خزانة التواريخ النجدية - ج2

- عبد الله بن عبد الرحمان آل بسام المزيد...
306 /
207

و لمّا كان في اليوم السابع من جمادى الأولى من السنة المذكورة وصل سعود و من معه من الجنود إلى البرة، فاقتتل الفريقان قتالا شديدا، و صارت الهزيمة على عبد اللّه بن فيصل و من معه من قحطان و غيرهم، و قتل منهم قتلى كثيرة منهم عبد العزيز بن محمد بن ناهض بن بسام رئيس قصر البرود، و براك عبد اللّه بن عبد اللّه بن براك، و قتل من أتباع سعود عدة رجال، منهم: منصور الطويل من رؤساء العجمان، و نهبت تلك الجنود بلد البرة في سابع من جمادى الأولى، و توجه عبد اللّه بن فيصل و من معه إلى بلد الرويضة، و نزلوا عليها. و أما سعود بن فيصل فإنه استلحق عمه عبد اللّه من شقرا بعد الوقعة المذكورة، و كان قد تركه فيها كما تقدم ثم قفل إلى الرياض، و أذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم.

و في ربيع الأول من هذه السنة سارت العساكر من البصرة إلى الأحساء و القطيف و مقدمهم يقال له: فريق باشا، و معهم عبد العزيز بن الشيخ عبد اللّه أبا بطين، فلما وصلوا إلى الأحساء و القطيف أطلقوا محمد بن فيصل من الحبس و كان محبوسا في القطيف بعد وقعة جودة كما تقدم في السنة التي قبلها، و أخرجوا فرحان بن خير اللّه من الأحساء. و كان سعود بن فيصل قد جعله أميرا كما تقدم، و أظهروا له أنهم جاؤا لنصرة عبد اللّه بن فيصل، و القيام معه و المساعدة له على حرب أخيه سعود بن فيصل. و أرسلوا إلى عبد اللّه بن فيصل و هو إذ ذاك مع عربان قحطان على رويضة العرض يأمرونه بالقدوم عليهم. فسار إليهم و قدم عليهم في بلد الأحساء، فأكرموه ظاهرا و هم بضد ذلك، و أقام عندهم هناك.

و أما سعود بن فيصل فإنه لما أذن لمن معه من الجنود بالرجوع إلى أهليهم بعد وقعة البرة المذكورة، و لم يبق عنده في الرياض غير خدامه‏

208

و شرذمة من العجمان قام عليه أهل الرياض، و عمه عبد اللّه بن تركي فحاصروه في قصره و ثار الحرب بينه و بينهم أياما. ثم إنهم أخرجوه هو و من معه من القصر بالأمان، و توجهوا إلى بلد الدلم و تولى عبد اللّه بن تركي على الرياض. و قبل خروج سعود من الرياض كان قد أذن لوفود قد اجتمعوا عنده بالرجوع إلى أهليهم، منهم: إبراهيم بن سليمان الصبي، و محمد بن سعد بن معيقل، و سعود بن حمد من أهل الشعراء، و عبد اللّه بن إبراهيم بن نشوان من رؤساء أهل أشيقر، و عبد اللّه بن عثمان من أهل الدوادمي، و محمد بن سعد بن معيقل، و غيرهم فخرجوا من الرياض، فلما وصلوا إلى البكرات بالقرب من ثادق صادفهم ركب من آل عاطف من قحطان، كبيرهم فريج بن مجحود، فحصل بينهم وقعة شديدة، و صارت الهزيمة على القحطان، و قتل منهم عدة رجال منهم شنار بن فريح بن مجحود، و قتل في هذه الوقعة عبد اللّه بن إبراهيم بن نشوان، و كان كريما سخيّا شجاعا (رحمه اللّه تعالى)، و عبد اللّه بن عثمان، و كان معروفا بالشجاعة و الرماية بالبنادق (رحمه اللّه تعالى).

و في آخر جمادى الآخرة من هذه السنة سار سعود بن فيصل من بلد الدلم، و توجه إلى الأحساء، و قدم على وادي العجمان، و آل مرة، فرغبوه في أخذ الأحساء و القطيف من عسكر الترك و اجتمع عليه خلائق كثيرة فعاثوا في قرى الأحساء بالنهب و التخريب، و ذلك في رجب من السنة المذكورة، فخرجت عليهم عساكر الترك و معهم عبد اللّه بن فيصل، فالتقى الفريقان في الحويرة، و اقتتلوا قتالا شديدا و صارت الهزيمة على سعود بن فيصل و أتباعه، و قتل منهم خلائق كثيرة.

و لما كان بعد هذه الوقعة بأيام وصل إلى بندر العقير عساكر كثيرة

209

من بغداد، مقدمهم يقال له: مدحت باشا. فجاء رجل من أعيان العسكر الذين في الأحساء إلى عبد اللّه بن فيصل و قال له: إنّ مدحت باشا قد وصل إلى العقير، و هو يريد القبض عليك و يرسلك إلى بغداد، و قد التزم بذلك للدولة، فإن قدرت على الهرب فافعل. فأخذ عبد اللّه بن فيصل يدبر الحيلة في ذلك، فحضر عند فريق باشا و طلب منه أن يأذن له في الخروج بعد العصر إلى عين نجم المعروفة هناك هو و أخوه محمد، و ابنه تركي للاغتسال فيها و التفرج، فأذن له في ذلك فلما خرج من عند الباشا أمر بعض خدامه أن يجهزوا خمس ركائب، و يأخذ معه رفيقا من العجمان، و رفيقا من آل مرة و واعده الجبل المعروف الذي يقال له: أبو غنيمة، ففعل الخادم ما أمره به.

و لما كان بعد العصر من يومه ذلك خرج عبد اللّه بن فيصل و ابنه تركي و أخوه محمد بن فيصل على خيلهم، و خرج معهم ثلاثة من عسكر الترك على خيلهم، فلما وصلوا إلى الصفيا المعروفة أخذوا يتطاردون و يلعبون على خيلهم، فلما قرب غروب الشمس انهزم عبد اللّه بن فيصل هو و ابنه و أخوه على خيلهم فلحقهم الثلاثة الموكولون بهم من العسكر على خيلهم، فقاتلوهم فرجعوا إلى البلد. و لما وصل عبد اللّه بن فيصل هو و ابنه و أخوه إلى الجبل المذكور وجدوا الركائب هناك، فركبوا و قصدوا بلد الرياض، فلما وصلوا إليه استبشر بهم أهل الرياض، و حصل لهم الفرح و السرور.

و قدم على عبد اللّه الفيصل بعض رؤساء أهل نجد و بايعوه على السمع و الطاعة. و في هذه السنة وقع وباء في بلد أشيقر مات فيه حمد بن عبد العزيز بن منيع، و إبراهيم بن محمد بن سدحان المطوع، و الأمير

210

عبد العزيز بن محمد بن عبد الكريم البواردي. و كانت وفاته في عين ابن قنور، سار من بلد شقراء إليها لبعض الحاجات، فتوفي فيها.

و في هذه السنة نزل ثقل ابن رويضان و من معه من عربان السهول بالقرب من بلد شقرا، و كثر منهم النهب و الفساد، فخرج أهل شقراء و حصل بينهم و بين السهول قتال شديد، و صارت الهزيمة على السهول، و قتل منهم عدة رجال كبيرهم ثقل بن رويضان، و أخذ منهم أهل شقرا من الأغنام و الأمتعة شيئا كثيرا. و قتل من أهل شقرا في هذه الوقعة محمد بن سعد البواردي. و في ذي الحجة من هذه السنة غزا الإمام عبد اللّه بن فيصل بأهل الرياض، و ضرما و أخذ آل شامر بالقرب من عليا، و قتل منهم عدة رجال، و قتل في هذه الوقعة محمد بن عبد اللّه بن تركي بن عبد اللّه بن محمد بن سعود. و فيها حفر أبناء محمد بن إبراهيم بن محمد البواردي القليب المسماة الفيضة و غرسوها.

و فيها توفي مطلق بن عبد الرحمن السحمي في أشيقر بعد جلوته من عنيزة و كان ضرير البصر (رحمه اللّه تعالى).

و فيها أقبل بن شويمان من الفيضة يريد بلد عنيزة فصادفه شلاش بن العميشا من السحمة من قحطان و معه ستة رجال من قحطان بين المذنب، و المربع فشووه و أكلوه، ثم ساروا إلى الوشم فصادفوا ابن شيخه خارجا من بلد شقراء، فذبحوه في غويمض، و شووه ففزع عليهم أهل شقراء فقبضوا عليهم فادعى أصحاب شلاش أن الذي قتله و شواه بن العميشا، و أنهم لم يشاركوه في ذلك، و أقر شلاش أنه هو الذي قتله بنفسه، و أنهم لم يشاركوه فيه، فدفعوه إلى أخي المقتول فقتله، و لا تسأل عما وقع من‏

211

الفتن و المحن في هذه السنة و ما بعدها إلى عدة سنين، فلا حول و لا قوة إلّا باللّه العلي العظيم.

ثم دخلت السنة التاسعة و الثمانون بعد المائتين و الألف:

و فيها اشتد الغلاء و القحط في نجد، و أكل الناس الميتة و جيف الحمير، و عظم الأمر و مات خلائق كثيرة جوعا، و صار كثير من الناس يأكلون الجلود البالية بعد حرقها بالنار و يدقون العظام و يأكلون الرطبة، و هو القت بلسان العامة، و يأكلون ورق الزرع، فأثر ذلك في وجوه الناس و أرجلهم نفخا و أوراما، ثم يموتون بعد ذلك و استمر الغلاء و القحط إلى آخر السنة التي بعدها.

و في هذه السنة في المحرم حصل وقعة بين حاج أهل شقراء و بين ناصر بن عمر بن قرملة و من معه من قحطان قتل فيها من أهل شقرا عبد اللّه بن عبيد. و فيها في ربيع الأول حصل وقعة بين أهل شقرا و بين أهل بلد وثيثية. و سبب ذلك أن عيال محمد بن عبد الكريم البواردي جاءوا بأمتعة لهم من شقرا يريدون بلد وثيثية، و هم إذ ذاك ساكنون فيها.

فلما وصلوا إلى البلد صادفهم ركب من السهول خارجين من البلد فأخذوهم خارج البلد فدخل أولاد محمد البورادي البلد فوجدوا فيه رجلا من الركب فأمسكوه و ربطوه في المال الذي أخذه لهم أصحابه، فقام بعض أهل البلد يريدون إطلاقه و قد كثر الكلام، فسار أحد عيال محمد البواردي إلى شقرا، و جاء بعده رجال منها ليسيروا بالرجل المذكور إلى شقرا إلى أن يأتي المال الذي أخذه لهم أصحابه، فمنعهم أهل البلد من المسير به، و حصل بين أهل شقرا و بين أهل وثيثية وقعة في وسط البلد قتل فيها من‏

212

أهل وثيثية عبد اللّه بن الأمير سعد بن عبد الكريم بن زامل، و عبد اللّه بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن زامل الملق بالمقوفي.

و في شوّال من هذه السنة قدم سعود بن فيصل إلى الأفلاج و كان قبل ذلك مقيما عند بادية العجمان بعد وقعة الخويرة كما تقدم، فلما قدم هناك قام معه ابن قنيان و العجالين، و قام معه الهزاني آل حسين أهل الحوطة.

فلما علم بذلك عبد اللّه بن فيصل أمر أخاه محمد بن فيصل أن يسير إلى بلد الدلم بغزو أهل الرياض، و أهل ضرما خوفا عليها من أخيه سعود بن فيصل، فسار إليها محمد بن فيصل و معه عمه عبد اللّه بن تركي و غزو أهل ضرما، فدخلوها و أقبل سعود بن فيصل بن تركي و معه وفود كثيرة من العجمان، و الدواسر، و أهل الجنوب، فنزلوا على البلد و حصروها حصارا شديدا. ثم إن أهل البلد خانوا محمد بن فيصل و أصحابه ففتحوا أبواب البلد فدخلها سعود و من معه من الجنود، فلما رأى ذلك محمد بن فيصل ركب فرسه و انهزم عليها إلى بلد الرياض و قبض سعود على عمه عبد اللّه بن تركي، و أمر بحبسه و أخذ ركائب أصحاب محمد بن فيصل و سلاحهم و قتل منهم عدة رجال. و بعد أيام قليلة توفي عبد اللّه بن تركي بحبسه ذلك، و كان شهما شجاعا صارما (رحمه اللّه تعالى).

و في هذه السنة قام محمد بن عبد اللّه بن علي بن رشيد على أولاد أخيه طلال، و قتلهم و هم خمسة و ترك أخا لهم اسمه نائف كان إذ ذاك صغيرا، و تولى محمد المذكور الإمارة على بلد الجبل.

و فيها حصل وقعة بين أناس من أهل الحريق نحو عشرين رجلا رئيسهم عبد الرحمن بن عثمان الطويل، و كان شجاعا و هم يريدون بلدة

213

بريدة و بين ركب من قحطان و السهول و ركائيهم عشرون و هم أربعون رجلا، و ذلك في صعفيق النفود المعروف بالقرب من بلد الزلفى، فصارت الهزيمة على قحطان و السهول، و قتل منهم ثلاثة رجال.

و فيها أصاب مكة و المدينة وباء عظيم ابتدأ من آخر ذي الحجة حتى نهاية المحرم من عام 1290 ه. و فيها توفي عبد اللّه الإبراهيم العبد الرحمن البسام و عبد الرحمن الإبراهيم العبد القادر البسام في المدينة في أول محرم.

ثم دخلت سنة التسعين بعد المائتين و الألف:

و في المحرم منها خرج سعود بن فيصل من بلد الدلم بمن معه من الجنود، و قصد بلد ضرما و أخذ من أهلها أموالا عظيمة و قسمها على جنوده. ثم سار منها إلى بلد حريملاء فلما وصل إليها خرج أهلها لقتاله فحصل بينه و بينهم وقعة شديدة خارج البلد، و صارت الهزيمة على أهل حريملاء و قتل منهم نحو ثلاثين رجلا منهم الأمير ناصر بن حمد آل مبارك و ابنه، و سليمان السياري من رؤساء أهل ضرما صارت تلك الأيام في بلد حريملاء فحضر الوقعة، و تحصن أهل البلد في بلدهم و أمر سعود من معه من الجنود بقطع نخل حريملاء، فقطعوا كثيرا منها.

ثم إنهم صالحوه و ارتحل عنهم و سار إلى الرياض فلما قرب منها خرج عليه أخوه عبد اللّه بن فيصل، و معه أهل الرياض فحصل بينه و بينهم وقعة شديدة في الجزعة، و صارت الهزيمة على عبد اللّه و أهل الرياض، و قتل منهم عدة رجال منهم مساعد بن سليمان الظفيري، و أخوه فهد و دخل أهل الرياض بلدهم. و أما عبد اللّه بن فيصل: فإنه توجه بمن معه‏

214

من الخدام إلى جهة الكويت، و أقام هناك عند بادية قحطان على الصبيحية. ثم إن سعود بن فيصل بعد هذه الوقعة دخل بلد الرياض و بايعه أهلها على السمع و الطاعة، و كتب إلى رؤساء البلدان و أمرهم بالقدوم عليه للمبايعة، فقدموا عليه و بايعوه على السمع و الطاعة و أمرهم بالتجهز للجهاد.

و في هذه السنة في صفر أخذ أهل عنيزة مصلط بن ربيعان و من معه من عتيبة في الشقة. و فيها أنزل اللّه الغيث. و في صفر من هذه السنة حصل وقعة بين أهل الحريق و بين ركب من عتيبة في الروضة المسماة بالعكرشية المعروفة في الحمادة قتل فيها عبد الرحمن بن عثمان الطويل من رؤساء أهل الحريق، و كان شجاعا (رحمه اللّه تعالى).

و لمّا كان في ربيع الثاني من هذه السنة خرج سعود بن فيصل من الرياض بمن معه من الجنود، و استلحق غزو البلدان و استنفر من حوله من العربان فاجتمع عليه خلائق كثيرة، فتوجه و قصد مصلط بن ربيعان و من معه من عتيبة و هم على طلال الماء المعروف فصبحهم بتلك الجنود فحصل بين الفريقين قتال شديد، و صارت الهزيمة على سعود بن فيصل و من معه، و قتل منهم خلق كثير. و من مشاهير القتلى سعود بن صنيتان، و محمد بن أحمد السديري أمير بلد الغاط، و أخوه عبد العزيز و علي بن إبراهيم بن سويد أمير بلد جلاجل، و من أهل شقرا فهد بن سعد بن سدحان و سعد بن محمد بن عبد الكريم البواردي، و صالح بن إبراهيم بن موسى بن فوزان بن عيسى، و سليمان بن عبد اللّه بن خلف بن عبد اللّه بن خلف بن عثمان بن عبد اللّه بن عيسى و عبد العزيز بن حمد بن منيع. و أخذ العتبان منهم من الركاب و السلاح و الفرش و الأمتعة شيئا كثيرا. و في تاسع‏

215

عشر من جمادى الآخرة السنة المذكورة توفي الشيخ عثمان بن عبد اللّه بن عثمان بن أحمد بن بشر في بلد جلاجل (رحمه اللّه تعالى)، و هو من بني زيد، و هو صاحب التاريخ المسمى «عنوان المجد في تاريخ نجد» كان (رحمه اللّه تعالى) أديبا لبيبا فاضلا عابدا ناسكا حسن السيرة كريم الأخلاق.

و في ذي الحجة من هذه السنة نزلوا أكلب أيام الربيع بالقرب من أشيقر و باعوا الغنم ثلاثة الأطراف بريال، و اشتروا الثوب الأبيض بريال، و آخر الوقت اشتروا صمط الثوب بريال.

و في هذه السنة 1290 ه:

توفي الشيخ عبد الباقي بن محمود بن عبد اللّه الألوسي البغدادي طلب العلم في استنبول عينه فيض الدين باشا قاضيا في الأحساء.

و يذكر عن نفسه أشياء غريبة منها أنه حفظ القرآن و هو ابن خمس سنين، و أنه قرأ على أبيه في فقه الحنفية، و الشافعية، و في الحديث و النحو و الصرف و البلاغة و الأدب و المنطق و علم الوضع و الهندسة و الاصطرلاب.

و بعد وفاة والده قرأ على أبي الهدى صفاء الدين عيسى أفندي في الأصلين و الحساب و المعاني و البيان و البديع و الحديث و التفسير و غير ذلك.

و له مؤلفات كثيرة منها: «البهجة البهية في إعراب الآجرومية» و «النهجة السوية في شرح الآجرومية» و «أسعد كتاب في فصل الخطاب» و غير ذلك مما ذكر عن مؤلفاته.

و من غرائب دعاويه و أخباره قوله: إنّ في جرم القمر عوالم و مدائن‏

216

و أنهارا عظيمة، و أن الإفرنج حاولوا الاتصال به و بنوا لهم صرحا، و وضعوا فوقه مدفعا ليضربوا القمر حتى يلقوه و يطّلعوا على ما فيه.

و له خرافات من هذا الجنس كثيرة مشهورة.

ثم دخلت السنة الحادية و التسعون بعد المائتين و الألف:

و فيها أمر سعود بن فيصل على أهل البلدان بالجهاد و أمرهم بالقدوم عليه في بلد الرياض، فلما حضروا عنده توجه بهم إلى بلد القويعبة، و نزل، و أقام هناك عدة أيام. و كان الإمام عبد اللّه بن فيصل نازلا مع عربان عتيبة إذ ذاك، و كان سعود قد أراد أن يغزوهم فبلغه أن عربان عتيبة قد حشدوا و اجتمعوا، و أنهم في شوكة عظيمة و قوة هائلة فانثنى عزمه عن ذلك، ثم ارتحل منها و توجه إلى الرياض، و أذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم. و في هذه السنة قتل عبد اللّه آل غانم في بريدة قتله عبد المحسن بن مدلج هو و أولاده و هم من عشيرته آل أبي عليان في عبد اللّه بن عبد العزيز بن عدوان أمير بريدة المقتول سنة 1276 ه كما تقدم يدعى عبد المحسن المدلج، لأنه أقرب عاصب له و كان عبد اللّه الغانم المذكور من جملة القاتلين لابن عدوان.

و في هذه السنة وقع فتنة في بلد أشقير بين آل نشوان من المشارفة من الوهبة و بين الحصانا و الخراشا من آل بسام من منيف من الوهبة.

و سبب ذلك أن أمير بلد أشقير محمد بن إبراهيم بن نشوان بن محمد ابن نشوان لما أمر سعود بن فيصل على أهل البلدان بالغزو كما ذكرنا في أول هذه السنة جهز غزو أهل أشيقر و أمر عليهم ابن عمه محمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن محمد بن نشوان. و سافر إبراهيم بن محمد

217

المذكور بعد ذلك إلى بلد بريدة لبعض حاجاته، و قدم الغزو على سعود بلغ الخراشا و الحصانا أن محمد بن علي بن نشوان قد تكلم فيهم بكلام عند سعود، فلما أذن لهم سعود بالرجوع و أقبلوا على البلد خرج عبد الرحمن بن إبراهيم بن حسن بن راشد الخراشي الملقب بالطويسة، و أخوه عبد اللّه و علي بن عثمان الحصيني، و ابن أخيه عبد العزيز بن إبراهيم الحصيني، و أمسكوا محمد بن علي بن إبراهيم بن نشوان خارج البلد و ضربوه ضربا شديدا فرجع إلى بلد الفرعة و أقام عند أصهار له فيها.

و لمّا بلغ الخبر عثمان بن عبد اللّه بن إبراهيم بن نشوان. و كان إذ ذاك في الجعفرية سار إلى الحريق و طلب منها النصرة، لأن آل نشوان و أهل الحريق كلهم عشيرة من المشارفة من الوهبة من تميم، فسار معه عدة رجال منهم و دخلوا بلد أشيقر آخر الليل، و رصدوا على باب عبد الرحمن بن إبراهيم الخراشي و على باب علي بن عثمان الحصيني، فلما خرج عبد الرحمن المذكور لصلاة الفجر أمسكوه و ضربوه ضربا شديدا و أمسكوا علي بن عثمان الحصيني و ضربوه و جرحوه جراحا شديدة فقام عليهم أهل البلد مع آل بسام، و حصل بينهم و بين أهل الحريق قتال فانهزم أهل الحريق إلى بلدهم. و قتل منهم عثمان بن عبد اللّه بن مقحم من أهل الحريق، و جرح محمد بن عبد الرحمن بن نشوان في يده جرحا شديدا صار في يد منه عيب فانهزم أهل الحريق إلى بلدهم، و هذه الوقعة تسمى وقعة الجميعية.

و في شهر رمضان من هذه السنة قدم الإمام عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد اللّه بن محمد بن سعود بلد الأحساء هو و فهد ابن صنيتان من بغداد، فقام أهل الأحساء مع عبد الرحمن بن فيصل على‏

218

العسكر الذين عند أبواب بلد الهفوف فقتلوهم، ثم حصروا على العسكر الذين في خزام القصر المعروف خارج البلد و نصبوا عليه السلالم، و أخذوه عنوة، و قتلوا جميع من فيه من العسكر، و تحصن أهل الكوت فيه هم و من عندهم من عسكر الترك الذين في كوت إبراهيم، و في كوت الحصار. فحاصرهم الإمام عبد الرحمن بن فيصل و من معه من أهل الأحساء و من العجمان و آل مرة. و اشتد الحصار عليهم، و قتل في هذه الوقعة رشيد بن عبد العزيز الباهلي (رحمه اللّه تعالى)، و قد رثاه الأديب الأريب صاحبنا المكرم، و صديقنا المقدم أخوه عبد المحسن بن عبد العزيز الباهلي بقصيدة طويلة مطلعها:

خليلي هبا فالوطا مله جنبي‏* * * و أرقني بعد الأحبة عن صوبي‏

و يقول فيها:

و أقسم لو خيرت أفدي حياته‏* * * بروحي بذلت النفس بالطوع عن حبي‏

و لكنها الأقدار تجري على القضا* * * بميزان قسط لا تجي‏ء على الحسب‏

إلى أن قال:

و بوء رشيدا و هو يا ربّ كاسمه‏* * * رشيد بما يأتي و لم يدن من عيب‏

و كانوا قد أرسلوا إلى باشا البصرة و باشا بغداد يطلبون البصرة فأمر باشا بغداد ناصر بن راشد بن ثامر بن سعدون رئيس المنتفق أن يسير إلى الأحساء، و عقد له إمارة الأحساء و القطيف، و جهز معه عساكر كثيرة من بغداد، و استنفر ناصر بن راشد رعاياه من المنتفق و غيرهم من بادية

219

العراق، فاجتمع عليه جنود عظيمة فسار بهم إلى الأحساء. فلما قرب من بلد الهفوف خرج إليهم عبد الرحمن بن فيصل و من معه من العجمان، و آل مرة، و أهل الأحساء، و وقع بين الفريقين قتال شديد فانكسر أهل الأحساء، و انهزموا إلى بلادهم و تتابعت الهزيمة على العجمان و من معهم من العربان، و توجه الإمام عبد الرحمن إلى البحرين، و دخل ناصر بن راشد و من معه من الجنود بلد الهفوف و نهبوها و أباحوها ثلاثة أيام.

و خرج عسكر الترك الذين في الكوت و صاروا مع تلك الجنود فعاثوا في البلد بالنهب و القتل و الفساد، و قتلوا كل من ظفروا به من أهل السنة من أهل الأحساء، و ممن كان هناك من أهل نجد، و لم يتعرضوا للرافضة، فقتل خلائق كثيرة، و نهبت أموال عظيمة لا يحصيها إلّا اللّه تعالى.

و كان أكثر من باشر القتل عسكر الترك طلبا لثأر من قتل منهم، و ممن قتل من الأعيان في هذه القضية الشيخ عبد العزيز بن نعيم، و محمد بن عبد الرحمن بن عامر، و عمه أحمد و رشيد بن عبد العزيز الباهلي، و محمد بن الحسن الباهلي، (رحمهم اللّه تعالى). و ضربوا الشيخ عبد الرحمن ابن عبد اللّه الوهيبي ضربا شديدا، و أخرجوه من الكوت، و كان ساكنا فيه قبل ذلك و حصل في هذه الأيام [أحداث‏] عظيمة، و خطوب جسيمة فلا حول و لا قوة إلّا باللّه العلي العظيم. و كانت هذه الوقعة في آخر شهر ذي القعدة من السنة المذكورة.

و فيها في ليلة الأحد تاسع جمادى الآخرة توفي الشيخ العالم الفاضل محمد بن عبد اللّه بن محمد بن إبراهيم بن مانع بن إبراهيم بن حمدان بن محمد بن مانع بن شبرمة الوهيبي التميمي في بلد عنيزة (رحمه اللّه تعالى):

ولد في شقرا في حدود 1210 ه أو بعدها بقليل، و نشأ نشأة حسنة في‏

220

الديانة و الصيانة و النزاهة و العفاف، و حفظ القرآن في صغره و طلب العلم فقرأ على الشيخ العالم الورع الزاهد عبد العزيز بن عبد اللّه الحصيني الناصري التميمي وجد و اجتهد. و لما انتقل العالم العلامة القدوة الفهامة عبد اللّه بن عبد الرحمن أبا بطين العائذي من روضة سدير، و سكن بلد شقرا لازمه ملازمة تامة، و تزوج ابنته و صار لا يفارقه إلّا وقت النوم، فقرأ عليه كتبا عديدة في التفسير، و الحديث، و الفقه و أصوله، و أصول الدين، و النحو فمهر في ذلك كله.

و لما تولى الشيخ عبد اللّه أبا بطين المذكور قضاء بلد عنيزة ارتحل إليها بأهله، و أولاده، و ارتحل معه الشيخ محمد بن عبد اللّه بن مانع المذكور من شقراء بأهله، و أولاده، و نزل بها و أحبه أهلها و أكرموه إكراما لم يعهد لغيره من الغرباء لحسن أخلاقه و ملاطفته، و تحببه إلى الخاص و العام. و كان ذكيا أديبا فاضلا مكرما للغرباء خصوصا طلبة العلم منهم.

و كان حسن الخط مضبوطه كثير التصحيح و التحرير و الضبط و التهميش غالب مقروءاته مهمشة بخطه، محررة بضبطه، و أخذ عنه جماعة من الفضلاء، و لم يزل على كماله و استقامة حالة إلى أن توفي في التاريخ المذكور (رحمه اللّه تعالى). و رثاه تلميذه الشاب الذكي النجيب، و الفاضل الزاكي الأريب. الشيخ صالح بن عبد اللّه بن بسام بهذه المرثية، و هي من بحر الطويل:

أيا قلب دع تذكار سعدى فما يجدي‏* * * و أيام أنس سالفات بذي الرند

فليس بذي الدنيا مقام ترومه‏* * * و لكنها كالحلم تمضي على العبد

و مما شجاني أن قضى حتف أنفه‏* * * محمد المحمود في العلم و الزهد

عنيت به الحبر الجليل ابن مانع‏* * * و من هو في دنياه عاش على الحمد

221

سقى اللّه قبرا قد حواه ثرى له‏* * * سحائب فضل فاضح البرق و الرعد

لقد كان بحرا للعلوم و عارفا* * * و في علمه يهدي إلى منهج الرشد

و قد كان في أمر العبادة يحتذي‏* * * مسالك للأسلاف كانوا على قصد

و قد كان لي شيخا نصوحا بعلمه‏* * * محبا لفعل الخير يهدي و يستهدي‏

و لازمته من سنين عديدة* * * فلم أره إلّا على سالف العهد

فيا عين لا تبقي دموعا ذخيرة* * * فما بعده أرجو شبيها له عندي‏

و يا قلب لا تبق قليلا من الأسى‏* * * على عالم قد حل في غامق اللحد

و أنشد ما يبدي من الصدق و الوفا* * * مقالا صحيحا صادقا فيه من جدي‏

و لست بناس ما حييت لصاحب‏* * * صفوح عن الزلات خال من الحقد

سأبكيه ما جاء الحديث بذكره‏* * * بكاء محب للحبيب على فقد

جزاه إله العالمين برحمة* * * ينال بها المطلوب في جنة الخلد

فجئت بنظم للوفاة مؤرخ‏* * * مقيم بدار الحمد في منتهى القصد

و في هذه السنة في ذي القعدة خرج سعود بن فيصل من بلد الرياض غازيا، فلما وصل حريملاء مرض فرجع إلى الرياض مريضا، و توفي بعد وصوله إليها بأيام قليلة في ثامن عشر من ذي الحجة من السنة المذكورة (رحمه اللّه تعالى)، و قام بالأمر بعده أخوه الإمام عبد الرحمن بن فيصل، و كان عبد اللّه بن فيصل إذ ذاك هو و أخوه محمد بن فيصل مع بادية عتيبة.

و فيها قام عبد المحسن آل مدلج و أبناء عبد اللّه و مدلج فقتلوا عبد اللّه آل غانم في الصباخ في بريدة في ثأر عبد اللّه بن عدوان الذي سبق مقتله في عام 1276 ه زعماء من آل مدلج أنهم أقرب عصبة لعبد اللّه آل غانم.

و فيها تمّ فتح خليج السويس ليصل بحر الروم ببحر القلزم، و كان‏

222

ابتداء العمل به عام 1281 ه، و طوله مائة و ثمانون ميلا. و معدل عرضه عشرون ميلا، و كان القائم بذلك دولة فرنسا، و إسماعيل باشا والي مصر.

و قد قربت المسافة بين الهند و أوروبا فقد كانت المسافة بين لندن و بنبى 11420 ميلا، و بعد فتحه صار 6332 ميلا، و قرأت تقرير الحكومة الإنجليزية الصادر في شعبان عام 1323 ه أن الذي يمر مع خليج السويس في كل سنة من السفن نحو مائة و عشرين «لك». و بلغت نفقاته مائة و ستين «لك» ليرة إنجليزية، و مدخوله الآن في السنة ثلاثون لك ليرة إنجليزية، و السفن التي تجتازه للإنجليز أربعة أخماس، و الخمس الباقي لسائر الدول.

ثم دخلت السنة الثانية و التسعون بعد المائتين و الألف:

و فيها أمر عبد اللّه فيصل على أخيه محمد بن فيصل لما بلغه خبر وفاة أخيه سعود بالمسير إلى شقرا، و كتب معه إلى رؤساء بلد الوشم يأمرهم أن يجهزوا غزوهم معه فسار محمد بن فيصل إليها و معه عدة رجال من الخدام و من عتيبة، و أقام في شقرا عدّة أيام ثم سار منها بغزو من أطاعه من أهل الوشم، و توجه إلى ثرمدا. و كان أخوه الإمام عبد الرحمن بن فيصل لما جاء الخبر بوصوله إلى شقرا قد خرج من الرياض و معه جنود كثيرة من أهل الرياض، و الخرج، و الجنوب، و العجمان، و الدويش، و من مطير، و سبيع مع أولاد أخيه سعود بن فيصل، و توجه إلى الوشم بمن معه من الجنود فصادفه محمد بن فيصل و من معه في ثرمدا، فحاصروهم و حصل بينهم و بين أهل ثرمدا و أصحاب محمد بن فيصل قتال شديد قتل فيه من أهل ثرمدا ثمانية رجال، و من العجمان خمسة رجال.

ثم إنهم تصالحوا على أن محمد بن فيصل يخرج إليهم و يدفعون إليه‏

223

ركائب أصحابه و سلاحهم، و أقام عبد الرحمن على ثرمدا أياما، ثم ساروا من ثرمدا إلى الدوادمي و طلبوا من أهل الشعرا الزكاة و الجهاد فأبوا أن يعطوهم، فساروا إليها من الدوادمي و حاصروها مدة أيام، و حصل بينهم قتال شديد فقتل أهل الشعرا منهم عدة رجال، ثم رجعوا إلى الدوادمي من غير طائل. ثم إن هذال بن فهيد الشيباني، و عقاب بن حميد، و مصلط ابن محمد بن ربيعان و من معهم من قبائل عتيبة أقبلوا لقتال عبد الرحمن بن فيصل، و عيال سعود بن فيصل و من معهم من مطير و العجمان و غيرهم فحصل بينهم وقعة شديدة على الدوادمي فانهزم عبد الرحمن بن فيصل و أتباعه، و قتل منهم عدة قتلى.

و في هذه السنة قام عثمان بن عبد اللّه نشوان على عبد الرحمن ابن إبراهيم الخراشي في بلد أشيقر فرماه بفرد فوقعت الرصاصة في رأسه، فسقط على الأرض. و ذلك في الموضع المعروف في المدقة فظن عثمان أنه قتله فسار عنه فأتت إليه امرأة من حرمه فوجدت به رمقا فحملته إلى مكان و أخفته إلى الليل، و أعلمت به أخاه عبد اللّه، فبلغ الخبر إلى عثمان المذكور فأخذ يفتش عليه سائر يومه ذلك ليجهز عليه فلم يجده. و لما كان الليل جاء إليه عشيرته آل بسام، و كانوا قد اختفوا في النهار خوفا على أنفسهم من آل نشوان فحملوه إلى بلد شقرا و جارحوه، و أخرجوا الرصاصة من رأسه و عافاه اللّه تعالى.

و لما كان بعد ذلك بأيام سطا آل بسام المذكورون على آل نشوان في أشيقر، و أخرجوهم منها إلى بلد الحريق بغير قتال. و في رجب من هذه السنة سطا آل نشوان في أشيقر و معهم نحو سبعين رجلا من أهل الحريق:

كبيرهم الأمير محمد بن إبراهيم بن نشوان، فدخلوا في داره المعروفة في‏

224

جانب المجلس فحاصرهم آل بسام فيها، و أشرفوا على الهلاك. فلما دخل الناس في صلاة المغرب من ذلك اليوم هربوا إلى بلد الحريف بعد جهد، و قتل منهم عثمان بن إبراهيم الطويل، و محمد بن عبد العزيز بن حسن بن نشوان، و قامت الشرور بعد ذلك بين آل نشوان المذكورين من المشارفة من الوهبة من تميم، و بين آل بسام بن منيف، و هم آل خراش، و آل حصانا من الوهبة من تميم، و قامت الحرب بينهم على ساق.

و فيها اصطلح آل نشوان و آل بسام أهل أشيقر و دفع آل بسام إلى أهل الحريق النجم الأول من دية عثمان بن عبد اللّه بن مقحم، و من دية محمد بن عبد اللّه بن حسن بن نشوان.

و في هذه السنة قتل مهنا الصالح أبا الخيل أمير بريدة، و آل أبا الخيل من عنزة. قتله آل أبي عليان، و كان مهنا المذكور قد تغلب على البلد و استمال أعيانها و كثر أعوانه و كان صاحب ثروة و مال، فقام على آل أبي عليان و أجلى من البلد كل من يخافه منهم و يخشى شرهم فساروا إلى بلد عنيزة، و أقاموا بها و آل أبي عليان من العناقر من بني سعد بن زيد مناة تميم، خرجوا من بلد ثرمدا في الحروب التي وقعت بين العناقر في ثرمدا، و في بلد مرات لطلب الرئاسة، و سكنوا ضرية و رئيسهم إذ ذاك راشد الدريبي و كانت بريدة إذ ذاك ماء لآل هذال المعروفين من شيوخ في عنزة فاشتراها منهم راشد المذكور، و عمرها و سكنها هو و من معه من يرته؟؟؟، و ذلك في سنة 985 ه تقريبا.

و راشد المذكور هو جد حمود بن عبد اللّه بن راشد الدريبي الذي فتك في عشيرته آل أبي عليان، و قتل منهم ثمانية رجال في مسجد بريدة،

225

و ذلك في سنة 1155 ه كما هو معروف في تواريخ نجد و حمود هذا هو أبو راشد بن حمود بن عبد اللّه بن راشد و لم تزل الرئاسة لهم عليها إلى أن غلبهم عليها مهنا الصالح المذكور، و أجلى رؤساءهم منها إلى عنيزة في هذه السنة كما ذكر، «و أخذوا يكاتبون من بقي من عشيرتهم في بريدة و يساومونهم في قتل مهنا، و أشاروا عليهم بذلك، و أعطوهم عليه فخرجوا من بلد عنيزة و قصدوا بلد بريدة فاتفقوا على قتله. ففر منهم اثنا عشر رجلا من عنيزة، و دخلوا بلد بريدة آخر ليلة الجمعة تاسع عشر من المحرم من السنة المذكورة، و دخلوا في بيت على طريق مهنا إذا خرج عليه البيت، و قتلوه ثم ساروا إلى قصر مهنا المسمى قصر الشيوخ إذ خرج لصلاة الجمعة، و اختفوا فيه، فلما خرج لصلاة الجمعة خرجوا عليه من البيت و قتلوه.

و الذين قتلوه أحد عشر رجلا، ثم قتل من الذين قتلوه تسعة و سلم منهم اثنان، و الذين اشتركوا في قتله صالح العبد العزيز المحمد، و عمر بن تركي بن عبد العزيز المحمد، و إبراهيم بن علي بن عبد العزيز المحمد، و عبد اللّه بن حسن العبد المحسن، و غانم بن محمد العانم، و ولد الحميضي، و ولد ابن مرشد، و إبراهيم بن عبد اللّه خرشد و عبدهم سعدون بن سرور، و عبدهم زيد الحايك. ثم ساروا إلى قصر مهنا الجديد المعروف فدخلوا و تحصنوا فيه، فقام عيال مهنا و عشيرتهم و أهل بريدة و حاصروهم في القصر المذكور و ثار الحرب بينهم و بين آل أبي عليان المذكورين فضرب آل أبي عليان على بن محمد بن صالح أبا الخيل برصاصة فوقع ميتا، ثم ضربوا حسن بن عودة أبا الخيل برصاصة، فوقع ميتا، فقام آل أبي الخيل و من معهم من أهل بريدة و حفروا حفرا تحت‏

226

المقصورة التي فيها آل أبي عليان، و وضعوا فيه بارودا و أعلقوا فيه النار فثار البارود و سقطت المقصورة بمن فيها، فمات بعضهم تحت الهدم و بعضهم أمسكوه و قتلوه، و لم يسلم إلّا إبراهيم بن عبد اللّه بن غانم اختفى مع الناس فلم يعرف، و العبد (خرشد) جرح فلحقوه و صار في وجهه فضربه خرشد بالسيف في يده، فخلا طريقه، ثم عرض له راشد آل معيض فضربه خرشد بسيفه فسطا فيديده، فخلا طريقه ثم تكاثر عليه الناس فرموه بيندق و وقع ميتا في الجردة.

و أما زيد (الحايك) فهو كما قدمنا ركب فرسا حين قتلوا مهنا، و سار إلى عنيزة يريد النصرة من زامل فلم يدرك من زامل شيئا، و صار ركضه لعنيزة سببا لسلامته، و من أعيان المقتولين صالح آل عبد العزيز آل محمد و ابن أخيه عمر بن تركي آل عبد العزيز آل محمد، و تولى إمارة بريدة حسن آل مهنا بعد أبيه.

و فيها قام حسن المهنا الصالح أبا الخيل على عبد المحسن بن مدلج و ابنيه عبد اللّه و مدلج و حبسهم حيث ذكر له أنهم يكاتبون آل أبو عليان الجالين في عنيزة، و يحسنون لهم السطوة في بريدة، فأقاموا في الحبس خمسة أشهر فلما غزا حسن المهنا بعض غزواته، و هو إذ ذاك أمير بريدة قام عبد المحسن بن مدلج و أبناؤه من الحبس، و أخذوا رشاء القصر فانحدروا به من القصر فلما علموا بهم لحقوهم فأمسكوا عبد المحسن و ابنه عبد اللّه فأمر بقتلهما عبد اللّه المهنا الصالح، و هو أمير بريدة بالنيابة عن أخيه حسن أمر عبد اللّه المذكور خادمه حمود العبد الوهاب بن شوشان أن يقتل عبد المحسن فقتله، و أمر خادمه حسن آل مغيص بقتل عبد اللّه بن عبد المحسن بن مدلج فقتله، لأن ابن مغيص المذكور هو حارس باب‏

227

القصر. و أن ابن شوشان بينه و بين ابن مدلج صداقة فاتهمهم ابن مهنا أن لهم يد في هروبهم فأمرهما بقتلهما و أما مدلج فانهزم و كان شجاعا فأخذ حجرا فربطه في ثوبه فمن لحقه ضربه بالحجر حتى تخلص و وصل عنيزة ثم سافر إلى الشام فمات هناك.

و في هذه السنة قتل فهد بن صنيتان، و صنيتان لقب علي عبد اللّه بن إبراهيم بن عبد اللّه بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن، يوم الجمعة في جامع بلد الرياض، قتله محمد بن سعود بن فيصل بن تركي بن عبد اللّه بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن (رحمه اللّه تعالى).

ثم دخلت السنة الثالثة و التسعون بعد المائتين و الألف:

و فيها حصل بين الإمام عبد الرحمن بن فيصل و بين أولاد أخيه سعود بن فيصل منافرة، فخرج من الرياض و قدم على أخيه عبد اللّه بن فيصل و هو إذ ذاك مع بادية عتيبة، فلما قدم عليه أكرمه إكراما زائدا و أخذ عبد اللّه في جمع الجنود من البادية و الحاضرة، و جمع جموعا ثم توجه بهم إلى قتال أولاد أخيه سعود بن فيصل في الرياض و معه أخوه عبد الرحمن بن فيصل. فلما قرب عبد اللّه من الرياض خرج أولاد سعود منه بغير قتال و ساروا إلى الدلم و أقاموا بها. فدخل عبد اللّه بن فيصل بلد الرياض و استقر فيها ثم قدم عليه رؤساء البلدان و بايعوه على السمع و الطاعة، و قد قدم عليه عبد اللّه بن عبد المحسن بن مدلج من آل عليان رؤساء بلد بريدة في الماضي ممن أجلاهم، منها أبو الخيل و معهم كتاب من زامل آل عبد اللّه بن سليم أمير بلد عنيزة يطلب منهم القدوم عليه في عنيزة و يعده القيام معه و المساعدة له على أهل بريدة. و طلب عبد اللّه بن عبد المحسن آل محمد المذكور و من معه من عشيرته القيام معهم و المساعدة في أخذ

228

بريدة من أيدي آل أبا الخيل، و ذكروا للإمام أن لهم عشيرة في البلد و أنهم إذا وصلوا إلى البلد ثاروا فيها و قاموا معهم و فتحوا لهم الباب. فسار معهم الإمام عبد اللّه الفيصل بجنوده من المسلمين من البادية و الحاضرة، و قدم بلد عنيزة و نزل خارج البلد. و كان حسن آل مهنا أبا الخيل لما بلغه خبر مسيرهم كتب إلى محمد بن عبد اللّه بن رشيد أمير بلد الجبل يستحثه.

فخرج ابن رشيد من حائل بجنوده و استنفر من حوله من بادية حرب، و شمر، و هتيم، و بني عبد اللّه، و توجه بهم إلى بلد بريدة و نزل عليها بمن معه من الجنود. و لما علم بذلك الإمام عبد اللّه الفيصل ارتحل من عنيزة بمن معه من الجنود و رجع إلى بلد الرياض، و أقام ابن رشيد على بريدة مدة أيام ثم رجع إلى بلده.

و في هذه السنة استعمل الإمام عبد اللّه بن فيصل عبد اللّه بن عثمان الحصيني أميرا في بلد أشيقر، و انتقل آل نشوان بأهلهم منه إلى بلد الحريق و سكنوا فيه.

و في هذه السنة في رابع عشر من ذي القعدة توفي الشيخ الإمام شيخ الإسلام و قدوة العلماء الأعلام عبد اللطيف بن عبد الرحمن ابن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (رحمهم اللّه تعالى). كانت وفاته في بلد الرياض، و ميلاده سنة 1225 ه. كان (رحمه اللّه) إماما عالما فاضلا بارعا محدثا فقيها أصوليا، أخذ العلم عن عدد من العلماء الأعلام الأفاضل الكرام نجديين و مصريين، فمن النجديين: والده الشيخ الإمام العالم العلامة عبد الرحمن بن حسن، و الشيخ عبد اللّه بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، و الشيخ أحمد بن حسن بن رشيد الأحسائي ثم المدني الحنبلي، و الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللّه. و من المصريين الشيخ العالم‏

229

العلامة مفتي الجزائر محمد بن محمود بن محمد الجزائري الحنفي، و الشيخ إبراهيم البيجوري شيخ الجامع الأزهر، و الشيخ مصطفى الأزهري، و الشيخ أحمد الصعيدي و غيرهم. و كان (رحمه اللّه) في الحفظ آية باهرة متوقد الذكاء كأن العلوم نصب عينيه. و كان كثير المطالعة ملازما للتدريس مرغبا في العلم معينا عليه، أخذ عنه خلائق كثيرة و انتفعوا بعلمه، منهم أولاده الكرام الجهابذة الأعلام الشيخ عبد اللّه، و الشيخ إبراهيم، و الشيخ محمد، و أخوه الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن، و الشيخ حسن بن حسين، و الشيخ سليمان بن سحمان، و الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى، و الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن مانع، و الشيخ محمد بن عبد اللّه بن سليم، و الشيخ محمد بن عمر بن سليم، و الشيخ عبد اللّه بن محمد بن مفدى، و الشيخ صعب التويجري و غيرهم. و له مصنفات مفيدة منها كتاب في الرد على عثمان بن منصور، «منهاج التأسيس و التقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس» مجلد. و له رسائل عديدة، و أجوبة على أسئلة مفيدة. و له تحقيقات نفيسة و تدقيقات لطيفة. و لما وقف الشيخ عبد القادر أفندي البغدادي الحنفي على رده على داود بن جرجيس أثنى عليه ثناء جميلا و قرظه بهذه الأبيات و هي من البحر البسيط:

عبد اللطيف جزاه اللّه خالقنا* * * يوم الجزاء بأجر غير ممنون‏

هو الهمام الذي شاعت فضائله‏* * * في الشرق و الغرب من نجد إلى الصين‏

بحر من العلم يبدي من معارفه‏* * * بديع رد عزيز القدر مكنون‏

حمى طريق رسول اللّه عن شبه‏* * * منسوبة لجهول غير مأمون‏

230

و ساوس و أقاويل ملفقة* * * كأنها بعض أقوال المجانين‏

ظن ابن جرجيس من جهل و من سفه‏* * * لم يبق في الناس ذو علم و تمكين‏

فقال ما قال من زور و من كذب‏* * * مزخرف قد تبدي غير موزون‏

و لم يكن عنه يغني الظن فانعكست‏* * * ظنونه في مجال غير مظنون‏

إذ رده ناكصا يدعو النجاء على‏* * * أعقابه يخسر الدنيا مع الدين‏

إن ابن جرجيس برذون و ذا أسد* * * و هل تقياس أسود بالبراذين‏

دلائل أشرقت كالشهب أرسلها* * * عبد اللطيف رجوما للشياطين‏

جزاه مولاه عنا كل صالحة* * * من جنة الخلد في يوم الموازين‏

و كان بين الشيخ عبد اللطيف المذكور، و بين الشيخ أحمد بن علي بن حسين بن مشرف الوهيبي التميمي الأحسائي المالكي صحبة أكيدة، و بينهما مكاتبات و أشعار فكتب إليه الشيخ عبد اللطيف رسالة يعتب عليه فيها، و ضمنها هذا البيت المنسوب لضمرة بن ضمرة التميمي، و هو قوله من قصيدة:

و إذا تكون كريهة ادعى لها* * * و إذا يحاس الحيس يدعى جندب‏

و بعضهم ينسب القصيدة التي منها هذا البيت لعمرو بن الغوث ابن طي‏ء، فكتب إليه الشيخ أحمد، بعد السلام: و بعد فقد وصلنا كتابك، و هيجنا بديع خطابك و استشهادك بالبيت القديم الذي هو لبعض بني تميم إلى نظم أبيات على تلك القافية، و هي في الاعتذار كافية، و هي هذه من البحر الكامل:

الود أصدق و التوهم أكذب‏* * * فعلام تلحقنا الملام و تعتب‏

أتظن أنا قد جفوناكم فلا* * * أدري أظنك أم عتابك أعجب‏

231

الدين يأبى و المروءة و الإخا* * * ما قد ظننت فبرق ظنك خلب‏

أتظن في أهل الحفيظة و النهى‏* * * هجر الصديق بغير ذنب يوجب‏

أو كفرهم بيض الأيادي بعدما* * * وجب الجزاء لها بما تستوجب‏

أو ينكرون أخوة قد أكدت‏* * * بقرابة و مناقب لا تحسب‏

أو لم تكن في الحلم طودا راسيا* * * و العلم بحرا طاميا لا ينضب‏

و أبوك حبر فاضل من علمه‏* * * ترجى الهداية و المقال الأصوب‏

ان خاض في علم الحديث فمسلم‏* * * أو علم فقه قلت هذا أشهب‏

و لمن مضى منكم فضائل جمة* * * كدنا بها فوق المنابر نخطب‏

أتقول إذ قد لمتني متمثلا* * * بقديم شعر قاله من يعتب‏

و إذا تكون كريهة ادعى لها* * * و اذا يحاس الحيس يدعى جندب‏

فكلا هما تدعى إليه بحول من‏* * * وهب الجزيل و وعده لا يكذب‏

فاصفح و لا حطنا بعين للرضى‏* * * و اقبل إذا اعتذر المحب المذنب‏

و انظر إلى درر القريض نظمتها* * * يزهى بها العقد النفيس المذهب‏

في جيد غانية حكت شمس الضحى‏* * * فإذا انجلت كل نجم يغرب‏

تهدي إليك تحية من مولع‏* * * من نشرها فاح العبير الأطيب‏

و بها تأرجت الرياض و أزهرت‏* * * فيها الرياض فطيرها يتأوب‏

ثم الصلاة على النبي محمد* * * ما لذ في الاثنا عليه المطنب‏

و عليه تسليم الإله و روحه‏* * * ما جاء في الاثنا عليه المطنب‏

و الآل و الأصحاب ما مزن بكى‏* * * فاهتز يضحك بالنبات المجدب‏

و قد رثاه الشيخ سليمان بن سحمان بهذه القصيدة:

تذكرت و الذكرى تهيج البواكيا* * * و تظهر مكنونا من الحزن ثاويا

معاهد كانت بالهدى مستنيرة* * * و بالعلم يزهو ربع تلك الروابيا

232

و أراضها بالعلم و الدين قد زهت‏* * * و أطود شرع اللّه فيها رواسيا

و قد أينعت منها الثمار فمن يرد* * * جناها نبلها و التطوف دانيا

و أنهارها للواردين شريعة* * * مناهلها كالشهد فعم صوافيا

و قد غردت أطيادها برياضها* * * يرجعن ألحان الغواني تهانيا

و كنا على هذا زمانا بغبطة* * * و أنوار هذا الدين تعلو سواميا

فما كان إلا برهة ثم أطبقت‏* * * علينا بأنواع الهموم الروازيا

فكنا أحاديثا كأخبار من مضى‏* * * ننبؤ عنها في القرون الخواليا

لعمري لئن كانت أصيبت قلوبنا* * * و أوجعها فقدان تلك المعاليا

لقد زادت البلوى اضطراما و حرقة* * * فحق لنا إحراق دمع المآقيا

فقد أظلمت أرجاء نجد و أطفئت‏* * * مصابيح داجيها لخطب دواهيا

لموت إمام الدين و العلم و التقى‏* * * مذيق العدا كاسات سم أفاعيا

فعبد اللطيف الحبر أوحد عصره‏* * * إمام هدى قد كان من داعيا

لقد كان فخرا للأنام و حجة* * * و ثقلا على الأعداء عضبا يمانيا

امام سما مجدا إلى المجد و ارتقى‏* * * و حل رواق المجد اذ كان عاليا

تصدى لرد المنكرات و هدما* * * بنته عداة الدين من كل طاغيا

فاضحت به السمحاء يبسم ثغرها* * * و يحمى حماها من شرور الأعاديا

حباه إله العرش في العلم و النهى‏* * * بما فاق أبناء الزمان تساميا

و قد جد في ذات الإله بجهده‏* * * و لم يأل في رأب الثنا و المناهيا

و لما نما الركبان أخبار موته‏* * * و أصبح ناعي الدين فينا مناديا

رثيناه جبرا للقلوب لما بها* * * و حل بها من موجعات التآسيا

لشمس الهدى بدر الدجا عالم الهدى‏* * * و غيض العدا فليبك من كان باكيا

233

الآن ظهرت منا عليه كأبة* * * و حل بنا خطب من الرزء شاجيا

فقد كسفت للدين شمس منيرة* * * يضي‏ء سناها للورى متساويا

سقى اللّه رسما حله وابل الرضا* * * و حطال سحب العفو من كل غاديا

و لا زال إحسان الإله و بره‏* * * على قبره ذي ديمة ثم هاميا

و أسكنه الفردوس فضلا و رحمة* * * و ألحقه بالصالحين المهاديا

عليه تحيات السلام و إن نآ* * * و أحى دفينا في المقابر ثاويا

يفوق عبير المسك عرف عبرها* * * و يبهر ضوء الشمس أزكى سلاميا

فيا معشر الإخوان صبرا فإنما* * * مضى لسبيل كلنا فيه ماضيا

فإن أفل البدر الفريد و أصبحت‏* * * ربوع ذوي الإسلام منه خواليا

فقد شاد أعلام الشريعة و اقتضى‏* * * باثار آباء كرام المساعيا

همو جددوا الإسلام بعد اندراسه‏* * * و أحيوا من الإسلام ما كان عافيا

و كم لهم من محنة فضيلة* * * يقصر عن تعدادهن نظاميا

مناقبهم لا يحصيها النظم عدة* * * و ليس يواريها غطاء المعاديا

فيا رب جد بالفضل منك تكرما* * * و بالعفو عنهم يا مجيب المناديا

و أبق بينهم سادة يقتدي بهم‏* * * إلى الخير يا من ليس عنا بلاهيا

و نسألك اللهم ستر عيوبنا* * * و محو الذنوب المثقلات الشواجيا

فعفوك مأمول لكل مؤمل‏* * * و سترك مسدول على الخلق ضافيا

و أحسن ما يحلو القريض بختمه‏* * * صلاة و تسليما على جد هاديا

و أصحابه و الآل ما ناص بارق‏* * * و ما انهل صوب الموجنات الغواديا

و في هذه السنة حصل وقعة بين أهل شقراء و بين الشيابين من عتيبة قتل فيها من الشيابين رجل، و من أهل شقراء صالح بن عبد الوهاب (رحمه اللّه تعالى).

234

و في سنة 1294 ه:

أكثر حسن بن مهنا أبا الخيل أمير بريدة الغارات على أهل شقراء و غيرهم من أهل الوشم: فأرسل سرية في محرم من هذه السنة فأغاروا على بلد شقراء ففزع أهل شقراء عليهم، و حصل بينهم قتال شديد فانهزمت سرية ابن مهنا، و أخذ أهل شقراء جملة من ركابهم، و قتل من أهل شقراء عبد اللّه بن عبد الرحمن بن جماز (رحمه اللّه تعالى). و في هذه السنة غزا محمد بن رشيد أمير الجبل، و معه حسن آل مهنا أمير بريدة على بادية عتيبة و صار طريقه على بلد أشيقر. و كان ذلك الوقت أيام صرام النخل، فحصل من تلك الجنود فساد من نهب البيوت و صرام النخل، و حصل على أهل البلد ضرر عظيم.

و في رابع عشر جمادى الآخرة من السنة المذكورة توفي الشريف عبد اللّه بن محمد بن عبد المعين بن عون و عمره نحو ست و خمسين سنة، و مدة إمارته نحو تسع عشرة سنة، و له من الذكور اثنان و هما علي و محمد. و تولى إمارة مكة بعده أخوه الشريف حسين بن محمد بن عبد المعين بن عون.

و في هذه السنة كثر الجراد في نجد و أعقبه دباء أكل كثيرا من الزرع و الثمار، و أكل الأشجار.

و فيها الوقعة المعروف بين عبد اللّه بن عبد الوهاب راعي العينية و بين برية. و سبب ذلك أنه كان عنده من برية أربعة رجال أضياف، و أقاموا عنده أربعة أيام في القصر و لم يكن عنده في القصر إلّا ولدان صغار، و إلّا فأبوه في الحريق، و أخوه عبد العزيز في الزبير و فارس صغير في الحريق.

و لم يكن عنده في القصر إلّا الولدان الصغار. ثم إن الأربعة المذكورين‏

235

راحوا من عنده فلما أتوا إلى الضبية لقيهم مائة و ثمانون رجلا من برية حنشل: كبيرهم مخلف الدعمي من الوساما، و فلاح الأشرم من الهوامل، و غانم أبو لسان من الدياحين. و ذلك في غاية القحط، و الغلاء الشديد، و شدة الجوع في نجد بسبب الحرب التي بين عبد اللّه الفيصل و أخيه سعود، فقالوا: أبشروا بالمال، هذا عبد اللّه بن عبد الوهاب في قصر العينية، و ليس عنده أحد، و فيه من الزاد و المال ما يكفيكم، فأتوا إليه و حصل بينه و بينهم قتال. ثم إنهم كسروا باب القصر الطالعي، و بدأوا يكسرون الباب الداخلي و هو يرميهم ببندق و لا يثور فيها إلّا الذخيرة فقط، ثم إنه ترك البندق و أخذ سيفه و أقبل على الباب و هم يحاولون كسره.

و كان عنده في القصر بندق قصيرة لأخيه فارس، و يظن أنها مع فارس في الحريق. و بينما هو كذلك إذ قال له أحد الاثنين الصغيرين اللذين عنده: يا عبد اللّه، خذ البندق الصغيرة ففرح بها و أخذها، و وجد فيها رصاصتين فقط، و عمد إلى الباب و إذ يحاول كسره عبد لمفرح الأشرم بمسحاة معه ليحف بها الباب، فرماه عبد اللّه فوقع ميتا، فانهزموا عن الباب. ثم عاد و أخذ المسحات مرزوق الشتيلي، و قام يضرب بها الباب فرماه عبد اللّه بن عبد الوهاب فوقع ميتا فانهزموا، فعاد عبد اللّه إلى بندقية الأولى المتروكة فرماهم بعدما انهزموا، فكسر يد واحد منهم. و كان بالأول يرميهم و لا تثور. ثم إنه بعد أربع سنين أعطى الشتيلات دية مرزوق مائة و عشرين ريالا، و كفل عليهم تركي بن ثعيل بن الحمادين، و أعطى مفرج الأشرم قيمة عبده أربعين ريالا، و كفل عليه شبنان المريخي من المريخات، و رفاعي بن عشوان من العبيات.

و فيها بلغ حسن المهنا الصالح أن حمد الغانم، و إبراهيم العبد

236

المحسن المدلج، و عبدهم عبد اللّه الجالسي قد أقبلوا من حائل يريدون عنيزة مع جماعة من أهل عنيزة منهم القرعاوي، و عبد اللّه بن غانم، فأرسل حسن المهنا الصالح أبا الخيل بن عمه صالح العلي أبا الخيل، و جماعة من خدامه في طلبهم فوجدوهم في القرينة فقتلوهم. فلما وصلوا أهل عنيزة بلدهم قام عليهم الأمير زامل العبد اللّه السليم فسوّد وجوههم، و حلق لحاهم لكونهم لم يمنعوا رفقائهم فإنهم لو قاموا معهم لكان لهم منعة.

ثم دخلت السنة الخامسة و التسعون بعد المائتين و الألف:

و فيها وقع الحرب بين أهل شقراء، و بين محسن بن مرزوق الهضيل شيخ الدعاجين من عتيبة، يريدان أن يجعل له معلومات على حاج الوشم، فامتنع أهل شقراء من ذلك و حصل بينه و بينهم حروب شديدة، و وقعات عديدة، و في كل منها تكون الغلبة لأهل شقراء.

ثم إن حاج أهل شقراء في هذه السنة حصروهم و الهيضل عند الشريف حسين بن محمد بن عبد المعين بن عون بعد انقضاء الحج، و أمير الحاج إذ ذاك حمد بن عبد العزيز بن حمد بن عيسى و تشاكوا عنده، و جاء أهل شقراء بشهود من عتيبة بأن الهضيل ليس له حق على أهل الوشم، و انقطع النزاع بينهم و خمدت الفتنة. و كتب الهيضل لأهل شقراء ورقة على أن ليس له عليهم شي‏ء من الدعاوى لا كثير، و لا قليل، و لا له على أهل شقراء إخاوة و لا رفقة، و مضمون هذه الورقة من مرزوق الهيضل و ابنه محسن إلى من يراه من كبار عتيبة: سلام عليكم، و بعد، خلصت أنا و أهل شقراء و ليس لي عليهم من الدعاوى لا كثير، و لا قليل، و لا شي‏ء أبدا، و لا لي على شقراء إخاوة، و لا لي على حاجهم رفقة و لا حق و هم مطلقون‏

237

يسترفقون من عتيبة من حيث ما يبون وجناتهم انقطعت. و كذلك من تبع بيرقهم من أهل الوشم، و سدير، و المحمل ما لي عليهم حق و لا رفقة، و سابقات اليوم من النقائص التي بيني و بينهم مدفونة، و كفلت لهم على جميعها المذكور محمد بن مزرم الشيباني، و كفلوهم في وجهي و أمان اللّه، و شهد على ذلك نادر الهريفي، و حسين بن جامع، و سوندي بن ناشر، و هذال بن جرمان، و بجاد بن غالب و دحيم بن واسم، و حويدي، و سليمان بن عبد الرحمن، و عبد العزيز الجميح، و أحمد بن إبراهيم بن عيسى و السلام.

و في هذه السنة نزل آل عاصم من قحطان على دخنة، و أكثروا من الغارات على أهل عنيزة، فقام أهل عنيزة و استفزعوا الحبلان من مطير، فنهضوا و صبحوا آل عاصم، و أخذوهم و قتلوا منهم عدة رجال منهم شيخهم حزام بن حشر.

ثم دخلت السنة السادسة و التسعون بعد المائتين و الألف:

و فيها بعث حسن بن مهنا أمير بلد بريدة سرية و أمرهم بالغارة على أهل شقراء فأغاروا عليهم، و أخذوا أغناما. فركب أهل شقراء في طلبهم، فأدركوهم بالقرب من الفروتي. و اتفق أن ابن بصيص و من معه من برية عربان من مطير على الماء المذكور. فلما نشب القتال بين الركب المذكورين فزع عليهم ابن بصيص بخيله و رجله، و ساروا مع الركب، فانقلب أهل شقراء و قربوا ركابهم و ساقوها قدامهم و هم خلفها. و حصل بينهم و بين برية قتال شديد، و رمي بالبنادق، و عقروا على برية جملا، و صوّبوا رجالا، و قتل من أهل شقراء سعد بن عمر بن سدحان.

238

و في شوال من هذه السنة تصالح آل نشوان، و آل بسام أهل أشيقر فقدم محمد بن إبراهيم بن نشوان بلد أشيقر و معه عدة رجال من أهل بلد الحريق، و كان أمير بلد أشيقر إذ ذاك عبد اللّه بن عثمان الحصيني، فقام الأمير عبد اللّه المذكور و هو و عشيرته و أعطوا أهل الحريق النجم الأول من دية عثمان بن إبراهيم الطويل، و محمد بن عبد العزيز حسن بن نشوان المقتولين سنة 1293 ه كما تقدم. و كان محمد بن علي بن بصيص و من معه من بادية برية قاطنين على جوا أشيقر إذ ذاك و معهم عبد اللّه بن سعود بن فيصل، و عدة رجال من خدّامه يطلب منهم المساعدة و القيام على عمه الإمام عبد اللّه بن فيصل. فدخل عبد اللّه بن سعود المذكور البلد و معه عدة رجال من خدّامه و من برية، و طلب من الأمير عبد اللّه بن عثمان الحصيني الزكاة و الجهاد، فقال له: أخذ ذلك عمك و في رقبتي له بيعة و عهد، و إن كانت لكم الغلبة عليه فنحن لكم في السمع و الطاعة.

و حضرت صلاة العصر فقاموا من مجلسهم و قبض عبد اللّه بن سعود على يد الأمير عبد اللّه الحصيني المذكور، و على يد عبد الرحمن بن إبراهيم الخراشي و جعل يحدثهما و هما يمشيان معه، و مشى معهم عبد العزيز بن إبراهيم الحصيني، فلما وصلوا إلى الباب الذي يخرج على الجو أمر علي من معه من الخدام بقتلهم، فقتل الأمير عبد اللّه الحصيني المذكور، و ابن أخيه عبد العزيز بن إبراهيم بن عثمان الحصيني، و جرح عبد الرحمن بن إبراهيم الخراشي جراحات فانفلت منهم، و انهزم إلى الجو و دخل بيت ماجد بن بصيص و طرح نفسه فيه، فمنعهم منهم. ثم إنه أعطاه مائة ريال، و أوصله إلى بيته في البلد، و كان عبد اللّه بن عثمان الحصيني المذكور أحد أفراد الدهر رأيا و عقلا، و شجاعة، (رحمه اللّه).

239

ثم دخلت السنة السابعة و التسعون بعد المائتين و الألف:

و فيها في المحرم حصل برد شديد جمد الماء في المنازل من شدة البرد، و أصاب الحاج بعد خروجهم من مكة فهلك من المغاربة و من التكرون خلائق كثيرة، و أصاب حاج الوشم، و سدير، و المحمل، و هم على الماء المسمى بالعبسة، فحصل عليهم مشقة شديدة، و جمد الماء في القرب، و ماتت الأشجار من شدة البرد. و في هذه السنة حصل خلاف بين أهل شقراء و بين العبيثات قتل فيه من أهل شقراء محمد بن عبد العزيز بن حمد بن عيسى، و عبد العزيز بن إبراهيم البواردي، و عبد اللّه بن محمد بن عقيل (رحمهم اللّه تعالى).

و في ربيع الثاني من هذه السنة أغار الغبيثات من الدواسر على حشاشين لأهل أشيقر في نفود الشمال، و معهم أربعة بوارديه جنبا لهم، و هم عبد اللّه بن سليمان بن منيف، و أخوه عبد الرحمن، و عبد اللّه بن علي بن ضويان، و حمد بن عبد الرحمن بن مقبل، فحصل بينهم رمي بالبنادق، فقتل عبد اللّه بن سليمان بن منيف، و كان شجاعا لم يكن في عصره مثله في الرمي بالبندق.

و في شوال من هذه السنة توفي عثمان بن عبد اللّه بن إبراهيم بن نشوان فهدأت الفتنة بعد موته قليلا بين البسام و آل نشوان كانت وفاته في بلد الحريق، و كان شجاعا فاتكا (رحمه اللّه تعالى).

و في هذه السنة توفي الشريف حسين بن محمد بن عبد المعين بن عون جاءه رجل أفغاني و قصده و هو راكب كأنه يريد تقبيل يده، و ذلك في جدة، فطعنه بسكين في أسفل خاصرته، ثم توفي بعد يومين فنقلوه من‏

240

جدة إلى مكة و دفنوه بها و لم يخلف ذكرا. و تولى إمارة مكة بعده عبد المطلب بن غالب بن مساعد بن سعيد بن سعد بن زيد بن محسن بن حسن بن أبي نمي.

ثم دخلت السنة الثامنة و التسعون بعد المئتين و الألف:

و فيها حصل وقعة بين أهل شقراء و بين ركب من الشغّالين من برية قتل فيها من الشغّالين شعلان الشلي، و أخذ أهل شقراء جملة من ركائبهم.

و فيها وقع وباء شديد في مكة هلك فيه خلق كثير، و ممن مات فيه حمد بن عبد العزيز بن حمد بن عيسى أمير حاج أهل الوشم (رحمه اللّه). و في هذه السنة ظهر رجل ببلاد السودان التي في حكم صاحب مصر يقال له: محمد بن أحمد، و اشتهر عند كثير من العامة أنه المهدي، و تبعه خلق كثير، و وقع بينه و بين العساكر المصرية التي في تلك الأطراف قتال و وقائع كثيرة قتل فيها خلق كثير، و تملك من تلك البلاد كردفان و مواضع آخر. و فيها توفي الشيخ محمد بن سلطان (رحمه اللّه تعالى).

ثم دخل السنة التاسعة و التسعون بعد المائتين و الألف:

و فيها وقع الحرب بين أهل المجمعة و بين الإمام عبد اللّه بن فيصل، فأمر أهل بلدان نجد بالتجهّز للغزو. ثم خرج من بلد الرياض و توجّه إلى بلد المجمعة و معه جنود كثيرة من أهل العارض، و المحمل، و سدير، و الوشم. و سار معه بوادي عتيبة بأهاليهم و نزلوا بلد حرمة، و حاصروا بلد المجمعة، و قطعوا كثيرا من نخيلها. و كان أهل المجمعة قد اتفقوا مع محمد بن عبد اللّه بن رشيد أمير الجبل أنهم يكونون تحت ولايته، و أنه يقوم‏

241

بحمايتهم فوعدهم بذلك، و واطأهم على الإمام عبد اللّه بن فيصل. و كان ابن رشيد قد طمع في ولاية نجد لما رأى اختلاف آل سعود، و ما حصل بينهم من الحروب، و أنه قد تضعضع أمرهم لكثرة اختلافهم و تفرقهم.

و لما كان من آخر محرم من هذه السنة أمر الإمام عبد اللّه بن فيصل بلدان نجد بالتجهز للجهاد، فواعدهم بلد حرمة، ثم خرج من الرياض و من معه من الجنود بأهليهم و نزل على بلد حرمة، و اجتمع عليه فيها غزو بلدان: المحمل، و الوشم و سدير و حاصروا بلد المجمعة، و قطعوا كثيرا من نخيلها. و كان أهل المجمعة لما بلغهم الخبر بمسير الإمام إليهم كتبوا إلى ابن رشيد يستحثونه و تتابعت الرسل منهم إليه يستنجدونه، فخرج بجنوده من حائل، و استنفر من حوله من بادية شمر و حرب بني عبد اللّه، و توجه إلى بلد بريدة و نزل عليها و معه جنود عظيمة. و كان حسن آل مهنا أبا الخيل أمير بلد بريدة قد جمع جنودا كثيرة من أهل القصيم، و من أهل البوادي و استعد للمسير مع ابن رشيد لنصرة أهل المجمعة

و لما تكاملت على ابن رشيد جنوده، و هو على بريدة ارتحل منها و معه حسن آل مهنا، و نزل على الزلفى. فلما علم بذلك بوادي عتيبة ارتحلوا من حرمة منهزمين، و ارتحل الإمام بمن معه من المسلمين، و توجه إلى بلد الرياض و أذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم، و كانت مدة إقامته على بلد المجمعة محاصرا لها أربعين يوما.

ثم إن ابن رشيد ارتحل من الزلفى بمن معه من الجنود، و نزل على بلد المجمعة و أقام عليها أياما. ثم ارتحل منها و رجع إلى بلده و جعل فيها أميرا سليمان بن سامي من أهل حائل.

242

و في هذه السنة توفي الشيخ العالم الفاضل عبد العزيز بن حسن بن يحيى قاضي بلد ملهم (رحمه اللّه تعالى) كان عالما فاضلا متواضعا حسن السيرة سخيا. و فيها تولى إمارة مكة عون بن محمد بن عبد المعين بن عون، و عزل الشريف عبد المطلب بن غالب.

[في القرن الثالث عشر]

ثم دخلت سنة ثلاثمائة و ألف:

و فيها الوقعة المشهورة بين عتيبة و معهم محمد بن سعود بن فيصل و بين محمد العبد اللّه بن رشيد و معه حسن آل مهنا أمير بريدة على عروي الماء المعروف، و صارت الهزيمة على عتيبة. و فيها غزا محمد بن سعود بن فيصل و معه جنود كثيرة من أهل الخرج، و من آل شامر، و الدواسر، و غيرهم.

و عدا على ابن بصيص و من معه من بادية برية، فصبحهم و هم على الأثلة فحصل بينه و بينهم قتال شديد و أخذ منهم إبلا و غنما، و قتل من الفريقين عدة رجال منهم عبد الرحمن بن سعود بن فيصل (رحمه اللّه تعالى). و فيها قتل محمد بن إبراهيم بن نشوان بعد صلاة العصر في رابع عشر من شوال في بلد أشيقر، قتله الحصانا و الخراشا، كان (رحمه اللّه تعالى) كريما سخيا يضرب به المثل في الكرم.

اشترك في قتله أربعة رجال: سليمان بن محمد بن عثمان بن حمد الحصيني، و ابن عمه سليمان بن حمد بن عثمان بن حمد الحصيني، و صالح بن محمد بن حسن بن راشد الخراشي، و ابن أخيه عثمان بن عبد الرحمن بن حسن بن راشد الخراشي، و عمره نحو ستين، و بمقتله كشفت الحرب عن ساقها، و قامت الشرور بين آل بسام و آل نشوان، فلا حول و لا قوة إلّا باللّه العلي العظيم.

243

ثم دخلت سنة واحدة و ثلاثمائة:

و فيها كثرت الأمطار و السيول، و عم الحياة جميع بلدان نجد، و كثر الخصب و الكمأة، و رخصت الأسعار. و في ربيع الأول من هذه السنة خرج الإمام عبد اللّه بن فيصل من الرياض غازيا، و أمر على أهل بلدان نجد بالجهاد، و نزل على بلد شقراء و استلحق غزو البلدان فقدموا عليه فيها و أمر بوادي عتيبة أن ينزلوا الحمادة المعروفة. و كان يريد حرب أهل المجمعة فنزل عربان عتيبة الروضة المعروفة في الحمادة المسماة أم العصافير. و لما تكاملت على الإمام جنوده ارتحل من شقراء بمن معه من الجنود، و نزل على عربان عتيبة هناك.

و كان أهل المجمعة لما بلغهم خروج الإمام من الرياض أرسلوا لابن رشيد يستحثونه، و تتابعت الرسل منهم إليه، و إلى حسن آل مهنا أمير بريدة فجمع حسن آل مهنا جنوده، و خرج ابن رشيد بجنوده من حاضرة الجبل و استنفر من حوله من البوادي و توجه إلى بريدة فنزل عليها، ثم ارتحل منها و معه حسن آل مهنا بمن معه من الجنود، و توجه لقتال عبد اللّه بن فيصل و من معه من عتيبة. فحصل بينه و بينهم وقعة شديدة في صبيحة يوم الاثنين الثامن و العشرين من ربيع الآخر، و صارت الهزيمة على الإمام عبد اللّه و من معه من العربان، و قتل منهم خلق كثير.

و من مشاهير القتلى من أهل الرياض تركي بن عبد اللّه بن محمد بن سعود بن مقرن، و فهد بن سويلم، و ابن عياف، و فهد بن غشيان (رحمهم اللّه تعالى). و قتل من أهل شقراء عبد العزيز بن الشيخ عبد اللّه أبا بطين، و محمد بن عبد العزيز بن حسين، و عبد العزيز بن محمد بن عقيل،

244

و أحمد بن عبد المحسن السديري أمير بلد الغاط. و قتل من مشاهير عتيبة عقاب بن شبنان بن حميد. و قتل من أتباع ابن رشيد عدد كثير.

و أقام ابن رشيد بعد هذه الوقعة في الحمادة مدة أيام، و استلحق رؤساء بلدان الوشم و سدير فقدموا عليه في موضعه ذلك، و أمر في كل بلد من بلدان الوشم و سدير أميرا، ثم ارتحل من ذلك الموضع، و رجع إلى بلده و طمع بعد هذه الوقعة في الاستيلاء على مملكة نجد و أطمعه أهل المقاصد و الأغراض في ذلك و أخذ يكاتب رؤساء البلدان و يبذل فيهم المال.

و في ربيع الثاني من هذه السنة حصلت وقعة بين أهل بلد روضة سدير بين آل ماضي رؤساء البلد، و هم من بني عمرو بن تميم، و بين جيرانهم آل ابن عمر و هم من الدواسر في وسط البلد قتل فيها محمد بن زامل بن عمر رئيس آل ابن عمر المذكورين. و قتل من أتباع آل ماضي عبد العزيز الكليبي، و إبراهيم بن عرفج و صارت الغلبة لآل ماضي و جلا آل ابن عمرو من الروضة إلى بلد جلاجل و أقاموا هناك.

و فيها قتل سليمان بن حمد بن عثمان الحصيني (رحمه اللّه تعالى).

قتله آل نشوان وجدوه خارج بلد أشيقر، و هو من جملة الذين قتلوا محمد بن إبراهيم بن نشوان المقتول في السنة التي قبلها كما تقدم. و فيها قتل محمد الحميدي بن فيصل بن وطبان الدويش قتله آل صويط رؤساء عربان الظفير في دم بينهم، صادفوه راكبا لمحمد بن عبد اللّه بن رشيد فقتلوه كما ذكرنا. و فيها توفي الشيخ حمد بن عتيق (رحمه اللّه تعالى). و في سلخ شوال من هذه السنة ركب محمد بن فيصل من الرياض لمحمد بن‏

245

عبد اللّه بن رشيد في الجبل بمكاتبة من أخيه الإمام عبد اللّه بن فيصل فأكرمه ابن رشيد إكراما زائدا. و في هذه السنة كثرت الأمطار و السيول و كثر الخصب و الكمأ و رخصت الأسعار و ارتفعت الآبار.

ثم دخلت السنة الثانية بعد الثلاثمائة و الألف:

و فيها في أول المحرم قدم محمد بن فيصل إلى الرياض راجعا من الجبل و معه هدية جليلة لأخيه الإمام عبد اللّه بن فيصل من ابن رشيد، و ترك له بلدان الوشم و سدير، و كان قد مد يده عليها كما تقدم في السنة التي قبلها، فعزل الإمام من أراد عزله من أمراء البلدان المذكورة، و أبقى من أراد بقاءه منهم، فكثر على الإمارة الاختلاف، و عظم الشقاق، و تغلب بعض أهل البلدان على بلدانهم، و ضعف أمر آل سعود بسبب تفرقهم و اختلاف كلمتهم و كثرة تنازعهم. فحصل بسبب ذلك خطوب جسيمة، و محن عظيمة. فكتب شيخنا الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى رسالة أرسلها إليهم يحضهم فيها على الاجتماع، و ينهاهم عن التفرق، و يذكر لهم ما حصل بسبب تفرقهم من الذل و الهوان، و من خروج بلدانهم من أيديهم، و من طمع أعدائهم فيها. و أرسل معها إليهم هذه القصيدة، و هي من البحر الطويل:

متى ينجلي هذا الدجى و الدياجر* * * متى ينتهض للحق منكم عساكر

متى تنتهوا عن غمرة النوم و الردى‏* * * و ينهض لنصر الدين منكم أكابر

متى تتجدد دعوة حنيفية* * * يكون لها بالصدع ناه و آمر

متى ترعوي منكم قلوب عن الردى‏* * * متى ينقضي هذا القلا و التهاجر

فحتى متى هذا التواني عن العلا* * * كأنكموا ممن حوته المقابر

و أموالكم منهوبة و بلادكم‏* * * تبوأها بالرغم منكم أصاغر

و أشياعكم في كل قطر و بلدة* * * أذلا حيارى و الدموع مواطر

246

و أطفالكم هلكى تشتت شملهم‏* * * و ساءت لهم حال إذا الجد عاثر

ممالككم قد قسمها ملوكها* * * و أنتم لهم أحدوثة و مساخر

فإن ذكرت أو ذكرت بعض ما مضى‏* * * أجابت ببيت ضمنته الدفاتر

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا* * * أنيس و لم يسمر بمكة سامر

أ لم يك للأسلاف منكم مناقب‏* * * ألم يك للأخلاف منكم مفاخر

و في آية في الفتح قد جاء ذكركم‏* * * و قد حرر التفسير فيها أكابر

و فتيان صدق من رجال حنيفة* * * بأيديهم سمر القنا و البواتر

يرون شهود البأس أربح مغنم‏* * * لدى مأزق فيه يرى النقع ثائر

فسل عنهم يوم الصبيحة الذي‏* * * به انفتحت للحق فيه بصائر

وسل عنهم يوما به الطبعة التي‏* * * قد اشتهرت و اللّه آو و ناصر

وسل عنهم يوما بجانب جودة* * * و ليس لأمر حكمه اللّه قاهر

فقد بذلوا غالي النفوس لربهم‏* * * و أمسوا لأيدي الأرذلين مجازر

فابكهم يا عين منك و أسبلي‏* * * دموعك و الأجفان منك فواطر

و لا تتركي يا نفس شيئا من الأسى‏* * * على مثلهم تنشق منك المرائر

أيا مفخر العوجا ذوي البأس و الندى‏* * * أجيبوا جميعا مسرعين و بادروا

على اللّه ذي الرحمن، جميعا توكلوا* * * أذيقوا العدى كأس الردى و توازروا

أجيبوا جميعا مسرعين إلى الهدى‏* * * فليس بكم إلّا الغل و التشاجر

و أجدادكم أهل النباهة و العلا* * * ألا فاقتفوا تلك الجدود الغوابر

247

فكم لهم يوم به الجو مظلم‏* * * و قد نشرت للحق فيه شعائر

وجدكم الأعلى لدى صول الوغى‏* * * به قطعت للمعتدين دوابر

و كم لكم من فاتك تعرفونه‏* * * أوائلكم معروفة و أواخر

فما فارس الشهبا و ما الحارث الذي‏* * * أباد لظاها و الرماح شواجر

و إن ذكرت أركانكم و رؤوسكم‏* * * فإن أبا تركي ليس يغادر

فكم مشهدكم معهد تعرفونه‏* * * كما عرف الأقوام باد و حاضر

فلله أيام له و محاسن‏* * * تشبه بالأعياد و الأمر ظاهر

فلا تقنطوا من رحمة اللّه إنما* * * تجي‏ء محنة و اللّه للخلق قاهر

عسى و لعل اللّه يأتي بلطفه‏* * * فلا بدع فيما قد أتته المقادر

فتشفي لبانات و تقضي مآرب‏* * * و تبهج فيما تشتهيه النواظر

و حسن ختام النظم صل مسلما* * * على المصطفى ما ساح في الأفق ماطر

كذا الآل و الأصحاب ما ذر شارق‏* * * و ما غردت ورق و ما ناح طائر

و لم يتفق بينهم صلح لأمور قدرها اللّه العزيز العليم لا راد لحكمه يخلق ما يشاء، و يفعل ما يريد، و هو العلي الحكيم.

و في آخرها سطو آل نشوان، و أهل الحريق في أشيقر، و أخذوا مواشي لآل بسام و عقروا بعض المواشي.

ثم دخلت السنة الثالثة بعد الثلاثمائة و الألف:

و فيها كثرت الأمطار و عم الحياة جميع بلدان نجد و كثر الخصب، و ارتفعت المياه و فاضت الآبار و حار الحائر في كثير من البلدان.

248

و في هذه السنة في الخامس من شهر رمضان توفي الشيخ علي آل محمد بن علي بن حمد بن راشد قاضي بلد عنيزة. كان عالما فقيها، أخذ العلم عن عدة من العلماء الأعلام الأجلاء الكرام منهم الشيخ العالم العلامة القدوة الفهامة الشيخ عبد اللّه بن عبد الرحمن أبا بطين (رحمه اللّه تعالى). و كتب له إجازة بخط يده و تولى قضاء عنيزة بعده (رحمه اللّه) الشيخ عبد العزيز بن محمد بن مانع.

و في هذه السنة اصطلح أهل أشيقر، و أهل الحريق قام بالصلح بين الفريقين عثمان بن عبد الجبار راعي المجمعة، و عبد العزيز بن شبانة، و حمد بن عبد الجبار فوضعت الحرب أوزارها، و استقبل آل بسام بالديات لأهل الحريق، فنرجو اللّه أن يجزي من قام بالصلح بين الفريقين خير الجزاء.

ثم دخلت السنة الرابعة بعد الثلاثمائة و الألف:

و فيها خرج قافلة من أهل الزلفى و قصدوا بلد جلاجل ليمتاروا منه. فلما كانوا بالموضع المعروف بيتربة بالقرب من بلد جلاجل أمرحوا هناك فهاجمهم ركب من آل شامر، و قتلوا منهم رجال، و جرحوا منهم تسعة رجال جراحات شديدة، و أخذوهم.

و في خامس من ذي الحجة من السنة المذكورة قتل عبد الرحمن بن إبراهيم الخراشي في بلد أشيقر (رحمه اللّه تعالى). و قاتله عثمان بن محمد بن عبد العزيز بن نشوان الملقب بالفهد و هرب إلى بلد الحريق.

و ذلك بسبب الدماء التي بين آل نشوان. و هم آل خراشا، و آل حصانا.

و كان الدويش قاطنا على جو أشيقر، فانهزم عثمان بعد ما قتله و خرج إلى‏

249

الجو و قصد بيت سلطان بن الحميدي الدويش، ثم سار إلى العيينة، و منها إلى الحريق. و كان عبد الرحمن بن إبراهيم بن حسن و ابن راشد الخراشي المذكور ذا بأس و شدة، و كرم، و بمقتله انتقض الصلح الذي بين آل نشوان، و آل خراشا، و آل حصانا، و قامت الشرور بين الفريقين و كشفت الحرب عن ساقيها، فلا حول و لا قوة إلّا باللّه.

و فيها غرست الصقيرية المعروفة في جنوب بلد أشيقر: غرسها عبد اللّه بن سليمان بن محمد الرزيزا هو و أخوه عبد الرحمن بن سليمان بن محمد الرزيزا.

و فيها غرست أرض حمد المعروفة في العقلة في شمال أشيقر غرسها حمد بن عبد الوهاب.

ثم دخلت السنة الخامسة بعد الثلاثمائة و الألف:

و فيها في ثالث من المحرم حصل وقعة بين حاج أهل الوشم و بين هذيل و قريش في الموضع المسمى بالمرخ قريبا من مكة المشرفة قتل فيها من أهل شقراء عبد العزيز بن إبراهيم آل جميح (رحمه اللّه تعالى)، و كان حليما متواضعا ذا ديانة و صيانة، كثير الصدقة كريما جوادا لم يكن في عصره مثله في السخاء و الكرم.

و فيها في آخر المحرم سطا أولاد سعود بن فيصل في الرياض، و قبضوا على عمهم الإمام عبد اللّه بن فيصل فكتب الإمام عبد اللّه إلى محمد بن عبد اللّه بن رشيد أمير الجبل، و استنجد به على أولاد أخيه سعود فسار ابن رشيد بجنوده إلى الرياض و معه حسن ابن مهنا أبا الخيل أمير بلد بريدة، و حاصر البلد أياما قلائل. ثم وقعت المصالحة بين ابن رشيد،

250

و بين أهل الرياض، و بين أولاد سعود على أن تكون لهم إمارة بلد الخرج.

فخرج أولاد سعود إلى الخرج، و أقام ابن رشيد هناك أياما، و جعل محمد بن فيصل أميرا في بلد الرياض و المتصرف فيها من جهته سالم بن سبهان. ثم ارتحل في جمادى الأولى من السنة المذكورة راجعا إلى الجبل و معه الإمام عبد اللّه بن فيصل، و ابنه تركي، و أخوه عبد الرحمن بن فيصل و سعود بن جلوي، و أذن لأهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم، و أخذ يدبر الحيلة في قتل عيال سعود، و يكاتب أعداء عيال سعود من أهل الخرج و يطلب المواطأة على قتلهم و يعدهم و يمنيهم فواطأه على ذلك إذا أمكنتهم الفرصة.

و لما كان في شهر ذي القعدة من السنة المذكورة سطا سالم بن سبهان بسرية معه على أولاد سعود بن فيصل في الخرج و قتلهم غدرا، و هم: محمد، و عبد اللّه، و سعد (رحمهم اللّه تعالى). و كان أخوهم عبد العزيز بن سعود قد ركب في أول الشهر المذكور لابن رشيد في حائل، فكتب أهل الخرج إلى سالم يستدعونه و ابن سبهان في الرياض و معه إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف من أهل أبا الكباش في قصر الرياض، و توجهوا إلى الدلم و اتفق أن ركبا من الدواسر أخذوا إبلا لأهل بلد زميقة من بلدان الخرج، فركب محمد بن سعود على فرسه في أثرها، و استنقذ الإبل منهم و رجع بها و صادف وصوله في الإبل وصول سالم بن سبهان. و كان محمد بن سعود قد نزل من فرسه عند صاحب قصر هناك. و صاحب القصر يعمل له قهوة فلم يفاجئه إلّا خيل ابن سبهان قد خرجت عليه، فلما رآهم قام و ترك فرسه فانهزم و دخل مقصورة هناك فتبعوه، و لما وصلوا إليه في المقصورة حصل بينهم و بينه كلام. و قالوا له:

251

إننا في طلب إبل قد أخذها ركب. و كان في المقصورة فرجة و محمد واقف يكلمهم فرماه خلف الشمري مع الفرجة المذكورة ببندق فوقع محمد ميتا.

ثم توجهوا إلى الدلم و طرق رجل من أصحاب سالم على عبد اللّه بن سعود الباب ممن كان يعرفه عبد اللّه بن سعود، و ذلك صبح الخميس أول يوم من ذي الحجة، ففتح عبد اللّه الباب و كان مع الذين طرقوا الباب عبد بن عبيد بن رشيد فضرب عبد اللّه بن سعود بسيفه فقتله.

و كان سعد بن سعود في نخل له خارج البلد، فلما بلغه الخبر ركب فرسه و انهزم إلى عرب هناك، و نزل عندهم. و اتفق أن شيخ العرب المذكورين، و هو المعروف بالصاع جاء إلى سالم بن سبهان فربطه، فقال:

إن لم تأتني بسعد بن سعود قتلتك. فأرسل الصاع إلى أهله، و أمرهم بالقبض على سعد بن سعود، و المجي‏ء به، فقبضوا عليه و جاؤوا به إلى ابن سبهان فقتله.

ثم إن ابن سبهان أرسل إلى ابن رشيد بخبره بمقتل عيال سعود، فلما وصل الرسول إلى حائل و إذ أخوهم عبد العزيز بن سعود قد وصل إليها قبل الخبر بثلاثة أيام، و أخبره ابن رشيد بما صار على إخوته، و أمره بالإقامة عنده في حائل، و أذن لمن معه من الأتباع و الخدام بالرجوع إلى أهلهم، فمنهم من رجع و منهم من أقام هناك.

و بعد أن تولى الملك عبد العزيز على الرياض عام 1320 ه ظفر بالصاع المذكور و ابنه فقتلهما، و ظفر بعبد اللّه بن عبد الرحمن بن إبراهيم عند بادية العجمان. و ذلك في عام 1320 ه، و فيها كثرت الأمطار و انهدمت القليب المعروفة بالعميا بالجريف.

252

ثم دخلت السنة السادسة بعد الثلاثمائة و الألف:

و فيها كثرت الأمطار و السيول و عم الحياة جميع بلدان نجد، و دام المطر أحد عشر يوما ما رأينا الشمس فيها إلّا لحظات يسيرة. و خاف الناس من الغرق، و كثر الهدم و أعشبت الأرض و كثرت الكمأة، و رخصت الأسعار، و انهدمت القليب المعروفة بالوسطى التي تلي العميا بالجريف بأشيقر من شدة السيل.

و في هذه السنة توفي سعود بن جلوي بن تركي بن عبد اللّه بن محمد بن سعود في بلد الرياض (رحمه اللّه تعالى). و فيها توفي عمر بن إبراهيم بن سدحان في شقراء (رحمه اللّه تعالى).

ثم دخلت السنة السابعة بعد الثلاثمائة و الألف:

و فيها توفي تركي بن الإمام عبد اللّه بن فيصل في بلد حائل (رحمه اللّه تعالى). و فيها خرج الإمام عبد اللّه بن فيصل من حائل متوجها إلى بلد الرياض و معه أخوه عبد الرحمن بن فيصل، و كان الإمام عبد اللّه إذ ذاك مريضا، فلما وصل إلى الرياض اشتد به المرض، و توفي بعد قدومه بيوم. و ذلك يوم الثلاثاء في اليوم الثالث من ربيع الثاني من السنة المذكورة. (رحمه اللّه تعالى) كان ملكا جليلا مهابا وافر العقل حليما كريما شجاعا حازما غير سفاك للدماء، شفيقا بالرعية سهل الأخلاق سخيا محبا للعلماء مقربا لهم محسنا إليهم و إلى غيرهم من ذوي الحاجات، كثير الصلاة و العطاء، غزير الفضل حسن السيرة. و كانت أيامه مكدرة عليه من كثرة المخالفين (رحمه اللّه تعالى) و عفى عنه بمنه و كرمه و لم يعقب ذكورا.

و في هذه السنة حصل بين ابن رشيد و حسن آل مهنا أمير بريدة تنافر

253

و اختلاف: ذلك أن ابن رشيد في هذه السنة أرسل عماله إلى الشواوي القصيم ليزكوهم و كان عامل حسن إذ ذاك عندهم لقبض زكاتهم فحصل بين عمال ابن رشيد و بين عمال حسن كلام فاحش و سباب فرجع عمال ابن رشيد عنهم، و استحكمت العداوة بين ابن رشيد و حسن، ثم اتفقوا على إنهم يراجعون ابن رشيد في ذلك فراجعوه في ذلك الأمر. و جاء منه الخبر بأني ما أمرتهم بقبض زكاة الشواوي، و إنما قيل لنا: إن هناك قبائل من عربان مطير فأرسلتهم لهم، و كتب إلى عماله بألا يتعرضوا للشواوي بشي‏ء.

و بذلك وقعت الوحشة بين ابن رشيد، و ابن مهنا، و كان حسن المذكور قبل ذلك بينه و بين زامل بن عبد اللّه بن سليم أمير بلد عنيزة عداوة شديدة فالتفت حسن إليه و أخذ يكاتبه و يطلب منه المصالحة. و أن يكون يدا واحدة على محاربة ابن رشيد. فأجابه زامل إلى ذلك، و تواعدا للاجتماع في موضع من الغميس. فركب زامل و معه عدة رجال من خدمة و ركب حسن، بمثل ذلك و اجتمعوا في الموضع المذكور و تعاهدوا على التعاون و التناصر، و أن لا يخذل بعضهم بعضا. و أقاموا هناك ثلاثة أيام ثم رجع كل منهم إلى بلاده و صلحت حالهم و كان ابن رشيد حين استولى على الرياض قد جعل فيه محمد بن فيصل أميرا، و جعل سالم بن سبهان و معه عدة رجال من أهل الجبل في قصر الرياض، و صار سالم المذكور هو المتصرف فيها بأوامر ابن رشيد.

و لمّا كان في الحادي عشر من شهر ذي الحجة من هذه السنة جاء الخبر إلى الإمام عبد الرحمن بن فيصل بأن ابن سبهان المذكور يريد الغدر به، و القبض عليه. فلما تحقق الإمام عبد الرحمن بن فيصل من ذلك‏

254

الخبر، و دخل سالم بن سبهان المذكور بمن معه من الخدام على الإمام عبد الرحمن للسلام عليه على عادته، و كان الإمام عبد الرحمن قد جمع رجالا عنده في القصر و أمرهم بالقبض على سالم و من معه إذا دخلوا القصر. فلما دخل سالم و من معه القصر قبضوا عليهم و حبسوهم و قتلوا خلف بن مبارك بن الأسلم من شمر، لأنه هو الذي قتل محمد بن سعود بن فيصل كما تقدم. و احتوى الإمام عبد الرحمن بن فيصل على ما في قصر الرياض من الأموال.

و كان سبب القبض على سالم و أصحابه المنافرة التي وقعت بين ابن رشيد، و ابن مهنا كما تقدم، و الاتفاق بين زامل السليم، و حسن المهنا.

كتب ابن مهنا إلى الإمام عبد الرحمن بطلب منه القبض على ابن سبهان.

و الاستيلاء على الرياض. و بعده النصرة له و القيام معه و صارت الرسل تترا منه إلى الإمام في ذلك.

فلما كان في يوم عيد الأضحى أظهر الإمام عبد الرحمن أن معه بعض الأثر، و كان إذ ذاك في القصر العتيق و ابن سبهان و أصحابه في القصر الجديد. و قال الإمام لابنه فيصل: سر إلى الأمير سالم بن سبهان، كما هي عادتهم في الأعياد، فإن سألك عني فقل له: إن معه بعض الأثر، و هو يسلم عليكم، و لو قدر على الوصول إليكم لفعل. و كان الإمام عبد الرحمن قد أخبر ابنه بالخبر و أنه يريد القبض على ابن سبهان و أصحابه إذا أمكنته الفرصة. فسار فيصل إلى ابن سبهان و سلم عليه، فلما استقر به الجلوس سأله سالم عن والده فقال له: إن معه بعض الأثر، و هو يسلم عليكم. فقال سالم: لا بد أن نسلم عليه، و لكن اليوم ما لنا فرصة،

255

و بعد طلوع الشمس بكرة نأتي إليكم للسلام عليه. و قام فيصل و أخبر أباه بذلك فتأهب لمجيئهم.

فلما كان صبيحة ذلك اليوم و هو الحادي عشر من ذي الحجة جلس الإمام عبد الرحمن في روشن في القصر، و كان تمالأ هو وعدة رجال من آل مقرن منهم عبد اللّه بن جلوي، و أخوه فهد، و محمد بن حسن بن مشاري، و ناصر بن فرحان و فيصل بن ناصر و عدة رجال من أتباعهم و خدامهم و أمرهم بالجلوس في موضع من القصر، فإذا دخل سالم و أصحابه فليغلقوا الباب باب القصر ثم يجلسون عنده إلى أن يأتيهم الأمر، ففعلوا ذلك. و قام معه في هذا الأمر ابنه فيصل و كان شهما شجاعا. فلما جاء سالم و أصحابه تلقاهم فيصل ابن الإمام عبد الرحمن و رحب بهم و صعد معهم إلى الروشن الذي فيه والده، فلما أقبلوا على الباب قام الإمام عبد الرحمن و تلقاهم و جلسوا.

و حين دخل سالم و أصحابه القصر و صعدوا، قام من هناك من آل سعود و أتباعهم و أغلقوا باب القصر. و لما استقر المجلس بسالم و أصحابه قام الإمام عبد الرحمن و خرج من الروشن و أمر على من هناك من أصحابه أن يحيطوا بالروشن و يقبضوا على سالم و أصحابه، ففعلوا ذلك و قبضوا عليهم و حبسوهم و لم يقتلوا منهم إلّا خلف الشمري. و كان قبل ذلك في افتتاح شهر ذي القعدة قد ركب من الرياض خمسة رجال من آل سعود: وافد بن علي بن رشيد في حائل، فقدموا عليه و أكرمهم و أقاموا هناك أياما، ثم أذن لهم بالرجوع إلى أهليهم، فخرجوا من حائل. و لما كان في اليوم الذي خرجوا فيه من حائل جاء الخبر إلى ابن رشيد بما حصل على سالم و أصحابه، فأرسل خلفهم من يردهم إلى حائل، فرجعوا

256

إليها و أقاموا هناك و أخذ ابن رشيد يتجهز للغزو.

و فيها توفي الشيخ زيد بن محمد العالم المعروف في حريق نعام، و هو من عائذ كان عالما فاضلا (رحمه اللّه تعالى).

و في هذه السنة توفي الشيخ العالم العلامة عبد العزيز بن محمد بن عبد اللّه بن مانع الوهيبي التميمي قاضي بلد عنيزة. كان عالما فاضلا نبيها نبيلا، قرأ على أبيه الشيخ محمد في الفقه و غيره، فأدرك في الفقه إدراكا تاما. و قرأ على الشيخ محمد بن عبد اللّه بن سليم، و الشيخ محمد بن عمر بن سليم، و الشيخ علي آل محمد قاضي عنيزة و غيرهم، و أخذ عنه العلم كثير من الفضلاء. و لما مات الشيخ علي آل محمد المذكور تولى القضاء بعده الشيخ عبد العزيز المذكور في بلد عنيزة فباشر القضاء فيها بحسن السيرة، و الورع، و العفة، و الديانة، و الصيانة، و لم يزل على حسن الاستقامة إلى أن توفاه اللّه تعالى في هذه السنة المذكور (رحمه اللّه تعالى)، و قد رثاه تلميذه الشيخ إبراهيم بن محمد بن صويان بهذه القصيدة. و هي من البحر الطويل:

على الحبر بحر العلم من كان باكيا* * * هلم إلينا نسعدنه لياليا

سأبكي كما تبكي الثكالى بشجوها* * * و أرسل دمعا كان في الجفن آنيا

على عالم حبر إمام سميدع‏* * * حليم و ذي فضل خليف المعاليا

يقضي بحل المشكلات نهاره‏* * * و في الليل قواما إذا كان خاليا

فضائله لا يحصر النظم عدها* * * و يقصر عنها كل من كان رائيا

و ثلمته يا صاح من ذا يسدها* * * و نجم توارى بعدما كان باديا

إمام على نهج الإمام ابن حنبل‏* * * لقد كان مهديا و قد كان هاديا