خزانة التواريخ النجدية - ج8

- عبد الله بن عبد الرحمان آل بسام المزيد...
195 /
155

عبد العزيز و الذي معه و آكانوا على بدر و خيموا فيه جاهم لحيق من ابن سعود، و أمرهم يحاصرون ينبع، ثم أرسل فيصل الدويش معه جملة قوم، و أرسل الغرم الجميع يحاصرون المدينة و وصلوها كلهم، الغرم نزل العوالي، و الدويش نزل الحسا، و صار على المدينة حصار شديد و لا بدّ الضرر يصير على أطراف المدينة في كل يوم.

ثم روح أخيه عبد اللّه بن عبد الرحمن معه العتبان، و قحطان، و أهل دخنة و بادية الجنوب يحاصرون جدة.

الدويش نزل العوالي و استولى على أملاكها، و استلحق العربان الكيل و مدد و أكالوا من العوالي، و في عاشر ربيع الأول سنة 1344 ه وصل للمدينة بابور بغرة من الدويش فيه طعام و ذخيرة و عسكر، و في آخر الشهر المذكور تضمن الذي بالمدينة من الحروب و جنود الشريف و ظهروا على الأخوان بغرة منهم و هجدوهم بليل ثم قاموا عليهم الأخوان و يوم تضاربوا انكسروا أهل المدينة، و وطوا ساقتهم، و قتلوا عليهم قدر مائتين نفس و الأخوان قتل منهم قدر خمس نفوس، ثم استمر الحصار.

أما ابن سعود في ربيع الأول سنة 1344 ه استغزا أهل نجد جميعهم بدل عن الأولين ثم غزوا من حايل إلى الحساء.

و في ربيع الأول جاه مندوب من الإنكليز و من حكومة العراق و ظهر عليهم في بحرة قريب مكة و المسألة من قبل الحدود الذي بينهم و بين ابن سعود.

في منزل الدويش العوالي و العيون حصل على قومه مرض، و استنكروا الهوى و كثر المرض معهم و استرخص الدويش و قومه و أرخص لهم ابن سعود، و انكفوا في ربيع الثاني سنة 1344 ه و استمر الحصار من‏

156

جنود ابن سعود الباقين بعد الدويش و طالت الشدة على أهل المدينة و استأذوا من قلة الطعام و غيره، و حصل عليهم ضرر عظيم و أغلب أهل المدينة هرب عنها.

ثم أرسل شحاذ مصطفى الصعيدي معه مكتوب لابن سعود يطلب الإمان فأرسل ابن سعود ابنه محمد معه قوة.

و في ليلة أربعة و عشرين ربيع الأول سنة 1344 ه:

هب عاصوف هوى غربي بإذن اللّه ضرب على القطيف يبالغون بالذي جدع من النخيل يقدر الذي طاح من النخيل قريب عشرين ألف نخلة، و أتلف نفوس من سكان النخل أيضا، ثم وصل الهوى إلى داخل البحر و ضرب على الغوص و قلب بأمر اللّه أسفر البحر أعلاه صار الذي في جهة أهل البحرين، و أهل الدمام، و أهل دارين قلب بعض سفنهم الذي غطس قدر خمسماية سفينة بأهلهنّ. و أمّا أهل البحرين فهم بعد ما طبّوا البحرين و رجعوا أهل الردة صادفوا الحادثة، أما أهل قطر، و أهل الكويت و أهل الجبيل سالمين تقدر السفن التي غطست بالبحر بأسباب الهوى قدر خمسماية أو ستماية سفينة، و الأنفس التي هلكت قدر ألف نفس.

محمد بن عبد العزيز بن سعود: بعد ما وصل أطراف المدينة، [...] (1) و قطع رأسهم على أنهم يسلمون طلبوا من ولد ابن سعود المواجه، و أمنهم و خرجوا إليه، و واجهوه و سلموا له الأمر أن يعطيهم على الذي لهم خاصة، و الذي خاص الشريف من كل شي فهو لابن سعود فوافقهم على ذلك و أجابهم على مطلبهم فدخل المدينة و استولى على ما فيها، و ذلك في 10 جمادى الأول سنة 1344 ه.

____________

(1) كلام غير مفهوم في الأصل.

157

ابن سعود بعد ما وصلوا الغزوان من نجد مع ابنه فيصل، وجههم إلى حصار جدّة مع أخيه عبد اللّه بن عبد الرحمن و حاصروا جدة.

الأشراف بعد فتح المدينة صار معهم رعب عظيم، لأن المدينة حصينة و فيها قوة عظيمة، و صار الخوف يزيد معهم كل يوم.

و في دخول شهر جمادى الثانية أشراف في جدة كاتبوا ابن سعود خفية على الشريف علي و جذبوه.

ابن سعود طمع فيهم و ركب من مكة، فلما وصل العرضي في الرغامة و نزل عليه و إذا الشريف علي شايف الأمر، و طايبة نفسه، و مكاتب ابن أخيه شاكر و جاذبه من ينبع بخيله عن عسكر ينبع.

الشريف علي دعى القناصل، و قال أنا قضيت لكن أصلحوا بيني و بين ابن سعود فجاوبه قنصل الإنكليز و أخذ العلم كله، و ظهر إلى ابن سعود بالرغامة و أخبره أنه جاي يطلب الصلح، و إنّ الشريف علي مفوضة بالذي يجري، و الكل اشترط شروطا قبلها قبيلة، أما شروط القنصل فهي أن ابن سعود يرفع يده عن الذي للأشراف ورث أب عن جد، و يعفي عن المجرم و المغرم، و يشيل عسكر علي إلى ابن بندر يريدون و يزهبهم.

و شروط ابن سعود هي أن الذي خاص الشريف حسين و الذي هو تملك من شاخ إلى الآن مع جميع الأشياء، و استولى عليه بعد الترك و الذي اشترى من مراكب و غيرها أنها لابن سعود، ثم كتبوا ورقة و ختم فيها ابن سعود و أخذها القنصل و دخل بها إلى جدة، و عرضها على الشريف و ختم فيها.

و في 6 جمادى الثانية سنة 1344 ه:

ظهر الشريف من جدة معه‏

158

نفر واحد في مركب صغير للإنكليز و حرمه و خدامه، و العقيلات، ظهروا في مركب من مراكب الشريف كفل عليه القنصل أنه يروح بهم و يرجع إلى ابن سعود، و في يوم سابع 7 جمادى الثانية دخل ابن سعود هو و جنوده، و استولى على جميع الأشياء أربعة مراكب، و طيارات، و مواتر، و دبابات و آلات حرب عديدة.

و بعد فتح جدة بساعة واحدة فتحت ينبع و استولى ابن سعود على ما فيها لئلا يبقى للأشراف علاقة.

بدخول ابن سعود جدة استقبلوه الأهالي فأكرم القوي، و فرق على الضعفاء دراهم، و القنصل قابلوه و هنّؤوه، و تشكروا منه على عفوه، و حقنه الدماء و صدرت البرقيات إلى جميع الأطراف بذلك.

في خروج الشريف علي من جدة خرج ما معه إلّا الشريف شاكر في مركب صغير للإنكليز و ينسب عنه عبد اللّه زينل (قايم مقام جدة سابقا)، و قد أيّده ابن سعود بوظيفته أنه خرج مع الشريف على يسيرة جبرانا لخاطره، و أنه لما خرجوا من جدة، نظروا إلى المذكور و إذا هو يبكي فسأله عن السبب و لامه على بكاه، و أن المذكور علي أجابه أنه لا يبكي على الملك الذي فات بل إني أبكي على حالتي الخاصة أمس و اليوم:

كنت أصرف على خمسة عشر ألف نفس. و الآن ما أملك إلّا ثوبي الذي علي، و لا أجد و لا غيره، و لا فلس. و الآن يا عبد اللّه أنا أستعين اللّه ثم أستعينك. فقلت: الآن ما معي شي حاضر لكن ترغب أكتب لك حوالة.

قال: نعم، فكتبت له حوالة على عدن. و المذكور ما أحسن معي و لكني رحمته. فسبحان الذي ما تضعف قوته.

159

ابن سعود أمر إبراهيم السبهان في المدينة و المذكور رجال مهيب، و نظمها حرب الذي كانوا بالمدينة لهم حقوق و إخاوات، و أمرهم نافذ صار و الآن مثل الغنم ما أحد يرفع رأسه ابن منصور و باشة المدينة، و باشة مكة ركبوا إلى ابن سعود في مكة.

ابن سعود أمر في ينبع ابن سعيد، و رتب القمارق البحر، و البر و رتب بالوجه و العلا مناصيب.

و في دخول رجب نصب ابن سعود ابنه فيصل أمير في مكة، و حضروا عنده أهل مكة الأعيان، و المشايخ، و عاهدوه. كذلك نصب ابنه محمد أمير في جدة و أرخص لغزوان البدو بالنكوفة.

و في سنة 1344 ه:

حجوا المسلمون حجة هنية، و أمان الذهب يسقط من صاحبه و يبقى في مكانه ما يحرك حتى يرجع هو ياجده و ياخذه.

و بهذه السنة أجملوا الناس على الحج يقدر الحاج من العرب قدر تسعين ألفا، و كل رجع إلى وطنه بأمان و صحة فقط في ليلة الوقفة حدث ثورة من الإخوان على المصريين، و عند أول رمية ثارت ركب ابن سعود و خدامه و تداركوا الأمر و أطفوها، قتل من الإخوان بذلك سبعة أنفار.

و في شهر ذي القعدة ابن سعود استفتى المشايخ عن القبب المبنية على القبور و أخبروه أنها ما تجوز، و هدم الذي بالبقيع كلها و لا بقي شي‏ء.

و في ربيع الأول سنة 1345 ه:

سافر فيصل بن عبد العزيز إلى أوروبا و تخلف في إمارة مكة مشاري بن سعود بن جلوي.

160

و في ربيع الثاني سنة 1345 ه:

توجه ابن سعود إلى المدينة للزيارة وصلها في 25 و استقام فيها شهرين و عشرة أيام، و ظهر في 5 رجب قاصدا الرياض، و نصب بالمدينة مشاري بن سعود بن جلوي أمير، لأن فيصل رجع إلى مكة و ابن سبهان عزل.

بأول سنة 1345 ه: صار مع الإخوان جهل، و تعصب زايد بالدين و عابوا على ابن سعود في بعض مسائل و أرسل لهم ابن سعود مشايخ باحثوهم و وعظوهم و استعاضوا وردوا على حالتهم السابقة، و عاهدوا ابن سعود، و قضبوا الطريق بهن ابن سعود استقام بالرياض أربعة أشهر و توجه إلى مكة وصلها بخامس ذي القعدة.

و السنة 1345 ه: المذكورة حج البيت الشريف حاج عظيم، بلغ قريب لكين و خمسين ألف نفس. و من كرم الباري ما وقع أمر يكره، الجميع حجو حجة هنية و صحة و أمان. و الماراهي الغريب و العرب كل قضى حجه و رجع إلى وطنه ما رأى مكروه.

***

161

العنيزية قصيدة تضم مختصر تاريخ (عنيزة) منذ تأسيسها حتى وقتنا الحاضر

نظم المؤرخ الشيخ عبد العزيز بن محمد بن حمد بن عبد اللّه القاضي‏

162

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

163

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

ترجمة الناظم‏

هو الأستاذ: عبد العزيز بن محمد بن حمد بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن إبراهيم القاضي من بطن الوهبة من قبيلة بني تميم.

كانت أسرة المترجم تقيم في بلدة أشيقر في الوشم، ثم انتقلوا- على أثر فتنة- إلى المجمعة عاصمة بلدان سدير، و ذلك عام 1135 ه.

ثم انتقل جدّ الأسرة المقيمة في مدينة عنيزة من المجمعة إلى عنيزة، و ذلك عام 1165 ه، و المنتقل هو: إبراهيم، الذي بأعلى هذا النسب، و الذي تنسب إسرة إليه آل قاضي في عنيزة.

أما جد أبيه: محمد، فهو شاعر نجد الكبير الشهير، و قد توفي 1285 ه.

و أما جده: حمد، فهو شاعر، و قد قتل شابا في معركة المليدا التي دارت بين محمد بن رشيد و بين أهل القصيم في عام 1308 ه.

و أما والده: محمد، فهو أحد المثقفين المطلعين على الأنساب‏

164

و الأخبار و الأشعار، و كان صاحب محل تجاري في بلد البحرين و أخيرا استقر في بلده مدينة عنيزة حتى توفي فيها (رحمه اللّه).

أما الناظم فقد ولد في عنيزة عام 1343 ه، و بعد سنّ التمييز أدخله والده في كتاب لموذجي يديره الأستاذ صالح آل صالح في عنيزة.

و كان يدرس فيه القرآن الكريم بالتجويد، و يدريس فيه قواعد الحساب، و يدرس فيه أنواع الخطوط، كما يتلقى فيه الطلاب الدروس الأدبية و التدرب على الإنشاء و الخطابة، فأخذ من هذه العلوم و من هذا الكتاب قسطا جيدا، ثم سافر إلى والده في البحرين عام 1353 ه.

ثم أدخله والده في البحرين مدارس نظامية، فتعلّم فيها حتى صار له مدخل جيد في العلوم الأدبية و التاريخية و الثقافية.

ثم عاد إلى وطنه عنيزة و هو الآن يقيم فيها وقت كتابة هذه الأسطر عام 1417 ه، وفّقه اللّه.

أما النّظم فهو أمام القرّاء، سجّل فيه أهم حوادث بلدة عنيزة، و هو يدلّ على شاعريته و لو نماها الأستاذ عبد العزيز لفاقت، لكنّه شغل بأعمال والده التجارية، و له كتاب آخر سمّاه: «رحلة الفتيان في مرابع البيان»، و الكتابان ألّفهما في صباه المبكر، وفّقه اللّه تعالى.

المحقق‏

عبد اللّه بن عبد الرّحمن آل بسّام‏

165

قال المؤرخ الناظم:

الإهداء

إلى أبناء عنيزة شيبا و شبّانا، أهدي هذه النفحة الشعرية التي ضمت موجز تاريخ بلادهم، و لعلهم أن يستعيدوا على صفحات هذا التاريخ في ثنايا أبيات هذه القصيدة ذكريات الكفاح المجيد، الذي تخطّت مراحله لإثبات وجودها و تدعيم كيانها، وسط الصحراء العربية الكريمة، هذه الصحراء التي أنجبت و لا تزال تنجب أكرم النفوس و أطبعها على الخير و أشدها مساسا بالفظرة السليمة، و لعل في هذه الذكرى للمجد ما «يبعث في نفوسهم الحنين إلى هذه الفطرة السليمة بعد أن كادت الأهواء تمزّقها أشلاء، و تبعث بها تقلبات الزمن، و هي الأساس الذي لا يزول للخلق الكريم، و الركن الذي لا ينهد إلّا الفضائل القويمة.

إلى من ينبعث فيهم هذا الحنين، و يتألق في قلوبهم من نور الإيمان ما يبلّغهم المحجة، و يوفّقهم على سواء السبيل أهدي نفحة الشعر و تاريخ الوطن.

عبد العزيز بن محمد القاضي‏

166

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

المقدّمة

الحمد للّه رب العالمين، و الصّلاة و السّلام على محمد خاتم المرسلين.

حداني إلى نظم هذه القصيدة في تاريخ «عنيزة» حرصي على هذا الوطن العربي الكريم أن يحيط أبناؤه- و أنا أحدهم- بالمعلومات التاريخية عنه، مجموعة في سفر واحد تناولها سهل لدى الجميع، و لا يخفى استعصاء الشعر على النظم في تفصيل الحوادث تفصيلا مسهبا، لذا فتجد هذه الحوادث المنظومة أشبه بالترتيب الأبجدي، لذلك فقد وجدتني مضطرّا إلى التعليق عليها نشرا لإيضاح ما قد يشتبه على القارى‏ء، و رغم ذلك فأعمد في ذلك كلّه إلى التفصيل المسهب لضيق نطاق الشعر إن أردته شعرا، و الخروج بالنثر عن كونه شرحا للشعر إن أردته نثرا.

و تاريخ بلدة في قطر كعنيزة في نجد لا بد و أن يتطرق المتعرض له إلى حوادث تتعلق بغيره في شتى أنحاء القطر ثم تندمج بحوادثه، و يكون من اللازم إيرادها لتمام انتظام حوادثه و عدم انفصال بعضها عن بعض، لذا

167

فقد تعرضت لبعض حوادث نجد و أمرائها، و لكن هذا التعرض هو أشبه باللمحة الخاطفة، فلم أعمد إلى تفصيل شي‏ء منها، بل و لا إلى ترتيب حوادثها لأن هذا شي‏ء خارج عن قصدي في نظم هذه القصيدة، و لأنه موجود في الكتب التي ألّفت عن تاريخ نجد مفصّلا يرجع إليه من شاء.

و لما كانت هذه القصيدة و شرحها تاريخا موجزا لعنيزة لا يتطرق إلى التفصيل، فقد رأيت أن أورد في هذه المقدمة نبذا موجزة جدا، بقدر ما يتسع لها المجال عن هذا التاريخ، مجتهدا في تضمينها على الأخص الحوادث التي لم ترد في خلال القصيدة و شرحها، و لكن قبل أن أورد هذه النّبذ أودّ أن أورد قبلها نبذة مقتضبة عما وصل إليّ من أخبار هذا الوطن في أخبار العرب الأقدمين.

***

168

عنيزة في أخبار العرب الأولين‏

سمّيت (عنيزة) بهذا الاسم بأكمة سوداء بينها و بين مطلع الشمس، و نقل ياقوت في المعجم عن ابن الأعرابي على ما أخبره به الفزاوي، أنّ عنيزة تنهية للأودية، ينتهي ماؤها إليها و هي على ميل من (القريتين) ببطن ولدي الرّمة، و هي لبني عامر بن كريز، و القريتان هما المعروفتان عند أهل عنيزة الآن ب (الجوي) و (العيارية)، و كانتا عامرتين بالسكان في ذلك الوقت، و كانوا يستقون مائهم من عنيزة.

قال أبو عبيد السكوني: إنّ الذي استخرج عنيزة هو محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس، و هو أمير على البصرة، و البئر التي حفرها محمد بن سليمان هذا هي المعروفة عند أهل عنيزة الآن (أمّ القبور) سمّيت بهذا الاسم بعد زمن طويل من حفرها. لكثرة من دفن حولها من أموات الحاج، و ممن يقطن حولها من العرب أيام الصيف.

و في رواية أخرى أنّ الحجّاج بن يوسف بعث رجلا يحفر المياه بين‏

169

البصرة و مكة فقال له: احفر بين عنيزة و الشجا مستثيرا بقول امرى‏ء القيس‏ (1):

تراءت لنا بين النقا و عنيزة* * * و بين الشجا ما آحال على الوادي‏

فقال الحجاج: و اللّه ما تراءت له إلّا على ماء. و قال امرؤ القيس أيضا:

تراءت لنا يوما بسفح عنيزة* * * و قد حان منها رحلة و قلوص‏

و قال عبد المسيح بن عسلة العبدي:

لعمري لا شبغنا ضياع عنيزة* * * إلى الحول منها و النسور القشاعما

و من أيام العرب المشهورة في حرب البسوس يوم (عنيزة) فيه يقول المهلهل أخو كليب:

غداة كأننا و بني أبينا* * * بجنب عنيزة رحيا مدير

و يقول الفرزدق:

أنخنا إليها من حيضيض عنيزة* * * ثلاثا كذود الهاجري رواسيا

و يقول جرير:

و سقى الغمام منازلا بعنيزة* * * أما تصاف جدي و أما تربع‏

حيّوا الديار و سائلوا أطلالها* * * هلا ترجع الخبر الديار البلقع‏

و لقد حبست بها المطي فلم يكن‏* * * إلّا السلام و وكف عين تدمع‏

لما رأى صحبي الدموع كأنها* * * سح المرذاذ على المرداء استرجعوا

____________

(1) نقلت هذا التعريف- كما نقلت معظم حوادث هذا التاريخ- عن تاريخ لنجد لم يطبع بعد كتبه المرحوم مقبل بن عبد العزيز الذكير.

170

قالوا: تعزّ فقلت: ليس بكائن‏* * * مني العزاء و صدع قلبي يقرع‏

هل تذكرين زماننا بعنيزة* * * و إلّا برقين و ذاك ما لا يرجع‏

و قال جرير أيضا:

هل تبصرين ظعاثنا بعنيزة* * * أم هل تقول لنا بهن لحاقا

حث لحداة بهم وراء حولهم‏* * * بزلا تجاسر لم يكن حقاقا

***

171

نبذ عن عنيزة في التاريخ الحديث‏ (1)

1- تأسست (عنيزة) في أواخر القرن السابع الهجري، و أول ما تأسس منها قسمها الشمالي المعروف باسم (الجناح) و هو اسم القبيلة التي نزلته و تنتهي إلى الجبور من بني خالد القبيلة المعروفة.

2- نزل فريق من سبيع روضة عنيزة و كانوا أول أمرهم ينزلونها في الصيف و يظعنون عنها في الشتاء ثم اتخذوا بعد ذلك البيوت.

3- في سنة 1097 ه: خرج شريف مكة، و نزل عنيزة و أوقع في أهل (العاقلية) المحلة المعروفة في عنيزة، و انتهك فيها الحرمات و أعمل القسوة.

4- في سنة 1115 ه: قام أهل (الجناح) و قتلوا الأمير فوزان بن حيدان بن حسن الملقب بابن معمر من الفضل ثم من الجراح ثم من سبيع.

5- في سنة 1116 ه: هطلت في عنيزة أمطار غزيرة أربت على التلال و المجاري و هدمت بعض المنازل و تسمى (غرفة السليمى) و هو رجل أعمى دخل عليه السيل فأغرقه.

____________

(1) في هذه النبذ لم أعمد إلى التفصيل و لا إلى سرد الحوادث متعاقبة بل أوردتها على الترتيب العددي مقتصرا على إيراد ما لم يرد ذكره في القصيدة فحسب.

172

6- في سنة 1155 ه: قتل حسن بن مشعاب أمير عنيزة و جلا آل جراح و تولى الجناح على عنيزة جميعها.

7- في سنة 1156 ه: تولى رشيد بن محمد بن حسن آل الجراح على (المليحة) المحلة المعروفة في عنيزة و أرسل إلى فرج رئيس آل جناح يهادنه فاصطلحوا و هدأت الفتن.

8- في سنة 1160 ه: توفي الشيخ عبد اللّه بن غضيب الناصري التميمي صاحب النبذ التاريخية.

9- في سنة 1165 ه: نزل إبراهيم بن عبد الرحمن القاضي و أولاده محمد و عبد اللّه و ماجد و علي بلد عنيزة، و إبراهيم هذا جدّ عائلة آل قاضي المعروفين في عنيزة.

10- في سنة 1174 ه: قتل الرشيد آل جراح و فراج آل جناح.

11- في سنة 1183 ه: نزل جود الدريبي أمير (بريدة) باب شارخ في عنيزة و قاتل أهلها و لم يفز منهم بطائل، و ذلك لمساعدة أهل عنيزة لآل عليان عليه.

12- لما ثار يحيى بن سليمان بن زامل السليم على عبد اللّه الجمعي سنة 1239 ه ثار عليه آل بكر و آل غنام سنة 1240 ه، و دام حربهم ثلاثة أيام ثم أصلح بريدة بينهم.

13- في سنة 1248 ه: عزل الإمام تركي بن سعود يحيى السليم عن إمارة عنيزة، و نصب مكانه محمد بن ناهض صاحب قصر ابن بسام (البرود) و لكن يحيى رجع إلى إمارة عنيزة بعد أن قتل الإمام تركي.

173

14- في سنة 1251 ه: عيّن الإمام فيصل بن تركي آل سعود الشيخ عبد اللّه بن عبد الرحمن أبا بطين قاضيا في القصيم، فنزل الشيخ عبد اللّه عنيزة و استوطنها.

15- في سنة 1254 ه: أقبل خورشيد من المدينة و نزل عنيزة و قاتله أهلها.

16- في سنة 1265 ه: تأمّر جلوى بن تركي في عنيزة و سكنها ثم أخرجه أهلها سنة 1269.

17- في سنة 1295 ه: أغار حزام بن حشر رئيس آل عاصم من قحطان على إبل لأهل عنيزة و أخذها (و أمير عنيزة يومئذ زامل بن عبد اللّه السليم) فخرج أهل عنيزة إلى حزام و قومه، و أتوهم على غرّة، و قتل في هذه الموقعة حزام رئيس القبيلة و تسمى (وقعة دخنة).

18- في سنة 1300 ه: شرع أهل عنيزة في حفر الآبار و زرع الأراضي في الموضع المسمى (البدايع).

19- بعد وقعة (المليدا) سنة 1308 ه لجأ حسن بن مهنا أمير بريدة- و عدو محمد بن الرشيد الألد- إلى آل بسام في عنيزة ثم قبض عليه ابن الرشيد.

20- في سنة 1312 ه: خرج عبد العزيز بن عبد اللّه السليم من الكويت أيام لجوئهم إليها و ذهب إلى ابن الرشيد ليستأذنه للإقامة في عنيزة، و كاد ابن الرشيد أن يفتك به لو لا أن انتذر و رجع إلى الكويت.

21- بعد أن فتح ابن سعود عنيزة محرّم سنة 1233 ه كتب إلى‏

174

مبارك الصباح شيخ الكويت يبشره بالفتح، فأجابه مبارك و أشار عليه بالقبض على آل بسام، فاستدعى ابن السعود عبد اللّه بن عبد الرحمن البسام و بعض أفراد أسرته استصحبهم معه إلى الرياض.

22- في شهر ربيع الثاني سنة 1323 ه: أطلق ابن سعود سراح آل بسام المعتقلين في الرياض، و كان ذلك بوساطة شيخ قطر قاسم بن ثاني.

عبد العزيز بن محمد القاضي‏

175

العنيزية

قصيدة تضم مختصر تاريخ «عنيزة» منذ تأسيسها حتى وقتنا الحاضر:

سلو عن بلادي رائد الشعراء* * * و قس أياد سيّد الخطباء (1)

سلوه امرأ القيس بن حجر و طرفة* * * و عنترة أربى على البلغاء

رهيرا و عمرا أو لبيدا و حارثا* * * و حاتم من عفى على الكرماء (2)

و ذا الإصبع المبسوط في الناس حكمة* * * له الفضل معروف لدى الحكماء (3)

و يوم خزازي سائلوا فيه رأسه‏* * * كليبّا و أوفى حقه المتنائي‏ (4)

____________

(1) راشد الشعراء هو امرؤ القيس. و قس أياد: قس بن ساعدة الأيادي خطيب العرب المشهور.

(2) حاتم، هو حاتم الطائي المشهور و السبعة قبله في البيتين الثاني و الثالث هم أصحاب المعلقات السبع.

(3) ذو الأصبع: هو ذو الأصبع العدواني، و اسمه حرثان و هو أحد الحكماء المعمرين.

(4) يوم خزازي: من أيام العرب الشهيرة و به اجتمعت قبائل معد بن عدنان تحت لواء كليب لحرب اليمن.

176

و طعنة جساس فأين مكانها؟* * * عانت لها بكر أشدّ عناء (1)

و فارس عبس إذ جري داحس به‏* * * و فارس غبراء جري بمضاء (2)

فكانت لقيس غير أنّ خديعة* * * جرت لهم حربا و سفك دماء

و ذا السؤدد المعروف قيس بن عاصم‏* * * تناهت إليه رأفة الحكماء

و حاجب ذا البيت الرفيع و قوسه‏* * * رهين لكسرى دون كل عداء (3)

و من قلّد الثوبين بردى محرق‏* * * أحمير سعد أشرف النجباء (4)

سلوا المعامريين: الملاعب رمحه‏* * * و إخوته المبلين خير بلاء (5)

سلوا الحارث المرّي و هو ابن ظالم‏* * * هو الضارب العادي بكل فناء (6)

و أكثم ذا الرأي السديد و قوله‏* * * هو الفصل معروف لدى الجلساء (7)

____________

(1) جساس هو جساس بن مرة الشيباني الذي طعن كليب بن وائل فثارت حرب البسوس بين تغلب و بكر.

(2) داحس، فرس قيس بن زهير العبسي، و الغبراء، فرس حمل بن بدر الغزاوي و قصتهما مشهورة في حرب داحس و الغبراء.

(3) حاجب، هو حاجب بن زرارة التميمي من بني عبد اللّه بن دارم.

(4) هو عامر بن الأحيمر من بني بهدلة بن كعب بن عوف بن سعد التميمي قلّده النعمان بردى محرق لشرفه في قومه و نفسه.

(5) الملاعب رمحه: هو عامر أبو براء ملاعب الأسنّة، و إخوته: معاوية، معود الحكماء، و طفيل الخيل، والد عامر بن الطفيل، و ربيع المقترين ربيعة والد لبيد بن ربيعة الشاعر، و هم من بني عامر بن صعصعة.

(6) الحارث المري. هو الحارث بن ظالم من بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان كان من أفتك الناس و أشجعهم.

(7) أكثم، هو أكثم بن صيفي الحكيم المشهور.

177

عتيبة صيّاد الفوارس فاسألوا* * * و عمرو زبيد مرهب الجبناء (1)

سلوهم جميعا أنهم خير أمة* * * تسامى لها في المجد خير سناء

سلوهم بما قالوا و ما عرفوا به‏* * * من الشعر إنّ الشعر غير خفاء

سلوها لقد كانت بلادي مرتعا* * * لهم بلادي مرتع العظماء

سلوهم فقد بانوا قديما و أنهم‏* * * لخير أباة أعقبوا بثناء

بنو أسد كانت قديما منازلا* * * لهم و بربوعا أوطنت لرعاء

و ذلك عصر الجاهلية حقبة* * * تلته عصور تنتهي بسواء (2)

و لمّا أتى القرن الذي هو سابع‏* * * لهجرة خير الخلق و النظراء

تأسس مبناها و كان شمالها* * * لآل (جناح) أول المترائي‏ (3)

بها نزلوا حتى أقامت قبيلة* * * سبيع من (الجراح) ذات دهاء (4)

أقاموا لهم في (العاقلية) مرتعا* * * و هم آل (غنام) جروا لعداء

و إخوتهم من (آل بكر) توسّموا* * * (مليحة) دارا أي دار نجاء

(مشاعيب) منهم أسسوا لمقامهم‏* * * (بجادة) دارا خير ذات بقاء

____________

(1) عتيبة، هو عتيبة بن الحرث اليربوعي التميمي يلقب بصياد الفوارس من أشهر فرسان العرب. عمرو زبيد، هو عمرو بن معد يكرب الزبيدي فارس اليمن المشهور.

(2) كانت (عنيزة) و جميع القصيم منازلا لبني أسد قبل الإسلام، و لم يكن فيه حينئذ قرى غير قريتي بنى عامر المعروفتين.

(3) تأسست (عنيزة) و أصبحت بلادا في أواخر القرن السابع الهجري و أسسها (آل جناح) من الجبور من بني خالد القبيلة المعروفة و قد أسسوا فيها (الجناح) القسم المعروف بهم.

(4) جاور الجبور (آل جراح) من سبغ و (العاقلية) و (المليحة) و (الجادة) هي من محلات (عنيزة).

178

توالت حروب بينهم تستفزّها* * * مطامع ملك تنتهي بكفاء

و ما زال تسجال الحروب عليهم‏* * * تشب و تخبو غير ذات عفاء

إلى أن أرادوا للسلام عليهم‏* * * إقامة خير غير ذات صفاء

فكان سلام قد تسالم بعده‏* * * بنو الوطن المعروف بالنجباء

على أنّ هذا السلم أدبر قائلا* * * لقد طال فيكم مرتعي و ثوائي‏

فنادى موالي كل بيت و حزبه‏* * * لنا في قصور الحكم كل فناء (1)

فآلت أخيرا (للرشيد) و رأسهم‏* * * هو البطل الحامي لخبر خباء

يسمى (بعبد اللّه) و هو و قومه‏* * * (الرشيد) من (الجراح) أهل حباء (2)

و في الألف بعد المائتين و واحد* * * أبى من (جناح) أهله ببقاء (3)

فصارت (لعبد اللّه) و هو أميرها* * * و صارت أخيرا تزدهي برخاء

و دعوة شيخ المسلمين محمد* * * قد امتد منها الأمر بعد خفاء (4)

و أقبل من (آل السعود) إمامهم‏* * * ليجمع (نجدا) تحته بلواء

فسار شمالا (للقصيم) فقاومت‏* * * (عنيزة) حتى انصبت لعناء

تولّى (سعود) و الإمارة قبله‏* * * (لعبد العزيز) أعدل الأمراء (5)

____________

(1) بعد أن امتد السلم في (عنيزة) مدة عشرين سنة بين (آل جناح) و (آل جراح) ثار موالي البيتين و قتلوا رئيسهما (فراجا) أمير آل جناح (و رشيدا) أمير (آل جراح) ثم ثارت الفتنة بين الفريقين.

(2) عبد اللّه، هو عبد اللّه بن رشيد بن محمد الجراح.

(3) في هذه السنة أي سنة 1201 ه هدم عبد اللّه بن رشيد و قومه الجناح محلة (آل جناح) و هو القسم الشمالي من عنيزة فخرج (آل جناح) من عنيزة و جلوا عنها فصفت إمارة عنيزة لعبد اللّه الرشيد.

(4) هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب صاحب الدعوة المعروف.

(5) سعود، هو سعود بن عبد العزيز و أبوه عبد العزيز بن محمد بن سعود، تولى حكم-

179

و هذا (سعود) ابن له و هو كفؤه‏* * * يطول على الأكفاء و القرناء

تولّى على أرض (القصيم) و أقبلت‏* * * (عنيزة) تعطيه أعزّ ولاء

و كان (حجيلان) أمير (بريدة)* * * يكنّ (لعبد اللّه) شرّ عداء (1)

فأضمر خبثا و استثار ضغينة* * * و كاد أمورا أبرمت بدهاء

فآل به الكيد الدفين لقتله‏* * * حفيد (رشيد) قتلة الجبناء

فأقبل (عبد اللّه) نحو إمامهم‏* * * (سعود) و أبدى ما جرى بجلاء

فأغضبه حتى تهدد قائلا:* * * حجيلان هذا أخبث الخبثاء

و لكنّ أعوانا له بلغوا به‏* * * إليه رضيا بعد ذول جفاء (2)

فدس بثوب النصح حبل عدائه‏* * * لآل رشيد و انتهى بولاء

____________

- نجد بعد أبيه الذي أسس دولة (آل سعود) و كان محمد هذا هو الذي ناصر الشيخ محمد عبد الوهاب في دعوته و نشرها أبناؤه من بعده، و كان عبد العزيز عادلا متفقها في الدين، و كان ابنه (سعود) و قد تولى بعده مثل أبيه في الحزم و العدل.

(1) (حجيلان) هو حجيلان بن حمد آل عليان أمير (بريدة) كان بينه و بين (آل رشيد) أمراء (عنيزة) عداء مصدره طمع حجيلان في الاستيلاء على إمارة (عنيزة) و تمنع أهلها، و قد تقلّ (حجيلان) ابن أخي (عبد اللّه الرشيد) فشكاه هذا عند الإمام سعود.

(2) لما قدم عبد اللّه الرشيد إلى الإمام سعود ليشكو حجيلانا بما فعل، قدم حجيلان أيضا ليكذب مزاعم عبد اللّه، و لكن الإمام غضب عليه و جفاه غير أنّ لحجيلان أعوانا جلّهم من علماء الدين ما زالوا بالإمام يسترضونه ليأذن لحجيلان بمقابلته و هو يمانع أشدّ الممانعة، حتى لأن لهم، و قابله حجيلان فأنّبه فاستعطفه هذا، و جعل يشي بآل الرشيد بأنهم مناوثون للإمام، و ما زابه؟؟؟ حتى استماله لرأيه و جهّزه بجيش لغزو عنيزة، و أبقى عبد اللّه أميرها عنده، و توجّه حجيلان بالجيش إلى عنيزة و فتحها و نكل بآل الرشيد.

180

حجيلان يحكي مشية الخيلاء* * *و أقبل جيش ابن السعود يقوده‏

على كل بيت سطوة الخصماء* * *تولى حمى بيت (الرشيد) و جردوا

مصاغ فساقوها لشر بلاء* * *تولوا فتاة شد فوق قرونها

تصب عليها شقوة البؤساء* * *هي ابنة (عبد اللّه) خير كريمة

رأيت عظيما نكبة العظماء* * *أيا (عرف) جاد الغيث قبرك إنما

جفونك دمعا فيه بعض عزاء* * *وفيت و هاجتك الشجون فأذرفت‏

و لو أن ليث الغاب ليس بنائي‏* * *و ناديت لو أنّ القروم شواهد

و لا أهرقت فيه أعز دماء* * *لما انتهكت يوما لبيتك حرمة

و إلا الثأر مدفون لطول ثواء* * *ثوى العرف و المعروف ليس بذاهب‏

جرائر أيدي الطغمة اللؤماء* * *قفوا قبل سيري في الحوادث و اشهدوا

لأكرم بيت شيد فوق بناء* * *تولّت حماة السوء أفظع مصرع‏

مقيدهم من فعلهم بسواء* * *إلا أنّ رب العرش عالم أمرهم‏

و لم ترع إلا خطة الرعناء* * *حجيلان: أنسيت المكارم كلها؟

____________

(1) العرف، هو مولى لعبد اللّه الرشيد، و كان حجيلان أن لما فتح عنيزة و دخل أتباعه بيت عبد اللّه الرشيد، نهبوا فيه و سلبوا، و من فظائعهم الوحشية أنّ أحدهم وجد ابنة عبد اللّه و كانت حديثة عهد بزفاف، و على رأسها مصاغ من حلى الذهب فانتزعه من رأسها انتزاعا خرّت له مذهولة، و يصف العرف هذه الحادثة من قصيدة له أولها قوله في شعر نبطي:

و أديرتي خذها حجيلان و سعود* * * بالبوق و إلّا بالنقي ما قواها

إلى أن قال:

مزنة تصيح و مقدم الرأس مشدود* * * يا ليتهم ما فكروا في صباها

181

لقد ظل عبد اللّه في درعية* * * عند الإمام مكرما بحباء (1)

أما عنيزة فالإمارة أسندت‏* * * فيها لإبراهيم بعد عناء (2)

و لقد نحا خير المسالك إنه‏* * * من صفوة الرؤساء و الأمراء

ما زال حتى مات غير مذمم‏* * * موت الكرام معقبا بثناء

و إذا الإمام سعود يسلك نهجه‏* * * و الموت آخر مبلغ الأحياء (3)

لما ثوى ولي الإمامة نجله‏* * * فأقام بين طاعة و ولاء (4)

و إذا بجيش الترك يقدم غازيا* * * من مصر بين ضغينة و عداء

و الحاكم المصري أرسله نجله‏* * * ليقود هذا الجيش تحت لواء (5)

ما كان إلا طامعا بمناله‏* * * عند الخليفة حظوة القرباء

فأتى إلى نجد و أمطر وابلا* * * من جوره فاجر شر بلاء

أسروا الإمام و هدموا درعية* * * و البغي شر جرائر الأعداء (6)

____________

(1) الدرعية، مقر حكم آل سعود سابقا، و قد بقيت مقر حكمهم حتى هدمها إبراهيم باشا.

(2) إبراهيم، هو إبراهيم بن عفيصان كان حسن السيرة توفي سنة 1229.

(3) و في السنة نفسها 1229 ه، توفي الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود.

(4) تولّى الحكم في نجد بعد سعود ابنه عبد اللّه بن سعود.

(5) بعد أنّ تولى الحكم عبد اللّه بن سعود ظهر جيش الترك من مصر إلى نجد بقيادة إبراهيم باشا بن محمد علي باشا، و أعمل القسوة و الشدة و هدم (الدرعية) مقر حكم آل سعود.

(6) أسر إبراهيم باشا الإمام عبد اللّه بن سعود و أخذه معه فسجن في مصر و قد هدم إبراهيم باشا (الدرعية) مقر حكم آل سعود سنة 1234 ه.

182

و أتو عنيزة فاتحين فسلمت‏* * * لهم البلاد فأصبحت بنجاء (1)

و القصر قاوم أهله و تمنّعوا* * * حتى تهدّم منه بعض بناء

فتواثقوا صلحا بحقن دمائهم‏* * * فصفت عنيزة دونما استثناء

قتلوا الأمير ابن الرشيد و أمروا* * * م (الجمعى) هو دخيلة الدخلاء (2)

طردوه لكن عاد بعد شكاته‏* * * مشامرا من بعد طول جفاء

حسن ابن ظاهر قد أتى متآمرا* * * و مفتّشا لسرائر الأنباء (3)

طلب الجباية من (عنيزة) فانتدبوا* * * بعض الميسر منهم لعطاء

لم يقتنع منهم بما بذلوه، من‏* * * مال، فثاروا، فانثنى لنجاء

قد ثار (يحيى) فاسمعوا تاريخه:* * * (يختار يحيى) خطة الرؤساء (4)

قتل (الجميعي) البغيض لقومه‏* * * لمكائد منه على القرناء

قد كان (يحيى) أول الأمراء من‏* * * أبناء (زامل) صفوة الأنباء

____________

(1) لما وصل إبراهيم باشا إلى عنيزة قاوم أهلها بعض المقاومة، ثم سلموا و بقي من في القصر صامدين ثم إنهم سلموا على شروط منها إطلاق صراحهم.

(2) و قد كان (عبد اللّه الجمعي) يتقرب و يشي عندهم بأهل بلاده، فدلّهم على عبد اللّه الرشيد فقتلوه، ثم أمره إبراهيم باشا في عنيزة، و لكن أهلها ثاروا عليه بعد رحيل إبراهيم باشا و طردوه، فرحل إلى مصر شاكيا و عاد بعد خروج حسن أبو الظاهر إلى نجد سنة 1237 ه.

(3) خرج (حسن أبو الظاهر) إلى نجد سنة 1237 ه، و عاث فيها فسادا، و لما جاء إلى (عنيزة) طلب منهم الأموال، فأعطوه ما تيسر منهم، فطلب المزيد و شدّد في الطلب، فصمّموا على مقاومته، فلما علم بأمرهم صالحهم و خرج عنهم.

(4) في سنة 1239 ه و تاريخها بحروف الأبجد (يختار يحيى) ثار يحيى بن سليمان بن زامل السليم، و قتل عبد اللّه الجمعي (الأمير في عنيزة الذي نصبه الترك)، و يحيى السليم هذا هو أول من تأمّر في عنيزة من (آل سليم).

183

ولّى الإمارة في (عنيزة) حقبة* * * و ثوى (ببقعا) مصرع الشهداء (1)

و أخوه (عبد اللّه) أمر بعده‏* * * و (جوى) مصرعه مع الكرماء (2)

قد أرّخوا يوما طواه بكلمة:* * * (غرس) الغريس حق بالأنواء

و أخوه (إبراهيم) ولّى بعده‏* * * و ثوى صريع الليلة النكراء (3)

من بعده ولّى الإمارة (ناصر)* * * إنّ الإمارة مطمع الأمراء

قد كان أوصلة الإمارة (فيصل‏* * * آل سعود) فرغ بعد ولاء

قد ظل بين ولائه و عدائه‏* * * ما بين خشية نقمة و رجاء

فرماه (زامل) و هو يطلب ثأره‏* * * و الثأر للموتور خير عزاء (4)

مرّت بذلك فترة لعنيزة* * * كانت كفترة ماثل للشفاء

و إذا (بعبد اللّه) صار أميرها* * * لكن (زامل) مرجع الآراء

ثارت لحرب (عنيزة) أعداؤها* * * من كل نجد غير ما استثناء (5)

____________

(1) (بقعا) وقعة بين أهل القصيم- من أهل عنيزة و أهل بريدة- و بين عبد اللّه بن علي الرشيد أمير جبل شمر، (و بقعا) موضع حول جبل شمر، قتل فيها كثير من أعيان عنيزة منهم الأمير يحيى و كانت سنة 1257 ه.

(2) لما قتل (يحيى السليم) تولى إمارة (عنيزة) بعد أخوه (عبد اللّه) و قتل بعد إمارته بثلاث سنوات في وقعة (الجوى) سنة 1260 ه بينه و بين عبد اللّه الرشيد.

(3) تولى الإمارة بعده أخوه (إبراهيم) و قتله ناصر و مطلق السحيمي ثم تولى (ناصر) الإمارة في (عنيزة) و قد نصبه الإمام فيصل بن تركي السعود حاكم نجد يومئذ، و لكنه كان كثير التقلب على الإمام يوليه الطاعة حينا و تارة يتحيز إلى أشراف مكة.

(4) في سنة 1275 ه قتل زامل بن عبد اللّه السليم، و عبد اللّه بن يحيى السليم ناصرا السحيمي، و قد ثأرا لعمّهما (إبراهيم) الذي قتله ناصر، هجما عليه ليلا و قتلاه.

(5) في سنة 1279 ه وقع الحرب المشهور بين أهل (عنيزة) و بين عبد اللّه الفيصل-

184

قد حاصروها مدة نافت على‏* * * سنة و نصف دون أي غناء

ظلت تصادمهم و تسخر منهم‏* * * حتى أرادوا الصلح بعد عناء

تاريخ هذا الحرب فاسمع شرحه‏* * * عما قرأت بمحكم الأنباء

ألف إلى مائتين يتبع بعدها* * * تسع و سبعون انتهت بصفاء

و إذا (عبد اللّه) يلقى ربه‏* * * من بعد خمس سنين ذات هناء (1)

صفت الإمارة بعد ذاك (لزامل)* * * و سعى لمجد (عنيزة) بمضاء

قد كان (زامل) ذا الصرامة و الحجى‏* * * حزب الأمور بحكمة و دهاء

في عصره بلغت (عنيزة) أوجها* * * في المجد بين مضارب الأعداء

لما ثوى في القبر (فيصل) انضوت‏* * * نجد (لعبد اللّه) تحت لواء (2)

لكنه قد كان فيه فضاضة* * * فقسا على الأعداء و القرباء

فاضطر إخوته لنقمتهم على‏* * * أعمالهم و جهارهم بعداء (3)

____________

- في أواخر زمن حكم أبيه المرحوم (فيصل)، بعد تواتر الرسائل بينهم و بين الإمام (فيصل)، و كان ابنه (عبد اللّه) يعرقل مساعي الصلح حتى توترت بينهم الحال و جنّد عبد اللّه قبائل نجد حاضرة و بادية، و حاصر (عنيزة) و دام الحصار زهاء سنة و نصف ثم تصالح الطرفان و فك الحصار.

(1) توفي عبد اللّه بن يحيى السليم سنة 1285 ه، و تولّى الإمارة بعده زامل بن عبد اللّه السليم.

(2) توفي الإمام (فيصل بن تركي السعود) (رحمه اللّه) في شهر رجب سنة 1282 ه، و تولّى بعده ابنه (عبد اللّه).

(3) نظرا لما كان عبد اللّه الفيصل متّصفا به في الشدة و القسوة على من حوله، حتى لبنه اضطهد إخوته، فلقد خرج عليه (سعود بن فيصل) و انضم إليه بعض القبائل كالعجمان و الدواسر و آل مرة ثم توالت بينهم الحروب التي كانت سببا لذهاب ملكهم.

185

و إذا حروبهم تشتت شملهم‏* * * فتفرقوا كتفرّق الأشلاء

ابن الرشيد (محمد) قد كان ذا* * * حزم و كان مسدد الآراء (1)

قد ظل يرقب فرصة لبلوغه‏* * * حكما بنجد واسع الأرجاء

حتى إذا ما الأمر أقبل طائعا* * * كشف الحقيقة بعد طول جفاء

و أتى يطوع كل نجد بدوها* * * و الحاضرين لطاعة و ولاء (2)

حتى تمادى سائرا بغزاته‏* * * فأتى (عنيزة) و هو بالأثناء

عرفوا بأن مروره متحيّزا* * * لعدائهم فتآمروا لعداء (3)

ظهرت إليه (عنيزة) و (بريدة)* * * لكريهة حفت بشر بلاء

رحلوا إليه و ناوشوه (بشقة)* * * حتى انثنى متظاهرا بنجاء

و إلى (المليدا) سار بين جموعه‏* * * لما أشار عليه ذو الآراء

قالوا له: إنّ (المليدا) أرضها* * * فيها مجال واسع الأنحاء

الخيل تطرد فيه و هي نجية* * * فتحول دون تقدم الأعداء (4)

____________

(1) محمد: هو محمد بن عبد اللّه الرشيد، و قد قتل ابن أخيه بندر بن طلال أمير حائل سنة 1288 ه، و تأمّر مكانه و كان محمد وافر الحزم و الدهاء.

(2) أخذ (محمد بن الرشيد) يشنّ غاراته على القبائل متظاهرا بقصد إخضاعهم لحكم (آل سعود) و غرضه تمهيد السبيل أمام غايته.

(3) كان بين (محمد بن الرشيد) و بين (حسن بن مهنا) أمير بريدة محالفة عقدها معه محمد حين كان بحاجة إليه ليشد أزره، فلما قوّى مركزه أهمل هذه المحالفة و أخذ يتحرّش به ليضمه تحت سلطته، فصارحه العداء و جهز الجيوش لغزوه، فخرج إليه (حسن بن مهنا) بأهل (بريدة) و خرج معه (زامل السليم) بأهل عنيزة و تقابلوا في (الضقة)، و هي موضع قرب (بريدة)، فرحل (ابن الرشيد) بجيوشة و نزل (المليدا).

(4) رحل ابن الرشيد إلى المليدا لأنها ميدان فيه متسع لطرد الخيل و أكثر جيشه من-

186

أهل (القصيم) أتوا إليه بجمعهم‏* * * و تناذروا و تهيّؤوا للقاء

حتى إذا حمي الوطيس لحربهم‏* * * و الأرض سال أديمها بدماء

كرّت خيول ابن رشيد عليهم‏* * * من خلفهم فتناذروا لنجاء

لكن أحيط بهم و شتت شملهم‏* * * و قضى الإله عليهم بفناء

فقضوا على حدّ السيوف و قد أبوا* * * أن ينثنوا بهزيمة الجبناء

لهفي عليهم يوم شتت جمعهم‏* * * بين الخيول و جولة الأعداء

أعداؤهم كثر و كانوا قلة* * * فهل المطوق آمل بنجاء

ولي الإمارة (آل يحيى) بينما* * * (آل السليم) قد انثنوا لجلاء (1)

نزلوا (الكويت) مجاورين لأهلها* * * مترقّبين تقلّب الأنواء (2)

و كذا الإمام (ابن السعود) أتى لها* * * من بعد طول تنازل و عناء

ابن الرشيد (محمد) تمّت له‏* * * (نجد) جميعا تحت ظل لواء

____________

- الفرسان، فتبعه أهل القصيم و جلّهم مشاة، فاندلع لهيب الحرب بينهم و حمى و طيسه، فأمر ابن الرشيد فرسانه أن يكرّوا على أهل القصيم من خلفهم و ينبهوا مخيمهم، ففعلوا و أحاطوا بهم، و سمع حسن بن مهنا أنّ زاملا قد قتل ففر هو و أتباعه، و صمد أهل عنيزة في الميدان فتناوشتهم السيوف، و كرت عليهم الفرسان و أعداؤهم يفوقونهم عددا و عدة أضعافا كثيرة، فقتل من أهل عنيزة خلق كثير بعد أن قتلوا من العدو أكثر منهم، و كان فيمن قتل من أهل عنيزة أميرها زامل (رحمه اللّه).

(1) بعد وقعة المليدا انضم القصيم إلى حكم محمد بن رشيد، و تولى إمارة عنيزة عبد اللّه بن يحيى.

(2) آل السليم جلوا إلى الكويت و بقوا فيها، و كذلك جلا معهم الإمام عبد الرحمن بن فيصل السعود.

187

حتى قضى و بذاك ولى، و بعده‏* * * (عبد العزيز) و كان فتح بلاء (1)

قد كان ظلّاما غشوما صارما* * * متقمّصا في الحكم ثوب ضقاء

حتى أثار خصومه من حوله‏* * * متخبّطا كتخبّط العشواء

ثارت عليه (من الصباح) خصومة* * * لما قسا و دعا إلى الهيجاء (2)

خرجا لبعضهما و في (طرفية)* * * قد كان بينهما أشد لقاء

ابن الرشيد أتاهم في غرّة* * * في حين ظنّوا أنه متنائي‏

و إذا هم متفرّقين و جيشهم‏* * * متشتت بمفاوز البيداء

فعدا عليهم غير منتذرين في‏* * * معداه فانهزموا على الأثناء

نجم تلألأ بعد ذاك بريقه‏* * * في الشرق من نجد ببعض سناء

قد ظلّ هذا النجم يرسل ضوءه‏* * * فيشيعه في أوسع الأرجاء

هو من سنا (آل السعود) و إنه‏* * * لسناء ملك ضاء في الأجواء

خرج الفتى (عبد العزيز) بجيشه‏* * * في قلة من واهب لولاء (3)

فغزا و كان مظفرا و مؤيّدا* * * من ربه بالنصر و الإعلاء

فتح (الرياض) مقرّ حكم جدوده‏* * * لكنه لم يقتنع بثواء

فسعى إلى (نجد) يتمّ فتوحه‏* * * فأتت إليه طاعة و ولاء

____________

(1) في سنة 1314 ه توفي محمد بن الرشيد و تولى بعده ابن أخيه عبد العزيز بن متعب، و كان ذا قسوة و جبروت.

(2) كان ابن الرشيد قد أوى أعداء لمبارك الصباح شيخ الكويت، فثار بينهما العداء، و كانت وقعة الطرفية بينهما سنة 1318 ه انهزم فيها ابن الصباح.

(3) كان خروج جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن السعود من الكويت في شهر ربيع الثاني سنة 1319 ه.

188

آل السليم من الكويت تقدموا* * * ليؤازروه بحرية الشعواء (1)

و اللّه ألّف بينهم فتآزروا* * * و تظافروا لهزيمة الأعداء

لما أجازوا الوشم في مغزاهم‏* * * وصلوا القصيم و هم على الأنضاء

و صلوا إلى الزلفى ثم بقوا به‏* * * مترقّبين تحقق الأنباء

آل السليم تراسلوا و عنيزة* * * ليروا حقيقة أهلها بجلاء (2)

كتبوا إليهم أن اقفوا إنا على‏* * * عهد و لسنا اليوم بالطلقاء

ابن الرشيد دعا القصيم جميعه‏* * * ليبايعوه بطاعة و ولاء (3)

ثم انثنى نحو العراق ميمما* * * ليحوز من ترك بنيل عطاء (4)

قد كان أرسل للقصيم موزعا* * * فيه السرايا خشية الأعداء

لعنيزة قد كان أرسل ماجدا* * * فأقام حول السور ليس بنائي‏ (5)

لكنه قد ظلك يوجس خيفة* * * من صولة الأعداء في استخفاء

و لذا فقد بث العيون تجسسا* * * لتقديم الأعداء على البيداء

أما الإمام ابن السعود فكان قد* * * دخل الرياض بعزّة الأمراء

____________

(1) لما فتح ابن السعود الرياض كتب إلى آل السليم و آل مهنا أن يقدموا إليه في الكويت، فقدموا إليه.

(2) كتب آل سليم الذين مع ابن السعود إلى أهل عنيزة يستفتونهم في قدومهم إلى البلد، فأجابوهم بأنهم على عهد و بيعة مع ابن الرشيد و لا يسعهم لذلك إجابتهم.

(3) علم ابن الرشيد بهذه المراسلة فدعا أهل عنيزة و أهل بريدة ليجددوا البيعة فجددوها.

(4) ذهب بعد ذلك ابن الرشيد ليستنجد الدولة العثمانية و يتموّن منها.

(5) قبل أن يذهب وزع السرايا في بلاد القصيم و أرسل ماجدا بن حمود بن عبيد الرشيد إلى عنيزة.

189

ابن الرشيد نواه قد شطت به‏* * * نحو العراق تعللا بحباء

خرج الإمام ابن السعود ميمما* * * نحو القصيم بغرة و خفاء (1)

و إذا العيون لماجد بعنيزة* * * قد أبلغته تقدّم الأعداء (2)

فتقسموا الأسوار و اعتزموا على‏* * * دفع العدو بهمّ و بلاء (3)

علموا بأنّ بني عنيزة جلهم‏* * * لابن السعود على أتم ولاء

فتوعدهم للنفير بجمعهم‏* * * ليساهموا لجهادهم بسخاء

فترقبوا ليلا هجوم عدوهم‏* * * حتى تراخت سجفة الظلماء

فتشككوا فيما توارد عندهم‏* * * من أنّه آت و ليس بنائي‏ (4)

هي الحقيقة لم يكن متنائيا* * * لكنه قد كان في استخفاء

و مضوا على استخفائهم حتى أتو* * * طرف البلاد على أتم خفاء (5)

(آل السليم) و من يضم ركابهم‏* * * قربوا إلى الأسوار دون عناء

فرموهم بالنار دون تناذر* * * منهم، فماجوا، فانثنوا لنجاء

____________

(1) لما علم أن ابن السعود بارتحال ابن الرشيد إلى العراق خرج من الرياض في شهر ذي القعدة سنة 1321 ه.

(2) أتت عيون ماجد إليه و أخبرته أن ابن السعود نزل الحميدية و هي ماء على بعد ثلاث ساعات من عنيزة للماشي.

(3) كان سور عنيزة متهدما فأمروا الأهالي بأن يحوطوا الأسوار و يحرسوا البلاد ليلا.

(4) استعدوا لصد ابن السعود، و لكن بعد أن ذهب ردح من الليل، و لما لم يسمعوا له أثر تشككوا في أخبار العيون و أخذ الأهالي يتسللون إلى بيوتهم.

(5) زحف ابن السعود من (الحميدية) و نزل (الجهمية) و هي نخل قريب من البلد، و اقترب السليم و من معهم من أهل عنيزة إلى الأسوار حتى وصلوا (النتقة) أحد أبواب عنيزة ففاجثوا من حول السور و رموهم بالنار فانهزموا.

190

دخلوا البلاد مهللين و أسرعوا* * * للقصر بين تحمّس و نداء (1)

قد أصبحوا و العزّ يرفل حولهم‏* * * و البشر عطّر سائر الأرجاء

نجم السعود مع (السعود) و أهلها* * * (آل السليم) أضاء في الأجواء

الفتح شهر محرم تاريخه‏* * * (خير يبث) بنعمة و هناء (2)

دخل الإمام ابن السعود عنيزة* * * و البشريات تعمّ في الأنحاء

و إليه أقبل أهلها و جميعهم‏* * * يبدي السرور معقبا بثناء

و إليه أقبل من (بريدة) وفدهم‏* * * يدعونه لتعقب الأعداء (3)

تم (القصيم) له بذاك جميعه‏* * * و السعد فيهم حلّ كل فناء

(ابن رشيد) و قد أمدّ بجحفل‏* * * من آل عثمان و حسن حباء

قد سار بين مدافع في عدة* * * جعلته رهن مظاهر الخيلاء

وصل (القصيم) معبأ أجناده‏* * * و تقابل الجيشان في البيداء (4)

و قل (بكيرية) و كانت وقعة* * * جعلت مكان الحرب نهر دماء

قد كان قلب الجيش أهل عنيزة* * * و ابن السعود يمينهم بإزائي‏

____________

(1) دخل الفاتحون البلد و ساروا في طرقاتها حتى وصلوا القصر و قد قاوم من فيه من سرية ابن الرشيد ثم فتحوه و قتلوا (فهيد السبهان) رئيس إحدى السرايا.

(2) كان فتح (عنيزة) في اليوم الخامس من شهر محرم سنة 1322 ه.

(3) ثم جاء وفد من (بريدة) و طلبوا من ابن السعود أن يرسل معهم أمراءهم آل مهنا فأرسلهم و فتحوا البلاد.

(4) (البكرية) من قرى القصيم و قد حصلت حولها وقعة حربية بين ابن سعود و معه أهل القصيم و أهل الجنوب من نجد، و بين ابن الرشيد و معه شمر و قبائل الشمال، و هي من أعظم الوقائع في تأريخ نجد الحديث، نظرا لما توفر فيها عند الطرفين من المعدات الحربية، و قد بلغ القتلى من الطرفين نحو ثلاثة آلاف نفس و كان النصر فيها حليف ابن سعود.

191

قتلاهم نافوا على الألفين بل‏* * * نحو الثلاثة في آخر بلاء

رجع الإمام ابن السعود مظفرا* * * قد حاز كل ذخائر الأعداء

ابن الرشيد و ماله من بعد ما* * * آلت ممالكه إلى الخصماء

إلّا الوشاية و النكاية فيهم‏* * * و هما لقلب الخصم خير شفاء (1)

فوشى بهم عند الخلافة أنهم‏* * * أهل لكل صنيعة نكراء

قد قال إنهم عصاة دأبهم‏* * * بث الشرور و نصرة الدخلاء

لما تعدده الوشاية عندهم‏* * * منه، أوردوا الأمر باستجلاء

خرج (المشير) إلى القصيم مفاوضا* * * أهليته مجتمعا مع الأمراء (2)

طلب (المشير) بأن تكون بلادهم‏* * * تحت الحماية دونما استيلاء

و بأن تكون على الحياد فلا لذا* * * حكم، و ليس لذاك أي ولاء

و بأن تظلّ جيوشه (بعنيزة)* * * و (بريدة) ردعا عن الأعداء

رفضوا مطالبه و قالوا: إنها* * * لا تستوي و مكانة الكرماء

ذهب (المشير) و جاء (سامي) بعده‏* * * و كذاك لم يتوفقوا لسواء

كتب الإمام ابن السعود رسائلا* * * كانت وسائله إلى استرضاء (3)

حتى إذا استرضى الخلافة أصبحت‏* * * توليه حسن تعطف و رضاء

____________

(1) أخذ ابن الرشيد بعد هزيمته يبث الوشايا و الأباطيل عند الدولة العثمانية قبل ابن سعود.

(2) أرسلت الدولة (المشير) أحمد فيضي باشا لينظر في أحوال نجد بعد شكاية ابن الرشيد، و وصل المشير إلى القصيم و اجتمع بأهله و طلب منهم أن يجعل كلا من (عنيزة) و (بريدة) مركزا يشغله قسم من عساكر الدولة، و أن يبقى القصيم تابعا للدولة رأسا فأبوا ذلك.

(3) أخذ ابن السعود يراسل الدولة العثمانية و يستعطفها فعطفت عليه.

192

و ابن الرشيد و قد تقطع دونه‏* * * حبل المودة بعد جهد عناء (1)

قد ظل يمطر وابلا من جوره‏* * * متجولا في سائر البيداء

خرج الإمام في أجناده‏* * * متعقبا منه على الأثناء

و إذا بحماسة الوقائع تنجلي‏* * * و ابن الرشيد ثوى لدى الهيجاء (2)

قد كان فوق جواده متجوّلا* * * و الليل يرخي هيدب الظلماء

و إذا الإمام ابن السعود و قد أتى‏* * * في غرة لمخيم الأعداء

و ابن الرشيد على الجواد محرضا* * * إذ كان يجهل أنهم بإزاء

عرفوه إذ نادى فصاحوا كلهم‏* * * هذا العدو، فذاق شر فناء

قد كان (متعب) ابنه في نجوة* * * في حربهم متحيزا لنجاء (3)

فنجاه و من معه و صار (لحائل)* * * و غدا أميرا دون أي مراء

لكن إخوة (ماجد) قد أضمروا* * * لأميرهم هذا أشر عداء (4)

قتلوه (يوم الصيد) ثم تحمّلوا* * * تبعات هذا الأمر دون عناء

(سلطان) قد ولّى الإمارة بعد ما* * * ثالث يداه جريرة السفهاء (5)

____________

(1) لما فشلت مساعي ابن الرشيد لدى الدولة العثمانية أخذ يشن الغارات على البادية و ينهب منها و يسلب.

(2) قتل (عبد العزيز بن متعب الرشيد) في الوقعة المشهورة (وقعة روضة مهنا).

(3) كان عبد العزيز الرشيد قبل الوقعة قد أمر أبناءه و أكبرهم (متعب) أن لا يشتركوا معهم في القتال، و أن ينجوا بأنفسهم إن انتصر أعداؤهم، فلما قتل أبوهم و انهزم قومهم نجا (متعب) و إخوته و دخل (حاذلا) و تأمر بها.

(4) ثار إخوة ماجد الحمود أبناء حمود العبيد الرشيد و أكبرهم (سلطان) فقتلوا متعبا و تأمر (سلطان) في حائل.

(5) لما تولى سلطان بن حمود بن عبيد الرشيد إمارة (حائل) جدد عهد الصلح مع-

193

قد كان أهل (بريدة) في قلب‏* * * من أمرهم كتقلّب الأهواء

نقضوا العهود و أبرموا ثم انثنوا* * * للنقض مثل تلوّن الحرباء

فتضامنوا و ابن الرشيد، و حاولوا* * * إقناع أهل (عنيزة) بسواء

فأبوا عليهم أن يميلوا ميلهم‏* * * إنّ الوفاء سجية الكرماء

علم الإمام ابن السعود بأمرهم‏* * * فأتى يحقق صحة الأنباء

و ابن الرشيد أتى و في (طرفية)* * * نادت قراع الحرب للهيجاء

نصر الإله ابن السعود عليهم‏* * * و تحمّلوا ثقلا من الأعباء

بيت الرشيد غدا تزعزع ركنه‏* * * حرب العدو و فتنة القرباء (1)

و (عنيزة) ظلّت تقر وفاءها* * * لابن السعود على أتم ولاء

و (جراب) موقعة لقد أبلوا بها* * * في حربهم معه أشد بلاء (2)

____________

- ابن السعود، و لكنه لم يثبت طويلا على عهده إذ آنس من أهل (بريدة) أو بعضهم ميلا إليه، فأخذت المفاوضات بينه و بينهم تدور في الخفاء، و تم اتفاقهم و حاول أهل (بريدة) اجتذاب أهل (عنيزة) معهم في مقاومة ابن السعود و محالفة ابن الرشيد، فأبى عليهم أهل عنيزة ذلك لما أعطوا ابن السعود من العهود و المواثيق، فتوترت الحالة بين أهل بريدة و بين ابن السعود، و اشتد التوتر و خرج ابن الرشيد إلى بريدة، و انضم أهلها إليه، و خرج ابن السعود إلى عنيزة و انضم أهلها إليه، و خرج الجمعان و كانت بينهما وقعة (الطرفية) الثانية و كان نتيجتها انهزام ابن الرشيد و أهل بريدة و ذلك سنة 1325 ه.

(1) كثرت الفتن في بيت آل الرشيد فيما بينهم فقتل سلطان و تولى بعده أخوه سعود، ثم قتل سعود و تولى حمود السبهان، ثم زامل السبهان نيابة عن سعود بن عبد العزيز بن رشيد.

(2) (جراب) وقعة مشهورة بين ابن سعود و ابن رشيد في ربيع الأول سنة 1333 ه.

194

و ثوى بها نجل الأكارم (صالح)* * * و هو ابن (زامل) أكرم الآباء (1)

قد كان- يرحمه الإله- حميدة* * * منه السجايا صائب الآراء

و هو الشجاع إذا الفوارس أحجمت‏* * * في الحرب يوم تطاعن الأكفاء

ظل الإمام ابن السعود مظفرا* * * في الحرب يطفى‏ء نخوة الأعداء

حتى أتم اللّه فتح بلادهم‏* * * و أتم وحدتهم بظل لواء

كان (الحجاز) نهاية لفتوحه‏* * * إذ تم أصبح سيد الأمراء (2)

تمّت له (نجد) و تم (حساؤها)* * * و (حجازها) في أوسع الأرجاد (3)

و هو (المليك) و كان أكرم مالك‏* * * لرعية في أكرم الأنحاء

و بكل ناحية أقام إمارة* * * ترنوا إليه بطاعة و ولاء

و (عنيزة) ظلت إمارتها إلى‏* * * (آل السليم) تناط بالأكفاء

(عبد العزي) ظل و هو أميرها* * * حتى تنازل و هو ليس بنائي‏ (4)

و إذا (بعبد اللّه) أصبح بعده‏* * * متأمّرا في نعمة و هناء

____________

(1) (صالح) هو المرحوم صالح بن زامل بن عبد اللّه السليم، قتل في وقعة جراب و كان- (رحمه اللّه)- فذا في الرجال شجاعة و نجدة و كرما.

(2) لما تم فتح الحجاز أطلق الإمام عبد العزيز بن سعود اسم جلالة ملك المملكة العربية السعودية.

(3) تم فتح الأحساء في 28 جمادى الأولى سنة 1331 ه.

و تم فتح نجد بفتح حائل في شهر صفر سنة 1340 ه.

و تم فتح الحجاز بفتح جدة و رحيل الملك علي بن الحسين في شهر جمادى الثاني سنة 1344 ه.

(4) بعد فتح (عنيزة تولى إمارتها عبد العزيز بن عبد اللّه السليم إلى أن تنازل عن الإمارة لابن أخيه عبد اللّه بن خالد السليم و ظل في شهر رجب سنة 1335 ه.

على أن عبد اللّه ظل يستشير عمه و لا يصدر إلّا عنه رأيه.

195

(عبد العزيز) فارق الدنيا و ما* * * حي عليها فائز ببقاء (1)

ما زال (عبد اللّه) حتى يومنا* * * هذا أميرا مكرما بولاء (2)

***

____________

(1) توفي المرحوم الأمير عبد العزيز بن عبد اللّه السليم سنة 1358 ه (رحمه اللّه).

(2) إلى هنا ينتهي تاريخ (عنيزة) في عهد الأمير عبد اللّه بن خالد السليم و تحت ظل حكم جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن السعود أيده اللّه بنصره.