفَاتُ)

أي لا يمكن اختلاف صفة موجودة في الخارج فيه؛ لأنّه ليس له صفة كذلك. وهذا ناظر إلى قوله: «أو ينتقل» إلى قوله: «إلى زيادة».

(وَالْأَسْمَاءُ

(5)

).

وقوله:

(كَمَا تَخْتَلِفُ عَلى‏ غَيْرِهِ)،

إشارةٌ إلى دفع توهّم أنّه لا يتغيّر عليه‏

____________

(1). الحديد (57): 3.

(2). في الكافي المطبوع: «أن يبيدَ» بدل «يبيدُ».

(3). في «ج»: «تغيير».

(4). في «ج»: «التغيير».

(5). في «أ»: «للأسماء».

259

الصفات والأسماء أصلًا، فإنّه يختلف عليه صفات الفعل وأسماء بحسبها.

فالمقصود أنّه لا يختلف عليه الصفات الموجودة في أنفسها في الخارج.

(مِثْلُ الْإِنْسَانِ)

أي بدن الإنسان‏

(الَّذِي يَكُونُ تُرَاباً مَرَّةً، وَمَرَّةً لَحْماً وَدَماً، وَمَرَّةً رُفَاتاً).

الرفات: كلّ ما دقَّ وكسر.

(وَرَمِيماً)

أي عظماً بالياً متفتّتاً.

(وَكَالْبُسْرِ الَّذِي يَكُونُ مَرَّةً بَلَحاً، وَمَرَّةً بُسْراً، وَمَرَّةً رُطَباً وَمَرَّةً تَمْراً).

التمر في أوّل بدوه يسمّى «طلعاً» بفتح المهملة وسكون اللام ومهملة، ثمّ «خلالًا» بفتح المعجمة وتخفيف اللام، ثمّ «بلحاً» بفتح الموحّدة وفتح اللام ومهملة، ثمّ «بسراً» بضمّ الموحّدة وسكون المهملة ومهملة، ثمّ «رطباً» ثمّ «تمراً».

وقيل: البلح قبل الخلال. (1)

(فَتَتَبَدَّلُ عَلَيْهِ الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ، وَاللَّهُ- عَزَّوَجَلَ‏

(2)

- بِخِلَافِ ذلِكَ).

حاصل تفسيره إرجاع معنى الآخر إلى سلبي هو عدم التغيّر أصلًا، أو وجودي هو البقاء على ما كان أوّلًا.

السادس:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ مَيْمُونٍ الْبَانِ)؛

بالموحّدة والألف وتخفيف النون، وهو في الأصل اسم شجر لحَبّ ثمره دهن طيّب، (3) أو هو بتشديد النون من بنّ بالمكان من باب ضرب، أي أقام، (4) كأبَنَّ. والبَنّة بالفتح: الريح الطيّبة والمنتنة. (5)

(قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ، فَقَالَ: الْأَوَّلُ لَاعَنْ أَوَّلٍ)؛

____________

(1). الصحاح، ج 1، ص 356 (بلح).

(2). في الكافي المطبوع: «جلّ وعزّ».

(3). القاموس المحيط، ج 4، ص 203؛ مجمع البحرين، ج 2، ص 398 (البون).

(4). معجم مقاييس اللغة، ج 1، ص 192؛ تاج العروس، ج 18، ص 70 (بنن).

(5). كتاب العين، ج 8، ص 372؛ النهاية، ج 1، ص 157؛ لسان العرب، ج 13، ص 58 (بنن).

260

بالجرّ والتنوين.

(قَبِلَهُ)

(1)

،

بصيغة الماضي المعلوم من باب علم، والضمير المستتر راجع إلى «اللَّه» والبارز راجع إلى «أوّل»، والجملة نعتُ «أوّل».

والمقصود نفي أن يكون أوّليّته باعتبار أمر موجود في الخارج حلّ فيه تعالى في الزمان الماضي، ويفنى بعد ذلك.

(وَلَا عَنْ بَدِي‏ء

(2)

بفتح الموحّدة وكسر المهملة وسكون الخاتمة والهمز، وقد يشدّد الخاتمة بعد قلب الهمز: الحادث المخلوق.

والمراد هنا أمر موجود في نفسه يحلّ فيه تعالى.

(سَبَقَهُ)؛

بصيغة الماضي المعلوم من باب نصر وضرب، والضمير المستتر راجع إلى «اللَّه» والبارز إلى «بَدِي‏ء»، والجملة نعت «بَدِي‏ء».

والمقصود نفي أن يكون أوّليّته تعالى باعتبار سبق ذاته بدون صفة موجودة في نفسها على حدوث صفة موجودة في نفسها فيه تعالى.

(وَالْآخِرُ لَاعَنْ نِهَايَةٍ)؛

بكسر النون والخاتمة والتاء: الغاية؛ أو بضمّ النون. وقيل:

بكسرها والهمز والضمير الراجع إلى اللَّه: الارتفاع. وحاصلهما واحد.

والمقصود نفي أن يكون آخريّته تعالى باعتبار بلوغه غاية وكمالًا لم يكن في الزمان الماضي.

(كَمَا يُعْقَلُ مِنْ صِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ)،

مثل قولنا: ما لابن آدم والفخر، إنّما أوّله منيّ، وآخره منيّة.

(وَلكِنْ قَدِيمٌ، أَوَّلٌ، آخِرٌ، لَمْ يَزَلْ، وَلَا يَزَالُ،

(3)

بِلَا بَدْءٍ وَلَا نِهَايَةٍ)،

يعني ليس أوّليّته قبل آخريّته، فإنّ المراد بمجموعهما عدم التغيّر (4) في حال من أحواله. ويوافق هذا ما في‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «قَبْلَهُ».

(2). في الكافي المطبوع: «بَدْء».

(3). في الكافي المطبوع: «يزول».

(4). في «ج»: «التغيير».

261

نهج البلاغة من خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام): «الذي لم يسبق له حال حالًا، فيكون أوّلًا قبل أن يكون آخراً». (1)

(لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْحُدُوثُ).

استئناف لبيان ما سبق، وهذا ناظر إلى قوله: «قديم». وإن جعل «الحدوث» جمع حادث كقُعود جمع قاعد (2)، كان ناظراً إلى «أوّلٌ، آخِرٌ». وقوله:

(وَلَا يَحُولُ مِنْ حَالٍ إِلى‏ حَالٍ)،

ناظرٌ إلى قوله: «أوّل، آخر»، ومعناه ما مرّ في خامس الباب.

(خَالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ).

تحقيق لأوّليّته وآخريّته بالمعنى المذكور بأنّه لولا ذلك لم يكن خالقاً لكلّ شي‏ء.

السابع:

(مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَفَعَهُ إِلى‏ أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي (عليه السلام)، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالى‏، لَهُ أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ فِي كِتَابِهِ).

مضى تفسير الأسماء والصفات في شرح أوّل الخامس، (3) ومضى في شرح ثالث الخامس عشر (4) أنّهما متّحدان بالذات، متغايران بالاعتبار.

(وَأَسْمَاؤُهُ).

في كتاب التوحيد لابن بابويه «فأسماؤه» بالفاء. (5)

(وَصِفَاتُهُ هِيَ هُوَ؟ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): إِنَّ لِهذَا الْكَلَامِ وَجْهَيْنِ)

أي يحتمل هذا الكلام معنيين:

(إِنْ كُنْتَ تَقُولُ: «هِيَ هُوَ»، أَيْ إِنَّهُ ذُو عَدَدٍ وَكَثْرَةٍ)،

بأن يكون المراد حمل مفهومات تلك الألفاظ على ذاته حملَ الذاتي على الشي‏ء حتّى يصير ذاته ذا أجزاء متعدّدة (6) كثيرة

____________

(1). نهج البلاغة، ص 96، الخطبة 65.

(2). في حاشية «أ»: «ومنه قوله تعالى في سورة البقرة «وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ» (مهدي)». والآية سورة البقرة (2): 125.

(3). أي في الحديث 1 من باب المعبود.

(4). أي في الحديث 3 من باب حدوث الأسماء.

(5). التوحيد، ص 193، باب أسماء اللَّه تعالى و ...، ح 7.

(6). في «ج»: «متعدد».

262

ضرورةَ تغاير مفهومات الألفاظ.

(فَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذلِكَ؛ وَإِنْ كُنْتَ تَقُولُ: هذِهِ الصِّفَاتُ وَالْأَسْمَاءُ لَمْ تَزَلْ)

أي قديمة.

(فَإِنَّ)؛

بكسر الهمزة وتشديد النون.

( «لَمْ تَزَلْ»)

أي لفظ «لم تزل» باعتبار ما يفهم منه.

(مُحْتَمِلٌ)؛

بصيغة اسم الفاعل.

(مَعْنَيَيْنِ. فَإِنْ قُلْتَ)

أي فإن أردت.

(لَمْ تَزَلْ عِنْدَهُ فِي عِلْمِهِ وَهُوَ مُسْتَحِقُّهَا)

أي مستحقّ الأسماء والصفات.

(فَنَعَمْ؛ وَإِنْ كُنْتَ تَقُولُ: لَمْ يَزَلْ تَصْوِيرُهَا)

أي جعلها ذات صور بإيجادها في نفسها في ذهن، أو في خارج الذهن.

(وَهِجَاؤُهَا)؛

بكسر الهاء والجيم والمدّ مصدر ناقص باب نصر، أي عدّها واحداً فواحداً، كما يكون في الامور الموجودة في أنفسها.

(وَتَقْطِيعُ حُرُوفِهَا)

أي تفصيل حدودها، وتمييز كلّ واحدٍ منها عن الباقي، كما يكون في الامور الموجودة في أنفسها.

(فَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شَيْ‏ءٌ)

موجود في نفسه‏

(غَيْرُهُ، بَلْ كَانَ اللَّهُ وَلَا خَلْقَ، ثُمَّ خَلَقَهَا)

أي الأسماء والصفات‏

(وَسِيلَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، يَتَضَرَّعُونَ بِهَا إِلَيْهِ، وَيَعْبُدُونَهُ وَهِيَ)

أي الأسماء والصفات‏

(ذِكْرُهُ، وَكَانَ اللَّهُ وَلَا ذِكْرَ، وَالْمَذْكُورُ بِالذِّكْرِ هُوَ اللَّهُ الْقَدِيمُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ، وَالْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ مَخْلُوقَاتٌ، وَالْمَعَانِي).

الواو بمعنى «مع». والمراد بالمعاني مفهومات سائر ألفاظ كتاب اللَّه، كمفهوم الأرض والسماء والبرّ والبحر ونحو ذلك. ولا يستلزم ذلك أن تكون الصفات الموجودة في الخارج وجوداً (1) رابطيّاً فقط، القائمة بذاته تعالى قياماً حقيقيّاً مخلوقات‏ (2) كما تقرّر في محلّه.

(وَالْمَعْنِيُّ)؛

بكسر النون وشدّ الخاتمة، أو بفتح النون والألف؛ أي المقصود بالذات.

____________

(1). في حاشية «أ»: «مصدر للموجودة (مهدي)».

(2). في حاشية «أ»: «خبر تكون في قوله: أن تكون الصفات (مهدي)».

263

(بِهَا)؛

أي بالأسماء والصفات.

(هُوَ اللَّهُ).

مضى تفسيره في أوّل الخامس عشر (1) عند قوله: «فالظاهر هو اللَّه».

وهذا إشارة إلى ما تقرّر في محلّه من الفرق بين العلم بالشي‏ء بالوجه، والعلمِ بوجه الشي‏ء، وإلى أنّ ما نحن فيه من الأوّل، لا الثاني.

(الَّذِي لَايَلِيقُ بِهِ الِاخْتِلَافُ وَلَا الِائْتِلَافُ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ وَيَأْتَلِفُ الْمُتَجَزِّئُ، فَلَا يُقَالُ: اللَّهُ مُخْتَلِفُ وَلَا

(2)

مُؤْتَلِفٌ، وَلَا اللَّهُ قَلِيلٌ ولَا كَثِيرٌ، وَلكِنَّهُ الْقَدِيمُ فِي ذَاتِهِ)

أي لو كان مؤتلفاً وقليلًا أو كثيراً، لكان غير قديم ومخلوقاً. وقوله:

(لِأَنَّ)،

استدلالٌ على قوله: «لا يُقال: اللَّه مختلف» إلى قوله: «ولا كثير».

(مَا سِوَى الْوَاحِدِ مُتَجَزِّئٌ)

أي لا متجزّئ إلّاما لم يكن واحداً.

(وَاللَّهُ وَاحِدٌ، لَامُتَجَزِّئٌ وَلَا مُتَوَهَّمٌ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ)

أي ولا يتصوّر فيه القلّة والكثرة.

وقوله:

(وَكُلَّ)،

ناظرٌ إلى قوله: «ولكنّه القديم في ذاته» ودليل عليه باعتبار ما فسّرناه به، فهو منصوب معطوف على اسم «إنّ».

(مُتَجَزِّئٍ أَوْ مُتَوَهَّمٍ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، فَهُوَ مَخْلُوقٌ دَالٌّ عَلى‏ خَالِقٍ لَهُ؛ فَقَوْلُكَ).

الفاء تفريعيّة؛ أي إذا ثبت أنّه ليس معهُ شي‏ء غيره في الأزل أي موجود في نفسه، ثبت أنّ قولك:

( «إِنَّ اللَّهَ قَدِيرٌ» خَبَّرْتَ).

التخبير والإخبار بمعنى، والعائد إلى المبتدأ محذوف، أي خبرّت به.

(أَنَّهُ لَايُعْجِزُهُ)؛

من الإعجاز.

(شَيْ‏ءٌ، فَنَفَيْتَ بِالْكَلِمَةِ)

أي بالكلام، كما تقول: كلمة التوحيد.

(الْعَجْزَ، وَجَعَلْتَ الْعَجْزَ سِوَاهُ)

أي غير محمول عليه. وإنّما عبّر عن هذا بذاك لأنّ حمل القدرة التي تقابل العجز حمل لصفة الذات التي هي عين الذات بالمعنى الذي مضى ذكره.

____________

(1). أي في الحديث 1 من باب حدوث الأسماء.

(2). في الكافي المطبوع:-/ «مختلف ولا».

264

(وَكَذلِكَ قَوْلُكَ: «عَالِمٌ» إِنَّمَا نَفَيْتَ بِالْكَلِمَةِ الْجَهْلَ)

أي إنّما المقصود بالكلمة نفي الجهل.

(وَجَعَلْتَ الْجَهْلَ سِوَاهُ).

قد يتوهّم‏ (1) من أمثال هاتين العبارتين أنّ المقصود أنّ القدرة والعلم ونحوهما من صفات ذاته تعالى يرجع إلى معان سلبيّة.

وهذا خلاف البديهة، بل مقصوده (عليه السلام) أنّه ليس إثبات القدرة أو العلم له تعالى إثباتاً لآلة أو قلب، ولا إثباتاً لأمرٍ موجود في نفسه قائم به، كما يشير إليه بقوله بعد ذلك:

«لطيف بلا كيف»، بل إثبات محض ما يقابل العجز أو الجهل؛ أي أمر لولا ثبوته لكان العجز أو الجهل ثابتاً؛ إذ لا واسطة بين القدرة والعجز، ولا بين العلم والجهل.

ويمكن أن يكون المراد الفرق بين علم اللَّه وعلم العباد مع اشتراك العلم معنى بينهما، بأنّ إثبات العلم للعباد لا ينفي عنهم الجهل بالكلّيّة، بخلاف إثبات العلم للَّه تعالى؛ فإنّ المتقابلين أي العلم والجهل يجتمعان في العباد من جهتين، بخلاف اللَّه؛ وكذا الكلام في القدرة.

(وَإِذَا أَفْنَى اللَّهُ الْأَشْيَاءَ)

بعد ذلك. وهو الذي اشير إليه في نهج البلاغة في خطبة أوّلها:

«ما وحّده من كيّفه» من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) «و أنّه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شي‏ء معه، كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها» الخطبة. (2)

(أَفْنَى الصُّورَةَ وَالْهِجَاءَ وَالتَّقْطِيعَ)

أي التي حدثت في أذهان العباد من صورة الأسماء والصفات وهجائها وتقطيع حروفها على ما مرّ تفسيره آنفاً.

(وَلَا يَزَالُ مَنْ لَمْ يَزَلْ عَالِماً)

أي بلا كيف.

(فَقَالَ الرَّجُلُ: فَكَيْفَ سَمَّيْنَا رَبَّنَا سَمِيعاً؟).

الفاء في قوله: «فكيف» للتفريع؛ أي إذا لم يكن معه تعالى شي‏ء غيره في الأزل لم يكن مسموع ولا سمع، فكيف يسمّى سميعاً.

وهذا مبنيّ على الخلط بين السميع والسامع، وبين السمع المعقول في الرأس وغيره.

____________

(1). في حاشية «أ»: «المتوهم مولانا محمّد أمين الإسترابادي رحمه الله».

(2). نهج البلاغة، ص 276، الخطبة 186.

265

(فَقَالَ).

أجاب (عليه السلام)، فدفع توهّمه الأوّل بقوله:

(لِأَنَّهُ لَايَخْفى‏ عَلَيْهِ مَا يُدْرَكُ بِالْأَسْمَاعِ)،

يعني ليس السميع من يسمع، بل من لو وقع مسموع لَسمع. ودفع توهّمه الثاني بقوله:

(وَلَمْ نَصِفْهُ بِالسَّمْعِ الْمَعْقُولِ)

أي المعروف‏

(فِي الرَّأْسِ. وَكَذلِكَ سَمَّيْنَاهُ بَصِيراً؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْفى‏ عَلَيْهِ مَا يُدْرَكُ بِالْأَبْصَارِ مِنْ لَوْنٍ أَوْ شَخْصٍ)

أي جسم‏

(أَوْ غَيْرِ ذلِكَ)،

من نحو صِغَر وكِبَر، وقُرب وبُعد.

(وَلَمْ نَصِفْهُ بِبَصَرِ لَحْظَةِ الْعَيْنِ. وَكَذلِكَ سَمَّيْنَاهُ لَطِيفاً؛ لِعِلْمِهِ بِالشَّيْ‏ءِ اللَّطِيفِ مِثْلِ الْبَعُوضَةِ)؛

واحدة البعوض، وهي البقّ.

(وَأَخْفى‏ مِنْ ذلِكَ، وَمَوْضِعِ النُّشُوءِ)؛

بالنون والمعجمة المضمومتين وسكون الواو والهمز، مصدر باب منع وحسن؛ أي موضع الحدوث، وهو آلة التوالد من الذَّكر والانثى، ويمكن أن يكون بكسر النون وسكون المعجمة والواو بمعنى شمّ الريح، وموضعه الشامّة.

(مِنْهَا)

أي من البعوضة وأخفى.

(وَالْعَقْلِ)

بقدر ما تجلب به منافعها، وتدفع به مضارّها.

(وَالشَّهْوَةِ؛ لِلسِّفَادِ

(1)

بكسر المهملة والفاء والألف والمهملة، مصدر باب ضرب وعلم: نزو الذكر على الانثى. (2)

(وَالْحَدَبِ)؛

بفتح المهملتين والموحّدة، مصدر باب علم: التعطّف.

(عَلى‏ نَسْلِهَا، وَإِقَامِ)؛

بكسر الهمزة، مصدر قولك: أقام بالمكان إقامةً وإقاماً: إذا لزم.

(بَعْضِهَا عَلى‏ بَعْضٍ)

أي على ولده لحفظه.

(وَنَقْلِهَا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ إِلى‏ أَوْلَادِهَا فِي الْجِبَالِ وَالْمَفَاوِزِ)؛

جمع «مفازة» وهي البّريّة؛ سمّيت بذلك لأنّها مَهلكةُ مَن فاز أي هلك، أو تفاؤلًا بالسلامة. والفوز من فاز،

____________

(1). في الكافي المطبوع: «السَّفاد» بفتح السين.

(2). الصحاح، ج 2، ص 489 (سفد).

266

أي نجا وظفر بالخير.

(وَالْأَوْدِيَةِ)؛

جمع «واد» على غير قياس، إنّما يجمع على أفعلة فعيل مثل سريّ وأسرية للنهر.

(وَالْقِفَارِ)؛

بكسر القاف والفاء جمع «قفر» بالفتح، وهو (1) المفازة التي لا نبات فيها ولا ماء.

(فَعَلِمْنَا أَنَّ خَالِقَهَا لَطِيفٌ بِلَا كَيْفٍ)

أي بلا أمر موجود في الخارج في نفسه عارض له تعالى، والظرف قيد للعلم لا للمعلوم.

(وَإِنَّمَا الْكَيْفِيَّةُ لِلْمَخْلُوقِ الْمُكَيَّفِ. وَكَذلِكَ سَمَّيْنَا رَبَّنَا قَوِيّاً لَابِقُوَّةِ الْبَطْشِ‏

). هو السطوة والأخذ بالعنف.

(الْمَعْرُوفِ مِنَ الْمَخْلُوقِ، وَلَوْ كَانَتْ‏

(2)

قُوَّتُهُ قُوَّةَ الْبَطْشِ الْمَعْرُوفِ مِنَ الْمَخْلُوقِ، لَوَقَعَ‏ التَّشْبِيهُ)

في الجسميّة.

(وَلَاحْتَمَلَ الزِّيَادَةَ)

في مقدار جسمه.

(ومَا احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ احْتَمَلَ النُّقْصَانَ).

قد مرّ شرحه في سادس «باب النهي عن الجسم والصورة».

(وَمَا كَانَ نَاقِصاً)

أي ما احتمل النقصان.

(كَانَ غَيْرَ قَدِيمٍ)؛

لأنّ ما ثبت قِدَمه امتنع عدمه.

(وَمَا كَانَ غَيْرَ قَدِيمٍ كَانَ عَاجِزاً)؛

لأنّه مخلوق مدبّر وجوده بقدرة خالقه الغالب عليه، لا يمكنه الامتناع عن تدبيره. وقد دلّ الدلائل على وجود صانع للعالم بري‏ء من كلّ نقص.

(فَرَبُّنَا- تَبَارَكَ وَتَعَالى‏- لَاشِبْهَ لَهُ وَلَا ضِدَّ، وَلَا نِدَّ)

أي لا مثل.

(وَلَا كَيْفَ، وَلَا نِهَايَةَ، وَلَا بِبَصَّارِ

(3)

بَصَرٍ).

الذي في النسخ بالموحّدتين: اولاهما

____________

(1). في «ج»: «وبالفتح هو» بدل «بالفتح وهو».

(2). في «ج»: «كان».

(3). في الكافي المطبوع: «ولا تَبْصارَ».

267

مكسورة جارّة، وثانيتهما مفتوحة، وشدّ المهملة؛ أي ليس ببصّار بصر، وهو كلام برأسه؛ اعطي «لا» حكم‏ (1) «ليس»؛ لمضارعتها لها في النفي كقول الأخطل:

وشارب مُربحٍ بالكأس نادمني‏ (2)* * * لا بالحَصور

(3) ولا فيها بساّرٍ (4)

ولعلّه بالمثنّاة فوقُ المفتوحةِ، أو المكسورة وسكون الموحّدة، مصدر باب التفعيل، أو اسم المصدر كتكرار بالفتح والكسر، يُقال: بصر به كعلم وحسن: إذا رآه.

وبصّر به بالتشديد للمبالغة.

(وَمُحَرَّمٌ عَلَى الْقُلُوبِ أَنْ تُمَثِّلَهُ)

أي لا يتأتّى من القلوب تمثيله أي تصويره بصورة.

(وَعَلَى الْأَوْهَامِ أَنْ تَحُدَّهُ، وَعَلَى الضَّمَائِرِ أَنْ تُكَوِّنَهُ)

أي أن تتصوّره على ما هو كائن عليه. والمعنى: أن يعلم مائيّته.

(جَلَّ وَعَزَّ عَنْ إِدَاتِ).

أصلها «إدوات» حذفت الواو لمناسبة «سمات».

(خَلْقِهِ، وَسِمَاتِ بَرِيَّتِهِ، وَتَعَالى‏ عَنْ ذلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً).

الثامن:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ (عليه السلام): اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ؟ فَقَالَ: مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): حَدَدْتَهُ)

أي حصرت اللَّه أكبر في بعض معناه؛ إذ معناه فوق هذا وأشمل منه.

(فَقَالَ الرَّجُلُ: كَيْفَ أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُوصَفَ)

أي من أن يعرف كنه كبريائه وعظمته.

أفعل التفضيل قد يستعمل للمفاضلة بين شيئين محقّقين مشتركين في المشتقّ منه،

____________

(1). في حاشية «أ»: « (لا) مفعول أول قائم مقام الفاعل، (حكم) مفعول ثان مهدي».

(2). نادمه منادمة ونداماً: جالسه على الشراب. القاموس المحيط، ج 4، ص 180 (نوم).

(3). الحصور: الضيق الصدر. القاموس المحيط، ج 2، ص 9 (حصر).

(4). ذكر صدره الخليل الفراهيدي في كتاب العين، ج 3، ص 114 عن الأخطل، وذكره بتمامه في ج 7، ص 289، وفيه: «بسوار» بدل «بسآر». وذكره ابن السكّيت في ترتيب إصلاح المنطق، ص 16، وفيه: «بسوار»؛ وابن قتيبة في غريب الحديث، ج 2، ص 105؛ والجوهري في الصحاح، ج 2، ص 632.

268

كقولك: زيد أطول من عمرو، أو أقصر منه. وقد يستعمل للتبعيد عن وصف، كقولك:

زيد أجلّ من أن يتكلّم فيه أو أدنى منه. والمفضّل عليه هنا غير محقّق بل مفروض، وهو نفس المفضّل باعتبارٍ آخَرَ، كأنّك تقول: هو أجلّ ممّن تصوّرته بالوصف الفلاني، وفرضته أنّه هو.

والمقصود هنا بيان أنّ لفظ «اللَّه أكبر» لمّا كان مفتتح كلّ صلاة، ومفتتح الأذان والإقامة والتعقيب، وكان الاهتمام به أعظم من الاهتمام بما عداه من الأذكار، كان الأنسب به أن يكون من القسم الثاني؛ لأنّه لو كان من القسم الأوّل كان مفاده يسيراً سهلًا لا يصلح لهذا الاهتمام.

فالمراد أنّ اللَّه أكبر من أن يعرف العباد قدر عظمته، كقوله: «وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» (1). ومضى بيانه في سادس العاشر وحادي عشره وثاني عشره. (2)

فلا منافاة بين هذا الحديث وبين ما يجي‏ء في «كتاب الحجّ» في ثاني «باب دخول المسجد الحرام» من قوله: «اللَّه أكبر، أكبر من خلقه، وأكبر ممّن أخشى وأحذر». (3)

و لا ينافي أيضاً قوله تعالى: «أَحْسَنُ الْخالِقِينَ» (4)؛ فإنّ خلاف طوائف الجبريّة باعث للاهتمام بإثبات خالق في الجملة في هذا المقام.

التاسع:

(وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ مَرْوَكِ)؛

بفتح الميم وسكون المهملة وفتح الواو، اسمه: صالح. (5)

(بْنِ عُبَيْدٍ)،

مصغّراً.

(عَنْ جُمَيْعِ)؛

بضمّ الجيم، وفتح الميم، وسكون الخاتمة.

(بْنِ عُمَيْرٍ)؛

بضمّ المهملة، وفتح الميم، وسكون الخاتمة.

____________

(1). الأنعام (6): 91.

(2). أي في الحديث 6 و 11 و 12 من باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه.

(3). الكافي، ج 4، ص 404، باب الدعاء عند استقبال الحجر واستلامه، ح 2.

(4). المؤمنون (23): 14.

(5). رجال النجاشي، ص 425، الرقم 1142؛ خلاصة الأقوال، ص 281، الرقم 17.

269

(قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): أَيُّ شَيْ‏ءٍ اللَّهُ أَكْبَرُ؟)

أي ما معناه.

(فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ، فَقَالَ: وَكَانَ ثَمَّ)

أي في جنب كبريائه وعظمته تعالى‏

(شَيْ‏ءٌ)

يقاس بينه وبين اللَّه.

(فَيَكُونَ)

أي اللَّه‏

(أَكْبَرَ مِنْهُ؟).

يعني إنّ هذا وإن كان حقّاً، لكن ليس معناه منحصراً فيه لسهولته، فلا ينبغي الاهتمام به، كما مرَّ بيانه في شرح السابق.

(فَقُلْتُ: فَمَا هُوَ؟)

أي فما معناه.

(قَال: اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُوصَفَ).

مضى معناه آنفاً.

العاشر:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ «سُبْحَانَ اللَّهِ» فَقَالَ: أَنَفَةٌ لِلَّهِ).

الأنفة- بالهمز والنون والفاء المفتوحات-: الحميّة والغيرة؛ يُقال: أنف من الشي‏ء كعلم أنفاً وأنفةً: إذا كرهه وشرف نفسه عنه. (1) وبالقاف: التعجّب. (2)

وعلى الأوّل معنى الكلام: أنفة ثابتة لنا لأجل اللَّه تعالى، وذلك حين نذكره تعالى بذلك ونريد أنّه منزّه عمّا يصفه الواصفون المشبّهون له بخلقه. ويحتمل أن يُقال: أنفة ثابتة للَّه‏في تعليمه خلقه، أو التكلّم به في القرآن. وفي بعض النسخ «أنفة اللَّه».

وعلى الثاني‏ (3) كان أوفق بما يجي‏ء في «كتاب الصلاة» في خامس «باب أدنى ما يجزئ من التسبيح» من قوله: «ألا ترى أنّ الرجل إذا عجب من الشي‏ء قال: سبحان اللَّه». (4)

الحادي عشر:

(أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ مَوْلى‏ طِرْبَالٍ)؛

بكسر الطاء، وسكون الراء المهملتين، والموحّدة.

(عَنْ هِشَامٍ الْجَوَالِيقِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏

(5)

:

«سُبْحانَ اللَّهِ»*

: مَا يُعْنى‏

____________

(1). النهاية، ج 1، ص 76؛ لسان العرب، ج 9، ص 15 (أنف).

(2). كتاب العين، ج 5، ص 221؛ الصحاح، ج 4، ص 1447 (أنق).

(3). في حاشية «أ»: «هو أن يكون بالقاف».

(4). الكافي، ج 3، ص 329، ح 5.

(5). في الكافي المطبوع:+/ «عزّوجلّ». وفي «ج»:-/ «اللَّه».

270

بِهِ؟ قَالَ: تَنْزِيهُهُ).

أي عمّا يصفه الواصفون المشبّهون له بخلقه.

الثاني عشر:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ؛ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏ جَمِيعاً، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الثَّانِيَ (عليه السلام): مَا مَعْنَى «الْوَاحِدِ»؟)

أي في أمثال آية سورة الرعد: «قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ» (1).

(فَقَالَ: إِجْمَاعُ الْأَلْسُنِ عَلَيْهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، كَقَوْلِهِ‏

(2)

:

«وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» (3)

).

«إجماع» مبتدأ، و «الألسن» جمع لسان، وعبارة عن ألسن المشركين، وذكر الألسن إشارة إلى أنّ أهل الألسن لايطاوعون‏ (4) هذا الإجماع، فكأنّ ألسنَهم مقهورةٌ على هذا الإجماع من قهّار. وضمير «عليه» للَّه.

و «بالوحدانيّة» خبر المبتدأ، والباء للسببيّة. و «الوحدانيّة» مبالغة الوحدة، وهي التفرّد في خلق كلّ شي‏ء، أو في خلق ما وجوده بمحض نفوذ الإرادة، وقولِ: «كُن» يعني (عليه السلام) إنّ إجماع الألسن على الاعتراف بوجود اللَّه وبأنّه خالقهم، إنّما هو بسبب تلك الوحدانيّة التي اخذ منها الواحد، سئل (عليه السلام) عن المشتقّ فأجاب بتفسير مبدأ الاشتقاق؛ لظهور أنّ المقصود بالذات تفسير المبدأ، فإنّ معنى المشتقّ معلوم من اللغة لكلّ أحد.

____________

(1). الرعد (13): 16.

(2). في الكافي المطبوع:+/ «تعالى».

(3). الزخرف (43): 87.

(4). في حاشية «أ»: «أي لا ينقادون لما يقولون ولا يرضون به، فلا ينافي ذلك علمهم به كما في قوله تعالى في سورةالنمل: «وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ» (مهدي)». والآية في سورة النمل (27): 14.

271

باب آخر و هو من الباب الأوّل إلّاأنّ فيه زيادة و هو ...

الباب السابع عشر بَابٌ آخَرُ وَ هُوَ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ إِلَّا أَنَّ فِيهِ زِيَادَةً

وَ هُوَ الْفَرْقُ مَا بَيْنَ الْمَعَانِي الَّتِي تَحْتَ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَأَسْمَاءِالْمَخْلُوقِينَ‏

فيه حديثان.

«ما» موصولة بتقدير «فيما» أو مفعول «الفرق» وإن كان إعمال المصدر المعرّف باللام قليلًا نحو ضعيف النكايةِ أعداءَه؛ (1) أو زائدة.

هذا الفرق هنا مقصود بالذات، دون الباب الأوّل، ولا ينافي ذلك كونه مذكوراً في سابع الباب الأوّل؛ فإنّه بالتبع.

الأوّل:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُخْتَارِ الْهَمْدَانِيِّ)؛

بسكون الميم والمهملة.

(وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَلَوِيِّ جَمِيعاً، عَنِ الْفَتْحِ بْنِ يَزِيدَ الْجُرْجَانِيِّ)،

بضمّ الجيم الاولى وسكون المهملة، نسبة إلى جرجان معرّب گُرگان، وهو استرآباد وتوابعهُ؛ أو إلى جرجانيّة، وهي قصبة بلاد خوارزم. (2)

____________

(1). قال الرضي في شرحه على الكافية، ج 3، ص 410: «جوّز سيبويه والخليل إعمال المصدر المعرّف باللام مطلقاً نحو قوله:

ضعيف النكاية أعداءه‏* * * يخال الفرار يراخي الأجل‏

وانظر شرح ابن عقيل، ج 2، ص 95.

(2). القاموس المحيط، ج 1، ص 181؛ تاج العروس، ج 3، ص 312 (جرج).

272

(عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام)

هو الرضا (عليه السلام). (1)

(قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ

«لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ* وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» (2)

، لَوْ كَانَ كَمَا يَقُولُ الْمُشَبِّهَةُ)

أي الذين قالوا: إنّ اللَّه جسم أو صورة كالمخلوقات.

(لَمْ يُعْرَفِ الْخَالِقُ مِنَ الْمَخْلُوقِ، وَلَا الْمُنْشِئُ مِنَ الْمُنْشَا، لكِنَّهُ الْمُنْشِئُ، فَرَقَ‏

(3)

بصيغة الماضي المعلوم من باب نصر، أو باب التفعيل للتكثير.

(بَيْنَ مَنْ جَسَّمَهُ وَصَوَّرَهُ وَأَنْشَأَهُ؛ إِذْ كَانَ لَايُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ، وَلَا يُشْبِهُ هُوَ شَيْئاً).

مضى شرحه في سادس «باب النهي عن الجسم والصورة».

(قُلْتُ: أَجَلْ)؛

بالهمز والجيم المفتوحتين وسكون اللام، حرف تصديق.

(جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ لكِنَّكَ قُلْتَ: الْأَحَدُ الصَّمَدُ، وَقُلْتَ: لَايُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ، وَاللَّهُ وَاحِدٌ، وَالْإِنْسَانُ وَاحِدٌ، أَ لَيْسَ قَدْ تَشَابَهَتِ الْوَحْدَانِيَّةُ؟)

. المراد بالأحد ما لا نظير له، وذكر «الصمد» هنا استطراد، والمراد بتشابه الوحدانيّة تساويها فيهما بأن لا يكون بمحض اشتراك اللفظ.

أشكل عليه أمران فذكرهما في سؤالين: الأوّل: أنّه كيف يكون أحداً والوحدانيّة متشابهةٌ. الثاني: أنّه كيف لا يشبهه شي‏ء والوحدانيّة متشابهة؟

(قَالَ: يَا فَتْحُ، أَحَلْتَ).

يمكن أن يكون من باب الإفعال، إمّا من أحال الرجل: إذا أتى بالمحال وتكلّم به؛ وإمّا من أحال الشي‏ء: إذا جعله حائل اللون، يُقال: حال لونه: إذا تغيّر واسوَدَّ وأحاله غيره؛ وإمّا من أحال الشي‏ء من مكان إلى مكان: إذا نقله، يُقال: حال من مكان إلى آخر؛ أي تحوّل وأحاله غيره؛ وإمّا من أحال بدَينه على آخر. والاسم: الحوالة؛

____________

(1). في «ج»: «هو الهادي أو الرضا (عليه السلام)» بدل «هو الرضا (عليه السلام)».

(2). الإخلاص (112): 4 و 5.

(3). في الكافي المطبوع: «فَرَّقَ» بتشديد الراء.

273

تشبيهاً للقياس بالحوالة.

ويمكن أن يكون الهمزة للاستفهام، و «حُلتَ» بضمّ الحاء، أي صرت حائل اللون، أو تحوّلت من مكان إلى آخر.

ويؤيّد آخر الاحتمالات قوله:

(ثَبَّتَكَ اللَّهُ)؛

جملة دعائيّة.

(إِنَّمَا التَّشْبِيهُ فِي الْمَعَانِي)

أي إنّما التشبيه المقصود بالنفي هنا التشبيه في المعاني، والمراد بالمعنى الموجودُ في الخارج في نفسه مطلقاً، سواءً كان ذاتيّاً كالجسميّة، أو عارضاً كاللون؛ أي أن يكون موجوداً في الخارج في نفسه، مشتركاً بين هذا وذاك.

(فَأَمَّا فِي الْأَسْمَاءِ)

أي فأمّا التشبيه في مفهومات الألفاظ وما وضعت له لغةً من المفهومات الانتزاعيّة؛ أي التي ليس لمبادئ اشتقاقها فرد حقيقي إنّما لها الحصص فقط.

(فَهِيَ وَاحِدَةٌ).

هذا من إقامة دليل الشي‏ء مقامه؛ أي فليس مقصوداً بالنفي لأنّها واحدة، أي ألفاظ الأسماء مشتركة معنى بين اللَّه وخلقه، وليس إطلاقها عليهما بالحقيقة والمجاز، ولا بالاشتراك اللفظي.

(وَهِيَ دَلَالَةٌ عَلَى الْمُسَمّى‏)

أي عنوانات له ليست داخلة في ذاته.

والمراد بالمسمّى المعنى الذي يدلّ عليه بهذه الأسماء، وهو ذات اللَّه تعالى، كما مرّ في ثاني «باب المعبود» من قوله: «ولكنّ اللَّه معنى يدلّ عليه بهذه الأسماء».

(وَذلِكَ).

بيانٌ لاختلاف المعنى وذي العنوان.

(أَنَّ الْإِنْسَانَ وَإِنْ قِيلَ: وَاحِدٌ)

بالمعنى اللغوي الحقيقي المشترك.

(فَإِنَّهُ يُخْبَرُ)؛

هذا القول.

(أَنَّهُ جُثَّةٌ وَاحِدَةٌ وَلَيْسَ بِاثْنَيْنِ)

أي جثّتين.

(وَالْإِنْسَانُ نَفْسُهُ)

أي في حدّ ذاته‏

(لَيْسَ بِوَاحِدٍ)

أي غير منقسم أصلًا.

(لِأَنَّ أَعْضَاءَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وَأَلْوَانَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وَمَنْ أَلْوَانُهُ مُخْتَلِفَةٌ غَيْرُ وَاحِدٍ)

أي ليس غير منقسم أصلًا.

(وَهُوَ أَجْزَاءُ)؛

أي مركّب من أجزاء.

274

(مُجَزَّأَةٍ

(1)

بصيغة اسم المفعول من باب التفعيل، مضاف إليه.

(لَيْسَتْ بِسَوَاءٍ).

الجملة صفة «أجزاء». و «ليست» من الأفعال الناقصة. و «بسواء» بحرف الجرّ وفتح المهملة والمدّ، أي بمتشابهة في الحقيقة. أو «ليست» بالموحّدة بصيغة الماضي المعلوم من باب علم، و «بسُوء» بضمّ الموحّدة وضمّ المهملة وسكون الواو والهمز، مصدر باب منع وعلم، مفعول «ليست» أي انساً وايتلافاً.

(دَمُهُ غَيْرُ لَحْمِهِ، وَلَحْمُهُ غَيْرُ دَمِهِ، وَعَصَبُهُ غَيْرُ عُرُوقِهِ، وَشَعْرُهُ غَيْرُ بَشَرِهِ، وَسَوَادُهُ غَيْرُ بَيَاضِهِ، وَكَذلِكَ سَائِرُ جَمِيعِ الْخَلْقِ).

الكاف للتشبيه، فالمراد أنّ جميع الخلق لا يخلو عن اختلاف في أجزائه أو أعراضه الموجودة في الخارج في أنفسها، وظاهره إبطال المجرّدات.

والمراد بالسائر هنا البقيّة، (2) وقد يستعمل بمعنى الجميع. والأوّل من السؤر مهموز، والثاني من الأجوف.

(فَالْإِنْسَانُ وَاحِدٌ فِي الِاسْمِ، وَلَا وَاحِدٌ فِي الْمَعْنى‏، وَاللَّهُ- جَلَّ جَلَالُهُ- هُوَ وَاحِدٌ)

في المعني‏

(لَا وَاحِدَ)

في المعنى‏

(غَيْرُهُ، لَا

(3)

اخْتِلَافَ فِيهِ)

أي ليس فيه أجزاءٌ مختلفة.

(وَلَا تَفَاوُتَ)

أي ليس له صفات متفاوتة.

(وَلَا زِيَادَةَ وَلَا نُقْصَانَ)

في أجزائه الفرضيّة المقداريّة الغير المختلفة؛ إذ لا أجزاء له كذلك أيضاً.

(فَأَمَّا الْإِنْسَانُ الْمَخْلُوقُ)؛

صفة الإنسان.

(الْمَصْنُوعُ)؛

صفة بعد صفة.

(الْمُؤَلَّفُ)؛

صفة اخرى، أو جواب إمّا بتقدير القول والمبتدأ، أي فيقال: هو المؤلّف.

قال ابن هشام في مُغني اللبيب بعد بيان وجوب الفاء في جواب أمّا:

فإن قلت: فقد حذفت في التنزيل في قوله تعالى: «فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ‏

____________

(1). في «أ»: «مجزَّءٍ». وفي الكافي المطبوع: «أجزاءٌ مجزّاةٌ».

(2). في حاشية «أ»: «بقرينة إضافته إلى الجميع (سمع)».

(3). في «ج»: «ولا».

275

أَ كَفَرْتُمْ» (1). قلت: الأصل: فيقال لهم: أكفرتم، فحذف القول استغناء بالمقول، فتبعته الفاء في الحذف، وربّ شي‏ء يصحّ تبعاً ولا يصحّ استقلالًا. (2)

(مِنْ أَجْزَاءٍ)؛

جواب «أمّا» أو لغو متعلّق بالمؤلّف.

(مُخْتَلِفَةٍ وَجَوَاهِرَ شَتّى‏ غَيْرَ أَنَّهُ بِالِاجْتِمَاعِ شَيْ‏ءٌ وَاحِدٌ).

اعلم أنّه قد يتوهّم‏ (3) من هذه العبارات وأمثالها أنّ إطلاق نحو «الواحد» على اللَّه وعلى غيره بالاشتراك اللفظي، أو بالحقيقة والمجاز. وهذا خلاف البديهة، والمراد ما ذكرنا.

(قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَرَّجْتَ عَنِّي فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ، فَقَوْلَكَ: اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ فَسِّرْهُ لِي كَمَا فَسَّرْتَ الْوَاحِدَ).

اللطف- بضمّ اللام وسكون المهملة، مصدر باب حسن-: الدقّة، وهو ضدّ الغلظة، سواء كان باعتبار العلم بدقائق الامور والنفوذ في بواطن ما في الدهور، أو باعتبار الجسم والصِغَر.

والخُبرُ- بضمّ المعجمة وكسرها وسكون الموحّدة والمهملة، مصدر باب حسن-:

عِلمُ الفاعل بدقائق ما يتعلّق بفعله. فَهُما في اللَّه تعالى متلازمان، فتفسير أحدهما يُغني عن تفسير الآخر.

(فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ لُطْفَهُ عَلى‏ خِلَافِ لُطْفِ خَلْقِهِ)

أي مع علمي باشتراك اللطف بالمعنى اللغوي بينهما معنىً أعلم أنّه مقول بالتشكيك، فالحصّة التي فيه تعالى أقوى من حصص خلقه.

(لِلْفَصْلِ)

أي بين ذاته وذواتهم، فإنّه خالق وهم مخلوقون.

ويحتمل أن تكون اللام للعهد؛ أي الفصل الذي ذكرت أنّه واحدٌ بالمعنى، لا واحد بالمعنى‏ (4) غيره؛ فإنّه يفهم منه أنّه لا آلة له.

____________

(1). آل عمران (3): 186.

(2). مغني اللبيب، ج 1، ص 56 (أمّا).

(3). في حاشية «أ»: «المتوهّم مولانا محمّد أمين الإسترابادي رحمه الله تعالى (منه)».

(4). في حاشية «أ»: «الأولى (في المعنى) في الموضعين».

276

(غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّ أَنْ‏تَشْرَحَ ذلِكَ لِي، فَقَالَ: يَا فَتْحُ، إِنَّمَا قُلْنَا: اللَّطِيفُ؛ لِلْخَلْقِ اللَّطِيفِ)

أي الدقيق.

(لِعِلْمِهِ‏

(1)

متعلّق بالخلق.

(بِالشَّيْ‏ءِ اللَّطِيفِ)

أي الدقيق.

(أَ وَلَا تَرى‏).

الواو للعطف على مقدّر، كأنّه قال: ألا ترى دقائق خلقه في نحو السماوات والأرضين، فإنّها مع عِظَمها روعي في خلقها دقائق لا تُحصى‏ ولا ترى‏.

(وَفَّقَكَ اللَّهُ وَثَبَّتَكَ إِلى‏ أَثَرِ صُنْعِهِ فِي النَّبَاتِ اللَّطِيفِ)

أي الصغير

(وَغَيْرِ اللَّطِيفِ)؛

فإنّ العروق الدقاق التي في الأوراق العظيمة ممّا يتحيّر الناظر فيه والمتأمّل له في لطف صانعه، ويعلم أنّها بلا علاج ولا أداة ولا آلة.

(وَمِنَ الْخَلْقِ اللَّطِيفِ).

دليل آخر، والواو للاستئناف النحوي، أو للعطف على «أولاترى» إلى آخره، عطفَ الخبر على الإنشاء. والظرفُ مستقرّ خبر مقدّم على المبتدأ.

(وَمِنَ الْحَيَوَانِ).

عطفٌ على «من الخلق» عطفَ المفصّل على المجمل.

(الصُّغَارِ)؛

بضمّ الصاد، أي الصغير.

(وَمِنَ الْبَعُوضِ)؛

بفتح الموحّدة، أي البقّ.

(وَالْجِرْجِسِ)؛

بكسر الجيم وسكون المهملة وكسر الجيم الثانية والمهملة:

البعوض الصغار. (2)

(وَمَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهَا)

أي من الجرجس من أنواع البعوض، أو من حيوان آخر.

(مَا)؛

موصولة، وهي مبتدأ مؤخّر.

(لَا تَكَادُ

(3)

)

. «كاد» من أفعال المقاربة وهو موضوع لدنوّ حصول الخبر، وهو من باب‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «ولعلمه».

(2). الصحاح، ج 3، ص 913؛ لسان العرب، ج 6، ص 37 (جرجس).

(3). في الكافي المطبوع: «لا تكاد».

277

علم.

وقال بعض النحاة: إنّ إثبات «كاد» نفي، ونفيه إثبات. (1)

والأوّل حقّ؛ لأنّ إثبات «كاد» دالّ على نفي مضمون خبره؛ لأنّ القرب من الفعل لا يكون إلّامع انتفاء الفعل. والثاني خطأ مبنيّ على الخلط بين نفي القرب وقرب النفي، أو على توهّم أنّ الإثبات هنا نفي مطلق، ونفي النفي المطلق يكون إثباتاً.

والجواب: أنّ الإثبات هنا نفي خاصّ، ونفي النفي الخاصّ ليس إثباتاً، بل ربّما كان من آكد النفي كما فيما نحن فيه.

وقد يستدلّ على أنّ نفيه إثبات بتخطئة الشعراء ذا الرمّة (2) في قوله:

إذا غيّر الهَجْر (3) المحبّين لم يكده‏ (4)* * * رسيس‏

(5) الهوى من حبّ ميَّةَ يَبرَحُ‏ (6)

بقولهم: نراه قد برح حتّى أدّى ذلك إلى أن غيَّر ذو الرمّة «لم يكد» إلى «لم أجد».

والجواب أن نخطّئهم ونصوّب ذا الرمّة في بديهته، وقد خطّأ المخطّئين وذا الرمّة في رويّته من قال حين سمع تلك الحكاية: أصابت بديهتُه، وأخطأت رويّتُهُ. (7)

(تَسْتَبِينُهُ).

تقول: استبنت الشي‏ء: إذا عرفته بيّناً.

(الْعُيُونُ).

اللام للعهد؛ أي العيون المعهودة الجارية في حدّتها على العادة.

(بَلْ لَايَكَادُ يُسْتَبَانُ)

لعين أصلًا، ولو كانت أحدّ من العيون المعهودة. ونائب الفاعل ضمير مستتر راجع إلى «ما».

(لِصِغَرِهِ).

الضمير راجع إلى «الخلق اللطيف» وما عطف عليه، أو إلى «ما».

____________

(1). شرح الرضي على الكافية، ج 4، ص 223، دخول النفي على كاد.

(2). هو غيلان بن عقبة بن مسعود الشاعر المعروف بذي الرمّة. وقد وردت أقوال في سبب تكنيته بذي الرمّة، من أرادها فليرجع لترجمته في تاريخ مدينة دمشق، ج 48، ص 142، الترجمة 5566.

(3). في المصادر: «النأي» بدل «الهجر».

(4). في «ج»: «يكد».

(5). في حاشية «أ»: «الرسيس: ابتداء الحبّ». و في كتاب العين، ج 7، ص 191 هو الشي‏ء الثابت اللازم مكانه.

(6). حكاه في كتاب العين، ج 7، ص 191 (الرسّ)؛ غريب الحديث لابن سلام، ج 4، ص 426؛ الأمالي للسيّد المرتضى، ج 2، ص 12؛ الكشّاف، ج 3، ص 69.

(7). شرح الرضي على الكافية، ج 4، ص 225، دخول النفي على كاد.

278

(الذَّكَرُ)؛

بالرفع بدل، أو عطف بيان ل «ما».

(مِنَ الْانْثى‏).

«من» للفصل، وهي الداخلة على ثاني المتضادّين، والظرف صفة للذكر؛ لأنّ اللام فيه للعهد الذهني.

ولو جعل الظرف لغواً متعلّقاً بقوله: «يستبان» وجعل نائب الفاعل الذكر، لكان توجيه الترقّي في «بل» مشكلًا؛ لأنّه إذا لم تستبن العيون نفسه كان عدم استبانتها الذكر (1) من الانثى بطريقٍ أولى.

وإن اريد عدم استبانته لعين أصلًا، لحصل التساوي؛ لتعارض الجهتين، فكيف يصحّ الترقّي؟ ولَناقَضَ‏ (2) قوله: «لا تكاد تستبينه العيون» قولُهُ: «فلمّا رأينا» إلى آخره، إلّا على قول من قال: (3) إنّ نفي «كاد» إثبات. وقد مرّ ما فيه.

وحاصل المعنى: ومن الخلق اللطيف وهو الحيوان الصغار إلى آخره، ذكره من حيث إنّه منفصل من الانثى أي ممتاز عنه، أو من أحوال الخلق اللطيف انفصال ذكره من الانثى، وكذا قوله:

(وَالْحَدَثُ)؛

بالمهملتين المفتوحتين؛ أي الحادث.

(الْمَوْلُودُ مِنَ الْقَدِيمِ. فَلَمَّا رَأَيْنَا صِغَرَ ذلِكَ).

الإشارة إلى الحيوان الصغار والبعوض والجرجس وما هو أصغر منها.

(فِي لُطْفِهِ)

أي لطف ذلك. و «في» بمعنى «مع» كما في قوله تعالى في سورة القصص: «فَخَرَجَ عَلى‏ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ». (4)

والمراد بلطفه فعلُهُ الدالّ على اهتدائه للُامور الدقيقة، ويفسّره قوله:

(وَاهْتِدَاءَهُ).

عطف على «لطفه» للبيان والتفصيل.

____________

(1). مفعول لاستبانتها.

(2). عطف على قوله: «لكان توجيه». وقوله: «قوله» معفول لناقض، وفاعله قوله: «فلما رأينا» إلى آخره.

(3). في حاشية «أ»: «لا يخفى أنّه على هذا الوجه لا يستقيم تعليل عدم الاستبانة بقوله: لصغره؛ تأمل».

(4). القصص (28): 79.

279

(لِلسِّفَادِ

(1)

بكسر المهملة: نَزْوُ الذكر على الانثى‏. (2)

(والْهَرَبَ مِنَ الْمَوْتِ، وَالْجَمْعَ لِمَا يُصْلِحُهُ)؛

من باب الإفعال ضدّ «يفسده». ويحتمل أن يكون من باب نصر، بأن يكون الأصل «يصلُحُ» له أي ينفعه.

(وَمَا فِي لُجَجِ الْبِحَارِ).

معطوفٌ على «ما يصلحه» للبيان والتفصيل، أو على «صغر ذلك» أي ورأيناها (3) في لجج البحار من ذلك.

(وَمَا فِي لِحَاءِ)؛

بكسر اللام والمهملة والمدّ: قشر. (4)

(الْأَشْجَارِ وَالْمَفَاوِزِ)

أي وما في المفاوز.

(وَالْقِفَارِ)؛

بكسر القاف جمع «قفر» بفتحها وسكون الفاء: الخلأ من الأرض.

(وَإِفْهَامَ)؛

بكسر الهمزة، مصدر باب الإفعال للتعريض، مثل أولد الحامل:

إذا دنا وقت ولادتها.

وهذا إشارة إلى أنّ الحيوانات لا تفهم جميع مقاصد أمثالها في منطقها، إنّما تفهم قدراً يكفيها لمعاشها، وفوات الباقي عنها لا يُخِلّ بمعاشها.

ويمكن أن يكون بمعنى التفهيم وتبليغ الرسالة، كما يصدر عن عُمّال أمير النحل وعمّال أمير الحيتان ونحوهما.

وعلى التقديرين هو منصوب بالعطف على «صغر».

وفي كتاب التوحيد لابن بابويه «وفهم». (5)

(بَعْضِهَا)

. الضمير راجع إلى مرجع ضمير «منها» أو «إليه» وإلى ما هو أصغر من الحيوانات.

(عَنْ بَعْضٍ مَنْطِقَهَا).

استعار المنطق للأفعال الدالّة على مقاصدها من الأصوات‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «للسَّفاد» بفتح السين.

(2). الصحاح، ج 2، ص 489 (سفد).

(3). في «ج»: «رأينا ما» بدل «رأيناها».

(4). النهاية، ج 4، ص 243 (لحا).

(5). التوحيد، ص 186، باب أسماء اللَّه، ح 1.

280

ونحوها، كقوله: «عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ» (1).

(وَمَا يَفْهَمُ بِهِ أَوْلَادُهَا عَنْهَا).

عطفٌ على «منطقها» عطفَ الخاصّ على العامّ.

(وَنَقْلَهَا الْغِذَاءَ)

. عطفٌ على السفاد.

(إِلَيْهَا)

أي إلى أولادها.

(ثُمَّ)؛

للتعجّب.

(تَأْلِيفَ)؛

بالنصب معطوف على صِغَر.

(أَلْوَانِهَا).

وقوله:

(حُمْرَةٍ)؛

بالجرّ بيان ل «ألوانها».

(مَعَ صُفْرَةٍ، وَبَيَاضٍ مَعَ حُمْرَةٍ).

وفي كتاب التوحيد لابن بابويه «وبياضاً» بالنصب، (2) وحينئذٍ «حمرة» أيضاً منصوب على أنّه حال من ألوانها.

(وَأنْهِ مَا لَايَكَادُ

(3)

عُيُونُنَا تَسْتَبِينُهُ).

الواو للاستئناف النحوي، وهذه إلى قوله: «أيدينا» معترضة.

و «أنْهِ»- بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الهاء- أمرٌ من‏ (4) ناقص باب الإفعال، مأخوذٌ من النهي، ضدّ الأمر، ومعناه: اترك. يُقال: أنهى الرجل كذا: إذا (5) انتهى عنه كأنّه جعله ناهياً له عن ارتكابه.

وقال ابن الأثير في النهاية:

وفيه: «قلت: يارسول اللَّه، هل من ساعة أقربُ إلى اللَّه؟ قال: نعم، جوف الليل الآخِر فصلِّ حتّى تصبح، ثمّ أَنْهِهْ حتّى تطلع الشمس». قوله: «أنهه» بمعنى انته، وقد أنهى الرجل إذا انتهى، فإذا أمرت قلت: أنهِهْ، فتزيد الهاء للسكت، كقوله تعالى: «فَبِهُداهُمُ‏

____________

(1). النمل (27): 16.

(2). انظر التوحيد، ص 186، باب أسماء اللَّه، ح 1.

(3). في الكافي المطبوع: «وأنّهُ ما لا يكاد».

(4). في «ج»:-/ «من».

(5). في «ج»: «أي».

281

اقْتَدِهْ» (1)، فأجرى الوصلَ مُجْرَى الوقفِ. انتهى. (2)

ومقصود الإمام (عليه السلام) أنّ في باطن تلك الحيوانات من الأحشاء وآلات القبض والبسط ونحوها اموراً لا يمكنني بيانها لك مفصّلًا؛ لأنّها غير محسوسة، فلا يبلغها فهمك، فاتركها ولا تطلب منّي بيانها. وهذا نوع من الكلام فيه تهويل وتعظيم وإشارة إلى رعاية دقائق الحكمة بحيث لا يُعدّ ولا يُحصى.

ويمكن أن يكون مأخوذاً من النهاية؛ يُقال: أنهى الرجل كذا: إذا أبلغه. (3)

والأوّل أنسب بالمقام.

وفي كتاب التوحيد لابن بابويه بعد قوله: «مع حمرة»: «وما لا يكاد» إلى آخره، (4) وحينئذٍ هو معطوف على «تأليف» أو على «ألوانها» أي وتأليف أعضائها التي لا تكاد.

(لِدَمَامَةِ خَلْقِهَا لَاتَرَاهُ عُيُونُنَا، وَلَا تَلْمِسُهُ أَيْدِينَا).

الظرف متعلّق ب «لا يكاد» (5) أو ب «لا تراه ولا تلمسه». وعلى الأوّل جملة «لا تراه» استئناف بياني، وعلى الثاني المجموع استئناف بياني.

و «الدمامة» بفتح المهملة: القِصَر والصِغَر. وضمير «خلقها» لمرجع ضمير «ألوانها».

والضميران الآخران ل «ما».

وقوله: «لا تلمسه أيدينا» أي لا يمكن معرفتُهُ باللمس.

(عَلِمْنَا)؛

جواب «فلمّا».

(أَنَّ خَالِقَ هذَا الْخَلْقِ لَطِيفٌ، لَطُفَ)؛

كحسن.

(بِخَلْقِ مَا سَمَّيْنَاهُ بِلَا عِلَاجٍ)

أي بلا جسم خارج عن البدن يكون وسيلة لفعلٍ كالدواء للطبيب، والقَدُوم للنجّار.

____________

(1). الأنعام (6): 90.

(2). النهاية، ج 5، ص 139 (نها).

(3). النهاية، ج 5، ص 139 (نها).

(4). التوحيد، ص 186، باب أسماء اللَّه و ...، ح 1.

(5). في «ج»: «لا تكاد».

282

(وَلَا أَدَاةٍ)

أي وبلا جسم داخل في البدن يكون تحريكه وسيلة لفعلٍ كعضلات القبض والبسط والجوارح.

(وَلَا آلَةٍ)

أي وبلا حالة موجودة في نفسها في الخارج يكون إحداثها وسيلة لفعل كحركة الروح الإنساني لتحريك عَضَلةٍ وعضوٍ لاستعمال علاج مثلًا.

(وَإنَ‏

(1)

بكسر الهمزة للتحقيق، أو بفتحها للعطف على «أنّ خالق».

(كُلَّ صَانِعِ شَيْ‏ءٍ فَمِنْ شَيْ‏ءٍ)

أي من مادّة

(صَنَعَ، وَاللَّهُ الْخَالِقُ اللَّطِيفُ الْجَلِيلُ).

ذكره لئلّا يُتوهّم من اللطفِ الصِغَرُ.

(خَلَقَ وَصَنَعَ لَامِنْ شَيْ‏ءٍ):

لا من مادّة.

وحاصل الفرق بين لطف اللَّه ولطف خلقه بأمرين: الأوّل: عدم العلاج والأداة، بل بمحض القدرة التي لا يمتنع منها دقيق ولا جليل، والعلم الذي لا يخفى معه دقيق ولا جليل. الثاني: عدم المادّة.

الثاني:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ مُرْسَلًا، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام) قَالَ: قَالَ: اعْلَمْ- عَلَّمَكَ اللَّهُ الْخَيْرَ- أَنَّ اللَّهَ- تَبَارَكَ وَتَعَالى‏- قَدِيمٌ، وَالْقِدَمُ صِفَتُهُ الَّتِي دَلَّتِ الْعَاقِلَ)

أي من عقل كنه المراد من القدم، وأنّه يرجع إلى معنى سلبي هو عدم انقطاع زمان وجوده في جانب الماضي، لا إلى معنى وجودي هو تحقّقه في زمان خاصّ يسمّى أزلًا، حتّى يتوهّم أنّه يمكن أن يوجد اللَّه تعالى شيئاً فيه، فيكون أثره أيضاً قديماً.

(عَلى‏ أَنَّهُ لَاشَيْ‏ءَ قَبْلَهُ)

أي لم يصدر عن شي‏ء.

(وَلَا شَيْ‏ءَ مَعَهُ)

أي لم يصدر عنه شي‏ء.

(فِي دَيْمُومَتِهِ‏

(2)

بفتح المهملة وسكون الخاتمة وضمّ الميم وسكون الواو وفتح الميم والمثنّاة فوقُ والضميرِ؛ أي في دوامه. والظرف متعلّق بالنفي الأخير.

والحاصل أنّ تعقّل مفهوم القدم يرشد إلى أنّه لا يمكن أن يكون ما هو قديم معلولًا

____________

(1). في الكافي المطبوع: «وأنّ» بفتح الهمزة.

(2). في الكافي المطبوع: «ديموميّته».

283

لشي‏ء، ولا علّة لقديمٍ آخَرَ، والنفي الثاني لازم للنفي الأوّل.

(فَقَدْ بَانَ)

أي ظهر

(لَنَا بِإِقْرَارِ الْعَامَّةِ)

أي إقرار المخالفين بأنّه تعالى قديم.

(مُعَجِّزَةِ

(1)

بالجرّ صفة للعامّة. وهي إمّا بالمهملة والجيم والمهملة، بصيغة اسم الفاعل، من باب التفعيل أو الإفعال. والتعجير والإعجار: التوسيع. وإمّا بالزاي بصيغة اسم المفعول، من باب التفعيل أو الإفعال. ومآل الكلّ واحد.

(الصِّفَةِ)؛

بالجرّ مضاف إليه لمعجرة. وعلى الأوّلين اللام للعهد الخارجي؛ أي الصفة التي هي القدم. والمراد القائلون بأنّ القدم يسع متعدّداً.

وعلى الأخيرين اللام للجنس، أو للاستغراق. والمراد القائلون بأنّ صفاته تعالى موجودات في أنفسها في الخارج، قائمة به، قديمة معه، لم تزل معه في ديمومته.

(أَنَّهُ لَاشَيْ‏ءَ قَبْلَ اللَّهِ، وَلَا شَيْ‏ءَ مَعَ اللَّهِ فِي بَقَائِهِ).

يعني القول والإقرار بالقدم يستلزم ذلك.

(وَ بَطَلَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَهُ أَوْ كَانَ مَعَهُ شَيْ‏ءٌ).

الضمير في «قبله» و «معه» راجع إلى اللَّه تعالى، فزعم أنّه كان قبله شي‏ء مفروض استظهاراً وإشارةً إلى أنّ زعْم أنّه معه شي‏ء كزعم أنّه كان قبله شي‏ء.

ويحتمل أن يكون الضمير راجعاً إلى القديم المطلق.

(وَذلِكَ).

استدلالٌ على أنّ القدم إذا عُقل حقَّ تعقّله، عُلم أنّه ينافي التعدّد بأن يكون أحدهما معلولًا للآخر.

(أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ شَيْ‏ءٌ فِي بَقَائِهِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ خَالِقاً لَهُ).

المراد بالخالق هنا المؤثّر في وجود الشي‏ء، سواء كان بالإيجاب أو بالاختيار. وإنّما لم يقل «فاعلًا» إشارةً إلى أنّ فعله لا يكون إلّابالاختيار، فهو رمز إلى دليل آخر على عدم تعداد القديم.

(لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَعَهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ خَالِقاً لِمَنْ لَمْ يَزَلْ مَعَهُ؟!).

تصريحٌ بما أشار إليه بقوله:

«للعاقل» يعني أنّه ليس مفهوم القدم أمراً وجوديّاً بأن يكون للقديم ظرف معيّن يؤثّر

____________

(1). في الكافي المطبوع: «مُعْجِزَةَ».

284

فيه في قديم آخَرَ، بل مفهوم القدم أمرٌ عدمي هو عدم انقطاع زمان الوجود في جانب الماضي، وهو المراد بقوله: «لم يزل معه»، فلا يمكن التأثير فيه.

وينبّه عليه أنّه لو كان مع اللَّه معلول له قديم، لكان تعالى مقدّماً بالذات على استمرار معلوله بتقدّم واحد غير مستمرّ؛ أي باعتبار وجود واحد شخصي له تعالى من حيث إنّه مقدّم على الإيجاد واستمراره بحيث يكون كلّ جزء من الاستمرار بعد ذلك الوجود، فله تعالى باعتبار هذا التقدّم حصول في مرتبة من مراتب نفس الأمر، فحصوله من هذه الحيثيّة إمّا حين بقاء المعلول، أو حين حدوثه؛ إذ لا يخرج شي‏ء على تقدير قدم استمرار الزمان عن مقارنة حدّ من الزمان وإن لم يكن زمانيّاً. وهذا بديهيّ وقد اشير إليه بقولهم أعمّ القضايا الفعليّة المطلقة العامّة.

والأوّل مُحال؛ لاستلزامه خلاف الفرض والفردَ المحال من تحصيل الحاصل.

والثاني يستلزم أن يكون القديم حادثاً.

(وَلَوْ كَانَ قَبْلَهُ شَيْ‏ءٌ، كَانَ الْأَوَّلَ ذلِكَ الشَّيْ‏ءُ، لَاهذَا، وَكَانَ الْأَوَّلُ)

أي ذلك الشي‏ء

(أَوْلى‏ بِأَنْ يَكُونَ خَالِقاً للأوّل)

أي لهذا الذي فرضناه أوّلًا أنّه أوّل. وهذا على سبيل الاستظهار والإشارة إلى عدم الفرق بين القبليّة والمعيّة، كما مرّ آنفاً.

(ثُمَّ وَصَفَ نَفْسَهُ- تَبَارَكَ وَتَعَالى‏- بِأَسْمَاءٍ).

لمّا أثبت (عليه السلام) أنّ صفاته تعالى ليست موجودات في الخارج في أنفسها، أراد أن يدفع بذلك الشبهةَ الناشئة عن اشتراك الأسماء معنى بينه تعالى وبين خلقه.

وحاصل الشبهة أنّ ذلك الاشتراك يستلزم أن يكون له تعالى مثل.

وحاصل الدفع أنّ ذلك الاشتراك إنّما يستلزم المثليّة إذا كان مصداق الصفة الموجود في الخارج في نفسه مشتركاً بينه تعالى وبين خلقه ثابتاً له أزلًا ولخلقه فيما لا يزال، فينافي ما ذكرنا من استحالة أن يكون معه شي‏ء في ديمومته. وليس كذلك، فإنّه اشتراك في مفهوم الصفات الانتزاعي، لا في معناها، أي مصداقها الموجود في الخارج في نفسه.

(دَعَا الْخَلْقَ- إِذْ خَلَقَهُمْ وَتَعَبَّدَهُمْ).

التعبّد: الاستعباد أي اتّخذهم عبيداً.

(وَابْتَلَاهُمْ-).

سيجي‏ء معنى الابتلاء في «باب الابتلاء والاختبار».

285

(إِلى‏ أَنْ)

. الظرف متعلّق بقوله: «دعا» أي أمر الخلق بأن.

(يَدْعُوهُ بِهَا)؛

بأن يقولوا: يا اللَّه، يا سميع، ونحو ذلك.

(فَسَمّى‏ نَفْسَهُ سَمِيعاً، بَصِيراً، قَادِراً، قَائِماً، نَاطِقاً، ظَاهِراً، بَاطِناً، لَطِيفاً، خَبِيراً، قَوِيّاً، عَزِيزاً، حَكِيماً، عَلِيماً، وَمَا أَشْبَهَ هذِهِ الْأَسْمَاءَ).

وقوله:

(فَلَمَّا رَأى‏ ذلِكَ مِنْ أَسْمَائِهِ)

، شروعٌ في تقرير الشبهة.

(الْغَالُونَ)؛

بالمعجمة- أي الذين تجاوزوا في الأسماء حدّها حيث جعلوا مفهوماتها موجوداتٍ في الخارج في أنفسها- أو بالقاف؛ أي المبغضون لنا أهلَ البيت.

(الْمُكَذِّبُونَ)

بنا أهلَ البيت.

(وَقَدْ سَمِعُونَا نُحَدِّثُ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ لَاشَيْ‏ءَ مِثْلُهُ)؛

بأن يثبت لهما أمر موجود في الخارج في نفسه.

(وَلَا شَيْ‏ءَ مِنَ الْخَلْقِ فِي حَالِهِ)؛

بأن يثبت للخلق جميع صفاته تعالى.

ويحتمل أن يكون المراد بالمعطوف هو المراد بالمعطوف عليه بأن يكون العطف للتفسير.

(قَالُوا: أَخْبِرُونَا إِذَا زَعَمْتُمْ أَنَّهُ لَامِثْلَ لِلَّهِ وَلَا شِبْهَ لَهُ).

نشر على ترتيب اللفّ، أو عطف تفسير.

(كَيْفَ شَارَكْتُمُوهُ فِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنى‏، فَتَسَمَّيْتُمْ بِجَمِيعِهَا؟! فَإِنَّ فِي ذلِكَ)

أي التسمّي بأسمائه جميعاً.

(دَلِيلًا عَلى‏ أَنَّكُمْ مِثْلُهُ فِي حَالَاتِهِ كُلِّهَا).

وهذا في صورة انحصار حالاته في هذه الأسماء.

(أَوْ فِي بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ).

وهذا في صورة عدم الانحصار.

(إِذْ جَمَعْتُكُمُ الْأَسْمَاءُ الطَّيِّبَةُ

(1)

).

وقوله:

____________

(1). في الكافي المطبوع: «جمعتم الأسماءَ الطيّبةَ».

286

(قِيلَ لَهُمْ)،

شروعٌ في تقرير الجواب.

(إِنَّ اللَّهَ- تَبَارَكَ وَتَعَالى‏- أَلْزَمَ الْعِبَادَ)

أي خلقهم على وجه يلزمهم.

(اسْماً

(1)

بصيغة المفرد، أو الجمع.

(مِنْ أَسْمَائِهِ)

أي لا جميع الأسماء. وهذا دفع لأن يكون شي‏ء من الخلق في حاله.

(عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعَانِي).

ليس المراد بالمعاني مفهومات الأسماء، أي التي استعملت الأسماء فيها من حقائقها اللغويّة أو العرفيّة أو نحو ذلك؛ لأنّها مشتركة معنىً، وإنكاره مكابرة؛ بل المراد بالمعاني المصداقات، أي الامور الموجودة في الخارج في أنفسها، المصحّحة لحمل المفهومات على الذات كالخرت‏ (2) في الإنسان، وكالذات في اللَّه تعالى.

(وَذلِكَ كَمَا يَجْمَعُ الِاسْمُ الْوَاحِدُ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ).

الكاف للتشبيه، أي اختلاف المعنى فيما نحن فيه شبيه باختلاف المعنى في الحقيقة والمجاز، والفرق أنّ فيما نحن فيه اتّفاقاً في المدلولين، أي فيما يستعمل فيه اللفظ، سواء كان معنىً حقيقيّاً للّفظ كالعالم، أو مجازيّاً كالقائم ونحوه، إنّما الاختلاف في المعنيين فقط، وفي الحقيقة والمجاز يختلف المعنيان والمدلولان معاً.

(وَالدَّلِيلُ عَلى‏ ذلِكَ)

أي على المشبّه به.

(قَوْلُ النَّاسِ)

أي تكلّمهم بالمجاز.

(الْجَائِزُ عِنْدَهُمُ الشَّائِعُ، وَهُوَ)

أي المجاز.

(الَّذِي خَاطَبَ اللَّهُ بِهِ الْخَلْقَ، فَكَلَّمَهُمْ بِمَا يَعْقِلُونَ)

أي لولا أن يكون المجاز في كلامهم لما عقلوا.

(لِيَكُونَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً فِي تَضْيِيعِ مَا ضَيَّعُوا).

وقوله:

(فَقَدْ يُقَالُ)

، بيانٌ لقول الناس.

(لِلرَّجُلِ: كَلْبٌ، وَحِمَارٌ، وَثَوْرٌ، وَسُكَّرَةٌ، وَعَلْقَمَةٌ)

أي حنظل‏

(وَأَسَدٌ، كُلُّ ذلِكَ)

أي‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «أسماءً».

(2). الخرت: ثقب الإبرة والفأس والاذن ونحوها، والجمع «خروت» و «أخرات». الصحاح، ج 1، ص 248 (خرت).

287

الأسماء

(عَلى‏ خِلَافِهِ)؛

أي واقع على خلاف معناه. والضمير ل «كلّ».

(وَحَالَاتِهِ)

. الواو بمعنى «مع» أو هو على مذهب من يجوّز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجارّ. (1) والمراد بالحالات المدلولاتُ التي استعمل فيها.

(لَمْ تَقَعِ الْأَسَامِي عَلى‏ مَعَانِيهَا الَّتِي كَانَتْ بُنِيَتْ عَلَيْهَا

(2)

استئنافٌ بياني لقوله: «كلّ ذلك على خلافه وحالاته».

(لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ بِأَسَدٍ وَلَا كَلْبٍ).

ومن أقوى أمارات المجاز صحّة السلب.

(فَافْهَمْ ذلِكَ)

أي التشبيه‏

(رَحِمَكَ اللَّهُ).

اعلم أنّه توهّم بعضٌ من أمثال هذه العبارات أنّ المعانيَ اللغويّة لتلك الأسماء مفقودة في حقّه تعالى، فإطلاق تلك الألفاظ عليه تعالى بطريق المجاز اللغوي أو العقليّ. انتهى. (3)

وهذا من أبعد البعيد في نحو العلم والقدرة.

(وَإِنَّمَا سُمِّيَ اللَّهُ تَعَالى‏ بِالْعِلْمِ).

فيه وضْع المشتقّ منه موضعَ المشتقّ مسامحةً.

وهذا شروع في تفصيل بيان اختلاف المعنى فيما نحن فيه، وقد بيّن في العلم أنّ مصداقه نفس ذاته لا أمر ينضمّ إليه، فيصير بسببه عالماً، وقد دلّ على ذلك بدليلين:

الأوّل: أنّ علمه تعالى ليس بحادث ليكون بسبب مصداق منضمّ، وهو في قوله:

«وإنّما سمّي» إلى قوله: «إلى الجهل».

والثاني: أنّ علمه ليس مخصوصاً ببعض المعلومات دون بعض، ليكون بسبب مصداق منضمّ، وهو في قوله: «وإنّما سُمّي» إلى آخره.

(بِغَيْرِ عِلْمٍ حَادِثٍ عَلِمَ بِهِ الْأَشْيَاءَ).

الباء للاستعانة باعتبار التغاير الاعتباري.

____________

(1). حكاه الرضي في شرحه على الكافية، ج 1، ص 522 عن الكوفيّين حيث قال: «قال الكوفيّون: يجوز في السعة العطف على الضمير المجرور بلا إعادة الجارّ، والبصريّون يجوّزونه للضرورة، وأمّا في السعة فيجوّزونه بتكلّف».

(2). في «أ»: «عليه».

(3). انظر شرح اصول الكافي للمازندراني، ج 4، ص 47؛ والحاشية على اصول الكافي لرفيع النائيني، ص 407.

288

(وَاسْتَعَانَ بِهِ عَلى‏ حِفْظِ مَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ أَمْرِهِ)

عن الفساد.

(وَالرَّوِيَّةِ)؛

بفتح المهملة وكسر الواو وشدّ الخاتمة، عطفٌ على «حفظ» للتبيين.

(فِيمَا يَخْلُقُ مِنْ خَلْقِهِ)

. وقوله:

(وَيَفْسِدُ

(1)

بفتح ياء المضارعة وبرفع الفعل، جملةٌ معطوفة على «عَلِم به» فهي أيضاً صفة «عِلْمٍ» والعائد إلى الموصوف اسم الإشارة.

(مَا مَضى‏ مِمَّا أَفْنى‏)؛

بصيغة المعلوم، أي أفناه اللَّه.

(مِنْ خَلْقِهِ، مِمَّا لَوْ لَمْ يَحْضُرْهُ ذلِكَ الْعِلْمُ).

وقوله:

(وَتَغَيَّبَهُ‏

(2)

بالمعجمة والخاتمة والموحّدة، بصيغة الماضي المعلوم من باب التفعّل. (3) والضمير المستتر للَّه، والبارز لذلك العلم أي فقده؛ أو بالمهملة والنون بصيغة المضارع المعلوم من باب الإفعال بالرفع، جملةٌ حالية عن «ذلك» بتقدير «وهو يعيّنه».

والضمير المستتر ل «ذلك العلم» والبارز للَّه، وهو قيد للمنفيّ لا للنفي.

(كَانَ جَاهِلًا ضَعِيفاً، كَمَا أَنَّا لَوْ)؛

مزيدة، كما في قولهم: أن لو كان كذا. وليست موجودة في كتاب التوحيد لابن بابويه. (4)

(رَأَيْنَا عُلَمَاءَ الْخَلْقِ إِنَّمَا سُمُّوا)؛

بصيغة المجهول.

(بِالْعِلْمِ لِعِلْمٍ حَادِثٍ؛ إِذْ كَانُوا قَبْلهُ‏

(5)

جَهَلَةً، وَرُبَّمَا فَارَقَهُمُ الْعِلْمُ بِالْأَشْيَاءِ، فَعَادُوا إِلَى‏ الْجَهْلِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ اللَّهُ عَالِماً؛ لِأَنَّهُ لَايَجْهَلُ شَيْئاً)،

بخلاف العباد، فإنّ علمهم إنّما يتعلّق بما تحصل لهم أسباب علمهم به، فعلمهم يجتمع مع الجهل في الجملة.

(فَقَدْ جَمَعَ الْخَالِقَ وَالْمَخْلُوقَ اسْمُ الْعَالِمِ)،

ومدلوله لغةً.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «يُفْسِدُ» بضمّ الأوّل.

(2). في الكافي المطبوع: «يغيبه».

(3). في «ج»: «التفعيل».

(4). التوحيد، ص 188، باب أسماء اللَّه تعالى و ...، ح 2.

(5). في الكافي المطبوع: «فيه».

289

(وَاخْتَلَفَ الْمَعْنى‏)

أي المصداق.

(عَلى‏ مَا رَأَيْتَ)؛

بصيغة المخاطب، أي علمت.

(وَسُمِّيَ رَبُّنَا سَمِيعاً لَابِخَرْتٍ)؛

بفتح المعجمة- وقد يُضمّ- وسكون المهملة: الثقب في الاذن وغيرها. (1)

(فِيهِ يَسْمَعُ بِهِ الصَّوْتَ وَلَا يُبْصِرُ بِهِ، كَمَا أَنَّ خَرْتَنَا- الَّذِي نَسْمَعُ بِهِ‏

(2)

- لَانَقْوى‏ بِهِ عَلَى‏ الْبَصَرِ، وَلكِنَّهُ)

أي تسمية ربّنا سميعاً.

(أَخْبَرَ)؛

بصيغة المعلوم، أي دلّ على.

(أَنَّهُ لَايَخْفى‏ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ مِنَ الْأَصْوَاتِ)

أي مصداق سمعه نفس ذاته، فيتعلّق بكلّ مسموع.

(لَيْسَ عَلى‏ حَدِّ مَا سُمِّينَا)؛

بصيغة المجهول.

(نَحْنُ).

تأكيدٌ للضمير المتّصل.

(فَقَدْ جَمَعْنَا الِاسْمَ بِالسَّمْعِ)،

مع مدلوله اللغوي.

(وَاخْتَلَفَ الْمَعْنى‏)

أي المصداق، حيث إنّه فينا نحو الخرت، وفيه نفس الذات.

(وَهكَذَا الْبَصَرُ لَابِخَرْتٍ).

الظرف متعلّق بقوله: «أَبْصَرَ».

(مِنْهُ).

الظرف صفة «خَرْت» والضمير للَّه‏تعالى.

(أَبْصَرَ، كَمَا أَنَّا نُبْصِرُ بِخَرْتٍ مِنَّا لَانَنْتَفِعُ بِهِ فِي غَيْرِهِ)

أي في السمع.

(وَلكِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ لَايَحْتَمِلُ شَخْصاً مَنْظُوراً إِلَيْهِ).

يُقال: احتمله: إذا تكلّف المشقّة فيه؛ أي لا مشقّة له في إبصار شخص منظور إليه.

(فَقَدْ جَمَعْنَا الِاسْمَ، وَاخْتَلَفَ الْمَعْنى‏. وَهُوَ قَائِمٌ)

أي وقولنا: «هو قائم».

(لَيْسَ عَلى‏ مَعْنَى انْتِصَابٍ وَقِيَامٍ عَلى‏ سَاقٍ فِي كَبَدٍ)؛

بفتح الكاف وفتح الموحّدة والمهملة: الشِّدّةُ والضيق. (3)

____________

(1). كتاب العين، ج 4، ص 236؛ الصحاح، ج 1، ص 248 (خرت).

(2). في الكافي المطبوع: «به نسمع» بدل «نسمع به».

(3). النهاية، ج 4، ص 139 (كبد).

290

(كَمَا قَامَتِ الْأَشْيَاءُ)،

يعني أنّ القيام موضوع لغةً للانتصاب، وهو القيام على ساق، (1) وهذا مختصّ بالخلق، ثمّ اطلق عرفاً، أو على طريقة عموم المجاز على أمرين مشتركين معنىً بين اللَّه وخلقه؛ هما قيام حفظ وقيام كفاية، ولكلّ منهما مصداق في خلقه، وهو القيام الغير المشترك معنىً بينهما، وهو الانتصاب والقيام على ساق؛ لأنّ شيئاً من الوجهين لا يتأتّى في الخلق بدون الانتصاب وإن احتاج إلى أشياء اخرى غيره كالتلفّظ والمشي ونحو ذلك، ولكلّ منهما في اللَّه تعالى مصداق آخر، فإنّ القيام بمعنى الحفظ، والقيامَ بمعنى الكفاية من صفات أفعاله، فمصداق كلّ منهما نفس الأثر.

وهذا ما أشار إليه بقوله:

(وَلكِنْ «قَائِمٌ»)

أي قولنا: هو تعالى قائم.

(يُخْبِرُ أَنَّهُ حَافِظٌ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ: الْقَائِمُ بِأَمْرِنَا فُلَانٌ).

تصريحٌ باشتراك هذا القيام معنى بين اللَّه وخلقه.

(وَاللَّهُ هُوَ الْقَائِمُ عَلى‏ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)

أي الحافظ لأفعالها، بيده أزمّتها وكلّها بمشيئته وإرادته وقدَره وقضائه.

(وَالْقَائِمُ أَيْضاً فِي كَلَامِ النَّاسِ: الْبَاقِي)؛

يعني يطلق القيام على أمرٍ مختصّ باللَّه تعالى- ليس مشتركاً معنىً بين اللَّه وخلقه- هو الباقي، ولم يصرّح بعدم الاشتراك لأنّه قد يُطلق البقاء والقيام على الباقي في الجملة وإن كان منقطعاً في جانب الماضي، بل فيه وفي جانب المستقبل أيضاً وهو مشترك معنىً، لكن في إطلاقه على الخلق بدون قيد سوء أدب، ومصداقه في اللَّه تعالى نفس ذاته، وهي غير مشتركة، وفي الخلق أجزاؤه وفاعله ونحو ذلك داخلة في المصداق، كما ذكره المتكلِّمون في بحث زيادة وجود الممكن على ذاته. (2) وللإشارة إلى هذا الذي ذكرنا غيّر اسلوب هذه الفقرة عن سابقها ولاحقها.

____________

(1). كتاب العين، ج 5، ص 222 (قوم).

(2). ينظر الحكمة المتعالية، ج 2، ص 243، في كون وجود الممكن زائداً على ماهيته عقلًا.

291

(وَالْقَائِمُ أَيْضاً يُخْبِرُ عَنِ الْكِفَايَةِ، كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: قُمْ بِأَمْرِ بَنِي فُلَانٍ، أَيِ اكْفِهِمْ، وَالْقَائِمُ مِنَّا)

أي سواء كان القيام قيام حفظ، أم قيام كفاية

(قَائِمٌ عَلى‏ سَاقٍ)،

أي مصداقه القيام على ساق كما مرَّ آنفاً.

(فَقَدْ جَمَعْنَا الِاسْمَ وَلَمْ يَجْمَعِ‏

(1)

الْمَعْنى‏. وَأَمَّا اللَّطِيفُ، فَلَيْسَ عَلى‏ قِلَّةٍ وَقَضَافَةٍ وَصِغَرٍ، وَلكِنْ ذلِكَ عَلَى النَّفَاذِ فِي الْأَشْيَاءِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ أَنْ يُدْرَكَ).

يعني أنّ مناط اللطف- وهو ضدّ الغلظ- قد يكون القلّةَ بكسر القاف أي رقّة القوام كما في الهواء. والقَضَافة بفتح القاف والمعجمة، أي النحافة والصغر في الجرم، (2) وكلّ من الثلاثة مختصّ بالجسمانيّات.

وأمّا مناطه في اللَّه تعالى فأمران متلازمان، ولازمان للتجرّد:

أحدهما: النفاذ في الأشياء بفتح النون والفاء والمعجمة مصدر باب نصر، أي كونه نافذاً ماضياً باعتبار أنّه سخّر كلّ شي‏ء بقول: «كُن» يُقال: رجل نافذ في أمره، أي ماضٍ. (3)

الثاني: الامتناع؛ أي الإباء من أن يدرك، بصيغة المجهول من باب الإفعال.

(كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ).

مقصوده (عليه السلام) ذكر نظيرين هما في المخلوق لئلّا يتوهّم أنّ اللطيف مشترك لفظي بين الخالق والمخلوق.

(لَطُفَ عَنِّي هذَا الْأَمْرُ).

تعدية «لطف» ب «عن» بتضمين معنى الصدور، والمراد أنّ هذا الأمر الصادر عنّي لطيف لا يبلغه وهم غيري، ولا يقدر عليه غيري من الناس.

(وَلَطُفَ فُلَانٌ فِي مَذْهَبِهِ وَقَوْلِهِ)؛

مجرور بالعطف على «مذهبه» أي ذهب فيهما بحيث لم يدركه أحد من الناس، كما يجي‏ء في ثالث الثاني والعشرين‏ (4) من قوله:

«فلطفت في الوصول إليه». (5)

(يُخْبِرُكَ)

. استئنافٌ لبيان ما قبل النظرين. والضمير المستتر للّطيف من أسماء اللَّه‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «نجمع».

(2). معجم مقاييس اللغة، ج 5، ص 98؛ لسان العرب، ج 9، ص 284 (قضف).

(3). في «ج»:-/ «يقال: رجل نافذ في أمره أي ماضي».

(4). أي في الحديث 3 من باب جوامع التوحيد.

(5). في المصدر: «فتلطّفت الوصول إليه».

292

تعالى، والإسناد مجازي.

(أَنَّهُ).

الضمير للشأن أو للَّه.

(غَمَضَ)؛

بالمعجمتين بصيغة الماضي المعلوم من باب نصر وحسن؛ أي تاه.

والغموض ضدّ الوضوح.

(فِيهِ).

الضمير للَّه.

(الْعَقْلُ)؛

مرفوع بالفاعليّة.

(وَفَاتَ)

. الضمير المستتر للَّه.

(الطَّلَبَ‏

(1)

بالنصب مفعول «فات» أي لم يدركه الطلب، والنسبة مجاز عقلي.

(وَعَادَ)

. الضمير للطلب.

(مُتَعَمِّقاً مُتَلَطِّفاً)؛

حالان لضمير «عاد» ضُمّنا معنى القول، ولذلك صار قوله:

(لَا يُدْرِكُهُ الْوَهْمُ)،

مفعولَهما؛ يعني لم يحصل للطلب في التعمّق والتلطّف إلّاالعلم والقول بأنّه لا يدركه الوهم وإن بولغ في التعمّق والتلطّف.

(فَكَذلِكَ لَطُفَ اللَّهُ)؛

بطريق الإضافة، ويمكن أن يكون فعلًا ماضياً وفاعلًا.

(تَبَارَكَ وَتَعَالى‏ عَنْ)؛

متعلّق ب «تعالى» أو ب «لطف».

(أَنْ يُدْرَكَ بِحَدٍّ، أَوْ يُحَدَّ بِوَصْفٍ).

المراد بالإدراك بحدٍّ معرفةُ كنه ذاته بالحدّ التامّ، وبالحدّ بوصف أن يجعل أسماؤه المشتقّة وما يجري مجراها موصلةً إلى كنه ذاته.

(وَاللَّطَافَةُ مِنَّا: الصِّغَرُ وَالْقِلَّةُ).

لم يذكر القضافة مسامحةً لظهوره ممّا سبق، أو لأنّ الثلاثة يرجع إلى معنى.

(فَقَدْ جَمَعْنَا الِاسْمَ، وَاخْتَلَفَ الْمَعْنى‏)؛

فإنّ مفهوم هذا المشترك فينا معنى مخصوص بالجسمانيّات، وفيه تعالى التجرّد عن علائق الجسمانيّات المستلزم للنفاذ والامتناع؛ وذلك لأنّ القدر المشترك الذي هو معنى حقيقي لغةً للعطف ليس بكمال؛ لأنّه يتحقّق في أحقر الأشياء أيضاً.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «الطلبُ» بالضمّ.

293

(و أما الْخَبِيرُ، فَالَّذِي لَايَعْزُبُ عَنْهُ شَيْ‏ءٌ، وَلَا يَفُوتُهُ) أي الخبير في أسمائه تعالى بمعنى الذي لا يعزب عنه شي‏ء ولا يفوته.

(لَيْسَ لِلتَّجْرِبَةِ وَلَا لِلِاعْتِبَارِ بِالْأَشْيَاءِ).

استئناف بياني، والضمير المستتر لمصدر الخبير؛ يعني أنّ الخبير وضع في اللغة لمن له العلم بالأخبار والأحوال، (1) ومناط هذا العلم في المخلوق التجربة والاعتبار. والمراد بالتجربة ما هو سبب العلم الضروري، وأصله استعمال الحواسّ الخمس الظاهرة. والمراد بالاعتبار ما هو سبب العلم النظري، وهو الحركة الفكريّة، بخلاف مناط هذا العلم في اللَّه تعالى؛ فإنّه ذاته بذاته، ولذا لا يعزب عنه شي‏ء ولا يفوته.

(فَعِنْدَ التَّجْرِبَةِ وَالِاعْتِبَارِ عِلْمَانِ وَلَوْلَا هُمَا مَا عَلِمَ‏

(2)

).

الفاء للبيان، والمراد بالعلمين:

العلم الضروري والعلم النظري، وضمير «لولاهما» للتجربة (3) والاعتبار. و «علم» بصيغة الماضي المعلوم المجرّد، والضمير المستتر للَّه‏تعالى، يعني لو كان اللَّه تعالى خبيراً للتجربة والاعتبار، فعند تجربته واعتباره يحدث له علمان، ولولا تجربته واعتباره ما علم شيئاً أصلًا، لا ضروريّاً ولا نظريّاً.

(لِأَنَّ مَنْ كَانَ كَذلِكَ، كَانَ جَاهِلًا).

تعليلٌ لقوله: «ما علم»؛ أي لأنّ كلّ من كان علمه حادثاً عند التجربة والاعتبار كان جاهلًا قبل التجربة والاعتبار.

(وَاللَّهُ لَمْ يَزَلْ خَبِيراً بِمَا يَخْلُقُ)،

بصيغة المجهول، أو المعلوم من باب نصر.

(وَالْخَبِيرُ مِنَ النَّاسِ الْمُسْتَخْبِرُ عَنْ جَهْلٍ)؛

بالجرّ والتنوين.

(الْمُتَعَلِّمُ)؛

بالرفع خبر آخَرُ للخبير.

(وَقَدْ

(4)

جَمَعْنَا الِاسْمَ، وَاخْتَلَفَ الْمَعْنى‏)؛

فإنّ المصداق فيه تعالى ذاته، وفي الخلق أسباب التعلّم، والاستخبار داخلة في المصداق.

____________

(1). لسان العرب، ج 4، ص 226 (خبر).

(2). في الكافي المطبوع: «عُلِمَ».

(3). في «ج»: «بالتجربة».

(4). في الكافي المطبوع: «فقد».

294

(و أما الظَّاهِرُ، فَلَيْسَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ عَلَا الْأَشْيَاءَ بِرُكُوبٍ فَوْقَهَا، وَقُعُودٍ عَلَيْهَا، وَتَسَنُّمٍ لِذُرَاهَا، وَلكِنْ ذلِكَ لِقَهْرِهِ وَلِغَلَبَتِهِ الْأَشْيَاءَ وَقُدْرَتِهِ عَلَيْهَا، كَقَوْلِ الرَّجُلِ: ظَهَرْتُ عَلى‏ أَعْدَائِي، وَأَظْهَرَنِي اللَّهُ عَلى‏ خَصْمِي، يُخْبِرُ عَنِ الْفَلْجِ)؛ بفتح الفاء وسكون اللام والجيم، مصدر باب نصر وضرب: الظفر. (1)

(وَالْغَلَبَةِ، فَهكَذَا ظُهُورُ اللَّهِ عَلَى الْأَشْيَاءِ

)؛ يعني أنّ «الظاهر» موضوع لغةً لأمرين:

الأوّل: العالي على شي‏ء بركوب ونحوه. والثاني: البارز بنفسه المعلوم بحدّه، (2) وشي‏ء من الأمرين ليس مشتركاً بين اللَّه وخلقه، ثمّ اطلق على أمرين مأخوذين من المعنيين مشتركين بين اللَّه وخلقه؛ معنى الأوّل: الغالب، وهو مأخوذ من العالي، والثاني: مَن لا يخفى وجوده على الناظر فيه، وهو مأخوذ من البارز بنفسه. وإلى الثاني أشار بقوله:

(وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ الظَّاهِرُ لِمَنْ أَرَادَهُ، وَلَا يَخْفى‏ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ، وَأَنَّهُ مُدَبِّرٌ لِكُلِّ مَا يُرى‏

(3)

بصيغة المضارع المجهول من باب منع. والمراد ب «ما يرى» النظام المشاهَد في السماوات والأرضين وما بينهما.

(فَأَيُّ ظَاهِرٍ أَظْهَرُ وَأَوْضَحُ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى‏؟ لِأَنَّكَ لَاتَعْدَمُ صَنْعَتَهُ حَيْثُمَا تَوَجَّهْتَ، وَفِيكَ مِنْ آثَارِهِ مَا يُغْنِيكَ، وَالظَّاهِرُ مِنَّا الْبَارِزُ بِنَفْسِهِ، وَالْمَعْلُومُ بِحَدِّهِ، فَقَدْ جَمَعَنَا الِاسْمُ وَلَمْ يَجْمَعْنَا الْمَعْنى‏)؛

فإنّ مصداق ظهور الخلق علوّه مكاناً ونحو ذلك، أو جسميّته ومقداره وأجزاؤه، بخلاف ظهوره تعالى.

(و أما الْبَاطِنُ، فَلَيْسَ عَلى‏ مَعْنَى الِاسْتِبْطَانِ لِلْأَشْيَاءِ بِأَنْ يَغُورَ فِيهَا، وَلكِنْ ذلِكَ مِنْهُ عَلَى اسْتِبْطَانِهِ لِلْأَشْيَاءِ عِلْماً وَحِفْظاً وَتَدْبِيراً، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَبْطَنْتُهُ، يَعْنِي خَبَرْتُهُ)؛ بالمعجمة والموحّدة ومهملة كنصرته، أي اختبرته.

(وَعَلِمْتُ مَكْتُومَ سِرِّهِ، وَالْبَاطِنُ مِنَّا الْغَائِبُ فِي الشَّيْ‏ءِ، الْمُسْتَتِرُ، وَقَدْ جَمَعْنَا الِاسْمَ،

____________

(1). الصحاح، ج 1، ص 335؛ معجم مقاييس اللغة، ج 4، ص 448 (فلج).

(2). انظر النهاية، ج 3، ص 164 (ظهر).

(3). في الكافي المطبوع: «ما برأ».

295

وَاخْتَلَفَ الْمَعْنى‏)؛

فإنّ مصداق «الباطن» المشترك بين اللَّه وخلقه- وهو المصرّح به بقوله: «كقول القائل» إلى آخره- في الخلق أن يكون جسماً كداخل في شي‏ء، فإنّه المتعارف في الإبطان، إذ لو لم يحضره معه في الخلوات ولم يفتّشه عن مكنون سرّه، لم يعلم ذلك بخلاف «الباطن في اللَّه» فإنّ مصداقه ذاته تعالى.

(و أما الْقَاهِرُ، فَلَيْسَ عَلى‏ مَعْنى‏ عِلَاجٍ) أي فعل بدني.

(وَنَصَبٍ)؛

أي تعب.

(وَاحْتِيَالٍ وَمُدَارَاةٍ)؛

بالمهملتين والهمز؛ أي دفع ضرر.

(وَمَكْرٍ، كَمَا يَقْهَرُ الْعِبَادُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَالْمَقْهُورُ مِنْهُمْ يَعُودُ قَاهِراً، وَالْقَاهِرُ يَعُودُ مَقْهُوراً، وَلكِنْ ذلِكَ مِنَ اللَّهِ- تَبَارَكَ وَتَعَالى‏- عَلى‏ أَنَّ جَمِيعَ مَا خَلَقَ)

أي كلّ واحدٍ ممّا خلق.

(مُلْبَسٌ)؛

اسم مفعول من باب الإفعال.

(بِهِ)

. الضمير لجميع.

(الذُّلُّ)؛

نائب فاعل «ملبس».

(لِفَاعِلِهِ)

أي فاعل الجميع، وهو اللَّه. وفيه مسامحة بجعل «فاعل» فاعلَ الشي‏ء كفاعل ذلك الشي‏ء؛ لدخول أفعال العباد فيه.

(وَقِلَّةُ)؛

بكسر القاف وشدّ اللام والتاء، مصدر باب ضرب، مرفوع عطف على «الذلّ» أي وصِغَر وانقياد وقبول.

(الِامْتِنَاعِ لِمَا أَرَادَ بِهِ)

أي أراد الفاعل بالجميع. وسيجي‏ء معنى الإرادة في «باب في أنّه لا يكون» إلى آخره.

(لَمْ يَخْرُجْ)

أي الجميع. وهو استئناف بياني.

(مِنْهُ)

أي من لباس الذلّ والقلّة.

(طَرْفَةَ عَيْنٍ)؛

منصوب بالظرفيّة، أي مقدار طرفة عين من الزمان.

296

(أَنْ يَقُولَ لَهُ: «كُنْ» فَيَكُونُ).

استشهاد بآية سورة يس، (1) أو بدل عن الضمير في «منه».

وعلى الثاني «فيكون» منصوب، ولو كان «نقول» بالنون كان استشهاداً بآية سورة النحل. (2)

(وَالْقَاهِرُ مِنَّا عَلى‏ مَا ذَكَرْتُ)؛

بصيغة المتكلِّم.

(وَوَصَفْتُ، فَقَدْ جَمَعْنَا الِاسْمَ، وَاخْتَلَفَ الْمَعْنى‏. وَهكَذَا جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ وَإِنْ كُنَّا لَمْ نَسْتَجْمِعْهَا كُلَّهَا، فَقَدْ يَكْتَفِي بِالِاعْتِبَارِ

(3)

بِمَا أَلْقَيْنَا إِلَيْكَ، وَاللَّهُ عَوْنُكَ وَعَوْنُنَا فِي إِرْشَادِنَا وَتَوْفِيقِنَا).

____________

(1). يس (36): 82.

(2). النحل (16): 40.

(3). في الكافي المطبوع: «الاعتبار».

297

باب تأويل الصمد

الباب الثامن عشر بَابُ تَأْوِيلِ الصَّمَدِ

فيه حديثان، وشرح لهما من المصنّف رحمه الله:

الأوّل:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ)؛

بفتح الواو وكسر اللام.

(وَلَقَبُهُ)

أي لقب محمّد

(شَبَابٌ)؛

بفتح المعجمة وتخفيف الموحّدة وألف وموحّدة.

(الصَّيْرَفِيُّ)؛

صفة محمّد. (1)

(عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي (عليه السلام): جُعِلْتُ فِدَاكَ، مَا الصَّمَدُ؟ قَالَ: السَّيِّدُ الْمَصْمُودُ إِلَيْهِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ).

لمّا كان السؤال ب «ما» هنا لطلب شرح الاسم، أجاب بذكر مفهوم الاسم.

الثاني:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ السَّرِيِّ)

؛ بفتح السين المهملة، وكسر الراء المهملة، وشدّ الخاتمة. (2)

(عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنَ التَّوْحِيدِ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ- تَبَارَكَتْ أَسْمَاؤُهُ الَّتِي يُدْعى‏ بِهَا، وَتَعَالى‏ فِي عُلُوِّ كُنْهِهِ-).

كنه الشي‏ء: قدره.

____________

(1). ترجمته في معجم رجال الحديث، ج 18، ص 331، الرقم 11963.

(2). رجال النجاشي، ص 47، الرقم 97؛ الفهرست، ص 100، الرقم 14؛ نقد الرجال، ج 2، ص 26، الرقم 59.

298

(وَاحِدٌ)

أي لا إله إلّاهو.

(تَوَحَّدَ بِالتَّوْحِيدِ)

أي لم يكن موحّد له غير نفسه.

(فِي تَوَحُّدِهِ)

أي في وقت توحّده بالوجود قبل خلق العالم.

(ثُمَّ أَجْرَاهُ)

أي أجرى التوحيد.

(عَلى‏ خَلْقِهِ)؛

بأن كلّفهم بالتوحيد، أو جعلهم موحِّدين.

(فَهُوَ)

أي فالآن نحن نوحِّده ونقول:

(وَاحِدٌ، صَمَدٌ، قُدُّوسٌ).

وقوله:

(يَعْبُدُهُ كُلُّ شَيْ‏ءٍ)،

ناظرٌ إلى تفسير «واحد». وقوله:

(وَيَصْمُدُ إِلَيْهِ كُلُّ شَيْ‏ءٍ)،

ناظرٌ إلى تفسير «صمد». وقوله:

(وَوَسِعَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً).

ناظرٌ إلى تفسير «قدّوس». فالنشر على ترتيب اللفّ.

الشرح:

(فَهذَا هُوَ الْمَعْنَى الصَّحِيحُ فِي تَأْوِيلِ الصَّمَدِ، لَامَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُشَبِّهَةُ أَنَّ تَأْوِيلَ الصَّمَدِ:

الْمُصْمَتُ الَّذِي لَاجَوْفَ لَهُ؛ لِأَنَّ ذلِكَ لَايَكُونُ إِلَّا مِنْ صِفَةِ الْجِسْمِ، وَاللَّهُ- جَلَّ ذِكْرُهُ- مُتَعَالٍ عَنْ ذلِكَ، هُوَ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يَقَعَ‏

(1)

الْأَوْهَامُ عَلى‏ صِفَتِهِ)

أي على خصوصيّة ذاته، فإنّ المراد بوقوع الأوهام على الشي‏ء إدراكه جزئيّاً.

(أَوْ يُدْرَكَ‏

(2)

كُنْهُ عَظَمَتِهِ)

أي مقدارها، ولو كان جسماً لزم إمكان إدراك مقدار عظمته.

(وَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ الصَّمَدِ فِي صِفَةِ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- الْمُصْمَتَ لَكَانَ مُخَالِفاً لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:

«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» (3)

؛ لِأَنَّ ذلِكَ مِنْ صِفَةِ الْأَجْسَامِ الْمُصْمَتَةِ الَّتِي لَاأَجْوَافَ لَهَا، مِثْلِ‏ الْحَجَرِ وَالْحَدِيدِ وَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ الْمُصْمَتَةِ الَّتِي لَاأَجْوَافَ لَهَا)؛

فتكون الجسميّة

____________

(1). في الكافي المطبوع: «تقع».

(2). في الكافي المطبوع: «تدرك».

(3). الشورى (42): 11.

299

والمصمتيّة مشتركةً بينهما.

(تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً، فَأَمَّا مَا جَاءَ فِي الْأَخْبَارِ مِنْ ذلِكَ، فَالْعَالِمُ (عليه السلام) أَعْلَمُ بِمَا قَالَ).

يمكن أن يكون تعبيراً عن السيّد المصمود إليه، فإنّ الأجوف قد يستعمل في الركيك في علمه أو عمله، والمصمت يقابله. واللَّه تعالى ذو القوّة المتين العالم بكلّ شي‏ء، فهو السيّد المصمود إليه.

(وَهذَا الَّذِي قَالَ (عليه السلام)- أَنَّ الصَّمَدَ هُوَ السَّيِّدُ الْمَصْمُودُ إِلَيْهِ- هُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:

«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ». (1)

وَالْمَصْمُودُ إِلَيْهِ: الْمَقْصُودُ فِي اللُّغَةِ.

قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي بَعْضِ مَا كَانَ يَمْدَحُ بِهِ النَّبِيَّ (صلى الله عليه و آله) مِنْ شِعْرِهِ

:

وَ بِالْجَمْرَةِ الْقُصْوى‏ إِذَا صَمَدُوا لَهَا* * * يَؤُمُّونَ قَذْفاً رَأْسَهَا بِالْجَنَادِلِ‏ (2)

يَعْنِي قَصَدُوا نَحْوَهَا يَرْمُونَهَا بِالْجَنَادِلِ، يَعْنِي الْحُصِيَّ)

بضمّ الحاء المهملة وكسر الصاد المهملة وشدّ الخاتمة، جمع «حصى» بفتح المهملتين وألف مقصورة، واحدها «حصاة».

(الصِّغَارَ)؛

بكسر المهملة، جمع «الصغير».

(الَّتِي تُسَمّى‏ بِالْجِمَارِ. وَقَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ

)

أي قبل ظهور الإسلام وبعثة النبيّ (صلى الله عليه و آله).

مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ بَيْتاً ظَاهِراً* * * لِلَّهِ فِي أَكْنَافِ مَكَّةَ يُصْمَدُ

يَعْنِي: يُقْصَدُ.

(وَقَالَ الزِّبْرِقَانُ)؛ بكسر الزاي وسكون الموحّدة وكسر المهملة والقاف، شاعر بني تميم جاء مع قومه المدينة سنة تسع من الهجرة وأسلموا. (3) وفي القاموس:

الزبرقان: القمر، والخفيف اللحية، ولقب الحصين بن بدر الصحابي لجماله، أو لصفرة

____________

(1). الشورى (42): 11.

(2). السيرة النبويّة لابن هشام، ج 1، ص 177؛ السيرة النبويّة لابن كثير، ج 1، ص 487. وذكر القصيدة كلّها نجم الدين العسكري في كتاب أبوطالب حامي الرسول (صلى الله عليه و آله)، ص 108 عن ديوان أبي طالب (عليه السلام) في 106 بيتاً.

(3). السيرة النبويّة لابن هشام، ج 4، ص 987.

300

عمامته، أو لأنّه لبس حلّة وراح إلى ناديهم، فقالوا: زَبرَقَ حصين. (1)

( [................ ..]* * * وَ لَارَهِيبَةَ إِلّا سَيِّدٌ صَمَدٌ (2)

وَ قَالَ شَدَّادُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فِي حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ

:

عَلَوْتُهُ بِحُسَامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ‏* * * خُذْهَا حُذَيْفُ فَأَنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ (3)

وَ مِثْلُ هذَا كَثِيرٌ، وَاللَّهُ- عَزَّ وَجَلَّ- هُوَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ الَّذِي جَمِيعُ الْخَلْقِ- مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ- إِلَيْهِ يَصْمُدُونَ فِي الْحَوَائِجِ، وَإِلَيْهِ يَلْجَؤُونَ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، وَمِنْهُ يَرْجُونَ الرَّخَاءَ وَدَوَامَ النَّعْمَاءِ لِيَدْفَعَ عَنْهُمُ الشَّدَائِدَ).

____________

(1). القاموس المحيط، ج 3، ص 240؛ تاج العروس، ج 13، ص 187 (زبرق).

(2). صدر البيت: «ما كان عمران ذاغش ولا حسد». ورهيبة اسم رجل.

(3). حكاه الصدوق في التوحيد، ص 197، ذيل ح 9 عن الشاعر، وحكاه الجوهري في الصحاح، ج 2، ص 499 (صمد) وحكاه السمعاني في تفسيره، ج 6، ص 304 عن آخر، وابن فارس في معجم مقاييس اللغة، ج 3، ص 309 (صمد).

301

باب الحركة و الانتقال‏

الباب التاسع عشر بَابُ الْحَرَكَةِ وَ الِانْتِقَالِ‏

فيه أحد عشر حديثاً.

الأوّل:

(مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَرْمَكِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبَّاسٍ الْخُرَاذِينِيِ‏

(1)

بضمّ المعجمة وفتح المهملة المخفّفة والألف وكسر المعجمة وسكون الخاتمة والنون: قرية بالريّ، وقيل بدل الخاء الجيم، والمشهور فيها الخاء، وأنّها بالزاي بدل الذال، واللامِ بدل النون، أو ما مع النون، كانت قرية اخرى بجنب ما مع اللام. (2)

(عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ جَعْفَرٍ الْجَعْفَرِيِّ، عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام)، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَهُ قَوْمٌ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ- تَبَارَكَ وَتَعَالى‏- يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَايَنْزِلُ)

أي يستحيل عليه النزول.

(وَلَا يَحْتَاجُ إِلى‏ أَنْ يَنْزِلَ)

أي لا يفوت عنه بعدم النزول كمال. وقوله:

(إِنَّمَا مَنْزلُهُ‏

(3)

فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ سَوَاءٌ)،

ناظرٌ إلى قوله: «لا ينزل» أي إنّما منزلته ونسبته إلى الأشياء في القُرب باعتبار العلم، كقوله: «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» (4)، وفي البُعد باعتبار الذات سواء، أي لا يتغيّر هذا القُربُ، ولا هذا البُعدُ.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «الجراذينى» بفتح الجيم.

(2). في حاشية «أ»: «القائل صاحب الخلاصة (منه)».

(3). في الكافي المطبوع: «منظره».

(4). سورة ق (50): 16.

302

(لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ قَرِيبٌ، وَلَمْ يَقْرُبْ مِنْهُ بَعِيدٌ).

جملة استئنافيّة للبيان والتفسير، يعني القريبُ بحسب العلم والإحاطة لا يبعد منه أصلًا بحسب العلم والإحاطة، وكذا البعيد بحسب الذات لا يقرب منه بحسب الذات أصلًا. وقوله:

(وَلَمْ يَحْتَجْ إِلى‏ شَيْ‏ءٍ)،

ناظرٌ إلى قوله: «ولا يحتاج إلى أن ينزل». فالنشر على ترتيب اللفّ. وقوله:

(بَلْ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ)؛

بصيغة المجهول، والظرف قائم مقام الفاعل.

(وَهُوَ ذُو الطَّوْلِ)؛

بالفتح: العطاء. (1)

(لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

وهذا إشارة إلى الجواب عن قول المشبّهة: إنّه ينزل لقضاء حوائج السائلين؛ بأنّه ذو العطاء (2) بلا حاجة إلى نزول، ليس له شريك في الالوهيّة فيسبق.

(أَمَّا قَوْلُ الْوَاصِفِينَ)

أي الذين يصفون اللَّه تعالى بصفة المخلوقين.

(إِنَّهُ يَنْزِلُ تَبَارَكَ وَتَعَالى‏، فَإِنَّمَا يَقُولُ ذلِكَ مَنْ يَنْسُبُهُ إِلى‏ نَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ).

استدلالٌ على بطلان قولهم: وذلك لأنّ المتحرّك في الأين لا يكون إلّاجسماً ذا مقدار، فيجوز عليه الزيادة والنقصان، فيكون مخلوقاً كما مرّ في سادس «باب النهي عن الجسم والصورة».

(وَكُلُّ مُتَحَرِّكٍ مُحْتَاجٌ إِلى‏ مَنْ يُحَرِّكُهُ أَوْ يَتَحَرَّكُ بِهِ).

استدلالٌ آخر على بطلان قولهم، وبيانه أنّ الحركة إمّا اضطراريّة وإمّا اختياريّة، والاولى محتاجة إلى مَن يحرّك محلّها، والثانية محتاجة إلى قوّة جسمانيّة بها يعالج الحركة.

(فَمَنْ ظَنَّ بِاللَّهِ الظُّنُونَ)

أي من قال على اللَّه بغير علم. و «الظنون» جمع «ظنّ» ونصبه على المفعول المطلق، واللام للاستغراق، وهو تمثيل لحال المضطرب، نحو: أراك تقدّم رِجلًا، وتؤخّر اخرى، فإنّ شأنه إذا كثر الاحتمالات أن يميل إلى كلّ احتمال،

____________

(1). في «ج»: «الإعطاء».

(2). نقل ابن الجوزي الحنبلي في كتاب دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، ص 92 أحاديث في نزول اللَّه إلى السماء الدنياونقدها.

303

ويرجع عنه إلى آخر، وشأنه إذا كان الاحتمال منحصراً في اثنين أن يميل إلى أحدهما، ثمّ يميل إلى الآخر، ثمّ يرجع إلى الأوّل وهكذا.

وقال نجم الدين الرضيّ في بحث المفعول المطلق من شرح الكافية: إمّا أن يكون مصدراً مثنّى أو مجموعاً لبيان اختلاف الأنواع، نحو: ضربته ضربتين؛ أي مختلفتين، (1) قال تعالى: «وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا». (2)

(هَلَكَ؛ فَاحْذَرُوا فِي صِفَاتِهِ مِنْ أَنْ تَقِفُوا لَهُ عَلى‏ حَدٍّ)

أي من أن تجعلوا له حدّاً.

(تَحُدُّونَهُ)؛

استئنافيّة بيان للأمر؛ أي لأنّكم تحدّونه حينئذٍ.

(بِنَقْصٍ، أَوْ زِيَادَةٍ).

ناظرٌ إلى الدليل الأوّل.

(أَوْ تَحْرِيكٍ، أَوْ تَحَرُّكٍ).

ناظرٌ إلى الدليل الثاني.

(أَوْ زَوَالٍ)

عن مكان، أو إمكان زوال عن وجود.

(أَوِ اسْتِنْزَالٍ)

أي نزول.

(أَوْ نُهُوضٍ)

أي قيام.

(أَوْ قُعُودٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ)؛

اسم «إنّ»، وخبرُه قوله:

(جَلَّ وَعَزَّ عَنْ صِفَةِ الْوَاصِفِينَ)

أي الذين يصفون اللَّه بصفة الأجسام.

(وَنَعْتِ النَّاعِتِينَ)

أي الذين يصفون اللَّه بالصورة والتخطيط.

(وَتَوَهُّمِ الْمُتَوَهِّمِينَ)

أي الذين يزعمون أنّهم يدركون خصوصيّة ذاته بالرؤية ونحوها.

( «وَ تَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) ليوفّقك لترك ما حُذِّر منه.

(الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ* وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ» (3)

).

ترشيح للتوكّل بأنّه عالم بأحوالك.

____________

(1). في المصدر: «ضربين أي مختلفين» بدل «ضربتين أي مختلفتين». وفي «ب»: «مختلفين» بدل «مختلفتين».

(2). شرح الرضي على الكافية، ج 1، ص 299، أنواع المفعول المطلق. والآية في سورة الأحزاب (33): 10.

(3). الشعراء (26): 217- 219.

304

الثاني:

(وَعَنْهُ).

قيل: الظاهر أنّه من كلام تلامذة المصنّف، والضمير راجع إليه كما قلنا سابقاً في «أخبرنا». ويؤيّده ما سيجي‏ء كثيراً من الضمائر الراجعة إلى المصنّف. انتهى. (1)

(رَفَعَهُ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: لَاأَقُولُ:

إِنَّهُ قَائِمٌ؛ فَأُزِيلَهُ عَنْ مَكَانِهِ)؛

فإنّ «القائم» من قام عن مكان جلوسه في العرف.

(وَلَا أَحُدُّهُ بِمَكَانٍ يَكُونُ فِيهِ)

ولا يقوم عنه.

(وَلَا أَحُدُّهُ أَنْ يَتَحَرَّكَ)

أي بأن يتحرّك.

(فِي شَيْ‏ءٍ)

أي باعتبار شي‏ء، كقوله تعالى: «إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏» (2) أي إلّامودّتي باعتبار قرباي؛ أقام مودّة قرباه مقام مودّته، وكقول الداعي: اللّهُمَّ احفظني في أهلي، أي باعتبار أهلي؛ أقام حفظ أهله مقام حفظه.

(مِنَ الأَرْكَانِ)

أي الأعضاء الرئيسة.

(وَالْجَوَارِحِ)

أي سائر الأعضاء. وهذا إشارة إلى أنّ حركة الجزء يستلزم حركة المجموع من حيث المجموع.

(وَلَا أَحُدُّهُ بِلَفْظِ)؛

مضاف إلى:

(شَقِّ)؛

بفتح المعجمة وشدّ القاف، واحد «الشقوق» وهو في الأصل مصدر، وهو مضاف إلى:

(فَمٍ، وَ لكِنْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالى‏:

«كُنْ فَيَكُونُ» (3)

بِمَشِيئَتِهِ)

التقدير، ولكن يكون بمشيئته، كما قال تبارك وتعالى: «كُن».

و معنى «كما قال» هنا أوّلَ قوله، أي لا يتخلّف الكون عن أمره أصلًا، وإنّما زيد الفاء

____________

(1). في حاشية «أ»: «هو ميرزا محمّد الإسترابادي رحمه الله (منه)».

(2). الشورى (42): 23.

(3). البقرة (2): 117.