الشافي في شرح الكافي - ج2

- خليل بن غازي‏ القزويني المزيد...
582 /
355

(ثُمَّ قَوْلِهِ (عليه السلام)

بالجرّ معطوفٌ على قوله: «لا من شي‏ء كان» أي ثمّ ألا ترون إلى قوله:

( «لَيْسَتْ لَهُ صِفَةٌ تُنَالُ، وَلَا حَدٌّ يُضْرَبُ لَهُ فِيهِ الْأَمْثَالُ، كَلَّ دُونَ صِفَاتِهِ تَحْبِيرُ اللُّغَاتِ» فَنَفى‏ (عليه السلام) أَقَاوِيلَ)؛

كأنّها جمع «اقوولة» (1) مثل اعجوبة وأعاجيب، واحدوثة وأحاديث.

(الْمُشَبِّهَةِ حِينَ شَبَّهُوهُ بِالسَّبِيكَةِ).

تقول: سبك الفضّة وغيرها كضرب: إذا أذابها ونقّاها. والفضّة: سبيكة. (2)

(وَالْبِلَّوْرَةِ)؛

واحدة «البلّور» بفتح الموحّدة وضمّ اللام المشدّدة وسكون الواو ومهملة، ويجوز كسر الموحّدة وفتح اللام: جوهر معروف. (3)

(وَغَيْرَ ذلِكَ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ مِنَ الطُّولِ وَالِاسْتِوَاءِ)

أي‏ (4) في الأعضاء.

(وَقَوْلَهُمْ)؛

بالنصب، عطف على أقاويل المشبّهة.

( «مَتى‏ مَا لَمْ تَعْقِدِ الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلى‏ كَيْفِيَّةٍ)؛

بصيغة المجهول من باب ضرب، يُقال:

عقد زيد قلبه على كذا: إذا اعتقده. والمراد بالكيفيّة الكيفيّة المحسوسة.

(وَلَمْ تَرْجِعْ)؛

بصيغة المعلوم من باب ضرب. والضمير للقلوب.

(إِلى‏ إِثْبَاتِ هَيْئَةٍ، لَمْ تَعْقِلْ)؛

بصيغة المعلوم من باب ضرب. والضمير للقلوب.

(شَيْئاً).

توهّموا أنّ كلّ شي‏ءٍ محسوس.

(فَلَمْ تُثْبِتْ)؛

معلوم باب الإفعال. والضمير للقلوب.

(صَانِعاً» فَفَسَّرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَنَّهُ وَاحِدٌ بِلَا كَيْفِيَّةٍ، وَأَنَّ الْقُلُوبَ تَعْرِفُهُ بِلَا تَصْوِيرٍ وَلَا إِحَاطَةٍ). (ثُمَّ قَوْلِهِ (عليه السلام)

بالجرّ معطوف على قوله: «لا من شي‏ء كان».

( «الَّذِي لَايَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ، وَلَا يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ، وَتَعَالَى الَّذِي لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مَعْدُودٌ، وَلَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ، وَلَا نَعْتٌ مَحْدُودٌ»).

____________

(1). في «أ»: «أقولة».

(2). مختار الصحاح، ص 153 (سبك).

(3). القاموس الميحط، ج 1، ص 377 (البلور).

(4). في «أ»:-/ «أي».

356

(ثُمَّ قَوْلِهِ (عليه السلام))

بالجرّ.

( «لَمْ يَحْلُلْ فِي الْأَشْيَاءِ؛ فَيُقَالَ: هُوَ فِيهَا كَائِنٌ، وَلَمْ يَنْأَ عَنْهَا؛ فَيُقَالَ:

هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ» فَنَفى‏ (عليه السلام) عَنْهُ‏

(1)

بِهَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ)؛

يعني قوله: «لم يحلل» إلى آخره.

(صِفَةَ الْأَعْرَاضِ وَالْأَجْسَامِ؛ لِأَنَّ مِنْ صِفَةِ الْأَجْسَامِ التَّبَاعُدَ وَالْمُبَايَنَةَ، وَمِنْ صِفَةِ الْأَعْرَاضِ الْكَوْنَ فِي الْأَجْسَامِ بِالْحُلُولِ).

النشر على غير ترتيب اللفّ.

(عَلى‏ غَيْرِ مُمَاسَّةٍ)

أي مجاورة، والظرف متعلّق بالحلول.

(وَمُبَايَنَةِ)

أي ولا مباينة.

(الْأَجْسَامِ عَلى‏ تَرَاخِي الْمَسَافَةِ)

. فإنّ أعراض الأجسام لاترى في مسافة بينها وبين الأجسام.

(ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): «لكِنْ أَحَاطَ بِهَا عِلْمُهُ، وَأَتْقَنَهَا صُنْعُهُ» أَيْ هُوَ فِي الْأَشْيَاءِ بِالْإِحَاطَةِ وَالتَّدْبِيرِ، وَ عَلى‏ غَيْرِ مُلَامَسَةٍ).

الثاني:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَمَّادٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ)؛

اسم «إنّ»، وخبره «شامخ الأركان» وما بينهما اعتراض.

(تَبَارَكَ اسْمُهُ، وَتَعَالى‏ ذِكْرُهُ، وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ)

، وقوله:

(سُبْحَانَهُ)

اعتراضٌ في اعتراض.

(وَتَقَدَّسَ)؛

معطوف على قوله: «تبارك اسمه». ويحتمل أن يكون معطوفاً على «سبحانه».

(وَتَفَرَّدَ وَتَوَحَّدَ، وَلَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ)؛

من الأفعال الناقصة، وخبرهما «رفيعاً».

(وَ

«هُوَ الْأَوَّلُ‏

).

حال عن فاعل «لم يزل ولا يزال».

(وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ»

).

مضى شرح الأسماء الأربعة في أوّل السابع عشر. (2)

____________

(1). في الكافي المطبوع:-/ «عنه».

(2). أي في الحديث 1 من باب آخرو هو من الباب الأول إلّاأنّ فيه زيادة وهو الفرق ما بين المعاني التي تحت أسماء اللَّه وأسماء المخلوقين.

357

(فَلَا أَوَّلَ لِأَوَّلِيَّتِهِ).

تفريعٌ على «لم يزل ولا يزال» باعتبار تقييدهما بالحال.

(رَفِيعاً فِي أَعْلى‏ عُلُوِّهِ).

«أعلى» مضاف إلى علوّ، ومجموع المضاف والمضاف إليه مضاف إلى الضمير من قبيل: «حَبّ رمّانك».

(شَامِخُ الْأَرْكَانِ).

الجبال الشوامخ هي الشواهق، وقد شمخ الجبل كنصر فهو شامخ.

وركن الشي‏ء: جانبه الأقوى. وهو يأوي إلى ركنٍ شديد، أي عزٍّ ومَنَعة. والكلام استعارة.

(رَفِيعُ الْبُنْيَانِ، عَظِيمُ السُّلْطَانِ، مُنِيفُ الْآ لَاءِ).

يقال: أناف على الشي‏ء: إذا أشرف.

وأنافت الدراهم على المائة، أي زادت. (1) والآلاء النعمُ واحدها «الى» بالفتح والكسر، وبفتحتين وبكسر الهمز وفتح اللام، وألو بالفتح.

(سَنِيُّ الْعَلْيَاءِ).

السنا بالفتح والمدّ: الرِّفعة، والسنيّ: الرفيع. والعليا بفتح المهملة وسكون اللام والخاتمة والمدّ: السماء، وكلّ مكان مشرف.

(الَّذِي يَعْجِزُ الْوَاصِفُونَ)

أي الذين حاولوا بيان عظمته.

(عَنْ كُنْهِ)

أي قدر

(صِفَتِهِ).

مصدر قولك: وصفت فلاناً. والمراد هنا عظمته.

(وَلَا يُطِيقُونَ)

أي لا يستطيعون‏

(حَمْلَ مَعْرِفَةِ إِلهِيَّتِهِ)

أي معبوديّته بالحقّ؛ لأنّهم لا يمكن أن يعرفوا طبقات الملائكة وأنواع عباداتهم ونحو ذلك.

(وَلَا يَحُدُّونَ)؛

بالحاء المهملة وشدّ الدال المهملة، بصيغة المعلوم، من باب‏ (2) نصر، أي لا يميّزون؛ أو بالجيم وتخفيف الدال‏ (3) من باب ضرب من المثال، أي لا يعلمون.

(حُدُودَهُ).

حدّ الشي‏ء: منتهاه. والضمير لإلهيّته، والتذكير لأنّه مصدر، وجمع الحدود باعتبار أصناف عبادات الملائكة وغيرهم.

(لِأَنَّهُ بِالْكَيْفِيَّةِ لَايُتَنَاهى‏ إِلَيْهِ).

الضميران لمصدر «يحدّون»، أو الأوّل للشأن.

والمراد بالكيفيّة ما يقال في جواب السؤال بكيف. «لا يتناهى» بصيغة المجهول من‏

____________

(1). تاج العروس، ج 12، ص 517 (نوف).

(2). في «ج»: «بالمهملة وشدّ الثانية معلوم باب» بدل «بالحاء» إلى هنا.

(3). في «ج»: «المهملة» بدل «الدال».

358

باب‏ (1) التفاعل، والظرف نائب الفاعل يعني لأنّ تمييز حدود إلهيّته لا يمكن الوصول إليه ببيان أحد إذا سئل بكيف عن كيفيّة إلهيّته، بناءً على أنّ إلهيّتة أعظم من أن يسعه البيان.

الثالث:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُخْتَارِ؛ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَلَوِيِّ جَمِيعاً، عَنِ الْفَتْحِ بْنِ يَزِيدَ الْجُرْجَانِيِّ، قَالَ: ضَمَّنِي وَأَبَا الْحَسَنِ (عليه السلام))

أي الهادي أو (2) الرضا (عليه السلام).

(الطَّرِيقُ)؛

فاعل «ضمّني».

(فِي مُنْصَرَفِي)؛

مصدر ميمي.

(مِنْ مَكَّةَ إِلى‏ خُرَاسَانَ، وَهُوَ سَائِرٌ إِلَى الْعِرَاقِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنِ اتَّقَى اللَّهَ يُتَّقى‏؛ وَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ يُطَاعُ).

يجي‏ء في «كتاب الإيمان والكفر» في ثالث «باب الخوف والرجاء»: «من خاف اللَّه أخاف اللَّه منه كلّ شي‏ء، ومن لم يخف اللَّه أخافه اللَّه من كلّ شي‏ء».

إن قلت‏

: نرى خلاف ذلك في الأنبياء والأئمّة والأولياء؟

قلت‏

: المقصود أنّ التفاوت بين التقيّ وغير التقيّ، والمطيع وغير المطيع، واقع مع التساوي في الامور الخارجة، ولو صدر عن غير الأصفياء ما صدر عنهم- ممّا ينافي أغراض الناس رئاءً وسمعةً ونحو ذلك- لم يكن يهابون ويوقّرون أصلًا، والظالمون على أوليائه تعالى كانوا يخافون ويعظّمون ذلك، ولا ينافي ذلك ارتكابهم الظلم، وإظهارهم خلاف ما في قلوبهم، وأيضاً يمكن أن يُقال: إنّ هذا هو الغالب في أوساط الناس، كما هو الظاهر من قوله (عليه السلام) بعد ذلك: «فقمنٌ». وابتلاء الخواصّ عظيم خارج عن طور سائرهم.

(فَلَطَفْتُ‏

(3)

بالمهملة والفاء، بصيغة المعلوم للمتكلِّم، من باب نصر، (4) أي اختلت‏

____________

(1). في «ج»: «لايتناهي مجهول باب» بدل «لايتناهي بصيغة المجهول من باب».

(2). في «أ»:-/ «الهادي أو».

(3). في الكافي المطبوع: «فَتَلَطَّفْتُ».

(4). في «ج»: «بالمهملة والفاء معلوم متكلّم باب نصر».

359

بما خفي على الناس لأجل التقيّة؛ أو من‏ (1) بابِ حسن، أي دُققت وصغرت، وهو كناية عن الاختفاء.

(فِي الْوُصُولِ إِلَيْهِ، فَوَصَلْتُ، وَسَلَّمْتُ‏

(2)

عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، ثُمَّ قَالَ: يَا فَتْحُ، مَنْ‏ أَرْضَى الْخَالِقَ، لَمْ يُبَالِ بِسَخَطِ الْمَخْلُوقِ)

أي والغالب فيمن لم يبال بسخط المخلوق أنّه لا يسلّط اللَّه عليه سخط المخلوق، كأنّه (عليه السلام) عرف أنّ وصوله إليه لتعرّف حقيقة قوله:

«من اتّقى اللَّه» إلى آخره.

(وَمَنْ أَسْخَطَ الْخَالِقَ، فَقَمَنٌ).

تقول: أنت قمن أن تفعل كذا بالتحريك، (3) أي خليقٌ وجديرٌ، لا يثنّى ولا يجمع ولا يؤنّث، وإن كسرت الميم أو قلت: قمين ثنّيت وجمعت. (4)

(أَنْ يُسَلِّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَخَطَ الْمَخْلُوقِ، وَإِنَّ الْخَالِقَ لَايُوصَفُ إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ).

مضى بيانه في أحاديث العاشر. (5)

(وَأَنّى‏ يُوصَفُ الَّذِي يَعْجِزُ)؛

غائبة معلوم باب ضرب وعلم. (6)

(الْحَوَاسُّ أَنْ تُدْرِكَهُ، وَالْأَوْهَامُ أَنْ تَنَالَهُ، وَالْخَطَرَاتُ)؛

بفتح المعجمة وفتح المهملتين، جمع «خطرة» بسكون الطاء، وهي ما يمرّ بالقلب.

(أَنْ تَحُدَّهُ، وَالْأَبْصَارُ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِهِ، جَلَّ عَمَّا وَصَفَهُ الْوَاصِفُونَ)

له بقدر من العظمة.

(وَتَعَالى‏ عَمَّا يَنْعَتُهُ النَّاعِتُونَ)

له بأنّه كالبلّور أو كالسبيكة.

(نَأى‏)

أي بعُد عنّا ذاتاً

(فِي قُرْبِهِ)،

بحسب الدليل عليه، أو بحسب إحاطة علمه بنا؛

____________

(1). في «ج»:-/ «من».

(2). في الكافي المطبوع: «فَسلَّمتُ».

(3). في «ج»: «بفتحتين».

(4). الصحاح، ج 6، ص 2184؛ النهاية، ج 4، ص 111 (قمن).

(5). أي أحاديث باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى.

(6). في «أ»:-/ «غايبة معلوم باب ضرب وعلم».

360

لقوله: «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» (1). و «في» بمعنى «مع».

(وَقَرُبَ فِي نَأْيِهِ، فَهُوَ فِي نَأْيِهِ قَرِيبٌ، وَفِي قُرْبِهِ بَعِيدٌ).

تكرار للمضمون للتأكيد. وأمّا قوله:

(كَيَّفَ الْكَيْفَ، فَلَا يُقَالُ: كَيْفَ؟)

أي فلا يسأل عنه بكيف للاستفهام.

(وَأَيَّنَ الْأَيْنَ، فَلَا يُقَالُ: أَيْنَ؟)

أي فلا يسأل عنه بأين للاستفهام.

(إِذْ هُوَ مُنْقَطِعُ)؛

اسم مكان؛ أي لا يبلغه.

(الْكَيْفُوفِيَّةِ وَالْأَيْنُونِيَّةِ).

فمضى بيان مضمونه في ثالث الأوّل، (2) ويجي‏ء توضيحه أيضاً في سادس الباب عند قوله: «فمن وصف اللَّه فقد حدّه» إلى آخره.

الرابع:

(مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَفَعَهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: بَيْنَا).

أصله «بين» اشبعت الفتحة، فتولّدت ألف، (3) وهو ظرف زمانٍ مضافٌ إلى الجملة الخالية عن العائد إليه نظير: «يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ» (4)، وعاملةُ «قام».

(أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)

بالرفع على الابتداء.

(يَخْطُبُ عَلى‏ مِنْبَرِ الْكُوفَةِ إِذْ)؛

للمفاجأة، وقد يحذف؛ لأنّ المفاجأة يفهم من «بينا».

(قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ- يُقَالُ لَهُ: ذِعْلِبٌ-)؛

بكسر المعجمة وسكون المهملة وكسر اللام- وقد تفتح- والموحّدة؛ لُقّب به تشبيهاً بالناقة السريعة. (5)

(ذُو لِسَانٍ بَلِيغٍ فِي الْخُطَبِ، شُجَاعُ الْقَلْبِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟

قَالَ: وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ، مَا كُنْتُ أَعْبُدُ رَبّاً لَمْ أَرَهُ).

أخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر بحمل الرؤية في كلامه على العلم؛ إشعاراً بأنّه لا ينبغي السؤال عن الرؤية بالبصر؛ لظهور استحالته. وهذا فنّ من البلاغة.

____________

(1). ق (50): 16.

(2). أي في الحديث 3 من باب حدوث العالم وإثبات المحدث.

(3). القاموس المحيط، ج 4، ص 204 (بين).

(4). الأنعام (6): 73.

(5). كتاب العين، ج 2، ص 326؛ الصحاح، ج 1، ص 127 (ذعلب).

361

(فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ، لَمْ تَرَهُ الْعُيُونُ).

لمّا كانت الرؤية والعيون يطلق على العلم والقلوب، قيّد بقوله:

(بِمُشَاهَدَةِ الْأَبْصَارِ)؛

بفتح الهمزة جمع بصر، والإضافة لاميّة؛ أو بكسر الهمزة مصدر، فالإضافة للبيان.

(وَلكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ)

أي علمته القلوب وصدّقت به بالتصديقات التي هي حقائق الإيمان؛ أي لا يتحقّق الإيمان بدونها، والباء للملابسة، ويحتمل الاستعانة؛ فإنّه لولا حقائق الإيمان، لكان العلم به كعدمه.

(وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ، إِنَّ رَبِّي لَطِيفُ اللَّطَافَةِ لَايُوصَّفُ‏

(1)

بِاللُّطْفِ).

اللطافة بفتح اللام واللطف بالضمّ مصدرا بابِ حسن بمعنىً مضى في أوّل السابع عشر. (2)

وقوله: «لطيف اللطافة» ونظائره الآتية لبيان المبالغة مثل: جدّ جدّهُ.

وقوله: «لا يوصَّف» في المواضع بصيغة المضارع المجهول من باب التفعيل‏ (3) للمبالغة. والمقصود هنا أنّ العباد عاجزون عن بيان لطفه تعالى كما هو حقّه.

(عَظِيمُ الْعَظَمَةِ لَايُوصَّفُ بِالْعِظَمِ)؛

بكسر المهملة، وفتح المعجمة.

(كَبِيرُ الْكِبْرِيَاءِ لَايُوصَّفُ بِالْكِبَرِ).

الكبرياء بكسر الكاف وسكون الموحّدة وكسر المهملة والخاتمة والمدّ، والكبر بالكسر: التكبّر. (4)

(جَلِيلُ الْجَلَالَةِ لَايُوصَّفُ بِالْغِلَظِ).

الجلالة بفتح الجيم مصدر باب ضرب: القهر والتعالي عمّا يقتضي ذلّة، وهو المداهنة في عقاب أعدائه الذين لا يستحقّون العفو أصلًا.

والغلظ- بكسر المعجمة وفتح اللام ومعجمة مصدر باب ضرب وحسن-: القهر.

والمقصود أنّ قهره على أعدائه قاهر بحيث يعجز العباد عن بيانه كما هو حقّه، نظير قوله تعالى في سورة الزمر: «وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ» (5).

____________

(1). في الكافي المطبوع: «يُوصَفُ» في جميع المواضع.

(2). أي في الحديث 1 من باب آخر و هو من الباب الأوّل إلّاأنّ فيه زيادة وهو الفرق ما بين المعاني التي تحت أسماء اللَّه وأسماء المخلوقين.

(3). في «ج»: «في المواضع مضارع مجهول باب ضرب أو باب التفعيل».

(4). الصحاح، ج 2، ص 801 (كبر).

(5). الزمر (39): 47.

362

(قَبْلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ، لَايُقَالُ: شَيْ‏ءٌ قَبْلَهُ)،

وإن قصد القبليّة باعتبار وجوده تعالى اليوم؛ لأنّه يوهم المحال.

(وَبَعْدَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ)،

لفناء العالم وإن كان يعاد.

(لَا يُقَالُ: لَهُ بَعْدٌ)،

كما مرّ في القبل آنفاً.

(شَاءٍ)؛

على وزن اسم الفاعل حذفت الياء لالتقاء الساكنين بعد إسكانها لثقل الضمّة.

(الْأَشْيَاءَ لَابِهِمَّةٍ)

أي لا بضمير.

(دَرَّاكٌ لَابِخَدِيعَةٍ).

الدرك بفتحتين: الغلبة على العدوّ بعد لحاقه؛ (1) أي غالب على عدوّه لا بحيلة، كما يقال: الحرب خدعة، مثلّثةً، وكهمزة، (2) أي تنقضي بخديعة.

(فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، غَيْرُ)؛

بالرفع خبر «إنّ» كسائر أخواته؛ أو بالنصب حال عن الضمير (3) المستتر في الظرف.

(مُتَمَازِجٍ بِهَا، وَلَا بَائِنٍ)؛

بالجرّ عطف على «متمازج».

(مِنْهَا، ظَاهِرٌ)؛

بالرفع.

(لَا بِتَأْوِيلِ الْمُبَاشَرَةِ).

البشرة والبشر: ظاهر جلد الإنسان، والمباشرة: الملاقاة وتولّي‏الرجل الأمر بنفسه، فإن اريد بالظاهر المعلوم، فالمراد (4) بالمباشرة المعنى الأوّل؛ وإن اريد به الغالب، فالمراد الثاني؛ أي لا بعلاج وفعل بدني.

(مُتَجَلٍّ لَابِاسْتِهْلَالِ رُؤْيَةٍ).

يُقال: تجلّى الشي‏ء: إذا تكشّف وشُوهد عياناً. واستهلّ الهلال بصيغة المجهول، ويُقال أيضاً: استهلّ هو بصيغة المعلوم: إذا تبيّن، واستهلّ وجه الرجل: إذا فرح وظهر فرحه من وجهه، وفائدة الإضافة إلى الرؤية إفادة المعنى الأوّل.

____________

(1). لسان العرب، ج 10، ص 419 (درك).

(2). في «ج»: «كما يجي‏ء في كتاب الإيمان والنذور والكفّارات في أوّل آخر الأبواب من قوله: إنّ الحرب خدعة بتثليث المعجمة أو كهمزة» بدل «كما يقال: الحرب خدعة، مثلّثة وكهمزة».

(3). في «ج»:-/ «عن الضمير».

(4). في «ج»: «المراد».

363

(نَاءٍ لَابِمَسَافَةٍ)،

بل بذاته المباينة لكلّ ذات.

(قَرِيبٌ لَابِمُدَانَاةٍ)؛

بالمهملة والنون والألف المنقلبة عن الواو؛ أي بقرب مكاني، بل بحسب الدليل على وجوده، أو بعلمه بكلّ شي‏ء وإحاطته به.

(لَطِيفٌ لَابِتَجَسُّمٍ)؛

بالجيم والمهملة، أي لا بزيادة مقدار كما في الماء إذا انقلب هواءً، فإنّه يصير ألطف ممّا كان وأعظم منه مقداراً، كما هو المجرّب في الظرف الضيّق الرأس إذا جعل فيه ماء واغلي. أو المراد لا بصغر في المقدار يكون في الأجسام.

(مَوْجُودٌ لَابَعْدَ عَدَمٍ).

يقال: وجده كوعده: إذا عرفه؛ وعدمه كعلمه: إذا جهله.

والمراد أنّه تعالى معروف عند كلّ مميّز لا يعد جهله به وإن كان جاهلًا بالنبيّ ونحوه، كما مضى في ثاني «باب النسبة» وهو السابع من قوله: «معروف عند كلّ جاهل». (1)

(فَاعِلٌ لَابِاضْطِرَارٍ).

يُقال: اضطرّ إلى الشي‏ء بصيغة المجهول، أي الجي إليه؛ واضطرّ إليه أيضاً: إذا احتاج إليه. فإن اريد الأوّل كان المراد أنّه فاعل لا لدفع ضرر عن نفسه، وإن اريد الثاني كان المراد أنّه غير محتاج إلى آلة في فعله.

(مُقَدِّرٌ لَابِحَرَكَةٍ، مُرِيدٌ لَابِهِمَامَةٍ)؛

بكسر الهاء وتخفيف الميم، مصدر باب نصر من اللازم؛ يقال: همَّ بالشي‏ء: إذا قصده من غيره بولاية له عليه أو من نفسه بجعله حرفة لها.

وفعالة بكسر الفاء مصدر مطّرد في فعل مفتوح العين إذا كان لازماً ودالّاً على ولاية أو حرفة، نحو: أمر عليهم إمارة وتجر تجارة، كما ذكره ابن هشام في التوضيح؛ يعني أنّ إرادته تعالى ليست بضمير وقصد يكون في القلب.

(سَمِيعٌ لَابِآلَةٍ، بَصِيرٌ لَابِأَدَاةٍ).

الآلة: الشدّة، والأداة. والمراد هنا الأوّل بقرينة المقابلة.

ويجي‏ء بيان السمع‏ (2) بلا شدّة في خامس الباب عند قوله: «السميع لا بتفريق آلة».

(لَا تَحْوِيهِ الْأَمَاكِنُ، وَلَا تَضْمَنُهُ)؛

كيعلم. وفي بعض النسخ «لا تضمّه».

(الْأَوْقَاتُ).

الامتداد المنتزع من بقاء شي‏ء يسمّى باعتبار أنّه ظرف للمتغيّرات وقتاً، أي لا يشتمل عليه الأوقات بأن لا يوجد إلّافي الأوقات، فيكون متغيّراً؛ بل كان‏

____________

(1). في «أ»:-/ «يقال: وجده كوعده» إلى هنا.

(2). في «ج»: «السميع».

364

قبل الأوقات في الأزل.

(وَلَا تَحُدُّهُ الصِّفَاتُ)؛

بالحاء المهملة وشدّ الدال المهملة، من باب نصر؛ يعني لا يمكن بيان قدر عظمته ببيان من أقسام البيان، موافقاً لما مرّ في أوّل الباب من قوله:

«وضلّ هناك تصاريف الصفات». أو المراد ما يجي‏ء في سادس الباب في شرح قوله:

«فمن وصف اللَّه فقد حدّه».

(وَلَا تَأْخُذُهُ السِّنَاتُ)؛

جمع «سنة». ومضى في ثالث السادس‏ (1) ما يوضحه.

(سَبَقَ الْأَوْقَاتَ)؛

بالنصب.

(كَوْنُهُ)؛

بالرفع. والجملة استئناف‏ (2) بياني لقوله: «لا تضمنه الأوقات».

(وَالْعَدَمَ)؛

بالنصب.

(وُجُودُهُ)؛

بالرفع، أي سبق وجوده عدم نفسه؛ بمعنى أنّه لم يكن معدوماً أصلًا. (3)

(وَالِابْتِدَاءَ)؛

بالنصب.

(أَزَلُهُ)؛

بالرفع، أي لم يكن له ابتداء أصلًا. (4)

(بِتَشْعِيرِهِ الْمَشَاعِرَ)

أي بخلقه المشاعر كالسمع والبصر بنفوذ الإرادة وقول «كُن» لا بآلة وحركة.

(عُرِفَ)؛

بصيغة المجهول من باب‏ (5) ضرب. والمراد بالمعرفة هنا وفي نظائره تذكّر ما علم قبلُ بالبرهان والاعتراف به.

____________

(1). أي في الحديث 3 من باب الكون والمكان.

(2). في «أ»:-/ «استئناف».

(3). في «ج»: «بالرفع. المراد بالعدم هنا فقد المحتاج إليه قبل إعطاء الغير إيّاه، وهو حال الممكنات. والمراد بالوجود هنا وجدان جميع صفات الكمال بالذات بدون تأثير، لامن الذات ولا من غيره، وهو حال الواجب بالذات» بدل «بالرفع أي سبق» إلى‏ هنا.

(4). في «ج»: «بالرفع. المراد بالابتداء إحداث أوّل الممكنات. والأزل بفتحتين القدم، وهو دوام الكون في الماضي. وهذا إبطال لتوهّم أنّه لم يكن قبل حدوث العالم بقاء لشي‏ء إلى غير النهاية في جانب الماضي» بدل «بالرفع، أي لم يكن له ابتداء أصلًا».

(5). في «ج»: «في المواضع مجهول باب ضرب» بدل «بصيغة المجهول من باب ضرب».

365

(أَنْ لَامِشْعَرَ لَهُ)؛

بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح المهملة ومهملة، اسم آلة؛ وبفتح الميم اسم مكان. والمراد أنّه مجرّد، فليس له مشعر.

(وَبِتَجْهِيرِهِ الْجَوَاهِرَ عُرِفَ أَنْ لَاجَوْهَرَ لَهُ).

التجهير: جعل الجوهر جوهراً، الكيفيّةُ إن وضعت عليها جبلة موصوفها تسمّى «جوهراً» بفتح الجيم وسكون الواو وفتح الهاء معرّب گوهر، وتسمّى طينة وغريزة وطبيعة أيضاً كالبرودة في الماء؛ وإلّا تسمّى «عرضاً» كالحرارة بمجاورة النار.

وقوله: «عرف» بصيغة المجهول‏ (1) يعني أنّ واضع جبلة الأجسام على الكيفيّات بنفوذ الإرادة، وقولِ «كُن» مجرّد، فيمتنع أن يوضع جبلته على كيفيّة؛ لأنّ الكيفيّة من خواصّ المادّيات والمخلوقين، كما يجي‏ء في سادس الباب، تعالى اللَّه عنها.

(وَبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ).

المضادّة: المخالفة، وهي على قسمين: الأوّل: المشهوري، وهو ما بين نحو الأبيض والأسود. والثاني: الحقيقي، وهو ما بين نحوِ البياض والسواد.

والمراد بالمضادّة هنا خلق المضادّين المشهوريين، فالمراد بالأشياء الأجسام، وهو اختياري له تعالى؛ لإمكان أن يخلق أحد المضادّين، ولا يخلق الآخر أصلًا.

(عُرِفَ أَنْ لَاضِدَّ لَهُ)

أي ليس له عارض موجود في نفسه في الخارج، فلا يمكن أن يكون له ضدّ.

(وَبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ).

المقارنة بالقاف والمهملة والنون: المناسبة والمصاحبة.

والمراد هنا خلق المناسبين كالجسمين الأبيضين، فالمراد بالأشياء هنا أيضاً الأجسام.

(عُرِفَ أَنْ لَاقَرِينَ لَهُ)

أي ليس له عارض موجود في نفسه في الخارج، فلا يمكن أن يكون له قرين.

(ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ).

استئنافٌ بياني لقوله: «وبمضادّته» إلى آخره. وهذا إلى قوله:

«بالحرور» ناظر إلى قوله: «وبمضادّته» إلى قوله: «لا ضدَّ له». والمراد بالنور الجسم المنكشف بنفسه كالكواكب وكالقمر في قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً

____________

(1). في «ج»: «كالحرارة في الماء بمجاورة الهواء النار» بدل «كالحرارة» إلى هنا.

366

وَ الْقَمَرَ نُوراً» (1). والمراد بالظلمة ضدّ النور. ومضى بيان ذلك في أوّل الأوّل‏ (2) عند قوله:

«أما ترى الشمس والقمر والليل والنهار يلجان» إلى آخره. (3)

(وَالْيَبَسَ‏

(4)

بفتح الخاتمة وفتح الموحّدة والمهملة مصدر باب علم، اطلق على اليابس للمبالغة، وبسكون الموحّدة: اليابس، وقرئ بهما قوله تعالى في سورة طه:

«طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً» (5). (6)

(بِالْبَلَلِ)؛

بفتح الموحّدة وفتح اللام الاولى مصدر باب علم: النداوة، اطلق على اسم الفاعل للمبالغة؛ يُقال: بلّه بالماء كبصر، وبلّ هو كعلم، أي ابتلّ. ذهب البصريّون إلى أنّ فعل مكسور العين مطاوع فعل مفتوح العين، مثل ثلمه فثلم. (7)

(وَالْخَشِنَ)؛

بفتح الخاء المعجمة وكسر الشين المعجمة: (8) الأخرش من كلّ شي‏ء.

(بِاللَّيِّنِ)؛

بفتح اللام وشدّ الخاتمة المكسورة وقد تخفّف وتسكّن: الأملس.

(وَالصَّرْدَ)؛

بفتح الصاد (9) المهملة وسكون الراء المهملة (10) ومهملة: الريح البارد، وقد تُطلق‏ (11) على غير الريح أيضاً، وهو معرّبُ «سرد». (12)

(بِالْحَرُورِ)؛

بفتح الحاء المهملة وضمّ الراء المهملة: (13) الريح الحارّ يكون بالليل،

____________

(1). يونس (10): 5.

(2). أي في الحديث 1 من باب حدوث العالم وإثبات المحدث.

(3). في «ج»:-/ «ومضى بيان ذلك» إلى هنا.

(4). في الكافي المطبوع: «واليُبْس» بضمّ الياء وسكون الياء.

(5). طه (20): 77.

(6). حكاه في الإنصاف فيما تضمنه الكشّاف، ج 2، ص 546.

(7). فصّل الزركشي في البرهان، ج 4، ص 139 البحث في أفعال المطاوعة عنوانه: «قاعدة في فعل المطاوعة».

(8). في «ج»: «الثانية» بدل «الشين المعجمة».

(9). في «ج»:-/ «الصاد».

(10). في «ج»: «الثانية» بدل «الراء المهملة».

(11). في «ج»: «يطلق».

(12). الصحاح، ج 2، ص 496 (صرد).

(13). في «ج»: «بفتح المهملة وضمّ الثانية».

367

وقد يُطلق على ما في النهار أيضاً.

(مُؤَلَّفاً

(1)

بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا)؛

بفتح اللام المشدّدة، حالٌ عن‏ (2) الأشياء المذكورة الثمانية.

و «بين» نائب الفاعل، ويجوز في مثله فتح النون وضمّه نظير: «لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ». (3) وقيل: الظرف لا ينوب عن الفاعل، إنّما النائب في مثله المفعول المطلق، (4) وهو الضمير المستتر الراجع إلى المصدر، كما قالوا في حيل بين العير والنزوان. (5)

والمراد بالمتعاديات المتضادّات، وبالتأليف بينها جعل بعضها متّصلًا ببعض في المكان. والضمير للأشياء المذكورة.

(وَمُفَرَّقاً

(6)

بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا)،

بفتح المهملة حال اخرى. والمراد بالتفريق الفصل بينها في المكان. والمراد بالمتدانيات المتماثلات، كالكواكب التي ترى مفرّقة وبينها المظلم من السماء.

(دَالَّةً)؛

حالٌ اخرى‏.

(بِتَفْرِيقِهَا عَلى‏ مُفَرِّقِهَا، وَبِتَأْلِيفِهَا عَلى‏ مُؤلِّفِهَا)؛

فإنّهما ليسا بحسب الطبيعة بدون شعور، بل بتدبير الصانع للعالم الموسع الباني للسماء بأيدٍ.

(وَذلِكَ).

هذا إلى قوله: «ولا بعد» معترضة، أي ومضمون ما ذكرت من قولي:

____________

(1). في الكافي المطبوع: «مُؤلِّفٌ».

(2). في «ج»:-/ «عن».

(3). الأنعام (6): 94.

(4). حكاه أبو حيان الأندلسي في التفسير المحيط، ج 7، ص 281.

(5). هو مثل يضرب لمن قصد أمراً فعجز عنه، ولم ينل مأربه منه. والعير: الحمار الوحشي والنزوان الوثوب. وأصل الكلام شعر لصخر بن عمرو الشريد أخ الخناء وتمامه:

أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه‏* * * وقد حيل بين العير والنزوان‏

لسان العرب، ج 15، ص 319؛ تاج العروس، ج 5، ص 304 (نزا).

(6). في الكافي المطبوع: «مُفرِّقٌ».

368

«وبمضادّته بين الأشياء» إلى آخره مضمون:

(قَوْلُهُ)

في سورة الذاريات:

( «وَ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ). «من» للسببيّة، وهي هنا سببيّة الجزء للكلّ؛ أي ومن كلّ جسم من الأجسام، سواء كان سماويّة أو أرضيّة.

(خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (1)). الزوج المركّب من اثنين بينهما ربط في الجملة، سواء كان بالتماثل ككوكبين، أو باتّصال أحدهما بالآخر كاتّصال الكوكب بالجزء المظلم من السماء؛ أي جعلنا كلّ شي‏ء جزءاً لزوجين، أحدهما مركّب منه ومن مثله الغير المتّصل به، والآخر مركّب منه ومن ضدّه المتّصل به لتنظروا فيه، فيدلّكم على وجود مؤلّف للضدّين، مفرّق للمثلين، خارج عن المكان والمكانيّات، بري‏ءٌ من كلّ نقصٍ، نافذ الإرادة، يقول «كُن» فيكون.

ومضى بيانه مفصّلًا في أوّل الأوّل‏ (2) عند قوله: «يا أخا أهل مصر، لِمَ السماء مرفوعة» إلى آخره.

(فَفَرَقَ)؛

بصيغة الماضي المعلوم من باب نصر، أو باب التفعيل، تفريعٌ على مضمون الآية واستنباط منه.

(بَيْنَ قَبْلٍ وَبَعْدٍ)؛

بالجرّ والتنوين؛ أي بين سابق زماني، ولاحق زماني.

(لِيُعْلَمَ)؛

بصيغة المضارع المجهول المجرّد.

(أَنْ لَاقَبْلَ لَهُ وَلَا بَعْدَ).

والحاصل أنّ الأزمنة متشابهة الحقيقة كالأمكنة، فكما يدلّ اختصاص كلّ زوج من الزوجين بمكان على الصانع بعنوان كُن فيكون، يدلّ اختصاص كلّ زمان عليه من الزوجين. (3)

(شَاهِدَةً

(4)

).

حالٌ اخرى عن الأشياء المذكورة الثمانية.

(بِغَرَائِزِهَا)

الغريزة: الجوهر. ومضى بيانه آنفاً.

____________

(1). الذاريات (51): 49.

(2). أي في الحديث 1 من باب حدوث العالم وإثبات المحدث.

(3). في «ج»: «يدلّ اختصاص كلّ زوج من الزوجين بزمان عليه».

(4). في الكافي المطبوع: «له شاهدة» بدل «شاهدة».

369

(أَنْ)

أي بأن‏

(لَا غَرِيزَةَ لِمُغْرِزِهَا)؛

بالمعجمة وشدّ المهملة المكسورة ومعجمة، أي خالق غريزتها.

(مُخْبِرَةً).

حالٌ اخرى‏.

(بِتَوْقِيتِهَا أَنْ)

أي بأن‏

(لَا وَقْتَ لِمُوَقِّتِهَا)؛

بشدّ القاف المكسورة، أي جاعلها في وقت دون قبله وبعده.

(حَجَبَ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ).

الحجْب كالنصر: المنع؛ أي أظهر عجز بعض الأشياء عن بعض، إمّا مطلقاً وإمّا قبل وقت فعله، كما يجي‏ء بيانه في «باب الاستطاعة».

(لِيُعْلَمَ أَنْ لَاحِجَابَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ)

أي ليتذكّر أنّه تعالى قادر على كلّ شي‏ء قبل وقت فعله أيضاً أزلًا، مستقلّ بالقدرة.

والحجاب بالكسر: المانع. والمراد هنا المانع العقلي، لا ما يشمل العلمي أيضاً، بقرينة ما يجي‏ء في خامس الباب. (1)

(كَانَ رَبّاً إِذْ لَامَرْبُوبَ).

استئنافٌ لبيان عدم الحجاب.

والربّ يُطلق في اللغة على المالك والمدبّر والسيّد والمربّي والمتمّم والمُنعم، (2) ولا يطلق غيرَ مضاف على غير اللَّه تعالى؛ إذ المراد حينئذٍ ربّ كلّ شي‏ء، وإذا اطلق على غيره اضيف إلى خاصّ، فيُقال: ربّ الدار مثلًا.

والمراد (3) هنا الأوّل، أي لم يكن للَّه‏تعالى في خلق مخلوقاته حالة منتظرة يتوقّف عليه الخلق، ولا يمكنه بدونه، بل كان مالكاً للمملوكات أي المخلوقات قبل وجودها؛ إذ الملك إنّما يختصّ بالمملوك الموجود فيمن ليس وجود مملوكه بقدرته، بل يتوقّف على حالة منتظرة، وهو تعالى قادر على كلّ شي‏ء أزلًا وأبداً؛ إنّما يتأخّر فعله ويتأجّل خلقه لشي‏ء لعلمه بالمصالح.

ويمكن أن يكون المراد أنّه مالك قبل الخلق أزلًا للخلق في وقت خلقه فيه؛ لأنّ‏

____________

(1). في «ج»: «في الآتي» بدل «في خامس الباب».

(2). النهاية، ج 2، ص 179؛ لسان العرب، ج 1، ص 399 (ريب).

(3). في «ج»:+/ «به».

370

قدرته قبل وقت الفعل بخلاف قدرة العباد، كما سيجي‏ء في ثاني «باب الاستطاعة».

(وَإِلهاً إِذْ لَامَأْلُوهَ).

«إله» فعال بمعنى فاعل؛ من ألههم كنصر؛ أي استحقّ عبادتهم، وإطلاقه على الصنم بزعم من يعبده.

والمراد بالمألوه العابد، باعتبار أنّ عبادته مستحقّة بالفتح.

وفي الصحيفة الكاملة في دعاء يوم عرفة: «ربّ الأرباب، وإله كلّ مألوه». (1) وإنّما لم يقل «إذ لا بدعاً» للإزدواج مع سابقه ولاحقه.

ومعنى استحقاقه العبادة قبل وجود العابد أنّ العابد في زمان عبادته يسبّحه ويقدّسه وينزّهه، لا باعتبار هذا الوقت فقط، كما في مدحنا للعباد بعد صدور فعل حسن عنهم، بل يسبّحه ويقدّسه وينزّهه عن النقص أزلًا وأبداً في ذاته وأفعاله وتروكه؛ إذ ليس الترك حينئذٍ إلّاحسناً موافقاً للمصلحة. وقيل: إذ لا مألوه أي لم يحصل العبادة بعد، ولم يخرج وصف المعبوديّة من القوّة إلى الفعل. انتهى. (2)

ويحتمل أن يُراد بالمألوه المعبود؛ أي كان معبوداً إذ لا معبود غيره، وهو قبل خلق بني آدم، وحين كان يعبده الملائكة وحده.

ويحتمل أن يُراد أنّه كان قادراً على خلق العابدين وأمرهم بالعبادة بالاستحقاق، ولم تكن له حالة منتظرة يتوقّف عليها فعله، بل إنّما اجّل للعلم بالمصلحة.

(وَعَالِماً إِذْ لَامَعْلُومَ).

يدلّ على ثبوت المعدومات في الخارج؛ لبداهة أنّ العلم بلا شي‏ء محضٍ محالٌ.

(وَسَمِيعاً إِذْ لَامَسْمُوعَ).

السميع من صفات الذات، والسامع من صفات الأفعال، فيتقدّم الأوّل على الثاني.

الخامس:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ شَبَابٍ الصَّيْرَفِيِّ- وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ‏

____________

(1). الصحيفة السجّادية (أبطحي)، ص 316، دعاء عرفة، وفي الطبعة الاخرى، ص 244.

(2). في حاشية «أ»: «ام ن (منه)» والظاهر أنّ المراد منه محمّد أمين الإسترابادي في حاشيته، وقال به أيضاً الطريحي في مجمع البحرين، ج 1، ص 95 (أله).

371

الْوَلِيدِ- عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعِيسى‏ شَلْقَانُ)؛

بفتح المعجمة وسكون اللام والقاف. والشلق- بفتح الشين وسكون اللام-: الضرب بالسوط وغيره، والجماع وخرق الاذن طولًا. (1)

(عَلى‏ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فَابْتَدَأَنَا، فَقَالَ: عَجَباً)؛

بفتحتين، مصدر باب علم، وهو مفعول مطلق لفعل محذوف؛ أي عجبت عجباً.

(لِأَقْوَامٍ يَدَّعُونَ عَلى‏ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ قَطُّ)؛

كأنّهم ادّعوا عليه ما يوافق زعم بعض الفرق المخالفين من الفلاسفة الزنادقة والصوفيّة الشطحيّة والمعتزلة القدريّة والأشاعرة الصفاتيّة الجبريّة ونحوهم؛ كرواية الصوفيّة أنّه (عليه السلام) قال: «كان اللَّه ولم يكن معه شي‏ء والآن كما كان» (2) وكحملهم ما مضى في أوّل الثالث‏ (3) من قوله: «اعرفوا اللَّه باللَّه»، وما مضى في ثالثه: (4) «إنّ اللَّه جلّ جلاله أجلّ وأكرم من أن يُعرف بخلقه»، على أنّ طريقة الأولياء الاستشهاد بالصانع على المصنوع، لا العكس، وبيّنّا حقّ معناهما.

(خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) النَّاسَ بِالْكُوفَةِ).

استئنافٌ لبيان بطلان ادّعائهم.

(فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُلْهِمِ عِبَادَهُ حَمْدَهُ، وَفَاطِرِهِمْ عَلى‏ مَعْرِفَةِ رُبُوبِيَّتِهِ).

ردٌّ على القدريّة في إنكارهم التوفيق والخذلان. ويجي‏ء بيانه في رابع «باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين».

والإلهام: إلقاء تصوّر الشي‏ء في القلب، والمراد به هنا التوفيق.

والمراد ب «عباده»: المخلصون، كما في قوله تعالى في سورة الفرقان: «وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً» (5) الآيات.

____________

(1). تاج العروس، ج 3، ص 252 (شلق).

(2). حكاه محمّد بن حمزة الفناري في كتاب مصباح الانس بين المعقول والمشهود، ص 179 و 352، وحكاه صدرالدين الشيرازي في الحكمة المتعالية، ج 7، ص 350، عن أبي القاسم الجنيد البغدادي.

(3). أي في الحديث 1 من باب أنّه لا يعرف إلّابه.

(4). أي في الحديث 3 من باب أنّه لا يعرف إلّابه.

(5). الفرقان (25): 63.

372

والفطر بالفتح: الابتداء، و «على» نهجيّة والمعرفة: التصديق؛ أي على ما يفضي إلى معرفتهم.

والربوبيّة بضمّ المهملة وشدّ الخاتمة: المالكيّة لكلّ شي‏ء؛ أي كون أزمّة الامور جميعاً بيده تعالى. والإضافة للعهد.

(الدَّالِّ عَلى‏ وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ، وَبِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلى‏ أَزَلِهِ، وَبِإشْبَاهِهِمْ‏

(1)

عَلى‏ أَنْ لَاشِبْهَ لَهُ).

ردٌّ على الشطحيّة في إنكارهم وجود غيره تعالى، (2) وفي الفقرة الثانية تعريض بالفلاسفة القائلين بأزليّة بعض الممكنات‏ (3). (4)

والدلالة هنا بالمعنى اللغوي، وهو أعمّ من الاستشهاد، ومن التذكير المقتضي للاعتراف.

والمراد بالخلق المخلوق، أي ما يدبّره كلّ يوم وليلة من الامور، كالحياة والموت والمرض والشفاء، فإنّه يتذكّر به وجوده تعالى.

وحدوث الخلق تجدّده يوماً فيوماً وليلةً فليلة.

والأزل بفتحتين: الامتداد الغير المتناهي المنتزع من موجود لا أوّل له، أو القِدم، وتذكير الأزل‏ (5) بالحدوث لأنّ أحد الضدّين يذكّر الضدّ الآخر.

والإشباه بكسر الهمزة: المشابهة، والضمير للخلق باعتبار اشتماله على أفراد الإنسان. والشبه بالكسر وبفتحتين: المشابة؛ (6) أي وبكون بعضهم ندّاً لبعض، أو كفواً كالوالد والولد، أو كالذكر والانثى، يتذكّر أن لا ندّاً ولا كفواً للَّه‏تعالى. وهذا أيضاً من‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «وباشتباههم».

(2). منهم عبد الغني النابلسي صاحب القصيدة الشطحيّة، والقصيدة منقولة في مواقف الشيعة، ج 3، ص 279؛ أعيان‏الشيعة، ج 2، ص 122.

(3). في «أ»: «كما يظهر في شرح قوله: والربّ من المربوبين» بدل «القائلين بأزليّة بعض الممكنات».

(4). انظر شرح الإشارات، ج 3، ص 131؛ تهافت الفلاسفة، ص 50؛ المطالب العالية في العلم الإلهي، ج 4، ص 46؛ أنوار الملكوت، ص 39.

(5). فى «ج»: «الأوّل».

(6). في «أ»: «المثابة».

373

تذكير الضدّ بالضدّ.

(الْمُسْتَشْهِدِ بِآيَاتِهِ عَلى‏ قُدْرَتِهِ، الْمُمْتَنِعَةِ مِنَ الصِّفَاتِ ذَاتُهُ).

ردٌّ على الشطحيّة في قولهم: إنّ طريقة الأولياء الاستشهاد بالصانع على المصنوع لا العكس، وعلى بعض المعتزلة حيث خصّصوا قدرته تعالى، (1) وعلى الأشاعرة في تجويزهم أن يكون اللَّه تعالى مرئيّاً حقيقةً. (2)

والآيات: الامور العظيمة كالسماء والأرض، وكخوارق العادة، فإنّه يعلم بها أنّ فاعلها لا نقص فيه أصلًا. وإضافة القدرة للعهد؛ أي القدرة على كلّ شي‏ء، قال تعالى في سورة الطلاق: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ». (3)

وأصل الامتناع: الإباء الاختياري، والمراد هنا عدم القابليّة عقلًا.

والمراد بالصفات: أنواع البيان، وبذاته: كنه حقيقته، أو قدر عظمته. أو المراد بالصفات: الامور (4) الموجودة في أنفسها في الخارج، القائمة بغيرها وبذاته نفسه.

وحينئذٍ يكون ردّاً على القائلين بالمعاني القديمة كالأشاعرة.

(وَمِنَ الْأَبْصَارِ رُؤْيَتُهُ).

ردٌّ على الأشاعرة في الرؤية. والأبصار بفتح الهمزة جمع بصر: حسّ العين، يعني إنّما رؤيته بمعنىً مجازي، وهو معرفة القلوب إيّاه بحقائق الإيمان بشهادة آثاره تعالى.

(وَمِنَ الْأَوْهَامِ الْإِحَاطَةُ بِهِ).

ردٌّ على الشطحيّة في قولهم: إنّ مراتب النفس الناطقة أربع: العقل الهيولاني، والعقل بالملكة، والعقل المستفاد، والعقل بالفعل، وفي آخر المراتب يحصل له العلم بكلّ شي‏ء تفصيلًا. (5)

____________

(1). حكاه عنهم ابن ميثم في قواعد المرام في علم الكلام، ص 96؛ والعلّامة في شرح التجريد (الزنجاني)، ص 308، وفي طبعة الآملي، ص 395.

(2). حكاه عنهم الرازي في المطالب العالية في العلم الإلهي، ج 2، ص 81؛ والعلّامة في معارج الفهم، ص 332.

(3). الطلاق (65): 12.

(4). في «ج»:+/ «الخارجة».

(5). في حاشية «أ»: «قاله الشيخ ميثم البحراني في أوائل شرح نهج البلاغة».

374

والأوهام: خطرات القلوب. والإحاطة: العلم التامّ؛ يعني أنّ الإحاطة بكنه ذاته، أو بقدر عظمته، أو بتفصيل كمالاته لا يتأتّى من غيره تعالى؛ إنّما يتأتّى منه، كما في قوله تعالى في سورة طه: «وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً» (1)، وفي سورة المصابيح: «أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطٌ». (2)

(لَا أَمَدَ لِكَوْنِهِ، وَلَا غَايَةَ لِبَقَائِهِ).

الأمد بفتحتين: المدّة المتناهية وما ينتهى إليه المدّة، وكذا الغاية. والمراد بالأمد هنا المدّة المتناهية باعتبار المبدأ أو مبدؤها، والمراد بالغاية هنا المدّة المتناهية باعتبار الآخر أو آخرها.

وهذا ردّ على متكلّمين تبعوا الفلاسفة في أنّ المدّة إنّما هي مقدار حركة الفلك، فقالوا بعد الإقرار بحدوث العالم زماناً: إنّه اختصّ الحدوث بوقته؛ إذ لا وقت قبله؛ (3) يعنون أن لا امتداد أصلًا قبل وجود العالم، فليس له تعالى قبله استمرار وبقاء حقيقة.

وزعمهم هذا مبنيّ على عدم فهمهم معنى عدم كونه تعالى زمانيّاً، إنّما معناه عدم التغيّر في ذاته وصفات ذاته، فإنّ الامتداد والمدّة إنّما يسمّى لغةً زماناً أو وقتاً باعتبار كونه ظرفاً للمتغيّرات.

(لَا تَشْمُلُهُ الْمَشَاعِرُ).

ردٌّ على الأشاعرة في الرؤية، يُقال: شمله كعلم ونصر: إذا أحاط به.

وتفسير المشاعر مضى في رابع الباب يعني «لا يحسّ».

(وَلَا تَحْجُبُهُ الْحُجُبُ، وَالْحِجَابُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ خَلْقُهُ إِيَّاهُمْ).

ردٌّ على الفلاسفة حيث قالوا: الممكن ما لم يجب بوجوبٍ سابق لم يوجد، وما لم يمتنع بامتناعٍ سابق لم يترك؛ لاستحالة تخلّف المعلول عن العلّة التامّة، فقالوا بقِدم العالم، وأنّ بين اللَّه وبين كلّ حادث موانعَ عقليّةً غير متناهية هي أعدام الشروط والمعدّات التي هي من أجزاء علّته‏

____________

(1). طه (20): 110.

(2). فصّلت (41): 54.

(3). مباحث الحدوث مفصّلة في معارج الفهم للعلّامة، ص 123 ومابعدها. وانظر المواقف، ج 1، ص 341.

375

التامّة، وما لم يحصل تلك الشروط والمعدّات بالحركة لم يتكامل علّته التامّة، فلم يقدر اللَّه تعالى عليه حينئذٍ، وقالوا: إنّ القول بحدوث العالم، وبجواز تخلّف مخلوق اللَّه عنه تعالى مع استجماعه لعلّته التامّة يستلزم تعطيل اللَّه عن جوده قبل وجود العالم، ونسبته تعالى إلى إمساك بعده أيضاً. (1)

يُقال: حجبه كنصر عن فعل أو ترك حجباً بالفتح وحجاباً بالكسر: إذا منعه من صدور ذلك الفعل أو الترك عنه. وحجّبه تحجيباً للمبالغة. وحجبه أيضاً بالتخفيف والتشديد: إذا ستره. والحُجُب بضمّتين جمع الحجاب بالكسر: المانع، سمّي بالمصدر.

ويحتمل كون هذه الفقرة متعلّقة بالسابق؛ أي لا تستره عن المشاعر الستور الجسمانيّة، فيكون ابتداء الردّ على الفلاسفة من قوله: و «الحجاب» إلى آخره.

والخلق قد يُطلق بمعنى المخلوق وهو المراد في قوله: «وبين خلقه». وقد يُطلق بمعنى المصدر، أي التدبير والتقدير، وهو المراد في قوله: «خلقه إيّاهم». والضمير المنصوب للخلق بمعنى المخلوق باعتبار اشتماله على العقلاء؛ يعني ليس تأخّر صدور الحوادث عنه تعالى لمنع الموانع وعدم تكامل الشروط العقليّة والمعدّات، بل هو مستقلّ بالقدرة على كلّ حادث في كلّ وقت من الأوقات السابقة على وجود ذلك الحادث، إنّما المانع له من صدور ذلك الحادث عنه مانع علمي لا عقلي، وهو التدبير ورعاية المصالح على حسب ما اقتضته الحكمة في كلّ فعل وترك.

وهنا احتمالان: الأوّل: كون «يحجبه» من باب نصر والنفي؛ لكون المراد المنعَ العقليَّ، ويكون قوله: «والحجاب» إلى آخره مشتملًا على مجاز في النسبة أو في لفظ الحجاب.

ويؤيّد هذا قوله في رابع الباب: «لا حجاب بينه وبين خلقه». أو المراد أعمّ من العلمي والعقلي ويكون قوله: «والحجاب» بمنزلة الاستثناء، أو يكون النفي لتعدّد الحجب.

الثانى: يكون «يحجبه» من باب التفعيل والنفي للمبالغة، أو لما مرّ في الاحتمال الأوّل.

إن قلت‏

: الخلق من صفات الفعل، فلا يكون حجاباً.

____________

(1). انظر شرح الإشارات، ج 3، ص 131؛ تهافت الفلاسفة، ص 50؛ المطالب العالية في العلم الإلهي، ج 4، ص 146؛ شرح الاصول الخمسة، ص 115؛ شرح المقاصد، ج 3، ص 120؛ شرح المواقف، ج 7، ص 229.

376

قلت‏

: المراد به ما يشمل الترك لمصلحة التأخير، وكما أنّ الإيجاد من صفات الفعل كذلك الترك، أو المراد به العلم بالمصالح، وليس من صفات الفعل.

(لِامْتِنَاعِهِ مِمَّا يُمْكِنُ فِي ذَوَاتِهِمْ، وَلِإِمْكَانٍ مِمَّا يَمْتَنِعُ مِنْهُ).

هذا تفصيل «لخلقه إيّاهم» بحيث يدلّ على كونه حجاباً بينه وبينهم.

والامتناع: الإباء، وهو فعل اختياري. والضمير للَّه. و «ممّا» متعلّق ب «امتناعه».

و «يمكن» بصيغة المضارع الغائب المعلوم من باب الإفعال، (1) والضمير المستتر لما.

والمراد بالإمكان هنا الجواز، وما يمكن في ذواتهم عبارة عن وجودهم في الخارج.

«ولإمكانٍ» بالتنوين. والمراد بالإمكان هنا ضدّ الإباء، والمراد ولإمكانٍ صادرٍ منه تعالى، والتنوين للتقليل بالنسبة إلى الامتناع، فإنّ امتناعه تعالى في المدّة الغير المتناهية، وإمكانه تعالى في المدّة المتناهية وهي قليلة بالنسبة إلى الاولى وإن كانت آلاف آلاف سنة. و «ممّا» متعلّق ب «إمكان»، والضمير المستتر في «يمتنع» للَّه‏تعالى، وضمير «منه» لما.

والمراد بما يمتنع منه وجودهم في الخارج؛ يعني أنّ خلقه وتدبيره تعالى إيّاهم منحلّ إلى جزءين:

الأوّل: امتناعه تعالى من وجودهم، الممكنُ فيهم في وقت اقتضت الحكمة الامتناع.

والثاني: إمكانه تعالى من وجودهم الذي كان يمتنع منه في وقت آخر اقتضت الحكمة وجودهم فيه، وليس الامتناع لانتفاء جزء من أجزاء العلّة التامّة، ولا الإمكانُ لحدوث العلّة التامّة.

وفي توحيد ابن بابويه في «باب التوحيد ونفي التشبيه» قريب من هذا الحديث وفيه: «ولإمكانِ ذواتهم ممّا يمتنع منه ذاته» (2). والذي في الكافي أصوب.

____________

(1). في «ج»: «ويمكن مضارع غائب معلوم باب الإفعال».

(2). التوحيد، ص 56، ح 14.

377

(وَلِافْتِرَاقِ الصَّانِعِ مِنَ الْمَصْنُوعِ، وَالْحَادِّ مِنَ الْمَحْدُودِ، وَالرَّبِّ مِنَ الْمَرْبُوبِ).

افتراقُ شي‏ء من شي‏ء وجود الشي‏ء الأوّل في زمان بدون وجود الشي‏ء الثاني فيه.

والمراد بالصانع هنا الفاعل بتدبير وإرادة. والمراد ب «الحادّ» بالحاء المهملة وشدّ الدال المهملة: (1)

من يجعل شيئاً على مقدار خاصّ مع إمكان النقصان عنه والزيادة عليه.

والمراد بالربّ: السيّد المالك، ولا يستعمل غيرَ مقيّد في غير اللَّه تعالى؛ لأنّ المراد حينئذٍ القادر بالاستقلال على كلّ ما عداه.

وهذا بيان لثلاثة لوازمَ لخلقه إيّاهم، بحيث يدلّ كلّ منها على كون خلقه إيّاهم حجاباً بينه وبينهم:

الأوّل: أنّ المصنوع يستحيل أن يكون قديماً بخلاف الصانع، وذلك لأنّ كلّ أحد إذا خلّي عن الأوهام الموسوسة علم أنّ المريد غير الإرادة، وأنّ المريد قبل الإرادة، وأنّ الفاعل قبل المفعول، كما مضى في شرح أوّل الثاني عشر (2) في رواية ابن بابويه عن الرضا (عليه السلام). (3)

الثاني: أنّ كلّ مخلوقٍ محدودٌ في مقدار مع إمكان الزيادة والنقصان عليه، بناءً على أنّه لا مجرّد سوى اللَّه، وإلّا لكان فاعلًا بنفوذ الإرادة وقول «كُن» في الجملة فكان كاملًا من جميع الوجوه، فلم يكن ممكناً؛ لأنّ الإمكان نقص، فيستحيل أن يكون المحدود قديماً بخلاف الحادّ.

الثالث: أنّ كلّ مخلوق له تعالى مربوب له، فيستحيل أن يكون قديماً معه، وإلّا لم يكن قادراً عليه بالاستقلال وقبل فعله.

إن قلت‏

: استحالة قِدَم المخلوق ينافي ما مضى في تفصيل خلقه إيّاهم من كون امتناعه تعالى ممّا يمكن فيهم اختياريّاً له تعالى.

____________

(1). في «ج»: «بالمهملة وشدّ الثانية» بدل «المهملة وشدّ الدال المهملة».

(2). أي في الحديث 1 من باب صفات الذات.

(3). في «ج»:+/ «موافقاً لما مضى في ثاني السابع عشر من قوله (عليه السلام): لو كان معه شي‏ء في بقائه لم يجز أن يكون خالقاً له لأنّه لم يزل معه، فكيف يكون خالقاً لمن لم يزل معه».

378

قلت‏

: توهّم المنافاة مبنيّ على توهّم أنّ الأزل الذي هو ظرف القديم امتداد محصور وهو باطل، فيجوز أن يكون قدم المخلوق محالًا، ويكون المخلوق في كلّ قطعة من الامتداد الغير المتناهي مقدوراً له تعالى.

(الْوَاحِدُ لَابِتَأوِيلِ‏

(1)

عَدَدٍ).

التأويل: القصد. ومضى بيانه في شرح قوله: «كتاب التوحيد».

(وَالْخَالِقُ لَابِمَعْنى‏ حَرَكَةٍ).

الخلق: التقدير. و «المعنى» مصدر ميمي من المجرّد:

القصد. والحركة: الانتقال الذهني كما في الفكر، أو العضوي كما في الأفعال العلاجيّة.

(وَالْبَصِيرُ لَابِأَدَاةٍ، وَالسَّمِيعُ لَابِتَفْرِيقِ آلَةٍ).

التفريق: التسديد. والآلة: الشدّة. والمراد بتفريق الآلة أن يكون شدّة القرع أو القلع المحصّلة للصوت سبباً لتفرّق الصوت في النواحي؛ يعني لا يحتاج سماعه تعالى إلى شدّة قرع أو قلع، بل هو تعالى يسمع ما لا يمكن أن يسمعه أحد غيره، كما يجي‏ء في «كتاب الحجّ» في حادي عشر «باب حجّ الأنبياء (عليهم السلام)»: «أنا أسمع صوت هذه في بطن هذه الصخرة في قعر هذا البحر». (2)

وفي توحيد ابن بابويه: «السميع لا بأداة، البصير لا بتفريق آلة». (3) وما فى الكافي أصوب.

(وَالشَّاهِدُ).

الشهادة: الحضور، والمراد هنا كونه تعالى أقرب إلينا من حبل الوريد.

ولمّا كان هذا موهماً للتداخل في المكان قال:

(لَا بِمُمَاسَّةٍ)

أي لابأن يمسّ أجزاؤه أجزاءنا، وأجزاؤنا أجزاءه.

(وَالْبَاطِنُ لَابِاجْتِنَانٍ)

أي المخفيّ كالغائب لا باستتار بجسم يستره.

(وَالظَّاهِرُ)

أي الخارج من الأشياء.

(الْبَائِنُ)

أي البعيد.

(لَا بِتَرَاخِي مَسَافَةٍ)

أي لا يتباعد بينه وبين الأشياء تباعداً بسبب مسافة بينهما كما يكون بين الجسمين المتباعدين.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «بلا تأويل».

(2). الكافي، ج 4، ص 214، باب حجّ الأنبياء، ح 11.

(3). التوحيد، ص 56، ح 14.

379

(أَزَلُهُ نَهْيٌ‏

(1)

لِمَجَاوِلِ الْأَفْكَارِ).

الأزل بفتحتين: المدّة الغير المتناهية في جانب الماضي، كما أنّ الأبد المدّة الغير المتناهية في جانب المستقبل. وقيل: الأزل القدم. (2) انتهى. «نهيٌ» بفتح النون وسكون الهاء، مصدر باب منع، استعمل في معنى اسم الفاعل للمبالغة، وهو تخييل أو ترشيح للاستعارة بالكناية، فإنّه شبّه الأزل بأمير، وأثبت له النهي، وهو من لوازم الأمير أو مناسباته.

ومجاول بفتح الميم والجيم، جمع «مجال» بفتح الميم بصيغة اسم المكان. والمراد بمجاول الأفكار الأذهان التي تجول فيها الأفكار القويّة. والمراد أنّ الأذهان التي هي ذوات الأفكار القويّة تتحيّر وتعجز عن إدراك أزله كما هو حقّه، ولذا توهّم كثير من العقلاء أنّ المدّة إنّما هي مقدار حركة الفلك، فلا مدّة قبل حدوث العالم، (3) قالوا:

واختصّ حدوث العالم بوقته إذ لا وقت قبله، (4) ومرادهم أنّه لا مدّة قبله أصلًا.

وقس عليه قولَه:

(وَدَوَامُهُ رَدْعٌ لِطَامِحَاتِ الْعُقُولِ)؛

فإنّ الدوام كون الشي‏ء أزليّاً وأبديّاً. والردع بالفتح والمهملات من باب منع: الكفّ والردّ، ويُقال: طمح بصره إلى الشي‏ء كمنع، أي ارتفع؛ وكلّ مرتفع طامح؛ أي لا يمكن للعقول الرفيعة إدراك دوامه كما هو حقّه.

(قَدْ حَسَرَ كُنْهُهُ نَوَافِذَ الْأَبْصَارِ).

استئنافٌ لبيان قوله: «أزله نهي» إلى آخره، يُقال:

حسره بالمهملات كضربه: إذا أعجزه من طول الاستعمال قبل الوصول إلى المطلوب.

وكُنه الشي‏ء بالضمّ: وقته. والضمير للَّه. و «نوافذ» بالنون والفاء والمعجمة جمع «نافذة». و «أبصار» بفتح الهمزة جمع «بصر» بمعنى بصيرة.

(وَقَمَعَ وُجُودُهُ جَوَائِلَ الْأَوْهَامِ).

القمع بالفتح من‏ (5) باب منع: القهر والإذلال.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «نُهُيَةٌ».

(2). مختار الصحاح، ص 16 (أزل).

(3). حكاه في المواقف، ج 1، ص 542 عن أرسطو، وحكاه المناوي في فيض القدير، ج 4، ص 716 عن المشهور، وحكاه الزركشي في البرهان، ج 4، ص 122 بلفظ قيل. وفي تاج العروس، ج 18، ص 263 عن الحكماء.

(4). المواقف، ج 1، ص 341.

(5). في «ج»: «مصدر».

380

والوجود: إدراك الأشياء علماً وقدرةً. والضمير للَّه، والإضافة إلى الفاعل. و «جوائل» بالجيم والهمز جمع «جائلة» أي دوّارة في الامور لإدراك شي‏ء فقدته بدون التمسّك بسؤال أهل الذكر عنه. والأوهام: خطرات القلوب وأفكارها؛ يعني أنّ الأوهام الكثيرة الطلب لإدراكه من عند أنفسها لا تدركه ولا تحيط به.

(فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ، فَقَدْ حَدَّهُ؛ وَمَنْ حَدَّهُ، فَقَدْ عَدَّهُ؛ وَمَنْ عَدَّهُ، فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ).

الفاء الاولى للتعقيب، أو للتفريع على مقدّمات لم ينقلها الراوي هنا. وتجي‏ء مع شرحها في سادس الباب.

(وَمَنْ قَالَ: أَيْنَ؟ فَقَدْ عَنَّاهُ‏

(1)

بالمهملة وشدّ النون؛ أي عدّه ذا نصب في فعله كالأرواح المتعلّقة بالأبدان، أو بالمعجمة وشدّ الخاتمة؛ أي عدّه غير حاضر، مأخوذٌ من الغاية بمعنى المسافة وذو الغاية البعيد منّا؛ فإنّ بيننا وبينه مسافة.

(وَمَنْ قَالَ: عَلَامَ؟)؛

حرف جرّ، و «ما» للاستفهام حذف عنها الألف. والمقصود قول من قال إنّه جالس على نحو العرش.

(فَقَدْ أَخْلى‏ مِنْهُ)

أي أخلى الأرضين ونحوها من حضوره فيها حيث لم يجعل نسبته إلى جميع الأمكنة سواء.

(وَمَنْ قَالَ: فِيمَ؟ فَقَدْ ضَمَّنَهُ)

؛ بالمعجمة وشدّ الميم والنون؛ أي جعله في ضمن وعاء يحفظه من التلف. وفي نهاية ابن الأثير في حديث عِكرمة: «لا تشتر لبن البقر والغنم مضمّناً، ولكن اشتره كيلًا مسمّى؛ أي لا تشتره وهو في الضرع؛ لأنّه في ضمنه» انتهى. (2)

السادس:

(وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ فَتْحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلى‏ بَنِي هَاشِمٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلى‏ أَبِي إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) أَسْأَلُهُ عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنَ التَّوْحِيدِ، فَكَتَبَ إِلَيَّ بِخَطِّهِ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُلْهِمِ عِبَادَهُ حَمْدَهُ. وَ ذَكَرَ مِثْلَ مَا رَوَاهُ سَهْلُ بْنُ زِيَادٍ إِلى‏ قَوْلِهِ: «وَقَمَعَ وُجُودُهُ‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «غيّاه».

(2). النهاية، ج 3، ص 103 (ضمن).

381

جَوَائِلَ الْأَوْهَامِ». ثُمَّ زَادَ فِيهِ).

إلى هنا كلام عليّ بن محمّد المذكور في صدر سند الحديث السابق.

(أَوَّلُ الدِّيَانَةِ بِهِ)

أي أوّل الإيمان باللَّه. والمراد بالأوّل هنا الجزء الذي يتوقّف عليه سائر الأجزاء.

(مَعْرِفَتُهُ)

أي الاعتراف والتصديق بوجود اللَّه. أي بأنّ في الوجود إلهاً يستحقّ عبادة كلّ من سواه، ولا يستحقّ غيره عبادته.

(وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ تَوْحِيدُهُ).

كمال الشي‏ء: القدر المشترك بين جزئه الأخير، ولازمه البيّن اللزوم وما لا ينتفع بالشي‏ء إلّابه. والتوحيد: الاعتراف بأن لا إله إلّااللَّه.

(وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ).

اللام للعهد الخارجي، والمراد الصفات الموجودة في أنفسها في الخارج، وهي المعاني القديمة التي يثبتها الأشعريّة.

ولا ينافي ذلك صحّة وصفه بصفات هي في أذهاننا، كما مضى بيانه في أوّل الخامس، (1) وكما فيما يجي‏ء من قوله: «وكذلك يوصف ربّنا». (2)

(بِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ).

المراد بالشهادة شهادة الحال، والمراد بالغير المستقلّ بوجود على حدة يحتاج بسببه إلى فاعل على حدة إن لم يكن واجب الوجود لذاته، ويقابله العين بالمعنى المشهور في نحو العلم والقدرة والحياة من صفات ذاته تعالى أنّها عين ذاته تعالى بمعنى أنّه لا يحتاج انتزاعها عنه تعالى وحملها عليه تعالى إلى مصداق ومصحّح للانتزاع، والحمل موجود في نفسه في الخارج إلّاذاته تعالى.

(وَشَهَادَةِ الْمَوْصُوفِ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ).

في نهج البلاغة: «وشهادة كلّ موصوف» إلى آخره. (3)

وذكر هذه الفقرة

إمّا

لأنّه ليس المراد بالغير هنا معناه اللغويَّ حتّى يكون صدق‏

____________

(1). أي في الحديث 1 من باب المعبود.

(2). ذيل هذا الحديث.

(3). نهج البلاغة، ص 39، الخطبة 1.

382

العكس لازماً بيّناً، بل المراد ما مرّ آنفاً. وكون الصفة غير الموصوف بهذا المعنى لا يستلزم استلزاماً بيّناً العكسَ؛ (1) لجواز أن يتوهّم أحد قياس الغير على العين بهذا المعنى، فإنّ أبا الهذيل‏ (2) من المعتزلة القائلين بنفي الصفات عنه تعالى؛ يقول: إنّه تعالى عالم بعلم هو ذاته، وذاته ليس بعلم. انتهى. (3) ونسبه الفخر الرازي إلى التناقض وليس متناقضاً.

و

إمّا

للتصريح والتوضيح.

(وَشَهَادَتِهِمَا جَمِيعاً).

نصب على الحاليّة، أي مجموعاً مؤلّفاً كلّ واحد منهما مع الآخر بدون لزوم عقلي.

(بِالتَّثْنِيَةِ)؛

بفتح المثنّاة فوق وسكون المثلّثة وكسر النون والخاتمة: التأليف؛ أي بأنّ فاعلًا جمعهما وقرنهما بأن جعل أحدهما موصوفاً بالآخر، والآخر صفة للأوّل، وذلك لأنّه يستحيل أن يكون صفة واجب الوجود لذاته، ويستحيل أن يتحقّق الممكن الموجود في نفسه بدون فاعل، فليس بينهما لزوم عقلي.

(الْمُمْتَنِعِ مِنْهُ)

أي من التثنية والتذكير؛ لأنّه مصدر.

(الْأَزَلُ)؛

بالرفع فاعل «الممتنع» ودليله أنّ الفعل كلّه حادث، كما مضى توضيحه في شرح عنوان الباب الأوّل. (4)

(فَمَنْ وَصَّفَ‏

(5)

اللَّهَ)؛

بشدّ المهملة للمبالغة؛ أي زعم أنّه له صفات موجودة في أنفسها في الخارج. وهذا تفريع على قوله: «الممتنع منه الأزل». وإنّما احتيج إلى هذا إلى آخره؛

____________

(1). في «ج»: «لا يستلزم العكس استلزاماً بيّناً» بدل «لا يستلزم استلزاماً بيّناً العكس».

(2). هو محمّد بن محمّد بن الهذيل العبدي مولى عبد القيس من أئمّة المعتزلة، ولد في البصرة سنة 135 هجريّة، واشتهر بعلم الكلام، له مقالات في الاعتزال ومجالس ومناظرات، له كتب كثيرة منها كتاب ميلاس على اسم مجوسي أسلم على يده. توفّي سنة 235 هجرية. الأعلام، ج 7، ص 131.

(3). حكاه عنه الإيجي في المواقف، ج 3، ص 653 و 660؛ شرح المواقف، ج 8، ص 379؛ الملل و النحل للشهرستاني، ج 1، ص 49.

(4). أي باب حدوث العالم وإثبات المحدث.

(5). في الكافي المطبوع: «وصف» بفتح الثلاث.

383

لأنّ بيان امتناع الأزل من التثنية لا يكفي في بيان امتناع الأزل من الموصوف، وهو المقصود هنا.

(فَقَدْ حَدَّهُ).

الحدّ بالفتح من باب نصر: تمييز شي‏ء عن شي‏ء؛ أي جعل مدّة وجوده في جانب الماضي ذاتَ قطعاتٍ ممتاز بعضها عن بعض بحسب توارد أفراد صفته الحوادث عليه.

(وَمَنْ حَدَّهُ، فَقَدْ عَدَّهُ).

العدّ بالفتح من باب نصر: الإحصاء؛ والعدد بفتحتين: سِنُو عمر الرجل التي يعدّها؛ أي أحصى قطعات عمره بحسب إحصاء أفراد صفته الحوادث المتواردة.

(وَمَنْ عَدَّهُ، فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ)؛

لامتناع خلوّه من صفات ذاته؛ لأنّها ليست إلّاكماليّة، بخلاف صفات فعله، وامتناع التسلسل في الموجودات في أنفسها في الخارج وإن لم تكن مجتمعة لأنّ لها على هذا التقدير مجموعاً بديهة، (1) وغير المتناهي لا مجموع له ببرهان التطبيق ونحوه، هنا مقدّمات يحتاج إليها في إثبات أنّ كمال توحيده نفي الصفات عنه، ثمّ إثبات أنّ كمال معرفته توحيده هي، ومن أبطل أزله فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه أي لم يوحّده، ومَن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله أي لم يعرفه.

وسنبيّنها بُعَيْدَ هذا.

اعلم أنّ بين ما في هذا الحديث وما في أوّل نهج البلاغة من قوله (عليه السلام): «أوّل الدِّين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه؛ لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف اللَّه سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومَن جزّأه فقد جهله» (2) فرقاً من أربعة وجوه:

الأوّل: أنّ المراد بالمعرفة في نهج البلاغة العلم لا التصديق، بقرينة ذكر التصديق‏

____________

(1). في «ج»: «ضرورة».

(2). نهج البلاغة، ص 39، الخطبة 1.

384

على حدة؛ فالمراد بالأوّل فيه إمّا الظرف الخارج، وإمّا الجزء المقدَّم. ولا ينافي ذلك أن يكون العلم من قبيل الانفعال لا الفعل، فيستحيل تعلّق التكليف به، وذلك لأنّ التكليف بالمركّب- وهو الدين أي الإيمان باللَّه- لا يستلزمه التكليف بكلّ جزء.

الثاني: أنّه ذكر الإخلاص في نهج البلاغة، ولم يذكر في هذا الحديث اقتصاراً.

ومعنى الإخلاص له تعالى أن لا يعبد إلهاً غيره.

الثالث: أنّ قوله في هذا الحديث: «وشهادتهما جميعاً» إلى قوله: «فقد أبطل أزله» لم تذكر في نهج البلاغة اقتصاراً، فمعنى قوله: «فقد قرنه» أنّه أبطل أزله، فجعله لاحقاً بموجده غير منفكّ عنه. فالدليل عليه ما مرّ في هذا الحديث مع شرحه من قوله:

«بشهادة كلّ صفة» إلى قوله: «فقد أبطل أزله» ففي نهج البلاغة اقتصار وطيٌّ لبعض المقدّمات، ولعلّه للاعتماد على ما ذكر في نهج البلاغة أيضاً قبيل هذه الفقرات من قوله:

«الذي ليس لصفته حدٌّ محدود، ولا نعتٌ موجود، ولا وقتٌ معدود، ولا أجلٌ ممدود» فإنّه إشارة بطريق الكناية إلى إبطال مذهب الأشاعرة وغيرهم من القائلين بالمعاني، (1) ومذهب بعض المعتزلة وغيرهم من القائلين بأنّ الوجود والعلم والقدرة ونحوها يحمل على ذاته حملَ مواطأةٍ حقيقةً لغةً بدون مسامحة، (2) فقيامها به مجازي.

فقوله: «ليس لصفته حدٌّ محدود» إشارة إلى قضيّتين:

الاولى: أنّه لو كان له صفة موجودة في نفسه في الخارج قائمة به قياماً حقيقيّاً، لكان لصفته حدّ أي مبدأ لزمان وجودها؛ لأنّ كلّ موجود في نفسه في الخارج غيره تعالى حادث.

الثانية: أنّه لو كان لصفته حدّ، لكان حدّه محدوداً باعتبار الكمّ المنفصل؛ أي محصوراً في عددٍ متناه بعدد الصفات الشخصيّة المتعاقبة من العلم مثلًا.

والقضيّة الاولى مضمون قوله في هذا الحديث: «وشهادتهما جميعاً بالتثنية الممتنع منه الأزل، فمن وصف اللَّه فقد حدّه».

____________

(1). انظر شرح المقاصد، ج 2، ص 72؛ شرح المواقف، ج 8، ص 45.

(2). انظر شرح المقاصد، ج 2، ص 72؛ شرح المواقف، ج 8، ص 45.

385

والقضيّة الثانية مضمون قوله في هذا الحديث: «ومن حدّه فقد عدّه، ومن عدّه فقد أبطل أزله». وكرّر مضمون القضيّتين بقوله: «ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود»؛ فهذه الفقرات الثلاث إشارة إلى ردّ مذهب الأشاعرة. (1)

وأمّا قوله: «ولا نعتٌ موجود» فإشارة إلى ردّ مذهب بعض المعتزلة بأنّه لو كان صفته نفس ذاته بهذا المعنى، لكان لصفته كلّ نعوته تعالى، (2) أي المحمولات المختصّة باللَّه تعالى، فإنّ ذاته حينئذٍ علمه مثلًا، فعلمه عالم بكلّ شي‏ء، وقادر على كلّ شي‏ء، وواجب الوجود بالذات، وقيّوم ومعبود للعباد، وخالق كلّ شي‏ء وهكذا. هذا خلف؛ لأنّا نعلم أنّه ليس لعلمه نعت فضلًا عن كلّ نعت.

وقوله: «موجود» أي معلوم لنا، أو إشارة إلى خلف آخر، أي لو (3) كان لصفته نعت، لكان كلّ من الصفة والنعت موجوداً في نفسه في الخارج؛ لأنّ الصفة موجودة حينئذٍ، فإنّه لا معنى لوجود شي‏ء بدون وجود ما يتّحد معه حقيقةً، فكذا النعت؛ لأنّه لا معنى لاتّحاد الصفة معه بدون اتّحاد النعت معه تعالى.

الرابع: أنّ قوله في نهج البلاغة: «فمن وصف اللَّه فقد قرنه» إلى قوله: «فقد جهله»، غير مذكور في هذا الحديث. ومعنى قوله: «فقد ثنّاه» أنّه جعله ثاني اثنين إلهين، أي تابعاً لآخَرَ في الالوهيّة؛ لأنّه يستحيل أن يكون المفعول إلهاً ولا يكون فاعله إلهاً أوّلًا.

ومعنى قوله: «فقد جزّأه» أنّه أعطاه شيئاً قليلًا من العبادة؛ يُقال: جزّأه تجزئة: إذا أقنعه بالقليل؛ وذلك لأنّ الفاعل كما أنّه أولى بالالوهيّة من المفعول أكثرُ استحقاقاً للعبادة من المفعول.

ومعنى قوله: «فقد جهله» أنّه لم يعرف ولم يعلم وجود اللَّه؛ لأنّ معنى اللَّه من‏

____________

(1). شرح المقاصد، ج 2، ص 72. ونسبه للأشاعرة في المواقف، ج 1، ص 437، و ج 3، ص 68؛ وشرح المواقف، ج 8، ص 45.

(2). حكاه عنهم في شرح المقاصد، ج 2، ص 72؛ والمواقف، ج 1، ص 437؛ وشرح المواقف، ج 8، ص 45. وانظر معارج الفهم، ص 389.

(3). في «ج»: «ولو».

386

يستحقّ عبادة كلّ من سواه، ولا يستحقّ غيره عبادته، ولا يتصوّر أن يستحقّ المفعول عبادة الفاعل.

والكلام مبنيّ على تشبيه العلم الذي لم ينتفع به ولم يعمل بمقتضاه بالجهل، ويمكن أن يحمل على هذا البناء قوله تعالى: «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» (1).

(وَمَنْ قَالَ: كَيْفَ؟ فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ).

استفعل هنا لعدّ الشي‏ء ذا كذا؛ يُقال: استقبحه: إذا عدّه ذا قبح؛ أي ومن طلب العلم بكنه ذاته تعالى فقد عدّه ذا صفة، فإنّ تجويز الكيفيّة يستلزم تجويز الصفة؛ لأنّ الكيفيّة لا يمكن إلّاللجسم، وكلّ جسم لا يخلو عن صفة، وقد ثبت امتناع الصفة آنفاً.

وفي نهج البلاغة: «ما وحّده مَن كيّفه». (2)

(وَمَنْ قَالَ: فِيمَا؟).

هكذا في أكثر النسخ، والمشهور حذف الألف مع حروف الجرّ كما في نسخة هنا.

(فَقَدْ ضَمَّنَهُ).

مضى شرحه في خامس الباب.

(وَمَنْ قَالَ: عَلى‏ مَا؟ فَقَدْ حَمَّلَهُ‏

(3)

بالمهملة وشدّ الميم، أي عدّه ضعيفاً محمولًا؛ إذ لازمه أنّ الشي‏ء الذي يحمله أقوى منه، كما مضى في سابع العشرين. (4)

(وَمَنْ قَالَ: أَيْنَ؟ فَقَدْ أَخْلى‏ مِنْهُ)

أي لم يعدّ نسبته إلى جميع الأمكنة على سواء.

(وَمَنْ قَالَ: مَا هُوَ؟ فَقَدْ نَعَّتَهُ)؛

بالنون والمهملة والمثنّاة فوق بصيغة الماضي من باب‏ (5) التفعيل، أي عدّ كنه ذاته قابلًا للبيان.

(وَمَنْ قَالَ إلى‏ مَا؟

(6)

)

أي إلى متى وإلى أيّ زمان يكون موجوداً.

____________

(1). محمّد (47): 19.

(2). نهج البلاغة، ص 272، الخطبة 186.

(3). في الكافي المطبوع: «ومن قال علامَ؟ فقد جَهِلَه».

(4). أي في الحديث 7 من باب العرش والكرسي.

(5). في «ج»: «والمثناة ماضي باب التفعيل» بدل «والمثناة فوق بصيغة الماضي من باب التفعيل».

(6). في الكافي المطبوع: «إلا مَ».

387

(فَقَدْ غَايَاهُ)

أي حكم بهلاكه؛ مأخوذ من غايا القوم فوق رأسه بالسيف: إذا أظلّوا. (1)

(عَالِمٌ إِذْ لَامَعْلُومَ، وَخَالِقٌ إِذْ لَامَخْلُوقَ).

إن قلت‏

: الخلق من صفات الأفعال، فإنّه تعالى يخلق ما يشاء دون ما لا يشاء، فهو حادث. وظاهر هذه الفقرة أنّه قديم.

قلت‏

: لا نسلّم أنّ ظاهرها القدم؛ لأنّ معنى الخلق التدبير، والتدبير كما يكون لفعل شي‏ء يكون لتركه.

والمراد بقوله: «إذ لا مخلوق» إذ لا مخلوق موجود في الخارج، فخلقه كان قبل حدوث العالم في التروك في كلّ وقت وقت من الأوقات الغير المتناهية في جانب الأزل، فكلّ خلقٍ حادثٌ وإن كان السلب المحض أزليّاً. فالمراد أنّه كان قادراً على إيجاد المخلوق قبل الخلق في كلّ وقت وقت على حدة، ولم يكن له حالة منتظرة يتوقّف عليه الخلق، إنّما التأجيل للعلم بالمصلحة فقط، كما مضى في شرح خامس الباب عند قوله: «ولافتراق الصانع من المصنوع» إلى آخره.

(وَرَبٌّ إِذْ لَامَرْبُوبَ).

مضى معناه في رابع الباب.

(وَكَذلِكَ يُوصَفُ رَبُّنَا، وَ فَوْقَ مَا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ)

له بصفات خلقه، أو بالصفات الموجودة في الخارج في أنفسها.

السابع:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ وَغَيْرِهِ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ)؛

بفتح المهملة، وكسر الموحّدة، وسكون الخاتمة ومهملة.

وفي القاموس: «وكأمير السبيع بن سبع أبو بطن من همدان، منهم الإمام أبو إسحاق عمرو بن عبداللَّه، ومحلّة بالكوفة منسوبة إليهم أيضاً». (2)

(عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَوْماً خُطْبَةً بَعْدَ الْعَصْرِ، فَعَجِبَ‏

____________

(1). غريب الحديث لابن سلام، ج 1، ص 93.

(2). القاموس المحيط، ج 3، ص 36 (سبع).

388

النَّاسُ مِنْ حُسْنِ صِفَتِهِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ؛ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: فَقُلْتُ لِلْحَارِثِ:

أَ وَمَا حَفِظْتَهَا؟).

الواو للعطف على مقدّر؛ أي أخَطَب مثل هذه الخطبة وما حفظتها؟ أو أما كتبتها وما حفظتها؟

(قَالَ: قَدْ كَتَبْتُهَا، فَأَمْلَاهَا عَلَيْنَا)

أي قرأ علينا لنكتبه.

(مِنْ كِتَابِهِ: الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَايَمُوتُ، وَلَا يَنْقَضِي‏

(1)

عَجَائِبُهُ؛ لِأَنَّهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ مِنْ‏ إِحْدَاثِ بَدِيعٍ لَمْ يَكُنِ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ؛ فَيَكُونَ فِي الْعِزِّ مُشَارَكاً).

فتح الراء أقرب معنى، وكسرها أقرب لفظاً للازدواج مع قوله: هالكاً.

(وَلَمْ يُولَدْ؛ فَيَكُونَ مَوْرُوثاً هَالِكاً)

أي بالإمكان.

(وَلَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الْأَوْهَامُ)

بالإدراك الجزئي.

(فَتُقَدِّرَهُ شَبَحاً مَاثِلًا).

الشبح بفتح المعجمة وفتح الموحّدة ومهملة: سواد الإنسان وغيره تراه من بعد. (2) والماثل بكسر المثلّثة: القائم كالمنارة والطلول‏ (3) ونحوها؛ (4) أي جسماً ممتازاً عن سائر الأجسام.

(وَلَمْ تُدْرِكْهُ الْأَبْصَارُ؛ فَيَكُونَ بَعْدَ انْتِقَالِهَا حَائِلًا).

الحائل بالمهملة وكسر الهمزة:

المتغيّرُ من حال إلى حال؛ أي فيمكن أن لا يكون باقياً على ما أدركته الأبصار عليه.

(الَّذِي لَيْسَتْ فِي أَوَّلِيَّتِهِ نِهَايَةٌ، وَلَا لِآخِرِيَّتِهِ حَدٌّ وَلَا غَايَةٌ).

تفسيرٌ لقوله تعالى في سورة الحديد: «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ» (5) بأنّه ليس المراد بأوّليّته وجودَه قبل وجود العالم، وبآخريّته وجودَه بعد فناء العالم قبل أن يعاد، فإنّ ذلك يوهم عدم وجوده مع وجود العالم، فيكون أوّليّته منتهيةً إلى نهاية هي مبدأ وجود العالم، ويكون لآخريّته حدّ هو

____________

(1). في الكافي المطبوع: «ولا تنقضي».

(2). الصحاح، ج 1، ص 377 (شبح).

(3). الصحاح، ج 5، ص 1816؛ لسان العرب، ج 11، ص 614 (مثل).

(4). في «ج»:-/ «ونحوها».

(5). الحديد (57): 3.

389

منتهى وجود العالم، أو (1) غاية هي مبدأ إعادة العالم، ويكون أوّليّته قبل آخريّته؛ بل المراد بأوّليّته وآخريّته شي‏ء واحد هو عدم تغيّره من حالٍ إلى حال.

وفي نهج البلاغة من خطبةٍ له (عليه السلام): «الحمد للَّه‏الذي لم يسبق له حال حالًا، فيكون أوّلًا قبل أن يكون آخراً» (2) إلى آخره. وفيه في خطبةٍ أوّلها: «ما وحّده مَن كيّفه»: «وأنّه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده، لا شي‏ء معه، كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها» إلى قوله: «ثمّ يعيدها بعد الفناء». (3)

(الَّذِي لَمْ يَسْبِقْهُ وَقْتٌ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ زَمَانٌ، وَلَا يَتَعَاوَرُهُ).

التعاور: التداول والتناوب؛ من العارية. (4)

(زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ، وَلَا يُوصَفُ بِأَيْنٍ)

(5) أي بما يُقال في جواب السؤال بأين.

(وَلَا بِمَ)

أي ولا بما يقال في جواب السؤال بما هو.

(وَلَا مَكَانٍ)

(6) أي ولا بمكان مطلقاً وإن لم يكن مكاناً معلوماً لأحد. (7)

(الَّذِي بَطَنَ مِنْ خَفِيَّاتِ الْأُمُورِ)

أي ذاته ومائيّته أبطن من كلّ باطن ليس من جنس خفيّات الامور، بل هو غائبٌ عنها أيضاً.

(وَظَهَرَ)

وجوده‏

(فِي الْعُقُولِ بِمَا يُرى‏)؛

بصيغة المجهول من باب منع. (8)

(فِي خَلْقِهِ مِنْ عَلَامَاتِ التَّدْبِيرِ، الَّذِي سُئِلَتِ الْأَنْبِيَاءُ عَنْهُ)

أي عن مائيّته.

(فَلَمْ تَصِفْهُ بِحَدٍّ)

أي بتمام مائيّته.

____________

(1). في «ج»: «و».

(2). نهج البلاغة، ص 96، الخطبة 65.

(3). نهج البلاغة، ص 272، الخطبة 186.

(4). لسان العرب، ج 4، ص 619 (عور).

(5). في «ج»:+/ «بفتح الهمز وكسرها وسكون الخاتمة وتنوين أي بحين أو بفتح الهمز وفتح النون». وفي حاشية «أ»: «قوله بأين أي بحين وزمان، بقرينة مقابلته بمكان، كما تقدّم في شرح ثاني باب الكون والمكان (مهدي)».

(6). في «ج»:+/ «بالميم الزائدة».

(7). في «ج»:+/ «وبالميم الأصليّة، أي ولا بمنزلة عند من هو أعلى منه، كما توهّمه الفلاسفة الزنادقة في العقول».

(8). في «ج»: «مجهول باب منع» بدل «بصيغة المجهول من باب منع».

390

(وَلَا بِبَعْضٍ)

أي ببعض مائيّته.

(بَلْ وَصَفَتْهُ بِفِعَالِهِ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ بِآيَاتِهِ)،

كما سأل فرعون موسى‏ (عليه السلام) قال: «وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ* قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (1).

(لَا يَسْتَطِيعُ‏

(2)

عُقُولُ الْمُتَفَكِّرِينَ جَحْدَهُ)؛

بل جحدهم في لسانهم ولهواهم‏ (3) مع إقرار قلبهم به، وذلك لظهور الأدلّة، لا للضروريّة، كما ترشد إليه لفظة «المتفكّرين».

(لِأَنَّ مَنْ كَانَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ فِطْرَتَهُ).

الفطرة بالكسر: الخلقة، وهذا وصف بالمصدر؛ أي مفطورات له.

(وَمَا فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُنَّ وَهُوَ الصَّانِعُ لَهُنَّ)

أي بلا شريك.

(فَلَا مَدْفَعَ)؛

مصدر ميمي.

(لِقُدْرَتِهِ).

فيه دلالة على أنّ معنى إثبات ذات الصانع إثباتُ أنّ للعالم صانعاً قادراً، لا إثباتُ واجب الوجود (4) ونحو ذلك.

(الَّذِي نَأى‏).

بالنون والهمز والألف، أي بعُد.

(مِنَ الْخَلْقِ، فَلَا شَيْ‏ءَ كَمِثْلِهِ)

أي ليس شي‏ء من خلقه خالياً عن الصفات الموجودة في الخارج في أنفسها، كما أنّه خال، وليس هو متّصفاً بصفات موجودة في الخارج في أنفسها، كما أنّ خلقه متّصفٌ بها.

(الَّذِي خَلَقَ خَلْقَهُ لِعِبَادَتِهِ)؛

لقوله في سورة الذاريات: «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ* وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» (5). ولم يقل: «لعبادتهم» إيماءً إلى أنّ ضمير «يعبدون» للمؤمنين، والمشهور أنّه للجنّ والإنس. (6)

____________

(1). الشعراء (26): 23- 24.

(2). في الكافي المطبوع: «لا تستطيع».

(3). في «ج»: «وهواهم».

(4). في «ج»:+/ «بذاته».

(5). الذاريات (51): 55- 56.

(6). تفسير السمرقندي، ج 1، ص 580.

391

(وَأَقْدَرَهُمْ عَلى‏ طَاعَتِهِ بِمَا جَعَلَ فِيهِمْ)،

من الآلات وجميع ما يتوقّف عليه فعل الطاعة.

(وَقَطَعَ عُذْرَهُمْ بِالْحُجَجِ)

أي الأنبياء والأئمّة، أو البراهين الهادية إلى النجدين.

(فَعَنْ بَيِّنَةٍ هَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَبِمَنِّهِ)؛

بحرف الجرّ وفتح الميم وشدّ النون والضمير؛ أي بكرمه وإحسانه وتوفيقه.

وفي بعض النسخ «وعنه» أي وعن بيّنة، والتذكير باعتبار الدليل، أو لأنّ ما لا يكون تأنيثه حقيقيّاً جاز تذكيره، كما قيل في قوله تعالى: «إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» (1). (2)

وفي بعض النسخ: «وعن بيّنة» كما في توحيد ابن بابويه. (3)

(نَجَا مَنْ نَجَا).

وهذا ردّ على المجبّرة الذين لم يعقلوا معنى قوله تعالى: «لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ» (4) وتوهّموا أنّه لا لوم ولا محمدة عقلًا على فعل أصلًا.

(وَلِلّهِ الْفَضْلُ مُبْدِئاً وَمُعِيداً)

أي ليس منّه علينا باستحقاق، أو على قدر استحقاق، بل بفضله في الدنيا بالتوفيق، وفي الآخرة بالجنّة.

ولا يتوهّمن من ذلك إبطال قاعدة التحسين والتقبيح العقليّين، فإنّ الفضل لا يمكن أن يتحقّق إلّامع حسن ذلك الفضل، وذلك في المؤمنين. وسرّ تخصيص المؤمنين بالفضل في الدنيا ممّا استأثر اللَّه تعالى بعلمه.

(ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ)

وقوله:

(- وَلَهُ الْحَمْدُ-)

جملة معترضة.

(افْتَتَحَ الْحَمْدَ لِنَفْسِهِ).

يحتمل أن يكون المراد حين ابتدأ خلق روح الإنسان حيث قال: «ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ» (5)؛ وذلك لأنّ الحمد هو الوصف‏

____________

(1). الأعراف (7): 56.

(2). الصحاح، ج 1، ص 198؛ لسان العرب، ج 1، ص 663 (قرب)؛ تفسير القرطبي، ج 7، ص 227؛ تفسير غريب القرآن للطريحي، ص 119.

(3). التوحيد، ص 32، باب التوحيد ونفي التشبيه، ح 1.

(4). الأنبياء (21): 23.

(5). المؤمنون (23): 14.

392

بالجميل، سواء كان بلفظ الحمد أو لا. ويحتمل أن يكون المراد أنّه فتح باب الحمد وشرعه وأمر عباده به.

وفي توحيد ابن بابويه (رحمه اللَّه تعالى): «افتتح الكتاب بالحمد لنفسه». (1) وعلى هذا يحتمل أن يُراد به الابتداء بفاتحة الكتاب إن كان الابتداء بها في المصحف بتوقيف، ويحتمل أن يُراد به الابتداء بالبسملة، فإنّها أيضاً حمدٌ كما مرَّ آنفاً.

(وَخَتَمَ أَمْرَ الدُّنْيَا وَمَحْلَ‏

(2)

الْآخِرَةِ بِالْحَمْدِ لِنَفْسِهِ).

المحل بفتح الميم وسكون المهملة، مصدر مَحَلَ بفلان، كنصر وعلم وحسن: إذا سعى به إلى السلطان، وخاصمه وجادله عنده. (3) وهو منصوب معطوف على «أمْرَ». ولمّا كان المحل في الآخرة لُامور وقعت في الدنيا، قارن بينهما، أي ختم ما يتعلّق بأمر الدنيا، وبالمحل في الآخرة من القضاء والحكم بالحقّ.

(فَقَالَ)

في سورة الزمر:

( «وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ قِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» (4)

).

في هذا الحمد من الرجاء ما لا يقدّر قدره.

(الْحَمْدُ لِلَّهِ اللَّابِسِ الْكِبْرِيَاءِ).

هي العظمة والملك، وقيل: هي عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود، ولا يوصف بها إلّااللَّه سبحانه وتعالى. (5)

(بِلَا تَجَسُّدٍ

(6)

لدفع وهم الكبر بحسب المقدار، أو وهم اللباس.

(وَالْمُرْتَدِي بِالْجَلالِ بِلَا تَمْثِيلٍ)

أي بلا تشكّل، أو بلا قيام، وهو لدفع وهم الجلال بمعنى عدم النقص في الصورة، أو وهم الرداء.

____________

(1). التوحيد، ص 32، باب التوحيد و نفى التشبيه، ح 1.

(2). في الكافي المطبوع: «محلّ».

(3). الصحاح، ج 5، ص 1817؛ النهاية، ج 4، ص 303 (محل).

(4). الزمر (39): 75.

(5). النهاية، ج 4، ص 140؛ لسان العرب، ج 5، ص 125 (كبر).

(6). في الكافي المطبوع: «تَجْسِيدٍ».

393

(وَالْمُسْتَوِي عَلَى الْعَرْشِ بِغَيْرِ زَوَالٍ).

وهو لدفع أن يتوهّم من الاستواء الجلوسُ على جسم.

(وَالْمُتَعَالِي عَلَى الْخَلْقِ بِلَا تَبَاعُدٍ مِنْهُمْ)

بحسب المسافة.

(وَلَا مُلَامَسَةٍ مِنْهُ لَهُمْ)

بالمجاورة.

لمّا كان التعالي على قسمين: الأوّل: التنزّه، والثاني: القهر والغلبة، وكان الأوّل محتاجاً إلى دفع وهم بُعد المسافة، والثاني إلى دفع وهم المجاورة، ذكرهما معاً.

(لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يُنْتَهى‏ إِلى‏ حَدِّهِ) ب

صيغة المجهول. (1) والظرف نائب الفاعل، والجملة صفة «حدّ» وضع الظاهر فيها موضع الضمير. والحدّ: الطرف. وهذا لبيان قوله: «ولا ملامسة».

(وَ لَالَهُ مِثْلٌ؛ فَيُعْرَفَ بِمِثْلِهِ).

هذا لبيان قوله: «بلا تباعد»، فالنشر على غير ترتيب اللفّ.

(ذَلَّ مَنْ تَجَبَّرَ غَيْرَهُ).

«غير» هنا منصوب، وهو للاستثناء.

(وَصَغُرَ مَنْ تَكَبَّرَ دُونَهُ، وَتَوَاضَعَتِ الْأَشْيَاءُ لِعَظَمَتِهِ، وَانْقَادَتْ لِسُلْطَانِهِ وَعِزَّتِهِ، وَكَلَّتْ عَنْ إِدْرَاكِهِ طُرُوفُ الْعُيُونِ)

بالطاء والراء المهملتين‏ (2) المضمومتين، جمع «طرف» بالكسر: الكريم الطرفين من غير الإنسان، استعير هنا لعَيْن لا ضعف فيها أصلًا.

(وَقَصُرَتْ دُونَ)

أي قبل‏

(بُلُوغِ صِفَتِهِ)

أي بيان كنه ذاته، أو بيان قدر عظمته.

(أَوْهَامُ الْخَلَائِقِ).

ذكر الأوهام إشعار بأنّ العقول لا تطلبها؛ للعلم بعدم البلوغ إليها.

(الْأَوَّلِ قَبْلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَلَا قَبْلَ لَهُ).

أكّد لدفع توهّم أنّه قبل كلّ موجود الآنَ، فلا يلزم منه أنّه لم يكن له قبل أصلًا ممّا وجد قبل ذلك.

(وَالْآخِرِ بَعْدَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَلَا بَعْدَ لَهُ)

ممّا يوجد بعد ذلك.

(الظَّاهِرِ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ بِالْقَهْرِ لَهُ، وَالشَّاهِدِ

(3)

لِجَمِيعِ الْأَمَاكِنِ بِلَا انْتِقَالٍ إِلَيْهَا، لَاتَلْمِسُهُ‏

____________

(1). في «ج»: «مجهول ناقص باب الافتعال» بدل «بصيغة المجهول».

(2). في «ج»: «بالمهملتين» بدل «بالطاء والراء المهملتين».

(3). في الكافي المطبوع: «المُشاهد».

394

لَامِسَةٌ، وَلَا تَحُسُّهُ حَاسَّةٌ

«وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ» (1)

أَتْقَنَ مَا أَرَادَ مِنْ خَلْقِهِ مِنَ الْأَشْبَاحِ)

أي الأجسام.

(كُلِّهَا).

فيه دلالة على بطلان المجرّدات.

(لَا بِمِثَالٍ سَبَقَ إِلَيْهِ).

الضمير المستتر للمثال، والبارزُ للَّه.

(وَلَا لُغُوبٍ)؛

بضمّ اللام والمعجمة والموحّدة مصدر باب منع وعلم وحسن:

التعب والإعياء.

(دَخَلَ عَلَيْهِ فِي خَلْقِ مَا خَلَقَ لَدَيْهِ)

أي لدي الخلق.

(ابْتَدَأَ مَا أَرَادَ ابْتِدَاءَهُ، وَأَنْشَأَ مَا أَرَادَ إِنْشَاءَهُ عَلى‏ مَا أَرَادَ)؛

من الصفات والوقت.

(مِنَ الثَّقَلَيْنِ: الْجِنِّ وَالْإِنْسِ؛ لِيَعْرِفُوا بِذلِكَ)

أي بأنّهم على ما أراد اللَّه، لا على ما أرادوا.

(رُبُوبِيَّتَهُ، وَتَمَكَّنَ)؛

بصيغة المضارع المعلوم للغائبة، من باب التفعّل‏ (2) بحذف إحدى التاءين، منصوب.

(فِيهِمْ طَاعَتُهُ، نَحْمَدُهُ بِجَمِيعِ مَحَامِدِهِ).

جمع «مِحمَد» بكسر الميم الاولى وفتح الثانية: ما يحمد به من صفات الكمال.

(كُلِّهَا).

لا يمكن ذلك في اللَّه تعالى إلّاعلى طريق الإجمال.

(عَلى‏ جَمِيعِ نَعْمَائِهِ).

النعمة بالكسر: ما أنعم اللَّه به عليك، وكذلك النُعمى بالضمّ والقصر، فإن فتحت النون مددت قلت: النعماء. (3)

(كُلِّهَا، وَنَسْتَهْدِيهِ لِمَرَاشِدِ أُمُورِنَا).

المراشد: مقاصد الطرق؛ أي الطرق المستقيمة التي فيها الرشد والوصول إلى البغية، والطريق الأرشد أي الأقصد.

(وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، وَنَسْتَغْفِرُهُ لِلذُّنُوبِ الَّتِي سَبَقَتْ مِنَّا، وَنَشْهَدُ أَنْ لَاإِلهَ إِلَّا

____________

(1). الزخرف (43): 84.

(2). في «ج»: «مضارع معلوم غائبة باب التفعّل» بدل «بصيغة المضارع المعلوم للغائبة من باب التفعّل».

(3). الصحاح، ج 5، ص 2041؛ لسان العرب، ج 12، ص 580 (نعم).

395

اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ بِالْحَقِّ نَبِيّاً دَالًّا عَلَيْهِ)؛

صفة «نبيّاً» أو حال اخرى.

والضمير للَّه، أو حال عن اللَّه، والضمير للنبيّ، وكذا قوله:

(وَهَادِياً إِلَيْهِ، فَهَدى‏)

أي اللَّه‏

(بِهِ)؛

أي بالرسول‏

(مِنَ الضَّلَالَةِ، وَاسْتَنْقَذَنَا بِهِ مِنَ الْجَهَالَةِ)؛

ذلك بسبب ترادف الألطاف والتوفيقات، وكثرة أهل الحقّ بسببه، وليس المراد أنّه لم يكن قبل بعثته شرع وتكليف، فإنّ أهل الحقّ في شرع من قبلنا كانوا حينئذٍ أيضاً على الحقّ وإن كانوا قليلين.

( «مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً» (1)

وَنَالَ ثَوَاباً جَزِيلًا؛ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً، وَاسْتَحَقَّ عَذَاباً أَلِيماً، فَأَنْجِعُوا)؛

بالنون والجيم والمهملة، بصيغة الأمر من باب‏ (2) الإفعال، يُقال: أنجع أي أفلح. والفاء للتفريع إشارة إلى ما في قوله تعالى:

«أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (3).

(بِمَا يَحِقُّ عَلَيْكُمْ)

أي يجب عليكم حقّاً. والحقّ: الثابت.

(مِنَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ)

لُاولي الأمر

(وَإِخْلَاصِ النَّصِيحَةِ).

أصل النصح في اللغة: الخلوص؛ يُقال: نصحته ونصحت له. (4) ومعنى النصيحة لُاولي الأمر أن يطيعهم حقّ الإطاعة. ويجي‏ء في «كتاب الحجّة» في أحاديث «باب ما أمر النبيّ (صلى الله عليه و آله) بالنصيحة لأئمّة المسلمين واللزوم لجماعتهم ومن هم؟». (5) فإخلاص النصيحة جعل نصيحة اولي الأمر لمحض رضا اللَّه، لا للدنيا؛ أو هو مبالغة فيها.

(وَحُسْنِ الْمُؤَازَرَةِ).

هي المعاونة وتحمّل الثقل. والوزر بالكسر: الحمل والثقل.

ويسمّى الذنب وزراً لأنّه يُثقل ظهر المذنب. (6)

(وَأَعِينُوا عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ)

أي ذلّلوا أنفسكم لترك العتوّ واتّباع الهوى. وفي الدعاء: «ربِ‏

____________

(1). الأحزاب (33): 71.

(2). في «ج»: «أمر باب الإفعال» بدل «بصيغة الأمر من باب الإفعال».

(3). النساء (4): 59.

(4). لسان العرب، ج 2، ص 615 (نصح).

(5). الكافي، ج 1، ص 403.

(6). لسان العرب، ج 5، ص 282 (وزر).

396

أعنّي ولا تعن عليَّ» (1) أي لا تعن خصمي عليَّ.

(بِلُزُومِ الطَّرِيقَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ).

هي المذهب الصحيح في اولي الأمر.

(وَهَجْرِ)؛

بفتح الهاء وسكون الجيم، مصدر باب نصر؛ أي ترك.

(الْأُمُورِ الْمَكْرُوهَةِ)،

أي القبيحة، وهي المذاهب الباطلة في اولي الأمر.

(وَتَعَاطَوُا الْحَقَّ بَيْنَكُمْ).

لمّا فرغ ممّا يتعلّق باولي الأمر، شرع فيما يتعلّق ببعضهم بالنسبة إلى بعض.

والتعاطي: التناول؛ أي استمسكوا بالحقّ بينكم.

(وَتَعَاوَنُوا).

يُقال: تعاون القوم: إذا أعان بعضهم بعضاً.

(بِهِ)

أي بالحقّ، أو بالتعاطي؛ وذلك لأنّ تابع الحقّ في المعاملات قلّما يجادله أحد، فهو معاون لغيره على ترك الجدال.

(دُونِي)

أي لئلّا تحتاجوا إلى الترافع إليَّ.

(وَخُذُوا عَلى‏ يَدِ الظَّالِمِ السَّفِيهِ).

أمرٌ بإغاثة الملهوف وإعانة المظلوم فيما لا يحتاج إلى الرفع إلى اولي الأمر.

(وَمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَاعْرِفُوا لِذَوِي الْفَضْلِ فَضْلَهُمْ).

أمرٌ بالتسليم لأهل الفضل وترك الجدال معهم باتّباع الرأي، وإشارةٌ إلى آية سورة النساء: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» (2).

(عَصَمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ بِالْهُدى‏، وَثَبَّتَنَا وَإِيَّاكُمْ عَلَى التَّقْوى‏، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ).

____________

(1). الصحاح، ج 6، ص 2169؛ لسان العرب، ج 13، ص 299 (عنن).

(2). النساء (4): 54.

397

باب النوادر

الباب الثالث والعشرون بَابُ النَّوَادِرِ

وفيه أحد عشر حديثاً.

المراد بالنوادر أحاديثُ لا يجمع جميعها عنوان واحد.

الأوّل:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُغِيرَةِ النَّصْرِيِّ)؛

بفتح النون وسكون الصاد المهملة.

(قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عزَّ وجلّ)

في سورة القصص:

( «كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏ (1)» (2)

فَقَالَ: مَا يَقُولُونَ)

أي المخالفون‏

(فِيهِ؟ قُلْتُ: يَقُولُونَ:

يَهْلِكُ كُلُّ شَيْ‏ءٍ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ).

جعلوا الوجه بمعنى الجارحة أو الذات.

(فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! لَقَدْ قَالُوا قَوْلًا عَظِيماً)؛

حيث جعلوا له جارحة، أو حيث فسّروا برأيهم الوجه بغير ما اريد به.

(إِنَّمَا عَنى‏)؛

بصيغة المعلوم أو المجهول.

(بِذلِكَ وَجْهَ اللَّهِ الَّذِي يُؤْتى‏ مِنْهُ)

؛ بصيغة المجهول؛ أي المراد بالوجه الجهة التي امر الناس أن يسلكوا فيها إلى اللَّه، وهي الطريقة المستقيمة في سؤال اولي الأمر وإطاعتهم.

والمراد باسم الفاعل الدوام؛ أي كلّ طريق باطل إلّاما أمر به من الطرق.

____________

(1). القصص (28): 88.

(2). في «ج»:+/ «الهالك: البائر والمبير، يتعدّى ولا يتعدّى. ودار البوار: جهنم».

398

الثاني:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:

«كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ»

قَالَ: مَنْ أَتَى اللَّهَ بِمَا أُمِرَ بِهِ‏

(1)

مِنْ طَاعَةِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه و آله)).

يشمل هذا طاعة اولي الأمر وغير ذلك من الأحكام.

(فَهُوَ)

أي فما أتى به‏

(الْوَجْهُ الَّذِي لَايَهْلِكُ).

(2) ظاهره أنّ اسم الفاعل بمعنى الاستقبال.

(وَكَذلِكَ قَالَ:

(3) «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ»

)

أي ما في سورة النور (4) أيضاً كما نحن فيه، حيث جعل فيه إطاعته إطاعة نفسه، كما جعل فيما نحن فيه وجهه وجه نفسه.

الثالث:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي سَلامٍ)

(5)

؛

بفتح المهملة وتخفيف اللام.

(النَّحَّاسِ)

(6)

؛

بفتح النون وشدّ المهملة ومهملة. (7)

(عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: نَحْنُ الْمَثَانِي الَّتِي أَعْطَاها اللَّهُ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً (صلى الله عليه و آله)).

المثاني جمع «مثناة» بفتح الميم وسكون المثلّثة بصيغة اسم المكان للكثرة. (8) والمراد بها آيات فيها (9) الثناء العظيم على اللَّه تعالى، وليس فيها أمرٌ ولا نهي صريحاً،

____________

(1). في «ج»:+/ «معلوم باب نصر أو مجهوله».

(2). في «ج»:+/ «معلوم باب ضرب أو منع أو علم، أو مجهول باب التفعيل. الهلاك بفتح الهاء: البوار. والتهليك: عدّ الشي‏ء هالكاً».

(3). في «أ»:-/ «قال».

(4). النور (24): 80.

(5). في الكافي المطبوع: «سلّام» بتشديد اللام.

(6). في الكافي المطبوع: «النخّاس».

(7). في «ج»:+/ «بيّاع الدوابّ والرقيق».

(8). في «ج»: «بفتح الميم أو كسرها وسكون المثلثة، اسم مكان أو اسم آلة للثناء بفتح المثلثة والمدّ» بدل «بفتح الميم‏وسكون» إلى هنا.

(9). فى «ج»: «فيهنّ».

399

ومنها سورة الفاتحة وهي سبع آيات.

وقال عليّ بن إبراهيم في تفسير آية سورة الحجر: «وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» (1)؛ يعني فاتحة الكتاب. (2)

فيمكن أن يكون المراد بهذا الحديث نحن المذكورون في قوله تعالى في سورة الفاتحة: «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» (3)، وصراطنا الصراط المستقيم. أو المراد نحن شروط الثناء على اللَّه في الآيات المثاني، ولولا الاعتراف بإمامتنا لم يقبل الثناء على اللَّه عزّ وجلّ، نظير ما يجي‏ء في رابع الباب: «نحن واللَّه الأسماء الحسنى»، ونظير ما يجي‏ء في أوّل أوّل «كتاب فضل القرآن» في تفسير قوله تعالى في سورة العنكبوت: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ» (4):

«نحن ذكر اللَّه ونحن أكبر (5)». (6)

وقال ابن بابويه في توحيده في «باب في تفسير قول اللَّه عزّ وجلّ: «كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» (7)»: «معنى قوله (عليه السلام): نحن المثاني أي نحن الذين قرننا النبيّ (صلى الله عليه و آله) إلى القرآن،

____________

(1). الحجر (15): 87.

(2). تفسير القمّي، ج 1، ص 377.

(3). الفاتحة (1): 5- 6.

(4). العنكبوت (29): 45.

(5). في «ج»: بدل قوله: «وليس فيها أمر ولا نهي صريحاً، إلى هنا يوجد قوله: «لما فيهنّ من التوحيد الحقيقي، وهنّ الآيات البيّنات المحكمات الناهية عن اتّباع الظنّ والاختلاف عن ظنّ؛ فإنّ المتغافل عين المتعامي عنهنّ مشترك حقيقة كشرك الذين اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللَّه؛ والمقصود أنّه لولا نحن لما أنزل اللَّه المثاني على نبينا (صلى الله عليه و آله) كما في آية سورة الزمر: «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ»؛ وفي سورة الرعد: «الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»؛ وفي سورة العنكبوت: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ». ويجي في أول «كتاب فضل القرآن». فالنهي كلام والفحشاء والمنكر رجال ونحن ذكر اللَّه ونحن أكبر. والمراد أنّ الصلاة باعتبار اشتمالها على فاتحة الكتاب التي هي سبع من المثاني تنهى عن اتّباع أئمّة الضلالة الذين غاية دعواهم اتّباع الظنّ والاجتهاد والعدول عن الصراط المستقيم».

(6). الكافي، ج 2، ص 598، كتاب فضل القرآن، ح 1.

(7). القصص (28): 88.

400

وأوصى بالتمسّك بالقرآن وبنا، وأخبر امّته أنّا لا نفترق حتّى نرد عليه حوضَه». (1)

(وَ نَحْنُ وَجْهُ اللَّهِ)؛

فإنّهم (عليهم السلام) الجهة التي أمر اللَّه بها. (2)

(نَتَقَلَّبُ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ)

أي بينكم. وأصله في الإقامة بين القوم على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم، ومعناه أنّ ظهراً منهم قدّامه، وظهراً وراءه، وظهراً على يمينه، وظهراً على شماله، فهو مكنون من جوانبه، ثمّ كثر حتّى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقاً.

(وَنَحْنُ عَيْنُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ).

العين: الإنسان، وخيار الشي‏ء، والديدبان، والجاسوس؛ وأنّهم (عليهم السلام) أكمل أفراد الإنسان، وخيار خلق اللَّه، والحافظون لدين اللَّه، وأشهاد يوم القيامة.

(وَيَدُهُ الْمَبْسُوطَةُ بِالرَّحْمَةِ عَلى‏ عِبَادِهِ)

أي نعمته؛ فإنّهم (عليهم السلام) وسيلة بقاء العباد، وكلّ نعمة من اللَّه للعباد.

(عَرَفَنَا

(3)

بفتح الراء والفاء.

(مَنْ عَرَفَنَا)؛

بفتح الراء والفاء أيضاً.

(وَجَهِلَنَا

(4)

بكسر الهاء وفتح اللام.

(مَنْ جَهِلَنَا)؛

بكسر الهاء وفتح اللام أيضاً.

(وَإِمَامَةَ الْمُتَّقِينَ)

؛ بالنصب معطوف على الضمير كالعطف في قولنا: أعجبني زيد وعلمه.

وفي توحيد ابن بابويه في «باب تفسير قول اللَّه عزّ وجلّ: «كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ»:

«ومن جهلنا فأمامه اليقين». (5)

____________

(1). التوحيد، ص 151، باب تفسير قول اللَّه: «كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ»، ح 6. وفيه: «فأخبر امّته بأن» بدل «وأخبر امّته أنّا».

(2). في «ج»:+/ «كما مرّ في أوّل الباب وثانيه».

(3). في الكافي المطبوع: «عَرَفْنا» بسكون الفاء.

(4). في الكافي المطبوع: «وجَهِلْنا» بسكون اللام.

(5). التوحيد، ص 150، باب تفسير قول اللَّه: «كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ»، ح 6.

401

الرابع:

(الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏ جَمِيعاً، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعْدَانَ)؛

لقب واسمه عبد الرحمن، (1) وهو بفتح السين المهملة وسكون العين المهملة: نبت من أفضل المرعى وله شوك؛ وبضمّ السين: اسم للإسعاد. (2)

(بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)

في سورة الأعراف:

( «وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ فَادْعُوهُ بِها» (3)

قَالَ: نَحْنُ- وَاللَّهِ- الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الَّتِي لَايَقْبَلُ‏ اللَّهُ مِنَ الْعِبَادِ عَمَلًا إِلَّا بِمَعْرِفَتِنَا)

أي نحن كالأسماء الحسنى التي لا يقبل الدعاء إلّابها، بمعنى أنّ معرفتنا شرط قبول معرفة اللَّه بأسمائه الحسنى ودعائه بها وسائر الأعمال.

الخامس:

(مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ صَبَّاحٍ،

(4)

قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): إِنَّ اللَّهَ خَلَقَنَا، فَأَحْسَنَ خَلْقَنَا؛ وَصَوَّرَنَا، فَأَحْسَنَ صُوَرَنَا؛ وَجَعَلَنَا عَيْنَهُ فِي عِبَادِهِ، وَلِسَانَهُ النَّاطِقَ فِي خَلْقِهِ)،

لأنّهم يعبّرون عن اللَّه.

(وَيَدَهُ الْمَبْسُوطَةَ عَلى‏ عِبَادِهِ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَوَجْهَهُ الَّذِي يُؤْتى‏ مِنْهُ، وَبَابَهُ الَّذِي يَدُلُّ)؛

بصيغة المعلوم.

(عَلَيْهِ، وَخُزَّانَهُ فِي سَمَائِهِ وَأَرْضِهِ)

أي نزول المنافع من السماء وإخراج الأرض منافعها بوسيلتنا.

(بِنَا أَثْمَرَتِ الْأَشْجَارُ).

استئنافٌ بياني.

____________

(1). رجال النجاشي، ص 192، الرقم 515؛ الفهرست، ص 140، الرقم 1؛ إيضاح الاشتباه، ص 199.

(2). لسان العرب، ج 3، ص 216 (سعد).

(3). الأعراف (7): 180.

(4). في هامش النسختين: «صالح. خ».

402

(وَأَيْنَعَتِ الثِّمَارُ)

أي نضجت.

(وَجَرَتِ الْأَنْهَارُ؛ وَبِنَا يَنْزِلُ غَيْثُ السَّمَاءِ، وَيَنْبُتُ عُشْبُ الْأَرْضِ؛ وَبِعِبَادَتِنَا عُبِدَ اللَّهُ)

؛ بصيغة المجهول، أي المعتنى بها عبادتنا.

(وَلَوْ لا نَحْنُ مَا عُبِدَ اللَّهُ)

؛ بصيغة (1) مجهول باب نصر، أو معلوم باب التفعيل. والمراد:

لم يكن مكلّف ولا تكليف، أو المراد: لم يكن اللَّه معبوداً حقّ عبادته، فكأنّ عبادة غيرنا معدوم، أو المراد أنّ عبادة شيعتنا لاتّباعنا، وغيرهم ليسوا عابدين أصلًا.

السادس:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ، عَنْ عَمِّهِ حَمْزَةَ بْنِ بَزِيعٍ: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)

في سورة الزخرف:

( «فَلَمَّا آسَفُونا

).

يُقال: أسف عليه كعلم أسفاً، أي غضب. وآسفه، أي أغضبه.

(انْتَقَمْنا مِنْهُمْ» (2)

فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ- عَزَّ وَجَلَّ- لَايَأْسَفُ كَأَسَفِنَا، وَلكِنَّهُ خَلَقَ أَوْلِيَاءَ لِنَفْسِهِ‏ يَأْسَفُونَ وَيَرْضَوْنَ وَهُمْ مَخْلُوقُونَ مَرْبُوبُونَ، فَجَعَلَ رِضَاهُمْ رِضَا نَفْسِهِ، وَسَخَطَهُمْ سَخَطَ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُمُ الدُّعَاةَ إِلَيْهِ، وَالْأَدِلَّاءَ عَلَيْهِ، فَلِذلِكَ صَارُوا كَذلِكَ)

أي لجعله إيّاهم الدُّعاةَ جعل رضاهم رضا نفسه.

(وَلَيْسَ أَنَّ)؛

بفتح الهمز وشدّ النون؛ أي وليس معناه أنّ.

(ذلِكَ)

أي الأسف‏

(يَصِلُ إِلَى اللَّهِ كَمَا يَصِلُ إِلى‏ خَلْقِهِ)

أي ليس إذا أسفوا أسف اللَّه لأسفهم كما يأسف المحبّ المخلوق يأسف المحبوب.

(لكِنْ هذَا مَعْنى‏ مَا قَالَ مِنْ ذلِكَ)

أي من ذلك النوع؛ فهو مجاز في الإسناد فيه، وفي كلّ كلام شبه ذلك.

(وَقَدْ قَالَ)

في الحديث القدسي:

(مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيّاً، فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ، وَدَعَانِي إِلَيْهَا. وَقَالَ)

في سورة النساء (3):

( «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ» (4)) أي إطاعته كإطاعته. ويمكن هنا الحمل على‏

____________

(1). في «ج»:-/ «بصيغة».

(2). الزخرف (43): 55.

(3). في المخطوطتين: «سورة النور» وهو سهو.

(4). النساء (4): 80.

403

الحقيقة أيضاً، لكن هذا المجاز أبلغ.

(وَقَالَ)

في سورة الفتح:

( «إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» (1)). جعل يد الرسول كيَد نفسه.

(فَكُلُّ هذَا وَشِبْهُهُ عَلى‏ مَا ذَكَرْتُ لَكَ، وَهكَذَا الرِّضَا وَالْغَضَبُ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَشْيَاءِ

(2)

مِمَّا يُشَاكِلُ ذلِكَ)

أي جميعها مجازات.

(وَلَوْ كَانَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ الْأَسَفُ وَالضَّجَرُ)؛

محرّكةً: القلق من الغمّ.

(- وَهُوَ الَّذِي خَلَقَهُمَا وَأَنْشَأَهُمَا- لَجَازَ لِقَائِلِ هذَا)

القول‏

(أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الْخَالِقَ يَبِيدُ)

أي يهلك.

(يَوْماً مَا)

أي لم يكن مضمون كلامه ممتنعاً بالذات.

(لِأَنَّهُ إِذَا دَخَلَهُ الْغَضَبُ وَالضَّجَرُ، دَخَلَهُ التَّغَيُّرُ، وَإِذَا دَخَلَهُ التَّغَيُّرُ لَمْ يُؤْمَنْ‏

(3)

عَلَيْهِ الْإِبَادَةُ)

أي الإهلاك، فإنّ كلّ متغيّر حادث؛ لما مرّ في خامس «باب جوامع التوحيد» وكلّ حادثٍ ممكن الوجود والعدم.

(ثُمَّ لَمْ يُعْرَفِ)؛

بصيغة مجهول باب ضرب.

(الْمُكَوِّنُ)؛

بكسر الواو.

(مِنَ الْمُكَوَّنِ)؛

بفتح الواو، أي يلزم أن يكون محدث الأشياء محدثاً؛ لما مرّ آنفاً من أنّه يلزم حدوثه.

(وَلَا الْقَادِرُ)

على كلّ شي‏ء.

____________

(1). الفتح (48): 10.

(2). في «ج»:-/ «من الأشياء».

(3). في «ج»: «تؤمن».

404

(مِنَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَلَا الْخَالِقُ مِنَ الْمَخْلُوقِ).

ظاهرٌ ممّا مرّ آنفاً.

(تَعَالَى اللَّهُ عَنْ هذَا الْقَوْلِ عُلُوّاً كَبِيراً؛ بَلْ هُوَ الْخَالِقُ لِلْأَشْيَاءِ لَالِحَاجَةٍ)

إلى عبادتهم.

(فَإِذَا كَانَ لَالِحَاجَةٍ، اسْتَحَالَ الْحَدُّ)

أي أن يتحدّد زمان وجوده بحسب حدود أزمنة الصفات المتعاقبة، كما مرّ في سادس «باب جوامع التوحيد».

(وَالْكَيْفُ فِيهِ)

أي الصفة الموجودة في الخارج في نفسها. ويحتمل أن يكون اللام في الحدّ والكيف للعهد؛ أي الأسف والضجر، والاستدلال بعدم الحاجة عليه؛ لأنّ الأسف والضجر إنّما يعرض لمن يخاف فوت نفع له يحتاج إليه، وأمّا من لا حاجة له إلى شي‏ء ولا يخاف فوت شي‏ء، فيمتنع اتّصافه بهما.

(فَافْهَمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالى‏).

السابع:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَصْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ، عَنْ أَسْوَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، فَأَنْشَأَ يَقُولُ- ابْتِدَاءً مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَسْأَلَهُ-: نَحْنُ حُجَّةُ اللَّهِ، وَنَحْنُ بَابُ اللَّهِ، وَنَحْنُ لِسَانُ اللَّهِ، وَ نَحْنُ وَجْهُ اللَّهِ، وَنَحْنُ عَيْنُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ).

متعلّقٌ بالجميع، أو بالأخير.

(وَ نَحْنُ وُلَاةُ أَمْرِ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ).

الولاة بضمّ الواو جمع «الوالي» بمعنى المتولّي.

والأمر: الشأن؛ أي نحن خلفاء اللَّه في عباده، حكمنا كحكمه.

الثامن:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، عَنْ حَسَّانَ)؛

بفتح الحاء المهملة، وشدّ السين المهملة. (1)

(الْجَمَّالِ)؛

بفتح الجيم، وشدّ الميم.

(قَالَ: حَدَّثَنِي هَاشِمُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ الجِيْبِي‏

(2)

نسبة إلى جيب بكسر الجيم وسكون الخاتمة والموحّدة: حصنين بين القدس ونابلس. (3)

(قَالَ: سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَقُولُ: أَنَا عَيْنُ اللَّهِ، وَأَنَا يَدُ اللَّهِ، وَأَنَا جَنْبُ اللَّهِ).

مرّ تفسيره بُعيدَ هذا.

____________

(1). في «ج»: «بفتح المهملة وشدّ الثانية» بدل «بفتح الحاء المهملة وشدّ السين المهملة».

(2). في الكافي المطبوع: «الجَنْبِي».

(3). تاج العروس، ج 1، ص 390 (جيب).