مجموعة نفيسة في تاريخ الأئمة عليهم السلام‏

- جمع من العلماء المزيد...
371 /
261

و قلت: أعوذ باللّه من سخط اللّه و سخط رسوله يا رسول اللّه، استغفر لي فلن أبغض عليّا أبدا و لا أقول فيه إلّا خيرا، فاستغفر له النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و في هذه الغزاة من المنقبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) ما لا تماثلها منقبة لأحد سواه، و الفتح فيها كان على يديه (عليه السلام) خاصّة و ظهر من فضله و مشاركته للنّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيما أحلّه اللّه له من الفي‏ء و اختصاصه من ذلك بما لم يكن لغيره من النّاس، و بان من مودّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و تفضيله إيّاه ما كان خفيّا على من لا علم له بذلك، و كان من تحذيره بريدة و غيره من بغضه و عداوته و حثّه له على مودّته و ولايته، و ردّ كيد أعدائه في نحورهم ما دلّ على أنّه أفضل البريّة عند اللّه و عنده (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أحقّهم بمقامه من بعده، و أخصّهم به في نفسه و آثرهم عنده.

الفصل الثلاثون: في غزوة ذات السلاسل‏

ثمّ كانت غزاة السّلسلة، و ذلك أنّ أعرابيّا جاء إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فجثا بين يديه و قال له: جئتك لأنصح لك، قال: «و ما نصيحتك؟» قال: قوم من العرب قد اجتمعوا بوادي الرّمل و عملوا على أن يبيّتوك: بالمدينة، و وصفهم له، فأمر النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن ينادي بالصلاة جامعة، فاجتمع المسلمون، فصعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: أيّها النّاس إنّ هذا عدوّ اللّه و عدوّكم قد عمل على أن يبيتكم، فمن لهم؟ فقام جماعة من أهل الصّفة، فقالوا:

نحن نخرج إليهم يا رسول اللّه، فولّ علينا من شئت، فاقرع بينهم، فخرجت القرعة على ثمانين رجلا منهم و من غيرهم، فاستدعى أبا بكر فقال له: خذ اللّواء و امض إلى بني سليم، فإنّهم قريب من الحرّة، فمضى أبو بكر و معه القوم حتّى قارب أرضهم، و كانت كبيرة الحجارة و هم ببطن الوادي و المنحدر إليه صعب، فلمّا صار أبو بكر إلى الوادي و أراد الانحدار خرجوا إليه فهزموه و قتلوا من المسلمين جمعا كثيرا، و انهزم أبو بكر بالقوم، فلمّا قدموا على النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عقده لعمر بن الخطّاب و بعثه إليهم، فكمنوا له تحت الحجارة و الشّجر، فلمّا ذهب ليهبط خرجوا إليه فهزموه، فساء ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال له عمرو بن العاص: ابعثني يا رسول اللّه‏

262

إليهم فإنّ الحرب خدعة و لعليّ أخدعهم، فأنفذه مع جماعة منهم أبو بكر و عمر، فلمّا صار إلى الوادي خرجوا إليه فهزموه و قتلوا من أصحابه جماعة، فدعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فعقد له، ثمّ قال أرسلته كرارا غير فرّار، و رفع يديه إلى السّماء و قال: «اللّهمّ إن كنت تعلم أنّي رسولك، فاحفظني فيه و افعل به و افعل» فدعا له ما شاء اللّه، و خرج عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يشيّعه، و بلغ معه إلى مسجد الأحزاب، و أنفذ معه فيمن أنفذ أبا بكر و عمر و عمرو بن العاص فسار بهم نحو العراق متنكّبا للطّريقة، ثمّ أخذ بهم على محجّة

(1)

غامضة، فسار حتّى استقبل الوادي من فمه‏

(2)

، فلمّا قرب منهم أمر أصحابه أن يعكموا رؤوس الخيل، و وقفهم مكانا و قال: «لا تبرحوا»، و انتبذ أمامهم و أقام ناحية منهم حتّى أحسّ (عليه السلام) الفجر، فكبس‏

(3)

القوم و هم غارّون‏

(4)

فأمكنه اللّه تعالى منهم، و نزلت على النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

وَ الْعادِياتِ ضَبْحاً (5)

إلى آخر السّورة فبشّر النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أصحابه بالفتح، و أمرهم أن يستقبلوا أمير المؤمنين (عليه السلام) فاستقبلوه و النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقدّمهم فقاموا له صفّين، فلمّا بصر (عليه السلام) بالنّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ترجّل عن فرسه فقال له النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «اركب فإنّ اللّه و رسوله عنك راضيان» فبكى أمير المؤمنين (عليه السلام) فرحا، فقال له النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «يا علي لو لا أنّني أشفق أن تقول فيك طوائف من أمّتي ما قالت النّصارى في المسيح عيسى بن مريم (عليه السلام) لقلت فيك مقالا لا تمرّ بملأ من النّاس إلّا أخذوا التّراب من تحت قدميك للبركة»

. فكان الفتح في هذه الغزاة لأمير المؤمنين (عليه السلام) خاصّة بعد أن كان من غيره فيها من الفساد ما كان، و اختصّ (عليه السلام) من مديح النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فيها بفضائل‏ (6) لم يحصل منها شي‏ء لغيره.

____________

(1) جادّة.

(2) أي مايلا.

(3) أي هجم عليهم من كل جانب.

(4) أي غافلون.

(5) سورة العاديات، الآية: 1.

(6) في الأصل: فضايل.

263

الفصل الحادي و الثلاثون: في قصة المباهلة

و لمّا انتشر الإسلام بعد الفتح و ما وليه من الغزوات المذكورة و قوي سلطانه، وفد إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الوفود، فمنهم من أسلّم، و منهم من استأمن، فكان ممّن وفد عليه أبو حارثة أسقف نجران في ثلاثين رجلا من النّصارى، منهم العاقب، و السّيّد، و عبد المسيح، فقدموا المدينة عند صلاة العصر و عليهم لباس الدّيباج و الصّلب، فلمّا صلّى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) العصر توجّهوا إليه يقدمهم الأسقف فقال: يا محمّد ما تقول في السّيّد المسيح عيسى بن مريم؟، فقال النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «عبد اللّه اصطفاه و انتجبه» فقال الأسقف: أتعرف يا محمّد له أبا ولده؟ فقال النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لم يكن عن نكاح فيكون له والد» قال: فكيف قلت أنّه مخلوق و أنت لم تر عبدا مخلوقا إلّا عن نكاح و له والد؟ فأنزل اللّه سبحانه و تعالى الآيات من سورة آل عمران:

إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61) (1)

فتلاها النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على النّصارى و دعاهم إلى المباهلة، و قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ أخبرني أنّ العذاب ينزل على المبطل عقيب المباهلة و يبيّن الحقّ من الباطل بذلك، فاجتمع الأسقف مع عبد المسيح و العاقب على المشورة، و اتّفق رأيهم على استنظاره إلى صبيحة غد من يومهم ذلك، فلمّا رجعوا إلى رجالهم، فقال لهم الأسقف: انظروا محمّدا في غد، فإن غدا بولده و أهله فاحذروا مباهلته، و إن غدا بأصحابه فباهلوه فإنّه على غير شي‏ء، فلمّا كان من الغد جاء النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) آخذا بيد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و الحسن و الحسين (عليهما السلام) يمشيان بين يديه و فاطمة (عليها السلام) تمشي خلفه، و خرج النّصارى يقدمهم أسقفهم، فلمّا رأى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد أقبل بمن معه، سأل عنهم، فقيل له: هذا ابن عمّه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و هو صهره و أبو ولديه و أحبّ الخلق إليه، و هذان الطّفلان ولدا

____________

(1) سورة آل عمران، الآيات: 59- 61.

264

ابنته من عليّ (عليه السلام) و هما من أحبّ الخلق إليه، و هذه الجارية بنته فاطمة (عليها السلام) أعزّ النّاس عليه و أقربهم إلى قلبه، فنظر الأسقف إلى العاقب و السّيّد و عبد المسيح، و قال لهم: انظروا إليه قد جاء بخاصّة من ولده و أهله ليباهل بهم واثقا بحقّه، و اللّه ما جاء بهم و هو يتخوّف الحجّة عليه، فاحذروا مباهلته، و اللّه لو لا مكان قيصر لأسلمت له، و لكن صالحوه على ما يتّفق بينكم و بينه و ارجعوا إلى بلادكم و ارتأوا لأنفسكم، فقالوا له: «رأينا لرأيك تبع، فقال الأسقف: يا أبا القاسم إنّا لا نباهلك و لكنّا نصالحك، فصالحنا على ما ننهض به، فصالحهم النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، على ألفي حلّة من حلل الأوافي، قيمة كلّ حلّة أربعون درهما جيادا، فما زاد و نقص كان بحساب ذلك، و كتب لهم النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كتابا بما صالحهم عليه و أخذ القوم الكتاب و انصرفوا.

و في قصّة أهل نجران بيان فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) و أنّ اللّه تعالى حكم في آية المباهلة لأمير المؤمنين (عليه السلام) بأنّه نفس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، كاشفا بذلك عن بلوغه نهاية الفضل، و مساواته للنّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الكمال و العصمة من الآثام، و أنّ اللّه سبحانه جعله و زوجته و ولديه مع تقارب سنّهما، حجّة لنبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و برهانا على دينه، و نصّ على الحكم بأنّ الحسن و الحسين أبناؤه، و أنّ فاطمة (عليها السلام) نساؤه المتوجّه إليهنّ الذّكر و الخطاب في المباهلة و الاحتجاج، و هذا فضل لم يشركهم فيه أحد من الأمّة، و لا قاربهم فيه و لا ماثلهم في معناه، و هو لاحق بما تقدّم من مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) الخاصّة له على ما ذكرناه.

[في بيان جملة من قضاياه و مناقبه و معاجزه المشهورة عنه و أسماء زوجاته و أولاده‏]

[أولا في بيان قضاياه المشهورة عنه‏]

(الفصل الثاني و الثلاثون: في قضايا علي (عليه السلام) فأمّا الأخبار الّتي جاءت بالباهر من قضاياه (عليه السلام) في الدّين و أحكامه الّتي افتقر إليه في علمها كافّة المسلمين بعد الّذي أثبتناه من جملة الوارد في تقدّمه في العلم، و تبريزه على الجماعة بالمعرفة و الفهم، و فزع علماء الصحابة إليه فيما أعضل من ذلك و التجائهم إليه و تسليمهم له القضاء به، فهي أكثر من أن تحصى و أجلّ من أن تتعاطى، و أنا مورد منها جملة تدلّ على ما بعدها إن شاء اللّه تعالى.

265

فمن ذلك ما رواه نقلة الآثار من العامّة و الخاصّة من قضاياه و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حيّ، فصوّبه و حكم له بالحقّ فيما قضى به، و دعا له بخير و أثنى عليه به، و ابانه بالفضل في ذلك من الكافّة، و دلّ به على استحقاقه الأمر من بعده، و وجوب تقدّمه على من سواه في مقام الإمامة، كما تضمّن ذلك التّنزيل فيما دلّ على معناه و عرّف به ما حواه من التّأويل حيث يقول اللّه عزّ اسمه: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏ (1) و قوله سبحانه و تعالى في قصّة طالوت: وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ‏ (2) فجعل جهة حقّه في التّقدّم عليهم ما زاده اللّه من البسطة في العلم و الجسم، و اصطفائه إيّاه على كافّتهم بذلك، و كانت هذه الآيات موافقة لدلائل العقول في أنّ الأعلم أحقّ بالتّقدّم في محلّ الإمامة ممّن لا يساويه في العلم، و دلّت على وجوب تقدّم أمير المؤمنين (عليه السلام) على كافّة المسلمين في خلافة الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الأمّة لتقدّمه (عليه السلام) عليهم في العلم و الحكمة و قصورهم عن منزلته في ذلك.

الفصل الثالث و الثلاثون: في قضايا علي (عليه السلام) و النّبيّ حي‏

فممّا جاءت به الرّواية في قضاياه (عليه السلام) و النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حيّ موجود

إنّه لما أراد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) تقليده قضاء اليمن و إنفاذه إليهم ليعلّمهم الأحكام و يبيّن لهم الحلال من الحرام و يحكم فيهم بأحكام القرآن، قال له أمير المؤمنين (عليه السلام): «تندبني يا رسول اللّه للقضاء و أنا شابّ و لا علم لي بكلّ القضاء» فقال له: «إدن منّي» فدنا منه، فضرب على صدره و قال: «اللّهمّ اهد قلبه و ثبّت لسانه» قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «فما شككت في قضاء بين اثنين بعد ذلك المقام» و لمّا استقرّت به الدّار باليمن و نظر فيما ندبه إليه‏

____________

(1) سورة يونس، الآية: 35.

(2) سورة البقرة، الآية: 247.

266

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من القضاء و الحكم بين المسلمين، رفع إليه رجلان بينهما جارية يملكان رقّها على السّواء قد جهلا حظر وطئها فوطأها معا في طهر واحد على ظنّ منهما جواز ذلك، لقرب عهدهما بالإسلام و قلّة معرفتهما بما تضمّنته الشّريعة من الأحكام، فحملت الجارية و وضعت غلاما، فاختصما إليه، فاقرع بينهما على الغلام باسميهما، فخرجت القرعة لأحدهما، فألحق الغلام به و ألزمه نصف قيمة الولد لو كان عبدا لشريكه، و قال: «لو علمت انّكما أقدمتما على ما فعلتما بعد الحجّة عليكما بحظره، لبالغت في عقوبتكما» و بلغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم هذه القضيّة فأمضاها و أقرّ الحكم بها في الإسلام، و قال: «الحمد للّه الّذي جعل منّا أهل البيت من يقضي على سنن داود (عليه السلام) و سبيله في القضاء»

، يعني به القضاء بالإلهام الّذي هو في معنى الوحي و نزول النّصّ به ان لو نزل على التّصريح.

و جاءت الآثار أنّ رجلين اختصما إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في بقرة قتلت حمارا فقال أحدهما: يا رسول اللّه بقرة هذا الرّجل قتلت حماري، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «اذهبا إلى أبي بكر فسلاه القضاء في ذلك»، فجاء إلى أبي بكر و قصّا عليه قصّتهما، فقال: كيف تركتما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و جئتماني؟ فقالا:

هو أمرنا بذلك، فقال لهما: بهيمة قتلت بهيمة لا شي‏ء على ربّها، فعادا إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأخبراه بذلك، فقال لهما: «امضيا إلى عمر بن الخطّاب، فقصّا عليه قصتكما» فقال لهما: كيف تركتما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و جئتماني؟

فقالا: إنّه أمرنا بذلك قال: فكيف لم يأمركما بالمصير إلى أبى بكر؟

قالا: قد أمرنا بذلك فصرنا إليه فقال: ما الّذي قال لكما في هذه القضيّة؟

قالا له: قال: كيت و كيت، قال: ما أرى فيهما إلّا ما رأى أبو بكر، فعادا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فخبراه الخبر، قال: «فاذهبا إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ليقضي بينكما» فذهبا إليه، فقصّا عليه قصّتهما، فقال (عليه السلام) إن كانت البقرة دخلت على الحمار في مأمنه فقتلته، فعلى ربّها قيمة الحمار لصاحبه، و إن كان الحمار دخل على البقرة في مأمنها فقتلته، فلا غرم على صاحبها، فعادا إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأخبراه بقضيّته بينهما، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لقد قضى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بينكما بقضاء اللّه عزّ اسمه» ثمّ قال: «الحمد للّه الّذي جعل‏

267

فينا أهل البيت من يقضي على سنن داود في القضاء»

. الفصل الرابع و الثلاثون: في ذكر مختصر من قضاياه في إمارة أبي بكر بن أبي قحافة

فمن ذلك ما جاء به الخبر عن رجال من العامّة و الخاصّة

أنّ رجلا رفع إلى أبي بكر و قد شرب الخمر، فأراد أن يقيم عليه الحدّ فقال له: إنّني شربتها و لا علم لي بتحريمها، لأنّي نشأت بين قوم يستحلّونها، و لم أعلم بتحريمها حتّى الآن، فارتج على أبي بكر الأمر بالحكم عليه، و لم يعلم وجه القضاء فيه، فأشار عليه بعض من حضره أن يستخبر أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الحكم في ذلك، فأرسل إليه من سأله عنه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «مر رجلين ثقتين من رجال المسلمين يطوفان به على مجالس المهاجرين و الأنصار و يناشدانهم، هل فيهم أحد تلا عليه آية التحريم أو أخبره، بذلك عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فإن شهد بذلك رجلان منهم فأقم الحدّ عليه، و إن لم يشهد أحد بذلك فاستتبه و خلّ سبيله» ففعل ذلك أبو بكر، فلم يشهد بذلك من المهاجرين و الأنصار أنّه تلا عليه آية التّحريم، و لا أخبره عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بذلك، فاستتابه أبو بكر و خلّا سبيله و سلّم لعليّ في القضاء

و رووا

أنّ أبا بكر سئل عن قوله تعالى:

وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا (1)

، فلم يعرف معنى الأبّ من القرآن، و قال: أيّ سماء تظلّني أم أيّ أرض تقلّني، أم كيف أصنع إن قلت في كتاب اللّه بما لا أعلم؟ أمّا الفاكهة فنعرفها، و أمّا الأبّ فاللّه أعلم به، فبلغ أمير المؤمنين (عليه السلام) مقاله ذلك، فقال (عليه السلام): «يا سبحان اللّه أما علم أنّ الأبّ هو الكلأ و المرعى، و أنّ قوله تعالى:

وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا

اعتداد من اللّه بأنعامه على خلقه بما غذاهم به و خلقه لهم و لأنعامهم ممّا تحيى به أنفسهم و تقوم به أجسادهم».

____________

(1) سورة عبس، الآية: 31.

268

الفصل الخامس و الثلاثون: في قضاياه في إمارة عمر بن الخطاب‏

و له مثل ذلك في إمارة عمر بن الخطّاب، فمن ذلك ما جاءت به الرّواية:

مجنونة على عهد عمر بن الخطّاب فجر بها رجل، فقامت البيّنة عليها بذلك، فأمر عمر بجلدها الحدّ، فمرّ بها على أمير المؤمنين (عليه السلام) لتجلد، فقال: «ما بال مجنونة آل فلان تقتل» فقيل له: إنّ رجلا فجر بها و هرب، و قامت البيّنة عليها بذلك، فأمر عمر بجلدها، فقال لهم:

«ردّوها إليه و قولوا له: أما علمت أنّ هذه مجنونة آل فلان و أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: رفع القلم عن المجنون حتّى يفيق، إنّها مغلوبة على عقلها و نفسها» فردّت إلى عمر و قيل له ما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال:

فرّج اللّه عنه لقد كدت أن أهلك في جلدها و درأ عنها الحدّ، ثمّ قال:

لو لا عليّ لهلك عمر.

و رووا

أنّه أتى بحامل قد زنت فأمر برجمها، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): «هب لك سبيل عليها، أتى سبيل لك على ما بطنها، و اللّه تعالى يقول:

وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏* (1)

. فقال عمر: لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبو الحسن ثمّ قال: ما أصنع بها؟ قال: «احتفظ عليها حتّى تلد، فإذا ولدت و وجدت لولدها من يكفله فأقم الحدّ عليها» فسرى بذلك عن عمر و عوّل في الحكم على أمير المؤمنين (عليه السلام).

الفصل السادس و الثلاثون: في قضاياه في إمارة عثمان‏

و له مثل ذلك في إمرة عثمان بن عفّان.

فمن ذلك‏

ما رواه نقلة الأخبار من العامّة و الخاصّة

، إنّ امرأة نكحها شيخ كبير فحملت، فزعم الشّيخ أنّه لم يصل إليها و أنكر حملها، فالتبس الأمر على عثمان و سأل المرأة هل افتضّك الشّيخ و كانت بكرا؟ فقالت:

____________

(1) سورة الأنعام، الآية: 164.

269

لا، فقال عثمان: أقيموا الحدّ عليها، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ للمرأة سمّين سمّ‏

(1)

المحيض و سمّ البول، فلعلّ الشّيخ كان ينال منها فسال ماؤه في سمّ المحيض فحملت منه فاسألوا الرّجل عن ذلك» فسئل، فقال:

قد كنت أنزل الماء في قبلها من غير وصول إليها بالإفتضاض، فقال أمير المؤمنين (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الحمل له و الولد ولده، و أرى عقوبته على الإنكار» فصار عثمان إلى قضائه بذلك.

و رووا

أنّ رجلا كانت له سريّة فأولدها ثمّ اعتزلها و أنكحها عبدا له، ثمّ توفّي السّيّد فعتقت بملك ابنها لها، فورث ولدها زوجها، ثمّ توفّي الابن فورثت من ولدها زوجها، فارتفعا إلى عثمان يختصمان يقول:

هذا عبدي و يقول: هي امرأتي و لست مفرّجا عنها، فقال عثمان: هذه قضيّة مشكلة و أمير المؤمنين (عليه السلام) حاضر، فقال: «سلوها هل جامعها بعد ميراثها له؟» فقالت: لا، فقال: «لو أعلم ذلك لعذّبته، اذهبي فإنّه عبدك ليس له عليك سبيل، إن شئت أن تسترقيه، أو تعتقيه، أو تبيعيه فذلك لك»، فصار عثمان إلى قضائه بذلك‏

و غير ذلك ممّا يطول بذكره الكتاب، و فيما أثبتناه من قضاياه في إمارة من تقدم ذكره كفاية فيما قصدناه إن شاء اللّه.

الفصل السابع و الثلاثون: في قضاياه زمن خلافته‏

و جاء من قضاياه بعد بيعة العامّة له و مضيّ عثمان بن عفّان‏

ما رواه أهل النّقل و الآثار،

إنّ امرأة ولدت على فراش زوجها ولد له بدنان و رأسان على حقو واحد، فالتبس الأمر على أهله أ هو واحد أم اثنان، فصاروا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) يسألونه عن ذلك ليعرفوا الحكم فيه، فقال لهم أمير المؤمنين (عليه السلام): «اعتبروه إذا نام ثمّ انبهوا أحد البدنين و الرّأسين، فإن انتبها جميعا معا في حالة واحدة، فهما إنسان، و إن استيقظ أحدهما و الآخر نائم فهما اثنان و حقّهما من الميراث حقّ اثنين».

____________

(1) أي ثقب.

270

و روى الحسن بن محبوب قال: حدّثني عبد الرّحمان بن الحجّاج، قال: سمعت ابن أبي ليلى يقول:

قضى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بقضيّة ما سبقه إليها أحد، و ذلك أنّ رجلين اصطحبا في سفر، فجلسا يتغذّيان، فأخرج أحدهما خمسة أرغفة و أخرج الآخر ثلاثة، فمرّ بهم ثالث فسلّم، فقالا له: الغذاء، فجلس معهما يأكل، فلمّا فرغ من أكله رمى إليهما ثمانية دراهم و قال لهما: هذه عوض ممّا أكلت من طعامكما، فاختصما و قال صاحب الثلاثة: هذه نصفان بيننا، و قال صاحب الخمسة:

بل لي خمسة و لك ثلاثة، فارتفعا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و قصّا عليه القصّة، فقال لهما: «هذا أمر فيه دناءة، و الخصومة غير جميلة، و الصّلح أحسن»، فقال صاحب الثلاثة الأرغفة: لست أرضى إلّا بمرّ القضاء، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «فإذا كنت لا ترضى إلّا بمرّ القضاء، فإنّ لك واحد من ثمانية و لصاحبك سبعة» فقال: سبحان اللّه كيف صار هذا هكذا، فقال له:

«أخبرك، أليس كان لك ثلاثة أرغفة؟» فقال: بلى، قال: «و لصاحبك خمسة؟» قال: بلى، قال: فهذه أربعة و عشرون ثلاثا أكلت أنت ثمانية و صاحبك ثمانية و الضّيف ثمانية، فلمّا أعطاكم الثّمانية الدّراهم كان لصاحبك سبعة و لك واحد» فانصرف الرّجلان على بصيرة من أمرهما في القضيّة

. [ثانيا في بيان جملة من مقاماته ع‏]

(الفصل الثامن و الثلاثون: في ذكر مقامات علي (عليه السلام) و من آيات اللّه الباهرة فيه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الخواصّ الّتي أفرده اللّه بها و دلّ بالمعجز منها على إمامته و وجوب طاعته و ثبوت حجّته، ما هو من جملة الجرايح الّتي أبان اللّه بها الأنبياء و الرّسل (عليهم السلام) و جعلها أعلاما لهم على صدقهم.

فمن ذلك ما استفاض عنه (عليه السلام) من أخباره بالغائبات و الكائن قبل كونه، فلا يحزم من ذلك شيئا و يوافق المخبر منه خبره، حتّى يتحقّق الصّدوق فيه، و هذا من أبهر معجزات الأنبياء (عليهم السلام) ألا ترى إلى قوله تعالى فيما أبان به المسيح عيسى بن مريم (عليه السلام) من المعجز الباهر، و الآية العجيبة

271

الدّالّة على نبوّته: وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ‏ (1)، و جعل مثل ذلك من عجيب آيات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: عند غلبة فارس الرّوم:

الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ‏ (2)، فكان الأمر في ذلك كما قال اللّه عزّ و جلّ، و قال تعالى في أهل بدر قبل الوقعة: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ (3) فكان الأمر كما قال من غير اختلاف في ذلك، فحقّق ذلك خبره و أبان به عن صدقه، و دلّ به على نبوّته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في أمثال ذلك ممّا يطول بإثباته الكتاب.

[ثالثا في بيان جملة من معاجزه ع‏]

(الفصل التاسع و الثلاثون: في معجزات علي (عليه السلام) و الّذي كان من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) من هذا الجنس ما لا يستطاع إنكاره إلّا مع الغباوة و الجهل و البهت و العناد، ألا ترى إلى ما تظاهرت به الأخبار، و انتشرت به الآثار، و نقلته الكافّة عنه (عليه السلام) من‏

قوله قبل قتال‏

(4)

الفرق الثلاثة بعد بيعته: «أمرت بقتال النّاكثين و القاسطين و المارقين»

فقاتلهم (عليه السلام) و كان الأمر فيما خبّر به على ما قال (عليه السلام)

و قال (عليه السلام) لطلحة و الزّبير حين استأذناه في الخروج إلى العمرة: «لا و اللّه ما تريدان العمرة، و إنّما تريدان البصرة»

و كان الأمر كما قال (عليه السلام)

و قال (عليه السلام) لابن عبّاس و هو يخبره عن استيذانهما له في العمرة: «إنّني أذنت لهما مع علمي بما قد انطويا عليه من الغدر، و استظهرت باللّه عليهما و إنّ اللّه سيردّ كيدهما و يظفرني بهما»

فكان الأمر كما قال (عليه السلام).

و قال (عليه السلام) بذي قار

(5)

و هو جالس لأخذ البيعة: «يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل لا يزيدون رجلا و لا ينقصون رجلا يبايعوني على الموت» قال ابن عبّاس: فجزعت لذلك و خفت أن ينقص القوم أو يزيدوا عليه،

____________

(1) سورة آل عمران، الآية: 49.

(2) سورة الروم، الآيات: 1- 4.

(3) سورة القمر، الآية: 45.

(4) في الأصل: القتال.

(5) موضع قرب البصرة.

272

فيفسد الأمر علينا، فلم أزل مهموما دأبي إحصاء القوم حين وردا أوائلهم، فجعلت أحصيهم، فاستوفيت عددهم تسعمائة و تسع و تسعين رجلا، ثمّ انقطع مجي‏ء القوم فقلت:

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

، ماذا حمله على ما قال، فبينما أنا مفكّر في ذلك، إذ رأيت شخصا قد أقبل حتّى دنا منّي، فإذا هو رجل عليه قباء صوف معه سيفه و ترسه و أدواته، فقرب من أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: أمدد يدك أبايعك، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام):

«و على م تبايعني؟» قال: أبايعك على السّمع و الطّاعة و القتال بين يديك حتّى أموت أو يفتح اللّه عليك، فقال له: «ما اسمك؟» قال: أويس، قال:

«أنت أويس القرني؟» قال: نعم، قال: «اللّه أكبر أخبرني حبيبي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) انّي أدرك رجلا من أمّته يقال له أويس القرني يكون من حزب اللّه و رسوله يموت على الشّهادة، يدخل في شفاعته مثل ربيعة و مضر»، قال ابن عبّاس: فسرى و اللّه عنّي.

و الأخبار في هذا المعنى كثيرة يطول بها الكتاب، و فيما أثبتناه منها كفاية.

الفصل الأربعون: في قلعه باب خيبر

و من أعلامه الباهرة ما أبانه اللّه تعالى به من القدرة و خصّه به من القوّة و خرق العادة بالأعجوبة فيه، فمن ذلك ما جاءت به الأخبار و تظاهرت به الآثار و اتّفق عليه العلماء، و سلّم له المخالف و المؤالف من قصّة خيبر و قلع أمير المؤمنين (عليه السلام) باب الحصن بيده، و دحوه به‏ (1) على الأرض، و كان من الثّقل بحيث لا يحمله أقلّ من خمسين رجلا،

و قد ذكر ذلك عبد اللّه بن أحمد بن حنبل فيما رواه عن مشيخته، فقال: حدّثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال: حدّثنا إبراهيم بن حمزة، قال: حدّثنا عبد العزيز بن محمّد، عن حزام، عن أبي عتيق، عن جابر

أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) دفع الرّاية إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في يوم خيبر بعد أن دعا له، فجعل عليّ (عليه السلام) يسرع السّير و أصحابه يقولون له: ارفق، حتّى انتهى إلى باب‏

____________

(1) أي رميه.

273

الحصن، فاجتذب بابه فألقاه بالأرض، ثمّ اجتمع عليه منّا سبعون رجلا، و كان جهدهم أن أعادوا الباب‏

، و هذا ممّا خصّه اللّه به من القوة و خرق به العادة، و جعله علما معجزا كما قدّمناه.

الفصل الحادي و الأربعون: في حديث الراهب و الصخرة

و من ذلك ما رواه أهل السيرة و اشتهر الخبر به في العامّة و الخاصّة حتى نظمته الشّعراء، و خطبت به البلغاء، و رواه الفهماء و العلماء من حديث الرّاهب بأرض كربلاء و الصّخرة، و شهرته تغني عن تكلّف إيراد الإسناد له،

و ذلك إنّ الجماعة روت‏

أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لمّا توجّه إلى صفّين لحق أصحابه عطش شديد، و نفد ما كان عندهم من الماء، فأخذوا يمينا و شمالا يلتمسون الماء فلم يجدوا له أثرا، فعدل بهم أمير المؤمنين (عليه السلام) من الجادّة و سار قليلا، فلاح لهم دير في وسط البريّة، فسار بهم نحوه حتّى إذا صار في فنائه، أمر من نادى ساكنه بالاطّلاع إليهم، فنادوه فاطّلع، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): «هل قرب قائمك هذا من ماء يتغوّث به‏

(1)

هؤلاء القوم؟» فقال: هيهات، بيني و بين الماء أكثر من فرسخين، و ما بالقرب منّي شي‏ء من الماء، و لو لا أنّني أوتى بماء يكفيني كلّ شهر على التّقتير لهلكت عطشا، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أسمعتم ما قال الرّاهب؟» قالوا: نعم أفتأمرنا بالمسير إلى حيث أومأ إليه لعلّنا ندرك الماء و بنا قوّة؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا حاجة لكم إلى ذلك»، و لوى‏

(2)

عنق بغلته نحو القبلة و أشار بهم إلى مكان يقرب من الدّير، فقال لهم: اكشفوا الأرض في هذا المكان، فعدل منهم جماعة إلى الموضع فكشفوه بالمساحي، فظهرت لهم صخرة عظيمة تلمع، فقالوا: يا أمير المؤمنين ههنا صخرة لا تعمل فيها المساحي، فقال لهم: «إنّ هذه الصّخرة على الماء، فإن زالت عن موضعها وجدتم الماء» فاجتهدوا في قلعها، فاجتمع القوم و راموا تحريكها فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا، و استصعب عليهم، فلمّا رآهم (عليه السلام) قد اجتمعوا

____________

(1) أي يستسقي.

(2) أي عطف.

274

و بذلوا الجهد في قلع الصّخرة و استصعبت عليهم، لوى رجله عن سرجه حتّى صار على الأرض، ثمّ حسر عن ذراعيه و وضع أصابعه تحت جانب الصّخرة فحرّكها، ثمّ قلعها بيده و رمى بها أذرعا كثيرة، فلمّا زالت عن مكانها ظهر لهم بياض الماء، فبادروا إليه فشربوا منه فكان أعذب ماء شربوا منه في سفرهم و أبرده و أصفاه، فقال لهم: «تزوّدوا و ارتووا» ففعلوا ذلك، ثمّ جاء إلى الصّخرة فتناولها بيده و وضعها حيث كانت، فأمر أن يعفى أثرها بالتّراب ففعلوا و الرّاهب ينظر من فوق ديره، فلمّا استوفى علم ما جرى نادى يا معشر النّاس: «انزلوني انزلوني، فاحتالوا في إنزاله، فوقف بين يدي أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: يا هذا أنت نبيّ مرسل، قال «لا» قال: فملك مقرّب؟ قال: «لا» قال: فمن أنت؟ قال: «أنا وصيّ رسول اللّه محمّد بن عبد اللّه خاتم النّبيّين (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» قال: أبسط يدك أسلم للّه تبارك و تعالى على يديك، فبسط أمير المؤمنين (عليه السلام) يده و قال له: «أشهد الشّهادتين» فقال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، و أشهد أنّك وصيّ رسول اللّه، و أحقّ النّاس بالأمر من بعده. فأخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) عليه شرايط الإسلام ثمّ قال له: «ما الّذي دعاك الآن إلى الإسلام بعد طول مقامك في هذا الدّين على الخلاف؟» قال: أخبرك يا أمير المؤمنين أنّ هذا الدّير بني على طلب قالع هذه الصّخرة و مخرج الماء من تحتها، و قد مضى عالم قبلي فلم يدركوا ذلك، و قد رزقنيه اللّه عزّ و جلّ، إنّا نجد في كتاب من كتبنا و ناثر عن علمائنا أنّ في هذا الصّقع‏

(1)

عينا عليها صخرة لا يعرف مكانها إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ، و أنّه لا بدّ من وليّ اللّه يدعوا إلى الحقّ، آيته معرفة مكان هذه الصّخرة، و قدرته على قلعها، و انّي لما رأيتك قد فعلت ذلك تحقّقت ما كنّا ننتظره و بلغت الأمنية منه، فأنا اليوم مسلّم على يديك و مؤمن بحقّك و مولاك، فلمّا سمع ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) بكى حتّى اخضلّت لحيته من الدّموع ثمّ قال: «الحمد للّه الّذي لم أكن عنده منسيّا، الحمد للّه الّذي كنت في كتبه مذكورا» ثمّ دعا النّاس فقال لهم: اسمعوا ما يقول أخوكم‏

____________

(1) الناحية.

275

المسلم، فسمعوا مقاله و كثر حمدهم للّه و شكرهم على النّعمة الّتي أنعم بها عليهم في معرفتهم بحقّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ثمّ ساروا و الرّاهب بين يديه في جملة أصحابه حتّى لقي أهل الشّام، فكان الرّاهب من جملة من استشهد معه، فتولّى (عليه السلام) الصّلاة عليه و دفنه و أكثر من الاستغفار له، و كان إذا ذكره يقول: ذاك مولاي.

و في هذا الخبر ضروب من المعجز: أحدها: علم الغيب، و الثّاني:

القوّة الّتي خرق العادة بها و تميّز بخصوصيّتها من الأنام مع ما فيه من ثبوت البشارة به في كتب اللّه الأولى، و ذلك مصداق قوله تعالى: ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ (1) و في مثل ذلك يقول السّيّد إسماعيل بن محمّد الحميري (رحمه اللّه) في قصيدته البائية المذهبيّة:

و لقد سرى فيما يسير بليلة-- بعد العشاء بكربلا في موكب‏

حتّى أتى متبتّلا (2) في قائم‏-- ألقى قواعده بقاع مجدب‏ (3)

يأتيه ليس بحيث يلقى عامرا-- غير الوحوش و غير أصلع أشيب‏

فدنا فصاح به فأشرف ماثلا (4)-- كالنّصر فوق شظيّة من مرقب‏

هل قرب قائمك الّذي بوئته‏-- ماء يصاب فقال: ما من مشرب‏

إلّا بغاية فرسخين و من لنا-- بالماء بين نقي وقّى سبسب‏ (5)

فثنى‏ (6) الأعنّة (7) نحو وعث‏ (8) فاجتلى‏-- ملساء تلمع كاللّجين المذهب‏

قال: اقلبوها إنّكم إن تقلبوا-- ترووا و لا تروون إن لم تقلب‏

فاعصوصبوا (9) في قلعها فتمنّعت‏-- منهم تمنّع صعبة لم تركب‏

____________

(1) سورة الفتح، الآية: 29.

(2) تبتل: أي انقطع.

(3) أي قطع عنه المطر.

(4) أي قائما.

(5) أي فقر.

(6) أي عطف.

(7) الأعنة: جمع العنان، زمام القوس.

(8) الوعث: الرمل لا يسلك فيه.

(9) أي اجتمعوا حتى كانوا عصبة واحدة.

276

حتّى إذا أعيتهم أهوى لها-- كفّا متى ترد المغالب تغلب‏

فكأنّها كرة (1) بكفّ خزور (2)-- عبل‏ (3) الذّراع دحى بها في ملعب‏

فسقاهم من تحتهم متسلسلا (4)-- عذبا يزيد على الألذّ الأغرب‏

حتّى إذا شربوا جميعا ردّها-- و مضى فخلت مكانها لم يقرب‏

أعني ابن فاطمة (5) الوصّي و من تقل‏-- في فضله و فعاله لم تكب‏

الفصل الثاني و الأربعون: في رد الشمس له (عليه السلام)

و ممّا أظهره اللّه تعالى من الأعلام الباهرة على يد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ما استفاضت به الأخبار و رواه علماء السّيرة و الآثار، و نظمت فيه الشّعراء الأشعار رجوع الشّمس له (عليه السلام) مرّتين في حياة النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مرّة، و بعد وفاته (عليه السلام) أخرى، و كان من حيث رجوعها عليه في المرّة الأولى‏

ما روته أسماء بنت عميس و أمّ سلمة زوجة النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و أبو سعيد الخدري (رحمة اللّه عليهم) و جماعة من الصّحابة

أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان ذات يوم في منزله و عليّ (عليه السلام) بين يديه، إذ جاء جبرائيل (عليه السلام) يناجيه عن اللّه سبحانه و تعالى، فلمّا تغشّاه الوحي توسّد فخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) فلم يرفع رأسه عنه حتّى غابت الشّمس، فاضطرّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لذلك إلى صلاة العصر جالسا يومي بركوعه و سجوده إيماء، فلمّا أفاق من غشيته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال لأمير المؤمنين: «أفاتتك صلاة العصر؟» قال:

«لم أستطع أن أصيبها قائما لمكانك يا رسول اللّه و الحال التي كنت عليها من استماع الوحي» فقال له: «ادع اللّه ليردّ عليك الشّمس حتّى لتصلّيها قائما في وقتها كما فاتتك، فإنّ اللّه يجيبك لطاعتك للّه و لرسوله» فسأل أمير

____________

(1) هي التي يلعب بها الصبيان مع الصولجان.

(2) الغلام.

(3) أي الغليظ الممتلى‏ء.

(4) الماء المتسلسل في الخلق.

(5) بنت أسد.

277

المؤمنين (عليه السلام) اللّه عزّ و جلّ في ردّ الشّمس فردّت عليه حتّى صارت في موضعها من السّماء وقت العصر، فصلّى أمير المؤمنين (عليه السلام) صلاة العصر في وقتها، ثمّ غربت الشّمس فقالت أسماء بنت عميس: أم‏

(1)

و اللّه لقد سمعت لها عند غروبها صريرا كصرير المنشار في الخشب.

و كان رجوعها عليه بعد النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

أنّه لمّا أراد أن يعبر الفرات ببابل اشتغل كثير من أصحابه بتعبير دوابهم و رحالهم، و صلّى (عليه السلام) بنفسه في طائفة معه العصر، فلم يفرغ النّاس من عبورهم حتّى غربت الشّمس، ففاتت الصلاة كثيرا منهم، و فات الجمهور فضل الاجتماع معه، فتكلّموا في ذلك، فلمّا سمع كلامهم سأل اللّه عزّ و جلّ ردّ الشّمس عليه ليجتمع كافّة أصحابه على صلاة العصر في وقتها، فأجابه اللّه تعالى في ردّها عليه، فكانت في الأفق على الحال الّتي تكون عليه وقت العصر، فلمّا سلّم بالقوم غابت الشّمس، فسمع لها وجيب‏

(2)

شديد هال النّاس ذلك، و أكثروا من التّسبيح و التّهليل و الأستغفار و الحمد للّه على نعمته الّتي ظهرت فيهم، و سار خبر ذلك في الآفاق و انتشر ذكره في النّاس.

و في ذلك يقول السّيّد إسماعيل بن محمّد الحميري (رحمه اللّه):

ردّت عليه الشّمس لمّا فاته‏-- وقت الصلاة و قد دنت للمغرب‏

حتّى تبلّج‏ (3) نورها في وقتها-- للعصر ثمّ هوت‏ (4) هوي الكوكب‏

و عليه قد ردّت ببابل‏ (5) مرّة-- أخرى و ما ردّت لخلق معرب‏ (6)

إلّا ليوشع أو له من بعده‏-- و لردّها تأويل أمر معجب‏

____________

(1) كذا في الأصل.

(2) الوجيب: سقوط الشي‏ء.

(3) أي أضاء.

(4) أي سقطت.

(5) اسم موضع بالعراق.

(6) ناطق مفصح.

278

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

279

[الباب الثالث في بيان أسماء أولاد امير المؤمنين (ع) و زوجاته و بعض أخبارهم‏]

(الباب الثالث:

في ذكر أولاد أمير المؤمنين (عليه السلام) و عددهم و أسمائهم و مختصر من أخبارهم)

فأولاد أمير المؤمنين (عليه السلام) سبعة و عشرون ولدا، ذكر أو أنثى:

الحسن، و الحسين (عليهما السلام)، و زينب الكبرى، و زينب الصّغرى المكنّاة بأمّ كلثوم، أمّهم فاطمة البتول سيّدة نساء العالمين بنت سيّد المرسلين و خاتم النّبيّين محمّد النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و محمّد المكنّى بأبي القاسم، أمّه خولة بنت جعفر بن قيس الحنفيّة، و عمر، و رقيّة كانا توأمين أمّهما أمّ حبيب بنت ربيعة، و العبّاس، و جعفر، و عثمان، و عبد اللّه الشّهداء مع أخيهم الحسين (عليه السلام) بطفّ كربلا، أمّهم أمّ البنين بنت حزام بن خالد بن جعفر بن دارم، و محمّد الأصغر المكنّى بأبي بكر و عبيد اللّه الشّهيدان مع أخيهما الحسين (عليه السلام) بالطّفّ، أمّهما ليلى بنت مسعود الدّارميّة، و يحيى أمّه أسماء بنت عميس الخثعميّة (رضي اللّه عنها)، و أمّ الحسن، و رملة، أمّهما أم سعيد بنت عروة ابن مسعود الثّقفي، و نفيسة، و زينب الصّغرى، و رقيّة الصّغرى، و أمّ هاني، و أمّ الكرام، و جمانة المكنّاة أمّ جعفر، و إمامة، و أمّ سلمة، و ميمونة، و خديجة، و فاطمة (رحمة اللّه عليهنّ) لأمّهات شتّى، و في الشّيعة من يذكر أنّ فاطمة (صلوات اللّه عليها) أسقطت بعد النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ذكرا كان سمّاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو حمل محسنا، فعلى قول هذه الطّائفة أولاد أمير المؤمنين (عليه السلام) ثمانية و عشرون ولد

ا، و اللّه أعلم و أحكم.

280

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

281

الباب الرابع: في ذكر الإمام بعد أمير المؤمنين (عليه السلام) و تاريخ مولده، و دلائل‏ (1) إمامته، و مدّة خلافته، و وقت وفاته، و موضع قبره، و عدد أولاده، و طرف من أخباره‏

الإمام بعد أمير المؤمنين (عليه السلام) ابنه الحسن من سيّدة نساء العالمين فاطمة بنت محمّد سيّد المرسلين (صلّى اللّه عليه و آله) الطّاهرين.

كنيته‏

: أبو محمّد.

ولادته‏

:

ولد بالمدينة ليلة النّصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، و جاءت به أمّه فاطمة (عليها السلام) إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يوم السّابع من مولده في خرقة من حرير الجنّة، كان جبرائيل (عليه السلام) نزل بها إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فسمّاه حسنا و عقّ عنه كبشا

و روى ذلك جماعة، منهم: أحمد بن صالح التّميمي، عن عبد اللّه ابن عيسى، عن جعفر بن محمّد الصّادق (عليهما السلام)

.

____________

(1) في الأصل: دلايل.

282

شبيه رسول اللّه‏

: و كان الحسن أشبه النّاس برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) خلقا و هديا و سؤددا

و روى ذلك جماعة، منهم: معمّر عن الزّهري، عن أنس بن مالك‏

لم يكن أحد أشبه برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من الحسن بن علي (عليهم السلام).

و روى إبراهيم بن عليّ الرّافعي، عن أبيه، عن جدّه شبيب بن أبي رافع عمّن حدّثه قال:

أتت فاطمة (عليها السلام) بابنيها الحسن و الحسين (عليهما السلام) إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في شكواه الّتي توفّي فيها فقالت: يا رسول اللّه هذان ابناك فورّثهما شيئا، فقال: «أمّا الحسن فإنّ له هيبتي و سؤددي، و أمّا الحسين فإنّ له جودي و شجاعتي».

في إمامة الحسن (عليه السلام)

:

و كان الحسن بن علي (عليهما السلام) وصيّ أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) على أهله و ولده و أصحابه، و وصّاه بالنّظر في وقوفه و صدقاته، و كتب إليه عهدا مشهورا، و وصيّته ظاهرة في معالم الدّين و عيون الحكمة و الآداب، و قد نقل هذه الوصيّة جمهور العلماء و استبصر بها في دينه و دنياه كثير من الفقهاء و لمّا قبض أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب النّاس الحسن و ذكر حقّه، فبايعه أصحاب أبيه (عليه السلام) على حرب من حارب و سلّم من سالم‏

. و روى أبو مخنف لوط بن يحيى قال: حدّثني أشعث بن سوار، عن أبي إسحاق السّبيعي و غيره قالوا:

خطب الحسن بن علي (عليهما السلام) في صبيحة اللّيلة الّتي قبض فيها أمير المؤمنين (عليه السلام)، فحمد اللّه و أثنى عليه، و صلّى على النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ثمّ قال: «لقد قبض في هذه اللّيلة رجل لم يسبقه الأوّلون بعمل و لا يلحقه الآخرون بعمل، لقد كان يجاهد مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيقيه بنفسه، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يوجّهه برايته، فيكتنفه جبرائيل عن يمينه و ميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتّى يفتح اللّه على يديه، و لقد توفّي (عليه السلام) في اللّيلة الّتي عرج فيها عيسى بن مريم (عليه السلام) و فيها قبض يوشع ابن نون وصيّ موسى، و ما خلّف صفراء و لا بيضاء إلّا سبعمائة درهم‏

283

فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله، ثمّ خنقته العبرة فبكى (عليه السلام) و بكى النّاس معه» ثمّ قال: «أنا ابن البشير، أنا ابن النّذير أنا ابن الدّاعيّ‏{/~{

/

إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ

، أنا ابن السّراج المنير أنا من أهل بيت أذهب اللّه عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا، أنا من أهل بيت افترض اللّه حبّهم في كتابه، فقال اللّه تعالى:{/~{

/

قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً (1)

فالحسنة مودّتنا أهل البيت»، ثمّ جلس، فقام عبد اللّه بن عبّاس (رحمه اللّه) بين يديه، فقال: معاشر النّاس هذا ابن نبيّكم و وصيّ إمامكم فبايعوه، فاستجاب له النّاس و قالوا ما أحبّه إلينا و أوجب حقّه علينا، و بادروا إلى البيعة له بالخلافة، و ذلك في يوم الجمعة الحادي و العشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، فرتّب العمّال و أمّر الأمراء، و أنفذ عبد اللّه بن العبّاس إلى البصرة، و نظر في الأمور، و لمّا بلغ معاوية بن أبي سفيان وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام) و بيعة النّاس لابنه الحسن (عليه السلام) دسّ

(2)

رجلا من حمير إلى الكوفة، و رجلا من بني القين إلى البصرة ليكتبا إليه بالأخبار و يفسدا على الحسن (عليه السلام) الأمور، فعرف ذلك الحسن (عليه السلام)، فأمر باستخراج الحميري من عند حجّام بالكوفة فأخرج، و أمر بضرب عنقه، و كتب إلى البصرة فاستخرج القيني من بني سليم و ضربت عنقه، و كتب الحسن (عليه السلام) إلى معاوية: أمّا بعد، فإنّك دسست الرّجال للاحتيال و الاغتيال، و أرصدت العيون كأنّك تحبّ اللّقاء و ما أوشك ذلك، فتوقّعه إن شاء اللّه تعالى، و بلغني أنّك شمتّ بما لم يشمت ذو الحجى، و إنّما مثلك في ذلك كما قال الأوّل

:

فقل للّذي يبغي خلاف الّذي مضى‏-- تجهّز الأخرى مثلها فكان قد

فانّا و من قد مات منا لكالذي‏-- يروح فيمسي في المبيت ليغتدي‏

____________

(1) سورة الشورى، الآية: 23.

(2) أي أرسل على استخفاء.

284

في وفاة الحسن (عليه السلام)

: فمن الأخبار الّتي جاءت بسبب وفاة الحسن بن علي (عليهما السلام)

ما رواه عيسى ابن مهران، عن عبيد اللّه بن الصّباح، عن جرير، عن مغيرة قال:

لمّا تمّت لمعاوية (لعنه اللّه) عشر سنين من إمارته، و عزم على البيعة لابنه يزيد، أرسل إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس إنّي مزوّجك ابني يزيد، على أن تسمّي الحسن، و بعث إليها مائة ألف درهم، ففعلت و سمّت الحسن (عليه السلام) فسوّغها المال و لم يزوّجها من يزيد، فخلف عليها رجل من آل طلحة فأولدها، فكان إذا وقع بينهم و بين بطون قريش كلام عيّروهم، فقالوا: يا بني مسمّة الأزواج‏

و روى عبد اللّه بن إبراهيم المخارقي قال:

لمّا حضرت الحسن بن عليّ (عليهما السلام) الوفاة استدعى الحسين بن عليّ (عليهما السلام) فقال: «يا أخي إنّي مفارقك و لاحق بربّي عزّ و جلّ، و قد سقيت السّمّ و رميت بكبدي في الطّشت و إنّي لعارف لمن سقاني و من أين ذهبت، و أنّا أخاصمه إلى اللّه عزّ و جلّ، فبحقّي عليك إن تكلّمت في ذلك بشي‏ء، و انتظر ما يحدث اللّه فيّ، فإذا قضيت فغمّضني، و غسّلني، و كفّنّي، و احملني على سريري إلى قبر جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لأجدّد به عهدا، ثمّ ردّني إلى قبر جدّتي فاطمة (رحمة اللّه عليها) فادفنّي هناك، و ستعلم يابن أمّ أنّ القوم سيظنّون أنّكم تريدون دفني عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيجلبون في منعكم عن ذلك، و باللّه أقسم عليك أن تهريق في أمري محجمة دم»، ثمّ وصّى (عليه السلام) إليه بأهله و ولده و تركاته و ما كان وصّى به إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) حين استخلفه و أهّله لمقامه و دلّ شيعته على استخلافه و نصبه لهم علما من بعده، فلمّا مضى (عليه السلام) لسبيله غسّله الحسين (عليه السلام) و كفّنه و حمله على سريره، و لم يشكّ مروان و من معه من بني أميّة أنّهم سيدفنونه عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فتجمّعوا و لبسوا السّلاح، فلمّا توجّه به الحسين (عليه السلام) إلى قبر جدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ليجدّد به عهدا أقبلوا إليهم في جمعهم، و لحقتهم عائش

ة

(1)

على بغل و هي تقول: ما لي و لكم تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أحبّ، و جعل مروان يقول:

يا ربّ هيجا هي خير من دعة»

____________

(1) في الأصل: عايشة.

285

أيدفن عثمان في أقصى المدينة و يدفن الحسن مع النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا يكون ذلك أبدا و أنا أحمل السّيف، و كادت الفتنة تقع بين بني هاشم و بني أميّة، فبادر ابن عبّاس إلى مروان فقال له: ارجع يا مروان من حيث جئت، فانّا ما نريد دفن صاحبنا عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لكنّا نريد أن نجدّد به عهدا بزيارته، ثمّ نردّه إلى جدّته فاطمة (عليها السلام) فندفنه عندها بوصيّته بذلك، و لو كان وصّى بدفنه عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لعلمت أنّك أقصر باعا من ردّنا عن ذلك، لكنّه (عليه السلام) كان أعلم باللّه و برسوله و بحرمة قبره من أن يطرق عليه هدما كما طرق ذلك على غيره و دخل بيته بغير إذنه، ثمّ أقبل على عائشة فقال لها:

وا سوأتاه، يوما على بغل، و يوما على جمل تريدين أن تطفئي نور اللّه و تقاتلين أولياء اللّه، ارجعي فقد كفيت الّذي تخافين، و بلغت ما تحبّين، و اللّه منتصر لأهل هذا البيت و لو بعد حين. و قال الحسين (عليه السلام): «لو لا عهد الحسن إليّ بحقن الدّماء و أن لا أهريق في أمره محجمة دم، لعلمتم كيف تأخذ سيوف اللّه منكم مأخذها، و قد نقضتم العهد بيننا و بينكم، و أبطلتم ما اشترطنا عليكم لأنفسكم»، و مضوا بالحسن (عليه السلام) فدفنوه عند جدّته فاطمه بنت أسد بن هاشم بن مناف رضي اللّه عنها و أسكنها جنات النّعيم‏

.

و كانت‏

(1)

وفاة الحسن بن علي (عليهما السلام) في 28 صفر سنة خمسين من الهجرة، و له يومئذ ثمان و أربعون سنة، و كانت خلافته عشر سنين، و تولّى أخوه و وصيّه الحسين (عليه السلام) غسله، و كفّنه و دفنه عند جدّته فاطمة بنت أسد (رضي اللّه عنها)

(2)

. ذكر ولد الحسن بن عليّ (عليهما السلام) و عددهم و أسمائهم‏

:

أولاد الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، خمسة عشر ولدا ذكرا و أنثى. زيد بن الحسن و أختاه أمّ الحسن، و أمّ الحسين، أمّهم أم بشير بنت أبي مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجيّة، و الحسن المثنّى (المكنى بأبي محمد)، أمّه خولة بنت منظور الفزاريّة، و عمر، و أخواه القاسم، و عبد الله، أمّهم أمّ‏

____________

(1) في الأصل: و كان.

(2) العبارة كذا في الأصل.

286

ولد، و عبد الرّحمن، أمّه أم ولد، و الحسين الملقّب بالأثرم، و أخوه طلحة، و أختهما فاطمة بنت الحسن، أمّهم أمّ إسحاق بنت طلحة بن عبيد اللّه التّيميّ، و أمّ عبد الله، و فاطمة، و أمّ سلمة، و رقيّة لأمّهات شتّى.

287

الباب الخامس: في ذكر الإمام بعد الحسن بن عليّ (عليهما السلام) و تاريخ مولده و دلائل‏ (1) إمامته، و مبلغ سنّه، و مدّة خلافته، و وقت وفاته و سببها، و موضع قبره، و عدد أولاده‏

و الإمام بعد الحسن بن علي (عليهما السلام) أخوه الحسين بن علي (عليهما السلام) بنصّ أبيه و جدّه و وصيّه أخيه الحسن (عليه السلام) إليه.

كنيته‏

:

أبو عبد اللّه ولد بالمدينة لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، و جاءت به أمّه فاطمة (عليها السلام) إلى جدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فاستبشر به و سمّاه حسينا، و عقّ عنه كبشا، و هو و أخوه بشهادة النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سيّدا شباب أهل الجنّة بالاتّفاق الّذي لا مرية فيه، سبطا نبيّ الرّحمة، و كان الحسن يشبّه بالنّبيّ من صدره إلى رأسه، و الحسين يشبه من صدره إلى رجليه، و كانا حبيبي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ريحانتيه من بين جميع أهله و ولده‏

. في فضائل الحسين (عليه السلام)

: و روى زاذان عن سلمان (رضي اللّه عنه) قال‏

: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول في الحسن و الحسين (عليهما السلام): «اللّهمّ إنّي أحبّهما فأحبّهما، و أحبّ من‏

____________

(1) في الأصل: دلايل.

288

أحبّهما»

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«من أحبّ الحسن و الحسين أحببته، و من أحببته أحبّه اللّه، و من أحبّه اللّه (عزّ و جلّ) أدخله الجنّة، و من أبغضهما أبغضته، و من أبغضته أبغضه اللّه، و من أبغضه اللّه (عزّ و جلّ) خلّده في النّار»

. و قال: (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«إنّ ابني هذين ريحانتاي من الدّنيا».

و روى زرّ بن حبيش، عن ابن مسعود قال:

كان النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يصلّي، فجاء الحسن و الحسين (عليهما السلام) فارتدفاه، فلمّا رفع رأسه أخذهما أخذا رفيقا، فلمّا عاد عادا، فلمّا انصرف اجلس هذا على فخذه الأيمن و هذا على فخذه الأيسر، و قال: من أحبّني فليحبّ هذين‏

، و كانا (عليهما السلام) حجّتي اللّه لنبيّه في المباهلة، و حجّتي اللّه بعد أبيهما أمير المؤمنين (عليه السلام) على الأمّة في الدّين و الملّة.

و روى محمّد بن أبي عمير عن رجاله عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال الحسن بن عليّ (عليهما السلام) لأصحابه:

«إنّ للّه مدينتين إحداهما في المشرق و الأخرى في المغرب، فيهما خلق اللّه تعالى، لم يهمّوا بمعصية له قطّ، و اللّه ما فيهما و بينهما حجّة للّه على خلقه غيري و غير أخي الحسين (عليه السلام)»

. و جاءت الرّواية بمثل ذلك عن الحسين بن علي (عليهما السلام)

أنّه قال لأصحاب ابن زياد يوم الطّفّ: «ما لكم تناصرون عليّ أم‏

(1)

و اللّه لئن قتلتموني لتقتلنّ حجّة اللّه عليكم، لا و اللّه ما بين جابلقا و جابرسا ابن نبيّ احتجّ اللّه به عليكم غيري»

يعني بجابلقا و جابرسا المدينتين اللّتين ذكرهما الحسن (عليه السلام).

و كان من برهان كمالهما (عليهما السلام) و حجّة اختصاص اللّه لهما بعد الّذي ذكرناه من مباهلة النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بهما بيعة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لم يبايع صبيّا في ظاهر الحال غيرهما، و نزول القرآن بإيجاب ثواب الجنّة لهما على عملهما، مع ظاهر الطّفوليّة فيهما، و لم ينزل بذلك في مثلهما، قال اللّه تعالى في سورة هل أتى:

وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً (8) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً (9) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (10) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً (11) وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً (2). فعمّهما هذا

____________

(1) كذا في الأصل.

(2) سورة الإنسان، الآيات: 8- 12.

289

القول مع أبيهما و أمّهما (عليهم السلام) و تضمّن الخبر نطقهما في ذلك و ضميرهما الدّالّين على الآية الباهرة فيهما، و الحجّة العظمى على الخلق بهما، كما تضمّن الخبر عن نطق المسيح (عليه السلام) في المهد، و كان حجّة لنبوّته و اختصاصه من اللّه بالكرامة الدّالّة على محلّه عنده في الفضل و مكانه،

و قد صرّح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالنّصّ على إمامته و إمامة أخيه بقوله:

«إبناي هذان إمامان قاما أو قعدا»

، و دلّت وصيّة الحسن (عليه السلام) على إمامته كما دلّت وصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الحسن (عليه السلام) على إمامته بحسب ما دلّت وصيّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) على إمامته من بعده.

في إمامة الحسين (عليه السلام)

: و كانت إمامة الحسين بن عليّ (عليهم السلام) بعد وفاة أخيه ثابتة و طاعته لجميع الخلق لازم‏ (1)، و إن لم يدع لنفسه للتّقيّة الّتي كان عليها، و الهدنة الحاصلة بينه و بين معاوية بن أبي سفيان، و التزم الوفاء بها و جرى في ذلك مجرى أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) في ثبوت حجّته بعد النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مع الصّموت، و إمامة أخيه الحسن (عليه السلام) بعد الهدنة مع الكفّ و السّكوت، و كانوا في ذلك على سنن نبيّ اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو في الشّعب محصور، و عند خروجه من مكّة مهاجرا مستخفيا في الغار، و هو من أعدائه مستور.

في شهادة الحسين (عليه السلام)

:

فلمّا مات معاوية و انقضت مدّة الهدنة الّتي كانت تمنع الحسين (عليه السلام) عن الدّعوة إلى نفسه أظهر أمره بحسب الإمكان، و أبان عن حقّه للجاهلين به حالا بعد حال، إلى أن اجتمع له في الظّاهر الأنصار، فدعى (عليه السلام) إلى الجهاد، و شمّر

(2)

للقتال، و توجّه بولده و أهل بيته من حرم اللّه و حرم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نحو العراق للاستنصار بمن دعاه من شيعته على الأعداء، و قدّم أمامه ابن عمّه مسلم بن عقيل (رضي اللّه عنه) و أرضاه للدّعوة إلى اللّه تعالى‏

____________

(1) كذا في الأصل.

(2) أي تهيأ.

290

و البيعة له على الجهاد، فبايعه أهل الكوفة على ذلك، و عاهدوه و ضمنوا له النصرة و النصيحة، و وثقوا له في ذلك و عاقدوه، ثمّ لم تطل المدّة بهم حتّى نكثوا بيعته و خذلوه و أسلموه، فقتل بينهم و لم يمنعوه، و خرجوا إلى حرب الحسين (عليه السلام) فحصروه و منعوه المسير إلى بلاد اللّه، و اضطروه إلى حيث لا يجد ناصرا و لا مهربا منهم، و حالوا بينه و بين ماء الفرات حتّى تمكّنوا منه فقتلوه، فمضى (عليه السلام) ظمآن مجاهدا، صابرا، محتسبا، مظلوما، قد نكثت بيعته، و انتهكت حرمته، و لم يوف له بعهد، و لا رعيت فيه ذمّة، عقد شهيدا على ما مضى عليه أبوه و أخوه (عليهم السلام) و ذلك في يوم السّبت العاشر من المحرّم سنة إحدى و ستّين من الهجرة بعد صلاة الظّهر قتيلا مظلوما ظمآن صابرا محتسبا، و سنّه يومئذ ثمان و خمسون سنة، أقام فيها مع جدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سبع سنين، و مع أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) سبعا

(1)

و ثلاثين سنة، و مع أخيه الحسن (عليه السلام) سبعا

(2)

و أربعين سنة.

و كانت مدّة خلافته بعد أخيه إحدى‏

(3)

عشر سنة.

في زيارته (عليه السلام)

: و قد جاءت روايات كثيرة في فضل زيارته (عليه السلام) بل في وجوبها،

فروي عن الصّادق (عليه السلام) أنّه قال:

«زيارة الحسين بن علي (عليه السلام) واجبة على كلّ من يقرّ للحسين (عليه السلام) بالإمامة من اللّه تعالى»

و قال (عليه السلام):

«زيارة الحسين بن عليّ (عليهما السلام) تعدل مائة حجّة مبرورة و مائة عمرة مقبولة»

و قال: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«من زار الحسين (عليه السلام) بعد موته، فله الجنّة»

و الأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى.

في ذكر ولد الحسين بن علي (عليه السلام)

:

و كان للحسين (عليه السلام) ستّة أولاد: عليّ بن الحسين الأكبر، كنيته أبو

____________

(1) في الأصل: سبع.

(2) في الأصل: سبع.

(3) في الأصل: أحد.

291

محمّد، و أمّه شاه زنان بنت كسرى يزدجرد، و عليّ بن الحسين الأصغر، قتل مع أبيه بالطّفّ، و قد تقدّم ذكره فيما سلف، و أمّه ليلى بنت أبي قرّة بن عروة بن مسعود الثّقفيّة، و جعفر بن الحسين لا بقيّة له، و أمّه قضاعيّة، و كانت وفاته في حياة الحسين (عليه السلام)، و عبد اللّه قتل مع أبيه صغيرا بالطّفّ، جاءه سهم و هو في حجر أبيه فذبحه و سكينة بنت الحسين (عليه السلام) أمّها الرّباب بنت امرى‏ء القيس بن عدي كلبيّة، و فاطمة أمّها أمّ إسحاق بنت طلحة بن عبيد اللّه تيميّة

.

292

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

293

الباب السادس: في ذكر الإمام بعد الحسين بن علي (عليهما السلام) و تاريخ مولده، و دلائل إمامته، و مبلغ سنّه، و مدّة خلافته، و وقت وفاته، و سببها، و موضع قبره، و عدد أولاده و أسمائهم. و مختصر من أخباره‏

كنيته (عليه السلام)

: الإمام بعد الحسين بن علي (عليهما السلام) ابنه أبو محمّد عليّ بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) و كان يكنّى أيضا أبا الحسن.

أمّه (عليه السلام)

:

و أمّه شاه زنان بنت كسرى، و يقال: شهربانويه، و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) ولّى حريث بن جابر الحنفي جانبا من المشرق، فبعث إليه ابنتي يزدجرد بن شهريار بن كسرى، فنحل ابنه الحسين (عليه السلام) شاه زنان منهما، فأولدها زين العابدين (عليه السلام) و نحل الأخرى محمّد بن أبي بكر فهما ابنا خالة

. ولادته (عليه السلام)

:

و كان مولد علي بن الحسين (عليهما السلام) بالمدينة سنة ثمان و ثلاثين من الهجرة، فبقي مع جدّه أمير المؤمنين (عليه السلام) سنتين، و مع عمّه الحسن (عليه السلام)

294

اثنتي عشرة سنة، و مع أبيه الحسين (عليه السلام) ثلاثا و عشرين سنة، و بعد أبيه أربعا

(1)

و ثلاثين سنة

. وفاته (عليه السلام)

:

و توفّي بالمدينة سنة خمس و تسعين من الهجرة، و له يومئذ سبع و خمسون سنة، و كانت إمامته أربعا و ثلاثين‏

(2)

سنة و دفن بالبقيع مع عمّه الحسن بن علي (عليهما السلام).

في إمامة علي بن الحسين (عليه السلام)

: و ثبتت له الإمامة في وجوه:

أحدها: أنّه كان أفضل خلق اللّه تعالى بعد أبيه علما و عملا، و الإمامة للأفضل دون المفضول بدلائل العقول.

و منها: أنّه كان أولى بأبيه الحسين (عليه السلام)، و أحقّ بمقامه من بعده بالفضل و النّسب، و الأولى بالإمام الماضي أحقّ بمقامه من غيره، بدلالة آية ذوي الأرحام و قصّة زكريّا (عليه السلام).

و منها: وجوب الإمامة عقلا في كلّ زمان و فساد دعوى كلّ مدّع للإمامة في أيّام عليّ بن الحسين (عليهما السلام) أو مدّع لها سواه، فثبتت فيه لاستحالة خلوّ الزّمان من الإمام.

و منها: بثبوت الإمامة أيضا في العترة خاصّة بالنّظر و الخبر عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فساد قول من ادعاها لمحمّد بن الحنفيّة (رضي اللّه عنه) لتعريّه من النّصّ عليه بها، فثبتت أنّها في علي بن الحسين (عليهما السلام)، إذ لا مدعى له الإمامة من العترة سوى محمّد بن الحنفيّة (رحمه اللّه)، و خروجه عنها بما ذكرناه.

____________

(1) في الأصل: أربع.

(2) في الأصل: أربع و ثلاثون.

295

و منها: نصّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالإمامة عليه فيما روي من حديث اللّوح الّذي رواه جابر بن عبد اللّه الأنصاري عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و رواه محمّد بن علي الباقر عن أبيه، عن جدّه، عن فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و نصّ جدّه أمير المؤمنين (عليه السلام) في حياة أبيه الحسين (عليه السلام) بما ضمن ذلك من الأخبار، و وصيّة أبيه الحسين (عليه السلام) إليه، و إيداعه أمّ سلمة ما قبضه علي من بعده، و قد كان جعل التماسه من أمّ سلمة علامة على إمامة الطالب له من الأنام، و هذا باب يعرفه من تصفّح الأخبار، و لم نقصد في هذا الكتاب إلى القول في معناه، فنستقصيه على التّمام.

في ذكر طرف من أخبار عليّ بن الحسين (عليه السلام)

: روى أبو معمّر عن عبد العزيز بن أبي حازم قال: سمعت أبي يقول:

ما رأيت هاشميّا أفضل من عليّ بن الحسين (عليهما السلام)

. أخبرني أبو محمّد الحسن بن محمّد بن يحيى قال: حدّثني جدّي، قال: حدّثني أبو محمّد الأنصاري، قال: حدّثني محمّد بن ميمون البزّاز، قال: حدّثنا الحسن بن علوان، عن أبي عليّ بن زياد بن رستم، عن سعيد ابن كلثوم، قال:

كنت عند الصّادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فذكر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فأطراه و مدحه بما هو أهله ثمّ قال: «و الله ما أكل عليّ بن ابى طالب (عليه السلام) من الدّنيا حراما قطّ حتّى مضى لسبيله، و ما عرض له أمران قطّ هما للّه رضا إلّا أخذ بأشدّهما عليه في دينه، و ما نزلت برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نازلة قطّ إلّا دعاه ثقة به، و ما أطاق عمل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من هذه الأمّة غيره، و إن كان ليعمل عمل رجل كان وجهه بين الجنّة و النّار، يرجو ثواب هذه، و يخاف عقاب هذه، و لقد أعتق من ماله ألف مملوك في طلب وجه اللّه و النّجاة من النّار ممّا كدّ بيديه و رشح منه جبينه، و كان يقوّت أهله بالزّيت و الخلّ و العجوة، و ما كان لباسه إلّا الكرابيس إذا فضل شي‏ء عن يده من كمه دعا بالجلم فقصّه، و ما أشبهه من ولده و لا أهل بيته أحد أقرب شبها به في لباسه و فقهه من عليّ بن الحسين (عليهما السلام) و لقد دخل ابنه أبو جعفر فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد فرآه قد اصفرّ لونه من‏

296

السّهر، و رمصت عيناه من البكاء، و دبرت جبهته‏

(1)

، و انخرم أنفه من السّجود، و ورمت ساقاه و قدماه من القيام في الصلاة»، قال أبو جعفر (عليه السلام):

«فلم أملك حين رأيته بتلك الحال البكاء

(2)

فبكيت رحمة عليه، و إذا هو يفكّر، فألتفت عليّ بعد هنيئة من دخولي فقال: يا بنيّ أعطني بعض تلك الصّحف الّتي فيها عبادة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فأعطيته، فقرأ فيها شيئا يسيرا، ثمّ تركها من يديه تضجّرا و قال: من يقوى على عبادة عليّ (عليه السلام)»

. أخبرني أبو محمّد الحسن بن محمّد، عن جدّه، عن عمّار بن أبان، عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة بن أعين، قال:

سمع سائل في جوف اللّيل و هو يقول: أين الزّاهدون في الدّنيا، الرّاغبون في الآخرة، فهتف به هاتف من ناحية البقيع يسمع صوته و لا يرى شخصه، ذلك عليّ بن الحسين (عليهما السلام).

في ذكر ولد عليّ بن الحسين (عليه السلام)

:

ولد عليّ بن الحسين (عليهما السلام) خمسة عشر ولدا: محمّد المكنّى بأبي جعفر الباقر (عليه السلام) أمّه أمّ عبد اللّه بنت الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، و عبد اللّه، و الحسن، و الحسين، أمّهم أمّ ولد، و زيد، و عمر لأمّ ولد، و الحسين الأصغر، و عبدالرّحمن، و سليمان لأمّ ولد، و عليّ و كان أصغر ولد على بن الحسين (عليه السلام) و خديجة أمّهما أمّ ولد، و محمّد الأصغر أمّه أمّ ولد، و فاطمة، و عليّة، و أمّ كلثوم أمّهنّ أمّ ولد.

____________

(1) أي قرحت.

(2) كذا في الأصل.

297

الباب السابع: في ذكر الإمام بعد عليّ بن الحسين (عليهما السلام)، و تاريخ مولده، و دلائل إمامته، و مبلغ سنّه، و مدّة خلافته، و وقت وفاته، و سببها، و موضع قبره، و عدد أولاده، و مختصر من أخباره‏

كان الباقر محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) من بين أخوته خليفة أبيه عليّ بن الحسين و وصيّه، و القائم بالإمامة من بعده، و برز على جماعتهم بالفضل في العلم و الزّهد و السّؤدد، و كان أنبههم ذكرا و أجلّهم في العامّة و الخاصّة، و أعظمهم قدرا، و لم يظهر عن أحد من ولد الحسن و الحسين (عليهما السلام) من علم الدّين و الآثار و السّنّة، و علم القرآن و السّيرة، و فنون الآداب، ما ظهر عن أبي جعفر (عليه السلام).

و روى عنه معالم الدّين بقايا الصّحابة، و وجوه التّابعين، و رؤساء فقهاء المسلمين، و صار بالفضل علما لأهله تضرب به الأمثال، و تسير بوصفه الآثار و الأشعار و فيه يقول القرضي:

يا باقر العلم لأهل التّقى‏-- و خير من لبّى على الأجبل‏

و قال مالك بن أعين الجهني يمدحه (عليه السلام)

إذا طلب النّاس علم القرآن‏-- كانت قريش عليه عيالا

و إن قيل أين ابن بنت النّبيّ‏-- نلت بذاك فروعا طوالا

نجوم تهلّل للمدلجين‏-- جبال تورث علما حبالا

298

ولادته (عليه السلام)

:

و ولد (عليه السلام) بالمدينة سنة سبع و خمسين من الهجرة.

وفاته (عليه السلام)

:

و قبض بها سنة أربع عشرة و مائة، و كانت سنّه يومئذ سبعا و خمسين‏

(1)

سنة، و هو هاشميّ من هاشميّين، علويّ من علويّين، و دفن بالبقيع من مدينة الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

. في إمامته (عليه السلام)

: و روى ميمون القدّاح، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه قال:

«دخلت على جابر بن عبد اللّه (رحمه اللّه)، فسلّمت عليه فردّ عليّ السّلام، ثمّ قال لي: من أنت؟ و ذلك بعد ما كفّ بصره فقلت: محمّد بن عليّ بن الحسين (عليهم السلام)، فقال: يا بنيّ أدن منّي، فدنوت منه، فقبّل يدي ثمّ أهوى إلى رجلي فقبّلها، فتنحّيت عنه، ثمّ قال لي، إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقرئك السّلام، فقلت: على رسول اللّه السّلام و رحمة اللّه و بركاته، و كيف ذلك يا جابر؟

فقال: كنت معه ذات يوم فقال لي: يا جابر لعلّك تبقى حتّى تلقى رجلا من ولدي يقال له: محمّد بن عليّ بن الحسين (عليهم السلام) يهب اللّه له النّور و الحكمة، فأقرئه منّي السّلام‏

. و كان في وصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى ولده ذكر محمّد بن عليّ بن الحسين و الوصاية به، و سمّاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عرّفه بباقر العلوم على ما رواه أصحاب الآثار.

و روت الشّيعة في خبر اللّوح الّذي هبط به جبرائيل (عليه السلام) على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من الجنّة فأعطاه فاطمة (عليها السلام) و فيه أسماء الأئمّة (عليهم السلام) من بعده، و كان فيه محمّد بن عليّ الإمام بعد أبيه.

____________

(1) في الأصل: سبع و خمسون.

299

و روت أيضا أنّ اللّه عزّ و جلّ أنزل إلى نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كتابا مختوما باثني عشر خاتما، و أمره أن يدفعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، و يأمره أن يفضّ أوّل خاتم فيه، و يعمل بما تحته، ثمّ يدفعه عند حضور وفاته إلى ابنه الحسن (عليه السلام) و يأمره أن يفضّ الخاتم الثّاني و يعمل بما تحته، ثمّ يدفعه عند وفاته إلى أخيه الحسين (عليه السلام) و يأمره أن يفضّ الخاتم الثّالث و يعمل بما تحته، ثمّ يدفعه الحسين (عليه السلام) عند وفاته إلى ابنه عليّ بن الحسين الأكبر و يأمره بمثل ذلك، ثم يدفعه علي بن الحسين (عليه السلام) عند وفاته إلى ابنه محمد بن علي الأكبر و يأمره بمثل ذلك، ثم يدفعه محمّد بن علي إلى ولده جعفر حتّى ينتهي إلى آخر الأئمّة.

و رووا أيضا نصوصا كثيرة عليه بالإمامة بعد أبيه عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و عن أمير المؤمنين، و عن الحسن و الحسين و عليّ بن الحسين (عليهم السلام)، و قد روى النّاس من فضائله و مناقبه ما يكثر به الخطب إن أثبتناه، و فيما نذكره منه كفاية فيما نقصده في معناه إن شاء اللّه و كانت مدّة إمامته و قيامه بعد أبيه في خلافة اللّه تعالى على العباد تسعة عشر سنة.

في ذكر طرف من أخبار أبي جعفر (عليه السلام)

: أخبرني الشّريف أبو محمّد الحسن بن محمّد، عن جدّه قال: حدّثنا محمّد بن القاسم الشّيباني، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن صالح الأزدي، عن أبي مالك الجهني، عن عبد اللّه بن عطاء المكّي، قال:

ما رأيت العلماء عند أحد قطّ أصغر منهم عند أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين (عليهم السلام)، و لقد رأيت الحكم بن عيينة مع جلالته في قومه بين يديه كالصّبيّ بين يدي معلّمه‏

.

و كان جابر بن يزيد الجعفي إذا روى عن محمّد بن عليّ (عليهما السلام) شيئا قال: حدّثني وصيّ الأوصياء، و وارث علوم الأنبياء محمّد بن عليّ بن الحسين (عليهم السلام)

، و الأخبار عنه أكثر من أن تحصى.

300

في ذكر ولد الإمام أبي جعفر (عليه السلام) و عددهم و أسمائهم‏

:

و ولد أبي جعفر (عليه السلام) ثمانية نفر: أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليه السلام) و كان به يكنّى، و عبد اللّه بن محمّد (عليه السلام) أمّهما أمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر، و إبراهيم، و عبيد اللّه درجا

(1)

أمّهم أمّ حكيم بنت أسيد ابن المغيرة الثّقفيّة، و عليّ و زينب لأمّ ولد، و أمّ سلمة لأمّ ولد، و لم يعتقد في أحد من ولد أبي جعفر (عليه السلام) الإمامة إلّا في أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهما السلام) خاصّة، و كان أخوه عبد اللّه يشار إليه بالفضل و الصّلاح.

____________

(1) أي ماتا صغيران.

301

الباب الثامن: في ذكر الإمام القائم بعد أبي جعفر (عليه السلام) و تاريخ مولده، و دلائل‏ (1) إمامته، و مبلغ سنّه، و مدّة خلافته، و وقت وفاته، و سببها، و موضع قبره، و عدد أولاده، و أسمائهم و مختصر من أخباره‏

و كان الصّادق جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين (عليهم السلام) من بين أخوته خليفة أبيه و وصيّه، و القائم بالإمامة من بعده، و برّز على جماعتهم بالفضل، و كان أنبههم ذكرا، و أعظمهم قدرا، و أجلّهم في الخاصّة و العامّة.

و نقل النّاس عنه من العلوم ما سارت به الرّكبان، و انتشر ذكره في البلدان، و لم ينقل عن أحد من أهل بيته العلماء ما نقل عنه، و لا لقي أحد منهم من أهل الآثار و نقلة الأخبار، و لا نقلوا عنهم كما نقلوا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) فإنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرّواة عنه من الثّقات على اختلافهم في الآراء و المقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل.

و كان له (عليه السلام) من الدّلائل‏ (2) الواضحة في إمامته ما بهرت القلوب و أخرست المخالف عن الطّعن فيها بالشّبهات.

____________

(1) في الأصل: و دلايل.

(2) في الأصل: الدلايل.

302

ولادته (عليه السلام)

:

و كان مولده (عليه السلام) بالمدينة سنة ثلاث و ثمانين.

وفاته (عليه السلام)

:

و مضى في شوّال من سنة ثمان و أربعين و مائة، و له يومئذ خمس و ستّون سنة، و دفن بالبقيع مع أبيه و جدّه و عمّه الحسن (عليهم السلام)

. أمّه (عليه السلام)

: و أمّه أمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر.

إمامته (عليه السلام)

: و كانت إمامته (عليه السلام) أربعا و ثلاثين سنة و وصّى إليه أبوه أبو جعفر (عليه السلام) وصيّة ظاهرة و نصّ عليه بالإمامة نصّا جليّا.

و روى ابان بن عثمان عن أبي الصّباح الكناني قال:

نظر أبو جعفر (عليه السلام) إلى ابنه أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: «ألا ترى هذا من الّذين قال اللّه عزّ و جلّ:

وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ‏ (1)

.

و روى هشام بن سالم، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال:

سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: «هذا و اللّه قائم آل محمّد».

و روى عليّ بن الحكم، عن طاهر صاحب أبي جعفر (عليه السلام) قال:

كنت عنده، فأقبل جعفر (عليه السلام) فقال أبو جعفر (عليه السلام): «هذا

خَيْرُ الْبَرِيَّةِ

»

. و قد جاءت الرّواية الّتي قدّمنا ذكرها في خبر اللّوح بالنّصّ عليه من اللّه تعالى بالإمامة، ثمّ الّذي قدّمنا من دلائل‏ (2) العقول على أنّ الإمام لا

____________

(1) سورة القصص، الآية: 5.

(2) في الأصل: دلايل.

303

يكون إلّا الأفضل، يدلّ على إمامته (عليه السلام) لظهور فضله في العلم و الزّهد و العمل على كافّة أخوته و بني عمّه و سائر (1) النّاس من أهل عصره، ثمّ الّذي يدلّ على فساد إمامة من ليس بمعصوم كعصمة الأنبياء، و ليس بكامل في العلم و ظهور تعرّي من سواه ممّن ادّعى له الإمامة في وقته عن العصمة، و قصورهم عن الكمال في الدّين يدلّ على إمامته (عليه السلام)، إذ لا بدّ من إمام معصوم في كلّ زمان حسب ما قدّمناه و وصفناه.

و قد روى النّاس من آيات اللّه الظّاهرة على يديه (عليه السلام) ما يدلّ على إمامته و حقّه، و بطلان مقال من ادّعى الإمامة لغيره.

في ذكر طرف من أخبار أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصّادق (عليه السلام)

: روى أبو بصير قال:

دخلت المدينة و كانت معي جويرية لي فأصبت منها، ثمّ خرجت إلى الحمّام فلقيت أصحابنا الشّيعة و هم متوجّهون إلى جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، فخفت أن يسبقوني و يفوتني الدّخول إليه، فمشيت معهم حتّى دخلت الدّار، فلمّا مثلت بين يدي أبي عبد اللّه (عليه السلام) نظر إليّ ثمّ قال: «يا أبا بصير أما علمت أنّ بيوت الأنبياء و أولاد الأنبياء لا يدخلها الجنب» فاستحييت و قلت له: يا بن رسول اللّه إنّي لقيت أصحابنا فخشيت أن يفوتني الدّخول معهم، و لا أعود إلى مثلها و خرجت‏

. و جاءت الرّواية عنه مستفيضة بمثل ما ذكرناه من الآيات و الأخبار بالغيوب ممّا يطول تعداده.

في ذكر ولد أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليه السلام) و عددهم و أسمائهم و طرف من أخبارهم‏

:

و كان لأبي عبد اللّه (عليه السلام) عشرة أولاد: إسماعيل، و عبد اللّه، و أمّ‏

____________

(1) في الأصل: ساير.

304

فروة، أمّهم فاطمة بنت الحسين بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، و موسى (عليه السلام)، و إسحاق، و محمّد لأمّ ولد، و العبّاس، و عليّ، و أسماء، و فاطمة لأمّهات شتّى.

و كان إسماعيل أكبر الأخوة، و كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) شديد المحبّة له و البرّ به و الاشفاق عليه، و كان قوم من الشّيعة يظنّون أنّه القائم بعد أبيه و الخليفة له من بعده، إذ كان أكبر أخوته سنّا، و لميل أبيه و إكرامه له فمات في حياة أبيه بالعريض، و حمل على رقاب الرّجال إلى أبيه: بالمدينة حتّى دفن بالبقيع.

و روي أنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) جزع عليه جزعا شديدا، و حزن عليه حزنا عظيما، و تقدّم سريره بغير حذاء و لا رداء، و أمر بوضع سريره على الأرض قبل دفنه مرارا كثيرة، و كان يكشف عن وجهه و ينظر إليه، و يريد بذلك تحقيق وفاته عند الظّانّين خلافته له من بعده، و إزالة الشّبهة عنه في حياته.

و لمّا مات إسماعيل (رحمه اللّه) انصرف عن القول بإمامته بعد أبيه من كان يظنّ ذلك فيعتقده من أصحاب أبيه، و أقام على إمامته شرذمة لم تكن من خاصّة أبيه (عليه السلام) و لا من الرّواة عنه، بل كانوا من الأباعد و الأطراف.

فلمّا مات الصّادق (عليه السلام) انتقل فريق منهم إلى القول بإمامة موسى بن جعفر (عليه السلام) بعد أبيه (عليه السلام)، و افترق الباقون فريقين، فريق منهم رجعوا عن حياة إسماعيل و قالوا بإمامة ابنه محمد بن إسماعيل لظنّهم أنّ الإمامة كانت في أبيه، و أنّ الابن أحقّ بمقام الإمامة من الأخ؛ و فريق ثبتوا على حياة إسماعيل، و هم اليوم شذاذ لا يعرف منهم أحد يومى إليه، و هذان الفريقان يسمّيان الاسماعيلية؛ و المعروف الآن منهم من يزعم أنّ الإمامة بعد إسماعيل في ولده و ولد ولده إلى آخر الزّمان‏

.

305

الباب التاسع: في ذكر الإمام القائم بعد أبي عبد اللّه (عليه السلام) من ولده، و تاريخ مولده، و دلائل إمامته، و مبلغ سنّه، و مدّة خلافته، و وقت وفاته، و سببها، و موضع قبره، و عدد أولاده، و مختصر من أخباره‏

و كان الإمام بعد أبي عبد اللّه (عليه السلام) ابنه أبا الحسن موسى بن جعفر العبد الصّالح (عليه السلام) لاجتماع خلال الفضل فيه، و لنصّ أبيه بالإمامة عليه و إشارته بها إليه.

ولادته (عليه السلام)

:

و كان مولده (عليه السلام) بالابواء سنة ثمان و عشرين و مائة.

وفاته (عليه السلام)

:

و قبض ببغداد في حبس السّندي بن شاهك، لست خلون من رجب سنة ثلاث و ثمانين و مائة، و له يومئذ خمس و خمسون سنة.

أمّه (عليه السلام)

:

و أمّه أمّ ولد يقال لها: حميدة البربريّة، و كانت مدّة خلافته و مقامه في الإمامة بعد أبيه (عليه السلام) خمسا و ثلاثين سنة.

306

كنيته‏

:

و كان يكنّى أبا إبراهيم، و أبا الحسن و أبا عليّ، و يعرف بالعبد الصّالح، و ينعت أيضا بالكاظم‏

. في النّصّ عليه بالإمامة من أبيه (عليه السلام)

: فممّن روى صريح النّصّ بالإمامة من أبي عبد اللّه (عليه السلام) على ابنه أبي الحسن موسى (عليه السلام) من شيوخ أصحاب أبي عبد اللّه و خاصّته و بطانته و ثقاته الفقهاء الصّالحين (رحمة اللّه عليهم): المفضّل بن عمر الجعفي، و معاذ بن كثير، و عبد الرّحمن بن الحجّاج، و الفيض بن المختار، و غيرهم ممّن يطول بذكره الكتاب،

فروى موسى الصّيقل عن المفضّل بن عمر (رحمه اللّه) قال:

كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فدخل أبو إبراهيم موسى (عليه السلام) و هو غلام، فقال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): «استوص به و ضع أمره عند من تثق به من أصحابك».

و روى ثبيت‏ (1)، عن معاذ بن كثير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

قلت: أسأل اللّه الّذي رزق أباك منك هذه المنزلة أن يرزقك من عقبك قبل الممات مثلها، فقال: «قد فعل اللّه ذلك» قلت: من هو جعلت فداك؟ فأشار إلى العبد الصّالح و هو راقد، فقال: «هذا الرّاقد» و هو يومئذ غلام.

و روى أبو عليّ الأرجائي، عن عبد الرّحمن بن الحجّاج، قال:

دخلت على جعفر بن محمّد (عليهما السلام) في منزله، فإذا هو في بيت كذا من داره في مسجد له، و هو يدعو و على يمينه موسى بن جعفر (عليهما السلام) يؤمّن على دعائه، فقلت له: جعلني اللّه فداك، قد عرفت انقطاعي إليك و خدمتي لك، فمن وليّ الأمر بعدك؟ قال (عليه السلام): «يا عبد الرّحمن إنّ موسى قد لبس الدّرع و استوت عليه» فقلت له: لا أحتاج بعدها إلى شي‏ء.

____________

(1) في نسخة أخرى: شبيت.

307

و روى عبد الأعلى عن الفيض بن المختار قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): خذ بيدي من النّار من لنا بعدك؟ قال: فدخل أبو إبراهيم و هو يومئذ غلام فقال: «هذا صاحبكم فتمسّك به»

و الأدلّة في ذلك أكثر من أن تحصى.

في ذكر طرف من دلائل‏ (1) أبي الحسن موسى (عليه السلام) و آبائه و علاماته، و معجزاته‏

: أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه، عن محمّد بن يعقوب الكليني، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أبي يحيى الواسطي، عن هشام بن سالم، قال:

كنّا بالمدينة بعد وفاة أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنا و محمّد بن النّعمان صاحب الطّاق و النّاس مجتمعون على عبد اللّه بن جعفر أنّه صاحب الأمر بعد أبيه، فدخلنا عليه و النّاس مجتمعون عنده فسألناه عن الزكاة في كم تجب، فقال: في مائتي درهم، خمسة دراهم، فقلنا له: في مائة درهم؟ فقال: درهمان و نصف، قلنا: و اللّه لا تقول المرجئة هذا، فقال: و اللّه ما أدري ما تقول المرجئة؟ قال: فخرجنا ضلّالا لا ندري إلى أين نتوجّه أنا و أبو جعفر الأحول، فقعدنا في بعض أزقّة المدينة باكيين لا ندري أين نتوجّه و إلى من نقصد، نقول: إلى المرجئة؟ أم إلى الزّيديّة؟ أم إلى المعتزلة؟ أم إلى القدريّة؟ فنحن كذلك إذ رأيت رجلا شيخا لا أعرفه يومي إليّ بيده، فخفت أن يكون عينا من عيون أبي جعفر المنصور، و ذلك أنّه كان له بالمدينة جواسيس على من يجتمع النّاس عنده بعد جعفر، فيؤخذ فيضرب عنقه، فخفت أن يكون منهم، فقلت للأحول: تنحّ فإنّي خائف على نفسي و عليك، و إنّما يريدوني و لا يريدوك، فتنحّ عنّي لا تهلك فتعين على نفسك، فتنحّي عنّي بعيدا، و تبعت الشّيخ و ذلك أنّي ظننت أنّي لا أقدر على التّخلّص منه، فما زلت أتّبعه و قد عزمت على الموت حتّى ورد بي على باب أبي الحسن موسى (عليه السلام) ثمّ خلّاني‏

____________

(1) في الأصل: دلايل.

308

و مضى، فإذا خادم بالباب فقال لي: ادخل رحمك اللّه، فدخلت فإذا أبو الحسن (عليه السلام) فقال لي، ابتداء منه: «إليّ إليّ لا إلى المرجئة، و لا إلى القدريّة، و لا إلى الزّيديّة، و لا إلى المعتزلة، و لا إلى الخوارج» قال:

قلت: جعلت فداك مضى أبوك؟ قال: «نعم» قال‏

(1)

: مضى موتا؟ قال:

«نعم» قلت: فمن لنا من بعده؟ قال: «إن شاء اللّه أن يهديك هداك» قلت:

جعلت فداك إنّ عبد اللّه أخاك يزعم أنّه الإمام من بعد أبيه، فقال: «عبد اللّه يريد أن لا يعبد اللّه» قال: قلت: جعلت فداك فمن لنا بعده؟ فقال:

«إن شاء اللّه أن يهديك هداك» قلت: جعلت فداك فأنت هو؟ قال: «لا أقول ذلك» فقلت في نفسي لم أحسب طريق المسألة ثمّ قلت له: جعلت فداك عليك إمام؟ قال: «لا» قال: فدخلني شي‏ء لا يعلمه إلّا اللّه إعظاما له و هيبة، ثمّ قلت له: جعلت فداك أسألك كما كنت أسأل أباك، قال: «سل تخبر، لا تذع‏

(2)

فإن أذعت فهو الذّبح» قال: فسألته فإذا هو بحر لا ينزف، قلت: جعلت فداك شيعة أبيك ضلّال فألقي إليهم هذا الأمر و أدعوهم إليك، فقد أخذت عليّ الكتمان، قال: «من آنست منهم رشدا فالق إليه و خذ عليه الكتمان، فإذا أذاع فهو الذّبح» و أشار بيده إلى حلقه، قال:

فخرجت من عنده، فلقيت أبا جعفر الأحول، فقال لي: ما وراءك؟ قلت:

الهدى، و حدثته بالقصّة، قال: ثمّ لقينا زرارة و أبا بصير، فدخلا عليه و سمعا كلامه و سألاه و قطعا عليه، ثمّ لقينا النّاس أفواجا فكلّ من دخل عليه قطع عليه إلّا طائفة، منهم عمّار السّاباطي، و بقي عبد اللّه لا يدخل إليه من النّاس إلّا القليل‏

. في ذكر السّبب في وفاة أبي الحسن موسى (عليه السلام)

: و كان السّبب في قبض الرّشيد حبسه و قتله،

ما ذكره أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، عن عليّ بن محمّد النّوفلي، عن أبيه و أحمد بن محمّد بن سعيد و أبو محمّد الحسن بن محمّد بن يحيى، عن مشايخهم، قالوا:

كان‏

____________

(1) كذا في الأصل، و هي تصحيف: قلت.

(2) الإذاعة: الإفشاء.

309

السّبب في أخذ موسى بن جعفر (عليهما السلام) أنّ الرّشيد جعل ابنه في حجر جعفر ابن محمّد بن الأشعث، فحسده يحيى بن خالد عن ذلك و قال: إن أفضت إليه الخلافة زالت دولتي و دولة ولدي، فاحتال على جعفر بن محمّد و كان يقول بالإمامة حتّى داخله و أنس إليه، و كان يكثر غشيانه في منزله، فيقف على أمره و يرفعه إلى الرّشيد، و يزيد عليه في ذلك بما يقدح في قلبه، ثمّ قال يوما لبعض ثقاته أتعرفون لي رجلا من آل أبي طالب ليس بواسع الحال فيعرّفني ما أحتاج إليه، فدلّ على عليّ بن إسماعيل بن جعفر بن محمّد فحمل إليه يحيى بن خالد مالا، و كان موسى (عليه السلام) يأنس بعلى بن إسماعيل بن محمد. و يصله و يبرّه، ثمّ أنفذ إليه يحيى بن خالد يرغّبه في قصد الرّشيد و يعده بالإحسان إليه، فعمل على ذلك، و أحسّ به موسى (عليه السلام) فدعاه، فقال له: «إلى أين يابن أخي؟» قال: إلى بغداد، قال: «و ما تصنع؟» قال: عليّ دين و أنا مملق‏

(1)

فقال له موسى (عليه السلام): «فأنا أقضي دينك، و أفعل بك و أصنع» فلم يلتفت إلى ذلك، و عمل على الخروج، فاستدعاه أبو الحسن (عليه السلام) و قال له: «أنت خارج؟» قال: نعم لا بدّ لي من ذلك، فقال له: «انظر يابن أخي و اتّق اللّه و لا تؤتم أولادي» و أمر له بثلاثمائة دينار و أربعة آلاف درهم، فلمّا قام بين يديه قال أبو الحسن موسى (عليه السلام) لمن حضره: «و اللّه ليسعيّن في دمي و ليؤتمنّ أولادي» فقالوا له:

جعلنا اللّه فداك فأنت تعلم هذا من حاله و تعطيه و تصله، قال لهم: «نعم حدّثني أبي، عن آبائه، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إنّ الرّحم إذا قطعت فوصلت فقطعت قطعها اللّه، و إنّي أردت أن أصله بعد قطعه لي، حتّى إذا قطعني قطعه اللّه».

قالوا: فخرج عليّ بن إسماعيل حتّى أتى يحيى بن خالد، فتعرّف منه خبر موسى بن جعفر (عليهما السلام)، فرفعه إلى الرّشيد، و زاد فيه، ثمّ أوصله إلى الرّشيد، فسأله عن عمّه، فسعى به إليه و قال له: إنّ الأموال تحمل إليه من المشرق و المغرب، و إنّه اشترى ضيعة سمّاها اليسير بثلاثين ألف دينار، فقال له صاحبها و قد أحضره المال: لا آخذ هذا النّقد و لا آخذ

____________

(1) الإملاق: الفقر و الفاقة.

310

إلّا نقد كذا و كذا، فأمر بذلك المال فردّ و أعطاه ثلاثين ألف دينار من النّقد الّذي سأل بعينه، فسمع ذلك منه الرّشيد و أمر له بمائتي ألف درهم يسبّب بها على بعض النواحي، فاختار بعضى كور المشرق، و مضت رسله لقبض المال، و أقام وصوله فدخل في بعض تلك الأيّام إلى الخلاء، فزحر زحرة خرجت منها حشوته كلّها، فسقط و جهدوا في ردّها فلم يقدروا، فرفع لما به، و جاءه المال و هو ينزع، فقال: ما أصنع به و أنا في الموت.

و خرج الرّشيد في تلك السنة إلى الحجّ و بدأ بالمدينة، فقبض فيها على أبي الحسن موسى (عليه السلام) و يقال: إنّه لمّا ورد المدينة استقبله موسى (عليه السلام) في جماعة من الاشراف و انصرفوا من استقباله، فمضى أبو الحسن (عليه السلام) إلى المسجد على رسمه، فقام الرّشيد إلى اللّيل، فصار إلى قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: يا رسول اللّه إنّي أعتذر إليك من شي‏ء أريد أن أفعله، أريد أن أحبس موسى بن جعفر، فإنّه يريد التّشتيت بين أمّتك و سفك دمائها، ثمّ أمر به فأخذ من المسجد فأدخل عليه، فقيّده و استدعى قبّتين، فجعله في إحداهما على بغل، و جعل القبّة الأخرى على بغل آخر، و خرج البغلان من داره عليهما القبّتان مستورتان، و مع كلّ واحد منهما خيل، فافترقت الخيل، فمضى بعضها مع إحدى القبّتين على طريق البصرة، و الأخرى على طريق الكوفة، و كان أبو الحسن (عليه السلام) في القبّة الّتي مضى بها على طريق البصرة، و إنّما فعل ذلك الرّشيد ليعمي النّاس الأمر في باب أبي الحسن (عليه السلام) و أمر القوم الّذين كانوا مع قبّة أبي الحسن (عليه السلام) أن يسلّموه إلى عيسى بن جعفر بن المنصور، و كان على البصرة حينئذ، فسلّم إليه فحبسه عنده سنة، و كتب إليه الرّشيد في دمه، فاستدعى عيسى بن جعفر بعض خاصّته و ثقاته، فاستشارهم فيما كتب إليه الرّشيد في دمه فأشاروا إليه بالتّوقّف عن ذلك و الاستعفاء منه، فكتب عيسى بن جعفر إلى الرّشيد يقول له: لقد طال أمر موسى بن جعفر و مقامه في حبسي و قد اختبرت حاله و وضعت عليه العيون طول هذه المدّة، فما وجدته يفتر عن العبادة، و وضعت من يسمع منه ما يقول في دعائه، فما دعى عليك و لا عليّ و لا ذكرنا بسوء، و ما يدعو لنفسه إلّا بالمغفرة و الرّحمة، فإن أنت أنفذت إليّ من يتسلّمه منّي و إلّا خلّيت سبيله‏