منية المريد

- الشهيد الثاني المزيد...
496 /
157

و الاستعلاء و الجاه و المال فيجب عليه التنبه لدواء إحدى العلتين قبل أن تقوى عليه و تهلكه. و ليعلم مع ذلك أيضا أن مجرد تعلم هذه المسائل المدونة ليس هو الفقه عند الله تعالى و إنما الفقه عن الله‏ (1) تعالى بإدراك جلاله و عظمته و هو العلم الذي يورث الخوف و الهيبة و الخشوع و يحمل على التقوى و معرفة الصفات المخوفة فيجتنبها و المحمودة فيرتكبها و يستشعر الخوف و يستثير الحزن كما نبه الله تعالى عليه في كتابه بقوله‏ فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ‏ (2). و الذي يحصل به الإنذار غير هذا العلم المدون فإن مقصود هذا العلم حفظ الأموال بشروط المعاملات و حفظ الأبدان بالأموال و بدفع القتل و الجراحات و المال في طريق الله آلة و البدن مركب و إنما العلم المهم هو معرفة سلوك الطريق إلى الله تعالى و قطع عقبات القلب التي هي الصفات المذمومة و هي الحجاب بين العبد و بين الله تعالى فإذا مات ملوثا بتلك الصفات كان محجوبا عن الله تعالى و من ثم كان العلم موجبا للخشية بل هي منحصرة في العالم كما نبه عليه تعالى بقوله‏ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (3) أعم من أن يكونوا فقهاء أو غير فقهاء. و مثال هذا الفقيه في الاقتصار على علم الفقه المتعارف مثال من اقتصر من سلوك طريق الحج على علم خرز (4) الراوية و الخف و لا شك أنه لو لم يكن لتعطل‏

____________

(1)- كذا في أكثر النسخ و نسخة «ة» و لكن في بعضها «عند اللّه» بدل «عن اللّه». قال الغزالي في «إحياء علوم الدين» ج 3/ 339: «... و ترك علم تهذيب الأخلاق و ترك الفقه عن اللّه تعالى بإدراك جلاله و عظمته و هو العلم الذي يورث الخوف و الهيبة و الخشوع و يحمل على التقوى ... و سبب غروره ما سمع في الشرع من تعظيم الفقه و لم يدر أنّ ذلك الفقه هو الفقه عن اللّه و معرفة صفاته المخوفة و المرجوّة ليستشعر القلب الخوف و يلازم التقوى ...».

(2)- سورة التوبة (9): 122.

(3)- سورة فاطر (35): 28.

(4)- «خرزت الجلد خرزا، من باب ضرب و قتل؛ و هو كالخياطة في الثياب. و الخرز معروف، الواحدة: خرزة مثل-

158

الحج و لكن المقتصر عليه ليس من الحاج في شي‏ء كذلك هذا الرجل لو لم يتعلم هذه العلوم لتعطلت معرفة الأحكام إلا أنها ليست المنجية بنفسها كما حررناه بل هي مقدمة للمقصد الذاتي. و إذا كان هذا مثال حال الفقيه العارف بشرع الله و رسوله و أئمته و معالم دين الله فكيف حال من يصرف عمره في معرفة عالم الكون و الفساد الذي مآله محض الفساد و الاشتغال بمعرفة الوجود و هل هو نفس الموجودات أو زائد عليها أو مشترك بينها أو غير ذلك من المطالب التي لا ثمرة لها بل لم يحصل لهم حقيقة ما طلبوا معرفته فضلا عن غيره. و إنما مثالهم في ذلك مثال ملك اتخذ عبيدا و أمرهم بدخول داره و الاشتغال بخدمته و تكميل نفوسهم فيما يوجب الزلفى لدى حضرته و اجتناب ما يبعد من جهته فلما أدخلهم داره ليشتغلوا بما أمرهم به أخذوا ينظرون إلى جدران داره و أرضها و سقفها حتى صرفوا عمرهم في ذلك النظر و ماتوا و لم يعرفوا ما أراد منهم في تلك الدار فكيف ترى حالهم عند سيدهم المنعم عليهم المسدي جليل إحسانه إليهم مع هذا الإهمال العظيم لطاعته بل الانهماك الفظيع في معصيته. و اعلم‏ (1) أن مثال هؤلاء أجمع مثال بيت مظلم باطنه وضع السراج على سطحه حتى استنار ظاهره بل مثال بئر الحش‏ (2) ظاهرها جص و باطنها نتن أو كقبور الموتى ظاهرها مزينة و باطنها جيفة و كمثال رجل قصد ضيافة الملك إلى داره فجصص باب داره و ترك المزابل في صدر داره و ذلك غرور واضح جلي بل أقرب مثال إليه رجل زرع زرعا فنبت و نبت معه حشيش يفسده فأمر بتنقية الزرع عن الحشيش بقلعه من أصله فأخذ يجز رأسه و يقطعه فلا يزال يقوى أصله‏

____________

- قصب و قصبة، و خرز الظهر: فقاره.» ( «المصباح المنير»/ 200، «خرز»).

(1)- لاحظ «إحياء علوم الدين» ج 3/ 335- 336.

(2)- الحشّ: موضع قضاء الحاجة» راجع «المصباح المنير»/ 165- 166؛ و «لسان العرب» ج 6/ 286، «حشش».

159

و ينبت لأن مغارس النقائص و منابت الرذائل هي الأخلاق الذميمة في القلب فمن لا يطهر القلب منها لا تتم له الطاعات الظاهرة إلا مع الآفات الكثيرة بل كمريض ظهر به الجرب و قد أمر بالطلاء و شرب الدواء أما الطلاء ليزيل ما على ظاهره و الدواء ليقلع مادته من باطنه فقنع بالطلاء و ترك الدواء و بقي يتناول ما يزيد في المادة فلا يزال يطلي الظاهر و الجرب دائما يتزايد في الباطن إلى أن أهلكه. نسأل الله تعالى أن يصلحنا لأنفسنا و يبصرنا بعيوبنا و ينفعنا بما علمنا و لا يجعله حجة علينا فإن ذلك بيده و هو أرحم الراحمين‏

فصل 4 [شرائط ترجع إلى الثاني‏]

و لكل واحد منهما شرائط متعددة و وظائف متبددة بعد هذين‏ (1) إلا أنها بأسرها ترجع إلى الثاني أعني استعمال العلم فإن العلم متناول لمكارم الأخلاق و حميد الأفعال و التنزه عن مساوئها فإذا استعمله على وجهه أوصله إلى كل خير يمكن طلبه و أبعده عن كل دنية تشينه‏

[3-] في التوكل على الله تعالى و الاعتماد عليه‏

فمما يلزم كل واحد منهما بعد تطهير نفسه من الرذائل المذكورة و غيرها توجيه نفسه إلى الله تعالى و الاعتماد عليه في أموره و تلقي الفيض الإلهي من عنده فإن العلم كما تقدم من كلام الصادق (ع) (2) ليس بكثرة التعلم و إنما هو نور من الله تعالى ينزله على من يريد أن يهديه.

____________

(1)- يعني الأمر الأوّل و الثاني، و هما إخلاص النية و استعمال العلم.

(2)- في الأمر الثاني من القسم الأوّل من النوع الأول، ص 149.

160

و أن يتوكل عليه و يفوض أمره إليه و لا يعتمد على الأسباب فيوكل إليها و تكون وبالا عليه و لا على أحد من خلق الله تعالى بل يلقي مقاليد أمره إلى الله تعالى في أمره و رزقه و غيرهما يظهر عليه حينئذ من نفحات قدسه و لحظات أنسه ما يقوم به أوده‏ (1) و يحصل مطلبه و يصلح به أمره‏

وَ قَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ص‏

أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ تَكَفَّلَ لِطَالِبِ الْعِلْمِ بِرِزْقِهِ خَاصَّةً عَمَّا ضَمِنَهُ لِغَيْرِهِ‏

(2)

. بمعنى أن غيره يحتاج إلى السعي على الرزق حتى يحصل غالبا و طالب العلم لا يكلفه بذلك بل بالطلب و كفاه مئونة الرزق إن أحسن النية و أخلص العزيمة. و عندي في ذلك من الوقائع و الدقائق ما لو جمعته بلغ ما يعلمه الله من حسن صنع الله تعالى بي و جميل معونته منذ اشتغلت بالعلم و هو مبادئ عشر الثلاثين و تسع مائة إلى يومي هذا و هو منتصف شهر رمضان سنة ثلاث و خمسين و تسع مائة و بالجملة فليس الخبر كالعيان.

وَ رَوَى شَيْخُنَا الْمُتَقَدِّمُ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ (قدّس اللّه روحه) بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ قَالَ‏

كُنَّا فِي مَجْلِسٍ نَطْلُبُ فِيهِ الْعِلْمَ وَ قَدْ نَفِدَتْ نَفَقَتِي فِي بَعْضِ الْأَسْفَارِ فَقَالَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا مَنْ تُؤَمِّلُ لِمَا قَدْ نَزَلَ بِكَ فَقُلْتُ فُلَاناً فَقَالَ إِذَنْ وَ اللَّهِ لَا تُسْعَفُ حَاجَتُكَ وَ لَا يَبْلُغُكَ أَمَلُكَ وَ لَا تُنْجَحُ طَلِبَتُكَ قُلْتُ وَ مَا عَلَّمَكَ رَحِمَكَ اللَّهُ قَالَ إِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) حَدَّثَنِي أَنَّهُ قَرَأَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَقُولُ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي وَ مَجْدِي وَ ارْتِفَاعِي عَلَى عَرْشِي لَأُقَطِّعَنَّ أَمَلَ كُلِّ مُؤَمِّلٍ غَيْرِي بِالْيَأْسِ وَ لَأَكْسُوَنَّهُ ثَوْبَ الْمَذَلَّةِ عِنْدَ النَّاسِ وَ لَأُنَحِّيَنَّهُ مِنْ قُرْبِي‏

____________

(1)- «فيه أود، أي عوج» ( «أساس البلاغة»/ 12، «أود»).

(2)- «الجامع الصغير» ج 2/ 175، حرف الميم؛ «كنز العمّال» ج 10/ 139، الحديث 28701، و فيهما: «من طلب العلم تكفّل اللّه برزقه.»؛ و في «إحياء علوم الدين» ج 1/ 6؛ و «تعليم المتعلّم»/ 20؛ «من تفقّه في دين اللّه كفاه اللّه تعالى ما أهمّه و رزقه من حيث لا يحتسب».

161

وَ لَأُبْعِدَنَّهُ مِنْ وَصْلِي أَ يُؤَمِّلُ غَيْرِي فِي الشَّدَائِدِ وَ الشَّدَائِدُ بِيَدِي وَ يَرْجُو غَيْرِي وَ يَقْرَعُ بِالْفِكْرِ بَابَ غَيْرِي وَ بِيَدِي مَفَاتِيحُ الْأَبْوَابِ وَ هِيَ مُغْلَقَةٌ وَ بَابِي مَفْتُوحٌ لِمَنْ دَعَانِي فَمَنِ الَّذِي أَمَّلَنِي لِنَوَائِبِهِ فَقَطَعْتُهُ دُونَهَا وَ مَنِ الَّذِي رَجَانِي لِعَظِيمَةٍ فَقَطَعْتُ رَجَاءَهُ مِنِّي جَعَلْتُ آمَالَ عِبَادِي عِنْدِي مَحْفُوظَةً فَلَمْ يَرْضَوْا بِحِفْظِي وَ مَلَأْتُ سَمَاوَاتِي مِمَّنْ لَا يَمَلُّ مِنْ تَسْبِيحِي وَ أَمَرْتُهُمْ أَنْ لَا يُغْلِقُوا الْأَبْوَابَ بَيْنِي وَ بَيْنَ عِبَادِي فَلَمْ يَثِقُوا بِقَوْلِي أَ لَمْ يَعْلَمْ مَنْ طَرَقَتْهُ نَائِبَةٌ مِنْ نَوَائِبِي أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ كَشْفَهَا أَحَدٌ غَيْرِي إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِي فَمَا لِي أَرَاهُ لَاهِياً عَنِّي أَعْطَيْتُهُ بِجُودِي مَا لَمْ يَسْأَلْنِي ثُمَّ انْتَزَعْتُهُ عَنْهُ فَلَمْ يَسْأَلْنِي رَدَّهُ وَ سَأَلَ غَيْرِي أَ فَيَرَانِي أَبْدَأُ بِالْعَطَاءِ قَبْلَ الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ أُسْأَلُ فَلَا أُجِيبُ سَائِلِي أَ بَخِيلٌ أَنَا فَيُبَخِّلُنِي عَبْدِي أَ وَ لَيْسَ الْجُودُ وَ الْكَرَمُ لِي أَ وَ لَيْسَ الْعَفْوُ وَ الرَّحْمَةُ بِيَدِي أَ وَ لَيْسَ أَنَا مَحَلَّ الْآمَالِ فَمَنْ يَقْطَعُهَا دُونِي أَ فَلَا يَخْشَى الْمُؤَمِّلُونَ أَنْ يُؤَمِّلُوا غَيْرِي فَلَوْ أَنَّ أَهْلَ سَمَاوَاتِي وَ أَهْلَ أَرْضِي أَمَّلُوا جَمِيعاً ثُمَّ أَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِثْلَ مَا أَمَّلَ الْجَمِيعُ مَا انْتَقَصَ مِنْ مُلْكِي مِثْلَ عُضْوِ ذَرَّةٍ وَ كَيْفَ يَنْقُصُ مُلْكٌ أَنَا قَيِّمُهُ فَيَا بُؤْساً لِلْقَانِطِينَ مِنْ رَحْمَتِي وَ يَا بُؤْساً لِمَنْ عَصَانِي وَ لَمْ يُرَاقِبْنِي‏

(1)

: وَ رَوَاهُ الشَّيْخُ الْمَبْرُورُ

(2)

رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسَنَدٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَ فِي آخِرِهِ فَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَمْلِ عَلَيَّ فَأَمْلَاهُ عَلَيَّ فَقُلْتُ لَا وَ اللَّهِ مَا أَسْأَلُهُ حَاجَةً بَعْدَهَا

(3)

. أقول ناهيك بهذا الكلام الجليل الساطع نوره من مطالع النبوة على أفق الإمامة من الجانب القدسي حاثا على التوكل على الله تعالى و تفويض الأمر إليه و الاعتماد في جميع المهمات عليه فما عليه مزيد من جوامع الكلام في هذا المقام.

____________

(1)- «الكافي» ج 2/ 66- 67، كتاب الإيمان و الكفر، باب التفويض إلى اللّه و التوكّل عليه، الحديث 7.

(2)- يعني الشيخ الكليني (قدّس سرّه).

(3)- «الكافي» ج 2/ 67، كتاب الإيمان و الكفر، باب التفويض إلى اللّه و التوكّل عليه، الحديث 8.

162

و هذا هو الأمر الثالث من الآداب.

و الرابع‏

[4-] حسن الخلق زيادة على غيرهما (1) من الناس‏

و التواضع و تمام الرفق و بذل الوسع في تكميل النفس‏

رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ وَهْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَقُولُ‏

اطْلُبُوا الْعِلْمَ وَ تَزَيَّنُوا مَعَهُ بِالْحِلْمِ وَ الْوَقَارِ وَ تَوَاضَعُوا لِمَنْ تُعَلِّمُونَهُ الْعِلْمَ وَ تَوَاضَعُوا لِمَنْ طَلَبْتُمْ مِنْهُ الْعِلْمَ وَ لَا تَكُونُوا عُلَمَاءَ جَبَّارِينَ فَيَذْهَبَ بَاطِلُكُمْ بِحَقِّكُمْ‏

(2)

وَ رَوَى الْحَلَبِيُّ فِي الصَّحِيحِ‏ (3) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع)

أَ لَا أُخْبِرُكُمْ بِالْفَقِيهِ حَقَّ الْفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَ لَمْ يُؤَمِّنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَ لَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ وَ لَمْ يَتْرُكِ الْقُرْآنَ رَغْبَةً عَنْهُ فِي غَيْرِهِ أَلَا لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَيْسَ فِيهِ تَفَهُّمٌ أَلَا لَا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَدَبُّرٌ أَلَا لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَفَكُّرٌ

(4)

و اعلم أن المتلبس بالعلم منظور إليه و متأسى بفعله و قوله و هيأته فإذا حسن سمته و صلحت أحواله و تواضعت نفسه و أخلص لله تعالى عمله انتقلت أوصافه إلى غيره من الرعية و فشا الخير فيهم و انتظمت أحوالهم و متى لم يكن كذلك كان الناس دونه في المرتبة التي هو عليها فضلا عن مساواته فكان مع فساد نفسه منشأ لفساد النوع و خلله و ناهيك بذلك ذنبا و طردا عن الحق و بعدا و يا ليته إذا هلك انقطع عمله و بطل وزره بل هو باق ما بقي من تأسى به و استن بسنته. و قد قال بعض العارفين إن عامة الناس أبدا دون المتلبس بالعلم‏

____________

(1)- يعني المعلّم و المتعلّم.

(2)- «الكافي» ج 1/ 36، كتاب فضل العلم، باب صفة العلماء، الحديث 1.

(3)- أي في الخبر الصحيح كما لا يخفى على من له أدنى دربة؛ و لقد توهّم بعض مترجمي «منية المريد» بالفارسيّة توهّما فاسدا، فقال: «يعني في الخبر الصحيح أو الكتاب الصحيح»! و هذا لعمري غلط فاحش و زلل فاضح و خطأ واضح، لا ينبغي أن يصدر ممّن يتصدّى لترجمة «منية المريد».

(4)- «الكافي» ج 1/ 36، كتاب فضل العلم، باب صفة العلماء، الحديث 3، و فيه: «رغبة عنه إلى غيره» بدل «رغبة عنه في غيره».

163

بمرتبة فإذا كان ورعا تقيا صالحا تلبست العامة بالمباحات و إذا اشتغل بالمباح تلبست العامة بالشبهات فإن دخل في الشبهات تعلق العامي بالحرام فإن تناول الحرام كفر العامي‏ (1) و كفى شاهدا على صدق هذه العيان و عدول الوجدان فضلا عن نقل الأعيان.

الخامس‏

[5-] أن يكون عفيف النفس‏

عالي الهمة منقبضا عن الملوك و أهل الدنيا لا يدخل إليهم طمعا ما وجد إلى الفرار منهم سبيلا صيانة للعلم عما صانه السلف فمن فعل ذلك فقد عرض نفسه و خان أمانته و كثيرا ما يثمر عدم الوصول إلى البغية و إن وصل إلى بعضها لم يكن حاله كحال المتعفف المنقبض و شاهده مع النقل الوجدان. قال بعض الفضلاء لبعض الأبدال ما بال كبراء زماننا و ملوكها لا يقبلون منا و لا يجدون للعلم مقدارا و قد كانوا في سالف الزمان بخلاف ذلك فقال إن علماء ذلك الزمان كان يأتيهم الملوك و الأكابر و أهل الدنيا فيبذلون لهم دنياهم و يلتمسون منهم علمهم فيبالغون في دفعهم و رد منتهم عنهم فصغرت الدنيا في أعين أهلها و عظم قدر العلم عندهم نظرا منهم إلى أن العلم لو لا جلالته و نفاسته ما آثره هؤلاء الفضلاء على الدنيا و لو لا حقارة الدنيا و انحطاطها لما تركوها رغبة عنها و لما أقبل علماء زماننا على الملوك و أبناء الدنيا و بذلوا لهم علمهم التماسا لدنياهم عظمت الدنيا في أعينهم و صغر العلم لديهم لعين ما تقدم‏ (2). و قد سمعت جملة من الأخبار في ذلك سابقا

كَقَوْلِ النَّبِيِّ ص‏

____________

(1)- «تفسير الرازيّ» ج 2/ 185.

(2)- «أخلاق العلماء»/ 100، و فيه «... سمعت وهب بن منبه يقول لعطاء الخراسانيّ: كان العلماء قبلنا استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم، فكانوا لا يلتفتون إلى دنياهم فكان أهل الدنيا يبذلون لهم دنياهم رغبة في علمهم فأصبح أهل العلم منّا اليوم يبذلون لأهل الدنيا علمهم رغبة في دنياهم، فأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم». و على هذا فلعلّ مراد المؤلّف من بعض العلماء عطاء الخراسانيّ و من بعض الأبدال وهب بن منبه. و جاء نظير هذا الكلام في «سنن الدارميّ» ج 1/ 155. و انظر أيضا «أخلاق العلماء»/ 100؛ و «جامع بيان العلم و فضله» ج 1/ 229، 231؛ و «البيان و التبيين»/ 453.

164

الْفُقَهَاءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ مَا لَمْ يَدْخُلُوا فِي الدُّنْيَا قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا دُخُولُهُمْ فِي الدُّنْيَا قَالَ اتِّبَاعُ السُّلْطَانِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَاحْذَرُوهُمْ عَلَى دِينِكُمْ‏

(1)

.

. و غيره من الأحاديث. و اعلم أن القدر المذموم من ذلك ليس هو مجرد اتباع السلطان كيف اتفق بل اتباعه ليكون توطئة له و وسيلة إلى ارتفاع الشأن و الترفع على الأقران و عظم الجاه و المقدار و حب الدنيا و الرئاسة و نحو ذلك أما لو اتبعه ليجعله وصلة إلى إقامة نظام النوع و إعلاء كلمة الدين و ترويج الحق و قمع أهل البدع و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و نحو ذلك فهو من أفضل الأعمال فضلا عن كونه مرخصا و بهذا يجمع بين ما ورد من الذم و ما ورد أيضا من الترخيص في ذلك‏ (2) بل من فعل جماعة من الأعيان- كعلي بن يقطين و عبد الله النجاشي و أبي القاسم بن روح أحد الأبواب الشريفة و محمد بن إسماعيل بن بزيع و نوح بن دراج‏ (3) و غيرهم من أصحاب الأئمة و من الفقهاء مثل السيدين الأجلين المرتضى و الرضي و أبيهما و الخواجة نصير الدين الطوسي و العلامة بحر العلوم جمال الدين بن المطهر و غيرهم.

وَ قَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ وَ هُوَ الثِّقَةُ الصَّدُوقُ عَنِ الرِّضَا (ع) أَنَّهُ قَالَ‏

إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى بِأَبْوَابِ الظَّالِمِينَ مَنْ نَوَّرَ اللَّهُ بِهِ الْبُرْهَانَ وَ مَكَّنَ لَهُ فِي الْبِلَادِ لِيَدْفَعَ بِهِمْ عَنْ أَوْلِيَائِهِ وَ يُصْلِحَ اللَّهُ بِهِ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ مَلْجَأُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الضَّرَرِ وَ إِلَيْهِ يَفْزَعُ ذُو الْحَاجَةِ مِنْ شِيعَتِنَا بِهِمْ يُؤْمِنُ اللَّهُ رَوْعَةَ الْمُؤْمِنِ فِي دَارِ الظَّلَمَةِ أُولَئِكَ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً أُولَئِكَ أُمَنَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ أُولَئِكَ نُورُ اللَّهِ تَعَالَى فِي رَعِيَّتِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

____________

(1)- «الكافي» ج 1/ 46، كتاب فضل العلم، باب المستأكل بعلمه و المباهي به، الحديث 5؛ «بحار الأنوار» ج 2/ 36، الحديث 38، نقلا عن «نوادر الراونديّ».

(2)- مرّ آنفا بعض ما ورد من الذمّ، و يأتي بعيد هذا بعض ما ورد من الترخيص في ذلك.

(3)- انظر ترجمة هولاء الرواة الأعاظم في «معجم رجال الحديث» ج 12/ 227- 240، و ج 10/ 358- 362، و ج 5/ 236، و ج 15/ 95- 102، و ج 19/ 179- 181، و انظر أيضا «رجال النجاشيّ»/ 273، و 213، و 102. و للاطّلاع على ترجمة و تاريخ حياة أبي القاسم بن روح راجع «الغيبة»/ 223- 241.

165

وَ يَزْهَرُ نُورُهُمْ لِأَهْلِ السَّمَاوَاتِ كَمَا تَزْهَرُ الْكَوَاكِبُ الزهرية [الدُّرِّيَّةُ] لِأَهْلِ الْأَرْضِ أُولَئِكَ مِنْ نُورِهِمْ نُورُ الْقِيَامَةِ تُضِي‏ءُ مِنْهُمُ الْقِيَامَةُ خُلِقُوا وَ اللَّهِ لِلْجَنَّةِ وَ خُلِقَتِ الْجَنَّةُ لَهُمْ فَهَنِيئاً لَهُمْ مَا عَلَى أَحَدِكُمْ أَنْ لَوْ شَاءَ لَنَالَ هَذَا كُلَّهُ قَالَ قُلْتُ بِمَا ذَا جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ قَالَ تَكُونُ مَعَهُمْ فَتَسُرُّنَا بِإِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ شِيعَتِنَا فَكُنْ مِنْهُمْ يَا مُحَمَّدُ

(1)

. و اعلم أن هذا ثواب كريم لكنه موضع الخطر الوخيم و الغرور العظيم فإن زهرة الدنيا و حب الرئاسة و الاستعلاء إذا نبتا في القلب غطيا عليه كثيرا من طرق الصواب و المقاصد الصحيحة الموجبة للثواب فلا بد من التيقظ في هذا الباب‏ (2). السادس‏ (3) أن يحافظ على القيام بشعائر الإسلام و ظواهر الأحكام كإقامة الصلوات في مساجد الجماعات محافظا على شريف الأوقات و إفشاء السلام للخاص و العام مبتدئا و مجيبا و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الصبر على الأذى بسبب ذلك صادعا بالحق باذلا نفسه لله لا يخاف لومة لائم متأسيا في ذلك بالنبي ص و غيره من الأنبياء متذكرا ما نزل بهم من المحن عند القيام بأوامر الله تعالى. و لا يرضى من أفعاله الظاهرة و الباطنة بالجائز بل يأخذ نفسه بأحسنها و أكملها فإن العلماء هم القدوة و إليهم المرجع و هم حجة الله تعالى على العوام و قد يراقبهم للأخذ منهم من لا ينظرون إليه و يقتدى بهم من لا يعلمون به و إذا لم ينتفع العالم بعلمه فغيره أبعد عن الانتفاع به و لهذا عظمت زلة العالم لما يترتب‏

____________

(1)- «رجال النجاشيّ»/ 331- 332، في ترجمة محمّد بن إسماعيل بن بزيع، مع اختلاف يسير جدّا في بعض الألفاظ؛ منها: «الكواكب الدرّيّة» بدل «الكواكب الزهرية».

(2)- قال المحدث الجزائريّ، (رحمه اللّه)، في «الأنوار النعمانية» ج 3/ 342: «... و من هذا بعد عنه العلماء الأعلام، و قد حدّثني أوثق مشايخي أنّ السيّد الجليل محمّد صاحب «المدارك» و الشيخ المحقّق الشيخ حسن صاحب «المعالم» قد تركا زيارة المشهد الرضوي على ساكنه أفضل الصلوات، خوفا من أن يكلّفهم الشاه عبّاس الأوّل بالدخول عليه ...

و لم يأتيا إلى بلاد العجم احترازا من ذلك المذكور».

(3)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 20- 21، 23- 24.

166

عليها من المفاسد. و يتخلق بالمحاسن التي ورد بها الشرع و حث عليها و الخلال‏ (1) الحميدة و الشيم المرضية من السخاء و الجود و طلاقة الوجه من غير خروج عن الاعتدال و كظم الغيظ و كف الأذى و احتماله و الصبر و المروءة و التنزه عن دني الاكتساب و الإيثار و ترك الاستئثار و الإنصاف و ترك الاستنصاف و شكر المفضل‏ (2) و السعي في قضاء الحاجات و بذل الجاه و الشفاعات و التلطف بالفقراء و التحبب إلى الجيران و الأقرباء و الإحسان إلى ما ملكت الأيمان و مجانبة الإكثار من الضحك و المزاح و التزام الخوف و الحزن و الانكسار و الإطراق و الصمت بحيث يظهر أثر الخشية على هيأته و سيرته و حركته و سكونه و نطقه و سكوته لا ينظر إليه ناظر إلا و كان نظره مذكرا لله تعالى و صورته دليلا على علمه. و ملازمة الآداب الشرعية القولية و الفعلية الظاهرة و الخفية كتلاوة القرآن متفكرا في معانيه ممتثلا لأوامره منزجرا عند زواجره واقفا عند وعده و وعيده قائما بوظائفه و حدوده و ذكر الله تعالى بالقلب و اللسان و كذلك ما ورد من الدعوات و الأذكار في آناء الليل و النهار و نوافل العبادات من الصلاة و الصيام و حج البيت الحرام و لا يقتصر من العبادات على مجرد العلم فيقسو قلبه و يظلم نوره كما تقدم التنبيه عليه‏ (3). و زيادة التنظيف بإزالة الأوساخ و قص الأظفار و إزالة الشعور المطلوب زوالها و اجتناب الروائح الكريهة و تسريح اللحية مجتهدا في الاقتداء بالسنة الشريفة و الأخلاق الحميدة المنيفة.

____________

(1)- «الخلّة: مثل الخصلة وزنا و معنى، و الجمع: خلال» ( «المصباح المنير»/ 216، «خلل»).

(2)- هكذا في النسخ، و لكن في «تذكرة السامع»/ 23: «شكر التّفضّل». بدل «شكر المفضل». و المفضل اسم فاعل من أفضل عليه، أي أحسن إليه.

(3)- لعلّه يريد التنبيه على لزوم العمل و استعمال العلم، و قد تقدّم في الأمر الثاني من القسم الأوّل من النوع الأوّل من هذا الباب، ص 146- 159.

167

و يطهر نفسه من مساوئ الأخلاق و ذميم الأوصاف من الحسد و الرياء و العجب و احتقار الناس و إن كانوا دونه بدرجات و الغل و البغي و الغضب لغير الله و الغش و البخل و الخبث و البطر و الطمع و الفخر و الخيلاء و التنافس في الدنيا و المباهاة بها و المداهنة و التزين للناس و حب المدح بما لم يفعل و العمى عن عيوب النفس و الاشتغال عنها بعيوب الناس و الحمية و العصبية لغير الله و الرغبة و الرهبة لغيره و الغيبة و النميمة و البهتان و الكذب و الفحش في القول. و لهذه الأوصاف تفصيل و أدوية و ترغيب و ترهيب محرر في مواضع تخصه و الغرض من ذكرها هنا تنبيه العالم و المتعلم عن أصولها ليتنبه لها ارتكابا و اجتنابا على الجملة و هي و إن اشتركت بين الجميع إلا أنها بهما أولى فلذلك جعلناها من وظائفهما لأن العلم كما قال بعض الأكابر (1) عبادة القلب و عمارته و صلاة السر و كما لا تصح الصلاة التي هي وظيفة الجوارح إلا بعد تطهيرها من الأحداث و الأخباث فكذلك لا تصح عبادة الباطن إلا بعد تطهيره من خبائث الأخلاق. و نور العلم لا يقذفه الله تعالى في القلب المنجس بالكدورات النفسية و الأخلاق الذميمة

كَمَا قَالَ الصَّادِقُ (ع)

لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ التَّعَلُّمِ وَ إِنَّمَا هُوَ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَلْبِ مَنْ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ‏

(2)

" وَ نَحْوَهُ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ

لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ إِنَّمَا الْعِلْمُ نُورٌ يُقْذَفُ فِي الْقَلْبِ‏

(3)

. و بهذا يعلم أن العلم ليس هو مجرد استحضار المعلومات الخاصة و إن كانت هي العلم في العرف العامي و إنما هو النور المذكور الناشئ من ذلك العلم‏

____________

(1)- هو الغزالي في «إحياء علوم الدين» ج 1/ 43.

(2)- تقدّم في الأمر الثاني من القسم الأوّل من النوع الأول من هذا الباب، ص 149.

(3)- «إحياء علوم الدين» ج 1/ 44.

168

الموجب للبصيرة و الخشية لله تعالى كما تقدم تقريره‏ (1). فهذه جملة الوظائف المشتركة بينهما و أكثرها راجع إلى استعمال العلم إلا أنا أفردناها عنه اهتماما بشأنها و تنبيها على أصول الفضائل‏

____________

(1)- في الأمر الثاني من القسم الأوّل من النوع الأول من هذا الباب، ص 154- 159.

169

القسم الثاني آدابهما في درسهما و اشتغالهما

و هي أمور الأول‏

[1-] أن لا يزال كل منهما مجتهدا في الاشتغال‏

قراءة و مطالعة و تعليقا و مباحثة و مذاكرة و فكرا و حفظا و إقراء (1) و غيرها و أن تكون ملازمة الاشتغال بالعلم هي مطلوبه و رأس ماله فلا يشتغل بغيره من الأمور الدنيوية مع الإمكان و بدونه يقتصر منه على قدر الضرورة و ليكن بعد قضاء وظيفته من العلم بحسب أوراده و من هنا قيل أعط العلم كلك يعطك بعضه‏ (2).

وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص‏

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ تَذَاكُرُ الْعِلْمِ بَيْنَ عِبَادِي مِمَّا تَحْيَا عَلَيْهِ الْقُلُوبُ الْمَيْتَةُ إِذَا هُمُ انْتَهَوْا فِيهِ إِلَى أَمْرِي‏

(3)

وَ عَنِ الْبَاقِرِ (ع)

رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً أَحْيَا الْعِلْمَ فَقِيلَ وَ مَا إِحْيَاؤُهُ قَالَ أَنْ يُذَاكِرَ بِهِ أَهْلَ الدِّينِ وَ الْوَرَعِ‏

(4)

وَ عَنْهُ ع‏

____________

(1)- «إذا قرأ الرجل القرآن و الحديث على الشيخ، يقول: أقرأني فلان، أي حملني على أن أقرأ عليه» ( «لسان العرب» ج 1/ 130، «قرأ»).

(2)- في «محاضرات الأدباء» ج 1/ 50: «قال الخليل: العلم لا يعطيك بعضه حتّى تعطيه كلّك»؛ و مثله في «إحياء علوم الدين» ج 1/ 44؛ و «ميزان العمل»/ 116، و نسبه إلى القيل.

(3)- «الكافي» ج 1/ 40- 41، كتاب فضل العلم، باب سؤال العالم و تذاكره، الحديث 7.

(4)- «الكافي» ج 1/ 41، كتاب فضل العلم، باب سؤال العالم و تذاكره، الحديث 7.

170

تَذَاكُرُ الْعِلْمِ دِرَاسَةٌ وَ الدِّرَاسَةُ صَلَاةٌ حَسَنَةٌ

(1)

.

الثاني‏

[2-] أن لا يسأل أحدا تعنتا و تعجيزا

بل سؤال متعلم لله أو معلم له منبه على الخير قاصد للإرشاد أو الاسترشاد فهناك تظهر زبدة التعليم و التعلم و تثمر شجرته فأما إذا قصد مجرد المراء و الجدل و أحب ظهور الفلج و الغلبة فإن ذلك يثمر في النفس ملكة رديئة و سجية خبيثة و مع ذلك يستوجب المقت من الله تعالى و فيه مع ذلك عدة معاصي كإيذاء المخاطب و تجهيل له و طعن فيه و ثناء على النفس و تزكية لها و هذه كلها ذنوب مؤكدة و عيوب منهي عنها في محالها من السنة المطهرة و هو مع ذلك مشوش للعيش فإنك لا تماري سفيها إلا و يؤذيك و لا حليما إلا و يقليك. و قد أكد الله سبحانه على لسان نبيه و أئمته (ع) تحريم المراء

قَالَ النَّبِيُّ ص‏

لَا تُمَارِ أَخَاكَ وَ لَا تُمَازِحْهُ وَ لَا تَعِدْهُ مَوْعِداً فَتُخْلِفَهُ‏

(2)

وَ قَالَ ص‏

ذَرُوا الْمِرَاءَ فَإِنَّهُ لَا تُفْهَمُ حِكْمَتُهُ وَ لَا تُؤْمَنُ فِتْنَتُهُ‏

(3)

وَ قَالَ ص‏

مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَ هُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ وَ مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَ هُوَ مُبْطِلٌ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ

(4)

وَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص‏

إِنَّ أَوَّلَ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي وَ نَهَانِي عَنْهُ بَعْدَ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَ شُرْبِ الْخَمْرِ مُلَاحَاةُ الرِّجَالِ‏

(5)

____________

(1)- «الكافي» ج 1/ 41، كتاب فضل العلم، باب سؤال العالم و تذاكره، الحديث 9.

(2)- «إحياء علوم الدين» ج 2/ 159، ج 3/ 100؛ «سنن الترمذي» ج 4/ 359، كتاب البرّ و الصلة (28)، الباب 58، الحديث 1995؛ «عوالي اللآلي» ج 1/ 190؛ «الأذكار»/ 290.

(3)- «إحياء علوم الدين» ج 3/ 100.

(4)- «إحياء علوم الدين» ج 2/ 158، ج 3/ 100.

(5)- «إحياء علوم الدين» ج 3/ 100؛ و نظيره في «أمالي الصدوق»/ 339؛ و «بحار الأنوار» ج 2/ 127، الحديث 4،-

171

وَ قَالَ ص‏

مَا ضَلَّ قَوْمٌ [بَعْدَ أَنْ هَدَاهُمُ اللَّهُ‏]

(1)

إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ‏

(2)

وَ قَالَ ص‏

لَا يَسْتَكْمِلُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَدَعَ الْمِرَاءَ وَ إِنْ كَانَ مُحِقّاً

(3)

وَ قَالَ الصَّادِقُ (ع)

الْمِرَاءُ دَاءٌ دَوِيٌّ وَ لَيْسَ فِي الْإِنْسَانِ خَصْلَةٌ شَرٌّ مِنْهُ وَ هُوَ خُلُقُ إِبْلِيسَ وَ نِسْبَتُهُ فَلَا يُمَارِي فِي أَيِّ حَالٍ كَانَ إِلَّا مَنْ كَانَ جَاهِلًا بِنَفْسِهِ وَ بِغَيْرِهِ مَحْرُوماً مِنْ حَقَائِقِ الدِّينِ‏

(4)

وَ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) اجْلِسْ حَتَّى نَتَنَاظَرَ فِي الدِّينِ فَقَالَ يَا هَذَا أَنَا بَصِيرٌ بِدِينِي مَكْشُوفٌ عَلَيَّ هُدَايَ فَإِنْ كُنْتَ جَاهِلًا بِدِينِكَ فَاذْهَبْ فَاطْلُبْهُ مَا لِي وَ لِلْمُمَارَاةِ وَ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيُوَسْوِسُ لِلرَّجُلِ وَ يُنَاجِيهِ وَ يَقُولُ نَاظِرِ النَّاسَ لِئَلَّا يَظُنُّوا بِكَ الْعَجْزَ وَ الْجَهْلَ ثُمَّ الْمِرَاءُ لَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ إِمَّا أَنْ تَتَمَارَى أَنْتَ وَ صَاحِبُكَ فِيمَا تَعْلَمَانِ فَقَدْ تَرَكْتُمَا بِذَلِكَ النَّصِيحَةَ وَ طَلَبْتُمَا الْفَضِيحَةَ وَ أَضَعْتُمَا ذَلِكَ الْعِلْمَ أَوْ تَجْهَلَانِهِ فَأَظْهَرْتُمَا جَهْلًا وَ خَاصَمْتُمَا جَهْلًا وَ إِمَّا تَعْلَمُهُ أَنْتَ فَظَلَمْتَ صَاحِبَكَ بِطَلَبِ عَثْرَتِهِ أَوْ يَعْلَمُهُ صَاحِبُكَ فَتَرَكْتَ حُرْمَتَهُ وَ لَمْ تُنَزِّلْهُ مَنْزِلَتَهُ وَ هَذَا كُلُّهُ مُحَالٌ فَمَنْ أَنْصَفَ وَ قَبِلَ الْحَقَّ وَ تَرَكَ الْمُمَارَاةَ فَقَدْ أَوْثَقَ إِيمَانَهُ‏

____________

- نقلا عنه، عن أبي عبد اللّه عن رسول اللّه، (سلام اللّه عليهما).

(1)- زيادة من المصدر، أعني «إحياء علوم الدين» ج 1/ 37.

(2)- «إحياء علوم الدين» ج 1/ 37، ج 3/ 100؛ «مسند أحمد» ج 5/ 252؛ «سنن الترمذي» ج 5/ 379، كتاب تفسير القرآن (48)، الباب 45، الحديث 3253؛ «سنن ابن ماجة» ج 1/ 19، المقدّمة، الباب 7، الحديث 48؛ «الفقيه و المتفقه» ج 1/ 230- 231؛ و في هذه المصادر الأربعة: «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه ...»؛ و في «إحياء علوم الدين»: «... بعد أن هداهم اللّه ...».

(3)- «إحياء علوم الدين» ج 3/ 100.

(4)- «مصباح الشريعة»/ 199؛ «بحار الأنوار» ج 2/ 134، الحديث 31، نقلا عنه.

172

وَ أَحْسَنَ صُحْبَةَ دِينِهِ وَ صَانَ عَقْلَهُ‏

(1)

. هذا كله‏ (2) من كلام الصادق ع. و اعلم‏ (3) أن حقيقة المراء الاعتراض على كلام الغير بإظه ار خلل فيه لفظا أو معنى أو قصدا لغير غرض ديني أمر الله به و ترك المراء يحصل بترك الإنكار و الاعتراض بكل كلام يسمعه فإن كان حقا وجب التصديق به بالقلب و إظهار صدقه حيث يطلب منه و إن كان باطلا و لم يكن متعلقا بأمور الدين فاسكت عنه ما لم يتمحض النهي عن المنكر بشروطه. و الطعن في كلام الغير إما في لفظه بإظهار خلل فيه من جهة النحو أو اللغة أو جهة النظم و الترتيب بسبب قصور المعرفة أو طغيان اللسان و إما في المعنى بأن يقول ليس كما تقول و قد أخطأت فيه لكذا و كذا و إما في قصده مثل أن يقول هذا الكلام حق و لكن ليس قصدك منه الحق و ما يجري مجراه. و علامة فساد مقصد المتكلم تتحقق بكراهة ظهور الحق على غير يده ليتبين فضله و معرفته للمسألة و الباعث عليه الترفع بإظهار الفضل و التهجم على الغير بإظهار نقصه و هما شهوتان رديئتان للنفس أما إظهار الفضل فهو تزكية للنفس و هو من مقتضى ما في العبد من طغيان دعوى العلو و الكبرياء و قد نهى الله تعالى عنه في محكم كتابه فقال سبحانه‏ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ‏ (4) و أما تنقيص الآخر فهو مقتضى طبع السبعية فإنه يقتضي أن يمزق غيره و يصدمه و يؤذيه و هي مهلكة. و المراء و الجدال مقويان لهذه الصفات المهلكة و لا تنفك المماراة عن الإيذاء و تهييج الغضب و حمل المعترض على أن يعود فينصر كلامه بما يمكنه من حق أو

____________

(1)- «مصباح الشريعة»/ 199- 201؛ «بحار الأنوار» ج 2/ 135، الحديث 32، نقلا عنه.

(2)- أي من قوله «قال الصادق (عليه السلام)» إلى هنا؛ و كلّه في «مصباح الشريعة»/ 199- 201، و قال العلامة الطباطبائي (رحمه اللّه تعالى) في تعاليقه على «بحار الأنوار» ج 2/ 135: «ثمّ المراء ... إلى آخر ما نقل، ليس من الرواية كما هو ظاهر». أقول: و لكنّه موجود في «مصباح الشريعة» كما عرفت.

(3)- لاحظ «إحياء علوم الدين» ج 3/ 101- 102.

(4)- سورة النجم (53): 32.

173

باطل و يقدح في قائله بكل ما يتصور فيثور التشاجر بين المتماريين كما يثور التهارش بين الكلبين يقصد كل منهما أن يعض صاحبه إنما هو أعظم نكاية و أقوى في إفحامه و إنكائه. و علاج ذلك أن يكسر الكبر الباعث له على إظهار فضله و السبعية الباعثة له على تنقيص غيره بالأدوية النافعة في علاج الكبر و الغضب من كتابنا المتقدم ذكره في أسرار معالم الدين‏ (1) أو غيره من الكتب المؤلفة في ذلك. و لا ينبغي أن يخدعك الشيطان و يقول لك أظهر الحق و لا تداهن فيه فإنه أبدا يستجر الحمقى إلى الشر في معرض الخير فلا تكن ضحكة الشيطان يسخر بك فإظهار الحق حسن مع من يقبل منه إذا وقع على وجه الإخلاص و ذلك من طريق النصيحة بالتي هي أحسن لا بطريق المماراة. و للنصيحة صفة و هيئة و يحتاج فيها إلى التلطف و إلا صارت فضيحة فكان فسادها أعظم من صلاحها. و من خالط متفقهة هذا الزمان و المتسمين بالعلم غلب على طبعه المراء و الجدال و عسر عليه الصمت إذا ألقى عليه قرناء السوء أن ذلك هو الفضل ففر منهم فرارك من الأسد.

الثالث‏

[3-] أن لا يستنكف من التعلم و الاستفادة ممن هو دونه‏

في منصب أو سن أو شهرة أو دين أو في علم آخر بل يستفيد ممن يمكن الاستفادة منه و لا يمنعه ارتفاع منصبه و شهرته من استفادة ما لا يعرفه فتخسر صفقته و يقل علمه و يستحق المقت من الله تعالى‏

وَ قَدْ قَالَ النَّبِيُّ ص‏

الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا

(2)

.

____________

(1)- يعني كتاب «منار القاصدين في أسرار معالم الدين» الذي تقدّم ذكره في أوّل الكتاب، و لم نقف على نسخة له حتّى اليوم.

(2)- «سنن الترمذي» ج 5/ 51، كتاب العلم (42)، الباب 19، الحديث 2687؛ «سنن ابن ماجة» ج 2/ 1395، كتاب الزهد (37)، باب الحكمة (15)، الحديث 4169، و فيهما: «الكلمة الحكمة» بدل «الحكمة»؛ و «بحار الأنوار» ج 2/ 99، الحديث 58، نقلا عن «أمالي الطوسيّ» و فيه: «كلمة الحكمة»؛ و انظر أيضا «أمالي-

174

وَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ (رحمه اللّه)

لَا يَزَالُ الرَّجُلُ عَالِماً مَا تَعَلَّمَ فَإِذَا تَرَكَ التَّعَلُّمَ وَ ظَنَّ أَنَّهُ قَدِ اسْتَغْنَى وَ اكْتَفَى بِمَا عِنْدَهُ فَهُوَ أَجْهَلُ مَا يَكُونُ‏

(1)

.

و أنشد بعضهم في ذلك‏

و ليس العمى طول السؤال و إنما* * * تمام العمى طول السكوت على الجهل‏

(2)

. و من هذا الباب أن يترك السؤال استحياء و من هنا قيل من استحى من المسألة لم يستحي الجهل منه‏ (3). و قيل أيضا من رق وجهه رق علمه‏ (4).

____________

- الطوسيّ» ج 2/ 238.

(1)- «تذكرة السامع»/ 28، 135؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 49؛ «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 160 و فيه: «كان أجهل» بدل «فهو أجهل». و انظر «عيون الأخبار» ج 2/ 118.

(2)- في «أمالي المرتضى» ج 2/ 140: «... قال حدّثنا ابن أخي الأصمعي عن عمّه قال: لقيت أعرابيا بالبادية فاسترشدته إلى مكان فأرشدني و أنشدني:

ليس العمى طول السؤال و إنّما* * * تمام العمى طول السكوت على الجهل»؛

و في «جامع بيان العلم و فضله» ج 1/ 107: «كان الأصمعي ينشد:

«شفاء العمى طول السؤال و إنّما* * * تمام العمى طول السكوت على الجهل»؛

و في «المحدّث الفاصل»/ 362: «أنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي.

تمام العمى طول السكوت و إنّما* * * شفاء العمى يوما سؤالك من يدري»؛

و في «المحدّث الفاصل»/ 362: «أنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي.

تمام العمى طول السكوت و إنّما* * * شفاء العمى يوما سؤالك من يدري»؛

و في «أدب الدنيا و الدين»/ 66: «قال بشار بن برد:

شفاء العمى طول السؤال و إنّما* * * دوام العمى طول السكوت على الجهل‏

فكن سائلا عمّا عناك فإنّما* * * دعيت أخا عقل لتبحث بالعقل»؛

و في «تذكرة السامع»/ 157: «و لبعض العرب:

و ليس العمى طول السؤال و إنّما* * * تمام العمى طول السكوت على الجهل»؛

و في «كفاية الأثر»/ 252- 253؛ و «بحار الأنوار» ج 36/ 359، الحديث 228- نقلا عنه-: «عن الباقر (عليه السلام):

ألا إنّ مفتاح العلم السؤال، و أنشأ يقول:

شفاء العمى طول السؤال و إنّما* * * تمام العمى طول السكوت على الجهل».

(3)- لم أقف على قائله.

(4)- قاله عمر بن الخطّاب و ابنه، كما في «مقدّمة ابن الصلاح»/ 371؛ و «فتح الباقي» 2/ 229؛ و «شرح المهذّب» ج 1/ 49؛ أو ابنه كما في «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 144؛ و «تذكرة السامع»/ 157؛ و «تدريب الراوي» ج 2/ 147. و في «سنن الدارميّ» ج 1/ 137 نسبه إلى الشعبي و عمر؛ و في «مفتاح دار السعادة» ج 1/ 177، نسبه إلى الحسن [البصري‏]؛ و في «جامع بيان العلم و فضله» ج 1/ 125: «قالوا: من رقّ وجهه رقّ علمه»؛ و نقله الميداني في «مجمع الأمثال» ج 2/ 328، في حرف الميم من كلام «المولّدين». هذه مصادره من كتب-

175

و قيل أيضا لا يتعلم العلم مستحي و لا مستكبر (1).

وَ رَوَى زُرَارَةُ وَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَ بُرَيْدٌ الْعِجْلِيُّ قَالُوا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع)

إِنَّمَا يَهْلِكُ النَّاسُ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْأَلُونَ‏

(2)

وَ عَنْهُ (ع)

إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ عَلَيْهِ قُفْلٌ وَ مِفْتَاحُهُ الْمَسْأَلَةُ

(3)

.

الرابع و هو من أهمها

[4-] الانقياد للحق بالرجوع عند الهفوة

و لو ظهر على يد من هو أصغر منه‏ (4) فإنه مع وجوبه من بركة العلم و الإصرار على تركه كبر مذموم عند الله تعالى موجب للطرد و البعد

قَالَ النَّبِيُّ ص‏

لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ كِبْرٍ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ هَلَكْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَحَدَنَا يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ نَعْلُهُ حَسَناً وَ ثَوْبُهُ حَسَناً. فَقَالَ النَّبِيُّ ص لَيْسَ هَذَا الْكِبْرَ إِنَّمَا الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَ غَمْصُ النَّاسِ‏

(5)

.

____________

- العامّة، و لكنّه روي في «الكافي» ج 2/ 87، كتاب الإيمان و الكفر، باب الحياء، الحديث 3، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

(1)- قاله مجاهد، كما في «شرح المهذّب» ج 1/ 49؛ «صحيح البخاريّ» ج 2/ 158، كتاب العلم؛ «مقدّمة ابن الصلاح»/ 377؛ «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 144؛ «تدريب الراوي» ج 2/ 147؛ «فتح الباقي» ج 2/ 229؛ «شرح ألفية العراقي» ج 2/ 229؛ «سنن الدارميّ» ج 1/ 138؛ «تذكرة السامع»/ 157. و في «مفتاح دار السعادة» ج 1/ 177، نسبه إلى بعض العلماء.

(2)- «الكافي» ج 1/ 40، كتاب فضل العلم، باب سؤال العالم و تذاكره، الحديث 2.

(3)- «الكافي» ج 1/ 40، كتاب فضل العلم، باب السؤال العالم و تذاكره، الحديث 3.

(4)- قال المحدّث الجزائريّ في «الأنوار النعمانية» ج 3/ 345؛ «و قد كان لي شيخ جليل قرأت عليه كثيرا من العربية و الأصول، فما وجدت أحدا أنصف منه، و ذلك أنّه ربّما أشكلت المسألة علينا وقت الدرس، فإذا طالعتها أنا و كنت أصغر الشركاء سنّا قال لي ذلك الشيخ: هذا الحقّ و غلطت أنا و جميع هولاء، فيغلّط نفسه و الطلبة لأجل معرفته بصحّة كلامي، ثمّ يقول لي: أمل عليّ ما خطر بخاطرك، حتّى أعلّقه حاشية على كتابي، فأملي أنا عليه و هو يكتبه حاشية و هو وقت تأليف هذا الكتاب في بلاد حيدرآباد من بلاد الهند و اسمه الشيخ جعفر البحريني، مدّ اللّه أيّام سعادته.».

(5)- «صحيح مسلم» ج 1/ 93، كتاب الإيمان، الباب 39- و فيه: «غمط الناس» بدل «غمص الناس»-؛ «عوالي اللآلي» ج 1/ 436- 437. و ورد مثل العبارة الأخيرة، في «الكافي» ج 2/ 310، كتاب الإيمان و الكفر، باب الكبر، الحديث 9، عن أبي عبد اللّه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليهما. و انظر أيضا «مجمع الزوائد» ج 1/ 98، ج 5/ 133.

176

و المراد ببطر الحق رده على قائله و عدم الاعتراف به بعد ظهوره و ذلك أعم من ظهوره على يدي الصغير و الكبير و الجليل و الحقير و كفى بهذا زجرا و ردعا.

الخامس‏

[5-] أن يتأمل و يهذب ما يريد أن يورده‏

أو يسأل عنه قبل إبرازه و التفوه به ليأمن من صدور هفوة أو زلة أو وهم أو انعكاس فهم فيصير له بذلك ملكة صالحة و خلاف ذلك إذا اعتاد الإسراع في السؤال و الجواب فيكثر سقطه و يعظم نقصه و يظهر خطاؤه فيعرف بذلك سيما إذا كان هناك من قرناء السوء من يخشى أن يصير ذلك عليه وصمة و يجعله له عند نظرائه و حسدته وسمة.

السادس‏ (1)

[6-] أن لا يحضر مجلس الدرس إلا متطهرا من الحدث و الخبث‏

متنظفا متطيبا في بدنه و ثوبه لابسا أحسن ثيابه قاصدا بذلك تعظيم العلم و ترويح الحاضرين من الجلساء و الملائكة سيما إن كان في المسجد و جميع ما ورد من الترغيب في ذلك لمطلق الناس‏ (2) فهو في حق العالم و المتعلم آكد

____________

(1)- راجع «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 27، 46؛ «الخلاصة في أصول الحديث»/ 144؛ «المحدّث الفاصل»/ 585.

(2)- انظر بعض ما ورد في ذلك في «الكافي» ج 3/ 22- 23، كتاب الطهارة، باب السواك، و ج 3/ 70- 72، كتاب الطهارة، باب النوادر، الحديث 5- 10، و ج 6/ 438- 534، كتاب الزيّ و التجمّل و المروءة؛ و «بحار الأنوار» ج 80/ 237- 238، كتاب الطهارة، باب علل الوضوء، الحديث 11 و 12، و ج 83/ 384، كتاب الصلاة، باب فضل المساجد و آدابها و احكامها، الحديث 59.

177

النوع الثاني آداب يختص بها المعلم‏

اعلم أن التعليم هو الأصل الذي به قوام الدين و به يؤمن انمحاق العلم فهو من أهم العبادات و آكد فروض الكفايات قال الله تعالى‏ وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ‏ (1). و قال الله تعالى‏ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ‏ (2). و من مشاهير الأخبار

قَوْلُهُ (ع)

لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ‏

(3)

.

____________

(1)- سورة آل عمران (3): 187.

(2)- سورة البقرة (2): 159.

(3)- «الكافي» ج 1/ 187، كتاب الحجّة، باب فرض طاعة الأئمّة، الحديث 10؛ «أمالي الطوسيّ» ج 1/ 21؛ «معاني الأخبار»/ 82؛ «تحف العقول»/ 30؛ «صحيح البخاريّ» ج 2/ 102- 107، كتاب العلم، باب تبليغ العلم، الحديث 104 و 105.

178

و الأخبار بمعناه كثيرة و قد مر جملة منها (1). و آدابه تنقسم ثلاثة أقسام آدابه في نفسه و آدابه مع طلبته و آدابه في مجلس درسه‏

____________

(1)- قد مرّت جملة منها في المقدّمة، و يأتي بعضها في الفصل الأول من المطلب الأول من الخاتمة.

179

القسم الأول آدابه في نفسه مضافة إلى ما تقدم‏

و هي أمور الأول‏

[1-] أن لا ينتصب للتدريس حتى تكمل أهليته‏

و يظهر استحقاقه لذلك على صفحات وجهه و نفحات لسانه و تشهد له به صلحاء مشايخه‏

فَفِي الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ

الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ

(1)

و قال بعض الفضلاء من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه‏ (2). و قال آخر من طلب الرئاسة في غير حينه لم يزل في ذل ما بقي‏ (3) و أنشد بعضهم‏

لا تطمحن إلى المراتب قبل أن‏* * * تتكامل الأدوات و الأسباب‏

إن الثمار تمر قبل بلوغها* * * طعما و هن إذا بلغن عذاب‏ (4)

الثاني‏ (5)

[2-] أن لا يذل العلم‏

فيبذله لغير أهله و يذهب به إلى مكان ينسب إلى من‏

____________

(1)- «سنن أبي داود» ج 4/ 300، كتاب الأدب، الحديث 4997؛ «النهاية» ج 2/ 441، و فيه: «بما لا يملك» بدل «بما لم يعط». و انظر شرح الحديث في «لسان العرب» ج 1/ 246- 247، «ثوب»؛ و «مجمع الأمثال» ج 2/ 150 و يأتي هذا الحديث و بعض الكلام حوله في ص 217.

(2)- قاله أبو بكر الشبلي الزاهد كما في «تذكرة السامع»/ 45؛ و نسب في «طبقات الصوفية»/ 584 إلى الخواجة سهل بن محمّد الصعلوكي المتوفى في سنة 404 ه. انظر ترجمته و مصادر ترجمته في «طبقات الصوفية»/ 584- 587؛ و «وفيات الأعيان» ج 2/ 435- 436؛ و «الأعلام» ج 3/ 143؛ و «معجم المؤلّفين» ج 4/ 284- 285.

(3)- قاله أبو حنيفة كما في «تذكرة السامع»/ 45.

(4)- لم أقف على ناظمه.

(5)- لاحظ «شرح المهذّب» ج 1/ 48؛ و «تذكرة السامع»/ 16؛ و «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 22.

180

يتعلمه منه و إن كان المتعلم كبير القدر بل يصون العلم عن ذلك كما صانه السلف و أخبارهم في ذلك كثيرة مشهورة مع الخلفاء و غيرهم‏ (1) قال الزهري هوان العلم أن يحمله العالم إلى بيت المتعلم‏ (2). اللهم إلا أن تدعو إليه ضرورة و تقتضيه مصلحة دينية راجحة على مفسدة ابتذاله و يحسن فيه نية صالحة فلا بأس و ما أحسن ما أنشده القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني‏ (3) لنفسه‏

يقولون لي فيك انقباض و إنما* * * رأوا رجلا عن موضع الذل أحجما

أرى الناس من داناهم هان عندهم‏* * * و من أكرمته عزة النفس أكرما

و ما كل برق لاح لي يستفزني‏* * * و لا كل من لاقيت أرضاه منعما

و إني إذا ما فاتني الأمر لم أبت‏* * * أقلب كفي نحوه متندما

و لم أقض حق العلم إن كان كلما* * * بدا طمع صيرته لي سلما

إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى‏* * * و لكن نفس الحر تحتمل الظمأ

و لم أبتذل في خدمة العلم مهجتي‏* * * لأخدم من لاقيت لكن لأخدما

أ أسقى به عزا و أسقيه ذلة (4)* * * إذا فاتباع الجهل قد كان أحزما

و لو أن أهل العلم صانوه صانهم‏* * * و لو عظموه في النفوس لعظما

و لكن أذلوه فهان و دنسوا* * * محياه بالأطماع حتى تجهما (5).

____________

(1)- منها ما جرى للخليل بن أحمد الفراهيدي مع سليمان بن حبيب والي فارس و الأهواز. انظر ذلك في «وفيات الأعيان» ج 2/ 245- 246؛ «تهذيب التهذيب» ج 3/ 163؛ «أمالي القالي» ج 2/ 269.

(2)- «تذكرة السامع»/ 16. و الزهري هو أبو بكر محمّد بن مسلم بن عبيد اللّه بن شهاب الزهري المتوفى في سنة 124 ه.

و قيل غيرها. انظر ترجمته و مصادر ترجمته في «وفيات الأعيان» ج 4/ 177- 179؛ و «الأعلام» ج 7/ 97.

(3)- وردت ترجمته في «وفيات الأعيان» ج 1/ 278- 281؛ «طبقات الشافعية» ج 3/ 459- 462؛ «المنتظم» ج 7/ 221- 222؛ «يتيمة الدهر» ج 4/ 3- 26؛ «معجم المؤلّفين» ج 7/ 123.

(4)- هذا المصراع في «أدب الدنيا و الدين»/ 92؛ و «تذكرة السامع»/ 17؛ و «معجم الأدباء» ج 14/ 18؛ و «طبقات الشافعية» ج 3/ 461؛ و «يتيمة الدهر» ج 4/ 22 و غيرها هكذا: «أ أشقى به غرسا و أجنيه ذلّة».

(5)- قال ابن خلّكان في «وفيات الأعيان» ج 1/ 279- بعد ذكر البيت الأوّل من هذه الأبيات-: «هي أبيات طويلة و مشهورة فلا حاجة إلى ذكرها»؛ و اعلم أنّ هذه الأشعار كلها أو بعضها نقلت في كتب متعدّدة، و هي:

«أدب الدنيا و الدين»/ 92؛ «معجم الأدباء» ج 14/ 17- 18؛ «طبقات الشافعية» ج 3/ 460- 461؛-

181

الثالث‏

[3-] أن يكون عاملا بعلمه‏

زيادة على ما تقدم في الأمر المشترك قال الله تعالى‏ أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ‏ الآية (1).

وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (2)

مَنْ صَدَّقَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ وَ مَنْ لَمْ يُصَدِّقْ قَوْلَهُ فِعْلُهُ فَلَيْسَ بِعَالِمٍ‏

(3)

وَ عَنْهُ (ع)

الْعِلْمُ مَقْرُونٌ إِلَى الْعَمَلِ فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ وَ مَنْ عَمِلَ عَلِمَ وَ الْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ فَإِنْ أَجَابَهُ وَ إِلَّا ارْتَحَلَ‏

(4)

وَ عَنْهُ (ع)

إِنَّ الْعَالِمَ إِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ زَلَّتْ مَوْعِظَتُهُ عَنِ الْقُلُوبِ كَمَا يَزِلُّ الْمَطَرُ عَنِ الصَّفَا

(5)

وَ قَالَ عَلِيٌّ (ع)

قَصَمَ ظَهْرِي عَالِمٌ مُتَهَتِّكٌ وَ جَاهِلٌ مُتَنَسِّكٌ فَالْجَاهِلُ يَغُشُّ النَّاسَ بِتَنَسُّكِهِ وَ الْعَالِمُ يُنَفِّرُهُمْ بِتَهَتُّكِهِ‏

(6)

____________

- «الإعجاز و الإيجاز»/ 195؛ «المنتظم» ج 7/ 221؛ «يتيمة الدهر» ج 4/ 22؛ «تذكرة السامع»/ 17؛ «محاضرات الأدباء» ج 1/ 34؛ «تنبيه الخواطر» ج 2/ 272؛ «كنز الفوائد» ج 1/ 138- 139، و غيرها.

(1)- سورة البقرة (2): 44.

(2)- سورة فاطر (35): 28.

(3)- «الكافي» ج 1/ 37، كتاب فضل العلم، باب صفة العلماء، الحديث 2، و فيه: «من لم يصدّق فعله قوله».

(4)- «الكافي» ج 1/ 44، كتاب فضل العلم، باب صفة العلماء، الحديث 2. و مثله في «غرر الحكم» ج 2/ 87، الحديث 1944.

(5)- «الكافي» ج 1/ 44، كتاب فضل العلم، باب استعمال العلم، الحديث 3.

(6)- «إحياء علوم الدين» ج 1/ 52؛ «ميزان العمل»/ 136، و فيهما: «يغرّ» في الموضعين، بدل «يغشّ» و «ينفّر»؛ و في «بحار الأنوار»- نقلا عن «منية المريد»-: «يغرّهم» بدل «ينفّرهم»؛ و في «الذريعة إلى مكارم الشريعة»/ 125، كما في المتن، إلّا أنّ فيه: «يغرّ» بدل «يغشّ»؛ و في «الأنوار النعمانية» ج 3/ 347- نقلا عن «منية المريد»- كما في المتن. و في «عوالي اللآلي» ج 4/ 71، مثله بالمعنى عن الصادق (عليه السلام)، و فيه:

«يصدّ النّاس» في الموضعين؛ و أيضا مثله بنحو أبسط في «الخصال» ج 1/ 80، باب الاثنين، الحديث 103.

و في «غرر الحكم» ج 6/ 98، الحديث 9665: «ما قصم ظهري إلّا رجلان: عالم متهتّك و جاهل متنسّك؛ هذا ينفّر عن حقّه بهتكه، و هذا يدعو إلى باطله بنسكه»؛ و في «علم القلوب»/ 149: «قال علي رضي اللّه عنه:-

182

و قد أنشد ذلك بعضهم‏ (1) فقال‏

فساد كبير عالم متهتك‏* * * و أكبر منه جاهل متنسك‏

هما فتنة للعالمين عظيمة* * * لمن بهما في دينه يتمسك‏

.

الرابع‏

[4-] زيادة حسن الخلق فيه‏

و التواضع على‏ (2) الأمر المشترك و تمام الرفق و بذل الوسع في تكميل النفس فإن العالم الصالح في هذا الزمان بمنزلة نبي من الأنبياء

كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ص‏

عُلَمَاءُ أُمَّتِي كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ‏

(3)

. بل هم في هذا الزمان أعظم لأن أنبياء بني إسرائيل كان يجتمع منهم في العصر الواحد ألوف و الآن لا يوجد من العلماء إلا الواحد بعد الواحد و متى كان كذلك فليعلم أنه قد علق في عنقه أمانة عظيمة و حمل أعباء من الدين ثقيلة فليجتهد في الدين جهده و ليبذل في التعليم جده عسى أن يكون من الفائزين.

____________

- ما قطع ظهري في الإسلام إلّا رجلان: مبتدع ناسك و عالم فاجر؛ فالعالم الفاجر يزهد النّاس في علمه لما يرون من فجوره، و المبتدع الناسك يرغب النّاس في بدعته لما يرون من نسكه، و عمل قليل في السنة خير من عمل كثير في البدعة».

(1)- قال في «تعليم المتعلّم»/ 5: «و أنشدني ... برهان الدين صاحب «الهداية» لبعضهم: فساد كبير ... البيتين».

(2)- حرف الجرّ «على» متعلّق ب «زيادة»، أي زيادة على الأمر المشترك بينهما.

(3)- «تحرير الأحكام الشرعية» ج 1/ 3؛ «تذكرة الأولياء»/ 9؛ «عوالي اللآلي» ج 4/ 77، الحديث 67؛ «بحار الأنوار» ج 2/ 22، الحديث 67، نقلا عن «عوالي اللآلي». قال في «مصابيح الأنوار» ج 1/ 434- في شرح هذا الحديث-: «و هذا الحديث لم نقف عليه في أصولنا و أخبارنا بعد الفحص و التتبّع، و الظاهر أنّه من موضوعات العامّة و ممّن صرّح بوضعه من علمائنا المحدّث الحرّ العامليّ في «الفوائد الطوسية» و المحدّث الشريف الجزائريّ. و كيف كان فيمكن توجيهه بوجهين؛ الأوّل: أنّ المراد بالعلماء الأئمّة، و وجه الشبه العصمة أو الحجيّة على الخلق أو الفضل عند اللّه، و ذلك لا ينافي ما ثبت من كون كلّ من الأئمّة أفضل من كلّ واحد من أنبياء بني إسرائيل، لأنّ المراد التشبيه بالمجموع، و لو سلّم يكون من عكس التشبيه و هو شائع، و يؤيّد هذا الوجه ما تضافر من الأخبار الواردة عن الأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، و من قولهم (ع): نحن العلماء و شيعتنا المتعلّمون، و سائر النّاس غثاء. الثاني ...».

و قال الشهيد آية اللّه القاضي الطباطبائي في تعاليقه على «الأنوار النعمانية» ج 3/ 347: «هذا الحديث مذكور في كثير من الكتب المتداولة و مذكور في الألسنة و لكن لم يوجد في الجوامع الحديثية للإمامية من روايته و سنده عين و لا أثر، بل صرّح جمع من مهرة المحدّثين و أساتذتهم أنّه من موضوعات العامّة». و قال في «كشف الخفاء» ج 2/ 83: «قال السيوطي: لا أصل له».

183

وَ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) يَقُولُ‏

إِنَّ لِلْعَالِمِ ثَلَاثَ عَلَامَاتٍ الْعِلْمَ وَ الْحِلْمَ وَ الصَّمْتَ وَ لِلْمُتَكَلِّفِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ يُنَازِعُ مَنْ فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ وَ يَظْلِمُ مَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ وَ يُظَاهِرُ الظَّلَمَةَ

(1)

وَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ رَفَعَهُ‏ (2) قَالَ‏

قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (ع) يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ لِي إِلَيْكُمْ حَاجَةٌ اقْضُوهَا لِي قَالُوا قُضِيَتْ حَاجَتُكَ يَا رُوحَ اللَّهِ فَقَامَ فَغَسَلَ أَقْدَامَهُمْ فَقَالُوا كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا يَا رُوحَ اللَّهِ فَقَالَ إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْخِدْمَةِ الْعَالِمُ إِنَّمَا تَوَاضَعْتُ هَكَذَا لِكَيْمَا تَتَوَاضَعُوا بَعْدِي فِي النَّاسِ كَتَوَاضُعِي لَكُمْ ثُمَّ قَالَ عِيسَى (ع) بِالتَّوَاضُعِ تُعْمَرُ الْحِكْمَةُ لَا بِالتَّكَبُّرِ وَ كَذَلِكَ فِي السَّهْلِ يَنْبُتُ الزَّرْعُ لَا فِي الْجَبَلِ‏

(3)

. الخامس‏ (4)

[5-] أن لا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية

فربما عسر على كثير من المبتدءين بالاشتغال تصحيح النية لضعف نفوسهم و انحطاطها عن إدراك السعادة الآجلة و قلة أنسهم بموجبات تصحيحها فالامتناع من تعليمهم يؤدي إلى تفويت كثير من العلم مع أنه يرجى ببركة العلم تصحيحها إذا أنس بالعلم. و قد قال بعضهم طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله‏ (5) معناه صارت [كانت‏] عاقبته أن صار لله. و عن الحسن لقد طلب أقوام العلم ما أرادوا به الله و لا ما عنده فما زال بهم العلم حتى أرادوا به الله و ما عنده‏ (6).

____________

(1)- «الكافي» ج 1/ 37، كتاب فضل العلم، باب صفة العلماء، الحديث 7.

(2)- للاطّلاع على معنى الحديث المرفوع راجع «شرح البداية»/ 30- 31.

(3)- «الكافي» ج 1/ 37، كتاب فضل العلم، باب صفة العلماء، الحديث 6.

(4)- لاحظ «شرح المهذب» ج 1/ 50- 51.

(5)- «أدب الدنيا و الدين»/ 89، حكاه عن الثوري؛ «تذكرة السامع»/ 47؛ «جامع بيان العلم و فضله» ج 2/ 27- 28؛ «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 21؛ «شرح المهذب» ج 1/ 51؛ «اختصار علوم الحديث»/ 53.

(6)- «سنن الدارميّ» ج 1/ 102؛ «جامع بيان العلم و فضله» ج 2/ 28. و القائل هو الحسن بن يسار البصري-

184

لكن يجب على المعلم إذا أشعر من المتعلم فساد النية أن يستدرجه بالموعظة الحسنة و ينبهه على خطر العلم الذي لا يراد به الله و يتلو عليه من الأخبار الواردة في ذلك حالا فحالا حتى يقوده إلى القصد الصحيح فإن لم ينجع ذلك و يئس منه قيل يتركه حينئذ و يمنعه من التعلم فإن العلم لا يزيده إلا شرا و إلى ذلك أشار

عَلِيٌّ (ع) بِقَوْلِهِ:

لَا تُعَلِّقُوا الْجَوَاهِرَ فِي أَعْنَاقِ الْخَنَازِيرِ

(1)

وَ عَنِ الصَّادِقِ (ع) قَالَ‏

قَامَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (ع) خَطِيباً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تُحَدِّثُوا الْجُهَّالَ بِالْحِكْمَةِ فَتَظْلِمُوهَا وَ لَا تَمْنَعُوهَا أَهْلَهَا فَتَظْلِمُوهُمْ‏

(2)

. و لقد أحسن القائل‏

و من منح الجهال علما أضاعه‏* * * و من منع المستوجبين فقد ظلم‏ (3)

. و فصل آخرون‏ (4) فقالوا إن كان فساد نيته من جهة الكبر و المراء و نحوهما فالأمر كذلك و إن كان من جهة حب الرئاسة الدنيوية فينبغي مع اليأس من إصلاحه أن لا يمنعه لعدم ثوران المفسدة و تعديها و لأنه لا يكاد يخلص من هذه الرذيلة أحد في البداية فإذا وصل إلى أصل العلم عرف أن العلم إنما يطلب للسعادة الأبدية بالذات و الرئاسة لازمة له قصد أم لم يقصد.

____________

- المعروف بالحسن البصري (21- 110 ه.). انظر ترجمته و مصادر ترجمته في «الأعلام» ج 2/ 226- 227.

(1)- «إحياء علوم الدين» ج 1/ 51، و نسبه إلى عيسى بن مريم (عليهما السلام)؛ و في «عيون الأخبار» ج 2/ 124: «قال المسيح (عليه السلام): يا بني إسرائيل! لا تلقوا اللؤلؤ إلى الخنازير، فإنّها لا تصنع به شيئا، و لا تؤتوا الحكمة من لا يريدها، فإنّ الحكمة أفضل من اللؤلؤ، و من لا يريدها شرّ من الخنازير»؛ و مثله في «أدب الدنيا و الدين»/ 89، و على هذا فلا يبعد تصحيف عيسى بعليّ (صلوات اللّه عليه)، في المتن.

(2)- «الكافي» ج 1/ 52، كتاب فضل العلم، باب بذل العلم، الحديث 4.

(3)- أنشأه الشافعي، كما في «طبقات الشافعية» ج 1/ 294؛ و «علم القلوب»/ 43؛ و «محاضرات الأدباء» ج 1/ 46. و نقل في «إحياء علوم الدين» ج 1/ 51؛ و «طبقات الشافعية» ج 1/ 294؛ و «علم القلوب»/ 43 هذا البيت و أربعة أبيات أخر قبله.

(4)- منهم الغزالي في «ميزان العمل»/ 131؛ و الماوردي في «أدب الدنيا و الدين»/ 89. و انظر «إحياء علوم الدين» ج 1/ 49- 50.

185

السادس‏

[6-] بذل العلم عند وجود المستحق و عدم البخل به‏

فإن الله سبحانه أخذ على العلماء من العهود و المواثيق ما أخذه على الأنبياء ليبيننه للناس و لا يكتمونه.

وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ‏

قَرَأْتُ فِي كِتَابِ عَلِيٍّ (ع) إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْخُذْ عَلَى الْجُهَّالِ عَهْداً بِطَلَبِ الْعِلْمِ حَتَّى أَخَذَ عَلَى الْعُلَمَاءِ عَهْداً بِبَذْلِ الْعِلْمِ لِلْجُهَّالِ لِأَنَّ الْعِلْمَ كَانَ قَبْلَ الْجَهْلِ‏

(1)

وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)

فِي هَذِهِ الْآيَةِ

وَ لا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ‏ (2)

قَالَ لِيَكُنِ النَّاسُ عِنْدَكَ فِي الْعِلْمِ سَوَاءً

(3)

وَ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ‏

زَكَاةُ الْعِلْمِ أَنْ تُعَلِّمَهُ عِبَادَ اللَّهِ‏

(4)

. السابع‏

[7-] أن يحترز من مخالفة أفعاله لأقواله‏

و إن كانت على الوجه الشرعي مثل أن يحرم شيئا و يفعله أو يوجب شيئا و يتركه أو يندب إلى فعل شي‏ء و لا يفعله و إن كان فعله ذلك مطابقا للشرع بحسب حاله فإن الأحكام الشرعية تختلف باختلاف الأشخاص كما لو أمر بتشييع الجنائز و باقي أحكامهم و أمر بالصيام و قضاء حوائج المؤمنين و أفعال البر و زيارة قبور الأنبياء و الأئمة و لم يفعل ذلك لاشتغاله بما هو أهم منه بحيث ينافي اشتغاله بما يأمر به ما هو فيه و الحال أنه أفضل أو متعين و حينئذ فالواجب عليه مع خوف التباس الأمر أن يبين الوجه الموجب للمخالفة دفعا للوسواس الشيطاني من قلب السامع‏

كَمَا اتَّفَقَ لِلنَّبِيِّ ص حِينَ رَآهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ لَيْلًا يَمْشِي مَعَ بَعْضِ نِسَائِهِ إِلَى مَنْزِلِهَا فَخَافَ أَنْ‏

____________

(1)- «الكافي» ج 1/ 41، كتاب فضل العلم، باب بذل العلم، الحديث 1. نرجو ممّن يرغب التوضيح حول هذا الحديث مراجعة «شرح أصول الكافي»/ 165.

(2)- سورة لقمان (31): 18.

(3)- «الكافي» ج 1/ 41، كتاب فضل العلم، باب بذل العلم، الحديث 2.

(4)- «الكافي» ج 1/ 41، كتاب فضل العلم، باب بذل العلم، الحديث 3.

186

يَتَوَهَّمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ نِسَائِهِ فَقَالَ لَهُ إِنَّ هَذِهِ زَوْجَتِي فُلَانَةُ

(1)

و نبهه على العلة لخوفه عليه من تلبيس إبليس عليه و إن كان الواجب على السامع من أول الأمر ترك الاعتراض عند اشتباه الحال بل عند احتمال المسوغ إلى أن يتحقق الفساد كما سيأتي إن شاء الله تعالى في آداب المتعلم‏ (2). و بالجملة فمثل العالم و المتعلم في انتقاشه بأخلاقه و أفعاله مثل الفص و الشمع فإنه لا ينتقش في الشمع إلا ما هو منقوش في الفص و قد شاهدنا هذا عيانا في جماعات من طلبة العلم مع مشايخهم على اختلاف أفعالهم و أخلاقهم‏ وَ لا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (3).

الثامن‏

[8-] إظهار الحق بحسب الطاقة من غير مجاملة لأحد

من خلق الله تعالى فإذا رأى من أحد ميلا عن الحق أو تقصيرا في الطاعة وعظه باللطف ثم بالعنف فإن لم يقبل هجره فإن لم ينجع توصل إلى نهيه و رده إلى الحق بمراتب الأمر بالمعروف. و هذا حكم يختص بالعالم زيادة في التكليف عن غيره و إن شاركه غيره من المكلفين في أصل الوجوب لأن العالم بمنزلة الرئيس الذي إليه الأمر و النهي و لقوله أثر في القلوب فعليه في ذلك زيادة تكليف و لذلك‏

قَالَ النَّبِيُّ ص‏

____________

(1)- «صحيح مسلم» ج 4/ 1712، كتاب السلام (39)، الباب 9؛ «إحياء علوم الدين» ج 2/ 178، و هذا نصّه- من «صحيح مسلم»-: «... عن أنس أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان مع إحدى نسائه، فمرّ به رجل فدعاه. فجاء، فقال: يا فلان! هذه زوجتي فلانة. فقال: يا رسول اللّه! من كنت أظنّ به فلم أكن أظنّ بك.

فقال رسول اللّه: إنّ الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم». و روي أيضا بنحو أبسط في «صحيح مسلم» ح 4/ 1712، كتاب السلام (39)، الباب 9؛ و «سنن أبي داود» ج 4/ 298- 299، كتاب الأدب، الحديث 4994، و هذا نصّه: «... عن صفيّة، قالت: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) معتكفا، فأتيته أزوره ليلا، فحدّثته و قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني، و كان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمرّ رجلان من الأنصار. فلمّا رأيا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أسرعا، فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): على رسلكما إنّها صفيّة بنت حيىّ. قالا: سبحان اللّه يا رسول اللّه! قال: إنّ الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا- أو قال: شرّا».

(2)- يأتي في الأمر العاشر من القسم الثاني من النوع الثالث، ص 246.

(3)- اقتباس من الآية الشريفة 14 من سورة فاطر (35): «... يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَ لا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ».

187

إِذَا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ فِي أُمَّتِي فَلْيُظْهِرِ الْعَالِمُ عِلْمَهُ فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ‏

(1)

. و ما جاءت الغفلة في الغالب و استيلاء الجهالة و التقصير عن معرفة الفرائض الدينية و القيام بالوظائف الشرعية و السنن الحنيفية و أداء الصلوات على وجهها إلا من تقصير العلماء عن إظهار الحق على وجهه و إتعاب النفس في إصلاح الخلق و ردهم إلى سلوك سبيل الله‏ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ. بل لا يكتفي علماء السوء بالتقصير عن ذلك حتى يمالئوهم‏ (2) على الباطل و يؤانسوهم فتزيد رغبة الجاهل و انهماك الفاسد و يقل وقار العالم و يذهب ريح العلم و لقد قال بعض العلماء (3) و نعم ما قال إن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خاليا عن المنكر من حيث التقاعد عن إرشاد الناس و تعليمهم معالم الدين و حملهم على المعروف سيما العلماء فإن أكثر الناس جاهلون بالشرع في الواجبات العينية كالصلاة و شرائطها سيما في القرى و البوادي. فيجب كفاية أن يكون في كل بلد و قرية واحد يعلم الناس دينهم باذلا نفسه للإرشاد و التعليم باللطف متوصلا إليه بالرفق و كل ما يكون وسيلة إلى قبولهم و أهمه قطع طمعه عنهم و عن أموالهم فإن من علموا منه الرغبة في شي‏ء من ذلك زهدوا فيه و في علمه و اضمحل أمرهم بسبب ذلك و أما إذا قصد وجه الله تعالى و امتثال أمره وقع ذلك في قلوب الخاصة و العامة و انقادوا لأمره و استقاموا على نهج السداد. و هذا كله إذا لم يكن عليه خطر و لا على أحد من المسلمين ضرر في ذلك و إلا فالله أحق بالعذر.

رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ‏

سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) يَقُولُ وَ عِنْدَهُ رَجُلٌ‏

____________

(1)- «الكافي» ج 1/ 54، كتاب فضل العلم، باب البدع و الرأي و المقاييس، الحديث 2؛ «المحاسن»/ 231، الحديث 176؛ «بحار الأنوار» ج 2/ 72، الحديث 35، نقلا عن «المحاسن».

(2)- «مالأه على الأمر: ساعده و عاونه» ( «المعجم الوسيط» ج 2/ 882، «ملأ»).

(3)- هو الغزالي في «إحياء علوم الدين» ج 2/ 299.

188

مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يُقَالُ لَهُ عُثْمَانُ الْأَعْمَى وَ هُوَ يَقُولُ إِنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ الْعِلْمَ يُؤْذِي رِيحُ بُطُونِهِمْ أَهْلَ النَّارِ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع) فَهَلَكَ إِذاً مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ مَا زَالَ الْعِلْمُ مَكْتُوماً مُنْذُ بَعَثَ اللَّهُ نُوحاً فَلْيَذْهَبِ الْحَسَنُ يَمِيناً وَ شِمَالًا فَوَ اللَّهِ لَا يُوجَدُ الْعِلْمُ إِلَّا هَاهُنَا

(1)

____________

(1)- «الكافي» ج 1/ 51، كتاب فضل العلم، باب النوادر، الحديث 15؛ «بصائر الدرجات»/ 10، الباب 6، الحديث 6، و انظر أيضا الحديث 7؛ «بحار الأنوار» ج 2/ 90- 91، الحديث 16، و انظر أيضا الحديث 17. من أراد شرح هذا الحديث الشريف و توضيحه فليراجع «مرآة العقول» ج 1/ 172- 173؛ و «شرح أصول الكافي»/ 185.

189

القسم الثاني آداب المعلم مع طلبته‏

و يجمعها أمور الأول‏ (1)

[1-] أن يؤدبهم على التدريج بالآداب السَنِيَّة

و الشيم المرضية و رياضة النفس بالآداب الدينية و الدقائق الخفية و يعودهم الصيانة في جميع أمورهم الكامنة و الجلية سيما إذا آنس منهم رشدا. و أول ذلك أن يحرض الطالب على الإخلاص لله تعالى في علمه و سعيه و مراقبة الله تعالى في جميع اللحظات و أن يكون دائما على ذلك حتى الممات و يعرفه أن بذلك ينفتح عليه أبواب المعارف و ينشرح صدره و ينفجر من قلبه ينابيع الحكمة و اللطائف و يبارك له في حاله و علمه و يوفق للإصابة في قوله و فعله و حكمه و يتلو عليه الآثار الواردة في ذلك و يضرب له الأمثال الدالة على ما هنالك و يزهده في الدنيا و يصرفه عن التعلق بها و الركون إليها و الاغترار بزخرفها و يذكره أنها فانية و أن الآخرة باقية و التأهب للباقي و الإعراض عن الفاني هو طريق الحازمين و دأب عباد الله الصالحين و أنها إنما جعلت ظرفا و مزرعة لاقتناء الكمال و وقتا للعلم و العمل فيها ليحرز ثمرته في دار الإقبال بصالح الأعمال.

الثاني‏ (2)

[2-] أن يرغبهم في العلم‏

و يذكرهم بفضائله و فضائل العلماء و أنهم ورثة الأنبياء ص و أنهم على منابر من نور يغبطهم الأنبياء و الشهداء و نحو ذلك مما ورد في فضائل العلم و العلماء من الآيات و الأخبار و الآثار و الأشعار

____________

(1)- لاحظ «شرح المهذب» ج 1/ 51.

(2)- لاحظ «شرح المهذب» ج 1/ 51؛ «تذكرة السامع»/ 48- 49.

190

و الأمثال ففي الأدلة الخطابية و الأمارات الشعرية هز عظيم للنفوس الإنسانية و يرغبهم مع ذلك بالتدريج على ما يعين عليه من الاقتصار على الميسور و قدر الكفاية من الدنيا و القناعة بذلك عما يشغل القلب من التعلق بها و تفريق الهم بسببها.

الثالث‏

[3-] أن يحب لهم ما يحب لنفسه‏

و يكره لهم ما يكره لنفسه من الشر فإن ذلك من تمام الإيمان و مقتضى المواساة

فَفِي صَحِيحِ الْأَخْبَارِ

لَا يَؤُمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ‏

(1)

. و لا شك أن المتعلم أفضل الإخوان بل الأولاد كما سيأتي‏ (2) فإن العلم قرب روحاني و هو أجل من الجسماني‏

" وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏

أَكْرَمُ النَّاسِ عَلَيَّ جَلِيسِيَ الَّذِي يَتَخَطَّى النَّاسَ حَتَّى يَجْلِسَ إِلَيَّ لَوِ اسْتَطَعْتُ أَنْ لَا يَقَعَ الذُّبَابُ عَلَيْهِ لَفَعَلْتُ وَ فِي رِوَايَةٍ إِنَّ الذُّبَابَ لَيَقَعُ عَلَيْهِ فَيُؤْذِينِي‏

(3)

وَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ‏

دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَبَلِ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ (ع) فَقَالَ لَهُ عِنْدَ الْوَدَاعِ أَوْصِنِي فَقَالَ عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ بِرَّ أَخَاكَ‏

(4)

الْمُؤْمِنَ وَ أَحِبَّ لَهُ كَمَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَ اكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ وَ إِنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ وَ إِنْ كَفَّ عَنْكَ فَاعْرِضْ عَلَيْهِ وَ لَا تُمِلَّهُ خَيْراً وَ إِنَّهُ لَا يَمَلُّ لَكَ‏

(5)

كُنْ لَهُ عَضُداً وَ إِنَّهُ لَكَ عَضُدٌ وَ إِنْ وَجَدَ عَلَيْكَ فَلَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَسْأَلَ [تَسُلَ‏]

____________

(1)- «صحيح البخاريّ» ج 1/ 95، كتاب الإيمان، الحديث 12؛ «صحيح مسلم» ج 1/ 67، كتاب الإيمان (1)، الباب 17؛ «الجامع الصغير» ج 2/ 204، حرف لا؛ «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 19؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 51.

(2)- الظاهر أنّ مراده ما سيأتي في الأمر الرابع عشر من هذا القسم، ص 199؛ و الأمر الثاني من القسم الثاني من النوع الثالث من هذا الباب، ص 240- 242؛ و الأمر الرابع من القسم الثالث من النوع الثاني من هذا الباب، ص 206.

(3)- «عيون الأخبار» ج 1/ 307- 308؛ «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 111- 112؛ «تذكرة السامع»/ 49؛ «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 29؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 51.

(4)- مفعول ل «برّ» فعل أمر من برّ، يبرّ، و عطف على «عليك»، و في «أمالي الطوسيّ» ج 1/ 94؛ و «بحار الأنوار» ج 74/ 225: «أخيك» بدل «أخاك» و عليه فهو مضاف إليه ل «برّ» و «برّ» مصدر مجرور عطف على «تقوى اللّه».

(5)- «الظاهر أنّه من أمليته بمعنى تركته و أخرته، و الإملاء، أي الإمهال، و لامه ياء؛ و أمّا الإملال من «ملّ» فبعيد،-

191

سَخِيمَتَهُ وَ إِنْ غَابَ فَاحْفَظْهُ فِي غَيْبَتِهِ وَ إِنْ شَهِدَ فَاكْفِهِ وَ اعْضُدْهُ وَ آزِرْهُ وَ أَكْرِمْهُ وَ الْطُفْهُ فَإِنَّهُ مِنْكَ وَ أَنْتَ مِنْهُ‏

(1)

. و كل خير ورد في حقوق الإخوان‏ (2) آت هنا مع زيادة

الرابع‏

[4-] أن يزجره عن سوء الأخلاق و ارتكاب المحرمات و المكروهات‏

أو ما يؤدي إلى فساد حال أو ترك اشتغال أو إساءة أدب أو كثرة كلام لغير فائدة أو معاشرة من لا تليق به عشرته أو نحو ذلك بطريق التعريض ما أمكن لا بطريق التصريح مع الغنى عنه و بطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ فإن التصريح يهتك حجاب الهيبة و يورث الجرأة على الهجوم بالخلاف و يهيج الحرص على الإصرار

وَ قَدْ وَرَدَ

لَوْ مُنِعَ النَّاسُ عَنْ فَتِّ الْبَعْرِ لَفَتُّوهُ وَ قَالُوا مَا نُهِينَا عَنْهُ إِلَّا وَ فِيهِ شَيْ‏ءٌ

(3)

. و في المعنى أنشد بعضهم‏

النفس تهوى من يجور و يعتدي‏* * * و النفس مائلة إلى الممنوع‏

و لكل شي‏ء تشتهيه طلاوة* * * مدفوعة إلا عن الممنوع‏ (4).

و انظر إرشاد رسول الله ص و تلطفه مع الأعرابي الذي بال في‏

____________

- كما قاله المولى صالح شارح «الكافي». و قال الفيض في «الوافي»: قوله: لا تمله خيرا و لا يملّ لك، أي لا تسأمه من جهة إكثارك الخير، و لا يسأم هو من جهة إكثاره الخير لك، يقال: مللته و مللت منه؛ إذا سأمه» ( «المحجة البيضاء» ج 3/ 355، الهامش؛ «الكافي» ج 2/ 170، الهامش).

(1)- «أمالي الطوسيّ» ج 1/ 94- 95، و فيه: «حتى تحلّ سخيمته»، و: «فأكنفه» بدل «فاكفه»؛ «بحار الأنوار» ح 74/ 225، كتاب العشرة، الباب 15، الحديث 14، و فيه: «حتى تسلّ سخيمته»؛ و مثل هذا الحديث مع زيادة في «الكافي» ج 2/ 170، كتاب الإيمان و الكفر، باب حقّ المؤمن على أخيه و أداء حقّه، الحديث 5، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

(2)- راجع «مصادقة الإخوان»/ 38- 42؛ و «الكافي» ج 2/ 169- 174، كتاب الإيمان و الكفر، باب حقّ المؤمن على أخيه و أداء حقّه.

(3)- في «إحياء علوم الدين» ج 1/ 50؛ و «الذريعة إلى مكارم الشريعة»/ 120؛ و «ميزان العمل»/ 132، نسب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؛ و لكن قال العراقي في «المغني» ج 1/ 50- المطبوع بهامش «الإحياء»-: «حديث لو منع الناس عن فتّ البعر لفتّوه، لم أجده.»

(4)- لم أقف على ناظمه.

192

المسجد (1) و مع معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة (2). فإن انزجر لذكائه بما ذكر من الإشارة فبها و نعمت و إلا نهاه سرا فإن لم ينته نهاه جهرا و يغلظ القول عليه إن اقتضاه الحال لينزجر هو و غيره و يتأدب به كل سامع فإن لم ينته فلا بأس حينئذ بطرده و الإعراض عنه إلى أن يرجع سيما إذا خاف على بعض رفقته من الطلبة موافقته. و كذلك يتعهد ما يعامل به بعض الطلبة بعضا من إفشاء السلام و حسن التخاطب في الكلام و التحابب و التعاون على البر و التقوى و على ما هم بصدده. و بالجملة فكما يعلمهم مصالح دينهم لمعاملة الله تعالى يعلمهم مصالح دنياهم لمعاملة الناس فيكمل لهم فضيلة الحالتين.

الخامس‏ (3)

[5-] أن لا يتعاظم على المتعلمين‏

بل يلين لهم و يتواضع قال تعالى‏

____________

(1)- «إحياء علوم الدين» ج 2/ 337؛ «سنن أبي داود» ج 1/ 103، كتاب الطهارة، الحديث 380؛ «سنن ابن ماجة» ج 1/ 176، كتاب الطهارة، الباب 78، الأحاديث 528- 530. و إليك نصّ واحد منها؛ من «سنن ابن ماجة»، الحديث 529: «... دخل أعرابيّ المسجد و رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏] جالس، فقال: اللّهمّ اغفر لي و لمحمّد و لا تغفر لأحد معنا. فضحك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قال: لقد احتظرت واسعا. ثمّ ولّى، حتّى إذا كان في ناحية المسجد فشج يبول؛ فقال الأعرابيّ- بعد أن فقه-: فقام إلىّ بأبي و أميّ، فلم يؤنّب و لم يسبّ، فقال: إنّ هذا المسجد لا يبال فيه، و إنّما بني لذكر اللّه و للصلاة، ثمّ أمر بسجل من ماء فأفرغ على بوله».

(2)- «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 136- 137؛ «سنن الدارميّ» ج 1/ 353- 354؛ «سنن أبي داود» ج 1/ 244- 245، كتاب الصلاة، الحديثان 930- 931، و إليك نصّ واحد منها- من «سنن أبي داود» ج 1/ 245، الحديث 931-: «... عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: لمّا قدمت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) علمت أمورا من أمور الإسلام، فكان فيما علمت أن قال لي: إذا عطست فاحمد اللّه، و إذا عطس العاطس فحمد اللّه فقل يرحمك اللّه. قال: فبينما أنا قائم مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الصلاة إذا عطس رجل فحمد اللّه، فقلت: يرحمك اللّه رافعا بها صوتي، فرماني الناس بأبصارهم حتّى احتملني ذلك، فقلت:

ما لكم تنظرون إليّ بأعين شزر؟ قال: فسبحوا، فلمّا قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الصلاة قال: من المتكلّم؟ قيل: هذا الأعرابي، فدعاني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال لي: إنّما الصلاة لقراءة القرآن و ذكر اللّه جلّ و عزّ، فإذا كنت فيها فليكن ذلك شأنك. فما رأيت معلّما قطّ أرفق من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)».

(3)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 64- 66؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 52.

193

وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (1)

وَ قَالَ ص‏

إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا

(2)

وَ قَالَ ص‏

مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَ مَا زَادَ اللَّهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلَّا عِزّاً وَ مَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ‏

(3) و هذا في التواضع لمطلق الناس فكيف بهؤلاء الذين هم معه كالأولاد مع ما هم عليه من ملازمتهم له و اعتمادهم عليه في طلب العلم النافع و مع ما هم عليه من حق الصحبة و حرمة التردد و شرف المحبة و صدق التودد.

وَ فِي الْخَبَرِ عَنْهُ ص‏

عَلِّمُوا وَ لَا تُعَنِّفُوا فَإِنَّ الْمُعَلِّمَ خَيْرٌ مِنَ الْمُعَنِّفِ‏

(4)

وَ عَنْهُ ص‏

لِينُوا لِمَنْ تُعَلِّمُونَ وَ لِمَنْ تَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ‏

(5)

. و قد تقدم‏ (6) خبر عيسى (ع) مع الحواريين و غسله أقدامهم و غيره من الأخبار.

____________

(1)- سورة الشعراء (26): 215.

(2)- «سنن أبي داود» ج 4/ 274، كتاب الأدب، الحديث 4895؛ «الجامع الصغير» ج 1/ 68، حرف الهمزة؛ «الأذكار»/ 311؛ «إحياء علوم الدين» ج 2/ 172؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 52.

(3)- «شرح المهذّب» ج 1/ 52؛ «مسند أحمد» ج 2/ 386؛ «إحياء علوم الدين» ج 2/ 172؛- و مثله في «الكافي» ج 2/ 121، كتاب الإيمان و الكفر، باب التواضع، الحديث 1-؛ «الجامع الصغير» ج 2/ 153، حرف الميم.

(4)- «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 137؛ «الجامع الصغير» ج 2/ 62، حرف العين؛ «أدب الدنيا و الدين»/ 93؛ «كنز العمّال» ج 10/ 241، الحديث 29331؛ «جامع بيان العلم و فضله» ج 1/ 155.

(5)- «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 113؛ «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 20؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 52؛ «تذكرة السامع»/ 65. و في «إحياء علوم الدين» ج 3/ 153؛ و «أدب الدنيا و الدين»/ 93؛ و «محاضرات الأدباء» ج 1/ 45: «وقّروا» بدل «لينوا». و مثله مع زيادة في «الكافي» ح 1/ 36، كتاب فضل العلم، باب صفة العلماء، الحديث 1، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

(6)- مرّ في الأمر الرابع من القسم الأوّل من النوع الثاني، ص 182- 183؛ و هو في «الكافي» ج 1/ 37، كتاب فضل العلم، باب صفة العلماء، الحديث 6.

194

فعلى المعلم تحسين خلقه مع المتعلمين زيادة على غيرهم و التلطف بهم إذا لقيهم و البشاشة و طلاقة الوجه و إظهار البشر و حسن المودة و إعلام المحبة و إظهار الشفقة و الإحسان إليهم بعلمه و جاهه حسب ما يمكن. و ينبغي أن يخاطب كلا منهم سيما الفاضل المتميز بكنيته و نحوها من أحب الأسماء إليه و ما فيه تعظيم له و توقير فلقد

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص يُكَنِّي أَصْحَابَهُ إِكْرَاماً لَهُمْ‏

(1)

فإن ذلك و نحوه أشرح لصدورهم و أبسط لسؤالهم و أجلب لمحبتهم. و يزيد في ذلك لمن يرجو فلاحه و يظهر صلاحه و ليمتثل‏

وَصِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ص فِي قَوْلِهِ:

إِنَّ النَّاسَ لَكُمْ تَبَعٌ وَ إِنَّ رِجَالًا يَأْتُونَكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ فَإِذَا أَتَوْكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْراً

(2)

. و بالجملة فالعالم بالنسبة إلى المتعلم كالطبيب للمريض فكل ما يرجو به شفاءه فليفعله فإن داء الجهالة النفسانية أقوى من الأدواء البدنية. و قد يتفق كون خلاف ما ذكرناه هو الصلاح و الدواء كما يختلف ذلك باختلاف الأمزجة و الطباع.

السادس‏ (3)

[6- السؤال عن أحوال الغائب زائدا على العادة]

و هو من جنس السابق إذا غاب أحد منهم أو من ملازمي الحلقة زائدا على العادة سأل عنه و عن أحواله و موجب انقطاعه فإن لم يخبر عنه بشي‏ء أرسل إليه أو قصد منزله بنفسه و هو أفضل كما

كَانَ يَفْعَلُ رَسُولُ اللَّهِ‏

____________

(1)- في «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 119؛ و «شرح المهذّب» ج 1/ 52: «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، يكنّي أصحابه إكراما لهم»؛ و في «إحياء علوم الدين» ج 2/ 323: «و لقد كان يدعو أصحابه بكناهم إكراما لهم و استمالة لقلوبهم، و يكنّي من لم تكن له كنية فكان يدعى بما كنّاه»؛ و راجع أيضا «المغني»- المطبوع بذيل «الإحياء»- ج 2/ 323.

(2)- «سنن الترمذي» ج 5/ 30، كتاب العلم، الباب 4، الحديث 2650؛ «كنز العمّال» ج 10/ 246، الحديث 29314؛ «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 18؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 46.

(3)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 61- 63.

195

ص مَعَ أَصْحَابِهِ‏ (1)

فَإِنْ كَانَ مَرِيضاً عَادَهُ أَوْ فِي غَمٍّ خَفَّضَ عَنْهُ أَوْ مُسَافِراً تَفَقَّدَ أَهْلَهُ وَ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ وَ يَسْأَلُ عَنْهُمْ وَ تَعَرَّضَ لِحَوَائِجِهِمْ وَ وَصَلَهُمْ بِمَا أَمْكَنَ وَ إِنْ لَمْ يَحْتَاجُوا إِلَيْهِ فِي شَيْ‏ءٍ تَوَدَّدَ وَ دَعَا.

السابع‏

[7-] أن يستعلم أسماء طلبته‏

و حاضري مجلسه و أنسابهم و كناهم و مواطنهم و أحوالهم و يكثر الدعاء لهم و في الحديث المسلسل‏ (2) بالسؤال عن الاسم و الكنية و البلد و أين أنزل غنية في ذلك.

الثامن‏

[8-] أن يكون سمحا ببذل ما حصله من العلم‏

سهلا بإلقائه إلى مبتغيه‏

____________

(1)- «الجامع الصغير» ج 2/ 109، حرف الكاف؛ «مكارم الأخلاق»/ 29، و فيه: «كان رسول اللّه إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيّام سأل عنه، فإن كان غائبا دعا له، و إن كان شاهدا زاره، و إن كان مريضا عاده»؛ و قال المناوي في «فيض القدير» ج 5/ 152: «... و أخذ منه أنّه ينبغي للعالم إذا غاب بعض الطلبة فوق المعتاد أن يسأل عنه، فإن لم يخبر عنه بشي‏ء أرسل إليه، أو قصد منزله بنفسه و هو أفضل، فإن كان مريضا عاده، أو في غمّ خفّض عليه، أو في أمر يحتاج لمعونة أعانه، او مسافرا تفقّد أهله، و تعرّض لحوائجهم و وصلهم بما أمكن و إلّا تودّد إليه و دعا له».

(2)- «الحديث المسلسل: ما تتابع فيه رجال الأسناد على صفة كالتشبيك بالأصابع، أو حالة كالقيام في الراوي للحديث؛ سواء كانت تلك الصفة أو الحالة قولا، كقوله: سمعت فلانا يقول: إلى المنتهى- أي منتهى الإسناد-؛ أو: أخبرنا فلان و اللّه، قال: أخبرنا فلان و اللّه، إلى آخر الإسناد؛ ... أو فعلا كحديث التشبيك باليد ...؛ أو بهما، أي بالقول و الفعل ...» ( «شرح البداية»/ 38) و على هذا فيريد المؤلّف (رحمه اللّه) من قوله:

«الحديث المسلسل بالسؤال ...» الحديث الذي سنده هكذا مثلا: حدّثني شيخي فلان و سألني عن اسمي و كنيتي و بلدي و أين أنزل، قال: حدّثني شيخي فلان و سألني عن اسمي و كنيتي و بلدي و أين أنزل ... و هكذا.

و ورد هذا الحديث المسلسل الذي أشار إليه المؤلّف (رحمه اللّه)، في «الجواهر المكلّلة في الأحاديث المسلسلة»/ 126، في ذيل الحديث الثامن و الخمسون، و فيه: «... و نحو هذا من المسلسلات ما ذكره الكتاني مسلسلا بقول: سألني عن اسمي و كنيتي و نسبي و بلدي و أين أنزل، ممّا اتّصل للسلفي من جهة الحسين بن علي ابن يزيد الرفاعي عن أبي يعلى الموصلي الحافظ عن هدبة بن خالد عن حمّاد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس رضي اللّه عنه، قال: لقيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فسألني كما سألتك، و قال: يا أنس، أكثر من الأصدقاء؛ فإنّكم شفعاء بعضكم على بعض. و كذا أورده مسلسلا الديلميّ في مسنده من طريق محمّد بن النضر الموصلي عن أبي يعلى ...». و راجع «الفردوس بمأثور الخطاب» ج 5/ 365، الحديث 845.

و في «الكافي» ج 2/ 671، كتاب العشرة، باب النوادر، الحديث 3: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا أحبّ أحدكم أخاه المسلم فليسأله عن اسمه و اسم أبيه و اسم قبيلته و عشيرته؛ فإنّ من حقّه الواجب و صدق الإخاء أن يسأله عن ذلك، و إلّا فإنّها معرفة حمق.»؛ و مثله في «مسند الإمام موسى بن جعفر» (عليهما السلام)، ص 46، الحديث 20، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

196

متلطفا في إفادة طالبيه مع رفق و نصيحة و إرشاد إلى المهمات و تحريص على حفظ ما يبذله لهم من الفوائد النفيسات و لا يدخر عنهم من أنواع العلم شيئا يحتاجون إليه أو يسألون إذا كان الطالب أهلا لذلك. و ليكتم عنهم ما لم يتأهلوا له من المعارف لأن ذلك مما يفرق الهم و يفسد الحال فإن سأله الطالب شيئا من ذلك نبهه على أن ذلك يضره و أنه لم يمنعه منه شحا بل شفقة و لطفا ثم يرغبه بعد ذلك في الاجتهاد و التحصيل ليتأهل لذلك و غيره. و قد روي في تفسير «الرباني» أنه الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره‏ (1).

التاسع‏

[9-] صد المتعلم أن يشتغل بغير الواجب قبله‏

و بفرض الكفاية قبل فرض العين و من فرض العين إصلاح قلبه و تطهير باطنه بالتقوى و يقدم على ذلك مؤاخذته هو نفسه بذلك ليقتدي المتعلم أولا بأعماله ثم يستفيد ثانيا من أقواله و كذلك يمنعه من علم الأدب قبل السنة و هكذا.

العاشر (2)

[10-] أن يكون حريصا على تعليمهم‏

باذلا وسعه في تفهيمهم و تقريب الفائدة إلى أفهامهم و أذهانهم مهتما بذلك مؤثرا له على حوائجه و مصالحه ما لم يكن ضرورة إلى ما هو أرجح منه و لا يدخر من نصحهم شيئا و يفهم كل واحد منهم بحسب فهمه و حفظه و لا يعطيه ما لا يحتمله ذهنه و لا يبسط الكلام بسطا لا يضبطه حفظه و لا يقصر به عما يحتمله بلا مشقة و يخاطب كل واحد منهم على قدر درجته و بحسب فهمه فيلقي للمتميز الحاذق الذي يفهم المسألة فهما محققا بالإشارة و يوضح لغيره لا سيما متوقف الذهن و يكررها لمن لا يفهمها إلا بتكرار و يبدأ بتصوير المسألة ثم يوضحها بالأمثلة إن احتيج إليه و يذكر الأدلة و المآخذ

____________

(1)- «صحيح البخاريّ» ج 2/ 31، كتاب العلم، ذيل الحديث 66، و فيه: «قال ابن عبّاس: كونوا ربّانيّين: حلماء فقهاء.

و يقال: الربّانيّ: الّذي يربّي الناس بصغار العلم قبل كباره».

(2)- لاحظ «شرح المهذّب» ج 1/ 52.

197

لمحتملها و يبين الدليل المعتمد ليعتمد و الضعيف لئلا يغتر به فيقول استدلوا بكذا و هو ضعيف لكذا مراعيا في ذلك ما يجب مراعاته مع من يضعف قوله من العلماء بأن يقصد مجرد بيان الحق حيث يتوقف على ذلك لا رفع نفسه على غيره و لا هضم غيره. و يبين أسرار حكم المسألة و عللها و توجيه الأقوال و الأوجه الضعيفة و الجواب عنه [عنها] و ما يتعلق بتلك المسألة من أصل و فرع و ما يبني عليها و ما يشبهها و حكمه حكمها و ما يخالفها و مأخذ الحكمين و الفرق بين المسألتين و ما يتعلق بالمسألة من النكت اللطيفة و الألغاز الظريفة و الأمثال و الأشعار و اللغات و ما يرد عليها أو على عبارة مثلها و جوابه إن أمكن. و ينبه على غلط من غلط فيها من المصنفين في حكم أو تخريج أو نقل و نحو ذلك لغرض صحيح لا لمجرد إظهار الخطأ و الصواب بل للنصيحة لئلا يغتر به كل ذلك مع أهلية الملقى إليه لذلك.

الحادي عشر (1)

[11-] أن يذكر في تضاعيف الكلام ما يناسبه‏

من قواعد الفن الكلية التي لا تنخرم أو يضبط مستثنياتها إن كانت كقوله كل ركن تبطل الصلاة بزيادته و نقصانه مطلقا إلا مواضع مخصوصة و يبينها و كلما اجتمع سبب و مباشرة قدمت المباشرة على السبب و كل من قبض شيئا لغرضه لا يقبل قوله في الرد إلى المالك و أن الحدود تسقط بالشبهة و أن الاعتبار في اليمين بالله تعالى بنية الحالف إلا أن يكون المستحلف قاضيا و قد استحلفه لدعوى اقتضته فالاعتبار بنية القاضي أو نائبه المستحلف و أن كل يمين على نفي فعل الغير فهي على نفي العلم إلا من ادعى عليه أن عبده جنى على قول أو بهيمة [بهيمته‏] كذلك‏ (2) و أن السيد لا يثبت له في ذمة عبده مال ابتداء و نحو ذلك.

____________

(1)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 57- 59؛ و «شرح المهذّب» ج 1/ 53- 56.

(2)- انظر تفصيل ذلك في «القواعد و الفوائد» ج 1/ 419- 422؛ و «تحرير الأحكام الشرعية» ج 2/ 192؛ و «جواهر الكلام» ج 40/ 242- 244.

198

و يبين له جملا مما ينضبط و يحتاج إليه من أصول الفقه كترتيب الأدلة من الكتاب و السنة و الإجماع و القياس على وجه و الاستصحاب و أنواع الأقيسة و درجاتها و حدود ما ناسب تحديده و جملة من أسماء المشهورين من الصحابة و التابعين و العلماء و تراجمهم و وفياتهم و ضبط المشكل من أسمائهم و أنسابهم و المشتبه من ذلك و المختلف و المؤتلف‏ (1) منه و نحو ذلك و جملة من الألفاظ اللغوية و العرفية المتكررة في العلم ضبطا لمشكلها فيقول هي مفتوحة أو مضمومة أو مكسورة مخففة أو مشددة و نحو ذلك كل ذلك تدريجا شيئا فشيئا فيجتمع لهم مع طول الزمان خير عظيم.

الثاني عشر (2)

[12-] أن يحرّضهم على الاشتغال في كل وقت‏

و يطالبهم في أوقات بإعادة محفوظاتهم و يسألهم عما ذكره لهم من المهمات و المباحث فمن وجده حافظا مراعيا أكرمه و أثنى عليه و أشاع ذلك ما لم يخف فساد حاله بإعجاب و نحوه و من وجده مقصرا عنفه في الخلوة و إن رأى مصلحة في الملأ فعل فإنه طبيب يضع الدواء حيث يحتاج إليه و ينفع.

الثالث عشر

[13-] أن يطرح على أصحابه ما يراه من مستفاد المسائل الدقيقة

و النكت الغريبة يختبر بذلك أفهامهم و يظهر فضل الفاضل ليتدربوا بذلك و يعتادوه و لا يعنف من غلط منهم في ذلك إلا أن يرى في ذلك مصلحة.

وَ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ‏

إِنَّ مِنَ الشَّجَرَةِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَ إِنَّهَا مِثْلُ الْمُسْلِمِ حَدِّثُونِي مَا هِيَ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي وَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَاسْتَحْيَيْتُ ثُمَّ قَالُوا حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هِيَ النَّخْلَةُ فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ لَوْ قُلْتَهَا لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَ كَذَا

(3)

.

____________

(1)- انظر توضيح هذا الاصطلاح في «شرح البداية»/ 130- 133؛ و «تدريب الراوي» ج 2/ 297- 315.

(2)- لاحظ «شرح المهذّب» ج 1/ 55، 58.

(3)- «صحيح البخاريّ» ج 2/ 11- 13، 160- 161، كتاب العلم، الأحاديث 60، 61، 131؛ «سنن الترمذي»-

199

و كذلك إذا فرغ من شرح درس فلا بأس أن يطرح مسائل تتعلق به على الطلبة و إعادة ذكر ما أشكل منه ليمتحن بذلك فهمهم و ضبطهم لما شرح لهم فمن ظهر استحكام فهمه له بتكرار الإصابة في جوابه شكره و من لم يفهمه تلطف في إعادته له. و ينبغي للشيخ أن يأمر الطلبة بالاجتماع في الدرس لما يترتب عليه من الفائدة التي لا تحصل مع الانفراد و إعادة ما وقع من التقرير بعد فراغه فيما بينهم ليثبت في أذهانهم.

الرابع عشر

[14-] أن ينصفهم في البحث‏

فيعترف بفائدة يقولها بعضهم و إن كان صغيرا فإن ذلك من بركة العلم قال بعض السلف‏ (1) من بركة العلم و آدابه الإنصاف و من لم ينصف لم يفهم و لم يتفهم فيلازمه في بحثه و خطابه و يسمع السؤال من مورده على وجهه و إن كان صغيرا و لا يترفع عن سماعه فيحرم الفائدة. و لا يحسد أحدا منهم لكثرة تحصيله أو زيادته على خاصته من ولد و غيره فالحسد حرام فكيف بمن هو بمنزلة الولد و فضيلته يعود إلى معلمه منها أوفر نصيب فإنه مربيه و له في تعليمه و تخريجه في الآخرة الثواب الجزيل و في الدنيا الدعاء المستمر و الثناء الجزيل. و ما رأينا و لا سمعنا بأحد من المشايخ اهتم بتفضيل ولده على غيره من الطلبة و أفلح بل الأمر بيد الله و العلم‏ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ‏.

الخامس عشر (2)

[15-] أن لا يظهر للطلبة تفضيل بعضهم على بعض عنده‏

في مودة أو اعتناء مع تساويهم في الصفات من سن أو فضيلة أو ديانة فإن ذلك ربما يوحش الصدر و ينفر القلب فإن كان بعضهم أكثر تحصيلا و أشد اجتهادا و أحسن أدبا فأظهر إكرامه و تفضيله و بين أن زيادة إكرامه لتلك الأسباب فلا بأس بذلك فإنه‏

____________

- ج 5/ 151، كتاب الأمثال (45) الباب 4، الحديث 2867.

(1)- هو أبو عمر ابن عبد البر القرطبيّ، كما في «جامع بيان العلم و فضله» ج 1/ 159.

(2)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 59.

200

ينشط و يبعث على الاتصاف بتلك الصفات المرجحة.

السادس عشر

[16-] أن يقدم في تعليمهم إذا ازدحموا الأسبق فالأسبق‏

و لا يقدمه بأكثر من درس إلا برضا الباقين و يختار إذا كانت الدروس في كتاب واحد باتفاق منهم و هو المسمى بالتقسيم أن يبدأ في كل يوم بدرس واحد منهم فإن الدرس المبدأ به ربما حصل فيه من النشاط في التقرير ما لا يحصل في غيره إلا إذا علم من نفسه عدم الملالة و بقاء النشاط فيرتب الدروس بترتيب الكتاب فيقدم درس العبادات على درس المعاملات و هكذا و إن رأى مع ذلك تقديم الأسبق ليحض المتأخر على التقدم كان حسنا. و ينبغي أن لا يقدم أحدا في نوبة غيره و لا يؤخره عن نوبته إلا إذا رأى في ذلك مصلحة كنحو ما ذكرنا فإن سمح بعضهم لغيره في نوبته فلا بأس و إن جاءوا معا و تنازعوا أقرع بينهم بشرطه الآتي مع بيان المسألة مفصلة إن شاء الله تعالى في القسم الثالث من النوع الثالث.

السابع عشر (1)-

[17- إيصاء الطالب بالرفق إذا سلك فوق ما يقتضيه حاله‏]

إذا سلك الطالب في التحصيل فوق ما يقتضيه حاله أو تحمله طاقته و خاف ضجره أوصاه بالرفق بنفسه و ذكره‏

بِقَوْلِ النَّبِيِّ ص‏

إِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضاً قَطَعَ وَ لَا ظَهْراً أَبْقَى‏

(2)

.

____________

(1)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 55- 57.

(2)- «الكافي» ج 2/ 87، كتاب الإيمان و الكفر، باب الاقتصاد في العبادة، الحديث 6، و نصّ الحديث هكذا: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا علي! إنّ هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، و لا تبغّض إلى نفسك عبادة ربّك، [ف] إنّ المنبتّ- يعني المفرط- لا ظهرا أبقى و لا أرضا قطع، فاعمل عمل من يرجو أن يموت هرما، و احذر حذر من يتخوّف أن يموت غدا»؛ و اعلم أنّه قال الشريف الرضي في «المجازات النبويّة»/ 260، في شرح هذا الحديث الشريف: «و وصف الدين بالمتانة هاهنا مجاز، و المراد أنّه صعب الظهر، شديد الأسر، مأخوذ من متن الإنسان و هو: ما اشتدّ من لحم منكبيه، و إنّما وصفه عليه الصلاة و السلام بذلك لمشقّة القيام بشرائطه و الأداء لوظائفه، فأمر عليه الصلاة و السلام أن يدخل الإنسان أبوابه مترفّقا، و يرقى هضابه متدرّجا، ليستمرّ على تجشّم متاعبه، و يمرن على امتطاء مصاعبه، و شبّه على عليه الصلاة و السلام العابد الذي يحسر منّته، و يستنفد طاقته، بالمنبتّ و هو الذي يغذّ السير، و يكدّ الظهر، منقطعا من رفقته و منفردا عن صحابته، فتحسر مطيّته و لا يقطع شقّته، و هذا من أحسن التمثيلات و أوقع التشبيهات، و ممّا يقوّي المراد بهذا الخبر ...».-

201

و نحو ذلك مما يحمله على الأناة و الاقتصاد في الاجتهاد. و كذلك إذا ظهر له منه نوع سآمة أو ضجر أو مبادئ ذلك أمره بالراحة و تخفيف الاشتغال و ليزجره عن تعلم ما لا يحتمله فهمه أو سنه من علم أو كتاب يقصر ذهنه عن فهمه فإن استشاره من لا يعرف حاله في الفهم و الحفظ في قراءة فن أو كتاب لم يشر عليه حتى يجرب ذهنه و يعلم حاله فإن لم يحتمل الحال التأخر أشار عليه بكتاب سهل من الفن المطلوب فإن رأى فهمه جيدا و ذهنه قابلا نقله إلى كتاب يليق بذهنه و إلا تركه لأن نقل الطالب إلى ما يدل نقله إليه على جودة ذهنه و كماله مما يزيد انبساطه و يوفر نشاطه و إلى ما يدل على قصوره بخلاف ذلك. و لا يمكن الطالب من الاشتغال في فنين أو أكثر إذا لم يضبطهما بل يقدم الأهم فالأهم كما سيذكر إن شاء الله تعالى‏ (1) و إذا علم أو غلب على ظنه أنه لا يفلح في فن أشار عليه بتركه و الانتقال إلى غيره مما يرجى فلاحه فيه.

الثامن عشر

[18-] إذا كان متكفلا ببعض العلوم لا غير

لا ينبغي له أن يقبح في نفس الطالب العلوم التي وراءه كما يتفق ذلك كثيرا لجهلة المعلمين فإن المرء عدو ما جهل كمعلم العربية و المعقول إذ عادته تقبيح الفقه و معلم الفقه تقبيح‏ (2) علم الحديث و التفسير و أشباه ذلك.

____________

- و قال ابن الأثير في «النهاية» ج 1/ 92، مادة «بتت»: «و فيه [يعني في الحديث‏] فإنّ المنبتّ لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى. يقال للرجل إذا انقطع به في سفره و عطبت راحلته: قد انبتّ، من البتّ: القطع، و هو مطاوع بتّ، يقال: بتّه و أبتّه؛ يريد أنّه بقي في طريقه عاجزا عن مقصده لم يقض وطره و قد أعطب ظهره». و راجع أيضا «مجمع الأمثال» ج 1/ 7؛ و «لسان العرب» ج 2/ 7- 8، «بتت». و في هذا المعنى قال سعدي- في «گلستان»/ 649، الباب الثامن-:

به چشم خويش ديدم در بيابان‏* * * كه آهسته سبق برد از شتابان‏

سمند بادپاى از تك فروماند* * * شتربان همچنان آهسته مى‏راند

(1)- في المطلب الثالث من الخاتمة، ص 385- 389.

(2)- هكذا في النسخ سوى «ض»، «ع» و «ح» فقد جاء فيها: «... و معلّم الفقه يقبّح علم الحديث ...». و قال الغزالي في «إحياء علوم الدين» ج 1/ 50: «إنّ المتكفّل ببعض العلوم ينبغي ألّا يقبّح في نفس المتعلّم العلوم التي وراءه، كمعلّم اللغة إذ عادته تقبيح علم الفقه، و معلّم الفقه عادته تقبيح علم الحديث و التفسير ...».

202

و هكذا ينبغي أن يوسع على الطالب طريق التعلم في غيره و إذا رأى مرتبة العلم الذي بيده متأخرة عما بيد غيره يرشده إلى من بيده السابق فإن ذلك هو الواجب من نصح المسلمين و حفظ العلم و الدين و أتم الدليل على كمال المعلم و موجب الملكة الصالحة للمتعلم.

التاسع عشر (1) و هو من المهم‏

[19-] أن لا يتأذى ممن يقرأ عليه إذا قرأ على غيره أيضا

لمصلحة راجعة إلى المتعلم فإن هذه مصيبة يبتلى بها جهلة المعلمين و من لا يريد بعلمه وجه الله تعالى لغباوتهم و فساد نياتهم. و هو من أوضح الأدلة على عدم إرادتهم بالتعليم وجه الله الكريم و ثوابه الجسيم فإنه عبد مأمور بأداء رسالة سيده إلى بعض عبيده فإذا أرسل السيد عبدا آخر لأداء الرسالة لا ينبغي للأول الغضب فإن ذلك لا ينقصه عند السيد بل يزيده قدرا و رفعة عنده إذا وجده ممتثلا لما يريده منه أو من غيره. فالواجب على المعلم إذا وجد من الطالب نشاطا و قوة على تعدد الدرس و لم يقدر على تحصيل غرضه بنفسه أن يرشده ابتداء إلى من يقرأ عليه درسا آخر فإن ذلك من تمام النصيحة و رعاية حفظ الأمانة و هذا أمر اتفق لي مع بعض مشايخي بمصر (2) أحسن الله جزاءه. هذا كله إذا كان المعلم الآخر الذي انتقل إليه الطالب بنفسه أهلا أما لو كان جاهلا مع عدم علم الطالب أو فاسقا أو مبتدعا أو كثير الغلط و نحو ذلك بحيث يفيد الطالب ملكة رديئة لا يرجح عليها ما يحصله من العلم عليه فالتحذير من الاغترار به حسن مع مراعاة المقصد الصحيح المنجح‏ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ‏ (3).

العشرون‏

[20-] إذا تكمل الطالب‏

و تأهل للاستقلال بالتعليم و استغنى عن التعلم‏

____________

(1)- لاحظ «شرح المهذّب» ج 1/ 58.

(2)- تتلمذ المؤلّف، (قدّس سرّه)، على جماعة من العلماء بمصر في سنة 942- 943 ه. مدّة ثمانية عشر شهرا تقريبا، و من أراد الاطلاع عليهم فليراجع «الدرّ المنثور» ج 2/ 159- 162.

(3)- اقتباس من الآية 220 من سورة البقرة (2).

203

فينبغي أن يقوم المعلم بنظام أمره في ذلك و يمدحه في المحافل و يأمر الناس بالاشتغال عليه و الأخذ عنه فإن الجاهل بحاله قد لا يأنس و لا يطمئن به و إن تصدى للتعليم بدون إرشاد من هو معلوم الحال و لينبه على حاله مفصلا و مقدار معلوماته و تقواه و عدالته و نحو ذلك مما له مدخل في إقبال الناس على التعلم منه فإن ذلك سبب عظيم لانتظام العلم و صلاح الحال. كما أنه لو رأى منه ميلا إلى الاستبداد و التدريس و يعلم قصوره عن المرتبة و احتياجه إلى التعلم ينبغي أن يقبح ذلك عنده و يشدد النكير عليه في الخلاء فإن لم ينجع فليظهر ذلك على وجه صحيح المقصد حتى يرجع إلى الاشتغال و يتأهل للكمال. و مرجع الأمر كله إلى أن المعلم بالنسبة إلى المتعلم بمنزلة الطبيب فلا بد له في كل وقت من تأمل العلة المحوجة إلى الإصلاح و مداواته على الوجه الذي تقتضيه العلة و للذكي في تفصيل الحال ما لا يدخل تحت الضبط فإن لكل مقام مقالا صالحا و لكل مرض دواء ناجحا و الله الموفق‏

204

القسم الثالث آدابه في درسه‏

و هي أمور الأول‏

[1-] أن لا يخرج إلى الدرس إلا كامل الأهبة

و ما يوجب له الوقار و الهيبة في اللباس و الهيأة و النظافة في الثوب و البدن و يختار له البياض فإنه أفضل لباسا (1) و لا يعتني بفاخر الثياب بل بما يوجب الوقار و إقبال القلوب عليه كما ورد النص‏ (2) به في أئمة المحافل من الأعياد و الجمعات و غيرهما. و قد اشتمل كتاب الزي و التجمل و المروءة من كتاب الكافي‏ (3) على الأخبار الصحيحة في هذا الباب بما لا مزيد عليه و يخرج التعرض له عن موضوع الرسالة. و ليقصد بذلك تعظيم العلم و تبجيل الشريعة و ليتطيب و يسرح لحيته و يزيل كل ما يشينه كان بعض السلف‏ (4) إذا جاءه الناس لطلب الحديث يغتسل‏

____________

(1)- في «الكافي» ج 6/ 446، كتاب الزيّ و التجمل و المروءة، باب لباس البياض و القطن، الحديث 4: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): البسوا ثياب القطن، فإنّها لباس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هو لباسنا».

(2)- راجع «الكافي» ج 3/ 421، كتاب الصلاة، باب تهيئة الإمام للجمعة و الخطبة و الإنصات، الحديث 1، و ج 3/ 460، كتاب الصلاة، باب صلاة العيدين و الخطبة فيهما، الحديث 3. و في «كتاب من لا يحضره الفقيه» ج 1/ 274، الحديث 1256: «و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا كان يوم الجمعة و لم يصب طيبا دعا بثوب مصبوغ بزعفران فرشّ عليه الماء ثمّ مسح بيده ثمّ مسح به وجهه. [قال المؤلّف:] و يستحب أن يعتم الرجل يوم الجمعة و أن يلبس أحسن أثوابه و أنظفها و يتطيّب فيدهن بأطيب دهنه».

(3)- «الكافي» ج 6/ 438- 534، كتاب الزيّ و التجمّل و المروءة.

(4)- هو مالك بن أنس كما في «المحدّث الفاصل»/ 585؛ «وفيات الأعيان» ج 4/ 135- 136؛ «تذكرة السامع»/ 31؛ «إحياء علوم الدين» ج 1/ 24. و راجع أيضا «مقدّمة ابن الصلاح»/ 363؛ و «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 27، 46؛ و «الخلاصة في أصول الحديث»/ 144.

205

و يتطيب و يلبس ثيابا جددا و يضع رداءه على رأسه ثم يجلس على منصة (1) و لا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ و يقول أحب أن أعظم حديث رسول الله ص.

الثاني‏ (2)

[2-] أن يدعو عند خروجه مريدا للدرس بالدعاء

الْمَرْوِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ص‏

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ عَزَّ جَارُكَ وَ جَلَّ ثَنَاؤُكَ وَ لَا إِلَهَ غَيْرُكَ‏

ثم يقول‏

بِسْمِ اللَّهِ حَسْبِيَ اللَّهُ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ اللَّهُمَّ ثَبِّتْ جَنَانِي وَ أَدِرِ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِي‏

(3)

. و يديم ذكر الله تعالى إلى أن يصل إلى المجلس.

الثالث‏ (4)

[3-] أن يسلم على من حضر إذا وصل إلى المجلس‏

و يصلي ركعتين تحية المسجد إن كان مسجدا و إلا نوى بهما الشكر لله تعالى على توفيقه و تأهيله لذلك أو الحاجة إلى تسديده و تأييده و عصمته من الخطأ أو مطلقتين فإن الصلاة خير موضوع‏ (5) و أما استحبابهما لذلك بخصوصه فلم يثبت و إن استحبه‏

____________

(1)- «نصّ النساء العروس نصّا: رفعنها على المنصّة، و هي الكرسيّ الّذي تقف عليه في جلائها، بكسر الميم لأنّها آلة.» ( «المصباح المنير»/ 744، «نصّ»).

(2)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 31- 32.

(3)- «سنن أبي داود» ج 4/ 325، كتاب الأدب، الحديثان 5094، 5095؛ «سنن ابن ماجة» ج 2/ 1278، كتاب الدعاء (34)، الباب 18، الحديثان 3884، 3885، في كلّ من هذه الروايات بعض هذا الدعاء، إلّا الجملة الأخيرة؛ و كلّه في «تذكرة السامع»/ 30- 31. و انظر أيضا «سنن الترمذي» ج 5/ 490، كتاب الدعوات (49)، الباب 34 و 35.

(4)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 32.

(5)- إشارة إلى الحديث الذي روي عن الصادق (عليه السلام) عن رسول اللّه (صلوات اللّه عليه): «الصلاة خير موضوع فمن شاء استقلّ و من شاء استكثر» ( «بحار الأنوار» ج 82/ 308- 309، الحديث 9 عن كتاب «جامع الأحاديث» لا «الإمامة و التبصرة» كما توهّم)؛ أو حديث أبي ذر عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- المرويّ في «عوالي اللآلي» ج 1/ 90-: «قلت يا رسول اللّه! ما الصلاة؟ فقال: خير موضوع، فاستكثر أو استقلّ» و هو مرويّ في «بحار الأنوار» ج 82/ 307، الحديث 3، نقلا عن «معاني الأخبار» و «الخصال». و في «طبقات الشافعية» ج 1/ 255: «عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): الصلاة خير موضوع».

206

بعض العلماء (1) ثم يدعو بعدهما بالتوفيق و الإعانة و العصمة.

الرابع‏

[4-] أن يجلس بسكينة و وقار

و تواضع و خشوع و إطراق ثانيا رجليه أو محتبيا غير متربع و لا مقع و لا غير ذلك من الجلسات المكروهة (2) مع الاختيار و لا يمد رجليه و لا إحداهما من غير عذر و لا يتكئ إلى جنبه و لا وراء ظهره و نحو ذلك كل ذلك في حال الدرس أما في غيره فلا بأس لأن الطلبة بمنزلة أولاده.

الخامس قيل‏ (3)

[5-] يجلس مستقبل القبلة

لأنه أشرف‏

وَ لِقَوْلِهِ ص‏

خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهَا

(4)

. و يمكن أن يقال باستحباب استدباره لها ليخص الطلبة بالاستقبال لأنهم أكثر و كذا من يجلس إليهم للاستماع. و مثله ورد في القاضي‏ (5) إلا أن لذلك مزية زائدة في ذلك و هو كون الخصوم‏

____________

(1)- الظاهر أنّه النووي في «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 22، و تبعه ابن جماعة الكنانيّ في «تذكرة السامع»/ 32. و قال السمعاني في «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 35؛ «و يستحبّ أن يصلّي ركعتين قبل جلوسه» و لم يقيّد بكون الموضع مسجدا.

(2)- راجع «بحار الأنوار» ج 75/ 469، كتاب العشرة، الباب 96.

(3)- القائل ابن جماعة الكنانيّ في «تذكرة السامع»/ 32؛ و النووي في «شرح المهذّب» ج 1/ 56.

(4)- «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 43؛ «مجمع الزوائد» ج 8/ 59؛ «الترغيب و الترهيب» ج 4/ 59، و فيه:

«أكرم المجالس ما استقبل به القبلة، و إنّ أشرف المجالس ما استقبل به القبلة»؛ و الجملة الأخيرة في «تحف العقول»/ 26؛ و «بحار الأنوار» ج 77/ 130، الحديث 34، نقلا عنه. و في «بحار الأنوار» ج 75/ 469، الحديث 4- نقلا عن كتاب «الغايات»- أيضا: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ لكلّ شي‏ء شرفا و إنّ أشرف المجالس ما استقبل به القبلة»؛ و مثله في «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 44- 45.

(5)- قال في «جواهر الكلام» ج 40/ 74، كتاب القضاء، مبحث الآداب المستحبة للقاضي: «ثمّ يجلس مستدبر القبلة كما عن الأكثر، ليكون وجه الخصوم إذا وقفوا بين يديه إليها، ليكون ذلك اردع لها عن كلام الباطل و خصوصا وقت الاستحلاف. و قيل- و القائل الشيخ في محكىّ مبسوطه و ابن البرّاج على ما حكي عنه-: يستقبل القبلة، لقوله (عليه السلام): خير المجالس ما استقبل به القبلة. و هو أحق من غيره، و لكن الأول أظهر لما عرفت». و قال المصنّف (رحمه اللّه) في «مسالك الأفهام» ج 2/ 287؛ «و منها أن يجلس مستدبر القبلة ليكون وجه الخصوم إذا وقفوا بين يديه مستقبل القبلة خصوصا في وقت استحلافهم فيكون مراعاة جانب الاستقبال فيهم أهمّ من مراعاة جانبه نظرا إلى عموم المصلحة، و هذا اختيار الأكثر و منهم الشيخ في «النهاية» و قال في «المبسوط» يكون متوجّها إلى القبلة لما روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: خير المجالس ما استقبل به القبلة. و القاضي أحقّ بهذه الفضيلة ... و اختار المصنّف الأوّل و هو الأظهر». و الظاهر أنّه لم يرد نصّ بالخصوص في القاضي و لا في-