منية المريد

- الشهيد الثاني المزيد...
496 /
257

أو إدراكه له قبل الشيخ إلا أن يعلم من الشيخ إيثار ذلك منه أو عرض الشيخ عليه ذلك ابتداء و التمسه منه فلا بأس به حينئذ.

السابع و العشرون‏ (1)

[27-] أن لا يقطع على الشيخ كلامه‏

أي كلام كان و لا يسابقه فيه و لا يساوقه به بل يصبر حتى يفرغ الشيخ من كلامه ثم يتكلم. و لا يتحدث مع غيره و الشيخ يتحدث معه أو مع جماعة المجلس بل لا يجعل همه سوى الإصغاء إلى قول الشيخ و فهمه.

الثامن و العشرون‏

[28-] إذا سمع الشيخ يذكر حكما في مسألة أو فائدة مستغربة [...]

أو يحكي حكاية أو ينشد شعرا و هو يحفظ ذلك أن يصغي إليه إصغاء مستفيد له في الحال متعطش إليه فرح به كأنه لم يسمعه قط. قال بعض السلف‏ (2) إني لأسمع الحديث من الرجل و أنا أعلم به منه فأريه من نفسي أني لا أحسن منه شيئا. و قال أيضا إن الشاب ليتحدث بحديث فأستمع له كأني لم أسمعه و لقد سمعته قبل أن يولد (3). فإن سأله الشيخ عند الشروع في ذلك عن حفظه له فلا يجيب بنعم لما فيه من الاستغناء عن الشيخ فيه و لا يقول لا لما فيه من الكذب بل يقول أحب أن أستفيده من الشيخ أو أسمعه منه أو بعد عهدي به أو هو من جهتكم أصح و نحو ذلك فإن علم من حال الشيخ أنه يؤثر العلم بحفظه له مسرة به أو أشار إليه بإتمامه امتحانا لضبطه أو حفظه أو لإظهار تحصيله فلا بأس باتباع غرض الشيخ ابتغاء لمرضاته و ازديادا لرغبته فيه.

التاسع و العشرون‏

[29-] أنه لا ينبغي له أن يكرر سؤال ما يعلمه‏

و لا استفهام ما يفهمه فإنه يضيع الزمان و ربما أضجر الشيخ قال بعض السلف إعادة الحديث أشد من‏

____________

(1)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 104، 106، 107.

(2)- هو عطاء بن أبي رباح، كما في «تذكرة السامع»/ 105.

(3)- «تذكرة السامع»/ 105.

258

نقل الصخر (1). و ينبغي أن لا يقصر في الإصغاء و التفهم أو يشغل ذهنه بفكر أو حديث ثم يستعيد الشيخ ما قاله لأن ذلك إساءة أدب بل يكون كما مر مصغيا لكلامه حاضر الذهن لما يسمعه من أول مرة. و كان بعض المشايخ لا يعيد لمثل هذا إذا استعاده و يزبره عقوبة له‏ (2). أما إذا لم يسمع كلام الشيخ لبعده أو لم يفهمه مع الإصغاء إليه و الإقبال عليه فله أن يسأل الشيخ إعادته أو تفهيمه بعد بيان عذره بسؤال لطيف.

الثلاثون‏

[30-] أن لا يسأل عن شي‏ء في غير موضعه‏

ففاعل ذلك لا يستحق جوابا إلا أن يعلم من حال الشيخ أنه لا يكره ذلك و مع ذلك فالأولى أن لا يفعل و لا يلح عليه في السؤال إلحاحا مضجرا و لا يسأله في طريقه إلى أن يبلغ مقصده. و قد حكي عن بعض الأجلاء (3) أنه أوصى بعض طلبته فقال لا تسألني عن أمر الدين و أنا ماش و لا و أنا أتحدث مع الناس و لا و أنا قائم و لا و أنا متَّكِئٌ فإن هذه أماكن لا يجتمع فيها عقل الرجل لا تسألني إلا وقت اجتماع العقول.

الحادي و الثلاثون‏

[31-] أن يغتنم سؤاله عند طيب نفسه و فراغه‏

و يتلطف في سؤاله و يحسن في جوابه‏

قَالَ ص‏

الِاقْتِصَادُ فِي النَّفَقَةِ نِصْفُ الْمَعِيشَةِ وَ التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ نِصْفُ الْعَقْلِ وَ حُسْنُ السُّؤَالِ نِصْفُ الْعِلْمِ‏

(4)

.

____________

(1)- قاله الزهري كما في «المحدّث الفاصل»/ 566؛ و «جامع بيان العلم و فضله» ج 1/ 169؛ و «عيون الأخبار» ج 2/ 179؛ و «تذكرة السامع»/ 106. و علّق الدكتور محمّد عجاج الخطيب- الذي حقّق «المحدّث الفاصل» بأحسن وجه- هنا بقوله: «إنّما كانوا يستثقلون إعادة الحديث لأنّه لا يطلب إعادته إلّا من غفل عن استماعه أوّل الأمر، و أمّا إعادته لبيانه و شرحه فلا استثقال فيها». و في «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 80: «إعادة الحديث أثقل من نقل الصخر».

(2)- «تذكرة السامع»/ 106. «زبره زبرا- من باب قتل-: زجره و نهره». ( «المصباح المنير»/ 296، «زبر»).

(3)- لم أقف عليه و لا على حاكي هذه الحكاية و مصدرها.

(4)- «مجمع الزوائد» ج 1/ 160؛ «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 33. و في «بحار الأنوار» ج 1/ 224، الحديث 14- نقلا عن «كنز الفوائد»-: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «التودّد إلى الناس نصف العقل، و حسن السؤال-

259

الثاني و الثلاثون‏

[32-] أن لا يستحيي من السؤال عما أشكل عليه‏

بل يستوضحه أكمل استيضاح فمن رق وجهه رق علمه و من رق وجهه عند السؤال ظهر نقصه عند اجتماع الرجال‏ (1).

قَالَ الصَّادِقُ (ع)

إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ عَلَيْهِ قُفْلٌ وَ مِفْتَاحُهُ الْمَسْأَلَةُ

(2)

. الثالث و الثلاثون‏ (3)

[33-] إذا قال له الشيخ أ فهمت فلا يقول نعم‏

قبل أن يتضح له المقصود اتضاحا [إيضاحا] جليا لئلا يكذب و يفوته الفهم و لا يستحيي من قوله لم أفهم لأن استثباته يحصل له مصالح عاجلة و آجلة فمن العاجلة حفظ المسألة و سلامته من الكذب و النفاق بإظهار فهم ما لم يكن فهمه و اعتقاد الشيخ اعتناؤه و رغبته و كمال عقله و ورعه و ملكته لنفسه و من الآجلة ثبوت الصواب في قلبه دائما و اعتياده هذه الطريقة المرضية و الأخلاق الرضية. قال الخليل بن أحمد العروضي رحمه الله منزلة الجهل بين الحياء و الأنفة (4).

الرابع و الثلاثون‏ (5)

[34-] أن يكون ذهنه حاضرا في جهة الشيخ‏

بحيث إذا أمره بشي‏ء أو سأله عن شي‏ء أو أشار إليه لم يُحْوِجْهُ إلى إعادته ثانيا بل يبادر إليه مسرعا و لم يعاوده فيه.

____________

- نصف العلم، و التقدير في النفقة نصف العيش». و في أدب الدنيا و الدين»/ 79: «إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: حسن السؤال نصف العلم».

(1)- في «جامع بيان العلم و فضله» ج 1/ 109: «من رقّ وجهه عن السؤال رقّ علمه عند الرجال، و من ظنّ أنّ للعلم غاية فقد بخسه حقّه».

(2)- «الكافي» ج 1/ 40، كتاب فضل العلم، باب سؤال العالم و تذاكره، الحديث 3.

(3)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 156- 158؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 62.

(4)- «عيون الأخبار» ج 2/ 123؛ «جامع بيان العلم و فضله» ج 1/ 109؛ «مفتاح دار السعادة» ج 1/ 177؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 62؛ «تذكرة السامع»/ 157. و في «أدب الدنيا و الدين»/ 58: «قال الخليل بن أحمد: يرتع الجهل بين الحياء و الكبر في العلم». و انظر ترجمة و مصادر ترجمة الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي (1- 170 ه.) في «الأعلام» ج 2/ 314؛ و «وفيات الأعيان» ج 2/ 244- 248؛ و «معجم المؤلّفين» ج 4/ 112- 113.

(5)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 107- 110.

260

الخامس و الثلاثون‏

[35-] إذا ناوله الشيخ شيئا تناوله باليمنى‏

و إذا ناوله هو شيئا ناوله إياه باليمنى فإن كان ورقة يقرأها أو قصة مثلا نشرها ثم دفعها إليه و لا يدفعها إليه مَطْوِيَّةً إِلَّا إذا علم أو ظن إيثار الشيخ لذلك. و إذا أخذ من الشيخ ورقة بادر إلى أخذها منشورة قبل أن يطويها أو يتربها ثم يطويها أو يتربها هو. و إذا ناول الشيخ كتابا ناوله إياه مهيأ لفتحه و القراءة فيه من غير احتياج إلى إدارته فإن كان للنظر في موضع معين فليكن مفتوحا كذلك و يعين له المكان. و لا يرمي إليه الشي‏ء رميا من كتاب أو ورقة أو غيرهما و لا يمد يده إليه إذا كان بعيدا و لا يحوج الشيخ إلى مد يده أيضا لأخذه منه أو إعطائه بل يقوم إليه قائما و لا يزحف زحفا. و إذا قام أو جلس بين يديه لشي‏ء من ذلك فلا يقرب منه كل القرب و لا يضع رجله أو يده أو شيئا من بدنه أو ثيابه على ثياب الشيخ أو وسادته و نحوهما كما تقدم‏ (1).

السادس و الثلاثون‏

[36-] إذا ناوله قلما ليكتب به فليعده‏ (2) قبل إعطائه إياه للكتابة

و يتفقد أوصافه و يفرق بين سنيه إن كانتا ملتصقتين. و إن وضع بين يديه دواة فلتكن مفتوحة الأغطية مهيأة للكتابة منها. و إن ناوله سكينا فلا يصوّب إليه شفرتها و لا نصابها و يده قابضة على الشفرة بل يكون عرضا و حد شفرتها إلى جهته قابضا على طرف النصاب مما يلي النصل جاعلا نصابها على يمين الأخذ.

السابع و الثلاثون‏

[37-] إذا ناوله سجادة ليصلي عليها نشرها أولا

و أولى منه أن يفرشها هو عند قصد ذلك. قال بعض العلماء (3) و إذا فرشها و كان فيها صورة محراب تحرى به القبلة إن أمكن و إن كانت مثنية جعل طرفيها إلى يسار المصلي انتهى.

____________

(1)- في الأمر التاسع عشر من القسم الثاني من النوع الثالث من هذا الباب، ص 252- 253.

(2)- في «تذكرة السامع»/ 109: «فليمدّه» بدل «فليعدّه».

(3)- هو ابن جماعة الكنانيّ في «تذكرة السامع»/ 109.

261

و لا يجلس بحضرة الشيخ على سجادة و لا يصلي عليها إذا كان المكان طاهرا إلا إذا اطردت العادة باستصحابها و استعمالها بحيث لا يكون شعارا على الأكابر و المترفعين كما يتفق ذلك ببعض البلاد.

الثامن و الثلاثون‏

[38-] إذا قام الشيخ بادر القوم إلى أخذ السجادة

إن كانت مما تنقل له و إلى الأخذ بيده أو عضده إن احتاج إليه و إلى تقديم نعله إن لم يشق ذلك على الشيخ و يقصد بذلك كله التقرب إلى الله تعالى بخدمته و القيام بحاجته و قد قيل أربعة لا يأنف الشريف منهن و إن كان أميرا قيامه من مجلسه لأبيه و خدمته للعالم الذي يتعلم منه و السؤال عما لا يعلم و خدمته للضيف‏ (1).

التاسع و الثلاثون‏

[39-] أن يقوم لقيام الشيخ و لا يجلس و هو قائم‏

و لا يضطجع و هو قائم أو قاعد بل لا يضطجع بحضرته مطلقا إلا أن يكون في وقت نوم و يأذن له و الأجود حينئذ أن لا ينام حتى ينام الشيخ إلا أن يأمره بالنوم فيطيعه.

الأربعون‏ (2)

[40-] إذا مشى مع شيخه فليكن أمامه بالليل و وراءه بالنهار

إلا أن يقتضي الحال خلاف ذلك لزحمة أو غيرها أو يأمره الشيخ بحالة فيمتثلها. و يتعين أن يتقدم عليه في المواطئ المجهولة الحال لوحل أو حوض مثلا و المواطئ الخطرة و يحترز من ترشيش ثياب الشيخ و إذا كان في زحمة صانه عنها بيديه أما من قدامه أو من ورائه. و إذا مشى أمامه التفت إليه بعد كل قليل فإن كان وحده و الشيخ يكلمه حالة المشي و هما في ظل فليكن عن يمينه كالمأموم مع الإمام و يخلي له الجانب اليسار لعله يبصق أو يمتخط و قيل عن يساره متقدما عليه قليلا ملتفتا إليه و يعلم الشيخ بمن قرب منه أو قصده من الأعيان إن لم يعلم الشيخ به‏ (3).

____________

(1)- «تفسير الرازيّ» ج 2/ 185؛ «تذكرة السامع»/ 110، «جامع بيان العلم و فضله» ج 1/ 164؛ «عيون الأخبار» ج 2/ 128. و نظيرها في «البيان و التبيين»/ 249.

(2)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 110- 112.

(3)- «تذكرة السامع»/ 110 و فيه: «كوحل» بدل «لوحل». و في أكثر النسخ: «أو الشيخ» بدل «و الشيخ».

262

و لا يمشي إلى جانبه إلا لحاجة أو إشارة منه و يحترز من مزاحمته بكتفه أو بركابه إن كانا راكبين و ملاصقة ثيابه و يؤثره بجهة الظل في الصيف و بجهة الشمس في الشتاء و بجهة الجدار في الرصافات‏ (1) و نحوها و بالجهة التي لا تقرع الشمس فيها وجهه إذا التفت إليه. و لا يمشي بينه و بين من يحدثه و يتأخر عنهما إذا تحدثا أو يتقدم و لا يقرب و لا يستمع و لا يلتفت فإن أدخلاه في الحديث فليأت من جانب آخر و لا يشق بينهما. و إذا مشى مع الشيخ اثنان فاكتنفاه فالأولى أن يكون أكبرهما عن يمينه و إن لم يكتنفاه تقدم أكبرهما و تأخر الأصغر. و إذا صادف الشيخ في طريقه بدأه بالسلام و يقصده إن كان بعيدا و لا يناديه و لا يسلم عليه من بعيد و لا من ورائه بل يقرب منه ثم يسلم و لا يشير ابتداء بالأخذ في طريق حتى يستشيره و يبادر (2) فيما يستشيره فيه مطلقا بالرد إلى رأيه إلا أن يلزمه بإظهار ما عنده أو يكون ما رآه الشيخ خطأ فيظهر ما عنده بتلطف و حسن أدب كقوله يظهر أن المصلحة في كذا و لا يقول الرأي عندي كذا أو الصواب كذا و نحو ذلك. و اعلم أن هذه الآداب مما قد دل النص على جملة منها بل على أشرفها و أهمها و الباقي مما يستنبط منه بإحدى الطرق التي تبنى عليها الأحكام التي أحدها مراعاة العادة المحكمة في مثل ذلك و الله الموفق‏

____________

(1)- قال في «لسان العرب» ج 9/ 120 مادة «رصف»: «الرصف: حجارة مرصوف بعضها إلى بعض ... الرصفة- بالتحريك-: واحدة الرصف، و هي الحجارة التي يرصف بعضها إلى بعض في مسيل فيجتمع فيها ماء المطر».

(2)- في «تذكرة السامع»/ 110: «يتأدّب» بدل «يبادر».

263

القسم الثالث آدابه في درسه و قراءته‏

و ما يعتمده حينئذ مع شيخه و رفقته و هو أمور الأول‏ (1) و هو أهمها

[1-] أن يبتدئ أولا بحفظ كتاب الله تعالى العزيز حفظا متقنا

فهو أصل العلوم و أهمها و كان السلف لا يعلمون الحديث و الفقه إلا لمن حفظ القرآن‏ (2). و إذا حفظه فليحذر من الاشتغال عنه بغيره اشتغالا يؤدي إلى نسيان شي‏ء منه أو تعريضه للنسيان بل يتعهد دراسته و ملازمة ورد منه كل يوم ثم أيام ثم جمعة دائما أبدا. و يجتهد بعد حفظه على إتقان تفسيره و سائر علومه ثم يحفظ من كل فن مختصرا يجمع فيه بين طرفيه و يقدم الأهم فالأهم على ما يأتي تفصيله إن شاء الله في الخاتمة. ثم يشتغل باستشراح محفوظاته على المشايخ و ليعتمد في كل فن أكثرهم تحقيقا فيه و تحصيلا له و إن أمكن شرح دروس في كل يوم فعل و إلا اقتصر على الممكن من درس فأقل و قد تقدمت الإشارة إليه.

الثاني‏

[2-] أن يقتصر من المطالعة على ما يحتمله فهمه‏

و ينساق إليه ذهنه و لا يمجه طبعه و ليحذر من الاشتغال بما يبدد الفكر و يحير الذهن من الكتب الكثيرة و تفاريق التصانيف فإنه يضيع زمانه و يفرق ذهنه.

____________

(1)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 112- 114؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 64- 65.

(2)- «شرح المهذّب» ج 1/ 64. و انظر «تذكرة السامع»/ 112- 113، الهامش.

264

و ليعط الكتاب الذي يقرؤه و الفن الذي يأخذه كليته حتى يتقنه حذرا من الخبط و الانتقال المؤدي إلى التضييع و عدم الفلاح و من هذا الباب الاشتغال بكتب الخلاف في العقليات و نحوها قبل أن يصح فهمه و يستقر رأيه على الحق و يحسن ذهنه في فهم الجواب و هذا أمر يختلف باختلاف النفوس و الإنسان فيه‏ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ.

الثالث‏ (1)

[3-] أن يعتني بتصحيح درسه الذي يحفظه قبل حفظه‏

تصحيحا متقنا على الشيخ أو على غيره ممن يعينه ثم يحفظه حفظا محكما ثم يكرره بعد حفظه تكرارا جيدا ثم يتعاهده في أوقات يقررها لمواظبته‏ (2) ليرسخ رسوخا متأكدا و يراعيه بحيث لا يزال محفوظا جيدا. و لا يحفظ ابتداء من الكتب استقلالا من غير تصحيح لأدائه إلى التصحيف و التحريف و قد تقدم‏ (3) أن العلم لا يؤخذ من الكتب فإنه من أضر المفاسد سيما الفقه.

الرابع‏

[4-] أن يحضر معه الدواة و القلم و السكين للتصحيح‏

و يضبط ما يصححه لغة و إعرابا و إذا رد الشيخ عليه لفظة فظن أو علم أن رده خلاف الصواب كرر اللفظة مع ما قبلها ليتنبه لها الشيخ أو يأتي بلفظ الصواب على وجه الاستفهام فربما وقع ذلك سهوا أو سبق لسان لغفلة و لا يقل بل هي كذا فإن رجع الشيخ إلى الصواب فذاك و إلا ترك تحقيقها إلى مجلس آخر بتلطف و لا يبادر إلى إصلاحها على الوجه الذي عرفه مع اطلاع الشيخ أو أحد الحاضرين على المخالفة و كذلك إذا تحقق خطأ الشيخ في جواب مسألة و كان لا يفوت تحقيقه و لا يعسر تداركه فإن كان كذلك‏ (4)

____________

(1)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 121- 126؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 64- 65.

(2)- هكذا في نسخة «ض»، «ح»، «ع»، «ط» و «ن». و في سائر النسخ و «تذكرة السامع»/ 122: «مواضيه» بدل «مواظبته».

(3)- في الأمر الأوّل من القسم الثاني من النوع الثالث من هذا الباب، ص 240.

(4)- أي يفوت تحقيقه و يعسر تداركه. و قوله «كذلك إذا تحقّق خطأ ... الخ» أي يترك تحقيقها إلى مجلس آخر بتلطّف، إذا تحقّق خطأ الشيخ و لا يفوت تحقيقه و لا يعسر تداركه.

265

كالكتابة في رقاع الاستفتاء و كون السائل غريبا أو بعيد الدار أو مشنعا تعين تنبيه الشيخ على ذلك في الحال بالإشارة ثم بالتصريح فإن ترك ذلك خيانة للشيخ فيجب نصحه بما أمكن من تلطف أو غيره. و إذا وقف على مكان في التصحيح كتب قبالته بلغ العرض أو بلغ التصحيح‏ (1).

الخامس‏

[5-] بعد أن يرتب الأهم فالأهم في الحفظ و التصحيح و المطالعة و يتقنها فليذاكر بمحفوظاته‏

و يديم الفكر فيها و يعتني بما يحصل فيها من الفوائد و يذاكر بها بعض حاضري حلقة شيخه كما سيأتي تفصيله.

السادس‏ (2)

[6-] أن يقسم أوقات ليله و نهاره على ما يحصله‏

فإن الأوراد توجب الازدياد و يغتنم ما بقي من عمره فإن بقية العمر لا قيمة لها. و أجود الأوقات للحفظ الأسحار و للبحث الأبكار و للكتابة وسط النهار و للمطالعة و المذاكرة الليل و بقايا النهار. و مما قالوه‏ (3) و دلت عليه التجربة أن حفظ الليل أنفع من حفظ النهار و وقت الجوع أنفع من وقت الشبع و المكان البعيد (4) عن الملهيات كالأصوات و الخضرة و النبات و الأنهار الجاريات و قوارع الطرق التي تكثر فيها الحركات لأنها تمنع من خلو القلب و تقسمه على حسب تلك الحالات‏ (5).

السابع‏

[7-] أن يبكر بدرسه‏

لخبر

____________

(1)- هكذا في النسخ، و لكن جاء في «تذكرة السامع»/ 126: «بلغ العرض و التصحيح» بدل «بلغ العرض أو التصحيح».

(2)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 72- 73.

(3)- قاله الخطيب البغداديّ، كما في «تذكرة السامع»/ 73.

(4)- في هامش «ض»: «يمكن علي بعد عطفه على مفعول يقسّم، و إلّا ففي العبارة سقط». أقول: لا بدّ من تقدير مبتدأ و جعل «المكان البعيد ... الخ» خبرا له حتّى يستقيم الكلام، و لعلّ الصواب تقدير «أجود أماكن الحفظ» بعنوان المبتدأ ل «المكان البعيد ... الخ»- كما في «شرح المهذّب» ج 1/ 63- و إلّا فلا يستقيم الكلام.

(5)- «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 104، و إليك نصّ عبارته: «و أجود أماكن الحفظ الغرف دون السفل، و كلّ موضع بعيد ممّا يلهي و خلا القلب فيه ممّا يفزعه فيشغله، أو يغلب عليه فيمنعه، و ليس بالمحمود أن يتحفّظ الرجل بحضرة النبات و الخضرة، و لا على شطوط الأنهار و لا على قوارع الطرق، فليس يعدم في هذه المواضع غالبا ما يمنع من خلوّ القلب و صفاء السرّ»؛ و انظر أيضا «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 128.

266

بُورِكَ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا

(1)

. و لخبر

اغْدُوا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُبَارِكَ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا

(2)

. و يجعل ابتداءه يوم الخميس‏ (3) و في رواية يوم السبت أو الخميس‏ (4)

وَ فِي خَبَرٍ آخَرَ عَنْهُ ص‏

اطْلُبُوا الْعِلْمَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فَإِنَّهُ يُيَسِّرُ [يَتَيَسَّرُ] لِطَالِبِهِ‏

(5)

. وَ رُوِيَ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ خَبَرُ:

مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ بُدِى‏ءَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ إِلَّا وَ قَدْ تَمَ‏

(6)

.

____________

(1)- «الجامع الصغير» ج 1/ 126، حرف الباء؛ «مجمع الزوائد» ج 4/ 62؛ «صبح الأعشى» ج 14/ 168.

(2)- «المحدّث الفاصل»/ 339، 343؛ «مجمع الزوائد» ج 1/ 132؛ «كنز العمّال» ج 10/ 250، الحديث 29341- نقلا عن الطبراني في «الأوسط»- و فيهما زيادة «و يجعل ذلك يوم الخميس». و في «مسند أحمد» ج 3/ 416، 417، 431، 432، ج 4/ 384، 390؛ و «سنن الدارميّ» ج 2/ 214؛ و «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 111؛ و «إحياء علوم الدين» ج 2/ 225؛ و «مجمع الزوائد» ج 4/ 61: «اللّهمّ بارك لأمّتي في بكورها».

(3)- روي في «تحف العقول»/ 80 عن أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه): «إذا أراد أحدكم الحاجة فليبكر فيها يوم الخميس؛ فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: اللّهمّ بارك لأمّتي في بكرتها يوم الخميس». و في «سنن الدارميّ» ج 2/ 214؛ و «إحياء علوم الدين» ج 2/ 225: «قلّما كان رسول اللّه يخرج إذا أراد سفرا إلّا يوم الخميس». و قال المناوي في «فيض القدير» ج 1/ 543: «و يشاركه [يعني يوم الاثنين‏] في ندب الطلب فيه الخميس لحديث ابن عدي عن جابر: اطلبوا العلم لكلّ اثنين و خميس؛ فإنّه ميسّر لمن طلب».

(4)- في «كتاب من لا يحضره الفقيه» ج 1/ 274، الحديث 1254؛ و «بحار الأنوار» ج 103/ 41، الحديث 1: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): اللّهمّ بارك لأمّتي في بكورها يوم سبتها و خميسها». و في «إحياء علوم الدين» ج 2/ 224: «روى أنس أنّه (ص) قال: اللّهمّ بارك لأمّتي في بكورها يوم السبت، و روى أبو هريرة عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، أنّه قال: اللّهمّ بارك لأمّتي في بكورها يوم سبتها و خميسها». و في «إحياء علوم الدين» ج 2/ 224: «روى أنس أنّه (ص) قال: اللّهمّ بارك لأمتي في بكورها يوم السبت، و روى أبو هريرة عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، أنّه قال: اللّهمّ بارك لأمتي في بكورها يوم خميسها»؛ و الخبر الثاني منقول أيضا في «مجمع الزوائد» ج 4/ 61، 62. و في «غرر الحكم» ج 3/ 259، الحديث 4422: «بكر السبت و الخميس بركة».

(5)- «الجامع الصغير» ج 1/ 44، حرف الهمزة؛ «كنز العمّال» ج 10/ 250، الحديث 2934، و فيهما: «فإنّه ميسّر لطالبه». قال المناوي في «فيض القدير» ج 1/ 543: «أي يتيسّر له أسباب تحصيله بدفع الموانع و تهيئة الأسباب إذا طلبه فيه و ذلك لأنّه اليوم الذي ولد فيه المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و جاء الوحي فيه». فتأمّل في ذلك.

(6)- «تعليم المتعلّم»/ 15. قال في «كشف الخفاء» ج 2/ 237- نقلا عن بعضهم-: «لم أقف له على أصل، و لكن ذكر برهان الإسلام في كتابه «تعليم المتعلّم» عن شيخه صاحب «الهداية» أنّه كان يروي ذلك حديثا، و يقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ما من شي‏ء بدئ به يوم الأربعاء إلّا و قد تمّ».

267

و ربما اختار بعض العلماء الابتداء يوم الأحد و لم نقف على مأخذه.

الثامن‏ (1)

[8-] أن يبكر بسماع الحديث‏

و لا يهمل الاشتغال به و بعلومه و النظر في إسناده و رجاله و معانيه و أحكامه و فوائده و لغته و تواريخه و صحيحه و حسنه و ضعيفه و مسنده و مرسله و سائر أنواعه فإنه أحد جناحي العالم بالشريعة و المبين للأحكام و الجناح الآخر القرآن‏ (2). و لا يقنع من الحديث بمجرد السماع بل يعتني بالدراية أكثر من الرواية فإنه المقصود من نقل الحديث و تبليغه.

التاسع‏

[9-] أن يعتني برواية كتبه التي قرأها أو طالعها

سيما محفوظاته فإن الأسانيد أنساب الكتب. و أن يحترص على كلمة يسمعها من شيخه أو شعر ينشده أو ينشئه أو مؤلف يؤلفه و يجتهد على رواية الأمور المهمة و معرفة من أخذ شيخه عنه و أسناده و نحو ذلك.

العاشر

[10-] إذا بحث محفوظاته [...]

أو غيرها من المختصرات و ضبط ما فيها من الإشكالات و الفوائد المهمات أن ينتقل إلى بحث المبسوطات و ما هو أكبر مما بحثه أولا مع المطالعة المتقنة و العناية الدائمة المحكمة و تعليق ما مر به في المطالعة أو سمعه من الشيخ من الفوائد النفيسة و المسائل الدقيقة و الفروع الغريبة و حل المشكلات و الفرق بين أحكام المتشابهات من جميع أنواع العلوم التي يذاكره فيها و لا يحتقر فائدة يراها أو يسمعها في أي فن كانت بل يبادر إلى كتابتها و حفظها

وَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ‏

قَيِّدُوا الْعِلْمَ قِيلَ وَ مَا تَقْيِيدُهُ قَالَ كِتَابَتُهُ‏

(3)

وَ رُوِيَ‏

أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ يَجْلِسُ إِلَى النَّبِيِّ ص فَيَسْمَعُ مِنْهُ الْحَدِيثَ فَيُعْجِبُهُ وَ لَا يَحْفَظُهُ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ص فَقَالَ لَهُ‏

____________

(1)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 126، 130- 133.

(2)- في أكثر النسخ: «القراءة» بدل «القرآن»، و الصحيح، ما أثبتنا كما في «تذكرة السامع»/ 131.

(3)- «المحدّث الفاصل»/ 364؛ «المستدرك على الصحيحين» ج 1/ 106؛ «عوالي اللآلي» ج 1/ 68.

268

رَسُولُ اللَّهِ اسْتَعِنْ بِيَمِينِكَ وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ أَيْ خُطَّ

(1)

. و من هنا قيل من لم يكتب علمه لم يعد علمه علما (2) و سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الكتابة أخبار أخر في ذلك.

الحادي عشر (3)

[11-] أن يبالغ في الجد و الطلب و التشمير

و لا يقنع من إرث الأنبياء باليسير و يغتنم وقت الفراغ و النشاط و شرح الشباب‏ (4) قبل عوارض البطالة و موانع الرئاسة فإنها أدوى الأدواء و أعضل الأمراض. و ليحذر كل الحذر من نظر نفسه بعين الكمال و الاستغناء عن المشايخ فإن ذلك عين النقص و حقيقة الجهل و عنوان الحماقة و دليل قلة العلم و المعرفة لو تدبر.

الثاني عشر

[12-] أن يلازم حلقة شيخه‏

بل جميع مجالسه إذا أمكن فإن ذلك لا يزيده إلا خيرا و تحصيلا و أدبا و اطلاعا على فوائد متبددة لا يكاد يجدها في الدفاتر كما أشار إليه‏

عَلِيٌّ (ع) فِي حَدِيثِهِ السَّابِقِ بِقَوْلِهِ:

وَ لَا تَمَلَّ مِنْ طُولِ صُحْبَتِهِ فَإِنَّمَا هُوَ كَالنَّخْلَةِ تَنْتَظِرُ مَتَى يَسْقُطُ عَلَيْكَ مِنْهَا مَنْفَعَةٌ

(5)

. و لا يقتصر على سماع درس نفسه فقط فإن ذلك علامة قصور الهمة بل يعتني بسائر الدروس فإنها كنوز مختلفة و جواهر متعددة فليغتنم ما فتح له منها إن احتمل ذهنه ذلك فيشارك أصحابها حتى كأن كل درس له فإن عجز عن ضبط جميعها اعتنى بالأهم فالأهم. هذا في الدروس المفرقة و أما درس التقاسيم فشأنها كدرس واحد فمن لم يطق‏

____________

(1)- «سنن الترمذي» ج 5/ 39، كتاب العلم، الحديث 2666؛ «تقييد العلم»/ 65- 68؛ «تدريب الراوي» ج 2/ 66.

(2)- قاله معاوية بن قرة، كما في «حلية الأولياء» ج 2/ 301؛ و «تقييد العلم»/ 109. و في «تقييد العلم»/ 96: «قال أنس: كنّا لا نعدّ علم من لم يكتب علمه علما».

(3)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 133- 135، 142- 143.

(4)- «شرخ الشباب: أوّله و نضارته و قوّته» ( «لسان العرب» ج 3/ 29، «شرخ»).

(5)- «الكافي» ج 1/ 37، كتاب فضل العلم، باب حقّ العالم، الحديث 1، و قد سبق في أوّل القسم الثاني من النوع الثالث من هذا الباب، ص 234، و نقله هنا بالمعنى.

269

ضبطها لا يصلح لدخوله فيها (1).

الثالث عشر (2)

[13-] إذا حضر مجلس الشيخ فليسلم على الحاضرين بصوت يسمعهم‏

و يخص الشيخ بزيادة تحية و إكرام. و عد بعضهم حلق العلم حال أخذهم في البحث من المواضع التي لا يسلم فيها (3) و اختاره جماعة من الأفاضل‏ (4) و هو متجه حيث يشغلهم رد السلام عما هم فيه من البحث و حضور القلب كما هو الغالب سيما إذا كان في أثناء تقرير مسألة فإن قطعه عليهم أضر من كثير من الموارد التي ورد أنه لا يسلم فيها (5). لكن متى أريد ذلك فليجلس الداخل عليهم على بعد من مقابلة الشيخ بحيث لا يشعر به حتى يفرغ إن أمكن جمعا بين حق الأدب معه و حق البحث في دفع الشواغل عنه.

الرابع عشر

[14-] إذا سلم لا يتخطى رقاب الحاضرين إلى قرب الشيخ‏

إن لم يكن منزلته كذلك بل يجلس حيث ينتهي به المجلس كما ورد في الحديث‏ (6) فإن صرح له الشيخ أو الحاضرون بالتقدم أو كانت منزلته أو كان يعلم إيثار الشيخ و الجماعة لذلك و كان جلوسه بقرب الشيخ مصلحة كأن يذاكره مذاكرة ينتفع‏

____________

(1)- مرّ في الأمر السادس عشر من القسم الثاني من النوع الثاني من هذا الباب، ص 200 معنى درس التقاسيم، فيعلم معنى الدروس المفرقة بالمقابلة.

(2)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 146- 147؛ «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 24- 25؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 61.

(3)- «تذكرة السامع»/ 146.

(4)- منهم ابن جماعة الكنانيّ في «تذكرة السامع»/ 146، مع تفصيل.

(5)- في «الكافي» ج 2/ 645- 646، كتاب العشرة، باب التسليم، الحديث 11، «كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) يقول:

ثلاثة لا يسلّمون: الماشي مع الجنازة و الماشي إلى الجمعة، و في بيت الحمام»؛ و في «الخصال» ج 2/ 571- 572، باب الاثني عشر، و «بحار الأنوار» ج 76/ 9، الحديث 39- نقلا عن «الخصال»-: «لا تسلّموا على ... و لا على المصلّي، و ذلك لأنّ المصلّي لا يستطيع أن يردّ السلام ... و لا على رجل جالس على غائط، و لا على الذي في الحمام ...» و انظر سائر روايات الباب في «بحار الأنوار» ج 76/ 8- 9؛ و راجع «الأذكار»/ 27، 224.

(6)- في «أمالي الطوسيّ» ج 1/ 310: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لا ينبغي للمؤمن أن يجلس إلّا حيث ينتهي به الجلوس؛ فإنّ تخطّي أعناق الرجل سخافة»؛ راجع أيضا «مكارم الأخلاق»/ 26؛ «الترغيب و الترهيب» ج 4/ 51؛ «سنن أبي داود» ج 4/ 258، كتاب الأدب، الحديث 4825؛ «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 123.

270

بها الحاضرون أو لكونه كبير السن أو كثير الفضيلة و الصلاة فلا بأس.

الخامس عشر

[15-] أن يحرص على قربه من الشيخ حيث يكون منزلته‏

ليفهم كلامه فهما كاملا بلا مشقة و لكن لا يقرب منه قربا ينسب فيه إلى سوء الأدب و لا يضع شيئا من ثيابه أو بدنه على ثياب الشيخ أو وسادته أو سجادته كما مر (1). و اعلم أنه متى سبق إلى مكان من مجلس الدرس كان أحق به فليس لغيره أن يزعجه منه و إن كان أحق به بحسب الأدب قيل و يبقى بعد ذلك أحق به كالمحترف إذا ألف مكانا من السوق أو الشارع فلا يسقط حقه منه لمفارقته و إن انقطع عن الدرس يوما أو يومين إذا حضر بعد ذلك‏ (2) و هذا البحث آت في مكان المصلي المشتمل على فائدة في الصلاة كالذكر و نحوه.

السادس عشر

[16-] أن يتأدب مع رفقته و حاضري المجلس‏

فإن تأدبه معهم تأدب مع الشيخ و احترام لمجلسه و ليحترم كبراءه و أقرانه و رفقته.

السابع عشر (3)

[17-] أن لا يزاحم أحدا في مجلسه‏

و لا يؤثر قيام أحد له من محله فإن آثره غيره بمجلسه لم يقبله‏

لِنَهْيِ النَّبِيِّ ص عَنْ أَنْ يُقَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ وَ يَجْلِسَ فِيهِ آخَرُ قَالَ ص وَ لَكِنْ تَفَسَّحُوا وَ تَوَسَّعُوا

(4)

. نعم لو كان جلوسه في مجلس من آثره مصلحة للحاضرين و علم من خاطر المؤثر حب الإيثار بالقرائن فلا بأس.

____________

(1)- في الأمر التاسع عشر من القسم الثاني من النوع الثالث، ص 252- 253.

(2)- للتفصيل و الاطّلاع على آراء و أقوال الفقهاء حول المسألة راجع الكتب الفقهيّة، كتاب إحياء الموات.

(3)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 152- 156؛ «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 25؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 62.

(4)- «صحيح مسلم» ج 4/ 1714- 1715، كتاب السلام (39)، الباب 11؛ «مسند أحمد» ج 2/ 22، 102؛ «سنن أبي داود» ج 4/ 258، كتاب الأدب، الحديثان 4827- 4828؛ «سنن الدارميّ» ج 2/ 281- 282؛ «الترغيب و الترهيب» ج 4/ 51؛ «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 126؛ «إحياء علوم الدين» ج 1/ 166، ج 2/ 181؛ «عوالي اللآلي» ج 1/ 143، و إليك نصّ واحدة من روايات الباب من «صحيح مسلم»: «عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قال: لا يقيم الرجل الرجل من مقعده ثمّ يجلس فيه، و لكن تفسّحوا و توسّعوا».

271

الثامن عشر

[18-] أن لا يجلس في وسط الحلقة

و لا قدام أحد لغير ضرورة

لِمَا رُوِيَ‏

مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ص لَعَنَ مَنْ جَلَسَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ

(1)

. نعم لو كان لضرورة كضيق المجلس و كثرة الزحام و استلزام تركه عدم السماع فلا بأس به.

التاسع عشر

[19-] أن لا يجلس بين أخوين أو أب و ابن أو قريبين أو متصاحبين‏

إلا برضاهما معا

لِمَا رُوِيَ‏

أَنَّ النَّبِيَّ ص نَهَى أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا

(2)

. العشرون‏

[20-] ينبغي للحاضرين إذا جاء القادم أن يرحبوا به‏

و يوسعوا له و يتفسحوا لأجله و يكرموه بما يكرم به مثله و إذا فسح له في المجلس و كان حرجا ضم نفسه و لا يتوسع و لا يعطي أحدا منهم جنبه و لا ظهره و يتحفظ من ذلك و يتعهده عند بحث الشيخ له و لا يجنح على جاره أو يجعل مرفقه قائما في جنبه أو يخرج من بنية الحلقة بتقدم أو تأخر.

الحادي و العشرون‏

[21-] أن لا يتكلم في أثناء درس غيره بما لا يتعلق به‏

أو بما يقطع عليه بحثه و إذا شرع بعضهم في درس فلا يتكلم بكلام في درس فرغ و لا بغيره مما لا تفوت فائدته إلا بإذن من الشيخ و صاحب الدرس.

الثاني و العشرون‏

[22-] أن لا يشارك أحد من الجماعة أحدا في حديثه مع الشيخ‏

و لا سيما مشاركة الشيخ قال بعض الحكماء من الأدب أن لا يشارك الرجل في حديثه‏ (3) و أنشد بعضهم‏ (4) في ذلك‏

____________

(1)- «سنن أبي داود» ج 4/ 258، كتاب الأدب، الحديث 4826؛ «الترغيب و الترهيب» ج 4/ 50؛ «تنبيه الخواطر» ج 1/ 30؛ «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 127.

(2)- «سنن أبي داود» ج 4/ 262، كتاب الأدب، الحديث 4844 و 4845؛ «الترغيب و الترهيب» ج 4/ 51؛ «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 129.

(3)- «تذكرة السامع»/ 156، و فيه زيادة: «و إن كان أعلم به منه».

(4)- هو الخطيب البغداديّ كما في «تذكرة السامع»/ 156.

272

و لا تشارك في الحديث أهله‏* * * و إن عرفت فرعه و أصله‏

. فإن علم إيثار المتكلم بذلك فلا بأس.

الثالث و العشرون‏

[23-] إذا أساء بعض الطلبة أدبا على غيره لم ينهه [لم ينهره‏] غير الشيخ‏

إلا بإشارته أو سرا بينهما على سبيل النصيحة و إن أساء أحد أدبا على الشيخ تعين على الجماعة انتهاره و ردعه و الانتصار للشيخ بقدر الإمكان و إن أظهر الشيخ المسامحة وفاء لحقه.

الرابع و العشرون‏

[24-] (1) إذا أراد القراءة على الشيخ فليراع نوبته‏

تقديما و تأخيرا فلا يتقدم عليها بغير رضا من هي له‏

وَ رُوِيَ‏

أَنَّ أَنْصَارِيّاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ص يَسْأَلُهُ وَ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَا أَخَا ثَقِيفٍ إِنَّ الْأَنْصَارِيَّ قَدْ سَبَقَكَ بِالْمَسْأَلَةِ فَاجْلِسْ كَيْمَا نَبْدَأَ بِحَاجَةِ الْأَنْصَارِيِّ قَبْلَ حَاجَتِكَ‏

(2)

. قيل و لا يؤثر بنوبته فإن الإيثار بالقرب نقص فإن رأى الشيخ المصلحة في ذلك في وقت فأشار به امتثل أمره معتقدا كمال رأيه و تصويب غرضه في ذلك‏ (3). قيل و يستحب للسابق أن يقدم على نفسه من كان غريبا لتأكد حرمته و وجوب ذمته‏ (4) و روي في ذلك حديث عن ابن عباس رضي الله عنه‏ (5) و كذلك‏

____________

(1)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 158- 162.

(2)- «تذكرة السامع»/ 158؛ و نقل مضمونه الخطيب البغداديّ في «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 122.

(3)- تذكرة السامع»/ 159- 160؛ و القائل النووي في «التبيان في آداب حملة القرآن»/ 27؛ و «شرح المهذّب» ج 1/ 65.

(4)- قاله الخطيب البغداديّ كما في «تذكرة السامع»/ 159.

(5)- في «الجامع الصغير» ج 1/ 16، حرف الهمزة: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه»، «إذا أتاكم الزائر فأكرموه»؛ و الحديث الأول مرويّ في «مجمع الزوائد» ج 8/ 15، 16؛ و «مكارم الأخلاق»/ 24 أيضا. و في «الكافي» ج 2/ 659، كتاب العشرة، باب إكرام الكريم، الحديث 1: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: دخل رجلان على أمير المؤمنين (عليه السلام)، فألقى لكلّ واحد منهما و سادة فقعد عليها أحدهما و أبى الآخر، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): اقعد عليها؛ فإنّه لا يأبى الكرامة إلّا حمار، ثمّ قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه». و قال الذهبي في «تذكرة الحفاظ» ج 3/ 993- نقلا عن الخطيب البغداديّ-: «حدّثنا العتيقي، قال: حضرت مجلس الدارقطني و جاءه أبو الحسن البيضاوي برجل غريب، و سأله-

273

إذا كان للمتأخر حاجة ضرورية و علمها المتقدم. و تحصل النوبة بتقدم الحضور في مجلس الشيخ و إن ذهب بعده لضرورة كقضاء حاجة و تجديد وضوء إذا لم يطل الزمان عادة و إذا تساويا أقرع بينهما هذا إذا كان العلم مما يجب تعليمه و إلا تخير و يستحب له حينئذ مراعاة الترتيب ثم القرعة. و لو جمعهم على درس مع تقارب أفهامهم جاز أيضا و معيد (1) المدرسة و مدرسها إذا شرط عليه إقراء أهلها في وقت معين لا يجوز له تقديم غيرهم عليهم بغير إذنهم و إن سبق مع عدم وجوب التعليم أو مع وجوب الجميع أما لو وجب درس الخارج دون أهل المدرسة ففي استثنائه أو وجوب إقرائه و ترك ما يخصه من العوض ذلك اليوم أو تقديم أهل المدرسة أوجه و الأوسط أوسط.

الخامس و العشرون‏

[25-] أن يكون جلوسه بين يدي الشيخ على ما تقدم تفصيله‏

و هيأته‏

____________

- أن يملي عليه أحاديث، فأملى عليه من حفظه مجلسا يزيد أحاديثه على العشرين، متون جميعها: نعم الشي‏ء الهديّة أمام الحاجة، فانصرف الرجل ثمّ جاءه بعد و قد أهدى له شيئا فقربه إليه، فأملى عليه من حفظه سبعة عشر حديثا متونها: إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه»: و أيضا هذه الحكاية منقولة في «طبقات الشافعية» ج 3/ 465.

و في «إحياء علوم الدين» ج 2/ 175: «و روي أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) دخل بعض بيوته، فدخل عليه أصحابه حتّى غصّ المجلس و امتلأ، فجاء جرير بن عبد اللّه البجلي فلم يجد مكانا فقعد على الباب، فلفّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) رداءه، فألقاه إليه و قال له: اجلس على هذا، فأخذه جرير و وضعه على وجهه و جعل يقبّله و يبكي، ثمّ لفّه و رمى به إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و قال: ما كنت لأجلس على ثوبك، أكرمك اللّه كما أكرمتني. فنظر النبيّ يمينا و شمالا ثمّ قال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه».

(1)- قال في «تذكرة السامع»/ 150، الهامش: «المعيد: الذي يعيد الدرس بعد إلقاء الشيخ الخطبة على الطلبة، كأنّه يعين الشيخ على نشر علمه و تثبيت خطباته و إملائه في أذهان الطلبة»؛ و قال في ص 204: «و ينبغي للمعيد بالمدرسة ... أن يعلم المدرّس أو الناظر بمن يرجى فلاحه ليزاد ما يستعين به و يشرح صدره، و أن يطالبهم بعرض محفوظاتهم إن لم يعيّن لذلك غيره، و يعيد لهم ما توقّف فهمه عليهم من دروس المدارس و لهذا يسمّى معيدا». قال ابن خلّكان في ترجمة أبي إسحاق الشيرازي: «... تفقّه على جماعة من الأعيان و صحب القاضي أبا الطيب الطبريّ كثيرا و انتفع به، و ناب عنه في مجلسه، و رتّبه معيدا في حلقته» ( «وفيات الأعيان» ج 1/ 29). و قال السبكي في «طبقات الشافعية» ج 7/ 240، في ترجمة أبي حفص عمر بن أحمد بن الليث الطالقاني: «من أهل بلخ، فقيه أصولي صوفي ... و كان معيد المدرسة النظامية ببلخ، توفّي في شعبان سنة ستّ و ثلاثين و خمسمائة».

274

في أدبه مع شيخه و يحضر كتابه الذي يقرأ فيه معه و يحمله بنفسه و لا يضعه حال القراءة على الأرض مفتوحا بل يحمله بيديه و يقرأ منه.

السادس و العشرون‏

[26-] أن لا يقرأ حتى يستأذن الشيخ‏

ذكره جماعة من العلماء (1) فإذا أذن له استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ثم سمى الله تعالى و حمده و صلى على النبي و آله ص ثم يدعو للشيخ و لوالديه و لمشايخه و للعلماء و لنفسه و لسائر المسلمين و إن خص مصنف الكتاب أيضا بدعوة كان حسنا. و كذلك يفعل كلما شرع في قراءة درس أو تكراره أو مطالعته أو مقابلته في حضور الشيخ أو في غيبته إلا أنه يخص الشيخ بذكره في الدعاء عند قراءته عليه و يترحم على مصنف الكتاب كما ذكرناه. و إذا دعا الطالب للشيخ قال و رضي الله عنكم أو عن شيخنا و إمامنا و نحو ذلك قاصدا به الشيخ و إذا فرغ من الدرس دعا للشيخ أيضا. و يدعو الشيخ للطالب كلما دعا له فإن ترك الطالب الاستفتاح بما ذكرناه جهلا أو نسيانا نبهه عليه و علمه إياه و ذكره به فإنه من أهم الآداب و قد ورد الحديث بالأمر في الابتداء بالأمور المهمة بتسمية الله و تحميده‏ (2) و هذا من أهمها.

سابع و العشرون‏ (3) ينبغي‏

[27-] أن يذاكر من يرافقه من مواظبي مجلس الشيخ بما وقع فيه من الفوائد

و الضوابط و القواعد و غير ذلك و يعيدوا كلام الشيخ فيما بينهم فإن في المذاكرة نفعا عظيما قدم على نفع الحفظ.

____________

(1)- ذكره الخطيب البغداديّ عن جماعة من السلف، كما في «تذكرة السامع»/ 161.

(2)- في «سنن ابن ماجة» ج 1/ 610، كتاب النكاح (9)، الباب 19، الحديث 1894؛ و «النهاية» ج 1/ 93؛ و «الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور» ج 1/ 12؛ و «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 123؛ و «سنن الدارقطني» ج 1/ 229؛ و «تفسير كشف الأسرار» ج 1/ 11: «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع». و في «تفسير الرازيّ» ج 1/ 208؛ و «تفسير كشف الأسرار» ج 10/ 78؛ و «تفسير الكشّاف» ج 1/ 3- 4؛ و «إحياء علوم الدين» ج 1/ 185: «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم اللّه فهو أبتر»؛ و في «مسند أحمد» ج 2/ 359: «كلّ كلام- أو أمر- ذي بال لا يفتح بذكر اللّه عزّ و جلّ فهو أبتر، أو قال: أقطع». و انظر «الأذكار»/ 103. و راجع «طبقات الشافعية» ج 1/ 7- 24، تجد شرحا مشبعا حول ذلك.

(3)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 143، 145.

275

و ينبغي الإسراع بها بعد القيام من المجلس قبل تفرق أذهانهم و تشتت خواطرهم و شذوذ بعض ما سمعوه عن أفهامهم ثم يتذاكروه في بعض الأوقات فلا شي‏ء يتخرج‏ (1) به الطالب في العلم مثل المذاكرة. فإن لم يجد الطالب من يذاكره ذاكر نفسه بنفسه و كرر معنى ما سمعه و لفظه على قلبه و ليعلق ذلك بخاطره فإن تكرار المعنى على القلب كتكرار اللفظ على اللسان و قل أن يفلح من اقتصر على الفكر و التعقل بحضرة الشيخ خاصة ثم يتركه و يقوم و لا يعاوده.

الثامن و العشرون‏

[28-] أن تكون المذاكرة المذكورة في غير مجلس الشيخ‏

أو فيه بعد انصرافه بحيث لا يسمع لهم صوتا فإن اشتغالهم بذلك و إسماعهم له قلة أدب و جرأة سيما إذا كان لهم معيد فإن تصدره للإعادة في مجلس الشيخ من أقبح الصفات و أبعدها عن الآداب اللهم إلا أن يأمره الشيخ بذلك لمصلحة يراها.

التاسع و العشرون‏

[29-] على الطلبة مراعاة الأدب المتقدم أو قريبا منه مع كبيرهم‏

و معيدهم فلا ينازعوه فيما يقوله لهم إذا وقع منهم فيه شك بل يترفقوا في تحقيق الحال و يتوصلوا إلى بيان الحق بحسب الإمكان فإذا بقي الحق مشتبها راجعوا الشيخ فيه بلطف من غير بيان من خالف و من وافق مقتصرين على إرادة بيان الصواب كيف كان.

الثلاثون‏ (2)

[30-] يجب على من علم منهم بنوع من العلم و ضرب من الكمال‏

أن يرشد رفقته و يرغبهم في الاجتماع و التذاكر و التحصيل و يهون عليهم مئونته و يذكر لهم ما استفاده من الفوائد و القواعد و الغرائب على جهة النصيحة و المذاكرة فبإرشادهم يبارك الله له في علمه و يستنير قلبه و تتأكد المسائل عنده مع ما فيه من جزيل ثواب الله تعالى و جميل نظره و عطفه.

____________

(1)- قال في «لسان العرب» ج 2/ 250، مادة «خرج»: «معنى خرّجها: أدّبها كما يخرّج المعلّم تلميذه، و قد خرّجه في الأدب فتخرّج».

(2)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 162- 163؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 65.

276

و من بخل عليهم بشي‏ء من ذلك كان بضد ما ذكر و لم يثبت علمه و إن ثبت لم يثمر و لم يبارك الله له فيه و قد جرب ذلك لجماعة من السلف و الخلف. و لا يحسد أحدا منهم و لا يحتقره و لا يفتخر عليه و لا يعجب بفهم نفسه و سبقه لهم فقد كان مثلهم ثم من الله تعالى عليه فليحمد الله تعالى على ذلك و يستزيده منه بدوام الشكر فإذا امتثل ذلك و تكاملت أهليته و اشتهرت فضيلته ارتقى إلى ما بعده من المراتب و الله ولي التوفيق‏

277

الباب الثاني في آداب الفتوى و المفتي و المستفتي‏

(و يشتمل على مقدمة و أربعة أنواع. المقدمة في أهمية الإفتاء. النوع الأول في الأمور المعتبرة في كل مفت. النوع الثاني في أحكام المفتي و آدابه. النوع الثالث في آداب الفتوى. النوع الرابع في أحكام المستفتي و آدابه و صفته)

278

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

279

المقدمة في أهمية الإفتاء

و لنذكر من ذلك المهم فإنه باب متسع و لنقدم على ذلك مقدمة فنقول‏ (1) اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر كثير الأجر كبير الفضل جليل الموقع لأن المفتي وارث الأنبياء ص و قائم بفرض الكفاية لكنه معرض للخطأ و الخطر و لهذا قالوا المفتي موقع عن الله تعالى‏ (2) فلينظر كيف يقول. و قد ورد فيه و في آدابه و التوقف فيه و التحذير منه من الآيات و الأخبار و الآثار أشياء كثيرة نورد جملة من عيونها

[التحذير منه في الآيات‏]

قال الله تعالى‏ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ‏ (3). و قال تعالى‏

____________

(1)- لاحظ «شرح المهذّب» ج 1/ 67- 69.

(2)- «شرح المهذّب» ج 1/ 67. قال ابن قيم الجوزية في «أعلام الموقّعين» ج 4/ 241: «فخطر المفتي عظيم فإنّه موقّع عن اللّه و رسوله ...» و قال فيه ج 4/ 223 أيضا: «فالحاكم و المفتي و الشاهد، كلّ منهم مخبر عن حكم اللّه ...».

(3)- سورة النساء (4): 176.

280

وَ يَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَ رَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌ‏ (1). و قال تعالى‏ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ‏ (2). و قال تعالى في التحذير وَ لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ‏ (3) الآية. و قال تعالى‏ وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (4). و قال تعالى‏ قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ‏ (5). فانظر كيف قسم مستند الحكم إلى القسمين فما لم يتحقق الإذن فأنت مفتر. و انظر إلى قوله تعالى حكاية عن رسوله ص أكرم خلقه عليه‏ وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ‏ (6).

____________

(1)- سورة يونس (1): 53.

(2)- سورة يوسف (12): 46.

(3)- سورة النحل (16): 116.

(4)- سورة البقرة (2): 169.

(5)- سورة يونس (1): 59.

(6)- سورة الحاقة (69): 44- 46. قال رضيّ الدين عليّ بن طاوس (قدّس سرّه) في كتاب «الإجازات لكشف طرق المفازات فيما يحصى من الإجازات»: «و اعلم أنّني إنّما اقتصرت على تأليف كتاب «غياث سلطان الورى لسكّان الثرى» من كتب الفقه في قضاء الصلوات من الأموات، و ما صنّفت غير ذلك من الفقه و تقرير المسائل و الجوابات، لأنّي كنت قد رأيت مصلحتي و معاذي في دنياي و آخرتي في التفرّغ عن الفتوى في الأحكام الشرعية، لأجل ما وجدت من الاختلاف في الرواية بين فقهاء أصحابنا في التكاليف الفعلية، و سمعت كلام اللّه جلّ جلاله يقول عن أعزّ موجود من الخلائق عليه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله): و لو تقوّل علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثمّ لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين. فلو صنّفت كتبا في الفقه يعمل بعدي عليها، كان ذلك نقضا لتورّعي عن الفتوى، و دخولا تحت خطر الآية المشار إليها، لأنّه جلّ جلاله إذا كان هذا تهديده للرسول العزيز الأعلم لو تقوّل عليه، فكيف يكون حالي إذا تقوّلت عليه-

281

فإذا كان هذا تهديده لأكرم خلقه عليه فكيف حال غيره إذا تقول عليه عند حضوره بين يديه‏

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص‏

إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ وَ لَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِماً اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَ أَضَلُّوا

(1)

وَ قَالَ ص‏

مَنْ أَفْتَى بِفُتْيَا مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ وَ فِي لَفْظٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ‏

(2)

وَ قَالَ ص‏

أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفَتْوَى أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ

(3)

وَ قَالَ ص‏

أَشَدُّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيّاً أَوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ أَوْ رَجُلٌ يُضِلُّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَوْ مُصَوِّرٌ يُصَوِّرُ التَّمَاثِيلَ‏

(4)

وَ مِنْ كَلَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع)

إِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَرَجُلَيْنِ رَجُلٌ وَكَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى نَفْسِهِ فَهُوَ

____________

- جلّ جلاله و أفتيت أو صنّفت خطأ أو غلطا يوم حضوري بين يديه» ( «بحار الأنوار» ج 107/ 42).

(1)- «أمالي المفيد»/ 20- 21؛ «بحار الأنوار» ج 2/ 121، الحديث 37، نقلا عنه، و ج 2/ 110، الحديث 19، نقلا عن «كنز الفوائد»، و فيهما: «لم يبق عالم» بدل «لم يبق عالما»؛ «سنن الدارميّ» ج 1/ 77؛ «صحيح البخاريّ» ج 2/ 97- 98، كتاب العلم، الحديث 99؛ «سنن ابن ماجة» ج 1/ 20؛ المقدّمة، الباب 8، الحديث 52؛ «صحيح مسلم» ج 4/ 2058، كتاب العلم، الباب 5؛ «صفة الفتوى»/ 7.

(2)- «سنن ابن ماجة» ج 1/ 20، المقدّمة، الباب 8، الحديث 53؛ «صفة الفتوى»/ 6؛ «سنن الدارميّ» ج 1/ 57؛ «المستدرك على الصحيحين» ج 1/ 103؛ «كنز العمّال» ج 10/ 193، الحديث 29019، و في هذه المصادر الخمسة: «ثبت» بدل «تثبّت»؛ «الجامع الصغير» ج 2/ 166، حرف الميم، و شرحه: «فيض القدير» ج 6/ 77، الحديث 8490؛ «المستدرك على الصحيحين» ج 1/ 103 أيضا و فيها: «بغير علم».

(3)- «سنن الدارميّ» ج 1/ 57؛ «الجامع الصغير» ج 1/ 10، حرف الهمزة، و شرحه: «فيض القدير» ج 1/ 158، الحديث 183؛ «كنز العمّال» ج 10/ 184، الحديث 28961.

(4)- «مسند أحمد» ج 1/ 407.

282

جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ مَشْغُوفٌ بِكَلَامِ بِدْعَةٍ قَدْ لَهِجَ بِالصَّوْمِ وَ الصَّلَاةِ فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ افْتَتَنَ بِهِ ضَالٌّ عَنْ هَدْيِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مُضِلٌّ لِمَنِ اقْتَدَى بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَ بَعْدَ مَوْتِهِ حَمَّالٌ خَطَايَا غَيْرِهِ [رَهْنٌ بِخَطِيئَتِهِ‏]

(1)

وَ رَجُلٌ قَمَشَ جَهْلًا فِي جُهَّالِ النَّاسِ عَانٍ بِأَغْبَاشِ الْفِتْنَةِ قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالِماً وَ لَمْ يَغْنَ فِيهِ يَوْماً سَالِماً بَكَّرَ فَاسْتَكْثَرَ مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ حَتَّى إِذَا ارْتَوَى مِنْ آجِنٍ وَ اكْتَنَزَ مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا الْتَبَسَ عَلَى غَيْرِهِ [وَ إِنْ خَالَفَ قَاضِياً سَبَقَهُ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَهُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ كَفِعْلِهِ بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُ وَ]

(2)

إِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى الْمُبْهَمَاتِ الْمُعْضِلَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْواً مِنْ رَأْيِهِ ثُمَّ قَطَعَ [بِهِ‏]

(3)

فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ غَزْلِ الْعَنْكَبُوتِ لَا يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ لَا يَحْسَبُ الْعِلْمَ فِي شَيْ‏ءٍ مِمَّا أَنْكَرَ وَ لَا يَرَى أَنَّ وَرَاءَ مَا بَلَغَ فِيهِ مَذْهَباً [إِنْ قَاسَ شَيْئاً بِشَيْ‏ءٍ لَمْ يُكَذِّبْ نَظَرَهُ وَ إِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرٌ اكْتَتَمَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ لِكَيْلَا يُقَالَ لَهُ لَا يَعْلَمُ ثُمَّ جَسَرَ فَقَضَى‏]

(4)

فَهُوَ مِفْتَاحُ عَشَوَاتٍ رَكَّابُ شُبُهَاتٍ خَبَّاطُ جَهَالاتٍ لَا يَعْتَذِرُ مِمَّا لَا يَعْلَمُ فَيَسْلَمَ وَ لَا يَعَضُّ فِي الْعِلْمِ بِضِرْسٍ قَاطِعٍ فَيَغْنَمَ يَذْرُو الرِّوَايَاتِ ذَرْوَ [الرِّيحِ‏]

(5)

الْهَشِيمَ تَبْكِي مِنْهُ الْمَوَارِيثُ وَ تَصْرُخُ مِنْهُ الدِّمَاءُ يُسْتَحَلُّ بِقَضَائِهِ الْفَرْجُ الْحَرَامُ وَ يُحَرَّمُ بِقَضَائِهِ الْفَرْجُ الْحَلَالُ لَا مَلِي‏ءٌ بِإِصْدَارِ مَا عَلَيْهِ وَرَدَ وَ لَا هُوَ أَهْلٌ لِمَا مِنْهُ فَرَطَ مِنِ ادِّعَائِهِ عِلْمَ الْحَقِ‏

(6)

وَ رَوَى زُرَارَةُ بْنُ أَعْيَنَ عَنِ الْبَاقِرِ (ع) قَالَ‏

سَأَلْتُهُ مَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ قَالَ أَنْ يَقُولُوا مَا يَعْلَمُونَ وَ يَقِفُوا عِنْدَ مَا لَا يَعْلَمُونَ‏

(7)

____________

(1- 2- 3- 4- 5)- ما بين المعقوفين في هذه المواضع الخمسة زيادات من المصدر أعني «الكافي» و ليس في النسخ المخطوطة.

(6)- «الكافي» ج 1/ 55- 56، كتاب فضل العلم، باب البدع و الرأي و المقابيس، الحديث 6. اعلم أنّ المؤلّف (ره) نقل هذا الحديث من «الكافي» و نحن قد قابلناه به أيضا- مضافا إلى النسخ المخطوطة- كما في سائر المواضع.

و جاء مضمونه أيضا مع اختلاف كثير في الألفاظ في «نهج البلاغة»/ 59- 60، الخطبة 17؛ «أمالي الطوسيّ» ج 1/ 240؛ «الاحتجاج» ج 1/ 390؛ «دستور معالم الحكم»/ 122- 123، 141- 144.

(7)- «الكافي» ج 1/ 43، كتاب فضل العلم، باب النهي عن القول بغير علم، الحديث 7؛ و مثله عن أبي عبد اللّه-

283

وَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْبَاقِرَ (ع) يَقُولُ‏

مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لَا هُدًى لَعَنَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ وَ لَحِقَهُ وِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِفُتْيَاهُ‏

(1)

وَ عَنِ الْمُفَضَّلِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع)

أَنْهَاكَ عَنْ خَصْلَتَيْنِ فِيهِمَا هَلَكَ الرِّجَالُ أَنْ تَدِينَ اللَّهَ بِالْبَاطِلِ وَ تُفْتِيَ النَّاسَ بِمَا لَا تَعْلَمُ‏

(2)

وَ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ (3) الْفَقِيهِ الْعَامِّيِّ قَالَ مَا ذَكَرْتُ حَدِيثاً سَمِعْتُهُ مِنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (ع) إِلَّا كَادَ أَنْ يَتَصَدَّعَ قَلْبِي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وَ أُقْسِمُ بِاللَّهِ مَا كَذَبَ أَبُوهُ عَلَى جَدِّهِ وَ لَا جَدُّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص‏

مَنْ عَمِلَ بِالْمَقَايِيسِ فَقَدْ هَلَكَ وَ أَهْلَكَ وَ مَنْ أَفْتَى النَّاسَ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ وَ الْمُحْكَمَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ فَقَدْ هَلَكَ وَ أَهْلَكَ‏

(4)

و عن بعض التابعين‏ (5) قال أدركت عشرين و مائة من الأنصار من أصحاب رسول الله ص يسأل أحدهم عن مسألة فيردها هذا إلى هذا و هذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول‏ (6).

____________

- (عليه السلام) في «الكافي» ج 1/ 50، كتاب فضل العلم، باب النوادر، الحديث 12.

(1)- «الكافي» ج 1/ 42، كتاب فضل العلم، باب النهي عن القول بغير علم، الحديث 3، و ج 7/ 409، كتاب القضاء و الأحكام، باب أنّ المفتي ضامن، الحديث 2.

(2)- «الكافي» ج 1/ 42، كتاب فضل العلم، باب النهي عن القول بغير علم، الحديث 1.

(3)- قال العلّامة المجلسي (قدّس اللّه نفسه الزكية) في «مرآة العقول» ج 1/ 140: «ابن شبرمة هو عبد اللّه بن شبرمة الكوفيّ- بضمّ المعجمة و سكون الموحدة و ضمّ الراء- كان قاضيا لأبي جعفر المنصور على سواد الكوفة». أقول:

توفّي في سنة 144 ه. انظر ترجمته في «معجم رجال الحديث» ج 10/ 214- 216.

(4)- «الكافي» ج 1/ 43، كتاب فضل العلم، باب النهي عن القول بغير علم، الحديث 9.

(5)- هو عبد الرحمن بن أبي ليلى كما في «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 12؛ و «قوت القلوب» ج 1/ 131؛ و «تلبيس إبليس»/ 120؛ و «إحياء علوم الدين» ج 1/ 62؛ و «سنن الدارميّ» ج 1/ 53؛ و «شرح المهذّب» ج 1/ 68؛ و «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 9.

(6)- «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 12؛ «تلبيس إبليس»/ 121؛ «أعلام الموقّعين» ج 1/ 34؛ «قوت القلوب» ج 1/ 131؛-

284

و عنه قال لقد أدركت في هذا المسجد عشرين و مائة من أصحاب رسول الله ص ما أحد منهم يحدث حديثا إلا ود أن أخاه كفاه الحديث و لا يسأل عن فتيا إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا (1). و قال البراء لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر ما فيهم من أحد إلا و هو يحب أن يكفيه صاحبه الفتيا (2).

" وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا

مَنْ أَفْتَى النَّاسَ فِي كُلِّ مَا يَسْأَلُونَهُ فَهُوَ مَجْنُونٌ‏

(3)

. و عن بعض السلف‏ (4) إن العالم بين الله و بين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهم‏ (5). و قال بعض الأكابر لبعض المفتين أراك تفتي الناس فإذا جاءك الرجل يسألك فلا يكن همك أن تخرجه مما وقع فيه و لتكن همتك أن تتخلص مما يسألك عنه‏ (6).

____________

- «شرح المهذّب» ج 1/ 68؛ «صفة الفتوى»/ 7؛ «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 9.

(1)- «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 12- 13؛ «جامع بيان العلم و فضله» ج 2/ 200؛ «إحياء علوم الدين» ج 1/ 62؛ «قوت القلوب» ج 1/ 131، 133؛ «سنن الدارميّ» ج 1/ 53؛ «تلبيس إبليس»/ 121؛ «أعلام الموقّعين» ج 1/ 34؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 68؛ «صفة الفتوى»/ 7؛ «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 9.

(2)- «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 165؛ «صفة الفتوى»/ 7.

(3)- «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 197، 198؛ «جامع بيان العلم و فضله» ج 2/ 201، 202. و في «جامع بيان العلم و فضله» ج 2/ 68، 203؛ و «إحياء علوم الدين» ج 1/ 61؛ و «قوت القلوب» ج 1/ 131؛ و «مجمع الزوائد» ج 1/ 183؛ و «سنن الدارميّ» ج 1/ 61؛ و «أعلام الموقّعين» ج 4/ 263، نسب هذا الكلام إلى ابن مسعود، و في «شرح المهذّب» ج 1/ 68؛ و «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 9؛ و «صفة الفتوى»/ 7، نسب إلى ابن مسعود و ابن عبّاس.

(4)- هو محمّد بن المنكدر، كما في «سنن الدارميّ» ج 1/ 53؛ و «حلية الأولياء» ج 3/ 153؛ و «شرح المهذّب» ج 1/ 67؛ و «جامع بيان العلم و فضله» ج 1/ 153؛ و «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 7.

(5)- «شرح المهذّب» ج 1/ 67؛ «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 8؛ «الكفاية في علم الرواية»/ 201؛ «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 168؛ «إحياء علوم الدين» ج 1/ 11؛ «سنن الدارميّ» ج 1/ 53، و فيه: «... فليطلب لنفسه المخرج».

(6)- «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 169.

285

وَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ التَّابِعِيِ‏

أَدْرَكْتُ أَقْوَاماً يُسْأَلُ أَحَدُهُمْ عَنِ الشَّيْ‏ءِ وَ إِنَّهُ لَيَرْعَدُ

(1)

.

وَ عَنْ ثَوْبَانَ مَرْفُوعاً

سَيَكُونُ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يَتَعَاطَى فُقَهَاؤُهُمْ عُضْلَ الْمَسَائِلِ أُولَئِكَ شِرَارُ أُمَّتِي‏

(2)

" وَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ‏

عَسَى رَجُلٌ أَنْ يَقُولَ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِكَذَا فَيَقُولَ اللَّهُ لَهُ كَذَبْتَ‏

(3)

وَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ‏

كَانَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ لَا يُفْتِي فُتْيَا إِلَّا قَالَ اللَّهُمَّ سَلِّمْنِي وَ سَلِّمْ مِنِّي‏

(4)

.

" وَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ‏

أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ثَمَانٍ وَ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فَقَالَ فِي اثْنَتَيْنِ وَ ثَلَاثِينَ مِنْهَا لَا أَدْرِي‏

(5)

وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ خَمْسِينَ مَسْأَلَةً فَلَمْ يُجِبْ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا

(6)

وَ كَانَ يَقُولُ مَنْ أَجَابَ فِي مَسْأَلَةٍ فَيَنْبَغِي قَبْلَ الْجَوَابِ أَنْ يَعْرِضَ‏

____________

(1)- «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 167؛ «أعلام الموقّعين» ج 4/ 278؛ «صفة الفتوى»/ 9؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 68.

و انظر ترجمة عطاء بن السائب في «معجم رجال الحديث» ج 11/ 144- 145.

(2)- «مجمع الزوائد» ج 1/ 155؛ «أخلاق العلماء»/ 116، مطابقا لما في المتن حرفا بحرف؛ «كنز العمّال» ج 10/ 211، الحديث 29115، و فيه «يغلّطون فقهاؤهم بعض المسائل» بدل «يتعاطى فقهاؤهم عضل المسائل» و الظاهر أنّ ما في «مجمع الزوائد» و «أخلاق العلماء» أصحّ و أولى. و للاطّلاع على معنى الحديث المرفوع راجع «شرح البداية»/ 30- 31. و ثوبان يكنّى أبا عبد اللّه و كان من أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله). ورد اسمه في «معجم رجال الحديث» ج 3/ 413. و ترجمته و مصادر ترجمته وردت في «الأعلام» ج 2/ 102.

(3)- «مجمع الزوائد» ج 1/ 177؛ و راجع «أعلام الموقعين» ج 4/ 226.

(4)- «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 15؛ «صفة الفتوى»/ 10؛ «أعلام الموقّعين» ج 4/ 278. و يحيى بن سعيد و هو أبو سعيد يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري من أهل المدينة المتوفّى سنة 143 ه. انظر ترجمته و مصادر ترجمته في «الأعلام» ج 8/ 147. و ابن المسيّب هو أبو محمّد سعيد بن المسيّب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشيّ (13- 94 ه). انظر ترجمته و مصادر ترجمته في «وفيات الأعيان» ج 2/ 375- 378؛ و «الأعلام» ج 3/ 102.

(5)- «شرح المهذّب» ج 1/ 68؛ «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 13؛ «صفة الفتوى»/ 8؛ «إحياء علوم الدين» ج 1/ 24؛ «تفسير القرطبيّ» ج 1/ 286. و مالك بن أنس هو أبو عبد اللّه مالك بن أنس بن مالك، إمام المالكية المتوفّى سنة 179 ه. وردت ترجمته و مصادر ترجمته في «وفيات الأعيان» ج 5/ 135- 139؛ و «معجم المؤلّفين» ج 8/ 168- 169.

(6)- «شرح المهذّب» ج 1/ 68؛ «صفة الفتوى»/ 8؛ «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 13.

286

نَفْسَهُ عَلَى الْجَنَّةِ وَ النَّارِ وَ كَيْفَ خَلَاصُهُ ثُمَّ يُجِيبُ‏

(1)

"

وَ سُئِلَ يَوْماً عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقِيلَ هِيَ مَسْأَلَةٌ خَفِيفَةٌ سَهْلَةٌ فَغَضِبَ وَ قَالَ لَيْسَ مِنَ الْعِلْمِ شَيْ‏ءٌ خَفِيفٌ أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى‏

إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (2)

فَالْعِلْمُ كُلُّهُ ثَقِيلٌ‏

(3)

. و عن القاسم بن محمد بن أبي بكر (4) أحد فقهاء المدينة المتفق على علمه و فقهه بين المسلمين أنه سئل عن شي‏ء فقال لا أحسنه فقال السائل إني جئت إليك لا أعرف غيرك فقال القاسم لا تنظر إلى طول لحيتي و كثرة الناس حولي و الله ما أحسنه فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه يا ابن أخي الزمها فو الله ما رأيتك في مجلس أنبل منك مثل اليوم فقال القاسم و الله لأن يقطع لساني أحب إلي أن أتكلم بما لا علم لي به‏ (5). و عن الحسن بن محمد بن شرفشاه الأسترآبادي‏ (6) أنه دخلت عليه يوما امرأة فسألته عن أشياء مشكلة في الحيض فعجز عن الجواب فقالت له المرأة أنت عذبتك واصلة إلى وسطك و تعجز عن جواب امرأة فقال يا خالة لو علمت كل مسألة يسأل عنها لوصلت عذبتي إلى قرن الثور (7).

____________

(1)- «أعلام الموقّعين» ج 4/ 277؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 68؛ «صفة الفتوى»/ 8؛ «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 13.

(2)- سورة المزّمل (73): 5.

(3)- «أعلام الموقّعين» ج 4/ 277؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 68؛ «صفة الفتوى»/ 8؛ «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 13- 14.

(4)- هو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، توفّي سنة 107، أو 101، أو 102، أو 108، أو 112 ه. وردت ترجمته و مصادر ترجمة في «وفيات الأعيان» ج 4/ 59- 60.

(5)- «جامع بيان العلم و فضله» ج 2/ 66؛ «أعلام الموقّعين» ج 4/ 278- 279؛ «صفة الفتوى»/ 7- 8؛ «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 11.

(6)- توفي في سنة 715 ه. وردت ترجمته و مصادر ترجمته في «روضات الجنّات» ج 3/ 96- 97؛ و «معجم المؤلّفين» ج 3/ 283؛ و «طبقات الشافعية» ج 9/ 407- 408؛ و «الأعلام» ج 2/ 215.

(7)- «طبقات الشافعية» ج 9/ 408، الرقم 1347، و في أولها زيادة «حكي أنّه كان مدرّسا بماردين بمدرسة هناك تسمّى مدرسة الشهيد، فدخلت عليه يوما امرأة ... إلخ».

287

و أقوالهم في هذا كثيرة فلنقتصر على هذا القدر و لنشرع في الأنواع التي ينقسم إليها الباب‏

288

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

289

النوع الأول الأمور المعتبرة في كل مفت‏

اعلم أن شرط المفتي كونه مسلما مكلفا عدلا فقيها و إنما يحصل له الفقه إذا كان قيما بمعرفة الأحكام الشرعية مستنبطا لها من أدلتها التفصيلية من الكتاب و السنة و الإجماع و أدلة العقل و غيرها مما هو محقق في محله و لا تتم معرفة ذلك إلا بمعرفة ما يتوقف عليه إثبات الصانع و صفاته التي يتم بها الإيمان و النبوة و الإمامة و المعاد من علم الكلام و معرفة ما يكتسب به الأدلة من النحو و التصريف و اللغة من العربية و شرائط الحد و البرهان من علم المنطق و معرفة أصول الفقه و ما يتعلق بالأحكام الشرعية من آيات القرآن و معرفة الحديث المتعلق بها و علومه متنا و إسنادا و لو بوجود أصل صحيح يرجع إليه عند الحاجة إلى شي‏ء منه و معرفة مواضع الخلاف و الوفاق بمعنى أن يعرف في المسألة التي يفتي بها أن قوله فيها لا يخالف الإجماع بل يعلم أنه وافق بعض المتقدمين أو يغلب على ظنه أن المسألة لم يتكلم فيها الأولون بل تولدت في عصره أو ما قاربه و أن يكون له ملكة نفسانية و قوة قدسية يقتدر بها على اقتناص الفروع من أصولها و رد كل قضية إلى‏

290

ما يناسبها من الأدلة. و هذه شرائط المفتي المطلق المستقل أوردناها على طريق الإجمال و تفصيلها موكول إلى أصول الفقه. فإذا اجتمعت هذه الأوصاف في شخص وجب عليه في كل مسألة فقهية فرعية يحتاج إليها أو يسأل عنها استفراغ الوسع في تحصيل حكمها بالدليل التفصيلي و لا يجوز له تقليد غيره في إفتاء غيره و لا لنفسه مع سعة وقت الفعل الذي تدخل فيه المسألة بحيث يمكنه فيه استنباطها بحيث لا ينافي الفعل و مع ضيقه يجوز له تقليد مجتهد حي و في الميت وجهان و منهم من منع مطلقا

291

النوع الثاني في أحكام المفتي و آدابه‏

و فيه مسائل الأولى‏ (1)

[1-] الإفتاء فرض كفاية

و كذا تحصيل مرتبته فإذا سئل و ليس هناك غيره تعين عليه الجواب و إن كان ثم غيره و حضر فالجواب في حقهما فرض كفاية و إن لم يحضر إلا واحد مع عدم المشقة في السعي إلى الآخر ففي تعيين الجواب على الحاضر وجهان و إذا لم يكن في الناحية مفت وجب السعي على كل مكلف بها يمكنه تحصيل شرائطها كفاية فإن أخلوا جميعا بالسعي اشتركوا جميعا في الإثم و الفسق و لا يسقط هذا الوجوب عن البعض باشتغال البعض بل بوصوله إلى المرتبة لجواز أن لا يصل المشتغل إليها لموت و غيره و لا يكفي في سقوط الوجوب ظن الوصول و إن قلنا بالاكتفاء به في القيام بفرض الكفاية مع احتماله.

الثانية ينبغي‏

[2-] ألا يفتي في حال تغير خلقه و شغل قلبه‏

و حصول ما يمعنه من‏

____________

(1)- لاحظ «شرح المهذّب» ج 1/ 75- 79.

292

كمال التأمل كغضب و جوع و عطش و حزن و فرح غالب و نعاس و ملالة و مرض مقلق و حر مزعج و برد مؤلم و مدافعة الأخبثين و نحو ذلك ما لم يتضيق وجوبه فإن أفتى في بعض هذه الأحوال معتقدا أنه لم يمنعه ذلك من إدراك الصواب صحت فتواه على كراهة لما فيه من المخاطرة.

الثالثة

[3-] إذا أفتى في واقعة ثم تغير اجتهاده‏

و علم المقلد برجوعه من مستفت أو غيره عمل بقوله الثاني فإن لم يكن عمل بالقول الأول لم يجز العمل به و إن كان قد عمل به قبل علمه بالرجوع لم ينقض و لو لم يعلم المستفتي برجوع المفتي فكأنه لم يرجع في حقه و يلزم المفتي إعلامه برجوعه قبل العمل و بعده ليرجع عنه في عمل آخر.

الرابعة

[4-] إذا أفتى في حادثة ثم حدث مثلها

فإن ذكر الفتوى الأولى و دليلها أفتى بذلك ثانيا بلا نظر و إن ذكرها و لم يذكر دليلها و لا طرأ ما يوجب رجوعه ففي جواز إفتائه بالأولى أو وجوب إعادة الاجتهاد قولان‏ (1). و مثله تجديد الطلب في التيمم و الاجتهاد في القبلة و القاضي إذا حكم بالاجتهاد ثم وقعت المسألة.

الخامسة

[5-] لا يجوز أن يفتي بما يتعلق بألفاظ الأيمان‏

و الأقارير و الوصايا و نحوها إلا من كان من أهل بلد اللافظ أو خبيرا بمرادهم في العادة فتنبه له فإنه مهم‏ (2).

____________

(1)- «شرح المهذّب» ج 1/ 78.

(2)- راجع «أعلام الموقّعين» ج 4/ 289- 291؛ «صفة الفتوى»/ 36.

293

النوع الثالث في آداب الفتوى‏

و فيه مسائل‏ (1) الأولى‏

[1-] يلزم المفتي أن يبين الجواب بيانا يزيل الإشكال‏

ثم له الاقتصار على الجواب شفاها فإن لم يعرف لسان المستفتي‏ (2) كفاه ترجمة عدلين و قيل يكفي الواحد لأنه خبر (3). و له الجواب كتابة و إن كانت على خطر و كان بعض السلف‏ (4) كثير الهرب من الفتوى في الرقاع لما يتطرق إليها من الاحتمالات فإن لكل حرف من لفظ

____________

(1)- لاحظ «شرح المهذّب» ج 1/ 79- 87.

(2)- يعني لم يعرف المفتي لسان المستفتي، و يأتي أيضا في أحكام المستفتي و آدابه، المسألة السابعة، الصفحة 306، قول المؤلّف: «و لو لم يعرف لغة المفتي افتقر إلى المترجم العدل، و هل يكفي الواحد أم يشترط عدلان؟ وجهان؛ أجودهما الثاني» و على هذا فالصحيح هنا: «لسان المستفتي» كما في المخطوطات و «شرح المهذّب» ج 1/ 79؛ و «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 72، و لكن في المطبوعات إلّا «ع»: «لسان المفتي» بدل «لسان المستفتي» و هو غلط قطعا.

(3)- قاله النووي في «شرح المهذّب» ج 1/ 79؛ و ابن الصلاح في «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 72.

(4)- هو القاضي أبو حامد المرورودي، كما في «شرح المهذّب» ج 1/ 79؛ و «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 72.

294

السائل مزية في الجواب و كثيرا ما شاهدنا سائلا برقعة يكون لفظه مخالفا لما في رقعته فنرجع إلى لفظه بعد أن نكون كتبنا له الجواب و نخرق الرقعة.

الثانية

[2-] أن تكون عبارته واضحة صحيحة

يفهمها العامة و لا يزدريها الخاصة و ليحترز من القلاقة و الاستهجان فيها و إعراب غريب أو ضعيف و ذكر غريب لغة و نحو ذلك.

الثالثة

[3-] إذا كان في المسألة تفصيل لا يطلق الجواب‏

فإنه خطأ ثم له أن يستفصل السائل إن حضر و يعيد السؤال في رقعة أخرى إن كان السؤال في رقعة ثم يجيب و هذا أولى و أسلم و له أن يقتصر على جواب أحد الأقسام إذا علم أنه الواقع للسائل ثم يقول هذا إن كان الأمر كذا أو و الحال ما ذكر و نحو ذلك و له أن يفصل الأقسام في جوابه و يذكر حكم كل قسم لكن هذا كرهه بعضهم‏ (1) و قال هذا يعلم الناس الفجور بسبب اطلاعهم على حكم ما يضر من الأقسام و ينفع.

الرابعة

[4-] إذا كان في الرقعة مسائل فالأحسن ترتيب الجواب على ترتيب السؤال‏

و لو ترك الترتيب مع التنبيه على متعلق الجواب فلا بأس و يكون من قبيل قوله تعالى‏ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ‏ الآيتين‏ (2).

الخامسة قال بعضهم‏

[5-] ليس من الأدب كون السؤال بخط المفتي‏

فأما بإملائه و تهذيبه فواسع‏ (3).

السادسة

[6-] ليس له أن يكتب السؤال على ما علمه من صورة الواقعة

إذا لم يكن في الرقعة تعرض له بل على ما في الرقعة فإن أراد خلافه قال إن كان الأمر

____________

(1)- هو أبو الحسن القابسي من أئمة المالكية، كما في «شرح المهذّب» ج 1/ 79؛ و «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 72؛ و انظر «أعلام الموقّعين» ج 4/ 322.

(2)- سورة آل عمران (3): 106- 107.

(3)- قاله أبو القاسم الصيمري كما في «شرح المهذّب» ج 1/ 79؛ و «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 72. و انظر «صفة الفتوى»/ 63، و لتوضيح المقام انظر «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 78- 79.

295

كذا فجوابه كذا. و استحبوا (1) أن يزيد على ما في الرقعة ما له تعلق بها مما يحتاج إليه السائل-

لِحَدِيثِ:

هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ‏

(2)

. السابعة

[7-] إذا كان المستفتي بعيد الفهم فليرفق به‏

و يصبر على تفهم سؤاله و تفهيم جوابه فإن ثوابه جزيل.

الثامنة

[8-] ليتأمل الرقعة كلمة كلمة تأملا شافيا

و ليكن اعتناؤه بآخر الكلام أشد فإن السؤال في آخرها و قد يتقيد الجميع به و يغفل عنه‏ (3) قال بعض العلماء (4) و ينبغي أن يكون توقفه في المسألة السهلة كالصعبة ليعتاده.

التاسعة

[9-] إذا وجد فيها كلمة مشتبهة سأل المستفتي عنها

و نقطها و شكلها و كذا إن وجد لحنا أو خطأ يحيل‏ (5) المعنى أصلحه و إن رأى بياضا في أثناء سطر أو

____________

(1)- «شرح المهذّب» ج 1/ 80؛ «أعلام الموقّعين» ج 4/ 205.

(2)- «سنن الدارميّ» ج 1/ 186؛ «سنن ابن ماجة» ج 1/ 136- 137، كتاب الطهارة و سننها (1)، الباب 38، الأحاديث 386- 388؛ «المستدرك على الصحيحين» ج 1/ 141- 143؛ «تفسير كشف الأسرار» ج 3/ 231، ج 7/ 46؛ «مسند أحمد» ج 2/ 361، ج 3/ 373، ج 5/ 365؛ «سنن أبي داود» ج 1/ 21، كتاب الطهارة، الحديث 83؛ «سنن الدارقطني» ج 1/ 34- 37.

و اعلم أنّ وجه الاستدلال بهذا الحديث على استحباب زيادة المفتي على ما في الرقعة ممّا يحتاج إليه السائل هو أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) سئل عن التوضّؤ بماء البحر، فأجاب (ص) «هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته» فزاد في جواب السائل جملة «الحلّ ميتته» لعلمه بأنّه محتاج إليه، فاستنبط الفقهاء من هذا الأمر أنّه يستحبّ في الجواب أن يزيد على سؤال السائل ما له تعلّق بها ممّا يحتاج إليه. و «ميتة البحر» أي سمكه؛ قال صاحب «الجواهر» (قدّس سرّه) في بيان وجه إطلاق الميتة على السمك: «... إنّ تذكية السمك إثبات اليد عليه على أن لا يموت في الماء ... لا المعنى الذي هو التذكية المخصوصة، و لعلّه لهذا المعنى أطلق عليه أنّه ذكيّ، بل أطلق عليه في بعض النصوص اسم الميتة، كقوله (عليه السلام) في البحر: الطهور ماؤه، احلّ ميتته. إذ ليست تذكيته كتذكية الحيوان المشتملة على فري الأوداج و نحوها.» ( «جواهر الكلام» ج 36/ 165).

(3)- قال الخطيب البغداديّ في «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 183: «فأوّل ما يجب على المفتي أن يتأمّل رقعة الاستفتاء تأمّلا شافيا ... و تكون عنايته باستقصاء آخر الكلام أتمّ منها في أوّله، فإنّ السؤال يكون بيانه عند آخر الكلام، و قد يتقيّد جميع السؤال و يترتّب كل الاستفتاء بكلمة في آخر الرقعة». و انظر «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 73.

(4)- هو الخطيب البغداديّ في «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 186. و في «شرح المهذّب» ج 1/ 80، نقله عن أبي القاسم الصيمري عن بعض العلماء.

(5)- يحيل المعنى، أي يفسده. ( «لسان العرب» ج 11/ 186، «حول»).

296

آخره خط عليه أو شغله لأنه ربما قصد المفتي بالإيذاء فكتب في البياض بعد فتواه ما يفسدها كما نقل أن ذلك وقع لبعض الأعيان‏ (1).

العاشرة يستحب‏

[10-] أن يقرأها على حاضريه ممن هو أهل لذلك‏

و يستشيرهم و يباحثهم برفق و إنصاف و إن كانوا دونه و تلامذته للاقتداء بالسلف‏ (2) و رجاء ظهور ما قد يخفى عليه فإن لكل خاطر نصيبا من فيض الله تعالى إلا أن يكون فيها ما يقبح إبداؤه أو يؤثر السائل كتمانه أو في إشاعته مفسدة.

الحادية عشرة

[11-] ليكتب الجواب بخط واضح وسط

لا دقيق خاف و لا غليظ جاف‏ (3) و يتوسط في سطوره بين توسعتها و تضييقها و استحب بعضهم أن لا تختلف أقلامه و خطه خوفا من التزوير و لئلا يشتبه خطه‏ (4).

الثانية عشرة

[12-] إذا كتب الجواب أعاد نظره فيه و تأمله‏

خوفا من اختلال وقع فيه أو إخلال ببعض المسئول عنه و يختار أن يكون ذلك قبل كتابة اسمه و ختم الجواب.

الثالثة عشرة

[13-] إذا كان هو المبتدئ‏ (5) [...]

فالعادة قديما و حديثا أن يكتب في الناحية اليسرى من الرقعة و لا يكتب فوق البسملة أو نحوه بحال.

الرابعة عشرة

[14-] يستحب عند إرادة الإفتاء أن يستعيذ بالله‏

من الشيطان الرجيم و يسمي الله تعالى و يحمده و يصلي على النبي و آله ص و يدعو و يقول‏ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي‏ الآية (6) كذا [الآيات‏].

____________

(1)- قال الخطيب البغداديّ في «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 183 بهذا الصدد: «و بلغني أنّ القاضي أبا حامد المرورّوذي بلي بمثل ذلك عن قصد بعض الناس، فإنّه كتب ... إلخ»؛ و قال النووي في «شرح المهذّب» ج 1/ 80؛ و ابن الصلاح في «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 74: «... بلي به القاضي أبو حامد المرورّوذي».

(2)- راجع «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 184- 186؛ «صفة الفتوى»/ 58- 59.

(3)- جاف- كقاض- أي غليظ، من «جفا» أي غلظ. ( «لسان العرب» ج 14/ 148- 149، «جفا»).

(4)- «شرح المهذّب» ج 1/ 80؛ «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 74.

(5)- يعني المبتدى في الجواب، بأن لا يكون في الرقعة فتوى مفت آخر غيره، كما يظهر من «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 74.

(6)- سورة طه (2): 25- 28.

297

و كان بعضهم‏ (1) يقول- لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم‏ سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا (2) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ‏ الآية (3) اللهم صل على محمد و آله و صحبه و سائر النبيين و الصالحين اللهم وفقني و اهدني و سددني و اجمع لي بين الصواب و الثواب و أعذني من الخطأ و الحرمان.

(4) الخامسة عشرة

[15-] أن يكتب في أول فتواه الحمد لله‏

أو الله الموفق أو حسبنا الله أو حسبي الله أو الجواب و بالله التوفيق أو نحو ذلك و أحسنه الابتداء بالتحميد للحديث‏ (5) و ينبغي أن يقوله بلسانه و يكتبه ثم يختمه بقوله و الله أعلم أو و بالله التوفيق و يكتب بعده قاله أو كتبه فلان بن فلان الفلاني فينتسب إلى ما يعرف به من قبيلة أو بلد أو صفة و نحوها.

السادسة عشرة قال بعضهم و ينبغي‏

[16-] أن يكتب المفتي بالمداد دون الحبر

خوفا من الحك بخلاف كتب العلم فالأولى فيها الحبر لأنها تراد للبقاء و الحبر أبقى‏ (6).

السابعة عشرة ينبغي‏

[17-] أن يختصر جوابه غالبا

و يكون بحيث يفهمه العامة فهما جليا حتى كان بعضهم‏ (7) يكتب [تحت أ يجوز] (8) يجوز و لا يجوز و تحت أم لا لا أو نعم و نحوها.

الثامنة عشرة قال بعضهم‏ (9)

[18-] إذا سئل [مما ينبغي إراقة دم المستفتي‏]

عمن قال أنا أصدق من محمد بن عبد الله ص أو الصلاة لعب و نحوهما مما ينبغي إراقة دمه‏

____________

(1)- هو ابن الصلاح كما في «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 76.

(2)- سورة البقرة (2): 32.

(3)- سورة الأنبياء (21): 79.

(4)- «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 76. و راجع «أعلام الموقّعين» ج 4/ 326؛ «صفة الفتوى»/ 59- 60.

(5)- تقدّم الحديث و مصادره في تعاليق الصفحة 274، التعليقة 2.

(6)- «شرح المهذّب» ج 1/ 81. و انظر «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 147- 149. و للاطلاع على كيفية صنعة المداد و الحبر و أنواعهما راجع «صبح الأعشى» ج 2/ 475- 477.

(7)- هو القاضي أبو حامد كما في «شرح المهذّب» ج 1/ 82؛ و «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 77.

(8)- زيادة يقتضيها المعنى و ليست في المخطوطات و المطبوعات، بل هي في «الأنوار النعمانية» ج 3/ 367، نقلا عن «منية المريد». و انظر «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 76- 77.

(9)- هو الخطيب البغداديّ في «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 190؛ و أبو القاسم الصيمري، كما في «شرح المهذّب» ج 1/ 82.

298

فلا يبادر بقوله هذا حلال الدم أو عليه القتل بل يقول إن ثبت ذا بإقراره أو ببينة كان الحكم كذا و إذا سئل عمن تكلم بشي‏ء يحتمل الكفر و عدمه قال يسأل هذا القائل فإن قال أردت كذا فالجواب كذا و كذا و إن سئل عمن قتل أو قلع عينا أو غيرهما احتاط و ذكر شروط القصاص و إن سئل عمن فعل ما يقتضي تعزيرا ذكر ما يعزر به فيقول يضرب كذا و كذا و لا يزاد على كذا (1).

التاسعة عشرة (2)

[19-] إذا سئل عن ميراث‏

فليست العادة أن يشترط في الإرث عدم الرق و الكفر و غيرهما من موانع الميراث بل المطلق محمول على ذلك بخلاف ما إذا أطلق الإخوة و الأخوات و الأعمام و بنيهم فلا بد أن يقول في الجواب من أبوين أو أب أو أم. و إن كان في المذكورين في رقعة الاستفتاء من لا يرث أفصح بسقوطه فيقول و سقط فلان و إن كان يسقط بحال دون حال قال و سقط فلان في هذه الحالة أو نحو ذلك لئلا يتوهم أنه لا يرث بحال. و إذا سئل عن إخوة و أخوات و بنين و بنات فلا ينبغي أن يقول‏ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ‏ (3) فإن ذلك قد يشكل على العامي بل يقول يقتسمون التركة على كذا و كذا سهما لكل ذكر سهمان و لكل أنثى سهم مثلا و لو أتى بلفظ القرآن فلا بأس أيضا لقلة خفاء معناه و إن كان الأول أوضح‏ (4). و ينبغي أن يقول أولا تقسم التركة بعد إخراج ما يجب تقديمه من وصية أو دين إن كانا إلى آخره.

____________

(1)- انظر «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 190؛ و «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 177.

(2)- راجع «أعلام الموقعين» ج 4/ 248.

(3)- سورة النساء (4): 11.

(4)- قال النووي في «شرح المهذّب» ج 1/ 84: «و إذا سئل عن إخوة و أخوات أو بنين و بنات، فلا ينبغي أن يقول:

للذكر مثل حظّ الأنثيين، فإن ذلك قد يشكل على العامي، بل يقول: يقتسمون التركة ... قال الشيخ: و نحن نجد في تعمّد العدول عنه حزازة في النفس لكونه لفظ القرآن العزيز، و أنّه قلّما يخفى معناه على أحد». و انظر «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 78.

299

العشرون ينبغي‏

[20-] أن يلصق الجواب بآخر الاستفتاء و لا يدع فرجة

لئلا يزيد السائل شيئا يفسدها و إذا كان موضع الجواب ملصقا كتب على موضع الإلصاق و إذا ضاق موضع الجواب فلا يكتبه في ورقة أخرى بل في ظهرها أو حاشيتها و إذا كتبه في ظهرها كتبه في أعلاها إلا أن يبتدئ من أسفلها متصلا بالاستفتاء فيضيق الموضع فيتمم في أسفل ظهرها ليصل جوابه.

الحادية و العشرون‏

[21-] إذا ظهر للمفتي أن الجواب خلاف غرض المستفتي‏

و أنه لا يرضى بكتابته في ورقته فليقتصر على مشافهته بالجواب و ليحذر أن يميل في فتواه أو خصمه بحيل شرعية فإنه من أقبح العيوب و أشنع الخلال و من وجوه الميل أن يكتب في جوابه ما هو له و يترك ما هو عليه. و ليس له أن يبدأ في مسائل الدعوى و البينات بوجوه المخالص منها و لا أن يعلم أحدهما بما يدفع به حجة صاحبه كيلا يتوصل بذلك إلى إبطال حق. و ينبغي للمفتي إذا رأى للسائل طريقا ينفعه و لا يضر غيره ضررا بغير حق أن يرشده إليه كمن حلف لا ينفق على زوجته شهرا حيث ينعقد اليمين فيقول أعطها من صداقها أو قرضا أو بيعا ثم أبرئها منه‏ (1) و كما حكي أن رجلا قال لبعض العلماء حلفت أن أطأ امرأتي في نهار رمضان و لا أكفر و لا أعصي فقال سافر بها (2).

الثانية و العشرون‏

[22-] إذا رأى المفتي المصلحة أن يفتي العامي بما فيه تغليظ

و تشديد و هو مما لا يعتقد ظاهره و له فيه تأويل جاز ذلك زجرا و تهديدا في مواضع الحاجة حيث لا يترتب عليه مفسدة

" كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ‏

أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ فَقَالَ لَا تَوْبَةَ لَهُ وَ سَأَلَهُ آخَرُ فَقَالَ لَهُ تَوْبَةٌ ثُمَّ قَالَ أَمَّا الْأَوَّلُ فَرَأَيْتُ فِي عَيْنِهِ إِرَادَةَ الْقَتْلِ فَمَنَعْتُهُ وَ أَمَّا الثَّانِي فَجَاءَ مِسْكِيناً قَدْ قَتَلَ‏

____________

(1)- راجع «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 194- 196؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 83.

(2)- «شرح المهذّب» ج 1/ 83؛ «تفسير الرازيّ» ج 2/ 196، و أراد من «بعض العلماء» أبا حنيفة، كما في «تفسير الرازيّ»؛ و «شرح المهذّب». و نقل الخطيب نظير هذه الحكاية في «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 194.

300

فَلَمْ أُقَنِّطْهُ‏

(1)

لكن يجب عليه التورية في ذلك فيقول لا توبة له أي في حالة إصراره على الذنب أو و هو يريد القتل و نحو ذلك.

الثالثة و العشرون‏

[23-] يجب على المفتي عند اجتماع رقاع بحضرته أن يقدم الأسبق فالأسبق‏

كما يفعله القاضي في الخصوم و هذا فيما يجب فيه الإفتاء فإن تساووا أو جهل السابق أقرع قيل‏ (2) و تقدم امرأة و مسافر شد رحله و يتضرر بتخلفه عن الرفقة و نحوهما إلا إذا كثروا بحيث يتضرر غيرهم تضررا ظاهرا فيعود إلى التقديم بالسبق أو القرعة ثم لا يقدم أحدا إلا في فتيا واحدة.

الرابعة و العشرون‏ (3)

[24-] إذا رأى المفتي رقعة الاستفتاء و فيها خط غيره ممن هو أهل للفتوى‏

و إن كان دونه و وافق ما عنده كتب تحت خطه الجواب صحيح أو هذا جواب صحيح أو جوابي كذلك أو مثل هذا أو بهذا أقول و نحو ذلك و له أن يذكر الحكم بعبارة أخصر و أرشق. و أما إذا رأى فيها خط من ليس أهلا للفتوى فلا يفتي معه لأن في ذلك تقريرا منه لمنكر بل له أن يضرب عليه و إن لم يأذن له صاحب الرقعة لكن لا يحبسها عنده إلا بإذنه و له نهي السائل و زجره و تعريفه قبح ما فعله و أنه كان يجب عليه البحث عن أهل الفتوى. و إن رأى فيها اسم من لا يعرفه سأل عنه فإن لم يعرفه فله الامتناع من الفتوى معه خوفا مما قلناه و الأولى في هذا الموضع أن يشار إلى صاحبها بإبدالها فإن أبى ذلك أجابه شفاها. و لو خاف فتنة من الضرب على فتيا عادم الأهلية و لم يكن خطأ عدل إلى الامتناع من الفتيا معه و أما إذا كانت خطأ وجب التنبيه عليه و حرم عليه الامتناع من الإفتاء تاركا للتنبيه على خطئها بل يجب عليه الضرب عليها عند

____________

(1)- «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 192؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 83.

(2)- القائل ابن الصلاح في «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 83.

(3)- راجع «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 191؛ و «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 79.

301

تيسره أو الإبدال و يقطع الرقعة بإذن صاحبها و إذا تعذر ذلك و ما يقوم مقامه كتب صواب جوابه عند ذلك الخطأ و يحسن أن تعاد للمفتي المذكور بإذن صاحبها. و أما إذا وجد فتيا الأهل و هي على خلاف ما يراه هو غير أنه لا يقطع بخطئها فليقتصر على كتب جواب نفسه و لا يتعرض لفتيا غيره بتخطئة و لا اعتراض.

الخامسة و العشرون‏

[25-] إذا لم يفهم المفتي السؤال أصلا

و لم يحضر صاحب الواقعة قيل‏ (1) يكتب يزاد في الشرح لنجيب عنه أو لم أفهم ما فيها و على تقدير أن يكتب فلتكن الكتابة في محل لا يضر بحال الرقعة. و إذا فهم من السؤال صورة و هو يحتمل غيرها فلينص عليها في أول جوابه فيقول إن كان قال كذا أو فعل كذا و ما أشبه ذلك فالأمر كذا و كذا أو يزيد و إلا فكذا و كذا.

السادسة و العشرون ليس بمنكر

[26-] أن يذكر المفتي في فتواه حجة مختصرة قريبة من آية أو حديث‏

و منعه بعضهم‏ (2) ليفرق بين الفُتيا و التصنيف و فصل بعضهم‏ (3) فقال إن أفتى عاميا لم يذكر الحجة و إن أفتى فقيها ذكرها و هو حسن بل قد يحتاج المفتي في بعض الوقائع إلى أن يشدد و يبالغ فيقول هذا إجماع المسلمين أو لا أعلم في هذا خلافا أو من خالف هذا فقد خالف الواجب و عدل عن الصواب أو الإجماع أو فقد أثم أو فسق أو و على ولي الأمر أن يأخذ بهذا أو لا يهمل الأمر و ما أشبه هذه الألفاظ على حسب ما تقتضيه المصلحة و توجبه الحال‏

____________

(1)- القائل أبو القاسم الصيمري كما في «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 81؛ و «شرح المهذّب» ج 1/ 87.

(2)- هو صاحب «الحاوي» كما في «شرح المهذّب» ج 1/ 87؛ و «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 76- 77.

(3)- هو الصيمري كما في «شرح المهذّب» ج 1/ 86؛ و «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 82.

302

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

303

النوع الرابع في أحكام المستفتي و آدابه و صفته‏

و فيه مسائل‏ (1) الأولى‏

[1-] في صفته‏

كل من لم يبلغ درجة المفتي الجامع للعلوم المتقدمة فهو فيما يسأل عنه من الأحكام مستفت و يعبر عنه بالعامي أيضا و إن كان من أفاضل عصره بل ربما كان أعلم من المفتي في علوم أخر لا يتوقف عليها الإفتاء فإن العامية الاصطلاحية تقابل الخاصية بأي معنى اعتبرت فهاهنا يراد بالخاص المجتهدون و بالعام من دونهم. و يقال له أيضا مقلد و المراد بالتقليد قبول قول من يجوز عليه الخطأ بغير حجة على عين ما قبل قوله فيه تفعيل من القلادة كأنه يجعل ما يعتقده من الأحكام قلادة في عنق من قلده. و يجب على من ذكر الاستفتاء إذا نزلت به حادثة يجب عليه علم حكمها

____________

(1)- لاحظ «شرح المهذّب» ج 1/ 89- 95؛ و «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 85- 92.

304

فإن لم يجد ببلده من يستفتيه وجب عليه الرحيل إلى من يفتيه و إن بعدت داره و قد رحل‏ (1) خلائق من السلف في المسألة الواحدة الليالي و الأيام و في بعضها من العراق إلى الحجاز و قد تقدم رحلة رجل من الحجاز إلى الشام في حديث أبي الدَرْدَاءِ (2).

الثانية يلزم المقلد

[2-] أن لا يستفتي إلا من عرف أو غلب على ظنه علمه‏

بما يصير به أهلا للافتاء و عدالته فإن جهل علمه لزمه البحث عما يحصل به أحد الأمرين إما بالممارسة المطلعة له على حاله أو بشهادة عدلين به أو بشياع حاله بكونه متصفا بذلك أو بإذعان جماعة من العلماء العالمين بالطريق و إن لم يكونوا عدولا بحيث يثمر قولهم الظن و إن جهلت عدالته رجع فيها إلى العشرة المفيدة لها أو الشياع أو شهادة عدلين.

الثالثة

[3-] إذا اجتمع اثنان فأكثر ممن يجوز استفتاؤهم‏

فإن اتفقوا في الفتوى أخذ بها و إن اختلفوا وجب عليه الرجوع إلى الأعلم الأتقى فإن اختلفوا في الوصفين رجع إلى أعلم الورعين و أورع العالمين فإن تعارض الأعلم و الأورع قلد الأعلم فإن جهل الحال أو تساووا في الوصف تخير و إن بعد الفرض. و ربما قيل بالتخيير مطلقا لاشتراك الجميع في الأهلية و هو قول أكثر العامة (3) و لا نعلم به قائلا منا بل المنصوص‏ (4) عندنا هو الأول.

____________

(1)- راجع «الرحلة في طلب الحديث»/ 53- 72؛ «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 177؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 89.

(2)- تقدّم في المقدّمة، ص 107.

(3)- راجع «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 86- 87؛ و «المستصفى من علم الأصول» ج 2/ 390- 392؛ و «شرح المهذّب» ج 1/ 90؛ و «صفة الفتوى»/ 56.

(4)- إن أراد نصّ علماءنا على ذلك- لا أنّه ورد بذلك حديث أو آية- فانظر ذلك، و البحث حول المسألة في «الذريعة إلى أصول الشريعة» ج 2/ 801؛ و «معارج الأصول»/ 201؛ و إن أراد من النصّ الحديث فلا محالة هو مقبولة عمر بن حنظلة- المرويّة في «الكافي» ج 1/ 67- 68، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث، الحديث 10- كما يستفاد من كلامه في «تمهيد القواعد»/ 46، حيث قال: «مسألة: قال في «المحصول»:

اتّفقوا على أنّ العامي لا يجوز له أن يستفتي إلّا من غلب على ظنّه أنّه من أهل الاجتهاد و الورع، و ذلك بأن يراه منتصبا للفتوى بمشهد من الخلق، و يرى إجماع المسلمين على سؤاله، فإن سأل جماعة فاختلفت فتاواهم، فقال-

305

الرابعة

[4-] في جواز تقليد المجتهد الميت‏

مع وجود الحي أو لا معه للجمهور أقوال‏ (1) أصحها عندهم جوازه مطلقا لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها و لهذا يعتد بها بعدهم في الإجماع و الخلاف و لأن موت الشاهد قبل الحكم لا يمنع الحكم بشهادته بخلاف فسقه. و الثاني لا يجوز مطلقا لفوات أهليته بالموت و لهذا ينعقد الإجماع بعده و لا ينعقد في حياته على خلافه و هذا هو المشهور بين أصحابنا خصوصا المتأخرين منهم بل لا نعلم قائلا بخلافه صريحا ممن يعتد بقوله لكن هذا الدليل لا يتم على أصولنا من أن العبرة في الإجماع إنما هو بدخول المعصوم كما لا يخفى. و الثالث المنع منه مع وجود الحي لا مع عدمه و تحقيق المقام في غير هذه الرسالة (2).

الخامسة

[5-] لو تعدَّد المفتي و تساوَوْا في العلم و الدين‏

أو قلنا بتخييره مطلقا قلد من شاء فيما نزل به ثم إذا حضرت واقعة أخرى فهل يجب عليه الرجوع فيها إلى الأول وجهان و عدمه أوجه و كذا القول في تلك الواقعة في وقت آخر.

السادسة

[6-] إذا استفتى فأجيب ثم حدثت تلك الواقعة مرة أخرى‏

فهل يلزمه تجديد السؤال فيه وجهان أحدهما نعم لاحتمال تغير رأي المفتي و الثاني لا و هو الأقوى لثبوت الحكم و الأصل استمرار المفتي عليه و هذا يأتي في تقليد

____________

- قوم: لا يجب عليه البحث عن أورعهم و أعلمهم، و قال آخرون: يجب عليه ذلك. و هذا هو الحقّ عندنا و هو مرويّ في مقبول عمر بن حنظلة المشهور ...».

(1)- راجع «صفة الفتوى»/ 70- 71؛ و «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 87؛ و «أعلام الموقّعين» ج 4/ 274- 275، ج 4/ 329- 330؛ و «شرح المهذّب» ج 1/ 90.

(2)- ألّف المصنّف (رحمه اللّه) رسالة خاصّة في عدم جواز تقليد الأموات من المجتهدين، برسم الفاضل الصالح السيّد حسين بن أبي الحسن، و في آخرها: «قد فرغ من تسويد هذه الرسالة ... زين الدين بن عليّ العاملي الشهير بابن الحجة، و كان زمان تأليفها و رقمها من أوّلها إلى آخرها في جزء يسير من يوم قصير و هو الخامس عشر من شهر شوّال من شهور سنة تسع و أربعين و تسعمائة» ( «فهرست كتابخانه إهدائي مشكاة به كتابخانه دانشگاه تهران»- «فهرس مكتبة المشكاة المهداة إلى المكتبة المركزية لجامعة طهران» ج 5/ 1956- 1957). و هذه الرسالة مخطوطة إلى اليوم و لم تطبع بعد.

306

الحي أما الميت فلا.

السابعة

[7-] له أن يستفتي بنفسه و أن يبعث ثقة يعتمد خبره أو رقعة

و له الاعتماد على خط المفتي إذا أخبره عدل أنه خطه أو كان يعرف خطه و لم يشك في كون ذلك الجواب بخطه و لو لم يعرف لغة المفتي افتقر إلى المترجم العدل و هل يكفي الواحد أم يشترط عدلان وجهان أجودهما الثاني.

الثامنة ينبغي للمستفتي‏

[8-] أن يتأدب مع المفتي‏

و يبجله في خطابه و جوابه و نحو ذلك و لا يومئ بيده إلى وجهه و لا يقل له ما تحفظه في كذا و لا إذا أجابه هكذا فهمت أو وقع لي أو نحو ذلك و لا أفتاني فلان أو غيرك بهذا أو بخلافه و لا إن كان جوابك موافقا لما كتب فاكتب و إلا فلا و لا يسأله و هو قائم و لا مستوفز (1) و لا مشغول بما يمنعه من تمام الفكر و لا يطالبه بدليل و لا يقل لم قلت كذا فإن أحب أن تسكن نفسه بسماع الحجة طلبها في مجلس آخر أو في ذلك المجلس بعد قبول الفتوى مجردة.

التاسعة

[9-] إذا أراد جمع خط مفتيين في ورقة واحدة

فالأولى البدأة بالأعلم فالأعلم ثم بالأورع ثم بالأعدل ثم بالأسن و هكذا على ترتيب المرجحات في الإمامة (2) و لو أراد إفراد الأجوبة في رقاع بدأ بمن شاء. و لتكن رقعة الاستفتاء واسعة ليتمكن المفتي من استيفاء الجواب واضحا لا مختصرا مضرا بالمستفتي.

العاشرة (3) ينبغي‏

[10-] أن يكون كاتب الرقعة ممن يحسن السؤال‏

و يضعه على الغرض مع إبانة الخط و اللفظ و صيانتهما عما يتعرض للتصحيف و يبين مواضع‏

____________

(1)- في «لسان العرب» ج 5/ 430، مادة «وفز»: «استوفز في قعدته؛ إذا قعد قعودا منتصبا غير مطمئنّ ... الوفزة:

أن ترى الإنسان مستوفزا قد استقلّ على رجليه و لمّا يستو قائما و قد تهيّأ للأفز و الوثوب و المضيّ، يقال له:

اطمئنّ فإنّى أراك مستوفزا»؛ و انظر «المعجم الوسيط» ج 2/ 1046، «وفز».

(2)- يريد المرجّحات في إمامة الجماعة، و قد تقدّمت في تعاليق الصفحة 209، التعليقة 1.

(3)- راجع «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 181؛ «صفة الفتوى»/ 83- 84. و لاحظ «شرح المهذّب» ج 1/ 94.