خزانة التواريخ النجدية - ج2

- عبد الله بن عبد الرحمان آل بسام المزيد...
306 /
107

الخراش في الحليلة فطعنوه طعونا كثيرة، و تركوه و به رمق و قد ظنوا أنه مات في أريحة أهله، و عافاه اللّه تعالى.

ثم إنهم تصالحوا سنة 1242 ه و أعطى عتيبة جميع ما عليهم لهم، و تكافلوا و خمدت الفتنة، و للّه الحمد. و كتب أهل أشيقر عليهم وثائق بخط الشيخ محمد بن عبد اللّه بن مانع بن محمد بن عبد اللطيف و بخط أخيه عبد العزيز بن عبد اللطيف، و كفل لأهل أشيقر مروت بن عضيب، و كفل عتيبة ابن فدغم ابن عويد، و أخوه هدهود، و عبد اللّه بن مقبل الدعجاني، و فلج أخو فلاج العطشان و حطوا أهل أشيقر في البلاد، و طار فتهم من بعيد و من قريب. و فيها قدم مشاري بن عبد الرحمن مشاري بن سعود بلد الرياض هاربا من مصر، فأكرمه خاله الإمام تركي و جعله أميرا في منفوحة. و فيها قدم الشيخ عبد الرحمن بن حسن بلد الرياض من مصر، فأكرمه الإمام تركي غاية الأكرام. و فيها حفرت القليب المعروفة خارج بلد شقراء من شرق، و غرست حفرها و غرسها محمد الجمج هو و عبد العزيز بن إبراهيم بن محمد البواردي.

و في سنة 1240 ه:

حاصر تركي بن عبد اللّه بن محمد بن سعود العسكر الذين في قصر الرياض، و رئيسهم إذ ذاك أبو علي المغربي، و أخرجهم على دمائهم و سلاحهم، فساروا إلى ثرمدا. و منها إلى المدينة، و استولى تركي على الرياض. و في هذه السنة حصل منافسة بين يحيى السليم و أتباعه، و بين أهل الخزيرة و العقيلية، و حصل بينهم قتال قتل فيها أربعة رجال من الفريقين، و جرح عشرة رجال فركبوا أهل الرس و أهل بريدة، و قدموا بلدة عنيزة و أصلحوا بينهم. و في هذه السنة سار تركي بن عبد اللّه إلى الخرج، و حاصر زقم بن زامل العايذي في الدلم، و أخرجه هو

108

و من معه من عشيرته و أتباعهم و أخذ جميع أموالهم. و سار تركي بزقم معه إلى الرياض، و بعث سرية إلى السلمية فحاصروا رئيسها مشغي بن براك في قصره، ثم أخرجوه بالأمان هو و من معه في القصر على دمائهم و أموالهم، و قدم على تركي كليب البجادي العايذي رئيس اليمامة من بلدان الخرج، و بايعه على السمع و الطاعة. و في هذه السنة قدم يحيى بن سليمان بن زامل رئيس عنيزة على الإمام تركي و بايعه على السمع و الطاعة.

و في سنة 1241 ه:

قدم مشاري بن سعود بلد الرياض هاربا من مصر، فأكرمه خاله الإمام تركي و جعله أميرا في منفوحة.

و فيها قدم الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب بلد الرياض من مصر، فأكرمه الإمام تركي بن عبد اللّه غاية الإكرام. و فيها توفي الشيخ عبد اللّه بن سليمان بن محمد بن عبد الرحمن بن عبيد قاضي سدير في أول ولاية تركي، و كان قبله قاضيا في جبل شمر عند عبد اللّه بن علي بن رشيد رئيس جبل شمر زمن الإمام سعود بن عبد العزيز، و كانت وفاته في بلد جلاجل (رحمه اللّه تعالى). و فيها توفي أمير عسير سعد بن مسلّط- بضم الميم و فتح السين المهملة و بتشديد اللام المفتوحة و آخره طاء مهملة- و صار أميرا بعده على بن مخيل.

و في سنة 1242 ه:

صار القحط و الغلاء في جميع البلدان حتى وصل البر خمسة آصع بالريال و التمر، عشر وزنات بالتمر.

و فيها في شعبان توفي في بلدة المجمعة الشيخ عثمان عبد الجبار بن الشيخ أحمد بن شبانة الوهيبي التميمي، كان من بيت علم في آبائه و أجداده، و أعمامه: فأبوه عبد الجبار عالم فقيه، أخذ العلم عن أبيه،

109

أحمد؛ و أبوه أحمد أخذ العلم عن الشيخ أحمد بن محمد الفقيه العالم المشهور في بلد أشيقر و غيره من علماء آل شبانة. و أخذه عن أحمد أيضا الشيخ العالم المعروف في بلد المجمعة عبد القادر العديلي. و من آل شبانة ابن أخي حمد عثمان بن شبانة. و منهم حمد بن عبد الجبار و أخو الشيخ عثمان، و هو عالم فقيه أخذ العلم عن صالح بن عبد اللّه أبي الخيل، العالم المعروف في القصيم، و منهم الشيخ قاضي بلد المجمعة زمن عبد العزيز بن محمد بن سعود العالم محمد بن عبد اللّه بن شبانة، أخذ العلم عن عدة أشياخ من أعمامه و حمد التويجري العالم المعروف بالمجمعة و عن غيره.

و أما الشيخ عثمان بن عبد الجبار فأخذ عن عدة أشياخ، فمن أشياخه ابن عمه حمد بن عثمان بن عبد اللّه المذكور، و حمد التويجري، و غيرهما في الأحساء و غيره. و أخذ أيضا عن الشيخ عبد المحسن بن علي بن عبد اللّه بن نشوان بن شارخ القاضي في الكويت و الزبير، و عن عبد الرحمن بن عيد الأحسائي في بلد الدرعية. و كان (رحمه اللّه) فقيها له دراية، و انتفع بعلمه عدد كثير منهم ابنه الشيخ عبد العزيز بن عثمان القاضي في منيخ، و الزلفي بعد أبيه في زمن تركي، و أول ولاية فيصل بن تركي، ثم استعمله فيصل قاضيا في جبل شمرا. ثم رجع و صار قاضيا في سدير و عبد الرحمن بن حمد الشمري قاضي سدير بعد الشيخ عبد اللّه أبا بطين في أول ولاية فيصل، ثم كان قاضيا في الزلفي. و عثمان بن علي بن عيسى قاضي الغاط و الزلفي، ثم كان قاضيا في سدير.

و كان الشيخ عثمان بن عبد الجبار بن الشيخ أحمد بن شبانة عالما فاضلا، و كان في غاية من العبادة و الورع و العفاف و استعمله عبد العزيز بن‏

110

محمد بن سعود قاضيا لعسير و رجال ألمع عند عبد الوهاب أبو نقطة مدة، ثم رجع ثم أرسله عبد العزيز أيضا قاضيا لعسير عند أهله و عشيرته، ثم أرسله سعود بن عبد العزيز قاضيا في عمان، و أقام مدة في رأس الخيمة يدرس العلم و معه ابنه حمد، ثم رجع. فلما توفي عمه محمد قاضي بلدان منيخ استعمله سعود بن عبد العزيز قاضيا مكان عمه في بلدان منيخ، و لم يزل قاضيا فيها إلى أن توفي في هذه السنة (رحمه اللّه تعالى).

و فيها ولي داود باشا عقيل بن محمد بن سعود بن محمد بن مانع آل شبيب على المنتفق، و حارب عميه حمود بن ثامر، و راشد بن ثامر حتى ظفر بهما ثم حبسهما و أرسلهما إلى بغداد، و مات حمود محبوسا في بغداد سنة 1246 ه، و استقل عقيل بولاية المنتفق.

و في سنة 1243 ه:

قدم فيصل بن تركي على أبيه في الرياض هاربا من مصر. و فيها عزل الإمام تركي محمد العلي بن عرفج عن إمارة بريدة، و جعل مكانه عبد العزيز المحمد العبد اللّه الحسن.

و فيها اشتد الغلاء حتى مات خلق كثير من جميع البلدان. و فيها نزل الغيث على جميع البلدان، و لكن العشب و الجوع على حاله مات منه خلق كثير. و فيها قتل ناصر بن راشد من أهل حريملاء من آل أبو رباع من عنزة رئيس بلد الزبير، قتله محمد بن فوزان الصميط، و الصماطي من آل حرمة من سبيع. و سبب ذلك أنه وقع بين سليمان بن عبد اللّه الصميط و هو من أهل حرمة و بين عبد اللّه بن مبارك بن راشد رئيس أهل حريملاء الذين في بلد الزبير كلام عند حفر بئر في بيت الصميط، فقام رجال من آل راشد على سليمان الصميط و قتلوه، فكمن محمد الصميط لناصر بن راشد في‏

111

بيت في النهار، فلما خرج ناصر من بيته يريد السوق اعترضه محمد الصميط فقتله، فظهر آل راشد و أتباعهم، و آل زهير و أتباعهم، و حصل محاولات بين الفريقين، ثم وقع بينهم الصلح و اجتمع للصلح العلماء و الرؤساء و المشايخ، و كتبوا بينهم وثيقة كتبها الشيخ محمد بن علي بن سلوم الفرضي هذا نصها:

الحمد للّه، أما بعد: فإن اللّه سبحانه و تعالى أوصى في محكم كتابه فقال و هو أصدق القائلين: وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ‏ [المائدة: 2]، و قال سبحانه و تعالى: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ‏ [البقرة: 179]. و إن اللّه سبحانه و تعالى لما قدر على سليمان الصميط، و قرب أجله قتله آل راشد في سادس ذي القعدة سنة ثلاث و أربعين و مائتين و ألف، فلما كان سادس من ذي الحجة قام ابن عم سليمن الصميط محمد بن فوزان الصميط فقتل ناصر بن ناصر من الراشد، فحصل بين الطائفتين الشقاق و التنافر و البغي على بعضهم، فلما تعاظم الأمر على الطائفتين، و ثار الرمي و سلت السيوف و تلقتها الوجوه، و كلّ حزب تبع حزبه جعل اللّه الرحمة و الرأفة في قلب فخر الأماجد الكرام متسلم البصرة عزير آغا دام مجده، فسعى بينهم بالصلح و نهى الطائفتين بعضهم عن بعض، و أمرهم بالاتفاق فأجابوه بالسمع و الطاعة، فحضر عبد الرحمن آل راشد و إبراهيم بن محمد آل الراشد، و فهد الدويرج آل راشيد، و حضر أحمد الضاحي، و جاسر الصميط الجميع في بيت الحاج عبد الرحمن آل راشد فبينوا أسباب الفتنة: أن سليمان الصميط قتل، و قتل ناصر آل راشد. و في أسباب هذه الفتنة: قتل بعدهم رجال و أصيب رجال، و مقصودنا دفن ما مضى و رضا الطرفين بالرجلين،

112

و إسقاط دعوى ما تسبب بأسبابهم من قتل و جروح بيننا، و لم يبق لأحد منا دعوى. ثم إن عبد الرحمن الراشد أعطى عنه و عن إخوانه و عن جميع آل راشد و إبراهيم بن محمد و فهد الدوبرج، الجميع أعطوا جاسر الصميط عهد اللّه، و أنه لم يبق دعوى على جاسر الصميط، لا إخوانه، و لا أقاربه من طرف قتل ناصر آل راشد، و لا على ما تسبب في هذه الفتنة من قتلى أو جروح، و كل ما تصدر دعوى فهي باطلة. و على هذا عهد اللّه و ميثاقه، و ما سبق ذلك فهو مدفون. ثم بعد ذلك الشيخ أحمد الضاحي جاسر الصميط، و عودة بن إبراهيم أعطوا الحاج عبد الرحمن آل راشد عهد اللّه و ميثاقه أنه لم يبق لنا على الحاج عبد الرحمن آل راشد، و لا على إخوانه، و لا أقاربه دعوى من طرف قتل سليمان الصميط، و لا على ما تسبب في هذه الفتنة في قتل أو جرح. و كل ما تصدر دعوى فهو باطل، و على هذا عهد اللّه و ميثاقه. و ما سبق ذلك فهو مدفون فكل من الطرفين قبل عهد صاحبه، و جعلوا اللّه بين الطرفين رضا و خصما و معينا على من يتعدى حدوده، و اللّه على ما يقولون وكيل.

ثم بعده إن الشيخ علي الزهير أعطى أنه أصيب في هذه الفتنة، أو القتل من طوار في و أتباعي، فلا على جاسر الصميط، و لا على إخوانه و لا على غيرهم دعوى في ذلك، و على هذا عهد اللّه و ميثاقه. ثم بعده أن الحاج جاسر الصميط أعطى أنه من أصيب أو القتل من هذه الفتنة من طوارفي و أتباعي فلا على الشيخ علي الزهير، و لا على غيره دعوى في ذلك، و على هذا عهد اللّه و ميثاقه. ثم إن الطائفتين التزموا فيما بينهم أنه من تجاسر منهم على قتل صاحبه فقبيلته تقود القاتل لأهل للقتول، و على هذا عهد اللّه و ميثاقه، فإن امتنع الباغي عن القود فجميع متشخصي أهل‏

113

بلدة الزبير مع عشائرها و رؤسائها و عامتها يقومون على الباغي نصرة للمبغي عليه، و اللّه على ما نقول شاهد و وكيل.

حرر في غرة افتتاح أربع و أربعين و مئتين و ألف.

شهد بذلك الشيخ سليمان بن موسى‏* * * شهد بذلك الشيخ محمد بن حمود

شهد بذلك الشيخ عبد اللّه بن جسار* * * شهد بذلك الشيخ عبد اللّه بن جميعان‏

شهد بذلك الشيخ عيسى‏* * * شهد بذلك محمد بن سلوم‏

شهد بذلك أحمد بن صعب‏* * * شهد بذلك الشيخ محمد بن حيدر

شهد بذلك الشيخ عثمان بن محلا* * * شهد بذلك الحاج عيسى الزهير

شهد بذلك الحاج سليمان الفداغ‏* * * شهد بذلك الحاج عبد الوهاب الزهير

شهد بذلك الحاج سلطان الفداغ‏* * * شهد بذلك حمد الربيعة الوطبان‏

شهد بذلك زيد الربيعة الوطبان‏* * * شهد بذلك محمد الفارس‏

شهد بذلك عبد المحسن آل عبد الكريم‏* * * شهد بذلك يوسف بن شايع‏

شهد بذلك أحمد بن مهنا العنيزي‏* * *

114

شهد بذلك عد الرزاق بن صبيح‏* * * شهد بذلك الحاج يوسف آل جويسر

شهد بذلك على حيدر* * *

و نقله من أصله إبراهيم بن صالح بن عيسى، و كل واحد من الشهود المذكورين قد وضح ختمة تحت اسمه في الورقة التي نقلت منها.

و فيها أخذ هادي بن مزيد رئيس عربان الكثير قافلة لأهل نجد، فلم يمهله اللّه بعدها، و قتل قبل انقضاء السنة.

و في سنة 1244 ه:

وقعة المعارة الموضع المعروف في قطاع البتراء على المستوى عند الوصلة الشمالية. و ذلك أن أهل أشيقر و أهل الفرعة خرجوا بحشود في الموضع المذكور، و معهم علي بن غليفيص رقيق من مطير فرآهم ركب من العجمان عقيدهم ابن سعدي فهابوهم في النهار لكثرتهم، فلما كان الليل هاجموهم فقتلوا صالح بن عبد اللّه بن عبيدان، و علي بن غليفص من أهل شيقر، و قتلوا ابن عبد الجبار من أهل الفرعة و أخذوهم.

و فيها أنزل اللّه الغيث على جميع البلدان و كثر العشب، و الجوع السابق لا يزال بحاله مات فيه خلق كثير.

و فيها وقع الوباء بجملة في بلدان نجد، مات منهم خلق كثير، و هو المرض الذي يسمونه العقاص.

و فيها رخصت الأسعار حتى بلغ حب البر بالريال الواحد خمسة و عشرين. و فيها في شهر ربيع الأول مات الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ محمد بن الوهاب (رحمهم اللّه تعالى).

115

و فيها توفي الشيخ عبد العزيز بن الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر بن المعامرة أهل العينية من العناقر من بني سعد زيد مناة بن تميم، كانت وفاته في البحرين (رحمه اللّه) و كان أديبا لبيبا ورعا، و له أشعار رائقة، رثاه الشيخ أحمد بن علي بن حسين بن مشرف بقصيدة مشهورة.

و في سنة 1245 ه:

غزا فيصل بن الإمام تركي بني خالد في الصمان، و كبيرهم ماجد بن غرير و أقاموا أياما ثم توفي ماجد. ثم ظهر تركي و نحرهم و أداله اللّه عليهم و أخذ جميعهم إلّا القليل، و ذلك في شهر رمضان، ثم سار في أثرهم و غرضه الأحساء فأخذه بغير قتال، و كذلك القطيف ثم أقام بالأحساء أياما و بايعه أهل البلدان ثم عاد إلى الرياض، و بعد هذه الغزوة لم يقم لآل حميد بعدها قائمة. و فيها صار رخص الأسعار و الخصب لم يعد مثله منذ أزمنة، فقد بيع أربعون صاعا من البر بريال و ثمانين، و زنة التمر بريال في جميع نجد حتى بلدان الوشم.

و في سنة 1246 ه:

و الرخص بحاله و تأخر المطر إلى الربيع، ثم جاء مطر عظيم خرب كثيرا من البلدان، و جاء جراد و دبا، كثير أكل العشب و الأشجار. و فيها حج أهل نجد و والي مكة محد بن عون، و حج جميع أهل الأقطار، و وقع في مكة وباء عظيم مات منه خلق كثير لا يحصيه إلّا اللّه من جميع الأقطار الحاضرين في مكة، حتى إن الموتى تركوا لا يجدون من يدفنهم، و مات فيها من أعيان نجد خلق كثير.

قال الأديب محمد بن عمر الفاخري ساكن بلد حرمة في تاريخه، و نقلته من خطه بيده قال: و في رمضان 1246 ه توفي الشيخ العالم‏

116

الفرضي، الحاسب محمد بن علي بن سلوم بن عيسى الوهيبي التميمي.

و كانت وفاته في سوق الشيوخ.

و في هذه السنة عمّر مسجد الجامع في عنيزة. و فيها هرب مشاري بن عبد الرحمن من الرياض مغاضبا خاله الإمام تركي، و قصد الشريف محمد بن عون في مكة.

و فيها وقع في مكة وباء عظيم مات منه محمد بن بسام (رحمه اللّه تعالى). قيل: إنه مات من أهل مكة ستة عشر ألف نفس.

و في سنة 1247 ه:

رخص الأسعار بحاله و أنزل اللّه البركة في الثمار. و فيها عزل داود باشا عن بغداد، و قدم فيه علي باشا.

و فيها ظهرت حمرة عظيمة تظهر قبل طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، و بعد الغروب حتى كأن الشمس لم تغب، كأن السماء مقمرة من شدة الحمرة، أقامت هذه الظاهرة في نجد شهرين.

و فيها أصاب بلدان نجد حمى مات منه خلق كثير خصوصا من أهل شقرى فلم يبق منهم من لم يمرض إلّا النادر. و فيها غزا فيصل بن تركي على ابن ربيعان و ابن بصيص فأغار عليهم طلال و هزموه، و أخذوا كثيرا من ركائبهم و سلاحهم، و قتل فيهم ناس كثير.

و في آخر هذا العام وقع وباء الطاعون في بغداد و الموصل، مات منهم ما لا يحصيهم إلّا اللّه تعالى، و بقي الناس في بيوتهم صرعى لم يدفنوا، و أنتنت البلدان. و فيها حج أهل نجد و لم يحج أهل الشام لما هم فيه من الحرب.

و فيها قدم علي باشا واليا على بغداد، و أذن لعيال حمود بن ثامر

117

السعدون بالرجوع لأهليهم و ولاهم على المنتفق. و عزل عقيل بن حمد بن نامر السعدون عن الولاية فلما وصلوا إلى أهليهم اجتمع إليهم جنود كثيرة من المنتفق و من شمر و الظفير و غيرهم، فالتقى الفريقان بالقرب من سوق الشيوخ، و صارت الهزيمة على عقيل و من معه، و قتل عقيل في هذه الوقعة هو وعدة رجال من أصحابه، و استقل ماجد بن حمود بالولاية، فلم يلبث إلّا مدة قليلة مات بالطاعون في آخر هذه السنة، فنهض عيسى بن محمد بن ثامر السعدون أخو عقيل لحرب عيال حمود بن ثامر. و كتب لعلي باشا يطلب منه التقرير على ولاية المنتفق، فجاءه التقرير من علي باشا فاستقل بولاية المنتفق.

و في سنة 1248 ه:

وقع وباء الطاعون العظيم الذي لم يعرف مثله في جميع بلدان المجد من سوق الشيوخ إلى البصرة إلى الزبير إلى الكويت، مات منه خلائق لا يحصيها إلّا اللّه تعالى حتى إن أكثر البيوت خلت و لم يبق فيها أحد، و بعض البلدان لم يبق فيها أحد، و بلد الزبير لم يبق فيه إلّا أربعة رجال أو خمسة، فسبحان القادر على كل شي‏ء. و في شهر ربيع الأول جاء مشاري بن عبد الرحمن بعدما ذهب في السنة التي قبلها خارجا عن طاعة الإمام تركي فذهب إلى القصيم و لم يدرك شيئا، ثم ذهب إلى البادية فأقام معهم مدة ثم ذهب إلى مكة و لم يدرك شيئا مما أراده، ثم عاد إلى تركي فقبله و عفا عنه.

و فيها حج أهل نجد و لم يحج أهل الشام، و كبير حاج نجد فهد الصبيحي، فلما وصلوا إلى الخرمة بعد خروجهم من مكة هجموا عليهم سبيع، و قتلوا أمير الحاج و ناسا غيره، ثم أعطاهم الحاج ما أرادوا و انصرفوا. و في ليلة الثلاثاء تاسع عشر جمادى الثاني رمى بالنجوم من‏

118

أول الليل إلى قريب طلوع الشمس، و سقط فيها ما لا يحصى في جميع الآفاق. و فيها حصر المنتفق الزبير عدة شهور، ثم أخذوه فقتلوا أمراء آل زهير و أخذوا أموالهم.

و فيها سار الإمام تركي إلى الأحساء و تزوج فيه بنت هادي بن مزود رئيس عربان آل كثير، و أقام نحو شهر ثم رجع إلى الرياض. و في يوم الاثنين الخامس عشر من ذي الحجة توفي عبد اللّه بن حمد بن إبراهيم بن حمدان بن محمد بن مانع بن شبرمة.

و في هذه السنة ليلة الثلاثاء تاسع عشر جمادى الثانية تناثرت النجوم آخر الليل، و دامت إلى طلوع الشمس. و في هذه السنة حاصر عيسى بن محمد ثامر السعدون رئيس المنتفق بلد الزبير، و معه محمد بن إبراهيم بن ثاقب بن وطبان و أتباعه من أهل الزبير من أهل حرمة، و غيرهم الذين أجلوهم الزهير من الزبير، و كان رئيس بلد الزبير إذا ذاك عبد الرزاق الزهير.

و دخلت سنة 1249 ه: و الخصب و رخص الأسعار بحاله، و فيها صار القتال بين قبيلة مطير، و قبيلة عنزة في السر في القيض، و أقاموا في قتالهم مدة ثم انهزمت عنزة و أخذت منهم مطير من الأبل و الغنم شيئا كثيرا.

و فيها نزل المطر الوسمي بكثرة لم يعهد مثلها، ثم بعد ذلك بشوال جاء برد عظيم نحو ثمانية أيام أهلك الزرع و الأشجار، و غلا الزاد بعد ذلك و لم يأت نحو مطر بعد الوسمي السابق في تلك السنة.

و فيها توفي أمير عسير علي بن مجثل (رحمه اللّه تعالى)، و قام بالأمر

119

بعده الأمير عائض بن مرعي. و في يوم الجمعة آخر شهر ذي الحجة قتل الإمام تركي بن عبد اللّه بن محمد بن سعود (رحمه اللّه تعالى) بعد أن خرج من المسجد من صلاة الجمعة، قتله مشاري بن عبد الرحمن بن مشاري بن سعود و جماعة تمالؤا على قتله و لم يحدث عند قتله شي‏ء. و استولى مشاري على القصر و نزل فيه، و استولى على الخزائن و الأموال و كاتب جميع البلدان، و كان الإمام فيصل إذا ذاك في القطيف معه غزو أهل نجد.

فلما وصل إليه الخبر أقبل بمن معه و نزل الأحساء، و ساعده والي الأحساء ابن عفيصان فتوجه فيصل إلى الرياض بمن معه من الغزو و معه العجمان و آل مرة، و دخل إلى الرياض من غير قتال و تحصن مشاري في القصر و معه نحو مائة رجل و حاربوا. فلما كان يوم الأربعاء ثاني عشر شهر عاشورى نزل من القصر ثلاثة رجال و طلبوا الأمان لهم و لأكثر من في القصر، و لم يدر مشاري بذلك فأمنهم فيصل، فلما كانت ليلة الخميس أدلوا لهم الحبال من القصر فصعدوا إلى القصر و قتلوا مشاري و ستة من الذين تمالؤا معه على قتل الإمام تركي. ثم استقر الأمر لفيصل و قدم عليه كبار أهل نجد، و البادية للمبايعة.

و فيها توفي حمد بن محمد بن عليوي في بلد أشيقر (رحمه اللّه تعالى) و فيها حج أهل نجد و والي مكة محمد بن عون، و حج جميع أهل الأقطار و وقع في مكة وباء عظيم مات فيه ما لا يحصيه إلّا اللّه تعالى من جميع الأقطار الحاضرين في مكة حتى إن الموتى تركوا ما يجدون من يدفنهم، و مات فيهم من أعيان أهل نجد خلق كثير. و في شهر شوال من هذه السنة ولد شيخنا علي بن عبد اللّه بن إبراهيم بن محمد بن حمد بن عبد اللّه بن عيسى.

120

و فيها اشتد الحصار على أهل الزبير و عدمت الأقوات عندهم فطلبوا الأمان من عيسى بن محمد بن ثامر بن محمد بن إبراهيم بن ثاقب و أتباعه، فأعطوهم الأمان إلّا آل الزهير فدخلوا البلد و قتلوا آل زهير، و استولى على بلد الزبير محمد بن إبرهيم بن ثاقب. و فيها مناخ عنزة و مطير على العمار المعروف بالقرب من المذنب و صارت الهزيمة على عنزة.

و في سنة 1250 ه:

في صفر قتل مشاري بن عبد الرحمن بن مشاري بن سعود و هو و ستة من أعوانه في قصر الرياض، قتلهم فيصل بن تركي، و استقل فيصل بالولاية. و فيها بعث عائض بن مرعي جماعة من عسير كبيرهم ابن ضبعان و نزلوا وادي الدواسر و ضبطوه. ثم بعد ذلك أمر فيصل على جميع البلدان بغزو و جههم إلى الوادي، و أميرهم حمد بن عياف و حصل بين الطرفين وقعات، و لم يدركوا شيئا من أهل الوادي، ثم بعد ذلك تصالحوا على أن الوادي لعسير و ليس للإمام فيصل فيه أمر و انقلبوا على ذلك. و في آخرها قدم على فيصل رسول من ابن مرعي و الإمام فيصل على الشعراء بأن الوادي في يدك فقدم فيه من شئت فبعث فيصل إلى الوادي أمير. و فيها نزل المطر على جميع نجد، و أعشبت الأرض، و رخصت الأسعار، فللّه الحمد و المنة.

و في سنة 1251 ه:

سار الشريف محمد بن عون والي مكة، و إبراهيم باشا أخو أحمد باشا مكة بالدولة المصرية، و قصدوا بلد عسير، و استولوا على أكثر بلاد عسير و دخلوا في طاعتهم و لم يبق إلّا عائض بن مرعي أميرهم و معه نحو ألفي مقاتل، فأنزل اللّه النصر و انكسرت الدولة و الشريف، و قتل منهم ما لا يحصى و كانوا نحو خمسة عشر ألفا، و بعضهم‏

121

مات عطشا، و استولوا على خزائنهم و مخيمهم و قصد شرائدهم مكة.

و فيها جاءت الرسل من محمد علي صاحب مصر معهم كتب منه طالبا من فيصل المقابلة في مكة فخافهم فيصل فبعث لمقابلة الباشا أخاه جلوي فقابله و أرسل الباشا محمد علي فجاءه الأمر برده إلى بلده فتوجه جلوي إلى الرياض فدخلها سالما في رمضان. و فيها جاء برد شديد هلك منهم الكثير من المواشي بردا أو جوعا بحيث أن المطر يجمد في الجو من شدة البرد. و فيها ظهر بالقبلة نجم له ذنب.

و فيها غلا الطعام حتى بيعت الحنطة ستة أصواع بالريال، و بيع التمر ثلاث عشرة و زنة بالريال، و لم ينزل على نجد ذلك السنة مطر إلّا قليلا، و فيها عزل الشريف محمد بن عون عن ولاية مكة و نقل إلى مصر.

و في سنة 1252 ه:

قتل عبد اللّه بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن شنيبر الملقب مقحص في عنيزة قتله زوج أمه قذلان الدوسري، و كان عبد اللّه المذكور قد سار من أشيقر لزيارة أمه في عنيزة فحصل بينه و بين الزوج المذكور كلام فأفحش عليه ابن الزوج فطعنه قذلان بخنجر كانت معه فوقع ميتا فحبسه أمير عنيزة يحيى بن سليم، و كتب لأبيه و عشيرته في أشيقر فركب أبوه إبراهيم و محمد بن حمد بن عبد الرحمن بن شنيبر و أخوه عبد اللّه في عنيزة و قتلوا قذلان المذكور.

و فيها غزا ولد المطيري بأهل نجد و قصدوا عمان و استولى على أكثر عمان، و صالح سعيد بن سلطان والي مكّة على خراج معلوم يدفعه في كل سنة للإمام فيصل قدره سبعة آلاف ريال. و فيها جلا أكثر أهل سدير و الوشم عن أوطانهم، و قصدوا البصرة و الزبير و الأحساء. و في آخرها نزل الغيث على بلدان نجد و كثر فيها العشب و الجراد.

122

و فيها ظهر إسماعيل بيك من قبل محمد علي صاحب مصر، و معه خالد بن سعود جعله أميرا في نجد، فلما بلغ فيصل الخبر خرج من الرياض و معه غزا أهل فنزل الصريف. فلما كان ثاني الحجة من هذه السنة نزل إسماعيل و من معه من العسكر الرس، فسار فنزل فيصل عنيزة و أقام فيها أياما ثم رجع و لم يحصل بينهم قتال. و فيها قتل محمد بن إبراهيم بن ثاقب بن وطبان أمير بلد الزبير.

و في سنة 1253 ه:

في المحرم منها نزل إسماعيل بيك عنيزة و أقام بها فقدم عليه فيها كبار أهل نجد سوى أهل الحوطة و الحريق، و خرج فيصل من الرياض، و نزل الأحساء ثم أقبل إسماعيل و خالد بن سعود بالعسكر فنزلوا الرياض و أقاموا فيها أياما ثم خرجوا قاصدين الحوطة فنزلوا بلد الحلوة بالعسكر و أهل نجد. و ذلك في اليوم الخامس عشر من ربيع الأول، و كان يوما شديد الحر فانهزمت العسكر، و قتل بعضهم و هلك أكثرهم عطشا، ثم أقبل بقيتهم فنزلوا الرياض و أقاموا فيها، و نجا خالد و إسماعيل من القتل و نزلوا الرياض. فلما بلغ فيصل الخبر خرج من الأحساء قاصدا الرياض بمن معه من أهل الأحساء و نجد، فنزلوا الرياض في أول يوم من جمادى الآخرة و حصروها و حفروا الحفر و ثوروا اللغوم، و حصل بين الفريقين قتال، و صبر الفريقان صبرا عظيما. فلما كان في شهر ذي القعدة انصرف فيصل و نزل الخرج.

و فيها اشتد الغلاء، و جلا أكثر سدير و الوشم عن أوطانهم، و لم ينزل من الغيث إلّا قليل و كثرت الرياح و اختلفت الزروع. و فيها سار على باشا من بغداد فأخذ بلد المحمرة عنوة.

123

و فيها خرج أناس من أهل أشيقر من بلد عنيزة يريدون أشيقر، فلما وصلوا أول نفود السر على الحمزة و هم ثمانية رجال قابلهم ركب من آل عاطف من قحطان عقيدهم عبد اللّه بن خامسة، و أخوه عبد الرحمن، و ركائبهم تسع و هم أربعة عشر رجلا منهم سبعة بوارديه، و لم يكن مع أهل أشيقر إلّا بوادري واحد، و هو سعد بن راشد الحميدي فحصل بينهم وقعة شديدة قتل فيها من أشيقر: عبد العزيز بن عبد اللّه بن منصور النجار. و كان شجاعا (رحمه اللّه تعالى) و كسرت يد صالح بن إبراهيم بن عيسى أصابته رصاصة، و جرح أيضا جرحا شديدا و عافاه اللّه تعالى. و جرح سعد بن راشد الحميدي جراحات شديدة و عافاه اللّه منها.

و قتل من قحطان ثلاثة رجال قتلهم سعد بن راشد الحميدي المذكور رماهم ببندقة فأصاب الأول في الحال، و أما الثاني فكسرت الرصاصة أوراكه و أقام مدة يمشي على مغازل ثم مات، ثم رماهم الثانية فقتل منهم رجلا ثالثا.

و حاصل الأمر أن الحضر طلبوا المنع فمنعهم عبد اللّه بن خامسة المذكور على دمائهم و ثيابهم و مائهم، و زادهم فوفى لهم بذلك و أعطاهم من ركائبهم واحدة يحملون عليها جريحهم سعد بن راشد الحميدي، و سعد بن راشد الحميدي المذكور أصله من أهل القصب آل شقيح سكن أشيقر و تزوج فيها و ولد له ابنان و هما سعد و مطرف و يقال للحميدي ابن شقيح.

و بعد الظهر في النصف من ربيع الأول من هذه السنة ولد شيخنا أحمد بن الشيخ إبراهيم بن حمد بن عبد اللّه بن عيسى، و ولادته في بلد

124

شقراء، و يوم ولادته في اليوم الذي هزم فيه أهل الحويطة و الحريق:

إسماعيل باشا و عساكره.

و في سنة 1254 ه:

قدم خرشد باشا عنيزة في صفر قادما من مصر بالعساكر العظيمة و أقام فيها مدة، ثم حصل بينه و بين أهل عنيزة حرب قتل فيه ناس من الفريقين، ثم تصالحوا و قدم عليه فيها كثير من أهل نجد و أقام فيها و الإمام فيصل بالخرج و خالد بن سعود في الرياض، فلما كان في رجب أقبل خرشد بالعسكر قاصدا الرياض فقدمها ثم خرج منها في اليوم التالي من قدومه قاصدا فيصل في الخرج ثم نزل الدلم و فيها فيصل و أتباعه فحاصرهم و جرى بينهم عدة وقعات قتل فيها خلق كثير.

فلما كان في اليوم السابع عشر من رمضان تسلم البلد بالأمان على أن الإمام فيصل يقابل محمد علي، و على تسليم المدافع المأخوذة من إسماعيل بيك، و تم الصلح على ذلك. ثم جهز بعض عسكره و خرجوا قاصدين مصر بفيصل. و فيها نزل الغيث الوسمي على البلدان، و كثر العشب و الجراد، و فيها استعمل خالد بن سعود هو و خرشد باشا أحمد بن محمد السديري أميرا على الأحساء فسار إليه و معه عدة رجال من أهل نجد و ضبطه و استقام له الأمر فيه.

و في سنة 1255 ه:

توجه خرشد بالعسكر من الرياض إلى ثرمدا، و أقام فيها و قدم عليه خالد بن سعود من الرياض و أقام عنده، و فيها توفي السلطان عبد المجيد.

و في سنة 1256 ه:

توجهت عساكر السلطان عبد المجيد بن محمود لحرب محمد علي فأخذوا الشام، و كان فيه إبراهيم باشا ففر إلى‏

125

مصر فنزلوا الاسكندرية في البحر فتقابلت الفئتان ثم تصالحوا على أن محمد علي يرفع يده عن جميع الممالك و الحرمين إلّا مصر و ينصرف عنه، و تم الأمر على ذلك.

و فيها توجهت العساكر من نجد إلى مصر وراح خرشد باشا من القصيم في رجب و معه عساكر كثيرة و لم يحج أهل الشام لأجل الحرب.

و في سنة 1257 ه:

قام عبد اللّه بن ثنيان بن إبراهيم بن ثنيان بن سعود، و من معه من عسكر الترك الذين في الرياض، و حصل بينهم و بينه قتال شديد، فهرب خالد بن سعود من الرياض إلى الحساء، و استولى عبد اللّه بن ثنيان على الرياض، و ساروا إلى مصر، و بايعه أهل نجد و استقام له الأمر، و كان سفاكا للدماء.

و في هذه السنة توفي الشيخ عبد الرزاق بن الشيخ محمد بن علي بن سلوم الوهيبي التميمي النجدي أصلا، الزبيري مسكنا، كان قاضيا في سوق الشيوخ و توفي فيه، (رحمه اللّه تعالى).

و في ثاني جمادى الأولى من هذه السنة الوقعة المعروفة بوقعة بقعا، بين أهل القصيم و بين ابن رشيد، و صارت الهزيمة على أهل القصيم، و قتل منهم عدة رجال، منهم يحيى السليم أمير بلد عنيزة، و قتل من أهل عنيزة خمسة و خمسون رجلا، و من أهل بريدة كذلك و من باقي القصيم كل على حسبه، فجميع من قتل من أهل القصيم مائة و ستون رجلا.

و في هذه السنة قتل عبد اللّه بن ثنيان، عبد اللّه بن إبراهيم الحصين الناصري العمري التميمي، و هو من أهل بلد القراين، و كان خالد بن سعود قد استعمله في بلد المجمعة وكيلا على بيت مال سدير، و قتل معه‏

126

عبد اللّه بن عثمان المدلجي الوايلي أمير بلد حرمة، و زامل ابن خميس بن عمر الدوسري من رؤساء بلد روضة سدير.

و في سنة 1258 ه:

أخذ الرحمان من مطير غنم أشيقر. و فيها نزل الغيث الوسمي على جميع البلدان، و كثر العشب و الجراد و رخصت الأسعار. و فيها خرج ابن ثنيان و معه غزو و البلدان، و أقام عدة ثم رجع و لم يحصل بينه و بين أحد قتال.

و فيها عزل علي باشا عن بغداد و نصب مكانه محمد نجيب، فسار لحرب كربلاء لأجل مخالفات جرت منهم فأخذ البلد عنوة و قتل منهم مقتلة عظيمة، و أخذ من الأموال ما لا يحصى، و أخذ جميع ما وجد في القبر المنسوب للحسين من نفائس الأموال. و فيها في محرم قتل محمد العلي بن عرفج في بريدة، و هو من أمراء بلد بريدة آل أبو عليان من بني سعد بن زيد مناة بن تميم. و فيها قتل محسن الفرم رئيس بوادي حرب.

و فيها مات جريس بن جلعود كبير الجلاعيد من عنزة. و فيها قتل سليمان آل غنام شيخ عقيل في بغداد، و هو من بلد ثادق من الموالي ليس من صميم العرب ذبحه أهل القصيم الذين في بغداد. و فيها قتل علي السليمان رئيس عقيل أهل القصيم في بغداد، و هو من أهل الجناح من بني خالد، قتله محمد نجيب باشا بغداد، و صار رئيس أهل القصيم بعده في بغداد محمد التويجري.

و في سنة 1259 ه:

قدم فيصل تركي من مصر على عبد اللّه بن رشيد في بلد الجبل و كاتب البلدان، و خرج مع ابن ثنيان غزو البلدان، و نزل بريدة و تعاهد هو و أمير البلد. ثم أقبل فيصل فنزل عنيزة فهرب ابن‏

127

ثنيان و من معه قاصدا الرياض فأقام فيها، ثم أقبل فيصل قاصدا الرياض معه الدويش و كثير من أهل البلدان و قصدوا الرياض فثار الحرب، ثم دخلها من غير قتال فتحصن ابن ثنيان في القصر، فلما كان يوم النصف من جمادى الأول أمسكوه و حبسوه و أقام في الحبس عدة أيام ثم توفى و استقل بالملك فيصل بن تركي. و فيها أول صفر ظهر في السماء خط أحمر له حمرة زائدة، و كان في طرفه نجم و كان ظهوره بعد المغرب إلى أن يمضي أول الليل، ثم تناقص إلى آخر الشهر حتى عدم.

و فيها لم ينزل مطر على جميع البلدان إلّا قليل، و السعر على حاله من رخص الأسعار. و فيها بعد ما حصد كثير من الزرع جاء برد لم يعهد مثله بحيث أنه جمد الماء و نزل الجليد و قتل كثيرا من الزرع الذي لم يحصد.

و فيها احترق عيسى بن محمد بن ثامر السعدون رئيس المنتفق هو و زوجته في بيته، و هو صريفة قصب، فلم يجده إلّا رمادا، و كان رجلا ظالما، و تولى بعده أخوه بندر و أقام نحو ثلاث سنين و مات. و تولى بعده أخوه فهد و أقام نحو سنة ثم مات، ثم مرج حكم المنتفق فتارة في أولاد راشد بن ثامر السعدون، و تارة في أولاد عقيل بن محمد بن ثامر السعدون، و تارة في أولاد عيسى بن محمد ثامر السعدون.

و في سنة 1260 ه:

نزل الغيث الوسمي على جميع البلدان بغزارة لم يعهد مثلها منذ أزمنة متطاولة بحيث خربت المنازل، و سقط كثير من البيوت في جميع البلدان، و فيها توجه الإمام فيصل بن تركي بجنوده من البادية و الحاضرة، و قصد الحساء و القطيف فملكها.

128

و في سنة 1261 ه:

سار عبيد بن رشيد صاحب جبل شمر و أخوه طلال بن عبد اللّه فقصدا عنيزة بخيل و جيش فأغاروا على البلدا، و أخذوا الغنم ففزع أهل البلد، و كان ذلك في اليوم الرابع من شهر رمضان و الناس صيام، فلم يخرجوا لهم إلّا القليل و كانوا قد كمنوا لهم، فلما رأوهم تقاتلوا فقتل من أهل عنيزة اثنين و عشرين رجلا من أعيانهم الأمير عبد اللّه بن سليم و أخوه عبد الرحمن، و محمد الشعيبي و إبراهيم بن عمرو و غيرهم، و الباقون بين جريح و أسير و أخذوا سلاحهم و انصرفوا بمن معهم من الأسرى، فلما وصلوا الجبل أطلقوهم. و فيها في آخر يوم من ذي القعدة توفي الشيخ عبد الرحمن بن محمد القاضي في بلد عنيزة (رحمه اللّه تعالى).

و فيها في رمضان توفي عبد الرحمن بن حمد بن بسام. و في اليوم التاسع من ذي الحجة توفي الأمير محمد بن ناهض بن بسام الحربي صاحب قصر بسام المعروف بقصر البرود (رحمه اللّه تعالى). و فيها قتل محمد بن فيصل بن وطبان الدويش المكني أبا عمر قتله شمر و رثاه فجحان الفرادي بقصيدة هذا مطلعها:

مات الدويش و مات له عن بضائع‏* * * شعاع و الصمان و كروش و الشروف‏

و فيها توفي ضاحي بن عون المدلجي الوائلي التاجر المشهور، و أصله من بلدة حرمة، و كانت وفاته في بمبي من بلدان الهند (رحمه اللّه تعالى).

و في سنة 1262 ه:

في ستة و عشرين من رجب توفي الشيخ قرناس بن عبد الرحمن به قرناس قاضي بلد الرس (رحمه اللّه). و فيها توفي‏

129

عبد العزيز بن حمد بن إبراهيم البسام في عرفات، و قبره معروف فيها من وباء وقع في مكة (رحمه اللّه تعالى).

و في سنة 1263 ه:

توفي الشيخ عبد الرحمن بن راشد الخراص الزبيري الحنبلي قاضي بلد المجمعة في الرابع عشر من شوال (رحمه اللّه تعالى).

قال الشيخ عبد الرحمن بن راشد الخراص في إجازته لتلميذه الشيخ أحمد بن عبد اللّه بن عقيل النجدي من أهل بلد حرمة نزيل الزبير قال:

و أما فقه الإمام أحمد بن محمد بن حنبل فأرويه عن مشايخ كبار من أجلهم قدرا و أغزرهم فضلا شيخي و أستاذي الشيخ إبراهيم بن سليمان بن يوسف النجدي الأشيقري التميمي الحنبلي و لم أظفر منه بالإجازة، و عن الشيخ العالم مفتي الشام مصطفى بن سعد الأسيوطي الرحيباني الحنبلي، قرأت عليه المنتهى مع شرحه للشيخ منصور البهوتي مع ما كتب عليه من الحواشي من أوله إلى آخره و أجازني في ذلك و كتب لي إجازة و هو يرويه عن خاتمة الزهاد و حامل لواء العباد الشيخ أحمد بن عبد اللّه العلي الدمشقي موطنا و مدفنا. تغمده اللّه برحمته و تاريخ الإجازة المذكورة 1227 ه: قال الشيخ مصطفى بن سعد الرحيباني في شارح الغاية في إجازته للشيخ عبد الرحمن بن راشد الخراص الزبيري الحنبلي، و لاحظته عين العناية و السعادة و أدركته روح الهداية و العبادة الفاضل الأديب الكامل الأريب الشيخ عبد الرحمن بن راشد بن محمد بن توفيق الزبيري. ا ه.

و فيها بنى فاهد بن نوافل و بطي الصانع، و إبراهيم بن عبيد فيضة السر، ثم انتقل إليها النوافلة من الريشة و سكنوها و هم رؤساؤها اليوم من‏

130

بني حسين. و فيها توفي عبد اللّه بن علي بن رشيد أمير الجبل، و ذلك في جمادى الأولى من هذه السنة. و في رجب من هذه السنة توفي حمد السليمان البسام في عنيزة (رحمه اللّه تعالى). و فيها نوخ الحميدي بن فيصل بن وطيان الدويش حاج القصيم على الداث، و أخذ منهم أشياء كثيرة. و فيها ظهر الشريف محمد بن عون بجنوده إلى نجد فلما وصل بلد عنيزة أرسل إليه الإمام فيصل هدية مع أخيه جلوي بن تركي، و رجع إلى مكة المشرفة.

و في سنة 1265 ه:

في أول شعبان قطنوا الصقور من عنزة على جو أشيقر و أقاموا عليه إلى سلخ رمضان من السنة المذكورة. ثم ارتحلوا.

و فيها الواقعة المعروفة بوقعة اليتيمة بين عبد اللّه الفيصل و بين أهل القصيم، و قتل منهم عدة رجال. و فيها عين الإمام فيصل بن تركي أخاه جلوي بن تركي أميرا في عنيزة.

و في سنة 1266 ه:

سار الإمام فيصل بن تركي بجنوده و قصد القصيم، فلما قرب من بريدة هرب منها أميرها عبد العزيز بن محمد بن عليان و قصد مكة المشرفة فنزل فيصل بلد بريدة، و استعمل فيها عبد المحسن بن حمد آل أبو عليان أميرا مكان أخيه عبد العزيز آل محمد.

و دخلت سنة 1267 ه: و عبد اللّه بن فيصل غار في آخر الأضحى سنة 1266 ه، و وصل إلى الثعل و انكف و قدم شقراء في عاشوراء و أخذ خمسة عشر يوما، و ثور فيصل و تبعه عبد اللّه و حدر للأحساء و تهيأ لحرب بينه هو و آل خليفة و أخذ عشرة أشهر بين الأحساء إلى قطر و جاء سعيد بن طحنون راعي عمان فأصلح بين فيصل و آل خليفة على اثني عشر ألف‏

131

خراج ثلاث سنين. و انكف فيصل في سابع من شوال في هذه السنة. و في ربيع أول من هذه السنة 1267 ه طبعت خشبة أهل الكويت قريب من الكويت و فيها مال عظيم. و في هذه السنة تهيأ حرب بين عيال راشد السعدون، و عيال عقيل و صارت الدائرة لعيال راشد و زبنو عيال عقيل عند وزير بغداد، و بعد شهرين مشوا عيال عقيل معهم عسكر من الوزير جندوا على عيال راشد و انحاشوا عيال راشد و ملكوا عيال عقيل ملك آل راشد ربيع ثاني و جمادى الأول. و فيها قدم عبد العزيز آل محمد راعي بريدة من مكة و المدينة و زوجته تصرخ بالعساكر و الأشراف على فيصل و لا حصل على طائل و ساعة قدومه بريدة في آخر ربيع ثاني ركب مع جلوي تأخر فيصل في أول جمادى و نحره جهة الأحساء.

و فيها غدا محمد بن حمد (رحمه اللّه) و تعالى و ذلك في ثاني عشر رمضان.

و في سنة ثمان و ستين و مائتين و ألف:

قدم المدينة عساكر كثيرة من جهة والي مصر عباس باشا بن أحمد طوسون بن محمد علي، و شاعت الأخبار بأنهم يريدون الخروج إلى نجد في جمادى الأولى. و فيها حصل وقعة شديدة بين عيال راشد بن ثامر السعدون و من تبعهم من المنتفق و بين عيال عبد اللّه العقيل بن محمد بن ثامر السعدون و من تبعه من المنتفق فقتل عبد اللّه آل عقيل في المعركة، و انهزم أصحابه ابن سعدون بن محمد بن مانع بن شبيب، و صارت الرياسة لعيال راشد على المنتفق و صار لهم الملك و الرئاسة. فلما كان في جمادى الآخرة من السنة المذكورة أقبل ولد عيسى بن محمد بن ثامر السعدون من بغداد و قد عقد له باشا على ولاية المنتفق، و أرسل معه عساكر كثيرة من الترك من عقيل لقتال عيال راشد

132

فانهزم عيال راشد إلى بادية الظفير و صار ولد عيسى بن ثامر رئيسا على المنتفق.

و فيها وقع برد كبار أهلك بعض زروع سدير و الوشم. و فيها جاء سيل عظيم على بلدان نجد، كما جاء خريف سال منه الصنوع الشمالية.

و اليوم الثاني جاء سيل جيد الصنوع الجنوبية و لا خالف على النخل و سال بعض المحمل. فلما كان في جمادى الآخره من السنة المذكورة خرج محمد بن ناصر من المدينة في تجريدة من الأتراك، و انضم إليه كثير من بادية حرب، فأغار على ابن سفيان من بني عبد اللّه من مطير على الفوارة، و قتل من الفريقين قتلى كثيرة، و أخذهم ثم رجع إلى المدينة فكثرت الأراجيف من الأعداء.

و لما كان في رجب من السنة المذكورة خرج محمد بن ناصر المذكور من المدينة و معه عساكر كثيرة و تبعه كثير من عربان حرب. و أغار على العضيان عرب الضبط من عتيبة على الدفينة فأخذهم ثم رجع إلى المدينة، و ذلك في رجب من السنة المذكورة. و لما وصل الخبر إلى الإمام فيصل أمر جميع رعاياه من المسلمين بالجهاد، و أخذ في التأهب و الاستعداد، ثم خرج من الرياض بمن معه من جنود المسلمين من غزو أهل العارض و الخرج، و نزل بلد المجمعة، و اجتمع عليه غزو بلدان سدير، و المحمل، و الوشم، و القصيم، و ولي الشيخ عثمان بن علي بن عيسى القضاء على بلدان سدير، و هو من سبيع.

و في هذه السنة في رجب قدم عسكر من السلطان عبد المجيد إلى مكة، و قضبوا محمد بن عبد المعين عون و عياله عبد اللّه و علي و سفروهم‏

133

للسلطان في اسطانبول. و لما كان في شهر رمضان من السنة المذكورة جاءت الأخبار من المدينة بأن عباس باشا والي مصر، جهز عساكر كثيرة إلى بلدان عسير، و أنه أمر على من في المدينة من العساكر أن يلحقوا بهم، و أنهم توجهوا إلى بلدان عسير فحصل الأمن و الاطمئنان للبلاد و العباد، و صار على تلك العساكر من الأسر و القتل ما سيأتي ذكره في السنة التي بعدها إن شاء اللّه تعالى. و لما تحقق الإمام فيصل، بتوجه العساكر المذكورة إلى اليمن، ارتحل من المجمعة بمن معه من جنود المسلمين و صبح الصهية من مطير، على أم الجماجم و أخذهم ثم رجع إلى الرياض و أذن لمن معه من جنود المسلمين بالرجوع إلى أوطانهم.

في شوال سال بعض بلدان المحمل و بعض الوشم خريفا، و السيل لم يضر النخل. و فيها وقع وباء عظيم في الإبل، في البادية و الحاضرة، و هو الذي يسمونه السلاق و قتل سالمها. و فيها جاء جدري كثير و مضرته خفيفة. و في ذي الحجة توفي الشيخ عبد اللّه بن جبر في منفوحة (رحمه اللّه تعالى) كان عالما فاضلا، و أخذ العلم عن الشيخ الإمام العالم العلّامة، و القدرة الفهامة عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام، و قدوة العلماء و الأعلام محمد بن عبد الوهاب (رحمه اللّه تعالى)، و أخذ عن غيره من علماء عصره، و تفقه، و ولاه الإمام فيصل القضاء في بلد منفوحة، فباشره بعفة و ديانة، و صيانة، و جلس للتدريس في بلده، فانتفع به خلق كثير و لم يزل على حسن الاستقامة و على السيرة الجميلة إلى أن توفي في التاريخ المذكور.

و في هذه السنة أخذ الدويش بريه يم صعافيق و أخذهم العفسة، و بعدما وصلوا إلى ابن بصيص و عربانه تزبنوا قحطان، وصال عليهم‏

134

الدويش و عتيبة و عنزة و ابن رشيد و مناخهم يم القرينات قرب الدوادمي، و نصر اللّه قحطان و بريه و لا وخذ عليهم شي‏ء أبدا و ذلك في رجب.

ثم دخلت سنة تسع و ستين و مائتين و ألف:

و فيها أنزل اللّه الغيث أول الموسم، ثم تتابعت الأمطار و السيول، و عم الحيا جميع بلدان نجد، فلا تكاد توصف كثرته و لا يعرف مثل غزارته شي‏ء، و هو سيل من البحر إلى ركبه، و ظهر الأقط في المربعانبة، و كثر السمن و الفقع، و كثر الخصب، و رخصت الأسعار، و بيعت الحنطة من ثلاثين إلى خمسة و عشرين صاعا بالريال الفرنسي، و الأقط من ثمانية و عشرين إلى ثلاثين صاعا بالريال الفرنسي، و الكمأة من خمسة و أربعين إلى خمسين صاعا بالريال الفرنسي، و التمر من خمسين إلى ستين وزنة بالريال الفرنسي، و السمن بإحدى عشرة وزنة بالريال الفرنسي.

و فيها حصل بين عايض بن مرعي رئيس عسير، و بين العساكر المصرية عدة وقعات، و في كلها ينصره اللّه عليهم، إلى أن استأصلهم قتلا و أسرا. و لما من اللّه عليه بذلك كتب إلى الإمام فيصل بشارة بذلك، و أرسل إليه هدية سنية و معها قصيدة لقاضيهم علي بن الحسين الحفظي يذكر فيها مفاخر قومه، و ما أعطاه اللّه أميرهم عائض بن مرعي من الظفر على الأعداء في وقائع سماها، و هي هذه، و هي على البحر الطويل:

أيا أم عبد مالك و التشرد* * * و مسراك بالليل البهيم لتبعدي‏

و مأواك أوصاد الكهوف توحشا* * * و منواك أفياه النصوب و غرقد

و ما جاوزت ساقاك من سفح رهوة* * * و أشعافها ما بين عال و وهد

و مسراك من ذات العميق و كوثر* * * و نهران مزور القدال المليد

135

و ما السر أن أبدلت قصرا مشرفا* * * و عرشا و فرشا بالعرى و التلدد

فما مثل هذا منكرا لا لضيقة* * * من العيش أو سوء أخلاق معتدى‏

فقالت رويدا يا أبا عبد إنما* * * أضاق بنا ذرعا شديدا التوعد

عرمرم جيش سيق من مصر معنفا* * * يهتك أستار النساء و يعتدي‏

و بسبي ذراري الأكرمين جبارة* * * و ينظم سادات الرجال بمقلد

فقلت لها مهلا فدونك منهم‏* * * ضروب حماة بالحديد المهند

و ضرب يزيل الهام عما ربت به‏* * * و يظهر مكنونات أجاف أكبد

و طعنا ترى نفذ الأسنة لمعا* * * من القوم يعوي جرحها لم يسدد

قفي و انظري يا أم عبد معاركا* * * يشب لها الولدان من كل أمرد

و إن كنت عنها في البعاد فسائلي‏* * * ففيها أسود من مفيد بمرصد

و فيها ليوث الأزد من كل شيمة* * * يصالون نار الحرب حربا لمعتدي‏

و فيها رئيس عايض حول وجهه‏* * * حياض المنايا أصدرت كل مورد

خليفة عصر للحنيفي مثقف‏* * * لما أعوج منه في حجاز و أنجد

فيا لك من يوم الحفير و ما بدا* * * لريدة من طول القتام مشيد

و يا لك من يوم اللحوم سباعه‏* * * شباع و طير الجو تحظى لمشهد

و يا لك من أيام نصر تتابعت‏* * * بها من شواظ الحرب ذات التوقد

تطامت رقاب الروم فيها عبوقها* * * كما عاق دود للجراد المقدد

فأضحى جئاثا في البقاع مركما* * * تزعزعه ربح العشية و الغد

و يا لك من يوم المرار لواؤه‏* * * تقنع بالصرعى به كل مقعد

كان تقحام الشريد و عوره‏* * * فرودنحاها فجأة أعسر اليد

تخرمها نحوا الهجير و إنها* * * لتعهد منه فري ناب و مفصد

و يا عجبا من في حبظى و مادنا* * * لوادي كان من قتيل مسند

136

و في ربوة الشعبين داهية أتت‏* * * عليهم فما أغنى دغاع بمسجد

و يوم المقضى قد تقضت أمورهم‏* * * بفاقرة الظهر التي لم تضمد

و من قبل ذا يوم العزيزة عزهم‏* * * ذليل بضرب المشرفي المجرد

كتائب فيها صرعوا ثم غودروا* * * بأشلائهم قانى الدماء المكيد

بأيدي رجال من شنؤة جدهم‏* * * رقى بهم مجدا إلى حذر فرقد

تداعى عليهم من صميم أصولها* * * ثبات و جمع كالمحيط المزيد

ففاخر بهم يا خاطبا فوق منبر* * * على الناس فاقوا بالحسام و سؤدد

ليهن بني قحطان مجد فخارهم‏* * * مدى الدهر في نادي بواد و ابلد

فيا راكبا إما لقيت ببيشة* * * و ما دفعته من ضراب و فدفد

فسلم على فبر ابن شكبان سالم‏* * * فقد كان قدما قادما كل سيد

يحامي على التوحيد حتى عرى له‏* * * من الحتف كأس جرعة ذو تردد

و مر على أجزاع ضلفع قف بها* * * قليلا و ما يغنيك عن ضرب معهد

على ظهر قباء الكلى لا يريبها* * * حفا حزن منجاة قفر منكد

تئر الحصا بالخف كالخف قبلها* * * و قد ضاق هما صدرها للتعبد

كما فرا من عين برملان وحشه‏* * * يجفله قناصه بالترصد

توسمت الوسمى أما بكورة* * * فمن نقا الدهناء سعدانه الندى‏

و أما نوانيه فإن زال ضمنها* * * فمن حضن حتى الرشاء الممهد

تعللها منه غواد فاشطات‏* * * يقول ورمت زهوها ذو تطرد

فأضحت تسامى في سنام كأنها* * * ينجد تليع الهضب عالي التصمد

فقل لمعد لا تغير يسرحها* * * فتلقى كماة الحي جنبا بموعد

بسمر العوالي و المواضي و دونها* * * و ميض لموضون الحديد المرد

و أما إجازتك الدخول فحوملا* * * فصما فعرضا فالسراديح فاعتدي‏

137

و سقها إلى نجد يؤمك ليلها* * * بنات لنعش و الضحى فيه تهتدي‏

و أن خلات يوما لشحط مزارها* * * فأبدل بها عيناء ذات التعرد

و دعها عن التهجير حتى إذا رات‏* * * ورودا بماء من صفار فأورد

و أشرف على وادي اليمامة قائلا* * * و دمعك سفاح على الخد و الثدى‏

سلام على عبد العزيز و شيخه‏* * * و تابع رشد للإمام المجدد

دعا الناس دهرا للهدى فأجابه‏* * * فئام فمنهم عالمون و مقتدي‏

و قفاهما حذوا سعود بسيفه‏* * * مميز مجرد النفود من الردى‏

و عرج بها ذات اليمين و قد هوت‏* * * على عرصات للرياض بمقصد

و نادى بأعلى الصوت بشرا لفيصل‏* * * و من نسل سادات الملوك مسدد

إليك نظاما نشره في وقائع‏* * * على جحفل المصري قد شد باليد

فعشرون ألفا من قضى اللّه منهم‏* * * فما بين مقتول و عار مجرد

و لم ينج منهم غير قواد قومهم‏* * * على صافنات في قليل معود

كأن أنين المرتمين و من به‏* * * جوارح رمي قاصفات لأعمد

أنين معيز زارها داؤها الذي‏* * * بأكبادها أضنى عليها ليعتدي‏

أو الساكنى الأمطار قد حل فيهم‏* * * عقاص فأصماهم على كل مرقد

أتاهم بها إذا غاب نجم مشعشع‏* * * من الجو في مغرابه نحس أسعد

فكل الذي لا قوه يحسب دونما* * * تعكس من حزم الهمام المعمد

فقل لدليل القوم هلا أفاده‏* * * من العلم أن البغى قتال معتد

و مهما أعادته الأماني بحربنا* * * نصبنا لهم أمثالها بالمجدد

و يا قافلا إما ثنيت زمامها* * * و أقبلت ما استدبرته للتعود

و لاح سهول ضاحكا لك ثغره‏* * * و قد لمحته عينها مغلق الغد

فسلم على الأحباب تسليم موجد* * * و لا تنس جيران البحير بالحد

138

و آخر قولى و ابتدائي فيهم‏* * * صلاة و تسليم على خير مرشد

و آل و صحب كلما قال منشد* * * أيا أم عبد مالك و التشرد

و في هذه السنة غزا الإمام فيصل بن تركي، و نزل على رماح و كتب إلى أمراء بلدان نجد، فأمرهم بالقدوم عليه بغزو بلدانهم في منزله ذلك فقدموا عليه فارتحل بمن معه من الجنود. و عدا على الحبلان من مطير فصبحهم على الوفراء و أخذهم و قفل إلى الرياض، ثم أمر علي ابنه بالمسير بجنوده المسلمين البادية و الحاضرة. و قصد عربان آل مرة، و كانوا قد أكثروا الغارات على أطراف الأحساء و أخذوا قافلة كبيرة في طريق العقير، فيها أموال كثيرة لأهل الأحساء، فصبحهم و هم على النعيرية، و أخذهم و قتل منهم عدة رجال. ثم عدا منها على نعيم و معهم أخلاط من بني هاجر، و المناصير، و هم على سلوى، و أخذهم و أقام هناك أياما و قسم الغنائم و أذن لمن معه من البوادي بالرجوع إلى أهليهم. ثم توجه بمن معه من الحاضرة إلى عمان، و كان قد بلغه أنه وقع فيهم بعض الاختلاف، بين رؤساء البلدان، فلما قرب من البلاد، تلقاه الرؤساء و الأكابر و الأعيان للسلام و قابلوه بالسمع و الطاعة و الانقياد. و كان عاقلا حليما عادلا شهما حازما، حسن التدبير فعاملهم بالرفق و الإحسان، فاطمأن الناس و استبشروا بقدومه فانهالت عليه الهدايا و التحف و قبض خراج البلاد، و أقام هناك إلى النصف من ذي القعدة من السنة الذكورة، ثم قفل راجعا إلى بلده و أذن لأهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم.

و فيها وقع اختلاف بين عيال راشد بن ثامر بن سعدون بن محمد بن مانع بن شبيب، و بين عيال عقيل بن محمد بن ثامر بن سعدون و أتباعهم، في طلب الرياسة على المنتفق. و انقسمت عربان المنتفق عليهم، فحصلت‏

139

بينهم وقعة شديدة بالقرب من سوق الشيوخ، القرية المعروفة، و صارت الهزيمة على عيال عقيل، و عيال عيسى بن محمد بن ثامر، و قتل من الفريقين خلائق كبيرة، و صارت الرياسة على المنتفق لمنصور بن راشد بن ثامر بن سعدون. سار بعد هذه الواقعة محمد بن عيسى بن محمد بن ثامر بن سعدون إلى بغداد، و طلب من الوزير عسكرا لقتال عيال راشد فجهز معه عساكر كثيرة، و توجه بهم لقتال عيال راشد و أمر الوزير على آل قشعم، و آل نعيم و غزية و بني لام بالمسير مع محمد بن عيسى بن ثامر المذكور و أطمعهم في العطاء، فتبعه منهم جمع غفير، و لما علم بذلك عيال راشد انهزموا إلى بادية الظفير و أقاموا هناك، و استقل محمد بن عيسى بولاية المنتفق.

و في ليلة الجمعة الختمة من صفر وقع الجرف الذي عند الحبيلة على سعد السديري، و مات هو و خمسة ممن معه. و كانت هذه السنة رخيصة الأسعار كثيرة الأمطار، فلله الحمد. و في العشر الأوسط من رجب وقعت الزلزلة بشيراز من جهة العجم ثلاثة أيام كل يوم زلزلة، فانهدمت بيوتها و مات تحت الهدم نحو ستة عشر ألف نفس. و بعدها بثلاثة أيام وقع في سوق الشيوخ بعد العصر ظلمة شديدة غابت عنهم الشمس و بقي ذلك إلى وقت غروب الشمس.

و في ليلة النصف من ذي القعدة منها طلع بأيمن الأفق الغربي نجم له شعاع و لم يبق إلّا نحو أسبوع ثم غاب.

ثم دخلت سنة سبعين و مائتين و ألف:

و فيها في صفر توفي الشيخ أبو بكر بن محمد الملا الحنفي الأساسي، و كانت وفاته بمكة. و فيها قتل‏

140

عباس باشا بن أحمد بن طوسون بن محمد علي صاحب مصر، و أقيم بعده بولاية مصر عمه سعيد باشا بن محمد علي صاحب مصر.

و فيها ولد الفقير إلى اللّه تعالى كاتب هذه الأحزف إبراهيم بن صالح بن إبراهيم عيسى في بلد أشيقر.

و في شعبان من هذه السنة قام أهل عنيزة على جلوي بن تركي و أخرجوه من القصر المعروف فيها، و كان أخوه الإمام فيصل بن تركي قد جعله أميرا فيها سنة خمس و ستين و مائتين و ألف، فنزل في القصر المذكور، و معه عدة رجال من الخدّام، و استمر عليها و على سائر بلدان القصيم إلى هذه السنة. و لما صار عليه ما ذكرنا سار هو و من معه إلى بريدة، و أقام فيها و كتب إلى أخيه الإمام فيصل يخبره بذلك، و كان الشيخ الإمام العالم العلامة عبد اللّه بن عبد الرحمن أبا بطين إذ ذاك هو القاضي في بلد عنيزة، فقد ولّاه الإمام فيصل القضاء عليها، و على بلدان القصيم، فلما قاموا على جلوي و أخرجوه غضب لذلك، و خرج بحرمه و عياله من عنيزة إلى بريدة و أقام بها إلى السنة التي بعدها ثم توجّه من بريدة بحرمه و عياله إلى شقراء و أقام بها كما سيأتى إن شاء اللّه و لما خرج جلوي من عنيزة، تأمر في عنيزة عبد اللّه اليحيى بن سليم، و سليم لقب على سليمان بن يحيى بن علي بن عبد اللّه بن زامل، فأولاد سليمان بن يحيى بن علي المذكور و أولاد أولادهم المعروفون بآل سليم، رؤساء عنيزة الآن فعبد اللّه بن يحيى المذكور هو عبد اللّه بن يحيى بن سليمان بن يحيى بن علي بن عبد اللّه بن زامل. و لما وصل الخبر إلى الإمام فيصل بما وقع من أهل عنيزة كتب إلى جميع البلدان، و أمرهم بالجهاد، و أمر علي عبد الرحمن بن إبراهيم بالمسير إلى بريدة و أرسل معه‏

141

سرية من أهل الرياض و أمر على غزو أهل ضرما و القويعية بالمسير معه، و أمره أن يقطع سابلة أهل عنيزة، فتوجّه عبد الرحمن المذكور بمن معه من الجنود و أغار على أطراف عنيزة، و أخذ ما وجده من المواشي، ثم قدم بلد بريدة.

و لما كان في ثالث من ذي الحجة من السنة المذكورة خرج عبد اللّه بن الإمام فيصل من الرياض بغزو أهل الرياض، و الجنوب. و كان قد واعد غزو أهل سدير و الوشم بلد شقراء، فلما وصل إليها وجدهم قد اجتمعوا هناك، و ذلك يوم عيد الأضحى من السنة المذكورة، و اجتمع عليه خلائق من البادية، فسار بتلك الجنود إلى بلدة عنيزة.

و لما كان اليوم الخامس و العشرين من شهر ذي الحجة المذكورة، صبح أهل الوادي، و أخذ جميع ما عندهم من متاع و أثاث و مواش، و قتل منهم نحو عشرة رجال. و أمر عبد اللّه على من معه من الجنود بقطع نخيل الوادي، فخرج عليهم أهل عنيزة و معهم خلائق كثيرة من أهل القصيم، و من البادية، فحصلت بين الفريقين وقعة شديدة في الوادي، و قتل فيها عدة رجال من الطرفين منهم سعد بن سويلم أمير بلدة ثادق. ثم إن عبد اللّه بن الإمام فيصل ارتحل بعد هذه الواقعة من الوادي، و نزل العوشزية، ثم رحل منها و نزل على روضة الربيعية، و قدم عليه طلال بن عبد اللّه بن رشيد بغزو أهل الجبل من حاضرة الجبل و باديتهم. و فيها قتل عبد اللّه بن حمد بن محمد الرزيزا في الرعين عند الهويجة، قتله فهد بن متلف من الحمدان من عتيبة في وقعة بين أناس من أهل أشيقر و ركب من الحمدان المذكورين. و فيها جاء برد عظيم في العقرب الأخيرة قتل بإذن اللّه غالب الزرع.

142

ثم دخلت سنة إحدى و سبعين و مائتين و ألف:

و فيها قدم علي عبد اللّه بن الإمام فيصل و هو على روضة الربيعية بقية غزو أهل نجد، و اجتمع عليه من الخلائق من البادية و الحاضرة ما لا يحصيهم إلّا اللّه تعالى. فلما اجتمعت تلك الجنود، سار بهم عبد اللّه بن الإمام فيصل، قاصدا لقتال أهل عنيزة، و نزل الحميدية، ثم ارتحل منها و نزل الغزيلية، و اشتد الخطب و عظم الأمر، ثم إن أهل عنيزة طلبوا الصلح. و كان الإمام فيصل قد ذكر لابنه عبد اللّه إنهم إن طلبوا الصلح فأجبهم إليه، و يكون ذلك على مواجهتي و على يدي.

و كان (رحمه اللّه تعالى) إماما عادلا حسن السيرة شفيقا على المسلمين، رؤوفا بالرعية، محسنا إليهم، حريصا على مصالحهم، فكتبوا بذلك إلى الإمام فيصل، فأجابهم إلى ذلك، حقنا لدماء المسلمين و رفقا بهم و أعطاهم الأمان. على أن الأمير عبد اللّه اليحيى بن سليم يقدم عليه في الرياض، فركب عبد اللّه آل يحيى بن سليم المذكور من عنيزة و قدم على الإمام فيصل في الرياض، و طلب منه العفو و الإحسان، و اعترف بالخطأ و الإساءة و العصيان، فقبل الإمام معذرته، و صالحه على أشياء طلبها الإمام منه، و التزم بها الأمير عبد اللّه آل يحيى المذكور. و تم الصلح على ذلك في شهر ربيع الأول فأذن له الإمام بالرجوع إلى بلده، و كتب الإمام إلى ابنه عبد اللّه، و أخبره بما وقع بينه و بين أهل عنيزة من الصلح و أمره بالرجوع إلى بلده، و أن يأذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم. فقفل إلى بلد الرياض و معه عمه جلوي بن تركي، و أذن لأهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم و رحل معه الشيخ عبد اللّه بن عبد الرحمن أبا بطين بحرمه و عياله، إلى بلد شقراء، فتلقاه أهلها

143

بالسلام، و استبشروا بقدومه. و ذلك في ربيع الآخر من السنة المذكورة.

و فيها قام عيال راشد بن ثامر بن سعدون و أخذوا في جمع الجنود، و ساروا لقتال محمد بن عيسى بن محمد بن ثامر بن سعدون، و كان غلبهم على الرياسة على عربان المنتفق، كما تقدم في سنة تسع و ستين و مائتين و ألف. و قام مع عيال راشد سلطان بن سويط و سار معهم بمن تبعه من الظفير و سار معهم صقر بن حلاف بمن معه من السعيد، و باذراع بمن معه من الصعدة و قام معهم بنو أسد و بنو نهد فالتقى الفريقان على نهر الفاضلية، و اقتتلوا قتالا شديدا فقتل محمد بن عيسى في المعركة و سارعت الهزيمة على أصحابه و قتل من الفريقين قتلى كثيرة و صارت رياسة المنتفق لمنصور بن راشد بن ثامر بن سعدون بن محمد بن مانع بن شبيب، و ذلك في رجب من السنة المذكورة.

و لما كان في شهر رمضان منها حصل الاختلاف بين منصور بن راشد المذكور، و بين أخيه ناصر بن راشد في طلب الرياسة، و انقسمت عليهما عربان المنتفق و وقع بين الفريقين قتال شديد، و صارت الهزيمة على منصور و أتباعه و صارت الرياسة على المنتفق لناصر بن راشد بن ثامر. و بعد هذه الواقعة سار منصور بن راشد إلى بغداد، و صار عند الوزير سعيد باشا و أقام عنده، و طلب منه الإعانة و المساعدة على قتال أخيه ناصر، فوعده بذلك.

ثم دخلت سنة اثنتين و سبعين و مائتين و ألف:

و فيها أنزل اللّه الغيث في أول الوسمي ثم تتابت الأمطار و السيول و عمّ الحياء جميع بلدان نجد، و كثر الخصب و رخصت الأسعار. و فيها خرج منصور بن راشد

144

و جهز معه الوزير سعيد باشا عساكر كثيرة، رئيسهم يقال له مصطفى باشا، فتوجهوا إلى سوق الشيوخ و نزلوه، و منصور معهم ليس له أمر و لا نهي.

و كان ناصر لما بلغه خبر مسيرهم إليه و تيقّن كثرتهم علم أنه لا طاقة له في لقائهم، فخرج بأهله و أولاده، و ماله و أتباعه، من سوق الشيوخ، و نزل على سلطان بن سويط على كابده و حاصل الأمران حكم المنتفق مرج و تغلبت عليهم الدولة، فكانوا يولون من أرادوا توليته، و يعزلون من أرادوا عزله، و ذلك لكثرة خلافهم و تفرّقهم.

و في هذه السنة قدم الزبير رجل يقال له السيد خميس الهيازعي صاحب طريقة و معه تلامذة له فبدر من بعض تلامذته أمور منكرة فأنكر عليهم السيد عبد الغفار البغدادي المعروف بالأخرس و حصل بينه و بين الهيازعي المذكور سباب و هجاه السيد عبد الغفار بهذه الأبيات على البحر الوافر:

ألا أبلغ جناب الشيخ عني‏* * * رسالة متقن بالأمر خبرا

و سل عنه غداة يهز رأسا* * * بحلقة ذكره و يدير حجرا

أقال اللّه: صفق لي و غني‏* * * و قل كفرا و سمّ الكفر ذكرا

و ويحك ما العبادة ضرب‏* * * و لا في طول هذا الذكر فخرا

تقول: العيدروسي كان يحيى‏* * * من الأنفاس من قد مات دهرا

فما يكفيك الحال حتى‏* * * كذبت على النبي و قلت نكرا

متى صارت هيازع من قريش‏* * * فعدوها لنا بطنا و ظهرا

و لو كان السيادة في اخضرار* * * لكان السلق أشرف منك قدرا

و إن قلت: اشتهرت بكل علم‏* * * فأعرب لي إذا لاقيت عمرا

145

ثم إن بعض أصحاب الهيازع انتصر له، ورد على السيد عبد الغفار بأبيات شنيعة، فثارت العامة بالهيازعي و أتباعه، فانهزموا إلى البصرة، ثم وجهوا إلى الهند.

ثم دخلت سنة ثلاث و سبعين و مائتين و ألف:

و فيها سار عبد اللّه بن الإمام فيصل بجنوده المسلمين، من البادية و الحاضرة، و أخذ ابن مجلاد و من معه من عنزة، في الدهناء. و كان عبد اللّه قد واعد طلال بن عبد اللّه بن راشد أن يقدم عليه بغزو أهل الجبل، في زرود و توجّه عبد اللّه إلى زرود فلما وصل إليها وجد طلال بن رشيد و عمه عبيد بن علي بن رشيد بغزو أهل الجبل قد نزلوا هناك فسار من زرود و عدا على مسلط بن محمد بن ربيعان و من معه من عتيبة و ذلك في جمادى الآخرة من السنة المذكورة. فصبحهم على شبيرمة و أخذهم ثم أغار على الروسان و هم على الرشاوية و أخذهم، ثم توجه إلى الشعراء و نزل عليها و قسم الغنائم، ثم قفل راجعا إلى الرياض و أذن لأهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم. و في رمضان غزا طلال بن عبد اللّه بن علي و أخذ مسلط بن محمد بن ربيعان و سلطان بن حميد من عتيبة.

و في شهر رمضان من السنة المذكورة توفي عبد اللّه بن ربيعة بن وطبان الشاعر المشهور، و كانت وفاته في بلد الزبير، و هم من آل وطبان المعروفين في الزبير، و هم من ولد وطبان بن ربيعة بن مرخان بن إبراهيم بن موسى، و وطبان المذكور هو ابن أخي مقرن بن مرخان، جد آل مقرن ملوك نجد المعروفين، فيجتمع آل مقرن و آل وطبان في مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع بن ربيعة. و سبب نزول‏

146

وطبان بن ربيعة بن مرخان بلد الزبير أنه قتل ابن عمه مرخان بن مقرن بن مرخان في الدرعية فهرب إلى بلد الزبير و صار لآل وطبان في الزبير صيت و شهرة، و صاهروا السعدون شيوخ عربان المنتفق، و آل صباح رؤساء بلد الكويت، و شاخ في بلد الزبير إبراهيم بن ثاقب بن وطبان.

و لما توفي تولّى الرياسة بعده في الزبير ولده محمد بن إبراهيم بن ثاقب بن وطبان، و كان حازما عاقلا، و من الدهاة المعدودين، و كان أهل الزبير يسمونه البلم لدهائه و معرفته بالأمور، لأن البلم يغرق غيره، و يسلم. و لم يزل على رياسته في بلد الزبير ليس له فيه منازع، و قوله في البصرة نافذ، و كان متسلم البصرة أحمد آغا يخافه، و يعلم أنه لا يتم له الأمر في البصرة إلّا بقتله، و لم يزل يدبّر الرأي و الحيلة لقتله، فلم يحصل له ذلك مدة، لأن بن ثاقب المذكور كان كثير الجنود شديد التحفّظ على نفسه إلى أن أنفذ اللّه فيه قدره.

و ذلك أنه لما كان في سنة اثنتين و خمسين و مائتين و ألف اتفق أن المتسلم أحمد آغا المذكور، سافر إلى بغداد، مكيدة منه، و أقام فيه مدة أيام، ثم رجع إلى البصرة و ليس معه ما يريب من عسكر و لا غيرهم و أرسل إلى محمد بن إبراهيم بن ثاقب بن وطبان المذكور، و طلب منه أن يأتي إليه في البصرة، و يأتي معه بمن يحب من الأعيان، لموجب السلام، و ليعرض عليهم كتابا من وزير بغداد للأهالي. فانحدر محمد المذكور من الزبير إلى البصرة، بجنوده بسلاحهم، و معهم الطبول. فلما أقبلوا على السرايا قاموا يعرضون و يغنون، و يضربون الطبول، و كان المتسلم قد جعل كمينا من العسكر في موضع من السرايا في السطح و في أسفل السرايا كمينا آخر فدخل محمد بن إبراهيم المذكور السرايا و معه أصحابه، يغنون‏

147

و يضربون الطبول، و يلعبون في أسفل السرايا، و صعد محمد المذكور، و معه ثلاثة رجال من أصحابه، إلى المتسلم و هو في السطح للسلام عليه، فخرج عليهم العسكر الذين جعلهم المتسلم كمينا كما تقدم، و قبضوا عليهم و قتلوهم، و قطعوا رأس محمد بن إبراهيم المذكور ثم رموا برأسه و جثته على أصحابه، من أعلى السرايا و هم يلعبون و يغنّون. فلما رأوه هربوا إلى الزبير.

و أرسل المتسلم المذكور عدة أنفار من العسكر للزبير، و أمرهم بقبض أموال محمد بن إبراهيم المذكور، و أموال آل إبراهيم بن ثاقب بن وطبان و أتباعهم، فقبضوا ما وجدوه من أموالهم و كان شيئا كثيرا و هرب آل ثاقب من الزبير إلى الكويت.

و في رمضان غزى طلال بن عبد اللّه بن علي بن رشيد و أخذ مصلط بن محمد بن ربيعان و سلطان بن حميد من عتيبة.

و في شوال من هذه السنة توفي الشيخ العالم عبد العزيز بن عثمان بن عبد الجبار بن شبانة الوهبي التميمي. و كانت وفاته في بلد المجمعة (رحمه اللّه تعالى)، أخذ العلم عن أبيه الشيخ العالم العلامة عثمان بن عبد الجبار بن الشيخ أحمد بن شبانة، و عن الشيخ العالم العلامة و القدوة الفهامة، عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (رحمهم اللّه تعالى). كان عالما فاضلا، ولّاه الإمام تركي بن عبد اللّه بن محمد بن سعود القضاء على بلدان منيخ و الزلفي بعد وفاة أبيه الشيخ عثمان بن عبد الجبار في سنة اثنتين و أربعين و مائتين و ألف. فلما توفي الإمام تركي بن عبد اللّه (رحمه اللّه تعالى) تولى بعده الأمر الإمام فيصل‏

148

و عزل صالح بن عبد المحسن بن علي عن إمارة الجبل، و ولي الإمارة مكانه عبد اللّه بن رشيد، و بعث معه الشيخ عبد العزيز بن عثمان المذكور قاضيا، فأقام هناك ثلاثة أشهر حتى انقضى الموسم، ثم أذن بالرجوع إلى بلده، و استمر قاضيا على بلدان منيخ و الزلفي إلى أن توفي في هذه السنة المذكورة.

و لما توفي الشيخ عبد العزيز المذكور، طلب أهل المجمعة من الإمام فيصل أن يرسل إليهم الشيخ عبد العزيز بن صالح بن موسى بن صالح بن مرشد قاضيا على بلدان منيخ و الزلفي، و على جميع بلدان سدير. و فيها في آخر ذي القعدة قام ابن مهليب شيخ برية على حاج أهل عنيزة و هم على الدات الماء المعروف، و طلب عليهم مطالب، فامتنعوا من إعطائه، فأخذهم و لم يحج منهم أحد في هذه السنة. و في هذه السنة حصل على حاج أهل الوشم حريقة في الصرايف في مكة المشرفة هلك فيها لهم أموال كثيرة. و في 25 رجب توفي عبد اللّه بن حمد بن محمد بن عليوي (رحمه اللّه تعالى). و في رمضان توفي عبد اللّه بن ربيعة بن وطبان الشاعر المعروف في الزبير.

ثم دخلت سنة أربع و سبعين و مائتين و ألف:

و فيها كسفت الشمس ضحوة الجمعة في ثامن و عشرين من عاشوري. و فيها أنزل اللّه الغيث في الوسمي و كثر الخصب فيها تناوخ عتيبة و حرب بالقرب من ساق و أقاموا في مناخهم ذلك عشرين يوما و حصل بينهم قتال شديد، و صارت الهزيمة على عتيبة و قتل من عتيبة نحو ستين رجلا، و من حرب نحو خمسين رجلا. و فيها توفي الحميدي بن فيصل بن وطبان الدويش شيخ عربان مطير. و في ثالث عشر من شعبان من السنة المذكورة توفي الشريف‏

149

محمد بن عبد المعين بن عون بن محسن بن عبد اللّه بن حسين بن عبد اللّه بن حسين بن عبد اللّه بن حسن بن أبي نمي، و عمره نحو السبعين، و خلف ستة من الذكور، و هم عبد اللّه و علي و حسين و عون و سلطان و عبد اللّه، و تولى إمارة مكة بعده ابنه عبد اللّه.

و فيها غزا عبد اللّه بن الإمام فيصل بجنود- المسلمين من البادية و الحاضرة، و صبح ابن حميد و الهيضل و من معهما من عربان عتيبة على دخنة و أخذهم ثم عدا من دخنة و أخذ العصمة على نفي و أقام هناك أياما ثم عدا على البقوم و معهم أخلاط من سبيع، و هم على أم الجواعر فصبحهم و أخذهم، ثم قفل راجعا إلى الرياض، و أذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم. و في رمضان منها أخذ طلال بن عبد اللّه بن علي بن رشيد أخلاطا من عتيبة و من بني عبد اللّه. و في هذه السنة وقع الوباء العظيم في نجد و البحرين و الأحساء و مات خلائق كثيرة.

و فيها في رابع جمادى الآخرة توفي الشيخ حسن بن عمر بن معروف بن شطي نسبة لجده المذكور البغدادي الأصل الدمشقي المولد والدا و الوزارة ولد في دمشق عام 1205 ه، و قرأ على عدة مشايخ منهم الشيخ مصطفى بن عبده الشهير بالرحيباني شارح الغاية، و مهر و برع في العلم و صنف شرح زوائد الغاية، و تعقب الشراح فجاء في مجلد حافل، و له مختصر شرح عقيدة السفاريني، في نحو ثلثها و شرح الاظهار في النحو و غير ذلك. و خطة ظريف منمق، و دفن بسفح جبل قاسيون بقرب الشيخ الموفق (رحمهما اللّه تعالى).

و دخلت سنة خمس و سبعين و مائتين و ألف:

و فيها ظهر نجم له‏

150

ذنب في آخر عاشوري ظهر في الجدي و لا غاب إلّا في الهيف بعد شهرين من طلوعه، و فيها تصالح قبايل علوي و قبايل برية بعد حروب بينهم. و في ربيع الأول منها أخذ عبد اللّه بن فيصل البقوم، و فيها في جمادى الأول وقع وباء شديد في البحرين أقام فيه نحو أربعة أشهر و هلكت أمم عظيمة، و وقع في الأحساء و أقام نحو ستة أشهر و هلك خلائق كثيرة و وقع في الرياض و في جميع بلدان نجد و البوادي، و هلك خلائق لا يحصون. و فيها قتل ناصر بن عبد الرحمن بن عبد اللّه السحيمي في الهلالية، قتله عبد اللّه آل يحيى السليم، و كان سبب ذلك أن السحيمي أيام إمارته في بلدة عنيزة قتل إبراهيم بن سليم و ذلك في سنة 1265 ه، و ناصر السحيمي المذكور، هو ناصر بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن محمد بن عثمان بن محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن إسماعيل، من آل إسماعيل المعروفين في بلد أشيقر، و في بلد عنيزة من آل بكر من سبيع، و السحيمي لقب علي عثمان بن محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن إسماعيل، فأولاد عثمان بن محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن عبد اللّه بن أحمد بن إسماعيل المذكور، و أولاد أولادهم هم المعروفون بالسحامي انتقل عبد اللّه بن عبد الرحمن بن محمد بن عثمان بن محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن إسماعيل جد ناصر السحيمي المذكور من بلد أشيقر، إلى عنيزة، و معه ابنه عبد الرحمن أبو ناصر المذكور و مع عبد الرحمن ابنه مطلق الضرير، فنزلوا على عشيرتهم آل بكر من سبيع أهل الخريزة فأكرموهم و أقاموا عندهم و تزوج عبد الرحمن هناك و ولد له ناصر المذكور.

و كان آل بكر و بنو عمهم آل زامل يتجاذبون الرياسة على بلد عنيزة، فلما كبر ناصر المذكور ظهرت منه الشهامة و النجابة و الشجاعة، و كان‏

151

يحيى بن سليم ذلك الوقت هو الأمير في بلد عنيزة، فصار ناصر يعارضه في بعض الأمور و يساعده في ذلك أكابر عشيرته من آل بكر، و كان يحيى بن سليم عاقلا حليما حازما نبيها. فخاف من شر يقع بينه و بين آل بكر، فاستدعى بناصر المذكور، و قال له: «إن لك حقّا علينا فاختر في إمارة عنيزة»، و كان ذلك في اختلاف نجد بعد الدرعية. و قبل قيام الإمام تركي و استيلائه على نجد. فقال له ناصر: «أنت- كبيرنا. و الأمر للّه ثم لك. و لا أريد شيئا من ذلك». و كان ناصر قد ظن أنه غير صادق فيما قال فحلف له يحيى أنه صادق فيما قلته لك. فلما علم ناصر صدقه قال له:

«أنا ولد لك و يكفيني الشداد و معلوم الدرب». و استقام الأمر على ذلك إلى أن قتل الأمير يحيى بن سليم في الوقعة التي بين أهل القصيم و بين ابن رشيد، في بقعاء سنة سبع و خمسين و مائتين و ألف، ثم تأمر بعده في عنيزة أخوه عبد اللّه بن سليم. و بقي فيها إلى أن قتل في سنة إحدى و ستين و مائتين و ألف. في الوقعة التي بين أهل عنيزة و بين ابن رشيد أيضا فتولّى بعده إمارة عنيزة أخوه إبراهيم بن سليم.

و لما كان في سنة أربع و ستين و مائتين و ألف عزل الإمام فيصل إبراهيم بن سليم عن إمارة عنيزة، و أمر فيها ناصر بن عبد الرحمن السحيمي المذكور. و لما كان في السنة التي بعدها قام عبد اللّه آل يحيى بن سليم، و زامل العبد اللّه بن سليم. و رجال من أتباعهم، و رصدوا لناصر المذكور في طريقه بعد العشاء الآخرة، و كان ناصر المذكور قد ضبط قصر عنيزة بالرجال. و جعل فيه أخاه مطلق الضرير.

فلما وصل إليهم رموه ثلاث رميات، و إصابته واحدة منهن على غير مقتل.

فسقط على الأرض، و ظنوا أنهم قد قتلوه، فركضوا إلى القصر ليدخلوه،

152

فوجدوا من فيه قد أنذروا و أغلقوا باب القصر، و شمّروا للحرب.

و أما عبد اللّه اليحيى و زامل فانهزموا إلى بلد بريدة، و أقاموا عند أميرها عبد العزيز آل محمد. و أما ناصر السحيمي فإنه قام من فوره من موضعه، و دخل بيته و جارحوه حتى برى‏ء من جرحه. و كتب إلى الإمام فيصل يخبره بأن آل سليم تعدو عليه بلا جرم و لا سبب و كتب عبد العزيز آل محمد إلى الإمام فيصل يخبره بأن آل سليم عنده و أنهم ما فعلوا ذلك إلّا لأشياء حدثت من السحيمي. فكتب الإمام فيصل إلى عبد العزيز آل محمد يأمره بأن يرسلهم إليه بلا مراجعة. فأرسلهم إليه بهدية سنية، فأنزلهم الإمام في بيت و عفا عنهم، و كتب إلى السحيمي إن آل سليم عندنا، و أنت على مرتبتك، و نحن ننظر في الأمر إن شاء اللّه.

و كان مطلق عبد الرحمن السحيمي الضرير، لما جرح أخوه ناصر، أرسل إلى رجل من أعوان آل سليم يقال له ابن صخيبر فضربه حتى مات ثم قام ناصر السحيمي لما برى‏ء من جرحه على إبراهيم بن سليم فقتله فقام آل سليم يحاولون قتل ناصر بعد قتله إبراهيم بن سليم المذكور. فلم يتفق لهم ذلك إلّا هذه السنة.

لما كان في هذه السنة اتفق أنه ركب من عنيزة لينظر إلى خيل له قد ربطها في بلد الهلالية عند بعض أصدقائه فيها ليعلفها هناك. فعلم بذلك عبد اللّه اليحيى بن سليم و زامل بن عبد اللّه بن سليم و حمد بن إبراهيم بن سليم. فركبوا في أثره وسطوا عليه في الهلالية، فوجدوه نائما عند خيله فقتلوه، ثم رجعوا إلى عنيزة، و انتقل أخوه مطلق بن عبد الرحمن الضرير بعد قتل أخيه ناصر بأولاده إلى بلد أشيقر. و لم يزل بها إلى أن توفي سنة 1282 ه (رحمه اللّه تعالى).

153

و في رجب من هذه السنة- أعني سنة خمس و سبعين و مائتين و ألف- كتب الإمام فيصل إلى عبد العزيز المحمد أمير بريدة أن يقدم عليه، فركب عبد العزيز المذكور، و قدم على الإمام فيصل و معه ولداه عبد اللّه و علي و ثلاثة من خدامه، فلما جلس عبد العزيز بين يدي الإمام انتهره، و أغلظ له في الكلام، و جعل الإمام يعدد عليه أفعاله القبيحة، و ما حصل منه من الشقاق فقال: «كل ما تقوله حق، و أنا أطلب العفو و المسامحة». فأنزله الإمام في بيت هو و من معه، و أجرى عليهم من النفقة ما يكفيهم و أمرهم بالمقام عنده في الرياض و أمر في بريدة عبد اللّه بن عبد العزيز بن عدوان، و هو من آل عليان عشيرة عبد العزيز آل محمد المذكور. و فيها غزا الإمام فيصل بجنود المسلمين من البادية و الحاضرة و ذلك في شعبان من السنة المذكورة، و نزل على وضاح و أقام هناك أياما ثم أمر على ابنه عبد اللّه أن يسير بتلك الجنود، و يقصد بهم عربان برية من مطير لأمور حدثت منهم.

و قفل الإمام فيصل إلى الرياض، فتوجه عبد اللّه بمن معه من الجنود. و صبح عربان برية على دخنة و أخذهم، ثم نزل على عريفجان و استدعى كبار برية فركبوا إليه فلما صدروا من الشبيكية و إذا غزوا قحطان متوجهين إلى عبد اللّه بن فيصل ليصادفوهم فأخذوهم، و قتلوا منهم خمسة رجال، منهم مناحي المريخي و هذال القريفة، فغضب عبد اللّه بن فيصل لذلك، و لما وصل إليه غزو قحطان المذكورون أخذ جميع ما معهم من الخيل، و هي نحو مائة و أربعين فرسا، و أسر منهم خمسة و عشرين رجلا، و قفل بهم معه إلى الرياض، و طلب عليهم أشياء فأعطوه جميع ما طلب، و دفعوا البرية دبة المقتولين منهم و جميع ما أخذوا منهم، ثم أطلقهم. و في‏

154

هذه السنة تصالح عربان برية و قبائل علوي بعد حروب بينهم.

و في ذي الحجة فيها ربط مهنا الصالح أبا الخيل في مكة ربطه الشريف ثم أطلقه في ربيع الأول من السنة التي بعدها.

ثم دخلت سنة ست و سبعين و مائتين و ألف:

و فيها في صفر قتل عبد اللّه بن عبد العزيز بن عدوان أمير بلدة بريدة في بيت الضبيعي، و هو يصنع له القهوة دخلوا له مع بيت عبد اللّه الغانم، و هو جار بيت الضبيعي، قتله خمسة رجال من عشيرته آل أبي عليان، و هم عبد اللّه الغانم و أخوه محمد و حسن آل عبد المحسن، و أخوه عبد اللّه و عبد اللّه بن عرفح. و كان الإمام فيصل قد جعله في بريدة أميرا لما عزل عبد العزيز المحمد عنها و أمره بالمقام عنده في بلدة الرياض، و كان ابن عدوان قد تولى إمارة بريدة في دخول رجب 1275 ه. كما تقدم في السنة التي قبل هذه و آل أبي عليان من العناقر من بني سعد بن زيد مناة بن تميم، و لما جاء الخبر إلى الإمام فيصل غضب على عبد العزيز المحمد، و أمر بحبسه و جعل محمد الغانم أميرا في بريدة مكان ابن عدوان، و كثر القيل و القال، و جعل عبد العزيز المحمد و هو في الحبس يكتب إلى الإمام فيصل و يحلف له إيمانا مغلظة أنه ليس له علم بذلك الأمر، و لا رضي به، و لو أذنت لي بالمسير إلى بريدة لأصلحت ذلك الأمر، و أمسكت الرجال الذين قتلوا ابن عدوان، و أرسلتهم إليك مقيدين بالحديد، أو نفيتهم عن البلاد.

فأمر الإمام فيصل (رحمه اللّه تعالى) بإطلاقه من الحبس، و أحضره بين يديه و جعل يحلف للإمام و يتملق، فأخذ الإمام عليه العهود و المواثيق على‏

155

ذلك، و أذن له الإمام بالرجوع إلى بريدة، و استعمله أميرا عليها و عزل محمد الغانم عن الإمارة، و توجه عبد العزيز المذكور هو و ابنه علي و لما وصل عبد العزيز المحمد المذكور إلى بريدة، قرب الذين قتلوا ابن عدوان و أدناهم. و كان وصوله إلى بريدة في جمادى من السنة المذكور، و جعل يكتب للإمام فيصل بأشياء مكرا و كذبا، فحاق به مكره و حصل عليه ما سيأتي في السنة التي بعدها إن شاء اللّه تعالى.

و في هذه السنة غليت الأسعار في نجد بيعت الحنطة أربع أصواع و نصف بالريال، و التمر أربعة عشر وزنة بالريال، و السمن منه وزنتين إلى وزنتين و ربع. ثم أنزل اللّه الغيث و كثر العشب و لكن الغلاء على حاله الحنطة أربعة أصواع و نصف بالريال، و بعد هذا في هذه و في هذه السنة أظهرت بادية العجمان العصيان و المحاربة.

خرج حاج كثير من أهل الأحساء، و أهل فارس و البحرين، و غيرهم و أخذوا معهم حزام بن حثلين رفيقا، فرصد لهم أخوه فلاح بن حثلين بمن معه من العجمان، بالقرب من الدهناء، و استأصل ذلك الحاج أخذا، و معهم من الأموال ما لا يعد و لا يحصى، و هلك من الحاج خلق كثير عطشا فلا جرم أن اللّه لم يمهل فلاح بن حثلين بعد هذه الفعلة الشنيعة، بل عجل له العقوبة، فإن الإمام فيصل بن تركي (رحمه اللّه تعالى)، ظفر به في السنة التي بعدها- أعني سنة اثنين و ستين و مائتين و ألف- و قيده و أرسله إلى الأحساء مقيدا، و طيف به على حمار في الأسواق في بلد الأحساء، ثم ضربت عنقه هناك و صار ابنه راكان رئيسا بعده على العجمان و جعل يكتب إلى الإمام فيصل، و يتودد إليه و يطلب منه العوض في أبيه، و يردد إليه الرسل، و يطلب منه العفو، و أرسل إلى الإمام هدايا كثيرة من الخيل‏

156

و الركاب، و ما زال كذلك حتى صفح عنه الإمام و حضر بين يديه، و بايعه على السمع و الطاعة، ثم بعد ذلك عظم أمره و صار شرّا من أبيه.

فلما كان في هذه السنة نقض العهد و أغار على إبل الإمام فيصل، و أخذ منها طرفا، ثم ارتحل بعدها من ديرة بني خالد، هو من معه من العربان، إلى جهة الشمال، و نزلوا على الصبيحية الماء المعروف بالقرب من الكويت، و أكثروا من الغارات على عربان نجد. و لما كان في شعبان أمر الإمام على جميع رعاياه من البادية و الحاضرة، بالجهاد، و أمر على ابنه عبد اللّه أن يسير بجنوده المسلمين لقتال عدوهم فخرج عبد اللّه من الرياض في آخر شعبان من السنة المذكورة بغزو أهل الرياض، و الخرج الجنوب، و استنفر من حوله من البادية من سبيع و السهول و قحطان و كان قد واعد غزو أهل الوشم و سدير المحمل الدجاني، الماء المعروف.

فلما وصل إليه وجدهم قد اجتمعوا هناك فأقام هناك ثلاثة أيام ثم ارتحل منه و استنفر عربان، مطير، فتبعه منهم جمع غفير و قصدوا الوفراء، الماء المعروف، و عليها عربان من العجمان فوجدهم بياتا و أخذهم و انهزمت شرائدهم إلى الصبيحية و عليها آل سليمان و آل سريعة من العجمان. ثم ارتحل عبد اللّه من الوفراء و صبح العربان المذكورين على الصبيحة و أخذهم و قتل منهم خلائق كثيرة و انهزمت شرائدهم، و كان حزام بن حثلين و ابن أخيه راكان بن فلاح بن حثلين و علي بن سريعة وعدة رجال من العجمان غزاة لم يحضروا هذه الغزوة، فقدموا على أهلهم بعد الوقعة بيومين فوجدوهم قد أخذوا، فشجع بعضهم بعضا و استعدوا لقتال عبد اللّه الفيصل و هم على ملح و ساروا إليهم فحصلت بينهم معركة كبيرة شديدة فانهزم العجمان لا يلوى أحد على أحد، و قتل منهم سبعمائة رجل‏