الشافي في شرح الكافي - ج2

- خليل بن غازي‏ القزويني المزيد...
582 /
305

لموافقة القرآن، أو للتأخير في الذكر؛ يُقال: كما جاء زيد ذهبتُ، أي كان ذهابي في أوّل مجي‏ء زيد.

(مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ فِي نَفْسٍ)؛

بفتح الفاء، أي من غير لفظ.

(صَمَداً)؛

منصوب بفعل مقدّر؛ أي أعني صمداً.

(فَرْداً، لَمْ يَحْتَجْ إِلى‏ شَرِيكٍ)

أي معاون.

(يذكِّرُ

(1)

بشدّ الكاف المكسورة مأخوذ من الذكرة بضمّ الذال وسكون الكاف بمعنى الحدّة يقال: سيف مذكّر بشدّ الكاف المفتوحة، أي ذو حدّة وماء. (2) والضمير المستتر فيه عائد إلى الشريك.

(لَهُ)

أي للَّه.

(مُلْكَهُ)،

بضمّ الميم وسكون اللام، أي ملك اللَّه.

(وَلَا يُفْتَحُ‏

(3)

بصيغةِ مجهولِ باب منع، عطف على «لم يحتج».

(لَهُ)

أي للشريك.

(أَبْوَابُ‏

(4)

نائب فاعل «يفتح».

(عِلْمِهِ)

أي علم اللَّه. والمعنى أنّ الشريك ليس معلوماً للَّه، فإنّه لا شي‏ء محض. وهذا إشارة إلى قوله تعالى في سورة يونس: «قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ» (5).

الثالث:

(وَعَنْهُ، عَنْ)؛

في بعض النسخ: «أي عن»

(مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي بَعْضِ مَا كَانَ يُحَاوِرُهُ)؛

بالحاء المهملة والألف وواو وراء مهملة؛ أي يجاوبه، الذي يفهم من كتاب من لا يحضره الفقيه في «كتاب الحجّ» في‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «يَذْكُرُ».

(2). معجم مقاييس اللغة، ج 2، ص 358؛ تاج العروس، ج 6، ص 444 (ذكر).

(3). في الكافي المطبوع: «ولا يَفتح».

(4). في الكافي المطبوع: «أبوابُ».

(5). يونس (10): 18.

306

«باب ابتداء الكعبة وفضلها وفضل الحرم» أنّ هذا الكلام من عبد الكريم ابن أبي العوجاء متّصل بما يجي‏ء في «كتاب الحجّ» في أوّل «باب ابتلاء الخلق واختبارهم بالكعبة» وهو الباب السادس من قول أبي عبداللَّه (عليه السلام): «وهذا بيت استعبد اللَّه به خلقه ليختبر طاعتهم» إلى آخره. (1)

(ذَكَرْتَ اللَّهَ، فَأَحَلْتَ عَلى‏ غَائِبٍ).

يُقال: أحال عليه بدَيْنه، والاسم: الحوالة.

لمّا فهم من كلامه (عليه السلام) أنّ فائدة الطاعات الثواب على اللَّه تعالى، شبّه ذلك بالحوالة للدين على غائب لا يمكن الطلب والأخذ منه.

(فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): وَيْلَكَ، كَيْفَ يَكُونُ غَائِباً مَنْ هُوَ مَعَ خَلْقِهِ شَاهِدٌ)

أي إنّما لا يمكن الطلب من غائب يكون في مكان بعيد عن مكان الطالب، وليس اللَّه كذلك.

(وَإِلَيْهِمْ أَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)؛

هو العِرْق الذي في صفحة العنق، وهما وريدان مكتنفان صفحتي العنق ممّا يلي مقدّمه، غليظان، ينتفخان عند الغضب. (2) ويُقال: إنّ الوريد والوتين والنَسْ‏ءُ عرق واحد يسمّى في العنق «وريداً» وفي القلب «وتيناً» وفي الفخذ والساق «نَسأً». (3)

(يَسْمَعُ كَلَامَهُمْ، وَيَرى‏ أَشْخَاصَهُمْ، وَيَعْلَمُ أَسْرَارَهُمْ؟! فَقَالَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ: أَ هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ؟ أَ لَيْسَ إِذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ، كَيْفَ يَكُونُ فِي الْأَرْضِ؟!)

أي لا يكون في الأرض.

أعطى «كيف» للاستفهام الإنكاري حكمَ «لا» للنفي، وأقامها مقامها كأنّه ابتداء الكلام على أن يصرّح بالنفي، ثمّ خاف التصريح فأتى ب «كيف».

(وَإِذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ، كَيْفَ يَكُونُ)

أي لا يكون.

(فِي السَّمَاءِ؟! فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): إِنَّمَا وَصَفْتَ الْمَخْلُوقَ الَّذِي إِذَا انْتَقَلَ عَنْ مَكَانٍ، اشْتَغَلَ بِهِ مَكَانٌ، وَخَلَا مِنْهُ مَكَانٌ، فَلَا يَدْرِي فِي الْمَكَانِ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ مَا يَحْدُثُ فِي‏

____________

(1). الفقيه، ج 2، ص 249، ح 2325.

(2). لسان العرب، ج 3، ص 459؛ تاج العروس، ج 5، ص 310 (ورد).

(3). النهاية، ج 1، ص 18.

307

الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ، فَأَمَّا اللَّهُ- الْعَظِيمُ الشَّأْنِ، الْمَلِكُ، الدَّيَّانُ- فَلَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ، وَلَا يَشْتَغِلُ بِهِ مَكَانٌ، وَلَا يَكُونُ إِلى‏ مَكَانٍ أَقْرَبَ مِنْهُ إِلى‏ مَكَانٍ).

الرابع:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، قَالَ: كَتَبْتُ إِلى‏ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام): جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ يَا سَيِّدِي، قَدْ رُوِيَ لَنَا أَنَّ اللَّهَ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ)

. وقوله:

(عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏)،

تتمّة المرويّ، وهو استئناف بياني؛ أي هذا الموضع الذي هو فيه هو العرش.

(وَأَنَّهُ)

أي وروي لنا أنّه‏

(يَنْزِلُ)

أي من عرشه‏

(كُلَّ لَيْلَةٍ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا).

(وَرُوِيَ)

. إشارة إلى أنّ سند الروايتين السابقتين متّحد، وغير سند هذه الرواية.

(أَنَّهُ يَنْزِلُ)

أي من عرشه‏

(عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلى‏ مَوْضِعِهِ، فَقَالَ بَعْضُ مَوَالِيكَ فِي ذلِكَ)

أي في تكذيب الروايات، أو في الاستشكال عليها.

(إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ، فَقَدْ يُلَاقِيهِ الْهَوَاءُ، وَيَتَكَنَّفُ عَلَيْهِ)؛

بالنون والفاء بصيغة المضارع المعلوم من باب التفعّل؛ أي يحيط به.

(وَالْهَوَاءُ جِسْمٌ رَقِيقٌ يَتَكَنَّفُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ بِقَدْرِهِ)

أي بقدر ذلك الشي‏ء، يعني لا ينقص داخل الهواء عنه، فيتداخل ولا يزيد عليه، فيحصل خلأً.

(فَكَيْفَ يَتَكَنَّفُ عَلَيْهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلى‏ هذَا الْمِثَالِ؟!)

أي على قدره.

(فَوَقَّعَ (عليه السلام))

كان هذا التوقيع تحت قوله: «على العرش استوى‏».

(عِلْمُ ذلِكَ عِنْدَهُ، وَهُوَ الْمُقَدِّرُ لَهُ بِمَا هُوَ أَحْسَنُ تَقْدِيراً).

«علم» مبتدأ ومضاف.

و «ذلك» إشارة إلى العرش. و «عنده» خبر المبتدأ، والضمير للَّه، وضمير «هو» للَّه.

و «المقدّر» بصيغة اسم فاعل باب التفعيل: المدبّر، سواء كان موجداً وفاعلًا أم لا.

وضمير «له» للعرش. والباء في «بما» للملابسة. و «ما» موصولة، وعبارة عن النظام، وضمير «هو» لما. و «تقديراً» تمييز للنسبة في «أحسن» يعني أنّ المراد بعرش اللَّه‏

308

مجموع مخلوقاته، فإنّه مملكته.

والمراد باستوائه على العرش استيلاؤه على كلّ جزء من أجزائه بالسويّة؛ أي بلا تفاوت، وذلك بعلمه التامّ به وتدبيره إيّاه أحسن تدبير، فإنّه لا يخرج شي‏ء من أفعال العباد حتّى كفر الكافر عن مشيئته تعالى وإرادته وقدره وقضائه وإذنه، كما يجي‏ء في الباب الخامس والعشرين، ويجي‏ء معنى استوائه تعالى على العرش في سادس الباب وسابعه وثامنه.

(وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَهُوَ كَمَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ، وَالأَشْيَاءُ كُلُّهَا لَهُ سَوَاءٌ عِلْماً وقُدْرَةً وَمُلْكاً وَإِحَاطَةً).

«فهو» مبتدأ و «كما هو» خبر المبتدأ، أي لا يتغيّر، نظير «كُن كما أنت».

قال ابن هشام في مغني اللبيب في بيان أنّ الكاف قد يكون للاستعلاء:

قيل في كُن كما أنت: إنّ المعنى على ما أنت عليه، وللنحويّين في هذا المثال أعاريب:

أحدها: هذا وهو أنّ «ما» موصولة و «أنت» مبتدأ حذف خبره.

والثاني: أنّها موصولة، و «أنت» خبر حذف مبتدؤه؛ أي كالذي هو أنت، وقد قيل بذلك في قوله تعالى: «اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ» (1) أي كالذي هو لهم آلهة.

والثالث: أنّ «ما» زائدة ملغاة والكاف أيضاً جارّة كما في قوله:

وننصر مولانا ونعلم أنّه‏* * * كما الناس مجروم عليه وجارم‏ (2)

و «أنت» ضمير مرفوع انيب عن المجرور، كما في قوله: ما أنا كأنت، والمعنى: كن فيما تستقبل مماثلًا لنفسك فيما مضى.

والرابع: أنّ «ما» كافّة، و «أنت» مبتدأ حذف خبره، أي عليه أو كائن، وقد قيل في‏ «كَما لَهُمْ آلِهَةٌ» أنّ «ما» كافّة. وزعم صاحب المستوفى‏ (3) أنّ الكاف لا تكفّ ب «ما» وردّ

____________

(1). الأعراف (7): 138.

(2). حكاه ابن عقيل في شرحه، ج 2، ص 34؛ والطريحي في مجمع البحرين، ج 4، ص 3.

(3). هو أبو سعد كمال الدين عليّ بن مسعود الفرغاني، واسم كتابه المستوفى في النحو، كما في كشف الظنون، ج 2، ص 1675.

309

عليه بقوله:

واعلَم أنّني وأبا حميد* * * كما النشوان والرجل الحليم‏ (1)

وقوله:

أخ ماجد لم يخزني يوم مشهد* * * كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه‏

(2)

وإنّما يصحّ الاستدلال بهما إذا لم يثبت أنّ «ما» المصدريّة تُوصل بالجمل الاسميّة.

والخامس: أنّ «ما» كافّة أيضاً، و «أنت» فاعل، والأصل: كما كنت، ثمّ حذفت «كان» فانفصل الضمير. وهذا بعيد، بل الظاهر أنّ «ما» على هذا التقدير مصدريّة.

انتهى. (3)

و «على العرش» خبر ثان؛ يعني ليس كونه في السماء الدنيا مزيلًا له عمّا كان عليه، ولا مانعاً عن كونه على العرش، فالمراد بنزوله إلى السماء الدنيا استجابته الدعاء ونحو ذلك، نظير قوله: «أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها» (4) ومضى في سادس «باب فقد العلماء» من «كتاب العقل». وقوله: «وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا» (5)، وقوله:

«والأشياء» إلى آخره إشارة إلى معنى الاستواء على العرش في الآية، موافقاً لما يجي‏ء في سادس الباب وسابعه وثامنه.

(وَ عَنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْكُوفِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏ مِثْلُهُ).

(وَفِي قَوْلِهِ‏

(6)

:

«ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ» (7)

).

هذا كلام المصنّف، وهو معطوف على الحركة والانتقال؛ أي وهذا الباب في قوله.

____________

(1). حكاه أبو حيان الأندلسي في تفسير البحر المحيط، ج 1، ص 617؛ و ج 2، ص 106 بلفظ: «لعمرك» بدل «واعلم».

(2). حكى عجزه في القاموس المحيط، ج 4، ص 411.

(3). مغني اللبيب، ج 1، ص 177.

(4). الرعد (13): 41.

(5). الفجر (89): 22.

(6). في الكافي المطبوع:+/ «تعالى».

(7). المجادلة (58): 7.

310

الخامس:

(عَنْهُ، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ تَعَالى‏:

«ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ» (1)

فَقَالَ: هُوَ وَاحِدٌ)

أي لا إله إلّاهو.

(وَأحَديُ‏

(2)

الذَّاتِ)،

بفتح الهمزة وفتح الحاء المهملة ودال مهملة قبل ياء النسبة، والواو للعطف؛ أي وغير منقسم في وجوده ولا عقل ولا وهم. ويمكن أن تكون الواو جزء الكلمة وبعدها ألف ليّنة والحاء مكسورة، وحرف العطف مقدّر كما في ما بعده؛ والمآل واحد.

(بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ)

أي ليس كمثله شي‏ء.

(وَبِذَاكَ)

أي بالوحدة والأحديّة والبينونة.

(وَصَفَ نَفْسَهُ)

في القرآن. والمقصود أنّه تعالى ليس جسمانيّاً، فليس كونه معهم باعتبار المكان والذات.

(وَهُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطٌ بِالْإِشْرَافِ)

أي بالعلوّ والقدرة. يُقال: أشرفت الشي‏ء، أي علوته؛ وأشرفت عليه، أي اطّلعت عليه من فوق.

(وَالْإِحَاطَةِ).

ذكر ذلك اعتماداً على أنّ ما قبله وما بعده يفسّره أنّ المراد به القدرة، وإشارةً إلى أنّ إطلاق المحيط على هذا المعنى مشهور كقوله: «وَ اللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ» (3).

(وَالْقُدْرَةِ).

عطف تفسير.

( «لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ وَ لا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرُ» (4)) أي لا يغيب.

(بِالْإِحَاطَةِ)

أي بالقدرة، وهو متعلّق بالنفي لا المنفيّ.

____________

(1). المجادلة (58): 7.

(2). في الكافي المطبوع: «وَاحِدِىُ».

(3). البروج (85): 20.

(4). سبأ (34): 3.

311

(وَالْعِلْمِ، لَابِالذَّاتِ)

أي بأن يكون ذاته في مكانٍ قريب من مكانهم.

(لِأَنَّ الْأَمَاكِنَ مَحْدُودَةٌ)؛

لأدلّة تناهي الأبعاد.

(تَحْوِيهَا حُدُودٌ أَرْبَعَةٌ).

هي: القدّام، والخلف، واليمين، واليسار؛ لم يذكر الفوق والتحت من الجهات الستّ لأنّ المحسوس لنا من أمثالنا غالباً أحد الأربع.

(فَإِذَا كَانَ)

عدم العزوب‏

(بِالذَّاتِ لَزِمَهَا)

أي الذات‏

(الْحَوَايَةُ).

وحاصله تفسير كونه تعالى مع الثلاثة أو الخمسة بأنّه لا يعزب شي‏ء عنه بالقدرة والعلم.

(فِي قَوْلِهِ:

«الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏» (1)).

هذا أيضاً كلام المصنّف رحمه الله، وهو أيضاً معطوف على الحركة والانتقال لكن بحذف العاطف.

السادس:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْخَشَّابِ)؛

بفتح الخاء المعجمة، وشدّ الشين المعجمة، والموحّدة.

(عَنْ بَعْضِ رِجَالِهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)

في سورة طه:

( «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏»

؟ فَقَالَ: اسْتَوى‏ عَلى‏ كُلِّ شَىْ‏ءٍ؛ فَلَيْسَ شَىْ‏ءٌ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ شَىْ‏ءٍ).

ظاهره أنّ «على» للاستعلاء. والظرف متعلّق ب «استوى» وتعديته ب «على» لتضمين معنى الاستيلاء. والعرش عبارة عن كتاب اللَّه الذي فيه تبيان كلّ شي‏ء، كما يجي‏ء بيانه في ثاني الآتي‏ (2) عند قوله: «والعرش اسم علم وقدرة وعرش فيه كلّ شي‏ء». والجملة خبر المبتدأ؛ يُقال: استوى على ظهر دابّته: إذا استقرّ؛ واستوى إلى الشي‏ء: إذا قصده؛ واستوى على المملكة: إذا استولى على جميعها بحيث استوى نسبة كلّ جزء إليه.

وقوله: «فليس شي‏ء أقرب إليه من شي‏ء» ردّ على المعتزلة المفوّضة حيث قالوا: إنّ‏

____________

(1). طه (20): 5.

(2). أي في الحديث 2 عن باب العرش والكرسي.

312

أفعال العباد ليست مقدورة للَّه، وليست بمشيئته وإرادته وقدره وقضائه وإذنه. (1)

ويجي‏ء إبطال مذهبهم في أحاديث الخامس والعشرين والثلاثين.

السابع:

(وَبِهذَا الْإِسْنَادِ، عَنْ سَهْلٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَارِدٍ)؛

بكسر المهملة ومهملة.

(أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:

«الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏»

فَقَالَ:

اسْتَوى‏ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ؛ فَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ).

«من» في قوله: «من كلّ شي‏ء» للنسبة، مثل: «أنتَ منّي بمنزلة هارون من موسى‏».

والاستواء على الشي‏ء مشتمل على أمرين: الأوّل: الاستيلاء، الثاني: تساوي النسبة.

وقد صرّح هنا بالثاني، وسكت عن الأوّل؛ لظهوره.

الثامن:

(وَعَنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى‏، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيى‏، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَجَّاجِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:

«الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏»

فَقَالَ: اسْتَوى‏ فِي كُلِّ شَيْ‏ءٍ)؛

كما تصحّ تعدية «استوى» ب «على» باعتبار الاستيلاء وب «من» باعتبار النسبة تصحّ تعديته ب «في» باعتبار أنّ المراد بكلّ شي‏ء خلق كلّ شي‏ء، سواء كان خلقَ تقدير، أو خلقَ تكوين، نحو: تفوّق زيد في الكتابة، ويجوز أن يكون «في» بمعنى «على» كما قالوا في‏ «لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ» (2).

(فَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ، لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ بَعِيدٌ، وَلَمْ يَقْرُبْ مِنْهُ قَرِيبٌ).

المراد بالبعيد الممتنع بالذات، والمراد بالقريب الممكن بالذات؛ يعني لم يحدث بُعد بعيدٍ منه، ولا قُرب‏ (3) قريبٍ منه، أو المراد أنّ كون بعض الممكنات بعيداً محتاجاً إلى أسباب لم يحصل بعدُ، وبعضها قريباً إنّما هو بالنسبة إلينا، وأمّا بالنسبة إليه فليس بُعد وقُرب.

____________

(1). حكاه في المواقف، ج 3، ص 208 و 214 و 226 عن المعتزلة.

(2). طه (20): 72.

(3). في «ج»:-/ «قرب».

313

(اسْتَوى‏ فِي كُلِّ شَيْ‏ءٍ).

بيان لقوله: «لم يقرب منه قريب» أي استوى في خلق كلّ ممكن بالذات.

التاسع:

(وَعَنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ:

مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ مِنْ شَيْ‏ءٍ، أَوْ فِي شَيْ‏ءٍ، أَوْ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ، فَقَدْ كَفَرَ. قُلْتُ: فَسِّرْ لِي، قَالَ: أَعْنِي بِالْحَوَايَةِ).

الظرف متعلّق بالظرف في قوله: «أو في شي‏ء»؛ أي أعني بأنّ اللَّه في شي‏ء أنّه في شي‏ء بالحواية، وذلك لئلّا ينافي نحو قوله تعالى: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» (1).

(مِنَ الشَّيْ‏ءِ).

«من» ابتدائيّة، والظرف مستقرّ صفة الحواية؛ لأنّها نكرة في المعنى أو حال عنها، واللام للعهد؛ لسبق ذكره في قوله: «في شي‏ء».

(لَهُ)

أي للَّه.

(أَوْ بِإِمْسَاكٍ)

. الظرف متعلّق بالظرف في قوله: «أو على شي‏ء»، والمراد نحو: إمساك السرير للسلطان، فإنّه إن وُهن السرير وسقط، سقط السلطان.

(لَهُ)

أي للَّه.

(أَوْ مِنْ شَيْ‏ءٍ سَبَقَهُ)

؛ بصيغة الماضي المعلوم، والنشر ليس على ترتيب اللفّ، قدّم في التفسير الأخيرين؛ لأنّهما أحوج إلى التفسير من الأوّل.

العاشر:

(وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرى‏: مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ مِنْ شَيْ‏ءٍ، فَقَدْ جَعَلَهُ مُحْدَثاً؛ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ فِي شَيْ‏ءٍ، فَقَدْ جَعَلَهُ مَحْصُوراً؛ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ، فَقَدْ جَعَلَهُ مَحْمُولًا)،

يعني شي‏ء من الحديث، والمحصور والمحمول لا يصلح للُالوهيّة.

(فِي قَوْلِهِ تَعَالى‏:

«وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ» (2)

).

هذا كلام المصنّف، وهو أيضاً معطوف على الحركة والانتقال بحذف العاطف.

____________

(1). الرحمن (55): 29.

(2). الزخرف (43): 84.

314

الحادي عشر:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: قَالَ أَبُو شَاكِرٍ الدَّيَصَانِيُّ: إِنَّ فِي الْقُرْآنِ آيَةً هِيَ قَوْلُنَا)

أي مؤيّد لاعتقادنا، وهو أنّه لا يوجد غير الجسم والجسمانيّات شي‏ء مدبّر لها.

(قُلْتُ: مَا هِيَ؟ فَقَالَ:

«وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ» (1)

).

توهّم منه أنّ اللَّه تعالى باعتقاد من يثبته مكانيٌّ وهو في السماء مرّةً، وفي الأرض اخرى‏.

(فَلَمْ أَدْرِ بِمَا أُجِيبُهُ، فَحَجَجْتُ، فَخَبَّرْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، فَقَالَ: هذَا كَلَامُ زِنْدِيقٍ خَبِيثٍ)

أي راسخ في الزندقة؛ لخبث باطنه.

(إِذَا رَجَعْتَ إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ: مَا اسْمُكَ بِالْكُوفَةِ؟ فَإِنَّهُ يَقُولُ: فُلَانٌ، فَقُلْ لَهُ: مَا اسْمُكَ بِالْبَصْرَةِ؟ فَإِنَّهُ يَقُولُ: فُلَانٌ، فَقُلْ: كَذلِكَ اللَّهُ رَبُّنَا فِي السَّمَاءِ إِلهٌ، وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ، وَفِي الْبِحَارِ إِلهٌ، وَفِي الْقِفَارِ إِلهٌ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ إِلهٌ)،

يعني يستحقّ العبادة في كلّ مكان، ولا يقتضي هذا أن يكون نفسه مكانيّة، كما أنّ من اسمه بالكوفة فلان لا يجب أن يكون نفسه في الكوفة.

(قَالَ: فَقَدِمْتُ، فَأَتَيْتُ أَبَا شَاكِرٍ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: هذِهِ نُقِلَتْ مِنَ الْحِجَازِ)

أي من مكّة.

____________

(1). الزخرف (43): 84.

315

باب العرش و الكرسيّ‏

الباب العشرون بَابُ الْعَرْشِ وَ الْكُرْسِيِ‏

فيه سبعة أحاديث.

«العرش» بالفتح في اللغة مصدر باب ضرب: رفع الكَرْم على العيدان، (1) كما في آية الأنعام: ( «وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَ غَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَ النَّخْلَ وَ الزَّرْعَ» (2))، واستعير هنا لكتاب اللَّه الذي هو تبيان كلّ شي‏ء لجامع الإظهار والتصريح. وقد يستعمل العرش في سرير في غاية الكمال صنعهُ الجبّار وحمل ملائكته إيّاه يجلس عليه أربعة من الأوّلين وأربعة من الآخرين. (3) كما ينقل في شرح أوّل الباب.

و «الكرسيّ» بالضمّ وقد يُكسر، في اللغة: الأصل الذي يبقى به نظام الشي‏ء، كما يقال: الخبز كرسيّ البدن. (4) والمراد هنا حفظ اللَّه تعالى وإمساكه الأشياء، كما في قوله تعالى: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما» (5)، وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا» (6).

____________

(1). انظر الصحاح، ج 3، ص 1010 (عرش).

(2). الأنعام (6): 141.

(3). الروآية في هذا المجال في الكافي، ج 4، ص 585 باب فضل زيارة أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، ح 4؛ و تهذيب الأحكام، ج 6، ص 85، ح 3؛ وعيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج 1، ص 290، ح 20؛ وسائل الشيعة، ج 14، ص 564، ح 19832.

(4). انظر لسان العرب، ج 6، ص 194 (كرس).

(5). البقرة (2): 255.

(6). فاطر (35): 41.

316

الأوّل:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ رَفَعَهُ، قَالَ: سَأَلَ الْجَاثَلِيقُ)؛

بالجيم وفتح المثلّثة وكسر اللام وسكون الخاتمة والقاف: رئيس للنصارى في بلاد الإسلام مثل كوفة وبغداد، ويكون تحت يد بطريق إنطاكية، ثمّ المِطران تحت يده، ثمّ الاسقُفُّ يكون في كلّ بلد من تحت المِطران، ثمّ القسّيس، ثمّ الشماس. (1)

(أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- يَحْمِلُ الْعَرْشَ أَمِ الْعَرْشُ يَحْمِلُهُ؟ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): «اللَّهُ- عَزَّ وجَلَّ- حَامِلُ الْعَرْشِ وَالسَّمَاوَاتِ)

عطف تفسير إن اريد بالعرش جميع المخلوقات، وعطف انفكاك إن اريد بالعرش ما يجلس عليه في الآخرة أربعة من الأوّلين، وأربعة من الآخرين. (2)

(وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَهُمَا، وَذلِكَ قَوْلُ)

أي وكون اللَّه تعالى حاملًا للعرش مفاد قول:

(اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)

في سورة فاطر: ( «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً» (3)

» قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ)

في سورة الحاقّة:

( «وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ» (4)

» فَكَيْفَ قَالَ ذلِكَ، وَقُلْتَ: إِنَّهُ يَحْمِلُ‏ الْعَرْشَ وَالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟!)

، يعني أنّ ما قلت من أنّه حامل للعرش ينافي هذه الآية، فإنّها تدلّ على أنّ حامل العرش غيره، فهو تعالى محمول له بالواسطة.

(فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): إِنَّ الْعَرْشَ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالى‏ مِنْ أَنْوَارٍ أَرْبَعَةٍ)

أي بسبب أربعة

____________

(1). القاموس المحيط، ج 3، ص 217؛ تاج العروس، ج 13، ص 59. وحكاه المازندراني في شرح اصول الكافي، ج 5، ص 310.

(2). في «ج»:-/ «عطف تفسير إن اريد بالعرش» إلى هنا.

(3). فاطر (35): 41.

(4). الحاقّة (69): 17.

317

أنواع من المصالح معلومةٍ له تعالى مقتضيةٍ لخلق ما خلق من جملة العرش.

(نُورٍ أَحْمَرَ، مِنْهُ احْمَرَّتِ الْحُمْرَةُ).

المراد بالحمرة الشدّة، يُقال: احمرّ الحرب، أي اشتدّت؛ وموتٌ أحمر، أي شديد؛ وسنةٌ حمراء، أي شديدة مجدِبة. (1) وإسناد الفعل إلى المصدر مجاز.

والحمرة هنا عبارة عن مشيئته تعالى مشيّةَ حتم، أي متعلّقة بأفعاله تعالى كتكوين السماوات والأرض ونحوهما، دون ما تعلّق بأفعال عباده، فإنّه مشيئة عزم. ويجي‏ء الفرق بين المشيئتين في رابع السادس والعشرين. (2)

(وَنُورٍ أَخْضَرَ، مِنْهُ اخْضَرَّتِ الْخُضْرَةُ).

المراد بالخضرة ما هو حال المخلوق الذي لم يستقرّ الإيمان ولا الكفر في قلبه، كالمستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، وكالمجانين وكالأطفال الرُضّع ونحوهم، وكأنواع سائر الحيوانات تشبيهاً لهم بالنبات في أوائل ظهوره، واصول أنواع الخضرة سبعة وثلاثون، كما يظهر ممّا يجي‏ء في «كتاب الصلاة» في أوّل «باب النوادر». (3)

(وَنُورٍ أَصْفَرَ، مِنْهُ اصْفَرَّتِ الصُّفْرَةُ).

المراد بالصفرة ما هو حال الكافر الجاهل باللَّه تعالى وبحججه وأحكامه عن عداوة، لا عن استضعاف؛ لما كان الإيمان حياةً، والكفر موتاً، والصفرة لونَ الميّت ومن يقرب من الموت؛ عبّر عن الكفر بالصفرة.

(وَنُورٍ أَبْيَضَ، مِنْهُ الْبَيَاضُ).

المراد بالبياض الإيمان الخالص باللَّه وحججه وأحكامه، والبياض يناسب الإيمان الذي لا كدورة فيه، ومنه الحواريّون، وهم خواصّ عيسى‏ (عليه السلام)، فإنّ الحوار: البياض، والتحوير: التبييض.

(وَهُوَ)

. الضمير للعرش.

(الْعِلْمُ الَّذِي حَمَّلَهُ اللَّهُ).

المراد بالعلم كتاب اللَّه، فإنّه مفيد للعلم بتوسّط الآيات البيّنات المحكمات المخرجة من الظلمات إلى النور، و «حمّله» بالمهملة وشدّ الميم، والضمير مفعول ثان قدّم؛ لأنّه ضمير متّصل.

____________

(1). معجم مقاييس اللغة، ج 2، ص 101؛ النهاية، ج 1، ص 438؛ لسان العرب، ج 4، ص 210 (حمر).

(2). أي في الحديث 4 من باب المشيئة والإرادة.

(3). الكافي، ج 3، ص 482، باب النوادر، ح 1.

318

(الْحَمَلَةَ)؛

بفتح المهملة وفتح الميم، جمع «حامل» مفعول أوّل اخّر. والمراد حَمَلة العرش، يعني أنّ حمل العرش هنا عبارة عن حمل العلم.

(وَذلِكَ)

أي العلم المذكور

(نُورٌ مِنْ عَظَمَتِهِ)

أي بسبب عظمته وكبريائه؛ يعني أنّ اللَّه تعالى لعظمته أنزل الكتاب، منعاً لمن يصلح للتكليف عن الاستبداد بالرأي، فلولا عظمته لم ينزل كتاباً، ولولا الكتاب والتكليف لم يتميّز كلّ من المؤمنين والجاهلين ومَن في السماء والأرض عن الآخرين.

(فَبِعَظَمَتِهِ وَنُورِهِ أَبْصَرَ قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَبِعَظَمَتِهِ وَنُورِهِ عَادَاهُ الْجَاهِلُونَ، وَبِعَظَمَتِهِ وَنُورِهِ ابْتَغى‏ مَنْ فِي السَّمَاءِ

(1)

وَالْأَرْضِ مِنْ جَمِيعِ خَلَائِقِهِ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ بِالْأَعْمَالِ الْمُخْتَلِفَةِ

،

وَالْأَدْيَانِ الْمُشْتَبِهَةِ).

هذا بيان للنور الأخضر والنور الأصفر والنور الأبيض، والنشر فيه على عكس ترتيب اللفّ. ولم يبيّن النور الأحمر لأنّه لا نزاع للقدريّة فيه وفي مقتضاه.

و «أبصر» من اللازم. و «قلوب» مرفوع فاعل «أبصر». واستعير السماء للدِّين الحقّ، والأرض للدِّين الباطل، كما في آية سورة الأعراف: ( «وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ» (2)

).

والمراد بمن في السماء والأرض من هو بين الإيمان والكفر كالمستضعف، فإنّه إن كان مقلّداً لأهل الحقّ بدون بصيرة، لم يخرج الباطل من قلبه بالكلّيّة، فربّما مالَ إليه؛ وإن كان مقلّداً لأهل الباطل، لم يخرج الحقّ من قلبه بالكلّيّة، فربّما مالَ إليه، كما يدلّ عليه قوله: «والأديان المشبّهة».

و «من» في «من جميع» للتبعيض. وفي كتاب الروضة في حديث أبي الحسن موسى‏ (عليه السلام) ما يشبه هذه الفقرة، (3) وله معنى آخر.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «السموات».

(2). الأعراف (7): 176.

(3). الكافي، ج 8، ص 124، ح 95.

319

(فَكُلُّ مَحْمُولٍ)

أي إذا كان بعظمته ونوره إبصار قلوب المؤمنين ومعاداة الجاهلين وابتغاء من في السماء والأرض إليه الوسيلة، كان كلّ من المؤمنين والجاهلين ومن في السماء والأرض محمولًا.

(يَحْمِلُهُ اللَّهُ بِنُورِهِ وَعَظَمَتِهِ)

أي بمصلحته المعلومة له وكبريائه. والجملة استئناف بياني للسابق.

(وَقُدْرَتِهِ).

إشارة إلى ما في نهج البلاغة من قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «لئن أمهل اللَّه الظالم فلن يفوته أخذه، وهو له بالمرصاد». (1)

(لَا يَسْتَطِيعُ).

الضمير المستتر ل «كُلُّ» والجملة استئناف بياني للاستئناف السابق.

(لِنَفْسِهِ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً، وَلَا مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً).

الاستطاعة قدرة زائدة على ذات القادر لم تتعلّق مشيئة من لا يقع إلّاما يشاء بما ينافي المقدور بتلك القدرة. وسيجي‏ء في ثاني «باب الاستطاعة» أنّها لا تتعلّق إلّابالواقع من الفعل والترك في وقتهما، لا قبل وقتهما؛ فالمراد بنفي الاستطاعة نفي الاستطاعة ما دام لم يشأ اللَّه، أو قبل الوقت. وهذا ردّ على القدريّة المفوّضة، أي القائلين بأنّ العبد مستقلّ في القدرة، وأنّه يكون ما لا يشاء اللَّه. (2)

(فَكُلُّ شَيْ‏ءٍ مَحْمُولٌ)

أي إذا ثبت أنّ كلّ واحد من العباد محمول للَّه، ثبت أنّ فعله أيضاً محمول للَّه، فثبت أنّ كلّ شي‏ءٍ محمول للَّه.

(وَاللَّهُ- تَبَارَكَ وَتَعَالى‏- الْمُمْسِكُ لَهُمَا)

أي للسماوات والأرض.

(أَنْ تَزُولَا، وَالْمُحِيطُ بِهِمَا)

أي الحافظ لهما.

(مِنْ شَيْ‏ءٍ)؛

من للسببيّة، أي لأجل مصلحة.

(وَهُوَ)

. الضمير ل «شي‏ء».

____________

(1). نهج البلاغة، ص 142، الخطبة 97. وفيه: «يفوت» بدل «يفوته».

(2). قال في شرح المواقف، ج 8، ص 146: «وقالت المعتزلة (أي أكثرهم): الأفعال الاختيارية واقعة بقدرة العبد وحدها على سبيل الاستقلال بلا إيجاب، بل باختيار».

320

(حَيَاةُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ، وَنُورُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ)

أي سبب بقاء النظام المشاهد الذي يشتمل على كلّ شي‏ء ومصلحة ذلك النظام.

( «سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يَقُولُونَ» من أنّه محمول‏ «عُلُوًّا كَبِيراً» (1)

).

(قَالَ لَهُ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- أَيْنَ هُوَ؟ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): هُوَ هَاهُنَا، وَهَاهُنَا، وَفَوْقُ، وَتَحْتُ)؛

مبنيّان على الضمّ، أي وفوق ذلك، وتحت ذلك.

(مُحِيطٌ بِنَا)

علماً وقدرة

(وَمَعَنَا، وَهُوَ قَوْلُهُ)

أي كونه محيطاً بنا ومعنا مفاد قوله في سورة المجادلة:

( «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى‏ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا» (2)

).

لمّا كان هذا السؤال من الجاثليق قبل إتمام جوابه (عليه السلام) عن الأوّل، أجاب (عليه السلام) عن هذا السؤال، ثمّ عاد إلى تتمّة الجواب عن الأوّل بقوله:

(فَالْكُرْسِيُّ).

الفاء للتفريع، وفيه إشارة إلى تفسير الكرسيّ بالحمل والإمساك، وإليه يرجع ما ذكرنا في شرح عنوان الباب من أنّ المراد به حفظه تعالى الأشياء.

(مُحِيطٌ بِالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرى‏

«وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى‏»، (3)

وَذلِكَ)

أي إحاطة الكرسيّ‏

(قَوْلُهُ تَعَالى‏:

«وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ) (4) عن أن يجهل شيئاً (الْعَظِيمُ»

بيده ملكوت كلّ شي‏ء.

(فَالَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ هُمُ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ حَمَّلَهُمُ اللَّهُ عِلْمَهُ).

الضمير للَّه، والمراد كتابه الذي أوحى إلى أنبيائه.

إن قلت‏

: إذا كان معنى حمل العرش حمْلَ علمه، فما معنى قوله: «فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ»؟ (5)

____________

(1). الإسراء (17): 43.

(2). المجادلة (58): 7.

(3). طه (20): 7.

(4). البقرة (2): 256.

(5). الحاقّة (69): 17.

321

قلت‏

: يحتمل أن يكون لحمل ذلك العلم مراتبُ متفاوتةٌ باعتبار العمل بمقتضاه شدّةً وضعفاً، ويكون حمل هؤلاء الثمانية إيّاه فوق حمل سائر علماء الخلائق إيّاه شدّةً.

ثمّ يحتمل أن يكون التقييد بقوله: «يومئذٍ» باعتبار أنّهم يُعْطَوْن ثوابَ ذلك الحمل في ذلك اليوم بحيث يظهر لسائر الخلائق أنّهم الحاملون إيّاه ذلك الحملَ.

وأمّا ما يجي‏ء في «كتاب الحجّ» في رابع «باب فضل زيارة أبي الحسن الرضا (عليه السلام)» من قول أبي الحسن موسى‏ (عليه السلام): «إذا كان يوم القيامة كان على عرش الرحمان أربعة من الأوّلين، وأربعة من الآخرين؛ فأمّا الأربعة الذين هم من الأوّلين، فنوح وإبراهيم وموسى‏ وعيسى‏ (عليهم السلام)، وأمّا الأربعة من الآخرين، فمحمّد وعليّ والحسن والحسين (عليهم السلام)، ثمّ يُمدّ الطعام، (1) فيقعد معنا من زار قبور الأئمّة (عليهم السلام) إلّاأنّ أعلاهم درجةً وأقربَهم حبوةً زوّار قبر ولدي عليّ». (2) فهو سرير في غاية الكمال يجلس عليه الحاملون للعلم.

لا يخفى أنّ قوله (عليه السلام): «معنا» إشارة إلى أنّ ذكر الأربعة من الآخرين باعتبار أنّهم كانوا موجودين في عصر نزول القرآن، فسائر الأئمّة (عليهم السلام) شريكهم في ذلك الحمل وما يترتّب عليه.

(وَلَيْسَ يَخْرُجُ عَنْ هذِهِ الْأَرْبَعَةِ)

أي الحمرة والخضرة والصفرة والبياض، أو المراد الأربعة الأنوار، بمعنى أنّه لا يخرج عن الاستناد إلى شي‏ء من الأربعة الأنوار التي خلق العرش منها.

(شَيْ‏ءٌ خَلَقَ اللَّهُ فِي مَلَكُوتِهِ).

الملكوت- بفتحتين- في الأصل مصدر، وهو مبالغة الملك. والمراد هنا المملكة. ويمكن أن يكون المراد المعنى المصدريَّ بأن يكون «في» للسببيّة.

(وَهُوَ)

أي ملكوته تعالى باعتبار أفعال العباد وكونها مخلوقة للَّه‏تعالى حتّى‏

____________

(1). في المصدر والتهذيب: «المضمار». وفي العيون: «المطمار».

(2). الكافي، ج 4، ص 585 باب فضل زيارة أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، ح 4؛ تهذيب الأحكام، ج 6، ص 85، ح 3؛ عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج 1، ص 290، ح 20؛ وسائل الشيعة، ج 14، ص 564، ح 19832.

322

معاصيهم وكفرهم.

(الْمَلَكوُتُ الَّذِي أَرَاهُ اللَّهُ أَصْفِيَاءَهُ وَأَرَاهُ خَلِيلَهُ (صلى الله عليه و آله)

وذلك لأنّ ملكوته تعالى باعتبار أفعال نفسه ظاهر عند كلّ أحد، ولا دخل لإراءته في الإيقان المطلوب هنا.

(فَقَالَ)

في سورة الأنعام: ( «وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ»). الواو للعطف على «قال» في قوله تعالى سابقاً: «وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَ قَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» (1) والكاف للتعليل على مقدّم وجوداً مثل: «وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ» (2)، ومثل: «أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ» (3)؛ و «ذلك» إشارة إلى مصدر «قال».

وإراءة إبراهيم الملكوت هنا عبارة عن تأييد إبراهيم وإحداث الباعث على اطمئنان قلبه على الملكوت بعد إيمانه به، نظير قوله تعالى: «قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» (4). والمضارع في «نُرِيَ» حكاية للحال الماضية؛ لإفادة التكرار على حسب وقوع أنواع من الغلظة في كلام إبراهيم مع من جرى مجرى أبيه، ولا سيّما على قراءة من قرأ «آزر» بالرفع على النداء. (5)

( «وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ» (6)). الواو للعطف على «كذلك» أي ونريه ليكون من الذين اطمأنّت قلوبهم على أنّ كلّ شي‏ءٍ مخلوقٌ له خلقَ تكوينٍ أو خلقَ تدبير، وأنّ بيده أزمّةَ الامور من الخير والشرّ، فليَّنوا القول في إرشاد المشركين والفسّاق، ولذا خاطب إبراهيم من جرى مجرى أبيه قبل الإراءة بكلام فيه أنواع من الخشونة، حيث قال:

«أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَ قَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ»، وبعد الإراءة ليّن القول مع البُعداء الذين عبدوا الكواكب، وعدّ نفسه أوّلًا من جملتهم، حيث قال حين رأى كوكباً: «هذا رَبِّي»* تمهيداً لإرشادهم، ورعايةً لمصلحة، نظير قوله: «إِنِّي سَقِيمٌ» (7)، وقوله: «بَلْ فَعَلَهُ‏

____________

(1). الأنعام (6): 74.

(2). البقرة (2): 198.

(3). القصص (28): 77.

(4). البقرة (2): 260.

(5). حكى ذلك الثعلبي في تفسيره، ج 4، ص 160 عن الحسن وأبي زيد المدني ويعقوب الحضرمي.

(6). الأنعام (6): 75.

(7). الصافّات (37): 89.

323

كَبِيرُهُمْ» (1)، ونظير قول مؤذِّن يوسف: «أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ» (2)، ونسبهم إلى نفسه آخراً حيث قال: «إِنَّنِي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» (3).

والقول الليّن أحسن من الغير الليّن في مقام الإرشاد، كما في قوله تعالى في سورة طه: «فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏». (4)

(وَكَيْفَ يَحْمِلُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ)

أي العلماء

(اللَّهَ، وَبِحَيَاتِهِ حَيِيَتْ قُلُوبُهُمْ، وَبِنُورِهِ اهْتَدَوْا إِلى‏ مَعْرِفَتِهِ؟!).

الثاني:

(أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيى‏، قَالَ:

سَأَلَنِي أَبُو قُرَّةَ الْمُحَدِّثُ أَنْ أُدْخِلَهُ عَلى‏ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام)، فَاسْتَأْذَنْتُهُ، فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَ فَتُقِرُّ أَنَّ اللَّهَ مَحْمُولٌ؟ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام): كُلُّ مَحْمُولٍ مَفْعُولٌ بِهِ)

أي منفعل عن غيره.

(مُضَافٌ إِلى‏ غَيْرِهِ)

أي تابع لغيره.

(مُحْتَاجٌ)

إلى ذلك الغير.

(وَالْمَحْمُولُ اسْمُ نَقْصٍ).

الاسم: العلّامة، أي دليل نقص.

(فِي اللَّفْظِ)

أي في صريح مدلول اللفظ بدون حاجة إلى تنقيب.

(وَالْحَامِلُ فَاعِلٌ وَهُوَ فِي اللَّفْظِ)

أي في صريحه.

(مِدْحَةٌ)؛ ب

كسر الميم، مصدر باب منع؛ أي نوع من المدح. والمدحة أيضاً ما يمدح به.

(وَكَذلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ: فَوْقَ، وَتَحْتَ، وَأَعْلى‏، وَأَسْفَلَ)؛

فإنّ الفوق والأعلى مدحة في صريح مدلول اللفظ، والتحت والأسفل نقص فيه، ولا ينافي النقص من جهة المدحة

____________

(1). الأنبياء (21): 63.

(2). يوسف (12): 70.

(3). الأنعام (6): 19.

(4). طه (20): 44.

324

من جهة اخرى‏.

(وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالى‏: و له الأسماء الحسنى)

نقل بالمعنى من سورة الأعراف، (1) فإنّ فيها «وللَّه» بدل «وله» أي له أفضل المتقابلين في جميع الصفات.

(فَادْعُوهُ بِهَا. وَلَمْ يَقُلْ فِي كُتُبِهِ: إِنَّهُ الْمَحْمُولُ، بَلْ قَالَ: إِنَّهُ الْحَامِلُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَالْمُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا، وَالْمَحْمُولُ)

أي له تعالى‏

(مَا سِوَى اللَّهِ)

أي كلّ واحد ممّا سوى اللَّه، كما مرّ في سابع «باب الحركة والانتقال» في تفسير قوله تعالى:

«الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏» (2).

(وَلَمْ يُسْمَعْ)؛

بصيغة المجهول.

(أَحَدٌ آمَنَ بِاللَّهِ وَعَظَمَتِهِ قَطُّ قَالَ فِي دُعَائِهِ: يَا مَحْمُولُ).

(قَالَ أَبُو قُرَّةَ: فَإِنَّهُ قَالَ)

في سورة الحاقّة: ( «وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ» (3)

وقَالَ)

في سورة المؤمن: ( «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ» (4)

؟)

. مقصوده الردّ على قوله (عليه السلام):

«لم يقل في كتبه: إنّه المحمول» بأنّ هاتين الآيتين دالّتان على أنّه محمول بالواسطة.

وهذا مبنيّ على توهّم أنّ المراد بالعرش السرير الذي يجلس عليه الملك، وأنّه تعالى جالس على العرش.

(فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام): الْعَرْشُ لَيْسَ هُوَ اللَّهَ)

أي ليس حمل العرش حملًا للَّه‏من قبيل ما روي: «لا تسبّوا الدهر؛ فإنّ الدهر هو اللَّه» (5) أي سبّ الدهر سبٌّ للَّه؛ لأنّه الطارق بالنوائب التي يشكون الدهر أو الفلك لأجلها، دون الدهر ودون الفلك.

(وَالْعَرْشُ اسْمُ عِلْمٍ وَقُدْرَةٍ)

. «العرش» مبتدأ و «اسم» خبره‏ (6) ومضاف، وهو بمعنى‏

____________

(1). الأعراف (7): 180.

(2). الرحمن (55): 5.

(3). الحاقّة (69): 17.

(4). المؤمن (غافر) (40): 7.

(5). المجازات النبويّة، ص 235، ح 190؛ الأمالي للسيّد المرتضى، ج 1، ص 34؛ الإيضاح للفضل بن شاذان، ص 11 و 182؛ كنز الفوائد، ص 10؛ عوالي اللآلي، ج 1، ص 56، ح 80؛ جامع الأخبار، ص 160.

(6). في «ج»: «خبر».

325

العلّامة؛ يعني أنّ العرش كتاب اللَّه الدالّ على كمال علم اللَّه وقدرته، فإنّ فيه تبيان كلّ شي‏ء مع قلّة لفظه، موافقاً لقوله تعالى في سورة الحديد: «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» (1).

(وَعَرَشَ فِيهِ كلَ‏

(2)

شَيْ‏ءٍ).

«عرش» بصيغة الماضي المعلوم من باب ضرب، والضمير المستتر للَّه. والعرش: الرفع، والمراد هنا التبيان. وضمير «فيه» لاسم. و «كلّ» منصوب على المفعوليّة.

وهذا من عطف الجملة الفعليّة على الاسميّة، وإشارة إلى وجه تسمية الكتاب بالعرش، يعني أوضح اللَّه في كتابه كلّ شي‏ء، كما في قوله في سورة النحل: «وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ». (3) ومضى بيانه في «كتاب العقل» في ثامن الحادي والعشرين. (4)

(ثُمَّ أَضَافَ الْحَمْلَ إِلى‏ غَيْرِهِ خَلْقٍ مِنْ خَلْقِهِ).

«ثمّ» للتعجّب؛ فإنّ حمل أحد من الناس كتاب اللَّه الذي هو تبيان كلّ شي‏ء عجيب جدّاً، خارق للعادة، دالّ على كمال قدرة الصانع تعالى شأنه، كما مرّ في «كتاب العقل» في سابع الباب الرابع عشر، وهو «باب استعمال العلم» من قوله: «خاصموه بما ظهر لكم من قدرة اللَّه عزّ وجلّ».

و «أضاف» بصيغة الماضي المعلوم من باب الإفعال، معطوفٌ على «عَرَش».

والضمير المستتر للَّه. و «الحمل» منصوب على المفعوليّة. والمراد حمل العرش.

وضمير «غيره» للَّه، و «خلق» مجرور وبدل «غيره» وعبارة عن الحجج المعصومين، سواءً كانوا أنبياء أم أوصياء. و «من» للتبعيض. وضمير «خلقه» للَّه.

وهذا إشارة إلى قوله تعالى: «وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ» (5) وقوله تعالى: «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ‏

____________

(1). الحديد (57): 22.

(2). في الكافي المطبوع: «وعَرْشٍ فيه كلُّ» بدل «عَرَشَ فيه كلَّ».

(3). النحل (16): 89.

(4). أي في الحديث 8 من باب الردّ إلى الكتاب والسنّة وأنّه ليس شي‏ء من الحلال و الحرام وجميع ما يحتاج الناس إليه إلّاوقد جاء فيه كتاب أو سنّة.

(5). الحاقّة (69): 17.

326

الْعَرْشَ» (1).

(لِأَنَّهُ اسْتَعْبَدَ خَلْقَهُ بِحَمْلِ عَرْشِهِ وَهُمْ حَمَلَةُ عِلْمِهِ).

«لأنّه» تعليل لقوله: «أضاف».

والضمير للَّه. و «استعبد» بالمهملة والموحّدة ومهملة بصيغة الماضي المعلوم، من باب الاستفعال؛ يُقال: استعبده: إذا كلّفه بعمل العبد.

و «خلقه» منصوب على المفعوليّة. و «بحمل» بحرف الجرّ وصيغة المصدر المضاف والباء للتعليل.

والمراد أنّه لولا حمل خلق من خلقه عرشَه لم يستعبد خلقه؛ بناء على قبح استعبادهم بكتاب فيه أحكام، وليس فيهم عالم بجميع ذلك الكتاب.

وهذا إشارة إلى برهان على إمامة أمير المؤمنين وأولاده الأحد عشر (عليهم السلام) بلا واسطة؛ لإجماع الامّة على أنّ غاية دعوى سائر من يدّعي الإمامة ليس إلّادعوى الاجتهاد واتّباع الظنّ وتفسير القرآن بالظنّ. وضمير «هم» لخلق من خلقه. و «حملة» بفتح المهملة وفتح الميم جمع «حامل». وضمير «علمه» للَّه، والمراد بعلمه كتابه كما مرّ.

(وَخَلْقاً يُسَبِّحُونَ حَوْلَ عَرْشِهِ وَهُمْ يَعْمَلُونَ بِعِلْمِهِ).

و «خلقاً» عطف على «خلقه»؛ أي واستعبد خلقاً.

وهذا إشارة إلى تفسير قوله تعالى في سورة المؤمن: «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ» (2) بأنّ «من حوله» عطف على «الذين». و «يسبّحون» بالموحّدة من باب التفعيل؛ أي ينزّهون اللَّه عمّا لا يليق، كقوله في سورة النور: «يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ* رِجالٌ». (3) والتقدير: وخلقاً يسبّحون حول عرشه بحمل عرشه، نظير آية سورة الطلاق: «وَ اللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ

____________

(1). غافر (40): 7.

(2). غافر (40): 7.

(3). النور (24): 36- 37.

327

أَشْهُرٍ وَ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ» (1) فإنّه بتقدير: واللائي لم يحضن إن ارتبتم فعدّتهنّ ثلاثة أشهر.

وضمير «هم» ل «خلقاً». وضمير «بعلمه» للَّه، يعني أنّ هؤلاء الخلقَ ليسوا بحملة العلم، بل تابعون لهم في التعلّم منهم بالغدوّ والآصال، والعمل بما سمعوا منهم، وهم طائفة من الشيعة الإماميّة، وهم في هذا الزمان خاصّةً موالي القائم الثلاثون المذكورون في «كتاب الحجّة» في سادس عشر «باب في الغيبة» وتاسع عشره، والمراد أنّه لولا حمل خلق من خلقه عرشَه، لم يستعبد اللَّه تعالى طائفة يسبّحون حول عرشه؛ لقبح الاستعباد حينئذٍ.

(وَمَلَائِكَةً يَكْتُبُونَ أَعْمَالَ عِبَادِهِ).

و «ملائكة» منصوب بالعطف على «خلقه»؛ أي واستعبد ملائكة. والمراد بالملائكة ملائكة اليمين والشمال، فإنّ لكلّ عبدٍ في كلّ يومٍ مَلَكين، وفي كلّ ليلة ملكين، يكتبان أعماله؛ يعني لولا حمل خلق من خلقه عرشَه، لم يستعبد اللَّه تعالى الملائكة الكَتَبة للأعمال؛ لقُبح الاستعباد حينئذٍ؛ لأنّ حسن الأعمال وقبحها فرع التكليف، وإذا لم يكن حامل عرشه لقبح التكليف.

(وَاسْتَعْبَدَ أَهْلَ الْأَرْضِ بِالطَّوَافِ حَوْلَ بَيْتِهِ).

«واستعبد» جملة حاليّة بتقدير «قد».

وهذا توضيح وتقوية للمدّعى بذكر نظير. والباء في «بالطواف» للتعليل، يعني لو ارتفع طواف بيته لارتفع استعباد أهل الأرض لنزول العذاب على أهل الأرض حينئذٍ، كما يجي‏ء في «كتاب الحجّ» في أحاديث «باب لو ترك الناس الحجّ لجاءهم العذاب». (2)

ثمّ إنّ أصل تكليف الناس بالحجّ إنّما هو لملاقاة الإمام العالم بجميع الأحكام الحامل للعرش، كما يجي‏ء في «كتاب الحجّة» في أحاديث الباب الخامس والتسعين وهو «باب أنّ الواجب على الناس بعدما يقضون مناسكهم أن يأتوا الإمام، فيسألونه عن معالم دينهم، ويعلّمونه ولايتهم ومودّتهم له». (3)

(وَاللَّهُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ كَمَا قَالَ. وَالْعَرْشُ وَمَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ حَوْلَ الْعَرْشِ).

لمّا فرغ (عليه السلام) من بيان آية سورة الحاقّة وآية سورة المؤمن، بيّن آية سورة طه وأمثالها

____________

(1). الطلاق (65): 4.

(2). الكافي، ج 4، ص 271.

(3). الكافي، ج 1، ص 392.

328

بأنّ المراد بالعرش فيها أيضاً اسم علم وقدرة، وهو كتاب اللَّه الذي فيه تبيان كلّ شي‏ء.

ومرَّ بيانه في سادس السابق وسابعه وثامنه. (1)

وهذا لا ينافي أنّ الثمانية الذين هم حَملة العرش أي حملة علمه صنع اللَّه تعالى لهم عرشاً؛ أي سريراً في غاية الكمال، وتحمل هذا العرش ملائكة، كما في الصحيفة الكاملة في دعائه (عليه السلام) في الصلاة على حَمَلَة العرش، وكلّ ملك مقرّب من قوله (عليه السلام): «اللّهُمَّ وحَمَلة عرشك الذين لا يفترون من تسبيحك» (2) إلى آخره، وكما في أوّل خطب نهج البلاغة من قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، والمارقة من السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار أركانهم، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم، ناكسةٌ دونه أبصارهم، ملتفِّعون‏ (3) تحته بأجنحتهم» الخطبة. (4) فيجلسون عليه في الآخرة كما مضى في شرح أوّل الباب من قول أبي الحسن (عليه السلام): «إذا كان يوم القيامة كان على عرش الرحمن أربعة من الأوّلين، وأربعة من الآخرين» إلى آخره.

وقوله: «كما قال» إشارة إلى أنّ مضمون هذا في عدّة سور، ففي طه: «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏»، (5) وفي الأعراف ويونس والرعد والفرقان والتنزيل والحديد: «ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ». (6)*

وقوله: «والعرش» مبتدأ. والواو في قوله: «ومن يحمله» بمعنى «مع»، وخبر المبتدأ مقدّر قبل الواو؛ أي مقرّون مع من يحمله؛ أو للعطف، وخبر المبتدأ مقدّر بعد الواو، أي الثلاثة مقرونة.

____________

(1). أي في الحديث 6 و 7 و 8 من باب الحركة والانتقال.

(2). الصحيفة السجّاديّة، ص 40، وفي طبعة الاخرى، ص 33.

(3). تلفع بالثوب: إذا اشتمل به. النهاية، ج 4، ص 261.

(4). نهج البلاغة، ص 41، آخر الخطبة 1.

(5). طه (20): 5.

(6). الأعراف (7): 54؛ يونس (10): 3؛ الرعد (13): 2؛ الفرقان (25): 59؛ السجدة (التنزيل) (32): 4؛ الحديد (57): 4.

329

وعلى الأوّل «يحمله» منصوب محلّاً، وعلى الثاني مرفوع محلّاً، كما قالوا في كلّ رجل وضيعتَه. وعلى التقديرين الواو في «ومن حول» للعطف.

ويجي‏ء ذكر حول العرش في «كتاب الجنائز» في أوّل الباب الحادي والتسعين، وهو بعد «باب في أرواح المؤمنين» (1) وفي «كتاب الصلاة» في أوّل «باب النوادر» وهو الباب المائة. (2)

(وَاللَّهُ الْحَامِلُ لَهُمُ)

أي لمن يحمله ولمن حول العرش.

(الْحَافِظُ لَهُمُ، الْمُمْسِكُ، الْقَائِمُ عَلى‏ كُلِّ نَفْسٍ، وَفَوْقَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ، وَعَلا

(3)

).

يكتب بالألف، فعل ماض. وفي بعض النسخ بالياء حرف جرّ.

(كُلَ‏

(4)

شَيْ‏ءٍ، وَلَا يُقَالُ: مَحْمُولٌ، وَلَا أَسْفَلُ- قَوْلًا مُفْرَداً لَايُوصَلُ بِشَيْ‏ءٍ- فَيَفْسُدُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنى‏).

يعني لو أوصل بشي‏ء يكون قرينة على معنى صحيح، لكان المعنى صحيحاً، واللفظ فاسداً؛ لأنّه ممّا فيه سوء أدب بدون إذن.

(قَالَ أَبُو قُرَّةَ: فَتُكَذِّبُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي جَاءَتْ: أَنَّ اللَّهَ إِذَا غَضِبَ إِنَّمَا يُعْرَفُ غَضَبُهُ أَنَّ)

أي بأن‏

(الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ يَجِدُونَ ثِقَلَهُ عَلى‏ كَوَاهِلِهِمْ)؛

جمع «كاهل» بكسر الهاء، وهو ما بين الكتفين.

(فَيَخِرُّونَ سُجَّداً، فَإِذَا ذَهَبَ الْغَضَبُ، خَفَّ وَرَجَعُوا إِلى‏ مَوَاقِفِهِمْ؟ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام):

«أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ- تَبَارَكَ وَتَعَالى‏- مُنْذُ لَعَنَ إِبْلِيسَ، إِلى‏ يَوْمِكَ هذَا هُوَ غَضْبَانُ عَلَيْهِ، فَمَتى‏ رَضِيَ؟)

أي فليس يبقى وقت لذهاب الغضب والخفّة والرجوع إلى مواقفهم.

(وَهُوَ)

مبتدأ، والواو للحال، والضمير للَّه.

(فِي صِفَتِكَ)

أي في بيانك ووصفك إيّاه.

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 244، باب آخر في أرواح المؤمنين، ح 1.

(2). الكافي، ج 3، ص 482، ح 1.

(3). في الكافي المطبوع: «على».

(4). في الكافي المطبوع: «كلِّ» بالكسر.

330

(لَمْ يَزَلْ)؛

خبر المبتدأ.

(غَضْبَاناً

(1)

).

كذا في النسخ، وهو مبنيّ على أنّه منصرف؛ لمجي‏ء غضبانة في مؤنّثه، ولا ينافيه مجي‏ء غضبى أيضاً.

(عَلَيْهِ)

أي على إبليس.

(وَعَلى‏ أَوْلِيَائِهِ وَعَلى‏ أَتْبَاعِهِ)

أي الذين يتجدّد منهم يوماً فيوماً، وساعةً فساعة، ولحظةً فلحظة أنواع القبائح، فإنّ الأرض لا تخلو في لحظة عن فسق وكفر متجدّد.

(كَيْفَ تَجْتَرِئُ أَنْ تَصِفَ رَبَّكَ بِالتَّغَيُّرِ مِنْ حَالٍ إِلى‏ حَالٍ)

أي من صفة كائنة في الخارج إلى اخرى كائنة في الخارج.

(وَأَنَّهُ)

أي وبأنّه‏

(يَجْرِي عَلَيْهِ مَا يَجْرِي عَلَى الْمَخْلُوقِينَ؟!)

من المحموليّة والجسميّة ونحو ذلك.

(سُبْحَانَهُ وَتَعَالى‏، لَمْ يَزُلْ)؛

بضمّ الزاي من الأفعال التامّة.

(مَعَ الزَّائِلِينَ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ مَعَ الْمُتَغَيِّرِينَ، وَلَمْ يَتَبَدَّلْ مَعَ الْمُتَبَدِّلِينَ، وَمَنْ)؛

بفتح الميم.

(دُونَهُ فِي يَدِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَكُلُّهُمْ إِلَيْهِ مُحْتَاجٌ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَمَّنْ سِوَاهُ).

الثالث:

(مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)

في سورة البقرة: ( «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ» (2)

فَقَالَ: يَا فُضَيْلُ، كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي الْكُرْسِيِّ، السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي الْكُرْسِيِّ).

قد مضى في شرح عنوان الباب أنّ المراد بالكرسيّ الحفظ والإمساك. وقوله:

«السماوات» مبتدأ، والجملة استئناف بياني للسابق، و «كلّ شي‏ء» من قبيل عطف التفسير، و «في الكرسيّ» خبر المبتدأ.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «غضبانَ».

(2). البقرة (2): 256.

331

الرابع:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنِ الْحَجَّالِ)؛

بفتح المهملة، وشدّ الجيم.

(عَنْ ثَعْلَبَةَ)؛

بفتح المثلّثة، وسكون المهملة.

(عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:

«وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ»: (1)

السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَسِعْنَ الْكُرْسِيَّ، أَمِ الْكُرْسِيُّ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ‏ وَالْأَرْضَ؟).

ليس منشؤ السؤال الشكّ في المسؤول عنه؛ لأنّه صريح القرآن، بل منشؤه التعجّب الناشئ من توهّم أنّ الكرسيّ جسم مخصوص، كما ذهب إليه قوم. (2)

(فَقَالَ: بَلِ الْكُرْسِيُّ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَالْعَرْشَ، وَكُلَ‏

(3)

شَيْ‏ءٍ وَسِعَ الْكُرْسِيُّ).

«العرش» و «كلّ» منصوبان على المفعوليّة لقوله: «وسع». والمراد بالعرش كتاب اللَّه الذي فيه تبيان كلّ شي‏ء، فالمراد ب «كلّ شي‏ء» ما تبيانه في الكتاب، موافقاً لآية سورة النحل: «وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ». (4)

و «الكرسيّ» مرفوع وفاعل «وسع».

وحاصل الجواب أنّ المراد بالكرسيّ حفظه وإمساكه تعالى، فلا يخرج عنه شي‏ء.

الخامس:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:

«وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ»

: السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَسِعْنَ الْكُرْسِيَّ، أَوِ الْكُرْسِيُّ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ فَقَالَ: إِنَّ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فِي الْكُرْسِيِّ).

ظاهر ممّا مرّ.

____________

(1). البقرة (2): 255.

(2). قال الفخر الرازي في تفسيره، ج 7، ص 12 ذيل آية الكرسي: «قد جاء في الأخبار الصحيحة أنّه الكرسي جسم عظيم مستقلّ بذاته تحت العرش وفوق السماء السابعة، ولا امتناع من القول به، فوجب القول بإثباته». وحكاه المازندراني في شرح اصول الكافي، ج 4، ص 100، والمشهدي في تفسير كنز الدقائق، ج 1، ص 608 بلفظ «قيل».

(3). في الكافي المطبوع: «كلُّ» بالرفع.

(4). النحل (16): 89.

332

السادس:

(مُحَمَّدٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: حَمَلَةُ الْعَرْشِ- وَالْعَرْشُ:

الْعِلْمِ-)

أي مجموع العلم الذي اوحي إلى الأنبياء.

(ثَمَانِيَةٌ: أَرْبَعَةٌ مِنَّا، وَأَرْبَعَةٌ مِمَّنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى).

مضى في شرح أوّل الباب ما يدلّ على أنّ الأربعة الاولى رسول اللَّه وعليّ والحسن والحسين، وفي حكمهم الأئمّة من أولادهم صلوات الرحمن عليهم، وأنّ الأربعة الاخرى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى‏.

وروى عليّ بن إبراهيم في تفسير سورة الحاقّة أنّ حَمَلة العرش ثمانية، أربعة من الأوّلين، وأربعة من الآخرين؛ فأمّا الأربعة من‏ (1) الأوّلين: فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وأمّا من الآخرين: فمحمّدٌ وعليّ والحسن والحسين (عليهم السلام). (2)

السابع:

(مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ كَثِيرٍ)؛

بفتح الكاف وكسر المثلّثة.

(عَنْ دَاوُدَ الرَّقِّيِّ)؛

بفتح المهملة وشدّ القاف، نسبةً إلى رقّة بلدٍ قربَ الكوفة.

(قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)

في سورة هود

: (

«وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ» (3)

فَقَالَ: مَا يَقُولُونَ؟ قُلْتُ: يَقُولُونَ: إِنَّ الْعَرْشَ كَانَ عَلَى الْمَاءِ، وَالرَّبُّ فَوْقَهُ، فَقَالَ:

كَذَبُوا، مَنْ زَعَمَ هذَا، فَقَدْ صَيَّرَ اللَّهَ مَحْمُولًا، وَوَصَفَهُ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِ، وَلَزِمَهُ أَنَّ الشَّيْ‏ءَ الَّذِي يَحْمِلُهُ أَقْوى‏ مِنْهُ)

ولو في جهة من الجهات.

(قُلْتُ: بَيِّنْ لِي جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَمَّلَ دِينَهُ وَعِلْمَهُ الْمَاءَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ سَمَاءٌ أَوْ أَرْضٌ،

(4)

أَوْ جِنٌّ أَوْ إِنْسٌ، أَوْ شَمْسٌ أَوْ قَمَرٌ).

«حمّل» بالمهملة بصيغة الماضي المعلوم من باب التفعيل، أو باب ضرب.

____________

(1). في «ج»:-/ «من».

(2). تفسير القمّي، ج 2، ص 383.

(3). هود (11): 7.

(4). في الكافي المطبوع: «أرض أو سماء».

333

وعلى الأوّل «دينه» و «علمه» منصوبان، وعلى الثاني مرفوعان. وحاصلهما واحد، وهو أنّ اللَّه تعالى جعل كتابه المشتمل على دينه وعلمه حاملًا للماء، بمعنى أنّه جعل بعض الماء في كمال النور والضياء لأجل كتابه، أي ليكون مادّة لحاملي كتابه من الأنبياء والأوصياء.

وعلى الأوّل تقديم «دينه» و «علمه» هنا وتأخيرهما فيما يأتي مبنيّ على أنّ الأوّل من مفعول «حمّل» حامل، والثاني محمول، فعرشه تعالى كان حاملًا للماء الذي هو مادّة الأنبياء والأوصياء؛ أي كان باعثاً لرفعة الماء ثمّ صاروا حاملين لعرشه؛ أي عالمين وحافظين لعرشه.

(فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ)

أي بعد ما كوّن من الماء السماء والأرض ونحوهما وقبل أن يكوّن الخلق، أي ما عدا الأنبياء والأوصياء؛ فاللام للعهد.

(نَثَرَهُمْ)

. الضمير للأنبياء والأوصياء؛ فإنّهم مفهومون من قوله: «حمّل دينه وعلمه الماء». والمراد أنّه فرّق ذلك الماء بعدد الأنبياء والأوصياء.

(بَيْنَ يَدَيْهِ).

هذا لبيان كمال قربهم وشرفهم.

(فَقَالَ لَهُمْ)

أي للأنبياء والأوصياء:

(مَنْ رَبُّكُمْ؟ فَأَوَّلُ مَنْ نَطَقَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَالْأَئِمَّةُ (صلوات اللَّه عليهم)، فَقَالُوا: أَنْتَ رَبُّنَا، فَحَمَّلَهُمُ)؛

بالمهملة من باب التفعيل، والضمير للأنبياء والأوصياء، أو لرسول اللَّه وأمير المؤمنين والأئمّة (عليهم السلام).

(الْعِلْمَ وَالدِّينَ، ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: هؤُلَاءِ حَمَلَةُ دِينِي وَعِلْمِي، وَأُمَنَائِي فِي خَلْقِي، وَهُمُ الْمَسْؤُولُونَ).

إشارة إلى ما في قوله تعالى في سورة النحل وسورة الأنبياء: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (1).*

(ثُمَّ قَالَ لِبَنِي آدَمَ).

المراد ما عدا الأنبياء والأوصياء.

____________

(1). النحل (16): 43؛ الأنبياء (21): 7.

334

(أَقِرُّوا لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَلِهؤُلَاءِ النَّفَرِ بِالْوَلَايَةِ وَالطَّاعَةِ، فَقَالُوا: نَعَمْ، رَبَّنَا أَقْرَرْنَا، فَقَالَ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ: اشْهَدُوا، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: شَهِدْنَا عَلى‏ أَنْ لَايَقُولُوا غَداً:

«إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ» (1)

أَوْ يَقُولُوا:

«إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ» (2)

).

هذا من سورة الأعراف، ويجي‏ء بيانه في رابع السادس «كتاب الإيمان والكفر». (3)

(يَا دَاوُدُ، وَلَايَتُنَا مُؤَكَّدَةٌ عَلَيْهِمْ فِي الْمِيثَاقِ).

إن قلت‏

: ما فائدة هذا السؤال والجواب والإقرار والشهادة مع نسيان بني آدم ذلك؟

قلنا

: فائدته الدلالة على ظهور الأمر، وأنّ المخالف مخالف عمداً مع إقرار قلبه به في الدنيا؛ فإنّ جميع ما أقرّوا به معلوم للمخالف، لم يبق إلّامعارضة وهميّة لولاها لم يكن في التصديق ثواب عظيم، وإنّما خالفوا لاتّباع الهوى والآباء والسلاطين، وكسب الوظائف، والفراغ من ضيق الحقّ، كما يشاهد في كلّ زمان.

ولعلّ هذا مخصوص بما عدا المستضعفين والأطفال والمجانين ونحوهم من الطوائف السبع الذين ورد في الأحاديث أنّهم غير مؤاخذين بعدم الإقرار، بل يتعلّق بهم تكليف في الدار الآخرة، كما يجي‏ء في «كتاب الجنائز» في «باب الأطفال» وعدل اللَّه فيهم. (4)

____________

(1). الأعراف (7): 172.

(2). الأعراف (7): 173.

(3). الكافي، ج 2، ص 13، باب فطرة الخلق على التوحيد، ذيل ح 3.

(4). الكافي، ج 3، ص 248، باب الأطفال.

335

باب الروح‏

الباب الحادي والعشرون بَابُ الرُّوحِ‏

فيه أربعة أحاديث:

الأوّل:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ، عَنِ الْأَحْوَلِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنِ الرُّوحِ الَّتِي فِي آدَمَ، وَقَوْلِهِ:)

في سورة ص: ( «فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي» (1)

قَالَ: هذِهِ رُوحٌ مَخْلُوقَةٌ، وَالرُّوحُ الَّتِي فِي‏ عِيسى‏ مَخْلُوقَةٌ).

أي ليست نسبة الروح إليه تعالى كنسبة روح الإنسان إلى بدنه، كما يقال: روح زيد كذا وكذا، بل الإضافة لأنّها مختارة عنده.

الثاني:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنِ الْحَجَّالِ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ حُمْرَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ)

(2) في سورة النساء: ( «وَ رُوحٌ مِنْهُ» (3)

قَالَ: هِيَ‏ رُوحُ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ، خَلَقَهَا اللَّهُ فِي آدَمَ وَعِيسى‏).

ظاهر ممّا مرّ.

الثالث:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عُرْوَةَ)؛

بضمّ العين، وسكون الراء المهملتين.

(عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الطَّائِيِّ)؛

بالمهملة والألف والهمز وياء النسبة، منسوب إلى طيّئ‏

____________

(1). ص (38): 72.

(2). في الكافي المطبوع:+/ «عزّوجلّ».

(3). النساء (4): 171.

336

على فيعل وهو أبو قبيلة، والقياس طيّئ حذفوا الياء الثانية كما قد يحذف من سيّد، فقلبوا الياء الساكنة ألفاً. (1)

(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:)

في سورة ص:

( «وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي» (2)

: كَيْفَ هذَا النَّفْخُ؟).

توهّم السائل‏ (3) أنّ الروح مجرّد لا يمكن فيه نفخ.

(فَقَالَ: إِنَّ الرُّوحَ مُتَحَرِّكٌ كَالرِّيحِ)

أي جسمٌ لطيف كالريح.

(وَإِنَّمَا سُمِّيَ رُوحاً لِأَنَّهُ اشْتَقَّ اسْمَهُ مِنَ الرِّيحِ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ عَنْ لَفْظَةِ الرِّيحِ)

أي وإنّما اشتقّ اسمه من الريح.

(لِأَنَّ الرُّوحَ مُجَانِسٌ‏

(4)

لِلرِّيحِ)

أي هي أيضاً جسم هوائي.

(وَإِنَّمَا أَضَافَهُ إِلى‏ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ اصْطَفَاهُ عَلى‏ سَائِرِ الْأَرْوَاحِ، كَمَا قَالَ لِبَيْتٍ مِنَ الْبُيُوتِ)

هو الكعبة شرّفها اللَّه تعالى‏.

(بَيْتِي، وَلِرَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ: خَلِيلِي).

الخلّة بالضمّ: الصداقة الخالصة بين اثنين متناسبين، وهي ممّا يوهم التشبيه، واللَّه تعالى بري‏ءٌ منه، فهو بنوع من المجاز.

(وَأَشْبَاهِ ذلِكَ، وَكُلُّ ذلِكَ مَخْلُوقٌ، مَصْنُوعٌ، مُحْدَثٌ، مَرْبُوبٌ، مُدَبَّرٌ).

بتشديد الموحّدة المفتوحة، هذا الحديث وأمثاله صريح في أنّ النفس الناطقة ليست مجرّدة خلافاً للزنادقة الفلاسفة (5) وأدلّتهم واهية، والعجب أنّ بعض الناصرين لهم يؤوّل هذه الأحاديث أنّ المراد غير النفس الناطقة. (6)

____________

(1). الصحاح، ج 1، ص 61 (طوأ).

(2). ص (38): 72.

(3). في «ج»:-/ «السائل».

(4). في الكافي المطبوع: «الأرواح مجانسة» بدل «الروح مجانس».

(5). الشفاء (الطبيعيّات)، ج 2، ص 14. وحكاه عن جمهور الحكماء العلّامة في معارج الفهم، ص 534. وانظركشف المراد (تحقيق الآملي)، ص 277، وفي طبعة تحقيق الزنجاني، ص 195.

(6). انظر شرح المقاصد، ج 1، ص 317.

337

الرابع:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَحْرٍ)؛

بفتح الموحّدة وسكون المهملة ومهملة.

(عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْخَزّازِ

(1)

بفتح المعجمة وشدّ الزاي، والألف والزاي.

(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَمَّا يَرْوُونَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلى‏ صُورَتِهِ، فَقَالَ: هِيَ صُورَةٌ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، اصْطَفَاهَا اللَّهُ وَاخْتَارَهَا عَلى‏ سَائِرِ الصُّوَرِ الْمُخْتَلِفَةِ، فَأَضَافَهَا إِلى‏ نَفْسِهِ، كَمَا أَضَافَ الْكَعْبَةَ إِلى‏ نَفْسِهِ، وَالرُّوحَ إِلى‏ نَفْسِهِ؛ فَقَالَ:

«بيتي» (2)

وَ

«نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي» (3)

).

وقال بعض: إنّ الضمير في صورته راجع إلى آدم، (4) فقيل: أي صورته اللائقة به، (5) وقيل: أي لأجل صورته.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «الخرّاز».

(2). في الكافي المطبوع: «وبيتي».

(3). ص (38): 72.

(4). انظر كتاب دفع شبه التشبيه باكف التنزيه، ص 144، حديث خلق اللَّه آدم على صورته.

(5). انظر تفسير الرازي، ج 1، ص 125.

338

باب جوامع التوحيد

الباب الثاني والعشرون بَابُ جَوَامِعِ التَّوْحِيدِ

فيه سبعة أحاديث. وشرح من المصنّف لأوّلها.

و «جوامع» جمع «جامعة». والتأنيث باعتبار الخطبة، أو الفقرة، أو الكلمة بمعنى الكلام.

الأوّل:

(مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏ جَمِيعاً، رَفَعَاهُ إِلى‏ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) اسْتَنْهَضَ النَّاسَ)

أي طلب نهوضهم وقيامهم.

(فِي حَرْبِ مُعَاوِيَةَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، فَلَمَّا حَشَدَ)؛

بالمهملة والمعجمة ومهملة، بصيغة الماضي المعلوم من باب ضرب؛ (1) أي اجتمع.

(النَّاسُ قَامَ خَطِيباً، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَاحِدِ)

أي ليس له في الأشياء شبه، وليس له في الإلهيّة شريك.

(الْأَحَدِ)

أي ليس فيه موجودان في نفسهما في الخارج، سواء كانا ذاتيّين أم عرضيّين أم مختلفين.

(الصَّمَدِ)

أي المصمود إليه في الحوائج.

(الْمُتَفَرِّدِ)؛

بصيغة اسم فاعل باب التفعّل للمبالغة؛ أي لا شريك له في كنه ذاته، ولا في القدم، ولا في الإيجاد بقول «كن».

(الَّذِي لَامِنْ شَيْ‏ءٍ كَانَ، وَلَا مِنْ شَيْ‏ءٍ خَلَقَ مَا كَانَ).

الكون: الوجود والحدوث.

____________

(1). في «ج»: «ومهملة ماضي معلوم باب ضرب» بدل «ومهملة بصيغة الماضي المعلوم من باب ضرب».

339

والمراد في الأوّل الأوّل بقرينة تقديم الظرف، والمراد في الثاني الثاني؛ لأنّ «ما» للعموم، ومفاد تقديم الظرف هنا رفع الإيجاب الكلّي.

(قُدْرَةٌ)؛

مرفوع على أنّه خبر مبتدأ محذوف؛ أي الخلق لا من شي‏ء قدرة، والحمل مجاز، أو منصوب على أنّه مفعول له لقوله: «لا من شي‏ء خلق» فإنّه يتضمّن أنّه خلق بعض ما كان لا من شي‏ء.

(بَانَ بِهَا مِنَ الْأَشْيَاءِ)؛

صفة «قدرة» أي لم يكن شريكاً للأشياء في الأين، وإلّا لم تكن قدرته بنفوذ الإرادة وقول «كُن».

(وَبَانَتِ الْأَشْيَاءُ مِنْهُ)

أي ولم يكن له في الأشياء شريك في التجرّد، وإلّا كانت قدرته أيضاً بنفوذ الإرادة وقول «كُن» في بعض ما صدر عنه.

(فَلَيْسَتْ)؛

تفريع على القدرة الموصوفة.

(لَهُ)

أي للَّه‏

(صِفَةٌ)

أي بيان عظمة

(تُنَالُ)؛

بالنون والألف المنقلبة عن ياء بصيغة المضارع المجهول للغائبة من باب ضرب وعلم؛ أي تصاب وتعلم، وهو إشارة إلى قوله تعالى: «وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ». (1) ومضى بيانه في حادي عشر العاشر. (2)

(وَلَا حَدٌّ).

حدّ الشي‏ء: ما ينتهي الشي‏ء إليه ولا يتجاوزه، كما في إحاطة السطح بالجسم. والمراد هنا منتهى عظمته، أو كنه ذاته.

(يُضْرَبُ لَهُ فِيهِ).

الضمير الأوّل للَّه، والثاني للحدّ، أو بالعكس.

(الأَمْثَالُ)؛

جمع «مثل» بفتح الميم وفتح المثلّثة، وهو الأمر العجيب بأن يقال:

عظمته وكماله كذا وكذا.

(كَلَّ)

. الكلال: الإعياء.

(دُونَ)

أي تحت‏

(صِفَاتِهِ)

أي أقسام بيان عظمته كما هو حقّه.

(تَحْبِيرُ اللُّغَاتِ).

تحبير الخطّ والشعر: تحسينهما. والإضافة إلى المفعول أو إلى الفاعل.

____________

(1). الأنعام (6): 91.

(2). أي في الحديث 11 من باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى.

340

(وَضَلَّ هُنَاكَ)

أي في اللَّه تعالى.

(تَصَارِيفُ)؛

جمع «تصريف» بمعنى تغيير؛ أي أنواع تغيير.

(الصِّفَاتِ)؛

جمع «صفة» بمعنى بيان العظمة الصادرِ عن المخلوقين.

(وَحَارَ فِي مَلَكُوتِهِ)

. الملكوت من الملك كالرهبوت من الرهبة؛ أي في ملكه وعزّه.

والمراد في قدر عظمته. ويحتمل أن يُراد بملكوته مملكته.

(عَمِيقَاتُ مَذَاهِبِ التَّفْكِيرِ)؛

فإنّ قدر عظمته ممّا استأثر اللَّه تعالى بعلمه.

(وَانْقَطَعَ دُونَ)

أي تحت‏

(الرُّسُوخِ فِي عِلْمِهِ).

الضمير للَّه‏أو للملكوت؛ فالإضافة إلى المفعول.

(جَوَامِعُ التَّفْسِيرِ)

أي الكلمات الجامعة لأنواع التبيين.

(وَحَالَ دُونَ)

أي تحت‏

(غَيْبِهِ الْمَكْنُونِ)

أي كنه ذاته، أو سرّ قدره في خلق ما خلق.

(حُجُبٌ مِنَ الْغُيُوبِ، تَاهَتْ فِي أَدْنى‏ أَدَانِيهَا طَامِحَاتُ الْعُقُولِ فِي لَطِيفَاتِ الْأُمُورِ)

أي بين أذهان العباد وغيبه المكنون غيوب كثيرة هي حجب؛ أي لا يمكن العلم بغيبه المكنون إلّابعد العلم بتلك الغيوب، وتلك الغيوب مترتّبة متفاوتة؛ أي العلم ببعضها موقوف على العلم ببعض آخر وهكذا إلى غيب هو أدنى أدانيها، وقد تاه في هذا الغيب العقول الطامحات، في لطائف الامور أي دقائقها. يُقال: تاه في الأرض، أي ذهب متحيّراً. ويُقال: طمح بصري إليه، أي امتدّ وعلا. وطمح فلان: إذا أبعد في الطلب. (1)

والمراد الماضيات في الدقائق المبعدة في السير فيها والطلب لها.

(فَتَبَارَكَ اللَّهُ الَّذِي لَايَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ).

تفريعٌ على مجموع سابقه؛ أي لا يبلغ كنه ذاته، أو سرّه الهممُ البعيدة عن مبدأ فكرها لطلب الدقائق.

(وَلَا يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ).

هذا كسابقه.

(وَتَعَالَى الَّذِي لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مَعْدُودٌ،

(2)

وَلَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ، وَلَا نَعْتٌ مَحْدُودٌ).

«وقت»

____________

(1). النهاية، ج 3، ص 138 (طمح).

(2). في حاشية «أ»: «أي داخل في العدد، وذلك لتقدّسه تعالى عن إحاطة الزمان». الوافي، ج 1، ص 430، ذيل 353.

341

مضاف أو موصوف، وكذا نظيراه.

وعلى الأوّل‏

نقول: المراد بالوقت المدّة باعتبار أنّها ظرف للمتغيّرات. والمراد بالمعدود ما يعدّ مع غيره من جنسه كما يجي‏ء في خامس الباب وسادسه من قوله:

«ومَن عدّه فقد أبطل أزله».

والمراد بالأجل آخر المدّة، والمراد بالممدود الطويلُ المدّة بسبب فاعل.

والمراد بالنعت بيان الكيفيّة بالمعنى الذي مضى في شرح سادس الثاني. (1)

والمراد بالمحدود ما أحاط به الحدّ كالإنسان والبلّورة، يعني ليس معدوداً فيكونَ له وقت، ولا ممدوداً فيكون له أجل، ولا محدوداً فيكون له نعت؛ ونظيره قولنا: ليس لزيد موت أجل، أي ليس له أجل فيموت.

وعلى الثاني‏

نقول: الامتداد الزماني يسمّى وقتاً وأجلًا باعتبار أنّه ظرف للمتغيّرات.

والمراد بالوقت المعدود الزمانُ باعتبار الابتداء أو القصير، وبالأجل الممدود الزمانُ باعتبار الانتهاء، أو الطويل المتناهي.

والمراد بالنعت الثناءُ والمدح بالكمالات كالعلم والقدرة ونحوهما، وبالمحدود المتناهي. أو المراد بالنعت المحدود نعتُ الأمر المحدود؛ لأنّ الشي‏ء إذا أحاطه حدّ، كان ذلك الحدّ محيطاً بما قام به أيضاً.

(سُبْحَانَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ)؛

بالرفع والتنوين، والأوّل نقيض الآخِر، وأصله أوأل على أفعل مهموز الأوسط، قلبت الهمزة واواً وادغم، وإذا جعلته صفة لم تصرفه تقول:

لقيته عاماً أوّلَ، أي أوّل من عامنا، وإذا لم تجعله صفة صرفته، فتقول: لقيته عاماً أوّلًا (2):

هو كالظرف كأنّك قلت: عاماً قبل عامنا.

(مُبْتَدَأٌ)؛

بصيغة اسم الزمان والمكان مرفوع على أنّه بدل، أو وصف ل «أوّلٌ» أي‏ (3)

____________

(1). أي في الحديث 6 من باب إطلاق القول بأنّه شيّ‏ء.

(2). الصحاح، ج 5، ص 1838؛ لسان العرب، ج 11، ص 717 (وأل).

(3). فى «ج»: «أو».

342

مبتدأ وجوده، وهو آن الحدوث، أو مبتدأ حصول كمالاته مثل ما يكون للإنسان حين الشروع في التعلّم. ولا ينافي هذا أن يكون له أوّل مبتدأ بصيغة اسم المفعول، فإنّ أوّل ما خلق اللَّه الماء.

(وَلَا غَايَةٌ)

أي كمال. ومنه يسمّى ما يقصد بفعل شي‏ء علّة غائيّة له.

وقال نجم الدين الرضيّ في شرح الكافية:

لفظ «الغاية» يستعمل بمعنى النهاية، وبمعنى المدى، كما أنّ الأمد والأجل أيضاً يستعملان بالمعنيين، والغاية تستعمل في الزمان والمكان بخلاف الأمد والأجل؛ فإنّهما يستعملان في الزمان فقط. (1)

(مُنْتَهىً)؛

بصيغة اسم المكان من الناقص بدل أو وصف لغاية، أي ما انتهى إليه كماله ولم يتجاوزه كما يكون للإنسان في أزمنة حصول كمالاته؛ يعني أنّ كمالاته تعالى غير متناهية، فليس له غاية ونهاية في الكمال انتهى إليها ولم يتجاوزها.

(وَلَا آخِرٌ)؛

بكسر المعجمة؛ ما يقابل الأوّل.

(بِفَنَاءٍ

(2)

بكسر الموحّدة حرف الجرّ وفتح الفاء والنون والمدّ، والظرف صفة لآخِرٍ. والمراد بالفناء فناء نفسه تعالى، أو فناء ما سواه، وعلى الثاني المراد أنّه تعالى يبقى بعد فناء الدنيا وحده لا شي‏ء معه، كما كان قبل ابتدائها كما في نهج البلاغة في خطبة أوّلها: «ما وحّده مَن كيّفه». (3)

(سُبْحَانَهُ)؛

عن الفناء.

(هُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ)،

بنحو قوله: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» (4) وقوله: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» (5)، وقوله: «وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» (6).

____________

(1). شرح الرضي على الكافية، ج 4، ص 63.

(2). في الكافي المطبوع: «يفنى».

(3). نهج البلاغة، ص 272، الخطبة 186.

(4). الشورى (42): 11.

(5). الأنعام (6): 103.

(6). الأنعام (6): 91.

343

(وَالْوَاصِفُونَ)

له بالعظمة

(لَا يَبْلُغُونَ نَعْتَهُ)

أي قدر عظمته.

(حَدَّ

(1)

الْأَشْيَاءَ).

استئناف لبيان قوله: «لا يبلغون». ومضى معنى الحديث في سادس الحادي عشر. (2)

(كُلَّهَا).

فيه دلالة على بطلان المجرّدات.

(عِنْدَ خَلْقِهِ إيَّاهَا

(3)

إِبَانَةً لَهَا مِنْ شِبْهِهِ، وَإِبَانَةً لَهُ مِنْ شِبْهِهَا).

الشَبَه- بفتحتين-: الشباهة.

وفيه دلالة على أنّه لو وجد مجرّد لوقع الشبه.

إن قلت‏

: هذا يدلّ على أنّ خلق المجرّدات ممكن، فإنّ الإبانة هنا مفعول له، فيمكن أن لا تحدّ فلا تبان.

قلت‏

: لا دلالة؛ لأنّ في التعليل في أمثال هذا تجوّزاً، والمقصود ظهور دلالة المحدوديّة على البينونة والمخلوقيّة، كما مضى في سادس الحادي عشر؛ (4) فكأنّه لم يحدّ إلّا للإبانة. أو لأنّ المراد بالإبانة إظهار البينونة، ويمكنه أن لا يحدّ بأن لا يوجد شيئاً؛ ألا ترى إلى قوله: «وإبانة له من شبهها» فإنّ المراد به نفي أن يكون تعالى مادّياً، كما أنّ المراد بالسابق نفي أن تكون الأشياء مجرّدة. ولا شكّ أنّ كونه تعالى مادّياً محال بالذات.

(فَلَمْ يَحْلُلْ فِيهَا)؛

بالمهملة، بصيغة معلوم باب نصر وضرب، والفاء للتفريع.

والمراد بالحلول في الأشياء أن يكون مكانيّاً، ومكانه جميع أمكنة الأشياء، (5) وبعضها بالتداخل. وسيجي‏ء في تفسير المصنّف أنّ المراد بالحلول أن يكون من أعراض الأجسام.

(فَيُقَالَ: هُوَ فِيهَا كَائِنٌ، وَلَمْ يَنْأَ عَنْهَا)؛

بسكون النون وفتح الهمز، أو بفتح النون‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «وحَدَّ».

(2). أي في الحديث 6 من باب النهي عن الجسم والصورة.

(3). في الكافي المطبوع:-/ «إيّاها».

(4). أي في الحديث 6 من باب النهي عن الجسم والصورة.

(5). في «ج»: «أو».

344

وسكون الهمزة، بمضارع المعلوم الناقص باب منع، أي لم يبعد. والثاني مقلوب الأوّل؛ لأنّ مصدر كليهما النأي بفتح النون وسكون الهمز والخاتمة على ما قاله ابن الحاجب في الشافية. (1)

والثاني أوفق برسم الخطّ؛ لأنّ سكون ما قبل الهمز يوجب حذفها في الرسم إذا كانت في آخر الكلمة.

والمراد بالبُعد عنها أن لا يكون شي‏ء منها أصلًا تحت تصرّفه وخلقه.

(فَيُقَالَ: هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ)؛

بالموحّدة وكسر الهمز، أي أجنبيّ.

(وَلَمْ يَحُلْ‏

(2)

مِنْهَا)؛

بضمّ المهملة وسكون اللام، أجوف باب نصر، أي لم يتحوّل من صفة ذات كعلم وقدرة إلى اخرى. «من» في «منها» للتعليل.

(فَيُقَالَ لَهُ: أَيْنَ)؛

بفتح الهمز وسكون الخاتمة، أي حين؛ والجملة نائب الفاعل. أو بالهمز والألف وكسر الهمزة المنقلبة عن ياء، أي ذو حين، والمفرد نائب الفاعل.

ومآلهما واحد، وهو أنّ كلّ متحوّل حادث. وأمّا الأين بمعنى الحصول في المكان فاصطلاح فلسفي. (3)

(لكِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَحَاطَ بِهَا عِلْمُهُ، وَأَتْقَنَهَا صُنْعُهُ، وَأَحْصَاهَا حِفْظُهُ)

أي إمساكه وتصرّفه، كما في قوله تعالى: ( «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا» (4)). ومضى في أوّل العشرين. (5)

(لَمْ تَعْزُبْ)؛

بالمهملة والمعجمة والموحّدة معلومُ باب نصر وضرب؛ أي لم تغب.

(عَنْهُ خَفِيَّاتُ غُيُوبِ الْهَوى‏

(6)

بفتحتين والقصر: ميل النفس.

(وَلَا غَوَامِضُ مَكْنُونِ ظُلَمِ الدُّجى‏)؛

بضمّ المهملة والجيم والقصر قيل: الظلمة. وقال الأصمعي: إنّما هو إلباس كلّ شي‏ء وليس من الظلمة، قال: ومنه قولهم: دجا الإسلام، أي‏

____________

(1). شرح شافية لابن الحاجب، ج 1، ص 21 و 23؛ وج 4، ص 93.

(2). في الكافي المطبوع: «لم يَخْلُ».

(3). قواعد المرام لابن ميثم البحراني، ص 43.

(4). فاطر (35): 41.

(5). أي في الحديث 1 من باب العرش والكرسي.

(6). في الكافي المطبوع: «الهوا».

345

قوي وألبس كلّ شي‏ء. (1)

(وَلَا مَا فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلى‏ إِلى‏)؛

بمعنى مع.

(الْأَرَضِينَ السُّفْلى‏).

وقوله:

(لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مِنْهَا حَافِظٌ وَرَقِيبٌ)،

(2) استئنافٌ بياني، أي هو تعالى حافظ ورقيب لكلّ شي‏ءٍ من الأشياء يحفظه عن الزوال في مدّة بقائه، ويدبّر أحواله في الكمال والنقصان ونحوهما.

(وَكُلُّ شَيْ‏ءٍ مِنْهَا بِشَيْ‏ءٍ مُحِيطٌ)

أي بسرّ ومصلحة في خلقه محيط حتّى المعاصي؛ فإنّ إيجادها قبيح، ولكن خلقها حسن ومشتمل على مصلحة.

(وَالْمُحِيطُ بِمَا أَحَاطَ مِنْهَا)

أي العالم بكلّ سرّ إحاطة الشي‏ء منها.

(الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ)

أي علمه مخصوص به.

(الَّذِي لَايُغَيِّرُهُ صُرُوفُ الْأَزْمَانِ)

أي تغيّراتها.

(وَلَا يَتَكَأَّدُهُ).

يُقال: تكأّدني وتكاءدني الشي‏ء، أي شقَّ [عليّ‏]، على تفعّل وتفاعل بمعنى [واحد]. (3)

(صُنْعُ شَيْ‏ءٍ كَانَ).

وقوله:

(إِنَّمَا قَالَ لِمَا شَاءَ: «كُنْ» فَكَانَ)،

استئنافٌ بياني لعدم التكأّد. وقوله:

(ابْتَدَعَ)،

استئنافٌ بياني للاستئناف الأوّل. والابتداع فعل لا يكون باحتذاء مثالٍ.

(مَا خَلَقَ بِلَا مِثَالٍ سَبَقَ، وَلَا تَعَبٍ وَلَا نَصَبٍ).

التعب محرّكةً: الإعياء، وكذلك النصب محرّكةً، إلّاأنّ الأوّل أبلغ.

____________

(1). حكاه الجوهري في‏الصحاح، ج 6، ص 2334 (دجا) عن الأصمعي.

(2). في حاشية «أ»: «إشارة إلى أنّ لكلّ ظاهر باطناً، ولكلّ ملك ملكوتاً، ولكلّ شهادة غيباً. «وكلّ شي‏ء منها بشي‏ءمحيط» إشارة إلى ترتّب الموجودات وكون بعضها مسبّباً للبعض وأنّه سبحانه مسبّب الأسباب». الوافي، ج 1، ص 430، ذيل ح 353.

(3). لسان العرب، ج 3، ص 374؛ تاج العروس، ج 5، ص 214؛ مجمع البحرين، ج 4، ص 5 (كاد).

346

(وَكُلُّ صَانِعِ شَيْ‏ءٍ فَمِنْ شَيْ‏ءٍ صَنَعَ، وَاللَّهُ لَامِنْ شَيْ‏ءٍ صَنَعَ مَا خَلَقَ، وَكُلُّ عَالِمٍ فَمِنْ بَعْدِ جَهْلٍ تَعَلَّمَ).

إشارةٌ إلى قوله تعالى‏: «وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ» (1) على ما مضى في سابع العشرين. (2)

(وَاللَّهُ لَمْ يَجْهَلْ وَلَمْ يَتَعَلَّمْ).

وقوله:

(أَحَاطَ بِالْأَشْيَاءِ عِلْماً قَبْلَ كَوْنِهَا، فَلَمْ يَزْدَدْ بِكَوْنِهَا عِلْماً)،

استئنافٌ بياني لعدم جهله وتعلّمه. والكون في الموضعين من التامّة، وقوله:

(وَ

(3)

عِلْمُهُ بِهَا قَبْلَ أَنْ يُكَوِّنَهَا كَعِلْمِهِ بَعْدَ تَكْوِينِهَا)،

استئنافٌ بياني للاستئناف الأوّل؛ أي لا يتفاوت علمه قبلُ وبعدُ، لا بالإجمال والتفصيل ولا بغيرهما. وقوله:

(لَمْ يُكَوِّنْهَا)

إلى آخره استئناف بياني لتكوينها، كأنّ سائلًا يقول: إذا لم يستفد بتكوينها علماً فما الفائدة في تكوينها؟

(لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، وَلَا خَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَلَا نُقْصَانٍ، وَلَا اسْتِعَانَةٍ عَلى‏ ضِدٍّ مُثَاوِرٍ

(4)

).

المثاورة- بالمثلّثة والمهملة-: المواثبة والمنازعة.

(وَلَا نِدٍّ مُكَاثِرٍ).

الندّ- بالكسر-: المثل والنظير. والمكاثرة- بالمثلّثة والمهملة-:

المغالبة في كثرة الأتباع ونحو ذلك؛ يقال: كاثرناهم فكثرناهم، أي غلبناهم بالكثرة. (5)

(وَلَا شَرِيكٍ مُكَابِرٍ).

المكابرة- بالموحّدة والمهملة-: المغالبة في الكبر بالكسر:

العظمة.

(لكِنْ خَلَائِقُ).

خبر مبتدأ محذوف؛ أي لكن ما عداه خلائق.

(مَرْبُوبُونَ، وَعِبَادٌ دَاخِرُونَ).

الدخور: الصغار والذلّ. (6)

____________

(1). هود (11): 7.

(2). أي في الحديث 7 من باب العرش والكرسي.

(3). في «ج» و الكافي المطبوع:-/ «و».

(4). في الكافي المطبوع: «مناو».

(5). الصحاح، ج 2، ص 3- 8 (كثر).

(6). الصحاح، ج 2، ص 655 (دخر).

347

(فَسُبْحَانَ).

تفريع على عدم هذا النفع في فعله تعالى، فإنّ عدم الانتفاع إنّما يكون في فعل ليس لفاعله فيه مشقّة.

(الَّذِي لَايَؤُودُهُ).

يُقال: آدني الحمل يؤودني أوداً، أي أثقلني؛ وأنا مؤود كمقول. (1)

(خَلْقُ مَا ابْتَدَأَ، وَلَا تَدْبِيرُ مَا بَرَأَ).

البرء بالفتح: الخلق لا عن مثال. ولهذه اللفظة من الاختصاص بخلق الحيوان ما ليس لها بغيره من المخلوقات، وقلّما تستعمل في غير الحيوان، يُقال: برأ اللَّه النسمة، وخلق السماوات والأرض. (2)

(وَلَا مِنْ عَجْزٍ وَلَا مِنْ فَتْرَةٍ)؛

(3) بفتح الفاء وسكون المثنّاة فوق: الانكسار والضعف.

(بِمَا خَلَقَ اكْتَفى‏).

الظرف متعلّق بالفعل بعده، وبعد هذا التعلّق يلاحظ تعلّق الظرفين السابقين بذلك الفعل.

(عَلِمَ مَا خَلَقَ).

استئنافٌ بياني لقوله: «ولا مِن عجز» إلى آخره؛ أي علم المصلحة في خلق ما خلق.

(وَخَلَقَ مَا عَلِمَ)

أي علم أنّ فيه المصلحةَ.

(لَا بِالتَّفْكِيرِ فِي عِلْمٍ).

«في» بمعنى اللام كما في «عُذّبتِ امرأة في هرّة». (4)

(حَادِثٍ أَصَابَ مَا خَلَقَ، وَلَا شُبْهَةٌ)

(5)

؛

مرفوعٌ بالابتداء، والخبرُ قوله:

(دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِيمَا لَمْ يَخْلُقْ، لكِنْ قَضَاءٌ مُبْرَمٌ)

أي لكنّ الفرق بين ما خلق وما لم يخلق، قضاء، أي بقضاء.

____________

(1). الصحاح، ج 2، ص 442 (أود).

(2). النهاية، ج 1، ص 111؛ لسان العرب، ج 1، ص 31 (برأ).

(3). في حاشية «أ»: «ولا من عجز، أي ليس اكتفاؤه بما خلق عن عجز ولا من فتور، بل إنّما هو لعدم إمكان الزائد عليه ونقص قابليّة ما خلق لأزيد، فالنقصان في جانب القابل، لا من جهة الفاعل تعالى شأنه». الكافي، ج 1، ص 430، ذيل 353.

(4). مسند أحمد، ج 2، ص 457، مسند أبي هريرة؛ صحيح البخاري، ج 3، ص 77، كتاب المساقاة؛ صحيح مسلم، ج 7، ص 43 باب تحريم قتل الهرّة.

(5). في الكافي المطبوع: «شبهةٍ» بتنوين كسر الأخير.

348

(وَعِلْمٌ مُحْكَمٌ، وَأَمْرٌ مُتْقَنٌ)

أي لا يعلم سرّ ذلك غيره تعالى. وبيَّن ذلك بالاستئناف البياني بقوله:

(تَوَحَّدَ بِالرُّبُوبِيَّةِ)

أي بالتدبير للعالم.

إن قلت‏

: التوحّد يدلّ على أنّ الانفراد بالربوبيّة اختياري له وليس كذلك.

قلت‏

: لا نسلّم الدلالة؛ لأنّ التفعّل هنا للمبالغة كما قالوا في المتطبّب، ولو سلّم أمكن أن يكون المقصود أنّه لم يطّلع غيره على سرّ الربوبيّة إجراءً للاطّلاع على مجرى التشريك.

إن قلت‏

: اطّلاع الغير على سرّ الربوبيّة أيضاً غير ممكن.

قلنا

: لا نسلِّم‏ (1) ذلك؛ إذ لعلّه يمكن أن يخلق خلقاً يتأتّى منه تعالى اطّلاعه على سرّ الربوبيّة.

ويمكن الجواب: بأنّ المراد بالتوحيد إظهار الانفراد ونصب الدلائل عليه وهو اختياري، والربّ يُطلق في اللغة على المالك والسيّد والمدبّر والمربّي والمتمِّم والمُنعم. (2)

(وَخَصَّ نَفْسَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ)

أي بالانفراد بتدبير العالم، واللام فيها للعهد؛ لتقدّم ذكرها في قوله: «توحّد».

إن قلت‏

: الوحدانيّة غير قابلة للشركة، فما وجه الخصوص هنا؟

قلت‏

: لعلّ المراد به إظهار أنّه لا يمكن الوحدانيّة لأحد بدله.

(وَاسْتَخْلَصَ)

. الاستخلاص: مبالغة الخلوص.

(بِالْمَجْدِ)

أي بالكرم بمعنى الشرف.

(وَالثَّنَاءِ)

أي المدح.

(وَتَفَرَّدَ بِالتَّوْحِيدِ)

أي التنزيه عن النقص.

____________

(1). في حاشية «أ»: «يتمّ».

(2). معجم مقاييس اللغة، ج 2، ص 381 (دب).

349

(وَالْمَجْدِ وَالسَّنَاءِ)؛

بالفتح والمدّ: الرِّفعة.

(وَتَوَحَّدَ بِالتَّحْمِيدِ، وَتَمَجَّدَ بِالتَّمْجِيدِ).

الفعلان للمبالغة، وذلك مبنيّ على أنّ معظم حمد العباد وتعظيمهم على أفعالهم الحسنة الاختياريّة راجع إليه؛ لأنّها بلطفه وتوفيقه، فكان حمد غيره وتعظيم غيره كالعدم.

(وَعَلَا عَنِ اتِّخَاذِ الْأَبْنَاءِ، وَتَطَهَّرَ وَتَقَدَّسَ عَنْ مُلَامَسَةِ النِّسَاءِ، وَعَزَّ و جَلَّ عَنْ مُجَاوَرَةِ الشُّرَكَاءِ، فَلَيْسَ لَهُ فِيمَا خَلَقَ ضِدٌّ، وَلَا لَهُ فِيمَا مَلَكَ نِدٌّ، وَلَمْ يَشْرَكْهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ، الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الْمِئْبَدُ

(1)

لِلْأَبَدِ، وَالْوَارِثُ لِلْأَمَدِ)،

المئبد بكسر الميم وسكون الهمز وفتح الموحّدة ومهملة، اسم آلةٍ.

والأبد بالهمز والموحّدة والمهملة كجبل وكراكع: الدائم، وجمع الثاني كركّع، ومنه يُقال للوحوش: أوابد وابّد كركّع؛ لزعمهم أنّها لا تموت حتفَ أنفها. (2) والأمد كجبل:

منتهى الشي‏ء، وكراكع وككتف: ما بلغ المنتهى وفني، وجمع الثاني كركّع؛ يعني أنّه تعالى سبب بقاء كلّ باق، ويبقى بعد فناء كلّ فان.

(الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ وَحْدَانِيّاً)؛

بفتح الواو وسكون الحاء (3) المهملة منسوب إلى الوحد أو الوحدة بزيادة الألف والنون للمبالغة.

(أَزَلِيّاً قَبْلَ بَدِيِ‏

(4)

الدُّهُورِ، وَبَعْدَ صُرُوفِ الْأُمُورِ).

البَدِيّ بفتح الموحّدة وكسر المهملة وتشديد (5) الخاتمة أو تخفيفها من الناقص الواوي، فعيل بمعنى فاعل، أو مخفّف فاعل؛ من بدا الشي‏ء من باب نصر: إذا ظهر.

والمراد ما ظهر في الدهور من امور الدنيا المشوبة بالباطل.

والصروف بضمّ المهملتين جمع «صِرف» بالكسر، وهو الخالص من كلّ شي‏ء.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «المبيد».

(2). حكاه في لسان العرب، ج 3، ص 68 عن الأصمعي.

(3). في «ج»:-/ «الحاء».

(4). في الكافي المطبوع: «بَدْءِ».

(5). في «ج»: «شدّ».

350

والمراد بصروف الامور: امور الآخرة؛ فإنّها الخالصة، كما في قوله تعالى في سورة الأنعام: «وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ لَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ» (1).

(الَّذِي لَايَبِيدُ)؛

بالموحّدة والخاتمة والمهملة، معلومُ باب ضرب، أي لا يهلك.

(وَلَا يَنْفَدُ)؛

بالنون والفاء والمهملة، معلومُ باب الإفعال، أي لا يفنى خزائنه بالإعطاء؛ يُقال: أنفد القوم: إذا فني زادهم ومالهم. (2)

(بِذلِكَ أَصِفُ رَبِّي)

أي لا بما وصفه الواصفون له بصفات خلقه، المشبّهون له بخلقه.

(فَلَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ)؛

للتبيين.

(عَظِيمٍ مَا أَعْظَمَهُ! وَمِنْ جَلِيلٍ مَا أَجَلَّهُ! وَمِنْ عَزِيزٍ مَا أَعَزَّهُ!).

الأفعال الثلاثة للتعجّب.

(وَتَعَالى‏ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبِيراً).

الشرح‏

(وَ هذِهِ الْخُطْبَةُ مِنْ مَشْهُورَاتِ خُطَبِهِ (عليه السلام) حَتّى‏ لَقَدِ ابْتَذَلَهَا الْعَامَّةُ).

ابتذال الثوب وغيرِه:

امتهانه، أي وقعت في أيديهم غير مصونة عنهم.

(وَهِيَ كَافِيَةٌ لِمَنْ طَلَبَ عِلْمَ التَّوْحِيدِ إِذَا تَدَبَّرَهَا وَفَهِمَ مَا فِيهَا، فَلَوِ اجْتَمَعَ أَلْسِنَةُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ- لَيْسَ فِيهَا لِسَانُ نَبِيٍّ- عَلى‏ أَنْ يُبَيِّنُوا التَّوْحِيدَ بِمِثْلِ مَا أَتى‏ بِهِ بِأَبِي وَأُمِّي (صلى الله عليه و آله)):

فُدِي بأبي وامّي (صلى الله عليه و آله).

(مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ لَاإِبَانَتُهُ (عليه السلام)، مَا عَلِمَ النَّاسُ كَيْفَ يَسْلُكُونَ سَبِيلَ التَّوْحِيدِ).

ذلك لأنّه لم ينقل عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) وعن غيره من الأئمّة كما نقل عنه (عليه السلام).

(أَ لَاتَرَوْنَ إِلى‏ قَوْلِهِ: «لَا مِنْ شَيْ‏ءٍ كَانَ، وَلَا مِنْ شَيْ‏ءٍ خَلَقَ مَا كَانَ» فَنَفى‏ بِقَوْلِهِ: «لَا مِنْ شَيْ‏ءٍ كَانَ» مَعْنَى الْحُدُوثِ، وَكَيْفَ).

عطف على «نفى» وليس من عطف الإنشاء على الإخبار، لأنّه ليس للاستفهام الحقيقي، نظير «أين» في «علمت أين زيد» لأنّ العلم ينافي الاستفهام الحقيقي.

____________

(1). الأنعام (6): 32.

(2). الصحاح، ج 2، ص 544؛ لسان العرب، ج 3، ص 424 (نفد).

351

(أَوْقَعَ عَلى‏ مَا أَحْدَثَهُ صِفَةَ الْخَلْقِ)

أي كيفيّته. و «الخلق» هنا مصدر.

(وَالِاخْتِرَاعَ)؛

منصوب عطف على «صفة» لتفسيرها.

(بِلَا أَصْلٍ وَلَا مِثَالٍ؛ نَفْياً)؛

مفعول له لقوله «أوقع».

(لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا مُحْدَثَةٌ، بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ).

هذا قول بعض الدهريّة، منهم الإشراقيّون من الفلاسفة؛ ذهبوا إلى أنّ الأشخاص كلّها حادثة، والمحدث مختصّ بدهر لم يوجد في دهر قبيله، ولا يوجد في دهر بعيده، والأنواع قديمة. (1)

(وَإِبْطَالًا لِقَوْلِ الثَّنَوِيَّةِ)؛

بفتح المثلّثة وفتح النون، منسوب إلى الاثنين؛ لأنّه لو جاز أن يفرد لكان واحده «اثن» مثل «ابن» فالنسبة إليه «ثنوي» في قول من قال في ابن «بنوي»، و «اثنيّ» في قول من قال: «ابنيّ». (2)

والمراد بالثنويّة هنا بعض الدهريّة، ومنهم المشّائيّون من الفلاسفة القائلون بتعدّد القديم شخصاً. (3)

وقد يطلق الثنويّة على القائلين بأنّ مدبّر العالم النور والظلمة، وأنّهما امتزجا بعد افتراقهما، فحَصَل منهما هذا العالم. (4)

وقد يطلق على ما يعمّ المجوس القائلين بأنّ الخير واقع من اللَّه، والشرّ واقع من الشيطان، واختلفوا في قِدَم الشيطان وحدوثه، فقال بعضهم: إنّه قديم، وقال بعضهم: إنّه حادث لا من اللَّه، فإنّه لا يصدر عنه الشرّ، فكيف يصدر عنه ما هو أصله، بل هو حادث من فكرة اللَّه تعالى هي أنّه كيف يكون حالي لو نازعني غيري؟ فتولّد الشيطان‏ (5) من هذه الفكرة. (6)

____________

(1). انظر تقريب المعارف للحلبي، ص 92؛ والمواقف، ج 2، ص 608 و ص 616.

(2). الصحاح، ج 6، ص 2295 (ثنى).

(3). حكاه الرازي في تفسيره، ج 28، ص 184؛ وأبو الصلاح الحلبي في تقريب المعارف، ص 92 عن الفلاسفة.

(4). حكاه في المواقف، ج 2، ص 608 و 616.

(5). قضيّة تولّد الشيطان مذكورة في شرح نهج البلاغة، ج 5، ص 160؛ تفسير الرازي، ج 13، ص 116.

(6). جعل الشهرستاني في الملل والنحل، ج 2، ص 254 الفصل الثاني في أصحاب الاثنين الأزليّين، وذكر منهم المانوية والمزدكية والديصانية والمرقونية والكينونية والصيامية. ولا بأس بالنظر إلى كتاب تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للباقلاني، ص 78، باب الكلام على أهل التثنية.

352

(الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ لَايُحْدِثُ شَيْئاً إِلَّا مِنْ أَصْلٍ)

أي قالوا: كلّ حادث مسبوق بمادّة، وزعموا أنّ شخص المادّة قديم. (1)

(وَلَا يُدَبِّرُ إِلَّا بِاحْتِذَاءِ مِثَالٍ)

أي وقالوا: إنّ كلّ حادث مسبوق بمدّة بالضمّ، اسم ما استمدّ به من العلل كالمعدّات؛ فلا يحدث شيئاً إلّاعلى طبق اقتضاء المعدّ المتّصل به، ولا يتمكّن من خرق العادة؛ (2) يُقال: احتذى مثاله: إذا اقتدى به. والمعدّات عندهم الصور والأعراض الغير المتناهية من جانب المبدأ.

(فَدَفَعَ (عليه السلام) بِقَوْلِهِ: «لَا مِنْ شَيْ‏ءٍ خَلَقَ مَا كَانَ» جَمِيعَ حُجَجِ الثَّنَوِيَّةِ وَشُبَهِهِمْ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يَعْتَمِدُ الثَّنَوِيَّةُ)

أي هذه مقدّمة مأخوذة في أكثر شبههم، أو أنّها أكثر دوراناً على ألسنتهم؛ لأنّها أقوى عندهم.

ويحتمل أن يُراد أنّ هذا منتهى فكرهم وما يعتمدون عليه.

(فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ)

أي في الشبهة (3) في حدوث العالم. والشبهة في الشي‏ء إنّما يكون بقصد إبطاله ونفيه.

(أَنْ يَقُولُوا: لَايَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ الْخَالِقُ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ مِنْ شَيْ‏ءٍ، أَوْ مِنْ لَاشَيْ‏ءٍ)؛

يعنون أنّ الإحداث منحصر في القسمين، والأوّل يثبت المطلوب، والثاني باطل؛ للتناقض.

وهذه المقدّمة مأخوذة في ثلاث شبه للقائلين بقدم العالم، هي أقوى شبههم:

الاولى: أنّ جميع ما لابدّ منه في وجود أوّل حادث إن كان أزليّاً كان الحادث أزليّاً؛ لامتناع تخلّف المعلول عن العلّة التامّة؛ وإن كان بعض ما لابدّ منه حادثاً، كان إحداث الحادث منه، وهو شي‏ء أو لا شي‏ء.

____________

(1). حكاه التفتازاني في شرح المقاصد، ج 1، ص 131 عن الفلاسفة؛ والإيجي في المواقف، ج 2، ص 626.

(2). حكاه العلّامة في كشف المراد، ص 123 (تحقيق الآملي) عن الفلاسفة، وفي طبعة تحقيق الزنجاني، ص 78؛ وحكاه أيضاً التفتازاني في شرح المقاصد، ج 1، ص 131.

(3). في «أ»:+/ «أي».

353

الثانية: أنّ الحادث قبل حدوثه إمّا غير ممكن، وإمّا ممكن. والأوّل باطل؛ لاستحالة الانقلاب في الموادّ الثلاث، والثاني يستلزم أن يتحقّق قبل حدوث الحادث مادّة يقوم بها إمكانه الاستعدادي، ويكون إحداث الحادث منها وهي شي‏ء أو لا شي‏ء.

الثالثة: أنّ الحادث مسبوق بعلم خالقه به، والعلم إمّا حضوري وإمّا حصولي.

والأوّل محال؛ لأنّه لا حضور للمعدوم. والثاني إمّا بحصول الصور في ذات الخلق، وإمّا في غيره. والأوّل محال؛ لأنّه ليس محلّاً ولا حالًاّ، وعلى الثاني كان إحداث الحادث من محلّ الصور، وهو شي‏ء أو لا شي‏ء. (1)

(فَقَوْلُهُمْ).

هذا من تتمّة قول الثنويّة، والضمير للقائلين بحدوث العالم.

( «مِنْ شَيْ‏ءٍ» خَطَأٌ)

أي اعتراف بالخطأ في دعوى حدوث العالم، وأنّه يتحقّق خلق وخالق.

(وَقَوْلُهُمْ: «مِنْ لَاشَيْ‏ءٍ» مُنَاقَضَةٌ وَإِحَالَةٌ)

أي قول بالمحال.

(لِأَنَّ «مِنْ»)

أي لفظة «من»

(تُوجِبُ شَيْئاً، وَ «لَا شَيْ‏ءٍ»)

أي ولفظة «لا شي‏ء»

(تَنْفِيهِ).

والحاصل إبطال كلّ من شقّي ترديدهم بإبطال الحصر فيهما ومنعِه.

(فَأَخْرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) هذِهِ اللَّفْظَةَ)

أي قوله: «لا من شي‏ء خلق ما كان».

(عَلى‏)

نهجيّة

(أَبْلَغِ الْأَلْفَاظِ وَأَصَحِّهَا، فَقَالَ (عليه السلام): «لا مِنْ شَيْ‏ءٍ خَلَقَ مَا كَانَ»)

أي كون الإحداث منحصراً في القسمين باطل.

ومرجعه إذا قوبل به الشبهة الاولى، منع امتناع تخلّف المعلول عن العلّة التامّة في الفاعل المختار، وأمّا الفاعل الموجَب على القول بإمكان تحقّقه، فأثره يمتنع أن يكون متأخّراً عن حين حدوثه إلّاإذا توقّف على أثر مختار.

وسرّه أنّ المختار يميّز بعض الأوقات المتشابهة في تمام الماهيّة عن بعض بحسب علمه القديم بالمصلحة لخلق أمر فيه دون غيره، بخلاف الموجَب، فإنّه محال فيه بديهة. (2)

____________

(1). انظر معارج الفهم في شرح النظم للعلّامة الحلي، ص 133.

(2). في «ج»: «ضرورة».

354

وذلك كما أنّ المختار يميّز بعض الأماكن المتشابهة في تمام الماهيّة عن بعض بحسب علمه بالمصلحة لإحداث جسم فيه دون غيره، بخلاف الموجب، فإنّه محال فيه بديهة، (1) كما مضى في أوّل «باب حدوث العالم وإثبات المحدث».

ومرجعه إذا قوبل به الشبهة الثانية اختيارُ الشقّ الثاني، ومنع أنّه يستلزم أن يتحقّق إلى آخره، إذ يكفي ثبوته بدون تحقّق مادّة، وتحقّق المادّة لا يكفي في دفع المفسدة؛ لأنّ الإمكان الذاتي غير الإمكان الاستعدادي، فتحقّق محلّ الثاني غير تحقّق محلّ الأوّل.

ومرجعه إذا قوبل به الشبهة الثالثة منع أنّ العلم إمّا حضوري وإمّا حصولي إن اريد بالحضور وجود المعلوم حاضراً، ومنع أنّه لا حضور للمعدوم إن اريد بالحضور ما يشمل الثبوت الأعمّ من الوجود، والتفصيل في الحاشية الاولى من‏ (2) حواشي العدّة. (3)

(فَنَفى‏ «مِنْ»)

أي نفى ما يفهم من لفظة «من» وهو القدر المشترك بين شقّيهم.

(إِذْ كَانَتْ تُوجِبُ شَيْئاً)

أي لأنّ الشقّ الثاني ممّا يفهم من لفظة «من» باطل للمناقضة.

(وَنَفَى الشَّيْ‏ءَ).

معطوفٌ بحسب المعنى على قوله: «توجب» أي وأبطل الشقّ الأوّل ممّا يفهم من لفظة «من».

(إِذْ كَانَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ مَخْلُوقاً مُحْدَثاً، لَامِنْ أَصْلٍ).

هذا على سبيل سند المنع، لا الاستدلال؛ فليس فيه مصادرة ولا شبه المصادرة.

(أَحْدَثَهُ الْخَالِقُ).

الضمير راجع إلى «كلّ شي‏ء». والجملة استئناف بياني.

(كَمَا قَالَتِ الثَّنَوِيَّةُ).

التشبيه للمنفيّ في قوله: «لا من أصل».

(إِنَّهُ خَلَقَ مِنْ أَصْلٍ قَدِيمٍ، فَلَا يَكُونُ تَدْبِيرٌ إِلَّا بِاحْتِذَاءِ مِثَالٍ)

أي بخلق صورة بدل صورة، وعَرَض بدل عرض، وهكذا متواردة على المادّة القديمة شخصاً. ولتفصيل شُبه الفلاسفة في حدوث العالم والأجوبة عنها محلّ آخر.

____________

(1). في «ج»: «ضرورة».

(2). في «أ»:-/ «الحاشية الأولى من».

(3). للخليل القزويني حواشي على العدّة، والظاهر أنّ الحاشية الاولى أوسع حواشيه عليها، وقد أحال إليها عدّه مرّات في حاشيته على العدّة المطبوعة.