نهاية الأفكار في مباحث الألفاظ / تقريرات - ج4

- الشيخ محمد تقي البروجردي المزيد...
214 /
101

الأمارات اما من المجعول الادعائي أعني تتميم الكشف على فرض كفايته في تنجيز الواقع، أو مما يستتبعه من الحكم الطريقي كما هو المختار، هذا في الحجية بمعنى المعذرية و المنجزية.

و اما الحجية بمعنى الوسطية للإثبات‏

فهي و ان كانت مجعولة في الأمارات بنفس تكفل دليلها لتتميم كشفها و تطبيق عنوان العلم و الإحراز عليها، فتقوم بذلك مقام العلم الطريقي بل الموضوعي إذا كان أخذه في موضوع الحكم على الوجه الطريقي لا الصفتي، و تصح أيضاً حكومتها على أدلة الأصول المأخوذ فيها المعرفة غاية للحكم الظاهري (و لكن) الجعل فيها انما هو بمعنى الادعاء لا الجعل الحقيقي، لما ذكرنا غير مرة من ان تمامية الكشف ليست من الحقائق الجعلية التي تشريعها عين تكوين حقيقتها، و انما هي نظير الموت و الحياة و الفسق و العدالة من الأمور الواقعية غير القابلة للتحقق بالجعل و التشريع (فمرجع) الجعل فيها إلى نحو عناية و ادعاء مستتبع لتطبيق عنوان العلم و الإحراز عليها، نظير سائر الأمور الادعائية، و لذا لا بد في صحة هذا الادعاء و التنزيل من أثر شرعي مصحح له و لو في طرف المنزل كسائر التنزيلات الشرعية.

(و منها) الملكية و الزوجية و نحوهما من منشئات العقود و الإيقاعات‏

(و لا شبهة) في ان هذه العناوين بحقائقها من الاعتباريات القصدية التي تكون حقيقتها بجعل من ينفذ جعله و اعتباره بحيث بعد تمامية جعلها يكون لها نحو تقرر في الواقع و كان الاعتبار الذهني طريقاً إليها على نحو يلتفت إليها تارة و يغفل عنها أخرى، نظير العلاقة و الاختصاص الحاصل بين اللفظ و المعنى، و الملازمات الذاتيّة بين الأشياء المحفوظة في عالم تقررها (لا انها) من الاعتباريات الصرفة المتقومة بالاعتبار و المنقطعة بانقطاعه التي لا تكون لها واقعية حتى بعد إنشاء النّفس إياها، كأنياب الأغوال و الوجودات الادعائية التنزيلية (فان) كونها أموراً اعتبارية انما هو بمعنى ان الجعل منشأ لإحداثها في قبال الإضافات المقولية و النسب الخارجية الموجبة لنحو وجود هيئة عينية في الخارج لطرفيها كالفوقية و التحتية و نحوهما، لا بمعنى كونها

102

بذاتها متقومة بالاعتبار، كالوجودات الادعائية التنزيلية، و إلّا لزم كونها تابعة لاعتبار معتبرها حدوثاً و بقاء، فيلزم انقطاعها بانقطاع الاعتبار، بل و بانعدام شخص المعتبر لها، لقيام اعتباره بشخصه، إلّا بفرض اعتبار معتبر آخر لها كالمعتبر الأول.

(مع) ان الوجدان قاض بخلافه، إذ لا شبهة في بقاء هذه الأمور بعد جعلها بأسبابها في الوعاء المناسب لها و كونها مما له نحو تقرر في الواقع بحيث كان اللحاظ طريقا إليها حتى من شخص المعتبر لها، لا انه مقوم ذاتها كالاعتبارات الصرفة (ففي الحقيقة) تكون هذه الأمور وسطاً بين الوجودات الادعائية، و بين الإضافات المقولية و النسب الخارجية (فمن حيث) عدم إحداثها لتغيير هيئة خارجية لطرفيها من المالك و المملوك و الزوج و الزوجة، تشبه الاعتباريات الصرفة (و من حيث) ان لها واقعية بنحو كان اللحاظ طريقاً إليها بعد جعلها، تشبه الإضافات المقولية (و عليه) فلا مجال لجعل مثل الملكية و الزوجية و أضرابهما من منشئات العقود و الإيقاعات من سنخ الوجودات الادعائية بمحض عدم كونها من الاعتبارات الذهنية، و لا من الإضافات المقولية و النسب الخارجية (بدعوى) ان لمفهوم الملكية و أضرابها نحو ان من من الوجود، وجود حقيقي و وجود ادعائي هو من منشئات العقود و الإيقاعات (كما) ان مجرد اختلاف العرف و الشرع، بل و اختلاف أهل العرف في اعتبار الملكية في الموارد الخاصة لا يقتضى نفي واقعيتها (إذ مرجع) اختلافهم انما هو إلى تخطئة العرف بعضهم بعضا فيما يرونه منشأ لاعتبار الملكية، بلحاظ ان ما يكون منشأ لصحة الجعل عند بعضهم ليس بمنشإ عند بعض آخر (و كذلك) في اختلاف العرف و الشرع (و إلّا) فعلى فرض التوافق على منشئية المنشأ لصحة الجعل لا اختلاف العرف و الشرع (و إلّا) فعلى فرض التوافق على منشئية المنشأ لصحة الجعل لا اختلاف بينهم في اعتبار الملكية عند تحقق المنشأ (و حينئذ) فلا ينبغي الإشكال في مجعولية هذه الأمور و تقررها النّفس الأمري في الوعاء المناسب لها عند حصول أسبابها على وجه تكون بحقائقها محفوظة قبل التكليف (لا انها) انتزاعية من التكليف الشرعي كما يظهر من الشيخ (قدس سره) (إذ ذلك) مضافا إلى كونه خلاف الوجدان و عدم تماميته في نحو ما دل على سببية الحيازة للملكية بمثل قوله من حاز ملك الا بإتعاب النّفس لإثبات حكم تكليفي‏

103

ينتزع عنه الملكية، يلزمه عدم إمضاء الشارع مضامين العقود على طبق ما يقصده المتعاقدان (فلا بد) اما من جعل الأدلة كاشفة عن ارتباط خاص واقعي غير ما يقصده المتعاقدان بإنشائهما، أو حاكية عن إضافة خاصة ناشئة من التكليف الخاصّ المتوجه بالنسبة إلى المبيع أو الزوجة كإباحة التصرفات في المبيع للمشتري و بعوضه للبائع، و إباحة الاستمتاعات للزوج عند تحقق الإنشاء من المتعاقدين (و هما) كما ترى غير مرتبطين بما يقصده المتعاقدان في أبواب المعاملات من التوصل بإنشائهما إلى تحقق هذه الأمور (مع ان) ما أفاده (قدس سره) ينافي ظواهر الأدلة المأخوذ فيها تلك الإضافات موضوعا للتكليف، من نحو ما دل على حرمة التصرف في مال الغير بدون اذنه و رضاه، و سلطنة الناس على أموالهم (إذ بعد) ان يكون الموضوع للسلطنة و الحرمة في نحو هذه الأدلة هو المال المضاف إلى الشخص أو الغير، نقول: ان نشوء هذه الإضافة و الاختصاص، اما ان يكون من نفس ذلك التكليف المتعلق بالموضوع المزبور، و اما ان يكون نشوها من تكليف آخر في الرتبة السابقة عن الإضافة المزبورة، و اما ان يكون نشوها من صرف جعلها قبل تعلق التكليف بها (و الأولان) لا سبيل إليهما، لكون الأول منهما مستحيل ذاتاً، و استلزام الثاني لاجتماع المثلين، أحدهما محقق الإضافة المزبورة في المرتبة السابقة و الآخر مترتب عليها في المرتبة اللاحقة فيتعين الثالث و هو المطلوب خصوصاً في نحو قوله من حاز ملك الّذي لا يكون في مورده حكم قابل لأن ينتزع منه الملكية (فتلخص) انه لا وجه لإنكار الجعلية في مثل الملكية و نحوها من مضامين العقود و الإيقاعات و إتعاب النّفس فيها بنحو من التكلفات للالتزام بانتزاعيتها من التكليف (خصوصا) بعد تداول تلك الاعتبارات بين العرف و العقلاء من ذوي الأديان و غيرهم ممن لا يلتزم بشرع و لا شريعة، و كونها لديهم من الاعتبارات المتأصلة بالجعل و المتحققة بصرف جعلها بقول أو فعل، نظير سائر اعتباراتهم الجعلية من التعظيم و التوهين و أمثالهما (فالتحقيق) في نحو هذه الاعتبارات العرفية ما ذكرناه من كونها أموراً مجعولة بالاستقلال، قد أمضاها الشارع.

(و اما القضاوة و الولاية)

فهما أيضا من الاعتبارات المتأصلة بالجعل كالملكية و نحوها و ليستا منتزعتين من التكليف و لا كانتا من الأمور الواقعية، و قياسهما يمثل‏

104

النبوة و الإمامة الثابتة لبعض الأشخاص لأجل ما لهم من خصوصية كمال النّفس كما ترى (بداهة) وضوح الفرق بين مثل النبوة و الإمامة الناشئة من أقصى مرتبة كمال النّفس، و بين الولاية و القضاوة الجعلية.

(و كذلك الوكالة و النيابة)

فهما أيضا من الاعتبارات العرفية الجعلية التي يقصد التوصل إليها بإنشائها المخصوص (فان) مرجعهما إلى جعل نحو ولاية للغير على مال أو نفس (على إشكال) في الأخير لإمكان دعوى خروج النيابة من الأحكام الوضعيّة و كونها من سنخ الحقائق الادعائية و الوجودات التنزيلية بلحاظ رجوع حقيقتها إلى تنزيل النائب نفسه منزلة المنوب عنه بادعاء كونه هو هو بالنسبة إلى ما يصدر منه من الأمور الراجعة إلى المنوب عنه، لا إلى جعل الولاية للغير بما هو غير و تفويض الأمر إليه (بخلاف) الوكالة فان مرجعها إلى جعل الولاية للغير بما هو غير و تفويض الأمر إليه (بخلاف) الوكالة فان مرجعها إلى جعل الغير بما هو غير وليا و سلطاناً على التصرف في مال الموكل أو نفسه، و من هنا لا يحتاج الوكيل في إيقاع العمل الموكل فيه إلى قصد وقوعه عن موكله بل هو بعد تحقق وكالته يستقل في إيقاع العمل الموكل فيه عقدا كان أو إيقاعا فيتصرف بما هو هو في مال موكله أو في نفسه بإجارة أو تزويج و نحو ذلك (و بالجملة) فرق واضح بين جعل الغير بما هو غير ولياً و سلطاناً على العمل الموكل فيه، و بين جعله عناية منزلة المنوب عنه بادعاء كونه هو هو فيما يصدر منه من الأعمال كما في باب النيابة (و من المعلوم) عدم ارتباط مثله بالاحكام الوضعيّة و الاعتبارات الجعلية (إذ مرجع) الجعل فيها انما هو إلى تكوين حقيقتها المصطلحة عند الحكيم بالجعل، بخلاف الأمور الادعائية، فان الجعل فيها راجع إلى تكوين حقيقتها الادعائية المصطلحة في المعاني و البيان (نعم) نفس الادعاء و التنزيل فيها يكون متحققاً بالجعل و الإنشاء بمثل قوله جعلتك نائباً، و لكن مجرد ذلك لا يوجب كونها من الأحكام الوضعيّة، و إلّا لاقتضى عدم حصرها، لأن باب الادعاء و التنزيل واسع، فيلزم ان يكون جميع التنزيلات الشرعية من الأحكام الوضعيّة و هو كما ترى (هذا تمام الكلام في الأحكام الوضعيّة.

105

(و ينبغي التنبيه على أمور)

(التنبيه الأول)

قد تقدم سابقاً انه يعتبر في الاستصحاب اليقين بثبوت المستصحب سابقاً و الشك في بقائه لا حقاً (اما الأخير) فاعتباره ظاهر لكونه مما به قوام حقيقته (و في اعتبار) خصوص الشك الفعلي أو كفاية الشك التقديري، كلام قد تقدم تحقيق القول فيه و فيما تترتب عليه من الثمرة و قد ذكرنا ان المختار هو اعتبار خصوص الشك الفعلي فلا موجب لإعادته (و اما الأول) و هو اليقين السابق، فاعتباره أيضاً في صحة جريانه مما لا إشكال فيه خصوصاً على مبنى أخذه من الاخبار كما هو المختار (و انما الكلام) في ان اعتباره من جهة كونه مما به قوام حقيقة الاستصحاب، أو من جهة كونه مما به قوام تطبيقه على المورد لا قوام حقيقته (و لقد) تقدم تحقيق القول فيه أيضا، و انه على المختار من أخذ اليقين في لا تنقض على نحو العنوانية و لو بما هو طريق، لا بما هو صفة خاصة يكون مما به قوام حقيقة الاستصحاب كالشك اللاحق زائدا عن دخله في مقام تطبيقه على المورد فلا نطيل الكلام بإعادته.

(التنبيه الثاني)

لا فرق في صحة الاستصحاب بين ان يكون المستصحب محرزاً باليقين الوجداني أو بغيره من الطرق و الأمارات بل الأصول المحرزة أيضاً كالاستصحاب (اما) على المختار في مفاد أدلة حجية الأمارات من كونه ناظراً إلى تتميم الكشف و إثبات الإحراز فظاهر، حيث انها بتكفلها لتتميم الكشف بعناية التنزيل يوسع دائرة اليقين المنقوض و الناقض في الاستصحاب بما يعم الوجداني و التعبدي و بذلك يكون المستصحب عند قيام الأمارة أو الطريق عليه محرزاً باليقين التعبدي، فمع الشك في بقائه في الزمان المتأخر يجري فيه الاستصحاب لا محالة لتمامية أركانه من الإحراز السابق و الشك اللاحق، قلنا ان اليقين في لا تنقض ملحوظ على نحو العنوانية كما هو المختار أو على وجه المرآتية للمتيقن.

106

(كما انه) بقيام الأمارة على ارتفاع المستصحب في الزمان المتأخر تتحقق الغاية و اليقين الناقض من غير احتياج إلى جعل اليقين في لا تنقض عبارة عن مطلق الإحراز كما أفيد، لما عرفت من ان المطلوب يتم و لو بجعل اليقين في دليله عبارة عن اليقين الوجداني (و إلّا لاقتضى) المصير إلى تقديم الأمارة على الاستصحاب بمناط الورود، و هو مما لا يلتزم به القائل المزبور، لأن بنائه انما هو على تقديمها عليه بمناط الحكومة، فحفظ هذه الجهة لا يكون إلّا بإبقاء اليقين في لا تنقض ناقضا و منقوضاً على ظاهره من اليقين الوجداني مع البناء على اقتضاء الأمارة بمعونة دليل اعتبارها لليقين بثبوت مؤداها (فانه) بذلك تتم حكومة الأمارات على الاستصحاب و يرتفع الإشكال أيضا عن جريان الاستصحاب في مؤدياتها (هذا) على المختار في مفاد أدلة الأمارات من كونه ناظراً بعناية التنزيل إلى تتميم الكشف و إثبات الإحراز.

(و اما) بناء على استفادة كونه ناظراً إلى تنزيل المؤدى و الأمر بالمعاملة معه معاملة الواقع، بلا نظر منه إلى تتميم كشف الأمارة و إثبات إحراز الواقع بها (فان) قلنا ان النقض في لا تنقض اليقين متعلق بالمتيقن واقعا و ان اليقين فيه ملحوظ عبرة و مرآتاً للمتيقن (فيمكن ان يقال): انه بقيام الأمارة على الحالة السابقة يجري الاستصحاب، لأن مقتضى الأمارة السابقة بمعونة دليل اعتبارها وجوب ترتيب آثار الواقع على المؤدى، و من جملتها حرمة نقض اليقين به بالشك فيه اللهم إلّا ان يقال: ان تعلق حرمة النقض بعد ان كان بغير هذه الحرمة من سائر آثار وجود الشي‏ء فلا جرم مع الشك في وجوده يشك في هذه الحرمة أيضا فلا يصح تطبيق الاستصحاب على المورد، و عليه فلا يكون المحرك الفعلي على حرمة نقض آثار المتيقن الا الأمارة لا نفس حرمة النقض فتدبر (نعم) على ذلك يشكل الأمر في تقديم الأمارة اللاحقة على الاستصحاب بمناط الحكومة كما أشرنا إليه غير مرة (و ان قلنا) ان حرمة النقض متعلق بنفس اليقين و ان اليقين ملحوظ فيه مستقلا على نحو العنوانية و لو على الوجه الطريقي لا الصفتي، فيشكل الاكتفاء بالأمارة السابقة في صحة الاستصحاب، نظراً إلى انتفاء الكاشف و عدم تحققه لا وجدانا و لا تعبداً (و أشكل) منه، ما إذا قلنا في دليل الأمارة بكونه ناظراً إلى مجرد جعل الحجية المستتبعة لتنجيز

107

الواقع عقلا على تقدير ثبوته بلا نظر إلى تنزيل المؤدى و التعبد بكونه هو الواقع، و لا إلى إثبات العلم بالواقع كما هو مختار الكفاية، فانه على المسلكين في مفاد حرمة النقض لا مجال للاستصحاب في مؤديات الأمارات (اما) على مسلك رجوع التنزيل فيه إلى المتيقن فظاهر، للشك الوجداني حينئذ في كون المؤدى هو الواقع، و عدم تكفل دليل الأمارة حسب الفرض لتنزيل المؤدى منزلة الواقع و لا لإثبات العلم به، و مع الشك المزبور يشك لا محالة في توجيه التكليف بحرمة النقض إلى المكلف (و مجرد) استتباع جعل الحجية تنجيزاً للواقع المحتمل على فرض ثبوته لا يقتضى إثبات ان المؤدى هو الواقع و لا ترتيب آثار الواقع عليه الا من باب الاحتياط، نظير ما إذا وجب الاحتياط على المكلف عند احتمال مطابقة الأمارة للواقع (و من الواضح) ان مثل هذا الحكم الاحتياطي أجنبي عن الحكم الاستصحابي الّذي هو من آثار الواقع، لأنه حكم في ظرف الشك في وجوب ترتيب آثار الواقع و في مرتبة متأخرة عنه (نعم) على تقدير مطابقة الأمارة للواقع يكون التكليف الاستصحابي أعني حرمة النقض منجزا عليه بمقتضى جعل الحجية (و لكن) الشك في مطابقة الأمارة بعد ان كان شكاً في ثبوت موضوع حرمة النقض فلا مجال لتطبيق حرمة النقض على المورد (هذا) على تقدير تعلق حرمة النقض بنفس المتيقن واقعا (و اما) على تقدير تعلقه بنفس اليقين فالإشكال أوضح، إذ حينئذ يقطع بعدم توجيه التكليف بحرمة النقض إليه في الواقع و نفس الأمر، لانتفاء موضوعه الّذي هو اليقين و عدم تحققه لا بالوجدان و لا بالتعبد.

لا يقال: انه كذلك إذا كان اليقين في لا تنقض ملحوظاً من حيث الكاشفية عن الواقع (و اما) لو كان مأخوذاً من حيث المنجزية و القاطعية للعذر فلا محذور في الاستصحاب، لأن مفاد كبرى المزبورة حينئذ هو ان ما قام عليه المنجز يحرم نقضه بالشك، و دليل الأمارة حسب اقتضائه لجعل الحجية موجب لقيام الأمارة مقام العلم من حيث منجزيته فيرتفع بذلك الإشكال المزبور (فانه يقال):

ان موضوع حرمة النقض انما هو التكليف الّذي قام عليه المنجز، فمع الشك الوجداني‏

108

في مطابقة الأمارة للواقع يشك لا محالة في ثبوت موضوع الحرمة (و بعد) عدم تكفل دليل الأمارة لإثبات العلم بالواقع، و لا لإثبات ان المؤدى هو الواقع، لا مجال لتطبيق حرمة النقض على المورد (فلا يفرق) حينئذ في المنع عن جريان الاستصحاب على هذا المسلك بين ان يكون اليقين في لا تنقض ملحوظا على نحو المرآتية للمتعلق، أو العنوانية (و لا في الثاني) بين ان يكون ملحوظا من حيث كاشفيته و طريقيته للواقع، أو من حيث منجزيته له، فعلى جميع هذه الفروض لا يصح تطبيق حرمة النقض على المورد (اما) للقطع بانتفاء موضوع الحرمة، أو للشك في ثبوته و تحققه واقعاً (فما عن بعض الأعاظم قده) حينئذ من صحة الاستصحاب في فرض كون اليقين في لا تنقض ملحوظاً من حيث منجزيته و لو مع عدم تكفل دليل الأمارة لتتميم الكشف منظور فيه (و هكذا) الكلام فيما لو كان دليل الأمارة بلسان مجرد إيجاب العمل على طبق المؤدى بلا تكفله لإثبات كونه هو الواقع و لا لإثبات العلم به، فانه على جميع المسالك في مدلول حرمة النقض لا مجال لتطبيق الاستصحاب في موارد الأمارات.

(و بما ذكرنا) ظهر ان ما أفاده المحقق الخراسانيّ قده من الإشكال في صحة الاستصحاب في المقام‏

على مسلكه في باب الطرق و الأمارات من ان المجعول فيها هي الحجية في غاية المتانة، و انه لا يمكن الذب عنها إلّا بما أفاده من كفاية الشك في البقاء على تقدير الثبوت في صحة الاستصحاب و جريانه بلا احتياج إلى إحراز ثبوت المستصحب واقعاً (لأن) شأن الاستصحاب انما هو مجرد إثبات البقاء التعبدي للشي‏ء على تقدير ثبوته الراجع إلى جعل الملازمة الظاهرية بين ثبوت الشي‏ء و بقائه (و لكن) الإشكال كله في أصل هذا المبني (فان التحقيق) في مفاد أدلة الطرق و الأمارات ما أشرنا إليه غير مرة من كونه بنحو تتميم الكشف و إثبات الإحراز التعبدي للواقع، لا بنحو تنزيل المؤدي، و لا جعل الحجية، و عليه فلا قصور في استصحاب الأحكام التي قامت الأمارات على ثبوتها قلنا ان اليقين في لا تنقض اليقين ملحوظ على نحو العنوانية، أو المرآتية (لأن) دليل الأمارة بعناية تكفله لإثبات العلم و الإحراز

109

يوسع دائرة اليقين الناقض و المنقوض في الاستصحاب و بذلك يجري الاستصحاب في مؤديات الأمارات لكونها محرزة حينئذ بالإحراز التعبدي، كما انه به يتم حكومتها عليه عند قيامها على بقاء الحالة السابقة أو ارتفاعها، بلا احتياج إلى جعل اليقين في لا تنقض كناية عن مطلق الإحراز كي يلزم تقدم الأمارة عليه بمناط الورود لا الحكومة، و لا إلى دعوى كفاية الشك في البقاء على تقدير الثبوت في صحة الاستصحاب.

ثم ان بعض الأعاظم قده أورد على المحقق الخراسانيّ قده على ما في التقرير تارة على كلامه بان المجعول في الطرق و الأمارات انما هو الحجية المستتبعة لتنجيز الواقع لا الإحراز و الوسطية، بما حاصله امتناع جعل التنجيز و المعذرية (بتقريب) ان التنجيز انما تدور مدار وصول التكليف إلى المكلف و لو بطريقه فالتكليف ان كان و أصلا إلى المكلف و لو بطريقه لا يمكن ان لا يكون منجزاً، و ان لم يكن و أصلا إليه بنفسه أو بطريقه لا يمكن ان يكون منجزاً، بل المكلف كان معذوراً لا محالة، فالتنجيز و المعذورية مما لا تناله يد الجعل الشرعي لكونهما من اللوازم العقلية المترتبة على وصول التكليف و عدمه (و أخرى) على ما أفاده في دفع الإشكال عن جريان الاستصحاب في مؤديات الطرق و الأمارات من كفاية الشك في البقاء على تقدير الحدوث في صحة الاستصحاب (بان ذلك) لا يحسم مادة الإشكال، لأن حقيقة الاستصحاب و ان كان هو التعبد بالبقاء إلّا ان التعبد انما هو ببقاء ما ثبت عند الشك فيه و لا معنى للتعبد بالبقاء على تقدير الحدوث، لأن الملازمة كالسببية مما لا تناله يد الجعل الشرعي (فان) الّذي يقبل الجعل هو التعبد بوجود الشي‏ء على تقدير آخر فينتزع من ذلك السببية و الملازمة، فصحة الاستصحاب يتوقف على إحراز الحدوث ليصح التعبد ببقاء الحادث عند الشك في بقائه، و لا معنى للتعبد ببقاء ما شك في حدوثه إلّا ان يرد أولا التعبد بالحدوث ليكون الحدوث محرزاً بوجه ثم يرد التعبد بالبقاء.

أقول و لا يخفى عليك ما في هذين الإشكالين (اما الأول)

فان كان المقصود من تبعية التنجيز و المعذورية لوصول التكليف و عدمه عدم قابليتهما بنفسهما للوقوع تحت الجعل بدواً فهو مما لا يدعيه المحقق الخراسانيّ أيضاً.

110

فان تمام نظره إلى ان الحجية كالملكية من الاعتباريات الجعلية التي تستتبع جعلها عقلا للتنجيز و المعذورية، لا ان المجعول بدواً هو نفس التنجيز و المعذورية، و ليس في الإشكال المزبور أيضاً ما يقتضي امتناع جعل الحجية (و ان كان) المقصود ان التكليف الواقعي لا يكون منجزاً على المكلف بنحو يستتبع العقوبة على مخالفته الا بوصوله إلى المكلف و لو بطريقه، فهذا مما لا إشكال فيه (و لكن) المدعى انه يكفى في وصول الشي‏ء بطريقه وصول الحجة عليه و لو جعلية و هي أيضاً على مسلكه حاصلة (و ان كان) المقصود انه لا يكون التنجز الا بالإحراز الوجداني أو الجعلي و بدونهما لا يعقل التنجز، فهو مع انه مصادرة محضة، مناف لما أفاده في أول هذا التنبيه بقوله إذا أخذ العلم موضوعا من حيث اقتضائه للتنجيز و المعذورية تقوم مقامه الطرق و الأصول المحرزة و غير المحرزة (إذ على هذا) البيان أيّ أصل غير محرز يقوم مقام العلم من حيث التنجيز (و ان كان) المقصود غير ذلك فلا بد من بيانه‏

(و اما الإشكال) الثاني‏

، فان كان المقصود منه ان في التعبد بالبقاء يحتاج إلى إحراز الحدوث و انه لا يكفيه الشك في البقاء على تقدير الحدوث، ففيه انه مصادرة محضة يطالب بالدليل (فان) شأن الاستصحاب على مرامه قده، في لا تنقض من أخذ اليقين فيه مرآة إلى المتيقن و وصلة لا لإيصال النقض إليه انما هو إثبات الملازمة الظاهرية بين ثبوت الشي‏ء واقعاً و بقائه، و في هذا المقدار لا يحتاج فعلية التعبد بالبقاء إلى إحراز الحدوث، نعم في مرحلة محركية التعبد المزبور لا بد من إحراز الحدوث اما بالعلم الوجداني أو بقيام الحجة عليه حيث كان الحجة على الملزوم حجة على لازمه التعبدي (و ان كان) المقصود هو عدم جعلية الملازمة المزبورة و انها كالسببية من الأمور الواقعية التي لا تنالها يد الجعل و الرفع، ففيه انه كذلك في الملازمة الحقيقية الواقعية بين حدوث الشي‏ء و بقائه واقعاً (و اما الملازمة) الظاهرية بين ثبوت الشي‏ء و بقائه التعبدي فجعليتها بمكان من الإمكان (كيف) و ان شأن الاستصحاب على مسلكه و مرام كل من عرفه بإبقاء ما كان بعد ان كان إثبات البقاء التعبدي للواقع يلزمه قهراً كون البقاء التعبدي من آثار الواقع (و لازم) ذلك صيرورة الملازمة المزبورة كملازمة كل حكم لموضوعه مجعولة بعين جعل الحكم لموضوعه (و ان كان)

111

المقصود هو توقف صحة التعبد بالبقاء على إحراز المستصحب لأجل انه بدونه لا ينتهى التعبد المزبور إلى العمل فيلزم لغوية التعبد بالبقاء (ففيه) ان اللغو انما هو التعبد بشي‏ء لا ينتهى امره إلى إحراز صغراه رأساً، و إلّا فمع الانتهاء إلى إحراز صغراه أحياناً فلا قصور في صحة التعبد به (فانه) يكفي هذا المقدار في خروجه عن اللغوية، كما هو الشأن في التعبد بجميع الطرق المنوط صحته على إحراز الطريق لدى المكلف، فكون خبر الواحد أو البينة حجة بنحو القضية الحقيقية لا يقتضى إلّا إناطة فعلية التعبد بوجودهما واقعاً غير المنفك كثيراً عن الجهل بهما، و بالعلم بالصغرى يصير التعبد بالخبر و البينة منتهياً إلى العمل و محركا فعلياً نحوه و خارجا عن اللغوية (و في المقام) تكون الأمارة على حدوث المستصحب حجة على لازمه الشرعي من الإبقاء التعبدي، فيترتب عليه عند الشك فيه آثار البقاء من نحو وجوب الإطاعة و نحوه كما هو ظاهر فتدبر.

(ثم انه) قد يقرب الاستصحاب بوجه آخر يسلم عن الإشكال المزبور و لو مع البناء على استفادة جعل الحجية من دليل الأمارات (و حاصله) تطبيقه على كلي الوجوب أو الحرمة الجامع بين الواقعي و الظاهري (بتقريب) انه بقيام الأمارة على وجوب شي‏ء يقطع بمطلق وجوبه على تقدير مطابقة الأمارة للواقع و مخالفته له (حيث) انه على تقدير يكون المتحقق هو الوجوب الواقعي، و على تقدير آخر يكون المتحقق هو الوجوب الظاهري، فإذا شك في ارتفاعه يجري فيه الاستصحاب (و فيه) انه لو تم ذلك فانما هو على القول بالسببية و الموضوعية في الطرق و الأمارات، و إلّا فعلى ما هو المشهور و المختار من الطريقية فيها، فلا يصح ذلك (لأن) مرجع الحكم الطريقي إلى كونه إيجابا حقيقيا على تقدير، و صوريا على تقدير آخر، و بعد عدم تصور جامع ذاتي بين الإيجاب الحقيقي و الصوري يندرج الاستصحاب المزبور لا محالة في استصحاب الفرد المردد بين ما له الأثر و ما ليس له الأثر، لا في استصحاب الكلي (و مثله) لا يجري فيه الأصل، لعدم تعلق اليقين و الشك فيه بموضوع له الأثر، لأن ما له الأثر انما هو الوجوب الواقعي و هو مما يشك في ثبوته من الأول لاحتمال‏

112

مخالفة الأمارة للواقع.

و قد يقرب الاستصحاب بوجه ثالث، و هو تطبيقه على الحكم الظاهري الّذي هو مفاد دليل التعبد بالأمارة (بتقريب) انه بقيام الأمارة أو البينة على وجوب شي‏ء أو طهارته و نجاسته يقطع بثبوت الحكم الظاهري و وجوب ترتيب آثار الواقع من الطهارة أو النجاسة، فإذا شك بعد ذلك في نجاسة ما قامت الأمارة على طهارته لاحتمال ملاقاته مع النجاسة في الزمان الثاني يستصحب تلك الطهارة الظاهرية لتحقق أركانه جميعاً من اليقين السابق و الشك اللاحق، و لا يحتاج إلى إحراز الطهارة الواقعية التي هي مؤدى الأمارة كي يشكل عليه بعدم إحراز الحدوث (و فيه) انه يتجه ذلك إذا لم يكن منشأ احتمال مخالفة الأمارة للواقع منحصراً بجهة مخصوصة، و إلّا فمع حصره بجهة مخصوصة، فلا مجال للاستصحاب، للقطع بانتفاء الحكم الظاهري حينئذ من غير تلك الجهة، مثلا لو فرضنا انه شك في طهارة ماء و نجاسته في الصبح من جهة احتمال ملاقاته مع الدم بحيث يكون منشأ الشك في نجاسته منحصراً بالاحتمال المزبور، فقامت البينة على طهارته في الصبح، فلا شبهة في ان ما يقتضيه التعبد بالبينة من الطهارة الظاهرية للماء المزبور انما هو طهارته من الجهة المزبورة لا مطلقا و لو من غير تلك الجهة (إذ لازم) حصر منشأ الشك في نجاسته عند الصبح بالجهة المزبورة هو اليقين بعدم نجاسته من الجهات الأخر، و مع هذا اليقين يمتنع اقتضاء التعبد بالبيّنة طهارة الماء حتى من الجهة المعلومة، فلو شك في بقاء طهارته من غير تلك الجهة المشكوكة أولا في ثاني الزمان بل من جهة احتمال ملاقاته مع البول أو غيره من النجاسات فلا يجري فيه الاستصحاب للقطع بانتفاء الحكم الظاهري من الأول من غير الجهة المشكوكة أولا (و حينئذ) فلو لا إجراء الاستصحاب في الحكم الواقعي الّذي هو مؤدي البينة لا مجال لإجرائه في الحكم الظاهري الّذي هو مفاد دليل التعبد بها كما هو ظاهر (هذا كله) في استصحاب مؤديات الطرق و الأمارات، و قد عرفت نفى الإشكال عن جريانه فيها على المختار في مفاد أدلة الأمارات من كونه على نحو تتميم الكشف و إثبات الإحراز التعبدي حتى على القول بتعلق حرمة النقض في لا تنقض بنفس المتيقن‏

113

فضلا عما هو المختار من تعلقه بعنوان اليقين.

(و اما الاستصحاب) في مؤديات الأصول المحرزة كالاستصحاب و قاعدة الطهارة على وجه قوى، ففي جريانه فيها إشكال أقواه العدم، و ذلك لا من جهة عدم إحراز ثبوت المستصحب فيها، لأنه على المختار في لا تنقض من تعلقه بنفس اليقين، لا قصور في قيامه مقام القطع الطريقي (بل من جهة) حصر الغاية فيها باليقين بالخلاف في قوله (عليه السلام) و لكن انقضه بيقين آخر (فان لازم) غائية اليقين بالخلاف فيها هو بقاء الحكم المجعول بالأصل و استمراره إلى حين اليقين بالانتقاض، فمع عدم اليقين بالخلاف لا وجدانا و لا تعبداً كان الحكم المجعول بالاستصحاب السابق باقياً، و مع بقائه لا يبقى المجال لإجراء الاستصحاب بالنسبة إلى مؤدياتها، لأن الغرض من استصحابها انما هو إثبات الحكم الظاهري و ترتيب آثار البقاء عليها و هو حاصل بالاستصحاب السابق الجاري أولا.

(و أشكل) من ذلك استصحاب مؤديات الأصول غير المحرزة كقاعدة الحلية و الطهارة على وجه آخر، بلحاظ عدم كون مؤدياتها الا مجرد إثبات الطهارة أو الحلية الظاهرية للشي‏ء في ظرف الشك فيهما بلا نظر منها إلى إثبات ان المؤدى هو الواقع (و اما) استصحاب الحكم الظاهري المجعول في موردها، فهو أيضا مما لا مجرى له، لانتفاء الشك الّذي هو من أركانه، للقطع ببقاء الحكم الظاهري المجعول في مواردها ما دام بقاء الشك و عدم حصول الغاية التي هي العلم بالخلاف.

التنبيه الثالث‏

المستصحب اما ان يكون كليا أو شخصيا، (و على الثاني) اما ان يكون فردا معيناً قد شك في بقائه، أو يكون فرداً مردداً من طبيعة واحدة أو طبيعتين أو طبائع، كما انه على الأول (تارة) يكون الشك في بقاء الكلي من جهة الشك في بقاء الفرد الّذي كان الكلي متحققاً في ضمنه (و أخرى) من جهة تردد الخاصّ الّذي كان‏

114

الكلي في ضمنه بين ما هو مقطوع الارتفاع و ما هو مقطوع البقاء، كالحدث المردد بين الأصغر و الأكبر مع فعل ما يوجب رفع الحدث الأصغر، و الحيوان المردد بين كونه قصير العمر أو طويلة مع مضي زمان يقطع عادة بعدم بقاء القصير في طول هذا الزمان (و ثالثة) من جهة احتمال وجود فرد آخر للكلي غير الفرد الّذي علم بحدوثه و ارتفاعه، (و هذا) أيضا على قسمين، فان الفرد الآخر المحتمل، تارة يحتمل وجوده في زمان الفرد الآخر، و أخرى يحتمل حدوثه مقارنا لارتفاعه، و ذلك أيضا (تارة) في الافراد المتواطئة (و أخرى) المشككة (ثم) الأثر الشرعي في فرض كون المستصحب من الموضوعات (تارة) مترتب على نفس الكلي و الجامع بين الفردين (و أخرى) على أحد الفردين بلا ترتبه على عنوان الجامع (و ثالثة) على كل منهما، فهذه جهات و صور لهذا التقسيم.

و لنقدم الكلام في الاستصحاب الشخصي (فنقول)

: اما إذا كان المستصحب شخصاً معيناً فلا إشكال في صحة استصحابه لتمامية أركانه جميعاً من اليقين السابق و الشك اللاحق (و اما) إذا كان شخصاً مردداً بين الشخصين كأحد الفردين أو الإناءين في مثال العلم الإجمالي بوجوب أحدهما أو نجاسته (فتارة) يكون الشك في بقاء المعلوم بالإجمال من جهة ارتفاع أحد الفردين أو خروجه عن الابتلاء (و أخرى) من غير تلك الجهة (فان كان) الشك في البقاء من جهة ارتفاع أحد فردي الترديد، فلا يجري فيه الاستصحاب (لا لتوهم) عدم اجتماع أركانه فيه من اليقين بالوجود و الشك في البقاء (بل لعدم) تعلق اليقين و الشك بموضوع ذي أثر شرعي (لأنه) يعتبر في صحة التعبد بالشي‏ء تعلق اليقين و الشك به بالعنوان الّذي يكون بذلك العنوان موضوعا للأثر الشرعي، و إلّا فلا يكفى تعلق الشك بغيره من العناوين التي لم يكن كذلك (و الأثر الشرعي) في أمثال المقام انما هو لمصداق الفرد بماله من العنوان التفصيليّ، كصلاة الظهر و الجمعة، و القصر و التمام، و نجاسة هذا الإناء و ذاك الآخر بواقعه و عنوانه التفصيليّ، و مثله مما اختل فيه أحد أركانه و هو الشك في البقاء، لكونه بين ما هو مقطوع البقاء و بين ما هو مقطوع الارتفاع، بل و يختل فيه كلا ركنيه‏

115

جميعا (و اما العنوان) الإجمالي العرضي، كعنوان أحد الفردين أو الفرد المردد، أو ما هو موضوع الأثر و نحوها من العناوين العرضية الإجمالية، فهي و ان كانت متعلقة لليقين و الشك، و لكنها بأسرها خارجة عن موضوع الأثر (إذ لم يترتب) أثر شرعي في الأدلة على شي‏ء من هذه العناوين العرضية، فلا يجري الاستصحاب حينئذ لا في في الأدلة على شي‏ء من هذه العناوين العرضية، فلا يجري الاستصحاب حينئذ لا في العنوان الإجمالي، و لا في العناوين التفصيلية، لانتفاء الأثر الشرعي في الأول، و انتفاء الشك في البقاء في الثاني.

(و بهذه) الجهة منعنا عن جريان الاستصحاب في المفاهيم المجملة المرددة بين المتباينين أو الأقل و الأكثر، كالشك في مفهوم زيد المردد بين زيد بن عمرو و زيد ابن خالد، و الشك في ان النهار تنتهي بغياب القرض أو بذهاب الحمرة المشرقية، و الشك في مفهوم الرضاع الموجب لنشر الحرمة في انه ما بلغ عشر رضعات، أو خمسة عشر رضعة، و في مفهوم الكر المردد قدره بين ما يساوي سبعة و عشرين شبراً، أو ثلاثة و أربعين تقريباً، إلى غير ذلك من الأمثلة، فلا يصح استصحاب المفهوم المردد بين المفهومين بعد موت زيد بن عمرو، و لا استصحاب النهار بعد غياب القرض، و لا استصحاب عدم تحقق الرضاع المحرم بعد تحقق عشر رضعات، و لا عدم كرية الماء بعد بلوغه الحد الأول، كل ذلك لما ذكرنا من انتفاء الأثر الشرعي فيما هو المشكوك، و انتفاء الشك في البقاء فيما له الأثر الشرعي، لكونه دائراً بين المقطوعين‏

(و بذلك) أيضا يتضح الفرق بين الفرد المردد، و بين القسم الثاني من الكلي‏

، كالحدث المردد بين الأصغر و الأكبر (فان) صحة الاستصحاب هناك انما هو من جهة ان لنفس الكلي أثر شرعي و هو المانعية عن الصلاة مثلا، بخلاف الفرد المردد، فان الأثر الشرعي فيه انما يكون للشخص لا لعنوان أحد الشخصين و الفرد المردد (و هذه) الجهة هي العمدة في الفرق بين المقامين، لا بصرف كون الجامع المتعلق للشك و اليقين ذاتياً هناك و عرضياً هنا (و لذا) لو فرض ترتب أثر شرعي هنا أيضا على مثل هذا الجامع العرضي نقول: فيه بجريان الاستصحاب (كما) ان في طرف الكلي لو كان الأثر الشرعي لنفس الحصة أو الفرد لا للكلي و الجامع الذاتي بين الفردين نقول فيه بعدم‏

116

جريان الاستصحاب.

(و توهم) ان الأصل انما لا يجري في الفرد المردد إذا كان العنوان الإجمالي بما هو هو و في حيال ذاته مقصوداً في الاستصحاب (و اما) إذا كان ملحوظا على وجه الطريقية و المشيرية إلى ما هو الموضوع للأثر بنحو الإجمال، فلا محذور في استصحابه، لأنه بهذا اللحاظ يكون وسيلة لا لإيصال التعبد بالبقاء إلى ما هو الموضوع للأثر الشرعي (مدفوع) بأنه لو سلم ذلك فانما هو في فرض قابلية ما يحكى عنه العنوان الإجمالي لا عمال التعبد فيه، و المفروض عدم قابليته لذلك، لعدم تعلق الشك بعنوان من العناوين التفصيلية (فانه) ان أخذ كونه وجها و عنواناً لهذا الفرد كان مقطوع البقاء (و ان) أخذ كونه عنواناً للفرد الآخر كان مقطوع الارتفاع (فعلى كل تقدير) لا شك في البقاء إلّا بعنوان أحد الفردين أو الفرد المردد أو بغيرهما من العناوين الإجمالية العرضية، و بعد خروج مثلها عن حيز الأثر الشرعي فلا يجري الاستصحاب فيها كما هو ظاهر.

(و من التأمل) فيما ذكرنا ظهر الحال فيما لو كان الشك في بقاء الفرد المردد من غير جهة اليقين بارتفاع أحد الفردين، كما لو علم إجمالا بنجاسة أحد الإناءين مع احتمال زوال نجاسته بورود مطهر عليه من مطر و نحوه، فانه على ما ذكرنا لا يجري فيه الاستصحاب أيضا، لا في العنوان الإجمالي، لاعتبار قيد الأثر في متعلقه، و لا في كل واحد من الإناءين، لانتفاء اليقين بالنجاسة بالنسبة إليهما (لأن) اليقين انما تعلق بأحدهما إجمالا المردد انطباقه على هذا الإناء و ذاك الآخر (و بعد) احتمال طهارة كلا الإناءين فعلا، يرجع فيهما إلى قاعدة الطهارة، بل استصحابها لاجتماع أركانه فيهما من اليقين بالطهارة و الشك في البقاء (و ان أبيت) الا عن جريان استصحاب النجاسة في هذه الصورة فليكن ذلك بإجرائه في كل واحد من الطرفين لا في العنوان الإجمالي الّذي لا أثر له (بتقريب) استتباع العلم الإجمالي المزبور لليقين بنجاسة كل واحد منهما في فرض انطباق المعلوم عليه، فانه مع هذا اليقين المنوط بكل واحد منهما يتحد متعلق الشك و اليقين فيهما فيجري فيهما الاستصحاب، و بالعلم الإجمالي بتحقق المعلق عليه في‏

117

أحدهما يعلم بتنجز أحد الاستصحابين فيترتب عليه الأثر فتأمل (و لكن) مثل هذا التقريب لا يجري في فرض اليقين بارتفاع أحد الفردين، إذ لا يعلم بتحقق المعلق عليه في طرف المشكوك الباقي، كي يترتب عليه أثر عملي كما هو ظاهر.

ثم ان ما ذكرنا من المنع المذكور لا يختص بالاستصحاب، بل يجري في عامة الأصول، لاطراد وجه المنع في جميعها (و يترتب) على ذلك انه لو صلى عند اشتباه القبلة إلى الجهات الأربع و بعد الفراغ منها علم بفساد واحدة منها معينة، فانه على ما ذكرنا لا يجوز الاكتفاء بالبقية في تفريغ الذّمّة، بل تجب إعادة تلك الصلاة بعينها، لعدم جريان قاعدة الفراغ في العنوان الإجمالي المردد، كالصلاة إلى القبلة المرددة، أو ما هو المأمورية بهذا العنوان الإجمالي، و عدم إثمار جريانها في البقية لعدم العلم بان القبلة فيها (بخلاف) ما إذا علم بفساد واحدة منها مرددة، فانه على ما ذكرنا لا يجوز الاكتفاء بالبقية في تفريغ الذّمّة، بل تجب إعادة تلك الصلاة بعينها، لعدم جريان قاعدة الفراغ في العنوان الإجمالي المردد، كالصلاة إلى القبلة المرددة، أو ما هو المأمورية بهذا العنوان الإجمالي، و عدم إثمار جريانها في البقية لعدم العلم بان القبلة فيها (بخلاف) ما إذا علم بفساد واحدة منها مرددة، فانه لا يجب إعادة الصلاة، لجريان قاعدة الفراغ بالنسبة إلى كل واحدة من الصلوات المأتية (فان) كل واحدة منها في فرض كونها إلى القبلة مما يشك في صحته و فساده بشك حادث بعد الفراغ فتجري فيها القاعدة (غاية الأمر) يعلم إجمالا بمخالفة أحد هذه الأصول للواقع، و هو أيضاً غير ضائر لاحتمال كون الفاسدة هي المأتية إلى غير القبلة (و مثل هذا) التفصيل من نتائج عدم جريان الأصل في العنوان الإجمالي المردد، لاختصاص موضوعه بالشك المتعلق بماله الأثر بعنوانه التفصيلي (و إلّا) فعلى فرض إطلاقه بالنسبة إلى الشك بكل عنوان لا مجال للتفصيل المزبور (بل اللازم) هو المصير إلى جريان القاعدة حتى في فرض العلم بفساد واحدة منها معينة (إذ حينئذ) يصدق الشك في صحة ما هو المأمور به و فساده بهذا العنوان الإجمالي بشك حاصل بعد الفراغ، مع انه لا يظن التزامه من أحد، و عليه فلا يتم التفصيل المزبور بين فرضي المسألة إلّا بما ذكرناه.

ثم انه لو قلنا بكفاية مرآتية العنوان الإجمالي المشكوك لما له الأثر الشرعي في صحة التعبد ببقائه، لا يرد عليه إشكال بعض الأعاظم قده باختلاله في أحد

118

أركانه، لانتفاء الشك ببقاء العنوان المردد بما هو كذلك بعد العلم بارتفاع أحد الفردين و بقاء الآخر، و استلزامه التعبد بما هو معلوم البقاء و بما هو معلوم العدم (بتقريب) ان معنى استصحاب الفرد المردد انما هو التعبد ببقاء الحادث على ما هو عليه من الترديد و هو يقتضي الحكم ببقاء الحادث على كل تقدير سواء كان هو الفرد الزائل أو الباقي و هو ينافي العلم بارتفاع الحادث على تقدير و بقائه على تقدير آخر (إذ فيه) ان هذا الإشكال يتجه في فرض سراية اليقين و الشك من متعلقه الّذي هو العنوان الإجمالي إلى عناوين الأطراف التفصيلية (و إلّا) ففي فرض وقوفهما على العنوان الإجمالي و عدم سرايتهما إلى العناوين التفصيلية و لا إلى المعنونات الخارجية كما حققناه في مبحث البراءة و الاشتغال بشهادة اجتماع الشك و اليقين في العلوم الإجمالية، فلا مجال لهذا الإشكال، (فانه) كما ان اليقين الإجمالي بالعنوان المردد لا ينافي الشك التفصيلي بكل واحد من الأطراف بل يجتمع معه (كذلك) الشك الإجمالي ببقاء العنوان المزبور لا ينافى اليقين التفصيلي بارتفاع بعض الأطراف و بقاء البعض الآخر، و معه لا قصور في استصحاب العنوان المردد لاجتماع أركانه فيه من اليقين السابق و الشك اللاحق (فانه) من جهة احتمال انطباقه على الفرد الزائل يشك في بقاء ما تعلق به اليقين السابق فيجري فيه التعبد بالبقاء من دون اقتضائه التعدي إلى العناوين التفصيلية كي يلزم التعبد بما هو معلوم الوجود و ما هو معلوم العدم (كيف) و ان التعبد الاستصحابي تابع يقينه و شكه و بعد عدم تعديهما من العنوان الإجمالي إلى العناوين التفصيلية لا يكاد يتعدى التعبد بالبقاء أيضا عن مورد يقينه و شكه كما هو ظاهر (و لعمري) ان المنشأ كله للإشكال المزبور انما هو تخيل اعتبار كون المستصحب في الفرد المردد مشكوك البقاء في الزمان المتأخر بجميع عناوينه حتى بعنوانه التفصيليّ المنطبق على الفرد الزائل أو الباقي (و لكنه) كما ترى فان القدر المستفاد من قوله (عليه السلام) لا تنقض اليقين بالشك انما هو اعتبار مجرد تعلق الشك في الزمان المتأخر بعين ما تعلق به اليقين السابق من العنوان، فإذا كان المتعلق للعلم هو العنوان الإجمالي المردد انطباقه على أحد الفردين، يكون معنى الشك فيه عبارة عن الشك ببقاء ذاك‏

119

العنوان المردد انطباقه على أحد المعلومين، لا ان معناه كونه مشكوك البقاء بجميع العناوين حتى بالعنوان التفصيليّ المنطبق على الفرد الزائل أو الباقي (كيف) و لازم البيان المزبور هو الإشكال في استصحاب القسم الثاني من الكلي المردد بين القصير و الطويل.

فانه بعد ان كان الكلي بعروض التشخصات عليه يتحصص في الخارج بحصص متعددة بحيث يصير مع كل شخص و خصوصية حصته من الطبيعي غير الحصة الأخرى مع شخص فرد آخر، كما اشتهر بان مع كل فرد أب من الطبيعي، لأن نسبة الطبيعي إلى الافراد كنسبة الآباء إلى الأولاد، لا كالأب الواحد، فلا محالة يكون مرجع العلم الإجمالي في الكلي إلى العلم بحدوث حصة من الطبيعي متخصصة بخصوصية خاصة مرددة بين كونها مقطوع الارتفاع و بين كونها مقطوع البقاء، فيجي‏ء فيه أيضا ما في الفرد المردد من الإشكال (و هو) كما ترى (إذ هو) مع كونه خلاف ما عليه المعظم، لا يلتزم به المستشكل المزبور أيضا (و حينئذ) فكما يدفع الإشكال في الكلي بعدم إضرار اليقين بارتفاع أحد الفردين و بقاء الآخر في أركان استصحابه، بدعوى تعلق اليقين و الشك فيه بالجامع الإجمالي المحتمل الانطباق على كل واحد من الفردين لا بالعناوين التفصيلية، و لا بالمحكيات الخارجية، فلا ينافي اليقين بارتفاع أحد الفردين و بقاء الآخر مع اجتماع اليقين و الشك في نفس الكلي و الجامع المحتمل الانطباق على كل واحد من الفردين (كذلك) يدفع به الإشكال في الفرد المردد (إذ لا فرق) بينهما الا من جهة كون الجامع المتعلق للعلم ذاتياً في الكلي و عرضياً في الفرد المردد، و هو أيضاً غير فارق بعد وقوف اليقين في المقامين على نفس الجامع الإجمالي و عدم سرايته إلى الخارج و لا إلى العناوين التفصيلية للافراد (و لازم) ذلك بعد تعلق الشك ببقاء العنوان المزبور و لو من جهة الشك في انطباقه على الفرد الزائل أو الباقي هو جريان الاستصحاب فيه بعين جريانه في الكلي، لو لا شبهة انتفاء الأثر الشرعي فيه (و قد تفطن) المستشكل المزبور لهذا الإشكال في الكلي، فأورد على نفسه بان اليقين في الكلي أيضا لم يتعلق الا بحدوث حصة من الكلي متخصصة بخصوصية

120

خاصة و تلك الحصة امرها يدور بين ما يكون مقطوع البقاء، و ما يكون مقطوع الارتفاع فيكون حال الكلي الموجود في ضمن الفرد المردد حال نفس الفرد المردد (و لكنه) أجاب عنه بان وجود الكلي و ان كان بوجود الفرد و زواله بزواله، إلّا انه ليس الكلي مما ينتزع عن الفرد، بل هو متأصل الوجود في الخارج على ما هو التحقيق من وجود الكلي الطبيعي، من دون فرق بين الأمور العينية التكوينية، و بين الأمور الاعتبارية أو الشرعية (فالعلم) بوجود الفرد المردد يكون منشأ للعلم بوجود الكلي و القدر المشترك خارجا، و ارتفاع أحد الفردين يصير منشأ للشك في بقاء الكلي، فيثبت كلا ركني الاستصحاب (أقول): و فيه ان المقصود من تأصل الكلي الطبيعي في الخارج، ان كان وجوده في ضمن الفرد بوجود شخصي مستقل قبال الخصوصيات الفردية، ففساده أوضح من ان يبين، فان لازمه اتحاد جميع الافراد المتحدة مع الطبيعي في وجود واحد شخصي (و ان كان) المقصود وجوده بوجود نوعي أو جنسي، فهو أوضح فساداً، بداهة انه لا وجود للكلي بوصف الكلية الصادقة على الكثيرين في الخارج و انما صقعه بهذا النحو في موطن الذهن لا الخارج، فالخارج هو موطن الحصص المعروضة للتقيدات و التفحصات (و ان كان) المقصود من وجوده باعتبار وجود حصصه المقرونة بالخصوصيات الفردية، نظراً إلى تكثر الطبيعي في الخارج بعروض التشخصات عليه و تحصصه بحصص متعددة بنحو يصير مع كل فرد حصة من الطبيعي تغاير الحصة الأخرى الموجودة في ضمن الفرد الآخر، غاية الأمر ان العقل ينتزع من هذه الحصص بلحاظ وحدتها السنخية و كونها تحت جنس واحد و فصل فارد مفهوما واحداً فيناله في الذهن بنحو الكلية الصادقة على الكثيرين، فهو متين جداً (و لكن) يتوجه عليه سؤال الفرق بين الكلي و بين الفرد المردد، في انه بعد عدم إضرار اليقين بارتفاع إحدى الحصتين و بقاء الأخرى في أركان الاستصحاب في الكلي و لو من جهة دعوى تعلق اليقين بنفس الكلي بصورته الذهنية و وقوفه على الجامع المحتمل الانطباق في الخارج على كل واحد من الفردين، و عدم سرايته إلى عناوين الحصص الفردية (فليكن) كذلك في الفرد المردد، لأن فيه أيضا يكون‏

121

اليقين متعلقاً بالجامع العرضي و العنوان الإجمالي المحتمل الانطباق على كل واحد من الفردين المعلوم ارتفاع أحدهما و بقاء الآخر (إذ لا فرق) بينهما إلّا بصرف كون الجامع المعروض للعلم ذاتياً في أحدهما و عرضياً في الآخر (و توهم) ان الوحدة السنخية بين الحصص التي هي منشأ انتزاع مفهوم واحد بعد ان تكون جهة زائدة عن الحصص فلا بد من وجودها خارجا، فلا يمكن انتزاع مفهوم واحد منها مع تغاير كل واحدة من الحصص مع الأخرى (مدفوع) بمنع كونها جهة زائدة عنها بنحو يكون لها وجود مستقل قبال وجودات الحصص، بل هي جهة ذاتية لها و ان وجودها بعين وجود الحصص لا بوجود زائد عن وجودها كما هو واضح (و لعله) إليه نظر من يقول بان وجود الطبيعي بمعنى وجود افراده فيكون المقصود عينية وجوده مع وجود حصصه المحفوظة في ضمن الافراد و انه لا وجود له مستقلا في الخارج في قبال وجودات الحصص، لا ان المقصود هو عينية وجوده لوجود افراده، و إلّا فمن الواضح انه بالنسبة إلى الافراد يكون وجوده ضمنياً لا عينياً (و حينئذ) فالعمدة في الإشكال على استصحاب الفرد المردد ما ذكرناه من انتفاء الأثر الشرعي فيما تم فيه أركانه و هو العنوان الإجمالي العرضي و عدم تمامية أركانه فيما له الأثر الشرعي، هذا كله في استصحاب الفرد المردد

(و اما الاستصحاب الكلي) فهو على أقسام.

(القسم الأول) استصحاب الكلي المتحقق في ضمن فرد بعينه‏

كالإنسان المتحقق في ضمن زيد و لا إشكال في صحة استصحابه (فانه بعد) ما يلازم العلم بوجود الفرد للعلم بوجود الكلي المتحقق في ضمنه و يلازم الشك في بقاء الفرد للشك في بقاء الكلي، فلا محاله يجري الاستصحاب في كل من الفرد و الكلي لتمامية أركانه فيهما (نعم) لا بد في صحة الاستصحاب من لحاظ ما يترتب عليه الأثر الشرعي، فان الأثر الشرعي تارة يكون‏

122

لكل من الفرد و الكلي، و أخرى لخصوص الكلي دون الفرد، و ثالثة بعكس ذلك، و رابعة يكون الأثر لمجموع الفرد و الكلي بنحو يكون كل من الفرد و الكلي جزء الموضوع للأثر (فعلى الأول) يجري الاستصحاب في كل من الفرد و الكلي، و يترتب على استصحاب كل منهما اثره الخاصّ (و على الثاني) يجري الاستصحاب في خصوص الكلي دون الفرد (و على الثالث) بالعكس (و على الرابع) يجري الأصل في كل من الفرد و الكلي باعتبار اثره الضمني على ما هو التحقيق من كفاية هذا المقدار من الأثر في صحة التعبد بالشي‏ء، كما يجري في مجموع الفرد و الكلي.

(القسم الثاني من أقسام الكلي)

استصحاب الكلي المتيقن وجوده في ضمن أحد الفردين الذين يعلم بزوال أحدهما بعينه على تقدير حدوثه و بقاء الآخر كذلك، كالحدث المردد بين الأصغر و الأكبر، و الحيوان المردد بين قصير العمر و طويلة، حيث انه بارتفاع أحد الفردين يشك في بقاء الكلي المتيقن وجوده في ضمن أحدهما (و لا ينبغي الإشكال) في جريان الاستصحاب في هذا القسم أيضا لتمامية أركانه فيه من اليقين السابق و الشك اللاحق، فان العلم بحدوث أحد فردي الترديد علم بوجود الكلي و القدر المشترك بينهما، و القطع بزوال أحد الفردين لو كان هو الحادث و بقاء الآخر كذلك موجب للشك في بقاء الكلي، لاحتمال ان يكون الحادث هو الفرد الباقي الّذي يلازم بقائه بقاء الكلي (فإذا) كان الكلي بنفسه أثراً شرعياً أو موضوعاً لأثر شرعي، كالحدث المردد بين الأصغر و الأكبر، و الحيوان المردد بين قصير العمر و طويلة، فيجري فيه الاستصحاب، و يترتب على استصحابه ما له من الآثار، كالمانعية عن الدخول في الصلاة و حرمة مس كتابة القرآن في نحو الحدث المردد (نعم) لا يترتب على استصحابه الآثار الشرعية المترتبة على خصوصية الفرد من نحو حرمة الدخول في المسجد و المكث فيه و حرمة قراءة

123

العزائم، لأنها من آثار كون الحادث هو الحدث الأكبر و الأصل الجاري في الكلي القدر المشترك لا يثبت مثل تلك الآثار.

ثم لا فرق فيما ذكرنا بين ان يكون العلم بوجود الكلي المردد بين الفردين قبل العلم بارتفاع أحد فردي الترديد، و بين ان يكون بعد العلم بارتفاعه، كما لو خرج منه بلل تخيل كونه بولا فتوضأ ثم بعد ذلك حصل له العلم الإجمالي بان البلل بول أو مني، كما لا فرق بين ان يكون الأثر مترتباً على صرف وجود الكلي، و بين ان يكون مترتباً على وجود الساري على إشكال في الأخير كما سنذكره (و توهم) خروج الفرض الأول عن مجرى الاستصحاب بلحاظ ان أثر المانعية عن الدخول في الصلاة و عدم جواز مس كتابة القرآن مترتب بنفس العلم الإجمالي بالحدث المردد بين الأصغر و الأكبر في المرتبة السابقة على تحقق موضوع الاستصحاب و هو الشك في بقاء الحادث خصوصاً على القول بعلية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية، فيكون فعل ما يوجب رفع الحدث الأصغر بمنزلة تلف أحد الأطراف بعد العلم الإجمالي في تأثيره في التنجيز، فلا ينتهي النوبة معه إلى إثبات المانعية باستصحاب بقاء الحدث (مدفوع) غاية الدفع، فان مجرد علية العلم الإجمالي لحكم العقل بالاشتغال و وجوب الموافقة القطعية لا يمنع عن جريان استصحاب الحدث بعد حكومة الأصل المزبور على قاعدة الاشتغال نعم ثمرة الاستصحاب تظهر في صورة حدوث العلم الإجمالي بعد تلف أحد الفردين و لكن ذلك لا يقتضي تخصيص جريانه في هذه الصورة.

ثم انه أورد على استصحاب الكلي بوجوه‏

(منها)

ان الشك في بقاء الكلي مسبب عن الشك في حدوث الفرد الباقي و أصالة عدم حدوثه ترفع الشك عن الكلي، لأن الأصل الجاري في السبب رافع و مزيل لموضوع الأصل الجاري في المسبب و مع جريان الأصل فيه لا مجال لجريانه في الكلي و القدر المشترك (و قد) أجاب عنه الشيخ (قدس سره) بان ارتفاع القدر المشترك انما هو من لوازم كون الحادث الفرد المقطوع الارتفاع، لا من لوازم عدم حدوث الفرد الباقي، و انما لازمه ارتفاع القدر المشترك الّذي كان في ضمنه لا ارتفاع القدر المشترك بين الأمرين و بينهما فرق‏

124

واضح (و فيه انه) كما ان احتمال ارتفاع القدر المشترك من لوازم كون الحادث هو الفرد الزائل، كذلك احتمال بقائه من لوازم كون الحادث هو الفرد الباقي، فلا وجه لجعل الشك في بقاء الكلي من لوازم خصوص احتمال كون الحادث هو الفرد الزائل (فالأولى) في الجواب عن الشبهة منع السببية و المسببية بينهما (بدعوى) ان الشك في بقاء الكلي و ارتفاعه انما كان مسبباً عن العلم الإجمالي بان الحادث هو الفرد الزائل أو الباقي، و لا أصل يصلح لتعيين ما هو الحادث (فان) أصالة عدم كون الحادث هو الفرد الطويل بنحو مفاد ليس الناقصة مع انها لا مجرى لها في نفسها لانتفاء ركنها الّذي هو اليقين السابق، لا يثبت كون الحادث هو الفرد القصير، و لا ارتفاع القدر المشترك (و اما) أصالة عدم حدوث الفرد الطويل بنحو مفاد ليس التامة فهي أيضا غير مثبتة لارتفاع القدر المشترك و لو على فرض السببية و المسببية بينهما، (لأن) الترتب بينهما عقلي لا شرعي، بداهة عدم كون الترتب بين الكلي و الفرد في الوجود و العدم من المجعولات الشرعية و انما هو عقلي محض حتى في مثل الحدث و الجنابة (لأن) ما هو مترتب عليها انما هو طبيعة الحدوث مهملة، لا الطبيعة المطلقة و القدر المشترك بينها و بين غيرها، و ترتب عدم هذه على عدم الجنابة عقلي لا شرعي، فتجري حينئذ أصالة بقاء الكلي و القدر المشترك بلا مزاحم (نعم) لو أغمض النّظر عن هذه الجهة و قيل بشرعية الترتب بين وجود الكلي و وجود الفرد اما مطلقا أو في بعض المقامات (فلا مجال) لإشكال بعض الأعاظم عليه بمعارضة الأصل فيه مع أصالة عدم حدوث الفرد القصير فيبقى استصحاب بقاء الكلي و القدر المشترك بحاله بعد تساقطهما (إذ فيه) انه مع خروج الفرد الزائل عن مورد الابتلاء لا يجري فيه الأصل كي يعارض مع الأصل الجاري في الفرد الطويل (و دعوى) انه بمجرد العلم بحدوث أحد الفردين و الشك فيما هو الحادث تجري أصالة عدم الحدوث في كل منهما فتسقط بالمعارضة (مدفوع) بأنه كذلك إذا كان العلم الإجمالي حاصلا قبل خروج أحد الفردين عن مورد الابتلاء، لا ما إذا كان حاصلا بعد تلفه و خروجه عن الابتلاء (و حينئذ) لا معنى لجريان أصل العدم في طرف التالف و الخارج عن الابتلاء، مع ان ثمرة استصحاب الكلي انما

125

تظهر في هذه الصورة، و إلّا ففي الصورة الأولى تكفي قاعدة الاشتغال لإثبات المطلوب و ان لم نقل بجريان استصحاب الكلي كما هو واضح.

و منها

ان الكلي الطبيعي مما ينتزع عن الفرد و لا وجود له في الخارج حتى يتعلق العلم بوجوده و انما الخارج موطن منشأ انتزاعه من الافراد الخاصة الجزئية و هي التي تكون موضوعا للآثار الشرعية (و مع ذاك) كيف يجري الاستصحاب في الكلي بما هو كلي (و يظهر) فساده مما قدمناه سابقاً، فان المراد من الكلي الّذي هو معروض الأحكام هو ما يكون منشأ لانتزاع هذا المفهوم أعني الجهة المشتركة المحفوظة بين الحصص الموجودة الخارجية و لا إشكال في تحققه في الخارج بعين وجود الحصص المقرونة بالتشخصات الفردية (نعم) هي بنحو الكلية وسعة الانطباق على كل فرد لا يكون موطنها الا الذهن، حيث ينال العقل من شخص الموجود الخارجي الواجد لحيثية الطبيعي و لحيثيات أخرى صرف الجهة المشتركة بينه و بين غيره فتجي‏ء في الذهن مجردة عن العلائق و الضمائم بنحو تكون لها سعة الانطباق على كل فرد من غير ان يكون ما في الذهن من الصورة المجردة مخالفاً مع ما في الخارج من صرف الشي‏ء المقرون بالتشخصات كما هو ظاهر.

و منها

انه مع احتمال كون الكلي في ضمن الفرد القصير الّذي يعلم بارتفاعه لو كان هو الحادث، يحتمل انتقاض اليقين السابق بيقين آخر، و مع هذا الاحتمال لا مجال للتمسك بعموم حرمة نقض اليقين بالشك، لأنه من قبيل التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية لنفس العام لا للمخصص المنفصل (و فيه) ما لا يخفى، فان غاية ما يقتضيه اليقين بانعدام شخص الفرد انما هو اليقين بانعدام الطبيعي المحفوظ في ضمنه، لا اليقين بانعدام الطبيعي المحفوظ في الفردين أعني الجهة المشتركة بينهما، و متعلق اليقين السابق انما هو الجهة المحفوظة بينهما على نحو يكون له نحو تعلق بكل واحد منهما (و مثله) من المستحيل ان يتعلق به اليقين الناقض بمحض تعلقه بفرد واحد، و معه كيف يحتمل انتقاض اليقين السابق المتعلق بالجهة المشتركة بين الفردين بمحض اليقين بانعدام أحد الفردين كي يكون التمسك بعموم لا تنقض قبيل التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية

126

لنفس العام.

و منها

معارضة استصحاب الكلي بأصالة عدمه المتحقق في ضمن الفرد الطويل بضميمة عدمه المحرز بالوجدان بالإضافة إلى الفرد القصير، حيث انه بذلك يثبت عدم الكلي فيترتب عليه نقيض الأثر المترتب على وجود الكلي، نظير الموضوع المركب المحرز بعضه بالوجدان و بعضه بالأصل فيتعارضان.

توضيح ذلك هو ان وجود الطبيعي إذا كان عين وجود افراده يكون عدمه أيضاً عين عدم افراده بحيث يتسع و يتضيق دائرته وجوداً و عدماً بكثرة الافراد و قلتها (غير ان) في طرف الوجود يكون تحقق الطبيعي بوجود فرد واحد، و في طرف العدم يكون عدمه بانعدام جميع الافراد، بلحاظ ان عدمه هو العدم المنبسط في ضمن عدم تمام الافراد بنحو يكون لهذا العدم الواحد مراتب متفاوتة على حسب قلة افراده و كثرتها (و بهذه) الجهة قلنا بجريان البراءة العقلية في موارد تعلق التكليف النفسيّ أو الغيري بعدم الطبيعي في الشبهات المصداقية عند الشك في كون الشي‏ء من افراد الطبيعي المأخوذ عدمه قيداً للمأمور به، كالشك في كون الحيوان المأخوذ منه الوبر من مصاديق غير المأكول، نظراً إلى اندراجه بذلك في صغريات الأقل و الأكثر الارتباطيين، باعتبار مراتب عدم الطبيعي (حيث) يعلم بتعلق التكليف بمرتبة من العدم المنطبق على عدم الافراد المعلومة و يشك في تعلقه بمرتبة أخرى من العدم المنطبق على عدم ما شك كونه من افراده و مصاديقه (و على ذلك) نقول انه بعد ان كان لعدم الطبيعي المنبسط على إعدام الافراد مراتب متفاوتة حسب تكثر إعدام الافراد و قلتها، فلا جرم يصير بمنزلة الأمر البسيط الّذي له مراتب، فإذا شك في تحقق مرتبة منه مع العلم ببقية المراتب، يكون كالمركب المحرز بعضه بالأصل و بعضه بالوجدان فيجري فيه أصل العدم بالإضافة إلى الجهة المشكوكة، و بضميمة الجزم بانتفاء الفرد القصير يثبت عدم الكلي و القدر المشترك بينهما في قبال استصحاب بقاء الكلي، و ان لم يثبت به عدم حدوث الجامع من قبل الحادث المشكوك، و لذا يبقى الشك فيه بحاله و يكون منشأ لجريان استصحاب بقاء الجامع (و بذلك) انقدح انه‏

127

ليس المقصود من عدم الطبيعي عدمه المستند إلى عدم الحدوث رأسا، كي يشكل بانتقاضه بالعلم الإجمالي بالحدوث، بل و لا العدم المستند إلى الارتفاع أيضا، كي يشكل بان أصالة عدم حدوث الفرد الطويل لا يثبت ارتفاع الكلي و القدر المشترك، اما لعدم السببية و المسببية بينهما، و اما لكون الترتب بينهما عقليا لا شرعياً (بل المقصود) هو العدم الملفق من الارتفاع ببعض المراتب، و من عدم الحدوث ببعض المراتب الأخر (و بمثل) هذين العدمين يثبت عدم الطبيعي الّذي هو نقيض الكلي، فيترتب عليه نقيض الأثر المترتب على وجود الكلي، و بعد عدم إمكان الجمع بين التعبدين في طرفي النقيض يقع بينها التعارض فيتساقطان (نعم) لو كان عدم الطبيعي عبارة عن مرتبة خاصة من العدم الملازم لعدم الافراد خارجا لا عين عدم الافراد، أمكن الإشكال فيه بمثبتية الأصل المزبور (و لكن) ليس كذلك جزما، و إلّا لاقتضى كونه في طرف الوجود كذلك، و هو كما ترى خلاف التحقيق، و حينئذ فإذا كان وجود الطبيعي بعين وجود افراده فلا محالة يكون عدمه أيضاً بعين عدمها، و معه يتسجل إشكال المعارضة المزبورة (هذا غاية) ما يمكن ان يقال في تشييد هذا الإشكال.

و لكن التحقيق ان يقال ان ما أفيد من عينية عدم الطبيعي لعدم جميع الافراد انما يصح بالنسبة إلى غير صرف الوجود مما كان له قابلية الانطباق عرضياً على كل واحد من وجودات الافراد المتعاقبة كالطبيعة المهملة و السارية (و اما بالنسبة) إلى صرف الوجود الّذي ليس له قابلية انطباقه الا على أول وجود الطبيعي لا ثانيه فلا يصح ذلك في مفروض البحث، لأن وجود الطبيعي بهذا المعنى هو ما يكون ملازماً للسبق بالعدم، و من الواضح ان نقيض هذا المعنى لا يكون إلّا العدم الخاصّ الملازم للسبق بنفسه لأعدام الافراد لا عينها، فان نقيض كل شي‏ء رفعه، فإذا كان صرف الوجود عبارة عن الوجود الخاصّ الملازم للسبق بالعدم، فنقيضه ليس إلّا رفع هذا المعنى، و لا يكون ذلك الا العدم الخاصّ الملازم للسبق لأعدام الافراد لا عينها (و حينئذ) فإذا كان الأثر الشرعي مترتباً على صرف الوجود، كالمانعية و عدم جواز مس كتابة القرآن في مثال الحدث يكون نقيض الأثر مترتباً على نقيض صرف الوجود

128

الّذي هو العدم الخاصّ (و مثله) مما لا يمكن إثباته بأصالة عدم حدوث الفرد الطويل بضميمة الجزم بزوال الفرد القصير، و لا يجري فيه حكم المركب المحرز بعضه بالوجدان و بعضه بالأصل، و لو مع جريانه في البسائط بالنسبة إلى مراتبه فيبقى استصحاب بقاء الكلي حينئذ بحاله (و ان شئت) قلت ان ما يمكن إثباته من ضم الوجدان و الأصل على فرض جريان حكم المركب المحرز بعضه بالوجدان و بعضه بالأصل في البسائط التي لها مراتب انما هو العدم المطلق، و هو من جهة عدم كونه نقيضاً لصرف الوجود لا يكون موضوعا للأثر الشرعي، و ما يكون موضوعاً للأثر الشرعي انما هو العدم الخاصّ الّذي هو نقيض صرف الوجود، و مثله مما لا يمكن إثباته بأصالة عدم حدوث الفرد الطويل بعد عدم جريان حكم المركب المحرز بعضه بالأصل و بعضه بالوجدان فيه، فتجري أصالة بقاء الكلي حينئذ بلا معارض و يترتب على استصحابه آثاره، فتدبر فيما ذكرنا فانه دقيق و بالتحقيق حقيق.

ثم انه لا فرق في جريان الاستصحاب في هذا القسم بين ان يكون الكلي موضوعا للأثر الشرعي، كما في مثال الحيوان المردد بين طويل العمر و قصيره إذا فرض ترتب أثر شرعي عليه، و مثال الحدث المردد بين الأصغر و الأكبر، و بين ان يكون بنفسه حكماً و أثراً شرعياً (كالمردد) بين كونه واجباً نفسياً، أو واجباً غيريا لواجب آخر قد علم بارتفاعه بنسخ و نحوه، و كما في العلم الإجمالي بوجوب الظهر أو الجمعة مع الإتيان بالجمعة، فانه على المختار في مفاد حرمة النقض من رجوعه إلى الأمر بالمعاملة مع اليقين الزائل أو المتيقن معاملة الباقي من حيث الجري العملي، يجري الاستصحاب بالنسبة إلى الكلي و القدر المشترك و يترتب عليه آثاره، سواء فيه بين ان يكون الكلي موضوعا لأثر شرعي، و بين ان يكون بنفسه تكليفا و أثرا شرعيا، كمثال الوجوب المردد بين الغيري و النفسيّ و وجوب الصلاة المردد بين الظهر و الجمعة (نعم) على القول برجوع هذه التنزيلات إلى جعل الأثر و المماثل، يشكل جريان الاستصحاب في الكلي فيما كان أثراً شرعياً، ينشأ ذلك من امتناع جعل كلي الأثر و القدر المشترك بلا كونه في ضمن فصل خاص (فانه) كما يستحيل جعل الوجوب الواقعي مجرداً عن الخصوصية النفسيّة و الغيرية، كذلك يستحيل جعل الوجوب‏

129

الظاهري مجرداً عن إحدى الخصوصيتين (فلا بد) حينئذ، اما من الالتزام بعدم جريان الاستصحاب فيه رأساً، أو الالتزام بجريانه مع المصير إلى كونه محدوداً قهراً بالحد النفسيّ بالملازمة العقلية، كما التزم به بعض الأعاظم قده على ما حكى عنه (بدعوى) ان ذلك من لوازم الأعم من الواقع و الظاهر، فمتى جرى الاستصحاب بالنسبة إلى الكلي و امتنع تحدده بالحد الغيري لمكان اليقين بارتفاع ما ثبت وجوبه لأجله بنسخ و نحوه يتعين كونه محدوداً بالحد النفسيّ (و لكنهما) كما ترى، فان الالتزام بعدم جريان الاستصحاب في الكلي في نحو المثال مشكل، كما ان الالتزام بجريانه فيه و اقتضائه بالملازمة العقلية لكونه وجوبا نفسيا أشكل.

و لكن الّذي يهون الخطب هو فساد أصل المبنى، لابتنائه على كون المتكفل للتنزيل في أمثال المقام هو الشارع نظير قوله الطواف بالبيت صلاة (و إلّا) فبناء على تكفل المكلف لذلك بإيجاب من الشارع بالبناء على بقاء اليقين أو المتيقن عملا الراجع إلى الأمر بالمعاملة مع اليقين الزائل أو المتيقن السابق معاملة الباقي عند الشك في بقائه بالجري العملي على طبقه من حيث الحركة أو السكون، فلا مجال لاستفادة جعل الأثر أو المماثل من نحو هذه الأوامر الظاهرية، لوضوح ان التنزيل الناشئ من كل شخص لا بد من ان يكون بلحاظ الأثر الناشئ من قبله، و الأثر الناشئ من قبل المكلف في أمثال المقام لا يكون إلّا عمله، لا جعل الأثر و المماثل كما هو ظاهر (و لا فرق) في ذلك بين القول برجوع النقض في لا تنقض إلى نفس عنوان المتيقن، أو إلى المتيقن بلحاظ اليقين مرآة إلى المتيقن في إرجاع النقض إليه، إذ هو على الأول ظاهر لعدم ترتب أثر شرعي على اليقين الطريقي حتى يكون التنزيل راجعا إلى جعل حقيقة الأثر أو المماثل، فتعين رجوعه إلى الأمر بالمعاملة بإبقائه عملا، (و كذلك) على الثاني، فانه و ان أمكن تصدى الشارع بنفسه للتنزيل بلحاظ جعل حقيقة الأثر أو المماثل، إلّا انه يلزم كون النهي المستفاد من الهيئة إرشادياً محضاً، نظير قوله أطيعوا اللَّه، لأن التنزيل مستفاد حينئذ من مادة النقض فيكون النهي المستفاد من الهيئة إرشادياً (بخلاف) ما ذكرناه، فانه عليه تكون الهيئة على ظاهرها من المولوية (و عليه) ترتفع الشبهة المتقدمة في استصحاب‏

130

الكلي في نفس الآثار.

وهم، و دفع‏

قد يورد على استصحاب الكلي في هذا القسم باستلزامه المصير إلى نجاسة الملاقى لأطراف العلم الإجمالي في فرض وقوع الملاقاة بعد تطهير أحد أطرافه معيناً، كما لو علم بنجاسة أحد جانبي عباءة من الأسفل أو الأعلى فغسل منها جانب معين يحتمل كونه هو الجانب المتنجس.

ثم لاقى بدن المصلى مع الرطوبة كلا من جانبيها المطهر و غير المطهر (حيث) ان لازم صحة استصحاب الكلي في الفرض المزبور هو الحكم بنجاسة الملاقى لجانبي العباءة المطهر و غير المطهر، لأن ملاقى مستصحب النجاسة كالملاقي للنجس محكوم شرعا بالنجاسة (مع) انه باطل قطعاً، ضرورة انه لا يحكم بنجاسة الملاقى للطرف غير المغسول منها، للشك في ملاقاته مع النجس، فكيف يحكم بنجاسته بضميمة ملاقاته للطرف المطهر منها، مع وضوح عدم تأثير ملاقاته للجانب المطهر في نجاسته (و هذه) الشبهة مما أورده السيد المحقق السيد إسماعيل الصدر (قده) في بعض مجالسه في النجف الأشرف و قد اشتهرت بالشبهة العبائية.

و قد أجيب عنها بوجوه (منها) ما عن بعض الأعاظم (قدس سره) حيث أفاد في المنع عن جريان الاستصحاب في الفرض المزبور على ما في تقرير بعض تلاميذه بان محل الكلام في استصحاب في الفرض المزبور على ما في تقرير بعض تلاميذه بان محل الكلام في استصحاب الكلي هو ما يكون المتيقن السابق مما بهويته و حقيقته مردداً بين ما هو مقطوع البقاء و ما هو مقطوع الارتفاع (و اما) إذا كان الإجمال و الترديد في محل المتيقن و موضوعه لا في نفسه و هويته، فلا يكون من استصحاب الكلي، بل يكون كاستصحاب الفرد المردد الّذي تقدم المنع عن جريان الاستصحاب فيه عند ارتفاع أحد الفردين، كما لو علم بوجود الحيوان الخاصّ في الدار و تردد بين ان يكون في الجانب الشرقي أو الغربي ثم انهدم الجانب الغربي و احتمل ان يكون الحيوان في الجانب الغربي و تلف بانهدامه (أو علم) بوجود درهم خاص لزيد فيما بين الدراهم العشر ثم ضاع درهم من الدراهم و احتمل كونه درهم زيد (أو علم) بإصابة العباءة نجاسة خاصة و تردد بين كونها في الطرف الأسفل أو الأعلى ثم، طهر طرفها

131

الأسفل، ففي جميع هذه الأمثلة استصحاب بقاء المتيقن لا يجري، و لا يكون من استصحاب الكلي، لأن المتيقن السابق امر جزئيّ حقيقي لا ترديد فيه، و انما الترديد في المحل و الموضوع، فهو أشبه شي‏ء باستصحاب الفرد المردد عند ارتفاع أحد فردي الترديد و ليس من الاستصحاب الكلي، ثم قال: و منه يظهر الجواب عن الشبهة العبائية المعروفة (أقول): و لا يخفى ما فيه (اما المثال) الأول، فهو و ان كانت تام المطابقة مع الممثل في ان الترديد فيه في محل المستصحب لا في حقيقته و هويته (و لكن نقول) انه بعد ما كان الشك في المحل موجبا للشك في وجود ما هو معلوم الهوية، فلا قصور في استصحابه و إذ هو نظير ما لو علم بوجود زيد في الدار و قد علم بأنه شرب مائعاً مردداً بين كونه ماء أو سما قاتلا من حيث اقتضاء الترديد في المشروب الترديد في حياته (فكما) يجري فيه الاستصحاب و يترتب على بقائه في الزمان المتأخر آثاره الشرعية من حرمة تزويج زوجته و عدم جواز تقسيم أمواله و نحو ذلك (كذلك) في نحو المثال، و مجرد عدم كونه من باب الاستصحاب الكلي غير ضائر بالمقصود، لأن المقصود جريان الاستصحاب في نحو المثال المزبور و ان لم يكن من استصحاب الكلي المردد في هويته، بل كان من باب الاستصحاب الشخصي (و اما المثالين) الأخيرين، (ففيه) أو لا في كونهما من قبيل المثال الأول مناقشة واضحة، و ذلك في الأول منهما و هو مثال الدرهم ظاهر (لوضوح) ان الترديد فيه انما يكون من الترديد في الوجود الملازم للترديد في الهوية، لا من الترديد في محل المتيقن و موضوعه، فكان الإجمال و الترديد في شخص الدرهم الّذي كان لزيد في كونه هو الدرهم التالف أو الباقي (و كذلك) المثال الأخير، فانه بعد الجزم بان النجاسة كالقذارات الخارجية من سنخ الاعراض الخارجية المتقومة بالموضوع و المحل و الجزم أيضاً بامتناع انتقال العرض القائم بالمحل المتقوم به إلى محل آخر (نقول) ان الترديد المتصور في المثال يكون من الترديد بين الوجودين الراجع إلى الترديد في الهوية المتصور في المثال يكون من الترديد بين الوجودين الراجع إلى الترديد في الهوية لا من الترديد في المحل و الموضوع، حيث كان مرجع ذلك إلى تردد تلك النجاسة المعلومة في المثال بين الوجودين أحدهما مقطوع البقاء و الآخر مقطوع الارتفاع، فلا يرتبط ذلك بباب‏

132

إجمال موضوع المتيقن و محله كما في مثال الحيوان المردد كونه في جانب الشرقي من الدار أو الغربي منها كما هو واضح (و ثانياً) على فرض تمامية الأمثلة المزبورة في كونها من باب الترديد في محل المتيقن و موضوعه؛ لا في حقيقته (نقول): ان الترديد في المحل بعد ما كان موجباً للترديد في وجود ما هو المتيقن سابقا بشخصيته و هويته، فلا قصور في استصحابه لتمامية أركانه فيه من اليقين بالوجود و الشك في البقاء، فيستصحب بقاء شخص الدرهم الّذي كان لزيد، و بقاء شخص تلك النجاسة التي أصابت العباءة بعد غسل الجانب الأسفل منها، فيترتب على بقائها في الزمان المتأخر آثارها الشرعية من المانعية عن صحة الصلاة معها، فيتوجه حينئذ الشبهة المعروفة (إذ هي) غير مبتنية على كون الاستصحاب المزبور من باب الاستصحاب الكلي، بل هي جارية و لو على فرض كونه من باب الاستصحاب الشخصي (و اما) دعوى عدم جريان الاستصحاب في أمثال المقام و لو شخصياً حتى بلحاظ أثر المانعية عن صحة الصلاة، فهو كما ترى.

فالإنصاف ان إيراد ما أفيد تقريباً للإشكال أولى من كونه دفعا له (فالتحقيق) في دفع الشبهة ان يقال: انه بعد الجزم بان الطهارة و النجاسة من سنخ الاعراض الخارجية الطارية على الموجودات الخارجية بحيث لا بد في عروضها على الشي‏ء من كونه في ظرف الفراغ عن وجوده خارجا، لا من سنخ الأحكام التكليفية المتعلقة بالطبيعة الصرفة القابلة للانطباق خارجا (و الجزم) أيضا بان في صحة استصحاب الشي‏ء و التعبد ببقائه لا بد من لحاظ الأثر الشرعي المصحح له في كونه من آثار وجوده بنحو مفاد كان التامة أو من آثاره بنحو مفاد كان الناقصة (ان عدم الحكم) بنجاسته الملاقى في الفرض المزبور انما هو لأجل ان نجاسة الملاقى من آثار نجاسة الملاقى بالفتح بنحو مفاد كان الناقصة، لا من آثار صرف وجود النجاسة بنحو مفاد كان التامة (و من المعلوم) ان مثل هذا العنوان لم يتعلق به اليقين السابق حتى يجري فيه الاستصحاب، إذ كل واحد من طرفي العباءة من الأسفل و الأعلى يكون مشكوك النجاسة من الأزل، و القدر الجامع بين المحلين أيضا بمقتضى المقدمة

133

الأولى لا يكون معروضا للنجاسة و انما المعروض لها هو الطبيعي الموجود في ظرف انطباقه على الفرد و هو لا يكون إلّا هذا الفرد و المحل أو ذاك الفرد و المحل الآخر الّذي عرفت عدم تعلق اليقين به (و اما) استصحاب نجاسة القطعة الشخصية المرددة فهو من استصحاب الفرد المردد الّذي عرفت عدم جريانه فيه (و اما) صرف وجود النجاسة في العباءة بنحو مفاد كان التامة، فاستصحابه و ان كان جاريا لتمامية أركانه فيه من اليقين بالوجود، و الشك في البقاء (و لكنه) بهذا العنوان لا يجدى في الحكم بنجاسة الملاقى بالكسر إذ هي من آثار كون الملاقى بالفتح نجسا بنحو مفاد كان الناقصة بحكم سراية النجاسة من الملاقي إلى الملاقي بالكسر (نعم) هو بهذا العنوان موضوع لأثر المانعية عن صحة الصلاة، فانها على ما يستفاد من الاخبار و كلمات الأصحاب من آثار وجود النجاسة في ثوب المصلى أو بدنه بمفاد كان التامة، فيجري فيه الاستصحاب بلحاظ الأثر المزبور، لا بلحاظ أثر نجاسة الملاقى (و حينئذ) تندفع الشبهة المعروفة، إذ لا يلزم من استصحاب طبيعة النجاسة المرددة انطباقها على الجانب الأسفل من العباءة أو الأعلى بلحاظ أثر المانعية بعد تطهير الجانب المعين منه نجاسة الملاقى لطرفي الزائل و الباقي كي ترد الشبهة المعروفة فافهم و اغتنم (هذا كله) فيما يتعلق بالقسم الثاني من استصحاب الكلي.

(القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي)

ما يكون الشك في بقاء الكلي لاحتمال قيام فرد آخر مقام الفرد المعلوم الّذي كان الكلي في ضمنه (و هذا) يتصور على وجوه (فان) الفرد المحتمل الآخر (تارة) يحتمل وجوده مع الفرد المعلوم حدوثه و ارتفاعه، كما لو علم بوجود زيد في الدار يوم الجمعة و خروجه عنها يوم السبت و احتمل وجود عمرو في الدار في حال وجود زيد فيها بحيث بقي هو فيها بعد خروج زيد عنها (و أخرى) يحتمل حدوثه مقارنا لارتفاع الفرد المعلوم، كما لو احتمل دخول عمرو في الدار مقارنا لخروج زيد

134

عنها (و في هذا القسم) (تارة) يكون المحتمل بقائه فرداً مبايناً في الوجود مع الفرد المعلوم و ان اشتركا في النوع أو الجنس، كالمثال المتقدم (و أخرى) يكون من مراتبه، كالسواد الضعيف المحتمل قيامه مقام السواد الشديد، مع كونه (تارة) بمثابة يعد كونه عرفا من مراتب الموجود السابق (و أخرى) بنحو يعد كونه عرفا مباينا معه، كالحمرة الشديدة التي زالت بورود الماء عليها و لم يبق منها الا مرتبة ضعيفة كادت تلحق بالصفرة، و هذان القسمان تختصان بالتشكيكيات بخلاف الأول فانه مختص بالمتواطئات و فيه يكون الشك في تبدل فرد بفرد آخر مغاير معه في الوجود، و فيهما في تبدل حد بحد آخر (فهذه) وجوه متصورة للقسم الثالث من أقسام الكلي (و في جريان) الاستصحاب في الجمع، أو عدم جريانه كذلك، أو التفصيل فيها بجريانه في الوجهين الأخيرين دون الأولين، أو جريانه في الوجه الثالث و هو ما يكون المشكوك اللاحق على نحو يعد عرفاً من مراتب الموجود السابق، دون الأولين و الوجه الرّابع، وجوه و أقوال (أقواها الأخير)

اما عدم جريانه في الوجهين الأولين‏

، و هما صورتا كون الشك في بقاء الكلي لأجل احتمال وجود فرد آخر مع الفرد المعلوم حدوثه و ارتفاعه، أو حدوثه مقارناً لارتفاعه (فلأنه) لا منشأ لتوهم جريان الاستصحاب الكلي فيهما الا تخيل ان الطبيعي بعد ما كان وجوده في الخارج بعين وجود فرده و حصته، فلا محالة يكون العلم بوجود الفرد و الحصة ملازماً للعلم بوجود الكلي في الخارج، و بارتفاع الفرد المعلوم و الشك في وجود فرد آخر مقارناً لوجود الفرد الأول أو مقارناً لارتفاعه، يشك في بقاء الكلي و ارتفاعه، فيجري فيه الاستصحاب لاجتماع أركانه جميعا من اليقين بالوجود و الشك في البقاء (و لكنه) تخيل فاسد، فان الطبيعي و ان كان موجوداً في الخارج بعين وجود فرده لا بوجود آخر ممتاز عن وجود فرده (و لكن) بعد ما يغاير وجوده في الخارج في ضمن كل فرد وجوده في ضمن الفرد الآخر و كان بقائه أيضا كحدوثه تابع بقاء الفرد و حدوثه بلحاظ ان بقاء الشي‏ء هو عين حدوثه حداً في كونه من تبعات الخصوصية الفردية حدوثا و بقاء، فلا محالة يكون العلم بانعدام الفرد ملازماً مع العلم بارتفاع وجود الطبيعي‏

135

الّذي حدث في ضمنه (لاستحالة) بقائه بحده بحدوث فرد آخر منه، لأن ما حدث في ضمن فرد آخر انما هو وجود آخر للكلي غير ما علم بحدوثه في ضمن الفرد السابق (و حينئذ) فاحتمال وجود فرد آخر للكلي و ان كان احتمالا لوجود الكلي في الخارج في الزمان اللاحق، و لكن الوجود المشكوك لا يكون بقاء للوجود المعلوم سابقا، لأنه مما علم بارتفاعه الفرد المعلوم، فلا يكون الشك في الوجود المشكوك شكا في بقاء ما علم بحدوثه حدا حتى يجري فيه الاستصحاب (و بذلك) يتضح الفرق بين هذا القسم من الكلي و بين القسم السابق، فان في القسم السابق يكون نفس الكلي و القدر المشترك بين الفردين بوجوده المتحقق في ضمن أحد الفردين مشكوك البقاء و الارتفاع في الزمان المتأخر من جهة احتمال كون الحادث هو الفرد الباقي، ففيه يكون وجود الكلي بحده مركزاً لليقين و الشك، بخلاف هذا القسم فان الشك فيه لم يتعلق بعين ما تعلق به اليقين السابق، و انما هو متعلق بوجود آخر للكلي غير ما علم بحدوثه، فلذلك لا يجري فيه الاستصحاب (نعم) غاية ما تقتضيه العينية بينهما انما هو العينية الذاتيّة (و لكن) مثله لا يكون مداراً لصدق النقض و الإبقاء في باب الاستصحاب كما لا يخفى.

و قد أورد على الاستصحاب المزبور بوجه آخر و حاصله منع ملازمة العلم بوجود الفرد للعلم لوجود الكلي و القدر المشترك، بدعوى ان العلم بوجود الفرد انما يلازم العلم بوجود حصة من الكلي المتحقق في ضمنه، لا العلم بوجود الكلي بما هو هو، فمع تغاير الحصص لا مجال لجريان الاستصحاب، لأن ما علم بوجوده هي الحصة المتحققة في ضمن الفرد المعلوم، و قد علم بارتفاعها، و ما شك فيه هي الحصة الأخرى من الكلي غير الحصة المعلومة سابقا (و فيه) ما لا يخفى، فان الكلي بعد ما كان بنفسه موجوداً في الخارج بعين وجود فرده و حصته، لا بوجود آخر مغاير لوجود فرده، لا وجه للمنع عن ملازمة العلم بوجود الفرد و الحصة للعلم بوجود الكلي و القدر المشترك الّذي هو منشأ انتزاع هذا المفهوم (كيف) و لازم المنع المزبور هو المنع عن استصحاب الكلي في القسم الثاني أيضا، بلحاظ اقتضاء تغاير الحصص لتردد

136

المعلوم بين الحصتين الموجب لعدم جريان الاستصحاب فيه بعين ما التزم في المنع عن استصحاب الفرد المردد كما أشرنا إليه سابقاً (و حينئذ) فالعمدة في المنع عن استصحاب الكلي في هذا القسم هو ما ذكرناه (هذا كله) في استصحاب الوجه الأول و الثاني من القسم الثالث من استصحاب الكلي.

و اما الوجه الثالث من القسم المزبور

، و هو ما كان الشك في البقاء لأجل احتمال بقاء مرتبة من المستصحب بعد اليقين بارتفاعه بمرتبة أخرى، كالسواد الشديد الّذي علم بورود الماء عليه فشك في زواله بالمرة أو بقائه بمرتبة أخرى دونه، فقد عرفت كونه على وجهين من حيث ان المرتبة التي تحتمل بقائها تارة تكون في الضعف بمثابة يحسبها العرف مباينة مع الموجود السابق، و أخرى بمثابة تعد كونها عرفا من مراتبه (اما الوجه) الأول، فجريان الاستصحاب فيه مبني على كفاية وحدة القضية المتيقنة و المشكوكة بالمداقة العقلية في جريان الاستصحاب، و إلّا فعلى ما سيأتي من عدم كفاية ذلك و اعتبار وحدتهما بالأنظار العرفية، فلا يجري فيه الاستصحاب (و اما) الوجه الثاني، فيجري فيه الاستصحاب بلا كلام لاجتماع أركانه فيه من اليقين بالوجود و الشك في البقاء و اتحاد القضيتين بالمداقة العقلية و الأنظار العرفية، حيث انه بعد عدم اقتضاء تبادل الحدود اختلافا في ذات المحدود، كان الموجود السابق بذاته و هويته محفوظا في جميع المراتب المتبادلة شدة و ضعفا، لأن التبادل انما كان ممحضا في خصوص الحدود الموجبة لتشخص المرتبة و تميزها عما عداه، لا في ذات المحدود المحفوظ في جميع المراتب (فإذا) احتمل بقاء المستصحب و لو بمرتبة ضعيفة، فلا جرم يجري فيه الاستصحاب الكلي لصدق البقاء في مثله على كل من النّظر الدقي و العرفي (بل ان تأملت) ترى اندراج مثل الفرض في القسم الأول من أقسام استصحاب الكلي الجاري فيه استصحاب كل من الشخص و الكلي، لانحفاظ الموجود الأول بهويته و شخصيته في جميع المراتب المتبادلة و عدم كون الحدودات المختلفة الا من الحدودات العارضة على الفرد فارغا عن فرديته للطبيعي لا من الحدودات المقومة لفردية الفرد فتأمل.

137

«تذنيبان»

[التذنيب‏] (الأول)

لو كان هناك أثر بسيط للجامع بين الفردين المتفقين في الحقيقة بنحو الطبيعة السارية، لا صرف الوجود، و قد علم بوجود فرد للكلي المزبور في زمان و ارتفاعه في زمان فشك في وجود فرد آخر للكلي في حال وجود الفرد المعلوم أو حدوثه مقارناً لارتفاعه بلا تخلل عدم بينهما، فبالنسبة إلى السبب لا شبهة في انه لا يجري فيه الاستصحاب، لما تقدم من انتفاء الشك في البقاء (و اما) بالنسبة إلى المسبب فالظاهر انه لا قصور في استصحابه لاجتماع جميع أركانه فيه من اليقين بالوجود و الشك في البقاء و اتحاد متعلق الوصفين، حيث يصدق انه كان على اليقين من وجود الأثر فشك في بقائه بارتفاع الفرد المعلوم الحدوث، لاحتمال قيام فرد آخر مقام الفرد المعلوم حدوثه و ارتفاعه، نظير استصحاب بقاء هيئة الخيمة بحالها عند احتمال قيام عمود آخر مقام العمود الأول (و اما الإشكال) عليه باستلزامه المصير إلى الاستصحاب في نظائره من الأسباب و المسببات الشرعية في أبواب التكاليف و الأوضاع، كالزوجية و الوكالة و الولاية و نحوها، (كما لو علم) انه تزوج زيد هندا بعقد الانقطاع إلى مدة قد علم بانقضائها فشك في بقاء زوجيتها بعد ذلك، لاحتمال تزويجها ثانياً مقارناً لانقضاء الأول بعقد جديد، أو علم بوكالة زيد لعمرو في التصرف في ماله في زمان محدود فشك بعد انقضاء الزمان في بقاء وكالته، لاحتمال إنشاء وكالة جديدة له مقارناً لانقضاء الأول (و كذا) لو علم بوجوب الصوم عليه إلى مدة معينة بنذر و شبهه فشك في حدوث نذر آخر منه متعلق بصومه من حين انقضاء المدة إلى مدة أخرى إلى غير ذلك من الأمثلة (حيث) ان لازم البيان المزبور هو الالتزام بجريان الاستصحاب في نحو الأمثلة المزبورة، و هو كما ترى لا يظن التزامه من أحد (فمدفوع) بالفرق بين ما ذكرناه و بين تلك الأمثلة، فان الاستصحاب الجاري فيها

138

انما هو من استصحاب الوجه الأول و الثاني من القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي، لأن المعلوم السابق فيها فرد من الزوجية و الوكالة و هو مما علم بارتفاعه بانقضاء أجله، و ما شك فيه فرد آخر من الزوجية و الوكالة احتمل حدوثه بسب جديد، فلا يكون المشكوك في الزمان المتأخر عين الفرد المعلوم السابق، بل مقتضى الأصل فيها هو عدم حدوث ما شك في وجوده في الزمان المتأخر (و أين ذلك) و ما ذكرنا من استصحاب المسبب في نحو مثال هيئة الخيمة، فان المستصحب فيه امر وحداني شخصي لا يتغير عما هو عليه من الوحدة الشخصية و لا يتعدد وجوده بتبادل أعمدة الخيمة (مع ان) بين مفروض الكلام و الأمثلة المزبورة فرق آخر، و هو ابتلاء الأصل الجاري فيها بالأصل الحاكم عليه و هو استصحاب عدم وجود السبب الجديد، فانه يترتب على استصحابه بضم الوجدان السابق عدم وجود المسبب شرعاً (بخلاف) ما فرضناه من نحو مثال الخيمة، فانه من جهة كونه من الأسباب و المسببات الخارجية لا يجري فيه الأصل في السبب حتى يقدم على استصحاب المسبب أو يعارضه، لعدم كون الترتب في مثله الا عقليا محضاً، بخلاف الأمثلة المزبورة، فانها من جهة كونها من قبيل الأسباب و المسببات الشرعية يكون الترتب فيها شرعياً لا محالة، و بذلك يجري فيها الأصل في السبب و بانضمام ذلك مع الوجدان السابق يترتب انتفاء المسبب فتدبر.

(التذنيب الثاني)

قد جرى ديدن الاعلام على التمثيل لاستصحاب القسم الثاني من الكلي باستصحاب الحدث المردد بين الأكبر و الأصغر عند خروج البلل المردد بين البول و المني (و حيث) ان للفرض المزبور شقوق متعددة، من حيث الجهل بالحالة السابقة على خروج البلل، أو العلم بها من حيث الطهارة أو الحدث من الأكبر أو الأصغر (فالحري) هو التعرض لتلك الشقوق و افراد كل واحد منها بالبحث من حيث كونه مجرى للاستصحاب و عدمه (فنقول): اما إذا لم يعلم بالحالة السابقة أو علم بها و كانت هي الطهارة، فلا شبهة في كونه مجرى لاستصحاب الحدث، بل هو المتيقن من مورد كلماتهم، فانه حين خروج البلل المردد يعلم بتحقق طبيعة الحدث و الحالة المانعة عن صحة الصلاة، و بعد فعل الوضوء يشك في ارتفاع الحدث فيجري فيه‏

139

الاستصحاب بلحاظ آثار الجامع و القدر المشترك بين الفردين من نحو المانعية عن الصلاة و عدم جواز مس كتابة القرآن، و ان لم يترتب عليه آثار خصوصية الحدث الأكبر، كحرمة دخوله في المسجد و مكثه فيه، و حرمة قراءة العزائم (و اما) إذا كانت الحالة السابقة هي الحدث (فان) كان الحدث المعلوم هو الأكبر أي الجنابة، فلا شبهة في عدم كونه مجرى للاستصحاب الكلي، بل هو خارج عن فرض كلامهم في المقام الّذي هو فرض الشك في بقاء الحدث بعد فعل الوضوء قطعا، بداهة عدم كون مثل الفرض من موارد العلم بالحدث المردد بين الزائل و الباقي، فلا محيص حينئذ من الغسل، و بدونه يقطع تفصيلا ببقاء الحدث السابق و لو مع الإتيان بالوضوء، من غير فرق بين القول بعدم تأثير الحدث بعد الحدث أو القول بتأثيره كما هو واضح (و اما ان كان) الحدث السابق هو الأصغر (فان قلنا) بعدم المضادة بين الحدثين و إمكان اجتماعهما في زمان واحد في محلين بحيث عند طرو الأكبر يكون المتحقق شخصان من الحدث، غاية الأمر انه مع اجتماعهما لا تأثير للأصغر في إيجاب الوضوء، لانحصار الرافع حينئذ بما يقتضيه الأكبر و هو الغسل، فلا مجال أيضا لاستصحاب الكلي، لأنه من استصحاب الوجه الأول من القسم الثالث من أقسام الكلي الّذي كان الشك في بقائه لأجل الشك في مقارنة فرد آخر للفرد المعلوم وجوده سابقاً، فانه حين صدور البلل المشتبه يقطع بوجود شخص حدث و يشك في حدوث شخص حدث آخر، فاستصحابه بعد الوضوء يكون من استصحاب القسم الثالث الّذي قلنا بعدم جريانه فيه (فيكتفي) حينئذ بصرف الوضوء في فعل كل ما اشترط في صحته أو جوازه بالطهارة، و لا أثر للعلم الإجمالي حين خروج البلل المشتبه، إذ لا يعلم بتوجيه خطاب جديد من قبل البلل الحادث بعد تردده بين ما له الأثر و ما ليس له الأثر، و احتمال كونه منيا شبهة بدوية مدفوعة بالأصل، حيث تجري أصالة عدم حدوث سبب الجنابة، و لا يعارضها أصالة عدم صدور البول، لأنه لا أثر له بعد كونه محدثاً بالحدث الأصغر (و كذلك) الأمر فيما لو احتملنا عدم المضادة بين الحدثين، فانه و ان علم حين خروج البلل بالحدث المردد بين الوجودين أو وجود واحد مردد بين الأصغر و الأكبر بلا علم تفصيلي بما يوجب‏

140

انحلاله (و لكن) بعد احتمال اجتماعهما وجوداً و بقاء الأصغر بحده الخاصّ لا يجري الاستصحاب الكلي، لعدم إحراز كون المشكوك الباقي بعد الوضوء عين المتيقن السابق، لاحتمال كون المعلوم السابق غيره، فيكتفي بموجب الحدث الأصغر و هو الوضوء في فعل كل ما اشترط فيه الطهارة، باستصحاب بقاء الأصغر بحده الخاصّ إلى حين خروج البلل المشتبه بضميمة أصالة عدم صدور الحدث الأكبر (و ان قلنا) بالمضادة بين الحدثين، فتارة تكون المضادة بينهما في خصوص حديهما لا في ذاتيهما بحيث يكون الأصغر عند طرو الأكبر محفوظا بذاته في ضمنه لا بحده، نظير السواد الضعيف المندك في ضمن الشديد منه (و أخرى) تكون المضادة حتى بالقياس إلى ذاتيهما، نظير ارتفاع لون بطرو لون آخر مضاد له (فعلى الأول) لا قصور ظاهراً في استصحاب الكلي بعد الإتيان بالوضوء، إذ حين طرو البلل يعلم إجمالا بوجود الحدث المردد بين الحدين، و بعد الوضوء يشك في ارتفاعه، فيستصحب بقائه، بل و يجري فيه الاستصحاب الشخصي أيضا، بناء على عدم ارتفاع الأصغر المقرون مع الأكبر إلّا بالغسل، و اختصاص رافعية الوضوء له بحال انفراده عن الحدث الأكبر، إذ حينئذ مع الشك في وجود الأكبر لأجل البلل المردد يشك في ارتفاعه بالوضوء فيستصحب بقائه (نعم) لو قلنا برافعية الوضوء للأصغر مطلقا و لو في ظرف وجود الأكبر، مؤيداً ذلك بما ورد من مشروعية الوضوء للحائض في أوقات الصلوات و لنوم الجنب لا يجري استصحاب الشخص للقطع بارتفاعه بالوضوء على كل حال، فينحصر مجرى الاستصحاب حينئذ في الكلي و القدر المشترك بين الأصغر و الأكبر، و لازمه هو الجمع بين الطهارتين و عدم الاكتفاء بصرف الوضوء في رفع مانعيته للصلاة (اللهم) إلّا ان يمنع عن هذا الأصل بكونه من استصحاب القسم الثالث الّذي كان الشك في بقاء الكلي لأجل الشك في مقارنة فرد آخر مع الفرد المعلوم سابقا، لمكان العلم التفصيليّ حين طرو البلل بثبوت الحدث الأصغر و لو لا بحده الخاصّ، و الشك في حدوث الأكبر، فأصالة عدم حدوثه محكمة و مقتضاها عدم الحاجة إلى الغسل و جواز الاكتفاء بصرف الوضوء في صحة الصلاة (و اما على الثاني) من فرض تضاد

141

الحدثين ذاتاً و حداً، فيجري فيه استصحاب الكلي في الحدث المعلوم المردد وجوده حال خروج البلل بين الأصغر و الأكبر لكونه من استصحاب القسم الثاني من أقسام الكلي (حيث انه) بإتيان الوضوء يشك في ارتفاع الحدث المعلوم وجوده إجمالا و الأصل يقتضى بقائه، و لازمه وجوب الغسل و عدم جواز الاكتفاء بصرف الوضوء في رفع أثر المانعية (و أصالة) عدم حدوث الأكبر غير مجدية، لعدم كونها رافعة في رفع أثر المانعية (و أصالة) عدم حدوث الأكبر غير مجدية، لعدم كونها رافعة للشك في بقاء الكلي و القدر المشترك، و لا لرفع اثره من مانعيته للصلاة الا على القول بالأصول المثبتة، كما ان أصالة بقاء الأصغر بحده الخاصّ حال خروج البلل المردد غير مجدية أيضا لرفع الشك الوجداني عن بقاء الجامع، و لا لرفع اثره، بل و لا للاكتفاء بصرف الوضوء في صحة الدخول في الصلاة (لوضوح) ان رافعية الوضوء للحدث في هذا الحال انما هو من لوازم انحصار طبيعة الحدث بالأصغر وجداناً، و إلّا فشأنه ليس إلّا رفع الحدث الأصغر بخصوصه، و إثبات هذه الجهة من الانحصار خارج عن عهدة الأصل المزبور، الا على فرض القول بالمثبت (و حينئذ) فيجري استصحاب كلي الحدث المعلوم بالإجمال حال خروج البلل المشتبه، و لازمه بحكم العقل هو الجمع بين الطهارتين تحصيلا لليقين بارتفاع الحدث، هذا (و لكن) الظاهر هو عدم التزامهم بذلك، حيث ان بنائهم على الاكتفاء بالوضوء محضاً لمن كان محدثاً بالأصغر و احتمل طرو الجنابة عليه لأجل البلل المردد بين البول و المني، نظراً منهم إلى قاعدة الاستصحاب (فلا بد) حينئذ اما من الكشف عن بنائهم على عدم التضاد بين الحدثين رأساً، أو يكون التضاد بينهما في خصوص حديهما لا في ذاتيها، كما لعله هو الظاهر المستفاد من الأدلة أيضاً من مثل قوله (عليه السلام) الوضوء نور و ان الوضوء بعد الوضوء نور على نور، و قوله (عليه السلام) أي وضوء أنقى من الغسل، حيث ان المستفاد منها هو ان الوضوء و الغسل و لو باعتبار الأثر الحاصل منهما و هو النورية و النظافة المعنوية من سنخ الحقائق التشكيكية التي لها مراتب متفاوتة شدة و ضعفا، فيستفاد بقرينة المقابلة ان الحدث الّذي هو من القذارة المعنوية و الكسالة الروحية أيضاً من الحقائق التشكيكية المختلفة حداً و مرتبة، كما يومي إليه قوله (عليه السلام) في المرأة التي ترى الدم و هي جنب قد أتاها

142

ما هو أعظم من ذلك (و اما) من دعوى ان موضوع وجوب الوضوء على ما يستفاد من الأدلة عبارة عن المركب من امر وجودي و هو النوم مثلا، و امر عدمي و هو عدم الجنابة، فيندرج المثال في الموضوعات المركبة التي يحرز بعضها بالوجدان و بعضها بالأصل، فان النائم الّذي احتمل جنابته من جهة البلل المردد بين البول و المني، قد أحرز جزئي الموضوع لوجوب الوضوء، أحدهما و هو النوم بالوجدان، و ثانيهما عدم الجنابة بالأصل فيجب عليه الوضوء و يكتفى به في صحة صلاته، كان هناك استصحاب حدث أم لا (و لكن) دعوى الأخير مبنى على ان لا يكون الطهارة شرطا للصلاة و لا الحدث مانعا، بل كان الشرط هو نفس الوضوء عند تحقق موجبه و هو النوم و نحوه، و نفس الغسل عند تحقق الجنابة (و إلّا) فعلى فرض شرطية الطهارة للصلاة كما هو مقتضى قوله (عليه السلام): لا صلاة إلّا بطهور، أو مانعية الحدث عن صحة الصلاة، فلا يجدي هذا التقريب للاكتفاء بصرف الوضوء في صحة الصلاة؛ نظراً إلى الشك في مؤثرية الوضوء في هذا الحال في الطهارة و رافعيته للحدث المعلوم وجوده بإجمال فتأمل.

(تذييل)

الّذي يظهر من كلمات الأصحاب قدس أسرارهم هو التسالم على جريان أصالة عدم التذكية عند الشك في تذكية الحيوان و إثباتهم بها حرمة لحمه و نجاسته (و قد خالف) في ذلك جماعة منهم الفاضل التوني قده، حيث أورد على المشهور في حكمهم بنجاسة الجلد المطروح باستصحاب عدم التذكية، بان عدم المذبوحية لازم لأمرين الحياة، و الموت حتف الأنف (و الموجب) للنجاسة ليس هذا اللازم من حيث هو، بل ملزومه الثاني و هو الموت حتف الأنف، فعدم المذبوحية لازم أعم لموجب النجاسة (فعدم) المذبوحية اللازم للحياة مغاير لعدم المذبوحية اللازم للموت حتف الأنف، و المعلوم ثبوته في الزمان السابق هو الأول، لا الثاني إلخ‏

(و قد استدل) عليه أيضا بوجهين آخرين‏

(الأول)

ان الموضوع لكل من حرمة لحم الحيوان و نجاسته و حليته و طهارته امر وجودي، فموضوع الحرمة و النجاسة هي الميتة التي هي عبارة عن الحيوان الّذي مات حتف أنفه، كما ان موضوع الحلية و الطهارة عبارة عن المذكى، فهما امران وجوديان و لا بد من إحرازهما، و أصالة عدم‏

143

التذكية بعد ما لم يثبت عنوان الميتة، بلحاظ عدم اقتضاء نفي أحد الضدين بالأصل لإثبات الضد الآخر الا على المثبت، فلا جرم يجري استصحاب العدم من الطرفين، و بعد تساقط الأصلين بالمعارضة يرجع إلى أصالة الحل و الطهارة في اللحم المشكوك‏

(الثاني)

انه على تقدير ان يكون الموضوع للحرمة و النجاسة هو نفس عدم التذكية لا عنوان الميتة التي هي امر وجودي (فلا شبهة) في انه ليس الموضوع للحرمة و النجاسة مطلق عدم التذكية و عدم المذبوحية، بل هو العدم المقيد في حال خروج روح الحيوان، فلعنوان الحالية أيضا دخل في موضوع الحكم (و واضح) انه ليس لهذا العنوان المقيد حالة سابقة حتى يستصحب (لأن) خروج الروح اما ان يكون عن تذكية، و اما لا عن تذكية، فلم يتحقق زمان كان فيه خروج الروح اما ان يكون عن تذكية، و اما لا عن تذكية، فلم يتحقق زمان كان فيه خروج روح الحيوان و لم يكن عن تذكية حتى يجري فيه الأصل (و اما) عدم التذكية في حال حياة الحيوان بمفاد ليس التامة فهو و ان كان على يقين منه سابقا، و لكن الأصل فيه لا يثبت العدم الخاصّ الا على القول بالأصول المثبتة فينتهي الأمر حينئذ إلى أصالة الحل و الطهارة، هذا

(و لكن) لا يخفى ما في هذين الوجهين.

اما الوجه الأول‏

ففيه أولا منع كون الميتة هي خصوص ما مات حتف الأنف، بل هي في عرف الشارع عبارة عن مطلق ما لم يقع عليه التذكية بشرائطها المقررة من الذبح بالحديد و كونه مع التسمية و مستقبل القبلة مع إسلام الذابح، فمتى اختل أحد هذه الأمور كان الحيوان ميتة و ان لم يزهق روحه حتف أنفه (و على فرض) ان تكون الميتة خصوص الموت حتف الأنف، فلا ريب في عدم اختصاص موضوع الحرمة و النجاسة بالعنوان المزبور، فان الحكم بالحرمة و النجاسة كما رتب في الأدلة على عنوان الميتة، كذلك رتب على عدم المذكى في قوله سبحانه: «و لا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللَّه عليه» و قوله تعالى: «و كلوا مما ذكيتم» فيكفي أصالة عدم التذكية في المشكوك لإثبات الحرمة بل النجاسة، و ان لم يثبت بها عنوان الميتة (و مع) الإغماض عن ذلك أيضا لا وجه للرجوع إلى أصل الحل و الطهارة فيما شك في تذكيته عند تعارض الأصلين، بل اللازم حينئذ هو الرجوع إلى أصالة الحرمة

144

و الطهارة الثابتتين للحيوان في حال حياته لحكومتهما على قاعدتي الحلية و الطهارة و التفكيك بين الطهارة و الحلية في الظاهر غير ضائر، لأنه غير عزيز في الأحكام الظاهرية، فيمكن التعبد بطهارة ما شك في تذكيته و حرمة أكله، و ان لم يمكن ذلك بحسب الواقع (و هذا) أيضا بناء على تلازم الحكمين في غير المذكى في نفس الأمر و الواقع، و إلّا فعلى احتمال اختصاص موضوع النجاسة بعنوان الميتة و الموت حتف الأنف فالامر أظهر.

(و اما الوجه الثاني)

ففيه أيضا منع دخل الإضافة الحالية في المقام في موضوع الحرمة بل الموضوع لها عبارة عن الجزءين المجتمعين في زمان واحد أعني زهوق روح الحيوان و عدم تذكيته و التعبير بعنوان الحالية انما هو لمجرد الظرفية و اجتماعهما في الزمان، لا من جهة دخل تلك الإضافة في موضوع الحكم، فيمكن حينئذ إثبات موضوع الحرمة و النجاسة باستصحاب عدم تذكية الحيوان إلى زمان خروج روحه، لكونه كسائر الموضوعات المركبة المحرزة بعضها بالوجدان و بعضها بالأصل (و كون) عدم تذكية الحيوان في حال حياته مما لا أثر له شرعا غير ضائر بعد كونه في ظرف خروج الروح ذا أثر شرعي (و على فرض) ان يكون لإضافة الحالية دخل في ترتب الحكم، نقول: ان المقصود من عنوان الحال في نحو هذه المقامات انما هو مجرد إضافة الشي‏ء المشروط إلى شرطه و قيده الأعم من الواقع و الظاهر، نظير الصلاة في حال الطهارة و غيرها من المشروطات و المقيدات، فيمكن إثباتها باستصحاب عدم التذكية إلى حين زهوق الروح، فانه كما ان بوجود القيد واقعاً يعتبر العقل الإضافة بين الشيئين، كذلك يعتبرها بإحراز وجوده ظاهراً و تعبداً، و لا يرتبط ذلك بباب المثبت (و لذا) لم يستشكل أحد في الحكم بصحة الصلاة عند الشك في الطهارة باستصحابها إلى حين الدخول في الصلاة بمثبتية الأصل المزبور، و لا يكون ذلك الا من جهة كون مثل هذه التقيدات من لوازم الأعم من وجدان القيد واقعا أو تعبداً و تنزيلا (و ان) شئت قلت ان اعتبار مثل هذه الإضافات تابع تحقق طرفيها فمتى تحقق طرفاها بالوجدان أو التعبد يعتبر العقل تلك الإضافة الخاصة بينهما و لا يكون ذلك مرتبطا بباب المثبت (نعم) انما يكون كذلك فيما كان الموضوع هو الذات المتصف بالوصف العنواني‏

145

بان كان القيد مأخوذاً نعتاً لموضوع الحكم لا مجرد كونه طرف إضافته (و لكن) اني بإثباته في نحو المقام فتأمل.

(التنبيه الرابع)

قد يستشكل في جريان الاستصحاب في الأمور التدريجية غير القارة، كالزمان و الزمانيات المبنية على التجدد و الانصرام (بتوهم) ان مورد الاستصحاب كما يقتضيه تعريفه و يستفاد من أدلته انما يكون في فرض الشك في بقاء ما كان، و لا يتصور البقاء في مثل الزمان، و لا في الزمانيات من الموجودات التصرمية التي توجد و تنصرم البقاء في مثل الزمان، و لا في الزمانيات من الموجودات التصرمية التي توجد و تنصرم شيئاً فشيئا على التدريج كالحركة و التكلم و نحوهما حتى يشك في بقائها، فيجري فيها الاستصحاب (لأن) بقاء الشي‏ء عبارة عن استمرار وجود الشي‏ء بجميع حدوده في الآن الثاني بعين وجوده في آن حدوثه و هو غير متصور في الموجودات التصرمية زماناً كانت أو زمانية، فانها بقطعتها الموجودة سابقاً كانت من عدمه في الآن الثاني و بقطعتها الأخرى تكون مشكوكة الحدوث، فلا يجري فيها الاستصحاب، بل و لا في القار الّذي كان الزمان قيداً له (و نظير) هذا الإشكال، الإشكال المعروف في مبحث المشتق في نحو أسماء الزمان كالمقتل و غيره. حيث قيل بخروجها عن محل النزاع بلحاظ ان الذات المتلبسة بالمبدإ فيها بنفسها متقضية مع المبدأ لا ان الانقضاء مختص باتصافها بالمبدإ، فلا يصدق على الزمان الفعلي الموجود انه ذات انقضى عنها المبدأ كي يجري فيها النزاع (و لكن) التحقيق صحة الاستصحاب فيها كغيرها من الأمور القارة

(و تنقيح) المرام يستدعى عقد الكلام في مقامات.

(المقام الأول) في استصحاب الزمان‏

و ما يعرضها من العنوان الطاري كاليوم و الليل و الشهر و نحوها من العناوين المنتزعة من مجموع الأزمنة المتعاقبة المحدودة بين الحدين و المحصورة بين الحاصرين (و لا ينبغي) الإشكال في جريان الاستصحاب فيها

146

فان الآنات و الأزمنة المتعاقبة و ان كانت في الحقيقة وجودات متعددة متحدة سنخاً، و لكنها لما كانت على نهج الاتصال و لم يتخلل سكون بينها، كان الجميع بنظر العرف موجوداً واحداً مستمراً، و بهذا الاعتبار يعد الموجود اللاحق بقاء لما حدث أولا، فيصدق عليه الشك في بقاء ما حدث و تتحد القضية المتيقنة مع القضية المشكوكة، و ان لم يكن كذلك بحسب الحقيقة و الدقة (و حينئذ) إذا صدق الموجود الواحد المستمر على الوجودات المتعاقبة على نعت الاتصال، و كان مدار الوحدة في متعلق الوصفين على الأنظار العرفية لا على المداقة العقلية، فلا جرم يجري فيها الاستصحاب كجريانه في الأمور القارة لتمامية أركانه جميعا من اليقين السابق بالوجود و الشك اللاحق في البقاء (بل) يمكن ان يقال: انه ليس لعنوان البقاء أثر في أدلة الاستصحاب، فان الموجود فيها هو النهي عن نقض اليقين بالشك، و لا ريب في ان دائرة صدق النقض عرفا أوسع من البقاء الحقيقي و المسامحي، فيكون رفع اليد عن ترتب الأثر على الأمر التدريجي الّذي ينعدم و يوجد على التعاقب بالشك في انقطاع سلسلة وجوداته، نقضا لليقين بالشك عرفا (مع ان) الانصرام و التجدد المانع عن الاستصحاب كما أفاده المحقق الخراسانيّ انما هو في الحركة القطعية في الأين و غيره المنتزعة من الأكوان المتعاقبة على نهج الاتصال الموافية للحدود الواقعة بين المبدأ و المنتهى، و هي الصورة الممتدة المرتسمة في الوهم المجتمعة الاجزاء في مرحلة الخيال و المتفرقة في الخارج، كحركة الجوالة الموجبة لارتسام دائرة في الخيال، فهي باعتبار منشأ انتزاعها الّذي هي الأكوان المتعاقبة المتفرقة في الخارج تدريجية، فيأتي فيها الإشكال المزبور (و اما الحركة) التوسطية و هي الكون بين المبدأ و المنتهى و الآن السيال في الزمان، فلا قصور في جريان الاستصحاب فيها (إذ هي) بهذا الاعتبار من الأمور القارة، فيصدق عليها البقاء حقيقة لا مسامحة، هذا (و لكن) الإنصاف انه لا سبيل إلى دعوى صدق القار على الحركة بمعنى التوسط كي يتصور فيها البقاء الحقيقي، لما عرفت من ان البقاء الحقيقي للشي‏ء عبارة عن استمرار وجوده في ثاني زمان حدوثه بماله من المراتب و الحدود المشخصة له في آن حدوثه (و مثله) غير متصور في الحركة التوسطية في مثل‏

147

الزمان و نحوه بداهة انها ليست بحقيقتها الا عين التجدد و الانقضاء و الخروج من القوة إلى الفعل، فالموجود المتحقق منها في الخارج انما هو الحصول في حد معين و هو أمر آني لا قرار له، فهي بهذا الاعتبار عين الوجودات المتعاقبة و الحصولات المتدرجة الموافية للحدود المعينة، لأن كل واحد منها كون واقع بين المبدأ و المنتهى و فرد للحركة التوسطية و مرتبة من مراتب وجودها خارجا (و معه) كيف يمكن التفكيك بين الحركتين و جعلها بمعنى التوسط من القار الّذي يتصور له البقاء الحقيقي (فلا محيص) حينئذ من دفع شبهة البقاء بما ذكرناه من كفاية الوحدة العرفية الناشئة من كون الوجودات المتعاقبة على نعت الاتصال و عدم تخلل السكون بينها، في صدق البقاء الحقيقي أو دعوى كفاية كون الوجودات التصرمية على نهج الاتصال في صدق النقض عرفا على رفع اليد عن الأمر التدريجي بالشك في انقطاع سلسلة الوجودات، لا وسعية صدق النقض عرفا من البقاء الحقيقي و المسامحي (و على كل) من التقريبين لا فرق بين الحركة بمعنى القطع أو التوسط (فان) المصحح للاستصحاب حقيقة انما هو الاتصال المزبور الموجب لصدق البقاء الحقيقي أو العرفي، و هو كما يجدى في الحركة بمعنى التوسط، كذلك يجدى في الحركة بمعنى القطع (و عليه) فلا إشكال في جريان الاستصحاب في نفس الزمان (و كذا) الكلام فيما يعرضه من العناوين الطارية المنتزعة من مجموع الأزمنة المتعاقبة المحدودة بين الحدين كاليوم و الليل و نحوهما، فانه بهذا الاعتبار يكون كل آن جزء من الليل و النهار فيكون وجود الليل و النهار عرفا بوجود أول جزء منهما و بقائهما بتلاحق بقية الآنات المحدودة كونها بين الحدين، فإذا شك في بقائهما يجري فيهما الاستصحاب لاجتماع أركانه من اليقين بالوجود و الشك في البقاء و اتحاد القضيتين، هذا إذا كان الشك في البقاء من جهة الشبهة المصداقية (و اما) لو كان الشك فيه من جهة الشبهة المفهومية، كالشك في ان النهار ينتهى حده إلى آن غروب الشمس أو إلى ذهاب الحمرة المشرقية بعد القطع بغيبوبة الشمس فلا يجري فيه الاستصحاب، لكونه من استصحاب العنوان الإجمالي الّذي لا يكون مثله موضوعا لأثر شرعي، لأن ما له الأثر انما هو المحدود بأحد الحدين، و لا شك فيه في البقاء،

148

لكونه مقطوع البقاء على تقدير و مقطوع الارتفاع على تقدير آخر.

ثم ان ما ذكرناه من جريان الاستصحاب عند الشك في حدوث الزمان أو بقائه من الليل أو النهار أو الشهر و نحوها انما هو إذا كان الأثر الشرعي مترتباً عليه بنحو مفاد كان أو ليس التامة (و اما) إذا كان الأثر مترتباً عليه بمفاد كان أو ليس الناقصة، ككون الزمان الحاضر من الليل أو النهار أو من رمضان، ففي جريان الاستصحاب إشكال، ينشأ من ان المتصف بمفاد كان أو ليس الناقصة ليس له حالة سابقة حتى يستصحب، لأن الزمان الحاضر الّذي شك في ليليته أو نهاريته حدث اما من الليل و اما من النهار، فلا يقين باتصافه بكونه من الليل أو النهار (و استصحاب) بقاء الليل و النهار بمفاد كان التامة لا يثبت نهارية الزمان الحاضر أو ليليته حتى يترتب عليه اثره الخاصّ من وقوع متعلق التكليف أو موضوعه في الزمان الّذي أخذ كونه ظرفا لامتثاله (و لأجل ذلك يشكل الأمر في كلية الموقتات كالصلوات اليومية و الصوم في رمضان و نحوهما، نظراً إلى ان غاية ما يقتضيه استصحاب الليل أو النهار بمفاد كان التامة في مثل تلك الموقتات انما هو إثبات بقاء التكليف بالموقتات و وجوب الإتيان بها (و اما) إثبات وقوعها في الليل أو النهار أو رمضان الّذي أخذ ظرفا لها ليترتب عليه الامتثال و الخروج عن العهدة فلا (لأن) صدق كون العمل واقعا في الوقت المضروب له شرعا مبني على إثبات نهارية الزمان الحاضر أو ليليته أو رمضانيته، (و بعد) عدم إثبات الأصل المزبور نهارية الزمان الحاضر أو ليليته، فلا يترتب عليه الامتثال و الخروج عن عهدة التكليف بالموقت (و بذلك) تقل فائدة استصحاب الوقت و الزمان، لأن الأثر المهم فيه انما هو في الموقتات.

(و لكن) يمكن دفع الإشكال، (اما شبهة) استصحاب مفاد كان الناقصة فبان يقال: ان ذوات الآنات المتعاقبة كما تكون تدريجية، كذلك وصف الليلية و النهارية الثابتة لها أيضا تدريجية، تكون حادثة بحدوث الآنات و باقية ببقائها، فإذا اتصف بعض هذه الآنات بالليلية و النهارية و شك في اتصاف الزمان الحاضر بالليلية أو النهارية، فكما يجري الاستصحاب في نفس الزمان، و يدفع شبهة الحدوث فيما كان‏

149

اسما لمجموع ما بين الحدين، كذلك يجري الاستصحاب في وصف الليلية أو النهارية الثابتة للزمان، لأن صدق البقاء في الزمان كما يكون بتلاحق بقية الآنات بالآنات السابقة و لحاظ المجموع من جهة كونها على نعت الاتصال وجوداً واحداً ممتداً، كذلك بقاء وصف ليلتها يكون بتلاحق القطعة من الوصف الثابت للزمان الحاضر بقطعات الوصف الثابت للآنات السابقة، فلو شك حينئذ في ليلية الزمان الحاضر، فلا قصور في استصحاب الليلية الثابتة للآنات السابقة و جرها إلى زمان الحاضر، لرجوع الشك المزبور بعد اليقين باتصاف الآنات السابقة و جرها إلى زمان الحاضر، لرجوع الشك المزبور بعد اليقين باتصاف الآنات السابقة بالليلية أو النهارية إلى الشك في البقاء لا في الحدوث فيقال: بعد إلغاء خصوصية القطعات و لحاظ مجموع الآنات من جهة اتصالها امراً واحداً مستمراً، ان هذا الزمان الممتد كان متصفا بالليلية أو النهارية سابقاً و الآن كما كان، فيثبت بذلك اتصاف الآن المشكوك ليليته أو نهاريته بالليلية أو النهارية (و إلّا) فلو فتحنا باب هذا الإشكال يلزم سد باب الاستصحاب في الزمان في مثل الليل و النهار و لو بمفاد كان التامة، لجريان الإشكال المزبور فيه أيضا من حيث عدم تصور اليقين بالحدوث في مثل الليل و النهار الّذي هو اسم لمجموع ما بين الحدين من حيث المجموع و كون القطعة الحاضرة من الزمان غير القطعة الموجودة سابقا، (و كما يصح) استصحاب الليل و النهار بمفاد كان التامة، و تدفع شبهة عدم اليقين بالحدوث، بكفاية اليقين بوجود أول جزء من الليل عرفا في إحراز وجود الليل، كذلك يصح استصحاب اتصاف الزمان الشخصي الممتد إلى زمان الحاضر بالليلية أو النهارية.

و اما شبهة المثبتية في استصحاب الزمان بمفاد كان التامة في الموقتات، فتندفع أيضا بما سيتضح لك من بيان كيفية أخذ الزمان في أدلة الموقتات (فنقول): ان صور أخذ الزمان في أدلة الموقتات بنحو القيدية أو المقارنة؛ و المعية أربعة، لأنه اما ان يكون راجعا إلى الهيئة و الوجوب بناء على ما حققناه في محله من إمكانه (و اما) ان يكون راجعا إلى المادة (و كل) منهما باعتبار القيدية أو الظرفية، أو المقارنة و المعية ينقسم إلى قسمين، فتكون الصور أربعة (و بعد ذلك) نقول: اما ما كان راجعا بحسب ظاهر الدليل إلى الهيئة و الوجوب بنحو القيدية أو المقارنة و المعية، فلا شبهة

150

في صحة استصحابه عند الشك في بقائه و انه يترتب عليه الوجوب بلا كونه مرتبطاً بباب المثبت، لأنه من قبيل استصحاب الموضوع و إثبات الحكم الفعلي به.

و اما ما كان راجعا إلى الموضوع و المادة، فان كان على نحو المقارنة و المعية، كما لعله الظاهر في أكثر أدلة التوقيت في الموقتات، من نحو قوله (عليه السلام): إذا دخل الوقت وجب الطهور و الصلاة، و قوله سبحانه أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل، حيث كان المستفاد منها مجرد لزوم وقوع المأمور به صلاة أو صوما عند تحقق أوقاتها، بلا اقتضائها لكون الوقوع في الوقت المضروب لها شرطاً شرعياً، فلا إشكال في جريان الاستصحاب، فانه باستصحاب بقاء الليل أو النهار أو رمضان يترتب وجوب الإتيان بالصوم أو الصلاة، و يترتب عليه تحقق الامتثال و الخروج عن عهدة التكليف عقلا بإتيان المأمور به في الوقت المستصحب، لكونه من اللوازم العقلية المترتبة على الأعم من الواقع و الظاهر، و ان لم يتحقق معنى الظرفية و القيدية و لا يصدق على المأتي به عنوان وقوعه في الزمان الّذي كان من الليل أو النهار أو رمضان (إذ لا يحتاج) إلى إثبات هذا العنوان بعد عدم أخذ عنوان الظرفية قيداً لموضوع التكليف شرعا.

و اما إذا كان الزمان مأخوذاً في المأمور به على نحو القيدية أو الظرفية بحيث اعتبر عنوان وقوع الفعل في الوقت المضروب شرطاً شرعياً و فيمكن تصحيحه أيضاً بما بيناه من صحة استصحاب الليلية و النهارية للآنات التدريجية (إذ حينئذ) يصدق وقوع الفعل في الزمان كان ذلك الزمان ليلا أو نهارا، فانه لا نعنى من القيدية المزبورة الا إضافة الفعل إلى زمان متصف بالليلية أو النهارية، فوقوع أصل الفعل في زمان كان محرزاً بالوجدان و اتصاف ذلك الزمان بالليلية أو النهارية كان محرزاً بالأصل فيترتب عليه الامتثال و الخروج عن عهدة التكليف (و يمكن) إجراء الاستصحاب أيضاً في نفس العمل المظروف أو المقيد، بتقريب ان هذا العمل الشخصي لو أتى به سابقاً قبل الآن المشكوك ليليته أو نهاريته لوقع متصفاً بعنوان كذا و الآن كما كان،