مجموعة نفيسة في تاريخ الأئمة عليهم السلام‏

- جمع من العلماء المزيد...
371 /
211

الباب الثالث عشر: في ذكر الإمام صاحب الزّمان (عليه السلام)

هو سمّي رسول اللّه و كنيته، هو بقيّة اللّه في أرضه، هو الحجّة المنتظر، هو الهادي، المهتدي، الرّضيّ، الزّكيّ، التّقيّ، النّقيّ، المختفي، هو القائم المهدي، هو الغائب‏ (1) المستور، هو صاحب المرأى و المسمع، هو الخلف المترقّب، هو المظفّر المنصور. و له أسماء و ألقاب يقال: الحمد، و الحامد، و الحميد، و المحمود، و محمّد، يكنّى: أبا القاسم و أبا جعفر، و يقال له: كنى الأحد عشر إماما، هو الإمام و المأمول، هو وتد الأرض، أتاه اللّه‏ الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطابِ‏ كما آتى يحيى صبيّا، و جعله إماما في حال الطّفوليّة كما جعل عيسى بن مريم نبيّا.

مات أبوه الحسن (عليه السلام) و له ستّ سنين و سبعة أشهر.

ولد في النّصف من شعبان سنة خمس و خمسين و مائتين‏

(2)

.

عن السّياري: حدّثتني مارية و نسيم قالتا:

لمّا خرج صاحب الزّمان من بطن أمّه سقط جاثيا على ركبتيه، رافعا سبّابتيه نحو السّماء، ثمّ عطس فقال: «

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ*

و صلّى اللّه على محمّد و آله عبدا داخرا للّه،

____________

(1) في الأصل: الغايب.

(2) في الكافي: ولد (عليه السلام) سنة ست و خمسين و مائتين.

212

غير مستنكف و لا مستكبر» ثمّ قال: «زعمت الظّلمة أنّ حجّة اللّه داحضة، و لو أذن لنا في الكلام لزال الشّكّ».

و روي عن غيلان أن طريفا أبا نصر الخادم قال:

دخلت على صاحب الزّمان (عليه السلام) و هو في المهد، فقال لي:

«عليّ بالصّندل الأحمر» فأتيته به، فقال: «أتعرفني؟» قلت: نعم، أنت سيّدي و ابن سيّدي، فقال «ليس عن هذا سألتك؟» فقلت: فسّر لي، قال:

«أنا خاتم الأوصياء، و بي يرفع اللّه البلاء عن أهلي و شيعتي»

. و عن حكيمة

قال لي أبو محمّد: «بيتي عندنا الليلة، فإن اللّه سيظهر الخلف فيها» قلت: و ممّن؟ قال: «من مليكة» قلت: لا أرى بها حملا قال: «يا عمّه مثلها كمثل أمّ موسى» فلمّا انتصف اللّيل صلّيت صلاة اللّيل، فقلت في نفسي: قرب الفجر و لم يظهر ما قال أبو محمّد، فنادى أبو محمّد «لا تعجلي» فارتعدت مليكة فضممتها إلى صدري، و قرأ

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ

و إنّا أنزلناه و آية الكرسي، فأجابني الخلف من بطنها يقرأ كقرائتي، قالت: و أشرق نور البيت، فنظرت فإذا الخلف تحتها ساجدا إلى القبلة، فأخذته، فناداني أبو محمّد «هلمّي بابني يا عمّه». فأتيته به، فوضع لسانه في فمه، ثمّ أجلسه على فخذه و قال: «انطق بإذن اللّه يا بنيّ» فقال أعوذ باللّه السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (5) وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ‏ (1)

و صلّى اللّه على محمّد المصطفى، و عليّ المرتضى، و فاطمة الزّهراء، و الحسن، و الحسين، و عليّ بن الحسين، و محمّد بن عليّ، و جعفر بن محمّد، و موسى بن جعفر و على بن موسى، و محمّد بن على، و على بن محمد، و الحسن بن عليّ (عليهم السلام)» قالت: و غمرتنا طيور خضر، فنظر أبو محمّد، إلى طائر

(2)

منها فقال له: «خذه فاحفظه حتّى يأذن اللّه فيه، ف

إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ‏

» قالت حكيمة: قلت لأبي محمّد: ما هذا الطائر

(3)

و ما هذه‏

____________

(1) سورة القصص، الآيتان: 5- 6.

(2) في الأصل: طاير.

(3) في الأصل: طاير.

213

الطّيور؟ قال: «هذا جبرئيل‏

(1)

، و هذه ملائكة الرّحمة» ثمّ قال: «يا عمّه ردّيه إلى أمّه‏

كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ، وَ لِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ‏

و

لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ*

»، فرددته إلى أمّه، قالت: و كانت مطيعا مفروغا منه‏

(2)

و على ذراعه الأيمن مكتوب‏

وَ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (3)

. قالت حكيمة: دخلت على أبي محمّد بعد أربعين يوما من ولادة صاحب الأمر (عليه السلام)، فإذا مولانا الصّاحب (عليه السلام) يمشي في الدّار، فلم أر لغة أفصح من لغته، فتبسّم أبو محمّد (عليه السلام)

(4)

«إنّا معاشر الأئمّة ننشأ في يوم كما ينشأ غيرنا في السّنّة» قالت: ثمّ كنت أسأل أبا محمّد عنه بعد ذلك فقال:

«استودعناه الّذي استودعت أمّ ولدها».

____________

(1) لا يخفى أنه لا منافاة في كون الطائر جبرئيل، و الخبر المتضمن انقطاع نزول جبرئيل بعد رحلة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من الدنيا، و آخر نزلته كانت عند احتضار النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لأن الأولى ربما يخصص بصورة الملكية، و هذه صورة أخرى.

(2) العبارة كذا في الأصل.

(3) سورة الإسراء، الآية: 81.

(4) العبارة كذا في الأصل، و الظاهر أن هناك نقص.

214

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

215

المستجاد من كتاب الإرشاد

(تأليف العلّامة جمال الحقّ و الدّين حسن بن المطهر الحلّي (قده)) المتوفى سنة 736

216

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

217

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* الحمد للّه عظيم الشّأن، قويّ السّلطان، ذي النّعم و الإحسان، و الكرم و الإمتنان، الّذي هدانا بسيّد الأنبياء، و أعظم الأزكياء، و أعلى الأصفياء محمّد المصطفى، أكرم الخلائق أجمعين، و صفوة ربّ العالمين، و وقانا بخير الأولياء، و أشرف الأوصياء، و إمام الأتقياء، علي المرتضى أمير المؤمنين و أفضل الصّدّيقين، صلّى اللّه عليهما صلاة أبد الآبدين، و دهر الدّاهرين و على آلهما أئمّة الدّين، و هداة المسلمين، و على أصحابهما أكارم الأمجدين، و التّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين.

أمّا بعد فهذا كتاب مشتمل على أسماء أئمّة الهدى (عليهم السلام) و تاريخ أعمارهم، و ذكر مشاهدهم و أسماء أولادهم، و ذكر طرف من أخبارهم المفيدة لعلم أحوالهم ليقف الطّالب على ذلك وقوف العارف بهم، و يظهر له فرق ما بين الدّعوى و الاعتقاد، موسوم بالمستجاد من كتاب الإرشاد.

و اللّه الموفّق للسّداد، المكافي يوم المعاد.

218

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

219

الباب الأول: [امير المؤمنين ع‏] في نبذة عن حياته منذ ولادته حتى وفاته، و إمامته و كناه (عليه السلام)

ذكر الخبر عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أوّل أئمّة المؤمنين و ولاة المسلمين، و خلفاء اللّه تعالى في الدّين بعد رسول اللّه الصّادق الأمين محمّد بن عبد اللّه خاتم النّبيّين (صلوات اللّه عليه و آله الطّاهرين) ، أخوه و ابن عمّه، و وزيره على أمره، و صهره على ابنته فاطمة سيّدة نساء العالمين، أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف سيّد الوصيّين عليه أفضل الصلاة و التّسليم.

[في جملة من حالاته ع‏]

كنيته و ولادته‏

:

كنيته: أبو الحسن، ولد بمكّة في البيت الحرام في يوم الجمعة لثلاث عشر من رجب سنة ثلاثين من عام الفيل، و لم يولد قبله و لا بعده مولود في بيت اللّه (تعالى) سواه إكراما من اللّه تعالى له بذلك، و إجلالا لمحلّه في التّعظيم‏

. أمّه‏

:

أمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف (رضي اللّه عنها) و كانت كالأمّ لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ربي في حجرها، و كان شاكرا لبرّها، و آمنت به (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الأوّلين، و هاجرت معه في جملة المهاجرين، و لمّا قبضها اللّه تعالى إليه‏

220

كفّنها النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بقميصه ليدرأ به عنها هوّام الأرض، و توسّد في قبرها لتأمن بذلك من ضغطة القبر، و لقّنها الإقرار بولاية ابنها أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) لتجيب به عند المساءلة بعد الدّفن، فخصّها بهذا الفضل العظيم لمنزلتها من اللّه و منه (عليه السلام)

و الخبر بذلك مشهور.

أول من آمن‏

:

و كان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب و أخوته (عليهم السلام) أوّل من ولد من هاشم مرّتين و حاز بذلك مع النّشوء في حجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و التّأدّب به الشّرفين، و هو أوّل من آمن باللّه عزّ و جلّ و برسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من أهل البيت و الأصحاب، و أوّل ذكر دعاه النّبيّ إلى الإسلام فأجاب، و لم يزل ينصر الدّين، و يجاهد المشركين، و يذبّ عن الإيمان، و يقتل أهل الزّيغ و الطّغيان، و ينشر معالم السّنّة و القرآن، و يحكم بالعدل، و يأمر بالإحسان.

مقامه مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

:

و كان مقامه‏

(1)

مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعد البعثة ثلاثا و عشرين سنة، منها ثلاث عشرة سنة بمكّة قبل الهجرة، مشاركا له في محنه كلّها، متحمّلا عنه أكثر أثقالها و عشر سنين بعد الهجرة بالمدينة، يكافح‏

(2)

عنه المشركين، و يجاهد دونه الكافرين، و لقيه بنفسه من أعدائه في الدّين، إلى أن قبضه اللّه تعالى إلى جنّته، و رفعه في علّيّين، فمضى، و لأمير المؤمنين (عليه السلام) يومئذ ثلاث و ثلاثون سنة

. إمامته‏

:

فاختلفت الأمّة في إمامته يوم وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقالت شيعته و هم بنو هاشم كافّة، و سلمان، و عمّار، و أبو ذرّ، و المقداد، و حزيمة بن ثابت ذو الشّهادتين، و أبو أيّوب الأنصاريّ، و جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و أبو

____________

(1) في الأصل: مقامي.

(2) أي يدافع.

221

سعيد الخدري، وأمثالهم من أجلّة المهاجرين و الأنصار: إنّه كان الخليفة بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الإمام، لفضله على كافّة الأنام، بما اجتمع له من خصال الفضل و الرأي و الكمال من سبقه الجماعة إلى الإيمان، و التّبريز عليهم في العلم و الأحكام، و التّقدّم لهم في الجهاد و البينونة منهم بالغاية في الورع و الزّهد و الصّلاح، و اختصاصه من النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في القربى، بما لم يشركه فيه أحد من ذوي الأرحام. ثمّ لنصّ اللّه جلّ اسمه على ولايته في القرآن حيث يقول:

إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏ (1)

، و معلوم أنّه لم يزكّ في حال ركوعه غيره (عليه السلام) و ما قد ثبت في اللّغة أنّ الوليّ هو الأولى بلا اختلاف، و إذا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) بحكم القرآن أولى بالنّاس من أنفسهم لكونه وليّهم بالنّصّ في التّبيان، وجبت طاعته على كافّتهم بجليّ البيان، كما وجبت طاعة اللّه و طاعة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بما تضمّنه الخبر عن ولايتهما للخلق من‏

(2)

هذه الآية بواضح البرهان.

و بقول النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): يوم الدّار و قد جمع بني عبد المطّلب خاصّة فيها للإنذار، و هم أربعون رجلا يومئذ يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا فيما ذكره الرّواة: «يا بني عبد المطّلب إنّ اللّه بعثني إلى الخلق كافّة، و بعثني إليكم خاصّة، فقال عزّ من قائل:

وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ (3)

و أنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللّسان ثقيلتين في الميزان، تملكون بهما العرب و العجم، و تنقاد لكم بهما الأمم، و تدخلون بهما الجنّة، و تنجون بهما من النّار: شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أنّي رسول اللّه، فمن يجيبني إلى هذا الأمر و يوازرني على القيام به يكن أخي و وصيّي و وزيري و وارثي من بعدي، فلم يجب منهم أحد، فقام أمير المؤمنين (عليه السلام) من بينهم بين يديه، و هو أصغرهم يومئذ سنّا، و أحمشهم ساقا، و أرمصهم عينا، فقال: أنا يا رسول اللّه أوازرك على هذا الأمر، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) اجلس فأنت أخي،

____________

(1) سورة المائدة، الآية: 55.

(2) في نسخة أخرى: في.

(3) سورة الشعراء، الآية: 214.

222

و وصيّي، و وزيري، و وارثي، و خليفتي من بعدي، و هذا صريح القول في الاستخلاف.

بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يوم غدير خمّ، و قد جمع الأمّة لسماع الخطاب: «ألست أولى بكم منكم بأنفسكم؟» فقالوا: اللّهمّ بلى، فقال لهم على النّسق من غير فصل بين الكلام: «فمن كنت مولاه فعليّ مولاه» فأوجب له عليهم من فرض الطّاعة و الولاية ما كان له عليهم ممّا قرّرهم به من ذلك فلم يناكروه‏

(1)

، و هذا أيضا ظاهر في النّص عليه بالإمامة و الاستخلاف له في المقام.

و بقوله (عليه السلام) له عند توجّهه إلى تبوك: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي» فأوجب له الوزارة و التّخصّص بالمودّة، و الفضل على الكافّة، و الخلافة عليهم في حياته و بعد وفاته، لشهادة القرآن بذلك كلّه لهارون من موسى (على نبيّنا و (عليه السلام) قال اللّه عزّ و جلّ مخبرا عن موسى (عليه السلام):

وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (29) هارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (33) وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (35) قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى‏ (2)

، فثبت لهارون (على نبيّنا و (عليه السلام) شركة موسى (عليهما السلام) في النّبوّة و وزارته على تأدية الرّسالة، و شدّ أزره في النّصرة و قال في استخلافه له:

اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ‏ (3)

، فثبت له خلافته بمحكم التّنزيل، فلمّا جعل رسول اللّه لأمير المؤمنين (صلى اللّه عليهما) جميع منازل هارون من موسى (عليهما السلام) في الحكم له منه إلّا النّبوّة، وجبت له وزارة الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و شدّ الأزر بالنّصرة و الفضل و المحبّة لما تقتضيه‏

(4)

هذه الخصال من ذلك في الحقيقة، ثم الخلافة في الحياة بالصّريح، و بعد النّبوّة بتخصيص الاستثناء، لما خرج منها بذكر البعد، و أمثال هذه الحجج ممّا يطول بذكره الكتاب و الحمد للّه.

____________

(1) في نسخة أخرى: يتناكروه.

(2) سورة طه، الآيات: 29- 36.

(3) سورة الأعراف، الآية: 142.

(4) في الأصل: يقتضيه.

223

و كانت إمامة أمير المؤمنين بعد النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ثلاثين سنة، منها أربع و عشرين سنة و أشهر ممنوعا من التّصرّف في أحكامها مستعملا للتّقيّة و المداراة، و منها خمس سنين و أشهر ممتحنا بجهاد المنافقين من النّاكثين و القاسطين و المارقين و مضطهدا بفتن الضّالّين كما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ثلاث عشر سنة من نبوّته ممنوعا من أحكامها، خائفا

(1)

و محبوسا و هاربا، و مطرودا لا يتمكّن من جهاد الكافرين، و لا يستطيع دفعا عن المؤمنين، ثمّ هاجر و أقام بعد الهجرة عشر سنين مجاهدا للمشركين، ممتحنا بالمنافقين، إلى أن قبضه اللّه تعالى إليه و أسكنه جنّات النّعيم‏

. وفاته‏

:

و كانت وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام) قبل الفجر ليلة الجمعة ليلة إحدى و عشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة قتيلا بالسّيف؛ قتله ابن ملجم المرادي (لعنه اللّه) في مسجد الكوفة، و قد خرج (عليه السلام) يوقظ النّاس لصلاة الصّبح ليلة تسعة عشر من شهر رمضان، و قد كان ارتصده من أوّل اللّيل لذلك، فلمّا مرّ به في المسجد و هو مستخف بأمره، مماكر بإظهار النّوم في جملة النّيام ثار

(2)

إليه فضربه على أمّ رأسه بالسّيف، و كان مسموما، فمكث يوم تسع عشرة و ليلة عشرين و يومها، و ليلة إحدى و عشرين إلى نحو الثّلث الآخر من اللّيل، ثمّ قضى نحبه (صلوات اللّه عليه) شهيدا و لقي ربّه مظلوما، و قد كان (عليه السلام) يعلم ذلك قبل أوانه، و يخبر به النّاس قبل زمانه، و تولّى غسله و تكفينه ابناه الحسن و الحسين (عليهما السلام) بأمره، و حملاه إلى الغريّ من نجف الكوفة، فدفناه هناك، و عفيا موضع قبره بوصيّة كانت منه إليهما (عليهما السلام) في ذلك، لما كان يعلمه (صلوات اللّه عليه) من دولة بني أميّة من بعده، و اعتقادهم في عداوته، و ما ينتهون إليه بسوء النّيات فيه من قبيح الفعال و المقال ما تمكّنوا من ذلك، فلم يزل قبره (عليه السلام) مخفيّا حتّى دلّ عليه الصّادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) في الدّولة العبّاسيّة، و زاره عند وروده إلى أبي‏

____________

(1) في الأصل: خايفا.

(2) أي وثب.

224

جعفر المنصور و هو بالحيرة، فعرفته الشّيعة و استأنفوا إذ ذاك زيارته (عليه السلام) و على ذرّيته الطّاهرين، و كان سنّه (عليه السلام) يوم وفاته ثلاثا و ستين سنة.

الفصل الأول: في الأخبار التي جاءت بذكره (عليه السلام)

فمن الأخبار الّتي جاءت بذكره (عليه السلام) الحادث قبل كونه و علمه به قبل حدوثه،

ما أخبر به عليّ بن المنذر الطّريقي، عن أبي الفضل العبدي، عن فطر، عن أبي الطّفيل عامر بن واثلة رحمة اللّه عليه، قال:

جمع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) النّاس للبيعة فجاء عبد الرّحمن بن ملجم المرادي (لعنه اللّه) فردّه مرّتين، أو ثلاثا، ثمّ بايعه و قال عند بيعته: ما يحبس أشقاها، فوالّذي نفسي بيده لتخضبنّ هذه من هذا، و يوضع يده على لحيته و رأسه (عليه السلام)، فلمّا أدبر ابن ملجم (لعنه اللّه) عنه منصرفا قال (عليه السلام)

أشدد حيازيمك للموت‏-- فإنّ الموت لاقيك‏

و لا تجزع من القتل‏-- إذا حلّ بواديك‏

و روى الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثّمالي، عن أبي إسحاق السّبيعي، عن الأصبغ بن نباتة، قال:

أتى ابن ملجم (لعنه اللّه) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فبايعه فيمن بايع، ثمّ أدبر عنه، فدعاه أمير المؤمنين (عليه السلام) فتوثّق منه و توكّد عليه ألّا يغدر و لا ينكث ففعل ثمّ أدبر عنه فدعاه الثّانية، فتوثّق منه و توكّد عليه ألّا يغدر و لا ينكث ففعل، ثمّ أدبر عنه فدعاه الثّالثة، فتوثّق منه و توكّد عليه ألّا يغدر و لا ينكث، فقال ابن ملجم (لعنه اللّه) و اللّه يا أمير المؤمنين ما رأيتك فعلت هذا بأحد غيري، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام)

.

أريد حياته و يريد قتلى‏-- عذيرك من خليلك من مراد

امض يا بن ملجم فواللّه ما أرى أنّك تفي بما قلت.

و روى سليمان الضّبيعي، عن المعلّى بن زياد قال:

جاء عبد الرّحمن ابن ملجم (عليه اللّعنة) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) يستحمله، فقال: يا أمير المؤمنين احملني، فنظر إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) ثمّ قال: «أنت عبد الرّحمن ابن ملجم المرادي؟» فقال: نعم، قال: «أنت عبد الرّحمن بن ملجم‏

225

المرادي؟» قال: نعم، قال: «يا غزوان احمله على الأشقر» فجاء بفرس أشقر فركبه ابن ملجم (عليه اللّعنة) و أخذ بعنانه، فلمّا ولّى قال أمير المؤمنين (عليه السلام)

.

أريد حياته و يريد قتلي‏-- عذيرك من خليلك من مراد.

قال فلمّا كان من أمره ما كان، و ضرب أمير المؤمنين (عليه السلام)، قبض عليه و قد خرج من المسجد، فجي‏ء به إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: «و اللّه لقد كنت أصنع بك ما أصنع و أنا أعلم أنّك قاتلي، و لكن كنت أفعل ذلك بك لاستظهر باللّه عليك».

و روى عبد اللّه بن موسى، عن الحسن بن دينار، عن الحسن البصري قال:

سهر عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في اللّيلة الّتي قتل في صبيحتها و لم يخرج إلى المسجد لصلاة اللّيل على عادته فقالت له ابنته أم كلثوم (رحمة اللّه عليها): ما هذا الّذي قد أسهرك؟ فقال: «إنّي مقتول لو قد أصبحت» و أتاه ابن النّباح فآذنه بالصّلاة، فمشى غير بعيد، ثم رجع، فقالت له أم كلثوم: مر جعدة فليصلّ بالنّاس، قال: «نعم مروا جعدة فليصلّ بالنّاس» ثمّ قال: «لا مفرّ من الأجل»، فخرج إلى المسجد، فإذا هو بالرّجل قد سهر ليلته كلّها يرصده، فلمّا برد السّحر نام، فحرّكه أمير المؤمنين (عليه السلام) برجله و قال له: «الصّلاة»، فقام إليه فضربه.

و روي في حديث آخر

أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أسهر في تلك اللّيلة، و أكثر الخروج و النّظر إلى السّماء و هو يقول: «و اللّه ما كذبت و لا كذبت، و أنّها اللّيلة الّتي وعدت بها» ثمّ يعاود مضجعه، فلمّا طلع الفجر شدّ إزاره و خرج و هو يقول

:

أشدد حيازيمك للموت‏-- فإنّ الموت لاقيكا (1)

و لا تجزع من القتل‏-- إذا حلّ بواديكا

فلمّا خرج إلى صحن الدّار استقبله الأوزّ

(2)

فصحن في وجهه،

____________

(1) في الأصل: لاقيك.

(2) بتشديد الزاي، يقال لها بالفارسية: مرغابي.

226

فجعلوا يطردونهنّ، فقال: «دعوهن فإنّهنّ صوايح يتبعها نوايح» ثمّ خرج فأصيب (عليه السلام)

. الفصل الثاني: في الأخبار الواردة بسبب قتله (عليه السلام)

و من الأخبار الواردة بسبب قتله (عليه السلام) و كيف كان الأمر في ذلك ما

رواه جماعة من أهل السّير، منهم أبو مخنف لوط بن يحيى، و إسماعيل بن راشد و غيرهما

أنّ نفرا من الخوارج اجتمعوا بمكّة فتذاكروا الأمر، فعابوهم و عابوا أعمالهم عليهم، و ذكروا أهل النّهروان و ترحّموا عليهم، فقال بعضهم لبعض: لو أنّا شرينا أنفسنا للّه عزّ و جلّ، فأتينا أئمة الضّلال فطلبنا عزّتهم، فأرحنا منهم العباد و البلاد، و ثارنا بإخواننا الشّهداء بالنّهروان، فتعاهدوا عند انقضاء الحجّ على ذلك، فقال عبد الرّحمن بن ملجم المرادي (لعنه اللّه): أنا أكفيكم عليّا، و قال البرك بن عبد اللّه التّميمي: أنا أكفيكم معاوية، و قال عمرو بن بكر التّميمي: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، و تعاهدوا على ذلك، و تواثقوا عليه و على الوفاء به، و اتّعدوا لشهر رمضان في ليلة تسعة عشر ثمّ تفرّقوا، فأقبل ابن ملجم (لعنه اللّه) و كان عداده في كندة حتّى قدم الكوفة، فلقي بها أصحابه و كتمهم خبره‏

(1)

مخافة أن ينتشر منه شي‏ء، فبينا هو في ذلك، إذ زار رجلا من أصحابه ذات يوم من تيم الرّباب، فصادف عنده قطام بنت الأخضر التّيميّة، و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) قتل أباها و أخاها بالنّهروان، و كانت من أجمل نساء أهل زمانها، فلمّا رآها ابن ملجم شغف بها و اشتدّ إعجابه بها، فسأل في نكاحها و خطبها، فقالت: ما الّذي تسمّي لي من الصّداق؟ فقال لها: احتكمي، فقالت: أنا محتكمة عليك ثلاثة آلاف درهم و وصيفا و خادما و قتل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال لها لك جميع ما سألت و وصفت فأمّا قتل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فأنّى لي بذلك، فقالت: تلتمس غرّته، فإن أنت قتلته شفيت نفسي و هنأك العيش معي، و إن أنت قتلت فما عند اللّه خير لك من الدّنيا

____________

(1) في نسخة أخرى: أمره.

227

و ما فيها، فقال لها: أما و اللّه ما أقدمني هذا المصر و قد كنت هاربا منه لا آمن مع أهله، إلّا ما سألتني من قتل عليّ بن أبي طالب، فلك ما سألت، قالت: و أنا طالبة لك بعض من يساعدك و يقوّيك على ذلك، فبعثت إلى وردان بن مجالد من تيم الرّباب فخبّرته الخبر، و سألته معونة ابن ملجم (لعنه اللّه) فاحتمل لها ذلك، و خرج ابن ملجم لعنه اللّه فأتى رجلا من أشجع يقال له شبيب بن بجرة، فخبّره الخبر و سأل منه المساعدة على قتل على بن أبى طالب (عليه السلام)، و كان شبيب على رأي الخوارج، فأجابه إلى ذلك، و أقبل ابن ملجم (لعنه اللّه) و معه الاثنين ليلة الأربعاء لتسع عشر خلت من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، فدخلوا على قطام و هي معتكفة في المسجد الأعظم قد ضربت عليها قبّة، فقالوا لها: قد أجمع رأينا على قتل هذا الرّجل، فدعت لهم بحرير فعصبت به صدورهم و تقلّدوا أسيافهم و مضوا، فجلسوا لمقابل السّدّة الّتي كان يخرج منها أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الصّلاة، فقد كانوا ألقوا إلى الأشعث بن قيس ما في نفوسهم من العزيمة على قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) و واطأهم عليه، و حضر الأشعث بن قيس في تلك اللّيلة لمعونتهم على ما اجتمعوا عليه، فلمّا كان الثّلث الآخر من اللّيل أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) ينادي الصّلاة الصّلاة فسبق إليه ابن ملجم (لعنه اللّه) فضربه على أمّ رأسه بالسّيف و كان مسموما، و ضربه شبيب (لعنه اللّه) فأخطأه و وقعت ضربته في الطّاق، و هرب القوم نحو أبواب المسجد، فقال علي (عليه السلام): «لا يفوتنّكم الرّجل» و تبادر النّاس لأخذهم، فأمّا شبيب بن بجرة (عليه اللّعنة) فأخذه رجل فصرعه و جلس على صدره، و أخذ السّيف من يده ليقتله به، فرأى النّاس يقصدون نحوه، فخشي أن يعجّلوا عليه و لا يسمعوا منه، فوثب عن صدره و خلّاه و طرح السّيف من يده، و مضى شبيب هاربا حتّى دخل منزله، و دخل عليه ابن عمّ له فرآه يحلّ الحرير عن صدره، فقال له: ما هذا لعلّك قتلت أمير المؤمنين (عليه السلام) فأراد أن يقول: لا فقال: نعم، فذهب ابن عمّه، فاشتمل على سيفه و دخل عليه، فضربه حتّى قتله، و أمّا ابن ملجم (لعنه اللّه) فإنّ رجلا من همدان لحقه و طرح عليه قطيفة كانت في يده، ثم صرعه و أخذ السّيف من يده، و جاء به إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و افلت الثّالث فانسلّ بين النّاس،

228

فلمّا أدخل ابن ملجم (لعنه اللّه) على أمير المؤمنين (عليه السلام) نظر إليه ثمّ قال:

«

النَّفْسَ بِالنَّفْسِ‏

، إن أنا متّ فاقتلوه كما قتلني، و إن عشت رأيت فيه رأيي» فقال ابن ملجم (لعنه اللّه) لقد ابتعته بألف، و سممته بألف فإن خانني فأبعده اللّه، فأخرج من بين يدي أمير المؤمنين (عليه السلام) و إنّ النّاس ينهشون لحمه بأسنانهم كأنّهم سباع و هم يقولون: يا عدوّ اللّه ماذا فعلت؟! أهلكت أمّة محمّد و قتلت خير النّاس و أنّه لصامت ما ينطق، فذهب به إلى الحبس، و جاء النّاس إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقالوا له: يا أمير المؤمنين مرنا بأمرك في عدو اللّه، فقد أهلك الأمة، و أفسد الملة، فقال لهم أمير المؤمنين (عليه السلام):

«إن عشت رأيت فيه رأيي، و إن هلكت فاصنعوا به ما يصنع بقاتل النّبيّ، اقتلوه ثمّ حرّقوه‏

(1)

بعد ذلك بالنّار، قال فلمّا قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) نحبه و فرغ أهله من دفنه، جلس الحسن بن علي (عليه السلام) و أمر أن يؤتى بابن ملجم (لعنه اللّه)، فجي‏ء به، فلمّا وقف بين يديه قال له: «يا عدوّ اللّه قتلت أمير المؤمنين و أعظمت الفساد في الدّين، ثمّ أمر به فضربت عنقه، و استوهبت أمّ الهيثم بنت الأسود النّخعيّة جثّته منه لتتولّى إحراقها بالنّار، فوهبها لها فأحرقتها بالنّار.

و في أمر قطام و قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول الشّاع

ر

(2)

:

فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة-- كمهر قطام من غنيّ و معدم‏

ثلاثة آلاف و عبد و قينة-- و ضرب عليّ بالحسام المصمّم‏

فلا مهر أغلى من عليّ و إن غلا-- و لا فتك إلّا دون فتك ابن ملجم‏

و أمّا الرّجلان اللّذان كانا مع ابن ملجم (لعنهم اللّه أجمعين) على قتل معاوية و عمرو بن العاص، فإنّ أحدهما ضرب معاوية و هو راكع فوقعت ضربته في إليته و نجى منها، و أخذ و قتل من وقته؛ و أمّا الآخر فإنّه وافي عمروا في تلك اللّيلة، و قد وجد علّة فاستخلف رجلا يصلّي بالنّاس يقال‏

____________

(1) هذا بعيد من ساحة الإمام (عليه السلام) و أعرض عنه جل المحدثين، و ذكروا أنه (عليه السلام) نهى عن حرقه و عن أن يمثل به.

(2) و هو الفرزدق على ما في الصواعق ص 133.

229

له: خارجة بن أبي حبيبة العامريّ، فضربه بسيفه و هو يظنّ أنّه عمرو بن العاص، فأخذ و أتي به عمرو فقتله و مات خارجة في اليوم الثّاني.

الفصل الثالث: في موضع قبر علي (عليه السلام)

و من الأخبار الّتي جاءت بموضع قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) و شرح الحال في دفنه،

ما رواه عبّاد بن يعقوب الرّواجني قال: حدّثنا حيان بن علي الغنوي قال: حدّثني مولى لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) قال:

لمّا حضرت أمير المؤمنين صلوات الله عليه الوفاة قال للحسن و الحسين (عليهما السلام): إذا أنا متّ فاحملاني على سرير ثمّ أخرجاني و احملا مؤخّر السّرير، فإنّكما تكفيان مقدّمه، ثمّ أتياني الغريّين، فإنّكما ستريان صخرة بيضاء تلمع نورا، فاحتفرا فيها، فإنّكما تجدان فيها ساجة فادفناني فيها، قال: فلمّا مات أخرجناه و جعلنا نحمل مؤخّر السّرير و نكفى مقدّمه، و جعلنا نسمع دويّا و حفيفا حتّى أتينا الغريّين، فإذا صخرة بيضاء تلمع نورا، فاحتفرنا فإذا ساجة مكتوب عليها: هذه ممّا ادّخرها نوح لعليّ بن أبى طالب (عليه السلام) فدفنّاه فيها و انصرفنا و نحن مسرورون بإكرام اللّه تعالى لأمير المؤمنين (عليه السلام) فلحقنا قوم من الشّيعة لم يشهدوا الصلاة عليه، فأخبرناهم بما جرى و بإكرام اللّه تعالى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقالوا: نحبّ أن نعاين من أمره ما عاينتم، فقلنا لهم: إنّ الموضع قد عفي أثره بوصيّة منه (عليه السلام) فمضوا و عادوا إلينا فقالوا: إنّهم احتفروا فلم يروا شيئا.

و روى محمّد بن عمارة قال: حدّثني أبي، عن جابر بن يزيد قال:

سألت أبا جعفر محمّد بن علي (عليهما السلام) أين دفن أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ قال: دفن بناحية الغريّين، و دفن قبل طلوع الشّمس، و دخل قبره الحسن و الحسين و محمّد بنو عليّ، و عبد اللّه بن جعفر (رضوان اللّه عليهم)».

و روى يعقوب بن يزيد، عن أبي عمير، عن رجاله قال:

قيل للحسين و الحسن (عليهما السلام): «أين دفنتم أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ قال: خرجنا به ليلا على مسجد الأشعث حتّى خرجنا به إلى الظّهر يخبب الغريّين فدفنّاه هناك».

و روى محمّد بن زكريّا قال: حدّثنا عبد اللّه بن محمّد، عن أبي‏

230

عائشة (1) قال: حدّثني عبد اللّه بن حازم، قال:

خرجنا يوما مع الرّشيد من الكوفة نتصيّد، فصرنا إلى ناحية الغريّين و الثّويّة، فرأينا ظباء، فأرسلنا عليها الصّقور و الكلاب فحاولتها ساعة، ثمّ لجأت الظّباء إلى أكمة فوقفت عليها، فسقطت الصّقور ناحية و رجعت الكلاب، فعجب الرّشيد من ذلك، ثمّ إنّ الظّباء هبطت من الأكمة فهبطت الصّقور و الكلاب، ففعلن ذلك مرارا ثلاثا فقال هارون: اركضوا فمن لقيتموه فأتوني به، فأتينا بشيخ من بني أسد، فقال له هارون: أخبرني ما هذه الأكمة؟ فقال: إن جعلت لي الأمان أخبرتك فقال: لك عهد اللّه و ميثاقه ان لا أهيّجك و لا أوذيك، قال:

حدّثني أبي، عن آبائه أنّهم كانوا يقولون إنّ في هذه الأكمة قبر عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و قد جعله اللّه حرما لا يأوي إليه شي‏ء إلّا أمن، فنزل هارون و دعا بماء فتوضّأ و صلّى عند الأكمة، و تمرّغ عليها و جعل يبكي، ثمّ انصرفنا، قال محمّد بن عيسى: فكان قلبي لا يقبل ذلك، فلمّا كان بعد ذلك حججت إلى مكّة، فرأيت بها ياسرا رحّال الرشيد و كان يجلس معنا إذا طفنا، فجرى الحديث إلى أن قال: قال لي الرّشيد ليلة من اللّيالي و قدمنا من مكّة فنزلنا الكوفة: يا ياسر قل لعيسى بن جعفر ليركب، فركبا جميعا و كنت معهما، حتّى إذا صرنا إلى الغريّين فأمّا عيسى فطرح نفسه فنام، و أمّا الرّشيد فجاء إلى الأكمة فصلّى عندها، و كلّما صلّى ركعتين دعا و بكى و تمرّغ على الأكمة ثمّ يقول: يا بن عمّ أنّا و اللّه أعرف فضلك و سابقتك و بك و اللّه جلست مجلسي الّذي أنا فيه، و أنت أنت، و لكن ولدك يؤذونني و يخرجون عليّ، ثمّ يقوم فيصلّي، ثمّ يعيد هذا الكلام و يدعو و يبكي، حتّى إذا كان وقت السّحر قال لي: يا ياسر، أقم عيسى، فأقمته فقال له: يا عيسى قم فصلّ عند قبر ابن عمّك، فقال له: و أيّ ابن عمومتي هذا، قال: هذا قبر عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فتوضّأ عيسى و قام يصلّي، فلم يزالا كذلك حتّى طلع الفجر، فقلت: يا أمير المؤمنين أدركك الصّبح، فركبنا و رجعنا إلى الكوفة.

____________

(1) في الأصل: عايشة.

231

[الباب الثانى في بيان جملة من فضائل امير المؤمنين و مناقبه و معجزاته و بيناته‏]

(الباب الثاني:

في فضائله و مناقبه و معجزاته و بيناته)

[أولا في بيان فضائله المختصة به‏]

طرف من أخبار أمير المؤمنين (عليه السلام) و فضائله و مناقبه و المرويّ من معجزاته و بيّناته.

فمن ذلك ما جاءت به الأخبار في تقدّم إيمانه باللّه و رسوله عليه و آله السّلام و سبقه به كافّة المكلّفين من الأنام.

أخبرني أبو الجيش المظفّر بن محمّد البلخي، قال: أخبرنا أبو بكر محمّد بن أحمد بن أبي الثّلج، قال: حدّثنا أبو الحسن أحمد بن القاسم البرقي، قال: حدّثني عبد السّلام بن صالح الأزدي، قال: حدّثنا سعيد بن خيثم قال: حدّثني أسد بن عبيدة، عن يحيى بن عفيف، عن أميّة قال:

كنت جالسا مع العبّاس بن عبد المطّلب (رضي اللّه عنه) بمكّة قبل أن يظهر أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فجاء شابّ فنظر إلى السّماء حتّى تخلّقت الشّمس، ثمّ استقبل الكعبة فقام يصلّي، ثمّ جاء غلام فقام عن يمينه، ثم جاءت امرأة فقامت خلفهما فركع الشّابّ، فركع الغلام و المرأة، ثمّ رفع الشّابّ رأسه فرفعا، ثم سجد الشّابّ فسجدا، فقلت: يا عبّاس أمر عظيم، فقال العبّاس: أمر عظيم، أتدري من هذا الشّابّ؟ هذا محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب ابن أخي، أتدري من هذا الغلام؟ هذا عليّ بن أبي طالب ابن أخي، أتدري من هذه المرأة؟ هذه خديجة بنت خويلد إنّ ابن أخي هذا حدّثني أنّ ربّه ربّ السّموات و الأرض أمره بهذا الدّين الّذي هو عليه، و لا و اللّه ما على ظهر الأرض على هذا الدّين غير هؤلاء الثلاثة.

232

أخبرني أبو حفص عمر بن محمّد الصّيرفي، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن أبي الثّلج، عن أحمد بن القاسم البرقي، عن أبي صالح سهل بن صالح، و كان قد حان مائة سنة، قال: سمعت أبا المعمّر عبّاد بن عبد الصّمد يقول: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

صلّت الملائكة عليّ و على عليّ سبع سنين، و ذلك أنّه لم يرفع إلى السّماء شهادة أن لا إله إلّا الله و أنّ محمّدا رسول اللّه إلّا منّي و من عليّ.

. و بهذا الإسناد، عن أحمد بن القاسم البرقي قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا نوح بن قيس قال: حدّثنا سليمان بن علي الهاشمي أبو فاطمة، قال: سمعت معاذة العدويّة تقول: سمعت عليّا (عليه السلام) على منبر البصرة يقول:

«أنا الصّدّيق الأكبر، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، و أسلمت قبل أن يسلّم»

. أخبرني أبو نصر محمّد بن أبي الحسن المقري البصير (1) الشيرواني قال: حدّثنا أبو بكر محمّد بن أبي الثّلج، قال: حدّثنا أبو محمّد النّوفلي، عن محمّد بن عبد الحميد، عن عمرو بن عبد الغفّار الفقيمي، قال:

أخبرني إبراهيم بن حيّان، عن أبي عبد الله مولى بني هاشم، عن أبي بجيلة قال:

خرجت أنا و عمّار حاجّين، فنزلنا عند أبي ذر (رحمه اللّه تعالى) فأقمنا عنده ثلاثة أيّام، فلمّا دنا منّا الخفوف‏

(2)

قلنا له: يا أبا ذرّ إنّا لا نراه و قد دنا اختلاط من النّاس، فما ترى؟ قال: ألزم كتاب اللّه و علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فأشهد على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: عليّ أوّل من آمن بي، و أوّل من يصافحني يوم القيامة، و هو الصّدّيق الأكبر، و الفاروق بين الحقّ و الباطل، و أنّه يعسوب المؤمنين، و المال يعسوب الظّلمة

. قال الشّيخ المفيد (رحمه اللّه عليه): و الأخبار في هذا المعنى كثيرة و شواهدها جمّة.

الفصل الأول: في فضله (عليه السلام) على الكافة بالعلم‏

و من ذلك ما جاء في فضله (عليه السلام) على الكافّة في العلم‏

أخبرني أبو الحسن محمّد بن جعفر التّميمي النّحوي، قال: حدّثنا محمّد بن القاسم‏

____________

(1) في نسخة أخرى: البصري.

(2) أي الارتحال.

233

المحاربي‏ (1) البزّاز، قال: حدّثنا هشام بن يونس النّهشلي، قال: حدّثنا عابد بن حبيب، عن أبي الصّباح الكناني، عن محمّد بن عبد الرّحمن السّلمي، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«عليّ بن أبي طالب أعلم أمّتي و أقضاهم فيما اختلفوا فيه من بعدي»

. أخبرني أبو بكر، عن أبي الحسين محمّد بن المظفّر البزّاز، قال:

حدّثنا أبو مالك كثير بن يحيى، قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن أحمد السّري: قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، عن سعيد (2) الكتاني، عن الاصبغ بن نباتة، قال:

لمّا بويع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بالخلافة، خرج إلى المسجد معتما بعمامة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لابسا بردته، فصعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه و وعظ و أنذر، ثمّ جلس متمكنا، و شبك بين أصابعه و وضعها أسفل سرّته، ثمّ قال: يا معشر النّاس سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني فإنّ عندي علم الأوّلين و الآخرين، أما و اللّه لو ثنّي لي الوسادة لحكمت بين أهل التّوراة بتوراتهم، و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم، و بين أهل الزّبور بزبورهم، و بين أهل القرآن بقرآنهم‏

(3)

حتّى ينهي كلّ كتاب من هذه الكتب و يقول: «يا ربّ إنّ عليّا قضا بقضائك، و اللّه إنّي لأعلم بالقرآن و تأويله من كلّ مدّع علمه، و لو لا آية في كتاب اللّه تعالى لأخبرتكم بما يكون إلى يوم القيامة» ثمّ قال: «سلوني قبل أن تفقدوني، فو الّذي فلق الحبّة و برأ النّسمة، لو سألتموني عن آية آية لأخبرتكم بوقت نزولها و فيما نزلت، و أنبأتكم بناسخها من منسوخها، و خاصّها من عامّها، و محكمها من متشابهها، و مكّيها من مدنيها، و اللّه ما فئة تضلّ أو تهدى إلّا و أنا أعرف قايدها و سايقها و ناعقها إلى يوم القيامة

. و أمثال هذه الأخبار ممّا يطول به الكتاب.

____________

(1) في نسخة أخرى: المحارقي.

(2) في نسخة أخرى: سعد.

(3) في نسخة أخرى: الفرقان بفرقانهم.

234

الفصل الثاني: في فضل علي (عليه السلام)

و من ذلك ما جاء في فضله (عليه السلام).

أخبرني أبو الحسن محمّد بن المظفّر البزّاز قال: حدّثنا عمر بن عبد الله بن عمران، قال: حدّثنا أحمد بن بشير، قال: حدّثنا عبيد اللّه بن موسى، عن قيس بن أبي هارون قال:

أتيت أبا سعيد الخدري (رحمه اللّه) فقلت: هل شهدت بدرا؟ فقا: نعم، قلت: فهل سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول لفاطمة (عليها السلام) و قد جاءت ذات يوم تبكي و تقول: «يا رسول اللّه عيّرتني نساء قريش بفقر عليّ» فقال لها النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «أما ترضين يا فاطمة أنّي زوّجتك أقدمهم سلما، و أكثرهم علما، إنّ اللّه تبارك و تعالى اطّلع إلى أهل الأرض اطّلاعة، فاختار منهم أباك فجعله نبيّا، و اطّلع عليهم ثانية فاختار منهم بعلك فجعله وصيّا، و أوحى إليّ أن أنكحك هو

(1)

، أما علمت يا فاطمة أنّك لكرامة اللّه إيّاك زوّجتك أعظمهم حلما و أكثرهم علما، و أقدمهم سلما» فضحكت فاطمة و استبشرت، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «إنّ لعليّ ثمانية أضراس قواطع، لم يحصل لأحد من الأوّلين و الآخرين، هو أخي في الدّنيا و الآخرة و ليس ذلك لغيره من الناس، و أنت يا فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة زوجته، و سبطا الرّحمة سبطاي‏

(2)

ولداه، و أخوه المزيّن بالجناحين يطير مع الملائكة حيث يشاء و عنده علم الأوّلين و الآخرين، و هو أوّل من آمن بي، و آخر النّاس عهدا بي، و هو وصييّ، و وارث الوصيّين.

الفصل الثالث: في أنّ حب علي (عليه السلام) علامة الإيمان‏

و من ذلك ما جاء من‏ (3) الخبر بأنّ محبّته (عليه السلام) علم‏ (4) على الإيمان، و بغضه علم على النّفاق.

____________

(1) في نسخة أخرى: إياه.

(2) كذا في الأصل.

(3) في نسخة أخرى: في.

(4) أي علامة.

235

حدّثنا أبو بكر محمّد بن عمر المعروف بابن الجعابي الحافظ قال:

حدّثنا محمّد بن سهل بن الحسن، قال: حدّثنا أحمد بن عمر الدّهقان، قال: حدّثنا محمّد بن كثير، قال: حدّثنا إسماعيل بن مسلم، قال: حدّثنا عمر الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زيد (1) بن حبيش، قال:

رأيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) على المنبر، فسمعته يقول: «و الّذي فلق الحبّة، و برأ النّسمة أنّه لعهد النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إليّ أنّه لا يحبّك إلّا مؤمن، و لا يبغضك إلّا منافق»

. الفصل الرابع: في أن شيعة علي هم الفائزون‏

و من ذلك ما جاء في أنّه (عليه السلام) و شيعته هم الفائزون.

5، 14، 1-

أخبرني أبو عبد الله محمّد بن عمران المرزباني، قال: حدّثني عليّ ابن محمّد بن عبيد اللّه الحافظ، قال: حدّثني عليّ بن الحسين بن عبيد الكوفي، قال: حدّثنا إسماعيل بن أبان، عن سعد بن طالب، عن جابر بن يزيد، عن محمّد بن عليّ الباقر (عليهما السلام) قال:

«سألت أمّ سلمة زوجة النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: إن عليّا و شيعته هم الفائزون»

. الفصل الخامس: في أن حب علي (عليه السلام) علامة لطيب الولادة

و من ذلك ما جاءت به الأخبار في أنّ ولايته (عليه السلام) علم على طيب المولد و عداوته علم على خبثه.

14، 1-

أخبرني أبو الجيش المظفّر بن محمّد البلخي، قال: حدّثنا أبو بكر محمّد بن أحمد بن أبي الثّلج، قال: حدّثنا جعفر بن محمّد العلوي، قال:

حدّثنا أحمد بن عبد المنعم، قال: حدّثنا عبد الله بن محمّد الفزاري، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عليهما السلام) عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال‏

:

سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول لعلي بن أبي طالب (عليه السلام): «ألا أسرّك؟ ألا

____________

(1) في نسخة أخرى: زر.

236

أمنحك؟ ألا أبشرك؟» قال: «بلى يا رسول اللّه بشّرني» قال: «فإنّي خلقت أنا و أنت من طينة واحدة، ففضلت عنها فضلة، فخلق اللّه منها شيعتنا، فإذا كان يوم القيامة دعي النّاس بأسماء أمّهاتهم، سوى شيعتنا فإنّهم يدعون بأسماء آبائهم لطيب مواليدهم».

و بالإسناد السّابق، عن محمّد بن أبي الثّلج، قال: حدّثنا محمّد بن مسلم الكوفي، قال: حدّثنا عبيد الله بن كثير قال: حدّثنا جعفر بن محمّد ابن الحسين الزّهري، قال: حدّثنا عبيد اللّه بن موسى عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال:

«إذا كان يوم القيامة دعي النّاس كلّهم بأسماء أمّهاتهم، ما خلا شيعتنا فإنّهم يدعون بأسماء آبائهم لطيب مواليدهم»

. أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمّد القمي، قال: حدّثنا عليّ بن محمّد بن همام بن سهيل‏ (1) الأسكافي، قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك، قال: حدّثنا محمّد بن نعمة السّلولي، قال: حدّثنا عبد الله بن القاسم، عن عبد الله بن جبلة، عن أبيه، قال: سمعت جابر بن عبد الله ابن حزام الأنصاري يقول:

كنا عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ذات يوم جماعة من الأنصار، فقال لنا: «يا معشر الأنصار ربّوا أولادكم بحبّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فمن أحبّه فاعلموا أنّه لرشده، و من أبغضه فاعلموا أنّه لغيّه»

. الفصل السادس: في تسمية علي (عليه السلام) بأمير المؤمنين‏

و من ذلك ما جاءت به الأخبار في تسمية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عليّا (عليه السلام) بإمرة المؤمنين في حياته.

أخبرني أبو الجيش المظفّر بن محمّد البلخي، قال: أخبرنا أبو بكر محمّد بن أحمد بن أبي الثّلج، قال: أخبرني الحسين بن أيّوب، عن محمّد ابن غالب، عن عليّ بن الحسين، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثّمالي، عن أبي إسحاق السّبيعي، عن بشير الغفاري، عن أنس بن مالك،

____________

(1) في نسخة أخرى: سهل.

237

قال:

كنت خادم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فلمّا كانت ليلة أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بوضوء

(1)

فقال لي: «يا أنس بن مالك، يدخل عليك من هذا الباب السّاعة أمير المؤمنين و سيّد الوصيين، أقدم النّاس سلما، و أكثرهم علما، و أعظمهم حلما» فقلت: اللّهم اجعله من قومي، قال: فلم ألبث أن دخل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) من الباب و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يتوضّأ، فردّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الماء على وجه أمير المؤمنين (عليه السلام) حتّى امتلأت عيناه منه، فقال علي (عليه السلام): «يا رسول اللّه أ حدث في حدث» فقال النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «ما حدث فيك إلّا خيرا، أنت منّي و أنا منك، تؤدّي عنّي و تفي بذمّتي، و تغسلني و تواريني في لحدي، و تسمع النّاس عنّي، و تبيّن لهم من بعدي» فقال عليّ (عليه السلام): «يا رسول اللّه أ و ما بلّغت؟» قال: «بلى و لكن تبيّن لهم ما يختلفون فيه من بعدي»

. أخبرني أبو الجيش المظفّر بن محمّد البلخي، عن أحمد بن أبي الثّلج، قال: حدّثني جدّي، قال: حدثنا عبد الله بن داهر، قال: حدّثني أبي داهر بن يحيى الأحمري المقرى‏ء، عن الأعمش، عن عباية الأسدي، عن ابن عبّاس‏

، أنّ النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال لأمّ سلمة: «اسمعي و اشهدي هذا عليّ أمير المؤمنين و سيّد الوصيّين».

و بهذا الأسناد، عن محمّد بن أبي الثّلج، قال: حدّثني جدّي، قال:

حدّثنا عبد السّلام بن صالح، قال: حدّثني يحيى بن اليمان، قال: حدّثنا سفيان الثّوري، عن أبي الجحّاف، عن معاوية بن ثعلبة، قال:

قيل لأبي ذرّ رضي اللّه عنه: أوص قال: قد أوصيت، قيل: إلى من؟ قال: إلى أمير المؤمنين، قيل إلى عثمان؟ قال: لا و لكن أمير المؤمنين حقّا عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه لزرّ الأرض، و ربّيّ هذه الأمّة، لو فقدتموه لأنكرتم الأرض و من عليها.

و حديث‏ (2) بريدة بن الخضيب الأسلمي، و هو مشهور معروف بين‏

____________

(1) قال الأخفش: الوضوء بالفتح هو الماء، و بالضم هو.

(2) في نسخة أخرى: و خبر.

238

العلماء بأسانيد يطول بشرحها، قال:

إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمرني و أنا سابع سبعة فيهم أبو بكر، و عمر، و عثمان، و طلحة، و الزّبير، فقال: «سلّموا على عليّ (عليه السلام) بإمرة المؤمنين» فسلّمنا عليه بذلك، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حيّ بين أظهرنا

. في أمثال هذه الأخبار يطول بهذا الكتاب.

[ثانيا في بيان مناقبه المختصة به ع‏]

الفصل السابع: في مناقبه [المشهورة و المتواترة]

فأمّا مناقبه الغنيّة لشهرتها و تواتر النّقل بها و إجماع العلماء عليها عن إيراد أسانيد الأخبار بها كثيرة، يطول بشرحها الكتاب، و في رسمنا منها طرفا كفاية عن إيراد جميعها في الفرض الّذي وضعنا له هذا الكتاب إن شاء اللّه.

فمن ذلك‏أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جمع خاصّة أهله و عشيرته في ابتداء الدّعوة إلى الإسلام ففرض عليهم الإيمان، و استنصرهم على أهل الكفر و العدوان، و ضمن لهم على ذلك الخطوة في الدّنيا و الشّرف و ثواب الجنان، فلم يجبه أحد منهم إلّا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فنحله بذلك تحقيق الأخوّة و الوزارة و الوصيّة و الوراثة و الخلافة، و أوجب له بذلك الجنّة، و ذلك في حديث الدّار الّذي أجمع على صحّته نقّاد الأخبار،

حين جمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بني عبد المطلب في دار أبي طالب (رحمه اللّه) و هم أربعون رجلا يومئذ، يزيدون أو ينقصون رجلا فيما ذكره الرّواة، و أمر أن يصنع لهم طعاما فخذ شاة مع مدّ من البرّ و يقدم لهم صاع من اللّبن، و قد كان الرّجل منهم معروفا بأكل الجماعة في مقام واحد، و يشرب الفرق من الشّراب في ذلك المقام، و أراد (عليه السلام) بإعداد قليل الطّعام و الشّراب لجماعتهم إظهار الآية لهم في شبعهم و ريّهم ممّا كان لا يشبع الواحد منهم و لا يروّيه، ثمّ أمر بتقديمه إليهم، فأكلت الجماعة كلّها من ذلك اليسير حتّى تملّوا منه، و لم يبن ما أكلوه منه و شربوه منه، فبهرهم بذلك و تبيّن‏

(1)

لهم آية نبوّته و علامة صدقه ببرهان اللّه تعالى فيه، ثمّ قال لهم بعد أن شبعوا من الطّعام و رووا

____________

(1) في نسخة أخرى: بيّن.

239

من الشّراب: يا بني عبد المطّلب، إنّ اللّه بعثني إلى الخلق كافّة، و بعثني إليكم خاصّة، فقال عزّ من قائل:

وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ (1)

» و أنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللّسان، ثقيلتين في الميزان، تملكون بهما العرب و العجم، و تنقاد لكم بهما الأمم، و تدخلون بهما الجنّة، و تنجون بهما من النّار، شهادة أن لا إله إلّا اللّه، و أني رسول اللّه، فمن يجيبني إلى هذا الأمر و يوازرني على القيام به يكن أخي، و وصيّي، و وزيري، و وارثي، و خليفتي من بعدي، فلم يجب أحد منهم فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): فقمت من بينهم بين يديه و أنا إذ ذاك أصغرهم سنّا و أحمشهم‏

(2)

ساقا، و أرمصهم عينا، فقلت: أنا يا رسول اللّه أوازرك على هذا الأمر فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) اجلس ثمّ أعاد القول على القوم ثانية فاصمتوا، فقمت أنا و قلت مثل مقالتي الأولى، فقال: اجلس، ثمّ أعاد القول على القوم ثالثة، فاصمتوا و لم ينطق أحد منهم بحرف، فقمت و قلت: أنا أوازرك يا رسول اللّه على هذا الأمر، فقال: اجلس فأنت أخي، و وصيّي، و وزيري، و وارثي، و خليفتي من بعدي، فنهض القوم و هم يقولون لأبي طالب: يا أبا طالب ليهنّئك اليوم إن دخلت في دين ابن أخيك، فقد جعل ابنك أميرا عليك‏

. الفصل الثامن: في منقبة اختص بها

و هذه منقبة جليلة الختصّ بها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و لم يشركه فيها أحد من المهاجرين، و لا الأنصار، و لا أحد من أهل الإسلام، و ليس لغيره عدل لها من الفضل، و لا مقارب على حال.

و في الخبر بها ما يفيد أنّ به (عليه السلام) تمكّن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من تبليغ الرّسالة، و إظهار الدّعوة، و الصّدع بالإسلام، و لولاه لم تثبت الملّة، و لا استقرّت الشّريعة، و لا ظهرت الدّعوة فهو (عليه السلام) ناصر الدّين و وزير الدّاعي إليه من قبل اللّه عزّ و جلّ و بضمانه لنبيّ الهدى (عليه السلام) النّصرة، تمّ له في النّبوّة ما أرادوا في ذلك من الفضل ما لا توازنه الجبال فضلا، و لا تعادله الفضائل كلّها

____________

(1) سورة الشعراء، الآية: 214.

(2) حمش الرجل، أي صار دقيق السّاقين.

240

محلا و قدرا،

و من ذلك‏

أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لما أمر بالهجرة عند اجتماع الملأ من قريش على قتله، فلم يتمكّن (عليه و آله السّلام) مظاهرتهم بالخروج عن مكّة، و أراد الاستسرار بذلك و تعمية خبره عنهم، ليتمّ له الخروج على السّلامة منهم، ألقى خبره إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و استكتمه إيّاه، و كلّفه الدّفاع عنه بالمبيت على فراشه من حيث لا يعلمون أنّه هو البائت على الفراش، و يظنّون أنّه النّبيّ بائتا على حالة الّتي كان يكون عليها فيما سلف من اللّيالي، فوهب أمير المؤمنين (عليه السلام) نفسه للّه تعالى، و شراها في اللّه تعالى في طاعته، و بذلها دون نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لينجو به من كيد الأعداء، و يتم له بذلك السّلامة و البقاء و ينتظم له به الغرض في الدّعاء إلى الملّة، و إقامة الدّين، و إظهار الشّريعة، فبات على فراش رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) متسترا بإزاره، و جاءه القوم الّذين تمالؤوا

(1)

على قتل النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فاحدقوا به و (عليهم السلام)

(2)

يرصدون طلوع الفجر ليقتلوه ظاهرا، فيذهب دمه هدرا بمشاهدة بني هاشم قاتليه من جميع القبائل‏

(3)

و لا يتمّ لهم الأخذ بثأره منهم لاشتراك الجماعة في دمه، و قعود كلّ قبيل عن قبال رهطه، و مباينة أهله، فكان ذلك سبب نجاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و حفظ دمه و بقائه حتّى صدع بأمر ربّه، و لو لا أمير المؤمنين (عليه السلام) و ما فعله من ذلك لما تمّ لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) التّبليغ و الأداء، و لا استدام له العمر و البقاء، و لظفر به الحسدة و الأعداء، فلمّا أصبح القوم و أرادوا الفتك به (عليه السلام) ثار إليهم، فتفرّقوا عنه حين عرفوه و انصرفوا، و قد ضلّت حيلتهم في النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و انتقض ما بنوه من التّدبير في قتله، و خابت ظنونهم و بطلت آمالهم، فكان بذلك انتظام الإيمان، و إرغام الشّيطان، و خذلان أهل الكفر و العدوان‏

، و لم يشرك أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذه المنقبة أحد من أهل الإسلام، و لا اختصّ‏ (4) بنظير لها على حال، و لا مقارب لها في الفضل بصحيح الاعتبار.

____________

(1) أي اجتمعوا.

(2) كذا في الأصل، و الظاهر أنها (عليه السلام)

(3) في الأصل: القبايل.

(4) في نسخة أخرى: أحيط.

241

و في أمير المؤمنين (عليه السلام) و مبيته على الفراش أنزل اللّه تعالى:

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (1)

.

و من ذلك‏

أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان أمين قريش على ودائعهم‏

(2)

، فلمّا فجأه من الكفّار ما أحوجه إلى الهرب من مكّة بغتة، لم يجد في قومه و أهله من يأتمنه على ما كان مؤتمنا عليه سوى أمير المؤمنين (عليه السلام) فاستخلفه في ردّ الودائع‏

(3)

إلى أهلها و قضاء ما كان عليه من دين لمستحقّيه، و جمع بناته و نساء أهله و أزواجه و الهجرة بهم إليه، و لم ير أنّ أحدا يقوم مقامه في ذلك من كافّة النّاس، فوثق بأمانته، و عوّل على نجدته و شجاعته، و اعتمد في الدّفاع عن أهله و حامته على بأسه و قدرته، و اطمأنّ إلى ثقته على أهله، و حرمه و عرف من ورعه و عصمته ما تسكن النّفس معه إلى أمانته على ذلك، فقام (عليه السلام) به أحسن القيام، و ردّ كلّ وديعة إلى أهلها، و أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، و حفظ بنات نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و حرمه، و هاجر بهم ماشيا على قدميه يحوطهم من الأعداء، و يكلأهم من الخصماء، و يرفق بهم في المسير، حتى أوردهم عليه المدينة على أتمّ صيانة، و حراسة، و رفق، و رأفة، و حسن تدبير، فأنزله النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عند وروده المدينة داره، و أحلّه قراره، و خلطه بحرمه و أولاده، و لم يميّزه من خاصّة نفسه، و لا احتشمه في باطن أمره و سرّه‏

، و هذه منقبة توحّد بها أمير المؤمنين (عليه السلام) من كافّة أهل بيته و أصحابه، و لم يشركه فيها أحد من أتباعه و أشياعه، و لم يحصل لغيره من الخلق فضل سواها يعادلها، و لا يقاربها على الامتحان، و هي مضافة إلى ما قدّمناه من مناقبه الباهر فضلها، القاهر شرفها قلوب العقلاء.

الفصل التاسع: في ما جاء في قصة براءة

و من ذلك‏

ما جاء في قصّة براءة و قد دفعها النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى أبي بكر لينبذ بها عهد المشركين إليهم، فلمّا سار غير بعيد نزل جبرائيل (عليه السلام) على‏

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 207.

(2) في نسخة أخرى: ودايعهم.

(3) في الأصل: الودايع.

242

النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال له: إنّ اللّه يقرئك السّلام و يقول لك: «لا يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك» فاستدعى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عليّا (عليه السلام) و قال له: «اركب ناقتي العضباء و الحق أبا بكر، فخذ براءة من يده و امض بها إلى مكّة، فانبذ بها عهد المشركين إليهم، و خيّر أبا بكر بين أن يسير مع ركابك أو يرجع إليّ» فركب أمير المؤمنين (عليه السلام) ناقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) العضباء و سار حتّى لحق أبا بكر، فلمّا رآه فزع من لحوقه به و استقبله، و قال: فيم جئت يا أبا الحسن أسائر أنت معي أم لغير ذلك؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمرني أن ألحقك فاقبض منك الآيات من براءة و أنبذ بها عهد المشركين إليهم، و أمرني أن أخيّرك بين أن تسير معي أو ترجع إليه» فقال: بل أرجع إليه، و عاد إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فلمّا دخل عليه قال: يا رسول اللّه إنّك أهّلتني لأمر طالت الأعناق فيه إليّ، فلمّا توجّهت له رددتني عنه، ما لي أ نزل في قرآن؟ فقال النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا و لكنّ الأمين هبط إليّ عن اللّه تعالى بأنّه لا يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك، و عليّ منّي و أنا من عليّ، و لا يؤدّي عنّي إلّا عليّ»

. في حديث مشهور فكان نبذ العهد مختصّا بمن عقده، أو من يقوم مقامه في فرض الطّاعة، و جلالة القدر، و علوّ الرّتبة، و شرف المقام، و من لا يرتاب بفعاله، و لا يعترض في مقاله، و من هو كنفس العاقد، و أمره أمره، و إذا حكم بحكم مضى، و أمن الاعتراض فيه، و كان ينبذ العهد قوّة الإسلام، و كمال الدّين، و صلاح أمر المسلمين، و فتح مكّة، و اتّساق أحوال الصّلاح، فأحبّ اللّه تعالى أن يجعل ذلك على يد من ينوّه باسمه، و يعلي ذكره، و ينبّه على فضله، و يدلّ على علوّ قدره، و يبيّنه ممّن سواه، فكان ذلك أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و لم يكن لأحد من القوم فضل يقارب الفضل الّذي وصفناه، و لا شركه فيه أحد منهم على ما بيّناه، و أمثال ما عددناه كثير إن عملنا على إيراده طال به الكتاب و اتّسع به الخطاب، و فيما أثبتناه منه في الفرض الّذي قصدناه كفاية لذوي الألباب.

243

[في بيان جملة من موارد جهاده ع‏]

الفصل العاشر: في جهاد علي (عليه السلام)

فأمّا الجهاد الّذي ثبت به قواعد الإسلام و استقرت بثبوتها شرائع‏ (1) الملّة و الأحكام، فقد تخصّص منه أمير المؤمنين (عليه السلام) بما اشتهر ذكره في الأنام، و استفاض الخبر به بين الخاصّ و العامّ، و لم يختلف فيه العلماء، و لا تنازع في صحّته الفهماء، و لا شكّ فيه إلّا غفل‏ (2) لم يتأمّل الأخبار، و لا دفعه أحد ممّن نظر في الآثار إلّا معاند بهّات لا يستحي من العار.

الفصل الحادي عشر: في غزوة بدر

فمن ذلك ما كان منه (عليه السلام) في غزاة بدر المذكورة في القرآن، و هي أوّل حرب كان‏ (3) به الامتحان، و ملأت رهبته‏ (4) صدور المعدودين من المسلمين في الشّجعان، فراموا التأخّر عنها لخوفهم منها و كراهتهم على ما جاء به محكم الذّكر في التّبيان، حيث يقول جلّ اسمه فيما قصّ به من شأنهم‏ (5) على الشّرح له و البيان: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (5) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ‏ (6). في الآي المتّصل بذلك إلى قوله تعالى: وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَ رِئاءَ النَّاسِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (7)، بل إلى آخر السّورة، فإنّ الخبر عن أحوالهم فيما يتلو بعضه بعضا، و إن اختلفت ألفاظه و اتّفقت معانيه، فكان من جملة خبر هذه الغزاة

أنّ المشركين حضروا بدرا مصرّين على القتال، مستظهرين فيه بكثرة الأموال و العدد و العدّة و الرّجال، و المسلمون إذ ذاك نفر قليل عددهم‏

____________

(1) في الأصل: شرايع.

(2) الغفل- بالضم-: من لا يرجى خيره، و لا يخشى شرّه.

(3) كذا في الأصل.

(4) كذا في الأصل.

(5) في نسخة أخرى: نبأهم.

(6) سورة الأنفال، الآيتان: 5- 6.

(7) سورة الأنفال، الآية: 47.

244

هناك، حضرته طوائف منهم بغير اختيار، و شهدته على الكراهة منها له و الاضطرار، فتحدّيهم‏

(1)

قريش بالبراز، ودعتهم إلى المصافة و النّزال، و اقترحت في اللّقاء منهم الأكفاء، و تطاولت الأنصار لمبارزتهم، فمنعهم النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من ذلك و قال لهم: «إنّ القوم دعوا الأكفاء منهم» ثم أمر عليّا أمير المؤمنين (عليه السلام) بالبروز إليهم، و دعا حمزة بن عبد المطلّب و عبيدة بن الحارث (رحمهما اللّه) و أمرهما أن يبرزا معه، فلمّا اصطفّوا للقوم لم يثبتهم القوم، لأنّهم كانوا قد تغفّروا، فسألوهم من أنتم؟ فانتسبوا لهم، فقالوا:

أكفاء كرام، و نشبت الحرب بينهم، و بارز الوليد بن عتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) فلم يلبثه حتّى قتله، و بارز عتبة حمزة (رضي اللّه عنه) فقتله حمزة، و بارز شيبة عبيدة (رضي اللّه عنه) فاختلفا بينهما ضربتان، قطعت إحداهما فخذ عبيدة فاستنقذه أمير المؤمنين (عليه السلام) بضربة بدد بها شيبة فقتله، و شركه في ذلك حمزة رضي اللّه عنه فكان قتل هؤلاء الثلاثة أوّل وهن لحق المشركين و ذلّ دخل عليهم و رهبة اعتراهم بها الرعب من المسلمين، و ظهر

(2)

بذلك إمارات نصر المؤمنين، ثمّ بارز أمير المؤمنين (عليه السلام) العاص بن سعيد بن العاص، بعد أن أحجم عنه من سواه، فلم يلبثه‏

(3)

أن قتله، و برز إليه حنظلة بن أبي سفيان فقتله، و برز إليه طعيمة بن عدي فقتله، و قتل بعده نوفل بن خويلد، و كان من شياطين قريش، و لم يزل يقتل واحدا بعد واحد حتّى أتى شطر المقتولين منهم، و كانوا سبعين قتيلا، تولّى كافّة من حضر بدرا من المسلمين مع ثلاثة آلاف من الملائكة المسوّمين قتل الشّطر منهم، و تولّى أمير المؤمنين (عليه السلام) قتل الشّطر الآخر وحده لمعونة اللّه و توفيقه و تأييده و نصره، و كان الفتح له بذلك و على يديه، و ختم الأمر بمناولة النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كفّا من الحصى، فرمى في وجوههم و قال لهم: «شاهت الوجوه» فلم يبق أحد منهم إلّا ولى الدّبر لذلك منهزما،

وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ‏

بأمير المؤمنين (عليه السلام) و شركائه في نصرة الدّين من خاصّة آل الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و من أيّدهم‏

____________

(1) كذا في الأصل.

(2) كذا في الأصل.

(3) كذا في الأصل.

245

به من الملائكة الكرام كما قال اللّه جلّ اسمه:

وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (1)

. الفصل الثاني عشر: في عدد المقتولين في غزوة بدر

و قد أثبت رواة العامّة و الخاصّة معا أسماء الذين تولّى أمير المؤمنين (عليه السلام) قتلهم ببدر من المشركين على اتّفاق فيما نقلوه من ذلك و اصطلاح، فكان ممّن سمّوه: الوليد بن عتبة كما قدّمناه، و كان شجاعا جريئا، فاتكا وقّاحا تهابه الرجال‏

(2)

، و العاص بن سعيد بن العاص، و كان هؤلاء

(3)

عظيما تهابه الأبطال؛ و طعيمة بن عديّ بن نوفل، و كان من رؤوس أهل الضّلال؛ و نوفل بن خويلد، و كان من أشدّ المشركين عداوة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و كانت قريش تقدّمه و تعظّمه، و هو الّذي قرن أبا بكر بطلحة قبل الهجرة بمكّة و أوثقهما بحبل و عذّبهما يوما إلى اللّيل، حتّى سئل في أمرهما، و لمّا عرف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حضوره بدرا سأل اللّه عزّ و جلّ أن يكفيه أمره، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «اللّهمّ اكفني نوفل بن خويلد» فقتله أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه)؛ و زمعة بن الأسود

(4)

؛ و الحرث بن زمعة؛ و النّضر بن الحارث بن عبد الدّار؛ و عمير بن عثمان بن كعب بن تيم عمّ طلحة بن عبيد الله؛ و عثمان و مالك ابنا عبيد اللّه أخو طلحة بن عبيد الله؛ و مسعود ابن أبي أميّة بن المغيرة؛ و قيس بن الفاكه بن المغيرة؛ و حذيفة بن أبي حذيفة بن المغيرة؛ و أبو قيس بن الوليد بن المغيرة؛ و حنظلة بن أبي سفيان، و عمرو بن مخزوم، و الوليد بن أبي رفاعة

(5)

؛ و منبّه بن الحجّاج السّهمي؛ و العاص بن منبّه؛ و علقمة بن كلدة؛ و أبو العاص بن قيس بن عدي؛ و معاوية بن المغيرة بن أبي العاص؛ و لوذان بن ربيعة؛ و عبد اللّه بن‏

____________

(1) سورة الأحزاب، الآية: 25.

(2) في نسخة أخرى: الابطال.

(3) كذا في الأصل.

(4) في نسخة أخرى: عقيل بن الأسود.

(5) في نسخة أخرى: أبو المنذر.

246

المنذر بن أبي رفاعة؛ و مسعود بن أبي أميّة بن المغيرة؛ و حاجب بن السّائب بن عويمر؛ و أوس بن المغيرة بن لوذان؛ و زيد بن مليص؛ و عاصم ابن أبي عوف؛ و معبد بن وهب حليف بني عامر؛ و معاوية بن عامر بن عبد القيس؛ و عبد اللّه بن جميل بن زهير بن الحارث بن أسد؛ و السّائب بن مالك؛ و أبو الحكم بن الأخنس؛ و هشام بن أميّة بن المغيرة.

فذلك ستّة و ثلاثون رجلا سوى من اختلف فيه أو شرك أمير المؤمنين (عليه السلام) فيه غيره، و هم أكثر من شطر المقتولين ببدر على ما قدّمناه.

الفصل الثالث عشر: في غزوة أحد

ثم تلت بدرا غزاة أحد، فكانت راية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بيد أمير المؤمنين (عليه السلام) فيها كما كانت بيده يوم بدر، فصار اللّواء إليه يومئذ، فصار صاحب الرّاية و اللّواء جميعا، فانهزم النّاس كلّهم عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلّا عليّ بن أبي طالب وحده، و رجع إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نفر يسير، أوّلهم عاصم بن ثابت، و أبو دجانة، و سهل بن حنيف، فقال‏

(1)

: و لحقهم طلحة بن عبيد اللّه، فقلت له: و أين كان أبو بكر و عمر؟ قال: كانا ممّن تنحّى قال:

قلت: و أين كان عثمان؟ قال: جاء بعد ثلاثة من الوقعة، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لقد ذهبت فيها عريضة» و تعجّبت الملائكة من ثبات عليّ (عليه السلام) فقال جبرائيل (عليه السلام) و هو يعرج إلى السّماء

:

لا سيف إلّا ذو الفقار-- و لا فتى إلّا عليّ‏

و قتل عليّ (عليه السلام) أكثر المشركين في هذه الغزاة، و كان الفتح له في هذه الغزاة كما كان له ببدر

، و اختصّ بحسن البلاء فيها و الصّبر، و ثبوت القدم عندما زلّت من غيره الأقدام، و قتل اللّه لسيفه‏ (2) رؤوس أهل الشّرك و الضّلال و فرّج به الكرب عن نبيّه عليه و آله السلام و خطب بفضله في ذلك المقام جبرائيل (عليه السلام) في ملائكة الأرض و السّماء و أبان نبيّ الهدى عليه و آله‏

____________

(1) كذا في الأصل، كلمة فقال، غير مسبوقة بكلام يشير إلى متحدث ما.

(2) كذا في الأصل، و ربما هي تصحيف بسيفه.

247

السلام من اختصاصه به ما كان مستورا عن عامّة النّاس.

الفصل الرابع عشر: في عدد المقتولين في غزوة أحد

و قد ذكر أهل السّير قتلى أحد من المشركين، فكان جمهورهم قتلى أمير المؤمنين (عليه السلام).

فروى عبد الملك بن هشام قال حدّثني زياد بن عبد اللّه، عن محمّد ابن إسحاق، قال:

كان صاحب لواء قريش طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدّار، قتله عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و قتل ابنه أبا سعيد بن طلحة، و قتل أخاه كلدة بن أبي طلحة، و عبد اللّه بن حميد بن زهير

(1)

بن الحارث بن أسد بن عبد العزّى، و الحكم بن الأخنس بن شريق الثّقفي، و الوليد بن أبي حذيفة بن المغيرة، و قتل أخاه أميّة بن أبي حذيفة ابن المغيرة، وقتل أرطأة بن شرحبيل، و هشام بن أميّة، و عمرو بن عبد اللّه الجمحي، و بشر بن مالك، و قتل صوابا مولى بني عبد الدّار، و كان الفتح له، و رجوع النّاس من هزيمتهم إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بمقامه يذبّ عنه دونهم، و توجّه العقاب من اللّه تعالى إلى كافّتهم بهزيمتهم يومئذ سواه‏

. الفصل الخامس عشر: في غزوة بني النضير

و فيما كان من أمير المؤمنين (عليه السلام) في غزاة بني النّضير و قتله اليهودي الّذي رمى قبّة النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و مجيئه إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) برؤوس التّسعة النّفر الّذين كانوا معه، يقول حسّان بن ثابت الأنصاري

:

للّه أيّ كريهة أبليتها-- ببني قريظة و النّفوس تطلع‏

أرى و رئيسهم و آب بتسعة-- طورا يشلّهم و طورا يدفع‏

و كان ذلك سبب فتح حصون بني النّضير، و المنّة للّه.

____________

(1) في نسخة أخرى: زهرة.

248

الفصل السادس عشر: في غزوة الأحزاب‏

و كانت غزاة الأحزاب بعد بني النّضير فأقبلت الأحزاب إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فهال المسلمون أمرهم و ارتاعوا من كثرتهم و جمعهم، فنزلوا ناحية من الخندق، و أقاموا بمكانهم بضعا و عشرين ليلة لم يكن بينهم حرب إلّا الرّمي بالنّبل و الحصى، ثمّ قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في المسلمين يدعوهم إلى جهاد العدوّ يشجعهم و يعدهم النّصر، و انتدبت فوارس من قريش للبراز، منهم عمرو بن عبدودّ العامري و عكرمة بن أبي جهل، و هبيرة بن أبي وهب المخزوميّان، و ضرار بن الخطاب، و مرداس الفهري، فلبسوا للقتال، ثمّ خرجوا على خيلهم حتّى مرّوا بمنازل بني كنانة، فقالوا: تهيأوا يا بني كنانة للحرب، ثمّ أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتّى وقفوا على الخندق، ثمّ عبروا من مضيق في الخندق، و جعلوا يجيلون خيلهم في السبخة بين الخندق و سليع، و المسلمون وقوف لا يقدم أحد منهم عليهم، و جعل عمرو بن عبد ودّ يدعو إلى البراز و يعرض بالمسلمين، و في كلّ ذلك يقوم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) من بينهم ليبارزهم، فيأمره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالجلوس انتظارا منه لتحرك غيره، و المسلمون كأن على رؤوسهم الطّير لمكان عمرو بن عبد ودّ و الخوف منه و ممّن معه و وراءه، فلمّا طال نداء عمرو بالبراز و تتابع قيام عليّ أمير المؤمنين، قال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ادن منّي يا علي، فدنا منه فنزع عمامته عن رأسه و عمّمه بها، و أعطاه سيفه و قال له: «امض لشأنك» ثمّ قال: «اللّهمّ أعنه» فسعى نحو عمرو و معه جابر بن عبد اللّه الأنصاري (رحمة اللّه عليه) لينظر ما يكون منه و من عمرو، فلمّا انتهى أمير المؤمنين (عليه السلام) إليه قال: «يا عمرو إنّك كنت تقول في الجاهلية لا يدعوني أحد إلى ثلاث إلّا قبلتها أو واحدة منها؟» فقال: أجل قال: «فإنّي أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه، و أن تسلم لربّ العالمين» فقال عمرو: يا بن الأخ أخّر هذه عنّي، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): «أما أنّها خير لك لو أخذتها» ثمّ قال: «فههنا أخرى» قال: و ما هي؟ قال: «ترجع من حيث جئت» قال:

لا تحدّث نساء قريش بهذا أبدا، قال: «فههنا أخرى» قال: و ما هي؟ قال:

«تنزل فتقاتلني» فضحك عمرو و قال: إنّ هذه الخصلة ما كنت أظنّ أحدا

249

من العرب يرومني مثلها، إنّي لأكره أن أقتل الرّجل الكريم مثلك، و قد كان بيني و بين أبيك خلّة، قال علي (عليه السلام): «لكنّي أحبّ أن أقتلك، فأنزل إن شئت» فأسف‏

(1)

و نزل و ضرب وجه فرسه حتّى رجع، قال جابر (رحمة اللّه عليه): فثارت بينهما قترة

(2)

فما رأيتهما، فسمعت التكبير تحتها، فعلمت أنّ عليّا (عليه السلام) قد قتله، و انكشف أصحابه حتّى ظفرت‏

(3)

خيولهم الخندق، و تبادر المسلمون حين سمعوا التّكبير ينظرون ما صنع القوم، فوجدوا نوفل ابن عبد اللّه في جوف الخندق لم ينهض به فرسه، فجعلوا يرمونه بالحجارة، فقال لهم: قتلة أجمل من هذه ينزل إليّ بعضكم أقاتله، فنزل إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فضربه حتّى قتله، و لحق هبيرة فأعجزه و ضرب قربوس سرجه، و سقطت درع كانت عليه، و فرّ عكرمة و هرب ضرار بن الخطّاب، فقال جابر (رحمه اللّه): فما شبّهت قتل عليّ عمروا إلّا بما قصّ اللّه تعالى من قصّة داوود (عليه السلام) و جالوت حيث يقول جلّ اسمه‏

فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ‏ (4)

. الفصل السابع عشر: في غزوة بني قريظة

و كان الظّفر ببني قريظة و فتح اللّه تعالى على النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و ما كان من قتله من قتل منهم و ما ألقاه اللّه عزّ و جلّ في قلوبهم من الرّعب منه، و ما ثلث هذه الفضيلة ما تقدّمها من فضائله (عليه السلام)، و شابهت هذه المنقبة ما سلف ذكره من مناقبه (عليه السلام).

الفصل الثامن عشر: في غزوة بني المصطلق‏

ثمّ كان من بلائه (عليه السلام) ببني المصطلق ما اشتهر عند العلماء، و كان الفتح (عليه السلام) في هذه الغزاة بعد أن أصيب يومئذ ناس من بني عبد المطلب،

____________

(1) أي غضب.

(2) أي الغبار.

(3) أي وثبت.

(4) سورة البقرة، الآية: 251.

250

فقتل أمير المؤمنين (عليه السلام) رجلين من القوم، و هما: مالك و ابنه، و أصاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) منهم سبيا كثيرا فقسمه في المسلمين، و كان ممّن أصيب من السّبايا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، و كان الّذي سبى جويرية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب فجاء بها إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فاصطفاها النّبيّ (عليه و آله السلام)

. الفصل التاسع عشر: في غزوة الحديبيّة

ثمّ تلى بني المصطلق الحديبيّة، فكان اللّواء يومئذ إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما كان إليه في المشاهد قبلها، و كان من بلائه في ذلك اليوم عند صفّ القوم في الحرب و القتال، ما ظهر خبره و استفاض ذكره، و ذلك بعد البيعة الّتي أخذها النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على أصحابه و العهود عليهم في الصّبر

. الفصل العشرون: في غزوة خيبر

ثمّ تلت الحديبيّة خيبر و كان الفتح فيها لأمير المؤمنين (عليه السلام) بلا ارتياب و ظهر من فضله (عليه السلام) في هذه الغزاة ما أجمع على نقله الرّواة، و تفرّد فيها من المناقب بما لم يشركه فيه أحد من المسلمين و مثل ذلك كان في يوم خيبر، و كان من انهزام من انهزم، و قد أهلّ الجليل المقام بحمل الرّاية، فكان بانهزامه من الفساد ما لا خفاء على الألبّاء، ثمّ أعطى صاحبه الرّاية من بعده، فكان من انهزامه مثل الّذي سلف من الأوّل، و خيف في ذلك على الإسلام و شأنه ما كان من الرّجلين في الانهزام، فأكبر ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أظهر النّكير له و المساءة به، ثمّ قال معلنا: «لأعطينّ الرّاية غدا رجلا يحبّه اللّه و رسوله و يحبّ اللّه و رسوله، كرّار غير فرّار، لا يرجع حتّى يفتح اللّه على يديه» فأعطاها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فكان الفتح على يديه‏

، و دلّ فحوى كلامه على خروج الفرّارين من الصّفة الّتي أوجبها لأمير المؤمنين (عليه السلام) كما خرجنا بالفرار من صفة الكرّ و الثّبوت للقتال، و في تلافي أمير المؤمنين (عليه السلام) بخيبر ما فرط من غيره دليل على‏

251

توحّده من الفضل فيه بما لم يشركه فيه من عداه، و في ذلك يقول حسّان بن ثابت الأنصاري:

و كان عليّ أرمد العين ينبغي‏-- دواء فلمّا لم يحسّ مداويا

شفاه رسول اللّه منه بتفلة-- فبورك مرقيّا و بورك راقيا

و قال: سأعطي الرّاية اليوم صارما-- كميّا محبّا للرّسول مواليا

يحبّ الإله و الإله يحبّه‏-- به يفتح اللّه الحصون الأوابيا

فأصفى بها دون البريّة كلّها-- عليّا و سمّاه الوزير المواخيا

الفصل الحادي و العشرون: في مواقف أخرى‏

ثم تلت غزاة خيبر مواقف لم تجر مجرى ما تقدّمها، فنعمد (1) لذكرها، و أكثرها كان بعوثا لم يشهدها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لا كان الاهتمام بها كالإهتمام بما سلف لضعف العدوّ فيها، و غناء بعض المسلمين عن غيرهم فيها، فأضربنا عن تعدادها، و إن كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) في جميعها حظّ وافر من قول أو عمل،

ثمّ كانت غزاة الفتح، و هي الّتي توطد أمر الإسلام بها، و تمهّد الدين بما منّ اللّه سبحانه على نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيها و كان الوعد بها تقدّم في قول اللّه عزّ و جلّ:

إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ (1) وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (2)

إلى آخر السورة و قوله عزّ و جلّ قبلها بمدّة طويلة:

لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ‏ (3)

، فكانت الأعين إليها ممتدّة، و الرّقاب إليها متطاولة، و دبّر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لأمر فيها بكتمان مسيره إلى مكّة، و ستر عزيمته على مراده بأهلها و سأل اللّه عزّ و جلّ أن يطوي خبره عن أهل مكّة حتّى يبغتهم بدخولها، فكان المؤتمن على هذا السرّ و المودع له من بين الجماعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و كان الشّريك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الرّأي، ثمّ أنماه النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى جماعة بعد، و استتب الأمر فيه على‏

____________

(1) في نسخة أخرى: نقصد.

(2) سورة النصر، الآيتان: 1- 2.

(3) سورة الفتح، الآية: 27.

252

أحوال كان أمير المؤمنين (عليه السلام) في جميعها متفرّدا من الفضل بما لم يشركه فيه غيره من النّاس.

الفصل الثّاني و العشرون: في فتح مكة المكرمة

و كان عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى المسلمين عند توجّهه إلى مكّة ألّا يقتلوا بها إلّا من قاتلهم، و آمن من تعلّق بأستار الكعبة، سوى نفر كانوا يؤذونه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) منهم مقيس بن صبابة، و ابن خطل، و ابن أبي سرح، و قينتان كانتا تغنّيان‏

(1)

بهجآء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و بمراثي أهل بدر، فقتل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) إحدى القينتين و أفلتت الأخرى حتّى استؤمن لها بعد، فضربها فرس بالأبطح في إمارة عمر بن الخطّاب فقتلها، و قتل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) الحويرث بن نفيل بن كعب، و كان ممّن نودي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بمكة و بلغه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّ أخته أمّ هاني (رحمة اللّه عليها) قد آوت أناسا من بني مخزوم، منهم الحارث بن هشام، و قيس بن السّائب، فقصد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نحو دارها مقنّعا بالحديد، فنادى: «أخرجوا من آويتم قال: فجعلوا يذرقون و اللّه كما تذرق الحبارى خوفا منه، فخرجت إليه أمّ هانى و هى لا تعرفه، فقالت: يا عبد اللّه، أنا أمّ هاني بنت عمّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أخت عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) انصرف عن داري، فقال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب:

«أخرجوهم» فقالت: و اللّه لأشكونّك إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فنزع المغفر عن رأسه فعرفته فجاءت تشتدّ حتّى التزمته و قالت: فديتك حلفت لأشكونّك إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال لها: «اذهبي فابرّي قسمك فإنّه بأعلى الوادي» قالت أم هاني: فجئت إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو في قبّة يغتسل و فاطمة (عليها السلام) تستره، فلمّا سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كلامي قال: «مرحبا بأمّ هاني و أهلا» قلت: بأبي أنت و أمّي أشكو إليك اليوم ما لقيت من عليّ بن أبي طالب فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «قد أجرت و من أجرت؟» فقالت فاطمة (عليها السلام): «إنّما جئت يا أمّ هاني تشكين عليّا في أنّه أخاف أعداء اللّه و أعداء رسوله» فقال رسول‏

____________

(1) في الأصل: يغنيان.

253

اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «قد شكر اللّه لعليّ سعيه، و أجرت من أجارت أمّ هاني لمكانها من عليّ بن أبي طالب» و لما دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المسجد وجد فيه ثلاثمائة و ستّين صنما بعضها مشدود إلى بعض بالرّصاص، فقال لأمير المؤمنين (عليه السلام): «أعطني يا علي كفّا من الحصى» فقبض له أمير المؤمنين (عليه السلام) كفّا فناوله، فرماها به و هو يقول:

وَ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (1)

. فما بقي منهم صنم إلّا خرّ لوجهه، ثمّ أمر بها فأخرجت من المسجد و طرحت و كسرت.

الفصل الثالث و العشرون: في بعض أعماله (عليه السلام)

و فيما ذكرناه من أعمال أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) في قتل من قتل من أعداء اللّه سبحانه بمكة، و اخافته من أخاف، و معونة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على تطهير المسجد من الأصنام و شدّه بأسه في اللّه تعالى، و قطع الأرحام في طاعة اللّه عزّ و جلّ أدلّ دليل على تخصّصه من الفضائل بما لم يكن لأحد منهم سهم فيه حسب ما قدّمناه.

الفصل الرابع و العشرون: في غزوة حنين‏

ثمّ كانت غزاة حنين، استظهر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيها بكثرة الجموع فخرج (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) متوجّها إلى القوم في عشرة آلاف من المسلمين، فظنّ أكثرهم أنّهم لن يغلبوا لما شاهدوه من جمعهم و كثرة عدّتهم و سلاحهم، فأعجب أبو بكر الكثرة يومئذ فقال: لن يغلب اليوم من قلّة، و كان الأمر في ذلك بخلاف ما ظنّوه، و عانهم‏

(2)

أبو بكر بعجبه بهم، فلمّا التقوا مع المشركين، لم يلبثوا حتّى انهزموا بأجمعهم، فلم يبق منهم مع النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلّا عشرة أنفس، تسعة من بني هاشم خاصّة، و عاشرهم أيمن ابن أمّ أيمن، فقتل أيمن (رحمة اللّه عليه)، و ثبتت‏

(3)

التّسعة الهاشميّون‏

____________

(1) سورة الإسراء، الآية: 81.

(2) فهو عاين، إذا أصابه بالعين.

(3) كذا في الأصل.

254

حتّى ثاب

(1)

إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من كان انهزم، فرجعوا أوّلا فأوّلا حتّى تلاحقوا، و كانت لهم الكرّة على المشركين، و في ذلك أنزل اللّه سبحانه و في إعجاب أبي بكر بالكثرة:{/~{

/

وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (2)

يعني أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و من ثبت معه من بني هاشم (رحمة اللّه عليهم)، و هم يومئذ ثمانية نفس، تاسعهم أمير المؤمنين، و العبّاس بن عبد المطلّب عن يمين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و الفضل بن العبّاس عن يساره، و أبو سفيان بن الحارث ممسك بسرجه عند ثفر بغلته، و أمير المؤمنين (عليه السلام) بين يديه بالسّيف، و نوفل بن الحارث، و ربيعة بن الحارث، و عبد اللّه بن الزّبير بن عبد المطلب، و عتبة و معتب ابنا أبي لهب حوله، و قد ولّت الكافّة مدبرين سوى من ذكرناه، و في ذلك يقول مالك بن عبادة العافقي

:

لم يواس النّبيّ غير ...-- بني هاشم عند السّيوف يوم حنين‏

هرب النّاس غير تسعة رهط-- فهم يهتفون بالنّاس أين‏

ثمّ قاموا مع النّبيّ على الموت‏-- فأبوا زينا لنا غير شين‏

و ثوى أيمن الأمين من القوم‏-- شهيدا فاعتاض قرّة عين‏

و لمّا رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هزيمة القوم عنه، قال للعبّاس، و كان رجلا جهوريّا صيّتا: «ناد بالقوم و ذكّرهم العهد» فنادى العبّاس بأعلى صوته: يا أهل بيعة الشّجرة، يا أهل سورة البقرة، إلى أين تفرّون؟ اذكروا العهد الّذي عاهدكم عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و القوم على وجوههم قد ولّوا مدبرين، و كانت ليلة ظلماء، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الوادي، و المشركون قد خرجوا عليه من شعاب الوادي و جنباته و مضايقه، مصلتين سيوفهم و عمدهم و قسيّهم، قالوا:

فنظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى النّاس ببعض وجهه، فأضاء كالقمر ليلة البدر، ثم نادى المسلمين: «أين ما عاهدتم اللّه عليه؟» فاسمع أوّلهم و آخرهم، فلم‏

____________

(1) أي رجع.

(2) سورة التوبة، الآيتان: 25- 26.

255

يسمعها رجل إلّا رمى بنفسه إلى الأرض، فانحدروا إلى حيث كانوا من الوادي حتّى لحقوا بالعدوّ فقاتلوه، قالوا: و أقبل رجل من هوازن على جمل له أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام القوم، إذا أدرك ظفرا من المسلمين أكبّ عليهم، و إذا فاته النّاس رفعه لمن وراه من المشركين فاتّبعوه و هو يرتجز و يقول

:

أنا أبو جرول لا براح‏-- حتّى نبيح اليوم، أو نباح‏

فصمد له أمير المؤمنين (عليه السلام) فضرب عجز بعيره فصرعه، ثمّ ضربه فقتله ثمّ قال

:

قد علم النّاس لدى الصّباح‏-- إنّي في الهيجاء ذو نصاح‏

فكانت هزيمة القوم

(1)

بقتل أبي جرول لعنه اللّه، ثمّ التأم المسلمون و صفّوا للعدوّ، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «اللهم انّك أذقت أوّل قريش نكالا فاذق آخرها وبال

ا

(2)

. و تجالد المسلمون و المشركون ساعة، فلمّا رآهم النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قام في ركابي سرجه حتّى أشرف على جماعتهم و قال

:

الآن حمي الوطيس‏-- أنا النّبيّ لا كذب‏

أنا بن عبد المطلب‏

فما كان بأسرع من أن وليّ القوم أدبارهم، و جي‏ء بالأسرى إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مكتفين.

و لما قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) أبا جرول و خذل القوم بقتله، وضع المسلمون سيوفهم فيهم و أمير المؤمنين (عليه السلام) يقدمهم، حتّى قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) أربعين رجلا من القوم، ثم كانت الهزيمة و الأسر حينئذ، و كان أبو سفيان صخر بن حرب بن أميّة في هذه الغزاة، فانهزم في جملة من انهزم من المسلمين. فروي عن معاوية بن أبي سفيان أنّه قال: لقيت أبي منهزما مع بني أميّة من أهل مكة، فصحت به: يا بن حرب و اللّه ما

____________

(1) في نسخة أخرى: المشركين.

(2) في نسخة أخرى: نوالا.

256

صبرت مع ابن عمّك، و لا قاتلت عن دينك، و لا كففت هؤلاء الأعراب عن حريمك، فقال: من؟ قلت: معاوية قال: ابن هند؟ قلت: نعم، فقال:

بأبي و أمّي ثمّ وقف و اجتمع معه أناس من أهل مكّة و انضممت إليهم، ثمّ حملنا على القوم فضعضعناهم، و ما زال المسلمون يقتلون المشركين و يأسرون منهم حتّى ارتفع النّهار، فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالكفّ، و نادى أن لا يقتل أسير من القوم، و كانت هذيل بعثت رسولا

(1)

يقال له ابن الأكوع أيّام الفتح عينا على النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتّى علم علمه، فجاء إلى هذيل بخبره، فأسر يوم حنين، فمرّ به عمر بن الخطّاب، فلمّا رآه أقبل على رجل من الأنصار و قال: عدوّ اللّه الّذي كان عينا علينا هو أسير فاقتله، فضرب الأنصاري عنقه، و بلغ ذلك النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فكرهه و قال: «أ لم آمركم ألّا تقتلوا أسيرا» و قتل بعده جميل بن معمّر بن زهير و هو أسير، فبعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى الأنصار و هو مغضب، فقال: «ما حملكم على قتله، و قد جاءكم الرّسول ألّا تقتلوا أسيرا؟» فقالوا: إنّما قتلناه بقول عمر، فأعرض النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتّى كلّمه عمير ابن وهب في الصّفح عن ذلك.

الفصل الخامس و العشرون: في تقسيم الغنائم‏

و لمّا قسّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) غنائم‏

(2)

حنين أقبل رجل طويل قد احنى، بين عينيه أثر السّجود، فسلّم و لم يخصّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ثمّ قال: قد رأيتك و ما صنعت في هذه الغنائم، قال: «و كيف رأيت؟» قال: لم أرك عدلت، فغضب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال: «ويلك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟» فقال المسلمون: ألا نقتله؟ قال: دعوه فإنّه سيكون له اتباع يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّمية، يقتلهم اللّه على يد أحبّ الخلق إليه من بعدي، فقتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فيمن قتل يوم النّهروان من الخوارج.

____________

(1) في نسخة أخرى: رجلا.

(2) في الأصل: غنايم.

257

[في بيان جملة من مناقبه (ع) في بعض المعارك و الحروب‏]

(الفصل السادس و العشرون: في مناقب علي (عليه السلام) فانظر الآن إلى مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذه الغزاة و تأمّلها و تفكّر في معانيها، نجده (عليه السلام) قد تولّى كلّ فضل كان فيها، و اختصّ من ذلك بما لم يشركه فيه أحد من الأمّة، و ذلك أنّه (عليه السلام) ثبت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عند انهزام كافة النّاس، إلّا النّفر الّذين كان ثبوتهم بثبوته (عليه السلام) و ذلك أنّا قد أحطنا علما بتقدّمه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الشّجاعة، و البأس و الصّبر و النّجدة، على العبّاس و الفضل ابنه، و أبي سفيان بن الحارث، و النّفر الباقين، لظهور أمره في المقامات الّتي لم يحضرها أحد منهم، و اشتهار خبره في منازلة الأقران و قتل الأبطال، و لم يعرف لأحد من هؤلاء مقام من مقاماته، و لا قتيل عزى إليهم بالذّكر، فعلم بذلك انّ ثبوتهم كان به (عليه السلام)، و لولاه كانت الجناية على الدّين لا تتلافى، و إنّ بمقامه ذلك المقام و صبره مع النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان رجوع المسلمين إلى الحرب و تشجّعهم في لقاء العدو، ثم كان من قتله أبا جرول متقدّم المشركين ما كان هو السّبب في هزيمة القوم و ظفر المسلمين بهم.

و كان من قتله (عليه السلام) الأربعين الّذين تولّى قتلهم الوهن على المشركين، و سبب خذلانهم و هلعهم‏ (1) و ظفر المسلمين بهم، و كان من بليّة المتقدّم عليه في مقام الخلافة بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إن عان المسلمين بإعجابه بالكثرة، فكانت هزيمتهم بسبب ذلك أو كان أحد أسبابها، ثمّ كان من صاحبه في قتل الأسرى من القوم، و قد نهى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن قتلهم ما ارتكب به عظيم الخلاف للّه سبحانه و لرسوله حتّى أغضبه ذلك و آسفه و أنكره و أكبره.

ثمّ جعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الحكم على المعترض في قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) علما على حقّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في فعاله و صوابه في حروبه، و نبّه على وجوب طاعته و خطر معصيته، و إنّ الحق في حيّزه و جنبيه، و شهد له بأنّه خير الخليقة و هذا يباين ما كان من خصومه الغاصبين لمقامه من الفعال، و يضادّ ما كانوا عليه من الأعمال، و يخرجهم من الفضل إلى النّقص الّذي يوبق صاحبها أو يكاد، فضلا عن سمّوه على أعمال‏

____________

(1) شدّة الجزع.

258

المخلصين في تلك الغزاة، و قربهم بالجهاد الّذي تولّوه، فبانوا ممّا ذكرناه بالتّقصير الّذي وصفناه.

الفصل السابع و العشرون: في وقعة الطائف‏

و في غزاة الطّائف حين سار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بنفسه فحاصرهم أيّاما، و أنفذ أمير المؤمنين (عليه السلام) في خيل و أمره أن يطأ ما يجد، و يكسر كلّ صنم وجده، فخرج حتّى لقيته خيل خثعم في جمع كثير، فبرز له رجل يقال له شهاب في غبش القبح، فبرز إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو يقول

:

إنّ على كلّ رئيس حقّا-- أن يروى الصّعدة أو تدقّا

ثمّ ضربه فقتله، و مضى في تلك الخيل حتّى كسر الأصنام، و عاد إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو محاصر أهل الطّائف، فلمّا رآه النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كبّر للفتح و أخذ بيده فخلّا به و ناجاه طويلا.

فروى أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لمّا خلا بعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يوم الطّائف أتاه عمر بن الخطّاب: أتناجيه دوننا و تخلو به دوننا؟، فقال: «يا عمر ما أنا انتجيته و لكنّ اللّه انتجاه».

ثمّ خرج من حصن الطّائف نافع بن غيلان بن معتب في خيل من ثقيف، فلقيه أمير المؤمنين (عليه السلام) ببطن وجّ، فقتله و انهزم المشركون و لحق القوم الرّعب، فنزل منهم جماعة إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأسلموا، و كان حصار النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الطّائف بضعة عشر يوما.

و في هذه الغزاة ممّا خصّ اللّه تعالى أمير المؤمنين (عليه السلام) بما انفرد به من كافّة النّاس، و كان الفتح فيها على يده، و حصل من المناجاة الّتي أضافها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى اللّه عزّ اسمه ما ظهر به من فضله و خصوصيّته من اللّه تعالى بما بان به من كافّة الخلق، و كان من عدوّه فيها ما دلّ على باطنه، و كشف اللّه تعالى به حقيقة سرّه و ضميره في ذلك عبرة لأولي الألباب.

259

الفصل الثامن و العشرون: في غزوة تبوك‏

ثمّ كانت غزوة تبوك، فأوحى اللّه عزّ اسمه إلى نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن يسير إليها بنفسه و يستنفر النّاس للخروج معه، و اعلمه أنّه لا يحتاج فيها إلى حرب، و لا يبلى بقتال عدوّ، و إنّ الأمور تنقاد له بغير سيف، فلمّا أراد النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الخروج، استخلف أمير المؤمنين (عليه السلام) في أهله و ولده و أزواجه و مهاجره، و قال له: «يا علي إنّ المدينة لا تصلح إلّا بي أو بك، فاستخلفه استخلافا ظاهرا، و نصّ عليه بالإمامة من بعده نصّا جليّا، و ذلك فيما تظاهرت به الرّواية إنّ أهل النّفاق لمّا علموا باستخلاف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عليّا (عليه السلام) على المدينة حسدوه لذلك و عظم عليهم مقامه فيها بعد خروج النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و علموا أنّها تتحرّس به و لا يكون فيها للعدوّ مطمع، فساهم ذلك، و كانوا يؤثرون خروجه معه لما يرجونه من وقوع الفساد و الاختلاط عند نأي النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن المدينة و خلوّها من مرهوب مخوف يحرسها، و غبطوه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على الرّفاهيّة و الدّعة

(1)

بمقامه في أهله، و تكلّف من خرج منهم المشاقّ بالسّفر بالخطر، فارجفوا به (عليه السلام) و قالوا: لم يستخلفه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إكراما له و إجلالا و مودّة، و إنّما خلّفه استثقالا له، فبهتوا بهذا الارجاف كبهت قريش للنّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالجنّة تارة، و بالشّعر أخرى، و بالسّحر مرّة، و بالكهانة أخرى، و هم يعلمون ضدّ ذلك و نقيضه، كما علم المنافقون ضدّ ما أرجفوا به على أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) و خلافه، و أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان أخصّ النّاس بأمير المؤمنين (عليه السلام) و كان هو أحبّ النّاس إليه، و أسعدهم عنده، و أفضلهم لديه، فلمّا بلغ أمير المؤمنين (عليه السلام) أرجاف المنافقين أراد تكذيبهم و إظهار فضيحتهم، فلحق بالنّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقال له: «يا رسول اللّه إن المنافقين يزعمون أنّك إنّما خلّفتني استثقالا و مقتا فقال له النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ارجع يا أخي إلى مكانك، فإنّ المدينة لا تصلح إلّا بي أو بك، فأنت خليفتي في أهلي و دار هجرتي و قومي، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي»

فتضمّن هذا القول من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نصّه عليه بالإمامة، و إبانته‏

____________

(1) السعة في العيش.

260

من الكافّة بالخلافة، و دلّ به على فضل لم يشركه فيه أحد سواه، و أوجب له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) به جميع منازل هارون من موسى إلّا ما خصّه العرف من الأخوّة، و استثناه هو من النّبوّة، و هذه فضيلة لم يشرك فيها أحد من الخلق أمير المؤمنين (عليه السلام) و لا ساواه في معناها و لا قاربه فيها على حال.

الفصل التاسع و العشرون: في غزوة بني زبيد

في غزاة بني زبيد لقيهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بواد يقال له: كسر، فلمّا رآه بنو زبيد قالوا لعمرو بن معدي كرب: كيف أنت يا أبا ثور إذا لقيك هذا الغلام القرشي فأخذ منك الإتاوة، فقال: سيعلم إن لقيني، قال:

و خرج عمرو فقال: من يبارز؟ فنهض إليه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فصاح به صيحة، فانهزم عمرو و قتل أخوه و ابن أخيه، و أخذت امرأته ريحانة بنت سلامة، و سبي منهم نسوان، و انصرف أمير المؤمنين (عليه السلام) و خلّف على بني زبيد خالد بن سعيد بن العاص (رحمه اللّه) ليقبض صدقاتهم و يؤمن من عاد إليه من هرابهم مسلما؛ و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) قد اصطفى من السّبي جارية، فبعث خالد بن الوليد و قد كان من جملة السرّيّة الّتي كان أمير المؤمنين (عليه السلام) أميرا عليهم بريدة الأسلمي (رحمه اللّه). إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال له: تقدّم الجيش إليه فاعلمه بما فعل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) من اصطفائه الجارية من الخمس لنفسه وقع فيه، فسار بريدة حتّى انتهى إلى باب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلقيه عمر بن الخطّاب، فسأله عن حال غزوتهم و عن الّذي أقدمه، فأخبره أنّه إنّما جاء ليقع في عليّ (عليه السلام)، و ذكر له اصطفاءه الجارية من الخمس لنفسه، فقال له عمر: امض لما جئت له، فإنّه سيغضب لابنته ممّا صنع علي (عليه السلام) فدخل بريدة الأسلمي على النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و معه كتاب خالد بما أرسل به بريدة، فجعل يقرأه و وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يتغيّر فقال بريدة: يا رسول اللّه إنّك إن رخّصت للنّاس في مثل هذا ذهب فيئهم، فقال له النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ويحك يا بريدة أحدثت نفاقا إنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يحلّ له من الفي‏ء مثل ما يحلّ لي، إنّ على بن أبى طالب (عليه السلام) خير النّاس لك و لقومك، و خير من أخلف بعدي لكافّة أمّتي، يا بريدة أحذر أن تبغض عليّا؟ فيبغضك اللّه» قال بريدة: فتمنّيت أنّ الأرض انشقّت لي فسخت فيها،