نهاية الأفكار في مباحث الألفاظ / تقريرات - ج4

- الشيخ محمد تقي البروجردي المزيد...
214 /
151

و هذا التقريب أولى مما أفاده في الكفاية من استصحاب بقاء الإمساك النهاري قبل ذلك على حاله في الآن المشكوك، و ذلك، لما يرد عليه من انه يتم بالنسبة إلى ما يترتب على بقاء الإمساك النهاري بمفاد كان التامة، لا بالنسبة إلى ما يترتب على كون شخص الإمساك الموجود إمساكا نهاريا بمفاد كان الناقصة، و لعله إلى ذلك أشار بقوله فتأمل.

(المقام الثاني) في استصحاب الزمانيات‏

المتدرجة المبنية على التقضي و التصرم، كالحركة و التكلم و جريان الماء و سيلان الدم و نحوها (و ملخص) الكلام فيها هو ان الشك في بقاء الزماني التدريجي (تارة) يكون لأجل الشك في انتهاء حركته و بلوغه إلى المنتهى أو بقائه بعد على صفة الجريان (و أخرى) يكون لأجل الشك في طرو ما يمنع عن حركته و جريانه مع القطع باستعداده للبقاء، كما لو شك في بقاء التكلم لأجل احتمال طرو صارف عن الداعي الّذي اقتضى التكلم، و كما لو شك في جريان الماء و سيلان الدم من عروق الأرض و باطن الرحم لاحتمال وجود ما يمنع عن ذلك (و ثالثة) يكون لأجل الشك في كمية المبدأ و مقدار استعداده، كما لو شك في مقدار استعداد عروق الأرض و باطن الرحم لجريان الماء و سيلان الدم (و رابعة) لأجل احتمال قيام مبدأ آخر مقام المبدأ الأول مع العلم بارتفاعه، كما لو شك في بقاء التكلم من جهة احتمال انقداح داع آخر للمتكلم يقتضى التكلم بعد القطع بارتفاع الداعي الأول، و كما لو شك في جريان الماء لاحتمال قيام منبع آخر مقام المنبع الأول الّذي علم بنفاد مائه (و هذا) يتصور على وجهين (فان) المبدأ الآخر الّذي احتمل قيامه مقام المبدأ الأول (تارة) على نحو يوجب تغييرا في عنوان المستصحب أو في الخصوصية

152

المقومة لفرديته عرفا، بحيث يعد معه الموجود اللاحق فرداً مغايراً مع الموجود السابق نظير تغيير عنوان التكلم من مثل القرآن إلى الأدعية، أو الخطبة أو الزيارة أو تغييره من فرد إلى فرد آخر (و أخرى) على نحو لا يوجب ذلك، نظير تبدل أعمدة الخيمة غير الموجب لتغيير في هيئتها، كما في تبدل عرق الأرض الجاري منه الماء إلى عرق آخر غير موجب لتغيير في الماء و جريانه (فهذه) صور خمسة للشك في بقاء الأمر الزماني التدريجي.

(و لا ينبغي) الإشكال في جريان الاستصحاب في الصورة الأولى و الثانية (و اما الصورة) الثالثة، فجريان الاستصحاب فيها أيضا مما لا غبار فيه، لو لا شبهة كونه من الشك في المقتضى، و هي أيضا مندفعة بما حققناه في بعض المباحث المتقدمة من عموم حجية الاستصحاب حتى في مورد الشك في المقتضى (و اما الصورة) الرابعة، ففي الوجه الأول منها لا يجري الاستصحاب، لكونه من استصحاب الوجه الثاني من القسم الثالث من أقسام الكلي الّذي عرفت عدم جريان الاستصحاب فيه (و اما الوجه) الثاني منها، فلا قصور في جريان الاستصحاب فيه، لكونه مما تم فيه أركانه من اليقين السابق و الشك اللاحق و اتحاد متعلق الوصفين، نظير استصحاب بقاء هيئة الخيمة عند الشك في قيام عمود آخر مقام العمود الأول المنتفي قطعاً (و لعل) من هذا القبيل استصحاب بقاء جريان الماء و سيلان الدم عند الشك في قيام مبدأ آخر مقام المبدأ الأول الّذي علم بارتفاعه، فان مجرد اختلاف المبادئ لا يمنع عن جريان الاستصحاب فيها ما لم يوجب اختلافها تغييراً في عنوان المستصحب عرفا أو في الخصوصية المقومة له بنحو يعد الموجود اللاحق مغايراً مع الموجود السابق عرفا (و كذا) الحال في مثل التكلم و القراءة في بعض أفرادهما فلا يمنع عن جريان الاستصحاب فيها مجرد تعدد الدواعي (و حينئذ) فلا وجه لما في التقرير عن بعض الأعاظم قده من إطلاق القول بالمنع عن جريان الاستصحاب في الصورة الرابعة

153

و إدراجها بقول مطلق في استصحاب الوجه الثاني من القسم الثالث من أقسام الكلي، بل لا بد من التفصيل حسب ما أشرنا إليه بين ما يكون اختلافه من قبيل اختلاف عمود الخيمة بالنسبة إلى هيئتها المخصوصة غير الموجب لتغيير فيها، و بين ما يكون موجباً لتغيير في المستصحب اما في عنوانه أو في خصوصيته المقومة لفرديته على نحو يعد الموجود اللاحق عرفا فرداً آخرا مغايرا للموجود السابق، كتغيير عنوان التكلم من القرآن إلى الخطبة أو الزيارة أو تغيير الخطبة إلى فرد آخر مغاير للفرد الأول عرفا، بتخصيص المنع عن الاستصحاب بالثاني دون الأول (و حيث) انه يختلف ذلك باختلاف الموارد حتى في مثل التكلم و جريان الماء و سيلان الدم، فلا بد في تجويز الاستصحاب أو المنع عنه من ملاحظة خصوصيات الموارد (و الضابط) في ذلك هو بقاء الوحدة العرفية بين القضيتين و عدم بقائها كذلك، فكل مورد اقتضى تعدد المبدأ أو الداعي اختلافا في المستصحب على وجه لا يصدق عليه البقاء عرفا لا يجري فيه الاستصحاب، و كل مورد لا يقتضي تعددهما اختلافا فيه و لا تشكيكا في صدق البقاء عرفا على الموجود السابق يجري فيه الاستصحاب.

(المقام الثالث) في استصحاب الأمور المقيدة بالزمان‏

كما لو وجب الجلوس إلى الزوال مثلا، فشك في وجوبه بعد الزوال (و قد وقع) فيه الخلاف بين الاعلام (و تحقيق) الكلام في المقام ان يقال: ان الشك في ثبوت الحكم الشرعي في المقيدات بالزمان، تارة يكون من جهة الشك في بقاء القيد، كالشك في بقاء الليل أو النهار (و أخرى) يكون من غير تلك الجهة مع القطع بانتفائه كما في نحو المثال فيما لو شك في بقاء الوجوب لاحتمال كون القيد من علل حدوثه و قيام علة أخرى تقتضي بقائه، أو احتمال كون الواجب بنحو تعدد المطلوب (و على الأول) فالشك في بقاء القيد (تارة) يكون من جهة الشبهة المصداقية (و أخرى) من جهة الشبهة المفهومية مع القطع ببقائه بمعنى، و زواله بمعنى آخر، كالشك في ان النهار ينتهي بغياب القرص أو بذهاب الحمرة المشرقية (و ثالثة) من جهة الشك في أخذ أي واحد من القيدين المبينين مفهوما (و على التقادير) اما ان يكون الزمان في ظاهر الدليل‏

154

مأخوذاً ظرفا أو قيداً مقوما لنفس الحكم، و اما ان يكون مأخوذاً في الموضوع كذلك، فهذه شقوق متصورة للشك في بقاء الحكم الشرعي في المقيدات بالزمان.

و بعد ذلك نقول، انه لو كان الشك في بقاء الحكم الشرعي من جهة الشك في بقاء القيد المبين مفهوما، فلا شبهة في انه يجري الاستصحاب في نفس القيد الّذي هو الزمان الخاصّ، كالنهار الّذي قيد به الصوم، فيترتب عليه وجوب الإمساك و عدم جواز الإفطار، من غير فرق بين ان يكون الزمان مأخوذاً ظرفا أو قيداً مقوما، لنفس الحكم، أو لموضوعه كذلك، فانه باستصحابه يثبت المقيد، فيترتب عليه حكمه، كما انه يجري الاستصحاب في نفس المقيد، هذا إذا كان الأثر الشرعي لوجود القيد أو المقيد بمفاد كان التامة (و اما) لو كان الأثر لوجوده بمفاد كان الناقصة، ففيه الإشكال السابق من عدم إحراز الحالة السابقة لهذا المعنى و عدم اقتضاء الأصل في الوقت المستصحب أو المقيد بمفاد كان التامة لإثبات نهارية الزمان الحاضر أو رمضانيته، و يأتي فيه أيضا ما دفعنا به الإشكال المزبور على كل من تقريبي الاستصحاب بمفاد كان التامة و الناقصة فراجع (و اما) إذا كان الشك في الحكم الشرعي ناشئاً من الشك في القيد من جهة الشبهة المفهومية، كتردد النهار بين كونه منتهياً إلى غياب القرص، أو إلى ذهاب الحمرة المشرقية، كما لو شك في وجوب الإمساك في النهار بعد غياب القرص، فلا يجري الاستصحاب لا في القيد و لا في المقيد، فانه بالنسبة إلى ما تم فيه أركانه و هو العنوان الإجمالي المأخوذ في موضوع الحكم، لا يكون مورداً للأثر الشرعي حتى يستصحب، و بالنسبة إلى ما هو المورد للأثر الشرعي يكون من قبيل استصحاب الفرد المردد الّذي تقدم في طي استصحاب الكلي المنع عن جريان الاستصحاب في أمثاله (و مثله) الكلام فيما لو كان الشك في بقاء الحكم من جهة الشبهة الحكمية في أخذ أحد المعنيين المبينين مفهوماً قيداً لموضوع الحكم، ففيه أيضا لا يجري الاستصحاب لا في القيد و لا في المقيد، لعدم تصور الشك في البقاء فيما هو موضوع الأثر بعد تردد القيد بين الزائل و الباقي، فينتهى الأمر حينئذ إلى استصحاب نفس الحكم الشرعي، و لا بأس بجريان الاستصحاب‏

155

فيه بناء على فهم العرف ظرفية القيد لا مقوميته لموضوعه، و إلّا فلا يجري فيه الاستصحاب لرجوع الشك في أخذ أحد القيدين المردد بين الزائل و الباقي إلى الشك في بقاء موضوع التكليف (هذا كله) إذا كان الشك في بقاء الحكم الشرعي ناشئاً من الشك في بقاء القيد من جهة الشبهة الموضوعية أو الشبهة المفهومية في القيد أو الشبهة الحكمية في أخذ أحد المعنيين قيداً للتكليف أو لموضوعه‏

(و اما) إذا كان الشك فيه ناشئاً من جهة أخرى‏

، بان كان الحكم مبهما من حيث الأمد بحيث يحتمل بقائه بعد انقضاء الزمان الخاصّ (فان كان) الزمان مأخوذاً في ظاهر الدليل على وجه الظرفية أو القيدية للحكم الشرعي، كقوله: يجب الجلوس في المسجد في النهار، يجري فيه استصحاب الوجود، دون العدم (اما) جريان استصحاب الوجود، فعلى الظرفية ظاهر، و كذلك على القيدية لاجتماع أركانه فيه (فان) شخص الحكم الخاصّ الثابت لموضوع كذلك مما علم بثبوته سابقاً فشك في بقائه بعد انقضاء النهار، لاحتمال كون القيد الخاصّ من علل حدوثه و قيام علة أخرى تقتضي بقائه في الليل، أو لاحتمال قيديته لبعض مراتبه، لا لأصله حتى ينتفي بزواله (و توهم) انه على القيدية يكون الوجوب المجعول وجوبا موقتاً و لا يعقل بقائه بشخصه بعد ارتفاع قيده، و انما المعقول هو ثبوت شخص وجوب آخر مقارناً لارتفاع الوجوب الموقت، و معه يكون الاستصحاب المزبور من استصحاب الوجه الثاني من القسم الثالث من أقسام الكلي الّذي تقدم المنع عن استصحاب الوجه الثاني من القسم الثالث من أقسام الكلي الّذي تقدم المنع عن جريانه (مدفوع) بأنه كذلك إذا كان الحكم الثابت في الوقت محدوداً و مبيناً بالتفصيل بداية و نهاية، و لكنه خارج عن مفروض البحث بينهم (إذ على ذلك) لا يتصور الشك في بقاء الحكم المجعول حتى يتأتى فيه النزاع بينهم في استصحابه حتى على فرض ظرفية الزمان للحكم المجعول (فلا بد) حينئذ من فرض البحث بينهم في مورد يكون الحكم و التكليف مبهما من جهة الأمد بحيث يحتمل بقائه بعد ارتفاع قيده بأحد الوجهين المتقدمين، و في هذا الفرض لا قصور في استصحابه على كل من الظرفية و القيدية، فان قيدية الزمان ليس إلّا كسائر القيود المأخوذة في طي الخطاب للحكم أو لموضوعه، فيجري فيه استصحاب الشخص و الكلي القسم الأول (و اما عدم‏

156

جريان) استصحاب العدم فيه، فللعلم الوجداني بانتقاض العدم الأزلي المطلق بصرف الوجود و انقلابه بالنقيض (و اما توهم) لزوم كون القيود الراجعة إلى الحكم في ظاهر الدليل قيوداً للموضوع، اما لما أفاده الشيخ (قدس سره) من ان معنى الهيئة معنى حرفي و هو لجزئيته غير قابل للإطلاق و التقييد، و اما لما أفاده في الكفاية من ان ما يكون قيداً للحكم لا بد من كونه قيداً للموضوع أيضا، لاستحالة أوسعية دائرة الموضوع من دائرة حكمه، و مع تقييده به يتعدد الموضوع لا محالة، فيمتنع استصحاب الوجود لكونه من إسراء حكم ثابت لموضوع خاص إلى موضوع آخر، و مع امتناع استصحابه يتعين كونه مجرى لاستصحاب العدم (فمدفوع) اما التقريب الأول، فبما حققناه في محله من ان تقييد الهيئة بمكان من الإمكان، لعموم المعنى و الموضوع له في الحروف و الهيئات (و اما التقريب) الثاني فبمنع اقتضاء تقييد الحكم و الهيئة تقييد الموضوع و المادة، بل هو من المستحيل لاستحالة قيدية شي‏ء لكل من الهيئة و المادة، لما يلزمه من لزوم كون الشي‏ء الواحد في مرتبتين (فان) لازم قيدية شي‏ء للموضوع هو ان يكون ملحوظاً في المرتبة السابقة على الحكم المتعلق به للزوم تأخر كل حكم عن موضوعه و متعلقه بماله من القيود كما هو الشأن في كل عرض بالنسبة إلى معروضه (و لازم) قيديته لنفس الحكم كونه ملحوظا في رتبة متأخرة، فيلزم من قيدية الشي‏ء لكل من الحكم و الموضوع ان يكون ملحوظاً في مرتبتين، و هذا مما لا خفاء في بطلانه و استحالته (نعم) قضية لزوم تطابق دائرة الحكم و الموضوع في مفروض البحث هو عدم إطلاق موضوع الحكم و لزوم اختصاصه بحصة من الذات التوأمة مع وجود القيد، و لكن ذلك غير تقييده به كما هو ظاهر (و عليه) فلا قصور في استصحاب الحكم الثابت لتلك الذات إلى ما بعد القيد لاتحاد موضوع القضيتين و لو على النّظر الدقي العقلي فضلا عن العرفي التسامحي، فيقال: انه كان على يقين بحكم الذات في الوقت فشك في بقاء حكمه بعده من جهة احتمال كون الوقت المحدود من علل حدوث الحكم، أو احتمال كونه قيداً لبعض مراتبه لا قيداً لأصله، و لا ينقض اليقين بالشك، هذا إذا كان الزمان في ظاهر الدليل مأخوذاً في الحكم على وجه الظرفية أو القيدية.

157

و اما إذا كان مأخوذاً في الموضوع، فان كان على وجه الظرفية، فاما ان يكون المطلوب صرف وجود الطبيعي الّذي لا تعدد فيه و لا تكثر و لو بالتعمل و التحليل، أو يكون هو الطبيعة السارية في ضمن كل فرد التي لازمها انحلال الحكم المتعلق بها إلى أحكام متعددة و اختصاص كل فرد بحكم شخصي مستقل غير مرتبط بالآخر في مقام الإطاعة و المعصية، و مرحلة المثوبة و العقوبة (فعلى الأول) لا يجري فيه الا استصحاب الوجود، دون العدم للقطع بانتقاض العدم الأزلي بصرف الوجود (و على الثاني) يجري فيه كلا الاستصحابين استصحاب الوجود، و العدم (اما) استصحاب الوجود فباعتبار ذلك الحكم المنشأ و المجعول الحقيقي الّذي من شأنه الانحلال إلى أحكام متعددة حسب تعدد افراد الموضوع بتعدد الآنات و الأزمنة، حيث انه من جهة إهمال أمد ذلك الحكم المنشأ الّذي من شأنه الانحلال و قابليته للزيادة و الشمول للافراد الحادثة بعد الوقت يشك في بقائه، فيجري فيه الاستصحاب و اما جريان استصحاب العدم فباعتبار اشخاص حصص الحكم المختصة بالافراد الحادثة بعد الوقت المضروب، حيث ان كل واحد منها تبعا لموضوعاتها المقدرة وجودها كان مسبوقا بالعدم الأزلي، و بعد وجود موضوعاتها يشك في انقلابه إلى الوجود فيستصحب، فيقع التعارض بين الاستصحابين كما ذهب إليه النراقي (قدس سره) فيما حكى عنه (و على هذا) التقريب لا يتوجه إشكال لزوم الجمع بين النظرين المختلفين مع وحدة الملحوظ، إذ على ما ذكرنا يكون الملحوظ أيضا متعدداً كاللحاظ، أحدهما انقلاب عدم الحكم في الجملة إلى الوجود، و ثانيهما عدم معلومية انقلابه بالوجود مطلقا حتى بالنسبة إلى الافراد الحادثة بعد انقضاء الوقت (هذا) إذا كان الزمان مأخوذاً في الموضوع على وجه الظرفية (و اما إذا كان) مأخوذاً فيه على وجه القيدية و المفردية بنحو يقتضي تعدد الموضوع بحسب الوقت و خارجه، فلا مجال فيه لاستصحاب الحكم و إثباته لذات الموضوع بعد انقضاء الوقت، لمباينة الموضوع مع عدم القيد للموضوع المقيد، فلا يكون إثبات الحكم له حينئذ إبقاء للحكم الأول الثابت للمقيد، لأنه مما قطع بارتفاع موضوعه المقيد بزوال قيده، بل إحداثا له في موضوع آخر

158

(إلّا ان يقال): ان كون الزمان قيدا مقوما للموضوع انما هو بحسب لسان الدليل و النّظر العقلي (و اما) بالنظر العرفي المسامحي يكون من حالات الموضوع لا من مقوماته، فيمكن حينئذ استصحابه (أو يقال): انه من المحتمل ان يكون ثبوت الحكم للذات المتقيدة بالزمان من باب تعدد المطلوب بان يكون لذات الإمساك مثلا مطلقا مصلحة ملزمة تقتضي مطلوبيته، و لخصوصية كونه في النهار مصلحة أخرى ملزمة غير المصلحة القائمة بذات الإمساك، فتنبعث من هاتين المصلحتين إرادة قوية نحو المقيد بالنهار و بعد ارتفاع الخصوصية تبقى المصلحة الأولى بحالها فتقتضي مطلوبية ذات الإمساك، فانه مع هذا الاحتمال لا يقين بارتفاع أصل الحكم الثابت للمقيد بزوال قيده، بل يحتمل بقاء مرتبة من الحكم الأول المتعلق بنفس الذات حتى مع اليقين بزوال القيد، غاية الأمر يتبدل حده من الضمني إلى الاستقلالي، و ذلك أيضا بضميمة فهم العرف عدم المغايرة بين الذات في الوقت و خارجه إلّا بصرف الوجدان للقيد و الفقدان له، و بذلك يجري فيه استصحاب الوجود لتمامية أركانه من اليقين السابق و الشك اللاحق و وحدة القضيتين فتأمل (و اما) استصحاب العدم فيجري فيه بلا كلام، لأن مرجع أخذ الزمان قيداً مفرداً للموضوع بعد ان كان إلى تعدد الموضوع و كون الوجوب الثابت للذات مع القيد غير الوجوب الثابت للذات مع عدم القيد، فلا محاله مهما يشك في ثبوته للفرد الفاقد للقيد، يجري فيه استصحاب العدم لليقين بالعدم سابقا و الشك في البقاء لا حقا، لأن ما علم بانتقاضه بالوجود انما هو عدم شخص الحكم المختص بالموضوع المقيد، لا عدم طبيعي الحكم الجامع بينه و بين غيره كما هو ظاهر (و لكن) الّذي يظهر من بعض الأعاظم (قدس سره) على ما في التقرير المناقشة في الاستصحاب المزبور، (فأورد عليه) بما ملخصه ان الحكم الثابت للشي‏ء على نحو القضية الحقيقية ينحل إلى أحكام تقديرية ثابتة لموضوعات مقدرة الوجود دائرة مدارها في الفعلية و الشأنية، فإذا كان وجود الحكم الثابت للمقيد تبعا لموضوعه مقيداً بقيد خاص من الزمان أو الزماني، فلا بد من ان يكون عدمه أيضا مقيداً بذلك القيد، لأن نقيض الوجود المقيد بشي‏ء هو العدم المقيد بذلك الشي‏ء لا العدم المطلق، فنقيض‏

159

الوجود المقيد كالوجود المقيد يكون متقوما بوجود القيد، ثم استنتج من ذلك في المقام بأنه إذ أوجب الجلوس في المسجد إلى الزوال على نحو كان الزوال قيدا للحكم أو الموضوع، فشك في وجوبه بعد الزوال فوجوب الجلوس بعد الزوال حسب مفردية الزمان و ان كان من الحوادث المسبوقة بالعدم، و لكن عدمه المسبوق به لا يكون هو العدم الأزلي المطلق، لأنه مما انتقض بالوجود قطعا بوجوب الجلوس قبل الزوال، و انما هو العدم الخاصّ و المقيد ببعد الزوال، و هذا العدم الخاصّ باعتبار كونه كالوجود الخاصّ مما قوام تحققه بوجود القيد، فقبل الزوال لا يكون الوجوب المقيد بما بعد الزوال متحققا و لا عدم الوجوب المقيد به متحققاً حتى يصح استصحابه إلّا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع (و بالجملة) العدم المتحقق سابقاً انما هو العدم المطلق و هو مع انه منتقض بالوجود قطعا، لا يكون نقيضا للوجود المقيد بما بعد الزوال، و انما النقيض هو العدم الخاصّ الّذي موطنه بعد الزوال، و هذا قبل تحقق موطنه لا يكون له تحقق إلّا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع فلذلك لا يجري فيه استصحاب الوجود و لا العدم، بل لا بد من الرجوع فيه عند الشك إلى البراءة أو الاشتغال (ثم قال) نعم لا بأس باستصحاب عدم الجعل بالنسبة إلى هذا الموطن، لأنه لا مانع من إنشاء وجوب الجلوس يوم الجمعة من يوم الخميس، بل إنشاء الأحكام الشرعية كلها أزلية، فإذا شك في إنشاء وجوب الجلوس يوم الجمعة و جعله أزلا، فالأصل عدم الجعل، لأن كل جعل شرعي مسبوق بالعدم، من غير فرق بين أخذ الزمان قيداً أو ظرفا، غاية الأمر انه على القيدية لوجوب الجلوس لم يعلم انتقاض عدم الجعل بالنسبة إلى يوم الجمعة أو بعد الزوال، لأنه على القيدية يحتاج وجوب الجلوس يوم الجمعة أو بعد الزوال إلى جعل آخر مغاير لجعل الوجوب يوم الخميس أو بعد الزوال (و حيث) انه يشك في جعل الوجوب يوم الجمعة أو بعد الزوال، فالأصل عدمه، إلّا انه لا أثر لاستصحاب عدم الجعل إلّا باعتبار ما يلزمه من عدم المجعول، و إثبات عدم المجعول باستصحاب عدم الجعل يكون من أوضح افراد المثبت انتهى ملخص كلامه (و فيه ما لا يخفى) فان مرجع كون الزمان قيداً للموضوع و مفرداً له بعد ان كان إلى تعدد الموضوع بحسب‏

160

الأزمنة و اختصاص كل موضوع بحكم شخصي مستقل غير الحكم المختص بالآخر، فلا جرم يكون المجعول في المقام فردين من الوجوب الثابت أحدهما للمقيد بما قبل الزوال و الآخر للمقيد بما بعد الزوال، غاية الأمر يكون الفرد ان تبعا لتدريجية موضوعهما المقيدين بالزمان تدريجيين.

و حينئذ فإذا كان الفرد ان من الحوادث المسبوقة بالعدم و كان مرجع الحدوث في كل شي‏ء إلى سبقه بعدم نفسه، لا بعدم الطبيعي الجامع بينه و بين غيره و يكون الفرد الثاني أيضا حادثا مسبوقا بعدم نفسه الراجع إلى سبقه بالعدم المضاف إلى المقيد، لا إلى العدم المقيد بنحو التوصيف، إذ العدم المقيد لا يكون نقيضاً للوجود المقيد و انما نقيضه عدم المقيد بالإضافة لا بالتوصيف، و إلّا يلزم ارتفاع النقيضين بارتفاع القيد و هو كما ترى من المستحيل (و بالجملة) نقول ان مرجع القيد في أمثال هذه القضايا إلى كونه مأخوذا في ذات الماهية المسبوقة في اللحاظ على طرو الوجود عليها، و ان الوجود و العدم كانا طارئين على الماهية المقيدة، لا ان القيد مأخوذ في طرف الوجود نفسه ليكون النقيض هو العدم المقيد (فلا بد) حينئذ من جعل الوجود و العدم مرسلين عن القيد في مرحلة طروهما على المقيد، لاستحالة تقييدهما بما هو مأخوذ في معروضهما (غاية الأمر) يكون تقييد المعروض مانعاً عن إطلاقهما كما هو الشأن في كل عرض بالنسبة إلى معروضه، لا انه موجب لتقييدهما (و حينئذ) فإذا كان القيد مأخوذاً في ذات الموضوع الملحوظ كونه في الرتبة السابقة على طرو الوجود عليه و كان الوجود مرسلا من القيد في مرحلة طروه على المقيد، فقهراً يصير النقيض للوجود المزبور هو العدم المضاف إلى المقيد، لا العدم المقيد بالتوصيف (و حيث) ان هذا العدم المضاف لا يكون إلّا أزلياً، لأن ما ليس بأزلي هو العدم المقيد، فلا محالة يجري فيه الاستصحاب لتحقق أركانه فيه، حيث ان شخص وجوب الجلوس بعد الزوال من الحوادث المسبوقة بعدم نفسه أزلا، فإذا شك قبل الزوال أو حينه في ثبوته للمقيد ببعد الزوال يجري فيه استصحاب العدم (و لعمري) ان المنشأ كله للمناقشة المزبورة هو تخيل رجوع القيود في نحو هذه القضايا إلى‏

161

نفس العدم لا إلى المعدوم، و لأجل ذلك أنكر الاستصحاب في المقام و في كلية الاعدام الأزلية (و إلّا) فعلى ما ذكرنا من رجوعها إلى المعدوم، فلا مجال للمناقشة المزبورة كما هو ظاهر، و تنقيح الكلام بأزيد من ذلك موكول إلى محله (و اما) ما أفاده من المنع عن استصحاب عدم الجعل، لعدم ترتب أثر شرعي عليه في نفسه، و عدم إثباته لعدم المجعول و لكون الترتب فيه عقليا لا شرعيا (ففيه) أولا ان الجعل و المجعول نظير الإيجاد و الوجود، ليسا الا حقيقة واحدة و ان التغاير بينهما انما هو بصرف الاعتبار (و ثانياً) على فرض تغايرهما بحسب الحقيقة نقول: ان شدة التلازم بينهما لما كانت بمثابة لا يرى العرف تفكيكا بينهما حتى في مقام التعبد و التنزيل، بحيث يرى التعبد بأحدهما تعبداً بالآخر، نظير المتضايفين كالأبوة و البنوة، فلا قصور في استصحابه حيث يكون التعبد بعدمه تعبداً بعدم المجعول (و حينئذ) فعلى ما ذكرنا من التقريب في صحة استصحاب الوجود أيضا يتوجه إشكال الفاضل النراقي (قدس سره) من التعارض بين الأصلين.

(التنبيه الخامس)

قد يطلق على بعض الاستصحابات الاستصحاب التعليقي تارة، و المشروط أخرى، باعتبار كون القضية المستصحبة قضية تعليقية حكم فيها بوجود الحكم على تقدير امر آخر كالحكم بحرمة عصير العنبي و نجاسته على تقدير غليانه (و قد وقع) فيه الخلاف بين الاعلام في جريان الاستصحاب و عدمه (فقيل): بالعدم، لأن الاستصحاب فرع الثبوت سابقاً و لا ثبوت للمستصحب في القضايا التعليقية قبل وجود المعلق عليه الا فرضا، فان القضايا الطلبية المتضمنة للأحكام المجعولة انما تكون من سنخ القضايا الحقيقية التي تكون الحكم فيها في الفعلية و الشأنية تابعا لفعلية وجود موضوعه. و شأنيته، فما لم بتحقق الموضوع بقيوده في الخارج لا يكون الحكم الا فرضياً لامتناع فعلية الحكم و التكليف قبل‏

162

وجود موضوعه، ففي مثل قوله: العنب يحرم مائه إذا غلى يكون الموضوع للحرمة هو العنب المغلي لرجوع قيود الحكم طراً إلى الموضوع، فلو شك قبل تحقق الغليان في بقاء الحرمة لأجل تبدل بعض حالات الموضوع لا يجري فيه الاستصحاب، إذ لا ثبوت للمستصحب سابقاً (و لكن) الأقوى خلافه‏

(و تحقيق) الكلام في المقام يستدعي تقديم أمور:

( [الامر] الأول)

ان الحكم المستصحب اما ان يكون مطلقا غير معلق على شي‏ء حتى بالنسبة إلى وجود موضوعه بحيث يقتضي وجوب تحصيله مهما أمكن بماله من القيود المعتبرة فيه و لو بإيجاده و تكوينه في الخارج، نظير الأمر بشرب الدواء، و اما ان يكون معلقاً بشي‏ء هو وجود موضوعه، أو قيوده و حالاته، أوامر خارج عن حدود موضوعه (و على الأخير) فالتعليق اما ان يكون وارداً في لسان الدليل، كقوله: العنب يحرم مائه إذا غلى، و اما ان يكون منتزعا من كيفية جعل الحكم الشرعي لعنوان مخصوص بنحو التنجيز كقوله: يجب إكرام العالم، حيث ان العقل ينتزع من مثل هذا الحكم المنشأ قضية تعليقية بأنه لو وجد إنسان و كان عالما لوجب إكرامه و لا يحكم بوجوب تحصيله مقدمة للإكرام الواجب (و لا فرق) ظاهراً في اعتبار الاستصحاب على القول به في القضايا التعليقية بين القسمين المزبورين، إذ لا وجه لتخصيص اعتباره بالأول دون الثاني الا توهم ان القضية المستصحبة في مثله ليست شرعية و لا لها أثر شرعي، بل عقلية محضة (و لكنه) مندفع بما بيناه مرارا من انه يكفي في شرعية الأثر في باب الاستصحاب مجرد كون الشي‏ء مما امر رفعه و وضعه بيد الشارع و لو بالواسطة، فإذا كان منشأ انتزاع هذه القضية العقلية التعليقية قضية شرعية يجري فيها الاستصحاب (و بذلك) قلنا: ان البحث في جعلية الأحكام الوضعيّة و انتزاعيتها من التكليف قليل الجدوى في باب الاستصحاب، لأنه على الانتزاعية أيضا يجري فيها الاستصحاب، لكفاية مجرد انتهائها إلى الشارع وضعا و رفعا في الشرعية المعتبرة في باب الاستصحاب.

الأمر الثاني‏

قد تكرر منا مراراً الفرق بين القيود الراجعة إلى مفاد الخطاب أعني الحكم و التكليف، و بين القيود الراجعة إلى موضوعه، فان‏

163

القيدين و ان كانا مشتركين في الدخل في مصلحة المتعلق؛ إلّا انهما مختلفان في كيفية الدخل فيها، (حيث ان) دخل الأول فيها يكون من قبيل دخل الشي‏ء في أصل الاحتياج إلى الشي‏ء و اتصافه بكونه صلاحا، و بذلك يكون من الجهات التعليلية لطرو الحكم على الموضوع، بخلاف الثاني فان دخله انما يكون في وجود ما هو المتصف بكونه صلاحا و محتاجا إليه فارغا عن أصل اتصافه بكونه صلاحا (و من الواضح) حينئذ انه لو ثبت في مورد قيدية شي‏ء للوجوب الّذي هو مفاد الخطاب في الواجبات المشروطة لا يكاد صلوحه للقيدية لموضوعه، لاستحالة تقييد الموضوع بحكمه أو بما هو من علله و بالعكس (نعم) تقييد الحكم به موجب لضيق قهري في موضوعه و اللزوم تطابق سعة دائرة كل حكم مع موضوعه و امتناع أوسعية أحدهما من الآخر، كما هو الشأن في كل معروض بالنسبة إلى عرضه في الاعراض الخارجية و غيرها، و لكنه غير تقييده به (و حينئذ) فإرجاع القيود المأخوذة في مفاد الخطاب في القضايا المشروطة إلى موضوع الخطاب بجعله مركبا من الذات و الوصف كما عن بعض منظور فيه، فانه ناشئ عن الخلط بين نحوي القيد في كيفية الدخل في مصلحة المتعلق.

الأمر الثالث‏

قد تقدم في بعض التنبيهات السابقة ان حقيقة الأحكام التكليفية المستفادة من الخطابات الشرعية ليست إلّا الإرادة التشريعية المبرزة بأحد مظهراتها من القول أو الفعل، و ان عنوان مثل البعث و التحريك و الإيجاب و الوجوب و نحوها من العناوين اعتباريات محضة منتزعة من مقام إبراز الإرادة، حيث انه بإبراز المولى إرادة الشي‏ء و اشتياقه إليه باخبار أو إنشاء من قول أو فعل، ينتزع العقل من إرادته المبرزة منه عنوان البعث و الوجوب و اللزوم، كل باعتبار خاص، لا انها هي الأحكام التكليفية المستفادة من الخطابات، و لذا ترى صحة انتزاع تلك العناوين بمحض وصول إرادة المولى إلى مقام البروز بإنشائه أو اخباره و لو لم يخطر ببال المولى التسبب بإنشائه إلى تحقق تلك العناوين (و بذلك) قلنا: ان الأحكام التكليفية بحقيقتها التي هي الإرادة التشريعية المظهرة بأحد مظهراتها، أجنبية بجميع مباديها عن الجعليات المتصورة في باب الأوضاع، لأن الحقائق الجعلية عبارة عن أمور اعتبارية التي قوام تحققها في الوعاء

164

المناسب لها بالإنشاء و القصد بحيث كان الإنشاء و القصد من قبيل الجزء الأخير من العلة التامة لتحققها، نظير الملكية و الزوجية و نحوهما، فان روح الجعل فيها عبارة عن تكوين حقائقها بالإنشاء و القصد بحيث لو لا قصد التسبب بإنشائها إلى تحققها في الوعاء المناسب لها لما كان لها تحقق أصلا، فكان الجعل و الإنشاء فيها واسطة بينها و بين إرادتها (و هذا المعنى) غير متصور في الأحكام التكليفية، لا بالنسبة إلى نفس الإرادة، لأنها امر واقعي تدور في تحققها مدار تحقق مباديها من العلم بالمصلحة و العزم و الجزم، و لا بالنسبة إلى حيث إبرازها بإنشاء أو اخبار، لكونها من الأمور المتأصلة الخارجية و من مقولة الفعل، فلم يبق الأمر حلة البعث و التحريك و الوجوب، و قد عرفت ان هذه أمور اعتبارية انتزاعية ينتزعها العقل من مجرد إبراز الإرادة من المولى فلا ترتبط بالحقائق الجعلية (نعم) لا بأس بدعوى الجعل بمعنى التكوين فيها باعتبار إيجاد ما هو المنشأ القهري لا القصدي للاعتبارات المزبورة أعني الاعلام بالإرادة و إظهارها خارجا باخبار أو إنشاء فعلي أو قولي، فانه بهذه العناية تكون الأمور المزبورة منسوبة إلى الجعل التكويني و تابعة لما بيد الشارع وضعه و رفعه و هو الأمر الّذي عين الإنشاء الاختياري و التشريع، و لكن هذا المقدار لا يوجب كونها جعلية بالمعنى المتصور في الأحكام الوضعيّة كما هو واضح (و بما ذكرنا) انقدح ان ما اشتهر و انغرس في بعض الأذهان من ان القضايا الشرعية و الأحكام الطلبية من سنخ القضايا الحقيقية التي تكون فرض وجود الموضوع فيها موجبا لفرض محموله، فلا يكون الحكم فيها فعلياً الا في ظرف فعلية موضوعه بقيوده مما لا أصل له و لا أساس.

فان القضايا الحقيقية المصطلحة انما تصح في مثل الأحكام الوضعيّة المجعولة و الاعراض الخارجية التي يكون الخارج فيها ظرفا للعروض و الاتصاف، لا في الأوصاف الوجدانية التي تكون ظرف عروضها هو الذهن و كان الخارج ظرفا لاتصافها محضاً، كالإرادة و الكراهة و الحب و البغض و التمني و نحوها، فانها من جهة قيامها بالوجودات الذهنية لا تحتاج في فعليتها بأي نحو يكون لها من التعلق إلى وجود متعلقاتها في الخارج، و لذا قلنا كراراً ان معروضات تلك الصفات الوجدانية طراً لا يكون إلّا الصور

165

الذهنية، غايته بما انها ترى خارجية على وجه لا يلتفت إلى ذهنيتها كما يشهد له موارد تخلف القطع و الظن عن الواقع، فالأحكام التكليفية التي لبها الإرادة المبرزة حينئذ أجنبية عن القضايا الحقيقية المصطلحة حتى فيما كان منها بنحو الإناطة و الاشتراط (فان) مرجع الإناطة و الاشتراط فيها بعد قيامها بالملحوظات الذهنية إلى اشتياق فعلى منوط بوجود الشي‏ء في فرض الآمر و لحاظه المتحقق في حال الإنشاء في قبال الاشتياق الفعلي المطلق نحو الشي‏ء غير منوط بشي‏ء حتى في فرضه و لحاظه (لا إلى) اشتياق تقديري، فالمنوط به فيها دائماً هو الشي‏ء بوجوده الفرضي اللحاظي لا بوجوده العيني الخارجي، كما هو الشأن في إناطة الإرادة بموضوعه، و مع فرض وجوده في لحاظ الآمر يكون المبرز بالخطاب حتى في المشروطات فعلياً دائما، غايته كونه منوطاً بوجود المنوط به في لحاظ الآمر بلا احتياج في فعليتها إلى وجود المنوط به خارجا (نعم) مرتبة محركية هذه الإرادة و فاعليتها منوطة بالعلم بوجود الموضوع و المنوط به خارجا، لأنها من تبعات تطبيق العقل عنوان الموضوع و المنوط به على الخارج و بدونه لا يحكم بوجوب الانبعاث (و لكن) ذلك لا يوجب إناطة أصل التكليف في فعليته بوجوده خارجا (كيف) و هذه المرتبة مرتبة تأثير الخطاب في حكم العقل بلزوم الانبعاث من بعث المولى، لا مرتبة نفس الخطاب و مضمونه، و لذا ترى إناطة هذه المرتبة بالعلم بالخطاب أيضاً، مع وضوح حفظ مضمونه في ظرف الجهل جزماً (و إلّا يلزم) اختصاص مضمون الخطاب بالعالم به و هو كما ترى (نعم) لو بنينا على جعلية الأحكام التكليفية كالاحكام الوضعيّة في أبواب العقود أمكن دعوى كونها من سنخ القضايا الحقيقية التي يكون فرض وجود الموضوع فيها موجباً لفرض محموله، و لكن عرفت كونه بمعزل عن التحقيق (فتلخص) ان المبرز بالخطاب التكليفي الّذي هو روح الحكم المتجسم بإبرازه في جميع المقامات حتى في المشروطات فعلي دائماً قائم بالوجودات اللحاظية و انه لا يحتاج في فعليته بأي نحو يكون له من التعلق بقيده أو موضوعه إلى فعلية وجود قيده و موضوعه خارجا.

(و حيث اتضح) هذه الأمور (نقول) انه بعد فعلية الإرادة في الخطابات المشروطة

166

لرجوع الإناطة و الاشتراط فيها إلى اشتياق فعلي في ظرف لحاظ الشي‏ء خارجيا لا إلى اشتياق تقديري، فلا قصور في جريان الاستصحاب التعليقي فيها قبل حصول المعلق عليه في الخارج لعموم أدلته الشامل لمثله، غاية الأمر انه لا أثر له الا في ظرف وجود المنوط به خارجا الّذي هو ظرف تطبيق الخطاب و ظرف محركيته (و لكن) ذلك لا يمنع عن استصحابه، لأن في الاستصحاب لا يحتاج إلّا إلى اليقين بوجود المستصحب و ما هو مفاد الخطاب سابقا و الشك في بقائه لا حقاً، فإذا فرضنا ان مفاد الخطاب في المشروطات حكم فعلي منوط بوجود الشي‏ء في فرض الآمر و لحاظه، لا انه حكم فرضي تقديري بفرض وجود المنوط به خارجا؛ فلا محالة يجري فيه الاستصحاب لتمامية أركانه، من غير فرق بين ان تكون الإناطة و التعليق فيه بوجود موضوعه، أو بأمر خارج عنه، و لا بين ان يكون التعليق بأمر وجداني بسيط، أو بأمر مقيد أو مركب من امرين أو غير ذلك، و لا بين ان يكون الحكم المعلق كليا أو جزئياً (فلو علم) حينئذ بترتب الحرمة و النجاسة على العنب في ظرف غليانه أو على العنب المغلي، فشك بعد تبدله بالزبيب قبل غليانه في بقاء تلك الحرمة و النجاسة الثابتتين للعنب على تقدير غليانه، يجري فيهما الاستصحاب لا محالة بعد جعل وصف العنبية و الزبيبية من حالات الموضوع لا من مقوماته، سواء فيه بين أخذ الغليان وصفا للموضوع، كقوله: العنب المغلي يحرم أو ينجس، أو شرطا للحكم كقوله: العنب يحرم و ينجس إذا غلى، و بذلك ينقدح فساد ما أفيد في المنع عن الاستصحاب المزبور، من ان الحكم المترتب على الموضوع المركب انما يكون وجوده و تقرره بوجود موضوعه بما له من الاجزاء و القيود، لأن نسبة الموضوع إلى الحكم نسبة العلة إلى المعلول، و لا يعقل ان يتقدم الحكم على موضوعه، و الموضوع في مثال العنب يكون مركبا من جزءين العنب و الغليان لأن شرط الحكم يرجع إلى الموضوع و يكون من قيوده، فقبل فرض غليان العنب لا يمكن فرض وجود الحكم و مع عدم فرض وجود الحكم لا معنى لاستصحابه، لأنه يعتبر في الاستصحاب الوجوديّ ان يكون المستصحب شاغلا لصفحة الوجود في الوعاء المناسب له، فبوجود أحد جزئي المركب، لا يترتب عليه‏

167

الحكم الشرعي ما لم ينظم إليه الجزء الآخر، نعم الأثر المترتب على أحد جزئي المركب هو انه لو انضم إليه الجزء الآخر لترتب عليه الأثر، و هذا المعنى مع انه عقلي، يكون مقطوع البقاء في كل مركب وجد أحد جزئيه فلا معنى لاستصحابه (وجه الفساد) ما عرفت أولا من منع رجوع شرائط الحكم في القضايا المشروطة إلى كونها قيوداً للموضوع بحسب اللب ليكون الموضوع فيها هو الذات المتقيد، و انما هي من الجهات التعليلية لطرو الحكم على ذات الموضوع (و مجرد) اقتضائها لإخراج الذات عن الإطلاق، غير تقييدها بنفس الحكم أو بما أنيط به الحكم (بل الموضوع) في نحو هذه القضايا هو الذات المجردة عن القيد، غايته على نحو لا إطلاق لها و لا تقييد.

و ثانيا على فرض تسليم رجوع قيود الحكم إلى الموضوع نمنع توقف فعلية الحكم على فعلية وجود موضوعه باجزائه و قيوده (لما عرفت) من ان حقيقة الحكم و هي الإرادة التشريعية المبرزة بالخطاب، فعلية دائما في الخطابات المشروطة و غيرها، و ان مرجع الإناطة و الاشتراط فيها إلى فعلية الإرادة و الاشتياق التام في فرض لحاظ الشي‏ء خارجياً قبال الإرادة المطلقة الراجعة إلى الاشتياق إلى الشي‏ء لا في ظرف وجود شي‏ء آخر في لحاظه (لا ان) مرجع الإناطة فيها إلى اشتياق تقديري بفرض وجود المنوط به خارجا (نعم) مرتبة محركية مثل هذه الإرادة منوطة بوجود المنوط به خارجا كإناطتها بالعلم به أيضا، و لكنه غير مرتبة فعلية أصل الإرادة (نعم) ما أفيد من عدم فعلية الحكم الا في فرض فعلية موضوعه انما يتم في فرض مجعولية الأحكام التكليفية كما هو المعروف مع البناء على ان حقيقة الحكم التكليفي عبارة عن نفس البعث و الإيجاب، لا الإرادة التشريعية المبرزة بالخطاب، فانه على هذا المبنى، أمكن دعوى كون المجعول في باب التكاليف من سنخ القضايا الحقيقية التي يتبع المجعول فيها وجود موضوعه بقيوده في الفعلية و الفرضية، و هذا أيضا لو لا دعوى كون المجعول حينئذ على وفق الإرادة في كونه فعليا منوطا بفرض وجود القيد في لحاظه (و بالجملة) فعلى، هذا المبنى يتجه الإشكال في استصحاب الحكم التعليقي قبل وجود المعلق عليه خارجا، بناء على اعتبار لزوم كون المستصحب فعليا شاغلا لصفحة الوجود

168

خارجا، إذ حينئذ لا فعلية للحكم المستصحب في نحو المثال قبل تحقق الغليان حتى يمكن استصحابه (و لكن) على ذلك يلزم المنع عن الاستصحاب في الأحكام الكلية أيضا قبل وجود موضوعاتها فيما لو شك فيها لأجل احتمال نسخ أو تغيير بعض حالات الموضوع (إذ بعد) اعتبار كون المستصحب شاغلا لصفحة الوجود خارجا (لا فرق) في المنع عن الاستصحاب، بين الأحكام الكلية، و الجزئية مع ان المستشكل المزبور ملتزم بجريانه في الأحكام الكلية قبل وجود موضوعاتها (فإذا التزم) فيها بكفاية فرضية وجود الحكم في صحة استصحاب الحكم الكلي، يلزمه الاكتفاء به في استصحاب الحكم الجزئي (و بالجملة) احتياج الاستصحاب في جريانه إلى وجود الموضوع خارجا بما له من الاجزاء و القيود يستلزم المنع عنه حتى في الأحكام الكلية قبل تحقق موضوعاتها سواء كان الشك فيها من جهة الشك في النسخ أو من جهة أخرى (كما) ان الاكتفاء بصرف فرضية وجود الموضوع في استصحاب الحكم الكلي، يستلزم الاكتفاء به في استصحاب الحكم الجزئي أيضا (إذ لا فرق) في فرضية الحكم بفرضية وجود موضوعه، بين فرضية تمام موضوعه باجزائه و شروطه، و بين فرضية بعضه (فعلى) كل تقدير لا وجه للتفصيل المزبور، بل لا محيص اما من المنع عن استصحاب الحكم التعليقي قبل تحقق الموضوع و المعلق عليه مطلقا حتى في الحكم الكلي، و اما من الالتزام بجريانه مطلقا حتى في الحكم الجزئي بناء على الاكتفاء في جريانه بصرف وجوده فرضا في زمان يقينه، هذا (مع) إمكان إجراء الاستصحاب حينئذ في نفس القضية التعليقية و الحرمة أو النجاسة التقديرية الثابتة للعنب قبل الغليان، فانه يصدق عليه قبل الغليان انه يحرم أو ينجس على تقدير غليانه و بعد صيرورته زبيبا يشك في بقاء تلك القضية التعليقية بحالها فيستصحب؛ إذ لا قصور في أدلته للشمول لمثل الفرض (و دعوى) انها ليست بشرعية لأنها عبارة عن الملازمة بين وجود الشي‏ء و وجود الحكم فهي اعتبار عقلي منتزع من جعل الشارع و إنشائه الحرمة و النجاسة على العنب المغلي، و دليل الاستصحاب غير ناظر إلى مثله، مضافا إلى ان الملازمة انما هي بين الحكم و تمام الموضوع، و لا يعقل الشك في بقائها الا من جهة الشك في نسخ الملازمة، فيرجع إلى استصحاب عدم النسخ الّذي لا إشكال فيه، و هو غير الاستصحاب التعليقي‏

169

(مدفوع) بما ذكرنا مراراً من انه يكفي في الشرعية في باب الاستصحاب مجرد كون المستصحب مما امر رفعه و وضعه بيد الشارع و لو بتوسيط منشئه، فإذا كانت القضية التعليقية و الملازمة المزبورة منتهية إلى كيفية إرادة الشارع و جعله على نحو خاص، بحيث لو لا الجعل الشرعي لما يعتبر العقل تلك الملازمة، فلا محالة يجري فيها الاستصحاب و التعبد بعدم نقض اليقين بالشك بعد انتهائه إلى الأثر العملي، كما في السببية في الأمور الجعلية حسب ما شرحناه سابقا خصوصا على المبنى المختار في لا تنقض من كونه ناظراً إلى نفس اليقين بلحاظ ما يترتب عليه من الأعمال حتى في الأحكام المجعولة، لا إلى المتيقن و لو بتوسيط اليقين بنحو جعل المماثل، أو الأمر بالمعاملة مع المتيقن معاملة الواقع (و عليه) فلا يحتاج في إجراء الاستصحاب في نحو هذه التعليقيات و شرعيتها إلى إتعاب النّفس لإثبات ان لها مرتبة من الوجود كي يورد عليه بأنها كالملازمات الواقعية بين الشيئين ليست من الموجودات الخارجية و انما هي اعتبارات عقلية منتزعة من مجرد امتناع انفكاك أحد الشيئين عن الآخر (نعم) ما لا يكون جعلياً انما هي الملازمة و السببية في الأمور الواقعية التكوينية التي لا يكون لها مساس بالجعل الشرعي و لو بالواسطة، لا مثل هذه التعليقيات التي عرفت انتهائها بالاخرة إلى الجعل الشرعي، كما هو ظاهر (و اما شبهة) عدم تصور الشك في بقاء الملازمة الا من جهة الشك في النسخ و بدونه يقطع ببقائها لكونها كالصحة التأهلية لجزء المركب (فمدفوع بان المقطوع انما هو الحكم الثابت للذات في حال العنبية لا مطلقا حتى في حال الزبيبية، إذ هو في هذا الحال مشكوك لا مقطوع، و المستصحب هو هذا الحكم الضمني الفرضي الثابت للذات في حال العنبية و بقائه مشكوك لا مقطوع.

ثم انه أورد على الاستصحاب المزبور بوجهين آخرين‏

(أحدهما)

من جهة تغاير الموضوع في القضيتين، بدعوى ان الموضوع للحرمة و النجاسة المعلقة بالغليان في القضية المتيقنة انما هو ماء العنب و قد انعدم بصيرورته زبيباً، و في القضية المشكوكة هو الجرم الخاصّ و ليس هو موضوعاً للحرمة و النجاسة (و الثاني). بمعارضة الاستصحاب المزبور مع استصحاب الطهارة و الحلية الثابتة قبل الغليان، فان‏

170

الاستصحاب التعليقي كما يقتضى حرمة الزبيب و نجاسته بعد الغليان كذلك الاستصحاب التنجيزي للطهارة و الحلية الفعلية يقتضى حليته و طهارته بعد الغليان و حيث ان الشك في أحد الاستصحابين لا يكون مسبباً عن الآخر يسقط الاستصحابان فيرجع فيه إلى قاعدة الحلية و الطهارة (و لكن) الأول مندفع بفهم العرف كون الموضوع للحرمة و النجاسة هو الجسم الخاصّ و ان وصف العنبية و الزبيبية من حالات الموضوع لا من مقوماته.

و اما الثاني‏

ففيه ان المعارضة انما تتم إذا كان المستفاد من دليل الغليان مجرد سببيته للحرمة و النجاسة المشروطة بلا غائيته للطهارة و الحلية الثابتتين للعنب قبل الغليان بحيث يكون ارتفاع الحلية و الطهارة الثابتة قبل الغليان عند فعلية الحرمة أو النجاسة المشروطة بالغليان بمناط المضادة (و اما) إذا كان المستفاد من دليل الغليان علاوة عن شرطية الغليان و سببيته للحرمة و النجاسة، كونه غاية أيضا شرعا للحكم المضاد أعني الحلية و الطهارة الفعلية الثابتتين للعنب قبل الغليان، (فلا مجال) لتوهم المعارضة بين الاستصحابين، نظراً إلى حكومة الاستصحاب التعليقي حينئذ على الاستصحاب التنجيزي للحلية و الطهارة، فانه بعد ان يكون الحلية و الطهارة مغياة شرعا بعدم طرو الغليان الّذي هو سبب النجاسة و الحرمة، فلا جرم بالاستصحاب التعليقي يرتفع الشك في الحلية و الطهارة و لا يبقى معه المجال لاستصحابهما أصلا (ففي الحقيقة) مرجع استصحاب الحرمة و النجاسة المشروطة إلى استصحاب بقاء الشرطية للحرمة و النجاسة و لعدم الحكم الآخر المضاد لهما المعبر عنه بالغاية، فما هو الحاكم على هذا الاستصحاب في الحقيقة هو استصحاب الشرطية و الغائية الحاصل في ضمن استصحاب الحرمة المشروطة، و إلّا فأحد الحكمين كان في عرض الآخر بلا طولية بينهما و لا سببية و المسببية، و ما هو في طولهما هو حيث بقاء الشرطية و الغائية التوأمين في الثبوت للقيد المزبور (و حينئذ) فلا بد في الحكم بتعارض الأصلين و عدمه من لحاظ ان الغليان كما انه شرط للحرمة و النجاسة المجعولة، كذلك يكون غاية شرعا للحلية و الطهارة، أم لا يكون كذلك، بل كان غائيته للحلية و الطهارة بحكم العقل محضا بلحاظ مضادة

171

الحكمين و امتناع تحقق أحدهما في ظرف تحقق الآخر.

فعلى الأول كما هو التحقيق لا محيص من حكومة الاستصحاب التعليقي بالبيان المتقدم.

و على الثاني تستقر المعارضة بين الأصلين، لأن الحكمين حينئذ عرضيان و الشرطية و الغائية أيضا عرضيتان (لأن) ما هو في طول الحرمة هو وجود الشرط و الغاية، و الأول و ان كان شرعياً فيترتب عليه اثره الّذي هو الحرمة إلّا ان الثاني لا يكون كذلك، فلا مجال لرفع اليد عن استصحاب الحلية باستصحاب الحرمة المشروطة كما هو ظاهر.

و بما ذكرنا يظهر النّظر فيما أفاده بعض الأعاظم (قدس سره) في تقريب السببية و المسببية بين الأصلين، (ببيان) ان الشك في حلية الزبيب و طهارته الفعلية بعد الغليان و ان لم يكن مسبباً عن الشك في نجاسته و حرمته الفعلية بعد الغليان و انما كان الشك في أحدهما ملازماً للشك في الآخر، إلّا ان الشك في الطهارة و الحلية الفعلية في الزبيب المغلي مسبب عن الشك في كون المجعول الشرعي هو نجاسة العنب المغلي و حرمته مطلقا حتى في حال كونه زبيبا، أو ان المجعول الشرعي خصوص نجاسة العنب المغلي و حرمته و لا يعم الزبيب المغلي، فإذا حكم الشارع بالنجاسة و الحرمة المطلقة بمقتضى الاستصحاب التعليقي يرتفع الشك في حلية الزبيب المغلي و طهارته وجه النّظر ان إطلاق الحرمة المشروطة بالغليان لحال الزبيبية و ثبوت ضده في هذه الحالة من المتضادين الملازم لكونهما في مرتبة واحدة من دون ان يكون لعدم أحدهما تقدم على وجود الآخر، و لا لوجود أحدهما تقدم على عدم الآخر، و معه لا سببية و لا مسببية بينهما، بل يقال: حينئذ انه لم لا تعكس الأمر، فانه كما ان التعبد ببقاء الحرمة المطلقة الشامل لحال الزبيبة ملازم لارتفاع الحلية السابقة عقلا في هذا الحال، كذلك التعبد ببقاء الحلية السابقة في هذا الحال ملازم عقلا للتعبد بارتفاع الحرمة التعليقية في هذا الحال (و لقد تفطن) هو (قدس سره) لهذا الإشكال، حيث أورد على نفسه بان عدم الحلية و الطهارة لا تكون من الآثار الشرعية المترتبة على حرمة العنب‏

172

المغلي و نجاسته و انما هو من اللوازم العقلية لجعل الحرمة للعنب المغلي مطلقا لمكان امتناع اجتماع الضدين (و لكنه) أجاب عنه بالفرق بين السببية و المسببية في الموضوعات و بينهما في الأحكام، فقال: ان شرطية ترتب المسبب على السبب شرعا انما هي في الاستصحابات الموضوعية، و اما في الاستصحابات الحكمية فعدم ترتب الحكم الآخر على ثبوت حكم آخر من لوازم نفس استصحابه و التعبد به، فإذا جرى فيه الاستصحاب يترتب عليه جميع الآثار حتى العقلية لا خصوص الآثار الشرعية (فاستصحاب) الحرمة التعليقية بما له من المراتب التي منها مرتبة كونه زبيبا و التعبد ببقائه مما يلازم عقلا للتعبد بارتفاع حليته و طهارته، إذ لا معنى للتعبد بحرمته و نجاسته في هذا الحال الا إلغاء حليته و طهارته في هذا الحال، و إلّا يكون التعبد به لغواً، فبذلك فبذلك يكون استصحاب الحرمة و النجاسة التعليقية حاكما على استصحاب الحلية و الطهارة انتهى ملخص ما أفاده بطوله.

و أنت خبير بما فيه (إذ مضافا) إلى انه لا فرق في شرعية ترتب المسبب بين الأصول الموضوعية و الحكمية، يمنع الطولية و السببية و المسببية بينهما لما عرفت من المضادة بين الحكمين عقلا المستتبع لملازمة وجود أحدهما لعدم الآخر، فلو اكتفي بهذا المقدار في الحكم بارتفاع الحلية و الطهارة الفعلية باستصحاب الحرمة و النجاسة التعليقية للعنب بما له من المراتب التي منها المرتبة الزبيبية، فلم لا تعكس الأمر، لأن التعبد بالحرمة التعليقية كما يقتضى التعبد بعدم الحلية الفعلية بعد الغليان، كذلك التعبد ببقاء الحلية الفعلية الثابتة للعنب بعد الغليان في هذا الحال يقتضي التعبد بارتفاع الحرمة التعليقية في هذا الحال، لأن لازم تضاد الحكمين انما هو ملازمة وجود أحدهما لعدم الآخر واقعاً و ظاهراً، و مع إمكان العكس أين يبقى المجال لتقديم الاستصحاب التعليقي و ترتيب لازمه ظاهراً من نفي الحلية و الطهارة كما هو ظاهر (و حينئذ) فالعمدة في تقديم الاستصحاب التعليقي في المقام على الاستصحاب التنجيزي للحلية و الطهارة هو ما ذكرناه من الحكومة بالتقريب المتقدم الراجع استصحابه إلى استصحاب بقاء الشرطية و الغائية للحلية السابقة الموجب لثبوت ما هو الغاية للحلية و الطهارة، حيث انه باستصحابه‏

173

يرتفع الشك في الحلية و الطهارة تعبداً، و معه لا يبقى مجال لاستصحابهما فتدبر.

و بما ذكرنا يظهر النّظر فيما أفاده المحقق الخراسانيّ (قدس سره) في نفى التعارض بين الأصلين رأساً، من ان التعارض انما يتصور بينهما في فرض اقتضاء بقاء الحلية إلى حين الشك بها اجتماعها مع الحرمة التعليقية المضادة لها بحيث يلزم من جريان الاستصحابين العلم بمخالفة أحدهما للواقع، و ليس كذلك، فانه كما ان الحرمة منوطة بوجود الغليان، كذلك الحلية السابقة منوطة أيضاً بعدم الغليان، و من المعلوم ان القطع ببقاء القضيتين وجداناً لا يوجب أولهما إلى اجتماع الضدين فضلا عن استصحابهما (إذ فيه) ان القطع بالحلية المغياة بالغليان و ان كان يجتمع مع الحرمة المنوطة بالغليان، حيث كان العنب دائماً يثبت له الحلية و الحرمة المنوطة بالغليان بلا أول مثله إلى اجتماع الحكمين الفعليين في زمان بلحاظ ان الغليان الّذي هو غاية للحلية و شرط للحرمة بوجوده ينفي الأول و يثبت الثاني (و لكن) القطع بالحلية المغياة قبل حصول الغاية لما يلازم القطع بالحلية الفعلية للعنب فلا جرم مهما شك في ارتفاعها و لو من جهة احتمال بقائها في الزمان اللاحق بلا تعليق على عدم الغليان يجري استصحاب تلك الحلية الفعلية، كما لو شك في ارتفاعها يمثل مواجهة الشمس أو غيرها من محتمل الرافعية، فالمعارض لاستصحاب الحرمة التعليقية حينئذ هو هذا الاستصحاب، لا استصحاب الحلية المنوطة بعدم الغليان كي يقال: ان القطع ببقائها غير ضائر فضلا عن استصحابها (و عليه) فالحري هو إبداء أصل المعارضة بين الاستصحابين ثم علاج التعارض بينهما بحكومة الاستصحاب التعليقي على الاستصحاب الفعلي بالتقريب الّذي ذكرناه.

(التنبيه السادس)

لا إشكال في استصحاب الحكم الشرعي عند الشك في النسخ إذا كان المستصحب من أحكام هذه الشريعة المقدسة

(و اما) إذا كان من أحكام الشرائع السابقة، فقد يناقش فيه بوجهين‏

174

الأول من جهة اختلاف الموضوع‏

(بتقريب) ان المكلف باحكام كل شريعة انما هو المدرك لتلك الشريعة، و المدرك للشرائع السابقة قد انقرضوا، و اما المدرك لهذه الشريعة مع عدم دركه للشرائع السابقة فلم يعلم كونهم مراداً من العمومات الثابتة في الشرائع السابقة، فلا يجري الاستصحاب في حقهم (و بتقرير أوضح) ان استصحاب بقاء الحكم عند الشك في النسخ انما يجري و ينفع في فرض المفروغية عن شمول حكم العام من الأول لجميع الافراد المتدرجة الزمانية و هو متفرع على عدم اختصاص حكم العام بزمان دون زمان، و إلّا فعلى فرض اختصاصه من الأول بالزمان السابق و لو من جهة ان النسخ تخصيص في الأزمان يستحيل دخول الافراد التدريجية الحادثة في الشريعة اللاحقة في العام السابق أو إطلاقه (و حيث) ان الشك في النسخ يستتبع الشك في دخول الافراد الحادثة في الشريعة اللاحقة في العام من الأول، فلا يجتمع الشك في النسخ مع العلم بدخول الافراد اللاحقة بعد زمان النسخ في العام من الأول، و معه لا يثمر استصحاب بقاء الحكم الثابت لعنوان عام يشك في دخول الافراد الفعلية فيه لإثبات حكم العام في حقهم، إذ مثل هذا المعنى لو كان جزمياً غير مثمر لا ثبات الحكم في حقهم فضلا عن استصحابه (نعم) مثل هذا الاستصحاب يثمر في النسخ بمعنى البداء المتصور في حق المخلوقين، فانه عليه يمكن دعوى الجزم بدخول الافراد الفعلية في المراد من العام من الأول، فمع الشك في البداء و نسخ الحكم الأول يجري استصحاب بقائه و عدم نسخه (و لكن) هذا المعنى غير متصور بالنسبة إليه سبحانه لأنه غير منفك عن الجهل بمصالح الأمور تعالى اللَّه عن ذلك علوا كبيراً.

الثاني‏

من جهة العلم الإجمالي بنسخ كثير من الأحكام الثابتة في الشرائع السابقة في هذه الشريعة، حيث ان هذا العلم الإجمالي يمنع عن جريان الأصل في أطرافه‏

(أقول) و لا يخفى ما عليك في هذين الوجهين.

اما الوجه الأول‏

فمع انه جار في استصحاب أحكام هذه الشريعة عند الشك في نسخها بالنسبة إلى الموجودين في الأزمنة المتأخرة من دفع، بان الإشكال انما يتوجه إذا كان الحكم الثابت في الشريعة السابقة بنحو القضايا الخارجية المتكفلة للحكم على‏

175

الافراد المحققة الوجود في زمان خاص، إذ حينئذ لا يقين بثبوت الحكم من الأول للافراد الموجودة في الأزمنة المتأخرة و انما المتيقن ثبوته بالنسبة إلى الافراد الموجودة في الزمان السابق (و اما) إذا كان بنحو القضية الطبيعية المتكفلة للحكم على طبيعة المكلفين بنحو السريان في الافراد الفعلية المحققة الوجود و الفرضية المقدرة وجودها، فلا يلزم إشكال، إذ بعد ان كان مقتضى العموم ثبوت الحكم من الأول لجميع الافراد الفعلية و الفرضية لو لا النسخ؛ فلا جرم عند الشك في النسخ و عدم عموم لفظي يقتضي استمراره في جميع الأزمنة يجري فيه استصحاب البقاء و عدم النسخ و لازمه ثبوته للافراد الموجودة في الشريعة اللاحقة، لأن منشأ الشك في ثبوته فعلا للافراد الموجودة في الأزمنة المتأخرة انما يكون هو النسخ لا غيره، فاستصحاب عدمه يكفي لنفي هذه الجهة من الشك، بلا احتياج إلى إثبات كونهم مراداً من العام بمثل هذا الأصل كي يجي‏ء فيه شبهة مثبتية الأصل المزبور (و بالجملة) الغرض من استصحاب حكم العام انما هو استصحاب الحكم الثابت لجميع الافراد من غير جهة النسخ بلحاظ ان الشك في بقائه يكون من جهة احتمال النسخ فبالاستصحاب المزبور يترتب ثبوت الحكم العام على الافراد الموجودة في الأزمنة المتأخرة (و اما توهم) ان الأحكام الثابتة للفرضيات ليست بفعلية و انما هي اقتضائية محضة فاستصحابها لا يفيد في إثبات فعلية الحكم بالنسبة إلى الموجودات في الأزمنة المتأخرة الا على الأصول المثبتة (فمدفوع) بما تقدم مراراً من منع عدم فعليتها بالنسبة إليها، إذ لا قصور في فعلية الإرادة و توجيهها نحو الفرضيات عند تمامية المصلحة (نعم) الممنوع انما هو محركية هذه الإرادة بالنسبة إلى الافراد الفرضية قبل وجوداتها بلحاظ ان محركيتها من شئون حكم العقل بلزوم الامتثال المتوقف على وجود المكلف خارجا، و ترتب هذه على الاستصحاب المزبور لا يكون من المثبت، لأنه من اللوازم الأعم من الواقع و الظاهر، فمتى يثبت حكم على فرد وجداناً أو تعبداً يترتب عليه حكم العقل العقل بوجوب الامتثال (نعم) يتم هذا الإشكال على من التزم بان حقيقة الحكم التكليفي عبارة عن البعث و الزجر الفعليين المنتزعين عن مرحلة محركية الإرادة و الكراهة نحو المرام،

176

فانه بعد ما لا يمكن توجيه الحكم الفعلي بالمعنى المزبور إلى الوجودات الفرضية حين الخطاب، لا بد من الالتزام باقتضائية الحكم بالنسبة إلى الفرضيات، فيتوجه عليه الإشكال المزبور، و لكن نحن في فسحة من هذا الإشكال (ثم ان ذلك) في فرض إجراء الاستصحاب في الحكم التنجيزي، و اما الاستصحاب التعليقي بناء على صحته كما هو المختار، فلا غبار في جريانه بالنسبة إلى الموجودين في الشريعة اللاحقة فيقال: انهم كانوا سابقاً بحيث لو وجدوا كانوا محكمين بكذا و الآن بقاؤهم على ما كانوا عليه، فان مرجع الشك في نسخ حكم العام السابق إلى الشك في بقاء القضية التعليقة و الملازمة المزبورة، و بالاستصحاب المزبور يحكم عليهم بوجوب كذا (و على ذلك) لا يحتاج في إثبات حكم العام السابق في حق الموجودين في الشريعة اللاحقة إلى فرض وجود المدرك للشريعتين بإجراء الاستصحاب في حقه و إلحاق البقية به بعدم الفصل كي يحتاج إلى إثبات الاشتراك حتى في الحكم الظاهري، فيشكل، عليه بان الإجماع على الاشتراك انما هو في الحكم الواقعي لا في الحكم الظاهري (هذا كله) فيما يتعلق بالجواب عن الوجه الأول.

(و اما الجواب) عن الوجه الثاني‏

فبانحلال العلم الإجمالي المزبور بالظفر بمقدار من الأحكام المنسوخة التي يمكن انطباق المعلوم بالإجمال عليها، فتكون الشبهة فيما عداها بدوية يجري فيه الأصل بلا مزاحم (ثم) ان ذلك فيما إذا كان العلم الإجمالي بالنسخ بتبدل الوجوب بالحرمة أو بالعكس، و اما إذا كان العلم الإجمالي بتبدل الوجوب إلى عدم الوجوب و الحرمة إلى عدمها، فعلى ما اخترناه من جريان الأصول المثبتة للتكليف في أطراف العلم الإجمالي لا يحتاج إلى دعوى الانحلال بل يجري الاستصحاب فيها و لو مع وجود العلم الإجمالي و عدم انحلاله إلى الأبد، بلحاظ ان المانع عن جريان الأصول في أطراف العلم حينئذ انما هو استتباعه لمحذور المخالفة العملية، لا لمانعية العلم بذاته عن جريانها في الأطراف، فمع فرض انتفاء هذا المحذور يكون وجود العلم الإجمالي كعدمه، فتجري الأصول المثبتة في جميع الأطراف.

(ثم ان) في التقرير إشكالا آخر على الاستصحاب المزبور (و حاصله) انه لا جدوى‏

177

لاستصحاب حكم الشريعة السابقة، فانه على فرض بقائه في هذه الشريعة لا بد من ان يكون بإمضاء من الصادع به على ما يدل عليه قوله (صلّى اللّه عليه و آله) ما من شي‏ء يقربكم إلى الجنة و يبعدكم عن النار الا و قد أمرتكم به، فمع عدم العلم بالإمضاء لا جدوى لاستصحاب بقاء حكم الشريعة السابقة (و لكن) فيه انه بعد ما كان حكم كل شريعة حكما إلهياً ناشئاً عن مصلحة تامة في حق العباد فبقاؤه في الشريعة اللاحقة ملازم لإمضائه في تلك الشريعة، لأن بقائه كاشف عن تمامية ملاكه و معه يستحيل عدم إمضائه، لأن عدم إمضائه مساوق لعدم تمامية ملاكه في الشريعة اللاحقة و هو خلف، فان المفروض كونه على تقدير بقائه واجدا للملاك في حق الموجودين في الشريعة اللاحقة بلا مزاحم (و معه) كيف يمكن فرض عدم إمضائه في الشريعة اللاحقة إلّا بفرض جهل الصادع بها و هو من المستحيل، و حينئذ يكون مرجع الشك في بقاء الحكم الثابت في الشريعة السابقة إلى الشك في بقاء ما هو ممضاة في الشريعة اللاحقة، و بالاستصحاب المزبور يثبت بقائه كما هو واضح و لعل الأمر بالتأمل في كلامه إشارة إلى ما ذكرنا.

(التنبيه السابع)

قد اختلفوا في اعتبار مثبتات الأصول و عدم اعتبارها على قولين بعد الوفاق منهم ظاهراً على اعتبارها في الأمارات، و المشهور بين المتأخرين العدم و هو الأقوى خلافا لما يظهر من بعض المتقدمين (و تنقيح المقال) في المقام ان يقال: ان مرجع التنزيلات الواردة في أدلة الأصول بل الأمارات (اما) ان يكون إلى تنزيل من الشارع في مقام التشريع، نظير قوله: الطواف بالبيت صلاة، و نحوه من التنزيلات الراجعة إلى جعل حقيقة المماثل أو الأثر الثابت للمنزل عليه (و اما) ان يكون إلى الأمر بالبناء على ان المشكوك هو الواقع بلحاظ ما يترتب عليه من الأعمال المتمشية من المكلف بلا نظر إلى جعل الأثر أو المماثل أصلا؛ فيكون مرجع حرمة النقض في الاستصحاب إلى وجوب المعاملة مع اليقين أو المتيقن السابق معاملة بقائه‏

178

من حيث الجري العملي على طبقه حركة أو سكونا الراجع في الحقيقة إلى نحو ادعاء منه لبقاء اليقين أو المتيقن السابق و توسعته بلحاظ ما يترتب عليه من الأعمال المقصودة، لا بلحاظ جعل الأثر الشرعي، (فشرعية) تلك الأعمال كانت مستفادة من الأمر بالنبإ بلحاظ استتباع الأمر بالبناء و تلك المعاملة بعنوان كونها أعمالا شرعية، لكونها محكومة بالاحكام الخمسة الظاهرية (و حيثما عرفت) ذلك نقول: انه على المعنى الأول الراجع إلى جعل الأثر الحقيقي أو المماثل لا مجال لتصحيح المثبت أصلا، و ذلك لا لقصور في إطلاق التنزيل، بل لعدم إمكان شموله لغير الآثار الشرعية، لوضوح ان التنزيل من كل شخص لا بد و ان يكون بلحاظ الآثار المتمشية من قبله، و الأثر المتمشى من الشارع في تنزيلاته الواردة في مقام التشريع لا يكون إلّا الآثار التي تنالها يد الجعل و الرفع التشريعي فلا يمكن شمولها لغيرها من الآثار العقلية أو العادية (فالمعقول) من حكم الشارع و تعبده بحياة زيد في استصحابها انما هو إثبات وجوب الإنفاق من ماله على زوجته و عدم جواز تقسيم ما له على ورثته و نحوهما من الآثار الشرعية الثابتة لعنوان المستصحب، لا ما يلازمه من الأمور العقلية أو العادية كنموه و نبات لحيته، لعدم كون هذه من الأمور القابلة للجعل و الرفع التشريعي، (و لا الآثار) الشرعية المترتبة عليه بتوسيط الأمور العادية أو العقلية، كوجوب التصدق المترتب بعنوان النذر على عنوان نموه و نبات لحيته، لأن ترتب هذه لا بد و ان يكون بتوسيط جعل الواسطة و قد فرضنا انه غير معقول، فلا يمكن شمول التنزيل حينئذ لمثل تلك الآثار (لا يقال): هذا إذا أريد من جعل تلك الآثار جعلها بتوسط جعل الواسطة (و اما) لو أريد جعلها بلا توسيط جعل الواسطة، فهو امر معقول في نفسه، فان للشارع في استصحاب حياة زيد جعل مطلق ما يترتب عليها من الآثار الشرعية أعم من كونه بلا واسطة أو معها، و مع إمكانه في نفسه يتمسك بإطلاق التنزيل لإثبات تلك الآثار (فانه يقال): ان ذلك و ان كان ممكناً في نفسه، و لكن المنصرف منه هو خصوص الآثار المترتبة على المستصحب بلا واسطة (ان قلت) على ذلك يلزم عدم شمول عموم التنزيل للآثار الشرعية مع الواسطة و لو

179

كانت الواسطة أثراً شرعياً كما لو نذر ان يصلي ركعتين يوم الجمعة على تقدير حياة ولده يوم الجمعة و نذر أيضا ان يتصدق بما له على تقدير وجوب الصلاة عليه يوم الجمعة و هكذا، مع انه ليس كذلك قطعاً (قلت): ان شمول التنزيل لهذه الآثار الطولية انما هو من جهة ان قضية جعل الأثر في استصحاب الحياة لما كانت بعناية انه الأثر الواقعي يستتبع قهراً لتنزيل آخر بالنسبة إلى الأثر و هو وجوب الصلاة من حيث موضوعيته لوجوب التصدق و مثله مستتبع لجعل أثر آخر بالعناية المزبورة و هكذا (و هذا بخلاف) ما لو كانت الواسطة امراً عاديا أو عقلياً كنموه أو نبات لحيته، فانه لا يمكن شمول التنزيل للآثار الشرعية المترتبة بتوسيط الأمور المزبورة إلّا بفرض وقوع نفس الواسطة مستقلا مورداً لتنزيل مستقل من استصحاب أو غيره (و حينئذ) فعلى هذا المسلك لا محيص من القول بعدم حجية المثبت (هذا) كله بناء على رجوع مفاد التنزيل في لا تنقض إلى جعل الأثر أو المماثل (و اما) على ما هو التحقيق من رجوعه إلى وجوب المعاملة مع المتيقن السابق معاملة بقائه بلحاظ ما يترتب عليه من الأعمال بلا نظر إلى جعل الأثر خصوصا على المختار من تعلق النقض بنفس اليقين لا بالمتيقن و لو بتوسيط اليقين (فقد يقال): انه من الممكن حينئذ تصحيح الأصول المثبتة (بدعوى) ان مرجع التعبد بالبقاء في استصحاب الموضوع إلى التوسعة الصورية للمتيقن من حيث موضوعيته للأثر بلحاظ الأعمال المترتبة عليه، لا بلحاظ جعل الأثر الحقيقي أو المماثل للمتيقن أو لأثره، فلا قصور في شمول التنزيل و التعبد ببقاء المتيقن لمطلق ما يترتب عليه من العمل و لو بواسطة أثر عقلي أو عادي بأحد الوجهين المتقدمين، فانه من الممكن حينئذ التعبد ببقاء الحياة و توسعتها بلحاظ اثره الشرعي أو العقلي و العادي و التعبد به أيضا بلحاظ التعبد بأثره إلى ان ينتهي إلى العمل و لو بوسائط عديدة، لأن التعبد بالشي‏ء بلحاظ موضوعيته للأثر عين التعبد بأثره و وجود محموله أو ملازم له بملازمة عرفية موجبة للانتقال من التعبد به إلى التعبد بأثره و وجود محموله، و هكذا التعبد بوجود المحمول من حيث موضوعيته إلى ان ينتهي إلى العمل (و بعد) كفاية مجرد الانتهاء إلى الأثر العملي في صحة التعبد بالشي‏ء من أول‏

180

السلسلة المنتهى إليه و لو بوسائط عديدة، فلا بأس بالتشبث بإطلاق دليل التنزيل لمطلق ما يترتب عليه من الأثر الشرعي و لو بوسائط عديدة (و لا مجال) حينئذ للتشبث في نفي الأصول المثبتة بما تقدم من ان التعبد بالشي‏ء لا بد و ان يكون بلحاظ التعبد بأثره الشرعي لا العقلي و العادي لعدم كونهما مما تناله يد الجعل و الرفع التشريعي، إذ ذلك انما يتوجه إذا كان التنزيل في المقام راجعاً إلى إنشاء جعل الأثر الحقيقي كما هو المسلك الأول، لا إلى مجرد التعبد بوجود المتيقن الراجع إلى التوسعة الصورية لوجوده بلحاظ ما يترتب عليه من العمل، فان مثل هذا النحو من التوسعة في الآثار العقلية و العادية بلحاظ ما يترتب عليها من العمل امر ممكن و تكون من شئون الشارع؛ نظير توسعة الموضوعات الخارجية (كما انه) لا مجال لنفي اعتبارها من جهة الانصراف المدعي في المقام إلى الأثر بلا واسطة، فانه على ما ذكرناه من التقريب يكون التعبد بالشي‏ء من حيث موضوعيته للأثر من أول السلسلة المنتهى بوسائط عديدة إلى العمل تعبداً بالأثر بلا واسطة كما هو ذلك في فرض كون الوسائط أموراً شرعية و لذا يكتفي في ترتب الأثر مع الواسطة بالاستصحاب الجاري في أول السلسلة المنتهى إلى العمل بالتقريب المتقدم (و حينئذ) فلا يندفع هذه الشبهة إلّا بدعوى انصراف هذه التنزيلات إلى تطبيق القضايا الشرعية و توسعة موضوعاتها، و إلّا فمع الانصراف المزبور لا يكاد شمولها لغيرها من القضايا العقلية و العادية كما هو الشأن في مثل حديث الرفع و نحوه (و بذلك) يفرق بين ان يكون الأثر الشرعي المترتب على المتيقن بتوسيط امر شرعي، فيترتب عليه بالاستصحاب الجاري في أول السلسلة، و بين ان يكون مترتباً عليه بتوسيط امر غير شرعي فلا يترتب عليه باستصحابه، حيث كان الفارق بين الفرضين ما ذكرناه من الانصراف المزبور، (و لعمري) ان مثل هذه الجهة هو العمدة في رفضهم الأصول المثبتة رأساً و اقتصارهم على نفس مؤدى الأصل أو ما يترتب عليه من القضايا الشرعية بلا واسطة عقلية أو عادية و عدم إثباتهم شيئاً من لوازم المؤدى و ملزوماته و لو كانت شرعية (لا ان ذلك) من جهة دعوى انصراف التنزيل إلى الأثر بلا واسطة، أو كون مؤدي دليل الأصل مجرد تطبيق العمل على المؤدى كما توهم (و إلّا) يلزم عدم شموله‏

181

في الأصول الموضوعية للآثار الشرعية المترتبة على الآثار الشرعية الخارجة عن ابتلاء المكلف في زمان التعبد بالمؤدى، كما في الماء التالف الّذي غسل به الثوب النجس سابقاً أو توضأ به غافلا فشك بعد خروجه عن الابتلاء بتلف و نحوه في طهارته أو في إطلاقه (هذا) إذا أريد من تطبيق العمل على المؤدى تطبيقه عليه بجميع لوازمه (و اما) لو أريد به التطبيق في الجملة و لو بانتهائه إلى الأثر الشرعي (فيتوجه) عليه إشكال التفكيك بين اللوازم الشرعية المترتبة على المستصحب بتوسيط امر شرعي، و بين اللوازم الشرعية المترتبة بتوسيط أثر عقلي أو عادي بعد فرض اشتراكهما في الانتهاء إلى الأثر العملي (و بما ذكرنا) انقدح بطلان المسلك الأول الراجع إلى جعل مفاد التنزيل من باب جعل الأثر و المماثل بلا واسطة (إذ لازمه) تخصيص حجية الاستصحاب في الموضوعات بما إذا كان الموضوع مورد ابتلاء المكلف حين توجيه التكليف بعدم النقض، و لازمه عدم صحة استصحاب طهارة الماء التالف، أو إطلاقه في فرض ابتلاء المكلف بأثره و ملاقيه حين الشك في طهارته، أو إطلاقه، لامتناع جعل الأثر الحقيقي للماء التالف فعلا خصوصاً لو قيل بان الطهارة منتزعة من أحكام تكليفية قائمة بذات الموضوع من نحو جواز شربه و جواز استعماله في الوضوء و نحوه، و هو كما ترى (مضافا) إلى اقتضائه عدم جريانه في القسم الثاني من أقسام الكلي فيما لو كان المستصحب تكليفاً و أثراً شرعياً، كالوجوب المردد بين النفسيّ أو الغيري لواجب آخر قد علم بارتفاعه بنسخ و نحوه، لامتناع جعل كلي الأثر و القدر المشترك بلا كونه في ضمن فصل خاص، فانه كما يمتنع جعل الوجوب الواقعي عاريا عن الخصوصية النفسيّة أو الغيرية (كذلك) يمتنع جعل الوجوب الظاهري بلا كونه في ضمن إحدى الخصوصيّتين (و هذا) بخلاف المسلك المختار الراجع إلى كون نتيجة التنزيل مجرد التعبد بالمؤدى و الأمر بالمعاملة مع المتيقن السابق معاملة الباقي من حيث الجري العملي على طبقه حركة و سكونا، فانه عليه لا محذور في جريان الاستصحاب في الخارج عن الابتلاء في زمان الشك بلحاظ التعبد بأثره المبتلى به في زمان الشك من نحو طهارة الثوب المغسول به، و صحة الوضوء السابق و صلاته، كما لا محذور في التعبد ببقاء

182

القدر المشترك في المثال بلحاظ الجري العمل على طبقه، كما انه على هذا المسلك بمقتضى الانصراف المدعي إلى القضايا الشرعية يصح التفكيك في الآثار مع الواسطة بين ما يكون ترتبه على المستصحب بواسطة شرعية، و بين ما لا يكون كذلك (نعم) لو أغمض عن الانصراف المزبور لا مجال لنفي الأصول المثبتة من جهة ابتلائها بوجود المعارض من طرف استصحاب العدم الجاري في الأثر العقلي المسبوق بالعدم (إذ ذلك) انما يتوجه في فرض كون مبنى حجية المثبت إطلاق التنزيل بلحاظ جعل الأثر الحقيقي و لو بالواسطة (و إلّا فعلى المختار) في مفاد هذه التنزيلات من كونه مجرد التعبد بوجود الشي‏ء و توسعته من حيث موضوعيته للتعبد بأثره بلا واسطة، و كذا التعبد به من حيث موضوعيته لأثر آخر إلى ان ينتهي إلى الأثر الشرعي العملي، فلا يتوجه الإشكال المزبور (فان) الشك في وجود الأثر العقلي الّذي هو أحد الوسائط بعد ان كان مسبباً عن الشك في وجود موضوعه و سببه و هو الحياة مثلا، فلا محالة يكون الأصل الجاري فيها من حيث موضوعيته للأثر حاكما على الأصل الجاري في نفس الأثر و رافعاً للشك عن وجوده، فيخرج بذلك عن عموم لا تنقض فلا يجري فيه أصل العدم حتى يعارض استصحاب الحياة (نعم) لو كان مقتضى الأصل الجاري في الأثر الّذي هو النموّ أو نبات اللحية توسعته حتى من حيث أثريته للحياة لا من حيث ذاته فقط، بحيث يستتبع توسعته من هذه الجهة توسعة في موضوعه و سببه، لكان للمعارضة المزبورة مجال، لاقتضاء كل من استصحاب الموضوع و الأثر نفي الشك عن الآخر و إخراجه عن عموم لا تنقض (و لكن) دون إثباته خرط القتاد، و معه يبقي الأصل الجاري في الموضوع بلا معارض (و حينئذ) فالعمدة في المنع عن اعتبار المثبت ما ذكرناه من انصراف هذه التنزيلات إلى تطبيق خصوص القضايا الشرعية المترتبة على المؤدى بلا واسطة، بلا نظر لها إلى غيرها من القضايا العقلية أو العادية كي يقتضى توسعته بلحاظ مطلق ما يترتب عليه من الأثر و لو بواسطة عقلية أو عادية.

ثم ان ما ذكرناه من الانصراف المزبور غير مختص بمفاد خصوص‏

183

التنزيلات الواردة في الأصول، بل هو جار في كل دليل مثبت لمثل هذه التنزيلات سواء فيه الأصول أو الأمارات فلا فرق بينهما من هذه الجهة (و انما الفرق) بينهما في التزامهم بحجية المثبت في الأمارات دون الأصول من جهة اقتضاء الطرق و الأمارات حكايات متعددة بالنسبة إلى المؤدى و لوازمه و ملزوماته و ملازماته، حيث انه بهذا الاعتبار ينطبق موضوع التنزيل على جميع تلك الحكايات فتكون الأمارة الواحدة باعتبار تعدد حكايتها بمنزلة أمارات متعددة قائمة بعضها على المؤدى و بعضها على لوازمه و بعضها على ملزوماته و ملازماته في انها باشتمالها على كل حكاية تكون مشمولة لدليل التصديق مستقلا بلحاظ التعبد بأثره في عرض الحكاية الأخرى، مع انصراف دليل التصديق في كل حكاية كما في التعبد بالأصول إلى توسعة خصوص القضايا الشرعية المترتبة عليه بلا واسطة عقلية أو عادية (و هذا) بخلاف الأصول فانها من جهة عدم كشفها عن المؤدى و لوازمه و ملزوماته يكون التنزيل فيها مقصوراً على خصوص المؤدى بلحاظ التعبد بأثره الشرعي بلا واسطة عقلية أو عادية، فلا يكون المتعبد به في استصحاب الحياة مثلا الا عنوان المتيقن من حيث تيقنه به، بلحاظ ما يترتب عليه من الأثر الشرعي بلا واسطة، دون غيره مما هو لازمه أو ملزومه (فتكون) الأصول من هذه الجهة نظير ما هو المشهور في باب الرضاع من اختصاص حرمة النشر في قوله يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب بما إذا تحقق من قبل الرضاع إحدى العناوين المحرمة بالنسب كعنوان الأم و عنوان الأخت أو العمة أو الخالة و نحوها، دون غيرها من العناوين الملازمة لها كعنوان أخت الأخت مثلا، و ان كان بينهما فرق من جهة أخرى من حيث كون الإشكال في الأصول المثبتة من جهة قصور دليل التنزيل عن الشمول للعناوين الملازمة، بلا إشكال في ثبوت أصل الكبرى، بخلاف باب الرضاع فان الإشكال فيه يكون من جهة ثبوت أصل الكبرى و هي حرمة أخت الأخت بهذا العنوان في باب النسب، بلا قصور في دليل التنزيل في الشمول لكل ما ثبت من الكبرى في النسب، ففي الحقيقة يكون بين البابين تمام المعاكسة من جهة الملاك و المناط، و لكن مثل هذه التفرقة لا يضر بما نحن بصدده من تنظير أحد البابين بالآخر، إذ يكفى في صحته مجرد اشتراكهما في عدم إثبات‏

184

اللوازم و ان كان ذلك في كل باب بمناط غير المناط في الباب الآخر.

و اما المنع عن تعدد الحكاية في الطرق و الأمارات، بتوهم عدم حكايتها الا عن خصوص المؤدى دون لوازمه و ملزوماته و ملازماته، بدعوى ان المخبر عن الشي‏ء كالموت و الحياة قد لا يلتفت إلى لوازمه كالنمو و نبات اللحية فضلا عما يستتبعه من اللوازم الشرعية مع وضوح ان حكاية الخبر عن الشي‏ء فرع التفات المخبر إليه و بدونه يستحيل الحكاية (فمدفوع) بان الأمر كذلك في الحكاية التصديقية الموجبة للإذعان بكون المؤدى مراداً للمتكلم لا مطلقا حتى بالنسبة إلى الحكاية التصورية (و اعتبار) خصوصها حتى في لوازم المؤدى و ملزوماته ممنوع جداً (بل نقول): انه بعد إحراز الحكاية التصديقية بالنسبة إلى المؤدى و المدلول المطابقي يكفى في صحة الأخذ بلوازمه و ملزوماته، مجرد حكاية الخبر عنها و لو تصورية الملاءمة مع القطع بعدم التفات المخبر و المتكلم إليها (و لذا ترى) بناء العرف و العقلاء في محاوراتهم و في باب الإقرار و غيره على الأخذ بلوازم الكلام الصادر من الغير و إلزامهم إياه بما يقتضيه كلامه من اللوازم حتى مع قطعهم بعدم التفات المتكلم إلى تلك اللوازم و غفلته عنها (و من الواضح) انه لو لا كفاية مجرد الدلالة التصورية في صحة الأخذ بلوازم المؤدى و ملزوماته لما صح منهم الأخذ بلوازم الكلام الصادر عن الغير و أخذه بما يقتضيه كلامه من اللوازم (نعم) لا بد في صحة الأخذ بها من إحراز الدلالة التصديقية بالنسبة إلى المؤدى و المدلول المطابقي، و بعد إحراز هذه الجهة و لو بالأصول العقلائية يؤخذ بجميع ما له من اللوازم و الملزومات بمقتضى الدلالة التصورية (و على فرض) تسليم اعتبار الدلالة التصديقية حتى بالنسبة إلى لوازم المؤدى و ملزوماته، نقول: انه يكفي في الحكاية المزبورة مجرد التفات المخبر و المتكلم إلى لوازم المؤدى و ملزوماته و لو بنحو الإجمال، بان لكلامه لازم و ملزوم و لا يحتاج إلى الالتفات التفصيليّ بالنسبة إليها، و مع تحقق ذلك بنحو الإجمال، لا قصور في شمول دليل التعبد بالأمارة لجميع ما يحكي عنه من المؤدى و لوازمه و ملزوماته (و بذلك) تمتاز الأمارات و الأدلة الاجتهادية عن الأصول في حجية المثبتات فيهما دون الأصول (و إلّا) فمع المنع عن تعدد الحكاية فيهما يشكل التفرقة

185

بينهما و بين الأصول في حجية المثبتات. (و أقصى) ما قيل حينئذ في الفرق بينهما امران (أحدهما) ان الأمارة على الشي‏ء و ان لم تكن حاكية الا عن نفس المؤدى و لا كان التعبد بها الا تعبداً واحداً بمدلولها المطابقي (و لكن) التعبد بالمؤدى يشمل اللوازم المترتبة عليه و لو بوسائط عقلية أو عادية (و فيه ما لا يخفى) فانه بعد عدم كون التعبد بها الا تعبداً بمدلولها المطابقي، كيف يمكن دعوى شموله لما يتبعه من اللوازم، مع ان هذا الملاك موجود في الأصول أيضاً، فلم لا يقال به فيها، فيطالب بالفرق بينهما (و ثانيهما) ما عن بعض الأعاظم (قدس سره) فانه بعد التزامه بان للأمارة على الشي‏ء كحياة زيد لا تكون الا حكاية واحدة عن المؤدى و هو الحياة لا حكايات متعددة حكاية عن حياة زيد و حكاية عن نموه و نبات لحيته، قال: ان الوجه في حجية مثبتات الأمارة دون الأصول، هو ان الأمارة تكون محرزة للمؤدى و كاشفة عنه كشفاً ظنياً و ان الشارع بأدلة اعتبارها قد أكمل جهة نقصها فصارت الأمارة ببركة دليل اعتبارها كاشفة عن الواقع و محرزة له كالعلم الوجداني و بعد انكشاف المؤدى يترتب عليه جميع ما له من الخواصّ و الآثار على قواعد سلسلة العلل و المعلولات (و حاصل) ما أفاده هو مقايسته الأمارة بالعلم الوجداني، بدعوى انه كما ان بالعلم الوجداني بشي‏ء كحياة زيد مثلا يترتب جميع ما للمعلوم من اللوازم و الآثار، كذلك بقيام الأمارة عليه، فانه بعد ان كان المجعول فيها هو الطريقية و الكاشفية و الوسطية في الإثبات، تصير الأمارة لا محالة ببركة دليل تتميم كشفها كاشفة عن الواقع كالعلم الوجداني فإذا قامت على حياة زيد فبنفس إثباتها للحياة يثبت قهراً جميع ما لها من الخواصّ و الآثار و لو بألف واسطة عقلية أو عادية على قواعد سلسلة العلل و المعلولات و لا يحتاج في إثبات اللوازم إلى حكاية الأمارة عنها كحكايتها عن المؤدى (بخلاف) الأصول العملية، فانه ليس فيها جهة كشف عن الواقع و لو ناقصا كي يكون المجعول فيها هو الطريقية، و انما المجعول فيها مجرد تطبيق العمل على المؤدى، اما بالبناء على انه هو الواقع كالأصول المحرزة؛ أو بدونه كما في الأصول غير المحرزة، فلا يمكن المصير فيها إلى حجية المثبتات لعدم اقتضاء أدلتها أزيد من إثبات نفس المؤدى أو ما يترتب عليه من الحكم‏

186

الشرعي بلا واسطة عقلية أو عادية (و فيه ما لا يخفى) فان حيثية الطريقية و الكاشفية و المحرزية بعد ما كانت بحقيقتها من الأمور التكوينية الخارجية، لا من الحقائق الاعتبارية الجعلية، فلا محالة يكون مرجع جعل الطريقية و الكاشفية للأمارة تأسيساً أو إمضاءً إلى الجعل بمعنى الادعاء و التنزيل بادعاء ما ليس بكاشف تام حقيقة كاشفاً تاماً المستلزم لتطبيق عنوانه على المورد بنحو من الادعاء و العناية، نظير جعل الحياة أو العدالة لزيد بالجعل التشريعي، و مرجع ذلك بعد احتياج التنزيل إلى الأثر الشرعي المصحح له و لو في طرف المنزل إلى الأمر بالمعاملة مع ما أدت إليه الأمارة معاملة الواقع في الجري العملي على طبقه و عدم الاعتناء باحتمال مخالفته للواقع، لكونه هو الّذي زمام امر رفعه و وضعه بيد الشارع و يصلح أيضا لتنجيز الواقع و قد تقدم تفصيل ذلك في الجزء الثالث من الكتاب عند البحث عن قيام الطرق و الأصول مقام القطع فراجع (و حينئذ) نقول: انه بعد عدم حكاية الطرق و الأمارات على ملزوم المؤدى و ملازماته، لا مجال لترتب تلك اللوازم و الآثار بمحض التعبد بانكشاف المؤدى و البناء على انه الواقع بداهة عدم اقتضاء التعبد المزبور الا تطبيق عنوان الكشف و الإحراز في مورده، لا تطبيقه على لوازمه و آثاره مع الشك الوجداني فيها و عدم العلم بها لا وجداناً و لا تعبداً و تنزيلا. (و بذلك) يظهر فساد مقايسة المقام بالعلم الوجداني بالشي‏ء، فان ترتب تلك اللوازم في مورده انما هو من جهة ملازمة العلم بالشي‏ء كالحياة للعلم بلوازمه و ملزوماته كنبات اللحية، لا انه من جهة اقتضاء مجرد العلم بالملزوم مع قطع النّظر عن استتباعه للعلم باللازم كي تصح المقايسة المزبورة، و لذا لو فرض في مورد عدم استتباع العلم بالملزوم للعلم بلازمه لا يحكم بترتب اللازم عليه بمحض الملازمة الواقعية، لأن لزوم ترتبه منوط عقلا بقيام الطريق عليه من علم وجداني أو تعبدي (و حينئذ) فإذا لم يكن العلم الوجداني بالملزوم بنفسه مقتضياً لترتب لوازمه و آثاره الا من جهة استتباع العلم به للعلم بلازمه، فكيف يقتضيه مجرد العلم التعبدي بالملزوم مع الشك الوجداني في اللازم و عدم العلم به لا وجدانا و لا تعبداً، و معه لا مجال لترتب اللوازم و الآثار في الأمارات دون الأصول إلّا بفرض كون اللازم من آثار كشف الحياة

187

تعبداً، أو كون التعبد بكشف اللازم من لوازم التعبد بكشف الحياة، و لكنهما من الأغلاط (إذا الأول) منهما ظاهر (و الثاني) أيضا كذلك لعدم الملازمة بين التعبد بكشف الملزوم، و التعبد بكشف اللازم (فلا محيص) حينئذ من إبداء الفرق في حجية مثبتات الطرق و الأمارات دون الأصول بما ذكرناه من اشتمال كل من الطرق و الأمارات على حكايات متعددة كل واحدة منها في عرض الأخرى مشمولة لتعبد مستقل بخلاف مفاد الأصول كالاستصحاب، فانه لا يشمل إلّا ما هو متيقن سابقاً و مشكوك لا حقاً.

بقي التنبيه على أمور:

(الأمر الأول)

ان ما ذكرنا من عدم اعتبار مثبتات الأصل انما هو فيما يلازم المستصحب واقعاً من الأمور العقلية و ما يترتب عليها من الآثار الشرعية (و اما) الآثار العقلية المترتبة على ما يعم الواقع و الظاهر، فهي مما يترتب قهراً لثبوت موضوعها وجداناً، كوجوب الإطاعة في الأحكام، فإذا كان المستصحب حكما شرعياً يترتب باستصحابه جميع ما له من الأثر شرعياً كان أم عقليا، كوجوب الإطاعة عقلا و وجوب تحصيل مقدمته و حرمة ضده و فساده إذا كان عبادة بناء على اقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن ضده، بل ذلك غير مرتبط بباب المثبت، لأن مورد الكلام في المثبت اللوازم العقلية المترتبة على وجود المستصحب واقعاً، و الإشكال فيها انما كان من جهة عدم إحراز موضوعها و لو تعبداً بمعونة التنزيل الجاري في المستصحب، و أين ذلك و لوازم الأمر الظاهري المتحقق بالوجدان كما هو ظاهر (و من هذا القبيل) باب تطبيق الكليات على الجزئيات كما في استصحاب الأحكام الكلية الثابتة لموضوعاتها، حيث ان تطبيقها على مواردها يكون من شئون العقل و لا يرتبط مثل هذا التطبيق العقلي باب المثبت (و حينئذ) فلا مجال لمقايسة مثل هذه الآثار العقلية باللوازم العقلية المترتبة على وجود المستصحب واقعاً إزاحة شبهة، قد يورد على ما ذكرنا من ترتب الآثار العقلية المترتبة على ما يعم الواقع و الظاهر، بأنه يصح ذلك على مسلك إرجاع التنزيل في لا تنقض إلى جعل المماثل (و إلّا) فعلى مسلك إرجاعه إلى مجرد الأمر بالبناء على وجود الأثر لا إلى جعله حقيقة فلا

188

يكون التنزيل الا مثبتاً لوجوب الشي‏ء ادعاء، و مثله لا يكون موضوعا لحكم العقل بوجوب الإطاعة و وجوب مقدمته و حرمة ضده، لأن ترتب هذه انما هو على الوجوب الحقيقي و لو ظاهراً، لا على الوجوب الادعائي الّذي هو نتيجة التنزيل بلحاظ الأعمال (و لكن) يندفع ذلك بما حققناه من رجوع الخطابات الظاهرية طراً بأي لسان كانت، إلى كونها أحكاماً طريقية راجعة في صورة المصادفة إلى كونها عين الأحكام الواقعية المبرزة بالخطابات الأولية و في صورة عدم المصادفة إلى كونها أحكاماً صورية و إنشاءات محضة خالية عن الإرادة الجدية، حيث ان كونها أحكاماً طريقية مبرزة عن الإرادة الواقعية في فرض المصادفة، يكفي في ترتب تلك اللوازم و الآثار، و قد تقدم ما يوضح ذلك في أوائل الجزء الثالث من الكتاب و عند البحث عن وجه منجزية أوامر الطرق و الأصول.

الأمر الثاني‏

يظهر من جماعة منهم العلامة الأنصاري (قدس سره) اعتبار الأصل المثبت إذا كانت الواسطة خفية خفاء يعد الآثار المترتبة عليها بالدقة و الحقيقة عند العرف آثاراً لذي الواسطة لا لها و قد ذكر الشيخ (قدس سره) لذلك أمثلة و هو كما أفادوه، فان ما ذكرنا من قصور أدلة التنزيل بمقتضى الانصراف عن الشمول للآثار الشرعية المترتبة بواسطة عقلية أو عادية انما هو في صورة عدم خفاء الواسطة بنحو يعد الأثر في العرف أثراً للواسطة (و اما) في صورة خفائها الموجب لعد الأثر في العرف أثراً لذي الواسطة، فلا قصور في شمول دليل التنزيل لها على كل من مسلك جعل المماثل و الأمر بالبناء على بقاء المستصحب بلحاظ العمل (و اما) الإشكال عليه بأنه لا أثر لخفاء الواسطة في التفصيل المزبور، بتقريب ان الأثر ان كان أثراً لذي الواسطة حقيقة و بحسب ما ارتكز عند العرف من مناسبات الحكم و الموضوع بحيث تكون الواسطة من قبيل الجهات التعليلية لترتبه على ذي الواسطة، فحجية الأصل بالنسبة إليه و ان كان مما لا مجال لإنكارها إلّا انه لا يكون تفصيلا في المثبت، لأنه لا يرجع إلى المثبت (و ان كان) أثراً لنفس الواسطة حقيقة لا لذيها، فهو و ان كان من المثبت، و لكنه لا مجال لإثباته بالأصل الجاري في ذي الواسطة، و لا ينفع فيه‏

189

تسامح العرف فيه بعدهم إياه أثراً لذي الواسطة، إذ لا عبرة بالمسامحات العرفية فيما هو من هذا القبيل (و الأنظار) العرفية انما تكون متبعة في فهم مداليل الألفاظ و استفادة المرادات من حيث الأعمية و الأخصية بحسب ما ارتكز في أذهانهم من مناسبات الحكم و الموضوع، لا في مقام تطبيق المفاهيم على المصاديق بالنظر المسامحي على خلاف ما يقتضيه النّظر الدقي العقلي (فمدفوع) بمنع رجوع المسامحة العرفية في المقام إلى مقام التطبيق، و انما هي راجعة إلى تحديد مفهوم حرمة النقض (فان) قوله لا تنقض اليقين بالشك بعد ان كان مسوقا بالنسبة إلى ما كان نقضاً له بالأنظار العرفية، لا بحسب الحقيقة و الدقة، فلا محالة تصير المسامحة العرفية مرجعاً في تحديد مفهوم حرمة النقض و التعبد ببقاء المتيقن، لا في تطبيق الكبرى المستفادة من لا تنقض على المورد، فإذا كان الأثر من جهة خفاء الواسطة مما يعد كونه بنظر العرف أثراً للمستصحب، لا للواسطة و ان كان أثراً لها بحسب الدقة و الحقيقة، فلا بد من ترتبه عليه بمقتضى حرمة النقض المسوقة بالنسبة إلى ما يعد كونه نقضا بالأنظار العرفية، و لا يرتبط مثل هذا التسامح بالتسامح في مقام تطبيق المفهوم على المورد كما هو ظاهر (ثم) ان المحقق الخراسانيّ (قدس سره) الحق جلاء الواسطة بخفائها في اعتبار المثبت فيما إذا كان التلازم بينهما في الوضوح بمثابة لا يرى العرف التفكيك بينهما حتى في مقام التنزيل كالأبوة و البنوة، و ما أفاده (قدس سره) متين جداً في فرض تمامية الصغرى و إلّا فلا إشكال في أصل الكبرى.

الأمر الثالث‏

في الفروع التي توهم ابتنائها على المثبت الممنوع حجيته‏

(فمنها)

ما ذكره المحقق قده و غيره من انه لو اتفق الوارثان على إسلام أحدهما المعين في أول شعبان و الآخر في غرة رمضان، و اختلفا فادعى أحدهما موت المورث في شعبان، و الآخر موته في أثناء رمضان كان المال بينهما نصفين لأصالة بقاء حياة المورث، مع ان الأصل المزبور مثبت لموضوع التوارث بلحاظ، ان موضوعه انما هو موت المورث عن وارث مسلم بحيث كان للإضافة الحاصلة من اجتماع موت المورث و إسلام الوارث في زمان دخل في موضوع التوارث، و مثله لا يثبت بأصالة بقاء

190

حياة المورث إلى غرة رمضان الا على القول بالمثبت (و فيه) منع دخل الإضافة المزبورة في موضوع التوارث، بل الموضوع فيه مجرد إسلام الوارث في ظرف حياة مورثه (و بعبارة) أخرى اجتماع إسلام الوارث مع حياة مورثه في زمان موضوع للإرث و لا بأس بإثباته بالأصل المزبور، و لا يكون مرتبطاً بباب المثبت، لكونه من قبيل الموضوعات المركبة المحرزة بعضها بالوجدان و هو إسلام الوارث في غرة رمضان و بعضها و هو حياة المورث إلى أثناء رمضان بالأصل.

و منها

حكمهم بضمان من كان يده على مال الغير مع الشك في اذن صاحبه لأصالة عدم الرضا من المالك حين وضع اليد على المال، حيث توهم ابتناء حكمهم بالضمان على اعتبار المثبت، بلحاظ ان موضوع الضمان هو اليد العادية و الأصل المزبور غير مثبت لعنوان العدوان (و فيه) منع دخل عنوان العدوان في موضوع الضمان (و انما) موضوعه وضع اليد على مال الغير من دون اذن مالكه أو رضاه، فيكون مركباً من امرين:

أحدهما اليد، و الآخر عدم اذن صاحب المال، فيدخل في الموضوعات المركبة المحرزة بعضها بالوجدان، و بعضها بالأصل.

و منها

ما عن بعض من استصحاب رطوبة النجس من المتلاقيين مع جفاف الآخر لإثبات نجاسة الطاهر منهما، و استصحاب رطوبة الذبابة التي طارت عن النجاسة لإثبات نجاسة الثوب الّذي طارت إليه، حيث ان نجاسة الملاقى بالفتح في الفرضين انما يكون من لوازم سراية الرطوبة من الملاقي بالكسر إليه و إثباته بالأصل المزبور من أظهر افراد المثبت (و يمكن ان يقال): ان المستصحب حينئذ هي الرطوبة المسرية لا الرطوبة الصرفة و استصحابها و ان كان مثبتاً في الحقيقة إلّا انه يمكن الاعتذار عنه بخفاء الواسطة في مثله، إذ العرف لا يفهم من بقاء الرطوبة المسرية في أحد المتلاقيين إلى حين الملاقاة الا سراية النجاسة إلى الطاهر منهما (و لا يقاس) ذلك باستصحاب بقاء الماء في الحوض في الحكم بطهارة الثوب النجس الواقع فيه (للفرق) الواضح بينهما فان طهارة الثوب من لوازم جريان الماء على الثوب و انغساله به، و مثله امر خارج عند العرف ملازم لبقاء ماء الحوض إلى حين وقوع الثوب في الحوض عرفا لا عين بقائه،

191

فاستصحاب بقاء الماء في الحوض لا يثبت ذلك، بخلاف بقاء الرطوبة المسرية إلى حين الملاقاة فان العرف لا يفهم من بقاء الرطوبة المسرية إلى حين الملاقاة الا سراية الرطوبة إلى الملاقي لكونها أي السراية بأنظارهم عين بقاء الرطوبة المسرية إلى حين الملاقاة، بلا نظر منهم إلى امر ثالث هو الواسطة، فتدبر.

و منها

ما ذكره في التحرير من انه لو اختلف الولي و الجاني في سراية الجناية، فقال الولي: ان المجني عليه مات بالسراية، و قال الجاني: بل مات بسبب آخر من شرب سم و نحوه و ان جنايته وقعت على الميت، أو انه كان ميتاً قبل الجناية، ففي ثبوت الضمان و عدمه وجهان من أصالة عدم الضمان، و من استصحاب بقاء حياة المجني عليه إلى زمان وقوع الجناية عليه (أقول): لا ريب في انه لا يمكن تصحيح القول بالضمان في المثال بالأصل المزبور الا على القول بالمثبت، إذ ليس الموضوع للضمان مركباً من الجناية و حياة المجني عليه إلى حين ورود الجناية عليه ليندرج في الموضوعات المركبة المحرزة بعضها بالوجدان، و بعضها بالأصل (و انما) موضوعه عبارة عن امر بسيط من القتل أو السراية و نحو ذلك، و ترتب مثله على أصالة بقاء حياة المجني عليه إلى زمان ورود الجناية عقلي محض، و لا يمكن إثباته بالأصل المزبور، لكونه من أشنع افراد المثبت، و لعل صدور هذا الاحتمال من العلامة (قدس سره) لكونه ممن يرى الاستصحاب من الأمارات المفيدة للظن النوعيّ.

و منها

استصحاب عدم الحاجب عند الشك في وجوده في محال الغسل أو المسح، حيث ان بناءهم عند الشك في وجود الحاجب لا في حاجبية الموجود على إجراء أصالة العدم فيه، و عدم الاعتناء باحتمال وجوده و الحكم بصحة الوضوء و الغسل، مع ان صحة الوضوء و الغسل من لوازم وصول الماء إلى البشرة و انغسالها به، و مثله من اللوازم العادية لعدم وجود الحاجب (و فيه) ان بنائهم و ان كان على الأخذ بأصالة العدم في الفرض المزبور، و لكن نمنع كونه من جهة الاستصحاب أو من جهة قاعدة المقتضى و المانع، بل من المحتمل قويا كون الأصل المزبور نظير أصالة عدم القرينة أصلا عقلائياً برأسه غير مربوط بالاستصحاب، و ان مدركه هو الغلبة، كما

192

هو كذلك في أصالة عدم القرينة (فإذا) كان الغالب خلو البشرة عن وجود ما يمنع عن وصول الماء إليها، فعند الشك في وجوده في محالّ الغسل أو المسح يلحق المشكوك بالغالب (و لذا) نمنع بنائهم على الأخذ بالأصل المزبور في موارد غلبة وجود الحاجب على البشرة كما في بعض ذي الصنائع، كالبناء المباشر للجص و الطين و المستعمل للزفت و القير لإصلاح الحياض (و مع الإغماض) عن ذلك يمكن ان يقال: انه من استصحاب بقاء الماء المصبوب على محال الوضوء أو الغسل على وصف الجريان على البشرة (أو من باب) اندراج مثله في خفاء الواسطة، كما يؤيده عدم تعديهم إلى صورة الشك في حاجبية الموجود (و إلّا) فعلى فرض كونه من باب العمل بالمثبت فلا يفرق بين صورة الشك في وجود الحاجب و بين صورة الشك في حاجبية الموجود (و لكن) التحقيق ما ذكرناه أولا من كون الأصل المزبور أصلا عقلائياً برأسه مدركه الغلبة النوعية

(و منها)

أصالة عدم تحقق الرد من المالك في عقد الفضول المانع عن إضافته إليه بالإجازة، حيث ان بنائهم على التمسك بالأصل المزبور عند الشك في رد المالك إياه قبل إجازته، مع انه مثبت بالنسبة إلى إضافة العقد إليه بالإجازة (و فيه) مضافا إلى إمكان دعوى كون الأصل المزبور قاعدة عقلائية برأسها قد أمضاها الشارع في أمثال المورد، نمنع كونه من باب المثبت، بل انما ذلك من جهة اندراج المورد في الموضوع المركب المحرز بعضه بالوجدان و بعضه بالأصل، حيث ان كل عقد صادر من الفضول يصح و يضاف إلى المالك بإجازته إياه إذا لم يسبقها رده، فكان القيد العدمي محرزاً بالأصل و الباقي بالوجدان فتدبر.

و منها

استصحاب عدم دخول هلال شوال في يوم الشك المثبت لكون الغد يوم العيد، حيث ان بنائهم على التمسك بالأصل المزبور لا ثبات كون الغد يوم العيد، و ترتيب أحكامه عليه من الصلاة و الغسل و الفطرة، مع ان الأصل المزبور غير مثبت لذلك، بل و لا لكون اليوم المشكوك فيه من رمضان ليترتب عليه وجوب الصوم، لأن كون الزمان المشكوك فيه من رمضان و كون غده يوم العيد و أول شوال من مفاد كان الناقصة و لا يثبت مثله بأصالة بقاء رمضان أو عدم دخول هلال‏

193

شوال الّذي هو مفاد كان و ليس التامتين، نظير (أصالة) بقاء الكر بالنسبة إلى كرية الموجود (و فيه) منع كون مبنى التسالم المزبور هو الاستصحاب، بل العمدة في ذلك هي القاعدة المضروبة في المقام المستفادة من قوله (عليه السلام) صم للرؤية و أفطر للرؤية مكنيا بذلك عن اعتبار العلم بدخول رمضان و شوال في ترتب وجوب الصوم و الإفطار، اما برؤية الهلال، أو بمضي ثلاثين يوماً، فأولية الشهر الّذي هو موضوع الأحكام الخاصة من وجوب الصوم أو الإفطار عبارة عن اليوم الّذي ليلته ليلة رؤية الهلال، أو الّذي سبقه من الشهر الماضي ثلاثون يوماً، كما ان آخريته عبارة عن اليوم الّذي ينتهي إلى ليلة رؤية الهلال، أو اليوم الثلاثين من ذلك الشهر فتدبر (و يمكن) تطبيقه على الاستصحاب بنحو لا يلزم منه شبهة المثبتية، باستصحاب رمضانية يوم الشك بمفاد كان الناقصة بالتقريب المتقدم في استصحاب الأمور التدريجية.

الأمر الرابع‏

ان الاستصحاب كما يجري فيما هو تمام الموضوع للحكم الشرعي، كذلك يجري فيما هو جزئه أو قيده (فإذا) كان الموضوع مركباً من جزءين أو أكثر و كان بعض اجزائه مشكوكا يجري فيه الأصل و يترتب عليه الأثر الشرعي إذا كان الجزء الآخر محرزاً أيضا اما بالوجدان أو بأصل آخر، حيث انه باستصحابه يتحقق الموضوع المركب، فيترتب عليه الأثر الشرعي، و هذا مما لا إشكال فيه (كما لا إشكال) في جريانه فيما هو من قيود الحكم الّذي أنيط به الحكم الشرعي في لسان الخطاب، كالاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحج، فانه مهما شك فيها يجري فيها الأصل وجوداً و عدماً بلا كلام و يترتب عليه الحكم الشرعي من غير ان يرتبط ذلك بالمثبت، (فانه) بإناطة الوجوب بالقيد و الشرط، تصير الإناطة و التقيد مجعولا و تكون مما امر رفعه و وضعه بيد الشارع كما في إناطة الحكم بموضوعه، فمع الشك فيه وجوداً أو عدماً يجري فيه الاستصحاب و يترتب على استصحابه ما له من الأثر نفياً و إثباتاً (نعم) الإشكال انما هو في شرائط الواجب و قيود المأمور به (ينشأ) من عدم خلو استصحابها عن شبهة المثبتية.

و توضيح المقال فيه هو ان مرجع القيود المأخوذة في الواجب و المأمور به‏

194

في ظاهر الخطاب، كالطهارة و الستر و نحوهما (اما) ان يكون إلى دخل التقيد بها في المأمور به على نحو تكون الإضافة و التقيد بالقيد و الشرط جزء للمأمور به و مشمولا بحسب التحليل للأمر النفسيّ الضمني كما هو المشهور بحيث يكون مرجع الأمر بالصلاة مع الطهارة إلى إيجاب ذات الصلاة مع التقيد بالطهارة و يكون وجوب تحصيل القيد لأجل مقدمتيها للتقيد المأخوذ في الواجب بنحو الجزئية لا لذات الصلاة (و اما) ان يكون راجعا إلى كونها بنفسها مما له الدخل في تحقق المشروط و المقيد نظير العلة بالنسبة إلى المعلول، و نظير شرائط الوجوب بالنسبة إلى الوجوب من غير ان يكون للإضافة و التقيد بهما دخل في المأمور به كما في الفرض الأول، كي يلزمه انحلال الواجب إلى الذات و التقيد بقيد كذا، فيكون الواجب هو ذات الصلاة غير ان الشارع اعتبر كونها حسب إناطتها بالستر و الطهارة على وجه لا يكاد يتحقق الا في ظرف الستر و الطهارة، فتكون الطهارة و كذا الستر مقدمة محضة للمأمور به و خارجة عنه (و بعد ذلك) نقول: انه على الفرض الأول ربما يتأتى الإشكال في استصحاب شرائط الواجب و قيوده عند الشك فيها، بتقريب ان الإضافة و التقيد المأخوذ في الواجب امر واقعي كذات المقيد، و لا تكون من الجعليات التشريعية و انما التشريع في دخل مثلها في موضوع الحكم، و الاستصحاب الجاري في ذات القيد و الشرط مثبت بالنسبة إليها فلا يجدى الاستصحاب المزبور لا ثبات مثلها الا على القول بالمثبت، أو دعوى خفاء الواسطة (بخلاف) الفرض الثاني فانه لا قصور في استصحاب القيد و الشرط عند الشك فيهما، (إذ) بإناطة موضوع الحكم بكونه في ظرف وجود القيد تصير الإناطة لا محالة شرعية لكونها مما امر رفعه و وضعه بيد الشارع و يصير القيد طرفا لها، و بهذا الاعتبار يعتبر العقل منه جهة المقدمية للواجب، و حينئذ فحيث ان الشك في وجود القيد يستتبع الشك في تحقق الإناطة يجري فيه الاستصحاب و يترتب عليه جهة الإناطة المزبورة عقلا لكونها من لوازم الأعم من الواقع و الظاهر، حيث يعتبر العقل بضم الوجدان إلى الأصل تحقق الأمر المقيد بكونه في ظرف وجود كذا (فيكون) الفارق بين الفرضين في جريان الاستصحاب في قيود الواجب و عدم‏

195

جريانه من جهة شرعية الإناطة و عدم شرعيتها، ففي الفرض الثاني لما كانت الإناطة بين موضوع الحكم و قيده شرعية يجري الاستصحاب في القيد و الشرط و تترتب على استصحابها الإناطة بين موضوع الحكم و قيده عقلا، بخلاف الفرض الأول فانه تكون الإضافة و التقيد القائم بين الشيئين امراً واقعياً كذات الموضوع و لا يقتضى الاستصحاب الجاري في القيد إثبات التقيد المزبور الا على القول بالمثبت (و لا دافع) لهذا الإشكال، الا دعوى كونه من باب خفاء الواسطة أو جلائها، أو دعوى كشف حجية المثبت في نحو هذه الموارد من جهة تطبيق الإمام (عليه السلام) الاستصحاب على الطهارة الحدثية و الخبثية و نحوهما هذا (و لكن) يندفع هذا الإشكال بأنه لا نعني من التقيد المأخوذ في الواجب على هذا المسلك الا الإضافة الخاصة المتقومة بذات المقيد و القيد، و من الواضح انه كما ان بوجدان القيد واقعا يعتبر العقل تلك الإضافة الخاصة فيحكم بتحقق الصلاة المتقيدة بالطهور و الستر مثلا، كذلك باستصحابه و تعبد الشارع بما هو طرف هذه الإضافة، فيعتبر العقل باستصحابه أيضا تلك الإضافة و القيد المزبور (و بالجملة) ان حكم العقل بتحقق الإضافة و التقيد تابع إحراز تحقق طرفيها فمتى أحرز تحقق طرفيها وجداناً أو تعبداً يعتبر العقل الإضافة الخاصة و لا يرتبط ذلك بباب المثبت كي يحتاج إلى التشبث بخفاء الواسطة أو جلائها، فلا فرق حينئذ بين المسلكين من هذه الجهة (و انما الفرق) بينهما في مقام الجعل من حيث جعلية الإناطة على أحد المسلكين و عدم جعليتها على المسلك الآخر لكونها امراً واقعياً فتدبر.

(التنبيه الثامن)

يعتبر في صحة الاستصحاب ان يكون المستصحب موضوعا كان أم حكما ذا أثر عملي بلحاظ بقائه حين توجيه الخطاب بعدم النقض إلى المكلف الّذي هو ظرف التنزيل، لأنه الّذي يقتضيه التعبد ببقاء الشي‏ء عملا، فلا بد في صحة هذا التنزيل من لحاظ الأثر الثابت للشي‏ء حين التعبد بالبقاء و إلّا فلا يكفى في صحة الاستصحاب‏

196

مجرد كون المستصحب ذا أثر في الحدوث ما لم يكن ذا أثر عملي في بقائه، لأن ذلك أجنبي عن هذا التنزيل، و لذا يكتفى في جريان الاستصحاب بمجرد كون المستصحب ذا أثر عملي في بقائه و لو لم يكن لحدوثه أثر شرعي أو عملي أصلا و وجهه ما أشرنا إليه.

(التنبيه التاسع)

لا فرق في جريان الاستصحاب بين ان يكون المستصحب مشكوك الحدوث في الزمان اللاحق رأساً، كالشك في الطهارة بعد العلم بالحدث و بالعكس، و بين ان يكون مشكوك الحدوث في جزء من الزمان و من حيث ظرفه مع الجزم بأصل حدوثه في الجملة، كالشك في تقدم حدوث الشي‏ء و تأخره (فكما) يجري الاستصحاب في الأول يجري أيضا في الثاني (فلو علم) يوم الجمعة بموت زيد و شك في ان حدوثه فيه أو فيما قبله يجري فيه استصحاب العدم في الأزمنة المشكوك حدوثه فيها إلى زمان اليقين بأصل الحدوث إجمالا، و يترتب عليه الآثار الشرعية المترتبة على عدم حدوثه فيها، و لا يضر به احتمال انطباق زمان الحدوث الإجمالي على الأزمنة السابقة المتصلة بزمان علمه، لأن ذلك لا يخرجه عن المشكوكية واقعاً بعد عدم سراية اليقين الإجمالي من متعلقه الّذي هو العنوان الإجمالي إلى المحتملات التفصيلية (نعم) لا يثبت بمثله حدوثه في الزمان المتأخر لأنه من المثبت الّذي نفينا اعتباره في التنبيه السابق، إلّا بدعوى ان الحدوث هو الوجود المسبوق بالعدم، فإذا أحرز وجود الشي‏ء في زمان و ثبت بالأصل عدمه قبل ذلك الزمان يتحقق مفهوم الحدوث، لاندراجه في الموضوعات المركبة المحرزة بعضها بالوجدان و بعضها بالأصل، و لكنه ضعيف جداً (نعم) لا يجري فيه أصالة عدم حدوثه في الزمان المتأخر الّذي هو زمان العلم بحدوث الحادث، اما فيه، أو فيما قبله، لا بالنسبة إلى طبيعي الحدوث؛ و لا بالنسبة إلى شخص الحدوث المحتمل تحققه في زمان العلم (و الأول) ظاهر للجزم بانتقاض عدم الطبيعي في ذلك الزمان بيقين‏

197

آخر (و كذلك الثاني) لأن الشك المتصور فيه انما هو من حيث حده المنتزع عن سبق وجوده بالعدم، و إلّا فاصل وجوده في الزمان المتأخر معلوم تفصيلا (و من الواضح) ان الحد المزبور لم يكن معلوم العدم سابقا حتى يجري فيه الأصل، و على فرض اليقين به لا يصلح ذلك امر الاستصحاب لوضوح ان اليقين به كذلك ملازم مع اليقين بوجوده سابقاً فكيف يمكن ان يجري فيه الاستصحاب (و حينئذ) فتبقى أصالة عدم حدوثه إلى زمان العلم بلا معارض (هذا) إذا كان الحادث على فرض حدوثه في زمان مقطوع البقاء، كالموت و الحياة بحيث أخذ حدوثاته في الأزمنة المتعددة على نحو البدلية (و اما) إذا كان الحادث من الأمور الآنية التي يمكن ان يفرض له حدوثات عرضية و علم إجمالا بتحقق أحدها فيجري فيه أيضا أصالة العدم بالنسبة إلى كل واحد من الحدوثات لتحقق أركانه فيها، غاية الأمر العلم الإجمالي بتحقق أحدها موجب لتعارض تلك الأصول، و ذلك في فرض اقتضاء جريان الجميع طرح تكليف إلزاميّ لا مطلقا كما هو ظاهر (هذا كله) إذا كان الأثر الشرعي مترتباً على الحادث بلحاظ إضافته إلى اجزاء الزمان.

و اما إذا كان الأثر الشرعي مترتباً عليه بلحاظ إضافته إلى حادث آخر من حيث التقدم أو التقارن أو التأخر، ففي جريان الاستصحاب فيه خلاف بين الاعلام (و حيث) ان للفرض شقوق و صور عدية فلا بأس بالتعرض لها و بيان أحكامها (فنقول): ان كل حادث أضيف إلى حادث آخر بالقياس إلى اجزاء الزمان (اما) ان يكون متقدما عليه أو متأخراً عنه، أو مقارناً معه في الزمان (ثم العنوان) الّذي يكون موضوعا للأثر، اما ان يكون نفس تلك العناوين أعني تقدم الشي‏ء أو تأخره أو تقارنه للشي‏ء الآخر بنحو مفاد كان أو ليس التامة كالموت المتقدم للأب على موت الابن و بالعكس (و اما) ان يكون هو الشي‏ء المتصف بكونه متقدما على الحادث الآخر أو متأخراً عنه أو مقارنا معه بنحو مفاد كان أو ليس الناقصة (و اما) ان يكون هو الشي‏ء في ظرف تقدمه أو تأخره أو تقارنه لحادث آخر بحيث أخذ تلك الأزمنة ظرفا محضا لموضوع الأثر، أو قيداً و وصفاً له (و كذلك) حال‏

198

الحادث الآخر بالإضافة إلى هذا الحادث (فانه) يكون له هذه الأقسام بعينها (فهذه) أقسام متصورة في مفروض البحث للعنوان الّذي يكون موضوعا للأثر.

و اما حكم هذه الأقسام‏

(اما القسم) الأول منها

، فان قلنا في مثل هذه الإضافات ان لها حظا خارجياً عند وجود طرفيها غير متوقفة على الاعتبار بحيث كان الخارج ظرفا لنفسها و لو لا لوجودها كما هو التحقيق، فلا شبهة في جريان أصالة العدم في كل من التقدم و التأخر و التقارن بنحو مفاد ليس التامة، لكونها من الخارجيات المسبوقة بالعدم أزلا، غاية الأمر بالعلم الإجمالي بانقلاب أحد هذه الاعدام المستصحبة يسقط الجميع بالمعارضة عند استلزام جريانه فيها طرح تكليف إلزاميّ، و ذلك في فرض ترتب الأثر الملزم على كل واحد من عنوان التقدم و التأخر و التقارن أو لحادث آخر كذلك (و إلّا) فمع فرض كون الأثر المهم لخصوص عنوان التقدم أو التأخر أو التقارن، لا لكل واحد منها، و لا لحادث آخر كذلك، فلا معارضة في البين (و اما لو قلنا) ان هذه الإضافات من خارجات المحمول التي لا حظّ لنفسها في الخارج و ان الخارج موطن منشأ انتزاعها من الحدوثات الزمانية الخاصة بلا جهة زائدة فيها، فلا مجال لجريان أصالة العدم فيها، لعدم كونها بنفسها من الخارجيات المسبوقة بالعدم، بل لا بد حينئذ من جعل محط أصل العدم في منشأ انتزاعها الّذي هو الحدوثات الخاصة الزمانية، لأنها هي التي تقوم بها المصلحة و المفسدة و تكون موضوعة للأثر، فيجري استصحاب الحادث بحسب اجزاء الزمان المتقدم على الحادث الآخر و المقارن له دون المتأخر عنه للعلم الإجمالي حينئذ بانقلابه بالنقيض اما مقدما و اما مقارنا و اما مؤخراً (و بذلك) لا يبقى مجال توهم المعارضة بين تلك الأصول، إذ هي فرع جريان أصالة عدم الحادث في الزمان المتأخر (و إلّا) فمع عدم جريانه فيه للعلم المزبور تنتفي المعارضة بين الأصول (و لا مجال) في هذا الفرض لجريان أصالة عدم الحدوث المتأخر بلحاظ بقاء وصف التأخر، إذ ذلك فرع خارجية مثل هذه الإضافات، و إلّا فمع عدم خارجيتها كما هو المفروض فلا يكون محط الأصل الا شخص الحدوث الخاصّ بخصوصيته الذاتيّة، و المفروض انتقاض العدم الخاصّ المتيقن‏

199

في ضمن اليقين بعدم الجامع بين الحدوثات باليقين بالوجود كما ذكرناه في أصالة عدم الحدوث بالقياس إلى اجزاء الزمان (و اما عدم) شخص الحدوث الخاصّ في هذا الزمان فهو أيضا مما لا يجري فيه الأصل، لما ذكرنا من ان الشك المتصور فيه انما هو بلحاظ حده المنتزع عن سبقه بالعدم، لا بلحاظ أصل وجوده، لكونه معلوما بالتفصيل، و هذا المعنى مع انه غير متيقن سابقاً لا يصلح امر الاستصحاب بلحاظ ان اليقين به كذلك ملازم لليقين بوجوده سابقاً (و حينئذ) فإلقاء المعارضة بين الأصول الجارية في إعدام الحدوثات الخاصة الموصوفة بالتقدم و التأخر و التقارن مبني على جعل هذه الإضافات من الخارجيات غير المتوقفة على الاعتبار الزائدة على الحدوثات الخاصة الزمانية (و إلّا) فعلى مسلك جعلها من الاعتبارات المنتزعة التي لا يكون الخارج الا ظرفا لمنشإ انتزاعها من الحدوثات الخاصة الزمانية، فلا يتم المعارضة بين الأصول، إلّا بفرض كون الشي‏ء من الأمور الآنية التي يتصور فيه حدوثات متعددة عرضية، إذ حينئذ بالعلم الإجمالي بتحقق أحدها تتحقق المعارضة بين الأصول الجارية في إعدام الحدوثات الخاصة الزمانية، و ذلك في فرض اقتضاء جريان الأصل في الجميع طرح تكليف ملزم (و إلّا فلا) لما تقرر غير مرة من عدم مانعية مجرد العلم الإجمالي عن جريان الأصول في أطرافه (و عليه) فلا مجال لما في الكفاية من إلقاء المعارضة بين تلك الأصول مع بنائه على اعتبارية تلك الأوصاف و كونها من خارجات المحمول المنتزعة من الذوات الخاصة، خصوصا مع تمثيله في المقام بمثل موت المتوارثين الّذي ليست حدوثاته إلّا بدلية، و قد عرفت انه على هذا المبنى لا يكون مجرى الأصل الا الحدوثات الخاصة الزمانية التي هي المناشئ لهذه الاعتبارات لكونها هي الموضوعات للآثار الخاصة، و ان مجرى الأصل لا يكون إلّا عدم الحادث بلحاظ اجزاء الزمان المتقدم على الحادث الآخر أو التقارن دون تأخره عنه‏

(و من التأمل) فيما ذكرنا انقدح حال القسم الثاني‏

و هو ما كان الأثر مترتباً على اتصاف الذات بهذه الصفات بنحو مفاد كان أو ليس الناقصة، فانه على مبنى اعتبارية هذه الإضافات على وجه لا يكون الخارج ظرفا لها، بل لمناشئها أي الوجودات الخاصة

200

بحدودها الذاتيّة و خصوصياتها الواقعية لا مجال لجريان الاستصحاب في إعدام اتصاف الذوات بهذه الأوصاف بنحو السلب المحصل، بلحاظ ان الذوات الخاصة بالخصوصيات الذاتيّة التي هي موضوع الأثر حقيقة غير صالحة للانفكاك عن ذاتياتها حتى في عالم تقررها فلا يمكن سلب ذاتياتها في عالم من العوالم و لو قبل وجوداتها (لأن) ما يمكن سلبه عن الشي‏ء و لو قبل وجوده انما هي اللوازم الزائدة عن حقيقة الشي‏ء اللاحقة لوجوده، دون اللوازم الذاتيّة الثابتة للشي‏ء في عالم تقرره (و من هنا) لا يجري الأصل العدم في لوازم الماهية لأنها لا تنفك عنها و لو قبل وجودها فلا يكون لها حالة سابقة (و اما على المختار) في أمثال هذه النسب و الإضافات من كونها أموراً خارجية، كالفوقية و التحتية مسبوقة بنفسها بالأعدام الأزلية زائداً عن عدم طرفيها فعليه و ان لم يكن مجال لاستصحاب وجود المتصف بالتقدم و التقارن أو بعدمهما، لعدم اليقين بالحالة السابقة (و لكن) في طرف العدم لا بأس باستصحاب عدم اتصاف الحادث بالتقدم أو التقارن و لو قبل وجوده بنحو القضية السالبة المحصلة، فيقال في الشي‏ء الكذائي انه قبل وجوده لم يكن متصفاً بكذا فشك في اتصافه به حال وجوده و الأصل بقائه على ما كان، فإذا كان الأثر مترتباً على الذات المتصفة بكذا بحيث كان لحيث الاتصاف المزبور دخل في ترتبه، فلا محالة يكفي في نفي الأثر نفي اتصاف الذات بالوصف و لو قبل وجودها (لأن) نقيض اتصاف الشي‏ء بشي‏ء عدم اتصافه به لا اتصافه بعدمه بنحو القضية المعدولة كي يقتضى وجود الموصوف خارجا كالقضايا الموجبة و يكون الأصل المزبور مثبتاً بالنسبة إليه (و حينئذ) فبعد كفاية مجرد نقيض الأثر المترتب على النقيض في استصحاب كل طرف من النقيضين بلا احتياج إلى ترتب الأثر على نفس المستصحب، فلا قصور في استصحاب عدم اتصاف الذات بالوصف و لو قبل وجودها بنحو السلب المحصل لنفي الأثر المترتب على الذات المتصفة، و بذلك نلتزم بجريان استصحاب العدم بمفاد ليس الناقصة فيما هو من نظائره من مثل القرشية و نحوها (نعم) انما يثمر هذا الاستصحاب فيما إذا اعتبر قيدية الوصف في صقع ذات الموضوع السابق في لحاظ العقل على وجودهما بنحو قابل لحمل الوجود على المقيد