الشافي في شرح الكافي - ج2

- خليل بن غازي‏ القزويني المزيد...
582 /
405

(وَأَنَا بَابُ اللَّهِ)

أي لا يمكن الوصول إلى اللَّه إلّامن جهتي، كما لا يمكن الوصول إلى بلد أو دار إلّامن بابه.

التاسع:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ)

؛ بفتح الموحّدة، وكسر المعجمة، وسكون الخاتمة، ومهملة.

(عَنْ عَمِّهِ حَمْزَةَ بْنِ بَزِيعٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُوَيْدٍ: عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليهما السلام) فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)

في سورة الزمر:

( «يا حَسْرَتى‏ عَلى‏ ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ» (1)

قَالَ: جَنْبُ اللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَكَذلِكَ مَا كَانَ بَعْدَهُ مِنَ الْأَوْصِيَاءِ بِالْمَكَانِ)؛

الظرف خبر «كان».

(الرَّفِيعِ)

أي بمكان العصمة والإمامة.

(إِلى‏ أَنْ يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إِلى‏ آخِرِهِمْ).

فإنّه يكون الدين واحداً ولا تفريط حينئذٍ، أو المراد أنّ الآخر أيضاً كذلك قبل استقرار الدين.

وقال ابن بابويه في توحيده في «باب معنى جنب اللَّه عزّ وجلّ»:

الجنب: الطاعة في لغة العرب، يُقال: هذا صغير في جنب اللَّه؛ أي طاعة اللَّه عزّ وجلّ؛ فمعنى قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «أنا جنب اللَّه» أي أنا الذي ولايتي طاعة اللَّه، قال اللَّه عزّ وجلّ: «أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى‏ عَلى‏ ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ» (2) أي في طاعة اللَّه عزّ وجلّ. (3)

العاشر:

(الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الصَّلْتِ)؛

بفتح المهملة وسكون اللام والمثنّاة فوق.

(عَنِ الْحَكَمِ وَإِسْمَاعِيلَ ابْنَيْ حَبِيبٍ، عَنْ بُرَيْدٍ الْعِجْلِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ:

بِنَا عُبِدَ اللَّهُ، وَبِنَا عُرِفَ اللَّهُ، وَبِنَا وُحِّدَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالى‏، وَمُحَمَّدٌ حِجَابُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى‏)

____________

(1). الزمر (39): 56.

(2). الزمر (39): 56.

(3). التوحيد، ص 165، ح 2.

406

أي رسوله.

الحادي عشر:

(بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بِشْرٍ)

؛ بكسر الموحّدة، وسكون المعجمة، والمهملة.

(عَنْ مُوسَى بْنِ قَادِمٍ)؛

بالقاف، وكسر المهملة.

(عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)

في سورة الأعراف، وهي مكيّة:

( «وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» (1)). يُقال: ظلمه حقَّه: إذا أخذه جبراً.

وأصله وضع الشي‏ء في غير موضعه. ومعنى الكلام: أنّهم ظلمونا ولكن كان ظلمهم إيّانا راجعاً في الحقيقة إلى ظلمهم أنفسهم؛ لأنّ دائرته ترجع إليهم.

(قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالى‏ أَعْظَمُ وَأَعَزُّ وَأَجَلُّ وَأَمْنَعُ مِنْ أَنْ يُظْلَمَ)؛

بصيغة المجهول.

(وَلكِنَّهُ خَلَطَنَا بِنَفْسِهِ)

أي جعل الأمر المنسوب إلينا منسوباً إلى نفسه من باب المجاز في الإسناد؛ أو المراد أنّه أدخلنا مع نفسه في ضمير المتكلِّم مع الغير.

(فَجَعَلَ ظُلْمَنَا ظُلْمَهُ، وَوَلَايَتَنَا وَلَايَتَهُ).

الولاية بفتح الواو وكسرها: السلطان والنصرة، أي حكومتنا وتولّينا لأمر الإمامة حكومته.

(حَيْثُ يَقُولُ)

في سورة المائدة، وهي مدنيّة:

( «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا» (2)) أي الحاكم عليكم هؤلاء. لمّا كان حكومة الرسول والأئمّة بأمر اللَّه خلط نفسه بهم.

(يَعْنِي)

من الذين آمنوا

(الْأَئِمَّةَ مِنَّا):

من أهل البيت.

(ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ:

«وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» (3)

)

أي قال في سورة البقرة، وهي مدنيّة.

____________

(1). الأعراف (7): 160.

(2). المائدة (5): 55.

(3). البقرة (2): 57.

407

والتراخي بالنسبة إلى ما في سورة الأعراف، فإنّ نزول سورة البقرة قبل نزول سورة المائدة.

(ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ)

أي ذكر اللَّه في سورة النساء مثل ما في سورة المائدة في قوله: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ». (1) والتراخي بالنسبة إلى ما في سورة البقرة، أو إلى ما في سورة المائدة أيضاً، فإنّ نزول سورة النساء قبل نزول سورة المائدة في رواية، وبعدها في رواية اخرى رواهما صاحب مجمع البيان في تفسير سورة الإنسان. (2)

والحاصل أنّ نسبة اللَّه تعالى المظلوميّة إلى نفسه في سورتي الأعراف والبقرة مبنيّة على خلطنا بنفسه؛ نظير أنّ إثباته الولاية لنفسه ولرسوله في سورة المائدة، وأمره تعالى بإطاعة اللَّه وإطاعة رسوله في سورة النساء مبنيّان على خلطنا بنفسه وبرسوله، فإنّ إثباته الولاية لنفسه ولرسوله في القرآن كتحصيل الحاصل، وكذا أمره بإطاعة نفسه وإطاعة رسوله.

فمراده تعالى تأكيد الأمر باتّباع اولي الأمر بأنّ ولاية اولي الأمر بعد الرسول ولاية اللَّه وولاية رسوله، وإطاعة اولي الأمر (3) بعد الرسول إطاعة اللَّه وإطاعة رسوله.

وإنّما خصَّ بالذكر الخلطَ في إثبات الولاية والخلط في الأمر بالإطاعة لأنّهما مقتضيان للخلط في المظلوميّة في سورة إنكار الولاية وترك الإطاعة.

____________

(1). النساء (4): 59.

(2). مجمع البيان، ج 10، ص 211.

(3). في «ج»:-/ «بأنّ ولاية اولي الأمر» إلى هنا.

408

باب البداء

الباب الرابع والعشرون بَابُ الْبَدَاءِ

فيه سبعة عشر حديثاً.

وهذا الباب للردّ على اليهود والفلاسفة وبعض المتكلِّمين.

والبداء بفتح الموحّدة والمهملة والمدّ، في اللغة مصدر قولك: بدا له في هذا الأمر يبدو، أي نشأ له فيه رأي. (1)

والمراد به هنا تجدّد أثره تعالى باعتبار الصدور عنه بالقدرة؛ أي أن تكون الأفعال الصادرة عنه تعالى المترتّبة زماناً مترتّبة أيضاً من حيث إنّها صادرة عنه بحسب ذلك الترتيب الزماني، وهو تعالى قادر على تغيير الترتيب، وعلى عدم إمضاء ما دبّر على ما دبّر، وإن كان ذلك التغيير وعدم الإمضاء ممتنعاً امتناعاً لاحقاً. وحقيقة القدرة التمكّن من الشي‏ء وتركُه، وقد يعبّر عنها بصحّة الفعل والترك، وقد تُطلق القدرة على كون الشخص بحيث إن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل. (2)

وليس مرادنا هنا هذا المعنى، والقدرة بالمعنى الأخير تتعلّق بالمحال بالذات أيضاً.

إن قلت‏

: كيف صحّ أن يسمّى هذا بداءً؟

قلت‏

: السبب في صحّته أنّه إذا اختار الصانع أحد الجائزين، وهما في قدرته عليهما على السواء، ولكلّ منهما داعٍ مختصّ به، فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر،

____________

(1). الصحاح، ج 6، ص 2278؛ لسان العرب، ج 1، ص 27 (بدا).

(2). انظر المسلك في اصول الدين، ص 42؛ الأسرار الخفيّة للعلّامة، ص 524؛ معارج الفهم، ص 234؛ المطالب العالية في العلم الإلهي، ج 3، ص 9.

409

فجعل صرفه عنه كنقله منه بحدوث رأي، وهذا كما صحّ أن تقول: سبحان من صغّر جسم البعوض، وكبّر جسم الفيل، وقولك للحفّار: ضيّق فم الركيّة، ووسّع أسفلها، وليس ثَمَّ نقل من كِبَر إلى صِغَر، ولا من صغر إلى كبر، ولا من سعة إلى ضيق، ولا من ضيق إلى سعة، وإنّما أردت الإنشاء على تلك الصفات بالقدرة بمعنى صحّة الفعل والترك.

وقيل: معنى البداء للَّه‏تعالى أن يتجدّد عنه أثر لم يعلم أحد من خلقه قبل صدوره عنه أنّه يصدر عنه. انتهى. (1)

وهذا بعض إطلاقاته، وإنّما يطلق عليه بقرينة، كما في تاسع الباب.

وقد يُطلق البداء له تعالى على تجدّد أثر لم يعلم بعض خلقه قبل صدوره أنّه يصدر عنه، وإنّما يطلق عليه البداء بالنسبة إلى هذا البعض.

وربّما اعتبر في البداء ظنّه بأنّه لا يصدر، ومن نسب إلينا من مخالفينا إثباتَ بداء الندامة للَّه‏تعالى، فقد غفل أو تغافل.

ومذهب اليهود نفي البداء عن اللَّه تعالى؛ قالوا: إنّ اللَّه تعالى فرغ من الأمر، وليس كلّ يومٍ هو في شأن، ويد اللَّه مغلولة، وكذلك الزنادقة الفلاسفة (2) قالوا: إنّ اللَّه أوجد جميع معلولاته دفعةً واحدة دهريّة لا تترتّب باعتبار الصدور عنه، بل إنّما ترتّبها في الزمان فقط، كما أنّه لا تترتّب الأجسام المجتمعة زماناً في الزمان، إنّما ترتّبها في المكان فقط.

وفي كتاب الملل والنحل للشهرستاني في ترجمة النظّام من المعتزلة:

من مذهبه إنّ اللَّه تعالى خلق الموجودات دفعةً واحدة على ما هي عليه الآنَ معادن ونباتاً وحيواناً وإنساناً، لم يتقدّم خلق آدم (عليه السلام) خلق أولاده غير أنّ اللَّه تعالى أكمن بعضها في بعض، فالتقدّم والتأخّر إنّما يقع في ظهورها من مَكامِنِها دون حدوثها ووجودها.

انتهى. (3)

____________

(1). في حاشية «أ»: «ا م ن» منه. والظاهر أنّ المراد منه محمّد أمين الإسترابادي في حاشية على اصول الكافي.

(2). في «ج»:+/ «الذين قالوا: الواحد لا يصدر عنه إلّاالواحد والذين».

(3). الملل والنحل، ج 1، ص 56.

410

ولمنكري البداء شُبه:

الاولى‏

: أنّ تخلّف المعلول عن العلّة التامّة محال، فجميع الأزمنة والزمانيّات مجتمعة في الدهر، فهي غير مترتّبة في الصدور عنه تعالى، وغير متخلّفة عن علمه، والقول بالبداء يتضمّن الترتّب في الصدور.

والجواب أوّلًا

: منع استحالة التخلّف، وثانياً: منع أنّ استحالة التخلّف يستلزم الاجتماع في الدهر، بل إنّما يستلزم كون ذاته تعالى واجب الإفضاء إلى الزمانيّات وجوباً سابقاً.

الثانية

: أنّ تخلّف المعلول عن العلّة التامّة محال؛ فذاته تعالى واجب الإفضاء إلى كلّ حادث وجوباً سابقاً، فليس تعالى قادراً على تغيير الترتيب، والقول بالبداء يتضمّن قدرته على تغيير الترتيب.

والجواب‏

: منع استحالة التخلّف، وأمّا منع استلزام استحالة التخلّف لعدم قدرته على تغيّر الترتيب، فمكابرة.

الثالثة

: أنّ القول بالبداء لمّا اشتمل على القول بترتّب الحوادث الزمانيّة في الصدور عن فاعلها، استلزم التغيّر في علمه تعالى بالحوادث الزمانيّة؛ لأنّ العلم بأنّ الشي‏ء سيوجد غير العلم بوجوده حين يوجد، وهو محال.

والجواب‏

: أنّ العلم بأنّ الشي‏ء سيوجد ليس غير العلم بوجوده حين يوجد، فإنّ الترتّب إنّما يستلزم التغيّر في المعلوم لا في العلم.

الرابعة

: أنّ القول بالبداء لمّا اشتمل على قدرته تعالى على تغيير الترتيب، والتغييرُ ملزوم لانقلاب علمه تعالى جهلًا، استلزم قدرته تعالى على قلب علمه الأزلي جهلًا، وهو محال.

والجواب‏

: منع أنّ التغيير ملزوم لانقلاب علمه تعالى جهلًا؛ بل ملزوم لكون علمه علماً بترتيب آخر، وهو ليس بممتنع. وسرّه أنّ المقدّم على شي‏ء زماناً إذا كان تابعاً له، كان كالمجتمع معه، بل كالمؤخّر عنه. وقد بيّنّا تفصيل الأجوبة في محلّه في حواشينا على عدّة الاصول.

411

الأوّل:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنِ الْحَجَّالِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ثَعْلَبَةَ)؛

بفتح المثلّثة، وسكون المهملة، وفتح اللام، وموحّدة.

(عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ، عَنْ أَحَدِهِمَا (عليهما السلام)، قَالَ: مَا عُبِدَ)؛

بصيغة مجهول باب نصر، أو معلوم باب التفعيل.

(اللَّهُ بِشَيْ‏ءٍ مِثْلِ الْبَدَاءِ)

أي مثل التصديق بالبداء والإذعان له؛ وذلك لأنّ إنكار البداء يتضمّن القول بعدم قدرته تعالى على تغيير الترتيب؛ لوجوب صدور كلّ ما صدر عنه بالوجوب السابق، وذلك يستلزم أن لا يكون اللَّه تعالى مستحقّاً للمحمدة، فضلًا عن العبادة وطلب الحاجة المأمور به في قوله تعالى في سورة الفرقان: «قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ» (1)؛ فالتصديق بالبداء عبادة هي أصل كلّ عبادة.

الثاني:

(وَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): مَا عُظِّمَ)؛

بصيغة المجهول. وتعظيمه تعالى: الإقرار بقدرته الكاملة على كلّ شي‏ء.

(اللَّهُ بِمِثْلِ الْبَدَاءِ)

أي بمثل القول بالبداء فإنّ إنكار البداء يستلزم القول بعدم قدرته تعالى، فالقول به تعظيم هو أصل كلّ تعظيم.

الثالث:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ وَحَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ)؛

بفتح الموحّدة وسكون المعجمة وفتح المثنّاة فوق ومهملة، منسوب إلى البخترة، وهي مِشْيةٌ حسنة. (2)

(وَغَيْرِهِمَا: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ)

أي أبو عبداللَّه (عليه السلام)، وهو كلام الراوي عنه.

(فِي هذِهِ الْآيَةِ)

في سورة الرعد:

( «يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ») أي في تفسيرها. ومجموع الآية هكذا: «وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَ جَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَ ذُرِّيَّةً وَ ما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ‏

____________

(1). الفرقان (25): 77.

(2). لسان العرب، ج 4، ص 48؛ تاج العروس، ج 6، ص 62 (بختر).

412

كِتابٌ* يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ». (1) وهذه الآية لبيان أنّه إذا وقع الاختلاف من جهة أهل الأزواج والذرّيّة ونحو ذلك في الإمام بعد الرسول يجب الرجوع إلى امّ الكتاب، فإنّه يظهر به الإمام الحقّ في كلّ زمان إلى يوم القيامة.

(قَالَ)

أي الراوي عنه (عليه السلام)، وهو كلام ابن أبي عمير، (2) وزيادته للإشارة إلى أنّه أسقط بعضٌ الرواية، وهو ما قاله (عليه السلام) في التفسير.

ويحتمل أن يكون الساقط بيانَ أنّ المراد بآية وصيّ رسول، وبيانَ أنّ المراد بأجل زمان شريعة على حدة، وتلك الشرائع ستّ: شريعة آدم، وشريعة نوح، وشريعة إبراهيم، وشريعة موسى‏، وشريعة عيسى‏، وشريعة محمّد صلّى اللَّه عليهم؛ وبيانَ أنّ المراد بكتاب نحو التوراة والإنجيل والقرآن، وبيانَ أنّ المراد بالمحو ما يشمل نسخ بعض أحكام اللَّه تعالى، والمرادَ بالإثبات ما يشمل الإتيان بالناسخ من أحكامه تعالى، وبيانَ أنّ المراد أنّ امّ الكتاب محفوظٌ عنده؛ أي لا يتعلّق به نسخ في شريعة من شرائع الرُّسل، وهو عبارة عن المحكمات الناهية عن اتّباع الظنّ والاختلاف بالاجتهادات الظنّيّة، كما في سورة آل عمران: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ» (3) ومضى بيانه في شرح ثاني عشر أوّل «كتاب العقل».

وقد يُطلق امّ الكتاب على قاطبة ظرف نفس الأمر؛ أي ظرف ثبوت محكيّ كلّ قضيّة حقّة، وكلّ معدوم في الخارج، ويجي‏ء بيانه إن شاء اللَّه تعالى في «كتاب الحجّة» في شرح ثالث الرابع والأربعين، وهو «باب أنّ الأئمّة (عليهم السلام) يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل (عليهم السلام)».

(فَقَالَ)

أي أبو عبداللَّه (عليه السلام) وهو كلام الراوي عنه.

____________

(1). الرعد (13): 38- 39.

(2). المراجع لصدر الرواية يرى أنّ الراوي مباشرة عن الإمام (عليه السلام) هشام بن سالم وحفص بن البختري وغيرهما، لا ابن‏أبي عمير.

(3). آل عمران (3): 7.

413

(وَهَلْ يُمْحى‏)؛

بصيغة مجهول باب نصر.

(إِلَّا مَا كَانَ ثَابِتاً؟)

أي موجوداً.

(وَهَلْ يُثْبَتُ)؛

بصيغة مجهول باب الإفعال. والإثبات: التكوين.

(إِلَّا مَا لَمْ يَكُنْ؟)

أي إلّا غير الموجود قبله.

وحاصله أنّ الآية دالّة على تجدّد آثاره تعالى باعتبار صدورها عنه، وأنّ ذلك التجدّد بمشيئته وقدرته، وبعلمه المحيط بحسن كلّ حَسَن، وقبح كلّ قبيح.

الرابع:

(عَلِيٌّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً حَتّى‏ يَأْخُذَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ خِصَالٍ).

يُقال: أخذه عليه:

إذا شرطه عليه. والخصلة بفتح المعجمة وسكون المهملة: الصفة الجميلة.

(الْإِقْرَارَ)؛

بالنصب، أي التصديق والإذعان، وهو الخضوع والانقياد والطوع للشي‏ء.

(بِالْعُبُودِيَّةِ

(1)

بضمّ المهملة [و] الموحّدة وسكون الواو وكسر المهملة وشدّ الخاتمة: الخشوع والذلّ عند اللَّه تعالى.

(وَخَلْعِ)؛

بالجرّ عطف على «العبوديّة»، يُقال: خلع زيد ثوبه كمنع خلعاً بفتح المعجمة وسكون اللام، أي نزع. والمراد الإقرار بخلع اللَّه تعالى.

(الْأَنْدَادِ)؛

جمع «ندّ» بكسر النون، وهو المِثْل.

والخلع هنا يحتمل معنيين: الأوّل: أن يكون مجازاً عن أنّه ليس له تعالى ندّ. الثاني:

نهيه تعالى عن أن يعبد غيره فيجعل ندّاً له.

وعطف «خلع» على «الإقرار» وجعله صفة للعبد أي الكفر بالأنداد، لا يلائم قوله:

(وَأَنَّ اللَّهَ)؛

فإنّه معطوف على العبوديّة.

(يُقَدِّمُ مَا يَشَاءُ، وَيُؤَخِّرُ مَا يَشَاءُ)

أي إن شاء قدّم المؤخَّر وأخّر المقدَّم. ولم يخرج الحوادث بمجرّد علمه بالمصلحة في الترتيب والنظام الذي دبّر الأشياء عليه عن قدرته تعالى على تغيير الترتيب، كما يجي‏ء فيما قبل آخر «باب طينة المؤمن والكافر»

____________

(1). في الكافي المطبوع: «له بالعبوديّة».

414

من «كتاب الإيمان والكفر». وذلك لأنّ الوجوب بالنسبة إلى العلم والتدبير وجوب لاحق، لا سابق؛ فهذا يدلّ على تجدّد الحوادث باعتبار صدوره عنه مع قدرته، وإلّا لم يكن قادراً على تغيير الترتيب.

وفي بعض النسخ «من يشاء» بدل «ما يشاء» في الموضعين، وهو كقوله تعالى: «تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ» (1). وينبغي إرجاعه في هذا المقام إلى ما يناسب ما ذكرنا.

إن قلت‏

: يجي‏ء في «كتاب الحجّة» في الثالث والعشرين من «مولد النبيّ (صلى الله عليه و آله)» من أبواب التاريخ: «أنّ عبد المطّلب أوّل من قال بالبداء». (2)

قلت‏

: لعلّ المراد أنّه أوّل من استعمل هذه اللفظة في غير معناها اللغوي، أي في اللَّه تعالى؛ أو أوّل من عرفه بدون توقيف.

الخامس:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ، عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ حُمْرَانَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)

في سورة الأنعام:

( «قَضى‏ أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ» (3)

؟ قَالَ: هُمَا أَجَلَانِ: أَجَلٌ مَحْتُومٌ، وَأَجَلٌ مَوْقُوفٌ).

الأجل: عمر الإنسان ونحوه.

والمراد أنّ الأوّل محتوم؛ لأنّه قضى، وإذا قضى اللَّه شيئاً أمضاه، فلم يبق له تعالى فيه البداء وصار مبرماً، كما يجي‏ء في آخر الباب وذلك لأنّه لمن مضى، والقدرة على ما مضى غير معقول.

والثانيَ موقوف؛ لأنّه لمن بقي ولمن يأتي. والمراد بالموقوف ما لم يُقض بعدُ، ولكنّه مسمّى، أي معيّن في علم اللَّه أنّه سيقع، وما لم يقع بعدُ لم يخرج عن القدرة.

و «مسمّى» وصفٌ للمبتدأ النكرة، والظرف خبر، أو خبرٌ والظرف متعلّق به.

والمقصود أنّ الفرق بين الأجلين بذلك يدلّ على البداء، وإلّا فكلّ من الأجلين محتوم.

____________

(1). آل عمران (3): 26.

(2). الكافي، ج 1، ص 447، ح 23.

(3). الأنعام (6): 2.

415

السادس:

(أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ، عَنْ خَلَفِ بْنِ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنْ مَالِكٍ الْجُهَنِيِّ)

(1)

؛

نسبةً إلى جهينة- بضمّ الجيم وفتح الهاء-: قبيلة. (2)

(قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: أَوَ لَمْ يَرَ الْإِنسنُ أَنَّا خَلَقْنهُ مِن قَبْلُ‏وَ لَمْ يَكُ شَيًا

). في سورة مريم: «أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ» (3)؛ فهذا نقل بالمعنى، أو قراءة غير مشهورة.

(فَقَالَ:

(4)

لَامُقَدَّراً وَلَا مُكَوَّناً).

ظاهر تقديم نفي التقدير على نفي التكوين أنّ المراد بالتقدير ما هو حين تمام أعضائه وشقّ سمعه وبصره ونحو ذلك ممّا هو قُبَيْلَ نفخ الروح فيه، وأنّ المراد بالتكوين جعله في قرارٍ مكين حين كونه نطفة.

(قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ:

«هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» (5)

فَقَالَ: كَانَ مُقَدَّراً غَيْرَ مَذْكُورٍ).

يعني أنّ النفي راجع إلى القيد، والاستفهام للتقرير، فيرجع إلى معنى «قد».

والمراد بالمذكور الذي ينسب إليه فعل، فكونه مذكوراً إنّما هو بعد نفخ الروح فيه، وظهور حركاته في الرحم لُامّه.

دلالة هذا الحديث على البداء باعتبار دلالته على أنّ بالنسبة إليه تعالى حالًا وماضياً ومستقبلًا، ودلالته على صدور خلق الإنسان عنه بعد أن لم يكن شيئاً بتكوينه ثمّ تقديره ثمّ جعله مذكوراً بنفخ الروح فيه مترتّباً باعتبار الصدور عنه تعالى.

____________

(1). هو مالك بن أعين الجهني، ترجمته في نقد الرجال، ج 4، ص 79، الرقم 4315؛ معجم رجال الحديث، ج 15، ص 161، الرقم 9816.

(2). مجمع البحرين، ج 1، ص 571.

(3). مريم (19): 67.

(4). في الكافي المطبوع: «قال: فقال».

(5). الإنسان (76): 1.

416

السابع:

(مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: الْعِلْمُ عِلْمَانِ: فَعِلْمٌ)؛

الفاء للتفصيل.

(عِنْدَ اللَّهِ مَخْزُونٌ لَمْ يُطْلِعْ)؛

من باب الإفعال.

(عَلَيْهِ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ؛ وَعِلْمٌ عَلَّمَهُ)؛

من باب التفعيل.

(مَلَائِكَتَهُ وَرُسُلَهُ)

أي بحيث لا يكون فيه احتمال تعليقٍ بشرط ونحوه، فإنّه ينافي علمهم.

(فَمَا عَلَّمَهُ مَلَائِكَتَهُ وَرُسُلَهُ فَإِنَّهُ سَيَكُونُ)

أي على وفق اعتقادهم.

(لَا يُكَذِّبُ)؛

من باب التفعيل.

(نَفْسَهُ)

في إخباره للملائكة.

(وَلَا مَلَائِكَتَهُ)

في تبليغهم إلى الأنبياء.

(وَلَا رُسُلَهُ)

في تبليغهم إلى الناس.

(وَعِلْمٌ عِنْدَهُ مَخْزُونٌ، يُقَدِّمُ مِنْهُ مَا يَشَاءُ)

أي إن شاء قدّم المؤخّر في اعتقاد غيره.

(وَيُؤَخِّرُ

(1)

مَا يَشَاءُ)

أي إن شاء أخّر المقدّم في اعتقاد غيره.

(وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ)

أي إن شاء أوجد ما اعتقد غيرُه أنّه لا يوجده. وليس المقصود الفرق بين العلمين بخروج المعلوم الأوّل عن قدرته تعالى وعن أن يكون له فيه البداء، دون الثاني؛ بل المقصود أنّه لا يقبح عنه تعالى أن يخالف اعتقاد غيره في الثاني، دون الأوّل؛ فإنّ المخالفة فيه قبيح.

ودلالة الحديث على البداء باعتبار دلالته على أنّ كلّاً من التقديم والتأخير والإيجاد متجدّد باعتبار صدوره عنه تعالى، لأنّه لم يخرج بعدُ عن قدرته تعالى، وإن كان قبيحاً في الأوّل دون الثاني. وسيجي‏ء في ثاني «باب نادر فيه ذكر الغيب» من «كتاب الحجّة» (2) ما يوافق هذا.

____________

(1). في الكافي المطبوع:+/ «منه».

(2). الكافي، ج 1، ص 333، باب نادر في حال الغيبة، ح 2.

417

الثامن:

(وَبِهذَا الْإِسْنَادِ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنِ الْفُضَيْلِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: مِنَ الْأُمُورِ أُمُورٌ مَوْقُوفَةٌ عِنْدَ اللَّهِ)

أي لم يطلع عليها أحداً من خلقه.

(يُقَدِّمُ مِنْهَا مَا يَشَاءُ)

أي إن شاء قدّم المؤخّر باعتقاد غيره.

(وَيُؤَخِّرُ مِنْهَا مَا يَشَاءُ)

أي إن شاء أخّر المقدّم باعتقاد غيره. والمعنى أنّه لا يقبح منه تعالى ذلك التقديم والتأخير.

ودلالة الحديث على البداء كما مرّ في سابع الباب.

ويحتمل أن يكون المراد بالموقوفة ما لم يقع بعدُ، وبمقابلها الواقعةَ المقضيّة.

ودلالة الحديث على البداء حينئذٍ كما مرّ في خامس الباب.

التاسع:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ،

(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ عِلْمَيْنِ)

أي قسمين من العلم:

(عِلْمٌ مَكْنُونٌ مَخْزُونٌ لَايَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ)،

كالعلم بسرّ اللَّه تعالى في القدر، فإنّه وردت روايات كثيرة بأنّ القدر سرٌّ من سرّ اللَّه لا يطّلع عليه إلّااللَّه الواحد الفرد. (2)

(مِنْ ذلِكَ يَكُونُ الْبَدَاءُ).

«من» سببيّة، يعني تجدّدُ الفعل بعد الفعل من اللَّه بقدرته وتدبيره بعد ما لم يعلمه أحد غيره، ليس مستنداً إلّاإلى ذلك العلم.

(وَعِلْمٌ عَلَّمَهُ مَلَائِكَتَهُ وَرُسُلَهُ وَأَنْبِيَاءَهُ، فَنَحْنُ نَعْلَمُهُ).

يعني لا يكون بداؤه تعالى مستنداً إلى هذا القسم من العلم.

وكأنّ هذا إشارة إلى أنّه يمكن أن يعتقد الملائكة والرُّسل والأنبياء والأوصياء بدون توقيفٍ أنّه سيقع كذا ولا يقع، ويجوز أن يخبروا بوقوعه بدون الاستناد إلى التوقيف بحيث لا يلزم منه القول على اللَّه بغير علم، كالخبر بمجي‏ء زيد من السفر غداً ولا يقع أي لا يقضي اللَّه تعالى وقوعه في الغد.

____________

(1). في الكافي المطبوع:+/ «ووهيب بن حفص عن أبي بصير».

(2). التوحيد، ص 383، باب القضاء والقدر و ...، ح 32؛ بحار الأنوار، ج 5، ص 97، ح 23.

418

وقد نقل أمثال ذلك عن الأنبياء، كما يجي‏ء في «كتاب الزكاة» في ثالث «باب أنّ الصدقة تدفع البلاء» أنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) قال: «إنّ هذا اليهودي يَعَضُّه أسودُ في قفاه فيقتله، ثمّ لم يقع، ففتّش عن حطب كان على كتفه، فإذا أسود عاضّ على عود». (1)

وكذلك كان اعتقاد الملائكة أنّ اللَّه تعالى ليس بجاعل في الأرض خليفة، فلمّا أخبر اللَّه تعالى بذلك قالوا: «أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ» (2) الآية في سورة البقرة، وسيجي‏ء الفرق بين الرسول والنبيّ في «كتاب الحجّة» في «باب طبقات الأنبياء والرسل والأئمّة (عليهم السلام)». (3)

العاشر:

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: مَا بَدَا لِلَّهِ فِي شَيْ‏ءٍ).

الضمير المستتر في «بدا» راجع إلى المصدر بنوع من المجاز، نظير: جدَّ جدّه، ونظير: حيل بين العير والنزوان؛ (4) أي ما وقع بداء للَّه‏تعالى في شي‏ء.

(إِلَّا كَانَ).

الضمير المستتر راجع إلى مصدر «بدا» أو إلى «شي‏ء».

(فِي عِلْمِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ لَهُ).

هذا ردّ على من توهّم من لفظ البداء أنّ نسبته إلى اللَّه تعالى نسبة بداء ندامة، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً؛ وعلى اليهود حيث زعموا أنّ اللَّه ندم على خلق بني آدم فأرسل إليهم الطوفان، ثمّ ندم على الطوفان؛ أو ردّ على من زعم أنّه تعالى لا يعلم الجزئيّات إلّا حين وقوعها، وأمّا قبل الوقوع فلا يعلم إلّاالمهيّة، (5) كما يجي‏ء في سابع عشر الباب.

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 5، ح 3 مع اختلاف يسير.

(2). البقرة (2): 30.

(3). الكافي، ج 1، ص 174.

(4). تقدّم توضيحه.

(5). في حاشية «أ»: «لعلّه الفخر الرازي في المحصّل (منه)». انظر المحصّل، ص 483؛ تفسير الرازي، ج 2، ص 158؛ معارج الفهم، ص 283.

419

الحادي عشر:

(عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْدُ لَهُ مِنْ جَهْلٍ).

ردٌّ على من توهّم أنّ نسبة البداء إليه تعالى نسبة بداء ندامة، وعلى من نسب الندامة إليه تعالى.

الثاني عشر:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ يُونُسَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): هَلْ يَكُونُ الْيَوْمَ شَيْ‏ءٌ لَمْ يَكُنْ فِي عِلْمِ اللَّهِ بِالْأَمْسِ؟ قَالَ:

لَا)

أي لا يكون.

(مَنْ قَالَ هذَا).

يحتمل أن يكون الإشارة إشارةً إلى أن يكون اليوم شي‏ء لم يكن في علم اللَّه، وأن يكون إشارةً إلى مبنى السؤال؛ كأنّه (عليه السلام) علم أنّ سؤاله هذا مبنيّ على نسبة المخالفين إلينا إنّا قائلون ببداء الندامة.

(فَأَخْزَاهُ اللَّهُ)

أي أذلّه وفضحه.

(قُلْتُ: أَ رَأَيْتَ).

لمّا كان السؤال الأوّل مختصّاً بمثال، أراد السؤال صريحاً عن العامّ.

(مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلى‏ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَ لَيْسَ فِي عِلْمِ اللَّهِ؟).

إن اريد بيوم القيامة الزمان المخصوص، فيحتمل أن يكون سؤاله سؤالًا عن كلّ واحد من الكائنات وعن مجموعها؛ وإن اريد به الزمان الغير المتناهي وقد يستعمل فيه عرفاً، فالسؤال إنّما هو عن كلّ واحد؛ لأنّ غير المتناهي الموجود في نفسه في الخارج لا مجموع له، بمعنى أنّه ليس لمفهوم المجموع فيه فرد حقيقي. وتحقيقه في محلّ آخر.

(قَالَ: بَلى‏، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ).

أي المخلوق.

الثالث عشر:

(عَلِيٌّ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ مَالِكٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: لَوْ عَلِمَ النَّاسُ مَا فِي الْقَوْلِ بِالْبَدَاءِ مِنَ الْأَجْرِ).

مضى في أوّل الباب وثانيه.

(مَا فَتَرُوا).

«ما» نافية. والفترة والفتور: الانكسار والضعف، وفتر كنصر. وذلك لأنّ كلّ عمل تكثر الدواعي إليه وتقوى لا يحصل لفاعله فيه فتور وإن شقّ.

420

(عَنِ).

لتضمين الفتور معنى العدول.

(الْكَلَامِ فِيهِ).

الرابع عشر:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْكُوفِيِّ أَخِي يَحْيى‏، عَنْ مُرَازِمِ بْنِ حَكِيمٍ)؛

بفتح المهملة.

(قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: مَا)؛

نافية.

(تَنَبَّأَ)؛

بالهمز، أي صار نبيّاً. ويُقال أيضاً: تنبّأ مسيلمة، أي تكلّف النبوّة.

(نَبِي‏ءٌ

(1)

بالهمز لغة أهل مكّة، وشدّ الياء لغة سائر العرب. (2)

(قَطُّ)؛

بفتح القاف وشدّ المهملة مبنيّةً على الضمّ، ظرف زمان لاستغراق ما مضى بالنفي، وبُنيت لتضمّنها معنى «مذ» و «إلى» و «إذ». المعنى: مذ خلق العالم إلى الآن، وبناؤها على حركة لئلّا يلتقي الساكنان، وكانت الضمّةَ تشبيهاً بالغايات، وقد تكسر على أصل التقاء الساكنين، وقد يتبع قافُه طاءه في الضمّ، وقد يخفّف طاؤه مع ضمّها أو إسكانها. (3)

(حَتّى‏ يُقِرَّ لِلَّهِ بِخَمْسٍ‏

(4)

: بِالْبَدَاءِ).

وهذا ردّ على اليهود والفلاسفة وبعض المتكلّمين كما مرّ في الباب.

(وَالْمَشِيئَةِ)؛

بفتح الميم وكسر المعجمة وسكون الخاتمة والهمز، ويجوز قلب الهمزة والإدغام؛ أي وبأنّه لا يجري في ملكه من طاعة أو عصيان إلّاما شاء، فما شاء اللَّه كان، وما لم يشأ لم يكن.

وهذا ردّ على المجوس والمعتزلة حيث قالوا: إنّ المعصية ليست بمشيئة اللَّه، أي إنّه ليس في مقدوره تعالى من اللطف ما لو فعله بالعاصي لأطاع. (5)

____________

(1). في الكافي المطبوع: «نَبِيٌّ».

(2). النهاية، ج 5، ص 3 (نبأ).

(3). عمدة القارى‏ء، ج 1، ص 53.

(4). في الكافي المطبوع:+/ «خصال».

(5). المغني في أبواب العدل والتوحيد، ص 218؛ شرح الاصول الخمسه، ص 316. و حكاه عن المعتزلة العلّامة في معارج الفهم، ص 413.

421

وسيجي‏ء تحقيقه في أوّل «باب في أنّه لا يكون شي‏ء في الأرض ولا في السماء إلّا بسبعة».

(وَالسُّجُودِ)

أي وبأنّه يسجد له ما في السماوات والأرض؛ أي ينقاد، وقدرته نافذة في جميعه.

وهذا ردّ على الفلاسفة حيث قالوا: إنّ الأفلاك غير قابلة للخرق والالتئام. (1)

وعلى المعتزلة حيث قالوا: إنّ قدرة العبد على فعل في وقت تتقدّم على هذا الوقت، فالعبد مستقلّ بالقدرة، وليس فعله موقوفاً على الإذن من اللَّه. (2) وسيجي‏ء تحقيق هذا أيضاً في أوّل «باب في أنّه لا يكون» إلى آخره.

وعلى بعض المعتزلة حيث قال: إنّه تعالى ليس قادراً على شخص مقدور العبد، (3) وبعضهم قال: لا يقدر على مثل مقدور العبد أيضاً. (4)

(وَالْعُبُودِيَّةِ)؛

بضمّ المهملة والموحّدة وسكون الواو وكسر المهملة وشدّ الخاتمة، أي وبأنّ الخلائق جميعهم عبادُ اللَّه.

وهذا ردّ على النصارى حيث قالوا في عيسى‏ (عليه السلام): إنّه ابن اللَّه، فقال تعالى: «لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ» (5).

(وَالطَّاعَةِ)

أي وبأنّه لا يسقط التكليف عن أحد لكمال، بل تكليف الأنبياء بطاعتهم وتحمّل أعباء النبوّة كان أعظم، ثمّ الأوصياء ثمّ الأمثل فالأمثل.

____________

(1). حكاه الرازي في تفسيره، ج 22، ص 167 عن جمهور الفلاسفة وأصحاب الهيئة، ومثله حكى المجلسي في بحار الأنوار، ج 55، ص 129.

(2). شرح الاصول الخمسة، ص 390. وحكاه عنهم السيّد المرتضى في الذخيرة في علم الكلام، ص 88؛ وشرح‏جمل العلم والعمل، ص 97؛ والشيخ الطوسي في الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد، ص 104؛ والعلّامة في نهج الحقّ، ص 129.

(3). حكاه العلّامة في معارج الفهم، ص 255 عن جماعة من المعتزلة.

(4). حكاه العلّامة في معارج الفهم، ص 254 عن البلخي. وانظر المواقف، ص 283؛ وشرح المواقف، ج 8، ص 60.

(5). النساء (4): 172.

422

وهذا ردّ على بعض الصوفيّة حيث قالوا: إنّ الأعمال الشرعيّة ساقطة عن الكاملين، فإنّها بمنزلة أعمال أهل الكيمياء، إنّما يحتاج إليها النحّاس ما لم يصر ذهباً، وبمنزلة معالجات الأطبّاء للمرضى، إنّما يحتاج إليها المريض ما لم يصر صحيحاً.

وليس لهم استدلال على عقائدهم إلّابالشعريات.

الخامس عشر:

(وَبِهذَا الْإِسْنَادِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ جَهْمِ بْنِ أَبِي جَهْمَةَ)؛

بفتح الجيم وسكون الهاء.

وفي كتاب الرجال: «ابن أبي جهم» بدون الهاء أخيراً. (1)

وفي النجاشي: «جهيم بن أبي جهيم، ويُقال: ابن أبي جهيمة». (2)

(عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ- عَزَّ وَجَلَّ- أَخْبَرَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه و آله) بِمَا كَانَ مُنْذُ كَانَتِ الدُّنْيَا).

«مذ» و «منذ» قد تليهما الجملة الفعليّة أو الاسميّة، والمشهور أنّهما حينئذٍ ظرفان مضافان قيل إلى الجملة، وقيل: إلى زمن مضاف إلى الجملة، وقيل: مبتدآن، فيجب تقدير زمن مضاف للجملة يكون هو الخبر. (3)

(وَبِمَا يَكُونُ إِلَى انْقِضَاءِ الدُّنْيَا، وَأَخْبَرَهُ بِالْمَحْتُومِ)؛

بالمهملة؛ (4) من حتمه كضربه: إذا أوجبه عليه. والحتم أيضاً إحكام الأمر، والحتم أيضاً القضاء الذي لا اختيار للخلق في مقضيّه.

(مِنْ ذلِكَ).

الإشارة إلى مجموع ما كان ويكون، والمحتوم منه ما كان؛ لأنّه مضى، فليس للَّه‏تعالى فيه البداء، فهو كالواجب الذي فاعله مجبور فيه، أو الإشارة إلى ما

____________

(1). رجال الطوسي، ص 333، الرقم 3.

(2). رجال النجاشي، ص 132، الرقم 338. وفيه: «جهيم بن أبي جهم ويقال: ابن أبي جهمة». وانظر معجم رجال الحديث، ج 5، ص 153.

(3). مغني اللبيب، ج 1، ص 336 (منذ، مذ). وانظر القاموس المحيط، ج 1، ص 359 (مذ).

(4). في «أ»: «المهملة».

423

يكون، ويرجع إلى مضمون تاسع الباب.

(وَاسْتَثْنى‏)؛

بصيغة المعلوم، وفيه ضمير اللَّه.

(عَلَيْهِ)

أي على محمّد (صلى الله عليه و آله).

(فِيمَا سِوَاهُ).

الضمير للمحتوم، ومعنى الاستثناء بيان أنّه ليس محتوماً، بل بمشيّتي، إن شئت خلقت، وإن لم أشأ لم أخلق.

واستعمال «على» هنا للدلالة على أنّه أخذ منه الإقرار بذلك، وشرطه‏ (1) عليه.

وهذا الاستثناء يدلّ على البداء، أي ترتّب الأشياء باعتبار الصدور عنه تعالى بالقدرة.

السادس عشر:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّيَّانِ)؛

بفتح المهملة، وشدّ الخاتمة.

(بْنِ الصَّلْتِ)؛

بفتح المهملة، وسكون اللام، والمثنّاة.

(قَالَ: سَمِعْتُ الرِّضَا (عليه السلام) يَقُولُ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً قَطُّ إِلَّا بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ).

ردٌّ على المخالفين حيث قالوا: إنّ الخمر كان في شرع موسى‏ حلالًا، وكأنّه ردّ عليهم أيضاً في قولهم: إنّ الخمر كان في صدر الإسلام حلالًا ثمّ نسخ، وينقلون في ذلك حكايات. (2)

(وَأَنْ يُقِرَّ لِلَّهِ بِالْبَدَاءِ).

ظاهر ممّا سبق في الباب من الأحاديث.

السابع عشر:

(الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُعَلَّى)؛

بضمّ الميم، وفتح المهملة، وشدّ اللام المفتوحة.

(بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سُئِلَ الْعَالِمُ (عليه السلام)).

المراد صاحب الزمان (عليه السلام) بتوسّط أحد السفراء، أو بلا توسّط، أو الحديث مرسل بناءً على أنّ «معلّى» ممّن لم يرو عن أحد من الأئمّة (عليهم السلام) أي بلا واسطة.

____________

(1). في «ج»: «وشرط».

(2). انظر تفسير مقاتل بن سليمان، ج 1، ص 319، ذيل الآية 90 من سورة المائدة؛ جامع البيان للطبري، ج 2، ص 491؛ وج 7، ص 45؛ تفسير أبي حاتم الرازي، ج 2، ص 389.

424

(كَيْفَ عَلِمَ اللَّهُ؟

(1)

بصيغة الماضي المعلوم المجرّد؛ أي كيف علم اللَّه الأشياء قبل خلقها.

ويحتمل أن يكون مصدراً مضافاً إلى الفاعل، كأنّه اختلج في ذهن السائل بعض شبه المنكرين للبداء له تعالى، وقد مضت في الباب مع أجوبتها.

ويحتمل أن يكون المختلج في ذهن السائل شبهة المنكرين لعلمه تعالى بالجزئيّات الحوادث، وهي أنّه يستلزم أن يكون مجبوراً في خلقها، فإنّ القدرة ملزومة لجواز عدم وقوع المقدور، والعلم ملزوم لوجوب وقوع المعلوم، فإنّه لو جاز عدم وقوع المعلوم لزم أن يكون العلم جهلًا، وتنافي اللوازم يستلزم تنافي الملزومات. (2)

والجواب منع قولهم: إنّه لو جاز عدم وقوع المعلوم لزم أن يكون العلم جهلًا، مستنداً بالفرق بين الجواز المقابل للوجوب السابق والامتناع السابق، والجوازِ المقابل للوجوب اللاحق والامتناع اللاحق. ومعنى الوجوب السابق وجوب الشي‏ء بالنسبة إلى ما يتوقّف ذلك الشي‏ء عليه، ومعنى الامتناع السابق امتناع الشي‏ء لعدم ما يتوقّف ذلك الشي‏ء عليه، ومعنى الوجوب اللاحق وجوب الشي‏ء بالنسبة إلى تابعه، أو إذا أخذ بشرط تحقّقه. ويسمّى القسم الثاني من الوجوب اللاحق وجوباً بشرط المحمول، ومعنى الامتناع اللاحق امتناع الشي‏ء لأجل تابع عدمه.

وأجاب (عليه السلام) بتحقيق الحقّ بحيث يعلم منه إجمالًا الإشارة إلى منع مقدّماتهم، فإنّ قوله (عليه السلام) هو الحجّة والبرهان، ولا يبقى معه شي‏ء من الشبه التي لم تورث ظنّاً فضلًا عن العلم، إنّما أورثت معارضة وهميّة.

(قَالَ: عَلِمَ)؛

بصيغة المعلوم المجرّد، أي علم كلّ جزئي من جزئيّات الحوادث قبل وقوعه، وجميع وجوه المصالح والمفاسد فيه.

(وَشَاءَ، وَأَرَادَ وَقَدَّرَ، وَقَضى‏ وَأَمْضى‏).

المقصود أنّ قدرته تعالى على خلق ما خلق لا يرتفع بعلمه به، ولا بمجموع علمه به ومشيّته، ولا بمجموع الاثنين وإرادته له، ولا

____________

(1). في الكافي المطبوع: «عِلْمُ اللَّهِ» بالمصدر المضاف إلى الفاعل.

(2). انظر المواقف للإيجي، ج 3، ص 11 و 21 و 103؛ قواعد المرام لابن ميثم، ص 98. وحكاه عن الحكماء العلّامة في النافع يوم الحشر، ص 39؛ وكشف المراد، ص 400، تحقيق الآملي؛ وفي طبعة تحقيق الزنجاني، ص 311.

425

بمجموع الثلاثة وتقديره له، ولا بمجموع الأربعة وقضائه له؛ إنّما يرتفع إذا انضمّ إلى هذا المجموع إمضاؤه له؛ لأنّ القدرة بمعنى صحّة الفعل والترك لا تتعلّق بالمحال من حيث إنّه محال، والإمضاء يجعل الشي‏ء ماضياً، ورفع الشي‏ء الواقع في الزمان الماضي عن الزمان الماضي محال بالذات.

واعلم أنّ جوابه (عليه السلام) في ضمن مثال هو خلقه تعالى الأرض وما فيها من الإنسان وسائر الحيوانات وغير ذلك، وبيّن أنّ خلقها في أربع نوبات، وبيّن أنّ اليوم الأوّل يوم المشيّة، واليوم الثاني يوم الإرادة، واليوم الثالث يوم التقدير، واليوم الرابع يوم القضاء، وبيّن أنّ بقاء هذا النظام في الأرض إمضاء، وهو متأخّر عن أصل خلقها، وخارج عن الأيّام الأربعة.

وتوضيح ذلك: أنّ لكلّ فاعل مختار في فعله مشيّةً وإرادةً، وتقديراً وقضاءً.

والمشيّة في أصل اللغة من شاءه: إذا مال إلى كونه شيئاً إمّا بجعله شيئاً، وإمّا بتسبيب سبب يفضي إلى شيئيّته مع العلم بالإفضاء، وإمّا بغير ذلك؛ فهي تدبير متعلّق بشي‏ء من حيث إنّه شي‏ء. (1)

والإرادة في أصل اللغة من أراده: إذا شاء ورجّحه على بدله، ومنها الارتياد، أي طلب الأحرى، فهي مركّبة مفهوماً من المشيّة وقيدٍ هو الترجيح على البدل، فحدّها أنّها نوع ترجيح لوقوع أحد أمرين بينهما بدليّة على وقوع الآخر لداع. (2)

والتقدير في أصل اللغة من قدّره: إذا أراده وعيَّن قَدَرهُ من طول وعرض ونحوهما؛ فهو مركّب مفهوماً من الإرادة وقيدٍ هو تعيين القدر. (3)

والقضاء في أصل اللغة من قضاه: إذا دبّره من جميع الوجوه الميسّرة له، وختمه أي جعله بحيث لا يحتاج إلى عود إلى تدبيره وتجديد تدبير آخر له، فهو مركّب مفهوماً

____________

(1). النهاية، ج 2، ص 517؛ لسان العرب، ج 1، ص 103 (شيئاً)؛ الفروق اللغوية، ص 35، الفرق بين الإرادة والمشيئة.

(2). الصحاح، ج 2، ص 478؛ الفروق اللغويّة، ص 35، الفرق بين الإرادة والمشيئة.

(3). الفروق اللغويّة، ص 38 و 422، الفرق بين القدر والقضاء؛ معجم مقاييس اللغة، ج 5، ص 62.

426

من التقدير وقيدٍ هو الختم. (1) ويتصادق هذه المفهومات الأربعة في فعل لم يتقدّمه مفض إليه لولاه لم يتحقّق هذا الفعل، أو تقدّمه ولم يلاحظ المقدّم.

ولذا فسّر أهل اللغة كلّاً من المشيئة والإرادة بالاخرى، ويتصادق بعضها في فعل تقدّمه مفض أو مفضيان، أو لوحظ ذلك فقط، وتتفارق فيما تقدّمه امور كلّ واحدٍ منها مفض إليه لولاها لم يتحقّق.

ولوحظ ذلك إلى أقسام أربعة؛ لأنّ الامور إمّا امور مقدّمة زماناً على الفعل، وإمّا مجتمعة معه زماناً، والمقدّمة المتعدّدة لها أوّل وآخِر ووسط، فتخصّص أوّلها بلفظ المشيّة؛ لأنّها أبسط مفهوماً، فيناسب تخصيصها بالأوّل، وتخصّص الوسط بلفظ الإرادة؛ لأنّها أبسط مفهوماً بعد المشيّة، وتخصّص الآخر بلفظ التقدير؛ لأنّه أبسط مفهوماً بعد الإرادة، وتخصّص المجتمع مع الفعل بلفظ القضاء؛ لأنّه أشدّ تركيباً، وفيه الختم، فيناسب تخصيصه بالآخر.

ولعلّ هذه التخصيصات مَجازات لغةً.

إن قلت‏

: إذا كان القدر والقضاء متلازمين، فما معنى ما روى ابن بابويه في كتاب التوحيد في «باب القضاء والقدر» عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «أفرّ من قضاء اللَّه إلى قدر اللَّه عزّ وجلّ» حين عدل من عند حائط مائل إلى حائطٍ آخر، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتفرّ من قضاء اللَّه؟ (2)

قلت‏

: إنّما تلازمهما إذا تعلّقا بشي‏ءٍ واحد.

ومعنى الحديث: أفرّ الآنَ من أن يقضى عَلَيَّ بعد الآنَ- أي في وقت الفعل- سقوطُ الحائط عليَّ إلى أن يقدّر لي الآنَ- أي قبل وقت الفعل- عدمُ سقوطه عَلَيَّ في وقت الفعل. وهذا بيان أنّ القدر والقضاء من اللَّه تعالى لا يوجب جبر العبد على أفعاله الاختياريّة كما سنفصّله في أوّل «باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين» وفي أحاديث‏

____________

(1). الفروق اللغويّة، ص 38 و 422، الفرق بين القدر والقضاء؛ معجم مقاييس اللغة، ج 5، ص 62.

(2). التوحيد، ص 369، ح 8.

427

«باب الاستطاعة». ويجي‏ء في «كتاب الإيمان والكفر» في خامس «باب فضل اليقين» (1) عدمُ فراره (عليه السلام) من هذا وأشباهه.

وليعلم أنّ المشيّة والإرادة والتقدير والقضاء قد يتعلّق بالفعل الاختياري للغير، فتجري فيه أيضاً الأقسام الأربعة باعتبار أقسام المقضيّ إليه، كما نوضحه في باب بعد هذا الباب.

بيّن (عليه السلام) الترتيب بين الخصال بقوله:

(فَأَمْضى‏ مَا قَضى‏، وَقَضى‏ مَا قَدَّرَ، وَقَدَّرَ مَا أَرَادَ).

فيه اقتصار، فإنّ تتمّته المحذوفة:

«وأراد ما شاء وشاء ما علم». والمقصود أنّه لم يتعلّق إمضاؤه وقضاؤه إلّابما تعلّق به علمه، والإمضاء والقضاء متعلّقان بالجزئيّات من حيث هي جزئيّات، فعلمه أيضاً متعلّقٌ بها من هذه الحيثيّة.

وهذا ردّ لما توهّمه السائل من نفي العلم بالجزئيّات من حيث هي جزئيّات، ثمّ أكّد بيان الترتيب بقوله:

(فَبِعِلْمِهِ كَانَتِ الْمَشِيئَةُ، وَبِمَشِيئَتِهِ كَانَتِ الْإِرَادَةُ، وَبِإِرَادَتِهِ كَانَ التَّقْدِيرُ، وَبِتَقْدِيرِهِ كَانَ الْقَضَاءُ، وَبِقَضَائِهِ كَانَ الْإِمْضَاءُ).

الباء في المواضع للاستعانة، والمقصود أنّه لولا علمه بالجزئي من حيث إنّه جزئي، لم يتعلّق قضاؤه وإمضاؤه بالجزئي من حيث إنّه جزئي؛ ردّاً لما توهّمه السائل، وذلك لأنّه لولا تعلّق علمه بالجزئي، لم تتعلّق به مشيّته، ولولا تعلّق مشيّته بالجزئي، لم تتعلّق به إرادته، ولولا تعلّق إرادته بالجزئي، لم يتعلّق به تقديره، ولولا تعلّق تقديره بالجزئي، لم يتعلّق به قضاؤه، ولولا تعلّق قضائه بالجزئي، لم يتعلّق به إمضاؤه؛ وذلك لانّ جعل الشي‏ء ماضياً فعل اختياري، فإنّه لو لم يفعل في وقته لم يصر من الامور الماضية.

ويحتمل أن يكون المراد أنّه لولا المشيّة لم تكن إرادة أصلًا؛ لأنّ الكاشف هنا دائر مع المكشوف عنه وجوداً وعدماً؛ أي وقوعه يكشف عن وقوعه، وعدمه عن عدمه.

____________

(1). الكافي، ج 2، ص 58، ح 5.

428

ثمّ أكّد الترتيب بقوله:

(وَالْعِلْمُ)

أي بالجزئي من حيث إنّه جزئي.

(مُتَقَدِّمٌ‏

(1)

الْمَشِيئَةَ، وَالْمَشِيئَةُ ثَانِيَةٌ)

إمّا بلفظ تأنيثِ «ثاني» وإمّا بلفظ إضافة ثاني إلى ضمير العلم. وكذا في قوله:

(وَالْإِرَادَةُ ثَالِثَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ وَاقِعٌ عَلَى الْقَضَاءِ).

«على» نهجيّة لا بنائيّة، وإلّا أفاد عكس الترتيب.

(بِالْإِمْضَاءِ).

ذكر الباء هنا إشارة إلى أنّ القضاء لا يمكن ذاتاً انفكاكه عن إمضاء في الجملة، بخلاف المراتب الاول، فإنّ استحالة الانفكاك بينها للعلم بالمصلحة لا ذاتاً.

ويوافق ذلك ما يجي‏ء في أوّل «باب المشيّة والإرادة» من قوله (عليه السلام): «إذا قضى أمضاه».

(فَلِلَّهِ- تَبَارَكَ وَتَعَالى‏- الْبَدَاءُ فِيمَا عَلِمَ مَتى‏ شَاءَ).

تفريعٌ لقدرته على الجزئيّات المعلومة على الترتيب، واللام للملكيّة.

و «ما علم» عبارة عن المعلوم الذي سيقضيه ويمضيه. والبداء في المعلوم أن يتجدّد منه تعالى كاشف عن عدم وقوع المعلوم.

ومعنى «متى شاء»: حين شاء المعلوم. والمقصود أنّه قادر حين المشيّة له أن لا يشاء؛ وذلك لأنّ الوجوب بالنسبة إلى العلم وجوب لاحق، لا سابق؛ فلا ينافي القدرة على عدمه.

(وَفِيمَا أَرَادَ).

فيه اقتصار، والمقصود: وفيما شاء متى أراد وفيما أراد.

(لِتَقْدِيرِ الْأَشْيَاءِ).

اللام بمعنى «عند» كقولهم: كتبته لخمس خلون من شهر كذا.

والمراد لتقديره. وإنّما أضافه إلى «الأشياء» إشارة إلى أنّ ما علم مركّب من أشياء؛ لأنّ المراد به الأرض وما فيها. وفيه اقتصار، أي وفيما قدّر إذا قضى.

(فَإِذَا وَقَعَ الْقَضَاءُ بِالْإِمْضَاءِ).

فيه أيضاً إشارة إلى أنّ القضاء لا ينفكّ عنه الإمضاء كما مرَّ آنفاً.

____________

(1). في الكافي المطبوع:+/ «على».

429

(فَلَا بَدَاءَ)

أي لا بداء في هذا المعلوم؛ لأنّ الماضي خارج عن القدرة، بمعنى صحّة الفعل والترك.

(فَالْعِلْمُ فِي الْمَعْلُومِ‏

(1)

).

«في» هنا وفي نظائره للظرفيّة المجازيّة، أي متعلّق بالمعلوم الجزئي من حيث إنّه جزئي كأنّه حاصل فيه.

(قَبْلَ كَوْنِهِ).

هذا إنّما يتصحّح بالقول بثبوت المعدومات في الخارج؛ لبداهة أنّ العلم بلا شي‏ء محضٍ محالٌ، وتفصيله في محلّه. وكأنّ في استعمال «في» الدالّةِ في الأصل على الظرفيّة ونحو من المتبوعيّة إشارةً إليه، وخبر المبتدأ الجارّ والمجرور.

ويحتمل أن يكون الخبر «قبل كونه» وقس عليه قوله:

(وَالْمَشِيئَةُ فِي الْمُنْشَا)؛

بضمّ الميم وسكون النون وفتح المعجمة والهمز؛ أي في المشي، وإنّما عبّر عنه بالمنشأ إشارةً إلى أنّ المشيّةَ ابتداء فعل كاشف عنه، فكأنّه أحدثه حين المشيّة.

(قَبْلَ عَيْنِهِ)

أي وجوده العيني، وهو حين القضاء.

(وَالْإِرَادَةُ فِي الْمُرَادِ قَبْلَ قِيَامِهِ)

أي بقائه، وهو حين الإمضاء؛ يُقال: أقام الشي‏ء، أي أدامه؛ من قوله تعالى: «وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ». (2)

لمّا كانت الإرادة إدامةً للمشيّة وبقاءً عليها، والإمضاء إدامةً للقضاء، ناسب ذكر أنّ الإرادة قبل الإمضاء، كما ناسب أن يُقال: إنّ المشيّة قبل القضاء.

(وَالتَّقْدِيرُ لِهذِهِ الْمَعْلُومَاتِ قَبْلَ تَفْصِيلِهَا وَتَوْصِيلِهَا عِيَاناً وَوَقْتاً)

أي قبل وجودها الخارجي؛ فإنّ المفعولات قد ينفصل بعضها عن بعض في الوجود الخارجي، إمّا بحسب المعاينة والوضع كجسم في المشرق وآخَرَ في المغرب، وإمّا بحسب الوقت كآدم ونوح؛ وقد يتّصل إمّا بحسب المعاينة والوضع كجسمين متلاصقين، وإمّا بحسب الوقت كالامور المجتمعة في آنٍ واحدٍ.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «بالمعلوم».

(2). البقرة (2): 3.

430

لمّا كان التقدير تعيينَ القدر والوضع- بمعنى نسبة الأجزاء بعضها إلى بعض مكاناً وزماناً باعتبار أوّل الحدوث- ناسب ذكره مع الوضع بمعنى نسبته إلى الامور الخارجة مكاناً وزماناً.

(وَالْقَضَاءُ بِالْإِمْضَاءِ هُوَ الْمُبْرَمُ).

ذكر ضمير الفصل وتعريف الخبر باللام لإفادة الحصر، والمقصود أنّه في المبرم دون ما تقدّمه من العلم والمشيّة والإرادة والتقدير والقضاء مع قطع النظر عن الإمضاء، بناءً على ما اشتهر من أنّ الممكن في وقت وجوده ليس ضروريّاً وغير مقدور، إنّما يصير ضروريّاً وغير مقدور لشرط وجوده وبعد مضيّه؛ فالحمل في قوله: «هو المبرم» بنوع من المجاز، كما في قولنا: زيد الدارَ، بمعنى أنّه في الدار لا يفارقها.

والقرينة على تقدير «في» هنا التصريحُ بفي في الفقرات السابقة من قوله: «فالعلم في المعلوم» إلى آخره.

و «المبرم» اسم مفعول من أبرم الأمرَ: إذا أحكمه.

(مِنَ الْمَفْعُولاتِ).

«من» لبيان المبرم، أي هو ما فعل ووقع له عين ووجود في الخارج.

(ذَوَاتِ الْأَجْسَامِ).

«ذوات» جمع «ذات» بمعنى صاحبة، وهي بالجرّ عطف بيان أو صفة موضحة للمفعولات. والمراد بها ما ليس لها روح، فكأنّها لا تملك إلّاأنفسها، إذ ليست إلّاأجساماً، نظير قولنا: لا يملك زيد إلّانفسه، وليس زيد إلّاشيئاً، أي ليس له مال ولا كمال.

(الْمُدْرَكَاتِ بِالْحَوَاسِّ مِنْ ذَوِي لَوْنٍ وَرِيحٍ وَوَزْنٍ وَكَيْلٍ، وَمَا).

معطوفٌ على «ذوات الأجسام» المراد به ذوات الأرواح.

(دَبَّ وَدَرَجَ).

يُقال: دبّ على الأرض يدبّ بالكسر دبيباً: إذا مشى على هينة، (1) كمشي النمل على أرجله، والحيّة على بطنها، والطفل على استه. ودرج الرجل كنصر

____________

(1). الصحاح، ج 1، ص 124 (دبب).

431

دروجاً، أي مشى بسعة الخطوات. (1)

(مِنْ إنْسٍ).

اسمُ جنس «إنسى».

(وَجِنٍّ).

اسمُ جنس «جنّي».

(وَطَيْرٍ)

. جمع «طائر».

(وَسِبَاعٍ)

. جمع «سبع».

(وغير ذلك)

. الإشارة إلى المذكور، وهو (2) القسمان: «ذوات الأجسام» و «ما دبّ ودرج» وغيرهما الأعراض الموجودة في الخارج في أنفسها. ويحتمل أن يكون «ذلك» إشارةً إلى الإنس والجنّ والطير والسباع «وغيرُه» الملائكةَ وسائر الحيوانات.

(مِمَّا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ، فَلِلَّهِ- تَبَارَكَ وَتَعَالى‏- فِيهِ).

الفاء للتفريع على قوله: «والقضاء بالإمضاء هو المبرم». والضمير راجع إلى المبرم، أو إلى كلّ واحدٍ من المعلوم ونظائره في قوله: «فالعلم في المعلوم» إلى آخره. ومآلهما واحد.

(الْبَدَاءُ).

مبتدأ خبره الظرف الأوّل، والظرف الثاني متعلّق به.

(مِمَّا لَاعَيْنَ لَهُ).

«من» بمعنى «في» و «ما» مصدريّة نائبة عن الزمان. قال نجم الدين الرضيّ (رحمه اللَّه تعالى) في شرح الكافية في بحث حروف المصدر:

وصلة «ما» المصدريّة لا تكون عند سيبويه إلّافعليّة، وجوّز غيره الاسميّة أيضاً، وهو الحقّ وإن كان ذلك قليلًا كما في نهج البلاغة: «بقوا في الدنيا ما الدنيا باقية (3)». (4)

(فَإِذَا وَقَعَ الْعَيْنُ الْمَفْهُومُ)

أي المعلوم بالعقل.

(الْمُدْرَكُ)

أي بالحواسّ. والمراد وقوعه مع الإمضاء كما مرّ.

(فَلَا بَدَاءَ، وَاللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ).

يحتمل أن يكون استدراكاً لدفع أن يتوهّم ممّا سبق‏

____________

(1). الصحاح، ج 1، ص 313؛ لسان العرب، ج 2، ص 266 (درج).

(2). في «ج»: «وهما».

(3). نهج البلاغة، ص 90، الخطبة: 52. وفيه: «عُمِّرْتُم» بدل «بقوا».

(4). شرح الرضي على الكافية، ج 4، ص 441 (الحروف المصدرية).

432

من أنّ له تعالى البداءَ في المراتب إلى وقوع القضاء بالإمضاء، أنّه قد يقع خلاف ما شاء.

ويحتمل أن يكون استدلالًا بالقرآن على البداء، وعدم الجبر في أفعاله تعالى.

(فَبِالْعِلْمِ).

الباء فيه كالباء في قولهم: ماهيّة الشي‏ء ما به الشي‏ء هو هو، أي ما به يحكم بأنّ الشي‏ء هو هو.

(عَلِمَ)؛

بصيغة معلوم المجرّد.

(الْأَشْيَاءَ).

المراد بها الأجسام وصفاتها.

(قَبْلَ كَوْنِهَا)

أي حدوث شي‏ء منها في الخارج.

(وَبِالْمَشِيئَةِ عَرَّفَ)؛

بصيغة الماضي المعلوم من باب التفعيل من العرف بالفتح:

الرائحة.

(صِفَاتِهَا)

أي خلق لها أصلًا مشتركاً من غير تمييز بعضه عن بعض، وكان ذلك الأصل ماءً.

(وَحُدُودَهَا)

أي حقائقها وأنواعها.

(وَأَنْشَأَهَا)؛

بصيغة الماضي المعلوم من باب الإفعال، ويحتمل أن يكون بصيغة المصدر منه. والإنشاء: ابتداء الفعل الذي فيه تدريج.

(قَبْلَ إِظْهَارِهَا)

أي قبل تعيين أنواعها ووجودها الخارجي بخصوصيّاتها.

(وَبِالْإِرَادَةِ مَيَّزَ)؛

بصيغة الماضي المعلوم من باب التفعيل.

(أَنْفُسَهَا)

أي ذواتها بأن خلق لبعض المادّة المشتركة- وهي الماء- العذوبةَ حتّى يخلق منه الجنّة وأهل الطاعة، ولبعضها المُلُوحةَ حتّى يخلق منه النار وأهل المعصية، كما يجي‏ء في ثاني «كتاب الإيمان والكفر». (1)

(فِي أَلْوَانِهَا)

أي أنواعها.

(وَصِفَاتِهَا)

أي صفاتها الخاصّة التي بها يمتاز الأنواع بعضها عن بعض.

____________

(1). الكافي، ج 2، ص 6، باب آخر منه وفيه زيادة وقوع التكليف الأوّل، ح 1.

433

(وَبِالتَّقْدِيرِ قَدَّرَ)؛

بصيغة الماضي المعلوم من باب التفعيل.

(أَقْوَاتَهَا)

. جمع «قوت» بضمّ القاف، وهو ما يحفظ به الشي‏ء، ومنه قوت الإنسان، وهو ما يقوم ويحفظ به بدنه من الطعام. قيل: منه قوله تعالى: «وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مُقِيتاً» (1) أي حافظاً، وقيل: أي قادراً، (2) وذلك بخلق أنواع النبات والشجر ونحو ذلك.

(وَعَرَّفَ)؛

بصيغة الماضي المعلوم.

(أَوَّلَهَا وَآخِرَهَا)

أي جعل آخرها قريباً من الوجود وملحقاً بأوّلها، فكان كلّ منهما تشمّ رائحة الآخر.

(وَبِالْقَضَاءِ أَبَانَ لِلنَّاسِ)

أي خلق الناس من بعض تلك الأنواع وهو التراب، فأبان.

وهو المقصود بالذات من خلق الثلاثة المتقدّمة، كقوله تعالى: «خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» (3).

(أَمَاكِنَهَا)

أي أمكنتها ومواضعها التي جعلها اللَّه لها، وخصّص كلّاً منها بما يناسبه.

ويحتمل أن يُراد بالأماكن المراتب والمنازل في الشرف ونحو ذلك، نظير قوله تعالى: «فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ» (4).

(وَدَلَّهُمْ عَلَيْهَا)

أي على الحِكَم والمصالح التي روعي فيها.

(وَبِالْإِمْضَاءِ).

شروعٌ في بيان إبقاء النظام للتكليف والثواب [و] العقاب.

(شَرَحَ)؛

بصيغة الماضي المعلوم من باب منع.

(عِلَلَهَا)

أي كشف عن عللها الغائيّة كشفاً فوق الإبانة المذكورة سابقاً، فإنّ تكرّر المشاهدة وترتّب الفوائد يوضح عن الحِكَم أشدّ توضيح.

____________

(1). النساء (4): 85.

(2). الفروق اللغويّة للعسكري، ص 507، الفرق بين المقيت والقادر؛ الصحاح، ج 2، ص 262؛ معجم مقاييس اللغة، ج 5، ص 38؛ لسان العرب، ج 2، ص 75 (قوت).

(3). البقرة (2): 29.

(4). الواقعة (56): 75.

434

(وَأَبَانَ أَمْرَهَا)

أي الحكمة المرعيّة فيها، وهي التكليف وبعث الرُّسل وإنزال الكتب، وهي إبانة على إبانة.

(وَذلِكَ)

أي جميع ما ذكر في قوله: «وبالمشيّة عرّف» إلى آخره، وقيل: أي التدريج في الخلق مع أنّه قادر على خلق الجميع في أقلّ من لحظة. (1)

(تَقْدِيرُ)

أي تدبير.

(الْعَزِيزِ)

: البالغ في القدرة.

(الْعَلِيمِ)

: البالغ في العلم. وهذا اقتباس من سورة الأنعام ويس وفصّلت. (2)

____________

(1). انظر تفسير الرازي، ج 17، ص 11.

(2). الأنعام (6): 96؛ يس (36): 38؛ فصّلت (41): 12.

435

باب في أنّه لا يكون شي‏ء في الأرض ولا في السماء إلّابسبعة

الباب الخامس والعشرون بَابٌ فِي أنَّهُ لَايَكُونُ شَيْ‏ءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ إِلَّا بِسَبْعَةٍ (1)

فيه حديثان.

والمقصود بهذا الباب غير المقصود بآخر باب البداء، لأنّ هذا لبيان أفعال العباد للردّ على المعتزلة في الخمسة الاول من السبعة، وعلى الزنادقة أو على الأشاعرة في السادسة منها، وعلى الزنادقة في السابعة منها، دون أفعال اللَّه تعالى.

والمقصود بآخر باب البداء بيان أفعاله تعالى الواقعة بعد الأسباب العاديّة للردّ على الفلاسفة وأمثالهم من منكري البداء كما مرّ.

والقرينة أنّ أفعاله تعالى لا تتوقّف على الإذن، وأنّ فعله تعالى الإبداعيَّ ليس مسبوقاً بالخصال الأربع الاول، وأيضاً الخلاف الذي يجري فيه تكفير المخالف ليس في أفعاله تعالى في «الخصال الخمس الاول، فيأبي عنه قوله في أوّل الباب: «فمَن زعم أنّه يقدر على نقض واحدة فقد كفر».

وحينئذٍ يمكن أن يكون المراد بالأرض والسماء المعصيةَ والطاعةَ، كما في قوله تعالى في سورة الأعراف: «وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ» (2)، وأن يكون المراد بهما معناهما المشهورَ، ويكون العامّ مخصّصاً.

____________

(1). في الكافي المطبوع: «في السماء والأرض» بدل «في الأرض ولا في السماء». وفي حاشية «أ»: «أي لا يحدث شي‏ء في الأرض ولا في السماء إلّاما يتوسّط ويدخل في كونه سبعة أشياء، وكلّ واحد منها يسبقة. (ميرزا رحمه الله)». الحاشية على اصول الكافي، لميرزا رفيعا، ص 483.

(2). الأعراف (7): 176.

436

الأوّل:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ جَمِيعاً، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ)؛

بضمّ المهملة، وتخفيف الميم.

(عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ جَمِيعاً، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، أَنَّهُ قَالَ: لَا يَكُونُ)؛

بصيغة المعلوم المجرّد.

(شَيْ‏ءٌ)

أي فعل أو ترك صادر عن عبد.

(فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ).

الظرف لغو متعلّق بالكون. ومضى معنى الأرض والسماء في شرح عنوان الباب.

(إِلَّا بِهذِهِ).

الباء للملابسة.

(الْخِصَالِ السَّبْعِ)؛

(1) جمع «خصلة» بالفتح، وهي الصفة؛ فإنّ كلّاً من هذه السبع يوجب للفعل صفة اعتباريّة هي كونه بحيث يتعلّق به كذا.

(بِمَشِيئَةٍ، وَإِرَادَةٍ، وَقَدَرٍ، وَقَضَاءٍ)

أي من اللَّه تعالى متعلّقة بالفعل أو الترك.

____________

(1). في حاشية «أ»: «قوله: إلّابهذه الخصال السبع بمشيئة وإرادة إلى آخره، لمّا كانت المشيئة أوّل ما له اختصاص‏بشي‏ء دون شي‏ء، أخذ في عدّ سوابق وجود الأشياء وصدورها منه سبحانه من المشيئة، وبعدها الإرادة، وبعدها القدر، وبعده القضاء بالترتيب الذي في الحديث. وأمّا الإذن فهو الإعلام وإفاضة العلم- والكتاب- وهو ما يثبت فيه الأشياء وتقرر فيه- والأجل- وهو المدّة المعيّنة الموقّتة للأشياء- فهي داخلة في الإرادة والقدر؛ أو متخلّلة بين الأربعة بأن يكون الإذن متخللًاّ بين المشيئة والإرادة، والكتاب بينهما وبين القدر، والأجل بين القدر والقضاء، أو كلّ واحد من هذه الثلاثة داخل في كلّ واحد من الثلاثة الاول من الأربعة. وذكر ثلاثة مع الأربعة على تقدير الدخول للدلالة على دخولها في الأربعة وثبوت الوساطة في الإيجاد لها كما للأربعة. وعلى تقدير التخلّل للدلالة على ترتّب هذه الثلاثة على الثلاثة الأول من الأربعة، فهي كالتتمّة لها. وقوله: فمن زعم أنّه يقدر على نقص واحدة، أي إسقاطها من مقدّمات الإيجاد وجعلها أقلّ من سبعة فقد كفر؛ لأنّه كذّب على اللَّه وقال فيه خلاف الحقّ، وردّ على اللَّه حيث أنكر ما بيّنه في كتاب المبين. فمفاد هذا الكلام وكلام العالم (عليه السلام) في الحديث الثاني من هذا الباب واحد. وفي بعض النسخ: «نقض واحدة» بالضّاد المعجمه، أي الردّ على واحدة منها وتغيير مقتضاها ومكابرتها ومعارضتها. وهذه النسخة بقوله: «فقد كفر» أنسب. والنسخة الاولى للغرض المسبوق له الكلام وللحديث الثاني أوفق. (ميرزا رحمه الله)». الحاشية على اصول الكافي لميرزا رفيعا، ص 483- 485.

437

اعلم أنّ المعتزلة ومَن جرى على أثرهم وسّعوا دائرة قدرة العبد، فذهبوا إلى التفويض من جهتين، وصاروا بهما قدريّةً مرّتين. (1)

بيان ذلك: أنّ معنى التفويض إقدار اللَّه تعالى العبد على فعل بحيث يخرج عن يده تعالى أزمّة الفعل المقدور للعبد ما دام هذا الإقدار، وهذا معنى استقلال العبد في القدرة، وللتفويض بهذا المعنى فردان هو القدر المشترك بينهما، ويحصل بكلّ منهما استقلال للعبد في قدرته من جهة:

الأوّل: إقدار اللَّه تعالى العبد على فعل بحيث لا يكون في مقدوره تعالى من المقرّبات إلى الفعل أو إلى الترك ما لو فعله بالعبد لاختار غير ما اختاره من الفعل أو الترك، فيلزمه أن لا يكون اللَّه تعالى مقلّب القلوب والأبصار، وأن يصدر عن العبد ما يختاره وإن شاء اللَّه أن لا يصدر، وذلك لقولهم‏ (2) بوجوب كلّ لطف ناجع على اللَّه تعالى، فإنّه يلزمه أنّه لو كان في مقدوره تعالى لطف ناجع للكافر- مثلًا- لَفعل؛ لأنّه تعالى لا يترك الواجب عليه مع قدرته عليه، فلم يتحقّق كفر الكافر إلّالعدم قدرته تعالى على اللطف الناجع، وكذا الكلام في إيمان المؤمن؛ لضروريّة عدم الفرق بينهما في الإقدار.

الثاني: إقدار اللَّه تعالى العبد في وقت على فعل في ثاني الوقت.

إذا تمهّد هذا، فنقول: إثبات هذه الخصال الأربع في الخصال السبع للردّ على المعتزلة ومن تبعهم في قولهم بالتفويض الأوّل، والمراد هنا بمشيّة اللَّه تعالى لفعل عبد- مثلًا- أن يصدر عنه تعالى باختياره تعالى قبل وقت ذلك الفعل من العبد أوّل ما علم تعالى أنّه يفضي تحقّقه إلى اختيار العبد ذلك الفعلَ في وقته؛ أي مع قدرة العبد على تركه فيه، ويفضي عدم تحقّقه إلى اختيار العبد ترك ذلك الفعلِ في وقته، أي مع قدرة العبد على ذلك الفعل فيه، سواء كان ما يصدر عنه تعالى فعلًا أم تركاً أم اختياراً لأحد

____________

(1). حكاه عنهم ابن حجر في فتح الباري، ج 1، ص 109؛ وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، ج 6، ص 427؛ والإيجي في المواقف، ج 1، ص 145؛ وج 3، ص 208 و 213 و 226.

(2). في «ج»: «بقولهم».

438

فعلين على الآخر، أو لأحد تركين على الآخر، وقس عليه مشيّته تعالى لترك عبد.

ويسمّى تلك المشيّة مشيّة عزم- كما يظهر ممّا يجي‏ء في رابع «باب المشيّة والإرادة»- ومشيّةَ اختيار أيضاً كما يظهر ممّا يجي‏ء في ثالث «باب الاستطاعة» ويعبّر عنها في أحاديثهم (عليهم السلام) بالذكر، الأوّل، كما يجي‏ء في رابع «باب الجبر والقدر» وبالهمّ بالشي‏ء وبابتداء الفعل كما يجي‏ء في أوّل «باب المشيّة والإرادة». وقيل: «مشيّته تعالى في المعاصي نهيه عنها». انتهى. (1)

وفيه: أنّه إن أراد بمشيّته تعالى في المعاصي مشيّته تعالى لفعل المعاصي، فهذا إنّما يتّضح إذا جاز أن يُقال: إنّه جاء في لغة أو عرف شئت كذا، أي نهيتُ عنه؛ فيكون قوله تعالى في سورة التوبة: «وَ لَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَ لكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَ قِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ» (2)

بمعنى، ولكن أمر اللَّه بانبعاثهم فثبّطهم. (3)

وفيه ما فيه.

وإن أراد بها مشيّته لترك المعاصي كما في قوله تعالى في سورة الأنعام: «سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ شَيْ‏ءٍ» (4)، وقوله تعالى في سورة الزخرف: «وَ قالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ» (5)، فهذا بعض إطلاقاتها، وليس الكلام فيه كما سيظهر في رابع الباب الآتي من قوله: «ينهى وهو يشاء» إلى آخره.

والمراد بالإرادة هنا أن يصدر عنه تعالى باختياره ثانياً- أي بعد المشيّة وقبل وقت يظنّ فيه تحقّق قدرة العبد على فعله بعد ذلك- مؤكّد للمشيّة في الإفضاء إلى فعل العبد

____________

(1). في حاشية «أ»: «أي ابن بابويه في باب القضاء والقدر من كتاب التوحيد (منه)». التوحيد، ص 369، باب القضاء والقدر، ذيل ح 9.

(2). التوبة (9): 46.

(3). في «ج»:-/ «فيكون قوله تعالى في سورة التوبة» إلى هنا.

(4). الأنعام (6): 148.

(5). الزخرف (43): 20.

439

مثلًا؛ أي ما علم تعالى أنّه يفضي تحقّقه إلى اختيار العبد ذلك الفعل في وقته إلى آخر ما ذكرنا آنفاً في المشيّة.

وتسمّى تلك الإرادة إرادة عزم وإرادة اختيار أيضاً، ويعبّر عنها في أحاديثهم (عليهم السلام) بالإتمام على المشيّة، وبالعزيمة على ما يشاء، وبالثبوت عليه أي الجدّ فيه.

والمراد بالقدر هنا ما ذكرنا في حدّ الإرادة، إلّاأنّ القدر في وقت يظنّ فيه قدرة العبد على الفعل والترك بعد ذلك، فهو قبيل وقت الفعل والترك متّصلًا به.

والمراد بالقضاء هنا ما ذكرنا في حدّ الإرادة، إلّاأنّ القضاء في وقت الفعل والترك والحاجة إلى اعتبار الإرادة، ثمّ اعتبار القدر، ثمّ اعتبار القضاء بعد المشيّة بيان أنّ فعل العبد أو تركه لم يخرج بمجرّد المشيّة، أو مع الإرادة أيضاً، أو مع القدر أيضاً عن قدرة اللَّه تعالى على التصرّف فيه؛ لأنّ الوجوب بالنسبة إلى هذه الامور وجوب لاحق، كما يجي‏ء في ثالث «باب الاستطاعة» وتقسيم طرقه تعالى إلى إيمان الكافر مثلًا إلى هذه الأربعة، مع أنّ له طرقاً لا تعدّ ولا تحصى للتقريب إلى الفهم، ووجه مناسبة تخصيص هذه الألفاظ الأربعة بالمعاني الأربعة كما مرّ في آخر «باب البداء».

ومذهب المعتزلة أنّه لا فرد لمشيّته تعالى لفعل العبد أو تركه إلّاالأمر به، مع كونه تعالى بحيث إن قدر على ما يفضي إليه من اللطف لفعل، فمشيّته متعلّقة بإيمان الكافر وإن لم يكن واقعاً، فلم يصدق: ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن، سبحان من لا يجري في ملكه إلّاما يشاء، بل قد يكون ما شاء إبليس، ولا يكون ما شاء اللَّه تعالى. (1)

وهذا باطل لوجهين:

الأوّل: أنّه يستلزم إخراج اللَّه تعالى من سلطانه ومضادّته في ملكه، وسيجي‏ء تفصيل بيانه في شرح ثاني «باب الاستطاعة».

الثاني: أنّ الفرد الذي أثبتوه للَّه‏تعالى من المشيّة من صفات المخلوق الذي يكون فيه شوق إلى شي‏ء ثمّ قد يحرم منه، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيرا؛ إنّما فرد مشيّته تعالى‏

____________

(1). انظر إفحام المخاصم، ص 31.

440

أفعال خاصّة أو تروك خاصّة، وذلك كغضبه ورحمه ونحو ذلك، سواء قلنا: إنّها مَجازات لغويّة، أم حقائق لغويّة. وقد مرّ في ثالث «باب الإرادة أنّها من صفات الفعل».

وتسمية المعتزلة «قدريّة» لإثباتهم جميع القدر في فعلهم وتركهم لأنفسهم حيث كذّبوا بقدر اللَّه تعالى وجحدوه فيهما.

إن قلت‏

: لِمَ خصّوا باسم القدريّة وهم كما أنكروا قَدَرَهُ تعالى أنكروا مشيّته تعالى وإرادته تعالى وقضاءه تعالى، وأنكروا أيضاً إذنه تعالى كما سيجي‏ء بُعيدَ هذا؟

قلت‏

: لأنّهم لم ينسبوا التدبير الذي نفوه عن اللَّه تعالى إلى أنفسهم إلّامن وقت قدرتهم على الفعل بزعمهم، أي قُبيل وقت الفعل، وهو وقت القدر كما مرَّ، ووشمُهُم بأوّل خلافهم أولى من وَسمهِم بما بعده، وجمهورهم ينفون القدرة عن أنفسهم في وقت الفعل، ولا معنى لتوقّف فعلهم على إذن أنفسهم.

ويمكن أن يكون المراد بالقدر في تسميتهم بالقدريّة ما يساوق القضاء، ويعمّ الخصال الخمس. وقد تُطلق الإرادة على هذا الأعمّ وكذا المشيّة، وقد تُطلق المشيّة على الأعمّ ممّا ذكرنا في حدّها أوّلًا وثانياً وممّا ذكره المعتزلة في حدّها.

وبهذا يصير النزاع معنويّاً بيننا وبينهم في قولنا: ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن، وقولهم: بعض ما شاء اللَّه لم يكن وبعض ما لم يشأ كان.

بيان ذلك: أنّا إذا حملنا المشيّة في هذا النزاع على ما ذكرنا في حدّها أوّلًا، أو على الأعمّ من الخصال الخمس، لم يتصوّر نزاعهم معنىً في قولنا: ما شاء اللَّه تعالى كان، وإنّما يتصوّر النزاع المعنوي في قولنا: ما لم يشأ لم يكن فقط. وإذا حملنا المشيّة في هذا النزاع على ما ذكره المعتزلة في حدّها، لم يصحّ قولنا: ما شاء اللَّه كان، ويصحّ كلام المعتزلة فيه سلباً لا عدولًا أيضاً كما هو مذهبهم؛ لأنّ الموجبة إنّما تصدق إذا صدق العنوان على فرد، والمشيّة بهذا المعنى غير متحقّقة في اللَّه تعالى بالنسبة إلى شي‏ء أصلًا، لأنّها من صفات الخلق كما مرَّ آنفاً، فلم يصحّ أيضاً قولنا: ما لم يشأ لم يكن.

وأيضاً المعاصي الكائنة لم تتعلّق بها المشيّة بهذا المعنى اتّفاقاً بيننا وبين المعتزلة، فيجب حمل المشيّة على الأعمّ ليصحّ النزاع معنويّاً، وقد يذكر في هذين النزاعين بدلَ‏

441

المشيّة الإرادةُ، ويجري كلّ ما ذكرنا فيها أيضاً.

(وَإِذْنٍ).

الإذن له معان، والمراد به هاهنا (1) عدم إحداثه تعالى المانع العقلي عن فعل العبد أو تركه في وقتهما، كفعل الضدّ وإعدام العبد ونحوهما ممّا ينافي قدرة العبد، مع علمه تعالى بأنّه إذا لم يقع الإحداث حينئذٍ عنه تعالى لصدر الفعل أو الترك عن العبد حينئذٍ باختياره ومع قدرته تعالى على الإحداث حينئذٍ.

وقد يجعل المانع في حدّ الإذن في غير هذا الموضع أعمَّ من المانع العقلي، أي المخرج للعبد عن القدرة، والمانع العلمي وهو ما يعلم تعالى معه عدم اختيار العبد الفعل أو تركه، فيندرج القضاء تحت الإذن حينئذٍ اندراجَ الجزء في الكلّ، أو اندراجَ الجزئي في الكلّي. (2)

وإثبات هذه الخصلة في الخصال السبع للردّ على المعتزلة، وهم القدريّة في قولهم بالتفويض الثاني أي بتقدّم قدرة العبد على فعل في وقت على ذلك الوقت، قالوا: إنّ العبد قادر في الحال على الفعل والترك في ثاني الحال، وسيجي‏ء في «كتاب الحجّ» في خامس «باب استطاعة الحجّ» استدلالُ قدريٍّ على ذلك بقوله تعالى: «وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» (3) وجوابُ أبي عبداللَّه (عليه السلام) عنه.

وحاصله: أنّه ليس المراد بالاستطاعة هنا القدرة، بل المراد آلة للحجّ يظنّ معها تحقّق القدرة عليه في وقته إن لم يترك باختياره شيئاً ممّا يتوقّف عليه وكان باختياره، فلا ينافي التوقّف على الإذن المعلوم بالبراهين القاطعة. وسيجي‏ء في شرح ثاني «باب الاستطاعة» تفصيل بيانه.

ثمّ إنّه يحتمل أن يكون إثبات الإذن في الخصال السبع للردّ أيضاً على الأشاعرة

____________

(1). في «ج»: «المراد بالإذن هاهنا» بدل «الإذن له معان والمراد به هاهنا».

(2). في «ج»: «تحت الكلّ، نحو: «كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةَ بِإِذْنِ اللَّهِ»» بدل «في الكلّ أو اندراج الجزئي في الكلّي».

(3). آل عمران (3): 97.

442

والجهميّة القائلين بأنّ أفعال العباد وتروكهم صادرة عن اللَّه، وذلك لأنّه لا معنى لإذن أحد فيما يصدر عن نفسه.

(وَكِتَابٍ).

المراد به كتابة صحيفة أعمال العباد، كما في قوله تعالى في سورة الكهف:

«ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً» (1)، وفي سورة القمر: «وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ* وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ». (2)

أو المراد بالكتاب وجوب خلق كلّ كائن عليه تعالى عقلًا؛ إمّا خلق تقدير، كما في أفعال العباد وتروكهم، وهو ما نحن فيه؛ وإمّا خلق تكوين، كما في أفعاله تعالى، وهو غير ما نحن فيه.

وخلق التقدير لأفعال العباد وتروكهم إنّما يكون بالخصال الخمس المتقدّمة.

والتعبير عن الوجوب بالكتاب محتمل في قوله تعالى في سورة البقرة: «حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ» (3) بناءً على أن يكون المراد بالكتاب وجوبَ التربّص أربعةَ أشهر وعشراً، وبأجله آخرَ مدّته. وقد اشير إلى وجوب خلق كلّ كائن عليه تعالى- سواء كان فعلًا أم تركاً؛ لاشتمال خلقه على الحِكَم والمصالح التي لا يعلمها إلّاعلّام الغيوب- وإلى أنّه ليس خلق شي‏ء منها على صفة المباح، في قوله تعالى في سورة بني إسرائيل: «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ». (4)

وإثبات هذه الخصلة في الخصال السبع للردّ على منكري الأديان، أو على المجبّرة وهم الأشاعرة ومن والاهم، وهم الجهميّة، فإنّ الجهميّة نفوا قدرة العبد رأساً، (5) والأشاعرة ضيّقوا دائرة قدرة العبد في مقابلة ما وسّعت القدريّة، دائرة قدرته، (6) كما مرّ

____________

(1). الكهف (18): 49.

(2). القمر (54): 52- 53.

(3). البقرة (2): 235.

(4). الإسراء (17): 44.

(5). حكاه في المواقف، ج 2، ص 117 عن الجهميّة؛ المسلك في اصول الدين، ص 83.

(6). حكاه في المواقف، ج 2، ص 117 عن القدريّة، وحكاه ابن ميثم في قواعد المرام، ص 108؛ المسلك في‏اصول الدين، ص 83.

443

في الإذن. والحقّ الأمر بين الأمرين.

قالت الأشاعرة: قدرة العبد على فعل مساوقة لاتّصافه به تبعاً لداعيه إلى الفعل، والمؤثّر في الفعل هو اللَّه تعالى وقدرته على تركٍ مساوقةٌ لاتّصافه به تبعاً لداعيه إلى الترك، والتارك هو اللَّه تعالى، فإنّ معنى الترك عدم الفعل ممّن من شأنه التأثير في الفعل، لا العدمُ مطلقاً، ولذا لا يسمّى الجدار تاركاً للصلاة قال‏ (1): إنّ المؤمن لا يقدر على الكفر، والكافر لا يقدر على الإيمان. فأنكرت الجهميّة والأشاعرة لذلك التحسين والتقبيح العقليّين، وزعموا أنّه لا يجب على اللَّه تعالى شي‏ء، (2) والأمر بين الأمرين أنّ العبد قادر على كلّ من الفعل والترك ردّاً على المجبّرة أي الجهميّة، والأشاعرة، وأنّ قدرته على فعل في وقت‏ (3) لا تتقدّم على ذلك الوقت ردّاً على القدريّة المفوّضة.

واعلم أنّ في أفعال العباد مذهباً حصل من مزج الفلسفة بالاعتزال، وهو أنّ تخلّف فعل العبد عن علّته التامّة محال، وأنّ قدرته على فعل في وقت يتقدّم على ذلك الوقت، ويجب على اللَّه كلّ لطف ناجع. وهذا مذهب أبي الحسين البصري من المعتزلة ومن تبعه. (4) وهذا قول بالجبر بمعنى رفع اللوم عن فعل العبد من جهة، وبالتفويض من جهتين اخريين.

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ اصول المذاهب في أفعال العباد خمسة.

(وَأَجَلٍ).

المراد به وقت الحساب للأعمال يوم القيامة، فإنّه كأجل الديون المكتوبة في الصكوك بين الناس؛ أو المراد بالأجل الوقت المعيّن لوجوب خلق الكائن على اللَّه.

وإثبات هذه الخصلة في الخصال السبع للردّ على منكري الحشر والحساب والجزاء، أو على منكري البداء من اليهود والفلاسفة القائلين بأنّ جميع معلولاته تعالى صادرة عنه تعالى دفعةً واحدة دهريّة، لا ترتّب لها بحسب الصدور عنه زماناً، كما مرّ تفصيله في الباب السابق.

____________

(1). في «ج»: «قالوا».

(2). فصَّل ذلك الشيخ جعفر سبحاني في رسالة في التحسين والتقبيح العقليّين، ص 61، وخصّص الفصل العاشرلأدلّة المنكرين.

(3). في «ج»: «وقت في فعل».

(4). حكاه في المغني في أبواب العدل والتوحيد، ص 116؛ والعلّامة في معارج الفهم، ص 422.

444

ويحتمل أن يكون المراد بالأجل آخر مدّة الكائن، وحينئذٍ إثبات هذه الخصلة في الخصال السبع للردّ على الزنادقة الفلاسفة في قولهم بدوام حركات الفلكيّات الصادرة عن نفوسها بزعمهم ودوام أنواع أفعال العباد ونحوهم. (1)

هذا والردّ عليهم في نهج البلاغة في خطبة أوّلها: «ما وحّده مَن كيّفه» في قوله (عليه السلام):

«وأنّه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده، لا شي‏ء معه، كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها، بلا وقت ولا مكان ولا حين ولا زمان، عُدِمَتْ عند ذلك الآجالُ والأوقات، وزالت السنون والساعات» إلى قوله: «ثمّ يعيدها بعد الفناء». (2)

(فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَقْدِرُ)

أي بدليل.

(عَلى‏ نَقْضِ)؛

بالمعجمة، وصحّح بعضهم بالمهملة بحكّ النقطة، ولعلّه رآه في نسخة فأعجبه، و «نقص» حينئذٍ من المتعدّي. ويمكن أن تكون «على» نهجيّةً، وصلةَ «يقدر» مقدّراً و يكون «نقص» من اللازم ومعناه: فمن زعم أنّه يقدر على فعل مع نقصان.

(وَاحِدَةٍ)

من الخصال السبع‏

(فَقَدْ كَفَرَ).

(وَ رَوَاهُ)

أي روى هذا المضمون‏

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ مُسْكَانَ مِثْلَهُ).

أي حال كونه مثل الحديث السابق في اللفظ بلا تغيّر أصلًا عن أبي عبداللَّه (عليه السلام).

الثاني:

(وَرَوَاهُ)

أي وروى عليّ بن إبراهيم مضمونه.

(أَيْضاً عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليهما السلام)، قَالَ: لَايَكُونُ شَيْ‏ءٌ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِلَّا بِسَبْعٍ)

أي سبع خصال:

(بِقَضَاءٍ، وَقَدَرٍ،

(3)

وَإِرَادَةٍ، وَمَشِيئَةٍ).

ترتيب هذه الخصال على عكس أزمنة وقوعها،

____________

(1). حكاه الإيجي في المواقف، ج 2، ص 614.

(2). نهج البلاغة، ص 276، الخطبة 186.

(3). في حاشية «أ»: «قوله: إلّابسبع بقضاء وقدر إلى آخره، الكلام في هذا الحديث كالكلام في الحديث الأوّل إلّاأنّه‏اخذ في هذا الحديث من أقرب الامور والخصال من المعلول ووجوده، وفي الحديث السابق من أقربها من المبدأ (ميرزا رحمه الله)». الحاشية على اصول الكافي لميرزا رفيعا، ص 485.

445

لأنّه ربّما كان أوضحَ في ذهن بعض المخاطبين. (1)

(وَكِتَابٍ، وَأَجَلٍ، وَإِذْنٍ).

تأخير الإذن عن الكتاب والأجل للفصل بينه وبين الخصال الأربع؛ إشارةً إلى أنّ إثبات الإذن في الخصال السبع للردّ على المعتزلة القدريّة في خلافٍ آخَرَ غير الخلاف الذي إثبات الخصال الأربع الاول للردّ عليهم فيه.

(فَمَنْ زَعَمَ)

أي ادّعى‏

(غَيْرَ هذَا، فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ، أَوْ رَدَّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ).

الشكّ من الراوي، ومعنى الردّ على اللَّه أنّه ينافي ما في القرآن صريحاً في آيات كثيرة.

____________

(1). في «ج»: «المخالفين».

446

باب المشيئة و الإرادة

الباب السادس والعشرون بَابُ الْمَشِيئَةِ وَ الْإِرَادَةِ

فيه ستّة أحاديث.

أي ما يوضح معنى المشيئة والإرادة، ويدلّ المتأمّلَ على استنباط معناهما، وفيه اقتصار أي «وأخويهما وهما القدر والقضاء».

وهذا الباب كالشرح لبعض ما في الباب السابق، وللردّ على المعتزلة في خلافَيْهم المذكورين في الباب السابق.

الأوّل:

(عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْهَاشِمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ (عليهما السلام) يَقُولُ: لَايَكُونُ شَيْ‏ءٌ)؛

أي فعل أو ترك اختياري للعباد.

(إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَأَرَادَ، وَقَدَّرَ وَقَضى‏. قُلْتُ: مَا مَعْنى‏ «شَاءَ»؟).

المقصود بالذات السؤال عن المشيئة؛ لأنّ معنى المشتقّ معلوم لغةً، ولذا:

(قَالَ: «ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ»

(1)

)

أي فعل العبد مثلًا، فإنّ الحكم يتناول تركه أيضاً، وابتداؤه أوّل فعل أو ترك يفضي إلى اختيار العبد إيّاه، وكأنّه سقط من قلم نسّاخ الكافي هنا شي‏ء،

____________

(1). في حاشية «أ»: «قوله: ما معنى شاء قال: ابتداء الفعل، أي المشيّة ابتداء الفعل، أي أوّل ما يحصل من جانب الفاعل‏ويصدر عنه ممّا يؤدّي إلى وجود المعلول. وقوله: تقدير الشي‏ء من طوله و عرضه، أي من التحديدات والتعيينات بالأوصاف والأحوال كالطول والعرض. وقوله: إذا قضاه أمضاه، أي إذا أوجبه باستكمال شرائط وجوده وجميع ما يتوقّف عليه المعلول أوجده. وذلك الذي لا مردّ له؛ لاستحالة تخلّف المعلول عن الموجب التامّ (ميرزا رحمه الله)». الحاشية على اصول الكافي لميرزا رفيعا، ص 486.

447

فإنّ في «باب الإرادة والمشيئة» من كتاب المحاسن للبرقي- (رحمه اللَّه تعالى)- في هذه الرواية بعد هذا «قلت: فما معنى أراد؟ قال: الثبوت عليه» انتهى. (1) وهو أحسن وأوفق بما يجي‏ء في رابع الثلاثين. (2) ومعنى «الثبوت عليه» البقاء على الابتداء، وهو أن يصدر عنه تعالى- بعد المشيئة وقبل وقت قدرة العبد بزعم المعتزلة- فعل أو ترك موافق للمشيئة في الإفضاء إلى اختيار العبد الفعلَ، والحاجةُ إلى اعتبار الإرادة بيانُ أنّ الفعل لم يخرج بمجرّد مشيئة اللَّه له عن قدرة اللَّه على التصرّف فيه، لأنّ الوجوب بالنسبة إلى المشيئة ليس وجوباً سابقاً، بل هو وجوب لاحق، كما يجي‏ء في ثالث «باب الاستطاعة».

(قُلْتُ: مَا مَعْنى‏ «قَدَّرَ»؟).

المراد ما معنى التقدير كما مرّ.

(قَالَ: «تَقْدِيرُ الشَّيْ‏ءِ مِنْ طُولِهِ وَعَرْضِهِ»)

أي معناه معلوم من اللغة، فإنّ الذي يظنّ قدرته على فعل بعد الحال يقدّر في نفسه ما يتعلّق بالفعل، كما في الحذّاء يقدّر قبل قطع الأديم طولَ ما يقطع منه وعرضَه.

ويفهم من ذلك أنّ معنى التقدير تعيين جهات الفعل وصفاته باعتبار زيادته ونقصانه، وباعتبار شدّته وضعفه قبل وقت الفعل متّصلًا به، وأنّ معنى تقدير اللَّه لفعل العبد مثلًا فعلٌ أو ترك صادر من اللَّه قُبيلَ وقت فعل العبد، موافق للمشيئة والإرادة في الإفضاء إلى فعل العبد، والحاجةُ إلى اعتبار التقدير ظاهر ممّا مرّ في الحاجة إلى اعتبار الإرادة.

(قُلْتُ: مَا مَعْنى‏ «قَضى‏»؟ قَالَ: إِذَا قَضى‏ أَمْضَاهُ)

أي معناه التدبير في وقت الفعل، وهو الذي يتعقّبه بلا فصل الإمضاء؛ أي جعل الفعل ماضياً وهو اختياري، فإنّه لولا القضاء لم يصر الفعل ماضياً. والحاجةُ إلى اعتبار القضاء بيان أنّ الفعل لم يخرج بمجرّد المشيّة والإرادة والتقدير عن قدرة اللَّه على التصرّف فيه؛ لأنّ الوجوب بالنسبة إلى الثلاثة وجوب لاحق.

(فَذلِكَ)

أي ما تعلّق به القضاء والإمضاء.

____________

(1). المحاسن، ج 1، ص 244، باب الإرادة والمشيئة، ح 237.

(2). أي في الحديث 4 من باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين.

448

(الَّذِي لَامَرَدَّ)؛

بالميم والراء المهملة المفتوحتين وشدّ الدال المهملة، مصدر ميمي.

(لَهُ)؛

لأنّ القدرة على الماضي بمعنى صحّة الفعل، والتركُ في الزمان الماضي غير معقول، فيصير محتوماً.

الثاني:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبَانٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): شَاءَ وَأَرَادَ، وَقَدَّرَ وَقَضى‏؟).

المفعول محذوف؛ أي كلَّ صادر عن العباد من فعل وترك.

(قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: وَأَحَبَّ؟)

أي كلَّ صادر عن العباد.

(قَالَ: «لَا». قُلْتُ: وَكَيْفَ شَاءَ وَأَرَادَ، وَقَدَّرَ وَقَضى‏ وَلَمْ يُحِبَّ؟!).

لمّا كان لفظ المحبّة يستعمل في العباد مساوقاً للمشيئة والإرادة وأخويهما، اشتبه على السائل، وقاس استعماله في اللَّه على استعماله في الخلق، مع أنّ مشيئة اللَّه ليس كمشيئة الخلق، ومحبّة اللَّه ليس كمحبّة الخلق، فإنّه تعالى لا يتّصف بالشوق والميل ونحو ذلك من صفات الخلق، فالمشيئة فيه تعالى يرجع إلى أفعال خاصّة أو تروك خاصّة سبق بيانها في أوّل الباب، وكذا أخواتها، ومحبّة اللَّه لفعل العبد- مثلًا- طلبه منه ومدحه وثوابه عليه، أو عدم نهيه عنه، فليس استعمال المحبّة فيه تعالى على مساوقة المشيئة ونحوها.

(قَالَ: «هكَذَا خَرَجَ إِلَيْنَا»

(1)

).

يعني ليس هذا نزاعاً في المعنى، إنّما هو أمرٌ راجع إلى‏

____________

(1). في حاشية «أ»: «قوله: هكذا خرج إلينا، أي هكذا نُقل عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) ووصل منه إلينا. ولمّا كان فهمه يحتاج إلى‏لطف قريحةٍ، والحكمةُ مقتضية لعدم بيانه للسائل، اكتفى ببيان المأخذ النقلي عن التبيين العقلي. ولعلّ عدم المنافاة بين تعلّق الإرادة والمشيّة بشي‏ء وأن لا يحبّه؛ لأنّ تعلّق المشيّة والإرادة بما لا يحبّه بتعلّقهما بوقوع ما يتعلّق به إرادة العباد بإرادتهم وترتّبه عليها، فتعلّقهما بالذات بكونهم قادرين مريدين لأفعالهم وترتّبها على إرادتهم وتعلّقهما بما هو مرادهم بالتبع، ولا حَجْر في كون متعلّقهما بالتبع شرّاً غيرَ محبوب له؛ فإنّ دخول الشرّ وما لا يحبّه في متعلّق مشيّته وإرادته بالعرض جائز، فإنّ كلّ مَن تعلّق مشيّته وإرادته بخير وعَلم لزومَ شرّ له شرّيّةً لا تقاوم خيريّتَه تعلّقتا بذلك الشرّ بالتبع، وذلك التعلّق بالتبع لا ينافي أن يكون المريد خيّراً محضاً ولا يكون شرّيراً ومحبّاً للشرّ (ميرزا (رحمه اللَّه))». الحاشية على اصول الكافي لميرزا رفيعا، ص 486.

449

استعمال الألفاظ، وقد خرج إلينا في استعمالات القرآن هكذا؛ حيث قال تعالى في سورة البقرة: «وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ» (1)، وقال في سورة النساء: «لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ» (2)، وقال في سورة الدهر والتكوير: «وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» (3)*، وفي سورة التوبة:

«وَ لكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ» (4)، وفي سورة الأنعام: «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ» (5)، وقال تعالى في سورة هود حكايةً عن نوح: «وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ» (6)، وأمثال ذلك كثيرة.

الثالث:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ)؛

بفتح الميم، وسكون المهملة، وفتح الموحّدة، ومهملة.

(عَنْ وَاصِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ:

أَمَرَ اللَّهُ وَلَمْ يَشَأْ، وَشَاءَ وَلَمْ يَأْمُرْ

(7)

يعني ليس المشيئة مساوقةً لأمره تعالى؛ لتحقّق كلّ منهما بدون الآخر.

وهذا ردّ على المعتزلة في أوّل خلافَيْهم معنا، وقد مرَّ تحقيقه في أوّل الخامس والعشرين. (8)

(أَمَرَ إِبْلِيسَ أَنْ يَسْجُدَ لِآدَمَ، وَشَاءَ أَنْ لَايَسْجُدَ).

استئنافٌ بياني.

____________

(1). البقرة (2): 205.

(2). النساء (4): 148.

(3). الإنسان (76): 30؛ التكوير (81): 29.

(4). التوبة (9): 46.

(5). الأنعام (6): 125.

(6). هود (11): 34.

(7). في حاشية «أ»: «قوله: أمر اللَّه ولم يشأ، وشاء ولم يأمر أي أمر اللَّه بشي‏ء لم يشأه مشيّةً منجرّة إلى وقوعه، وشاءمشيّةً منجرّةً إلى وقوع المُشاء ولو بالتبع ولم يأمر، كما أمر إبليس بالسجود لآدم (عليه السلام) ولم يشأ أن يسجد، بل شاء أن لا يسجد بالتبع مشيّةً منجرّة إلى الوقوع، ولو شاءه كذلك لسجد، ونهى آدم عن أكل الشجرة ولم يشأ تركه، بل شاء أن يأكل بالتبع، ولو لم يشأ لم يأكل (ميرزا رحمه الله تعالى)». الحاشية على اصول الكافي، ص 487.

(8). أي في الحديث 1 من باب في أنّه لا يكون شي‏ء في السماء والأرض إلّابسبعة.

450

(وَلَوْ شَاءَ لَسَجَدَ)؛

يعني ولو تحقّق مشيئته تعالى للسجدة في ضمن فردها الذي هو موافق لمذهب المعتزلة- وهو أن يكون بحيث إذا قدر على اللطف المفضي إلى اختيار السجدة لفعل- لصدر السجدة عن إبليس.

(وَنَهى‏ آدَمَ عَنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ، وَشَاءَ أَنْ يَأْكُلَ،

(1)

وَلَوْ لَمْ يَشَأْ)

أي لو شاء عدم الأكل في ضمن الفرد الموافق لمذهب المعتزلة.

(لَمْ يَأْكُلْ).

أوّل الشيخ ميثم البحراني في شرحه الكبير لنهج البلاغة نهيَ آدم وزوجَته بنهي أولادهما عن قرب شجرة العصيان، والجنّةَ برضوان اللَّه؛ لأنّ هذا أقرب من جعل النهي للتنزيه مع قوله: «عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏» (2) ونحو ذلك.

الرابع:

(عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَمْدَانِيِّ؛ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَلَوِيِّ جَمِيعاً، عَنِ الْفَتْحِ بْنِ يَزِيدَ الْجُرْجَانِيِّ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ)

أي الرضا (عليه السلام).

(قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ اِرَادَتَيْنِ وَمَشِيئَتَيْنِ: إِرَادَةَ حَتْمٍ، وَإِرَادَةَ عَزْمٍ).

(3)

دفع شبهتين للمعتزلة:

____________

(1). في الكافي المطبوع:+/ «منها».

(2). طه (20): 125.

(3). في حاشية «أ»: «قوله: إرادةَ حتم وإرادة عزم، لعلّ المراد بإرادة الحتم الإرادةُ المستجمعة لشرائط التأثير المنجرّة إلى الإيجاب والإيجاد وكذا المشيّة. والمراد بإرادة العزم الإرادةُ المنتهية إلى طلب المراد والأمر أو النهي، وينفكّ أحدهما عن الآخر؛ ينهى عن الشي‏ء ويريد تركه ويطلبه وهو يشاء المنهيّ، ويتعلّق مشيّته المستجمعة لشرائط التأثير به ولو بالتبع؛ ويأمر بالشي‏ء ويطلبه ويريد فعله وهو لا يشاء فعله تلك المشيّة، كما أنّه نهى آدم و زوجتَه عن الأكل من الشجرة ويشاء ذلك، ولو لم يشأ أن يأكل، أو شاء تركَ الأكل، لم يغلب إرادتهما ومشيّتهما مشيّةَ اللَّه. وأمر إبراهيم (عليه السلام) بذبح إسحاق ولم يشأ أن يذبحه، ولو شاء لما غلب مشيّةُ إبراهيم تركَ ذبحه مشيّةَ اللَّه في ذبحه. وفي هذه الرواية دلالة على أنّ الأمر بذَبح إسحاق وأنّه (عليه السلام) لم يشأه، وأمّا على أنّ ما وقع من الإقدام على الذَبح والفداء بالنسبة إليه فلا. ويحتمل وقوع هذا الأمر ونسخه وتغييره إلى الأمر بذبح إسماعيل و وقوعَ الإقدام على الذبح ومقدّماته بالنسبة إليه (ميرزا رحمه الله)». الحاشية على اصول الكافي، ص 488.

451

الاولى: أنّه لو أراد اللَّه عصيان العاصي لكان تكليفه بالطاعة تكليفاً بغير المقدور. (1)

الثانية: أنّ إرادة العصيان قبيحة لا تصدر عن اللَّه. (2) والظاهر من رواية ابن بابويه هذا في كتاب التوحيد في «باب التوحيد ونفي التشبيه» (3) أنّه لدفع الثانية.

وتقرير الدفع: أنّ للَّه‏تعالى إرادتين: إحداهما: إرادة حتم؛ أي لا تبقى معها للعبد قدرة واختيار، بل يصير المراد محتوماً كإرادة مرض العبد وصحّته. وثانيتهما: إرادة عزم؛ أي يبقى للعبد معها اختيار وعزم. وقد مرّ بيان الثانية في أوّل الخامس والعشرين. (4)

وإرادة اللَّه لعصيان العاصي إرادة عزم لا إرادة حتم؛ لاستحالة تعلّقها مع بقاء التكليف، فلا يلزم تكليف ما لا يُطاق؛ لأنّ وجوب العصيان بالنسبة إلى إرادة اللَّه تعالى للعصيان وجوب لاحق لا سابق، ولا يلزم أيضاً أن يصدر عن اللَّه قبيح، وقس على ذلك مشيئته تعالى لعصيان العاصي.

(يَنْهى‏)

أي قد ينهى عن شي‏ء.

(وَهُوَ يَشَاءُ)

أي المنهيَّ عنه مشيئةَ عزم. وهذا كاف في الجواب عن شبهتي المعتزلة، وأمّا قوله:

(وَيَأْمُرُ)

أي وقد يأمر بشي‏ء.

(وَهُوَ لَايَشَاءُ)

أي المأمور به. ومعناه أنّه يشاء عدم المأمور به بقرينة قوله في آخر الحديث: «مشيئة اللَّه» فالمراد به بيان مشيئة الحتم ليتّضح الأمران.

(أَ وَمَا رَأَيْتَ).

نشر على ترتيب اللفّ. وهذا ناظر إلى قوله: «ينهى، وهو يشاء»،

____________

(1). المغني في أبواب العدل والتوحيد، ص 218؛ شرح الاصول الخمسة، ص 316. وحكاه العلّامة في معارج الفهم، ص 413 عن المعتزلة.

(2). المغني في أبواب العدل والتوحيد، ص 218؛ شرح الاصول الخمسة، ص 316. وحكاه العلّامة في معارج‏الفهم، ص 413 عن المعتزلة.

(3). التوحيد، ص 30.

(4). أي في الحديث 1 من باب في أنّه لا يكون شي‏ء في السماء والأرض إلّابسبعة.

452

والهمزة للاستفهام الإنكاري، والواو للعطف على مقدّر للإشارة إلى كثرة الأدلّة، فكأنّه قال: أما رأيت كذا وكذا وما رأيت.

(أَنَّهُ نَهى‏ آدَمَ وَزَوْجَتَهُ أَنْ يَأْكُلَا مِنَ الشَّجَرَةِ وَشَاءَ ذلِكَ؟)

أي أن يأكلا من الشجرة.

(وَلَوْ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَأْكُلَا)

أي ولو شاء أن لا يأكلا، بقرينة قوله:

(لَمَا غَلَبَتْ مَشِيئَتُهُمَا)

أي للأكل‏

(مَشِيئَةَ اللَّهِ)

أي لعدم الأكل.

والمراد بالمشيئة لعدم الأكل ما مرّ في ثالث الباب من تحقّقها في ضمن الفرد الذي يزعمه المعتزلة. ففيه ردّ عليهم بأنّه يستلزم إخراج اللَّه من سلطانه، وسيجي‏ء بيانه في شرح ثاني «باب الاستطاعة».

وقال ابن بابويه في كتابه في التوحيد في الباب المذكور:

إنّ اللَّه- تبارك وتعالى- نهى آدم وزوجته عن أن يأكلا من الشجرة، وقد علم أنّهما يأكلان منها، لكنّه عزّ وجلّ شاء أن لا يحُول بينهما وبين الأكل منها بالجبر والقدرة كما منعهما من الأكل منها بالنهي والزجر، فهذا معنى مشيئته فيهما، ولو شاء اللَّه- عزّ وجلّ- منعهما من الأكل بالجبر ثمّ أكلا منها، لكانت مشيئتهما قد غلبت مشيئته كما قال العالم (عليه السلام)، تعالى اللَّه عن العجز علوّاً كبيراً. انتهى. (1)

وفيه ما فيه.

ذهب جمع إلى أنّ «لو» تفيد امتناع الشرط وامتناع الجواب جميعاً.

وهذا هو القول الجاري على ألسنة المعربين، ونصّ عليه جماعة من النحويّين، والمتبادر في الاستعمال عند عدم القرينة الصارفة.

وذهب آخرون إلى أنّ «لو» إنّما تفيد امتناع الشرط، ولا تفيد امتناع الجواب؛ تمسّكاً بقوله تعالى: «وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ الْمَوْتى‏ وَ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا» (2)، وقوله: «وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ

____________

(1). التوحيد، ص 65، ذيل ح 18.

(2). الأنعام (6): 111.

453

أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ» (1)، (2) وما روي عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) أنّه قال في بنت امّ سلمة: «إنّها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلّت لي؛ إنّها لَابنة أخي من الرضاعة» (3) وأمثال ذلك.

فنقول هنا على القول الأوّل: يجب تأويل ما نحن فيه بأحد أمرين:

الأوّل-: وهو الأظهر-: أنّ فيه وضعَ اللازم المنفيّ موضعَ الملزوم المنفيّ، تقديره:

ولو لم يشأ أن يأكلا لم يأكلا؛ إذ لو أكلا لغلبت مشيئتهما مشيئة اللَّه. والمراد بالشرطيّة الثانية أنّه لو أكلا حين لم يشأ أن يأكلا لغلبت، كما قالوا في قوله تعالى: «لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا» (4).

الثاني: أنّ المراد لو لم يشأ أن يأكلا لاجتمع ذلك مع عدم غلبة مشيئتهما مشيئة اللَّه.

ومثل هذا التأويل جارٍ في جميع ما تمسّك به أهل القول الثاني.

(وَأَمَرَ إِبْرَاهِيمَ).

هذا ناظر إلى قوله: «ويأمر وهو لا يشاء».

(أَنْ يَذْبَحَ)

. فيه مسامحة؛ لأنّ المأمور به في الحقيقة أخذ السكّين باليد وتحريك اليد مع السكّين على النحو المعهود على حلق أحد، فإن ترتّب عليه انقطاع الأوداج سمّي ذبحاً، وإلّا فلا. وقطع الأوداج من الأفعال المولّدة، وفاعل الأفعال المولّدة هو اللَّه عند المحقّقين؛ (5) لأنّها بتبعيّة داعي اللَّه لا بتبعيّة داعي العبد، وفعله تعالى ذلك عقيب تحريك اليد بإجراء العادة، وهو تعالى قادر على عدمه بخرق العادة. ولمّا كان عادته تعالى فعلَ القطع عقيب التحريك، سمّي الأمر بالتحريك أمراً بالذبح مسامحةً، فإنّ الأمر بغير المقدور حقيقةً غير جائز. وقد دلّ الدليل على أنّ النسخ قبل وقت الفعل غير جائز. (6)

____________

(1). لقمان (31): 27.

(2). مغنى اللبيب، ج 1، ص 257.

(3). صحيح البخاري، ج 6، ص 125، كتاب النكاح؛ و ص 195 كتاب النفقات؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 165، باب تحريم الربيبة؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 624، ح 1939، باب ما يحرم من الرضاع.

(4). الأنفال (8): 22.

(5). المواقف، ج 2، ص 131.

(6). انظر عدّة الاصول، ج 2، ص 520، فصل 5، وفي الطبعة الاخرى، ج 3، ص 37، فصل: إذا نسخ الشي‏ء قبل وقت فعله.

454

وسيجي‏ء في «كتاب الحجّ» في تاسع‏ (1) «باب حجّ إبراهيم وإسماعيل» قوله: «ثمّ أخذ المدية (2) فوضعها على حلقه، ثمّ رفع رأسه إلى السماء، ثمّ انتحى عليه، (3) فقلبها جبرئيل على حلقه». (4)

(إِسْحَاقَ).

يجي‏ء في عاشر (5) «باب حجّ إبراهيم وإسماعيل» ما يدلّ أيضاً على أنّ الذبيح إسحاق، (6) وفي خامسه‏ (7) ذكر الخلاف فيه. (8)

وروى ابن بابويه في معاني الأخبار في «باب نوادر المعاني» عن أبي عبداللَّه (عليه السلام) الاستدلال بالقرآن على أنّ الذبيح إسماعيل، وفي آخرها: «فمن زعم أنّ إسحاق أكبر من اسماعيل وأنّ الذبيح إسحاق فقد كذب بما أنزل اللَّه عزّ وجلّ في القرآن من نبئهما» انتهى. (9)

وقال في كتاب الخصال في «باب الاثنين»:

قد اختلفت الروايات في الذبيح، فمنها: ما ورد بأنّه إسماعيل، ومنها: ما ورد بأنّه إسحاق. ولا سبيل إلى ردّ الأخبار متى‏ صحّ طرقها، وكان الذبيح إسماعيل، لكن إسحاق لمّا ولد بعد ذلك تمنّى أن يكون هو الذي امر أبوه بذبحه، فكان يصبر لأمر اللَّه، ويسلّم له كصبر أخيه وتسليمه، فينال بذلك درجته في الثواب، فعلم اللَّه- عزّ وجلّ- ذلك من قلبه فسمّاه اللَّه- عزّ وجلّ- بين ملائكته ذبيحاً؛ لتمنّيه ذلك. انتهى. (10)

(وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يَذْبَحَهُ، وَلَوْ شَاءَ)

أي أن يذبحه.

(لَمَا غَلَبَتْ مَشِيئَةُ إِبْرَاهِيمَ)

أي لعدم الذبح.

____________

(1). في «أ»: «عاشر».

(2). المدية هي السكين والشفرة. النهاية، ج 4، ص 310 (مدا).

(3). الانتحاء: الاعتماد والميل على الشي‏ء؛ يقال: انتحى على سيفه: إذا اعتمد عليه.

(4). الكافي، ج 4، ص 208.

(5). في «ج»: «تاسع».

(6). الكافي، ج 4، ص 208، ح 9 و 10.

(7). في «ج»: «وفي ذيل رابعه» بدل «وفي خامسه».

(8). الكافي، ج 4، ص 205، ح 4 و 5.

(9). معاني الأخبار، ص 391، باب نوادر المعاني، ذيل ح 34.

(10). الخصال، ص 57، ذيل ح 78.