منية المريد

- الشهيد الثاني المزيد...
496 /
207

إلى القبلة تغليظا عليهم في الحذر من الكلام الباطل و في حال الحلف و لا نص هنا على الخصوص.

السادس‏

[6-] أن ينوي قبل شروعه بل حين خروجه من منزله تعليم العلم و نشره‏

و بث الفوائد الشرعية و تبليغ الأحكام الدينية التي اؤتمن عليها و أمر ببيانها و الازدياد في العلم بالمذاكرة و إظهار الصواب و الرجوع إلى الحق و الاجتماع على ذكر الله تعالى و الدعاء للعلماء الماضين و السلف الصالحين و غير ذلك مما يحضره من المقاصد. فإن بإحضارها بالبال و كثرتها يزيد ثواب العمل فإنما الأعمال بالنيات و ليس المراد بالنية أن يقول أفعل كذا لأجل كذا و يرتب لها ألفاظا مخصوصة بل المراد بها بعث النفس و تصميم العزم على الفعل المخصوص لغرض التقرب إلى الله تعالى و طلب الزلفى لديه حتى لو تلفظ و قال أفعل ذلك لله تعالى و الله مطلع على قلبه يقصد غير ذلك كقصد الظهور في المحافل و ارتفاع الصيت و الترجيح على الأمثال و النظراء فهو مخادع لله تعالى مُرَاءٍ للناس و اللهُ مطَّلع على فساد نيته و خبث طويته فيستحق العقوبة على هذه الذنوب و إن كانت بمظهر العبادة أصلح الله تعالى بفضله و كرمه أعمالنا و سددنا في أقوالنا و أخلص سرائرنا و مقاصدنا بمنه و فضله.

السابع‏

[7-] أن يستقر على سمت واحد مع الإمكان‏

فيصون بدنه عن الزحف و التنقل عن مكانه و التقلقل و يديه عن العبث و التشبيك بهما و عينيه عن تفريق النظر بلا حاجة. و يتقي كثرة المزاح و الضحك فإنه يقلل الهيبة و يسقط الحرمة و يزيل‏

____________

- المعلّم في مجلس درسه. نعم في «الكافي» ج 6/ 165، كتاب الطلاق، باب اللعان، الحديث 11؛ و «كتاب من لا يحضره الفقيه» ج 3/ 346- 347، الحديث 1664: «عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) قلت له: أصلحك اللّه، كيف الملاعنة؟ قال؛ فقال: يقعد الإمام و يجعل ظهره إلى القبلة، و يجعل الرجل عن يمينه و المرأة عن يساره.»؛ و أيضا في «الكافي» ج 6/ 165، كتاب الطلاق، باب اللعان، الحديث 10: «عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الملاعن و الملاعنة كيف يصنعان؟ قال: يجلس الإمام مستدبر القبلة، فيقيمهما بين يديه مستقبلا [كذا] القبلة بحذائه ...».

208

الحشمة و يذهب العزة من القلوب و أما القليل من المزاح فمحمود كما كان يفعله النبي ص‏ (1) و من بعده من الأئمة المهديين‏ (2) تأنيسا للجلساء و تأليفا للقلوب و قريب منه الضحك-

فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ص يَضْحَكُ حَتَّى تَبْدُوَ نَوَاجِذُهُ‏

(3)

. و لكن لا يعلو الصوت‏ (4) و العدل التبسم.

الثامن‏

[8-] أن يجلس في موضع يبرز وجهه فيه لجميع الحاضرين‏

و يلتفت إليهم التفاتا خاصا بحسب الحاجة للخطاب و يفرق النظر عليهم و يخص من يكلمه أو يسأله أو يبحث معه على الوجه بمزيد التفات إليه و إقبال عليه و إن كان صغيرا أو وضيعا فإن تخصيص المترفعين من أفعال المتجبرين و المراءين و القارئ من الحاضرين في حكم الباحث فيخصه بما يتعلق بدرسه و يعطي غيره من الخطاب و النظر بحسب حاله و سؤاله.

____________

(1)- «مكارم الأخلاق»/ 21؛ «إحياء علوم الدين» ج 2/ 319.

(2)- قال ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» ج 1/ 25- 26، في وصف مولانا أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين: «و أمّا سجاحة الأخلاق و بشر الوجه و طلاقة المحيّا و التّبسّم، فهو: المضروب به المثل فيه حتّى عابه بذلك أعداؤه؛ قال عمرو بن العاص لأهل الشام: إنّه ذو دعابة شديدة. و قال عليّ (عليه السلام) في ذاك: عجبا لابن النابغة! يزعم لأهل الشام أنّ فيّ دعابة و أنّي امرؤ تلعابة، أعافس و أمارس! و عمرو بن العاص إنّما أخذها عن عمر بن الخطّاب لقوله له لمّا عزم على استخلافه: للّه أبوك لو لا دعابة فيك! إلّا أنّ عمر اقتصر عليها، و عمرو زاد فيها و سمّجها.

... قال معاوية لقيس بن سعد: رحم اللّه أبا حسن؛ فلقد كان هشّا بشّا ذا فكاهة، قال قيس: نعم، كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يمزح و يبتسم إلى أصحابه، و أراك تسرّ حسوا في ارتغاء، و تعيبه بذلك! أما و اللّه لقد كان مع تلك الفكاهة و الطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسّه الطّوى، تلك هيبة التّقوى، و ليس كما يهابك طغام أهل الشام!

و قد بقي هذا الخلق متوارثا متناقلا في محبّيه و أوليائه إلى الآن، كما بقي الجفاء و الخشونة و الوعورة في الجانب الآخر، و من له أدنى معرفة بأخلاق الناس و عوائدهم يعرف ذلك».

(3)- «مكارم الأخلاق»/ 21؛ «إحياء علوم الدين» ج 2/ 325. و راجع «سنن الترمذي» ج 5/ 601، كتاب المناقب، الباب 10، الحديث 3641 و 3642. و انظر الأحاديث التي حول الضحك و الدعابة في «الكافي» ج 2/ 663- 665، كتاب العشرة، باب الدعابة و الضحك؛ و «بحار الأنوار» ج 76/ 58- 61، كتاب العشرة، الباب 106.

(4)- قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في الخطبة التي يصف فيها المتقين: «... و إن ضحك لم يعل صوته» ( «نهج البلاغة» ص 306، الخطبة 193).

209

التاسع‏

[9-] أن يحسن خلقه مع جلسائه زيادة على غيرهم‏

و يوقر فاضلهم بعلم أو سن أو صلاح أو شرف و نحو ذلك و يرفع مجالسهم على حسب تقديمهم في الإمامة (1) و يتلطف بالباقين و يكرمهم بحسن السلام و طلاقة الوجه و البشاشة و الابتسام و بالقيام لهم على سبيل الاحترام و لا كراهة فيه بوجه و إن كان في بعض الأخبار ما يوهمه‏ (2) و تحقيقه في غير هذا المحل.

____________

(1)- الظاهر أنّه يريد تقديمهم في إمامة الجماعة، و هو- كما في «شرح اللمعة» ج 1/ 391- 393- هكذا. «... و يقدّم الأقرأ من الأئمّة ... فالأفقه ... فإن تساووا في الفقه و القراءة فالأقدم هجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام ... و في زماننا قيل هو السبق إلى طلب العلم، ... فإن تساووا في ذلك سنّ مطلقا أو في الإسلام ... فإن تساووا فيه فالأصبح وجها ... و لم يذكر هنا ترجيح الهاشمي، لعدم دليل صالح لترجيحه، و جعله في «الدروس» بعد الأفقه، و زاد بعضهم في المرجّحات بعد ذلك الأتقى و الأورع ... و بعض هذه المرجّحات ضعيف المستند و لكنّه مشهور».

(2)- لعلّه يقصد بذلك- كما يظهر من «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 34- مثل ما روي في «سنن أبي داود» ج 4/ 358، كتاب الأدب، الحديث 5230: «عن أبي أمامة، قال: خرج علينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، متوكّئا على عصا، فقمنا إليه، فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظّم بعضها بعضا». (و مثله في «سنن ابن ماجة» ج 2/ 1261، كتاب الدعاء، الباب 2، الحديث 3836، عن أبي أمامة)؛ أو ما روي في «سنن الترمذي» ج 5/ 90، كتاب الأدب (44)، الباب 13، الحديث 2754-؛ و «مكارم الأخلاق»/ 16؛ و «إحياء علوم الدين» ج 2/ 181- عن حميد بن أنس قال: لم يكن شخص أحبّ إليهم من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قال: و كانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك». أو يقصد ما روى في «كتاب سليم بن قيس»- كما في «بحار الأنوار» ج 75/ 466، الحديث 14- من أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

«أيّها الناس! عظّموا أهل بيتى في حياتي و من بعدي و أكرموهم و فضّلوهم؛ فإنّه لا يحلّ لأحد أن يقوم من مجلسه لأحد إلّا لأهل بيتى».

و ممّا يدلّ على عدم الكراهة- فيما نحن فيه- ما رواه البرقي في «المحاسن»/ 233، الحديث 186، و العلامة المجلسي، (قدّس اللّه نفسه الزكية)، في «بحار الأنوار» ج 75/ 466- 467، الحديث 13 نقلا عن «المحاسن»: «عن إسحاق بن عمّار، قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): من قام من مجلسه تعظيما لرجل؟ قال: مكروه إلّا لرجل في الدين». و قال الغزالي في «إحياء علوم الدين» ج 2/ 181: «و القيام مكروه على سبيل الإعظام لا على سبيل الإكرام»؛ و لعلّه يجمع بذلك بين الأحاديث المتعارضة، فتأمّل. و قال النووي في «شرح المهذّب» ج 1/ 56: «و قد ينكر القيام من لا تحقيق عنده، و قد جمعت جزء فيه الترخيص فيه و دلائله، و الجواب عمّا يوهم كراهته». و قال أيضا في «الأذكار»/ 239: «و أمّا إكرام الداخل بالقيام، فالذي نختاره أنّه مستحب لمن كان فيه فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح أو شرف، ... و يكون هذا القيام للبرّ و الإكرام و الاحترام لا للرئاء و الإعظام، و على هذا الذي اخترناه استمرّ عمل السلف و الخلف، و قد جمعت في ذلك جزء جمعت فيه الأحاديث و الآثار و أقوال السلف و أفعالهم الدالّة على ما ذكرته، ذكرت فيه ما خالفها و أوضحت الجواب عنه، فمن أشكل عليه من ذلك شي‏ء و رغب في مطالعة ذلك الجزء رجوت أن يزول إشكاله، إن شاء اللّه تعالى».-

210

العاشر (1)

[10-] أن يقدم على الشروع في البحث و التدريس تلاوة ما تيسر من القرآن العظيم‏

تيمنا و تبركا و يدعو عقيب القراءة لنفسه و للحاضرين و لسائر المسلمين ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم و يسمي الله تعالى و يحمده و يصلي و يسلم على النبي ص و على آله و أصحابه ثم يدعو للعلماء الماضين و السلف الصالحين و لمشايخه خاصة و لوالديه و للحاضرين و إن كان في مدرسة و نحوها دعا لواقف المكان. و هذا و إن لم يرد به نص على الخصوص لكن فيه خير عظيم و بركة و المحل موضع إجابة و فيه اقتداء بالسلف من العلماء فقد كانوا يستحبون ذلك‏ (2). و ذكر بعض العلماء (3) أنه يقول من جملة الدعاء

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي وَ عَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي وَ زِدْنِي عِلْماً وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَ مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَ مِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَ مِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ‏

(4)

. و كان بعض العلماء (5) يختار قراءة سورة الأعلى و يزعم أنه متأس و متفأل بما فيها من قوله‏ الْأَعْلَى‏ و قوله‏ قَدَّرَ فَهَدى‏ و قوله‏ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى‏ و قوله‏ فَذَكِّرْ و قوله‏

____________

- راجع أيضا «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 34- 35، 137- 138؛ «فتح الباقي» ج 2/ 209- 210؛ «شرح ألفية العراقي» ج 2/ 209- 210.

(1)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 34- 35؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 56.

(2)- انظر «شرح المهذّب» ج 1/ 56؛ «مقدّمة ابن الصلاح»/ 365؛ «الخلاصة في أصول الحديث»/ 144.

(3)- هو النووي في «شرح المهذّب» ج 1/ 56.

(4)- الدعاء مرويّ في «سنن ابن ماجة» ج 1/ 92، المقدّمة، الباب 23، الحديث 250، و ج 2/ 1260، كتاب الدعاء، الباب 2، الحديث 3833؛ و «جامع بيان العلم و فضله» ج 1/ 195؛ و «سنن أبي داود» ج 4/ 325، كتاب الأدب، الحديث 5094؛ و «الجامع الصغير» ج 1/ 59، حرف الهمزة؛ و «المستدرك على الصحيحين» ج 1/ 104، في كلّ منها روي بعض هذا الدعاء؛ و الشطر الأخير منه في «مفاتيح الجنان»/ 17، في تعقيب صلاة العصر أيضا، نقلا عن «مصباح المتهجّد».

(5)- قال في «فتح الباقي» ج 2/ 214: «... و اختار شيخنا تبعا للناظم [يعني العراقي‏] أن تكون سورة الأعلى بمناسبة سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى‏».

211

صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ (1)

وَ رُوِيَ‏

أَنَّ مَنِ اجْتَمَعَ مَعَ جَمَاعَةٍ وَ دَعَا يَكُونُ مِنْ دُعَائِهِ اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ مَعْصِيَتِكَ وَ مِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَ مِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَ أَبْصَارِنَا وَ قُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَ اجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا وَ اجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا وَ انْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا وَ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا وَ لَا تَجْعَلْ دُنْيَانَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَ لَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَ لَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا

(2)

. الحادي عشر

[11-] أن يتحرى تفهيم الدرس بأيسر الطرق‏

و أعذب ما يمكنه من الألفاظ مترسلا مبينا موضحا مقدما ما ينبغي تقديمه مؤخرا ما ينبغي تأخيره مرتبا من المقدمات ما يتوقف عليها تحقيق المحل واقفا في موضع الوقف موصلا في موضع الوصل مكررا ما يشكل من معانيه و ألفاظه مع حاجة الحاضرين أو بعضهم إليه و إذا فرغ من تقرير المسألة سكت قليلا حتى يتكلم من في نفسه كلام عليه. و لا يذكر (3) في الدرس شبهة في الدين و يؤخر الجواب عنها إلى درس آخر بل يذكرهما جميعا أو يؤخرهما جميعا سيما إذا كان الدرس يجمع الخاص و العام و من يحتمل أن لا يعود إلى ذلك المقام فتقع الشبهة في نفسه و لا يتفق له جوابها فيصير سببا في فتنته.

الثاني عشر (4)

[12-] إذا تعددت الدروس فليقدم منها الأشرف فالأشرف‏

و الأهم فالأهم فيقدم أصول الدين ثم التفسير ثم الحديث ثم أصول الفقه ثم الفقه ثم‏

____________

(1)- سورة الأعلى (87): 1، 3، 6، 9، 19.

(2)- الدعاء مرويّ في «سنن الترمذي» ج 5/ 528، كتاب الدعوات (45)، الباب 80، الحديث 3502؛ «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 107؛ «عيون الأخبار» ج 2/ 279- 280؛ «الأذكار»/ 265- 266؛ «الجامع الصغير» ج 1/ 59، حرف الهمزة؛ «عوالي اللآلي» ج 1/ 159- 160؛ «مفاتيح الجنان»/ 164- 165، في أعمال الليلة الخامسة عشرة من شهر شعبان.

(3)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 38.

(4)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 35- 36.

212

النحو ثم المعاني و على هذا قياس باقي العلوم بحسب مرتبتها و الحاجة إليها. و سيأتي‏ (1) إن شاء الله ما يعين على هذا الترتيب في باب يخصه.

الثالث عشر (2)

[13-] أن لا يطول مجلسه تطويلا يملهم‏

أو يمنعهم فهم الدرس أو ضبطه لأن المقصود إفادتهم و ضبطهم فإذا صاروا إلى هذه الحالة فات المقصود. و لا يقصره تقصيرا يخل ببعض تقريره أو ضبطه أو فهمه لفوات المقصود و يراعي في ذلك مصلحة الحاضرين في الفائدة و التطويل و استيفاء الأقسام في التقسيم إذا كانوا من أهله.

الرابع عشر

[14-] أن لا يشتغل بالدرس و به ما يزعجه و يشوش فكره‏

من مرض أو جوع أو عطش أو مدافعة حدث أو شدة فرح أو غم أو غضب أو نعاس أو قلق أو برد أو حر مؤلمين حذرا من أن يقصر عن استيفاء المطلوب من البحث أو يفتي بغير الصواب.

الخامس عشر

[15-] أن لا يكون في مجلسه ما يؤذي الحاضرين‏

من دخان أو غبار أو صوت مزعج أو شمس موجبة للحر الشديد أو نحو ذلك مما يمنع من تأدية المطلوب بل يكون واسعا مصونا عن كل ما يشغل الفكر و يشوش النفس ليحصل فيه الغرض المطلوب.

السادس عشر (3)

[16-] مراعاة مصلحة الجماعة

في تقديم وقت الحضور و تأخيره في النهار إذا لم يكن عليه فيه ضرورة و لا مزيد كلفة و من الضرورة الاشتغال في الوقت الصالح بالمطالعة و التصنيف حيث يكون الاشتغال به أولى من التدريس.

السابع عشر (4)

[17-] أن لا يرفع صوته زيادة على الحاجة

و لا يخفضه خفضا يمنع بعضهم من كمال فهمه‏

وَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ص‏

____________

(1)- في المطلب الثالث من الخاتمة.

(2)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 38.

(3)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 44.

(4)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 39.

213

أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الصَّوْتَ الْخَفِيضَ وَ يُبْغِضُ الصَّوْتَ الرَّفِيعَ‏

(1)

و الأولى أن لا يجاوز صوته مجلسه و لا يقصر عن سماع الحاضرين فإن حضر فيهم ثقيل السمع فلا بأس بعلو صوته بقدر ما يسمعه و قد روي في فضيلة ذلك حديث‏ (2).

الثامن عشر (3)

[18-] أن يصون مجلسه عن اللغط

فإن الغلط تحت اللغط و عن رفع الأصوات و سوء الأدب في المباحثة و اختلاف جهات البحث و العدول عن المسألة إلى غيرها قبل إكمالها. فإذا ظهر من أحد الباحثين شي‏ء من مبادئ ذلك تلطف في دفعه قبل انتشاره و ثوران النفوس و يذكر لجملة الحاضرين ما يقتضي قبح الانتقال المذكور و أن المقصود اجتماع القلوب على إظهار الحق و تحصيل الفائدة و الصفاء و الرفق و استفادة البعض من البعض و يذكرهم ما جاء في ذم المماراة و المنافسة و الشحناء سيما أهل العلم المتسمين به و أن ذلك سبب العداوة

____________

(1)- رواه الخطيب البغداديّ في «الجامع لاخلاق الراوي و آداب السامع [أو: آداب الواعي‏]» كما في «تذكرة السامع»/ 39. و في «مسند الإمام موسى بن جعفر» (عليهما السلام)، ص 43، الحديث 7: «... كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يعجبه (ظ) أن يكون الرجل خفيف الصوت و يكره أن يكون الرجل جهير الصوت». و في «الجامع الصغير» ج 2/ 120، حرف الكاف، و شرحه: «فيض القدير» ج 5/ 242، الحديث 7147: «كان (صلّى اللّه عليه و آله) يكره أن يرى الرجل جهيرا رفيع الصوت، و كان يحبّ أن يراه خفيض الصوت». قال المناوي في شرح الحديث في «فيض القدير» ج 5/ 242؛ «أخذ منه أنّه يسنّ للعالم صون مجلسه عن اللغط و رفع الأصوات و غوغاء الطلبة و أنّه لا يرفع صوته بالتقرير فوق الحاجة ...». و مثله في «كشف الخفاء» ج 1/ 292.

و في «كنز العمّال» ج 3/ 569، الحديث 7944: «إنّ اللّه ليكره الرجل الرفيع الصوت، و يحب الرجل الخفيض الصوت».

(2)- في «ثواب الأعمال»/ 168، الحديث 5؛ و «بحار الأنوار» ج 74/ 388، الباب 25، نقلا عنه: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: إسماع الأصمّ من غير تضجّر صدقة هنيئة.» و لم أجد غير هذا حديثا في ذلك؛ و قال في «تذكرة السامع»/ 39- كالمتن-: «و روي في فضيلة ذلك حديث» و لم يذكر نصّ الحديث. نعم قال السمعاني في «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 49: «ثمّ يرفع صوته بما يريد أن يمليه.» و احتجّ لذلك بهذا الحديث:

«... عن عبد اللّه بن عمر قال: تخلّف عنّا النبيّ في سفرة سفرناها فأدركنا و قد رهقتنا الصلاة صلاة العصر، و نحن نتوضّأ فجعلنا نمسح أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار مرّتين أو ثلاثا». و انظر شرح هذا الحديث في «فيض القدير» ج 6/ 366- 367، الحديث 9643؛ و انظر أيضا «جامع بيان العلم و فضله» ج 1/ 169.

(3)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 40- 41؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 57.

214

و البغضاء الموجبين [الموجبتين‏] لتشويش الكفر و ذهاب الدين و أن الواجب كون الاجتماع خالصا لله تعالى ليثمر الفائدة في الدنيا و السعادة في الأخرى.

التاسع عشر

[19-] أن يزجر من تعدى في بحثه‏

أو ظهر منه لَدَدٌ أو سوء أدب أو ترك إنصاف بعد ظهور الحق أو أكثر الصياح بغير فائدة أو أساء أدبه على غيره من الحاضرين أو الغائبين أو ترفع على من هو أولى منه في المجلس أو نام أو تحدث مع غيره حالة الدرس بما لا ينبغي أو ضحك أو استهزأ بأحد أو فعل ما يخل بأدب الطالب في الحلقة و سيأتي تفصيله‏ (1) إن شاء الله تعالى. هذا كله إذا لم يترتب على ذلك مفسدة تربو عليه و هذا النوع مغاير لما مر من زجرهم و كفهم عن مساوئ الأخلاق لأن هذا خاص بالدرس و ذاك بما يتعلق بشأن أنفسهم و إن كان يمكن إدراجه فيه إلا أن الاهتمام بشأنه حسن ذكره على الخصوص.

العشرون‏

[20-] أن يلازم الإرفاق بهم في خطابهم و سماع سؤالهم‏

و إذا عجز السائل عن تقرير ما أورده أو تحرير العبارة فيه لحياء أو قصور و وقع على المعنى عبر عن مراده أولا و بين وجه إيراده و أجاب بما عنده. و إن اشتبه عليه مراده سأله عن الأمور التي يحتمل إرادته لها فيقول له أ تريد بقولك كذا فإن قال نعم أجابه و إلا ذكر محتملا آخر. و إن سأل عن شي‏ء ركيك فلا يستهزئ به و لا يحتقر السائل فإن ذلك أمر لا حيلة فيه و يتذكر أن الجميع كانوا كذلك ثم تعلموا و تفقهوا.

الحادي و العشرون‏ (2)

[21-] أن يتودد لغريب حضر عنده‏

و ينبسط له لينشرح صدره فإن للقادم دهشة سيما بين يدي العلماء. و لا يكثر النظر و الالتفات إليه استغرابا له فإن ذلك يخجله و يمنعه من المساءلة [المسألة] و المشاركة في البحث إن كان من أهله.

____________

(1)- يعني تفصيل أدب الطالب، و سيأتي في النوع الثالث من هذا الباب.

(2)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 43- 44.

215

الثاني و العشرون‏

[22-] إذا أقبل بعض الفضلاء و قد شرع في مسألة

أمسك عنها حتى يجلس و إن جاء و هو يبحث أعادها له أو مقصودها و إذا أقبل و قد بقي للفراغ و قيام الجماعة بقدر ما يصل إلى المجلس فليؤخر تلك البقية و يشتغل عنها ببحث أو غيره إلى أن يجلس ثم يعيدها أو يتمم تلك البقية كيلا يخجل المقبل بقيامهم عند جلوسه.

الثالث و العشرون‏ (1) و هو من أهم الآداب‏

[23-] إذا سئل عن شي‏ء لا يعرفه أو عرض في الدرس ما لا يعرفه فليقل لا أعرفه‏

أو لا أتحققه أو لا أدري أو حتى أراجع النظر في ذلك و لا يستنكف عن ذلك فمن علم العالم أن يقول فيما لا يعلم لا أعلم و الله أعلم.

قَالَ عَلِيٌّ (ع)

إِذَا سُئِلْتُمْ عَمَّا لَا تَعْلَمُونَ فَاهْرُبُوا قَالُوا وَ كَيْفَ الْهَرَبُ قَالَ تَقُولُونَ اللَّهُ أَعْلَمُ‏

(2)

وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (ع) قَالَ‏

مَا عَلِمْتُمْ فَقُولُوا وَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَقُولُوا اللَّهُ أَعْلَمُ إِنَّ الرَّجُلَ لَيُسْرِعُ [لَيَشْرَعُ‏] بِالْآيَةِ مِنَ الْقُرْآنِ يَخِرُّ فِيهَا أَبْعَدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ [وَ الْأَرْضِ‏]

(3)

وَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ‏

سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ قَالَ أَنْ يَقُولُوا مَا يَعْلَمُونَ وَ يَقِفُوا عِنْدَ مَا لَا يَعْلَمُونَ‏

(4)

وَ عَنِ الصَّادِقِ ع‏

____________

(1)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 42- 43؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 57- 58.

(2)- «سنن الدارميّ» ج 1/ 63.

(3)- «الكافي» ج 1/ 42، كتاب فضل العلم، باب النهي عن القول بغير علم، الحديث 4، و فيه: «لينتزع الآية» بدل «ليسرع بالآية»؛ «بحار الأنوار» ج 2/ 119، الحديث 25- نقلا عن «المحاسن»- و فيه «لينتزع بالآية».

(4)- «الكافي» ج 1/ 43، كتاب فضل العلم، باب النهي عن القول بغير علم، الحديث 7؛ «بحار الأنوار» ج 2/ 113، الحديث 2، عن «أمالي الصدوق».

216

إِنَّ اللَّهَ خَصَّ عِبَادَهُ بِآيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ أَنْ لَا يَقُولُوا حَتَّى يَعْلَمُوا وَ لَا يَرُدُّوا مَا لَمْ يَعْلَمُوا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ‏ (1)

وَ قَالَ‏

بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ‏ (2)

" وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ‏

إِذَا تَرَكَ الْعَالِمُ لَا أَدْرِي أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ‏

(3)

" وَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ‏

إِذَا سُئِلَ أَحَدُكُمْ عَمَّا لَا يَدْرِي فَلْيَقُلْ لَا أَدْرِي فَإِنَّهُ ثُلُثُ الْعِلْمِ‏

(4)

و قال آخر لا أدري ثلث العلم‏ (5). و قال بعض الفضلاء ينبغي للعالم أن يورث أصحابه لا أدري‏ (6) و معناه أن يكثر منها لتسهل عليهم و يعتادوها فيستعملوها في وقت الحاجة. و قال آخر تعلم لا أدري فإنك إن قلت لا أدري علموك حتى تدري و إن قلت أدري سألوك حتى لا تدري‏ (7).

____________

(1)- سورة الأعراف (7): 169.

(2)- سورة يونس (1): 39. و الحديث في «الكافي» ج 1/ 43، كتاب فضل العلم، باب النهي عن القول بغير علم، الحديث 8؛ «بحار الأنوار» ج 2/ 113، الحديث 3- نقلا عن «أمالي الصدوق»- و فيه: «عيّر» بدل «خصّ».

(3)- هذا الكلام نسب إلى ابن عبّاس في «البيان و التبيين»/ 207؛ و «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 172؛ و «تذكرة السامع»/ 42؛ و «صفة الفتوى»/ 7؛ و «أدب الدنيا و الدين»/ 82؛ و غيرها. و في «قوت القلوب» ج 1/ 136:

«قال عليّ بن الحسين و محمّد بن عجلان: إذا أخطأ العالم قول لا أدري أصيبت مقالته»؛ و في «إحياء علوم الدين» ج 1/ 61: «قال ابن مسعود: ... جنّة العالم لا أدري، فإن أخطأها فقد أصيبت مقاتله»؛ و نسب إلى محمّد بن عجلان في «صفة الفتوى»/ 7؛ و «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 10؛ و «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 173 أيضا؛ و لكن هذا كلام مولانا و مولى الموحدين يعسوب الدين أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين، روي في «نهج البلاغة» ص 482، قسم الحكم، الحكمة 85؛ و «غرر الحكم» ج 5/ 377، الحديث 8835؛ و «بحار الأنوار» ج 2/ 122، الحديث 41، نقلا عن «نهج البلاغة»؛ و هذا نصّه: «من ترك قول لا أدري أصيبت مقاتله».

(4)- «تذكرة السامع»/ 42؛ «مجمع الزوائد» ج 1/ 180.

(5)- «تذكرة السامع»/ 42.

(6)- «تفسير القرطبيّ» ج 1/ 286؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 57؛ «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 173 و فيه: «... أخبرني مالك ابن أنس أنّه سمع عبد اللّه بن يزيد ابن هرمز، يقول: ينبغي للعالم ... الخ».

(7)- «قوت القلوب» ج 1/ 96؛ «أعلام الموقّعين» ج 4/ 278؛ «جامع بيان العلم و فضله» ج 2/ 68؛ «صفة الفتوى»/ 9، و القائل أبو الذيال، كما في المصدرين الأخيرين.

217

و اعلم أن قول العالم لا أدري لا يضع منزلته بل يزيدها رفعة و يزيده في قلوب الناس عظمة تفضلا من الله تعالى عليه و تعويضا له بالتزامه الحق و هو دليل واضح على عظمة محله و تقواه و كمال معرفته و لا يقدح في المعرفة الجهل بمسائل معدودة. و إنما يستدل بقوله لا أدري على تقواه و أنه لا يجازف في فتواه و أن المسألة من مشكلات المسائل و إنما يمتنع من لا أدري من قل علمه و عدمت تقواه و ديانته لأنه يخاف لقصوره أن يسقط من أعين الناس و هذه جهالة أخرى منه فإنه بإقدامه على الجواب فيما لا يعلم يبوء بالإثم العظيم و لا يصرفه عما عرف به من القصور بل يستدل به على قصوره و يظهر الله تعالى عليه ذلك بسبب جرأته على التقول في الدين تصديقا

لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِ‏

مَنْ أَفْسَدَ جَوَّانِيَّهُ أَفْسَدَ اللَّهُ بَرَّانِيَّهُ‏

(1)

و من المعلوم أنه إذا رؤي المحققون يقولون في كثير من الأوقات لا أدري و هذا المسكين لا يقولها أبدا يعلم أنهم يتورعون لدينهم و تقواهم و أنه يجازف لجهله و قلة دينه فيقع فيما فر منه و اتصف بما احترز عنه لفساد نيته و سوء طويته‏

وَ قَدْ قَالَ النَّبِيُّ ص‏

الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ

(2)

.

____________

(1)- في «مشكاة الأنوار»/ 321: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ما من عبد إلّا و له جوّانيّ و برّانيّ، فمن أصلح جوّانيّه أصلح اللّه برّانيّه، و من أفسد جوّانيّه أفسد اللّه عليه برّانيّه ...»؛ و في «النهاية» ج 1/ 319: «و في حديث سلمان رضي اللّه عنه: إنّ لكلّ امرئ جوّانيّا و برّانيّا، فمن يصلح جوّانيّه يصلح اللّه برّانيّه، و من يفسد جوّانيّه يفسد اللّه برّانيّه؛ أي باطنا و ظاهرا، و سرّا و علانية، و هو منسوب إلى جوّ البيت و هو داخله، و زيادة الألف و النون للتأكيد»؛ و قال في ج 1/ 117: «... أراد بالبرّانيّ العلانية، و الألف و النون و زيادات النّسب كما قالوا في صنعاء: صنعانيّ. و أصله من قولهم خرج فلان برّا، أي خرج إلى البرّ و الصحراء. و ليس من قديم الكلام و فصيحه». و انظر أيضا «لسان العرب» ج 14/ 157، «جوا»، و ج 4/ 54، «برر».

(2)- «شرح المهذّب» ج 1/ 58؛ «سنن أبي داود» ج 4/ 300، كتاب الأدب، الحديث 4997؛ «النهاية» ج 2/ 441، و فيه: «لا يملك» بدل «لم يعط»، قال ابن الأثير في توضيح الحديث: «أي المتكثّر بأكثر ممّا عنده يتجمّل بذلك، كالّذي يري أنّه شبعان، و ليس كذلك، و من فعله فإنّما يسخر من نفسه. و هو من أفعال ذوي الزّور، بل هو في نفسه زور، أي كذب»؛ و انظر «مجمع الأمثال» ج 2/ 150.

218

و قد أدب الله تعالى العلماء بقصة موسى و الخضر (ع) حين لم يرد موسى (ع) العلم إلى الله تعالى لما سئل هل أحد أعلم منك‏ (1) بما حكاه الله عنهما من الآيات المؤذنة (2) بغاية الذل من موسى (ع) و غاية العظمة من الخضر (ع) و سيأتي‏ (3) إن شاء الله تعالى في هذه الرسالة جملة من نكت القصة.

الرابع و العشرون‏

[24-] أنه إذا اتفق له تقرير أو جواب توهمه صوابا يبادر إلى التنبيه على فساده‏

و تبيين خطائه قبل تفرق الحاضرين و لا يمنعه الحياء أو غيره من المبادرة و تحمله النفس الأمارة بالسوء على التأخير إلى وقت آخر خال فإنه من خدع النفس و تلبيس إبليس لعنه الله. و فيه ضرر عظيم من وجوه كثيرة منها استقرار الخطأ في قلوب الطلبة و منها تأخير بيان الحق مع الحاجة إليه و منها خوف عدم حضور بعض أهل المجلس في الوقت الآخر فيستمر الخطأ في فهمه و منها طاعة الشيطان في الاستمرار على الخطأ و هو موجب لطمعه فيه مرة ثانية و هلم جرا و مع تأديته للواجب من ذلك يفيد الطالبين ملكة صالحة تعقب خيرا عظيما يكون الراجع سببا فيه فيشارك في أجره مضافا إلى ما استحقه من الأجر بفعل ما يجب عليه فقد غنمت حركته و ربحت تجارته برجوعه إلى الحق و يرفعه الله تعالى بسبب ذلك خلاف ما يظنه الجاهل و يتوهمه الأحمق الغافل.

____________

(1)- «صحيح البخاريّ» ج 2/ 46- 47، كتاب العلم، الحديث 73، و ج 2/ 54، الحديث 77، و ج 2/ 141- 145، الحديث 123؛ «تفسير مجمع البيان» ج 6/ 481؛ «مسند أحمد» ج 5/ 116، 117، 118؛ «صحيح مسلم» ج 4/ 1847- 1853، كتاب الفضائل (43)، الباب 46؛ «الترغيب و الترهيب» ج 1/ 129، الحديث 1، و إليك نصّ واحد منها مع التلخيص: «... سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل، جاءه رجل فقال له: هل تعلم أحدا أعلم منك؟ قال موسى: لا. فأوحى اللّه إلى موسى:

بلى عبدنا خضر، فسأل موسى السبيل إليه ... الخ». و مثله روي في «تفسير العيّاشي» ج 2/ 334، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

(2)- سورة الكهف (18): 65- 82.

(3)- في القسم الثاني من النوع الثالث من هذا الباب، ص 235- 239.

219

الخامس و العشرون‏ (1)

[25-] التنبيه عند فراغ الدرس أو إرادته بما يدل عليه إن لم يعرفه القارئ‏

و قد جرت عادة السلف أن يقولوا حينئذ و الله أعلم‏ (2). و قال بعض العلماء (3) الأولى أن يقال قبل ذلك كلام يشعر بختمة الدرس كقوله هذا آخره أو ما بعده يأتي إن شاء الله تعالى و نحو ذلك ليكون قوله و الله أعلم خالصا لذكر الله تعالى و لقصد معناه و لهذا ينبغي أن يستفتح كل درس ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ ليكون ذاكرا لله تعالى في بدايته و خاتمته و إذا جعل الذكر دليلا على الفراغ لم يتمحض له.

السادس و العشرون‏

[26-] أن يختم الدرس بذكر شي‏ء من الرقائق و الحكم و المواعظ

و تطهير الباطن ليتفرقوا على الخشوع و الخضوع و الإخلاص فإن البحث البحت يورث في القلوب قوة و ربما أعقب قسوة فليحركه في كل وقت إلى الإقبال و يلاحظه بالاستكمال و لا شي‏ء أصلح من تلك الحالة. هذا كله إذا لم يكن بعد ذلك دروس حاضرة بحيث يكون الاشتغال بها أولى فيؤخر ذلك إلى الآخر حسب ما يقتضيه الحال.

السابع و العشرون‏

[27-] أن يختم المجلس بالدعاء كما بدأ به‏

بل هو الآن أولى و أقرب إلى الإجابة لما قد غشيهم من الرحمة و خصهم من المثوبة و ليتضمن دعاؤهم الأئمة الراشدين و العلماء السابقين و تعميم جماعة المسلمين و أن يجعل أعمالهم خالصة لوجه الله مقربة إلى مرضاته.

وَ قَدْ وَرَدَ

أَنَّ النَّبِيَّ ص كَانَ يَخْتِمُ مَجْلِسَهُ بِالدُّعَاءِ

و فيه حديث مسلسل‏ (4) بختمه به مشهور و متنه‏

____________

(1)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 44- 45.

(2)- «تذكرة السامع»/ 44.

(3)- هو ابن جماعة الكنانيّ في «تذكرة السامع»/ 44- 45.

(4)- تقدّم معنى الحديث المسلسل في الصفحة 195 التعليقة 2. اعلم أنّه قد عنى علماء الحديث بهذا النوع جدّا فصنّفوا فيه مصنّفات خاصّة، ذكر بعضها محمّد عبد الحيّ الكتاني في «فهرس الفهارس و الأثبات و معجم المعاجم و المشيخات و المسلسلات» المطبوع في مدينة فاس بالمغرب الأقصى؛ و جاء اسم بعضها في «الدرّ-

220

أَنَّهُ ص كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ حَدِيثِهِ وَ أَرَادَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا أَخْطَأْنَا وَ مَا تَعَمَّدْنَا وَ مَا أَسْرَرْنَا وَ مَا أَعْلَنَّا وَ مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَ أَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ‏

(1)

. الثامن و العشرون‏ (2)

[28-] أن يمكث قليلا بعد قيام الجماعة

فإن فيه فوائد و آدابا له و لهم منها إن كان في نفس أحد منهم بقايا سؤال تأخر و منها إن كان لأحد به حاجة و قد صبر عليها حتى فرغ يذكرها له و منها عدم مزاحمتهم و رفع الكلفة عنهم بخروجه قبلهم و خفق النعال خلفه و هو آفة عظيمة خطرة و منها عدم ركوبه بينهم إن كان يركب إلى غير ذلك.

التاسع و العشرون‏ (3)

[29-] أن ينصب لهم نقيبا فطنا كيسا يرتب الحاضرين‏

و من يدخل عليه على قدر منازلهم و يوقظ النائم و ينبه الغافل و يشير إلى ما ينبغي فعله و تركه و يأمر بسماع الدروس و الإنصات إليها لمن لا يعرف و كذلك ينصب لهم رئيسا آخر يعلم الجاهل و يعيد درس من أراد و يرجع إليه في كثير مما يستحيا أن يلقى به العالم من مسألة أو درس فإن فيه ضبطا لوقت العالم و صلاحا لحال المتعلم.

الثلاثون‏ (4)

[30-] أن يقول إذا قام من مجلسه [...]

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَ بِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَ أَتُوبُ إِلَيْكَ‏

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏

.

____________

- الفريد»/ 133- 134، منها «عقد اللآلي في الأحاديث المسلسلة الغوالي»؛ و «المسلسلات الكبرى». و رويت في «الدرّ الفريد»/ 133- 237، خمسة و أربعون حديثا مسلسلا. و لكن لم أجد فيه هذا الحديث المسلسل الذي أشار إليه المؤلّف (رحمه اللّه)، و لا في «الجواهر المكلّلة في الأحاديث المسلسلة» و لا في «المسلسلات».

(1)- هذا الدعاء روي في «المستدرك على الصحيحين» ج 1/ 528، 536- 537، مع اختلاف في اللفظ، إلّا أنّه لم يروه مسلسلا.

(2)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 45.

(3)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 41.

(4)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 45.

221

رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ص‏

(1)

وَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الثَّلَاثَ آيَاتٍ كَفَّارَةُ الْمَجْلِسِ‏

(2)

و كما يستحب ذلك للعالم يستحب لكل قائم لكنه في حقه آكد

____________

(1)- روي إلى قوله «و أتوب إليك» في «سنن أبي داود» ج 4/ 265، كتاب الأدب، الحديث 4859؛ «سنن الدارميّ» ج 2/ 283؛ «مسند أحمد» ج 2/ 369، ج 4/ 420، ج 6/ 77؛ «الأذكار»/ 265؛ «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 127؛ «تذكرة السامع»/ 45، 236؛ «الجامع الصغير» ج 2/ 113، حرف الكاف، و فيها: «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏] إذا جلس في المجلس فأراد أن يقوم قال: سبحانك اللّهمّ و بحمدك، أشهد أن لا إلّا أنت، أستغفرك و أتوب إليك. فقالوا: يا رسول اللّه! إنّك لتقول الآن كلاما ما كنت تقوله فيما خلا.

فقال: هذا كفّارة لما يكون في المجالس.»؛ و قال في «فيض القدير» ج 5/ 189: «و كان السلف يواظبون عليه و يسمّى ذلك كفّارة المجلس».

(2)- يريد الآيات الثلاث الأخيرة من سورة الصافّات (37) و هي: «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» و الرواية التي أشار إليها المؤلّف (رحمه اللّه) رويت في «كتاب من لا يحضره الفقيه» ج 3/ 238- 239، الحديث 1132، و هذا نصّه: «قال الصادق (عليه السلام): كفّارات المجالس أن تقول عند قيامك منها: سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون و سلام على المرسلين و الحمد للّه ربّ العالمين». و في «الكافي» ج 2/ 496، كتاب الدعاء، باب ما يجب من ذكر اللّه عزّ و جلّ في كلّ مجلس، الحديث 3؛ «تفسير مجمع البيان» ج 8/ 463؛ «تفسير الكشّاف» ج 4/ 69؛ «الأذكار»/ 265؛ «تفسير أبي الفتوح الرازيّ» ج 8/ 330؛ «عوالي اللآلي» ج 2/ 26؛ «بحار الأنوار» ج 75/ 468، الحديث 20، نقلا عن «عدّة الداعي»؛ و غيرها عدّة روايات بهذا المضمون: «من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى، فليقل إذا أراد أن يقوم من مجلسه: سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون و سلام على المرسلين و الحمد للّه ربّ العالمين.»؛ و في «الجامع الصغير» ج 2/ 107، حرف الكاف: «كان إذا سلّم من الصلاة قال ثلاث مرّات: سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون، و سلام على المرسلين، و الحمد للّه ربّ العالمين.»

222

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

223

النوع الثالث في الآداب المختصة بالمتعلم‏

و هي تنقسم كما مر (1) ثلاثة أقسام آدابه في نفسه و آدابه مع شيخه و آدابه في مجلس درسه‏

____________

(1)- يعني أنّ الآداب المختصّة بالمتعلّم تنقسم ثلاثة أقسام كما أنّ الآداب المختصّة بالمعلّم أيضا كذلك؛ و إلّا فلم يذكر (رحمه اللّه) فيما مضى تقسيم الآداب المختصّة بالمتعلّم إلى ثلاثة أقسام.

224

القسم الأول آدابه في نفسه‏

و هي أمور الأول‏

[1-] أن يحسن نيته‏

و يطهر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول العلم و حفظه و استمراره و قد تقدم ما يدل عليه‏ (1) لكن أعيد هنا لينبه على كونه من أسباب التحصيل و هناك من أسباب الفائدة الأخروية. قال بعض الكاملين تطييب القلب للعلم كتطييب الأرض للزراعة فبدونه لا تنمو و لا تكثر بركته و لا يزكو كالزرع في أرض بائرة غير مطيبة (2).

وَ قَالَ النَّبِيُّ ص‏

إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَ إِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَ هِيَ الْقَلْبُ‏

(3)

. وَ قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ‏

حَرَامٌ عَلَى قَلْبٍ أَنْ يَدْخُلَهُ النُّورُ وَ فِيهِ شَيْ‏ءٌ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

(4)

.

وَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ‏

شَكَوْتُ إِلَى وَكِيعٍ‏

(5)

قِلَّةَ الْحِفْظِ فَقَالَ اسْتَعِنْ عَلَى‏

____________

(1)- تقدّم في أوّل هذا الباب، أعني الباب الأوّل.

(2)- «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 23؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 58- 59.

(3)- «صحيح البخاريّ» ج 1/ 204- 205، كتاب الإيمان، الحديث 49؛ «مسند أحمد» ج 4/ 270، 274؛ «الترغيب و الترهيب» ج 2/ 554، الحديث 1؛ «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 23.

(4)- «تذكرة السامع»/ 67. و سهل بن عبد اللّه هو أبو محمّد سهل بن عبد اللّه بن يونس التستريّ (2/ 203- 283/ 273 ه)، انظر ترجمته و مصادر ترجمته في «وفيات الأعيان» ج 2/ 429- 430؛ و «طبقات الصوفية»/ 133- 138؛ و «الأعلام» ج 3/ 143؛ و «معجم المؤلّفين» ج 4/ 284.

(5)- هو وكيع بن الجراح بن مليح (129- 197 ه)، تجد ترجمته و مصادر ترجمته في «تهذيب التهذيب»-

225

الْحِفْظِ بِقِلَّةِ الذُّنُوبِ‏

(1)

و قد نظم بعضهم ذلك في بيتين فقال‏

شكوت إلى وكيع سوء حفظي‏* * * فأرشدني إلى ترك المعاصي‏

و قال اعلم بأن العلم فضل‏* * * و فضل الله لا يؤتاه عاصي‏ (2)

.

الثاني‏

[2-] أن يغتنم التحصيل في الفراغ و النشاط

و حالة الشباب و قوة البدن و نباهة الخاطر و سلامة الحواس و قلة الشواغل و تراكم العوارض سيما قبل ارتفاع المنزلة و الاتسام بالفضل و العلم فإنه أعظم صاد عن درك الكمال بل سبب تام في النقصان و الاختلال. قال بعضهم تفقهوا قبل أن تسودوا (3) أي تصيروا سادة فتأنفوا من التعلم أو تستحيوا منه بسبب المنزلة فيفوتكم العلم. و قال آخر تفقه قبل أن تترأس فإذا رأست فلا سبيل إلى التفقه‏ (4).

وَ جَاءَ فِي الْخَبَرِ

مَثَلُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ فِي صِغَرِهِ كَالنَّقْشِ عَلَى الْحَجَرِ وَ مَثَلُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ فِي‏

____________

- ج 11/ 123- 131؛ و «الأعلام» ج 8/ 117؛ و «تذكرة الحفاظ» ج 1/ 306- 309. قال ابن حجر في ترجمته في «تهذيب التهذيب»: «قيل: ما رأيت أحدا أحفظ من وكيع».

(1)- «تهذيب التهذيب» ج 11/ 129، و فيه: «قال عليّ بن خشرم [بزنة جعفر]: رأيت وكيعا و ما رأيت بيده كتابا قطّ، إنّما هو يحفظ، فسألته عن دواء الحفظ، فقال: ترك المعاصي، ما جرّبت مثله للحفظ». و انظر «روضة العقلاء»/ 39.

و اعلم أنّ في جميع نسخ «منية المريد»: «علي بن حشرم» بالحاء المهملة؛ و الصواب «علي بن خشرم» بالخاء المعجمة، كما في «تهذيب التهذيب» ج 11/ 129، ج 7/ 316- 317؛ و «تدريب الراوي» ج 1/ 224. و انظر ترجمة عليّ بن خشرم (165- 257 ه) في «تهذيب التهذيب» ج 7/ 316- 317.

(2)- «تعليم المتعلّم»/ 26، و البيت الثاني فيه هكذا:

«فإنّ الحفظ فضل من إله‏* * * و فضل اللّه لا يهدى لعاصي»

(3)- قاله عمر، كما في «صحيح البخاريّ» ج 2/ 41، كتاب العلم؛ «سنن الدارميّ» ج 1/ 79؛ «جامع بيان العلم و فضله» ج 1/ 103؛ «مختصر نصيحة أهل الحديث»/ 29؛ «أدب الدنيا و الدين»/ 58؛ «المحاسن و المساوئ»/ 11؛ «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 1؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 64.

(4)- قاله الشافعي، كما في «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 78، 79؛ «تذكرة السامع»/ 134؛ «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 27؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 64.

226

كِبَرِهِ كَالَّذِي يَكْتُبُ عَلَى الْمَاءِ

(1)

" وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ‏

مَا أُوتِيَ عَالِمٌ عِلْماً إِلَّا وَ هُوَ شَابٌ‏

(2)

. و قد نبه الله تعالى على ذلك بقوله‏ وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (3) و هذا باعتبار الغالب و إلا فمن كبر لا ينبغي له أن يحجم عن الطلب فإن الفضل واسع و الكرم وافر و الجود فائض و أبواب الرحمة و الهبات مفتحة فإذا كان المحل قابلا تمت النعمة و حصل المطلوب قال الله تعالى‏ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ (4) و قال تعالى‏ وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى‏ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً (5). و قال تعالى حكاية عن موسى (ع) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً (6) إلى غير ذلك. و قد اشتغل جماعة من السلف‏ (7) في حال كبرهم فتفقهوا و صاروا أساطين في الدين و علماء مصنفين في الفقه و غيره فليغتنم العاقل عمره و ليحرز شبابه عن التضييع فإن بقية العمر لا ثمن لها كما قيل‏

بقية العمر عندي ما لها ثمن‏* * * و ما مضى غير محمود من الزمن‏

يستدرك المرء فيها ما أفات و يحيا* * * ما أمات و يمحو السوء بالحسن‏ (8)

.

الثالث‏ (9)

[3-] أن يقطع ما يقدر عليه من العوائق الشاغلة

و العلائق المانعة عن تمام الطلب و كمال الاجتهاد و قوة الجد في التحصيل و يرضى بما تيسر من القوت و إن‏

____________

(1)- «الجامع الصغير» ج 2/ 154، حرف الميم، و شرحه: «فيض القدير» ج 5/ 509، الحديث 8138؛ «أدب الدنيا و الدين»/ 57.

(2)- «مجمع الزوائد» ج 1/ 125؛ «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 89، و قبله فيهما: «ما بعث اللّه نبيّا إلّا و هو شابّ ...».

(3)- سورة مريم (19): 12.

(4)- سورة البقرة (2): 282.

(5)- سورة القصص (28): 14.

(6)- سورة الشعراء (26): 21.

(7)- منهم السكّاكي صاحب «مفتاح العلوم»، كما يقال. و في «فيض القدير» ج 5/ 509: «... قد تفقه القفال و القدوري بعد الشيب ففاقوا الشباب».

(8)- لم أقف على ناظم البيتين.

(9)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 71- 72.

227

كان يسيرا و بما يستر مثله من اللباس و إن كان خَلَقاً فبالصبر على ضيق العيش تنال سعة العلم و يجمع شمل القلب عن مفترقات الآمال ليتفجر عنه ينابيع الحكمة و الكمال. قال بعض السلف‏ (1) لا يطلب أحد هذا العلم بعز النفس فيفلح و لكن من طلبه بذل النفس و ضيق العيش و خدمة العلماء أفلح. و قال أيضا لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس. فقيل و لا الغني المكفي فقال و لا الغني المكفي‏ (2). و قال آخر (3) لا يبلغ أحد من هذا العلم ما يريد حتى يضر به الفقر و يؤثره على كل شي‏ء. و قال بعضهم‏ (4) لا ينال هذا العلم إلا من عطل دكانه و خرب بستانه و هجر إخوانه و مات أقرب أهله فلم يشهد جنازته. و هذا كله و إن كان فيه مبالغة فالمقصود به أنه لا بد فيه من جمع القلب و اجتماع الفكر. و بالغ بعض المشايخ فقال لبعض طلبته اصبغ ثوبك حتى لا يشغلك فكر غسله‏ (5). و من هنا قيل العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك‏ (6).

الرابع‏

[4-] أن يترك التزويج حتى يقضي وطره من العلم‏

فإنه أكبر شاغل‏

____________

(1)- هو الشافعي كما في «المحدّث الفاصل»/ 220؛ و «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 93؛ و «جامع بيان العلم و فضله» ج 2/ 117؛ و «تدريب الراوي» ج 2/ 141- 142؛ و «تذكرة السامع»/ 71- 72؛ و «فتح الباقي» ج 2/ 224؛ و «شرح المهذّب» ج 1/ 59.

(2)- «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 94؛ «تذكرة السامع»/ 72؛ «فيض القدير» ج 6/ 175؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 59؛ و راجع أيضا «حلية الأولياء» ج 9/ 119.

(3)- هو مالك بن أنس، كما في «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 94؛ و «تذكرة السامع»/ 72؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 59.

(4)- نقله الخطيب البغداديّ عن بعضهم في «الجامع لأخلاق الراوي و آداب الواعي [أو السامع‏]» كما في «تذكرة السامع»/ 71.

(5)- «تذكرة السامع»/ 71. قال الذهبي في ترجمة شعبة بن الحجاج: «و كانت ثيابه لونها كالتراب» ( «تذكرة الحفاظ» ج 1/ 194).

(6)- قاله الخليل بن أحمد، كما في «محاضرات الأدباء» ج 1/ 50. و نسب إلى القيل في «الذريعة إلى مكارم الشريعة»/ 117؛ و «ميزان العمل»/ 116.

228

و أعظم مانع بل هو المانع جملة حتى قال بعضهم ذبح العلم في فروج النساء (1).

وَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ‏

مَنْ تَعَوَّدَ أَفْخَاذَ النِّسَاءِ لَمْ يُفْلِحْ‏

(2)

يعني اشتغل بهن عن الكمال. و هذا أمر وجداني مجرب واضح لا يحتاج إلى الشواهد كيف مع ما يترتب عليه على تقدير السلامة فيه من تشويش الفكر بهم الأولاد و الأسباب و من المثل السائر لو كلفت بصلة ما فهمت مسألة (3). و لا يغتر الطالب بما ورد في النكاح من الترغيب‏ (4) فإن ذلك حيث لا يعارضه واجب أولى منه و لا شي‏ء أولى و لا أفضل و لا واجب أضيق من العلم. سيما في‏

____________

(1)- لم أقف على قائله و مصدره، نعم نقل في «الأنوار النعمانية» ج 4/ 312؛ و «جواهر الكلام» ج 29/ 32، و لكن لم ينسب فيهما إلى قائل معيّن. و قال في «كشف الخفاء» ج 1/ 370: «قال بعض العلماء: ضاع العلم بين أفخاذ النساء». و قال فيه ج 1/ 500 أيضا: «ذبح العلم بين أفخاذ النساء، ليس بحديث»؛ و فيه ج 2/ 44: «ضاع العلم بين أفخاذ النساء، ليس بحديث، بل روي بمعناه عن بشر الحافي، فقال: لا يفلح من ألف أفخاذ النساء».

(2)- «قوت القلوب» ج 2/ 239؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 59. و في «إحياء علوم الدين» ج 2/ 31: «قال إبراهيم ابن أدهم: من تعوّد أفخاذ النساء لم يجئ منه شي‏ء»؛ و في «حلية الأولياء» ج 8/ 11، عن إبراهيم بن أدهم:

«من أحبّ اتّخاذ [كذا] النساء لم يفلح» و فيه أيضا ج 7/ 12 عن الثوري: «من أحبّ أفخاذ النساء لم يفلح».

و إبراهيم بن أدهم هو أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم بن منصور التميمي. انظر ترجمته و مصادر ترجمته في «الأعلام» ج 1/ 31.

(3)- في «تذكرة السامع»/ 71: «و ممّا يقال عن الشافعي أنّه قال: لو كلّفت شراء (خ ل: إلى شراء) بصلة لما فهمت مسألة». و الظاهر أنّه ليس بمثل سائر، بل هي كلمة هو- أعني الشافعي- قائلها.

(4)- «الكافي» ج 5/ 328- 331، كتاب النكاح، و غيره. قال صاحب «الجواهر» (قدّس سرّه): «... نعم ربما قيل بالتفصيل بين من كانت عبادته من الأعمال، فالتزويج أفضل منها؛ لإطلاق ما دلّ على ذلك، و بين من كانت عبادته تحصيل العلوم الدينيّة، فهي أفضل منه، لأنّ كمال الإنسان العلم الذي هو الغرض الأصلي من خلقته- و ساق الكلام في فضيلة العلم إلى أن قال قده:- إلى غير ذلك من الفضائل التي لا تحصى كثرة على وجه يقطع ذو الفطرة السليمة الواقف على تمام ما ورد في فضيلة العلم و العلماء أنّه أفضل السعادات و أشرف الكمالات، و أنّه ينبغي تقديمه على كلّ فضيلة، و إيثاره على كلّ طاعة، سواء في ذلك التزويج و غيره، و ما ورد في الأخبار من فضل النكاح ليس ممّا يداني فضيلة العلم و لا ممّا يقاربه؛ فلا يصلح المعارضة به، و لا الشك في أفضلية العلم بسببه، و إن لم يذكر ذلك صريحا فيما ورد به، كما هو واضح بأدنى تأمّل، فالواجب حينئذ تقديمه على ما يضادّه و يعارضه، و الاجتهاد في قطع ما يقدر عليه من العوائق الشاغلة و العلائق المانعة عن تحصيله، أو عن الاستكمال فيه، و لا ريب أنّ التزويج من أكبر الشواغل و أعظم الموانع، حتى اشتهر «أنّ العلم ذبح في فروج النساء». لكن قد يناقش هنا بأنّ النزاع هنا ... إلخ» ( «جواهر الكلام» ج 29/ 31- 32).

229

زماننا هذا فإنه و إن وجب على الأعيان و الكفاية على تفصيل فقد وجب في زماننا هذا على الأعيان مطلقا لأن فرض الكفاية إذا لم يقم به من فيه كفاية يصير كالواجب العيني في مخاطبة الكل به و تأثيمهم بتركه كما هو محقق في الأصول.

الخامس‏ (1)

[5-] أن يترك العشرة مع من يشغله عن مطلوبه‏

فإن تركها من أهم ما ينبغي لطالب العلم و لا سيما لغير الجنس و خصوصا لمن قلت فكرته و كثر تعبه و بطالته فإن الطبع سراق. و أعظم آفات العشرة ضياع العمر بغير فائدة و ذهاب العرض و الدين إذا كانت لغير أهل. و الذي ينبغي لطالب العلم أن لا يخالط إلا لمن يفيده أو يستفيد منه فإن احتاج إلى صاحب فليختر الصاحب الصالح الدَّيِّنَ التقي الذكي الذي إن نسي ذكره و إن ذكر أعانه و إن احتاج واساه و إن ضجر صبره فيستفيد من خلقه ملكة صالحة فإن لم يتفق مثل هذا فالوحدة و لا قرين السوء.

السادس‏ (2)

[6-] أن يكون حريصا على التعلم‏

مواظبا عليه في جميع أوقاته ليلا و نهارا سفرا و حضرا و لا يذهب شيئا من أوقاته في غير طلب العلم إلا بقدر الضرورة لما لا بد منه من أكل و نوم و استراحة يسيرة لإزالة الملل و مؤانسة زائر و تحصيل قوت و غيره مما يحتاج إليه أو لألم و غيره مما يتعذر معه الاشتغال فإن بقية العمر لا ثمن لها و من استوى يوماه فهو مغبون‏ (3).

____________

(1)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 83- 84.

(2)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 26- 27؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 62- 63.

(3)- حديث نبويّ مرويّ في «إرشاد القلوب» ج 1/ 87؛ و «تفسير كشف الأسرار» ج 4/ 459؛ و «عوالي اللآلي» ج 1/ 284. و هو أيضا مرويّ عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) في «بحار الأنوار» ج 78/ 327، باب مواعظ أبي الحسن موسى- نقلا عن «كشف الغمّة»-. و في «بحار الأنوار» ج 78/ 277 عن الصادق (عليه السلام): «من اعتدل يوماه فهو مغبون»؛ و أيضا فيه ج 71/ 173، الحديث 5- نقلا عن «أمالي الصدوق»- عن الصادق (عليه السلام): «من استوى يوماه فهو مغبون».

230

و ليس بعاقل من أمكنه الحصول على درجة ورثها الأنبياء ثم فوتها و من هنا قيل لا يستطاع العلم براحة الجسد (1) و قيل الجنة حفت بالمكاره‏ (2). و قيل‏

و لا بد دون الشهد من ألم النحل‏

(3) و قيل‏

لا تحسب المجد تمرا أنت آكله‏* * * لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

(4).

السابع‏

[7-] أن يكون عالي الهمة

فلا يرضى باليسير مع إمكان الكثير و لا يسوف في اشتغاله و لا يؤخر تحصيل فائدة و إن قلت تمكن منها و إن أمن فوات حصولها بعد ساعة لأن للتأخير آفات و لأنه في الزمن التالي يحصل غيرها حتى لو عرض له مانع عن الدرس فليشتغل بالمطالعة و الحفظ بجهده و لا يربط شيئا بشي‏ء. و ليعلم أنه إن أراد التأخير إلى زمن يكمل فيه الفراغ فهذا زمن لم يخلقه الله تعالى بعد بل لا بد في كل وقت من موانع و عوائق و قواطع فقاطع ما أمكنك منها قبل أن يقطعك كلها كما

وَرَدَ فِي الْخَبَرِ

الْوَقْتُ سَيْفٌ فَإِنْ قَطَعْتَهُ وَ إِلَّا قَطَعَكَ‏

(5)

.

____________

(1)- «المحدّث الفاصل»/ 202؛ «جامع بيان العلم و فضله» ج 1/ 109؛ «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 103؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 63؛ «تدريب الراوي» ج 2/ 141؛ «فتح الباقي» ج 2/ 224؛ «شرح ألفية العراقي» ج 2/ 224؛ «تذكرة السامع»/ 27، قاله يحيى بن أبي كثير. و جاء في «تذكرة السامع»/ 27: «الجسم» بدل «الجسد»، و هو أنسب.

(2)- عن أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين: «... إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقول: إنّ الجنّة حفّت بالمكاره، و إنّ النار حفّت بالشهوات» ( «نهج البلاغة» ص 251، قسم الخطب، الخطبة 176).

(3)- هذا عجز بيت للمتنبّي، و البيت ورد في «ديوان المتنبّي»/ 214 هكذا:

تريدين لقيان المعالي رخيصة* * * و لا بدّ دون الشهد من إبر النحل‏

و انظر «تذكرة السامع»/ 27؛ و «الأمثال و الحكم»/ 49.

(4)- «أمالي القالي» ج 1/ 146، رواه عن أبي بكر بن دريد عن بعض العرب؛ «شرح ديوان الحماسة» ج 3/ 1511، رواه عن رجل من بنى أسد. و في «لسان العرب» ج 4/ 442، «صبر»: «الصبر: عصارة شجر مرّ، واحدته:

صبرة، و جمعه: صبور ... و لا يسكن إلّا في ضرورة الشعر». و راجع «الأمثال و الحكم»/ 49.

(5)- اعلم أنّي لم أجد هذا الكلام في جوامع الحديث للشيعة و لأهل السنة، و ليس حديثا من أحاديث المعصومين (سلام اللّه عليهم أجمعين) ، بل يعدّ من كلمات مشايخ الصوفية، و إليك ما قال بعضهم في ذلك: في «كشف المحجوب»/ 482: «و مشايخ گفته‏اند: الوقت سيف قاطع، از آنك صفت شمشير بريدن است و صفت وقت بريدن؛ كى وقت بيخ مستقبل و ماضي را ببرد.»؛ و في «مشارق الدراري»/ 214: «... پس از اين جهت او را به شمشير نسبت كرده‏اند و گفته‏اند كه: الوقت سيف؛ يعني زود از ميان مى‏گذرد چنانكه شمشير.»؛ و في «تذكرة الأولياء»/ 254- نقلا عن الشافعي-: «... علم من در علم صوفيان نرسيد و علم ايشان در علم يك سخن پير من نرسيد كه گفت: الوقت سيف قاطع».-

231

و إلى هذا المعنى أشار بعض الأولياء الفضلاء (1) مشيرا إلى الحث على مقامات العارفين‏

و كن صارما كالوقت فالمقت في عسى‏* * * و إياك علي فهي أخطر علة

(2)

و سر زمنا و انهض كسيرا فحظك‏* * * البطالة ما أخرت عزما لصحة

و أقدم و قدم ما قعدت له مع‏* * * الخوالف و اخرج عن قيود التلفت‏

و جد بسيف العزم سوف فإن تجد* * * تجد نفسا فالنفس إن جدت جدت‏ (3)

____________

- و قال سعدي الشيرازي في «بوستان»/ 185، الباب 9:

مكن عمر ضايع به افسوس و حيف‏* * * كه فرصت عزيز است و الوقت سيف‏

و قال العارف الرومي:

قال أطعمني فإنّي جائع‏* * * و اعتجل فالوقت سيف قاطع‏

و على هذا، فالجملة من كلمات مشايخ الصوفية و ليس من أحاديث المعصومين (عليهم السلام)، و صرّح بذلك في «كشف الخفاء» ج 2/ 457 و قال: «ليس بحديث و هو من كلام بعض الحكماء». و المؤلّف (رحمه اللّه)، إنّما عبّر عنه في المتن بالخبر، و الخبر، كما في «شرح البداية»/ 6- 7، «أعمّ من أن يكون قول الرسول أو الإمام و الصحابيّ و التابعي و غيرهم من العلماء و الصلحاء، و قد يخصّ الحديث بما جاء عن المعصوم (عليه السلام)، و يخصّ الخبر بما جاء عن غيره، أو يجعل الحديث أعمّ من الخبر مطلقا».

و جاء في «إرشاد القلوب» ج 1/ 51- نقلا عن بعض العلماء-: «الليل و النهار يعملان فيك، فاعمل فيهما».

(1)- هو ابن الفارض في تائيّته الكبرى المعروفة، انظر «ديوان ابن الفارض»/ 63- 64؛ «مشارق الدراري»/ 214- 219.

(2)- ورد في المصدر: «علّا» بدل «عليّ»؛ و علّ لغة في لعلّ.

(3)- قال في «كشف الوجوه الغرّ لمعاني نظم الدّرّ» ج 1/ 142- 146، في شرح هذه الأبيات:

«... و نصب زمنا و كسيرا على الحال من الضمير في سروا نهض، ... أي سر للحجّ في حالكونك زمنا، و انهض و قم إلى الصلاة في حالكونك كسيرا مريضا؛ لأنّك ما دمت أخّرت عزم العمل إلى زمان الصحة لم تحظّ بشي‏ء سوى البطالة.

- ... يعني تقدّم في السلوك، و قدّم سبيلك كلّ ما قعدت لأجله في بيت الهوى من الحظوظ النفسانيّة و العصيان، و اخرج عن قيود الالتفات إلى الموانع ليفتح عليك أبواب العزائم.

- «فإن تجد»: من جاد بنفسه يجود جودا: إذا مات؛ و قوله «تجد نفسا»: من وجد يجد وجدانا: إذا صادف؛ و قوله «إن جدت»: من جاد الفرس يجود جودة؛ إذا سار جيدا؛ و قوله «جدّت»: من جدّ يجدّ جدّا:

إذا جهد؛ و الفاء في «فالنفس» للتعليل يتعلّق بقوله «و جدّ»، أي و اقطع بسيف العزم الصحيح «سوف أفعل» يعني تسويف النفس، و اشتغل بوظيفة الوقت، فإن تمت بعد ذلك تجد نفسا صالحا و ذلك هو الوقت الذي أدركته بالطاعة و أمرت بها، لأنّ النفس إن سرت سيرا جيدا صارت مجدّة ساعية في العمل، فإنّها إذا بعثت على الطاعة تدرّبت فيها و انتزعت الكراهة عنها، و حينئذ ينبعث منها داعية العمل».

و شرح سعيد الدين الفرغاني هذه الأبيات شرحا وافيا في شرحه على تائية ابن الفارض الموسوم ب «مشارق-

232

الثامن‏

[8-] أن يأخذ في ترتيب التعلم بما هو الأولى‏

و يبدأ فيه بالأهم فالأهم فلا يشتغل في النتائج قبل المقدمات و لا في اختلاف العلماء في العقليات و السمعيات قبل إتقان الاعتقاديات فإن ذلك يحير الذهن و يدهش العقل. و إذا اشتغل في فن فلا ينتقل عنه حتى يتقن فيه كتابا أو كتبا إن أمكن و هكذا القول في كل فن. و ليحذر التنقل من كتاب إلى كتاب و من فن إلى غيره من غير موجب فإن ذلك علامة الضجر و عدم الفلاح فإذا تحققت أهليته و تأكدت معرفته فالأولى له أن لا يدع فنا من العلوم المحمودة و نوعا من أنواعها إلا و ينظر فيه نظرا يطلع به على مقاصده و غايته ثم إن ساعده العمر و أنهضه التوفيق طلب التبحر فيه و إلا اشتغل بالأهم فالأهم فإن العلوم متقاربة و بعضها مرتبط ببعض غالبا. و اعلم أن العمر لا يتسع لجميع العلوم فالحزم أن يأخذ من كل علم أحسنه‏

____________

- الدراري»/ 214- 220 و نحن ننقل هنا بعض كلامه و نحيل من أراد التفصيل إليه:

أ- «و بباش شمشير برنده همچون وقت، أعني زمان حاضر، كه دشمن داشتن حقّ مر نفس تو را، در گفتار «اگر» توست؛ و دور باش از آنكه گوئى: «مگر من فردا چنين و چنين كنم» كه اين كلمه لعلّ خطرناكترين علّتى است مر نفس را.

ب- و راه مى‏رو همچنان كه بر جاى مانده‏اى؛ و برخيز در حال شكسته‏پايى كه نصيب تو بى‏كارى است ما دام كه در تأخير مى‏دارى عزيمت خود را تا به وقت درست شدن، و همين معنى را بعينه بعضى از مشايخ به اين عبارت گفته‏اند كه «سيروا إلى اللّه عرجا و مكاسير»، پس كأنّه شيخ ناظم اين معنى ايشان را به نظم آورده است.

ج- و پيش آى و پيش آور، أعني ترك كن هرچه را كه تو از براى آن بازپس نشسته‏اى در خانه تن با زنان يا خسيسان، أعني نفس و قواى حسّى او؛ و بيرون آى از بندهاى واپس‏نگرستيها.

د- و ببر به شمشير عزم صحيح، تسويف و تسويل نفس را، پس اگر تو نيكو و تيزروى در راه عشق و فنا، آنگاه بيابى دمى خوش؛ چه نفس را اگر فدا كنى و به معشوق بخشى، بختيار شود يا وجودى نو يابد.

در اين بيت تجنيس الفاظ به كار برده است، اوّل: جدّ، از جدّ است به معنى قطع از باب مضاعف؛ و دوّم: فإن تجد، از جودت است به معنى نيكرفتار شدن اسب از أجوف، نعت او جواد آيد؛ سوم: تجد، از وجدان به معنى يافتن است از معتل فاء؛ و چهارم: جدت، از جود به معنى جان دادن است از أجوف، نعت از وى جائد؛ و پنجم: جدّت، از جدّ به معنى بختيار شدن، يا از جدّه به معنى نو شدن است هم از باب مضاعف».

و لا يخفى بعض الاختلاف بين الشرحين في تفسير بعض الكلمات.

233

و يصرف جمام قوته في العلم الذي هو أشرف العلوم و هو العلم النافع في الآخرة مما يوجب كمال النفس و تزكيتها بالأخلاق الفاضلة و الأعمال الصالحة و مرجعه إلى معرفة الكتاب و السنة و علم مكارم الأخلاق و ما ناسبه‏

234

القسم الثاني آدابه مع شيخه و قدوته‏

و ما يجب عليه من تعظيم حرمته‏

[المقدمة]

[حق العالم على المتعلم‏]

قَالَ الصَّادِقُ (ع) كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) يَقُولُ‏

إِنَّ مِنْ حَقِّ الْعَالِمِ أَنْ لَا تُكْثِرَ عَلَيْهِ السُّؤَالَ وَ لَا تَأْخُذَ بِثَوْبِهِ وَ إِذَا دَخَلْتَ عَلَيْهِ وَ عِنْدَهُ قَوْمٌ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ جَمِيعاً وَ خُصَّهُ بِالتَّحِيَّةِ دُونَهُمْ وَ اجْلِسْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لَا تَجْلِسْ خَلْفَهُ وَ لَا تَغْمِزْ بِعَيْنِكَ وَ لَا تُشِرْ بِيَدِكَ وَ لَا تُكْثِرْ مِنَ الْقَوْلِ قَالَ فُلَانٌ وَ قَالَ فُلَانٌ خِلَافاً لِقَوْلِهِ وَ لَا تَضْجَرْ لِطُولِ صُحْبَتِهِ وَ إِنَّمَا مَثَلُ الْعَالِمِ مَثَلُ النَّخْلَةِ تَنْتَظِرُهَا مَتَى يَسْقُطُ عَلَيْكَ مِنْهَا شَيْ‏ءٌ وَ الْعَالِمُ أَعْظَمُ أَجْراً مِنَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏

(1)

وَ فِي حَدِيثِ الْحُقُوقِ الطَّوِيلِ الْمَرْوِيِّ عَنْ سَيِّدِ الْعَابِدِينَ (ع) (2)

وَ حَقُّ سَائِسِكَ بِالْعِلْمِ التَّعْظِيمُ لَهُ وَ التَّوْقِيرُ لِمَجْلِسِهِ وَ حُسْنُ الِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِ وَ الْإِقْبَالُ عَلَيْهِ وَ أَلَّا تَرْفَعَ عَلَيْهِ صَوْتَكَ وَ لَا تُجِيبَ أَحَداً يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يُجِيبُ وَ لَا تُحَدِّثَ فِي مَجْلِسِهِ أَحَداً وَ لَا تَغْتَابَ عِنْدَهُ أَحَداً وَ أَنْ تَدْفَعَ عَنْهُ إِذَا ذُكِرَ عِنْدَكَ بِسُوءٍ وَ أَنْ تَسْتُرَ عُيُوبَهُ وَ تُظْهِرَ مَنَاقِبَهُ وَ لَا تُجَالِسَ لَهُ عَدُوّاً وَ لَا تُعَادِيَ لَهُ وَلِيّاً فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ شَهِدَتْ لَكَ مَلَائِكَةُ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ بِأَنَّكَ قَصَدْتَهُ وَ تَعَلَّمْتَ‏

____________

(1)- «الكافي» ج 1/ 37، كتاب فضل العلم، باب حقّ العالم، الحديث 1، و فيه: «بطول» بدل «لطول» و: «فإنّما» بدل «و إنّما» و: «حتى يسقط» بدل «متى يسقط»؛ «المحاسن»/ 233، الحديث 185؛ «بحار الأنوار» ج 2/ 43 الحديث 9، نقلا عنه؛ «دستور معالم الحكم»/ 131- 132.

(2)- حديث الحقوق مرويّ في «كتاب من لا يحضره الفقيه» 2/ 376- 381، الحديث 1626؛ و «مكارم الأخلاق»/ 419- 424؛ و «تحف العقول»/ 184- 195.

235

عِلْمَهُ لِلَّهِ جَلَّ اسْمُهُ لَا لِلنَّاسِ‏

(1)

فيما حكاه الله عز و جل عن موسى (ع) حين خاطب الخضر ع‏

و فيما حكاه الله عز و جل عن موسى (ع) حين خاطب الخضر (ع) بقوله‏ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى‏ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (2). و في قوله‏ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (3). جملة جليلة من الآداب الواقعة من المتعلم لمعلمه مع جلالة قدر موسى (ع) و عظم شأنه و كونه من أولي العزم من الرسل ثم لم يمنعه ذلك من استعمال الآداب اللائقة بالمعلم و إن كان المتعلم أكمل منه من جهات أخرى. و لو أردنا استقصاء ما اشتمل عليه تخاطبهما من الآداب و الدقائق لخرجنا عن وضع الرسالة لكنا نشير إلى ما يتعلق بالكلمة الأولى و هي قوله‏ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى‏ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً. (4) فقد دلت على اثنتي عشرة فائدة من فوائد الأدب‏ (5) (الأولى) جعل نفسه تبعا له المقتضي لانحطاط المنزلة في جانب المتبوع‏ (6). (الثانية) الاستئذان بهل أي هل تأذن لي في اتباعك و هو مبالغة عظيمة في التواضع.

____________

(1)- «مكارم الأخلاق»/ 420؛ «كتاب من لا يحضره الفقيه» ج 2/ 377، الحديث 1626؛ «بحار الأنوار» ج 2/ 42، الحديث 6، نقلا عن «روضة الواعظين» و «الخصال» و «أمالي الصدوق».

(2)- سورة الكهف (18): 66.

(3)- سورة الكهف (18): 69.

(4)- سورة الكهف (18): 66.

(5)- لاحظ «تفسير الرازيّ» ج 21/ 151- 152.

(6)- هكذا في النسخ المخطوطة و نسخة «ه»، «ط» و «ن» و هو الصحيح قطعا؛ و حرف الجرّ «في» متعلّق ب «انحطاط المنزلة»، أي انحطاط منزلة التابع في جانب المتبوع، و الجانب يكون بمعنى الجهة و الناحية، من قولك «قعدت إلى جانب فلان». و جاء في نسخة «ص»، «ح» و «ع»: «التابع»، بدل «المتبوع»، و هو خطأ قطعا.

236

(الثالثة) تجهيل نفسه و الاعتراف لمعلمه بالعلم بقوله‏ عَلى‏ أَنْ تُعَلِّمَنِ‏. (الرابعة) الاعتراف له بعظيم النعمة بالتعليم لأنه طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله تعالى به أي يكون إنعامك علي كإنعام الله عليك و لهذا المعنى قيل أنا عبد من تعلمت منه‏ (1) و من علم إنسانا مسألة ملك رقه‏ (2). (الخامسة) أن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لكونه فعله لا لوجه آخر و دل ذلك على أن المتعلم يجب عليه من أول الأمر التسليم و ترك المنازعة. (السادسة) الإتيان بالمتابعة من غير تقييد بشي‏ء بل اتباعا مطلقا لا يقيد عليه فيه بقيد (3) و هو غاية التواضع. (السابعة) الابتداء بالاتباع ثم بالتعليم ثم بالخدمة ثم بطلب العلم. (الثامنة) أنه قال‏ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى‏ أَنْ تُعَلِّمَنِ‏ أي لم أطلب على تلك المتابعة إلا التعليم كأنه قال لا أطلب منك على تلك المتابعة مالا و لا جاها. (التاسعة) مِمَّا عُلِّمْتَ‏ إشارة إلى بعض ما علم أي لا أطلب منك المساواة بل بعض ما علمت فأنت أبدا مرتفع علي زائد القدر. (العاشرة) قوله‏ مِمَّا عُلِّمْتَ‏ اعتراف بأن الله علمه و فيه تعظيم للمعلِّم و العلم و تفخيم لشأنهما. (الحادية عشرة) قوله‏ رُشْداً طلب الإرشاد و هو ما لو لا حصوله لغوى و ضل و فيه اعتراف بشدة الحاجة إلى التعلم و هضم عظيم لنفسه و احتياج بين لعلمه.

____________

(1)- «تفسير الرازيّ» ج 21/ 151. و في «تذكرة السامع»/ 90- نقلا عن شعبة بن الحجاج-: «كنت إذا سمعت من الرجل الحديث كنت له عبدا ما يحيى». و في «تذكرة الأولياء»/ 253، نقلا عن الشافعي: «گفت: من بنده كسى‏ام كه مرا يك حرف از آداب تعليم كرده است».

(2)- في إجازة الشيخ محمّد بن أبي جمهور الأحسائي للسيّد محمود بن علاء الدين الطالقاني: «قال سيّد العالمين: من علّم شخصا مسألة ملك رقّه، فقيل له: أ يبيعه؟ قال: لا؛ و لكن يأمره و ينهاه» ( «بحار الأنوار» ج 108/ 16).

(3)- كذا في النسخ سوى نسخة «ض»، «ح» و «ع» فقد جاء فيها: «لا تقييد فيه بقيد» بدل «لا يقيّد عليه فيه بقيد» و لعلّه أصحّ؛ و في «تفسير الرازيّ» ج 21/ 151: «تاسعها: أنّ قوله «أتّبعك» يدلّ على طلب متابعته مطلقا في جميع الأمور غير مقيّد بشي‏ء دون شي‏ء».

237

(الثانية عشرة) ورد (1) أن الخضر (ع) علم أولا أنه نبي بني إسرائيل موسى (ع) صاحب التوراة الذي كلمه الله عز و جل بغير واسطة و خصه بالمعجزات و قد أتى مع هذا المنصب بهذا التواضع العظيم بأعظم أبواب المبالغة فدل على أن هذا هو الأليق لأن من كانت إحاطته بالعلوم أكثر كان علمه بما فيها من البهجة و السعادة أكثر فيشتد طلبه لها و يكون تعظيمه لأهل العلم أكمل. ثم مع هذه المعرفة من الخضر (ع) و هذه الغاية من الأدب و التواضع من موسى (ع) أجابه بجواب رفيع و كلام منيع مشتمل على العظمة و القوة و عدم الأدب مع موسى (ع) بل وصفه بالعجز و عدم الصبر بقوله‏ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (2).

[فوائد كثيرة من أدب المعلم و إعزازه المستفادة من قصة الخضر مع موسى‏]

و قد دلت هذه الكلمة الوجيزة أيضا على فوائد كثيرة من أدب المعلم و إعزازه للعلم و إجلاله لمقامه على وجه يقتضي التأسي به و لا دخل له بهذا الباب لكنا نذكر جملة منه لمناسبة المقام و له مدخل واضح في أصل الرسالة (الأولى) وصفه بعدم الصبر على تعلم العلم المقتضي لانحطاط قدره و سقوط محله بالإضافة إلى مقام الصابرين الذين وعدهم الله تعالى بالكرامة و بشرهم بالصلاة و الرحمة (3). (الثانية) نفيه عنه الاستطاعة على الصبر الموجب لقطع طمعه في السعي عليه و الاتصاف به و تحصيل أسبابه و هو في الأغلب أمر مقدور للبشر و كان غاية ما يقتضي الحال من المعلم توصيته بالصبر لا تعجيزه عنه.

____________

(1)- في «تفسير الرازيّ» ج 21/ 149: «روي أنّ موسى (عليه السلام) لمّا وصل إليه قال: السلام عليك. فقال:

و عليك السلام يا نبيّ بني إسرائيل. فقال موسى (عليه السلام): من عرّفك هذا؟ قال: الذي بعثك إليّ». و في «تفسير مجمع البيان» ج 6/ 483: «و قيل: إنّه رآه على طنفسة خضراء، فسلّم عليه فقال: و عليك السلام يا نبيّ بني إسرائيل. فقال له موسى: و ما أدراك من أنا و من أخبرك أنّي نبيّ؟ قال: من دلّك عليّ».

(2)- سورة الكهف (18): 67.

(3)- في قوله تعالى في سورة البقرة (2): 155- 157: «وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ، وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ».

238

(الثالثة) نفي الاستطاعة بلن المقتضية للنفي المؤبد على رأي جماعة من المحققين منهم الزمخشري‏ (1) و هو موجب لليأس منه لوقوع الإخبار به من معلم متبوع صادق. (الرابعة) توكيد الجملة بإن و اسمية الجملة و النفي بلن و غيرها من المؤكدات و هو غاية عظيمة في التعجيز و التضعيف. (الخامسة) الإشارة إلى أنك إن تخيل لك أنك صابر على حسب ما تجده من نفسك فأنت لا تعلم حالك عند صحبتي لأنك لم تصحبني بعد و الصبر الذي أنفيه عنك هو الصبر معي و هذا أمر أنا أعلم به لعلمي بمقدار ما تطلب تعلمه و جهلك به. (السادسة) التنبيه على عظم قدر العلم و جلالة شأنه و تفخيم أمره و أنه أمر يحتاج إلى الصبر العظيم الخارج عن عادات البشر إذ لا شك أن موسى كليم الله و نبيه أعظم شأنا و أكبر نفسا و أقوى صبرا و أعظم كمالا من غيره من الناس. (السابعة) التنبيه على أنه لا ينبغي أن يبذل العلم إلا لمن كان ذا صبر قوي و رأي سوي و نفس مستقيمة فإنه نور من الله تعالى لا ينبغي وضعه كيف اتفق و بذله لمن أراد بل لا بد من ممارسته قبل ذلك و اختباره و قابليته له بكل وجه. (الثامنة) التنبيه على أن علم الباطن أقوى مرتبة من علم الظاهر و أحوج إلى قوة الجنان و عزيمة الصبر فمن ثم كان موسى (ع) محيطا بعلم الظاهر على حسب استعداده و حاملا له بقوة و خوفه الخضر (ع) مع ذلك من عجزه عن الصبر على تحمل العلم الباطني و حذره من قلة الصبر و أراد (ع) بهذه المبالغة في نفيه أنه مما يشق تحمله عليك و يعسر تجشمه على جهة التأكيد في أمثال هذه‏

____________

(1)- في «الأنموذج»/ 292- المطبوع ضمن «جامع المقدمات»- حيث قال: «و لن نظيرة لا في نفي المستقبل و لكن على التأبيد [خ ل: على التأكيد]»؛ هذا، و لكن قال المحقّق الرضي الأسترآبادي (قدّس سرّه) في «شرح الكافية» ج 2/ 235: «لن معناها نفي المستقبل، هي تنفي المستقبل نفيا مؤكّدا، و ليس للدوام و التأبيد كما قال بعضهم».

و قال ابن هشام في «مغني اللبيب»/ 148، الباب الأوّل، حرف اللام، ذيل كلمة «لن»: «و لا تفيد لن توكيد النفي خلافا للزمخشري في كشّافه، و لا تأبيده خلافا له في أنموذجه، و كلاهما دعوى بلا دليل؛ قيل: و لو كانت للتأبيد لم يقيّد منفيّها باليوم في‏ «فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا»، و لكان ذكر الأبد في‏ «وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً» تكرارا و الأصل عدمه».

239

الخطابيات لا أنه غير مقدور البتة و إلا لما قال له موسى (ع) بعد ذلك‏ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً. (1) و قس على ما أشرنا إليه من الآداب و الوظائف ما تحتمله بقية الآيات فهي متقاربة في إفادة المعنى في هذا المقام و به يترقى من أراد التوصل إلى باقي المرام.

إذا تقرر ذلك فلنعد إلى ذكر الآداب المختصة بالمتعلم مع شيخه حسب ما قرره العلماء تفريعا على المنصوص منها و هي أمور.

الأول‏ (2) و هو أهمها

[1-] أن يقدم النظر فيمن يأخذ عنه العلم‏

و يكتسب حسن الأخلاق و الآداب منه فإن تربية الشيخ لتلميذه و نسبة إخراجه لأخلاقه الذميمة و جعل مكانها خلقا حسنا كفعل الفلاح الذي يقلع الشوك من الأرض و يخرج منها النباتات الخبيثة من بين الزرع ليحسن نباته و يكمل ريعه. و ليس كل شيخ يتصف بهذا الوصف بل ما أقل ذلك فإنه في الحقيقة نائب عن الرسول ص و ليس كل عالم يصلح للنيابة فليختر من كملت أهليته و ظهرت ديانته و تحققت معرفته و عرفت عفته و اشتهرت صيانته و سيادته و ظهرت مروته و حسن تعليمه و جاد تفهيمه و قد تقدم جملة أوصافه‏ (3). و لا يغتر الطالب بمن زاد علمه مع نقص في ورعه أو دينه أو خلقه. فإن ضرره في خلق المتعلم و دينه أصعب من الجهل الذي يطلب زواله و أشد ضررا. و عن جماعة من السلف هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم‏ (4). و مما يؤنس به أن يكون له مع مشايخ عصره كثرة بحث و طول اجتماع و زيادة

____________

(1)- سورة الكهف (18): 69.

(2)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 85- 87؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 60.

(3)- في النوع الثاني من هذا الباب.

(4)- «سنن الدارميّ» ج 1/ 112، 113؛ «صحيح مسلم» ج 1/ 14، المقدّمة، الباب 5؛ «المحدّث الفاصل»/ 304، 416؛ «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 96، 98، 178؛ «تذكرة السامع»/ 85؛ «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 23.

240

ممارسة و ثناء منهم على سمته و خلقه و بحثه. و ليحترز ممن أخذ علمه من بطون الكتب من غير قراءة على الشيوخ خوفا من وقوعه في التصحيف و الغلط و التحريف. قال بعض السلف من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام‏ (1). و قال آخر إياكم و الصحفيون‏ (2) الذين يأخذون علمهم من الصحف فإن ما يفسدون أكثر مما يصلحون‏ (3). و ليحذر من التقيد بالمشهورين و ترك الأخذ من الخاملين فإن ذلك من الكبر على العلم و هو عين الحماقة لأن الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها (4) و يغتنمها حيث ظفر بها و يتقلد المنة ممن ساقها إليه و ربما يكون الخامل ممن ترجى بركته فيكون النفع به أعم و التحصيل من جهته أتم. و إذا سبرت أحوال السلف و الخلف لم تجد النفع غالبا إلا إذا كان للشيخ من التقوى و النصح و الشفقة للطلبة نصيب وافر و كذلك إذا اعتبرت المصنفات وجدت الانتفاع بتصنيف الأتقى أوفر و الفلاح بالاشتغال به أكثر و بالعكس حال العالم المجرد.

الثاني‏

[2-] أن يعتقد في شيخه أنه الأب الحقيقي و الوالد الروحاني‏

هو أعظم من الوالد الجسماني فيبالغ بعد الأدب في حقه كما تقدم‏ (5) في رعاية حق أبوته و وفاء حق‏

____________

(1)- قاله الشافعي كما في «تذكرة السامع»/ 87؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 64.

(2)- هكذا في النسخ المخطوطة و لعلّه من باب الحكاية، و إلّا فالصحيح «و الصحفيّين» بالنصب، كما لا يخفى.

(3)- في «تحرير الاحكام الشرعية» ج 1/ 3؛ و «عوالي اللآلي» ج 4/ 78: «قال (صلّى اللّه عليه و آله): خذ العلم من أفواه الرجال. و نهى عن الأخذ ممّن أخذ علمه من الدفاتر، و قال: لا يغرّنّكم الصحفيون»؛ و في «الكفاية في علم الرواية»/ 194، نقلا عن بعضهم: «لا تأخذوا العلم من الصحفيّين»؛ و في «محاضرات الأدباء» ج 1/ 106:

«قيل: لا تأخذوا العلم من صحفي»؛ و في «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 97: «... لا تأخذوا العلم من الصحفيين ...

لا يفتي الناس الصحفيون، و قال أبو زرعة: لا يفتي الناس صحفي و لا يقرئهم مصحفي»؛ و في «تذكرة السامع»/ 87- نقلا عن بعضهم-: «من أعظم البليّة تشيّخ الصحيفة. أي الذين تعلّموا من الصحف».

(4)- عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «الحكمة ضالّة المؤمن، فخذ الحكمة و لو من أهل النفاق» ( «نهج البلاغة»، ص 481، قسم الحكم، الحكمة 80)؛ و في «محاضرات الأدباء» ج 1/ 50: «قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله):

الحكمة ضالّة المؤمن أينما وجدها قيّدها».

(5)- في أوّل القسم الثاني من النوع الثالث من هذا الباب، ص 234- 235.

241

تربيته و قد سئل الإسكندر (ع) ما بالك توقر معلمك أكثر من والدك فقال لأن المعلم سبب لحياتي الباقية و والدي لحياتي الفانية (1). و أيضا لم يقصد الوالد في الأغلب في مقاربة والدته وجوده و لا كمال وجوده و إنما قصد لذة نفسه فوجد هو و على تقدير قصده لذلك فالقصد المقترن بالفعل أولى من القصد الخالي عنه و أما المعلم فقصد تكميل وجوده و سببه و بذل فيه جهده و لا شرف لأصل الوجود إلا بالإضافة إلى العدم فإنه حاصل للديدان و الخنافس و إنما الشرف في كماله و سببه المعلم. و قد روي أن السيد الرضي الموسوي (قدّس اللّه روحه)(2) كان عظيم النفس عالي الهمة أَبِيَّ الطبع لا يقبل لأحد منة (3) و له في ذلك قصص غريبة مع الخليفة العباسي حين أراد صلته بسبب مولود ولد له‏ (4) و غيره و منها أن بعض مشايخه‏ (5) قال له يوما بلغني أن دارك ضيقة لا تليق بحالك و لي دار واسعة صالحة لك قد وهبتها لك فانتقل إليها فأبى فأعاد عليه الكلام فقال يا شيخ أنا لم أقبل بر أبي قط فكيف‏

____________

(1)- «محاضرات الأدباء» ج 1/ 45؛ «أخلاق ناصري»/ 271؛ «الذريعة إلى مكارم الشريعة»/ 119.

(2)- نرجو من يرغب التفصيل عن حياة الرضيّ و آثاره القيّمة أن يراجع نشرة «تراثنا» العدد الخامس.

(3)- قال ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» ج 1/ 33: «و كان عفيفا شريف النفس، عالي الهمّة ملتزما بالدين و قوانينه، و لم يقبل من أحد صلة و لا جائزة، حتّى أنّه ردّ صلات أبيه، و ناهيك بذلك شرف نفس و شدّة ظلف؛ فأمّا بنو بويه فإنّهم اجتهدوا على قبوله صلاتهم فلم يقبل».

(4)- «شرح نهج البلاغة» ج 1/ 39- 40؛ قال فيه: «و قرأت بخطّ محمّد بن إدريس الحلّي الفقيه الإماميّ، قال:

حكى أبو حامد أحمد بن محمّد الأسفراييني الفقيه الشافعي، قال: كنت يوما عند فخر الملك أبي غالب محمّد ابن خلف وزير بهاء الدولة و ابنه سلطان الدولة، فدخل عليه الرضي أبو الحسن، فأعظمه و أجلّه و رفع من منزله، و خلّى ما كان بيده من الرقاع و القصص و أقبل عليه يحادثه إلى أن انصرف ... فقال [يعني فخر الملك‏]: هذا كتاب الرضي، اتّصل بي أنّه قد ولد له ولد، فأنفذت إليه ألف دينار، قلت له: هذه للقابلة فقد جرت العادة أن يحمل الأصدقاء إلى أخلائهم و ذوي مودّتهم مثل هذا في مثل هذه الحال، فردّها و كتب إليّ هذا الكتاب فاقرأه. قال [يعني أبا حامد الأسفراييني‏]: فقرأته، و هو اعتذار عن الردّ و في جملته: إنّنا أهل بيت لا يطلع على أحوالنا قابلة غريبة، و إنّما عجائزنا يتولّين هذا الأمر من نسائنا و لسن ممّن يأخذن أجرة و لا يقبلن صلة ...» و انظر لنقد و تزييف بعض هذه الحكاية- الذي لم ننقله- مقالة «الرضي و المرتضى كوكبان»، المطبوع في نشرة «تراثنا»، العدد الخامس، ص 248- 262.

(5)- هو الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمّد الطبريّ الفقيه المالكي كما في «شرح نهج البلاغة» ج 1/ 34.

242

من غيره فقال له الشيخ إن حقي عليك أعظم من حق أبيك لأني أبوك الروحاني و هو أبوك الجسماني فقال السيد رحمه الله قد قبلت الدار (1) و من هنا قال بعض الفضلاء

من علم العلم كان خير أب‏* * * ذاك أبو الروح لا أبو النطف‏ (2)

.

الثالث‏

[3-] أن يعتقد أنه مريض النفس‏

لأن المرض هو الانحراف عن المجرى الطبيعي و طبع النفس العلم و إنما خرجت عن طبعها بسبب غلبة أخلاط القوى البدنية و يعتقد أن شيخه طبيب مرضه لأنه يرده إلى المجرى الطبيعي فلا ينبغي أن يخالفه فيما يشير عليه كأن يقول له اقرأ الكتاب الفلاني أو اكتب بهذا القدر من الدرس لأنه إن خالفه كان بمنزلة المريض يرد على طبيبه في وجه علاجه. و قد قيل في الحكم مراجعة المريض طبيبه توجب تعذيبه‏ (3) و كما أن الواجب على المريض ترك تناول المؤذيات و الأغذية المفسدة للدواء في حضرة الطبيب و غيبته كذلك المتعلم فيجب أن يطهر نفسه من النجاسة المعنوية التي غاية المعلم النهي عنها من الحقد و الحسد و الغضب و الشره و الكبر و العجب و غيرها من الرذائل و يقطع مادة المرض رأسا لينتفع بالطبيب.

الرابع‏ (4)

[4-] أن ينظره بعين الاحترام‏

و الإجلال و الإكرام و يضرب صفحا عن عيوبه فإن ذلك أقرب إلى انتفاعه به و رسوخ ما يسمعه منه في ذهنه. و لقد كان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدق بشي‏ء و قال اللهم استر عيب معلمي عني و لا تذهب ببركة علمه مني‏ (5).

____________

(1)- «شرح نهج البلاغة» ج 1/ 34.

(2)- «أدب الدنيا و الدين»/ 77؛ و قبله:

«آباء أجسادنا هم سبب‏* * * لأن جعلنا عرائض التّلف»

و في البيت الثاني: «علّم الناس» بدل «علّم العلم».

(3)- لم أجده في كثير من كتب الحكم و الأمثال الذي راجعته و تصفّحته.

(4)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 88- 89؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 60- 61.

(5)- «تذكرة السامع»/ 88؛ «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 121؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 61.

243

و قال آخر كنت أصفح الورقة بين يدي شيخي صفحا رفيقا هيبة له لئلا يسمع وقعها أو قال رفعها (1). و قال آخر و الله ما اجترأت أن أشرب الماء و شيخي ينظر إلي هيبة له‏ (2). و قال حمدان الأصفهاني كنت عند شريك‏ (3) فأتاه بعض أولاد الخليفة المهدي‏ (4) فاستند إلى الحائط و سأله عن حديث فلم يلتفت إليه و أقبل علينا ثم عاد فعاد شريك لمثل ذلك فقال أ تستخف بأولاد الخلفاء قال لا و لكن العلم أجل عند الله من أن أضيعه فجثا على ركبتيه فقال شريك هكذا يطلب العلم‏ (5).

الخامس‏

[5-] أن يتواضع له زيادة على ما أمر به من التواضع‏

للعلماء و غيرهم و يتواضع للعلم فبتواضعه له يناله و ليعلم أن ذله لشيخه عز و خضوعه له فخر و تواضعه له رفعة و تعظيم حرمته مثوبة و التشمر في خدمته شرف‏

وَ قَدْ قَالَ النَّبِيُّ ص‏

تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَ تَعَلَّمُوا لِلْعِلْمِ السَّكِينَةَ وَ الْوَقَارَ وَ تَوَاضَعُوا لِمَنْ تَعَلَّمُونَ مِنْهُ‏

(6)

وَ قَالَ ص‏

مَنْ عَلَّمَ أَحَداً مَسْأَلَةً مَلَكَ رِقَّهُ قِيلَ أَ يَبِيعُهُ وَ يَشْتَرِيهِ قَالَ بَلْ يَأْمُرُهُ وَ يَنْهَاهُ‏

(7)

.

____________

(1)- قاله الشافعي و أراد من شيخه مالك بن أنس، كما في «تذكرة السامع»/ 88؛ و «شرح المهذّب» ج 1/ 61؛ و «فيض القدير» ج 3/ 253، و فيه: «قال الشافعي: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك برفق لئلا يسمع وقعها».

(2)- قاله الربيع و أراد من شيخه الشافعي، كما في «تذكرة السامع»/ 88؛ و «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 23- 24؛ و «شرح المهذّب» ج 1/ 61؛ و «فيض القدير» ج 3/ 253، و فيه: «قال الربيع: و اللّه ما اجترأت أن أشرب الماء و الشافعي ينظر».

(3)- هو شريك بن عبد اللّه النخعيّ الكوفيّ المتوفّى سنة 177 ه. انظر ترجمته و مصادر ترجمته في «الأعلام» ج 3/ 163؛ و «تذكرة الحفاظ» ج 1/ 232؛ و «وفيات الأعيان» ج 2/ 464- 468.

(4)- هو محمّد بن عبد اللّه المنصور بن محمّد بن علي العباسيّ، من خلفاء الدولة العباسية، مات سنة 169 ه انظر ترجمته و مصادر ترجمته في «الأعلام» ج 6/ 221.

(5)- «شرح المهذّب» ج 1/ 61؛ «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 133.

(6)- «الجامع الصغير» ج 1/ 131، حرف التاء، و شرحه: «فيض القدير» ج 3/ 253، الحديث 3322؛ «قوت القلوب» ج 1/ 140؛ «كنز العمّال» ج 10/ 141، الحديث 28717.

(7)- في إجازة الشيخ محمّد بن أبي جمهور الأحسائي للسيّد محمود بن علاء الدين الطالقاني: «قال سيّد العالمين: من علّم-

244

و أنشد بعض العلماء

أهين لهم نفسي لكي يكرمونها* * * و لن تكرم النفس التي لا تهينها (1)

.

السادس‏

[6-] أن لا ينكر عليه و لا يتأمر و لا يشير عليه بخلاف رأيه‏

فيرى أنه أعلم بالصواب منه بل ينقاد إليه في أموره كلها و يلقي إليه زمام أمره رأسا و يذعن لنصحه و يتحرى رضاه و إن خالف رأي نفسه و لا يستبق معه رأيا و لا اختيارا و يشاوره في أموره كلها و يأتمر بأمره و لا يخرج عن رأيه و تدبيره باللسان و القلب قال بعض العلماء (2) خطأ المرشد أنفع للمسترشد من صوابه في نفسه و في قصة موسى و الخضر (ع) تنبيه على ذلك‏ (3).

____________

- شخصا مسألة ملك رقّه، فقيل له: أ يبيعه؟ قال: لا؛ و لكن يأمره و ينهاه» ( «بحار الأنوار» ج 108/ 16). و في «جامع بيان العلم و فضله» ج 1/ 154: «... سمعت شعبة يقول: كل من سمعت منه حديثا فأنا له عبد».

(1)- في «أمالي المرتضى» ج 1/ 205: «و قيل لأبي دؤاد الإيادي- و نظر إلى بنته تسوس فرسه-: أهنتها يا أبا دؤاد! فقال: أهنتها بكرامتي، كما أكرمتها بهواني. و مثل ذلك قول أعرابي لحقه ذلّ على باب السلطان:

أهين لهم نفسي لأكرمها بهم‏* * * و لن تكرم النفس التي لا تهينها»؛

و في «محاضرات الأدباء ج 1/ 300: «و يروى عن الشافعي: أهين لهم ... البيت»؛ و في «جامع بيان العلم و فضله» ج 1/ 142: «... فأنشأ الشافعي: أهين لهم ... البيت»؛ و في «قوت القلوب» ج 2/ 228: «... قال:

كثيرا ما كنت أسمع الشافعي يقول:

أهين لهم نفسي لكي يكرمونها* * * و لن تكرم النفس التي لا تهينها»؛

و في «طبقات الشافعية» ج 2/ 165: «قال الربيع: كتب إلىّ البويطي أن اصبر نفسك للغرباء و حسّن خلقك لأهل حلقتك، فإنّى لم أزل أسمع الشافعي يكثر أن يتمثل بهذا البيت:

أهين لهم نفسى لكي يكرمونها* * * و لن تكرم النفس التي لا تهينها»؛

و في «تذكرة السامع»/ 87: «يقال: إنّ الشافعي عوتب على تواضعه للعلماء فقال:

أهين لهم نفسي فهم يكرمونها* * * و لن ... البيت».

و مثل هذا البيت ما في «تعليم المتعلّم»/ 24:

أرى لك نفسا تشتهي أن تعزّها* * * فلست تنال العزّ حتّى تذلّها».

(2)- هو الغزالي، قاله في «إحياء علوم الدين» ج 1/ 45. و انظر أيضا «تذكرة السامع»/ 88؛ و «ميزان العمل»/ 116.

(3)- في «إحياء علوم الدين» ج 1/ 45: «... و قد نبّه اللّه تعالى بقصة الخضر و موسى (عليهما السلام)؛ حيث قال الخضر: «إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً» ثمّ شرط عليه السكوت و التسليم، فقال: «فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً» ثمّ لم يصبر و لم يزل في مرادته إلى أن كان ذلك سبب الفراق بينهما. و بالجملة كلّ متعلّم استبقى لنفسه رأيا و اختيارا دون اختيار المعلّم، فاحكم عليه بالإخفاق و الخسران».

245

و نقل بعض الأفاضل عن بعض مشايخه قال حكيت لشيخي مناما لي فقلت رأيت أنك قلت لي كذا و كذا فقلت لك لم ذاك قال فهجرني شهرا و لم يكلمني و قال لو لا أنه كان في باطنك تجويز المطالبة و إنكار ما أقوله لك لما جرى ذلك على لسانك في المنام. و الأمر كما قال إذ قلما يرى الإنسان في منامه‏ (1) خلاف ما يغلب في اليقظة على قلبه.

السابع‏

[7-] أن يبجله في خطابه و جوابه في غيبته و حضوره‏

و لا يخاطبه بتاء الخطاب و كافه و لا يناديه من بعد بل يقول يا سيدي و يا أستاذ و ما أشبه ذلك و يخاطبه بصيغ الجمع تعظيما نحو ما تقولون في كذا و ما رأيكم في كذا و قلتم رضي الله عنكم أو تقبل الله منكم أو رحمكم الله. و لا يسميه في غيبته باسمه إلا مقرونا بما يشعر بتعظيمه كقوله قال الشيخ أو الأستاذ أو شيخنا أو شيخ الإسلام و نحو ذلك.

الثامن‏ (2)

[8-] تعظيم حرمته في نفسه و اقتداؤه به‏

و مراعاة هديه‏ (3) في غيبته و بعد موته فلا يغفل عن الدعاء له مدة حياته و يرد غيبته و يغضب لها (4) زيادة عما يجب رعايته في غيره فإن عجز عن ذلك قام و فارق المجلس. و يرعى ذريته و أقاربه و أوداءه و محبيه في حياته و بعد موته و يتعاهد زيارة قبره و الاستغفار له و الترحم عليه و الصدقة عنه و يسلك في السمت و الهدي مسلكه و يراعي في العلم و الدين عادته و يقتدي بحركاته و سكناته في عباداته و عاداته و يتأدب بآدابه و من ثم كان الأهم تحصيل شيخ صالح ليحسن الاقتداء به. ثم إن قدر على الزيادة عليه بعد الاتصاف بصفته فعل و إلا اقتصر على‏

____________

(1)- لم أظفر بناقل الحكاية و مصدرها.

(2)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 90.

(3)- هكذا في النسخ المخطوطة و «ه»، و هو بمعنى: سيرته؛ قال في «المصباح المنير»/ 783، مادة «هدي»: «و الهدي مثال فلس: السيرة»؛ و في النسخ المطبوعة سوى «ه»: «هذه» بدل «هديه»، و هو خطأ كما لا يخفى، و يحتمل بعيدا أن يكون الصواب «هذين»، إشارة إلى تعظيم حرمته في نفسه و اقتدائه به. فتأمّل.

(4)- أي لحرمته كما في هامش «ة»، و يمكن أن يكون الضمير عائدا إلى غيبته.

246

التأسي فبه يظهر أثر الصحبة.

التاسع‏ (1)

[9-] أن يشكر الشيخ على توقيفه [توفيقه‏] له‏

على ما فيه فضيلة و على توبيخه له على ما فيه نقيصة أو كسل يعتريه أو قصور يعانيه أو غير ذلك مما في إيقافه عليه و توبيخه إرشاده و صلاحه‏ (2) و يعد ذلك من الشيخ من جملة النعم عليه باعتناء الشيخ به و نظره إليه فإن ذلك أميل لقلب الشيخ و أبعث له على الاعتناء بمصالحه. و إذا وقفه الشيخ على دقيقة من أدب أو نقيصة صدرت منه و كان يعرف ذلك من قبل فلا يظهر أنه كان عارفا به و غفل عنه بل يشكر الشيخ على إفادته ذلك و اعتنائه بأمره ليكون بذلك مستدعيا للعود إلى النصيحة في وقت الحاجة فإن كان له في ذلك عذر و كان إعلام الشيخ به أصلح فلا بأس به و إلا فيتركه إلا أن يترتب على ترك بيان العذر مفسدة فيتعين إعلامه به.

العاشر (3)

[10-] أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه أو سوء خلق‏

و لا يصده ذلك عن ملازمته و حسن عقيدته و اعتقاد كماله و يتأول أفعاله التي ظاهرها مذموم على أحسن تأويل و أصحه فما يعجز عن ذلك إلا قليل التوفيق. و يبدأ هو عند جفوة شيخه بالاعتذار و التوبة مما وقع و الاستغفار و ينسب الموجب إليه و يجعل العتب فيه عليه فإن ذلك أبقى لمودة شيخه و أحفظ لقلبه و أنفع للطالب في آخرته و دنياه. و عن بعض السلف من لم يصبر على ذل التعليم بقي عمره في عماية الجهالة و من صبر عليه آل أمره إلى عز الدنيا و الآخرة (4).

____________

(1)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 92- 93.

(2)- هكذا في «ه»، «ط»، «ن» و «تذكرة السامع»/ 93. و في «ز»، «م» و «ق»: «أو غير ذلك ممّا فيه إشفاقه عليه و توبيخه و إرشاده و صلاحه». و في «ض» و «ح»: «أو غير ذلك ممّا فيه إشفاقه عليه، و توبيخه إرشاده و صلاحه»؛ و كيف ما كان فلا تخلو العبارة من الاضطراب.

(3)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 91- 92؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 63.

(4)- «تذكرة السامع»/ 91؛ «جامع بيان العلم و فضله» ج 1/ 118؛ «أدب الدنيا و الدين»/ 75؛ «عدّة-

247

" وَ مِنْهُ الْأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا

ذَلَلْتُ طَالِباً

(1)

فَعَزَزْتُ مَطْلُوباً

و قال بعضهم مثل الذي يغضب على العالم مثل الذي يغضب على أساطين الجامع‏ (2). و قيل لسفيان بن عيينة إن قوما يأتونك من أقطار الأرض تغضب عليهم يوشك أن يذهبوا و يتركوك فقال للقائل هم حمقى إذا مثلك أن يتركوا ما ينفعهم لسوء خلقي‏ (3) و لبعضهم‏

اصبر لدائك إن جفوت طبيبه‏* * * و اصبر لجهلك إن جفوت معلما (4)

.

____________

- الداعي»/ 71؛ «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 26؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 63. و في «غرر الحكم» ج 5/ 411، الحديث 8971: «من لم يصبر على مضض التعليم بقي في ذلّ الجهل».

(1)- «عيون الأخبار» ج 2/ 122؛ «جامع بيان العلم و فضله» ج 1/ 142؛ «أدب الدنيا و الدين»/ 75؛ «إحياء علوم الدين» ج 1/ 9؛ «عدّة الداعي»/ 71؛ «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 26؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 63.

(2)- قاله معافى بن عمران كما في «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 146؛ و «تذكرة السامع»/ 91.

(3)- «تذكرة السامع»/ 91- 92. و انظر «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 145.

(4)- في «أدب الدنيا و الدين»/ 75: «قال بعض الشعراء:

إنّ المعلّم و الطبيب كلاهما* * * لا ينصحان إذا هما لم يكرما

فاصبر لدائك إن أهنت طبيبه‏* * * و اصبر لجهلك إن جفوت معلّما»

و مثله في «محاضرات الأدباء» ج 1/ 53؛ و «تعليم المتعلّم»/ 9، إلّا أنّ فيهما: «جفوت طبيبه» بدل «أهنت طبيبه»؛ و في «كليله و دمنة»، تحقيق مجتبى مينوي، ص 94:

«فاصبر لدائك إن جفوت معالجا* * * و اقنع بجهلك إن جفوت معلّما»

و في «كليله و دمنة»، تحقيق الأستاذ حسن‏زاده الآملي، ص 138:

«إنّ المعلّم و الطبيب كلاهما* * * لا ينصحان إذا هما لا يكرما

فاصبر لدائك إن جفوت طبيبه‏* * * و اقنع بجهلك إن أهنت معلّما»

و علّق الأستاذ دام تأييده هنا بقوله- نقلا عن بعضهم-: «و الشعر من أبي العلاء المعرّي». أقول: و لكنّي راجعت إلى بعض كتب المعرّي- أعني «ديوان سقط الزند»؛ و «اللزوميات أو لزوم ما لا يلزم»- و تصفّحتهما فلم أجده فيهما. نعم، أنشأ المعرّي- كما في «اللزوميات أو لزوم ما لا يلزم»/ 206، و «إحياء علوم الدين» ج 4/ 52- هذين البيتين:

قال المنجّم و الطبيب كلاهما* * * لا تحشر الأجساد قلت إليكما

إن صحّ قولكما فلست بخاسر* * * أو صحّ قولي فالخسار عليكما

و يحتمل بعيدا اشتباه هذا بذاك لمن نسبهما إلى المعرّي؛ و كيف ما كان، فضمير طبيبه عائد إلى الداء، و أيضا،-

248

و للسلف الصالح في صبرهم مع مشايخهم أقاصيص غريبة (1) لو أتينا عليها لطال الخطب.

الحادي عشر

[11-] أن يجتهد على أن يسبق بالحضور إلى المجلس‏

قبل حضور الشيخ و يحمل على ذلك نفسه و إن أنتظره على باب داره ليخرج و يمشي معه إلى المجلس فهو أولى مع تيسره. و يحترز عن‏ (2) أن يتأخر في الحضور عن حضور الشيخ فيدع الشيخ في انتظاره فإن فاعل ذلك من غير ضرورة أكيدة معرض نفسه للمقت و الذم نسأل الله العافية. حكى ياقوت‏ (3) في معجمه‏ (4) عن هارون بن موسى القيسي‏

____________

- «كلاهما» في قوله «إنّ المعلّم و الطبيب كلاهما» بالرفع صحيح، فلا يذهب عليك أنّ الصواب «كليهما» بالنصب و الرفع خطأ، و انظر للاطلاع على هذا البحث «مغني اللبيب»/ 106، حرف الكاف، ذيل «كلا و كلتا».

(1)- أقول: منها ما وقع للمحدّث الجزائريّ مع بعض أساتذته، انظر لمزيد الاطّلاع «الأنوار النعمانية» ج 4/ 303، 305.

(2)- في «ز»، «م»، «ه»، «ق»، «ط» و «ن»: «و يحرص عن» بدل «يحترز عن»، و ما أثبتناه مطابق لسائر النسخ و لعلّه الصواب، إلّا أن يكون «يحرص عن» بمعنى «يرغب و يحترز عن».

(3)- هو ياقوت بن عبد اللّه الرومي الحموي المتوفّى سنة 626 ه. وردت ترجمته و مصادر ترجمته في «وفيات الأعيان» ج 6/ 127- 139؛ و «الأعلام» ج 8/ 131؛ و «معجم المؤلّفين» ج 3/ 178- 179.

(4)- اعلم أنّي تصفّحت و تتبّعت جميع «معجم الأدباء» و «معجم البلدان» لياقوت الحموي مرّتين، و بذلت جهدي في ذلك ليالي و أيّاما بما لا يتحمّل عادة؛ فلم أجد هذه الحكاية في هذين الكتابين؛ نعم قال ياقوت في كتابه «معجم البلدان» ج 5/ 58، مادة «مجر»:

«مجريط ... بلدة بالأندلس، ينسب إليها هارون بن موسى بن صالح بن جندل القيسي الأديب القرطبيّ، أصله من مجريط، يكنّى أبا نصر، سمع من أبي عيسى الليثي و أبي على القالي. روى عنه الخولاني. و كان رجلا صالحا صحيح الأدب، و له قصّة مع القالي ذكرتها في أخباره من كتاب الأدباء [يعني «معجم الأدباء»].

و مات المجريطي لأربع بقين من ذي القعدة سنة 401. قاله ابن بشكوال».

و لكن ليس في «معجم الأدباء» المطبوع ترجمة هارون بن موسى أصلا، و لم يذكر ياقوت هذه القصة في ترجمة إسماعيل بن قاسم المعروف بأبي علي القالي في «معجم الأدباء» ج 7/ 25- 33، و لا في ترجمة أحمد بن موسى بن عبّاس بن مجاهد في ج 5/ 65- 73؛ فلا بدّ أن نقول: جاءت هذه القصة و ترجمة هارون بن موسى في «معجم الأدباء» كما قال الشهيد و ياقوت نفسه في «معجم البلدان» ج 5/ 58؛ و لكن لم يطبع إلى الآن جميع «معجم الأدباء»، كما قال مؤلّف «الأعلام في معجم البلدان» في مقدّمة كتابه هذا، ص 11، بشأن «معجم-

249

القرطبي‏ (1) قال كنا نختلف إلى أبي علي القالي [وقت إملائه النوادر بجامع الزهراء] (2) و نحن في فصل الربيع فبينما أنا يوما في بعض الطريق إذ أخذتني سحابة فما وصلت إلى مجلسه حتى ابتلت ثيابي كلها و حول أبي علي أعلام أهل البلد فأمرني بالدنو منه و قال لي مهلا يا أبا نصر لا تأسف على ما عرض فهذا شي‏ء يضمحل و يزول بسرعة بثياب غيرها تبدلها ثم قال‏ (3) كنت أختلف إلى ابن مجاهد (4) فادلجت‏ (5) عليه لأتقرب منه فلما انتهيت إلى الدرب الذي كنت أخرج منه إلى منزله ألفيته مغلقا و تعسر علي فتحه فقلت سبحان الله أبكر

____________

- الأدباء»، نقلا عن كتاب «تاريخ آداب اللغة العربية» ج 3/ 93:

«يدخل في مجلّدات عدة متفرقة في مكاتب أروبا و الآستانة، لا يطمع في الحصول على نسخة كاملة منها، فنشط الأستاذ مرجليوث للاشتغال بجمع شتات هذا الكتاب و الوقوف على طبعه، و اهتمّت لجنة تذكار جيب بنشر ما يمكن العثور عليه من أجزائه، فوفّقنا حتّى الآن إلى نشر خمسة أجزاء منه، و هي: الأوّل و الثاني و نصف الثالث من مكتبة آكسفورد و الخامس من مكتبة كوبرلي بالآستانة، و السادس تحت الطبع ينقص القسم الأخير منه، و السعي متواصل في البحث عن مظانّ سائر الأجزاء. و أخبرنا الأستاذ المشار إليه أنّه ساع في البحث عن أجزاء أخرى يتوقّع وجودها في لكنا و الهند، ثمّ جاءنا كتابه ... أنّه لم يوفّق إلى وجود شي‏ء هناك، و لا في مكان آخر، لكن ذلك لا يمنع أن يكون منه شي‏ء في بعض المكتبات الخصوصية التي لم يصله خبرها ...».

نعم ظفرت على هذه الحكاية في «إنباه الرواة» ج 3/ 362- 363؛ و «الصلة» ج 2/ 656- 657، و عبارات المؤلّف (رحمه اللّه)، أكثر انطباقا على ما في «إنباه الرواة» ممّا في «الصلة».

(1)- هو أبو نصر هارون بن موسى بن صالح بن جندل القيسي القرطبيّ، المجريطي الأصل، توفي في سنة 401 ه.

وردت ترجمته و مصادر ترجمته في «الصلة» ج 2/ 656- 657؛ و «إنباه الرواة» ج 3/ 362- 363؛ و «الأعلام» ج 8/ 63؛ و «معجم المؤلّفين» ج 13/ 131.

(2)- تكملة حسنة من المصدر أعني «إنباه الرواة» و «الصلة». و أبو علي القالي هو إسماعيل بن قاسم بن عبدون بن هارون المعروف بالقالي، المتوفّى في سنة 356 ه. وردت ترجمته و مصادر ترجمته في «وفيات الأعيان» ج 1/ 226- 228؛ و «معجم الأدباء» ج 7/ 25- 33؛ و «معجم المؤلّفين» ج 2/ 286- 287.

(3)- يعني أبا علي القالي.

(4)- هو أبو بكر أحمد بن موسى بن مجاهد التميمي البغداديّ المعروف بابن مجاهد (245- 324 ه.) وردت ترجمته و مصادر ترجمته في «الأعلام» ج 1/ 261؛ و «معجم المؤلّفين» ج 2/ 188.

(5)- ادّلج- بتشديد الدال-: سار في آخر الليل. ( «أساس البلاغة»/ 133؛ «مختار الصحاح»/ 164؛ «المصباح المنير»/ 236، «دلج»).

250

هذا البكور و أغلب على القرب منه فنظرت إلى سرب‏ (1) بجنب الدرب فاقتحمته فلما توسطت ضاق بي و لم أقدر على الخروج و لا على الدخول فاقتحمته أشد اقتحام حتى تخلصت- بعد أن تخرقت ثيابي و أثر السرب في لحمي حتى انكشف العظم- و من الله بالخروج فوافيت مجلس الشيخ على تلك الحال ثم قال‏ (2) فأين أنت مما عرض لي ثم أنشد بيت الحماسة (3)

دببت للمجد و الساعون قد بلغوا* * * جهد النفوس و ألقوا دونه الأزرا

و كابدوا المجد حتى مل أكثرهم‏* * * و فاز بالمجد من وافى و من صبرا (4)

لا تحسب المجد تمرا أنت آكله‏* * * لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا (5)

.

____________

(1)- السرب: الطريق، يقال: خلّ سربه، أي طريقه. ( «أساس البلاغة»/ 207؛ «المصباح المنير»/ 322، «سرب».)

(2)- يعني أبا علي القالي.

(3)- هكذا في جميع النسخ، و لكن في «الصلة»؛ و «إنباه الرواة»: «ثمّ أنشدنا» بدل «ثمّ أنشد بيت الحماسة»؛ و كلاهما صحيح، لأنّ هذه الأبيات أيضا مرويّة في كتاب «الحماسة» لأبي تمّام، و قد جرت عادتهم إذا نقلوا شيئا ممّا فيه أن يقولوا: بيت الحماسة، أو قال الحماسي و نحوه. قال البغداديّ في «شرح شواهد شرح الشافية»: «و الحماسي: منسوب إلى كتاب الحماسة، و هو مجموعة أشعار من شعر الجاهلية و الإسلام، انتقاها و اختارها أبو تمّام حبيب بن أوس الطائي الشاعر المشهور، ... و قد رتّب أبو تمّام ما اختاره على عدّة أبواب: أولها باب الحماسة ... و قد اشتهر تسميته بالجزء الأوّل منه، و الحماسة: الشجاعة. و قد جرت عادة المصنفين إذا استشهدوا بشي‏ء ممّا فيه أن يقولوا: قال الحماسي، و نحوه، و المراد الشاعر المذكور في كتاب الحماسة ...» ( «شرح شافية ابن الحاجب» ج 4/ 8)؛ و انظر أيضا ما يأتي في تعاليقنا على المطلب الثاني من الخاتمة، ص 382، التعليقة 1؛ و «شرح ديوان الحماسة» ج 1/ 3- 4، 7، 10. و هذه الأبيات الثلاثة مذكورة في باب الهجاء من كتاب «الحماسة» لأبي تمّام، انظر «شرح ديوان الحماسة» ج 3/ 1511.

و راجع للاطلاع على كتاب الحماسة و طبعاته و مخطوطاته و شروحه «تاريخ الأدب العربي» ج 1/ 77- 80.

(4)- في جميع النسخ: «قلّ» بدل «ملّ» و الصواب ما أثبتناه كما في «أمالي القالي» ج 1/ 146؛ و «الصلة»؛ و «إنباه الرواة»؛ و «شرح ديوان الحماسة» ج 3/ 1511. و أيضا في هذه المصادر الأربعة:

«و عانق المجد من أوفى ...»

بدل‏

«و فاز بالمجد من وافى ...»

؛ و أيضا في «شرح ديوان الحماسة»: «فكابروا المجد» بدل «و كابدوا المجد».

(5)- هذه الأبيات في «أمالي القالي» ج 1/ 146، رواها عن أبي بكر بن دريد عن بعض العرب؛ و «شرح ديوان الحماسة» ج 3/ 1511، عن رجل من بني أسد. و تمام الحكاية في «إنباه الرواة» ج 3/ 362- 363؛ و «الصلة» ج 2/ 656- 657- كما قلنا-؛ و «تلخيص ابن مكتوم»، المخطوط بعد، كما في «إنباه الرواة» ج 3/ 363، الهامش.

و زاد ابن بشكوال في «الصلة» ج 2/ 657: «قال أبو نصر: فكتبناها عنه من قبل أن يأتي موضعها في نوادره،-

251

الثاني عشر (1)

[12-] أن لا يدخل على الشيخ في غير المجلس العام بغير إذنه‏

سواء كان الشيخ وحده أم معه غيره فإن استأذن بحيث يعلم الشيخ و لم يأذن انصرف و لا يكرر الاستئذان و إن شك في علم الشيخ به كرره ثلاثا و لا يزيد في الاستئذان عليها أو ثلاث طرقات بالباب أو بالحلقة و ليكن طرق الباب خفيا بأظفار الأصابع‏ (2) ثم بالأصابع ثم بالحلقة قليلا قليلا فإن كان الموضع بعيدا عن الباب فلا بأس برفع ذلك ابتداء بقدر ما يسمع لا غير و إن أذن و كانوا جماعة تقدم أفضلهم فأسنهم بالدخول و السلام عليه ثم يسلم عليه الأفضل فالأفضل.

الثالث عشر

[13-] أن يدخل على الشيخ كامل الهيأة فارغ القلب من الشواغل‏

نشيطا منشرح الصدر صافي الذهن لا في حال نعاس أو غضب أو جوع أو عطش و نحو ذلك متطهرا متنظفا بعد استعمال ما يحتاج إليه من سواك و أخذ ظفر و شعر و إزالة رائحة كريهة لابسا أحسن ملبوسه سيما إذا كان يقصد مجلس العلم فإنه مجلس ذكر و اجتماع في عبادة و هذا الأمور من آدابها.

الرابع عشر

[14-] أن لا يقرأ على الشيخ عند شغل قلبه و ملله و نعاسه‏

و جوعه و عطشه و استيفازه و ألمه و قائلته و نحو ذلك مما يشق عليه فيه البحث. اللهم إلا أن يبتدئه الشيخ بطلب القراءة فليجبه كيف كان.

____________

- و سلاني بما حكاه، و هان عندي ما عرض لي من تلك الثياب و استكثرت من الاختلاف إليه و لم أفارقه حتّى مات». و قال المرزوقي في «شرح ديوان الحماسة» ج 3/ 1512- في شرح هذه الأبيات-: «يقول: تباطأ سعيك للمجد، و لمّا سعيت كان سعيك دبيبا و طلّاب المجد قد جهدوا أنفسهم، و ألقوا الأزر دونه، تخفيفا عن أنفسهم و تشهيرا في طلبهم، و هذا مثل. و المراد أنّ ما يفعله الساعي في سعيه إذا طلب شيئا من التجرّد و التخفّف ليدرك مطلوبه، قد فعلوه [كذا]. ثمّ أخذ يفصّل مجهودهم من بعد، فقال: كابروا المجد، أي جاهدوه ليبلغوه قسرا لا ختلا فمن صبر و أوفى ناله و احتواه ظافرا به معانقا له، و من ملّ و قصّر- و هم الأكثر- خاب و أخفق و رجع نادما لاهيا عنه. و قوله: لا تحسب المجد؛ تقريع، و المراد: لا تظنّن المجد يدرك بالسعي القصير و استعمال التعذير، و على ملازمة الراحة دون توطين النفس على الكدّ الشديد و المجاهدة؛ فإنّه لن ينال إلّا بتجرّع المرارات دونه، و اقتحام المعاطب بسببه، و يقال: لعقت الصّبر لعقا. و اسم ما يلعق هو اللعوق».

(1)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 93- 95؛ «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 25- 26.

(2)- «عن أنس بن مالك: أنّ أبواب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كانت تقرع بالأظافير» ( «تذكرة السامع»/ 94، الهامش؛ «مجمع الزوائد» ج 8/ 43).

252

الخامس عشر (1)

[15-] إذا دخل على الشيخ في غير المجلس العام‏

و عنده من يتحدث معه فسكتوا عن الحديث أو دخل و الشيخ وحده يصلي أو يقرأ أو يذكر أو يطالع أو يكتب فترك ذلك و لم يبدأه بكلام أو بسط حديث فليسلم و يخرج سريعا إلا أن يحثه الشيخ على المكث فإذا مكث فلا يطيل إلا أن يأمره بذلك خشية أن يدخل في عداد من أشغل مشغولا بالله أدركه المقت في الوقت.

السادس عشر

[16-] إذا حضر مكان الشيخ فلم يجده انتظر

و لا يفوت على نفسه درسه فإن كل درس يفوت لا عوض له و لا يطرق عليه ليخرج إليه و إن كان نائما صبر حتى يستيقظ أو ينصرف ثم يعود و الصبر خير له و لا يوقظه و لا يأمر به هكذا كان السلف يفعلون و نقل عن ابن عباس مثله‏ (2).

السابع عشر

[17-] أن لا يطلب من الشيخ إقراء في وقت يشق عليه فيه‏

أو لم تجر عادته بالإقراء فيه و لا يخترع‏ (3) عليه وقتا خاصا به دون غيره و إن كان رئيسا لما فيه من الترفع و الحمق على الشيخ و الطلبة و العلم و ربما استحيا الشيخ منه فيترك لأجله ما هو أهم عنده في ذلك الوقت فلا يفلح الطالب فإن بدأه الشيخ بوقت معين أو خاص لعذر عائق له عن الحضور مع الجماعة أو لمصلحة رآها فلا بأس.

الثامن عشر

[18-] أن يجلس بين يديه جلسة الأدب‏

بسكون و خضوع و إطراق رأس و تواضع و خشوع و الأولى له الافتراش أو التورك قيل و يحسن هنا الإقعاء و هو أن يفرش قدميه و يجلس على بطونهما و يتعاهد تغطية أقدامه و إرخاء ثيابه‏ (4).

التاسع عشر (5) و هو من جنس ما قبله‏

[19-] أن لا يستند بحضرة الشيخ إلى حائط

أو

____________

(1)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 95- 97.

(2)- «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 26؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 64؛ «تذكرة السامع»/ 16، قال فيه: «فقد روي عن ابن عبّاس: كان يجلس في طلب العلم على باب زيد بن ثابت حتّى يستيقظ، فيقال له: ألا نوقظه لك؟

فيقول: لا. و ربّما طال مقامه و قرعته الشمس. و كذلك كان السلف يفعلون».

(3)- في «تذكرة السامع»/ 96، الهامش: «كذا في الأصول، و لعلّه يقترح».

(4)- «تذكرة السامع»/ 97- 99.

(5)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 98، 100.

253

مخدة أو درابزين‏ (1) و نحو ذلك أو يجعل يده عليه و لا يعطي الشيخ جنبه أو ظهره و لا يعتمد على يده إلى ورائه أو جنبه أو ظهره و لا يضع رجله أو يده أو شيئا من بدنه أو ثيابه على ثياب الشيخ أو وسادته أو سجادته. قال بعضهم و من تعظيم الشيخ أن لا يجلس إلى جانبه و لا على مصلاه أو وسادته و إن أمره الشيخ بذلك فلا يفعل إلا إذا جزم به جزما يشق عليه مخالفته فلا بأس بامتثال أمره في تلك الحال ثم يعود إلى ما يقتضيه الأدب انتهى‏ (2). و قد تكلم الناس في أي الأمرين أولى امتثال الأمر أو سلوك الأدب فذهب إلى كل من الأمرين فريق من الصحابة على ما نقل عنهم فضلا عمن بعدهم و التفصيل موجه‏ (3).

العشرون‏ (4) هو من أهمها

[20-] أن يصغي إلى الشيخ ناظرا إليه‏

و يقبل بكليته عليه متعقلا لقوله بحيث لا يحوجه إلى إعادة الكلام و لا يلتفت من غير ضرورة و ينظر إلى يمينه أو شماله أو فوقه أو أمامه لغير حاجة و لا سيما عند بحثه معه أو كلامه له فلا ينبغي أن ينظر إلا إليه و لا يضطرب لضجة يسمعها و لا يلتفت إليها سيما عند بحثه. و لا ينفض كميه و لا يحسر عن ذراعيه و لا يومئ بيده إلى وجه الشيخ أو صدره و لا يمس بها شيئا من بدنه أو ثيابه و لا يعبث بيديه أو رجليه أو غيرهما من أعضائه و لا يضع يده على لحيته أو فمه أو يعبث بها في أنفه و لا يفتح فاه‏

____________

(1)- قال بعض اللغويّين: «الدربزين و الدرابزين و الدرابزون ج: درابزونات: قوائم منتظمة يعلوها متّكأ. يونانيّة». و في «فرهنگ فارسي» ج 2/ 1481، مادّة «دارافزين»:

«درابزين ... يونانى: ... تكيه‏گاه طارمى». و يوجد تصويره في تلك الصفحة. و قال أيضا في ج 2/ 2195:

«طارمى: نرده چوبى يا آهنى كه اطراف محوطه يا باغى نصب كنند».

(2)- «تذكرة السامع»/ 100.

(3)- و التفصيل- كما في «تذكرة السامع»/ 100- هكذا: «فإن جزم بما أمّره به بحيث يشقّ عليه مخالفته، فامتثال الأمر أولى و إلّا فسلوك الأدب أولى لجواز أن يقصد الشيخ إظهار احترامه و الاعتناء به، فيقابل هو ذلك بما يجب من تعظيم الشيخ و الأدب معه».

(4)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 97- 99.

254

و لا يقرع سنه و لا يضرب الأرض براحته أو يخط عليها بأصابعه و لا يشبك بيديه و لا يعبث بأزراره و لا يفرقع أصابعه بل يلزم سكون بدنه و لا يكثر التنحنح من غير حاجة و لا يبصق و لا يمتخط و لا يتنخع ما أمكنه و لا يلفظ النخامة من فيه بل يأخذها منه بمنديل و نحوه و لا يتجشأ و لا يتمطى و لا يكثر التثاؤب و إذا تثاءب ستر فاه بعد رده جهده و إذا عطس حفظ صوته جهده و ستر وجهه بمنديل و نحوه. و ذلك كله مما يقتضيه النظر المستقيم و الذوق السليم.

الحادي و العشرون‏ (1) و هو من جنس ما قبله‏

[21-] أن لا يرفع صوته رفعا بليغا من غير حاجة

و لا يسار في مجلسه و لا يغمز أحدا و لا يكثر كلامه بغير ضرورة و لا يحكي ما يضحك منه أو ما فيه بذاءة أو يتضمن سوء مخاطبة أو سوء أدب بل و لا يتكلم بما لم يسأله و لا يتكلم ما لم يستأذنه أولا و لا يضحك لغير عجب و لا لعجب دون الشيخ فإن غلبه تبسم تبسما بغير صوت البتة. و ليحذر كل الحذر من أن يغتاب أحدا في مجلسه أو ينم له عن أحد أو يوقع بينه و بين أحد بنقل ما يسوؤه عنه كاستنقاص به أو تكلم فيه و رد ما قاله أو يقول كالحاث له على الاعتناء بأمره. فلان يود أن أقرأ عليه أو أردت أن أقرأ على فلان و تركت لأجلك أو نحو ذلك ففاعل ذلك و أمثاله مع كونه ارتكب مكروها أو حراما أو كبيرة مستحق للزجر و الإهانة و الطرد و البعد لحماقته و ريائه و قد تقدم في حديث علي (ع) (2) ما يدل على ذلك.

الثاني و العشرون‏ (3)

[22-] أن يحسن خطابه مع الشيخ بقدر الإمكان‏

و لا يقول له لم و لا نسلم و لا من نقل هذا و لا أين موضعه و لا يقل المحفوظ أو المنقول غير هذا و شبه ذلك فإن أراد استفادة أصله أو من نقله تلطف في‏

____________

(1)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 98.

(2)- مرّ في أوّل القسم الثاني من النوع الثالث من هذا الباب، الصفحة 234؛ و الحديث في «الكافي» ج 1/ 37، كتاب فضل العلم، باب حقّ العالم، الحديث 1.

(3)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 101- 102- 104.

255

الوصول إلى ذلك ثم هو في مجلس آخر أولى على سبيل الاستفادة. و كذلك ينبغي أن يقول في موضع لم و لا أسلم فإن قيل لنا كذا أو فإن منعنا كذا أو فإن سئلنا عن كذا أو فإن أورد كذا و شبهه ليكون مستفهما للجواب سائلا له بحسن أدب و لطف عبارة. و إذا أصر الشيخ على قول أو دليل و لم يظهر له أو على خلاف صواب سهوا فلا يغير وجهه أو عينيه و لا يشير إلى غيره كالمنكر لما قال بل يأخذه ببشر ظاهر و إن لم يكن الشيخ مصيبا لغفلة أو سهو أو قصور نظر في تلك الحال فإن العصمة في البشر للأنبياء و الأوصياء ع. و ليحذر من مفاجأة الشيخ بصورة رد عليه فإنه يقع ممن لا يحسن الأدب من الناس كثيرا مثل أن يقول له الشيخ أنت قلت كذا فيقول ما قلت كذا أو يقول له الشيخ مرادك في سؤالك كذا أو خطر لك كذا فيقول لا أو ما هذا مرادي أو ما خطر لي هذا و شبه ذلك بل طريقه أن يتلطف بالمكاشرة على المقصود في الجواب. و كذلك إذا استفهمه الشيخ استفهام تقرير و جزم كقوله أ لم تقل كذا أو أ ليس مرادك كذا فلا يبادر بالرد عليه بقوله لا و نحو ذلك بل يسكت أو يوري عن ذلك بكلام لطيف يفهم الشيخ قصده منه فإن لم يكن بد من تحرير قصده و قوله فليقل الآن أقول كذا أو أعود إلى قصد كذا و يعيد كلامه و لا يقول الذي قلته أو الذي قصدته لتضمنه الرد عليه.

الثالث و العشرون و هو من جنس ما قبله‏

[23-] إذا ذكر الشيخ تعليلا و عليه تعقب و لم يتعقبه‏

أو بحثا و فيه إشكال و لم يستشكله أو إشكالا و عنه جواب و لم يذكره فلا يبادر إلى ذكر ذلك و لا إلى التعقب على الشيخ بسبب إهماله له بل له أن يشير إلى ذلك بألطف إشارة كقوله ما لمحتم عن الإشكال جوابا مثلا و نحو ذلك فإن تذكر الشيخ فبها و نعمت و إلا فالأولى السكوت عن ذلك إلا أن يأذن الشيخ أو يعلم منه أنه يؤثر ذلك منه.

256

الرابع و العشرون‏ (1) و هو من جنس ما قبله أيضا

[24-] أن يتحفظ من مخاطبة الشيخ بما يعتاده بعض الناس في كلامه‏

و لا يليق خطابه به مثل أيش‏ (2) بك و فهمت و سمعت و تدري و يا رجل مبارك و نحو ذلك و كذلك لا يحكي ما خوطب به غيره مما لا يليق خطاب الشيخ به و إن كان حاكيا مثل قال فلان لفلان أنت قليل الحياء أنت قليل البر و ما عندك خير و أنت قليل الفهم و نحو ذلك بل يقول إذا أراد الحكاية ما جرت العادة بالكناية به مثل قال فلان لفلان الأبعد قليل الخير و ما عند الأبعد خير و مثل هذه الكناية وردت في بعض الأخبار (3) أيضا أو يأتي بضمير الغائب مكان ضمير المخاطب و شبه ذلك.

الخامس و العشرون‏

[25-] إذا سبق لسان الشيخ إلى تحريف كلمة يكون لها توجيه مستهجن‏

أو نحو ذلك أن لا يضحك و لا يستهزئ و لا يعيدها كأنه يتبادر بها عليه و لا يغمز غيره و لا يشير إليه بل و لا يتأمل ما صدر منه و لا يدخله قلبه و لا يصغي إليه سمعه و لا يحكيه لأحد فإن اللسان سباق و الإنسان غير معصوم لا سيما فيما هو فيه معذور و فاعل شي‏ء مما ذكر مع شيخه معرض نفسه للحرمان و البلاء و الخسران مستحق للزجر و التأديب و الهجر و التأنيب مع ما يستوجبه من مقت الله سبحانه له و ملائكته و أنبيائه و خاصته.

السادس و العشرون‏ (4)

[26-] أن لا يسبق الشيخ إلى شرح مسألة أو جواب سؤال‏ (5) منه‏

أو من غيره لا سيما إذا كان من غيره و توقف و لا يساوقه فيه و لا يظهر معرفته به‏

____________

(1)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 102.

(2)- يعني أيّ شي‏ء بك؟

(3)- في «النهاية» ج 1/ 139؛ و «لسان العرب» ج 3/ 91، مادة «بعد»: «و فيه: إنّ رجلا جاء فقال: إنّ الأبعد قد زنى، معناه: المتباعد عن الخير و العصمة؛ و أراد القائل من «الأبعد» نفسه». فتأمّل.

(4)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 106. و في «شرح المهذب» ج 1/ 62: «و لا يسبقه إلى شرح مسألة أو جواب سؤال إلّا أن يعلم من حال الشيخ إيثار ذلك ليستدلّ به على فضيلة المتعلّم».

(5)- في «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 35: «قال أبو عمرو بن العلاء ليس من الأدب أن تجيب من لا يسألك، أو تسأل من لا يجيبك، أو تحدّث من لا ينصت لك ... قال ابن المقفّع: كانت الحكماء تقول: ليس للعاقل أن يجيب عمّا يسأل عنه غيره».