خزانة التواريخ النجدية - ج2

- عبد الله بن عبد الرحمان آل بسام المزيد...
306 /
157

و غنم منهم عبد اللّه بن الإمام فيصل من الأموال ما لا يحصى. و هذه الوقعة تسمى (وقعة ملح)، و ذلك في السابع عشر من رمضان، و هذه تفصيلها.

ارتحل عبد اللّه و نزل على ملح فقام رؤساء العجمان، و شجع بعضهم بعضا، و عمدو إلى سبعة جمال، و جعلوا عليهن الهوادج، و أركبوا في كل هودج من تلك الهوادج بنتا جميلة من بنات الرؤساء، محلاة بالزينة- و استصحاب النساء الحرائر في وسط جموع الحرب عادة جاهلية بقيت إلى الآن- لأجل أن يشجعن الفتيان، و ينخين الفرسان و الشجعان، فإن الفتيان و الفرسان تدب فيهم النخوة و الغيرة، و الحمية عن العار، فيقاتلون العدو قتال المتهالك. ثم قاموا إلى الإبل، فقرنوها ثم ساقوها أمامهم، و توجهوا لقتال عبد اللّه و من معه من جنود المسلمين يسوقون قدامهم الإبل و الهوادج، فلما وصلوا إليهم نهض إليهم المسلمون و حصل بين الفريقين قتال شديد، يشيب من هوله الوليد فنصر اللّه المسلمين و انهزم العجمان هزيمة شنيعة، لا يلوى أحد منهم على أحد فتركوا الهوادج و الأبل، و جميع أموالهم، و قتل منهم نحو سبعمائة رجل و غنم المسلمون منهم من الأموال ما لا يعد و لا يحصى. و كانت هذه الوقعة في اليوم السابع عشر من رمضان من السنة المذكورة، و انهزمت شرايدهم إلى الكويت.

و أقام عبد اللّه بمن معه من الجنود على الجهرا مدة أيام، و أرسل الرسل بالبشارة إلى أبيه و إلى بلدان المسلمين فحصل لهم بذلك الفرح و السرور و انشرحت منهم الصدور. و لما وصل خبر هذه الوقعة إلى الزبير و البصرة سروا بذلك لأن العجمان قد أكثروا من الغارات على أطرافهم و أرسل باشا البصرة إلى عبد اللّه بن الإمام فيصل هدايا كثيرة صحبة النقيب محمد سعيد، و أرسل إليه رئيس بلد الزبير سليمان عبد الرزاق بن زهير

158

هدية سنية، ثم إنه ارتحل من الجهراء و قفل راجعا إلى الرياض، فلما وصل الحفنة الخبراء المعروفة في العرمة أذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم، و توجه إلى الرياض مؤيدا منصورا. و لما وصل البشير بهذه الوقعة المذكورة إلى الأحساء كتب الشيخ الإمام العالم العلّامة أحمد بن علي بن حسين مشرف إلى الإمام فيصل بقصيدة فريدة تهنئة له بما منّ اللّه به عليه من النصر و العز على أعدائه البغاة المفسدين، الطغاة المعاندين، و هي هذه و هي على البحر الطويل:

لك الحمد اللهم ما نزل القطر* * * و ما نسخ الديجور من ليلنا الفجر

و ما هبت النكباء رخاء و زعزعت‏* * * على نعم لا يستطاع لها حصر

تفتح أبواب السماء لمثله‏* * * و يعلى بسيط الأرض أثوابها الخضر

فناهيك من فتح به أمن الغلا* * * و أسفرت البلدان و ابتهج العصر

تسامى به نجد إلى ذروة العلا* * * و أسفرت وجه الخط و افتخرت هجر

لقد سرنا ما جاءنا من بشارة* * * فزالت هموم النفس و انشرح الصدر

لدن قيل عبد اللّه أقبل عاديا* * * يقود أسودا في الحروب لها زأر

رئيس به سيما الخلافة قد بدت‏* * * و في وجهه الأكبار و العز و النصر

فصبح قوما في الصبيحية اعتدوا* * * وقادهم و البغى من شأنه غدر

فروى حدود المرهفات من الدماء* * * كما قد روت منه المثقفة السمر

فغادر قتلى يعصب الطير حولها* * * و يشبع منها النسر و الذئب و النمر

قبائل عجمان و منهم شوامر* * * و من الحسين ينتمون و ما بروا

و طائفة مرية غير عذبة* * * خلائقها بل كل أفعالها مر

أساءوا جميعا في الإمام ظنونهم‏* * * فقالوا: ضعيف الجند في غرمه حصر

159

نغير على بلدانه و نخيفها* * * ليعرفنا الوالي و ينمو لنا الوفر

فإن لم نصب ما قد أردنا فإنه‏* * * صفوح عن الجاني و من طبعه الصبر

و ما أنكروا في الحرب شدة بأسه‏* * * و لكن بتسويل النفوس لها غروا

و قد قسموا الأحساء جهلا يزعمهم‏* * * لعجمانهم شطر و للخالدي شطر

أماني غرور كالسراب بقيعة* * * يرى في الفلا وقت الضحى أنه بحر

كذبتم فهجر سورها الخيل و القنا* * * و من دونها ضرب القماحد و الأسر

و من دونها يوم به الجو مظلم‏* * * اسنتنا و البيض أنجمه الزهر

فقل للبوادي قد نكثتم عهودكم‏* * * و ذقتم وبال النكث و انكشف الأمر

فعودوا إلى الإسلام و اجتنبوا الردى‏* * * و إلّا فلا يؤيدكم السهل و الوعر

و ننذركم من بعدها أن من عصى‏* * * فأفسد أوشق العصى دمه هدر

فمن لم يلن عن غيه الوحى زاجرا* * * له كان في ماض الحديد له زجر

تهنأ بهذا النصر يا فيصل الندى‏* * * فقد تم للإسلام و الحسب الفخر

و هذا هو الفتح الذي قد بنى لكم‏* * * مكارم يبقى ذكرها ما بقي الدهر

و هذا هو الفتح الذي جل قدره‏* * * و قد كل عن إحصائه النظر و النثر

فقابل بحمد اللّه جدواه مثنيا* * * على اللّه بالنعما فقد وجب الشكر

و لا تبن للأعراب مجدا فإنهم‏* * * كما قيل أصنام لهم الهدم و الكسر

إذا أودعوا النعماء لم يشكروا لها* * * و إن رمت نفعا منهمو بدا الضر

فوضع الندى في البدو مطغ و مفسد* * * فأصلحهمو بالسيف كي يصلح الأمر

و بالعدل سس أمر الدرعية و احمهم‏* * * عن الظلم كي ينمو لك الخير و الأمر

160

و ألف بني الأحرار في زمن الرخا* * * تجدهم إذا الهيجاء شدتها الأضر

و لا الذخر جمع المال بالسلم للوغى‏* * * و لكن أحرار الرجال هم الذخر

و دونك نظما بالنصائح قد زها* * * كما أن نظم العقد يتزهو به الدر

و أختم نظمي بالصلاة مسلما* * * على المصطفى ماهل من مزنه القطر

كذا الآل و الصحب الأولى بجهادهم‏* * * سما و على الإسلام و انخفض الكفر

ثم دخلت السنة السابعة و السبعون بعد المائتين و الألف:

و فيها اجتمع رؤساء العجمان و تشاوروا فاجتمع أمرهم على المسير إلى عربان المنتفق فتوجهوا إليهم و نزلوا معهم و تحالف رؤساؤهم و رؤساء المنتفق على التعاون و التناصر على كل من قصدهم بحرب و على محاربة أهل نجد من البادية و الحاضرة إلّا من دخل تحت طاعتهم منهم. و سارت ركبانهم و تتابعت الإغارات على أطراف الأحساء و على أهل نجد و صار لهم و للمنتفق شوكة عظيمة و قوة هائلة، و أخافوا أهل البصرة و الزبير، و كثرت الإغارات منهم على أطراف الزبير و البصرة و الكويت و كثر منهم الفساد و النهب في أطراف البصرة، فقام باشا البصرة حبيب باشا و استلحق سليمان بن عبد الرزاق بن زهير شيخ بلد الزبير و أعطاه مالا كثيرا و أمره بجمع الجنود من أهل نجد، فأخذ سليمان المذكور بجمع الجنود، ممن‏

161

كان هناك من أهل نجد المعروفين بعقيل و بذل فيهم المال، فاجتمع عليه خلائق كثيرة.

ثم إن عربان المنتفق و من معهم من عربان العجمان جمع رأيهم على أنهم يتوجهون إلى ناحية البصرة ينزلون بالقرب منها، و يأخذون منها من التمر ما يكفيهم لسنتهم، و كان ذلك الوقت صرام النخل، ثم يتوجهون بعد ذلك إلى حرب نجد. فساروا إليها و نزلوا قريبا منها و ثم نهضوا إليها و انتشروا في نخيلها و عاثوا فيها بالنهب و الفساد.

فنهض إليهم سليمان بن عبد الرزاق بن زهير بمن معه من أهل نجد و من أهل الزبير و باشا البصرة بعسكره و قاتلوهم قتالا شديدا، حتى أخرجوهم من النخيل ثم حصل القتال الشديد بين الفريقين في الصحراء، و صارت الهزيمة على عربان المنتفق و من معهم من العجمان و قتل منهم قتلى كثيرة. و ظهر في هذه الواقعة من أهل نجد الذين مع سليمان بن زهير شجاعة عظيمة، و كان سليمان المذكور من أفراد الدهر عقلا و حلما و كرما و شجاعة.

و كان السيد عبد الغفار بن عبد الواحد بن وهب البغدادي المعروف بالأخرس الشاعر المشهور قد حضر هذه الواقعة فقال يمدح سليمان بن عبد الرزاق بن زهير المذكور و من معه من أهل نجد بهذه القصيدة الفريدة، و هي على البحر الطويل:

أبى اللّه إلّا أن تعز و تكرما* * * و أنك لم تبرح عزيزا مكرما

تذل لك الأبطال و هي عزيزة* * * إذا استخدمت يمناك للباس مخدما

و يا رب يوم مثل وجهك مشرقا* * * لبست به ثوبا من النقع مظلما

162

و أبزغت من بيض السيوف أهلة* * * و أطلعت من رزق الأسنة أنجما

و قد ركبت أسد الشرى في عراضه‏* * * من الخبل عقبانا على الموت حوما

و لما رأيت الموت قطب وجهه‏* * * و ألفاك منه ضاحكا متبسما

سلبت به الأرواح قهرا و طالما* * * كسوت بقاع الأرض ثوبا معندما

أرى البصرة الفيحاء لولاك أصبحت‏* * * طلولا عفت بالمفسدين و أرسما

و قالوا و ما في القول شك لسامع‏* * * و أن جدع الصدق الأنوف و أرغما

حماها سليمان الزهيري بسيفه‏* * * منيع الحمى لا يستباح له حمى‏

تحف به من آل نجد عصابة* * * يرون المنايا- لا أبا لك- مغنما

رماهم بعين العز شيخ مقدم‏* * * عليهم و ما اختاروه إلّا مقدما

بصير بتدبير الحروب و عارف‏* * * عليم فلا يحتاج أن يتعلما

أأبناء نجد أنتمو جمرة الوغى‏* * * إذا أضرمت نار الحروب تضرما

و ذا العام ما شيدتموها مبانيا* * * من المجد يأبى اللّه أن تنهدما

و ما هي إلّا وقعة طار صيتها* * * و أنجد في شرق البلاد و أتهما

رفعتم بها شأن المنيب و خضتم‏* * * مع النقع بحرا بالصناديد قد طما

غزاة دعاكم أمره فأجبتم‏* * * على الفور منكم طاعة و تكرما

و جردكم فيها لعمري صوارما* * * إذا وصلت جمع العدو تصرما

و من لم يجردكم سيوفا على العدى‏* * * نبا سيفه في كفه و تثلما

و أن الذي يختار للحرب غيركم‏* * * فقد ظن أن يغنيه عنكم توهما

كما راح يختار للحرب غيركم‏* * * فقد طن أن يغنيه عنكم توهما

كما راح يختار الضلال على الهدى‏* * * و عوض عن عين البصيرة بالعمى‏

163

و من قال تعليلا لعل و ربما* * * فماذا عسى يغني لعل و ربما

عليكم إذا طاش الرجال سكينة* * * تزلزل رضوى أو تبيد يلملما

و لما لقيتم من أردتم لقاءه‏* * * رميتم به الأهوال أبعد مرتما

صبرتم لها صبر الكرام ضراغما* * * و أفحمتموها المرهفات تفحما

و أوردتموها شرعة الموت منهلا* * * تذيقهمو طعم المنية علقما

و ما خاب راجيكم ليوم عصبصب‏* * * يريه الردى لونا من الروع أدهما

و جددكم للضرب سيفا مهندا* * * و هزكمو للطعن رمحا مقوما

و من ظن أن العز في غير بأسكم‏* * * و هي عزه في زعمه و تندما

و ما العز إلّا فيكمو و عليكمو* * * و ما ينتمي إلّا إليكم إذا انتمى‏

إذا ما قعدتم للأمور و قمتم‏* * * حمدتم عليها قاعدين و قوما

و ما سمعت منكم قديما و حادثا* * * رواية من يروى الحديث توهما

و إن قلتمو قولا صدقتم و ما انثنى‏* * * بكم عزمكم إن رام شيئا و صمما

و لما أتاكم بالآمان عدوكم‏* * * و عاهدتموه أن يعود و يسلما

و فيتم له بالعهد لم تعبأوا بمن‏* * * أشار إلى الغدر الكنين محمما

و لو مدمن تأتيه عنكم يداله‏* * * لعاد بحد السيف أجدع أخذها

و فيما مضى يا قوم أكبر عبرة* * * و من حقة إذ ذاك أن يترسما

أيحسب أن الحال تكتم دونكم‏* * * و هيهات أن الأمر قد كان مبهما

فأظهر مستورا و أبرز خافيا* * * و أعرب عما في الضمير و ترجما

أمتخذ البيض الصوارم للعلا* * * طريقا و سمر الخط للمجد سلما

نصرت بها هذا المنيب تفضلا* * * و أجريت ما أجريت منك يكرما

على غلمة من الناس للّه دره‏* * * تصرف فيها همة و تقدما

تأثل في أبطاله و رجاله‏* * * فلم يغن سحر غاب عنه مكتما

164

و قلبها ظهرا لبطن فلم يجد* * * نظيرك من قاد الخميس العرمرما

هناك ولى الأمر من كان أهله‏* * * فيحل في كل النفوس و عظما

و طال على تلك البغاة ببأسه‏* * * و حكم فيهم سيفه فتحكما

و ما سبق الوالي المنيب بمثلها* * * وفاق ولاة الأمر ممن تقدما

سليمان ما أبقيت في القوس منزعا* * * و لا تركت للبذل يمناك درهما

كشفت دجاها بالصواره و القنا* * * و قد كان يلغي حالك اللون أسجما

فأصبحت في تاج الفخار متوجا* * * و في قمة المجد الأتيل معمما

إليك أبا داود تزجي ركائبا* * * ضوامر قد غودرن جلدا و أعظما

رمتنا فكنا بالعرى عن فسبها* * * و قد بريت من شدة أسير أسهما

فأكرمت مثوانا و لم تر عينا* * * من الناس أندى منك كفّا و أكرما

لأحظى إذا شاهدت وجهك بالمنى‏* * * و أشكر من نعماك للّه أنعما

و أهدي إلى علياك ما استقله‏* * * و لو أنني أهديت دارّا منظما

فحبك في قلبي و ذكراك في فمي‏* * * ألذ من الماء الزلال على الظما

ثم إن أولئك العربان بعد هذه الواقعة ارتحلوا و نزلوا على كوبيدة و على كابدة و على الجهراء و لما وصل خبر هذه الوقعة إلى ناصر بن راشد بن ثامر بن سعدون، رئيس المنتفق، في سوق الشيوخ و قيل له إن باشا البصرة قد عزم على؟؟؟ يده على أملاك المنتفق التي في البصرة، و كانت كثيرة، و رثوها من آبائهم و أجدادهم، فإنهم قد تقلبوا على البصرة و ملكوها مدة سنتين، و ملكوا كثيرا من نخيلها إلى أن ضعف أمرهم، و تغلبت عليهم الدولة لكثرة اختلافهم و تفرقهم، و أزالوهم عنها، و لم يتعرضوا لأملاكهم.

فكتب ناصر بن راشد المذكور إلى باشا البصرة و إلى سليمان بن‏

165

عبد الرزاق بن زهير يقول: إن أولئك الأعراب الذين حدث منهم ذلك ليسوا من باديتنا و إنما هو من بادية نجد جاءوا هاربين من والي نجد ابن سعود و نزلوا بجوار بعض بادية المنتفق و قد رجعوا إلى بلادهم، و الذين معهم من باديتنا يطلبون المرعى لمواشيهم، و حصل هذا الحادث من بادية العجمان، و تشمل من كان معهم، و أما نحن فعلى ما تعهدون من الصداقة بيننا و بينكم، و الطاعة للدولة و ترددت الرسائل بينهم في ذلك و صلح أمرهم و لم يتعرض الباشا لأملاكهم.

و لما جاءت الأخبار إلى الإمام فيصل، (رحمه اللّه تعالى)، بمسير العجمان و من معهم من عربان المنتفق، إلى أرض الكويت، و إن قصدهم المحاربة للمسلمين أمر على جميع الرعايا من المسلمين من البادية و الحاضرة بالجهاد، و أوعدهم الحفنة الخبراء المعروفة في العرمة.

و لمّا كان آخر شعبان من هذه السنة أمر الإمام فيصل ابنه عبد اللّه، أن يسير بجنود المسلمين لقتال عدوهم، فخرج عبد اللّه المذكور من الرياض و معه أهل الرياض، و الخرج، و ضرما و الجنوب و عربان الرياض من سبيع و السهول، و توجه إلى (الحفنة) و نزل عليها أياما، إلى أن اجتمعت عليه جنود المسلمين، ثم ارتحل منها و توجه إلى (الوفراء) فلما وصل هناك قدم عليه غزو عربان مطير، و بني هاجر، ثم ارتحل منها، و حث السير، و عدا على العجمان و من معهم من المنتفق، و هم على الجهراء القرية المعروفة بالقرب من الكويت، و كان النذير قد جاءهم بمسير عبد اللّه بن الإمام فيصل إليهم بجنود المسلمين و قد استعدوا للقتال و ظنوا أنهم لمن حاربهم سيغلبون، و أنهم لمن عداهم من الناس‏

166

سيقهرون، و اللّه غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون، و أرسلوا إلى من حولهم من العربان يندبونهم ليحضروا عندهم.

فلما جاءتهم الأخبار تداعوا إلى النصرة أفواجا و تعاهدوا على الثبات و عدم الفرار بأوثق العهود و جاءوا بالنساء و الأولاد و الأموال فنزلوا على تلك الأشرار و قاموا يعرضون و يغنون، و أقبل عليهم المسلمون و هم على تعبئة يهللون و يكبرون، فلما رأوهم فرحوا و استبشروا بقدومهم عليهم و جزموا أنهم لهم غنيمة سبقت إليهم و قالوا: أيظن عبد اللّه الفيصل أننا مثل من لقي من عربان نجد، ألم يعلم أننا لظى الخطوب، و نار الوغى، و الحروب لنا و الهيجاء هي المراد و المنى، و نحن لها و هي لنا، و سيعلم ذلك و يعاين و يدري من هو عليه كائن.

فلما قرب المسلمون منهم نزلوا، فحين نزلوا ابتدرهم أولئك الطغاة و حملوا على أهل الإسلام حملة ليس وراءها مزيد و ظنوا أنهم مهما شردوا عليهم و شردوهم أعظم تشريد و بددوهم أقبح تبديد. فنهض إليهم المسلمون و صدقوهم القتال و تجالدت الأبطال و صبر الفريقان و حمى الوطيس و صارت الهزيمة على العجمان و من معهم من العربان لا يلوى أحد على أحد، و لا والد على ولد، و تبعهم المسلمون بالقتل و ألجاهم المسلمون إلى البحر و هو جازر فدخلوا فيه و وقف المسلمون على ساحل البحر فمد البحر على من فيه من العجمان و أتباعهم فأغرقهم، و هم نحو ألف و مائة رجل، و قتل منهم خلائق كثيرة، و غنم المسلمون منهم من الأموال ما لا يعد و لا يحصى، و ذلك في اليوم الخامس عشر من رمضان من السنة المذكورة.

167

و أقام عبد اللّه مدة أيام و قسم الغنائم و أرسل الرسل بالبشارة إلى به؟؟؟، و إلى بلدان المسلمين، و لما وصل خبر هذه الوقعة إلى أهل الزبير و؟؟؟ البصرة، حصل لهم بذلك الفرح و السرور و استبشروا بما حصل على عدائهم؟؟؟ من القتل و الذل و الثبور و أخذ الأموال، و كانوا على خوف منهم، بعد؟؟؟ ما وقع بينهم من القتال في أول هذه السنة كما تقدم.

و أرسل باشا البصرة إلى عبد اللّه بن فيصل، و هو في منزلة ذلك،؟؟؟ دية سنية مع النقيب عبد الرحمن، و أرسل سليمان الزهيري إلى عبد اللّه المذكور هدية جليلة مع محمد الصميط. و أرسل السلطان هدية لفيصل؟؟؟ فرمانا على أن فيصل مفوضا على جزيرة العرب، ثم إن عبد اللّه المذكور بعد ذلك قفل بمن معه من جنود المسلمين، راجعا إلى نجد، فلما وصل إلى الدهناء بلغه أن سحلي بن سقيان و من تبعه من بني عبد اللّه من مطير على المنف بالقرب من بلد الزلفي، فعدا عليهم و أخذهم لأمور حدثت منهم و قتل منهم عدة رجال، منهم حمدي بن سقيان أخو سحلي قتله محمد بن الإمام فيصل.

ثم توجه إلى القصيم و نزل روضة الربيعة، و لما بلغ الخبر إلى أمير بريدة، عبد العزيز المحمد بن عبد اللّه بن حسن، خاف على نفسه فركب خيله و ركابه، هو و أولاده حجيلان و تركي و علي، و معهم عشرون رجلا من عشيرتهم، و من خدامهم، و هربوا من بريدة إلى عنيزة، ثم خرجوا منها متوجهين إلى مكة. و لما بلغ عبد اللّه بن فيصل خبرهم أرسل في طلبهم سرية مع أخيه محمد بن الإمام فيصل فلحقوهم في الشقيقة و أخذوهم، و قتلوا منهم سبعة رجال: و هم الأمير عبد العزيز و أولاده، حجيلان و تركي‏

168

و علي، و عثمان الحميضي، من عشيرة عبد العزيز المذكور من آل أبي عليان و العبد جالس بن سرور. و تركوا الباقين و ذلك في الثامن من شوال من السنة المذكورة.

ثم إن عبد اللّه رحل من روضة الربيعة و نزل في بلد بريدة، و أقام فيها عدة أيام، و كتب إلى أبيه يخبره بمقتل عبد العزيز آل محمد و أولاده و يطلب منه أن يجعل في بريدة أميرا. فأرسل الإمام فيصل، (رحمه اللّه تعالى)، عبد الرحمن بن إبراهيم إلى بلد بريدة، و استعمله أميرا فيها، و هدم عبد اللّه بيوت عبد العزيز المحمد، و بيوت أولاده، و قدم عليهم في بريدة طلال بن عبد اللّه بن رشيد، بغزو أهل الجبل من البادية و الحاضرة.

و لما فرغ من هدم تلك البيوت ارتحل من بريدة بمن معه من جنود المسلمين، و عدا علي ابن عقيل و من الدعاجبين و العصمة و النفقة من عتيبة و هم علي الدوادمي فصبحهم و أخذهم ثم قفل راجعا إلى الرياض، مؤيدا منصورا.

و أذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم، و كان عبد اللّه بن عبد العزيز المحمد قد أمر عليه الإمام فيصل بالمقام عنده في الرياض، حين أذن لأبيه عبد العزيز بالسير إلى بريدة كما تقدم في السنة التي قبلها، فخرج عبد اللّه المذكور غازيا مع عبد اللّه بن الإمام فيصل في هذه الغزو. فلما قرب من الرياض شرد من الغزو، فالتمسوه فوجدوه قد اختفى في غار هناك، فأمسكوه و أرسلوه إلى القطيف، و حبسوه فيه فمات في حبسه ذلك و كثرت التهاني من الرؤساء و المشايخ، للإمام فيصل بما منّ اللّه عليه به من العز و النصر، على أعدائه المفسدين، الطغاة المعتدين، نظما و نثرا. و من أحسن ما قيل في ذلك هذه القصيدة الفريدة للشيخ العالم‏

169

العلّامة أحمد بن علي بن حسين بن مشرف، (رحمه اللّه تعالى)، و هي على البحر الطويل:

لك الحمد اللهم يا خير ناصر* * * لدين الهدى ما لاح نجم لناظر

و ما انفلق الإصباح من مطلع الضيا* * * فجل و جلى حالكات الدياجر

لك الحمد ما هب النسيم من الصبا* * * و ما انهل و دق المعصرات المواطر

على الفتح و النصر العزيز الذي سما* * * فقرت به منا جميع النواظر

و إظهار دين قد وعدت ظهوره‏* * * على الدين طرا في جميع الجزائر

وعدت فأنجزت الوعود و لم تزل‏* * * معزا لأرباب التقى و البصائر

لك الحمد مولانا على نصر حزبنا* * * على كل باغ في البلاد و فاجر

و من بعد حمد اللّه جل ثناؤه‏* * * على نعم لم يحصها عد حاصر

نقول لأعداء بنا قد تربصوا* * * عليكم أديرت سيئات الدوائر

ألم تنظروا ما أوقع اللّه ربنا* * * بعجمانكم أهل الجدود العوائر

بأول هذا العام ثم بعجزه‏* * * بأيام شهر الصوم إحدى الفواقر

همو بدلوا النعماء كفرا و جاهروا* * * بظلم و عدوان و فعل الكبائر

فكم نعمة نالوا و عزّا و رفعة* * * على كل باد في الغلاة و حاضر

إذا وردوا الأحساء يرعون خصبها* * * و في برها نبت الرياض الزواهر

و كم أحسن الوالي إليهم ببذله‏* * * و بالصفح عنهم في السنين الغوابر

و كم نعمة أسدى لهم بعد نعمة* * * و لكنه أسدى إلى غير شاكر

و من يصنع المعروف في غير أهله‏* * * يلاقي كما لاقى مجبر أم عامر

لقد بطروا في المال و العز و اجتروا* * * على حرمة الوالي و فعل المناكر

خمدوا يد الآمال للملك و اقتفوا* * * لكل خبيث ناكث العهد غادر

و أبدو الأهل الضغن ما في نفوسهم‏* * * من الحقد و البغضاء و خبث السرائر

170

همو حاولوا الأحساء و دون نيلها* * * زوال ضربها و قطع الحناجر

فعاجلهم عزم الإمام بفيلق‏* * * رماهم به مثل الليوث الخوادر

و قدم فيهم نجله يخفق اللوا* * * عليه و في يمناه أيمن طائر

فأقبل من نجد بخيل سوابق‏* * * ترى الأكم منها سجدا للحوافر

فوافق في الوفرا جموعا توافرت‏* * * من البدو أمثال البحار الزواخر

سبيعا و جيشا من مطير عرمرما* * * و من آل قحطان جموع الهواجر

و لا تنس جمع الخالدين فإنهم‏* * * قبائل شتى من عقيل بن عامر

فسار بموار من الجيش أظلمت‏* * * له الأفق من نقع هنالك ثائر

فصبح أصحاب المفاسد و الخنا* * * بسعر القنا و المرهفات البواتر

بكاظمة حيث النقي جيش خالد* * * بهرمز نقلا جاءنا بالتواتر

فلما أتى الجهراء ضاقت بجيشه‏* * * و جالت بها الفرسان بين العساكر

فولى العدى الأدبار إذ عاينوا الردى‏* * * بطعن و ضرب بالظبا و الحناجر

فما اعتصموا بالأبلجة مزبد* * * من البحر يعلو موجه غير جازر

فنادرهم في البحر للحوت مطعما* * * و قتلى لسرحان و نمر و طائر

تفاءلت بالجبران و العز إذ أتى‏* * * بشير لنا عبد العزيز بن جابر

فواها لها من وقعة عبقرية* * * تشيب لرؤياها رؤوس الأصاغر

بها يسمر الساري إذا جد في السري‏* * * و يخطب من يعلو رؤوس المنابر

تفوح بمدح للإمام و نجله‏* * * و معشره أهل العلى و المفاخر

كفاه من المجد المؤثل ما انتمي‏* * * إليه من العليا و طيب العناصر

فشكرا إمام المسلمين لما جرى‏* * * و هل تثبت النعماء إلّا لشاكر

فهنيت بالعيدين و الفتح أولا* * * وعيدكما الصوم إحدى الشعائر

و شكر الأيادي بالتواصي بالتقى‏* * * بترك المناهي و امتثال الأوامر

171

صبرت فنلت النصر بالصبر و المنى‏* * * و ما انقادت الآمال إلّا لصابر

فدونك من أصداف يجري لآلنا* * * إلى نظمها لا يهتدي كل شاعر

و بكرا عروسا برزت من خبائها* * * شبيهة غزلان اللواء النوافر

إلى حسنها يصبو و ينشد ذو الحجا* * * لك الخير حدثني بظبية عامر

و أختم نظمي بالصلاة مسلما* * * على من إليه الحكم عند التشاجر

محمد المختار و الآل بعده‏* * * و أصحابه الغر الكرام الأكابر

مدى الدهر و الأزمان ما قال قائل‏* * * لك الحمد اللهم يا خير ناصر

و فيها في شوال توفي الشيخ العالم عبد الرحمن الثميري قاضي بلدان سدير (رحمه اللّه تعالى) و الثماري من زعب.

و فيها توفي أحمد بن محمد السديري أمير الأحساء من جهة الإمام فيصل بن تركي (رحمه اللّه تعالى)، و السداري من الدواسر. و فيها أنزل اللّه الغيث و كثر الخصب.

ثم دخلت سنة ثمان و سبعون و مائتين و ألف:

و فيها أنزل اللّه المطر في الخريف، و سالت بلد أشيقر، و تقطعت بعض أوديتها، من شدة السيل، و النخيل إذ ذاك قد كثر فيها الرطب، و لم يختلف من ثمر النخيل شي‏ء في تلك السنة. و في هذه السنة توفي محمد بن عبد اللطيف بن محمد بن علي بن معيوف الباهلي إمام جامع بلد أشيقر و عمره نحو ثلاث و تسعين سنة، (رحمه اللّه تعالى). و في شعبان من هذه السنة وقعت الحرب بين الإمام فيصل، (رحمه اللّه تعالى)، و بين أهل عنيزة فأمر الإمام على البوادي أن يغيروا على بلد عنيزة. فأغار عليها آل عاصم من قحطان في آخر شعبان من السنة المذكورة و أخذوا أغناما. و أرسل الإمام سرية مع‏

172

صالح بن شلهوب إلى بريدة، و كتب إلى الأمير عبد الرحمن بن إبراهيم يأمره أن يغير بهم على أطراف عنيزة. فلما كان في شهر رمضان، أغار عبد الرحمن بن إبراهيم على أهل عنيزة، و أخذوا إبلا و أغناما، ففزعوا عليه، و حصل بينهم و بينه قتال، و تكاثرت الأفزاع من أهل عنيزة، فترك لهم ابن إبراهيم ما أخذ منهم و انقلب راجعا إلى بريدة.

و لما كان في شوال من السنة المذكورة قدم إلى عنيزة محمد الغانم من المدينة، و هو من آل أبي عليان رؤساء بريدة، و من الذين قتلوا ابن عدوان، كما تقدم في سنة 1276 فشجعهم على الحرب، و زين لهم السطوة على بلد بريدة، فخرجوا من عنيزة على خمس رايات، و قصدوا بريدة، فدخلوا آخر الليل، و صاحوا في وسط البلد، و قصد بعضهم بيت مهنا الصالح أبا الخيل، و بعضهم قصد القصر، و فيه الأمير عبد الرحمن بن إبراهيم، وعدة رجال من أهل الرياض، و معه صالح بن شلهوب و أصحابه، فانتبه بهم أهل البلد، و نهضوا إليهم من كل جانب، و وضعوا فيهم السيف و أخرجوهم من البلد، فانهزموا راجعين إلى بلادهم، و قتل منهم عدة رجال.

و لما وصل الخبر إلى الإمام فيصل، أمر على بلدان المسلمين بالجهاد، و أرسل سرية إلى بريدة، و أمرهم بالمقام فيها عند ابن إبراهيم، ثم أمر على غزو أهل الوشم و سدير بالمسير إلى بريدة، و استعمل عليهم أميرا هو عبد اللّه بن عبد العزيز بن دغيثر، فساروا إليها، و اجتمع عند ابن إبراهيم خلائق كثيرة، و كثرت الغارات منهم على أهل عنيزة، ثم إنه حصل بين ابن إبراهيم و ابن دغيثر و من معهما من الجنود و بين أهل عنيزة وقعة في رواق. و صارت الهزيمة على ابن إبراهيم و من معه، و قتل من أتباعه‏

173

نحو عشرين رجلا منهم عبد اللّه بن عبد العزيز بن دغيثر، و قتل من أهل عنيزة عدة رجال. و بعد هذه الوقعة غضب الإمام فيصل (رحمه اللّه تعالى)، على ابن إبراهيم لأشياء، نقلت عنه، فاستلحقه من بريدة إلى الرياض و أمر بقبض جميع ما عنده من المال.

ثم دخلت السنة التاسعة و السبعون بعد المائتين و الألف:

و فيها أمر الإمام فيصل على ابنه محمد أن يسير بغزو الرياض و الجنوب إلى بريدة و يسير معه بمن فيها من غزو أهل الوشم و سدير أهل عنيزة. فتوجه إلى بريدة، و معه الشيخ حسين بن حمد بن حسين ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، و الشيخ عبد العزيز بن محمد بن علي ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، و الشيخ ناصر بن عيد، فلما وصلوا إليها أمر على من فيها من الجنود من أهل سدير و الوشم بالمسير معه، و قدم عليه عبيد بن علي بن رشيد، و ابن أخيه محمد بن عبد اللّه بن علي بن رشيد بغزو أهل الجبل فسار- الجميع إلى عنيزة، فلما وصلوا إلى الوادي- خرج إليهم أهل عنيزة فحصل بين الفريقين قتال شديد، و صارت الهزيمة على أهل عنيزة، قتل منهم نحو عشرين رجلا، و نزل محمد بمن معه من الجنود في مقطاع الوادي، و شرعوا في قطع نخيل الوادي.

فلما كان في اليوم الخامس عشر من جمادى الآخرة من السنة المذكورة خرج عليهم أهل عنيزة، فحصل بين الفريقين قتال شديد، و صارت الهزيمة أولا على محمد بن الإمام فيصل و من معه، و تتابعت هزيمتهم إلى خيامهم. فأمر اللّه سبحانه و تعالى السماء بالمطر، و كان غالب سلاح أهل عنيزة البنادق الفتيل، فبطل عملها من شدة المطر. فكر عليهم محمد و أصحابه فانهزم أهل عنيزة، و قتل منهم نحو أربعمائة رجل،

174

و مات من الذين أصيبوا منهم قدر خمسين، في بطن الديرة، و أقام محمد هناك و أمر على من معه من الجنود بقطع نخيل الوادي. فقطعوا غالبها، و احتصر أهل عنيزة، في بلدهم، و قدم على محمد ابن الإمام فيصل في منزله ذلك طلال بن عبد اللّه بن علي بن رشيد في بقية غزو أهل الجبل.

و لما كان في شعبان من هذه السنة قدم محمد بن أحمد السديري بلد الرياض و معه غزو أهل الحساء، فأمر الإمام على ابنه عبد اللّه أن يسير بهم و بباقي غزو و بلدان المسلمين. فخرج عبد اللّه بمن معه من جنود المسلمين و معهم المدافع و القبوس و توجه إلى بلد عنيزة، فلما وصل إلى شقراء أرسل المدافع و أثقاله إلى أخيه محمد، و هو إذ ذاك في وادي عنيزة، ثم عدا عبد اللّه على عربان عتيبة، و هم على الرشاوية فأخذهم و توجه إلى عنيزة، و نزل عليه و حاصرها، و نصب عليها المدافع، و رماها رميا هائلا و نزل عليه أخوه محمد بمن معه من الجنود، و اجتمع هناك جنود عظيمة لا يحصيها إلّا اللّه تعالى. و أحاطوا بالبلد، و ثار بينهم الحرب، و عظم الأمر و اشتد الخطب، و دامت الحرب بينهم أياما.

ثم إن أهل عنيزة طلبوا الصلح من عبد اللّه بن الإمام فيصل. و كان أبوه قد ذكر له أنهم إن طلبوا الصلح فأجبهم إليه، و إياك و حربهم. و قد أكد عليه في ذلك و ذكر له أن عقد الصلح معهم يكون على يدي و مواجهتي. و كان، (رحمه اللّه تعالى)، إماما عادلا حسن السيرة رؤوفا بالرعية محسنا إليهم شفيقا على المسلمين، حريصا على مصالحهم، فكتبوا بذلك إلى الإمام فأجابهم إلى ذلك حقنا لدماء المسلمين، و رفقا بهم و أعطاهم الأمان على أن الأمير عبد اللّه اليحيى السليم يقدم عليه في بلد الرياض، و يحضر عنده. فخرج عبد اللّه آل يحيى، إلى عبد اللّه ابن‏

175

الإمام فيصل، و اعتذر و اعترف بالخطأ و الإساءة. و طلب منه العفو و الصفحة و المسامحة فقبل معذرته و صلحت حالهم. فحصل بذلك الأمن و الأمان للعباد و البلاد و أطفأ اللّه الفتنة و أزال المحنة و رجع عبد اللّه قافلا إلى الرياض و أذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم.

و ركب معه عبد اللّه اليحيى بن سليم أمير عنيزة، و يحيى الصالح رئيس الخريزة إلى الرياض. و قدما على الإمام فيصل، و جلسا بين يديه و طلبا منه العفو و الصفح و عاهداه على السمع و الطاعة، فعفا عنهما و سامحهما، (رحمه اللّه تعالى) و عفا عنه، فلقد كان إماما عادلا، مباركا ميمونا، صفوحا عن الجاني برّا تقيّا. و أقاما عنده في الرياض مدة أيام ثم كساهما و أعطاها عطاء جزيلا، و أذن لهما بالرجوع إلى بلدهما. و لما وقع الصلح بين الإمام و بين أهل عنيزة، استعمل الإمام فيصل محمد بن أحمد السديري أميرا على بريدة، و على سائر بلدان القصيم، و كان قبل ذلك أميرا على الأحساء، و كان محمد السديري المذكور من أفراد الدهر رأيا و كرما و شجاعة. و قدم بريدة و معه عدة رجال من خدامه و من أهل الرياض و نزل في قصرها المعروف. و صلحت الأمور، و انحسمت الشرور. فقال العالم الشيخ العلّامة أحمد بن علي بن مشرف هذه القصيدة و هي على البحر الكامل:

سبحان من عقد الأمور و حلها* * * و أعز شرعة أحمد و أجلها

و قضى على فئة عتت عن أمره‏* * * بهوانه فأهانها و أذلها

كفرت بأنعم ربها فأذاقها* * * بأس الحروب فلا أقول لمن لها

و حمى سياسة ملكنا بمهذب‏* * * وال إذا ربت الحوادث فلها

بالعزم و الرأي السديد و إنما* * * فيه الإناءة ذو الجلال أحلها

176

يدعو مخالفه إلى نهج الهدى‏* * * فإذا أبى شهر السيوف و سلها

فسقى و روى أرضهم بدمائهم‏* * * قتلا و أنهلها بذاك و علها

في كل ملحة تعيش نسورها* * * منها و ترتاد السباع محلها

رجفت عنيزة هيبة من جيشه‏* * * لما غش حيطانها و أظلها

فعصت غواة أوردها للردى‏* * * و أمير سوء قادها فأضلها

و اختارت السلم الذي حقن الدما* * * إذا وافقت من الهداية و لها

فتح به نصر المهيمن حزبه‏* * * و أزاح أو غار الصدور و غلها

فانظر إلى صنع المليك و لطفه‏* * * و بعطفه كشف الشدائد كلها

لا تيأسن إذ الكروب ترادفت‏* * * فلعلها و لعلها و لعلها

و اصبر فإن الصبر يبلغك المنى‏* * * حتى ترى قهر العدو أقلها

و الزم تقى اللّه العظيم ففي التقى‏* * * عز النفوس فلا يجامع ذلها

و إذا ذكرت بمدحة ذا شيمة* * * فإمامنا ممن تفيأ ظلها

أعني أخا المجد المؤثل فيصلا* * * نفس تتوق إلى حماه تولها

كفاه في بذل الندى كسحابة* * * جاءت بوابلها فسابق ظلها

ما زال يسمو للعلا حتى حوى‏* * * دق المكارم في الفخار و جلها

يشري المدائح بالنفائس رغبة* * * حتى بمفتاح اللها فتح لها

فإذا أناخ مصابرا لقبيلة* * * في الحرب أسأمها الوغى و أملها

ساس الرعية حين قام بعدله‏* * * و يبذله غمر النوال مقلها

منى إليك فريدة هجرية* * * حسناء يهوى كل صب دلها

طوت المفاوز نحو قصدك لم تهب‏* * * لصّا و لا ذيب الفلاة وصلها

فأجز و عجل بالقراء فلم تزل‏* * * تقرى الضيوف بها و تحمل كلها

لا زلت بالنصر العزيز مؤيدا* * * تدعى الأعز و من قلاك أذلها

177

و اللّه أحمده على نعمائه‏* * * رب البرية ذا الجلال و إنّ لها

ثم الصلاة على النبي محمد* * * ما باشر الأرض السماء قبلها

و الآل و الأصحاب ما نسخ الضيا* * * من شمسنا وقت الظهيرة ظلها

و في هذه السنة توفي سعيد باشا ابن عم محمد علي والي مصر و أقيم بعدها إسماعيل باشا ابن إبراهيم بن محمد علي. و فيها ظهر الجراد و كان قد انقطع عن أهل نجد مدة سبعة عشر سنة و لم يروه فيها.

ثم دخلت سنة ثمانين و مائتين و ألف:

و فيها وفد على الإمام فيصل رؤساء أهل الأحساء و طلبوا منه أن يرد لهم أميرهم محمد بن أحمد السديري. و كان الإمام جعله أميرا في بريدة كما تقدم في السنة التي قبلها.

فأجابهم إلى ذلك، و كتب إلى السديري و أمره بالقدوم عليه و جعل مكانه أميرا في بريدة سليمان الرشيد من آل أبي عليان، فقدم عليه، فأمره بالتجهز إلى الأحساء و كان الشيخ أحمد بن علي بن مشرف مع الوفد المذكورين فقال يمدح الإمام بهده القصيدة و هي على البحر الطويل:

لقد لاح سعد النيرات الطوالع‏* * * و غابت نحوس من جميع المطالع‏

غداة أنخنا بالرياض ركابنا* * * بباب إمام تابع للشرائع‏

حريص على إحياء سنة أحمد* * * و إخماد نيران الهوى و البدائع‏

يقيم اعوجاج الأمر بالبيض و القنا* * * و يحكم بالوحيين عند التنازع‏

و يحيي دروسا للعلوم بدرسها* * * و تقريب ذي علم قريب و شاسع‏

تقي نقي قانت متواضع‏* * * و ما الفخر إلا بالتقى و التواضع‏

و ما زال للدين الحنيفي ناصرا* * * بتدمير أوثان و تعمير جامع‏

يعامل قوما بالأناة فإن تفد* * * و إلا أفادتهم حدود اللوامع‏

178

و إن تسألا عن جوده و سخائه‏* * * فكفاه مثل المعصرات الهوامع‏

فإن كنت عن علياه يوما محدثا* * * فحدث و قرط بالحديث مسامعي‏

هو المنهل الصافي يبل به الصدى‏* * * فرده و دع آل البقاع البلاقع‏

به أمن اللّه البلاد فأصبحت‏* * * لنا حرما في الأمن من كل رائع‏

بمد حته فاه الزمان و أهله‏* * * فحسبك من صيت له فيه شائع‏

يربي يتامى المسلمين كأنه‏* * * لهم والد بربهم غير دافع‏

و كم بائس عار كساه برفده‏* * * و كم أشبعت يمناه من بطن جائع‏

قصدناه من هجر نؤمل رفده‏* * * فجاء علينا بالمنى و المنافع‏

أعذناه بالرحمن من كيد كائد* * * و من شر شيطان و خب مخادع‏

و نستودع اللّه المهيمن ذاته‏* * * و ربي كريم حافظ للودائع‏

و صلّ إله العالمين على الذي‏* * * أتانا بنور من هدى اللّه ساطع‏

محمد المبعوث للناس رحمة* * * بأقوم دين ناسخ للشرائع‏

كذا الأل و الأصحاب ما هنت الصبا* * * و ما أطرب الأسماع صوت لساجع‏

و في هذه السنة توفي صالح بن راشد، وكيل بيت مال الأحساء للإمام فيصل، و لما وصل خبر وفاته إلى الإمام جعل مكانه على بيت المال فهد بن علي بن مغيصيب، و أذن الإمام لرؤساء الأحساء و الشيخ أحمد بن علي بن مشرف بالرجوع إلى بلدهم، و كساهم و أعطاهم عطاء جزيلا.

فتوجهوا إليها و سار معهم الأمير محمد بن أحمد السديري و فهد بن علي بن مغيصيب. و فيها توفي تركي بن حميد من شيوخ عتيبة.

و فيها حصل اختلاف بين أهل بريدة و بين أميرهم سليمان الرشيد و كثرت منهم الشكايات، فعزله الإمام فيصل و أمر مكانه مهنا الصالح أبا الخيل، و آل أبي الخيل من عنزة.

179

و فيها غلت الأسعار بيع التمر عشر وزان بالريال، و الحنطة خمسة أصواع بالريال، و السمن وزنتين بسبب انقطاع الحيا.

ثم دخلت السنة الحادية و الثمانون بعد المائتين و الألف:

و فيها سار عبد اللّه بن الإمام فيصل بجنود المسلمين، فتوجه إلى الأحساء و كانت بادية نعيم و معهم أخلاط من آل مرة و غيرهم قد أكثروا الغارات في أطراف الأحساء، فعدا عليهم و صبحهم و هم على حلبون، فأخذهم و قتل منهم جبر بن حمام شيخ نعيم و ابنه محمد و أقام على حلبون أياما ثم عدا على آل مرة و معهم أخلاط من المناصير فأخذهم، و صادف في معداه ذلك ركبا من العجمان، فأخذهم و قتلهم ثم توجه راجعا. ثم نزل على النجبية و قسم الغنائم ثم قفل منها إلى الرياض و أذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم.

و فيها في آخر ليلة عرفة تاسع ذي الحجة توفي الشيخ إبراهيم بن محمد بن محمد بن حمد بن عبد اللّه بن عيسى، قاضي بلدان الوشم في شقراء (رحمه اللّه تعالى). و كان عالما فاضلا و فقيها، أخذ العلم عن الشيخ العالم الفاضل عبد العزيز بن عبد اللّه الحصين الناصري التميمي، و عن العالم العلامة رئيس الموحدين و قامع الملحدين عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، و عن الشيخ العالم العلامة و القدوة الفهامة، عبد اللّه بن عبد الرحمن أبا بطين العائذي، (رحمهم اللّه تعالى).

ولّاه الإمام فيصل بن تركي، (رحمه اللّه تعالى)، القضاء على بلد شقراء، و جميع بلدان الوشم فباشر بعفة و ديانة و صيانة و تثبت و تأن في الأحكام، و كتب كثيرا من الكتب الجليلة بخطه المتوسط في الحسن، الفائق في‏

180

الضبط، و حصل كتبا كثيرة نفيسة في كل كتاب منها خطه بتهميش و تصحيح و إلحاق فوائد و تنبيهات، و أجاب على مسائل عديدة في الفقه بجوابات سديدة بديعة (رحمه اللّه تعالى).

و فيها توفي الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن عبيد إمام جامع جلاجل، و كانت وفاته في مكة المشرفة بعد انقضاء الحج (رحمه اللّه تعالى). و فيها وقع في مكة وباء عظيم أيام الحج و هلك خلائق كثيرة.

ثم دخلت السنة الثانية و الثمانون بعد المائتين و الألف:

و في ربيع الأول منها توفي الشيخ عثمان بن عبد العزيز بن منصور بن حمد بن إبراهيم بن حسين بن محمد الناصري العمروي التميمي الحنبلي النجدي قاضي سدير (رحمه اللّه تعالى).

و في سابع جمادى الأولى منها توفي الشيخ الإمام و الحبر الهمام العالم العلامة و القدوة الفهامة عبد اللّه بن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن سلطان بن خميس الملقّب كأسلافه أبا بطين- بضم الباء الموحدة و فتح الطاء المهملة و سكون الياء المثناة التحتية و آخره نون- العائذي نسبا الحنبلي مذهبا النجدي بلدا. و كانت ولادته في بلد الروضة من بلدان سدير لعشر بقين من ذي القعدة سنة أربع و تسعين و مائة و ألف، و نشأ بها نشأة حسنة في الديانة و الصيانة و العفاف و طلب العلم و قرأ على عالمها الشيخ محمد بن الحاج عبد اللّه بن طراد الدوسري الحنبلي، فمهر في الفقه وفاق أهل عصره في إبان شبيبته. ثم ارتحل إلى بلد شقراء أم بلدان الوشم و استوطنها و قرأ على قاضيها الشيخ العالم الفاضل الورع الصالح عبد العزيز بن عبد اللّه الحصين- بضم الحاء

181

المهملة تصغير حصان- الناصري التميمي في التفسير و الحديث و الفقه و أصوله و أصول الدين حتى برع في ذلك كله.

و أخذ أيضا عن الشيخ الفاضل أحمد بن حسن بن رشيد العفالقي الأحسائي ثم المدني الحنبلي، و عن الشيخ العالم العلامة المتقن حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر التميمي، وجد و اجتهد حتى صار منارا يهتدي به السالكون و إماما يقتدي به الناسكون. و لما استولى الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود على الحرمين الشريفين فيما بعد العشرين و مائتين و ألف ولّاه قضاء الطائف فباشره بفقه و ديانة و صيانة و تثبت و تأن في الأحكام. و جلس هناك للتدريس و التعليم، و قرأ عليه جماعة كثيرة في الحديث و التفسير و عقائد السلف و انتفع به خلائق كثيرة. و قرأ هو على السيد حسين الجفري في النحو حتى مهر فيه ثم إنه رجع إلى بلده شقراء و صار قاضيا فيها و في جميع بلدان الوشم، و جلس في شقراء للتدريس و التعليم و انتفع الناس بعلمه و أخذ عنه العلم جماعة منهم الشيخ محمد بن عبد اللّه بن سليم و الشيخ محمد بن عمر بن سليم، و الشيخ علي بن محمد بن علي بن حمد بن راشد، و الشيخ إبراهيم بن حمد بن عيسى و ابنه الشيخ عبد اللّه بن عبد الكريم بن معيقل، و الشيخ محمد بن عبد اللّه بن مانع، و ابنه عبد الرحمن، و الشيخ صالح بن حمد بن بن نصر اللّه و غيرهم.

ثم إن الإمام تركي بن عبد اللّه بن سعود أرسله إلى بلد عنيزة قاضيا عليها و على جميع بلدان القصيم، و ذلك في سنة ثمان و أربعين و مائتين و ألف، فباشر القضاء هناك سنين عديدة، و اشتهر بحسن السيرة و الورع و الديانة و العفاف و أحبه عامة الناس و خاصتهم و قرأوا عليه و انتفعوا به.

و كان جلدا على التعليم و التدريس لا يمل و لا يضجر و لا يرد طالبا، كريما

182

سخيا ساكتا وقورا، دائم الصمت، قليل الكلام، كثير التهجد و العبادة، قليل المجي‏ء إلى الناس، و حسن الصوت بالقراءة. على قراءته هيبة مرتلة مجودة، و كتب كثيرا من الكتب الجليلة بخطه الحسن المتقن المضبوط و اختصر بدائع الفوائد لشمس الدين ابن القيم في نحو نصفه.

و كتب على شرح المنتهى حاشية نفيسة جردها من هوامش نسخته تلميذه ابن بنته الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ محمد بن عبد اللّه بن مانع فجاءت في مجلد ضخم. و ألف مؤلفات كثيرة مفيدة منها رسالة في تجويد القرآن، و منها كتاب في الرد على داود بن سليمان بن جرجيس العراقي سماه «كشف تلبيس داود بن جرجيس» أجاد فيه و أفاد، و منها الانتصار رد على داود أيضا و كان سديد الفتاوى و التحريرات. له فتاوى لو جمعت لجاءت في مجلد ضخم، لكنها لا توجد مجموعة و يا ليتها جمعت فإنها عظيمة النفع.

و لمّا كان في سنة سبعين و مائتين و ألف رجع من عنيزة إلى بلده شقراء و أقام بها، و لم يزل مستمرا على حاله الجملية معرضا عن القال و القيل ماشيا على أهدى سبيل إلى أن توفي في هذه السنة المذكورة (رحمه اللّه تعالى) و عفا عنه بمنّه و كرمه.

و فيها في جمادي الآخرة توفي محمد بن عبد اللطيف إمام مسجد بلد الدوادمي، و كانت وفاته في بلد الرياض (رحمه اللّه تعالى).

و فيها لتسع بقين من رجب توفي الإمام فيصل بن تركي بن عبد اللّه ابن محمد بن سعود بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع بن ربيعة المريدي الحنفي في بلد الرياض، رحمه تعالى. و كان إماما

183

عادلا حليما مهابا، وافر العقل، سمحا كريما، حسن السيرة، سهل الأخلاق، محبا للعلماء و مجالسا لهم، كثير الخوف من اللّه تعالى، عفيفا تقيّا، صادقا ناسكا، كثير العبادة رؤوفا بالرعية، محسنا إليهم مباركا ميمونا، كثير الصدقة و المعروف، شديد البحث عن الأيتام و الفقراء و أحوالهم، يتفقدهم بالبر و العطاء. و كان كثيرا ما يرسل إلى كل بلد من بلدان المسلمين كثيرا من الصدقات تقسم على الفقراء و المساكين و بالجملة ففضائله أشهر من أن تذكر و مناقبه أكثر من أن تحصر. و قد رثاه الشيخ العالم أحمد بن علي بن حسين بن مشرف «المالكي الأحسائي» بهذه القصيدة الفريدة (رحمه اللّه تعالى)، و مدح بآخرها الإمام عبد اللّه بن فيصل القائم بالأمر من بعد أبيه (رحمه اللّه تعالى) و هي على البحر الطويل:

على فيصل بحر الندى و المكارم‏* * * بكينا بدمع مثل صوب الغمائم‏

إمام نفى أهل الضلالة و الخنا* * * بسمر القنا و المرهقات الصوارم‏

فكم فل من جمع لهم جاء صائلا* * * و أفنى رؤساء منهم في الملاحم‏

يجر عليهم جحفلا بعد جحفل‏* * * و يرميهم في حربه بالقواصم‏

فما زال هذا دأبه في جهادهم‏* * * تغير بنجد خيله و التهائم‏

إلى أن أقيم الدين في كل قرية* * * و أصبح عرش الملك عالي الدعائم‏

و أخلى القرى من كل شرك و بدعة* * * و ما زال ينهى عن ركوب المحارم‏

و عطى جزيل المال محتقرا له‏* * * سماحا و يعفو عن كثير الجرائم‏

مناقب جود قد حواها جبلة* * * فحاز الثنا من عربها و الأعاجم‏

تغمده المولى الكريم برحمة* * * و أسكنه الفردوس مع كل ناعم‏

فلا جزع مما قضى اللّه فاصطبر* * * و إلا ستسلو مثل سلو البهائم‏

فلما تولى خلف الملك بعده‏* * * لنجل خليق بالإمامة حازم‏

184

فقام بعون اللّه للملك سائسا* * * رعيته مستيقظا غير نائم‏

فتابع أهل العدل في كف كفه‏* * * عن المكس إن المكس شر المظالم‏

شابه في الأخلاق والده الذي‏* * * فشا ذكره بالخير بين العوالم‏

و قرب أهل الفضل و العلم و النهى‏* * * و جانب أتباع الهوى غير نادم‏

و من يستشر في أمره كل ناصح‏* * * لبيب يكن فيما جرى غير آثم‏

على يده جل الفتوح تتابعت‏* * * فساوى القرى في الأمن مرعى السوائم‏

و أسلمت الأعراب كرها و جانبوا* * * حضورا لدى الطاغوت عند التحاكم‏

فذكرنا عبد العزيز و شيخه‏* * * و ما كان في تلك الليالي القوادم‏

فلا زال منصور اللواء مؤيدا* * * على كل باغ معتد و مخاصم‏

و دونك أبياتا حوت كل مدحة* * * فأضحت كمثل الدر في سلك ناظم‏

و نهدي صلاة اللّه خالقنا على‏* * * نبيّ عظيم القدر للرسل خاتم‏

محمد الهادي و أصحابه الألى‏* * * حموا دينه بالمرهفات الصوارم‏

صلاة و تسليما يدومان ما سرت‏* * * نسيم الصبا و انهل صوب الغمائم‏

و هذا الذي ذكرته بعض ما فعله من الحسنات لو بسطت القول في وقائعه و غزواته، و ما مدح به من الأشعار، و ما فعله من الخيرات لاحتجت إلى عدة مجلدات و كان له (رحمه اللّه تعالى) أربعة أولاد و هم: عبد اللّه، و محمد، و سعود، و عبد الرحمن، و بايع المسلمون بعده و في عهده ابنه عبد اللّه، فضبط الأمور و ساس الملك أتم سياسة، و سار سيرة جميلة، و نشر العدل، و كان شجاعا مهابا وافر العقل سمحا كريما وافر الحشمة حكيما جوادا ذا حزم و دهاء و لكن لم تتم له الولاية، فإنه نازعه أخوه‏

185

سعود بن فيصل. و جرت بينهما عدة وقائع و منافسات على الملك يأتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى. و كانت أيامه (رحمه اللّه تعالى) منغصة عليه مكدرة من كثرة المخالفين.

و في هذه السنة شرع الإمام عبد اللّه بن فيصل المذكور في بناء قصره الجديد المعروف في بلد الرياض.

ثم دخلت السنة الثالثة و الثمانون بعد المائتين و الألف:

و فيها توفي طلال بن عبد اللّه بن رشيد أمير الجبل أصابه خلل في عقله فقتل نفسه و تولى الإمارة بعده أخوه متعب.

و فيها أمر الإمام عبد اللّه الفيصل على جميع رعاياه من البادية و الحاضرة بالجهاد، و سار بهم إلى ناحية الشمال فأغار على عربان الظفير، و هم على شقراء المعروفة بالقرب من الهور بالقرب من بلد الزبير. و كان قد سبقها النذير إليهم و انهزموا فأخذ عليهم إبلا و أغناما و كان مغاره بعيدا فتقطعت بعض خيله و لم يستفد كثيرا، ثم قفل إلى الرياض و أذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم و كان معه أخوه سعود بن فيصل، و كان بينهما مغاضبة و كان عبد اللّه يخاف منه و قد جعل عليه عيونا لئلا يبدر منه بادرة. و كان قد حجر عليه في بيته في الرياض فلا يدخل عليه أحد و جعل رجلين عند بابه حافظين له. و كان إذا غزا أمر سعودا بالغزو معه. فلما كان بعد قدومهم الرياض بأيام قليلة، هرب أخوه سعود من الرياض في الليل، و معه ابنه محمد إلى بلدان عسير مغاضبا لأخيه عبد اللّه. و توجه إلى محمد بن عائض بن مرعي رئيس بلدان عسير فقدم عليه، و أقام عنده مدة و طلب منه النصرة.

186

و لما علم الإمام عبد اللّه بن فيصل باستقرار أخيه سعود عند ابن عائض المذكور أرسل إلى عائض بهدية صحبة الشيخ حسين بن حمد بن حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب قاضي بلد حريق نعام، و الشيخ سعد بن ربيعة. و كتب إليه بأن خروج سعود من الرياض من غير سبب يوجب ذلك، و أن مراده قطيعة الرحم و الشقاق. و كتب إلى سعود يأمره بالقدوم إليه و أنه يعطيه ما طلب فأبى سعود أن يرجع إليه، و أقام الشيخ حسين و سعد بن ربيعة هناك مدة أيام، و قد أكرمهما محمد بن عائض غاية الإكرام. و لما يئسا من رجوع سعود طلبا من ابن مرعي الإذن لهما بالرجوع، و أرسل معهما هدية جليلة للإمام عبد اللّه بن فيصل، و رسالة إليه على أن سعود بن فيصل قدم علينا، و طلب منا المساعدة، و القيام معه فلم نوافقه على ذلك، و أشرنا عليه بالرجوع و ترك الشقاق فلم يقبل. و لما تحقق سعود من ابن مرعي عدم المساعدة له خرج من عنده، و توجه إلى نجران و نزل على رئيس نجران المسمى بالسيد، و أقام عنده و طلب منه النصرة فأجابه إلى ذلك و قدم على سعود في نجران فيصل المرضف من شيوخ آل مرة، و على ابن سريعة من شيوخ آل ثامر. و كتب إليه مبارك بن روية رئيس السليل يأمره بالقدوم عليه و يعده القيام معه و النصرة له، و اجتمع على سعود بن فيصل خلائق كثيرة من يام، و أمده رئيس نجران بمال، و أرسل معه اثنين من أولاده و خلقا كثيرا من جنده و أتباعه، فسار سعود بمن معه من الجنود فقدموا على مبارك بن روية في السليل.

و فيها غزا عبد اللّه الفيصل و أغار على ابن ربيعان من عتيبة في طلال، و أخذ منه إبلا و أغناما، ثم أدى إليه جميع ما أخذ منه لأنه قد زكى في السنة المذكورة.

187

و لما وصل الخبر بذلك إلى الإمام عبد اللّه بن فيصل أمر بغزو أهل سدير، و المحمل أن يقدموا عليه في بلد الرياض لقتال أخيه سعود، فسار محمد بتلك الجنود و استنفر من حوله من العربان، فالتقى الجمعان في المعتلى المعروف في وادي الدواسر. و كان مع محمد بن فيصل ابن عمه سعود بن جلوي بن تركي، فهرب من محمد بن فيصل إلى سعود بن فيصل في الليلة التي حصلت الوقعة في صبيحتها. و صارت بينهم وقعة شديدة، و صارت الهزيمة على سعود و أتباعه و قتل منهم عدة رجال منهم علي بن سريعة، و أبناء رئيس نجران، و جرح سعود جراحات كثيرة في يديه و في سائر بدنه، و حصل في يديه عيب شديد و سار مع عربان آل مرة إلى جهة الأحساء و قتل من أتباع محمد بن فيصل عدة رجال منهم عبد اللّه بن حمد آل مبارك أمير بلد حريملاء، و عبد اللّه بن تركي بن ماضي من رؤساء بلد روضة سدير.

ثم قفل محمد بن فيصل بعد هذه الوقعة إلى بلد الرياض، و أذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم. و أما سعود بن فيصل فإنه أقام عند آل مرة إلى أن برئت جراحاته، ثم سار إلى عمان و أقام هناك. و في ليلة الاثنين من رجب من السنة المذكورة تساقطت النجوم حين بقي ثلث الليل إلى أن جاء النهار، و اللّه على كل شي‏ء قدير.

و فيها أمر عبد اللّه بن فيصل عمه عبد اللّه بن تركي أن يسير إلى الأحساء و يحرق بيوت العجمان التي في الرقيقة فسار إلى الأحساء، و حرق جميع العشاش التي في الرقيقة.

و فيها عزل محمد بن أحمد السديري عن إمارة الأحساء، و صار مكانه ناصر بن جبر الخالدي.

188

ثم دخلت السنة الرابعة و الثمانون بعد المائتين و الألف:

و فيها أمر الإمام عبد اللّه بن فيصل على عمه عبد اللّه بن تركي بالمسير إلى الأحساء، و أمره أن يحبس كل من ظفر به هناك من بادية العجمان، و أن يحرق بيوتهم التي لهم في الرقيقة. فسار عبد اللّه المذكور في سرية من أهل الرياض و الوشم و سدير. و لما وصل إلى الأحساء قبض على من وجده من العجمان هناك، و حبسهم و أحرق البيوت و الصرائف التي لهم في الرقيقة.

و كان أمير الأحساء إذ ذاك محمد بن أحمد السديري، فكتب إليه الإمام و أمره بالقدوم عليه في بلد الرياض. فسار محمد المذكور من الأحساء، و قدم على الإمام عبد اللّه في بلد الرياض، و عزله من إمارة الأحساء، و جعل مكانه أميرا ناصر بن جبر الخالدي، و فيه توفي محمد بن عبد اللّه آل قاضي الشاعر المشهور في بلد عنيزة (رحمه اللّه تعالى) كان أديبا سريا كريما موصوفا بالعقل و الذكاء، و مكارم الأخلاق، و في جمادى الثانية توفي سليمان بن عياف في بلد أشيقر.

ثم دخلت السنة الخامسة و الثمانون بعد المائتين و الألف:

و فيها أمر الإمام عبد اللّه بن فيصل على جميع بلدان المسلمين بالجهاد، و خرج من الرياض يوم خامس عشر من المحرم، و نزل على بنبان و استلحق غزو أهل البلدان و العربان. فلما اجتمعوا هناك سار بهم إلى وادي الدواسر، و أقام هناك نحو شهرين و أخذ منهم أموالا كثيرة، و هدم بيوتا، و قطع نخيلا لقيامهم مع سعود كما تقدم. ثم قفل إلى الرياض و أذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم.

و فيها توفي الشيخ سعود بن محمد بن سعود بن حمد بن محمد بن سلمان بن عطية قاضي بلد القويعية (رحمه اللّه تعالى)، و تولى القضاء بعده‏

189

فيها ابنه محمد. و فيها توفي الشيخ عثمان بن علي بن عيسى قاضي بلدان سدير، و هو من سبيع (رحمه اللّه تعالى).

و فيها حج أهل العارض كبيرهم عبد العزيز بن ناهض راعي البرود، و حج في هذه السنة عبد اللّه بن تركي بن عبد اللّه بن محمد بن سعود.

و فيها توفي الشيخ العالم العلامة و القدوة الفهامة أحمد بن علي بن حسين بن مشرف المالكي الأحسائي، و هو من المشارفة من الوهبة من تميم (رحمه اللّه تعالى). كان إماما عالما فاضلا سلفيّا حسن العقيدة أديبا لبيبا شاعرا بارعا ماهرا. و له ديوان شعر مشهور، و تولى القضاء في الأحساء، و كان ضرير البصر (رحمه اللّه تعالى).

و فيها عشية يوم السبت حادي عشر ذي القعدة الحرام توفي الشيخ الإمام العالم الفاضل القدوة رئيس الموحدين، و قامع الملحدين عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام، و قدوة الأعلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب (رحمه اللّه تعالى). كان إماما بارعا محدثا فقيها ورعا نقيا تقيا صالحا، له اليد الطولى في جميع العلوم الدينية. أخذ العلم عن عدد من العلماء الأفاضل. قال (رحمه اللّه تعالى) فيما كتبه إلى بعض العلماء و قد سأله عمن أخذ عنه من المشايخ في نجد و مصر: و أما ما طلبت من روايتي عن مشايخي (رحمهم اللّه تعالى)، فأقول: إعلم إني قرأت على شيخنا الجد (رحمه اللّه تعالى) في كتاب التوحيد من أوله إلى أبواب السحر، و جملة من آداب المشي إلى الصلاة، و حضرت عليه مجالس كثيرة في البخاري، و التفسير، و كتب الأحكام بقراءة شيخنا الشيخ عبد اللّه بن ناصر و غيرهم.

و سنده (رحمه اللّه) معروفا تلقاه عن عدد من أهل المدينة و غيرهم رواية خاصة و عامة.

190

و منهم محمد حياة السندي، و الشيخ عبد اللّه بن إبراهيم القرضي الحنبلي، و قرأت و حضرت جملة كثيرة من الحديث و الفقه على الشيخين المشار إليهما أعلاه. و شيخنا الشيخ حسين و حضرت قراءته و أنا إذ ذاك في سن التمييز على والده (رحمه اللّه تعالى). و شيخنا الشيخ حمد بن ناصر (رحمه اللّه تعالى) قرأت عليه في مختصر الشروح، و المقنع. و شيخنا الشيخ عبد اللّه بن فاضل (رحمه اللّه) قرأت عليه في السيرة. و شيخنا عبد الرحمن بن خميس قرأت عليه في شرح الشنشوري في الفرائض، و شيخنا أحمد بن حسن بن رشيد الحنبلي قرأت عليه في شرح الجزرية للقاضي زكريا الأنصاري. و شيخنا الشيخ أبو بكر حسين بن غنام قرأت عليه شرح الفاكهي على المتممة في النحو.

و أما مشايخنا من أهل مصر فمن فضلائهم في العلم الشيخ حسن القويني حضرت عليه «شرح جمع الجوامع» في الأصول للمحلي، و مختصر السعد في المعاني و البيان، و ما فاتني من الكتابين يسير. و أكبر من لقيت بها من العلماء الشيخ عبد اللّه بن سويدان، و أجازني هو و الذي قبله بجميع مروياتهما، و دفع لي كل واحد نسخته المتضمنة لأوائل الكتب التي روياها بسندهما إلى الشيخ المحدث عبد اللّه بن سالم البصري شارح البخاري، و لقيت بها الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، و حدثني بالحديث المسلسل بالأولية بشروطه. و هو أول حديث سمعته منه قرأته عليه بسنده حتى انتهى إلى الإمام سفيان بن عيينة (رحمه اللّه تعالى)، عن أبي قابوس مولى عبد اللّه بن عمرو بن العاص، عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما، أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك و تعالى ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». و أجازني بجميع مروياته‏

191

عن الشيخ مرتضى الحسيني عن الشيخ عمر بن أحمد الجوهري كلاهما عن عبد اللّه بن سالم البصري، و هو يروي عن ابن عبد اللّه محمد بن علاء الدين البابلي عن الشيخ سالم السنهوري عن النجم الغيطي، عن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، عن الحافظ شيخ الإسلام أحمد بن علي بن حجر العسقلاني صاحب «فتح الباري». و أكثر روايات من ذكرنا من مشايخنا للكتب، انتهى إليه.

فأما روايتهم للبخاري فرواه الحافظ ابن حجر عن إبراهيم بن أحمد التنوخي، عن أحمد بن أبي طالب الحجار، عن الحسين بن مبارك الزبيدي الحنبلي، عن أبي الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي الهروي، عن الداودي، عن عبد اللّه بن حمويه السرخسي، عن الفربي، عن الإمام البخاري (رحمه اللّه)، و قرأت عليه أسانيده عن شيخه المذكور متصلة إلى مؤلفي الكتب الحديثة، كالإمام أحمد، و مسلم، و أبي داود، و النسائي، و الترمذي، و ابن ماجه (رحمهم اللّه تعالى)، فأجازني بها و بسند مذهبنا بروايته عن شيخه المذكور عن السفاريني النابلسي الحنبلي، عن أبي المواهب متصلا إلى إمامنا (رحمه اللّه تعالى).

و أما الشيخ عبد اللّه بن سويدان فأجازني بجميع ما في نسخه عبد اللّه بن سالم المعروف بمصر و نقلها من أصله فهي إلى الآن موجودة عندنا، مسندة إلى الشيخ المذكور بروايته عن شيخه محمد بن أحمد الجوهري عن أبيه أحمد عن شيخه عبد اللّه بن سالم. و قد تقدم سياق سنده إلى البخاري و أجاز لي رواية مذهب إمامنا بروايته له عن الشيخ أحمد الدمنهوري، عن الشيخ أحمد بن عوض عن شيخه محمد الخلوتي، عن شيخه الشيخ منصور البهوتي، عن الشيخ عبد الرحمن البهوتي، عن‏

192

الشيخ يحيى ابن الشيخ موسى الحجاوي، عن أبيه، و سند الأب مشهور إلى الإمام أحمد.

و أما الشيخ حسن القويني فأجازني بجميع ما في نسخه عبد الإله بن سالم البصري المذكور بروايته عن الشيخ عبد اللّه الشرقاوي، عن الشيخ محمد بن سالم الخفني، عن الشيخ عبد اللّه بن علي النمرسي، عن الشيخ عبد اللّه بن سالم البصري، قال: و أخذت صحيح البخاري، جميعه عن الشيخ داود القلعي، عن الشيخ أحمد بن جمعة البجيري، عن الشيخ مصطفى الاسكندراني المعروف بابن الصباغ، عن الشيخ عبد اللّه بن سالم بسنده المتقدم. قال: و أخذت الصحيح عن شيخنا الشيخ سليمان البجيري، عن الشيخ محمد العشماوي، عن الشيخ أبي العز العجمي، عن الشيخ محمد الشوبري، عن محمد الرملي، عن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، عن الحافظ بن حجر العسقلاني، عن التنوخي عن الشيخ سليمان بن حمزة، عن الشيخ علي بن الحسين بن النمير، عن أبي الفضل ابن ناصر عن الشيخ عبد الرحمن بن مندة، عن محمد بن عبد اللّه الجوزقي، عن مكي بن عيدان النيسابوري، عن الإمام مسلم عن الإمام البخاري رضي اللّه عنهم أجمعين.

قلت: و بهذا السند روي صحيح مسلم أيضا. و لقيت بمصر مفتي الجزائر محمد بن محمود الجزائري الحنفي الأثري فوجدته حسن العقيدة، طويل الباع في العلوم الشرعية. و أول حديث حدثنيه المسلسل بالأولية:

رواه لنا عن شيخه حمودة الجزائري بشرطه متصلا إلى سفيان بن عيينة كما تقدم. و أجازني بمروياته عن شيخه المذكور، و شيخه علي بن الأمين و قرأت عليه جملة من الأحكام الكبرى للحافظ عبد الحق الأشبيلي‏

193

(رحمه اللّه تعالى)، و كتب أسانيده في الثبت الذي كتبه عنه.

و ممن وجدته أيضا بمصر الشيخ إبراهيم العبيدي المقرى‏ء شيخ مصر في القراءات يقرأ العشر، و قرأت عليه أول القرآن. و أما الشيخ أحمد بن سلمونة فلي به اختصاص كثير، و كان رجلا حسن الخلق، متواضعا له اليد الطولى في القراءات قرأت عليه كثيرا من الشاطبية، و شرح الجزرية لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري. و قرأت عليه كثيرا من القرآن، و أجاد و أفاد و هو مالكي المذهب.

و منهم الشيخ يوسف الصاوي قرأت عليه الأكثر من شرح الخلاصة لابن عقيل (رحمه اللّه). و منهم إبراهيم الباجوري قرأت عليه شرح الخلاصة للأشموني إلى الإضافة، و حضرت عليه في السلم. و على محمد الدمنهوري في الاستعارات، و الكافي في علمي العروض و القوافي. قرأه لنا بحاشيته في الجامع الأزهر عمره اللّه تعالى بالعلم و الإيمان، و جعله محلا للعمل بالسنة و جميع المدن و الأوطان. إنه واسع الامتنان و صلّى اللّه على أشرف المرسلين محمد و على آله و صحبه أجمعين. انتهى ما كتبه (رحمه اللّه تعالى).

و لما قدم من مصر إلى بلد الرياض أكرمه الإمام تركي بن عبد اللّه بن محمد بن سعود غاية الإكرام. و ذلك في سنة إحدى و أربعين و مائتين و ألف. و كان قد نقله إبراهيم باشا بعد استيلائه على الدرعية فيمن نقل من آل سعود، و آل الشيخ ففرح المسلمون بقدومه، و جلس للتدريس فانتفع الناس بعلومه، و أخذ عنه خلائق كثيرة. فممن أخذ عنه و انتفع به ابنه الشيخ عبد اللطيف قرأ عليه في مصر. ثم قرأ عليه في الرياض بعد قدومه‏

194

من مصر. و الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، و الشيخ عبد الملك بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب و عبد الرحمن بن حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، و الشيخ حسين بن حمد بن حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، و الشيخ عبد اللّه بن حسن بن حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، و الشيخ عبد العزيز بن محمد بن علي بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، و الشيخ عبد العزيز بن عثمان بن عبد الجبار بن شبانة، و الشيخ عبد الرحمن الثميري، و الشيخ عبد اللّه بن جبر، و الشيخ حمد بن عتيق، و الشيخ محمد بن سلطان، و الشيخ عبد العزيز بن حسن بن يحيى، و الشيخ محمد بن إبراهيم بن عجلان، و الشيخ محمد بن عبد العزيز، و الشيخ عبد الرحمن بن عدوان، و الشيخ محمد بن إبراهيم بن سيف، و الشيخ عبد اللّه بن علي بن مرخان، و شيخنا الشيخ علي بن عبد اللّه بن عيسى، و شيخنا الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى، و الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن مانع، و الشيخ محمد بن عبد اللّه بن سليم، و الشيخ محمد بن عمر بن سليم، و غيرهم.

و كان (رحمه اللّه تعالى) ملازما للتدريس مرغبا في العلم معينا عليه كثير الإحسان للطلبة لين الجانب كريما سخيا ساكنا وقورا، كثير العبادة، و ألف كتبا مفيدة منها: «فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد»، و كتاب في الرد على داود بن سليمان بن جرجيس العراقي، و كتاب الرد على عثمان بن منصور، و غير ذلك. و أجاب على أسئلة عديدة بأجوبة مسددة بديعة لو جمعت لجاءت في مجلد ضخم لكنها لا توجد مجموعة و يا ليتها جمعت فإنها عظيمة النفع، و له غير ذلك و لم يزل على حسن الاستقامة، و الإعزاز التام، و نفوذ الكلمة عند ولاة الأمر فمن دونهم إلى أن توفاه اللّه‏

195

تعالى في التاريخ المذكور. و قد رثاه تلميذه الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللّه بن مانع الوهيبي التميمي بهذه القصيدة و هي على بحر الطويل:

ترد رداء الصبر في حادث الأمر* * * و فوض بتسليم مع الحمد و الشكر

فنعم احتساب المرى‏ء في حال رزئه‏* * * و نعم إدراع الصبر في العسر و اليسر

لقد ساءنا ما جاءنا من مبلغ‏* * * مشيع بها يهدى إلى المسمع الوفر

فصخت له سمعا و ألححت سائلا* * * بماذا ينادي و الفؤاد على جمر

فقل ينادي أخطا اللّه شره‏* * * بأن إمام الدين أوفى على العمر

فازعج من البابنا كل ساكن‏* * * و حرك أشواقا بها عيل من صبري‏

و أيقنت أن الأرض مادت بأهلها* * * و أن الفضا مما بنا صار كالشبر

لقد ظل أهل الحق من بعد موته‏* * * حيارى كأيتام أصيبوا على صغر

فيا مهجتي حقا عليه تفنني‏* * * و يا عبرتي خلى غرور الأسى تجري‏

مضى عابد الرحمن نجل محمد* * * مجدد دين اللّه عن وصمة الكفر

فلا يبعدنك اللّه من شيخ طاعة* * * بعيد عن الأدناس ناء من الكبر

قوي بأمر اللّه شهم مهذب‏* * * أشد لدى هتك الحدود من النهر

تجرد للتدريس و الحفظ دائبا* * * و أسقى غراس العلم في سائر العمر

ففي الفقه و التوحيد بحر غطمطم‏* * * و في بحثه التوحيد نادرة العصر

و في النحو و التأصيل قد صار آية* * * و كل فنون العلم أربى على البحر

يجيب على الفتوى جوابا مسددا* * * يزيح به الإشكال عن مرتع الفكر

فيضحى عويص المشكلات موضحا* * * بتحقيق أبحاث أدق من الشعر

فسل عنه في التوحيد تهذيبه الذي‏* * * غدا بين تيك الكتب كالكوكب الدري‏

196

و في ردة تشبيه كل مشبه‏* * * من الملحدين المعتدين أو الغدر

إذا مبطل يأتي بتزويق شبهة* * * جلاها كما يجلى دجى الليل من الفجر

ففي كل إقليم له الرد فانتهت‏* * * تصانيفه في كل مصر و في قصر

و لما طفى علج العراق بجهله‏* * * و غرره ما لفقوه من الهذر

رماه كما يرمي الرجيم بثاقب‏* * * فراح ابن جرجيس على الذل و الصغر

وباء ابن منصور بأرقام حجة* * * و دحض فولى بالبوار و الخسر

و في كل معنى وفر اللّه فسمه‏* * * و فضل إله العرش يسمو عن الحصر

فلو كان يفدى لافتدته نفوسنا* * * بأرواحها لو كان ذلك من أمر

أو الأجل المحتوم يدفع برهة* * * لزدناه من وقت به منتهى العمر

و لكن أطواق المنايا قلائد* * * بأعناقنا لا نفتديها من الأمر

لقد بان فيها النقص من بعد موته‏* * * و موت أهل العلم قاصمة الظهر

فهذي علامات القيامة قد بدت‏* * * و نقل خيار الناس من أعطم النذر

فنرجو إله العالمين يثيبنا* * * و يجبر منا ما تصدع من كسر

و يسكنهم جنات عدن مع الألى‏* * * سعوا في بيان الدين في العسر و اليسر

و ما مات من كان المبجل شيخنا* * * خليفته عبد اللطيف ابن ذي القدر

سما رتبة في العلم لم يتصل بها* * * سواه و لم يبلغ سناها ذوو الصدر

فكانوا أحق الناس في قول من مضى‏* * * إذا ما انتدى للقوم في محفل الذكر

197

إذا قال لم يترك مقالا لقائل‏* * * مصيب و لم يثن اللسان على هجر

و أقلامه تجري على متن طرسه‏* * * فتشفى أوام الصدر عن مغلق الحصر

و إن طالب يأتيه يبغي إفادة* * * أزاح له الإشكال بالسير و الخبر

و أنهله من بحره الجم نهلة* * * فراح بها يدري و قد كان لا يدري‏

فلا زال يولي الطالبين من الهدى‏* * * و يمنح من أهل العلم من سببه الغمر

يجدد منهاج الأئمة جددوا* * * لدين الهدى فانضاح في البر و البحر

هم القوم أحيوا سنة الدين و اقتفوا* * * منار طريق الحق بالسر و الجهر

فأحيو سبيل الرشد بعد اندراسه‏* * * و قد بذلوا فيه النفيس من العمر

فأصبح منهاجا قويما لسالك‏* * * و بعد الخفا أضحى يضاهي سنا البدر

أولئك أشياخي و قومي و سادتي‏* * * و هم قدوتي حتى أوسد في قبري‏

لئن أصبحوا قد ضمهم بطن ملحد* * * و ماتوا كراما موت ذي نجدة حر

فقد خلفوا فينا تقارير ديننا* * * و لم يغفلوا منها أقل من الظفر

تغمدهم رب البرايا بفضله‏* * * و أسكنهم من جنة الخلد في القصر

و أحيا إله العالمين منارهم‏* * * بسلطاننا الميمون بالمجد و الفخر

إمام الهدى عبد الإله ابن فيصل‏* * * سمام العدا نجل الغطارفة الغر

كثير الأيادي في البوادي و حضرهم‏* * * مبيد الأعادي بالمهندة البتر

تولى أمور الخلق حقا فساسهم‏* * * سياسة عدل غير جور و لا عشر

يبيت إذا نام الهدان بهمه‏* * * و برها بالحزم و العز و الفكر

و ألبسه الرحمن جلباب هيبة* * * كما ألبس الفاروق بالبأس و الصبر

و إن يأته ذو رفعه أو تكبر* * * تضاءل كالعصفور أبصر بالحر

إذا سار ينوي قرية أو قبيلة* * * تقدمه جيش من الرعب بالنحر

أدام له المولى الكريم اعتزازه‏* * * و أيده بالنصر و العزم و القهر

198

و بلغه من كل خير مرامه‏* * * من الأمن و التوفيق و السعد و اليسر

و سدده في كل حال وقادة* * * بتوفيقه في ظاهر الأمر و السر

و أحسن ختم للنظام صلاتنا* * * على المصطفى و الآل مع صحبه الطهر

صلاة و تسليما يدومان ما سرى‏* * * نسيم الصبا أو ناح في أبكة القمري‏

و فيها توفي عبد اللّه آل يحيى آل سليم أمير بلدة عنيزة (رحمه اللّه تعالى) و تولى الأمارة بعده زامل آل عبد اللّه بن سليم. و فيها قتل متعب بن عبد اللّه بن علي بن رشيد أمير الجبل قتله أولاد أخيه طلال بن عبد اللّه بن علي بن رشيد و مالأهم على قتله عمه عبيد بن علي بن رشيد، تولى الأمارة بعده بندر بن طلال، و كان أخوه محمد آل عبد اللّه قد ركب من الجبل وافدا على الإمام عبد اللّه بن فيصل فجاءه الخبر بقتل أخيه متعب، و هو إذ ذاك في الرياض، فأقام عند الإمام إلى السنة التي بعدها، كما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

و فيها توفي الشريف عبد اللّه بن محمد بن عون.

ثم دخلت السنة السادسة و الثمانون بعد المائتين و الألف:

و في آخرها توفي الشيخ عبد الرحمن بن عدوان قاضي بلد الرياض، و هو من العزاعيز من تميم (رحمه اللّه تعالى)، و فيها أغار بندر بن طلال بن رشيد على الصقران من برية و هم على الشوكي، و أخذهم و قتل رئيسهم هذا آل ابن عليان بن غرير بن بصيص. و فيها وفد بندر بن طلال بن رشيد على الإمام عبد اللّه بن فيصل و معه له هدية جليلة، فأكرمه الإمام هو و من معه، و طلب‏

199

من عمه محمد آل عبد اللّه بن علي بن رشيد الرجوع معه إلى حائل و أعطاه عهودا و مواثيق على أنه ما يناله منه شي‏ء يكرهه، و أقاموا هناك أياما، ثم رجعوا إلى حائل و معهم محمد آل عبد اللّه المذكور، و حصل منه على عيال الطلال منه ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في سنه 1289 ه.

و فيها غزا عبد اللّه بن فيصل، فلما وصل إلى صبيح المعروف في القصيم خيم عليه مدة أيام ثم رجع، فلما وصل إلى بلدة المجمعة و معه غزو الصغران و من معهم من برية قام على الصغران و من معهم من برية فخفرهم و أخذ منهم إبلا كثيرة وخيلا، ثم رجع إلى الرياض.

و فيها كان ابتداء حفر خلي السويس ليتصل بحر الروم ببحر القلزم، و كان تمما ذلك في سنة 1291 ه، و كان القائم بذلك دولة الفرنسيين و الإنكليز، و إسماعيل باشا والي مصر. و بعد تمامه جعلوا على المراكب التي تكر منه عوائد معلومة على قدر ما فيه من الحمل، و هذا الذي حفروه حتى اتصل البحران كان هارون الرشيد أراد أن يفعله ليتهيأ له غزو الروم فمنعه وزيره يحيى بن خالد البرمكي، و قال له: إن فعلته تخطف الإفرنج المسلمين من المسجد الحرام، فامتثل كلامه و لم يتعرض لذلك.

و فيها سار الإمام عبد اللّه الفيصل بجنود المسلمين من البادية و الحاضرة و قصد جهة الأحساء، و نزل على دعيلج الماء المعروف هناك، و كان سعود بن فيصل إذ ذاك في عمان، و أقام الإمام هناك نحو أربعة أشهر.

و لما كان في ذي القعدة من السنة المذكورة بعث الإمام عبد اللّه سرية إلى قطر مع مساعد الظفيري و العسعوس و أمرهم بالمقام هناك و بعث‏

200

سرية إلى الأحساء مع فهد بن دغيثر، و أمرهم بالمقام عند الأمير ناصر بن جبر الخالدي. ثم عدا من موضعه بمن معه من جنود المسلمين على الصهبة من مطير، و هم على الوفرا فأخذهم. ثم قفل إلى الرياض في ذي الحجة، و أذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم.

ثم دخلت السنة السابعة و الثمانون بعد المائتين و الألف:

و فيها توفي الشيخ عبد الرحمن محمد بن إبراهيم بن مانع بن حمدان بن شبرمة الوهيبي التميمي، كانت وفاته (رحمه اللّه تعالى) في الأحساء انتقل إلى الأحساء من بلد شقراء و استوطنها و ولاه الإمام عبد اللّه الفيصل القضاء في القطيف وقت الموسم، فإذا انقضى الموسم رجع إلى الإحساء. كان عالما فاضلا أديبا لبيبا بارعا. أخذ العلم عن أبيه الشيخ محمد بن عبد اللّه بن مانع، و عن جده لأمه الشيخ العالم العلّامة عبد اللّه بن عبد الرحمن أبا بطين، و عن الشيخ العالم العلّامة القدوة الفهامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن، و ابنه الشيخ العالم الأوحد عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن و غيرهم، و كان كثير المطالعة سديد المباحثة و المراجعة مكبا على الاشتغال بالعلم منذ نشأ إلى أن مات حصل كتبا كثيرة بخطه الحسن المتقن المضبوط النير، و جرد حاشية جده الشيخ عبد اللّه بن عبد الرحمن أبا بطين على المنتهي من هوامش نسخته فجاءت في مجلد ضخم.

و في هذه السنة خرج سعود بن فيصل من عمان و توجه إلى البحرين و قدم على آل خليفة رؤساء البحرين، و طلب منهم النصرة، و القيام معه، فوعدوه بذلك. و قدم عليه في البحرين محمد بن عبد اللّه بن ثنيان بن سعود بن مقرن، و اجتمع على سعود خلائق كثيرة فتوجه بهم إلى قطر، و حصل بينهم و بين السرية الذين جعلهم الإمام عبد اللّه بن فيصل وقعة

201

شديدة، و هم غزو أهل القويعية و ناس من أهل الرياض رئيسهم مساعد الضفيري و العسعوس. و صارت الهزيمة على سعود بن فيصل و أتباعه، و قتل منهم عدة رجال منهم محمد بن عبد اللّه بن ثنيان، و رجع سعود بن فيصل بعد هذه الوقعة إلى البحرين و أخذ يكاتب العجمان فقدم عليه خلق كثير.

و لما كان في رجب من هذه السنة المذكورة سار سعود من البحرين و معه أحمد بن الغتم بن خليفة و معه عدة رجال من أهل البحرين، و توجهوا إلى الأحساء بتلك الجنود. و لما وصلوا إلى العقير اجتمع عليهم من عامة العجمان و آل مرة و معهم من البوادي جم غفير، و كان رؤساء العجمان يكاتبون سعود بن فيصل و يعدونه النصرة و يسألونه القدوم عليهم في الأحساء و يأمرون عامتهم بالمسير إليه، و القيام معه و هم مع ذلك يتملقون عند أمير الأحساء ناصر بن جبر، و عند فهد بن دغيثر أمير السرية الذين أمر عليهم الإمام بالمقام عند ناصر بن جبر. كما تقدم في السنة التي قبلها، و يظهرون الطاعة و النصح، و يبطنون المكر و الغدر.

ثم إن سعود بن فيصل ارتحل من العقير و توجه إلى الأحساء بمن معه من الجنود فلما وصل إلى الجفر البلد المعروفة هناك أراد أهلها الامتناع فعجزوا عن ذلك، فدخلت تلك الجنود البلد و نهبوها و عاثوا في قرى الأحساء بالنهب. و قام ابن جبيل أمير بلد الطرف مع سعود و اشتد الخوف و اضطرب البلد، فقام حزام بن حنلين و ابن أخيه راكان بن فلاح بن خنلين و منصور بن منيخر عند الأمير ناصر بن جبر، و فهد بن دغيثر، و رؤساء الأحساء و طلبوا منهم الخروج لقتال سعود و من معه من الجنود، و حلفوا لهم أيمانا مغلظة على التعاون و التناصر على قتال سعود و من معه‏

202

من أتباعه، فخرج أهل الأحساء معهم، فلما وصلوا إلى الوجاج المعروف غدر بهم العجمان، و انقلبوا عليهم و أخذوهم و قتلوا منهم نحو ستين رجلا، منهم عبد اللّه بن محمد بن ملحم، و سليمان بن ملحم، و أبوه، و انهزم بقيتهم إلى بلد الهفوف و هم ما بين جريج و سليب، فتحصن أهل الهفوف بعد هذه الوقعة في بلدهم و استعدوا للحرب.

ثم إن سعود بن فيصل بعد هذه الوقعة زحف بمن معه من الجنود و نزل على بلد الهفوف و ثار الحرب بينه و بين أهل البلد و أقام لهم محاصرا أربعين يوما و كان الإمام عبد اللّه بن فيصل لما بلغه مسير سعود من البحرين إلى الأحساء أمر جميع بلدان نجد بالتجهيز للغزو، و أمرهم أن يقدموا عليه في بلد الرياض فقدم عليه غزو أهل ضرما، و المحمل و سدير. و كان أهل الهفوف يتابعون إليه الرسل و يطلبون منه النصرة، فأمر أخاه محمد بن فيصل أن يسير بهم مع غزو أهل العارض و سبيع و السهول للأحساء لقتال أخيه سعود، فسار بهم محمد بن فيصل المذكور. و لما بلغ سعود بن فيصل مسير أخيه محمد، و كان إذ ذاك محاصرا بلد الهفوف ارتحل و سار للقاء أخيه محمد، و سبقه إلى جودة الماء المعروف فنزل عليها و معه خلائق كثيرة من العجمان، و آل مرة، و معه أهل المبرز و أحمد بن الغتم بن خليفة، و ابن جبيل، و أقبل محمد بن فيصل و من معه من الجنود و قد سبقه أخوه سعود و أصحابه على الماء فنزل محمد و من معه بالقرب منهم، و جعل بين الفريقين قتال شديد، و ذلك في اليوم السابع و العشرين من رمضان من السنة المذكورة، فخان بعض الجنود محمد بن فيصل، و هم سبيع، و انقلبوا على أصحابهم ينهبونهم، فصارت الهزيمة على محمد بن فيصل و أتباعه، و قتل منهم نحو أربعمائة رجل.

203

و من مشاهير القتلى: عبد اللّه بن بتال المطيري، و مجاهد بن محمد أمير بلد الزلفي، و إبراهيم بن سويد أمير جلاجل، و عبد اللّه بن مشاري بن ماضي من رؤساء بلد روضة سدير، و عبد اللّه بن علي آل عبد الرحمن أمير بلد ضرما، و قتل من أتباع سعود عدد كبير، و قبض سعود على أخيه محمد بن فيصل و أرسله إلى القطيف فحبسه هناك و لم يزل في حبسه ذلك إلى أن أطلقه عسكر الترك في السنة التي بعدها، كما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

و أقام سعود بن فيصل على جودة بعد هذه الوقعة و كاتب رؤساء أهل الأحساء يأمرهم بالقدوم عليه، و المبايعة فقدموا عليه هناك و بايعوه، ثم ارتحل بعد ذلك من جودة و سار إلى الأحساء و استولى عليه، و أخذ من أهلها أموالا عظيمة و فرقها على العجمان، و أقام هناك، و أما الإمام عبد اللّه الفيصل فإنه خرج من الرياض لما بلغه ما حصل على أخيه محمد بن فيصل بأمواله، و خيله، و ركابه، و خدامه. و قصد ناحية جبل شمر و معه عبد العزيز بن الشيخ عبد اللّه أبا بطين، و ناهض بن محمد بن ناهض. فلما وصل إلى البعيثة، الماء المعروف في العروق، نزل عليه و ضرب خيامه هناك، و أرسل الشيخ عبد العزيز بن الشيخ عبد اللّه بن عبد العزيز أبا بطين برسائل، و هدايا لباشا ببغداد، و باشا البصرة، و النقيب محمد، و طلب منهم النصرة و المساعدة على أخيه سعود فوعدوه بذلك، و أخذوا في تجهيز العساكر إلى الأحساء و القطيف، و قام عندهم عبد العزيز بن الشيخ عبد اللّه أبا بطين هناك للمسير معهم.

و لما كان في شوال من هذه السنة وفد محمد بن هادي بن قرملة و معه عدة رجال من رؤساء قحطان على سعود بن فيصل في الأحساء، فلم‏

204

يلتفت إليهم سعود فخرجوا من الأحساء و توجهوا إلى الإمام عبد اللّه بن فيصل، و هو على البعيثة و عاهدوه على السمع و الطاعة، فارتحل معهم إلى البعيثة و توجه إلى الرياض فدخلها. و ذلك في ذي القعدة من السنة المذكورة.

و لما كان في آخر الشهر المذكور خرج سعود بن فيصل من الأحساء متوجها إلى الرياض فلما كان في بعض الطريق بلغه الخبر بأن أخاه عبد اللّه بن فيصل قد رجع إلى الرياض و معه قحطان فرجع سعود إلى الأحساء.

و فيها قتل سلطان بن قنور في عين ابن قنور المعروفة بالسر، قتله محمد بن عويد بن قنور و رجال من عشيرته، و معهم فوزان الصوينع.

و ذلك أنهم اتهموه أنه يميل إلى آل ربيع المعروفين من آل شقرا في السر لما بين آل قنور و آل ربيع من الشرور، و كان سلطان المذكور حين أرادوا قتله جالسا إلى جانب ابن أخته عبد اللّه العطيفة، فلما رآهم سلطان دخل على عبد اللّه المذكور فقام عبد اللّه ينهاهم عنه فلم يلتفتوا لقوله و قتلوه، فسار عبد اللّه العطيفة المذكور إلى الرياض و معه ثوب خاله سلطان بن قنور مضرجا بالدماء.

و لما قدموا على بني عمه العطيفات في بلد الرياض و هم: فالح، و حطاب، و حجاب، و راشد. صاح عندهم و قال: إن آل عويد قتلوا خالي ظلما و عدوانا، و هو في وجهي و نهيتهم فلم ينتهوا و قطعوا وجهي و بكى عندهم فغضبوا لذلك، و كانوا من جملة خدام الإمام عبد اللّه بن فيصل، و من المقربين عنده لشجاعتهم. و كانوا معروفين بالشجاعة فطلبوا من‏

205

الإمام عبد اللّه بن فيصل أن يسمح لهم في قتل محمد بن عويد فأذن لهم فركبوا من الرياض، و قدموا على آل ربيع في بلد شقرا فركبوا معهم و توجهوا إلى السر.

فلما وصلوا إلى بلدهم الطرفية المعروفة في السر لم يجدوا فيها إلّا النساء و الصبيان، فسألوا النساء عن الرجال فأخبرنهم بأنهم في القنص، فركب العطيفات و معهم آل ربيع و أتباعهم من أهل شقراء نحو عشرين رجلا و توجهوا إلى النفوذ يتطلبونهم فيه، و أقام باقيهم في الطرفية يترقبون مجيئهم فوجدوهم في نفود السر، فلما رآهم محمد بن عويد ركب حصانه و انهزم عليه إلى السر و ترك أصحابه فأحاطوا بهم. و قام آل ربيع على فوزان الصوينع فقتلوه لأمور بينهم و تركوا الباقين، ثم ساروا في طلب محمد بن عويد فأدركوه في عين الصوينع فقتله العطيفات، ثم رجعوا إلى شقراء و سار العطيفات منها إلى الرياض. و كان محمد بن عويد المذكور مشهورا بالرماية بالبندق لم يكن في زمنه مثله. و في هذه السنة وقع الغلاء الشديد القحط في نجد، و استمر القحط و الغلاء إلى تمام سنة 1289 ه.

ثم دخلت السنة الثامنة و الثمانون بعد المائتين و الألف:

و فيها في المحرم خرج سعود بن فيصل بجنوده من الأحساء و ترك فيه فرحان بن خير اللّه أميرا، و قصد بلد الرياض. فلما قرب منها خرج الإمام عبد اللّه الفيصل منها و قصد بوادي قحطان، و كان قد أرسل قبل خروجه من الرياض أمتعنه، و أثاثه و مدافعه، و قبوسة مع سرية كبيرهم حطاب بن مقبل العطيفة، و أمرهم أن يتوجهوا بذلك إلى عربان قحطان، فصادفهم سعود بن فيصل في الجزعة فحصل بينه و بين السرية المذكورة قتال شديد و صارت الهزيمة على حطاب المذكور و أصحابه. و أخذ سعود ركابهم‏

206

و سلاحهم و جميع ما معهم، و قتل منهم عدة قتلى. و من مشاهيرهم:

حطاب بن مقبل العطيفة، و فلاح بن صقر العطيفة، و عويد بن حطاب العطيفة، و محمد بن راشد الفقيه.

ثم دخل سعود بلد الرياض و معه خلائق كثيرة من العجمان و غيرهم فعاثوا في البلد و نهبوا بلد الجبيلة، و قتلوا جماعة من أهلها و قطعوا نخيلها، و خربوها و تفرق باقي أهلها في بلدان العارض، و لم يبق فيها ساكن، و انحل نظام الملك و كثر في نجد الهرج و المرج و اشتد الغلاء و القحط، و أكلت الحمير، و مات خلائق كثيرة جوعا و حل بأهل نجد من القحط، و الجوع، و المحن، و النهب، و القتل، و الفتن، و الموت، الذريع أمر عظيم و خطب جسيم، فنعوذ باللّه من غضبه و عقابه.

ثم إن سعود بن فيصل لما استقر في الرياض كتب إلى رؤساء البلدان و أمرهم بالقدوم عليه للمبايعة، فقدموا عليه و بايعوه، و أمرهم بالتجهز للغزو. فلما كان في ربيع الأول من السنة المذكورة خرج من الرياض غازيا و معه خلائق من العجمان و آل مرة و سبيع، و السهول، و الدواسر، و أهل الرياض و الجنوب و الخرج و معه عمه عبد اللّه بن تركي بن عبد اللّه بن محمد بن سعود، و كان يميل إلى عبد اللّه بن فيصل و توجه إلى قحطان و هم على الأنجل، و معهم عبد اللّه بن فيصل. فلما وصل إلى ثرمدا جاءه الخبر بأنهم ارتحلوا من الأنجل، و نزلوا على البرة القرية المعروفة، فسار سعود بمن معه من الجنود إلى البرة لقتال أخيه عبد اللّه بن فيصل و من معه من قحطان، و أرسل عمه عبد اللّه بن تركي إلى شقرا و معه عدة رجال من الخدام، و أمرهم بالمقام فيها، و كان بين سعود و بين عمه وحشة.