منية المريد

- الشهيد الثاني المزيد...
496 /
307

السؤال و ينقط مواضع الاشتباه و يضبطها و إن كان من أهل العلم فهو أجود و كان بعض العلماء لا يكتب فتواه إلا في رقعة كتبها رجل من أهل العلم‏ (1).

الحادية عشرة

[11-] لا يدع الدعاء في الرقعة للمفتي‏

فإن اقتصر على فتوى واحد قال ما تقول رحمك الله أو رضي الله عنك أو وفقك الله أو أيدك أو سددك و رضي الله عن والديك و نحو ذلك و لا يحسن أن يدخل نفسه في الدعاء. و إن أراد جواب جماعة قال ما تقولون رضي الله عنكم أو ما قولكم أو ما قول الفقهاء سددهم الله أو أيدهم‏ (2) و نحوه و إن أتى بعبارة الجمع لتعظيم الواحد فهو أولى. و يدفع الرقعة إلى المفتي منشورة و يأخذها منشورة و لا يحوجه إلى نشرها و لا إلى طيها.

الثانية عشرة

[12-] إذا لم يجد صاحب الواقعة مفتيا في البلد وجب عليه الرحلة إليه‏

مع وجوب الحكم عليه كما تقدم‏ (3) فإن لم يجده في بلده و لا في غيرها بناء على أن الميت لا قول له و أن الزمان يجوز خلوه من المجتهد نعوذ بالله تعالى من ذلك وجب عليه الأخذ بالاحتياط في أمره ما أمكن فإن لم يتفق الاحتياط فهل يكون مكلفا بشي‏ء يصنعه في واقعته فيه نظر

____________

(1)- «شرح المهذّب» ج 1/ 94؛ «صفة الفتوى»/ 84؛ «أدب المفتي و المستفتي» ج 1/ 92.

(2)- «الفقيه و المتفقه» ج 2/ 180؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 94.

(3)- تقدّم آنفا في المسألة الأولى من أحكام المستفتي و آدابه و صفته، ص 303- 304.

308

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

309

الباب الثالث في المناظرة و شروطها و آدابها

(و آفاتها و فيه فصلان الفصل الأول في شروطها و آدابها الفصل الثاني في آفاتها و ما يتولد منها من مهلكات الأخلاق)

310

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

311

الفصل الأول في شروطها و آدابها

اعلم أن المناظرة في أحكام الدين من الدين و لكن لها شروط و محل و وقت فمن اشتغل بها على وجهها و قام بشروطها فقد قام بحدودها و اقتدى بالسلف فيها فإنهم تناظروا في مسائل و ما تناظروا إلا لله و لطلب ما هو حق عند الله تعالى. و لمن يناظر لله و في الله علامات بها تتبين الشروط و الآداب الأولى‏

[1-] أن يقصد بها إصابة الحق‏

و طلب ظهوره كيف اتفق لا ظهور صوابه و غزارة علمه و صحة نظره فإن ذلك مراء قد عرفت ما فيه من القبائح و النهي الأكيد (1). و من آيات هذا القصد أن لا يوقعها إلا مع رجاء التأثير فأما إذا علم عدم قبول المناظر للحق و أنه لا يرجع عن رأيه و إن تبين له خطاؤه فمناظرته غير جائزة لترتب الآفات الآتية و عدم حصول الغاية المطلوبة منها.

____________

(1)- في الأمر الثاني من القسم الثاني من النوع الأوّل من الباب الاوّل، ص 170- 173.

312

الثانية

[2-] أن لا يكون ثم ما هو أهم من المناظرة

فإن المناظرة إذا وقعت على وجهها الشرعي و كانت في واجب فهي من فروض الكفايات فإذا كان ثم واجب عيني أو كفائي هو أهم منها لم يكن الاشتغال بها سائغا. و من جملة الفروض التي لا قائم بها في هذا الزمان الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و قد يكون المناظر في مجلس مناظرته مصاحبا لعدة مناكير (1) كما لا يخفى على من سبر الأحوال المفروضة و المحرمة. ثم هو يناظر فيما لا يتفق أو يتفق نادرا من الدقائق العلمية و الفروع الشرعية بل يجري منه و من غيره في مجلس المناظرة من الإيحاش و الإفحاش و الإيذاء و التقصير فيما يجب رعايته من النصيحة للمسلمين و المحبة و الموادة ما يعصي به القائل و المستمع و لا يلتفت قلبه إلى شي‏ء من ذلك ثم يزعم أنه يناظر لله تعالى.

الثالثة (2)

[3-] أن يكون المناظر في الدين مجتهدا

يفتي برأيه لا بمذهب أحد حتى إذا بان له الحق على لسان خصمه انتقل إليه فأما من لا يجتهد فليس له مخالفة مذهب من يقلده فأي فائدة له في المناظرة و هو لا يقدر على تركه إن ظهر ضعفه ثم على تقدير أن يباحث مجتهدا و يظهر له ضعف دليله ما ذا يضر المجتهد فإن فرضه الأخذ بما يترجح عنده و إن كان في نفسه ضعيفا كما اتفق ذلك لسائر المجتهدين فإنهم يتمسكون بأدلة ثم يظهر لهم أو لغيرهم أنها في غاية الضعف فتتغير فتواهم لذلك حتى في المصنف الواحد بل في الورقة الواحدة (3).

____________

(1)- قال في «إحياء علوم الدين» ج 1/ 38: «و ربّما يكون المناظر في مجلس مناظرته مشاهدا للحرير ملبوسا و مفروشا و هو ساكت، و يناظر في مسألة لا يتفق وقوعها ...».

(2)- لاحظ «إحياء علوم الدين» ج 1/ 38- 39.

(3)- قال الغزالي في «إحياء علوم الدين» ج 1/ 38: «الثالث: أن يكون المناظر مجتهدا يفتي برأيه لا بمذهب الشافعي و أبي حنيفة و غيرهما حتّى إذا ظهر له الحق من مذهب أبي حنيفة ترك ما يوافق رأي الشافعي و أفتى بما ظهر له، كما كان يفعله الصحابة و الأئمّة، فأمّا من ليس له رتبة الاجتهاد ... و إنّما يفتي فيما يسأل عنه ناقلا عن مذهب صاحبه، فلو ظهر له ضعف مذهبه لم يجز له أن يتركه، فأيّ فائدة له في المناظرة، و مذهبه معلوم و ليس له الفتوى بغيره؟ و ما يشكل عليه يلزمه أن يقول: لعلّ عند صاحب مذهبى جوابا عن هذا، فإنّي لست مستقلا بالاجتهاد في أصل الشرع. و لو كانت مباحثته عن المسائل التي فيها وجهان أو قولان لصاحبه لكان أشبه، فإنه-

313

الرابعة

[4-] أن يناظر في واقعة مهمة

أو في مسألة قريبة من الوقوع و أن يهتم بمثل ذلك و المهم أن يبين الحق و لا يطول الكلام زيادة على ما يحتاج إليه في تحقيق الحق. و لا يغتر بأن المناظرة في تلك المسائل النادرة توجب رياضة الفكر و ملكة الاستدلال و التحقيق كما يتفق ذلك كثيرا لقاصدي حظ النفوس من إظهار المعرفة فيتناظرون في التعريفات و ما تشتمل عليه من النقوض و التزييفات و في المغالطات و نحوها و لو اختبر حالهم حق الاختبار لوجد مقصدهم على غير ذلك الاعتبار.

الخامسة (1)

[5-] أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إليه‏

منها في المحفل و الصدور فإن الخلوة أجمع للهم و أحرى لصفاء الفكر و درك الحق و في حضور الخلق ما يحرك دواعي الرياء و الحرص على الإفحام و لو بالباطل و قد يتفق لأصحاب المقاصد الفاسدة الكسل عن الجواب عن المسألة في الخلوة و تنافسهم في المسألة في المحافل و احتيالهم على الاستئثار بها في المجامع.

السادسة

[6-] أن يكون في طلب الحق كمنشد ضالة

يكون شاكرا متى وجدها و لا يفرق بين أن يظهر على يده أو يد غيره فيرى رفيقه معينا لا خصما و يشكره إذا عرفه الخطأ و أظهر له الحق كما لو أخذ طريقا في طلب ضالة فنبهه غيره على ضالته في طريق آخر و الحق ضالة المؤمن يطلبه كذلك فحقه إذا ظهر الحق على لسان خصمه أن يفرح به و يشكره لا أن يخجل و يسود وجهه و يربد (2) لونه و يجتهد في مجاهدته و مدافعته جهده.

____________

- ربما يفتي بأحدهما فيستفيد من البحث ميلا إلى أحد الجانبين ...».

(1)- لاحظ «إحياء علوم الدين» ج 1/ 39.

(2)- في «لسان العرب» ج 3/ 170، مادة «ربد»: «اربدّ وجهه و تربّد؛ احمرّ حمرة فيها سواد عند الغضب ... و يتربّد لونه من الغضب، أي يتلوّن ... و يقال: اربدّ لونه كما يقال احمرّ و احمارّ، و إذا غضب الإنسان تربّد وجهه كأنّه يسودّ منه مواضع». هذا، و في بعض النسخ: «يزبد» و في بعضها: «يزيل» بدل «يربد»، و كلاهما خطأ.

و اعلم أنّ في «إحياء علوم الدين» ج 1/ 39: «في مجاحدته» بدل «في مجاهدته»، و لعلّه أولى.

314

السابعة (1)

[7-] أن لا يمنع معينه من الانتقال من دليل إلى دليل‏

و من سؤال إلى سؤال بل يمكنه من إيراد ما يحضره و يخرج من كلامه ما يحتاج إليه في إصابة الحق فإن وجده في جملته أو استلزمه و إن كان غافلا عن اللزوم فليقبله و يحمد الله تعالى فإن الغرض إصابة الحق و إن كان في كلام متهافت إذا حصل منه المطلوب. فأما قوله هذا لا يلزمني فقد تركت كلامك الأول و ليس لك ذلك و نحو ذلك من أراجيف المناظرين فهو محض العناد و الخروج عن نهج السداد. و كثيرا ما ترى المناظرات في المحافل تنقضي بمحض المجادلات حتى يطلب المعترض الدليل عليه و يمنع المدعى و هو عالم به و ينقضي المجلس على ذلك الإنكار و الإصرار على العناد و ذلك عين الفساد و الخيانة للشرع المطهر و الدخول في ذم من كتم علمه.

الثامنة (2)

[8-] أن يناظر مع من هو مستقل بالعلم‏

ليستفيد منه إن كان يطلب الحق و الغالب أنهم يحترزون من مناظرة الفحول و الأكابر خوفا من ظهور الحق على لسانهم و يرغبون فيمن دونهم طمعا في ترويج الباطل عليهم. و وراء هذه الشروط و الآداب شروط أخر و آداب دقيقة لكن فيما ذكر ما يهديك إلى معرفة المناظرة لله و من يناظر لله‏ (3) أو لعلة

____________

(1)- لاحظ «إحياء علوم الدين» ج 1/ 39.

(2)- لاحظ «إحياء علوم الدين» ج 1/ 40.

(3)- في بعض النسخ: «لها» و في بعضها: «له»، و الصواب «للّه»- كما في «إحياء علوم الدين» ج 1/ 40؛ و «المحجّة البيضاء» ج 1/ 101- أو «له».

315

الفصل الثاني في آفات المناظرة و ما يتولد منها من مُهلكات الأخلاق‏

اعلم أن المناظرة الموضوعة لقصد الغلبة و الإفحام و المباهاة و التشوق لإظهار الفضل هي منبع جميع الأخلاق المذمومة عند الله تعالى المحمودة عند عدوه إبليس و نسبتها إلى الفواحش الباطنة من الكبر و العجب و الرياء و الحسد و المنافسة و تزكية النفس و حب الجاه و غيرها نسبة الخمر إلى الفواحش الظاهرة من الزنا و القتل و القذف و كما أن من خير بين الشرب و بين سائر الفواحش فاختار الشرب استصغارا له فدعاه ذلك إلى ارتكاب سائر الفواحش فكذلك من غلب عليه حب الإفحام و الغلبة في المناظرة و طلب الجاه و المباهاة دعاه ذلك إلى إظهار الخبائث كلها (1).

فأولها (2)

[1-] الاستكبار عن الحق و كراهته‏

و الحرص على مدافعته بالمماراة فيه حتى إن أبغض الأشياء إلى المناظر أن يظهر الحق على لسان خصمه و مهما ظهر

____________

(1)- لاحظ «إحياء علوم الدين» ج 1/ 40- 43.

(2)- لاحظ «إحياء علوم الدين» ج 1/ 42.

316

يشمر لجحده بما قدر عليه من التلبيس و المخادعة و المكر و الحيلة ثم تصير المماراة له عادة و طبيعة حتى لا يسمع كلاما إلا و تنبعث داعيته للاعتراض عليه إظهارا للفضل و استنقاصا بالخصم و إن كان محقا قاصدا إظهار نفسه لا إظهار الحق. و قد تلونا عليك بعض ما في المِراء من الذم و ما يترتب عليه من المفاسد (1) و قد سوى الله تعالى بين من افترى على الله كذبا و بين من كذب بالحق فقال تعالى‏ وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ‏ (2) و هو كبر أيضا لما تقدم‏ (3) من أنه عبارة عن رد الحق على قائله و المراء يستلزم ذلك.

وَ رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَ أَبِي أُمَامَةَ وَ وَاثِلَةَ وَ أَنَسٍ قَالُوا

خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ص يَوْماً وَ نَحْنُ نَتَمَارَى فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فَغَضِبَ غَضَباً شَدِيداً لَمْ يَغْضَبْ مِثْلَهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا ذَرُوا الْمِرَاءَ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُمَارِي ذَرُوا الْمِرَاءَ فَإِنَّ الْمُمَارِيَ قَدْ تَمَّتْ خَسَارَتُهُ ذَرُوا الْمِرَاءَ فَإِنَّ الْمُمَارِيَ لَا أَشْفَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَرُوا الْمِرَاءَ فَأَنَا زَعِيمٌ بِثَلَاثَةِ أَبْيَاتٍ فِي الْجَنَّةِ فِي رِبَاضِهَا [رُبُضِهَا]

(4)

، وَ أَوْسَطُهَا وَ أَعْلَاهَا لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَ هُوَ صَادِقٌ ذَرُوا الْمِرَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ مَا نَهَانِي عَنْهُ رَبِّي بَعْدَ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ الْمِرَاءُ

(5)

وَ عَنْهُ ص‏

ثَلَاثٌ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ بَابٍ شَاءَ مَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ‏

____________

(1)- قد تقدّم بعض الكلام في ذمّ المراء في الأمر الثاني من القسم الثاني من النوع الأوّل من الباب الأوّل، ص 170- 173.

(2)- سورة العنكبوت (29): 68.

(3)- تقدّم في الأمر الرابع من القسم الثاني من النوع الأوّل من الباب الأوّل، ص 175- 176.

(4)- قال المنذري في «الترغيب و الترهيب» ج 1/ 131: «ربض الجنّة- بفتح الراء و الباء الموحّدة و بالضاد المعجمة-:

ما حولها»؛ و في «لسان العرب» ج 7/ 152، مادة «ربض»: «و في الحديث: أنا زعيم ببيت في ربض الجنة؛ هو بفتح الباء: ما حولها خارجا عنها تشبيها بالأبنية التي تكون حول المدن و تحت القلاع».

(5)- «الترغيب و الترهيب» ج 1/ 131، باب الترهيب من المراء و الجدال، الحديث 2؛ «مجمع الزوائد» ج 1/ 156، روياه عن الطبراني في «الكبير»، و فيهما «في رباضها» كالمتن.

317

وَ خَشِيَ اللَّهَ فِي الْمَغِيبِ وَ الْمَحْضَرِ وَ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَ إِنْ كَانَ مُحِقّاً

(1)

وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع)

إِيَّاكُمْ وَ الْمِرَاءَ وَ الْخُصُومَةَ فَإِنَّهُمَا يُمْرِضَانِ الْقُلُوبَ عَلَى الْإِخْوَانِ وَ يَنْبُتُ عَلَيْهِمَا النِّفَاقُ‏

(2)

وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ‏

قَالَ جَبْرَئِيلُ لِلنَّبِيِّ ص إِيَّاكَ وَ مُلَاحَاةَ الرِّجَالِ‏

(3)

. و ثانيها (4)

[2-] الرياء

و ملاحظة الخلق و الجهد في استمالة قلوبهم و صرف وجوههم نحوه ليصوبوا نظره و ينصروه على خصمه و هذا هو عين الرياء بل بعضه‏ (5) و الرياء هو الداء العضال و المرض المخوف و العلة المهلكة قال الله تعالى‏ وَ الَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَ مَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (6) قيل هم أهل الرياء (7) و قال تعالى‏ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (8) و الرياء هو الشرك الخفي‏

وَ قَالَ ص‏

إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ قَالُوا وَ مَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هُوَ الرِّيَاءُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جَازَى الْعِبَادَ بِأَعْمَالِهِمْ اذْهَبُوا إِلَى‏

____________

(1)- «الكافي» ج 2/ 300، كتاب الإيمان و الكفر، باب المراء و الخصومة و معاداة الرجال، الحديث 2.

(2)- «الكافي» ج 2/ 300، كتاب الإيمان و الكفر، باب المراء و الخصومة و معاداة الرجال، الحديث 1.

(3)- «الكافي» ج 2/ 301، كتاب الإيمان و الكفر، باب المراء و الخصومة و معاداة الرجال، الحديث 6. قال في «مرآة العقول» ج 10/ 139: «ملاحاة الرجال، أي مقاولتهم و مخاصمتهم، يقال: لحيت الرجل ألحاه، إذا لمته و عذلته؛ و لاحيته ملاحاة و لحاء إذا نازعته».

(4)- لاحظ «إحياء علوم الدين» ج 1/ 42.

(5)- هكذا في أكثر النسخ، و لكن في «ض» و «ع» و «خ» ليس قوله: «بل بعضه» بل فيها: «و هذا هو عين الرئاء، و الرئاء هو الداء ...».

(6)- سورة فاطر (35): 10.

(7)- قاله مجاهد، كما في «إحياء علوم الدين» ج 3/ 253.

(8)- سورة الكهف (18): 110.

318

الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمُ الْجَزَاءَ

(1)

وَ قَالَ ص‏

اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ جُبِّ الْخِزْيِ قِيلَ وَ مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ أُعِدَّ لِلْمُرَائِينَ‏

(2)

وَ قَالَ ص‏

إِنَّ الْمُرَائِيَ يُنَادَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا فَاجِرُ يَا غَادِرُ يَا مُرَائِي ضَلَّ عَمَلُكَ وَ بَطَلَ أَجْرُكَ اذْهَبْ فَخُذْ أَجْرَكَ مِمَّنْ كُنْتَ تَعْمَلُ لَهُ‏

(3)

وَ رَوَى جَرَّاحٌ الْمَدَائِنِيُ‏ (4) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (5)

قَالَ الرَّجُلُ يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الثَّوَابِ لَا يَطْلُبُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِنَّمَا يَطْلُبُ تَزْكِيَةَ النَّاسِ يَشْتَهِي أَنْ يُسْمِعَ بِهِ النَّاسَ فَهَذَا الَّذِي أَشْرَكَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ‏

(6)

وَ عَنْهُ (ع) قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ص‏

إِنَّ الْمَلَكَ لَيَصْعَدُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ مُبْتَهِجاً بِهِ فَإِذَا صَعِدَ بِحَسَنَاتِهِ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ اجْعَلُوهَا فِي سِجِّينٍ إِنَّهُ لَيْسَ إِيَّايَ أَرَادَ بِهِ‏

(7)

وَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع‏

____________

(1)- «مسند أحمد» ج 5/ 428؛ «الترغيب و الترهيب» ج 1/ 68- 69، الحديث 23.

(2)- «الترغيب و الترهيب» ج 1/ 66- 67، الحديث 16، و انظر أيضا الحديث 17؛ «كنز العمّال» ج 10/ 274، الحديث 29429؛ «إحياء علوم الدين» ج 3/ 254؛ «سنن ابن ماجة» ج 1/ 94، المقدّمة، الباب 23، الحديث:

256، و فيها: «جبّ الحزن» بدل «جبّ الخزي»، و: «للقرّاء المرائين» بدل «للمرائين». و مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ الآخر.

(3)- «إحياء علوم الدين» ج 3/ 254.

(4)- انظر ترجمته في «معجم رجال الحديث» ج 4/ 38- 39.

(5)- سورة الكهف (18): 110.

(6)- «الكافي» ج 2/ 293- 294، كتاب الإيمان و الكفر، باب الرئاء، الحديث 4.

(7)- «الكافي» ج 2/ 294- 295، كتاب الإيمان و الكفر، باب الرئاء، الحديث 7، و فيه: «أراد بها» بدل «أراد به».

319

ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ لِلْمُرَائِي يَنْشَطُ إِذَا رَأَى النَّاسَ وَ يَكْسَلُ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ وَ يُحِبُّ أَنْ يُحْمَدَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ‏

(1)

. و ثالثها

[3-] الغضب‏

و المناظر لا ينفك منه غالبا سيما إذا رد عليه كلامه أو اعترض على قوله و زيف دليله بمشهد من الناس فإنه يغضب لذلك لا محالة و غضبه قد يكون بحق و قد يكون بغير حق و قد ذم الله تعالى و رسوله الغضب كيف كان و أكثرا من التوعد عليه قال الله تعالى‏ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ رَسُولِهِ‏ (2) الآية. فذم الكفار بما تظاهروا به من الحمية الصادرة عن الغضب و مدح المؤمنين بما أنعم عليهم من السكينة.

" وَ عَنْ عِكْرِمَةَ

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى‏

سَيِّداً وَ حَصُوراً (3)

قَالَ السَّيِّدُ الَّذِي لَا يَغْلِبُهُ الْغَضَبُ‏

(4)

وَ رُوِيَ‏

أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِعَمَلٍ وَ أَقِلَّ قَالَ لَا تَغْضَبْ ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَا تَغْضَبْ‏

(5)

وَ سُئِلَ (ع) مَا يُبْعِدُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ لَا تَغْضَبْ‏

(6)

وَ عَنْهُ ص‏

مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ‏

(7)

____________

(1)- «الكافي» ج 2/ 295، كتاب الإيمان و الكفر، باب الرئاء، الحديث 8.

(2)- سورة الفتح (48): 26.

(3)- سورة آل عمران (3): 39.

(4)- «تفسير ابن كثير» ج 1/ 369؛ «إحياء علوم الدين» ج 3/ 143.

(5)- «تنبيه الخواطر» ج 1/ 122؛ «إحياء علوم الدين» ج 3/ 143، و فيه و في «المحجة البيضاء» ج 5/ 290- 291:

«و أقلل» بدل «و أقلّ».

(6)- «إحياء علوم الدين» ج 3/ 143.

(7)- «إحياء علوم الدين» ج 3/ 143؛ و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أيضا في «الكافي» ج 2/ 303، كتاب الإيمان-

320

وَ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ

قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ قَالَ لَا تَغْضَبْ‏

(1)

وَ قَالَ ص‏

الْغَضَبُ يُفْسِدُ الْإِيمَانَ كَمَا يُفْسِدُ الصَّبِرُ الْعَسَلَ‏

(2)

وَ قَالَ ص‏

مَا غَضِبَ أَحَدٌ إِلَّا أَشْفَى عَلَى جَهَنَّمَ‏

(3)

وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ‏

أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ص رَجُلٌ بَدَوِيٌّ فَقَالَ إِنِّي أَسْكُنُ الْبَادِيَةَ فَعَلِّمْنِي جَوَامِعَ الْكَلَامِ فَقَالَ آمُرُكَ أَنْ لَا تَغْضَبَ فَأَعَادَ عَلَيْهِ الْأَعْرَابِيُّ الْمَسْأَلَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حَتَّى رَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ لَا أَسْأَلُ عَنْ شَيْ‏ءٍ بَعْدَ هَذَا مَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ص إِلَّا بِالْخَيْرِ

(4)

وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص‏

الْغَضَبُ يُفْسِدُ الْإِيمَانَ كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ‏

(5)

.

وَ ذُكِرَ الْغَضَبُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (ع) فَقَالَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْضَبُ فَمَا يَرْضَى أَبَداً حَتَّى يَدْخُلَ النَّارَ

(6)

وَ عَنْهُ (ع) قَالَ‏

مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ فِيمَا نَاجَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ مُوسَى (ع) يَا مُوسَى‏

____________

- و الكفر، باب الغضب، الحديث 6.

(1)- «إحياء علوم الدين» ج 3/ 143.

(2)- «إحياء علوم الدين» ج 3/ 143.

(3)- «إحياء علوم الدين» ج 3/ 143.

(4)- «الكافي» ج 2/ 303، كتاب الإيمان و الكفر، باب الغضب، الحديث 4.

(5)- «الكافي» ج 2/ 302، كتاب الإيمان و الكفر، باب الغضب، الحديث 1.

(6)- «الكافي» ج 2/ 302، كتاب الإيمان و الكفر، باب الغضب، الحديث 2.

321

أَمْسِكْ غَضَبَكَ عَمَّنْ مَلَّكْتُكَ عَلَيْهِ أَكُفَّ عَنْكَ غَضَبِي‏

(1)

وَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع)

إِنَّ هَذَا الْغَضَبَ جَمْرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تُوقَدُ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ وَ إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا غَضِبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَ انْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ وَ دَخَلَ الشَّيْطَانُ فِيهِ‏

(2)

. و الأخبار في ذلك كثيرة

وَ فِي الْأَخْبَارِ الْقَدِيمَةِ

قَالَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لِمَنْ مَعَهُ مَنْ يَكْفُلُ لِي أَنْ لَا يَغْضَبَ يَكُونُ مَعِي فِي دَرَجَتِي وَ يَكُونُ بَعْدِي خَلِيفَتِي فَقَالَ شَابٌّ مِنَ الْقَوْمِ أَنَا ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ الشَّابُّ أَنَا وَ وَفَى بِهِ‏

(3)

فَلَمَّا مَاتَ كَانَ فِي مَنْزِلَتِهِ بَعْدَهُ وَ هُوَ ذُو الْكِفْلِ لِأَنَّهُ كَفَلَ لَهُ بِالْغَضَبِ وَ وَفَى بِهِ‏

(4)

. و رابعها (5)

[4-] الحقد

و هو نتيجة الغضب فإن الغضب إذا لزم كظمه لعجزه عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن و احتقن فيه فصار حقدا و معنى الحقد أن يلزم قلبه استثقاله و البغض له و النفار منه‏

وَ قَدْ قَالَ ص‏

الْمُؤْمِنُ لَيْسَ بِحَقُودٍ

(6)

. فالحقد ثمرة الغضب و الحقد يثمر أمورا فاحشة كالحسد و الشماتة بما يصيبه من البلاء و الهجر و القطيعة و الكلام فيه بما لا يحل من كذب و غيبة و إفشاء سر و هتك ستر و غيره و الحكاية لما يقع منه المؤدي إلى الاستهزاء و السخرية منه‏

____________

(1)- «الكافي» ج 2/ 302، كتاب الإيمان و الكفر، باب الغضب، الحديث 7.

(2)- «الكافي» ج 2/ 304- 305، كتاب الإيمان و الكفر، باب الغضب، الحديث 12.

(3)- في «إحياء علوم الدين» ج 3/ 144؛ و «المحجّة البيضاء» ج 5/ 295: «أنا أوفى به» بدل «أنا و وفى به» و لعلّه أولى ممّا في المتن.

(4)- «إحياء علوم الدين» ج 3/ 144؛ «تنبيه الخواطر» ج 1/ 122- 123؛ و مثله في «بحار الأنوار» ج 13/ 407، نقلا عن «سعد السعود» لابن طاوس.

(5)- لاحظ «إحياء علوم الدين» ج 3/ 157- 158.

(6)- «إحياء علوم الدين» ج 3/ 157، ج 1/ 41. قال في «المغني» ج 1/ 40- المطبوع بذيل «إحياء علوم الدين»-: «لم أقف لهذا الحديث على أصل». أقول: روي مضمونه عن أمير المؤمنين، عليه أفضل صلوات المصلّين في «الكافي» ج 2/ 226- 227، كتاب الإيمان و الكفر، باب المؤمن و علاماته و صفاته، الحديث 1، حيث قال (عليه السلام): «يا همّام! المؤمن ... لا حقود و لا حسود».

322

و الإيذاء بالقول و الفعل حيث يمكن و كل هذه الأمور بعض نتائج الحقد. و أقل درجات الحقد مع الاحتراز عن هذه الآفات المحرمة أن تستثقله في الباطن و لا تنهى قلبك عن بغضه حتى تمتنع عما كنت تتطوع به من البشاشة و الرفق و العناية و القيام على بره و مواساته و هذا كله ينقص درجتك في الدين و يحول بينك و بين فضل عظيم و ثواب جزيل و إن كان لا يعرضك لعقاب. و اعلم أن للحقود عند القدرة على الجزاء ثلاثة أحوال أحدها أن يستوفي حقه الذي يستحقه من غير زيادة و لا نقصان و هو العدل و الثاني أن يحسن إليه بالعفو و ذلك هو الفضل و الثالث أن يظلمه بما لا يستحقه و ذلك هو الجور و هو اختيار الأرذال و الثاني هو اختيار الصديقين و الأول هو منتهى درجة الصالحين فليتسم المؤمن بهذه الخصلة إن لم يمكنه تحصيل فضيلة العفو التي قد أمر الله تعالى بها و حض عليها رسوله و الأئمة (ع) قال الله تعالى‏ خُذِ الْعَفْوَ (1) الآية و قال تعالى‏ وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏ (2)

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص‏

ثَلَاثٌ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ كُنْتُ لَحَالِفاً

(3)

عَلَيْهِنَّ مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ فَتَصَدَّقُوا وَ لَا عَفَا رَجُلٌ عَنْ مَظْلِمَةٍ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عِزّاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ لَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ

(4)

وَ قَالَ ص‏

التَّوَاضُعُ لَا يَزِيدُ الْعَبْدَ إِلَّا رِفْعَةً فَتَوَاضَعُوا يَرْفَعْكُمُ اللَّهُ وَ الْعَفْوُ لَا يَزِيدُ الْعَبْدَ إِلَّا عِزّاً فَاعْفُوا يُعِزَّكُمُ اللَّهُ وَ الصَّدَقَةُ لَا تَزِيدُ الْمَالَ إِلَّا كَثْرَةً فَتَصَدَّقُوا يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ‏

(5)

____________

(1)- سورة الأعراف (7): 199.

(2)- سورة البقرة (2): 237.

(3)- في «إحياء علوم الدين» ج 3/ 157: «لو كنت حلّافا لحلفت عليهنّ».

(4)- «إحياء علوم الدين» ج 3/ 157- 158؛ «مسند أحمد» ج 1/ 193؛ «تنبيه الخواطر» ج 1/ 125- 126؛ «مجمع الزوائد» ج 3/ 105.

(5)- «إحياء علوم الدين» ج 3/ 158؛ «تنبيه الخواطر» ج 1/ 126؛ «الجامع الصغير» ج 1/ 135، حرف التاء، و شرحه: «فيض القدير» ج 3/ 284- 285، الحديث 3411.

323

وَ قَالَ ص‏

قَالَ مُوسَى (ع) يَا رَبِّ أَيُّ عِبَادِكَ أَعَزُّ عَلَيْكَ قَالَ الَّذِي إِذَا قَدَرَ عَفَا

(1)

وَ رَوَى ابْنُ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الصَّادِقِ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص فِي خُطْبَتِهِ‏

أَ لَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ خَلَائِقِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ الْعَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ وَ تَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ وَ الْإِحْسَانُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ وَ إِعْطَاءُ مَنْ حَرَمَكَ‏

(2)

. و الأخبار في هذا الباب كثيرة لا تقتضي الرسالة ذكرها.

و خامسها (3)

[5-] الحسد

و هو نتيجة الحقد و الحقد نتيجة الغضب كما مر. و المناظر لا ينفك منه غالبا فإنه تارة يغلب و تارة يغلب و تارة يحمد في كلامه و تارة يحمد كلام غيره و متى لم يكن الغلب و الحمد له تمناه لنفسه دون صاحبه و هو عين الحسد فإن العلم من أكبر النعم فإذا تمنى أحد كون ذلك الغلب و لوازمه له فقد حسد صاحبه. و هذا أمر واقع بالمتناظرين إلا من عصمه الله تعالى و لذلك‏

" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ‏

خُذُوا الْعِلْمَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُ وَ لَا تَقْبَلُوا أَقْوَالَ الْفُقَهَاءِ بَعْضَهُمْ فِي بَعْضٍ فَإِنَّهُمْ يَتَغَايَرُونَ كَمَا تَتَغَايَرُ التُّيُوسُ فِي الزَّرِيبَةِ

(4)

. و أما ما جاء في ذم الحسد و الوعيد عليه فهو خارج عن حد الحصر و كفاك في ذمه أن جميع ما وقع من الذنوب و الفساد في الأرض من أول الدهر إلى آخره كان من الحسد لما حسد إبليس آدم فصار أمره إلى أن طرده الله و لعنه و أعد له عذاب جهنم خالدا فيها و تسلط بعد ذلك على بني آدم و جرى فيهم مجرى الدم‏

____________

(1)- «إحياء علوم الدين» ج 3/ 158؛ «الجامع الصغير» ج 2/ 85، حرف القاف، و شرحه: «فيض القدير» ج 4/ 501، الحديث 6080.

(2)- «الكافي» ج 2/ 107، كتاب الإيمان و الكفر، باب العفو، الحديث 1.

(3)- لاحظ «إحياء علوم الدين» ج 1/ 40.

(4)- «إحياء علوم الدين» ج 1/ 40؛ «جامع بيان العلم و فضله» ج 2/ 185.

324

و الروح في أبدانهم و صار سبب الفساد على الآباء و هو أول خطيئة وقعت بعد خلق آدم و هو الذي أوجب قتل ابن آدم أخاه كما حكاه الله تعالى عنهما في كتابه الكريم‏ (1). و قد قرن الله تعالى الحاسد بالشيطان و الساحر فقال‏ وَ مِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ وَ مِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ وَ مِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (2)

وَ قَالَ ص‏

الْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ‏

(3)

وَ قَالَ ص‏

دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَ الْبَغْضَاءُ وَ هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ حَالِقَةَ الشَّعْرِ وَ لَكِنْ حَالِقَةَ الدِّينِ وَ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَ لَنْ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا

(4)

وَ قَالَ ص‏

سِتَّةٌ يَدْخُلُونَ النَّارَ قَبْلَ الْحِسَابِ بِسِتَّةٍ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ قَالَ الْأُمَرَاءُ بِالْجَوْرِ وَ الْعَرَبُ بِالْعَصَبِيَّةِ وَ الدَّهَاقِينُ بِالْكِبْرِ وَ التُّجَّارُ بِالْخِيَانَةِ وَ أَهْلُ الرُّسْتَاقِ بِالْجَهَالَةِ وَ الْعُلَمَاءُ بِالْحَسَدِ

(5)

وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الْبَاقِرِ (ع) أَنَّهُ قَالَ‏

____________

(1)- سورة المائدة (5): 27- 32.

(2)- سورة الفلق (113): 3- 5.

(3)- «سنن ابن ماجة» ج 2/ 1408، كتاب الزهد، باب الحسد، الحديث 4210؛ «الجامع الصغير» ج 1/ 151، حرف الحاء، و شرحه: «فيض القدير» ج 3/ 413، الحديث 3817؛ و نظيره في «الكافي» ج 2/ 306، كتاب الإيمان و الكفر، باب الحسد، الحديث 1 عن أبي جعفر، و الحديث 2 عن أبي عبد اللّه (عليهما السلام).

(4)- «أدب الدنيا و الدين»/ 260؛ «إحياء علوم الدين» ج 3/ 163؛ «مسند أحمد» ج 1/ 165، 167؛ «تنبيه الخواطر» ج 1/ 127؛ «كنز العمّال» ج 3/ 462، الحديث 7443.

(5)- «إحياء علوم الدين» ج 3/ 163؛ «تنبيه الخواطر» ج 1/ 127؛ و مثله عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في «بحار الأنوار» ج 2/ 108، الحديث 1، نقلا عن «الخصال».

325

إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِي [بِأَيِ‏]

(1)

بَادِرَةٍ فَيَكْفُرُ وَ إِنَّ الْحَسَدَ لَيَأْكُلُ الْإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ‏

(2)

وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)

آفَةُ الدِّينِ الْحَسَدُ وَ الْعُجْبُ وَ الْفَخْرُ

(3)

وَ عَنْهُ (ع) قَالَ‏

قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِمُوسَى (ع) يَا ابْنَ عِمْرَانَ لَا تَحْسُدَنَّ النَّاسَ عَلَى مَا آتَيْتُهُمْ مِنْ فَضْلِي وَ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى ذَلِكَ وَ لَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ فَإِنَّ الْحَاسِدَ سَاخِطٌ لِنِعَمِي صَادٌّ لِقَسْمِيَ الَّذِي قَسَمْتُ بَيْنَ عِبَادِي وَ مَنْ يَكُ كَذَلِكَ فَلَسْتُ مِنْهُ وَ لَيْسَ مِنِّي‏

(4)

وَ عَنْهُ (ع) قَالَ‏

إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغْبِطُ وَ لَا يَحْسُدُ وَ الْمُنَافِقَ يَحْسُدُ وَ لَا يَغْبِطُ

(5)

. و سادسها

[6-] الهجر و القطيعة

و هو أيضا من لوازم الحقد فإن المتناظرين إذا ثارت بينهما المنافرة و ظهر منهما الغضب و ادعى كل منهما أنه المصيب و أن صاحبه المخطئ و اعتقد و أظهر أنه مصر على باطله مزمع على خلافه لزم من حقده عليه و غضبه هجره و قطيعته و ذلك من عظائم الذنوب و كبائر المعاصي.

رَوَى دَاوُدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَقُولُ قَالَ أَبِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص‏

أَيُّمَا مُسْلِمَيْنِ تَهَاجَرَا فَمَكَثَا ثَلَاثاً لَا يَصْطَلِحَانِ إِلَّا كَانَا خَارِجَيْنِ مِنَ الْإِسْلَامِ‏

(6)

وَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا وَلَايَةٌ وَ أَيُّهُمَا سَبَقَ إِلَى‏

____________

(1)- ما بين المعقوفين زيادة من المصدر، و ليس في النسخ المخطوطة و المطبوعة سوى «ض»، «ح» و «ع».

(2)- «الكافي» ج 2/ 306، كتاب الإيمان و الكفر، باب الحسد، الحديث 1.

(3)- «الكافي» ج 2/ 307، كتاب الإيمان و الكفر، باب الحسد، الحديث 5.

(4)- «الكافي» ج 2/ 307، كتاب الإيمان و الكفر، باب الحسد، الحديث 6.

(5)- «الكافي» ج 2/ 307، كتاب الإيمان و الكفر، باب الحسد، الحديث 7.

(6)- في «مرآة العقول» ج 10/ 362: «كأنّ الاستثناء من مقدّر، أي لم يفعلا ذلك إلّا كانا خارجين، و هذا النوع من الاستثناء شائع في الأخبار، و يحتمل أن يكون إلّا هنا زائدة».

326

كَلَامِ أَخِيهِ كَانَ السَّابِقَ إِلَى الْجَنَّةِ يَوْمَ الْحِسَابِ‏

(1)

وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) أَنَّهُ قَالَ‏

لَا يَفْتَرِقُ رَجُلَانِ عَلَى الْهِجْرَانِ إِلَّا اسْتَوْجَبَ أَحَدُهُمَا الْبَرَاءَةَ وَ اللَّعْنَةَ وَ رُبَّمَا اسْتَحَقَّ كِلَاهُمَا فَقَالَ لَهُ مُعَتِّبٌ‏

(2)

جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ هَذَا الظَّالِمُ فَمَا بَالُ الْمَظْلُومِ قَالَ لِأَنَّهُ لَا يَدْعُو أَخَاهُ إِلَى صِلَتِهِ وَ لَا يَتَغَامَسُ لَهُ عَنْ كَلَامِهِ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ إِذَا تَنَازَعَ اثْنَانِ فَعَازَّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَلْيَرْجِعِ الْمَظْلُومُ إِلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَقُولَ لِصَاحِبِهِ أَيْ أَخِي أَنَا الظَّالِمُ حَتَّى يَقْطَعَ الْهِجْرَانَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ صَاحِبِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى حَكَمٌ عَدْلٌ يَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ‏

(3)

وَ رَوَى زُرَارَةُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ‏

إِنَّ الشَّيْطَانَ يُغْرِي بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ مَا لَمْ يَرْجِعْ أَحَدُهُمْ عَنْ دِينِهِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ اسْتَلْقَى عَلَى قَفَاهُ وَ تَمَدَّدَ ثُمَّ قَالَ فُزْتُ فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَلَّفَ بَيْنَ وَلِيَّيْنِ لَنَا يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ تَأَلَّفُوا وَ تَعَاطَفُوا

(4)

وَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ‏

لَا يَزَالُ إِبْلِيسُ فَرِحاً مَا اهْتَجَرَ الْمُسْلِمَانِ فَإِذَا الْتَقَيَا اصْطَكَّتْ رُكْبَتَاهُ وَ تَخَلَّعَتْ أَوْصَالُهُ وَ نَادَى يَا وَيْلَهُ مَا لَقِيَ مِنَ الثُّبُورِ

(5)

. و سابعها

[7-] الكلام فيه بما لا يحل‏

من كذب و غيبة و غيرهما و هو من لوازم الحقد بل من نتيجة المناظرة فإن المناظر لا يخلو عن حكاية كلام صاحبه في معرض التهجين و الذم و التوهين فيكون مغتابا و ربما يحرف كلامه فيكون كاذبا

____________

(1)- «الكافي» ج 2/ 345، كتاب الإيمان و الكفر، باب الهجرة، الحديث 5.

(2)- في «مرآة العقول» ج 10/ 359: «معتّب، بضمّ الميم و فتح العين و تشديد التاء المكسورة، و كان من خيار موالي الصادق (عليه السلام)، بل خيرهم كما روي فيه».

(3)- «الكافي» ج 2/ 344، كتاب الإيمان و الكفر، باب الهجرة، الحديث 1.

(4)- «الكافي» ج 2/ 345، كتاب الإيمان و الكفر، باب الهجرة، الحديث 6.

(5)- «الكافي» ج 2/ 346، كتاب الإيمان و الكفر، باب الهجرة، الحديث 7.

327

مباهتا ملبسا و قد يصرح باستجهاله و استحماقه فيكون متنقصا مسببا (1). و كل واحد من هذه الأمور ذنب كبير و الوعيد عليه في الكتاب و السنة كثير يخرج عن حد الحصر و كفاك في ذم الغيبة أن الله تعالى شبهها بأكل الميتة فقال تعالى‏ وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ‏ (2)

وَ قَالَ النَّبِيُّ ص‏

كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَ مَالُهُ وَ عِرْضُهُ‏

(3)

. و الغيبة تتناول العرض.

وَ قَالَ ص‏

إِيَّاكُمْ وَ الْغِيبَةَ فَإِنَّ الْغِيبَةَ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا إِنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَزْنِي فَيَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ إِنَّ صَاحِبَ الْغِيبَةِ لَا يُغْفَرُ لَهُ حَتَّى يَغْفِرَ لَهُ صَاحِبُهُ‏

(4)

وَ قَالَ الْبَرَاءُ

خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ص حَتَّى أَسْمَعَ الْعَوَاتِقَ فِي بُيُوتِهَا فَقَالَ يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَ لَمْ يُؤْمِنْ بِقَلْبِهِ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَ لَا تَتَبَّعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَ مَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ‏

(5)

وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)

مَا مِنْ مُؤْمِنٍ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا رَأَتْهُ عَيْنَاهُ وَ سَمِعَتْهُ أُذُنَاهُ فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (6)

____________

(1)- اسم فاعل من «سبّبه» أي، أكثر سبّه؛ راجع «لسان العرب» ج 1/ 455، مادة «سبب».

(2)- سورة الحجرات (49): 12.

(3)- «سنن أبي داود» ج 4/ 270، كتاب الأدب، باب في الغيبة، الحديث 4882.

(4)- «إحياء علوم الدين» ج 3/ 123؛ «الترغيب و الترهيب» ج 3/ 511؛ «مكارم الأخلاق»/ 470؛ «كنز العمّال» ج 3/ 586، الحديث 8026، و ج 3/ 589، الحديث 8043.

(5)- «إحياء علوم الدين» ج 3/ 123؛ «تنبيه الخواطر» ج 1/ 115؛ و انظر «سنن أبي داود» ج 4/ 270، كتاب الأدب، باب في الغيبة، الحديث 4880؛ «كنز العمّال» ج 3/ 585، الحديث 8021.

(6)- سورة النور (24): 19، و الحديث في «الكافي» ج 2/ 351، كتاب الإيمان و الكفر، باب الغيبة و البهت،-

328

وَ عَنِ النَّبِيِّ ص‏

أَنَّ الْغِيبَةَ أَشَدُّ مِنْ ثَلَاثِينَ زَنْيَةً

(1)

: وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مِنْ سِتٍّ وَ ثَلَاثِينَ زَنْيَةً

(2)

. و الكلام في الغيبة يطول و الغرض هنا الإشارة إلى أصول هذه الرذائل‏

وَ رَوَى الْمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) أَنَّهُ قَالَ‏

مَنْ رَوَى عَنْ مُؤْمِنٍ رِوَايَةً يُرِيدُ بِهَا شَيْنَهُ وَ هَدْمَ مُرُوءَتِهِ لِيَسْقُطَ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ وَلَايَتِهِ إِلَى وَلَايَةِ الشَّيْطَانِ فَلَا يَقْبَلُهُ الشَّيْطَانُ‏

(3)

وَ عَنْهُ (ع) فِي حَدِيثٍ‏

عَوْرَةُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَرَامٌ قَالَ مَا هُوَ أَنْ يَنْكَشِفَ فَتَرَى مِنْهُ شَيْئاً إِنَّمَا هُوَ أَنْ تَرْوِيَ عَنْهُ أَوْ تَعِيبَهُ‏

(4)

وَ رَوَى زُرَارَةُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ قَالا

أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ إِلَى الْكُفْرِ أَنْ يُؤَاخِيَ الرَّجُلَ عَلَى الدِّينِ فَيُحْصِيَ عَلَيْهِ عَثَرَاتِهِ وَ زَلَّاتِهِ‏

(5)

وَ رَوَى أَبُو بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص‏

سِبَابُ الْمُؤْمِنِ فُسُوقٌ وَ قِتَالُهُ كُفْرٌ وَ أَكْلُ لَحْمِهِ‏

____________

- الحديث 2، و فيه «من قال في مؤمن ... إلخ».

(1)- قال الغزالي في «بداية الهداية»/ 31: «... الغيبة أشدّ من ثلاثين زنية في الإسلام. كذلك ورد في الخبر».

(2)- لم أقف عليها بهذه العبارة؛ نعم في «إحياء علوم الدين» ج 3/ 124؛ و «تنبيه الخواطر» ج 1/ 116: «و قال أنس:

خطبنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فذكر الربا و عظّم شأنه، فقال: إنّ الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند اللّه في الخطيئة من ستّ و ثلاثين زنية يزنيها الرجل، و أربى الربا عرض الرجل المسلم.» و نقلها المؤلّف (رحمه اللّه)، بالمعنى.

(3)- «الكافي» ج 2/ 358، كتاب الإيمان و الكفر، باب الرواية على المؤمن، الحديث 1.

(4)- «الكافي» ج 2/ 359، كتاب الإيمان و الكفر، باب الرواية على المؤمن، الحديث 3. و فيه: «عليه» بدل «عنه».

(5)- «الكافي» ج 2/ 354، كتاب الإيمان و الكفر، باب من طلب عثرات المؤمنين و عوراتهم، الحديث 1.

329

مَعْصِيَةٌ وَ حُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ‏

(1)

وَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَقُولُ‏

إِذَا قَالَ الْمُؤْمِنُ لِأَخِيهِ أُفٍّ خَرَجَ مِنْ وَلَايَتِهِ وَ إِذَا قَالَ أَنْتَ عَدُوِّي كَفَرَ أَحَدُهُمَا وَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مُؤْمِنٍ عَمَلًا وَ هُوَ مُضْمِرٌ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ سُوءاً

(2)

وَ رَوَى الْفُضَيْلُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ‏

مَا مِنْ إِنْسَانٍ يَطْعَنُ فِي عَيْنِ مُؤْمِنٍ إِلَّا مَاتَ بِشَرِّ مِيتَةٍ وَ كَانَ قَمِناً أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَى خَيْرٍ

(3)

. و ثامنها

[8-] الكبر و الترفع‏

و المناظرة لا تنفك عن التكبر على الأقران و الأمثال و الترفع فوق المقدار في الهيئات و المجالس و عن إنكار كلام خصمهم و إن لاح كونه حقا حذرا من ظهور غلبتهم و لا يصرحون عند ظهور الفلج عليهم بأنا مخطئون و أن الحق قد ظهر في جانب خصمنا. و هذا عين الكبر الذي‏

قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُ النَّبِيُّ ص‏

بِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِنْهُ مِثْقَالٌ‏

(4)

و قد فسره ص في الحديث السابق‏ (5) بأنه بطر الحق و غمص الناس و المراد ببطر الحق رده على قائله و عدم الاعتراف به بعد ظهوره و غمص الناس بالصاد المهملة بعد الميم و الغين المعجمة احتقارهم. و هذا المناظر قد رد الحق على قائله بعد ظهوره له و إن خفي على غيره و ربما احتقره حيث يزعم أنه محق و أن خصمه هو المبطل الذي لم يعرف الحق و لا له ملكة العلم و القوانين المؤدية إليه.

____________

(1)- «الكافي» ج 2/ 360، كتاب الإيمان و الكفر، باب السباب، الحديث 2.

(2)- «الكافي» ج 2/ 361، كتاب الإيمان و الكفر، باب السباب، الحديث 8.

(3)- «الكافي» ج 2/ 361، كتاب الإيمان و الكفر، باب السباب، الحديث 9.

(4)- «صحيح مسلم» ج 1/ 94، كتاب الإيمان، الباب 40؛ «إحياء علوم الدّين» ج 3/ 335.

(5)- سبق الحديث في الأمر الرابع من القسم الثاني من النوع الأول من الباب الأوّل، الصفحة 175، و هو في «صحيح مسلم» ج 1/ 93، كتاب الإيمان، الباب 39- و فيه: «غمط الناس» بدل «غمص الناس»-؛ «عوالي اللآلي» ج 1/ 436- 437.

330

وَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ حَاكِياً عَنِ اللَّهِ تَعَالَى‏

الْعَظَمَةُ إِزَارِي وَ الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي فَمَنْ نَازَعَنِي فِيهِمَا قَصَمْتُهُ‏

(1)

وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص‏

إِنَّ أَعْظَمَ الْكِبْرِ غَمْصُ الْخَلْقِ وَ سَفَهُ الْحَقِّ قَالَ قُلْتُ وَ مَا غَمْصُ الْخَلْقِ وَ سَفَهُ الْحَقِّ قَالَ يَجْهَلُ الْحَقَّ وَ يَطْعُنُ عَلَى أَهْلِهِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ نَازَعَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ رِدَاءَهُ‏

(2)

وَ رَوَى الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ‏

الْكِبْرُ قَدْ يَكُونُ فِي شِرَارِ النَّاسِ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ وَ الْكِبْرُ رِدَاءُ اللَّهِ فَمَنْ نَازَعَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ رِدَاءَهُ لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَّا سَفَالًا

(3)

وَ سُئِلَ (ع) عَنْ أَدْنَى الْإِلْحَادِ قَالَ إِنَّ الْكِبْرَ أَدْنَاهُ‏

(4)

وَ رَوَى زُرَارَةُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالا

لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ

(5)

وَ عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ‏

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) إِنِّي آكُلُ الطَّعَامَ الطَّيِّبَ وَ أَشَمُّ الرَّائِحَةَ الطَّيِّبَةَ وَ أَرْكَبُ الدَّابَّةَ الْفَارِهَةَ وَ يَتْبَعُنِي الْغُلَامُ فَتَرَى فِي هَذَا شَيْئاً مِنَ التَّجَبُّرِ فَلَا أَفْعَلَهُ فَأَطْرَقَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا الْجَبَّارُ الْمَلْعُونُ مَنْ غَمَصَ النَّاسَ وَ جَهِلَ الْحَقَّ قَالَ عُمَرُ فَقُلْتُ أَمَّا الْحَقُّ فَلَا أَجْهَلُهُ وَ الْغَمْصُ لَا أَدْرِي مَا هُوَ قَالَ مَنْ حَقَّرَ النَّاسَ وَ تَجَبَّرَ عَلَيْهِمْ فَذَلِكَ الْجَبَّارُ

(6)

____________

(1)- «إحياء علوم الدين» ج 1/ 40، ج 3/ 290؛ «سنن ابن ماجة» ج 2/ 1397، كتاب الزهد، الحديث 4174؛ «تنبيه الخواطر» ج 1/ 198.

(2)- «الكافي» ج 2/ 310، كتاب الإيمان و الكفر، باب الكبر، الحديث 9.

(3)- «الكافي» ج 2/ 309، كتاب الإيمان و الكفر، باب الكبر، الحديث 2.

(4)- «الكافي» ج 2/ 309، كتاب الإيمان و الكفر، باب الكبر، الحديث 1.

(5)- «الكافي» ج 2/ 310، كتاب الإيمان و الكفر، باب الكبر، الحديث 6.

(6)- «الكافي» ج 2/ 311، كتاب الإيمان و الكفر، باب الكبر، الحديث 13.

331

وَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص‏

ثَلَاثَةٌ

لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏

وَ عَدَّ مِنْهُمُ الْجَبَّارَ

(1)

و تاسعها (2)

[9-] التجسس و تتبع العورات‏

و المناظر لا يكاد يخلو عن طلب عثرات مناظره في كلامه و غيره ليجعله ذخيرة لنفسه و وسيلة إلى تسديده و براءته أو دفع منقصته حتى أن ذلك قد يتمادى بأهل الغفلة و من يطلب علمه للدنيا فيتفحص عن أحوال خصمه و عيوبه ثم إنه قد يعرض به في حضرته أو يشافهه بها و ربما يتبجح به‏ (3) و يقول كيف أخملته و أخجلته إلى غير ذلك مما يفعله الغافلون عن الدين و أتباع الشياطين و قد قال الله تعالى‏ وَ لا تَجَسَّسُوا (4)

وَ قَالَ ص‏

يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَ لَمْ يُؤْمِنْ بِقَلْبِهِ لَا تَتَبَّعُوا عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ فَمَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَ مَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ فَضَحَهُ وَ لَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ‏

(5)

وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (ع)

أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ إِلَى الْكُفْرِ أَنْ يُؤَاخِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَلَى الدِّينِ فَيُحْصِيَ عَلَيْهِ زَلَّاتِهِ لِيُعَيِّرَهُ بِهَا يَوْماً مَا

(6)

وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)

أَبْعَدُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ يُؤَاخِي الرَّجُلَ وَ هُوَ يَحْفَظُ زَلَّاتِهِ لِيُعَيِّرَهُ بِهَا يَوْماً مَا

(7)

وَ عَنْهُ (ع) قَالَ‏

____________

(1)- «الكافي» ج 2/ 311، كتاب الإيمان و الكفر، باب الكبر، الحديث 14، و تمام الحديث: «... أليم: شيخ زان و ملك جبّار و مقلّ مختال».

(2)- لاحظ «إحياء علوم الدين» ج 1/ 41.

(3)- «بجح بالشي‏ء من بابي نفع و تعب؛ إذا فخر به، و تبجّح به كذلك» ( «المصباح المنير»/ 47، «بجح»).

(4)- سورة الحجرات (49): 12.

(5)- «الكافي» ج 2/ 354- 355، كتاب الإيمان و الكفر، باب من طلب عثرات المؤمنين و عوراتهم، الحديثان 2 و 4.

(6)- «الكافي» ج 2/ 355، كتاب الإيمان و الكفر، باب من طلب عثرات المؤمنين و عوراتهم، الحديث 6.

(7)- «الكافي» ج 2/ 355، كتاب الإيمان و الكفر، باب من طلب عثرات المؤمنين و عوراتهم، الحديث 7.

332

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص‏

مَنْ أَذَاعَ فَاحِشَةً كَانَ كَمُبْتَدِئِهَا وَ مَنْ عَيَّرَ مُؤْمِناً بِشَيْ‏ءٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَرْكَبَهُ‏

(1)

وَ عَنْهُ (ع)

مَنْ لَقِيَ أَخَاهُ بِمَا يُؤَنِّبُهُ أَنَّبَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ

(2)

وَ عَنْهُ (ع) قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فِي كَلَامٍ لَهُ‏

ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ مَا يَغْلِبُكَ مِنْهُ وَ لَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءاً وَ أَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مَحْمِلًا

(3)

. و عاشرها (4)

[10-] الفرح بمساءة الناس و الغم بسرورهم‏

و من لا يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه فهو ناقص الإيمان بعيد عن أخلاق أهل الدين. و هذا غالب بين من غلب على قلبهم محبة إفحام الأقران و ظهور الفضل على الإخوان و قد ورد في أحاديث كثيرة (5) أن للمسلم على المسلم حقوقا إن ضيع منها واحدا خرج من ولاية الله و طاعته و من جملتها ذلك.

رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ (قدّس اللّه روحه) بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْمُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ‏

قُلْتُ لَهُ مَا حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ قَالَ لَهُ سَبْعُ حُقُوقٍ وَاجِبَاتٍ مَا مِنْهُنَّ حَقٌّ إِلَّا وَ هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ إِنْ ضَيَّعَ مِنْهَا حَقّاً خَرَجَ مِنْ وَلَايَةِ اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ وَ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ فِيهِ نَصِيبٌ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَ مَا هِيَ قَالَ يَا مُعَلَّى إِنِّي عَلَيْكَ شَفِيقٌ أَخَافُ‏

____________

(1)- «الكافي» ج 2/ 356، كتاب الإيمان و الكفر، باب التعيير، الحديث 2.

(2)- «الكافي» ج 2/ 356، كتاب الإيمان و الكفر، باب التعيير، الحديث 4.

(3)- «الكافي» ج 2/ 362، كتاب الإيمان و الكفر، باب التهمة و سوء الظنّ، الحديث 3؛ و الشطر الأخير منه في «نهج البلاغة» ص 538، قسم الحكم، الحكمة 360.

(4)- لاحظ «إحياء علوم الدين» ج 1/ 41.

(5)- راجع «الكافي» ج 2/ 169- 174، كتاب الإيمان و الكفر، باب حقّ المؤمن على أخيه و أداء حقّه، الحديث 2، 5، 7 و 14.

333

أَنْ تُضَيِّعَ وَ لَا تَحْفَظَ وَ تَعْلَمَ وَ لَا تَعْمَلَ قَالَ قُلْتُ لَهُ‏

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

قَالَ أَيْسَرُ حَقٍّ مِنْهَا أَنْ تُحِبَّ لَهُ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَ تَكْرَهَ لَهَ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ وَ الْحَقُّ الثَّانِي أَنْ تَجْتَنِبَ سَخَطَهُ وَ تَتَّبِعَ مَرْضَاتَهُ وَ تُطِيعَ أَمْرَهُ وَ الْحَقُّ الثَّالِثُ أَنْ تُعِينَهُ بِنَفْسِكَ وَ مَالِكَ وَ لِسَانِكَ وَ يَدِكَ وَ رِجْلِكَ وَ الْحَقُّ الرَّابِعُ أَنْ تَكُونَ عَيْنَهُ وَ دَلِيلَهُ وَ مِرْآتَهُ وَ الْحَقُّ الْخَامِسُ أَنْ لَا تَشْبَعَ وَ يَجُوعُ وَ لَا تَرْوَى وَ يَظْمَأُ وَ لَا تَلْبَسَ وَ يَعْرَى وَ الْحَقُّ السَّادِسُ أَنْ يَكُونَ لَكَ خَادِمٌ وَ لَيْسَ لِأَخِيكَ خَادِمٌ فَوَاجِبٌ أَنْ تَبْعَثَ خَادِمَكَ فَيَغْسِلَ ثِيَابَهُ وَ يَصْنَعَ طَعَامَهُ وَ يُمَهِّدَ فِرَاشَهُ وَ الْحَقُّ السَّابِعُ أَنْ تُبِرَّ قَسَمَهُ وَ تُجِيبَ دَعْوَتَهُ وَ تَعُودَ مَرِيضَهُ وَ تَشْهَدَ جَنَازَتَهُ وَ إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ لَهُ حَاجَةً تُبَادِرُهُ إِلَى قَضَائِهَا وَ لَا تُلْجِئُهُ أَنْ يَسْأَلَكَهَا وَ لَكِنْ تُبَادِرُهُ مُبَادَرَةً فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ وَصَلْتَ وَلَايَتَكَ بِوَلَايَتِهِ وَ وَلَايَتَهُ بِوَلَايَتِكَ‏

(1)

. و الأخبار في هذا الباب كثيرة (2).

و حادي عشرها (3)

[11-] تزكية النفس و الثناء عليها

و لا يخلو المناظر من الثناء على نفسه إما تصريحا أو تلويحا و تعريضا بتصويب كلامه و تهجين كلام خصمه و كثيرا ما يصرح بقوله لست ممن يخفى عليه أمثال هذا و نحوه و قد قال الله تعالى‏ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ‏ (4) و قيل لبعض العلماء ما الصدق القبيح قال ثناء المرء على نفسه‏ (5). و اعلم أن ثناءك على نفسك مع قبحه و نهي الله تعالى عنه ينقص قدرك عند الناس و يوجب مقتك عند الله تعالى و إذا أردت أن تعرف أن ثناءك على نفسك لا يزيد في قدرك عند غيرك فانظر إلى أقرانك إذا أثنوا على أنفسهم‏

____________

(1)- «الكافي» ج 2/ 169، كتاب الإيمان و الكفر، باب حقّ المؤمن على أخيه و أداء حقّه الحديث 2.

(2)- روي في «الكافي» ج 2/ 169- 174، كتاب الإيمان و الكفر، باب حقّ المؤمن على أخيه و أداء حقّه، 16 حديثا في ذلك.

(3)- لاحظ «إحياء علوم الدين» ج 1/ 41.

(4)- سورة النجم (52): 32.

(5)- «إحياء علوم الدين» ج 1/ 41؛ «بداية الهداية»/ 32.

334

بالفضل كيف يستنكره قلبك و يستثقله طبعك و كيف تذمهم عليه إذا فارقتهم فاعلم أنهم أيضا في حال تزكيتك نفسك يذمونك بقلوبهم ناجزا و يظهرونه بألسنتهم إذا فارقتهم.

و ثاني عشرها

[12-] النفاق‏

و المتناظرون يضطرون إليه فإنهم يلقون الخصوم و الأقران و أتباعهم بوجه مسالم و قلب منازع و ربما يظهرون الحب و الشوق إلى لقائهم و فرائصهم مرتعدة في الحال من بغضهم و يعلم كل واحد من صاحبه أنه كاذب فيما يبديه مضمر خلاف ما يظهره.

وَ قَدْ قَالَ ص‏

إِذَا تَعَلَّمَ النَّاسُ الْعِلْمَ وَ تَرَكُوا الْعَمَلَ وَ تَحَابُّوا بِالْأَلْسُنِ وَ تَبَاغَضُوا بِالْقُلُوبِ وَ تَقَاطَعُوا فِي الْأَرْحَامِ‏

لَعَنَهُمُ اللَّهُ‏

عِنْدَ ذَلِكَ‏

فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمى‏ أَبْصارَهُمْ‏ (1)

. نسأل الله العافية. فهذه اثنتا عشرة خصلة مهلكة أولها الكبر المحرم للجنة و آخرها النفاق الموجب للنار و المتناظرون يتفاوتون فيها على حسب درجاتهم و لا ينفك أعظمهم دينا و أكثرهم عقلا من جملة مواد هذه الأخلاق و إنما غايتهم إخفاؤها و مجاهدة النفس عن ظهورها للناس و عدم اشتغالهم بدوائها و الأمر الجامع لها طلب العلم لغير الله. و بالجملة فالعلم لا يهمل العالم أبدا بل إما أن يهلكه و يشقيه أو يسعده و يقربه من الله تعالى و يدنيه فإن قلت في المناظرة فائدتان إحداهما ترغيب الناس في العلم إذ لو لا حب الرئاسة لاندرست العلوم و في سد بابها ما يفتر هذه الرغبة و الثانية أن فيها تشحيذ الخاطر و تقوية النفس لدرك مآخذ العلم. قلنا صدقت و لم نذكر ما ذكرناه لسد باب المناظرة بل ذكرنا لها ثمانية

____________

(1)- «إحياء علوم الدين» ج 1/ 42.

335

شروط و اثنتي عشرة آفة ليراعي المناظر شروطها و يحترز عن آفاتها ثم يستدر فوائدها من الرغبة في العلم و تشحيذ الخاطر فإن كان غرضك أنه ينبغي أن يرخص في هذه الآفات و تحتمل بأجمعها لأجل الرغبة في العلم و تشحيذ الخاطر فبئس ما حكمت فإن الله تعالى و رسوله و أصفياءه رغبوا الخلق في العلم بما وعدوا من ثواب الآخرة لا بالرئاسة. نعم الرئاسة باعث طبيعي و الشيطان موكل بتحريكه و الترغيب فيه و هو مستغن عن نيابتك عنه و معاونتك. و اعلم أن من تحركت رغبته في العلم بتحريك الشيطان فهو ممن‏

قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ص:

إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ

(1)

وَ بِأَقْوَامٍ‏

لا خَلاقَ لَهُمْ‏ (2)

. و من تحركت رغبته بتحريك الأنبياء (ع) و ترغيبهم في ثواب الله تعالى فهو من ورثة الأنبياء و خلفاء الرسل و أمناء الله تعالى على عباده. و أما تشحيذ الخاطر فقد صدقت فليشحذ الخاطر و ليجتنب هذه الآفات التي ذكرناها فإن كان لا يقدر على اجتنابها فليتركه و ليلزم المواظبة على العلم و طول التفكر فيه و تصفية القلب عن كدورات الأخلاق فإن ذلك أبلغ في التشحيذ و قد تشحذت خواطر أهل الدين بدون هذه المناظرة. و الشي‏ء إذا كانت له منفعة واحدة و آفات كثيرة لا يجوز التعرض لآفاته لأجل تلك المنفعة الواحدة بل حكمه في ذلك حكم الخمر و الميسر قال الله تعالى‏

____________

(1)- «صحيح مسلم» ج 1/ 106، كتاب الإيمان (1)، الباب 47؛ «مسند أحمد» ج 2/ 309؛ «سنن الدارميّ» ج 2/ 241؛ «إحياء علوم الدين» ج 1/ 43؛ «مجمع الزوائد» ج 5/ 302، 303، ج 7/ 213.

(2)- «إحياء علوم الدين» ج 1/ 43، «الجامع الصغير» ج 1/ 74، و شرحه: «فيض القدير» ج 2/ 279، الحديث 1938؛ «مجمع الزوائد» ج 5/ 302؛ «الكافي» ج 5/ 19، كتاب الجهاد، باب من يجب عليه الجهاد و من لا يجب، الحديث 1.

336

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما. (1) فحرمهما لذلك و أكد تحريمهما و الله الموفق‏

____________

(1)- سورة البقرة (2): 219.

337

الباب الرابع في آداب الكتابة و الكتب التي هي آلة العلم‏

و ما يتعلق بتصحيحها و ضبطها و وضعها و حملها و شرائها و عاريتها و غير ذلك‏

338

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

339

(آداب الكتابة و الكتب و ما يتعلق بها و فيه مسائل) الأولى‏

[1-] الكتابة من أجل المطالب الدينية-

و أكبر أسباب الملة الحنيفية من الكتاب و السنة و ما يتبعهما من العلوم الشرعية و ما يتوقفان عليه من المعارف العقلية و هي منقسمة في الأحكام حسب العلم المكتوب فإن كان واجبا على الأعيان فهي كذلك حيث يتوقف حفظه عليها و إن كان واجبا على الكفاية فهي كذلك و إن كان مستحبا فكتابته مستحبة. و هي في زماننا هذا بالنسبة إلى الكتاب و السنة موصوفة بالوجوب مطلقا إذ لا يوجد من كتب الدين ما يقوم بفرض الكفاية بالنسبة إلى الأقطار سيما كتب التفسير و الحديث فإن معالمهما قد أشرفت على الاندراس و رايات أعلامهما قد آذنت بالانتكاس فيجب على كل مسلم الاهتمام بحالهما كتابة و حفظا و تصحيحا و رواية كفاية. و من القواعد المعلومة إن فرض الكفاية إذا لم يقم به من فيه كفاية يخاطب‏

340

به كل مكلف و يأثم بالتقصير فيه كل مكلف به فيكون في ذلك كالواجب العيني إلى أن يوجد ما فيه كفاية. و قد ورد مع ذلك في الحث على الكتابة و الوعد بالثواب الجزيل على فعلها كثير من الآثار

فَمِنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ‏

قَيِّدُوا الْعِلْمَ قِيلَ وَ مَا تَقْيِيدُهُ قَالَ كِتَابَتُهُ‏

(1)

وَ رُوِيَ‏

أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ يَجْلِسُ إِلَى النَّبِيِّ ص يَسْتَمِعُ مِنْهُ الْحَدِيثَ فَيُعْجِبُهُ وَ لَا يَحْفَظُهُ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ص فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ اسْتَعِنْ بِيَمِينِكَ وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ أَيْ خُطَّ

(2)

وَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (ع)

أَنَّهُ دَعَا بَنِيهِ وَ بَنِي أَخِيهِ فَقَالَ إِنَّكُمْ صِغَارُ قَوْمٍ وَ يُوشِكُ أَنْ تَكُونُوا كِبَارَ قَوْمٍ آخَرِينَ فَتَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ أَنْ يَحْفَظَهُ فَلْيَكْتُبْهُ وَ لْيَضَعْهُ فِي بَيْتِهِ‏

(3)

وَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَقُولُ‏

اكْتُبُوا فَإِنَّكُمْ لَا تَحْفَظُونَ حَتَّى تَكْتُبُوا

(4)

وَ عَنْهُ (ع) قَالَ‏

الْقَلْبُ يَتَّكِلُ عَلَى الْكِتَابَةِ

(5)

وَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع‏

____________

(1)- «المستدرك على الصحيحين» ج 1/ 106؛ «المحدّث الفاصل»/ 364؛ «عوالي اللآلي» ج 1/ 68؛ «مجمع الزوائد» ج 1/ 196.

(2)- «سنن الترمذي» ج 5/ 39، كتاب العلم، الباب 12، الحديث 2666؛ «تقييد العلم»/ 65- 68؛ «تدريب الراوي» ج 2/ 66.

(3)- «سنن الدارميّ» ج 1/ 130؛ «تقييد العلم»/ 91؛ «جامع بيان العلم و فضله» ج 1/ 82.

(4)- «الكافي» ج 1/ 52، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب و الحديث و فضل الكتابة و التمسّك بالكتب، الحديث 9.

(5)- «الكافي» ج 1/ 52، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب و الحديث و فضل الكتابة و التمسّك بالكتب، الحديث 8.

341

احْتَفِظُوا بِكُتُبِكُمْ فَإِنَّكُمْ سَوْفَ تَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا

(1)

وَ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ‏

قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) اكْتُبْ وَ بُثَّ عِلْمَكَ فِي إِخْوَانِكَ فَإِنْ مِتَّ فَأَوْرِثْ كُتُبَكَ بَنِيكَ فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانُ هَرْجٍ لَا يَأْنَسُونَ فِيهِ إِلَّا بِكُتُبِهِمْ‏

(2)

وَ رَوَى الصَّدُوقُ فِي أَمَالِيهِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ‏

إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا مَاتَ وَ تَرَكَ وَرَقَةً وَاحِدَةً عَلَيْهَا عِلْمٌ كَانَتِ الْوَرَقَةُ سِتْراً فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ النَّارِ وَ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِكُلِّ حَرْفٍ مَدِينَةً أَوْسَعَ مِنَ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا وَ مَنْ جَلَسَ عِنْدَ الْعَالِمِ سَاعَةً نَادَاهُ الْمَلِكُ جَلَسْتَ إِلَى عَبْدِي وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَأُسْكِنَنَّكَ الْجَنَّةَ مَعَهُ وَ لَا أُبَالِي‏

(3)

. الثانية

[2-] يجب على الكاتب إخلاص النية لله تعالى‏

في كتابته كما يجب إخلاصها في طلبة العلم لأنها عبادة و ضرب من تحصيل العلم و حفظه و القصد بها لغير الله تعالى من حظوظ النفس و الدنيا كالقصد بالعلم و قد تقدم‏ (4) من ذمه و وعيده ما فيه كفاية. و يزيد عنه خيرا أو شرا أنه موقع بيده ما يكون يوم القيامة حجة له أو عليه فلينظر ما يوقعه و يترتب على خطه ما يترتب من خير أو شر و من سنة أو بدعة يعمل بها في حياته و بعد موته دهرا طويلا فهو شريك في أجر من ينتفع به أو وزره فلينظر ما يسببه. و يعلم من ذلك أن ثواب الكتابة ربما زاد على ثواب العلم في بعض الموارد بسبب كثرة الانتفاع به و دوامه و من هنا جاء تفضيل مداد العلماء على دماء

____________

(1)- «الكافي» ج 1/ 52، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب و الحديث و فضل الكتابة و التمسّك بالكتب، الحديث 10.

(2)- «الكافي» ج 1/ 52، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب و الحديث و فضل الكتابة و التمسّك بالكتب، الحديث 11.

(3)- «أمالي الصدوق»/ 40- 41 باختلاف يسير.

(4)- تقدّم في أوّل الباب الأوّل.

342

الشهداء (1) حيث إن مدادهم ينفع بعد موتهم و دماء الشهداء لا تنفع بعد موتهم‏ (2).

الثالثة (3)

[3-] ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها

في العلوم النافعة ما أمكنه بكتابة أو شراء و إلا فبإجارة أو عارية لأنها آلة التحصيل و كثيرا ما تدرب بها الأفاضل في الأزمنة السابقة و حصل لهم بواسطتها ترق زائد على من لم يتمكن منها و لهم في ذلك أقاصيص يطول الأمر بشرحها (4). و لا ينبغي للطالب أن يجعل تحصيلها و جمعها و كثرتها حظه من العلم و نصيبه من الفهم بل يحتاج مع ذلك إلى التعب و الجد و الجلوس بين يدي المشايخ و لقد أحسن القائل‏ (5)

إذا لم تكن حافظا واعيا* * * فجمعك للكتب لا ينفع‏

.

الرابعة

[4-] أن لا يشتغل بنسخها إن أمكنه تحصيلها بشراء و نحوه‏

لأن الاشتغال بتحصيل العلم أهم نعم لو تعذر الشراء لعدم الثمن أو لعزة الكاتب فليكتب لنفسه و لا يرضى بالاستعارة مع إمكان تملكه.

____________

(1)- «كتاب من لا يحضره الفقيه» ج 4/ 284، الحديث 849؛ «بحار الأنوار» ج 2/ 14، نقلا عن «أمالي الصدوق»؛ «عدّة الداعي»/ 67.

(2)- نقله في «عدّة الداعي»/ 67، عن بعض العلماء. و نقل ابن أبي جمهور الأحسائي في «عوالي اللآلي» ج 4/ 61، الهامش، وجها آخر في تفضيل مداد العلماء على دماء الشهداء، عن العلامة الحلّي رحمة اللّه عليه.

(3)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 164.

(4)- و من ذلك ما نقله القفطي في «تاريخ الحكماء»/ 415- 416، عن أبي عليّ ابن سينا: «... ثمّ عدت إلى العلم الإلهي و قرأت كتاب «ما بعد الطبيعة» فما كنت أفهم ما فيه و التبس عليّ غرض واضعه حتّى أعدت قراءته أربعين مرّة و صار لي محفوظا و أنا مع ذلك لا أفهمه و لا المقصود به و أيست من نفسي، و قلت: هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه. فإذا أنا في يوم من الأيّام حضرت وقت العصر في الورّاقين و بيد دلال مجلّد ينادي عليه، فعرضه عليّ فرددته ردّ متبرّم معتقد أن لا فائدة في هذا العلم، فقال لي: اشتر منّي هذا؛ فإنّه رخيص أبيعكه بثلاثة دراهم و صاحبه محتاج إلى ثمنه. فاشتريته فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في أغراض ما بعد الطبيعة، فرجعت إلى بيتي و أسرعت قراءته، فانفتح عليّ في الوقت أغراض ذلك الكتاب بسبب أنّه قد صار لي على ظهر القلب و فرحت بذلك و تصدّقت ثاني يومه بشي‏ء كثير على الفقراء شكرا للّه تعالى».

(5)- هو محمّد بن بشير الأزدي كما في «المحدث الفاصل»/ 388؛ و «جامع بيان العلم و فضله» ج 1/ 82؛ و «محاضرات الأدباء» ج 1/ 49؛ و «روضة العقلاء»/ 38، و قبله:

أ أشهد بالجهل في مجلس‏* * * و علمي في الكتب مستودع‏

343

و متى آل الحال إلى النسخ فليشمر له فإن الله يعينه و لا يضيع به حظه من العلم و لا يفوت الحظ إلا بالكسل و من ضبط وقته حصل مطلبه و قد تقدم‏ (1) جملة صالحة في ذلك.

الخامسة (2)

[5-] يستحب إعارة الكتب لمن لا ضرر عليه فيها

ممن لا ضرر منه بها استحبابا مؤكدا لما فيه من الإعانة على العلم و المعاضدة على الخير و المساعدة على البر و التقوى مع ما في مطلق العارية من الفضل و الأجر و قد قال بعض السلف بركة العلم إعارة الكتب‏ (3) و قال آخر من بخل بالعلم ابتلي بإحدى ثلاث أن ينساه أو يموت فلا ينتفع به أو تذهب كتبه‏ (4) و ينبغي للمستعير أن يشكر للمعير ذلك لإحسانه و يجزيه خيرا.

السادسة

[6-] إذا استعار كتابا وجب عليه حفظه‏

من التلف و التعيب و أن لا يلط به و لا يطل مقامه عنده بل يرده إذا قضى حاجته و لا يحبسه إذا استغنى عنه لئلا يفوت الانتفاع به على صاحبه و لئلا يكسل عن تحصيل الفائدة منه و لئلا يمنع صاحبه من إعارة غيره إياه‏ (5). و أما إذا طلبه المالك حرم عليه حبسه و يصير ضامنا له و قد جاء في ذم الإبطاء برد الكتب عن السلف أشياء كثيرة نظما و نثرا (6) و بسبب حبسها و التقصير في حفظها امتنع غير واحد من إعارتها.

____________

(1)- لعلّه يريد ما تقدّم في القسم الأوّل من النوع الثالث من الباب الأوّل، ص 224- 231.

(2)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 167- 168؛ «شرح المهذّب» ج 1/ 67.

(3)- «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 175؛ «تدريب الراوي» ج 2/ 90. و في «شرح المهذّب» ج 1/ 67 نسب إلى وكيع.

(4)- قاله سفيان الثوري كما في «تدريب الراوي» ج 2/ 90؛ و «شرح المهذّب» ج 1/ 67. قال المحدّث الجزائريّ (رحمه اللّه) في «الأنوار النعمانية» ج 3/ 371: «و هذا شي‏ء شاهدناه مرارا كثيرة، و قد كان لنا شيخ يحصل منه بعض البخل بالكتب، فبقيت كتبه بعده، قد باعتها بناته في الأسواق بأبخس قيمة؛ و كان لنا شيخ آخر إذا طلبنا نحن أو غيرنا منه كتابا و كان له حاجة إليه قلع الأوراق التي يحتاج إليها و أعطى الباقي، فنمت كتبه و انتفع العلماء بها و أعطاه اللّه تعالى أولادا قابلين للعلم و فهمه».

(5)- انظر «تقييد العلم»/ 146- 150 في «من سلك في إعارة الكتاب طريق البخل و ضنّ به عمّن ليس له بأهل».

(6)- راجع «تقييد العلم»/ 146- 150؛ «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 176- 179.

344

السابعة (1)

[7-] لا يجوز أن يصلح كتاب غيره‏

المستعار أو المستأجر بغير إذن صاحبه و لا يحشيه و لا يكتب شيئا في بياض فواتحه و خواتمه إلا إذا علم رضا مالكه و هو كما يكتبه المحدث على جزء سمعه‏ (2) و لا يسوده و لا يعيره غيره و لا يودعه لغير ضرورة حيث يجوز شرعا و لا ينسخ منه بغير إذن صاحبه فإن النسخ انتفاع زائد على الانتفاع بالمطالعة و أشق. فإن كان الكتاب وقفا على من ينتفع به غير معين فلا بأس بالنسخ منه لمن يجوز له إمساكه و الانتفاع به مع الاحتياط و لا بأس بإصلاحه ممن هو أهل لذلك من الناظر فيه أو من يأذن له بل قد يجب فإن لم يكن له ناظر خاص فالنظر فيه إلى الحاكم الشرعي. و إذا نسخ منه بإذن صاحبه أو ناظره فلا يكتب منه و القرطاس في بطنه و لا يضع المحبرة عليه و لا يمر بالقلم الممدود (3) فوق الكتابة. و بالجملة فيجب حفظه من كل ما يعد عرفا تقصيرا و هو أمر زائد على حفظ الإنسان كتابه فقد يجوز فيه ما لا يجوز في المستعار خصوصا المتهاون بحفظ الكتب فإن كثيرا من الناس يمتهن كتابه في الغاية بسبب الطبع البارد و هذا الأمر لا يسوغ في المستعار بوجه.

الثامنة (4)

[8-] إذا نسخ من الكتاب أو طالعه فلا يضعه على الأرض مفروشا منشورا

بل يجعله بين كتابين مثلا أو كرسي على الوجه المعروف‏ (5) لئلا يسرع تقطيع حبكه و ورقه و جلده.

____________

(1)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 168- 169.

(2)- هكذا في «تذكرة السامع»/ 169، و «ه» و «ن»؛ و لكن في سائر النسخ: «على حسب ما سمعه» بدل «على جزء سمعه»، و كيف ما كان فلا تخلو العبارة من الإبهام و الإجمال.

(3)- يعني القلم الذي غمس في الدواة و به مداد؛ قال في «المصباح المنير»/ 68، مادة «مدد»: «المداد ما يكتب به، و مددت من الدواة و استمددت منها: أخذت منها بالقلم للكتابة».

(4)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 170.

(5)- «كرسيّ الكتب هو الرحل للكتاب، و حبك الكتاب: شدّ أوراقه» ( «تذكرة السامع»/ 170، الهامش).

345

التاسعة (1)

[9-] إذا وضع الكتب مصفوفة فلتكن على كرسي أو تحتها خشب أو رف‏

و نحو ذلك و الأولى أن يكون بينها و بين الأرض خلو و لا يضعها على الأرض كي لا تتندى أو تبلى. و إذا وضعها على خشب أو نحوه جعل فوقها و تحتها ما يمنع من تأكل جلودها به و كذلك يجعل بينها و بين ما يصادمها أو يسندها من حائط أو غيره. و يراعي الأدب في وضع الكتب باعتبار علومها و شرفها و شرف مصنفها فيضع الأشرف أعلى الكل ثم يراعي التدريج فإن كان فيها المصحف الكريم جعله أعلى الكل و الأولى أن يكون في خريطة ذات عروة في مسمار أو وتد في حائط طاهر نظيف في صدر المجلس ثم كتب الحديث الصرف ثم تفسير القرآن ثم تفسير الحديث ثم أصول الدين ثم أصول الفقه ثم الفقه ثم العربية. و لا يضع ذات القطع الكبير فوق ذوات الصغير لئلا يكثر تساقطها و لا يكثر وضع الردة (2) في أثنائه لئلا يسرع تكسرها. و ينبغي أن يكتب اسم الكتاب عليه في جانب آخر الصفحات من أسفل‏ (3) و فائدته معرفة الكتاب و تيسر إخراجه من بين الكتب.

العاشرة (4)

[10-] أن لا يجعل الكتاب خزانة للكراريس أو غيرها

و لا مخدة و لا مروحة و لا مكنسا (5) و لا مسندا [و لا مستندا] و لا متكئا و لا مقتلة للبراغيث و غيرها لا سيما في الورق و لا يطوي حاشية الورقة أو زاويتها و لا يعلم بعود أو بشي‏ء جاف بل بورقة لطيفة و نحوها و إذا ظفر فلا يكبس ظفره قويا.

____________

(1)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 170- 172.

(2)- «الردة هي القطعة الزائدة من الجلد فوق الدّفّة اليسرى» ( «تذكرة السامع»/ 172، الهامش).

(3)- يعني ما يطلق عليه اليوم «عطف الكتاب»، و زاد في «تذكرة السامع»/ 172، هنا: «و يجعل رءوس حروف هذه الترجمة إلى الغاشية التي من جانب البسملة».

(4)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 172- 173.

(5)- هكذا في جميع النسخ المخطوطة، و يحتمل أن يكون الصواب «و لا مكبسا» كما في «تذكرة السامع»/ 172؛ و المكبس- كما في «المعجم الوسيط» ج 2/ 773، مادة «كبس»-: «آلة لكبس الصوف و الورق و ما أشبه».

346

الحادية عشرة (1)

[11-] إذا استعار كتابا ينبغي له أن يتفقده عند أخذه و رده‏

و إذا اشترى كتابا تعهد أوله و آخره و وسطه و ترتيب أبوابه و كراريسه و تصفح أوراقه و اعتبر صحته و مما يغلب على ظنه صحته إذا ضاق الزمان عن تفتيشه أن يرى إلحاقا أو إصلاحا فإنه من شواهد الصحة حتى قال بعضهم لا يضي‏ء الكتاب حتى يظلم‏ (2) يريد إصلاحه بالضرب و الكشط و الإلحاق و نحوها.

الثانية عشرة (3)

[12-] إذا نسخ شيئا من كتب العلم الشرعية فينبغي أن يكون على طهارة

مستقبلا طاهر البدن و الثياب و الحبر و الورق و يبتدئ الكتاب بكتابة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ و الحمد لله و الصلاة على رسوله و آله و إن لم يكن المصنف قد كتبها لكن إن لم تكن من كلام المصنف أشعر بذلك بأن يقول بعد ذلك قال المصنف أو الشيخ و نحو ذلك. و كذلك يختم الكتاب بالحمدلة و الصلاة و السلام بعد ما يكتب آخر الجزء الفلاني و يتلوه كذا و كذا إن لم يكن كمل الكتاب و يكتب إذا كمل تم الكتاب الفلاني أو الجزء الفلاني و بتمامه تم الكتاب و نحو ذلك ففيه فوائد كثيرة. و كلما كتب اسم الله تعالى أتبعه بالتعظيم مثل تعالى أو سبحانه أو عز و جل أو تقدس و نحو ذلك و يتلفظ بذلك أيضا و كلما كتب اسم النبي ص كتب بعده الصلاة عليه و على آله و السلام و يصلي و يسلم هو بلسانه أيضا. و لا يختصر الصلاة في الكتاب و لا يسأم من تكريرها و لو وقعت في السطر مرارا كما يفعل بعض المحرومين المتخلفين من كتابة صلعم أو صلم أو صم أو صلسم أو صله فإن ذلك كله خلاف الأولى و المنصوص بل قال بعض‏

____________

(1)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 172- 173.

(2)- «تذكرة السامع»/ 173.

(3)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 173؛ «فتح الباقي» ج 2/ 128- 132.

347

العلماء إن أول من كتب صلعم قطعت يده‏ (1). و أقل ما في الإخلال بإكمالها تفويت الثواب العظيم عليها

فَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ ص أَنَّهُ قَالَ‏

مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا دَامَ اسْمِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ‏

(2)

. و إذا مر بذكر أحد من الصحابة سيما الأكابر كتب رضي الله عنه أو (رضوان الله عليه) أو بذكر أحد من السلف الأعلام كتب رحمه الله أو تغمده الله برحمته و نحو ذلك و قد جرت العادة باختصاص الصلاة و السلام بالأنبياء و ينبغي أن يجعل للأئمة (عليهم السلام) السلام و إن جاز خلاف ذلك كله بل يجوز الصلاة على كل مؤمن كما دل عليه القرآن و الحديث‏ (3).

____________

(1)- «فتح الباقي» ج 2/ 132؛ «تدريب الراوي» ج 2/ 77.

(2)- «الترغيب و الترهيب» ج 1/ 110- 111، الحديث 8؛ «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 64؛ «شرف أصحاب الحديث»/ 36، 111؛ «مجمع الزوائد» ج 1/ 136- 137؛ «إحياء علوم الدين» ج 1/ 279؛ «تدريب الراوي» ج 2/ 74- 75. و راجع للتوسّع «الكافي» ج 2/ 491- 495، كتاب الدعاء، باب الصلاة على النبيّ محمّد و أهل بيته (عليهم السلام).

(3)- دلّ عليه من القرآن الآية 157 من سورة البقرة (2): «... أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ»، و الآية 103 من سورة التوبة (9): «... وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ»؛ و من الحديث:

ما روي في «جامع الفوائد»- المطبوع في أول «إيضاح الفوائد» ج 1/ 6؛ و «تفسير ابن كثير» ج 2/ 400؛ و «صحيح مسلم» ج 2/ 757، كتاب الزكاة (12)، الباب 54؛ و «تفسير كشف الأسرار» ج 4/ 196؛ و «صبح الأعشى» ج 6/ 228؛ و «عوالي اللآلي» ج 2/ 39- 40، ج 2/ 232، من أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «اللّهم صلّ على آل أبي أوفى»؛ و في «سنن ابن ماجة» ج 1/ 572، كتاب الزكاة (8)، الباب 8، الحديث 1796: «عن عبد اللّه بن أبي أوفى: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏] إذا أتاه الرجل بصدقة ماله صلّى عليه، فأتيته بصدقة مالي، فقال: اللّهم صلّ على آل أبي أوفى»؛ و في «الجامع الصغير» ج 2/ 100، حرف الكاف، و شرحه: «فيض القدير» ج 5/ 88، الحديث 6527؛ و «تفسير ابن كثير» ج 2/ 400: «كان [النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)‏] إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللّهم صلّ على آل أبي فلان.

كناية عمّن ينبسون إليه»؛ و في «سنن أبي داود» ج 2/ 88- 89، كتاب الصلاة، الحديث 1533: «أنّ امرأة قالت للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): صلّ عليّ و على زوجي. فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

صلّى اللّه عليك و على زوجك».

و نقل فخر المحقّقين عن كتاب «نهاية الأحكام» لوالده (قدّس سرّهما) أنّه قال: «... و ذهبت الإماميّة إلى-

348

و كتابة ما ذكر من الثناء و نحوه هو دعاء ينشئه لا كلام يرويه فلا يتقيد فيه بالرواية و لا بإثبات المصنف بل يكتبه و إن سقط من الأصل المنقول أو المسموع منه. و إذا وجد شيئا من ذلك قد جاءت به الرواية أو مذكورا في التصنيف كانت العناية بإثباته و ضبطه أكثر هذا هو الراجح و مختار الأكثر و ذهب بعض العلماء (1) إلى إسقاط ذلك كله من الكتابة مع النطق بذلك و ينبغي أن يذكر السلام على النبي مع الصلاة عملا بظاهر الآية (2) و لو اقتصر على الصلاة لم يكن به بأس.

الثالثة عشرة

[13-] لا يهتم المشتغل بالعلم بالمبالغة في حسن الخط

و إنما يهتم بصحته و تصحيحه و يجتنب التعليق جدا و هو خَلْطُ الحروف التي ينبغي تفريقها و المشق و هو سرعة الكتابة مع بعثرة الحروف و قال بعضهم وزن الخط وزن القراءة أجود القراءة أبينها و أجود الخط أبينه‏ (3). و ينبغي أن يجتنب الكتابة الدقيقة لأنه لا ينتفع بها أو لا يكمل الانتفاع بها لمن ضعف نظره و ربما ضعف نظر الكاتب نفسه بعد ذلك فلا ينتفع بها قال بعض السلف‏ (4) لكاتب و قد رآه يكتب خطا دقيقا لا تفعل فإنه يخونك أَحْوَجَ‏

____________

- جواز إطلاق صيغة «رضي اللّه عنه» على كلّ مؤمن و مؤمنة، لأنّه لا دليل على الاختصاص، فالقول به يكون إدخالا في الدين ما ليس منه» ( «جامع الفوائد» المطبوع مع «إيضاح الفوائد» ج 1/ 6). و قال ابن أبي جمهور الأحسائي (ره) في «عوالي اللآلي» ج 2/ 40، الهامش: «و هذا الحديث [يعني: اللّهمّ صلّ على آل أبي أوفى‏] دالّ على جواز الصلاة لغير النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، من سائر المؤمنين، تبعا له، فإنّه صلّى على آل أبي أوفى، و هو نصّ في الباب ...». و قال المحدّث الجزائريّ (ره) في «الجواهر الغوالي في شرح العوالي»: «لم يجوّز العامّة الصلاة على آل محمّد وحده، مع جوازه على آحاد المؤمنين، و على آل أبي أوفى، و العذر ما قاله الزمخشري: إنّه صار شعارا للرافضة فلا ينبغي التشبه بهم!» ( «عوالي اللآلي» ج 2/ 40، الهامش).

(1)- هو أحمد بن حنبل، كما في «فتح الباقي» ج 2/ 129- 131؛ و «مقدّمة ابن الصلاح»/ 308؛ و «تدريب الراوي» ج 2/ 76؛ و «شرح ألفية العراقي» ج 2/ 129.

(2)- يعني الآية 56 من سورة الأحزاب (33): «إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً».

(3)- «شرح ألفية العراقي» ج 2/ 122؛ «صبح الأعشى» ج 3/ 21، و في الأوّل: «ذكر ابن قتيبة عن ابن إبراهيم بن العباس: وزن الخط وزن ...».

(4)- هو أحمد بن حنبل، قاله لابن عمه حنبل بن إسحاق، كما في «فتح الباقي» ج 2/ 121؛ و «تدريب الراوي»-

349

ما تكون إليه. و قال بعضهم اكتب ما ينفعك وقت احتياجك إليه و لا تكتب ما لا تنتفع به وقت الحاجة أي وقت الكبر و ضعف البصر (1). و هذا كله في غير مُسْوَدَّاتِ المصنفين فإن تَأَنِّيَهُمْ في الكتابة يُفَوِّتُ كثيرا من أغراضهم التي هي أهم من تجويد الكتابة فمن ثم نراها غالبا عسرة القراءة مشتبكة الحروف و الكلمات لسرعة الكتابة و اشتغال الفكر بأمر آخر.

الرابعة عشرة (2) قالوا

[14-] لا ينبغي أن يكون القلم صلبا جدا

فيمنع سرعة الجري أو رخوا فيسرع إليه الحفا قال بعضهم‏ (3) إذا أردت أن تجود خطك فأطل جلفتك و أسمنها و حرف قطتك و أيمنها و ليكن السكين حادة جدا لبراية الأقلام و كشط الورق خاصة لا تستعمل في غير ذلك و ليكن ما يقط (4) عليه القلم صلبا و يحمدون في ذلك القصب الفارسي‏ (5) اليابس جدا و الآبنوس‏ (6) الصلب الصقيل.

الخامسة عشرة

[15-] ينبغي أن لا يقرمط الحروف‏

و يأتي بها مشتبهة بغيرها بل يعطي كل حرف حقه و كل كلمة حقها و يراعي من الآداب الواردة في ذلك‏

مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ص‏

أَنَّهُ قَالَ لِبَعْضِ كُتَّابِهِ‏

____________

- ج 2/ 71؛ «و أدب الإملاء و الاستملاء»/ 167؛ و «مقدّمة ابن الصلاح»/ 304، و في هذه المصادر الثلاثة الأخيرة: «لا تفعل أحوج ما تكون إليه يخونك».

(1)- «الخلاصة في أصول الحديث»/ 148؛ و «تذكرة السامع»/ 177.

(2)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 179- 180. و انظر «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 157- 158.

(3)- هو عبد الحميد الكاتب، قاله لسلم بن قتيبة و رآه يكتب ردئيا، قال سلم بن قتيبة: ففعلت فجاد خطّي. كما في «الافصاح في فقه اللغة» ج 1/ 218.

(4)- «قططت القلم قطّا، من باب قتل: قطعت رأسه عرضا في بريه» ( «المصباح المنير»/ 613، «قطط»).

(5)- «... قصب السكّر معروف، و القصب الفارسيّ منه صلب غليظ يعمل منه المزامير و يسقّف به البيوت و منه ما تتّخذ منه الأقلام» ( «المصباح المنير»/ 608، «قصب»).

(6)- «الآبنوس، بضمّ الباء: خشب معروف، و هو معرب و يجلب من الهند و اسمه بالعربيّة سأسم، بهمزة وزان جعفر، و الآبنس بحذف الواو لغة فيه» ( «المصباح المنير»/ 6، «ابن»).

350

أَلِقِ‏

(1)

الدَّوَاةَ وَ حَرِّفِ الْقَلَمَ‏

(2)

وَ انْصِبِ الْبَاءَ وَ فَرِّقِ السِّينَ وَ لَا تُعَوِّرِ الْمِيمَ وَ حَسِّنِ اللَّهَ وَ مُدَّ الرَّحْمَنَ وَ جَوِّدِ الرَّحِيمَ وَ ضَعْ قَلَمَكَ عَلَى أُذُنِكَ الْيُسْرَى فَإِنَّهُ أَذْكَرُ لَكَ‏

(3)

وَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص‏

إِذَا كَتَبْتَ‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ-

فَبَيِّنِ السِّينَ فِيهِ‏

(4)

وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص‏

لَا تَمُدَّ الْبَاءَ إِلَى الْمِيمِ حَتَّى تَرْفَعَ السِّينَ‏

(5)

وَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص‏

إِذَا كَتَبَ أَحَدُكُمْ‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ-

فَلْيَمُدَّ الرَّحْمَنَ‏

(6)

وَ عَنْهُ أَيْضاً

____________

(1)- «لاقت الدواة يليقها ليقا و ليقة، و ألاقها: جعل لها ليقة. و الليقة: صوفة الدواة» ( «الإفصاح في فقه اللغة» ج 1/ 219).

(2)- «تحريف القلم: قطّه محرّفا» ( «مختار الصحاح»/ 99، «حرف»).

(3)- «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 170، و ليست فيه الجملة الأخيرة؛ «كنز العمّال» ج 10/ 314، الحديث 29566.

و في «صبح الأعشى» ج 3/ 39: «أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لمعاوية: إذا كتبت كتابا فضع القلم على أذنك. و قال لكاتبه: ضع القلم على أذنك يكن أذكر لك. و قال لزيد بن ثابت: ضع القلم على أذنك فإنّه أذكر لك.» و راجع أيضا «مجمع الزوائد» ج 7/ 107؛ «الجامع الصغير» ج 1/ 34، حرف الهمزة. و في «نهج البلاغة» ص 530، قسم الحكم، الحكمة 315: «قال (عليه السلام) لكاتبه عبيد اللّه بن أبي رافع: ألق دواتك، و أطل جلفة قلمك، و فرّج بين السطور، و قرمط بين الحروف؛ فإنّ ذلك أجدر بصباحة الخطّ».

و مثله في «غرر الحكم» ج 2/ 232، الحديث 2459.

(4)- «الجامع الصغير» ج 1/ 34، حرف الهمزة، و شرحه: «فيض القدير» ج 1/ 433، الحديث 835؛ «كنز العمّال» ج 10/ 244، الحديث 29300.

(5)- في «صبح الأعشى» ج 6/ 221: «و لا يمدّ الباء قبل السين ثمّ يكتب السين بعد المدّة، فروي ... أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: إذا كتب أحدكم بسم اللّه الرحمن الرحيم فلا يمدّها قبل السين. يعني الباء». و في «الكافي» ج 2/ 672، كتاب العشرة، باب بدون العنوان قبل الباب الآخر، الحديث 2، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «اكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم من أجود كتابك و لا تمدّ الباء حتّى ترفع السين».

(6)- «الجامع الصغير» ج 1/ 34، حرف الهمزة؛ و شرحه: «فيض القدير» ج 1/ 433، الحديث 834، عن أنس؛ «كنز العمّال» ج 10/ 244، الحديث 29299.

351

مَنْ كَتَبَ‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ-

فَجَوَّدَهُ تَعْظِيماً لِلَّهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ‏

(1)

وَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) أَنَّهُ قَالَ‏

تَنَوَّقَ رَجُلٌ فِي‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ-

فَغُفِرَ لَهُ‏

(2)

وَ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص‏

إِذَا كَتَبَ أَحَدُكُمْ كِتَاباً فَلْيُتَرِّبْهُ فَإِنَّهُ أَنْجَحُ‏

(3)

. السادسة عشرة (4)

[16-] كرهوا في الكتابة فصل مضاف اسم الله تعالى منه‏

كعبد الله أو رسول الله ص فلا يكتب عبد أو رسول في آخر سطر و الله مع ما بعده أول سطر آخر لقبح الصورة و هذه الكراهة للتنزيه. و يلتحق بذلك أسماء النبي ص و أسماء الصحابة رضي الله عنهم و نحوها الموهم لخلل كقوله‏

سَابُّ النَّبِيِّ ص كَافِرٌ

فلا يكتب ساب مثلا في آخر سطر و ما بعده في أول آخر. بل و لا اختصاص للكراهة بالفصل بين المتضايفين فغيرهما مما يستقبح فيه الفصل كذلك و كذلك كرهوا جعل بعض الكلمة في آخر سطر و بعضها في أول آخر.

____________

(1)- «الإتقان» ج 4/ 182 عن أنس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و فيه: «مجوّدة» بدل «فجوّده». و في «تفسير كشف الأسرار» ج 1/ 8- 9؛ و «صبح الأعشى» ج 6/ 221: «من كتب بسم اللّه الرحمن الرحيم فحسّنه أحسن اللّه إليه».

(2)- «الإتقان» ج 4/ 182. و في «تفسير القرطبيّ» ج 1/ 91؛ «كنز العمّال» ج 10/ 311، الحديث 29558: «... انّ على بن أبي طالب رضي اللّه عنه نظر إلى رجل يكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم، فقال له: جوّدها؛ فإنّ رجلا جوّدها فغفر له».

(3)- «سنن الترمذي» ج 5/ 66، الحديث 2713؛ «أدب الإملاء و الاستملاء»/ 174؛ «محاضرات الأدباء» ج 1/ 103؛ «البيان و التبيين»/ 487؛ «كنز العمّال» ج 10/ 245، الحديث 29306؛ «صبح الأعشى» ج 6/ 271. و في «الكافي» ج 2/ 673، كتاب العشرة، باب بدون العنوان قبل الباب الآخر، الحديث 8؛ و «تحف العقول»/ 326: «عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، أنّه كان يترّب الكتاب و قال لا بأس به»؛ و في «بحار الأنوار» ج 103/ 41،- نقلا عن «الخصال»- عن رسول اللّه (صلوات اللّه عليه و آله): «ترّبوا الكتاب فإنّه أنجح للحاجة ...».

(4)- لاحظ «فتح الباقي» ج 2/ 126- 127؛ و انظر «مقدّمة ابن الصلاح»/ 306؛ «تدريب الراوي» ج 2/ 74؛ «شرح ألفيّة العراقي» ج 2/ 127؛ «صبح الأعشى» ج 3/ 148.

352

السابعة عشرة (1)

[17-] عليه مقابلة كتابه بأصل صحيح موثوق به‏

و أولاه ما كان مع مصنفه ثم ما كان مع غيره من أصل بخط المصنف ثم بأصل قوبل معه إذا كان عليه خطه ثم ما قوبل به مع غيره مما هو صحيح مجرب‏ (2) لأن الغرض المطلوب أن يكون كتابه مطابقا لأصل المصنف‏ (3). و بالجملة فمقابلة الكتاب الذي يرام النفع منه على أي وجه كان مما يفيد الصحة متعينة فينبغي مزيد الاهتمام بها. و قد قال بعض السلف‏ (4) لابنه كتبت قال نعم قال عرضت كتابك قال لا قال لم تكتب و عن الأخفش‏ (5) قال إذا نسخ الكتاب و لم يعارض ثم نسخ و لم يعارض خرج أعجميا (6). و قد سبقه إليه الخليل بن أحمد رحمه الله فقال إذا نسخ الكتاب ثلاث مرات و لم يعارض تحول بالفارسية (7) إلا أن الأخفش اقتصر على مرتين.

____________

(1)- راجع «تدريب الراوي» ج 2/ 77.

(2)- هكذا في نسخة «م»، «ز»، «ض»، «ح» و «ع» و لكن في «ه»، «ط» و «ن»: «مجرّد» بدل «مجرّب» و لعلّ الصواب «مجرّد» فيكون المراد مجرّدا عن خطّ المصنّف. فتأمّل.

(3)- في «مقدّمة ابن الصلاح»/ 311، جاء بعد هذه الجملة: «... فسواء حصل ذلك بواسطة أو بغير واسطة».

(4)- هو عروة بن الزبير، قال لابنه هشام كما في «المحدّث الفاصل»/ 544؛ «جامع بيان العلم و فضله» ج 1/ 93؛ «مقدّمة ابن الصلاح»/ 310؛ «تدريب الراوي» ج 2/ 77، «شرح ألفيّة العراقي» ج 2/ 134؛ «الكفاية في علم الرواية»/ 273.

(5)- اعلم أنّ المعروفين بالأخفش أحد عشر شخصا، و إذا أطلق الأخفش فالمراد به الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة- المتوفّى سنة 215 ه- كما في «الكنى و الألقاب» ج 2/ 16؛ و «هدية الأحباب»/ 111. فيكون قائل هذا الكلام الأخفش الأوسط. و نقل عن الأخفش هذا الكلام عبد اللّه بن محمّد بن هانئ، كما في «الكفاية في علم الرواية»/ 273. و يظهر من فهارس «مقدّمة ابن الصلاح»/ 683، أنّ قائل هذا الكلام هو الأخفش المحدّث أحمد بن عمران البصري النحوي المتوفّى قبل سنة 250 ه؛ و لعلّه بعيد عن الصواب. و على أيّ حال انظر ترجمة الأخفش الأوسط و مصادر ترجمته في «الأعلام» ج 3/ 101- 102؛ و «وفيات الأعيان» ج 2/ 380- 381؛ و «معجم المؤلّفين» ج 4/ 231- 232. و انظر ترجمة الأخفش المحدّث، أحمد بن عمران البصري و مصادر ترجمته في «الأعلام» ج 1/ 189.

(6)- «مقدّمة ابن الصلاح»/ 310؛ «تدريب الراوي» ج 2/ 77؛ «شرح ألفية العراقي» ج 2/ 134؛ «الكفاية في علم الرواية»/ 273.

(7)- «تنبيه الخواطر» ج 1/ 84.

353

الثامنة عشرة

[18-] إذا صحح الكتاب بالمقابلة فينبغي أن يضبط مواضع الحاجة

فيعجم المعجم و يشكل المشكل و يضبط المشتبه و يتفقد مواضع التصحيف أما ما يفهم بلا نقط و شكل فلا ينبغي الاعتناء بنقطه و شكله لأنه اشتغال بما غيره أولى منه و تعب بلا فائدة و ربما يحصل للكتاب به إظلام و لكن ينتفع به المبتدئ و كثير من الناس‏ (1).

وَ رَوَى جَمِيلُ بْنُ دَرَّاجٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع)

أَعْرِبُوا حَدِيثَنَا فَإِنَّا قَوْمٌ فُصَحَاءُ

(2)

. و من مهمات الضبط ما يقع بسببه اختلاف المعنى كحديث‏

ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ‏

(3)

. و كذلك ضبط الملتبس من الأسماء إذ هي سماعية و إن احتاج إلى ضبطه في الحاشية قبالته فعل لأنه أبعد من الالتباس سيما عند

____________

(1)- لاحظ «فتح الباقي» ج 2/ 119- 120.

(2)- «الكافي» ج 1/ 52، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب و الحديث و فضل الكتابة و التمسّك بالكتب، الحديث 13. قال العلامة الحاجّ الميرزا أبو الحسن الشعراني (رحمه اللّه) في تعاليقه على «شرح الكافي» للمولى محمّد صالح المازندراني (رحمه اللّه)، في ذيل هذا الحديث: «... الأظهر أنّ المراد من الإعراب معناه اللغوي، و هو الإفصاح و البيان، فمعنى الحديث: إنّا قوم فصحاء لا نتكلّم بألفاظ مشتبهة و عبارات قاصرة الدلالة، فإذا نقلتم حديثنا لا تغيّروا ألفاظها و عباراتها بألفاظ مبهمة يختلّ بها فهم المعنى و يشتبه المقصود، كما يتفق كثيرا في النقل بالمعنى» ( «شرح الكافي» ج 2/ 270- 271).

(3)- «الجامع الصغير» ج 2/ 19، حرف الذال؛ «الكافي» ج 6/ 234- 235، كتاب الذبائح، باب الأجنّة التي تخرج من بطون الذبائح، الحديث 1 و 4؛ «كتاب من لا يحضره الفقيه» ج 3/ 209، الحديث 965 و 966؛ «مجمع الزوائد» ج 4/ 35؛ «سنن الدارقطني» ج 4/ 274- 275. قال الشهيد الثاني في «شرح اللمعة» ج 7/ 248- 252، كتاب الذباحة: «... هذا لفظ الحديث النبويّ (ص)، و عن أهل البيت (عليهم السلام) مثله، و الصحيح رواية و فتوى أنّ ذكاة الثانية مرفوعة خبرا عن الأولى، فتنحصر ذكاته في ذكاتها، لوجوب انحصار المبتدأ في خبره، فإنّه إمّا مساو أو أعمّ و كلاهما يقتضي الحصر، و المراد بالذكاة هنا السبب المحلّل للحيوان كذكاة السمك و الجراد ... و ربّما أعربها بعضهم بالنصب على المصدر، أي ذكاته كذكاة أمّه، فحذف الجارّ و نصب مفعولا، و حينئذ فتجب تذكيته كتذكيتها، و فيه مع التعسف مخالفة لرواية الرفع دون العكس، لإمكان كون الجارّ المحذوف «في»، أي داخلة في ذكاة أمّه، جمعا بين الروايتين، مع أنّه الموافق لرواية أهل البيت (عليهم السلام)، و هم أدرى بما في البيت، و هو في أخبارهم كثير صريح فيه ...».

354

دقة الخط و ضيق الأسطر و إذا أوضحه في الحاشية كتب عليه فيها بيان أو حرف ن. و قد جرت العادة في ضبط الأحرف بضبط الحروف المعجمة بالنقط و أما المهملة فلهم في ضبطها طرق منها أن لا يتعرض لها و يجعل الإهمال علامة عليها و لم يرتضه جماعة فقد يغفل المعجم سهوا و نحوه فيشتبه بالمهمل. و منها (1) أن ينقطها من أسفل بنحو نقط نظيرها المعجم من أعلى فينقط الراء و الدال مثلا من أسفل نقطة و السين من أسفل ثلاثا و هكذا و استثني منها الحاء فلا ينقط من أسفل لئلا يتلبس بالجيم. و منها أن يكتب مثل ذلك الحرف منفردا و الأولى أن يكون تحته و أن يكون أصغر مما في الأصل. و منها أن يكتب على المهمل شكلة صغيرة كالهلال أو كالقلامة (2) مضطجعة على قفاها هكذا. و منها أن يخط عليها خطا صغيرا و هو موجود في كثير من الكتب القديمة و لا يفطن له كثير لخفائه و من الضبط أن يكتب في باطن الكاف المعلقة (3) كاف‏

____________

(1)- لاحظ «فتح الباقي» ج 2/ 123- 124؛ و راجع «تدريب الراوي» ج 2/ 71؛ «مقدّمة ابن الصلاح»/ 305.

(2)- «القلامة، بالضمّ: هي المقلومة من طرف الظفر» ( «المصباح المنير»/ 623، «قلم»). اعلم أنّه قال في «شرح ألفية العراقي» ج 2/ 123: «... الثالثة أن يجعل فوق الحرف المهمل صورة هلال كقلامة الظفر، مضجعة على قفاها»؛ و في «فتح الباقي» ج 2/ 123: «... أو يكتب فوقه قلامة أي صورة هلال كقلامة الظفر مضجعة على قفاها لتكون فرجتها إلى فوق».

(3)- في «تدريب الراوي» ج 2/ 72: «... فالكاف إذا لم تكتب مبسوطة، تكتب في بطنها كاف صغيرة أو همزة.»؛ و في «صبح الأعشى» ج 3/ 155: «... و إن كانت معراة رسم عليها كاف صغيرة مبسوطة لأنّها ربما التبست باللام» و فيه أيضا ج 3/ 80، 81: «و أمّا المعراة فلا تكون إلّا طرفا أخيرا و هذه الكاف لا تجمع أبدا؛ فإنّ مواضعها أواخر السطور ... و أمّا المشكولة فلا تكون إلّا مركّبة و موضعها الابتداءات و الوسط، و لا تنفرد البتة ... فأمّا المبسوطة فتكون مفردة و مركبة، و إفرادها قليل، و المركبة موضعها الابتداءات و الوسط، و لا تكون طرفا أخيرا بحال ... و إنّما سمّيت مشكولة للجرة التي عليها». و على هذا، فالكاف المعلقة هي التي لم تكن مشكولة و لا مبسوطة و كانت طرفا أخيرا أو مفردة، و هي الشبيهة باللام.

355

صغيرة أو همزة و في باطن اللام لام صغيرة (1).

التاسعة عشرة (2)

[19-] ينبغي أن يكتب على ما صححه و ضبطه في الكتاب‏

و هو في محل شك عند مطالعته أو تطرق احتمال صحة [صح‏] صغيرة و يكتب فوق ما وقع في التصنيف أو في النسخ و هو خطأ كذا صغيرة و يكتب في الحاشية صوابه كذا إن كان يتحققه أو لعله كذا إن غلب على ظنه أنه كذلك أو يكتب على ما أشكل عليه و لم يظهر له وجهه ص و هي صورة رأس صاد مهملة مختصرة من صح قال بعضهم‏ (3) و يجوز أن تكون معجمة مختصرة من ضبة و تكتب فوق الكتابة غير متصلة بها لئلا يظن ضربا أو غيره فإذا تحققه هو أو غيره بعد ذلك و كان المنقول صوابا زاد تلك الصاد حاء فيصير صح قيل‏ (4) و أشاروا إلى أن الضبة نصف صح و أن الصحة لم تكمل فيما هي فوقه مع صحة روايته و مقابلته مثلا و إلى تنبيه الناظر فيه على أنه منقب في‏

____________

(1)- في «تدريب الراوي» ج 2/ 72: «و اللام يكتب في بطنها لام، أي هذه الكلمة بحروفها الثلاثة لا صورة ل، هكذا: ل‏لام».

(2)- لاحظ «تذكرة السامع»/ 182.

(3)- هو زكريا بن محمّد الأنصاري الأزهري الشافعي، قاله في «فتح الباقي» ج 2/ 143.

(4)- القائل زكريا بن محمّد الأنصاري في كتابه «فتح الباقي» ج 2/ 144. و قوله: «إنّ الضبة نصف صحّ» ليس المراد به أنّ الضبّة نصف كلمة «صحّ» كما هو ظاهره؛ بل المراد أنّ هذه العلامة-: «ص»- التي تسمّى بالتضبيب و الضبة تشعر بأنّ الكلام الذي هي فوقها صحّ وروده كذلك، غير أنّه فاسد لفظا أو معنى، أو ضعيف أو ناقص. قال ياقوت الحموي في «معجم الأدباء» ج 2/ 5- 6، في ترجمة إبراهيم بن محمّد بن زكريّا:

«حكي عنه أنّه قال: كان شيوخنا من أهل الأدب يتعالمون أنّ الحرف إذا كتب عليه صحّ- بصاد و حاء- كان ذلك علامة لصحّة الحرف؛ لئلا يتوهّم متوهّم عليه خللا أو نقصا، فوضع حرف كامل على حرف صحيح، و إذا كان عليه صاد ممدودة دون حاء، كان علامة أنّ الحرف سقيم، إذ وضع عليه حرف غير تامّ، ليدلّ نقص الحرف على اختلال الحرف، و يسمّى ذلك الحرف أيضا ضبّة، أي أنّ الحرف مقفل بها، لم يتّجه لقراءة كما أنّ الضّبّة مقفل بها. قال المؤلّف: و هذا كلام على طلاوة من غير فائدة تامّة، و إنّما قصدوا بكتبهم على الحرف «صحّ» أنّه كان شاكّا في صحّة اللفظة، فلمّا صحّت له بالبحث خشي أن يعاوده الشك، فكتب عليها «صحّ» ليزول شكّه فيما بعد، و يعلم هو أنّه لم يكتب عليها صحّ إلّا و قد انقضى اجتهاده في تصحيحها. و أمّا الضّبّة التي صورتها «ص» فإنّما هو نصف صحّ، كتبه على شي‏ء فيه شكّ ليبحث عنه فيما يستأنفه، فإذا صحّت له أتمّها بحاء، فتصير صحّ، و لو علّم عليها بغير هذه العلامة لتكلّف الكشط و إعادة صحّ مكانها».

356

نقله غير غافل فلا يظن أنه غلط فيصلحه و قد يتجاسر بعضهم فيغير ما الصواب إبقاؤه و استُعِير لتلك الصورة اسم الضبة لشبهها بضَبَّة الإناء التي يصلح بها خلله بجامع أن كلا منهما جعل على ما فيه خلل أو بضبة الباب لكون المحل مقفلا بها لا يتجه قراءته كما أن الضبة يقفل بها (1).

العشرون‏ (2)

[20-] إذا وقع في الكتاب زيادة أو كتب فيه شي‏ء على غير وجهه [...]

تخير فيه بين ثلاثة أمور الأول الكشط و هو سَلْخُ الورق بِسِكِّينٍ و نحوها و يعبر عنه بالبشر بالباء الموحدة و بالحك و سيأتي‏ (3) أن غيره أولى منه و هو أولى في إزالة نقطة أو شكلة أو نحو ذلك. الثاني المحو و هو الإزالة بغير سلخ إن أمكن بأن تكون الكتابة في ورق صقيل جدا في حال طراوة المكتوب و أمن نفوذ الحبر و هو أولى من الكشط لأنه أقرب زمنا و أسلم من فساد المحل غالبا و من الحيل الجيدة عليه لعقه رطبا بخفة و لطافة و من هنا قال بعض السلف من المروءة أن يرى في ثوب الرجل و شفتيه مداد (4). و الثالث الضرب عليه و هو أجود من الكشط و المحو لا سيما في كتب الحديث لأن كلا منهما يضعف الكتاب و يحرك تهمة (5) و ربما أفسد الورق. و عن بعض المشايخ أنه كان يقول كان الشيوخ يكرهون حضور السكين مجلس السماع حتى لا يبشر شي‏ء (6) و لأنه ربما يصح في رواية أخرى و قد يسمع الكتاب مرة أخرى على شيخ آخر يكون ما بشر صحيحا في روايته فيحتاج إلى‏

____________

(1)- لاحظ «فتح الباقي» ج 2/ 143- 144، و انظر للمزيد «مقدّمة ابن الصلاح»/ 316؛ و «تدريب الراوي» ج 2/ 83.

(2)- لاحظ «فتح الباقي» ج 2/ 146- 151.

(3)- يأتي بعد عدّة سطور.

(4)- قاله إبراهيم النخعيّ كما في «مقدّمة ابن الصلاح»/ 319.

(5)- في «المحدّث الفاصل»/ 606؛ و «مقدّمة ابن الصلاح»/ 319: «قال: أصحابنا: الحكّ تهمة».

(6)- «فتح الباقي» ج 2/ 147؛ «مقدّمة ابن الصلاح»/ 317.