نهاية المأمول في شرح كفايه الأصول‏

- الميرزا حسن الرضوي القمي‏ المزيد...
230 /
51

قيل بالمحذور فيه ايضا انما يكون فيما اذا لم يكن هناك ترخيص فى الأقدام و الاقتحام فى الأطراف و معه لا محذور فيه بل و لا فى الالتزام بحكم آخر الا انّ الشّأن ح فى جواز جريان الأصول فى اطراف العلم الاجمالى لفقدان المقتضى و وجود المانع امّا فقدان المقتضى فلأنّ الأصول و الأمارات الشّرعيّة شأنهما اثبات الحكم العملى او نفيه مع انه واضح فى المقام عدم ترتّب اثر عملى عليها بعد الجريان لامتناع خلو الانسان عن الفعل او التّرك جميعا فالموافقة العمليّة الاحتماليّة حاصلة قهرا فلا يترتب اثر عملى عليها مع انها احكام عمليّة كسائر الاحكام الفرعيّة و اما وجود المانع فلأن موارد جريان الأصل هو الشّكّ فى الواقعة و المقام مورد العلم و لو اجمالا فت هذا مضافا الى عدم شمول ادلتها لأطرافه للزوم التّناقض فى مدلولها على تقدير شمولها كما ادّعاه شيخنا العلّامة الأنصارى (ره) اعلى اللّه مقامه و إن كان محلّ تامّل و نظر و سيجي‏ء الإشارة فى العلم الإجمالي الى الشمول و التناقض و التّامل و عدمها انش تعالى فتدبّر جيّدا

الأمر السّادس فى قطع القطّاع و المراد منه و وجوب متابعته لقطعه‏

ليس كما توهّم من ظاهر اللفظ بل المراد منه ما حصل على نحو خارج عن المتعارف اى باسباب غير متعارفة لا ينبغى ان يحصل القطع منها و ليعلم اولا ان الأسباب ليست من اوصاف المسبّب و من شئوناته بل الأمر بالعكس فالقطع لا يختلف حقيقته باختلاف اسبابه و لا تنثلم وحدته بتكثّر الاسباب و اختلافها من جهة كونها من الأمور المتعارفة و المقدّمات اللّائقة لحصول القطع منها ام لا او كونها من الأمور العقليّة او الشّرعية او العاديّة او العرفيّة او غير ذلك فقطع الحاصل من الأسباب الغير المتعارفة ليس خارجا عن حقيقة القطع موضوعا كى يختلف سعة حكما او اثرا و القول بكون القطع الحاصل من المقدّمات الظنّية ظنّا مخالف للوجدان و كذلك بالنّسبة الى غير المقدّمات الظنّية و بعد ما علمت انّ القطع لمكان كونه انكشافا تامّا و مرآتا كاملة لإراءة الواقع علمت انّه لا تفاوت فى نظر العقل اصلا فيما يترتّب على القطع من الآثار عقلا بين ان يكون حاصلا بنحو متعارف و من سبب ينبغى حصوله منه او يكون حاصلا بنحو غير متعارف لا ينبغى حصوله منه كما هو الحال غالبا فى القطاع ضرورة ان العقل يرى تنجّز التكليف بالقطع الحاصل مما لا ينبغى حصوله و صحّة مؤاخذة قاطعه على مخالفته و عدم صحّة الاعتذار عنها بانه حصل كذلك و عدم صحّة المؤاخذة مع القطع بخلافة و عدم حسن الاحتجاج عليه بذلك و لو مع التفاته الى كيفيّة حصوله غاية الامر فى صورة مخالفة الواقع يكون عقاب العبد عقاب المتجرّى و كيف كان قد علمت انّ تنجّز التّكليف به انّما هو من اللّوازم الغير المنفكة بحيث يستحيل انفكاكه عنه و يمتنع التصرّف فيه نفيا و اثباتا و بعد التّامل فيما تلونا عليك من اوّل الكتاب الى هنا انك لا تحتاج بعد الى مئونة زائدة فى حجّية قطع القطّاع‏

52

و عدم الفرق بينه و بين القطع الحاصل من الأسباب المتعارفة فى الآثار و الأحكام فانّ الأحكام العقليّة لا يقبل التّخصيص و انفكاك ذاتى الشي‏ء عن الشّي‏ء مستحيل بالبداهة نعم ربّما يتفاوت الحال فى القطع المأخوذ شرعا و المتّبع فى عمومه و خصوصه دلالة دليله فى كل مورد لانّه بيد الشارع و المولى فيتصرّف فيه كيف شاء فربّما يدلّ على اختصاصه فى الموضوع بقسم في مورد و عدم اختصاصه به فى آخر على اختلاف الأدلّة و اختلاف المقامات بحسب مناسبات الأحكام و الموضوعات و غيرها من الأمارات و ح فإن كان عموم او اطلاق و يشمل قطع القطّاع فيؤخذ به و الّا فإن كان انصراف فى المقام بحيث ينصرف الى القطع الحاصل من الاسباب المتعارفة فهو و في مورد الشّك مع عدم عموم او اطلاق او انصراف فالمرجع هو الأصول على حسب اختلاف الموارد كسائر الموضوعات فظهر من ذلك ان قول بعض معاصرى العلّامة الأنصارى من الأخباريّين بعدم حجّية قطع القطّاع على ما نسبه الشّيخ اليه بظاهره مقطوع الفساد فلا بدّ من تصحيحه‏

[فى مناقشة ما نسب الى الاخباريين من عدم حجّية القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة]

امّا من حمله على القطع الموضوعى او الحمل على الوجه الذى ياتى بيانه فى توجيه ما نسب الى الأخباريّين من عدم حجّية القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة و بالجملة القطع فيما كان موضوعا عقلا لا شرعا لا يكاد يتفاوت من حيث القاطع و لا من حيث المورد و لا من حيث السّبب سواء حصل من المقدّمات الغير المتعارفة او المتعارفة سواء حصل من الأسباب الشّرعيّة او العقليّة او العادية ام لا و من غير فرق بين ان يكون متعلق قطعه الأمور النظريّة او البديهيّة او الأمور الاعتقاديّة او العمليّة او الأمور التى كانت قريبة من الإحساس كالرّياضيّات و الطبيعيّات او كانت بعيدة عن الإحساس بل كانت من المجرّدات و من عالم المفارقات كالحكمة الإلهيّة من المبدا و المعاد ام لا فالقطع من حيث الكاشفيّة المحضة لا يتفاوت من حيث القاطع و لا من حيث المورد و لا من حيث السّبب لا عقلا و هو واضح كما عرفته سابقا مرارا و لا شرعا لما عرفت من انه لا تناله يد الجعل نفيا و لا اثباتا و ان نسب الى بعض الاخباريّين انه لا اعتبار بما اذا كان بمقدّمات عقليّة منهم المحدّث الأسترآبادي و السّيد الجزائرى و الفاضل البحرانى و السيد السّند صدر الدّين الا انّ مراجعة كلماتهم لا تساعد على هذه النّسبة بل المراجعة تشهد بكذبها و لكن انها مضطربة فى الباب فبعضها انما يكون امّا فى مقام منع الملازمة بين حكم العقل بوجوب شي‏ء و حكم الشرع بوجوبه بعد تسليم الصّغرى و الكبرى كليهما اى بعد حصول القطع من المقدّمات العقليّة و حجّية كما ينادى به باعلى صوته ما حكى عن السّيّد الصّدر فى باب الملازمة فراجع و امّا فى مقام منع الصّغرى فقط من عدم جواز الاعتماد على المقدّمات العقليّة لانها لا يفيد الّا الظن كما هو ضريح الشّيخ المحدّث الأسترآبادي‏

53

الأسترآبادي حيث قال الى آخر ما نقله الشّيخ الأستاذ فى المتن و هذا فى الحقيقة يرجع الى انكار كون القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة قطعا بل ليس هو الّا الظنّ لكن اشتبه على القاطع من جهة عدم تميّزه بين القطع و الظنّ و انت خبير بان هذه الدّعوى يرجع الى سلب الشي‏ء عن النفس و هذا اعظم فسادا من انكار الحجّية فان سلب الشي‏ء عن النفس كان اوضح فسادا عن سلب الذّاتى عن ذى الذّاتى فت و اما كون النّزاع بالنّسبة الى الصّغرى و إن كان الشّيخ الأستاذ قد كذّبه إلّا انه ليس الأمر كذلك و كيف كان فلو كان بعض كلماتهم فى منع الكبرى على ما هو المعروف منهم فقد بكون مبنيّا على ان القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة دائم المخالفة و الحاصل من المقدّمات الشرعيّة دائم الموافقة و تخصيص الحجّة بما يكون دائم الموافقة او ما لم يكن دائم المخالفة و هذا لمعنى صغرى و كبرى مكابرة محضة و تحكم صرف و قد لا يكون كذلك فلا يكون انكار الحجّية من جهة كونه دائم المخالفة مع تسليمه من هذه الجهة عدم الفرق بينه و بين القطع الحاصل من المقدمات الشّرعيّة بل مجرّد انكار حجّية القطع الحاصل من المقدمات العقليّة و لو كان دائم الموافقة ثم انه قد يظهر من كلمات المحدّث الأسترآبادي و الجزائرى و البحرانى تعميم النّزاع بالنسبة الى الأمور النظريّة الاعتقاديّة التى كانت من المستقلات العقليّة و الأحكام العمليّة التوقيفيّة كما انه قد يظهر من بعضهم تخصيص النّزاع بالأمور الشرعيّة التوقيفيّة

[تحقيق فى المقام‏]

فالذى ينبغى ان يقال فى المجال انّ العلوم مطلقا على اقسام ثلاثة الأول ما لا يمكن اخذها الا من العقل و هو مستقلّ فيها و لا مجال للسّمع اليها و هذا على ضربين الأوّل المسائل البديهيّة العقليّة المتّفقة عليها عند كل من له الفطرة الإنسانيّة كبطلان اجتماع النّقيضين و الضّدين و استحالة الدّور و التسلسل و امثالها الثّانى الأمور النظريّة العقليّة التى كان الحاكم فيها هو العقل خاصّة و هذا ايضا على قسمين الامور الاعتقاديّة و الغير الاعتقاديّة و الثّانى كالعلوم الرّياضيّة من الهيئة و الحساب و الهندسة و الطبّ و الطبيعيات و الحسن و القبح العقليّين و غير ذلك و الأوّل كإثبات الصانع و وحدته و بساطته و تجرّده و احاطته و وجوب وجوده و كونه واجدا لجميع الكمالات على نحو البساطة و عينيّة صفاته و كمالاته و اثبات الملائكة باصنافها و اقسامها و اثبات النبوّة المطلقة الكلّية و الولاية المطلقة الكلّية و اثبات النّبوة و الولاية الجزئيّة و بطلان التّناسخ و اثبات المعاد و العقاب و الثواب و الجنّة و النار اجمالا و الرجوع الى اللّه فى يوم الميعاد فان هذه الأمور لا بدّ فيها من تحصيل التصديق القطعى بالبرهان العقلى فانها بما اتفق عليه جميع اهل الاستدلال و النظر على وجه الإجمال فت و كيف كان انّ هذه الأمور يمتنع احدها تقليدا و لو من الش لتقدّمها على الشريعة الخاصّة من حيث المرتبة فانّ ثبوت الشّريعة الخاصّة فرع لاثبات النّبوة المطلقة و هو فرع‏

54

لثبوت المبدا و المعاد فالحاكم فيها ليس الّا العقل و إن كان هو ايضا متوقّفا على الشرع لزم الدّور المستحيل فالبيانات الصّادرة من الش فيها ليست من باب التعبّد من حيث كونه نبيّا و شارعا بل من حيث كونه وليّا و منبئا عن الأسرار الإلهيّة و المعارف الحقّة و من جهة انّه هو العقل الكلّى المشاهد لجميع الأشياء كما هى فكيف يمكن عزل العقل فيها فالأخبار الواردة المتعلقة بالمبدإ و المعاد ليس لسانها التعبد بل لسانها الإرشاد و هداية الناس الى الواقع الحقيقى و طريق الاستدلال و اقامة البرهان العقلى عليها فالحاكم فيها لا يكون الّا العقل القسم الثّانى الامور الاعتقاديّة النظريّة الّتى يمكن اخذها من الش بل لا مانع فيها عن التقليد و ليس لها تقدّم و لو بحسب المرتبة على الشرع كبعض خصوصيّات الحشر و النّشر و الصّراط و الميزان و الكتاب و امثالها و القسم الثّالث المسائل الفرعيّة العمليّة التوقيفيّة؟

التى لا يجوز اخذها الا من الشرع و لا سبيل للعقل فيها تشريعا و إن كان له سبيل اليه امتثالا فاذا عرفت ذلك فنقول إن كان مراد هؤلاء الاعلام فى هذا المقام تعميم النّزاع بجميع اقسام الثّلاثة كما يظهر ذلك من المحدّث الأسترآبادي (ره) حيث انه اخرج عن حريم النزاع البديهيّات و ما يكون قريبا من الإحساس كالرّياضيات و الطبيعيّات و ادخل فى النزاع جلّ الاعتقاديّات و العمليات فهو بظاهره فاسد سيّما القسم الأوّل الذى قد عرفت انه لا مجال للسّمع فيها بل لا يجوز اخذه من الش فالنّزاع فى القسم الأوّل صغرى و كبرى مكابرة امّا اوّلا فحصول القطع من المقدمات العقليّة كحصوله من غيرها و الاعتبار فى تحقق القطع موضوعا لا بد من ان يحصل من المقدّمات الغير العقليّة و ما حصل من المقدمات العقليّة ليس قطعا دائما بل كان ظنّا فاشتبه الظنّ بالقطع ففيه ان الكلام بعد حصول القطع و دعوى كون الاسباب من الاسباب الغير المتعارفة التى لا ينبغى حصول القطع منها لا يوجب عدم حجّية القطع بعد حصوله منها و قد عرفت فى قطع القطّاع ان الأسباب ليست من حالات القطع و من شئونه و ثانيا عدم حصول القطع من المقدّمات العقلية يستلزم استحالة اثبات الصّانع الواجب للعالم و عدم امكان اثبات المعاد و النبوّة المطلقة بالبرهان القطعى فمن ادّعى عدم حصول القطع من المقدمات العقليّة راسا الا فى البديهيّات و الأمور القريبة من الاحساس لا بدّ ان يعترف بعدم حصول الاعتقاد القلبى القطعى له بالنسبة الى المبدا و المعاد و امثالهما فلزم بقاء تلك الامور عنده على الشكّ الصّرف او الظنّ فكيف له بعد ذلك التعبّد بالشّرع فافهم و الحاصل انّ الأمور المذكورة لا بدّ فيها من القطع و لا يحصل الا من المقدمات العقليّة و امّا الكلام فى الكبرى باى معنى كان على ما عرفت آنفا فقد عرفت فساده مفصّلا فاذا لا وجه لهم للنّزاع صغرى و كبرى كما انه لا يمكن توجيه الصّحيح بالنّسبة الى الصّغرى و الكبرى فيما هو من‏

55

من المستقلات العقليّة من الاعتقاديّات و غيرها و امّا إن كان محلّ النزاع خصوص الاحكام التّوقيفيّة التى لا سبيل للعقل اليها و لا بدّ من اخذها من الش كما يظهر من كلام السّيّد السّند الصدر (ره) فله وجه وجيه بناء على كون فراغه فى الصّغرى دون الكبرى فان النّزاع الكبروى فى الأمور التّوقيفيّة ايضا واضح الفساد فان بعد حصول القطع من المقدّمات العقليّة او غيرها بالحكم الشرعى الفعلى لا سبيل الى انكار حجّية القطع و امّا عدم حصول القطع من المقدّمة العقليّة بالأحكام الشرعيّة الفعليّة فله وجه نظرا الى توقيفيّة الأحكام الشرعيّة لا سيّما بالنسبة الى الأحكام الفعليّة و هذا يتصوّر على وجهين الأوّل انّ النّزاع يرجع الى انكار الملازمة بين العقل و الشرع و انكار ذلك و إن كان فاسدا فافهم و لكن ليس بمثابة انكار حجّية القطع فلا بأس بحمل كلامهم على ذلك و الثّانى رجوع النّزاع الى انكار الملازمة بين العقل و الشرع بالنسبة الى الأحكام الفعليّة لامكان ادراك العقل المرتبة الأولى من مراتب الحكم لانه لا شبهة فى ان العقل يدرك المصالح و المفاسد و الحسن و القبح حيث ان الحسن و القبح من المستقلات العقليّة فللعقل الوصول اليها و كذلك المرتبة الثانية فانّ العقل بعد ادراكه المصلحة و المفسدة يدرك الحكم الإنشائي من الش بالملازمة بين العقل و الشرع فلا مانع عن ادراكه المرتبة الثانية من مراتب الحكم و امّا المرتبتان الأخيرتان فلا يمكن اثباتهما بقاعدة الملازمة لما عرفت من ان لفعليّة الأحكام شرائطا و موانعا أخر غير المفسدة و المصلحة النّفس الأمريّة مختفية على العقول فلا يمكن اثبات المرتبتين الأخيرتين بالمقدّمات العقليّة و القطع و ان حصل إلّا انه لا يسمن و لا يغنى من جوع و لا يوجب تنجّزها على المكلّف لاحتمال ان يكون من قبيل اسكتوا عما سكت اللّه و امّا المقدّمات النقليّة فلا شك فى انها يثبت الأحكام الفعليّة التى بلغت الى المرتبة الثّالثة فكل حكم لم يكن الش واسطة فى تبليغه لم يجب امتثاله و هذا التوجيه ايضا من تحقيقات الأستاذ فى مجلس الدّرس و لكن فيه مضافا الى انهم لم يكونوا قائلين بمراتب الحكم فكيف يمكن توجيه كلام كان صاحبه بعيدا عنه بمراحل فافهم ان هذا التوجيه صحيح بالنسبة الى الأحكام التوقيفيّة دون العقليّة الصّرفة من الاعتقاديّات و غيرها و امّا المحدّث البحرانى (ره) المفصّل بين العقل الفطرى الخالص عن شوائب الأوهام و العقل الغير الفطرى فحمل شيخنا الأستاذ ايضا كلامه على انكار الملازمة بالنسبة الى العقل الغير الفطرى و امّا العقل الفطرى فلما كان حجّة من حجج الملك العلّام و كان رسولا باطنا فالملازمة بالنّسبة اليه مسلّمة عند هذا المحدّث الجليل و الأشكال الذى وقع منه في صورة تعارض هذا العقل الفطرى مع النقل محمول على ما اذا لم يحصل من هذا العقل القطع و امّا بعد حصول القطع فلا يقول بتعارضه مع النقل فكيف بتقدّم النّقل عليه و هذا التوجيه ايضا

56

بالنسبة الى الاحكام التوقيفيّة لا مانع عنه و اما بالنسبة الى غيرها سيّما بالنسبة الى المستقلات العقلية من الاعتقاديّات و غيرها فلا وجه له و امّا المحدث الأسترآبادي فحمل كلامه على العقل الظنّى كما حمله الأستاذ ايضا فى مجلس الدرس فلا وجه له لأنّه خارج عن حريم النّزاع و الحاصل ان القطع فى الأمور النظريّة التى كانت عقليّة صرفة كان حجّة بالذات و الضرورة و لا يجوز عزله و يجب اتباع احكامه و اوامره من الايمان باللّه و النبوّة و الولاية المطلقة و امثالها و النّزاع فيها صغرى لا وجه له كما انّه لا وجه لدعوى عدم حجّيته فى تلك الأمور بعد تسليم الصّغرى و لا يعقل تطرّق الجعل فى حجّيته عن قبل الش اذ به يحصل السّلوك الى اللّه و يميّز الحق عن الباطل و به يعرف دين اللّه و يفرّق بين النّبى و المتنبّى فكيف يمكن القول بتقدّم النقل عليه مع تاخّره عنه ذاتا و توقفه عليه معرفة و امتيازا و هل يمكن عزله و النزاع فيه صغرى و كبرى ليس إلا سد اثبات الصّانع و امثاله و فتح باب دعوى النبوّة و الولاية لكل جلف طالب للرّئاسة فباىّ شي‏ء تعرف حقيقة مدعى النبوة و صدقه و باىّ شي‏ء يفرق بين صحيح القول و فاسده و باىّ دليل يستدل على بطلان المذاهب الباطلة و باىّ برهان يطالب خواص معنى النبوّة و الولاية من اهل البدع و الضلالة المدّعين لمقامات عالية و هل هذا الا قول الزّور او اتباع الغرور عصمنا اللّه و ايّاهم و اما بعض المسائل التى ليس الحاكم فيها خصوص العقل و يمكن اخذها من الش ايضا فيمكن وقوع التعارض بينها و بين الأدلّة النقليّة بحسب الظاهر و ح فالواجب الجمع بينهما من غير تاويل فى النقل مع الإمكان و الّا فلا بدّ من تقديم العقل على النقل و طرحه مع بقاء العقل على حكمه و اما مع عدم وجود القطع فيقدّم النقل على العقل و بالتّامّل فيما ذكر ظهر لك سرّ اختلاف ما ورد فى الكتاب و السّنة فى هذا الباب حيث وقع الأمر و الترغيب فى مواضع عديدة فيهما على التدبّر و التفكر فى الآيات الأنفسيّة و الآفاقيّة و جواز الرّجوع الى العقل بل وجوب الرّكون عليه و كذلك وقع المنع فى الاخبار الكثيرة عن الخوض فى الأدلة العقليّة و الرّكون عليها و ظهر ايضا وجه الجمع بين الطّائفتين من الأخبار بحمل الطائفة الآمرة على الأمور النظريّة الاعتقاديّة و الطائفة الاخرى النّاهية على الاحكام التوقيفيّة ثمّ انّ الأستاذ بعد تصحيح كلام هؤلاء الأعلام ذكر ايضا توجيها آخر لكلامهم الذى قد ذكره الشّيخ (ره) و هو انّ المستفاد من الاخبار كما نطق عليه ايضا صحيح الاعتبار اشتراط صحّة الاعمال على ان يكون بدلالة وليّ اللّه و ارشاده و بالرجوع اليهم الخ فراجع‏

الأمر السّابع فى حجّية القطع الإجمالي و عدمها

و انه قد عرفت كون القطع التفصيلى بالتّكليف الفعلى دون مراتبة الأخر علّة تامّة لتنجّزه لا يكاد تناله يد الجعل اثباتا او نفيا عقلا او شرعا للمحذورات الّتى‏

57

التى عرفتها مفصّلا مرارا فهل القطع الإجمالي باعتبار الترديد و الاجمال فى متعلقه كذلك فيه اشكال بل فيه اقوال الأوّل انه بنحو الاقتضاء فى وجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفة القطعية بالمعنى الذى سيجي‏ء آنفا و الثّانى انه علّة تامّة لتنجّز التكليف بالقطع التفصيلى و الثّالث انه بنحو الاقتضاء بالنسبة الى لزوم الموافقة القطعيّة و بنحو العلّة التامة بالنسبة الى الموافقة الاحتماليّة و ترك المخالفة القطعيّة و الرابع انه كالجهل المحض فنقول ربما يقال انّ التكليف حيث لم ينكشف به تمام الانكشاف و كانت مرتبة الحكم الظاهرى معه محفوظة جاز الاذن من الش بمخالفته احتمالا كالتّرخيص فى بعض الأطراف بل قطعا كالتّرخيص فى جميع الأطراف و ان شئت قلت انّ العلم الاجمالى لما لم يكن علما محضا و انكشافا خالصا بحيث لم يكن بين المكلّف و الحكم الشرعى او موضوعه ستر و حجاب اصلا و لا جهلا محضا و لا حجابا و مانعا تامّا بل كان علما مثوبا بالجهل و نورا مخلوطا بالظلمة فله جهتان جهة النّورانيّة و جهة الجهل و الظلمانيّة فلا بدّ ح من جريان آثار كلّ من الجهل و العلم عليه و لا يلحق بالعلم المحض كما انه لا معنى لألحاقه بالجهل المحض من حيث الآثار و الأحكام بداهة انّ العقل انما يرى الشّي‏ء بما هو عليه ثم يحكم عليه بعد ملاحظة جهات الكامنة فى ذلك الشّي‏ء فيستحيل منه ان يترتّب على ما ليس علما محضا و انكشافا تامّا آثار العلم المحض و الانكشاف التامّ كما انه يستحيل منه ان يترتّب على ما ليس جهلا محضا آثار الجهل المحض بل من الواجب ان يلاحظ فيه الجهتان فالقول بكونه علّة تامّة للتنجّز كالقطع التّفصيلى و كذلك القول بعدم حجّيته راسا و كان كالجهل المحض في طرفي الأفراط و التفريط و خارج عما هو مقتضى الاعتدال فالتّرخيص من الش بالنسبة الى الأطراف ح امر ممكن و ليس محالا بالذات كاجتماع النقيضين و ليس مستلزما لما هو محال بالذات فهو ممكن بالإمكان الوقوعى و من يدّعى استحالة ذلك بالذات او بالغير فعلية بالإثبات فان قلت انّ الترخيص فى اطراف العلم من الش يوجب اجتماع المتضادّين حيث ان الحكم الواقعى موجود فى مورد العلم الاجمالى بالفرض و قد علم المكلّف و كان فى مرتبة الفعليّة و الترخيص و هو الحكم الظاهرى فى اطرافه يستلزم المناقضة فى كلام الشارع و هو اجتماع الحكمين المتضادّين قلت هذا مدفوع نقضا و حلا اما النقض فقالت الشّيخ الأستاذ و محذور مناقضته مع المقطوع اجمالا انما هو محذور مناقضة الحكم الظاهرى مع الواقعى فى الشبهة الغير المحصورة بل الشّبهة البدويّة من غير فرق حيث ان المفروض وجود الأحكام الواقعيّة في موردهما ايضا غاية الأمر ان الحكم الواقعى فى احدهما كان مشكوكا صرفا و هاهنا كان معلوما بالعلم الإجمالي كالغير المحصورة و من المعلوم انّ المستحيل انما هو وقوع التناقض من الش و اجتماع المتضادّين فى الواقع و نفس الأمر سواء كان التناقض معلوما او مظنونا

58

او مشكوكا و موهوما و لا فرق فى الامتناع بين الالتفات الى المناقضة علما او ظنّا او شكّا و عدم الالتفات اليها راسا و كما يستحيل العلم بالتناقض من الش الحكيم فكك يستحيل تجويزه و احتماله و لو وهما فالأشكال هاهنا فى جواز الترخيص من الش بلزوم التّناقض و اجتماع الحكمين منقوض بالشبهة الغير المحصورة بل الشبهة البدويّة ضرورة عدم تفاوت فى المناقضة بينهما بذلك اصلا فما به التفصّى عن المحذور فيهما كان به التفصّى عنه فى القطع به فى الأطراف المحصورة ايضا كما لا يخفى و حله قد اشرنا اليه سابقا فى التوفيق بين الأحكام الظاهريّة و الواقعيّة من كون الحكم الواقعى انشائيّا و الظاهرى فعليّا او كلاهما فعليّا لكن الحكم الواقعى فى اولى مرتبة الفعليّة و الحكم الظاهرى فى المرتبة الأخرى من الفعليّة و كلا التوفيقين جاريان فى الجميع حتى فى الشّبهة المحصورة فافهم‏

[فى ان العلم الإجمالي كالتّفصيلى فى مجرّد الاقتضاء]

نعم كان العلم الإجمالي كالتّفصيلى فى مجرّد الاقتضاء و التعليق بالنسبة الى وجوب الموافقة القطعيّة و حرمة المخالفة القطعيّة لا فى العلّية التّامّة فيهما فيوجب ترفيع على الاقتضاء صح تنجّز التكليف ايضا لو لم يمنع عنه مانع عقلا كما كان فى اطراف كثيرة غير محصورة و سيجي‏ء فى الشّبهة الغير المحصورة بيانه انش تعالى او شرعا كما فيما اذن الشارع فى الاقتحام فيها كما هو ظاهر كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينيه و الناس فى سعة ممّا لا يعلمون و كلّ شي‏ء ظاهر حتّى تعلم انّه قذر و كلّ شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهى فانّ المراد من العلم الذى جعل غاية فى تلك الاخبار هو العلم التّفصيلى لا الأعمّ منه و من الإجمالي بقرينة قوله فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فانّه ظاهر بل هو صريح فى العلم التّفصيلى و يصير ذلك قرينة على ارادة العلم التفصيلى فى باقى الأخبار و من الواضح الحكم بالنسبة الى الأطراف فى مورد العلم الإجمالي ليس معلوما لنا فلا بأس بالأقدام فيه بعد ثبوت الترخيص من الش فعلم من ذلك انّ ثبوت الترخيص فى مورد العلم الإجمالي امر ممكن و ليس محالا بالذّات و بالجملة قضيّة صحّة المؤاخذة على مخالفته مع القطع به بين اطراف محصورة و عدم صحّتها مع عدم حصرها او مع الأذن فى الاقتحام فيها هو كون القطع الإجمالي مقتضيا للتنجّز لا علّة تامّة فوجوب الاحتياط و التنجّز في مورد العلم الإجمالي لا يحتاج الى دليل شرعى لوجود المقتضى عقلا فاذا لم يثبت التّرخيص من طرف الش فى‏

59

فى مورده كان علّة تامّة لوجوب الاحتياط و استحقاق العقاب على المخالفة لوجود المقتضى و عدم المانع عن قبل الش فالأمر فى مورد الشبهات البدويّة و مورد العلم الاجمالى كان بالعكس حيث انّ في مورد الشّبهات البدويّة كان الجهل عذرا عقلا ما لم يمنعه الش كالأمر من الش بالاحتياط فهو رافع لأثر الجهل و في مورد العلم الإجمالي كان العلم منجّزا عقلا ما لم يمنعه المانع عقلا او شرعا فهو رافع لأثر العلم الإجمالي فالشّك فى مورد العلم الإجمالي موجب للتنجّز اقتضاء بحكم العقل و فى الشّبهة البدويّة موجب للعذر اقتضاء بحكم العقل‏

[فى الرد على بعض التفاصيل‏]

و امّا العلم التفصيلى فهو فى قبال الجهل المحض الذى ليس معه التفات و توجّه الى الحكم اصلا فكما ان الجهل المحض ليس بقابل للتصرّف و التنجّز و يكون عذرا فكك العلم التفصيلى فانه لا يعقل الترخيص من الشارع في مورده كما عرفته مفصّلا و امّا احتمال انه بنحو الاقتضاء بالنسبة الى لزوم الموافقة القطعيّة و بنحو العلّية بالنسبة الى الموافقة الاحتماليّة و ترك الموافقة القطعيّة فضعيف جدّا كما هو احد قولى المحقق القمى (ره) ضرورة انّ احتمال ثبوت المتناقضين كالقطع بثبوتهما فى الاستحالة فلا يكون عدم القطع بذلك معها اى مع الاستحالة موجبا لجواز الأذن فى الاقتحام بل لو صحّ معها الأذن فى المخالفة الاحتماليّة صحّ فى المخالفة القطعيّة ايضا فافهم و بعد هذا كلّه يمكن ان يقال ان تنجّز التكليف بعد العلم به امّا مستند الى الكشف او مستند الى المكشوف و لا شكّ ان التنجّز مستند الى الكشف لا المكشوف فالتّرديد و الدّوران انما يكون فى متعلق العلم لا فى العلم نفسه فت و ان شئت قلت انّ ثبوت التنجّز بالنسبة الى المكلّف ليس الا بعد علم المكلّف بالخطاب عامّا او خاصّا و كذلك بالنّسبة الى موضوع التّكليف فبعد العلم بالصّغرى و الكبرى كليهما مع امكان الامتثال اى القدرة عليه و عدم كون الحكم حرجيّا التنجّز لا شكّ فيه و لا شبهة يعتريه و فى مورد العلم الإجمالي ان الأمور المذكورة مجتمعة لأن العلم القطعى بالخطاب و موضوعه موجود فيما بايدينا من الكأسين مثلا و لا ريب ان العلم بالموضوع يتبعه العلم بالصغرى لأنا نعلم باجتنب عن الخمر شموله للخمر الذى يكون موجودا فى احد الكأسين مع عدم الشّبهة فى انّ الخمر موجود فيما بايدينا من الكأسين فيجب الاجتناب عنهما و لا فرق بين ان يقال هذا خمر فيجب الاجتناب عنه و بين ان احدهما خمر فيجب الاجتناب عنه و لا شكّ ان قضيّته ان احدهما خمر فيجب الاجتناب عنه مناقض لقوله ان احدهما ليس بخمر فلا يجب الاجتناب عنه كالتناقض بين هذا خمر فيجب الاجتناب عنه و هذا ليس بخمر فلا يجب الاجتناب عنه و بعبارة اخرى ان العلم بكون الخمر حراما و كونه فيما بايدينا مناقض لقوله لا يجب الاجتناب عن الخمر الّذى يكون فيما بايدينا لتناقض الموجبة الجزئية مع السّالبة الكلّية فاذا لا يمكن ارتكاب الجميع و لا بعضها فالعقل بحكمه الصّريح يحكم بوجوب الاجتناب‏

60

عن الجميع و بحرمة المخالفة القطعيّة و امّا ما يتخيّل بعدم التنجّز للجهل بالحرام معيّنا فممنوع اما عقلا فلما عرفت من التناقض و امّا شرعا لان ترخيص الش اما يرجع الى اخذ العلم التفصيلى فى الخطاب او الى رفع العقاب او الى رفع استحقاق العقاب امّا الأوّل فانه و إن كان ممكنا و لا استحالة فيه إلّا انّه مفقود فى جميع موارد العلم الإجمالي بالاتفاق و امّا الثّانى فلا نزاع فيه بل هو خارج عن كلام الأصولى لان التكلم فى فعليّة العقاب و عدمه تخريص بالغيب مضافا الى ان رفع العقاب لا ينافى استحقاق العقاب غاية الأمر انه معفوّ كالظهار فانه حرام مع انّ عقابه معفوّ عنه كما قبل و أما الاستحقاق فليس امره بيد الش حتى يرفعه كالاطاعة و المعصية فانهما عنوانان ثانويان منتزعان عن الأفعال بعد وقوعها و لا مسرح فيها لحكم الش و امّا الأخبار فلا بدّ من التاويل او الطرح لو دلت على جواز المخالفة القطعيّة لمخالفتها للحكم العقلى القطعى الّتى فكيف لو لم يكن مربوطة بالمقام كما سنشير اليه و هو ان الأخبار بعضها من قبيل كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه او غيره و المراد من ذاك الخبر اما ان يكون كل شي‏ء فيه حلال فعلا و حرام فعلا فهو حلال فعلا و اما ان يكون المراد كل شي‏ء فيه حلال و حرام اقتضاء فهو حلال فعلا و اما ان يكون كل شي‏ء فيه حلال و حرام فعلا او اقتضاء فهو حلال فعلا الاوّل و الثّالث تكون المناقضة فيهما من جهة حلّية الفعليّة و حرمتها فلا بدّ ان يكون معنى الرّواية هو المعنى الثّانى و هو مختصّ بالشبهة البدويّة دون العلم الإجمالي مضافا الى دلالة اختصاص صدر بعضها و ذيل بعضها بالشّبهات البدويّة لأن صدر بعضها يكون سؤالا عن الجبن ابتداء من دون سبق علم الإجمالي لأنّ الرّاوى سئل عن الإمام (ع) عن الجبن ابتداء فقال تسألنى عن طعام يعجبنى فامر (ع) بالاشتراء عن السّوق ثم اكله ثم سأله الراوى ثانيا فقال اما رايت انى اكلته فقال انى احبّ ان اسمع منك فقال عليه السلم كل شي‏ء فيه الخ و اما ذيل بعضها فهو قوله (ع) و ذلك مثل الثّوب يكون عليك و لعلّه سرقة و العبد يكون عندك الخ و لو سلم فنقول انّ هذا حكم اقتضائى اى الشبهة من حيث هى شبهة لا يجب الاجتناب عنه و هذا لا ينافى الاجتناب عنه من جهة عروض جهة اخرى عليها ككونها مقدّمة للواجب كقول الش الخمر حرام فانه حكم اقتضائى و لا منافات فى عدم وجوب الاجتناب عنه اضطرارا او حرجيا كالشّبهة الغير المحصورة مضافا الى دلالة بعض الأخبار على وجوب الاجتناب فى الشّبهة المحصورة كالسّؤال عن وقوع الدّم فى ناحية من نواحى الثّوب مع عدم العلم بمكان خاصّ فقال (ع) اغسل تمام الثوب او تمام الناحية و كالأمر بالاجتناب عن المذكّى الذى اشتبه بالميتة و كالأمر بالاهراق؟ فى الماء المشتبه بالنجاسة

61

بالنجاسة و امثال ذلك فان قلت انّ هذا دليل على حرمة المخالفة القطعيّة و لكن لا يدلّ على وجوب الموافقة القطعيّة قلت ليس الأمر كذلك لأنّ وجوب الموافقة القطعيّة تابع لحرمة المخالفة القطعيّة لما عرفت آنفا انّ الترخيص فى كليهما كما انه مناقض للعلم بوجود الخمر الواقعى فى الإناءين الموجود و تنجّز الخطاب فى حقّه فكك مناقض لترخيص بعضها فالدّليل دالّ على وجوب الموافقة القطعيّة و حرمة المخالفة القطعيّة كليهما و مما هو دالّ على توضيح المطلب انه لو لم يجب المقدّمة العلميّة لكان عدم وجوبها دالّا على عدم وجوب ذيها مثلا لو كان شرط الصّلاة الاستقبال فى تمام الأحوال حتى عند الجهل به فلا بدّ من ايجابه المقدّمة العلميّة حتى يحصل العلم بوجود المشروط و الا يلزم عدم كون الاستقبال شرطا لها فى تمام الأحوال بل يكون شرطا لها عند العلم التفصيلى بالاستقبال و ح لا يحتاج لوجوب الموافقة القطعيّة انعقاد باب على حدة فتلخّص من جميع ما ذكرنا انه لا فرق بين العلم التفصيلى و الإجمالي فى تنجّز التكليف بهما و كونهما علّة تامّة له و لحرمة المخالفة القطعيّة و لوجوب الموافقة القطعيّة و حمل الأخبار المذكورة على الشّبهة البدويّة لو كانت ظاهرة فى غيرها فكيف بانّه لو كانت ظاهرة فى الشبهة البدويّة هذا و عن بعض الأعاظم و هو الشّيخ محمّد طه النّجفى (قدس سرّه) قول آخر فى العلم الإجمالي و هو التفصيل بين الشّبهة الموضوعيّة و الحكميّة فانّه وافقنا فى الأوّل دون الثّانى و لكن التّامّل التام الصّريح يحكم امّا بالعلّية التامّة او الاقتضاء و امّا القول بانّه كالجهل المحض او احتمال انّه بنحو الاقتضاء بالنسبة الى لزوم الموافقة القطعيّة و بنحو العلّية بالنسبة الى الموافقة الاحتماليّة و ترك المخالفة القطعيّة او التفصيل بين الشّبهة الموضوعيّة و بين الشّبهة الحكميّة فهو خارج عن حدّ الاعتدال عصمنا اللّه و ايّاكم عن الخطاء و الخلل و عن الزّيغ و الزّلل فافهم و اغتنم و خذ ما اتيتك و كن من الشاكرين‏

اشكال المصنّف على العلامة الانصارى ره‏

و لا يخفى ان المناسب للمقام هو البحث عن ذلك اى ان العلم الإجمالي يكون موجبا للتنجّز بنحو الاقتضاء كما انّ المناسب فى باب البراءة و الاشتغال بعد الفراغ هاهنا عن انّ تاثيره فى التنجّز بنحو الاقتضاء لا العلّية هو البحث عن ثبوت المانع شرعا او عقلا و عدم ثبوته كما لا مجال بعد البناء على انّه بنحو العلّية للبحث عنه هناك اصلا كما لا يخفى توضيح ذلك انّ عقد البحث فى المقام إن كان لاثبات انّ العلم الإجمالي علّة تامّة للتنجّز كالعلم التفصيلى بقول مطلق بالنسبة الى المخالفة القطعيّة و الموافقة القطعيّة فلا يبقى ح مجال لعقد البحث ثانيا فى البراءة و الاشتغال ضرورة انه بعد الفراغ عن ذلك يتعين وجوب الاحتياط فعقد البحث ثانيا للاحتياط كعقد البحث ثانيا للبراءة و الاشتغال لا وجه‏ (1) له كما انه لا مجال لعقد البحث ثانيا فى البراءة

____________

(1) اللهمّ إلّا ان يقال انّ التكلم هاهنا و لو بنحو العلّية التّامّة لا ينافى التكلم فى البراءة و الاشتغال ثانيا لأن التكلم فى العلّية التامّة انما يكون بالنسبة الى العقل و لا ينافى عدم كونه علّة تامّة بالنسبة الى الشرع فالتكلم و لو بنحو العلية التامة فى المقام انما يكون بالنسبة الى العقل و فى بحث البراءة انما يكون بالنسبة الى الشرع نعم التكلم هاهنا بنحو العلّية التامّة عقلا ينافى التكلم فيه عقلا ثانيا فافهم منه‏

62

و الاشتغال بعد اثبات عدم تاثيره للتنجّز راسا لا على نحو العلّية و لا على نحو الاقتضاء لانه على هذا القول يتعين البراءة و لا مجال لعقد البحث ثانيا فى الاحتياط فالمناسب للمقام هو البحث عن تاثيره بنحو الاقتضاء فى المقام و عقد البحث ثانيا فى باب البراءة و الاشتغال بعد الفراغ عن الاقتضاء لاثبات المانع عقلا او شرعا و ثبوت التّرخيص فى جميع الأطراف او بعضها و عدمه على الخلاف فى وجوب الموافقة القطعيّة او حرمة المخالفة القطعية و اما من انكر اقتضائه راسا و ادّعى انه كالجهل المحض فعليه باثبات مدّعاه فى المقام و لا مجال له التكلم ثانيا فى باب البراءة و الاشتغال الا شرعا هذا كلّه بالنسبة الى اثبات التكليف و تنجّزه به‏

[سقوط التكليف بالعلم الاجمالى‏]

و اما سقوطه به بان يوافقه اجمالا فلا اشكال فيه فى التوصّليّات لعدم اعتبار قصد القربة و الوجه و التّميز فيها بل تحصل حتى مع الغفلة و النسيان و الجهل بل و مع قصد الخلاف و يفعل الغير حيث ان المطلوب فيها ليس الا الفعل الكذائى فى الخارج لا من مكلف خاصّ او بوجه خاصّ فان المطلوب فى الأخباث هو ازالة الخبث و حصول النظافة عنه فى الخارج باى وجه وقع مع القصد و بدونه او مع قصد خلافه مع العلم به او الجهل او الغفلة و ح لا اشكال فى الاكتفاء بالموافقة الإجماليّة فى امثال هذه التّكاليف بل لا خلاف فى ذلك و اما التعبديات فهى ليست كذلك بل المطلوب فيها ليس حصولها على اىّ وجه اتّفق و من اىّ مكلّف وقع بل المعتبر فى امتثالها و اسقاطها حصول من مكلّف خاصّ و بوجه مخصوص مع القصد و الالتفات و غير ذلك و بعد ما علمت اجمالا بانّ التعبديّات ليست على وزان التوصّليّات بحيث يحصل الأسقاط و الإبراء بحصول المأمور به باىّ وجه اتّفق فيشكّ ح فى انه هل يكفى فى امتثالها و اسقاطها الموافقة الإجماليّة ام لا و منشأ الاشتباه امّا من جهة الشّك فى اعتبار الوجه و التّميز فى امتثال التعبديّات و عدم اعتبارهما و اما من جهة الشّك فى حصول قصد الوجه و التميّز بمثل هذه الموافقة الإجماليّة فالكلام تارة يقع فى حصولهما فى الموافقة الإجماليّة بناء على اعتبارهما و تارة فى اصل اعتبارهما و اخرى فى تأسيس الأصل في كلّ ما شكّ فى اعتباره فى اسقاط الأمر و حصول الإطاعة و الامتثال امّا الكلام فى الجهة الأولى فقال شيخنا الأستاذ و اما فى العبادات فكذلك فيما لا يحتاج الى التكرار لحصول قصد القربة و الوجه فى الموافقة الإجماليّة و الامتثال الإجمالي كما اذا تردّد امر عبادة بين الأقل و الأكثر كالشكّ فى الاجزاء و الشّرائط الدّاخلة فى المأمور به و كذلك الشّك فى الموانع و القواطع كالدّوران بين الصّلاة مع السّورة و عدمها و كالدّوران بين الصّلاة مع التّستر بما يؤكل لحمه و عدمه و كالدّوران بين الصّلاة مع الضّحك و عدمه فالعبادة الّتى لا يحتاج الى التكرار بالنسبة الى الموافقة الإجماليّة

63

الإجماليّة كالتوصّليّات لعدم الإخلال بشي‏ء مما يعتبر او يحتمل اعتباره فى حصول الغرض منها ممّا لا يمكن ان يؤخذ فيها فانه نشاء من قبل الامر بها كقصد الإطاعة و الوجه و التميز فيما اذا اتى بالأكثر بان اتى بالصّلاة مع ذلك الجزء المشكوك جزئيّته و الشرط المشكوك شرطيّة او مع عدم المانع و القاطع المشكوك مانعيّته و قاطعيّته اذا فرض عدم كون الجزء المشكوك و الشرط المشكوك على تقدير وجودهما مفسدا لها كما هو مفروض الكلام و الحاصل انه لا شكّ فى امكان حصول قصد القربة و الوجه توصيفا و غاية اى الحيثيّة التقييديّة و التّعليليّة بل التميز ايضا بداهة انه اذا اتى بهذا الفرد من الصّلاة التى كانت واجبة لكونها واجبة و بداعى كونها واجبة متقرّبا الى اللّه مع كون هذا الفرد الذى اتى به مميّزا عمّا عداه و مع المعرفة بكونه هو المامور به لا يبقى عليه بعد تبعة التكليف و خرجت عن ذمّته عن الاشتغال فقد اتى بها واجد بالجميع ما اعتبر فيها بل ما توهّم اعتباره فيها و لا يكون اخلال ح الا بعدم اتيان ما احتمل جزئيّته على تقديرها بقصدها و احتمال دخل قصدها في حصول الغرض ضعيف فى الغاية و سخيف الى النهاية لأنّ اعتبار قصد دخل ما احتمل جزئيّته على تقديرها مبنى على اعتبار قصد الوجه في كلّ من الاجزاء و الشرائط على وجه الاستقلال نظرا الى انّ الأجزاء و الشرائط كل واحدة منهما كانت واجبات نفسيّة بحيث كان كل واحد منها مطلوبا فى نفسه و من المعلوم ان بطلان القول بالوجوب النّفسى بالنسبة الى كلّ واحد من الأجزاء و الشرائط لا يحتاج الى البرهان بل مرجعه الى التناقض و الخلف و اما فيما احتاج الى التكرار فربّما يشكل من جهة الإخلال بالوجه تارة و بالتميّز اخرى و كونه لعبا و عبثا ثالثة و انت خبير بعدم الإخلال بالوجه بوجه فى الإتيان مثلا بالصلاتين المشتملتين على الواجب لوجوبه غاية و توصيفا و كذلك بالنسبة الى قصد الاطاعة لأنّ الإتيان بالصلاتين ليس الا من جهة داعى امر الواجب الذى كان بين الصلاتين غاية الامر انه لا تعيين له و لا تميّز فالاخلال انما يكون به و احتمال اعتباره ايضا فى غاية الضعف لعدم عين منه فى كلام الاقدمين و لا اثر له فى الأخبار و انما اعتبره من اعتبره تبعا للمتكلّمين بتوهم انّ العناوين الأوليّة بالنسبة الى الأفعال لا اعتبار بها فلا بدّ من قصد الوجه فيها و التميّز حتى يقع بالعنوان الذى تعلّق الطلب به مع انه مما يغفل عنه غالبا و فى مثله اى و فى المثل الأمور التى يغفل عنها غالبا عامّة الناس لا بدّ من التّنبيه على اعتباره و دخله فى العرض و الّا لاخلّ بالغرض كما نبّهنا عليه سابقا فى المجلد الأوّل عند الفرق بين الواجب التعبّدى و التوصّلى و من عدم اثر منه فى الأخبار مع كونه ممّا يغفل عنه عامة الناس يستكشف عدم اعتباره لكون المولى حكيما و الحكيم‏

64

لا يخل بغرضه اذا كان فى مقام بيان تمام غرضه و اما كون التّكرار لعبا و عبثا فمع انه ربّما يكون لداع عقلائى انما يضرّ اذا كان لعبا بامر المولى لا فى كيفيّة اطاعته بعد حصول الداعى اليها لأنه المفروض ضرورة ان عنوان السخرية و الاستهزاء و اللعب بامر المولى كعنوان التشريع مما لا يجتمع مع عنوان الاحتياط بل يستحيل اجتماعهما كما لا يخفى‏

تنبيهات‏

[التنبيه‏] الأوّل فى وجوب تحصيل الغرض عقلا و عدمه‏

فنقول انه لا اشكال فى ان الأحكام الصّادرة عن الشارع كانت معلّلة بالأغراض و ليست صدورها عنه على نحو العبث و الجزاف و هذا فى الجملة مما لا خلاف فيه حتى عند الأشاعرة المنكرين للحكم و المصالح و الحسن و القبح فى الأفعال الصّادرة منه تعالى إلّا انهم كانوا متسالمين فى انّ افعاله كانت معلّلة بالأغراض فى الجملة غاية الأمر انّهم جوّزوا صدور افعال القبيحة عنه و ترك الأفعال الحسنة فجوّزوا ان يأمر فى مورد المفسدة و ينهى عن مورد المصلحة و العدلية انكروا عليهم ذلك و استحالوا صدور الأفعال القبيحة عنه تعالى للأغراض الفاسدة على خلاف الحكم و المصالح النفس الأمريّة إلّا انهم واقفوا العدلية فى الجملة فى انّ افعاله كانت منبعثة عن الأغراض و ليست على نحو العبث و الجزاف فالظاهر انه لا خلاف بين العلماء فيما قلناه من غير فرق بين التعبديّات و التوصّليّات فى ذلك انما الفرق بينهما انّ التوصّليّات ليست معلّلة بالأغراض الخارجة عن المأمور به بخلاف التّعبديّات فانما كانت معلّلة بالأغراض الخارجة عن المأمور به زائدة عن الاغراض المتعلقة بالمأمور به بان اعتبر الش فى امتثالها و اسقاط اوامرها امورا زائدة عن الامور المعتبرة فى نفس المأمور به بحيث يبقى الغرض لو لم يات بتلك الامور الزّائدة كقصد القربة فانه لا خلاف فى اعتباره فيها مع انه خارج عنها بل يستحيل اخذه فيها لما بيّناه فى المجلّد الأوّل فراجع فالأمور التعبديّة لا يتحقّق الإطاعة بها بمجرّد الإتيان بنفس المأمور به على اىّ وجه كان بل يعتبر فى حصول الغرض منها و اسقاط اوامرها و ترتب الآثار المقصودة منها ان يؤتى بها على وجه خاصّ من قصد امرها فقد ظهر من ذلك وجوب العقلى بالنّسبة الى تحصيل الغرض فما لم يحصل الغرض كان الأمر باقيا و لا يعقل اسقاط الأمر مع بقاء الغرض لاستحالة فقدان المعلول مع بقاء علّته فالغرض علّة لحدوث الحكم فيدور الحكم وجودا و بقاء و عدما مدار الغرض كذلك فتامّل ففى صورة العلم بالحكم و بماله دخل فى حصول الغرض من المامور به يجب الإتيان بماله دخل في حصوله حتى يخرج عن تبعه التكليف و عن تبعة ما له مدخليّة فى حصول العرض‏

التنبيه الثّانى فى صورة الشّك و عدم العلم بتحصيل الغرض فهل مقتضى الأصل هو البراءة او الاشتغال‏

فالظاهر بل التحقيق بعد تسليم وجوب تحصيل الغرض هو الاشتغال‏

65

الاشتغال دون البراءة و ان قلنا بالبراءة فى الشّكّ فى الأجزاء و الشرائط الداخلة فى المأمور به و ذلك لأن مرجع الشّكّ ح فى الأسقاط و الارتفاع بعد العلم بالحدوث و الثبوت لا فى الحدوث و هذا بخلاف الشّك فى الأجزاء و الشرائط الداخلة فى المأمور به فانّ مرجع الشّك فيها على القول بانحلال العلم الإجمالي الى المتيقّن و المشكوك انما هو الى الحدوث و الثبوت و القول بالانحلال و إن كان غير مرضىّ و فاسدا عند شيخنا الاستاذ لما سنشير اليه فى التنبيه الرابع اجمالا و فى بحث البراءة تفصيلا إلّا انه بعد تسليم الانحلال انّ مرجع الشّك الى الحدوث بالنسبة الى المشكوك و لكن الشّك فى حصول الغرض ليس كذلك لأنه لا يمكن ارجاعه الى الشّك البدوى بل مرجعه الى الشّك فى الأسقاط بعد العلم بحدوث الأمر و ثبوته و معه يتعلّق الاشتغال و وجوب الاحتياط و لا مجال للبراءة مط لا العقليّة و لا الشرعيّة امّا العقليّة فلأنّ مرجعها الى قبح العقاب بلا بيان و من المعلوم ان المقام ليس بلا بيان و اما الشرعيّة فلما عرفت انّ وجوب تحصيل الغرض قاعدة عقليّة لا تناله يد الجعل و التصرّف بحيث يوجب تخصيصها بغير هذا المورد و لا يمكن الانحلال و ارجاع الأمر الى المتيقّن و المشكوك حيث علم المكلّف الأمر و الحكم و شك فى اسقاطه و ارتفاعه فلا مجال للبراءة فتلخّص انّ مقتضى الأصل عند الشّك فى حصول الغرض هو الاشتغال و الاحتياط لصحّة مؤاخذة المولى اذا استقرّ على شكّه من غير امكان الاستكشاف بعدم مدخليّة ذلك فى الغرض و اما لو امكن استكشاف ذلك لا يجب عليه الإتيان بذلك المشكوك لكن لا من جهة البراءة بل من جهة القطع بعدم اعتباره من طريق الاستكشاف‏

التّنبيه الثّالث فى انه عند الشّك فى تحصيل الغرض فهل يمكن من طريق استكشاف عدم مدخليّة فى الغرض ام لا

نعم يمكن استكشاف ذلك من وجهين الأوّل انه اذا كان الأمر الّذى شكّ فى اعتباره فى حصول الغرض مما لا يلتفت اليه غالبا عامّة الناس بحيث كان بالنسبة الى كثير منهم مغفولا عنه و غير ملتفت اليه كقصد الوجه و التميّز مثلا حيث لا يبعد كونهما كذلك بالنسبة الى الأكثر خصوصا فى الصّدر الأوّل و انما احتمل مدخليّتهما فى الغرض بعض المتكلّمين من اهل النظر و تبعهم فى ذلك بعض المحققين من الفقهاء المتاخّرين و مع ذلك لم ينبّه اليه المولى فيستكشف من عدم تنبيه المولى له مع غفلة الناس عنه عدم مدخليّته فى الغرض و الّا لأخل بغرضه و هو خلاف كونه حكيما و ح اذا تفحّصنا فى الاخبار و الآثار و لم نجد عنه فيها عينا و لا اثرا بحيث علمنا عدم التّنبيه و البيان من الش فى هذا الأمر فعند ذلك نقطع بعدم اعتباره و الا فلو كان له دخل فى غرضه لنبّه عليه فعدم البيان منه فى هذا الأمر الذى كان عامة الناس غير ملتفتين اليه كان دليلا على عدم‏

66

اعتباره و الا يلزم نقض الغرض من المولى الحكيم حيث انه كان عالما بانّ هذا الأمر من الأمور التى لا يلتفت اليه الّا الأوحدى من الناس و لا يكاد يحتمل اكثرهم فى حصول غرضه حتى اصار بصدده و تحصيله بحكم العقل و قاعدة الاشتغال و نقض الغرض من الحكيم خلاف فرض كونه حكيما و الثّانى من طرق الاستكشاف التمسّك باطلاق المقام بعد احراز كون الش فى مقام بيان جميع ما له دخل في حصول غرضه و لو كان الأحراز من جهة بيان بعض ما له دخل في حصول غرضه مع كونه خارجا عن المأمور به و الحاصل بعد احراز انّ الش عند قوله اقيموا الصّلاة مثلا كان فى مقام بيان جميع ما له دخل في حصول غرضه و لم ينبّه على بعض ما له مدخليّة فى حصول غرضه فيقطع بعدم اعتباره لئلا يكون نقضا لغرضه و هذا ليس تمسّكا بالإطلاق اللّفظى بل هو تمسّك باطلاق المقام و الفرق بين هذا الوجه و الوجه الأوّل هو انّ الوجه الأوّل كان مختصّا بالأمور التى كانت مغفولة عنها لعامة النّاس و هذا كان اعمّ من ذلك فظهر من جميع ما ذكرنا ان الأمور الخارجة عن المأمور به و كانت ممّا شك فى مدخليّتها فى حصول الغرض كان مقتضى الأصل فيها هو الاشتغال و الاحتياط و لا مجال للبراءة فيه مط لا شرعا و لا عقلا

التّنبيه الرّابع فهل الأصل عند الشّك فى اعتبار شي‏ء فى المامور به شطرا او شرطا هو الاشتغال و الاحتياط او البراءة

فنقول و إن كان خارجا عن محلّ البحث و كان مقام بحثه هو مبحث البراءة إلّا انه لما كان فيه كثير فائدة نتكلم فيه اجمالا و ياتى تفصيله فى مبحث البراءة انش فنقول انّ الأجزاء و الشّرائط الداخلة فى المامور به لها حيثيّتان الأولى بالنسبة الى ما له دخل في حصول غرضه و الثانية بالنّسبة الى ما له دخل فى تحقّق المأمور به مع قطع النّظر عن مدخليّتها فى حصول غرضه اما الجهة الأولى فلا مجال للبراءة مط لما عرفته آنفا فى الأمور الخارجة التى لها دخل فى حصول غرضه حرفا بحرف نعم بناء على جريان البراءة الشرعيّة فى لله جزاء و الشرائط الداخلة فى العبادة و انحلال العلم الاجمالى من غير الجهة التى لها دخل فى حصول الغرض بل من جهة مدخليّتها في حصول المأمور به خاصّة كما عليه العلامة الأنصارى (ره) يمكن استكشاف ذلك حصول الغرض من العبادة الفاقدة للجزء او الشرط فى مرحلة الظاهر بحكم اصل البراءة حيث انّ ادلة البراءة و الأصل كانت حاكمة على ادلة الواقعيّات و مغيّرة لها و مبيّنة لمقدار مدلولها و شارحة لكميّة شمولها و عمومها و تاخّر مرتبة أدلّة الأصول ذاتا عن أدلة الواقعيّات لا ينافى حكومتها عليها و تقدّمها فى مقام العمل كما قد يتوهّم و نقل عن بعض الحواشى فلسان دليل البراءة تخصيص مداليل الواقعيّات على العالمين و منع شمولها و عمومها بالنسبة الى الجاهلين و اثبات التوسعة لهم في مرحلة الظاهر و لازم‏

67

و لازم ذلك بدليّة ما يثبت بحكم الأصل على الجاهل في مرحلة الظاهر عما كان ثابتا فى حق العالم فيترتّب على الصلاة ما يترتب على الواقع من الأحكام و الآثار فكانت مجزية عن الواقع و مسقطه الحكم الواقعى و لو بعد انكشاف الخلاف اذ بعد حصول جميع ما للواقع من الأحكام و الآثار فكانت مجزية عن الواقع و مسقطه للحكم الواقعى و لو بعد انكشاف الخلاف اذ بعد حصول جميع ما للواقع من الأحكام و تحقّق ما هو الغرض و المقصود من الصّلاة الواقعى لا مجال لاتيانها ثانيا فتامل و لا يخفى انّ هذا لا يستلزم التصويب الباطل حيث ان الحكم الواقعى ايضا كان محفوظا فى مرحلته مع المصالح و المفاسد الموجودة فيه غاية الأمر جعل الش له بدلا فى مرحلة الظاهر و من المعلوم انّ البدليّة مستلزمة لوجود المبدل فى مرتبته و يستحيل وجودها بدونه فالقول ببدليّة الظاهر عن الواقع غير ملازم للتصويب الباطل‏

التّنبيه الخامس فى جريان البراءة فى الأجزاء و الشرائط

من غير الجهة التى لها دخل فى حصول الغرض و انحلال التّكليف الى المتيقّن و المشكوك على ما اختاره العلّامة الأنصارى (ره) و كلمات الأصوليّين فى ذلك مختلفة الا ان اختيار الأستاذ على الاشتغال بيان على ما حققه فى مبحث الشك فى الاقلّ و الاكثر الارتباطيين انّ الرجوع الى البراءة موقوف على ارتفاع اثر العلم الإجمالي و انحلال التّكليف في مورده و هو انما يتمّ اذا انحل التّكليف الى المتيقّن و المشكوك بحيث كان التكليف بالنسبة الى المتيقّن منجّزا على كل تقدير و لو من باب المقدّمة لتكليف منجّز و ح لا اشكال فى ارتفاع اثر العلم الإجمالي و المقام ليس كذلك حيث ان التكليف بالمتيقّن و هو الأقل ليس منجّزا على كلّ تقدير لان التّكليف فى الواقع إن كان بالاقل فكان الأقل واجبا نفسيّا و التّكليف به كان منجّزا و إن كان بالأكثر فالأقلّ كان واجبا غيريّا و مقدمة للاكثر و حيث انّ المفروض عدم تنجّز التّكليف بالاكثر بدعوى ارتفاع اثر العلم الإجمالي فالاقل كان مقدّمة التكليف غير منجّز و اذا لم يكن التكليف بالنسبة الى ذى المقدّمة منجّزا فكان بالنسبة الى المقدّمة ايضا غير منجّز ايضا لا محاله فالاقل على تقدير كون وجوبه نفسيّا كان التكليف به منجّزا و امّا على تقدير كون وجوبه غيريّا مقدّميّا لا يكون التكليف به منجّزا لعدم تنجز ذى المقدمة بالفرض الا على القول بعدم ارتفاع اثر العلم الإجمالي و عدم انحلال التّكليف فى مورده فتحصّل انّ الانحلال يتوقف على تنجز الأقل على كل تقدير و تنجزه على كلّ تقدير يتوقف على تنجّز الأكثر الذى هو مساوق لعدم الانحلال فالانحلال يتوقف على عدم الانحلال و ارتفاع اثر العلم الإجمالي يتوقف على عدم ارتفاعه و ما يلزم من وجوده عدمه فهو محال فثبت استحالة الانحلال فى مورد الدّوران بين الأقل و الأكثر الارتباطيّين فالرّجوع‏

68

الى البراءة مط عقلا و شرعا غير جائز بل المتعيّن هو الاحتياط و الإتيان بالأكثر مع جميع ما يعتبر فى تحقّق الإطاعة و الامتثال من قصد القربة و امثالها فافهم و تبصّر

[فى تقديم العلم الاجمالى على الظن التفصيلى‏]

هذا كله فى قبال ما اذا تمكّن من القطع تفصيلا بالامتثال و اما اذا لم يتمكّن الا من الظنّ به كذلك اى الظن تفصيلا فلا اشكال فى تقديمه اى تقديم الامتثال الإجمالي على الامتثال الظنّى لو لم يقم دليل على اعتباره الا فيما اذا لم يتمكّن منه و اما لو قام على اعتباره مط سواء تمكّن منه ام لا فلا اشكال فى الاجتزاء بالظّنّى فهذا الدّوران انما يكون بعد اعتبار قصد الوجه و التميّز فى العبادات و ح اذا دار الأمر بين الامتثال الإجمالي و بين الامتثال الظنّى التفصيلى فهل يقدّم الامتثال الإجمالي العلمى على الامتثال الظنى التفصيلى مط و تقديم الامتثال الظنى التفصيلى مط او فيه تفصيل و لكن الحق هو التفصيلى بان يقال ان الظنّ الذى يكون طرفا للامتثال الإجمالي اما ان يقوم دليل من العقل او النقل على اعتباره ام لا فان لم يقم دليل على اعتباره فلا شبهة فى تقديم الامتثال الاجمالى على هذا الظن التفصيلى و إن كان متمكنا منه لكون حكم هذا الظنّ حكم الشك و امّا ان قام دليل على اعتباره و لو من العقل كما فى حال الانسداد على تقدير تماميّة مقدّماته فالدّوران ح اما ان يكون بين الامتثال الإجمالي و الامتثال الظنّى التفصيلى بالظنّ الخاص الذى قام الدّليل الخاصّ على حجّيته او بينه و بين المطلق الذى ثبت حجّيته بدليل الانسداد امّا الأوّل فيختلف حكمه على المسلكين فى باب الأمارات لأنّه بناء على مسلك التنزيل فيمكن تحقق قصد الوجه و التميز فى متابعة هذا الظنّ التفصيلى حيث ان العبادة التى قامت الأمارة عليها بكيفيّة خاصّة من الاجزاء و الشرائط كانت واجبة تعبّدا فى مرحلة الظاهر و منزلة منزلة الواقع فى الأحكام و الآثار و قائمة مقامها فيمكن الإتيان بها مع قصد الوجه غاية و صفة و كانت متمايزة عما عداها و هذا بخلاف المسلك الآخر فى باب الأمارات فان مفاد ادلة اعتبارها ليس الا حكما وضعيّا دون الحكم المولوى فانه على هذا المسلك لا يمكن الإتيان بها مع قصد الوجه و التميز وصفا او غاية حيث ان مؤدّى الأمارة على هذا المسلك ليس حكما شرعيّا كى يمتثل بوصف الوجوب او بداعى الوجوب فظهر من ذلك ان تقدّم الظن التفصيلى على الامتثال الإجمالي انما يتمّ على مسلك التنزيل فى باب الأمارات دون المسلك الآخر فان تقديمه عليه لا وجه له بل يقدّم الامتثال العلمى الاجمالى على الظنّ التفصيلى على هذا المسلك خصوصا بناء على ما ذكرنا سابقا من امكان قصد الوجه فى الامتثال الإجمالي بل عليه ليعيّن تقديم الإجمالي على الظنّ التفصيلى حيث ان قصد الوجه فى الامتثال الظنّى التفصيلى على هذا المسلك غير ممكن الحصول مع تحققه فى الامتثال العلمى الإجمالي كما لا اشكال فى الاجتزاء بالامتثال الإجمالي فى قبال الظنّى بالظنّ المطلق المعتبر بدليل الانسداد بناء على ان يكون من مقدماته عدم وجوب‏

69

وجوب الاحتياط و اما لو كان من مقدماته بطلانه لاستلزامه العسر المخلّ بالنّظام او لأنه ليس من وجوه الطاعة و العبادة بل هو نحو عبث و لعب بامر المولى فيما اذا كان بالتكرار كما توهّم و قد اشرنا آنفا الى ردّه فالمتعيّن هو التنزّل عن القطع تفصيلا الى الظنّ كذلك و عليه فلا مناص عن الذهاب الى بطلان عبادة تارك طريقى التقليد و الاجتهاد و ان احتاط فيها فظهر من كلام الشّيخ الأستاذ انّ الدّوران بين الامتثال العلمى الإجمالي و الامتثال الظنّى بالظن المط انما يتصوّر لو لم يؤخذ فى مقدّمات الانسداد بطلان الاحتياط راسا و الا فمعه لا يتحقّق الدّوران بل يتعيّن العمل بالظن كما لا يخفى و اما لو كان من مقدّماته عدم وجوب الاحتياط فهو و إن كان غير تامّ فى نفسه و لا ينتج حجّية مطلق الظنّ إلّا انه بعد الإغماض عن ذلك فيتحقق الدوران بين الامتثال الاجمالى العلمى و الامتثال الظنّى التفصيلى لكن يختلف حكمه من حيث التقديم و الترجيح على المسلكين فى دليل الانسداد من الحكومة و الكاشفيّة اما على الحكومة فلا وجه لتقديم الامتثال الظنى التفصيلى على العلمى الإجمالي لعدم امكان قصد الوجه فى الامتثال الظنّى على الحكومة لما عرفت سابقا مجملا من انّ نتيجة دليل الانسداد على الحكومة انّما هو وجوب اتباع وجوب الظنّ و الجرى على طبقه حال الانسداد بحكم العقل المستقلّ و ليس ما ادّى اليه الظنّ حكما شرعيّا واقعيّا او ظاهريّا فلا يمكن الإتيان بالعبادة بقصد الوجه على هذا المسلك لا صفة و لا غاية فلا وجه لهذا التقديم بل لا يبعد تقديم العلمى الإجمالي على الظنّ التّفصيلى سيّما على ما حرّرنا من امكان قصد الوجه فى الامتثال الاجمالى العلمى و اما على الكاشفيّة فلا يبعد تقديم الامتثال الظنّى على العلمى الإجمالي بناء على اعتبار قصد الوجه و التّميز و نظرا الى عدم امكان قصد الوجه و التميز فى الامتثال الإجمالي و الا فعلى ما حقّقناه سابقا من امكان قصد الوجه فى الامتثال الإجمالي العلمى و عدم اعتبار قصد التّميز فلا يتحقّق الدّوران بل يتعيّن العمل بالعلم الاجمالى فظهر ممّا شرحناه فى المقام انّ اطلاق كلام الشّيخ الأستاذ فى الترجيح من اول قوله هذا كلّه فى قبال الى قوله و ان الاحتياط فيها ليس فى محلّه بل يختلف حكم الترجيح و التقديم على مسلك التّنزيل و الحكم الوضعى فى باب الأمارات كما انه يختلف حكمه على الحكومة و الكاشفيّة فى نتيجة دليل الانسداد فافهم و تبصّر

تتميم‏

و انت بعد الإحاطة بجميع ما حقّقناه لك فى حجّية القطع التفصيلى فلا بد فيما يتوهّم فى الشرع من عدم الاعتناء بالقطع التفصيلى الحاصل من العلم الإجمالي من التوجيه لما عرفت من حجّية القطع بالذات و الضرورة على نحو العلّية التامة بقول مطلق من اىّ سبب حصل و فى اىّ شخص يكون و هذا مما يستقل العقل و لا يقبل التصرّف و الجعل لا نفيا و لا اثباتا فى مورد من الموارد

70

و الّذى يمكن ان يقال فى توجيه تلك الموارد؟؟؟ الأول الحمل على العلم الموضوعى فلا بدّ ان يتبع الدّليل الدال على اخذ العلم فى الموضوع فانّ دلّ على اعتبار العلم التفصيلى الخاص فى موضوع حكم من الأحكام فلا بدّ ان يتبع فينتفى الموضوع عند انتفاء هذا العلم الخاصّ الذى اخذ فى الموضوع كما انه يتبع لو اخذ العلم التفصيلى الحاصل من سبب آخر الثّانى ان يستكشف من طرح العلم التفصيلى فى تلك الموارد عدم بلوغ الحكم الشرعى فيها الى المرتبة الفعليّة بل كان الحكم فى المرتبة الثّانية و هى مرتبة الإنشاء دون بعث و زجر فعلى فيها اصلا و معه لا اثر للعلم التفصيلى اصلا فطرح العلم كان لقصور فى المعلوم لا لقصور فى العلم لما عرفت انّ الحكم الإنشائي لا يوجب استحقاق العقاب و لا التنجّز هذا بعض الكلام فى القطع مما يناسب المقام و ياتى بعضه الآخر فى مبحث البراءة و الاشتغال فيقع المقال فيما هو المهمّ من عقد هذا المقصد و هو بيان ما قيل باعتباره من الأمارات او صحّ ان يقال‏

[فى حجية بعض الامارات الغير العلمية]

و قبل الخوض فى ذلك ينبغى تقديم امور احدها انه لا ريب فى ان الأمارة الغير العلميّة ليس كالقطع فى كون الحجّية من لوازمها و مقتضياتها بنحو العلّية بل مط و لو بنحو الاقتضاء و ان ثبوتها لها محتاج الى جعل او ثبوت مقدمات و ظن و حالات موجبة لاقتضائها الحجّية عقلا توضيح ذلك انك قد علمت مرارا انّ العلم عين الانكشاف و الطريقيّة بنفس ذاته و لا تناله يد الجعل لا نفيا و لا اثباتا و ما هو كذلك فهو حجة كاملة و اما الجهل فهو فى مقابل العلم بمعنى انه عين الظلمة و الحجاب و نفس السّترة و الخفاء و ما هو كذلك فهو ممتنع الحجّية بالذات و الضرورة و لا بعقل ان يتصرّف فيه لا نفيا و لا اثباتا فالحجّية و الطريقية بالقياس الى العلم و الجهل كالوجود بالنسبة الى واجب الوجود و ممتنع الوجود كشريك البارى و اجتماع النّقيضين و ارتفاعهما و امّا الظنّ فهو ليس كالعلم بحيث كان فى نفسه و حدّ ذاته مع قطع النظر عن الأسباب الخارجيّة و جهات العقليّة و الشرعيّة واجب الحجّية بالذات و الضّرورة و كذلك ليس كالجهل المحض بحيث كان فى حدّ ذاته مع قطع النظر عن الأسباب الخارجيّة ممتنع الحجّية بالذات و الضرورة فالظنّ فيه انكشاف إلّا انه ناقص و ضعيف فليس كالعلم المحض و لا كالجهل المحض بل هو بمنزلة الماهيّة الإمكانيّة فى كونه ممكن الحجّية بالذات و الضرورة فان العلم و الظنّ من سنخ واحد و من اصل فارد اعنى مطلق الإدراك و الانكشاف و التّفاوت بينهما انما هو بالتماميّة و النقصان و القوة و الضعف و بعد اتحادهما حقيقة و ذاتا و مضادته مع الجهل هوية و وجودا فلا بدّ ان يكون مثل العلم فى الأحكام و الآثار فى الجملة بمعنى عدم جعله فى مرتبة الجهل المحض و اذ تحقق كون العلم حجّة بالذات فلا بدّ ان يكون الظنّ ممكن الحجّية بالإمكان الذاتى لا محاله‏

71

لا محاله فلا وجه لأن يكون الظنّ ممتنع الحجّية بحسب ذاته فالظنّ بالنسبة الى الحجّية و اللّاحجية لا اقتضاء صرف ليس فيه اقتضاء الحجّية بنحو العلّية كى يمتنع نفى الحجة عنه و لا اقتضاء اللّاحجّية كى يمتنع اثبات الحجّية فيه فهو ممكن الحجّية بالامكان الذاتى الخاص فانقدح ان الأمارة الغير العلميّة ليس كالقطع فى كون الحجّية من لوازمها و ان ثبوتها لها محتاج الى جعل او ثبوت مقدمات و طروّ حالات موجبة لاقتضائها الحجّية عقلا بناء على تقرير مقدمات الانسداد بنحو الحكومة و ذلك لوضوح عدم اقتضاء غير القطع للحجّية بدون ذلك ثبوتا بلا خلاف و لا سقوطا و إن كان ربّما يظهر فيه اى السقوط من بعض المحققين الخلاف و الاكتفاء بالظنّ بالفراغ مع انه ليس له وجه لما عرفت و لعلّه لأجل عدم لزوم دفع الضرر المحتمل فت (1) فى بيان امكان التعبد بالأمارة الغير العلميّة ثانيها فى بيان امكان التعبد بالأمارة الغير العلميّة شرعا و عدم لزوم محال منه عقلا فى قبال دعوى استحالته للزومه و اذ قد عرفت ان امكان حجّية الظنّ بالإمكان الذاتى لا خلاف فيه و يظهر من المدّعى للاستحالة ان نزاعه ايضا ليس فى الإمكان الذاتى كما سيجي‏ء الإشارة اليه فقد يتّضح انّ النّزاع فيه انما يكون فى الإمكان الوقوعى بعد الفراغ عن امكانه الذاتى و من المعلوم ان الإمكان بهذا المعنى هو ما لا يلزم من فرض وقوعه محال و هذا اخصّ من الإمكان الذّاتى حيث انّ كلّ ممكن بالإمكان الوقوعى فهو ممكن بالإمكان الذاتى دون العكس فانّ من الممكن بالإمكان الذاتى ما يكون ممتنعا بالغير فالنّزاع بين المثبتين و النافين انما يكون فى الإمكان الوقوعى و الذى يدلّ على ذلك ان المستدلّ لامتناع التعبّد انما يتمسّك بلزومه المحال و المستلزم للمحال محال فنتيجة استدلاله انما هو الامتناع الغيرى لا الامتناع الذاتى و من المعلوم انّ الامتناع الغيرى لا ينافى الإمكان الذاتى بل مستلزم له كما انّ نتيجة استدلال القائل بوجوب التعبديّة هو الوجوب الغيرى لا الوجوب الذاتى فانقدح بذلك ان النّزاع فى الامكان التعبّد بالظنّ ليس هو الإمكان الذّاتى لأنه لا خلاف فيه و انما النّزاع فيه فى الإمكان الوقوعى و فى كونه ممتنع الحجّية لامتناع الغيرى و واجب الحجّية بالوجوب الغيرى و لكن لا بدّ فى اثبات احدهما من اقامة البرهان و ليس الامكان بهذا المعنى و هو عدم لزوم محال منه عقلا بل مط اصلا متبعا عند العقلاء فى مقام احتمال ما يقابله من الامتناع لمنع كون سيرتهم على ترتيب آثار الإمكان عند الشّك فيه و منع حجّيتها اى السرة لو سلّم ثبوتها لعدم قيام دليل قطعى على اعتبارها و بعبارة اخرى ليس هنا اصل يحرز به الإمكان عند الشّك لأنّ الإمكان كالامتناع اى بالإمكان و الوجوب فى كونه من الجهات الواقعيّة و يحتاج اثباته الى قيام البرهان فليس الإمكان مط موافقا للأصل حتى يحكم به عند الشّك من غير مرجّح و دليل قائم عليه و ح فلو قام‏

____________

(1) لعلّه اشارة الى انه كيف يمكن استناد الاكتفاء بالظنّ بالفراغ الى عدم لزوم دفع الضرر المحتمل مع انه حكم عقلى يحكم به كل من له على فطرة الانسانية بل دعوى عكس ذلك اولى من هذه الدعوى فافهم منه‏

72

البرهان على عدم امتناع التعبّد بالظنّ بالامتناع الغيرى و انه لا يلزم من حجّيته محال بالذات او على امتناع التعبّد به بالامتناع الغيرى كما عن ابن قبة و تابعيه فهو و إلّا فلا بدّ من التّوقف و عدم الحكم فيه بالإمكان و الامتناع و الظنّ به لو كان اى الظن بالإمكان لو كان‏

[فى امكان التعبّد به و امتناعه‏]

فالكلام الآن فى امكان التعبّد به و امتناعه اى التعبّد فما ظنك به اى بالإمكان لكن دليل وقوع التعبّد بها من طرق اثبات امكانه حيث يستكشف به عدم ترتب محال من تالى باطل فيمتنع مط او على الحكيم تعالى ففى الحقيقة لاثبات الإمكان الوقوعى طريقان الأول ما اشار اليه الشّيخ الأستاذ هنا و هو يشبه بالدليل الإن و هو ان يحصل العلم بالإمكان بطريق الإنّ من العلم بالوقوع فانّ الوقوع اخصّ من الإمكان الوقوعى و متاخّر عنه ذاتا و رتبة بمرتبتين لأنّ الشي‏ء ما دام لم يجب لم يوجد فلا بدّ فى الوقوع من صيرورة الشّي‏ء واجبا بالغير بعد ما كان ممكنا فى نفسه فاذا حصل لنا العلم بالوقوع كما لو كنّا بمحضر من الشّرع و راينا انه جعل الظنّ حجة و دليلا على المكلّفين فى احكامه فح نستكشف من ذلك كشفا قطعيّا لاثبات الإمكان الوقوعى و الثّانى ما يشبه بالدليل اللّمىّ و هو كما اذا حصل لنا الإحاطة بجميع الجهات المحسنة و المقبّحة للتعبّد بالظنّ فنعلم من ذلك عدم وجود جهة مانعة عن التعبّد بالظن فيحكم بالإمكان حكما قطعيّا من جهة عدم المانع الخارجى و الذاتى راسا و استبعاد احاطة العقل بتمام جهات المحسّنة و المقبّحة للشي‏ء كما عن العلامة الأنصارى (ره) فى غير محلّه فان هذه المسألة ليست باعظم اشكالا من المسائل العقليّة و المطالب الأخر المتعلّقة بالفلسفة و غيرها من العلوم مع حصول الجزم بالإمكان فى اكثر مسائلها مع القطع بعدم لزوم قوال فاسدة و عدم بطلان اللّازم فدعوى الإمكان الوقوعى فى المسألة من جهة القطع بعدم لزوم قوال فاسدة او عدم بطلان التوالى التى اوردها المانعون على التعبّد بالظنّ ليست بمجازفة بل ليس طريق فى اثبات امكان الوقوعى للتعبّد بالظنّ حال الانفتاح الا الطريقين المذكورين و ح فلا حاجة معه فى دعوى الوقوع الى اثبات الامكان و بدونه فلا فائدة فى اثباته كما هو واضح مضافا الى ان الإمكان اعمّ من الوقوع فلا منافاة بين الإمكان و الامتناع بالغير انّ الإمكان من حيث هو ليس له اثر شرعىّ او عقلى مع انّ وجوب الأتباع شرعا او عقلا انما هو من آثار الحجّية الفعليّة فاثبات امكان حجّية الظنّ بالإمكان الوقوعى ليس له اثر شرعى او عقلى اصلا ما دام لم يقم دليل او برهان من الشرع او العقل على حجّيته حتى يترتّب عليه وجوب الأتباع عقلا او شرعا و امّا ما قرّره العلامة الأنصارى (ره) من الاستدلال لذلك بعدم الوجدان و جعله اولى فغير مجد لاثبات الإمكان راسا لا الذّاتى و لا الوقوعى ضرورة انّ اثبات الإمكان يتوقف على احراز عدم وجود

73

وجود الجهة المانعة عن التعبّد فلا بدّ من الاحاطة بجميع الجهات المحسّنة و المقبّحة لذلك و لا يكفى فى ذلك مجرّد عدم وجدان المانع فانه لا يفيد العلم و لا يخرج الشخص عن الشّك و من المعلوم انّ العقل لا يحكم بشي‏ء الا بعد قيام الدّليل القطعى عنده على عدم المنع و ح لا يحكم بالإمكان كما لا يحكم بالامتناع فوجب التوقف و عدم الحكم راسا

[فى رد المصنف على العلامة الانصارى‏]

و قد انقدح بذلك ما فى دعوى شيخنا العلّامة الأنصارى اعلى اللّه مقامه من كون الإمكان عند العقلاء مع احتمال الامتناع اصلا فان قلت انّ الدّليل على كونه اصلا عند الشّك هو كلام الشّيخ الرّئيس و كلامه فى ذلك مشهور قلت و الإمكان في كلام الشّيخ الرّئيس كلما قرع سمعك من الغرائب اى من غرائب عالم الطّبيعة فذره فى بقعة الإمكان ما لم يزدك عنه قائم البرهان بمعنى الاحتمال المقابل للقطع و الإيقان كما نظمه السّبزوارى (ره) فى منظومته و معنى الإمكان خلاف الجازم فى مثل ذر في بقعة الإمكان ما لم يزدك قائم البرهان و من الواضح ان لا موطن له الا الوجدان فهو المرجع فيه بلا بيّنة و برهان‏

[فى مراد الشيخ الرئيس من الامكان‏]

و يشهد لذلك مضافا الى كلام السّبزوارى ان الشّيخ الرئيس فى اواخر الإشارات قال نصيحة ثم نقل جملة من كرامات الأولياء و غرائب افعالهم و احوالهم ثم قال بعد ذلك كلما قرع سمعك الخ و معلوم لكل من له ادنى ممارسة باساليب كلام الحكماء انّ مراده ليس الحكم لإمكان الذاتى او الوقوعى عند الشك فيه من دون قيام البرهان عليه كى يكون اصالة الإمكان اصلا عقليّا او شرعيّا حتى يعمل بها عند الشّك فى الإمكان فمراده منه هو التوقف و عدم الحكم راسا عند الشّكّ فيه و ابقائه على الاحتمال و التجويز العقلى ما لم يقم برهان على امتناعه و انما اغترّ بهذا الكلام بعض من لا خبرة له باساليب الحكماء من المتكلمين فتوهّم من هذا الكلام انّ الإمكان امر موافق للأصل يحكم به عند الشكّ من غير دليل و برهان عليه و هل هذا إلا قول الزّور او اتباع الغرور و الشّيخ الرّئيس اجلّ و اعظم من ان يصدر منه هذا التّوهّم كما انه بعيد ان يكون نظر الشّيخ (رحمه اللّه) ايضا الى هذا

[فى الاشكالات الواردة على التعبد]

و كيف كان فما قيل او يمكن ان يقال فى بيان ما يلزم التعبّد بغير العلم من المحال او الباطل و لو لم يكن بمحال امور احدها اجتماع المثلين من ايجابين او تحريمين مثلا فيما اصاب او ضدّين من ايجاب و تحريم و من ارادة و كراهة و مفسدة و مصلحة ملزمتين بلا كسر و انكسار فى البين فيما أخطأ او التصويب و ان لا يكون هناك غير مؤدّيات الأمارات احكام‏ (1) ثانيها طلب الضدّين فيما اذا أخطأ و ادّى الى وجوب ضدّ الواجب ثالثها تفويت المصلحة او الإلقاء فى المفسدة فيما ادّى الى عدم وجوب ما هو واجب او عدم حرمة ما هو حرام و كونه محكوما بسائر الأحكام رابعها انه لو جاز التعبد بالأخبار عن النّبى (ص) لجاز

____________

(1) حاصل الاشكال انه بعد قيام الأمارة على حكم من الاحكام على فرض حجيتها يلزم امّا اجتماع المثلين او الضدّين او التصويب لأن الحكم الواقعى فى مورد الأمارة بعد قيامها امّا ان يكون باقيا على ما هو عليه من الواقع أو لا و على الثّانى امّا ان لا يكون راسا حكم الواقعى فى مورد الأمارة او كان لكن بعد قيام الأمارة لأجل انقلاب مصلحة مورد الأمارة او مفسدتها ينقلب الى حكم مورد الأمارة فعلى الأول يلزم اجتماع المثلين فيما أصاب او الضدين فيما أخطأ و على الأخيرين يلزم؟؟؟ بمعنى ان لا يكون هناك غير مؤدّيات‏

74

التعبّد بالأخبار عن اللّه و هو باطل اجماعا

[فى الجواب عن اشكالات ابن قبة]

و الجواب عن الأخير انه لما كان الامتناع الغيرى مرجعه الى وجود المانع الخارجى فيختلف حكمه بحسب اختلاف اقسام الظّنّ و افراده و متعلّقاته فقد يكون المانع الخارجى فى بعض افراد الظنّ موجودا او فى بعض افراد متعلقاته و قد لا يكون فى بعض اقسامه و ح فلو ثبت احيانا وجود المانع الخارجى عن التعبّد بالظنّ فى مورد من الموارد فهو غير قاض بامتناع التعبّد بالظنّ مط و فى جميع الموارد مثلا الظنّ الحاصل من اخبار مدّعى النبوّة او غيره عن اللّه تعالى مما لا يبعد القول بامتناع حجّيته لاستلزامه بعض المفاسد الشّنيعة سواء كان المخبر عادلا فى مرحلة الظاهر ام لا لتوفّر الدّواعى فى الأخبار عن اللّه تعالى من دون قيام المعجزة و البرهان على اثبات النّبوة بمكان من الإمكان لكنّه لا يقتضى امتناع التعبّد بالظن بقول مطلق اذ لا مانع للظنّ عن التعبّد فى مرتبة ذاته حتى يصير طبيعة الظنّ من حيث هى هى ممتنع الحجّية و انما المانع من الخارج فيدور مدار وجود المانع الخارجى و عدمه فظهر ممّا ذكرنا ان بطلان التالى في كلام الخصم بعد تسليم البطلان لا يقتضى فساد المقدم لعدم الملازمة فانّ الوجه فى استحالة التعبد بالظنّ الحاصل من الاخبار عن اللّه تعالى ليس مجرّد كونه ظنّا حاصلا من الخبر بل لكونه ظنّا حاصلا من الاخبار عن اللّه تعالى و وجود جهة مانعة فى الاخبار عن اللّه تعالى بعد ثبوته انما يقتضى امتناع التعبد بالأخبار عن اللّه تعالى خاصّة للمفاسد الشنيعة المترتّبة عليه لا امتناع التعبّد بمطلق الظنّ كما لا يخفى و بالجملة لما كان دعوى الخصم هو الامتناع الغيرى فيدور الامتناع مدار وجود المانع الخارجى فى قضايا شخصيّة خارجيّة فلا يمكن اقامة البرهان على امتناع التعبّد بالظنّ بقول مطلق على وجه الكلّية و اخذ النتيجة المطلقة على انّ امتناع التعبّد بالأخبار عن اللّه تعالى ايضا غير ثابت و دعوى الإجماع فى المسألة العقليّة لا يجدى شيئا هذا تمام الكلام عما استدلّ به الخصم اخيرا

[فى تحقيق المصنف بحسم مادة الاشكال‏]

و الجواب عن الاشكال الثلاثة انّ ما ادّعى لزومه اما غير لازم او غير باطل و ذلك لأنك قد عرفت مرارا ان التعبد بالأمارة الغير العلميّة و حجيتها عن قبل الش قد يكون بانشاء حكم تكليفىّ مولوىّ يعبّر عنه بالحكم الظّاهرى او انشاء امر او نهى طريقىّ ارشادىّ و قد لا يكون كذلك بل مجرّد الحكم الوضعى خاصّة و جعل الغير الحجّة حجّة و ان شئت قلت انّ لسان دليل اعتبارها امّا ان يستفاد منه الحكم المولوى سواء كان طريقيّا او تكليفيّا و اما ان يستفاد منه الحكم الوضعى الصّرف من غير استتباعه لحكم تكليفى نفسى و لا الطّريقى الارشادى و على الحكم الوضعى اتباع الأمارة و الجرى على طبقها انما كان بحكم العقل فانّ العقل‏

75

فانّ العقل مستقل بوجوب اتباع ما هو حجّة بقول مطلق سواء كانت حجّيته بنفس ذاته من دون جعل جاعل او بجعل الغير كالأمارة الغير العلميّة و امكان لزوم تحليل الحرام و تحريم الحلال غير لازم لأنّ التعبّد بطريق غير علمىّ على ما عرفت انّما هو بجعل حجّيته و الحجيّة المجعولة غير مستتبعة لانشاء احكام تكليفيّة بحسب ما ادّى اليه الطّريق بل انما يكون موجبة لتنجّز التكليف به اذا اصاب و صحّة الاعتذار به اذا أخطأ و يكون مخالفته و موافقته تجرّيا و انقيادا مع عدم اصابته كما هو شان الحجّة الغير المجعولة كالقطع فلا يلزم اجتماع حكمين مثلين او ضدّين و لا طلب الضدّين و لا اجتماع المفسدة و المصلحة و لا الكراهة و الإرادة كما لا يخفى لأنّ على هذا المسلك لم يكن فى مورد الأمارة الا حكم واحد و هو الحكم الواقعى فقط دون الحكم الظّاهرى حتى يجتمع فى مورد الإصابة حكمان متماثلان و في مورد عدم الإصابة حكمان متضادّان و قد اصرّ الأستاذ على هذا المسلك فى مجلس الدّرس و حاصل مرامه انّ هذا الحكم الوضعىّ و هو الحجّية ليست منتزعة عن حكم تكليفىّ مولوىّ و لا من امر و نهى طريقىّ ارشادى و سيجي‏ء الكلام فى الأحكام الوضعيّة و فى كيفية جعلها من انها مختلفة فى كيفيّة الجعل فمثل الجزئيّة و الشرطيّة و المانعيّة كانت مجعولة بجعل منشأ انتزاعها و هو الحكم التّكليفى الموجود فى موردها و امّا الحجّية كالنبوّة و الولاية و الحكومة ليست مجعولة بجعل منشأ انتزاعها بل مجعولة بنفسها من دون ان يكون فى البين حكم تكليفىّ و لا ارشادىّ طريقىّ ضرورة انّ النبوّة و الولاية و كذلك الحجّة لها معان مستقلّة ممتازة و لكلّ منها آثار خاصّة و كانت مجعولة عن قبل ولىّ هذه الأمور حيث ان ما بالعرض لا بدّ و ان ينتهى الى ما بالذّات فلا بدّ ان يكون ما هو حجّة بالعرض و بجعل الغير منتهيا الى ما هو حجّة و واجب الأتباع فى ذاته لذاته و هو من له هذا الإعطاء بقول مطلق من دون انتهاء تلك الأمور الى الحكم التكليفى التعبّدى او الحكم الطّريقىّ الصّرف لوجوب الأتباع فى تلك الأمور كان حكما عقليّا صرفا و اذ تبيّن كيفيّة الجعل فالحجّية في مورد الأمارة كالحجّية فى القطع ففى صورة المصادفة للواقع كانت منجّزة للواقع و في صورة المخالفة كانت محقّقة لعنوان التجرّى او الانقياد اذا ادّت الى الحكم الإلزامي من الوجوب او الحرمة و ح فاشكال لزوم التحليل و التحريم مندفع راسا و اما تفويت مصلحة الواقع او الإلقاء فى مفسدته فلا محذور فيه اصلا اذا كانت فى التعبّد به مصلحة غالبة على مفسدة التّفويت او الإلقاء

[فى بيان مسالك التعبد بالامارة]

و حاصله انّ هذا المحذور و إن كان من التعبّد بالأمارة و حجّيتها و كان هذا المحذور مشترك‏

76

الورود على المسلكين لكن نقول قلّ ما ينفك فعل من الأفعال عن جهة المفسدة بحيث كان خالصا في جهة الحسن و المصلحة بحيث لا يكون فيه جهة قبح و مفسدة اصلا من غير فرق بين التكوينيّات و التشريعيّات فان الخير المحض و الحسن الصّرف ربما لا يكاد ان يتحقّق فى عالم الكون و الفساد و دار الشرور و التّضاد و كذلك فى مرحلة التشريع لا يكاد ان يحصل لنا العلم بعدم وجود مفسدة فى حكم من الاحكام التوقيفيّة التى قد امر الش بها الا فى المستقلّات العقليّة الصّرفة التى استقل العقل بحسنها او قبحها ذاتا فاحراز خلو حكم من الأحكام عن جهة المفسدة و القبح راسا بحيث كان صرف الحسن و المصلحة و محض الخير و الشرافة مما لا تناله انظار الأعلام و عقول اولى الأفكار بل نعلم اجمالا بخلاف ذلك فى غالب الموارد بحيث كانت جهة الحسن و المصلحة مشوبة بجهة القبح و المفسدة لكن الأفعال الصّادرة من الحكيم على الإطلاق لما وجبت بمقتضى حكمته ان يكون على وفق الحكمة فلا بدّ ان يكون جهة الخير و المصلحة غالبة على جهة الشرّ و المفسدة فى افعاله بقول مطلق من غير فرق بين مرحلة التكوين و التشريع بل البرهان قائم على استحالة صدور فعل منه تعالى بحيث كان خالصا فى الشّرّ و الفساد غالبة على جهة المصلحة و الحسن و الخير فى ذلك الفعل بل لا بدّ و ان يكون جهة الحسن و المصلحة غالبة على الشرّ و المفسدة دائمة بالضّرورة لو كانت فيها و بعد ما فرض غلبة جهة الحسن و المصلحة على جهة الشرّ و المفسدة و حصول الكسر و الانكسار بين الجهتين المتضادّين كان الحكم تابعا للجهة الغالبة و الجهة المستهلكة تصير بمنزلة العدم و كانت مسلوبة الأثر راسا و تلك الجهة الغالبة تصير جهة ملزمة لصدور هذا الفعل منه تعالى بحيث كان ترك هذا الفعل بملاحظة تلك الجهة الغالبة قبيحا عقلا و كذلك العكس فاذا كانت جهة الشرّ و المفسدة غالبة كان صدور هذا الفعل مع وجود تلك الجهة الغالبة قبيحا لما قرّر فى محلّه من ان ترك ما فيه خير كثير لشرّ قليل كان شرّا كثيرا و صدور ما فيه شرّ كثير لخير قليل كان شرّا كثيرا فعلم من ذلك ان بعد تعارض الجهتين و حصول الكسر و الانكسار بينهما كان الحكم للجهة الغالبة و الجهة المغلوبة صارت مسلوبة الأثر فاذا فرضنا فى فعل من افعاله تعالى تكوينا او تشريعا ان يكون جهة الخيريّة و المصلحة غالبة على جهة الشّرّية و المفسدة كان ترك هذا الفعل منه قبيحا عقلا و صدوره واجبا كذلك و ليس علينا احراز الجهتين فى كل فعل من افعاله تعالى و احراز غلبة جهة الحسن و المصلحة فيه على جهة القبح و المفسدة تفصيلا بل وقوع فعل من الأفعال و صدوره منه تعالى يستكشف منه كشفا قطعيّا عن وجود الجهة الغالبة الملزمة لصدوره منه تعالى فاذا احكمت تلك المقدّمة ففى المقام نقول‏

77

نقول انّ قيام التعبّد بالأمارة من الش و جعل حجّيتها و إن كان مستلزما للجهة المقبّحة و هى تفويت المصلحة على المكلّف و الإلقاء فى المفسدة فى بعض الموارد بالنسبة الى بعض الأشخاص احيانا إلّا انه اذا كانت فى نفس جعله تبارك و تعالى مصلحة غالبة و جهة مرجّحة على تلك الجهة المقبّحة كان الحكم تابعا لها حيث انك علمت ان ترك ما فيه مصلحة غالبة و جهة محسّنة مرجّحة على المفسدة القليلة المستهلكة كان شرّا كثيرا بل كان صدور هذا الفعل واجبا عقليّا و لازما عليه تبارك و تعالى و من المعلوم انّ فى التّعبّد بالأمارة مصلحة تسهيل الأمر على نوع المكلّفين و لا يبعد ان يكون فى التسهيل للنوع جهة محسّنة و مصلحة مرجّحة و ملزمة للتعبّد بالأمارة فيصير التعبد و جعلها حجّة واجب الصّدور عقلا من دون حاجة الى ان يكون فى مؤدّى الأمارة مصلحة متداركة للمفسدة التى وقع المكلّف فيها كما قال العلامة الأنصارى رحمة اللّه عليه و رزقنا اللّه رشحة من رشحات سحاب علمه و تقواه‏

[جواب الاشكالات على طريقة المشهور]

نعم لو قيل باستتباع جعل الحجّية للأحكام التكليفيّة بان كان المجعول اولا هو الحكم الوضعى و وجوب الأتباع انما ينتزع عنه او بانه لا معنى لجعلها الا جعل تلك الأحكام الظاهريّة المولويّة فاجتماع حكمين متماثلين فى صورة المطابقة و حكمين متضادّين فى صورة المخالفة و إن كان يلزم لاجتماع الحكم الواقعى و الظاهرى متماثلا او متضادا الا انهما ليسا بمثلين في صورة المطابقة او ضدّين في صورة المخالفة لأنّ احدهما و هو الحكم الظاهرى طريقىّ عن مصلحة فى نفسه اى فى نفس الطريق موجبة لإنشائه الموجب للتنجّز الموجبة صفة للمصلحة كما ان الموجب صفة للطريقى او لصحّة الاعتذار فى صورة المخالفة بمجرّده من دون ارادة نفسانيّة او كراهة كذلك متعلقة بمتعلقه فيما يمكن هناك انقداحهما كالنفس النبويّة او المولويّة حيث انه مع المصلحة او المفسدة الملزمتين فى فعل و ان لم يحدث بسببها ارادة او كراهة فى المبدا الأعلى تعالى شانه لانه ليس فى تلك المبدا الّا العلم بالمفسدة و المصلحة و سيجي‏ء الإشارة الى شرح ذلك إلّا انه اذا اوحى بالحكم الثّانى من قبل تلك المصلحة الملزمة او المفسدة الملزمة الى النبىّ (ص) او الهم به الولى جهة استناد الوحى الى النبى (ص) و الإلهام الى الولى ظاهرة فلا محالة ينقدح فى نفسه الشريفة بسببها الإرادة و الكراهة الموجبة للانشاء بعثا او زجرا بخلاف ما ليس هناك مصلحة او مفسدة فى المتعلق بل انما كانت فى نفس انشاء الأمر به طريقيّا فالحكمان المجتمعان فى مورد الأمارة و لم يكونا بمثلين و لا بضدّين بل احدهما طريقىّ كما عرفت آنفا من قوله لأن احدهما طريقىّ و الآخر واقعىّ حقيقىّ‏

78

عن مصلحة او مفسدة فى متعلقه موجبة لارادته او كراهته الموجبة لإنشائه بعثا او زجرا فى بعض المبادى العالية كالنّبى و الولىّ و ان لم يكن فى المبدا الأعلى الّا العلم بالمصلحة او المفسدة كما اشرنا آنفا فلا يلزم ايضا اجتماع ارادة و كراهة لعدم وجودهما فى المبدا الأعلى و لا الحكمين المحقّقين المنشأين عن المصلحة و المفسدة الملزمتين فى الفعل و انما لزم انشاء حكم واقعى حقيقى بعثا او زجرا و انشاء حكم آخر طريقى و لا مضادّة بين الإنشاءين فيما اذا اختلفتا و لا يكون من اجتماع المثلين فيما اتّفقا و لا ارادة و لا كراهة اصلا الا بالنسبة الى متعلق الحكم الواقعى‏

[حاصل تحقيق المصنف فى المقام‏]

و حاصله انه بالنّسبة الى المبدا الأعلى ليس الّا العلم بالمصلحة و المفسدة و بالنسبة الى النبىّ و الولى و إن كان يجتمع الحكمان الّا انهما ليسا بمثلين و لا متضادّين لأن الحكم الطريقى ليس بمماثل بالنسبة الى الحكم الواقعى و لا بمضادّ له و توضيح جميع ذلك انه على مسلك استفادة حكم التكليفى المولوى فى مورد الأمارات من ادلّة اعتباره بعد تسليم استفادته منها ليس هو التّكليفى الحقيقى بل الوجوب مثلا المستفاد منها ليس الا الوجوب الطريقى فان الأوامر المولويّة و الأحكام التعبّديّة على اقسام ثلاثة الأوّلى الأحكام التّكليفيّة المولويّة التى هى الأحكام الواقعيّة المجعولة للموضوعات النفس الأمريّة من حيث هى هى و اثرها استحقاق القرب و البعد عن اللّه تعالى و ترتّب آثار ذلك القرب و البعد من الجنة و النار و الثّانى الأوامر الامتحانية و الأحكام الاختباريّة و هى فى الحقيقة احكام صوريّة لا يكون متعلقاتها بمحبوبة و لا بمبغوضة فى ذاتها و انما هى احكام انشائية في صورة الاحكام التكليفيّة للامتحان و الاختبار و ليست لها واقعيّات غير هذا المعنى و الثّالث الاحكام الطريقيّة و الإرشاديّة و هى احكام مجعولة للوصول الى الأحكام الواقعيّة التى هى مجعولة للموضوعات النّفس الأمريّة و هذا القسم ايضا ليس لها واقع غير هذا المعنى و اثرها تنجز الواقع في صورة المصادفة و تحقّق عنوان التجرّى و الانقياد في صورة المخالفة اذا ادّت الى حكم الزامىّ و صرف العذر عن الواقع اذا ادّت الى حكم غير الزامىّ فهى متاخرة عن الأحكام الواقعيّة ذاتا و رتبة بل من شئونها و اطوارها و ليست شيئا بحيالها في مرحلة المحبوبيّة و المبغوضيّة و البعث و الزّجر النفسى بل من آثار مطلوبيّة متعلقات الاحكام الواقعيّة و مبغوضيّتها و من شئون فعليّتها و تماميّتها و لا يعتبر فى تشريعها وجود مصلحة او مفسدة فى متعلقاتها و انما يعتبر وجود المصلحة فى نفس جعلها و فى اصل تشريعها فالأحكام الطريقيّة تغاير الأحكام التكليفيّة النفسيّة ذاتا و؟؟؟ فالوجوب الطريقى مثلا ليس مماثلا للوجوب التكليفى النّفسى و لا مضادّا للحرمة التكليفيّة بل هما سنخان و حقيقتان متغايرتان بحسب اصل‏

79

اصل الذّات و الحقيقة و بحسب العلّة المقتضية و بحسب الآثار الخارجيّة مثلا انّ الأمر؟؟؟؟؟؟ الاعتبارات كآية النّبأ و صدق العادل امر طريقىّ مولوىّ و ليس بامر تكليفى نفسى بالأحكام التى ادّت اليها الأمارة احكام طريقيّة غيريّة لا تماثل بينها و بين الأحكام التكليفيّة كما انه لا تضاد بينهما بل هما متغايران سنخا و حقيقة و مختلفان اثرا و حكما فانّ الأحكام التكليفيّة النّفسية متعلقاتها مطلوبة و مبغوضة ذاتا و نفسا و هذا بخلاف الأحكام الطريقيّة فانّ متعلقاتها ليست فى حدّ ذاتها محبوبة و لا مبغوضة بل لا اثر لها الا تنجّز الواقع فى صورة مصادفتها للأحكام التكليفيّة الواقعيّة و استحقاق عقاب التجرّى و الانقياد في صورة مخالفتها لها فلا يلزم من اجتماع الوجوب الطريقىّ و النفسى الواقعى اجتماع المثلين و لا من اجتماع الوجوب الطّريقى و الحرمة الواقعيّة التكليفيّة اجتماع الضّدين و توهّم اجتماع المثلين او الضدّين فيهما انما نشأ عن الغفلة و الاشتباه فى اصل حقيقتهما و ح لو كان المراد من قول ابن قبة تحليل الحرام و تحريم الحلال هو اجتماع المتضادّين فهو غير لازم لا بحسب المقتضى بالكسر و لا بحسب المقتضى بالفتح و لا بحسب الأثر امّا عدم لزومه بحسب المقتضى فلأن المقتضى للحكم الواقعى النّفسى هو المصلحة الموجودة فى المأمور به و المفسدة الموجودة فى المنهى عنه و المقتضى للحكم الطّريقى هو المصلحة الموجودة فى نفس الجعل و الأمر و بعبارة اخرى انّ المصلحة فى احدهما فى فعل المكلّف بالكسر و فى الآخر فى فعل المكلّف بالفتح و من الواضح انّ الموضوع متعدّد و مختلف و مع تعدد الموضوع كيف يتحقّق الاجتماع و أما بحسب المقتضى بالفتح اى بحسب اصل حقيقة الحكم فقد عرفت انّهما سنخان و حقيقتان و ان الحكم الطّريقىّ ليس في عرض الحكم الواقعى بل هو فى طوله و من آثاره و شئونه و اثر الشّي‏ء لا يعقل ان يكون مضادّا لذلك الشي‏ء و اما بحسب الأثر فلأنّ اثر الحكم التكليفى النفسى انما هو استحقاق القرب و البعد و ترتب الثواب و العقاب و اما الحكم الطريقى فاثره تنجّز الواقع في صورة الإصابة و تحقّق عنوان التجرّى و الانقياد في صورة الخطاء كما فى القطع من غير فرق اصلا و كما لو كان المستفاد من ادلة الأمارات نفس الحكم الوضعى اى المجعول نفس الحجّية من دون انشاء حكم مولوىّ فانه لا يلزم اجتماع المتضادّين او المتماثلين فان الأحكام الواقعيّة تغاير الحجّة اى الحكم الوضعى الصّرف بحسب الآثار و إن كان المراد انّ التعبّد بالأمارة قد يؤدّى الى خلاف الحكم الواقعى و لا يؤمن عن تفويت الواقع حيث انّ الأمارة قد يطابق الواقع و قد يخالفه فالجواب انّ التحليل و التحريم بهذا المعنى و إن كان لازما من التعبّد بالأمارة إلّا انّه ليس بفاسد و قبيح بعد وجود المصلحة الملزمة فى نفس الجعل كما عرفت حلّه فى اشكال تفويت المصلحة و الإلقاء

80

فى المفسدة فمع المسلك الثّانى ايضا لا يلزم شي‏ء مما ذكر من التعبّد بالأمارة على القول بالاحكام الظّاهريّة امّا بالنسبة الى اللّه تبارك و تعالى فلأنه ليس البعث و الزّجر بالنّسبة اليه الّا العلم بالمصلحة و المفسدة فليس فى هذه المرتبة الا العلم بهما و اما بالنسبة الى غيره فلأن البعث و الزّجر الناشئان عن المحبوبيّة و المبغوضيّة النفسانيّين كما فى النّبى و الأئمة (صلوات اللّه عليهم اجمعين) فغير لازم بالنسبة الى موضوع واحد لما عرفت من ان مؤدّى الأمارة ليست فيه المحبوبيّة و المبغوضيّة فى نفسه و ان الأحكام الطّريقيّة من آثار محبوبيّة متعلقات الأحكام الواقعيّة و مبغوضيّتها و من آثار فعليّة الأحكام الواقعيّة و تماميّتها فان جعل الطريق مع عدم فعليّة ذى الطريق لغو صرف و غلط محض و من هذا علم فساد القول بانشائية الاحكام الواقعيّة في مورد الأمارة و عدم بلوغها الى المرتبة الفعليّة كما انه قد ظهر انّ فى مؤدّى الأمارة ليس الا محبوب واحد او مبغوض كذلك و الأحكام الظاهريّة ليست الا طريقا للوصول اليها و ما هو طريق للوصول الى المحبوب ليس محبوبا فى نفسه من هذه الجهة و ما هو طريق للفرار عن المبغوض ليس مبغوضا فى نفسه من هذه الجهة و الا يلزم ما فرضته طريقا ان لا يكون طريقا و هذا خلف و بالجملة لا يعقل البعث و الزّجر بالنسبة الى الطريق بما هو طريق الا البعث و الزّجر الطّريقى و الإلزام الإرشادي الذى مرجعه الى الحقيقة الى البعث و الزّجر بالنسبة الى الحكم الواقعى و القول باستفادة الحكم النفسى من ادلة اعتبار الأمارات امر مرغوب عنه و كان فاسدا بل لا يستفاد منها امّا الحكم الوضعى الصّرف و امّا الحكم المولوى الإرشادي الطريقى و مما يؤيّد ما ذكرنا بل يدلّ عليه انه بناء على القول بالأحكام النّفسيّة فى مورد الأمارات لا بدّ من التوفيق بين الحكم الواقعى النفسى و الحكم الظّاهرى النّفسى للزوم اجتماع المتماثلين او المتضادّين مع عدم امكان التوفيق بينهما بحمل الأحكام الواقعيّة على الإنشائية لما عرفت آنفا من ان جعل الطريق مع عدم فعليّة ذى الطريق لغو صرف فلدفع لزوم اللغويّة عن الحكيم لا بدّ من حمل تلك الاحكام الواقعيّة ايضا على الفعليّة تصحيحا لجعل الطريق و ثبوت فعليّة الحكم بعد ما لم يكن يحتاج الى الدليل و ليس لنا على ذلك سبيل حيث ان لسان ادلّة الطّريق انما هو لبيان ثبوت مؤدّاه واقعا لا فعلية بعد ما لم يكن بفعلى فلا بد ح من احراز الفعليّة بطريق آخر حقيقة او تعبّدا و سيجي‏ء الإشارة الى الأشكال و الدفع فى خلال قوله لا يقال لا مجال لهذا الأشكال فانتظر هذا فافهم و تبصّر

[اشكال من المصنف بالنسبة الى بعض الاصول‏]

نعم يشكل الأمر فى بعض الأصول العملية التى لسانها لسان الحكم المولوىّ التكليفى النفسى كاصالة الإباحة الشرعيّة و كاصالة الطّهارة و الاستصحاب على وجه فانّ الظاهر من الأخبار الاستصحاب و كذا الظاهر من كل شي‏ء طاهر و كل شي‏ء فيه‏

81

فيه حلال و حرام هو الحكم النّفسى و لا بدّ ان يكون احكاما تكليفيّة نفسيّة و لا يجرى فيها ما احتملنا فى التعبّد بالأمارة حيث ان الأمارة بنفسها ناظرة الى الواقع و طريق اليها فيمكن ان يحمل على الحكم الوضعى او الحكم الطريقى و هذا بخلاف الأصول الشرعيّة فإنها ليست ناظرة الى الواقع و لا كانت طرقا الى الواقع بل كانت وظيفة للشّاكّ بما هو شاك فلا يترتّب على مؤدّيها آثار الواقع فلا بدّ ان يكون مؤدّيها احكاما تكليفيّة مولويّة و ح فلو كان الحكم الواقعى مطابقا لمؤدّاها فيلزم اجتماع الحكمين المتماثلين كما انه لو كان مخالفا له يلزم اجتماع المتضادّين فانّ الأذن فى الأقدام و الاقتحام ينافى المنع فعلا كما فيما صادف الحرام و إن كان الإذن فيه لأجل مصلحة فيه أي في الأذن لا لأجل عدم مصلحة او مفسدة ملزمة فى المأذون فيه كما في الإباحة المصطلحة التي تكون من الأحكام التكليفية من جهة كون المأذون فيها لا اقتضاء صرفا من جهة المصلحة و المفسدة و هذا بخلاف الماذون فيه هنا فانه ربما يكون منبعثا عن المصلحة فى الأذن و الأقدام و تأخّر مرتبة الحكم الظاهرى عن الحكم الواقعى و تقييد موضوعه بالمكلّف الجاهل لا يوجب تعدّد الموضوع و لا يرتفع الأشكال لأن الحكم الظاهرى و إن كان متأخّرا ذاتا و رتبة عن الحكم الواقعى و ليس موجودا في مرتبة الحكم الواقعى و لا سريان له فى الموضوعات الواقعيّة الا انّ الحكم الواقعى كان موجودا فى مرتبة الحكم الظاهرى حيث انّ موضوع الأحكام الواقعيّة هو الموضوع النّفس الأمريّة من حيث هى هى لا بشرط العلم و لا الجهل فالنسبة بين الموضوع الواقعى و الظاهرى نسبة المطلق الى المقيّد و ظاهر انّ المطلق متحقّق فى مرتبة المقيّد و ان لم يكن المقيّد متحققا في مرتبة المطلق و بعد سريان الحكم الواقعى الى مرتبة الحكم الظاهرى فلزوم الاجتماع بيّن و غنى عن البيان هذا و لكنّه يمكن ان يقال انّ لسان ادلة الأصول غير الاستصحاب و الاحتياط ليس هو الحكم التّكليفى النّفسى بل لسانها ليس الّا التوسعة و الترخيص بالنسبة الى الجاهلين و رفع الإلزام عنهم و اثبات العذر لهم فيخالفه الأحكام الإلزاميّة من دون ان يكون فى البين حكم تكليفى غير الحكم الواقعى ففى قوله الناس فى سعة مما لا يعلمون و كل شي‏ء لك حلال و كل شي‏ء ظاهر و غيرها من اخبار الرفع و الوضع كان مفادها ان الجاهل بما هو جاهل كان فى التوسعة عن الواقع و ليس عليه ضيق عما كان محجوبا عنه و مخفيّا عليه نظير لا حرج و لا ضرر فيرتفع اشكال لزوم التحليل و التحريم فى موارد الأصول غير الاستصحاب و الاحتياط و اما هما فلمّا كانا برزخين بين الأصول و الأمارات و كانا ناظرين الى الواقع فى الجملة و على وجه حيث انّ لسان الاستصحاب لأخذ باليقين السّابق و التمسّك به و الجرى على طبقه و هو قد يطابق الواقع كما انه قد يخالفه فيمكن حمل النهى فى قوله لا تنقض اليقين بالشّك على النهى الإرشادي بحيث يرجع الى الأمر الطريقى بالأخذ باليقين السّابق و التمسّك به فكان منجّزا للواقع و محققا لعنوان التجرّى و الانقياد و عذرا عن الواقع فيما ادّت الى الحكم الغير الإلزاميّ و

82

كذلك الاحتياط فان الأمر فى قوله قفوا عند الشّبهات هو الأمر الطريقى الإرشادي هذا إلا أن سيدنا الأستاذ قد اصرّ على انكار هذا المعنى بالنسبة الى موارد الأصول فى مجلس الدّرس و لهذا؟؟؟ حل الأشكال فيها فقال فلا محيص فى مثله الا عن الالتزام بعدم انقداح الإرادة و الكراهة فى بعض المبادى العالية ايضا كالنّبويّة و العلويّة كما فى المبدا الأعلى لكنه لا يوجب الالتزام بعدم كون التكليف الواقعى بفعلى بمعنى كونه على صفة و نحو لو علم المكلف لتنجّز عليه كسائر التكاليف الفعليّة التى يتنجّز بسبب القطع بها فتلتزم بعدم الإرادة و الكراهة فى جميع المبادى العالية كما انّه يلتزم بكون الحكم الواقعى بفعلىّ بمعنى كونه على صفة لو علم المكلّف بها لتنجّز عليه من دون بعث و زجر و كونه فعليّا انما يوجب البعث او الزّجر فى النفس النبويّة او الولويّة فيما اذا لم ينقدح فيها الاذن لأجل مصلحة فيه‏

[فى بيان المراد من الاباحة]

و مما ينبغى ان يعلم ان الحلّية و الإباحة فى المقام ليس كالحلّية و الإباحة الواقعيّة الناشئتين عن عدم اقتضاء الزام الفعل و التّرك بل الحلّية و الإباحة الظاهرية هنا ناشئتان عن المصلحة المقتضية لهما حيث انّ الحكم الواقعى مع المصلحة و المفسدة المقتضية للحكم الواقعى كان محفوظا فى مرتبة الحكم الظاهرى و جعل الترخيص و انشاء الحلّية و الإباحة في مورد المصلحة و المفسدة الواقعيّتين لمكان كونه موجبا لتفويت المصلحة و المفسدة المقتضية للحكم الواقعى فلا بدّ و ان يكون عن مصلحة اقوى و اعظم من المصلحة و المفسدة الواقعيّتين فلا بدّ ان يكون الحلّية و الإباحة ناشئة عن جهة المصلحة المهمّة فى نفس الترخيص و ليست ناشئة عن عدم للاقتضاء الصّرف كما فى الإباحة الواقعيّة و هذا هو مراده من كلامه لا لأصل عدم المصلحة الخ و لكن هذا لا يرفع اشكال الاجتماع كما لا يخفى نعم الاجتماع غير متحقّق فى مرتبة المقتضى لتعدّد الموضوع فان المقتضى للحكم الواقعى هو المصلحة و المفسدة الموجودة فى المأمور به و المنهىّ عنه الذى هو فعل المكلّف و المقتضى للحلّية و الطهارة هو التسهيل الموجود فى نفس الجعل و الإنشاء الذى هو فعل الحاكم و ليس فى الفعل المأمور به و المنهى عنه سوى المصلحة و المفسدة الواقعيّة شي‏ء آخر حتى يلزم اجتماع المصلحتين او المصلحة و المفسدة في موضوع واحد بل المصلحة للحكم الظاهرى كانت فى نفس الترخيص و الجعل و سيأتى فى باب الملازمة بين الشرع و العقل انّ الأحكام الشرعيّة لا يدور مدار المصالح و المفاسد فى نفس موضوعاتها بل قد يكون ناشئة عن المصلحة فى نفس تشريعها و جعلها و معه فلا يلزم اجتماع المثلين او الضدّين فى مرتبة المقتضى بالكسر و اما اجتماع الإرادة و الكراهة و المحبوبيّة و المبغوضيّة و البعث و الزّجر الفعليّين فى المقتضى بالفتح فغير متحقق بالنسبة الى المبدا الأعلى حيث انّ فى ذلك المقام الشامخ ليس الّا العلم بالمصلحة و المفسدة

83

و المفسدة متعدّدا فالعلم بهما ايضا كان موضوعها متعدّدا و اما بالنسبة الى المبادى؟؟؟ النبويّة و الولويّة حيث يتصوّر حقيقة الإرادة و الكراهة و المحبوبيّة و المبغوضيّة و البعث و الزّجر و لازمها اجتماع المتماثلين او المتضادّين فلا بدّ من التوفيق و التوفيق امّا بما حققه الأستاذ الذى عرفته آنفا فى المتن و اما بحسب المراتب الفعليّة من الحكم كما فى الأمارات نعم يمكن التوفيق بينهما بحمل الأحكام الواقعيّة فى موارد الأصول على الإنشائية الغير الفعليّة الناشئة عن المصلحة الموجودة فى فى الفعل بحيث كان للعلم بها مدخليّة فى تكميلها و فعليّتها و بعبارة اخرى كانت فعليّتها مشروطة بالعلم و إن كان اصل الحكم غير مشروط بالعلم و التوفيق بهذا البيان لعلّه يستفاد من اخبار الباب فان المستفاد من قوله كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم انه حرام و كل شي‏ء ظاهر حتى تعلم انه قدّر انّ الحكم الواقعى فعليّة مشروط بالعلم بالحكم و الجاهل لا يتوجه عليه الحكم بالفعل بل كان كل شي‏ء له حلال حتى علم بحرمته فالاجتماع بحسب الإنشائية و الفعليّة ليس محذور فيه اصلا لعدم التّضاد و التماثل بينهما فتامّل‏

[فى بيان عدم ورود الاشكالات‏]

فانقدح بما ذكرنا من التوفيق انه لا يلزم من هذا التوفيق الالتزام بعدم كون الحكم الواقعى فى مورد الأصول و الأمارات فعليّا كى يشكل تارة بعدم لزوم الإتيان ح بما قامت الأمارة على وجوبه ضرورة عدم لزوم امتثال الأحكام الإنشائية ما لم تصر فعليّة و لم يبلغ مرتبة البعث و الزجر و لزوم الاتيان به مما لا يحتاج الى مزيد بيان او اقامة برهان لما عرفته مرارا لا يقال لا مجال لهذا الأشكال من عدم لزوم امتثال الأحكام الإنشائية لو قيل بانها كانت قبل اداء الأمارة اليها انشائية و بعد اداء الأمارة لا تبقى على الإنشائية لأنها بذلك تصير فعليّة تبلغ تلك المرتبة فانه يقال لا يكاد يحرز بسبب قيام الأمارة المعتبرة على حكم انشائى لا حقيقة و لا تعبّدا الا حكم انشائى تعبّدا لا حكم انشائى ادّت اليه الأمارة امّا حقيقة فواضح لأنّ الأمارة طريق الى الحكم و لا يكون جاعلا و مشرّعا و امّا تعبّدا فلان قصارى ما هو قضيّة حجّية الأمارة كون مؤدّاه هو الواقع تعبدا لا الواقع الذى ادّت اليه الأمارة فلا بدّ ح من طريق آخر لاحراز فعليّة الحكم الواقعى حقيقة او تعبدا فتامّل لعلّه اشارة الى امكان ذلك بمعنى كون قيام الأمارة شرطا لفعليّته فلا محذورا و سيجي‏ء الإشارة الى قوله اللهم الا الخ و دفعه بقوله و لا يكاد الخ فتامل اللهمّ إلّا ان يقال انّ الدّليل على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع الذى صار مؤدّى لها هو دليل الحجّية بدلالة الاقتضاء بدعوى انّ المستفاد من ادلة الاعتبار اثبات الجهتين إحداهما اثبات مؤدّاها تعبدا كى يترتب عليه آثار الحجّية من تنجّز الواقع و ثانيتهما اثبات فعليّة الأحكام الواقعيّة التى ادّت‏

84

اليها الطرق كى يصحّ تنجّزها بقيام الطّرق عليها فباحدى الجهتين يبلغ الحكم الى المرتبة الثّالثة و بالأخرى الى المرتبة الرابعة لكنّه لا يكاد يتمّ لأنّه‏ (1) امّا ان يجعل مطلق قيام الأمارة و لو كان مخالفا شرطا لفعليّة الأحكام او بشرط الإصابة فعلى الأوّل يلزم اجتماع المتماثلين في صورة الإصابة و اجتماع المتضادّين في صورة المخالفة اذ المفروض ان الحكم الواقعى الإنشائي صار بسبب قيام الأمارة عليه حكما فعليّا متعلق الإجماع و مضافا الى هذا يستلزم القول بكون قيام الأمارة المخالفة للواقع شرطا لفعليّة الحكم الواقعى بان يوجب قيام الأمارة المؤدّية الى الحرمة مثلا فعليّة الوجوب الانشائى الواقعى او بالعكس و هذا اشبه بقول النائم و الساهى و على الثّانى و ان لم يلزم اجتماع المتماثلين و لا الضدّين في صورة الخطاء لعدم فعليّة الحكم الواقعى لكن يلزم اجتماع المتماثلين فى صورة الإصابة و هو كاف فى المحذور على انه لا بدّ من احراز الإصابة ايضا كى يترتّب على الواقع آثاره من الامتثال و غيره و يترتب على الطريق آثاره من التنجّز و عنوان التجرّى و الانقياد لأنّ المفروض عدم فعليّة الحكم الواقعى بدون الإصابة و بدون احراز الفعليّة لا يترتّب على الواقع آثاره و لا على الطريق آثار الطريقيّة و انّى لهم باثباته فظهر انّ التوفيق بين الأحكام الظاهريّة و الواقعيّة بحمل الواقعيّات على الإنشائيّات فرارا عن محذور اجتماع المتماثلين او المتضادّ هو عين القول بالاجتماع إلّا اذا لم يكن للأحكام بمرتبتها الإنشائية اثر اصلا (2) و الا لم يكن لتلك الدلالة مجال‏ (3) كما لا يخفى فانقدح بما ذكرنا من التوفيق انه لا يلزم الالتزام بعدم كون الحكم الواقعى فى مورد الأصول و الأمارات فعليّا كى يشكل تارة بعدم لزوم الإتيان ح بما قامت الأمارة على وجوبه و اخرى بانه كيف يكون التوفيق بذلك اى بحمل الحكم الواقعى على الإنشائي و الظاهرى على الفعلى مع احتمال احكام فعليّة بعثية او زجريّة فى موارد الطرق و الأصول العمليّة المتكفّلة لأحكام فعليّة ضرورة انه كما لا يمكن القطع بثبوت المتنافيين كذلك لا يمكن احتماله فلا يصحّ التوفيق بين الحكمين بالتزام كون الحكم الواقعى الذى يكون مورد الطرق انشائيا غير فعلى كما لا يصحّ التوفيق بينهما بانّ الحكمين ليسا في مرتبة واحدة بل فى مرتبتين ضرورة تاخّر الحكم الظاهرى عن الواقعى بمرتبتين‏ (4) كما عرفت فى اوّل الاشكال بالنسبة الى بعض الأصول العمليّة فراجع و ذلك التوفيق ايضا لا يكاد يجدى فانّ الحكم الظاهرى و ان لم يكن فى تمام مراتب الواقعى إلّا انه اى الواقعى من يكون فى مرتبته ايضا و على تقدير المنافاة لزم اجتماع المنافيين في هذه المرتبة (5) كما انه على تقدير عدم المنافاة لزم اجتماع المتماثلين في هذه المرتبة فتامل فيما ذكرنا من التحقيق فى التوفيق فانه دقيق و بالتّامل حقيق‏

تنبيهات‏

الأول انه لعلّك تقول انّ اجتماع الحكمين لازم لو كان دليل الاعتبار مقطوع الصّدور و امّا لو كان غير مقطوع الصّدور

____________

(1) لو كان اثر الحكم الانشائى فمجرد قيام الأمارة عليه يترتب عليه آثاره كما هو المفروض و هذا مضافا الى انه‏

(2) و ح يكون لتلك الدلالة مجال لان التنزيل لا بد ان يكون بلحاظ الأثر و اذا لم يكن للأحكام بمرتبتها الانشائية اثر اصلا فلا بدّ من تلك الدلالة الاقتضائية على الحجّية لتحقق الأثر فيكون التنزيل بلحاظه‏

(3) لأنه مع وجود الأثر كيف تنزيل المؤدّى انما يكون بلحاظ ذاك الأثر فلا يبقى مجال ح لتلك الدلالة

(4) لمرتبة تاخر الاحكام الطريقيّة و هى مرتبة التنجّز عن مرتبة الاقتضاء و الانشاء بل الفعليّة لأن الأحكام ما لم يبلغ الى المرتبة الفعليّة لا تكون حكما حقيقيّا حتى يحتاج الى جعل الطريق لحفظه و تنجّزه‏

(5) و قد عرفت بيان ذلك فى بيان الأشكال على بعض الأصول العملية فراجع‏

85

فلا قطع بالاجتماع حتى يحتاج الى التوفيق فانه يقال فكما انه لا يمكن القطع بصرفه عن المتنافيين عن الش فكذلك لا يمكن احتماله عنه فلا بدّ من التوفيق سواء كان دليل الاعتبار مقطوعا صدوره عن الش او غير مقطوع الصّدور عنه الثّانى انّ العلامة الأنصارى (ره) ذكر توجيها آخر لدفع اشكال الاجتماع فى باب التعبّد بالخبر و هو انّه (ره) قسم التعبّد بالخبر على وجهين الأوّل ان لا تحدث بسبب قيام الأمارة فى مورد قيامها مصلحة راجحة على المصلحة الواقعيّة التى تفوت عن المكلّف و الثّانى ان يحدث فى مؤدّى الأمارة مصلحة راجحة على المفسدة الّتى هى فى فعله و ذكر (ره) انّ وجوب العمل بالخبر على الوجه الثّانى لا قبح فيه اصلا نظرا الى انّ المصلحة الواقعيّة و مفسدتها متداركة بتلك المصلحة التى حدثت فى مؤدّى الأمارة بسبب سلوك الأمارة و هو الإتيان و تطبيق العمل على وفق ما ادّت اليه الأمارة و فيه اوّلا انّ اجتماع الحكمين النفسيّين غير جائز فى موضوع واحد على القول بعدم جواز اجتماع الأمر و النّهى حتى مع تعدّد الجهة و ثانيا انّ الاجتماع فى المقام غير جائز حتى على القول بجواز اجتماع الأمر و النّهى لأن المقام ليس من باب تعدّد العنوانين بل من باب النهى فى العبادات فيلزم اجتماع الحكمين النفسيّين فى موضوع واحد من جهة واحدة و هو غير جائز فالوجه الذى ذكره لا يسمن و لا يغنى عن جوع الثّالث ان الأستاد قد عدل عمّا اصرّ عليه اولا الى ما اشرنا اليه سابقا من عدم استفادة الحكم النفسى عن ادلة اعتبار بعض الأصول و احتمل ان يكون لسان ادلة الاعتبار فى مقام رفع الإلزام و الضّيق عن لم يقم الحجّة عليه و لم يتمّ البيان بالنسبة اليه كالجاهل بالحكم او الموضوع او احدهما خاصّة فانّ الجاهل بقول مطلق لمكان كونه محجوبا عن الواقع كان معذورا و لا بأس عليه لو رفع فى خلاف الواقع فكان لسان تلك الأخبار الأذن فى الأقدام و تجويز الاقتحام فى حق من لم يقم الحجّة عنده و كان محجوبا عن الواقع فانّ عقاب هذا الشخص كان عقابا بلا بيان و مؤاخذة بلا برهان و هو قبيح بحكم العقل فالأخبار المذكورة كانت مؤكّدة لحكم العقل و مبيّنة له و لا يكون فى مقام تأسيس الحكم المولوى النفسى و انشاء الحكم التكليفى المولوى و اما الاستصحاب فهو انه كما يحتمل ان يكون النهى عن نقض اليقين بالشّك من جهة وجود مفسدة فى نفس نقض اليقين بالشّك غير المفسدة الواقعيّة او المصلحة الموجودة فيها فكان النهى فيه نهيا نفسيّا تكليفيّا كما يظهر من بعض الأخبار حيث انّه دلّ على إنشاء فعلى هذا يلزم الاجتماع فلا بدّ من التوفيق كذلك يحتمل ان يكون النّهى فيه نهيا تنزيهيا

86

و مرجعه الى الأمر الطريقى بالتشبّث باليقين السّابق لاحراز الواقع و الوصول اليه من دون ان يكون فى البين مصلحة وراء مصلحة الواقع و مفسدة وراء مفسدية نعم لا بدّ فى اصل الجعل من وجود مصلحة اقوى من مصلحة الواقع لئلا يلزم تفويت المصلحة و الإلقاء فى المفسدة و على هذا لا اجزاء و لا اجتماع و اما اصل الاحتياط فالمتعيّن هو الطّريقيّة بداهة انّ الأوامر الاحتياطيّة انما هى لاحراز الواقع و حفظه و لا نظر لها الى غير احراز الواقع فلا يكون الأمر فى اخبار الاحتياط امرا نفسيّا تكليفيّا كى يلزم الاجتماع حتى يحتاج الى التوفيق الرّابع انّ ما ذكر من التوفيق بناء على استفادة حكم الوضعىّ الصّرف او التكليفى الطريقى من ادلة اعتبار الأمارات و بعبارة اخرى هذا كله بناء على الوضعيّة و الطريقيّة و اما بناء على الموضوعيّة فنقول اما فى صورة المصادفة فيمكن ان يقال انه ليس هنا الا حكم واحد مؤكّد مثلا لو قامت الأمارة على وجوب شي‏ء او حرمته او استحباب شي‏ء او كراهته و كان واقعا واجبا او محرّما او مستحبّا او مكروها فلا يكون فى البين الا حرام مؤكّد او وجوب مؤكّد او استحباب مؤكد او كراهة مؤكّدة و امّا لو كان مباحا و كان معنى الإباحة اللااقتضاء و قامت الأمارة عليه بنحو الاقتضاء فلا اجتماع لعدم التزاحم بين الاقتضاء و الاقتضاء و لو كان معنى الإباحة اقتضاء عدم الأحكام الأخر و قامت الأمارة كذلك فلا اشكال ايضا كالأقسام الأخر اذا طابقت الأمارة ففى هذه الصور ليس اجتماع المتماثلين و لا شي‏ء من الإشكالات الأخر و اما في صورة المخالفة فيمكن ان يجاب بان الحكم الواقعى الذى يستوى فيه العالم و الجاهل يكون حكما انشائيّا موجودا في مرتبة الحكم الظاهرى حتى لا يستلزم التصويب إلّا انه يمكن ان يكون صيرورة لحكم الإنشائي فعليّا مشروطة بعدم قيام الأمارة على خلافه و من الظاهر امكان اجتماع الأحكام الإنشائية مع الأحكام الفعليّة بمعنى عدم كونهما من اجتماع المتماثلين و اما الإلقاء فى المفسدة فللمصلحة العامّة فى جعل الأمارة او يقال انه لما يقع الكسر و الانكسار بين الجهات الواقعيّة الفعليّة و بين الجهات الظاهريّة الفعليّة فيتبع الحكم بما هو الأقوى جهة و لا شك فى اقوائيّة الجهة الظاهريّة على الجهات الواقعيّة و يستكشف ذلك من جعل الأمارة للواقع من الحكيم و ظهر بما اندفعناه اخيرا عدم الأمر بالضدّين و لا عدم اجتماع الإرادة و الكراهة و غير ذلك الخامس قد يدفع الأشكال بنحو الترتّب و لكن فيه انه و ان لم يكن الحكم الظاهرى فى مرتبة الحكم الواقعى الا ان الحكم الواقعى كان فى مرتبة الحكم الظاهرى لكون موضوع الحكم الظاهرى هو الموضوع للحكم الواقعى لأنّ الخمر الذى قد قامت الأمارة عليه هى الخمر من حيث هى هى و كان الخمر المظنون احد افراده فيجتمع في مرحلة الحكم الظاهرى حكمان متماثلان او متضادّان‏

87

متضادان و هذا كرّ على ما فرّ منه فلا بدّ ح من الدّفع بما دفعناه و مع الاحتياج الى ما دفعناه فلا احتياج بعد الى الترتّب فتامّل‏

[فى تاسيس الاصل‏]

ثالثها ان الأصل فيما لا يعلم اعتباره بالخصوص شرعا و لا يحرز التّعبدية واقعا عدم حجّيته جزما بمعنى عدم ترتّب الآثار المرغوبة من الحجّية عليه قطعا هذا هو المقام الثّانى اى مقام وقوع التعبّد بالظّن بعد التكلّم فى المقام الأوّل و هو مقام امكان التعبّد بالأمارة بالامكان الوقوعى و عدم لزوم المجال منه فح لا بدّ اوّلا من التعرّض لما اسّسوه فى المقام و قرّروه فى المجال فيقول انك قد سمعت منّا مرارا انّ آثار الحجّية و التعبّدية بالطريق و الأمارة هى تنجّز الواقع في صورة الإصابة و تحقّق عنوان التجرّى او الانقياد في صورة الخطاء اذا ادّت الأمارة الى حكم الزامى و العذر عن الواقع اذا ادّت الى حكم غير الزامىّ مع كون الحكم فى الواقع الزاميّا و هكذا و هذه هى الآثار المرغوبة من الأمارة و الحجّية و من المعلوم ان تلك الآثار لا يترتّب على نفس التعبّد بالأمارة و الجعل فى الواقع بل هى مترتّبة على الحجة المحرزة وجدانا او شرعا بحيث كان الأحراز جزء للموضوع لو لم نقل بكونه تمام الموضوع بالنسبة إلى تلك الآثار بداهة ان تنجّز الواقع و قطع العذر و عنوان التجرّى و الانقياد لا يترتّب على مجرّد جعل الأمارة حجّة و على نفس التعبّد بها فى الواقع ما لم يحرز التعبّد بها وجدانا او شرعا و لهذا قال شيخنا الأستاذ انّ الأصل فيما لا يعلم اعتباره بالخصوص شرعا الخ فانّها اى الآثار لا يكاد يترتب الا على ما اتّصف بالحجّية فعلا و لا يكاد يكون الاتّصاف بها إلّا اذا احرز التعبّدية و جعله طريقا متّبعا اذ لا شبهة فى انّ الآثار المطلوبة اذا كان موضوعها مركّبة تنتفى تلك الآثار بانتفاء الموضوع و من المعلوم انّ المركّب ينحلّ بانحلال احد اجزائه فالقطع بانتفاء الموضوع و لو بانتفاء احد اجزائه يوجب القطع بانتفاء تلك الآثار فاذا كانت الآثار مترتبة على الحجّة القائمة و الأمارة المحرزة فعند الشّك فى التعبّد كان الموضوع مقطوع الانتفاء و معه يقطع بعدم ترتب تلك الآثار عليها من دون حاجة الى احراز عدم التعبّد و عدم الجعل من الشارع نظير استحقاق العقاب فانه مترتّب على التكليف المحرز لدى المخالفة لا التكليف الواقعى و مع عدم الأحراز كان موضوع الاستحقاق مقطوع الانتفاء و كالموارد التى كان العلم جزء موضوعها كما اذا كان موضوع الحرمة الخمر المقطوع فبدون الأحراز كان موضوع الحرمة مقطوع الانتفاء و كذلك فيما نحن فيه فانه ما دام لم يحرز التعبديّة لا تترتّب عليها تلك الآثار إذ ضرورة انه بدونه اى بدون الأحراز لا تصح المؤاخذة على مخالفة التكليف بمجرّد اصابته و لا يكون عذر الذى مخالفته مع عدمها اى عدم الإصابة و لا يكون مخالفته تجرّيا و لا يكون موافقته بما هى موافقته‏

88

انقيادا و إن كانت بما هى محتملة لموافقة الواقع كذلك اذا وقعت برجاء اصابته لما عرفت من ان تلك الآثار مترتبة على الأمارة القائمة و الحجّة المحرزة فمع الشّك فى التعبّديّة يقطع بعدم حجّيته و عدم ترتيب شي‏ء من الآثار عليه للقطع بانتفاء الموضوع معه و ح فلا يحتاج لاحراز عدم الحجّية الى التمسّك بالأصل و لا حاجة ح الى تأسيس الأصل بل لا معنى له عند القطع بانتفاء الموضوع لوضوح انّ مورد الأصل هو الشّك و الشّاك فمع القطع بالانتفاء فلا معنى للاصل و مما قرّرنا لك ظهر انه لا وقع للتمسّك بالاستصحاب فى المقام ايضا اى استصحاب عدم الحجّية لا من جهة ما ذكره العلّامة الأنصارى (ره) من عدم الأثر لهذا الأصل كما استشكل به و قد اجبنا عن ذلك فى محله من انه يكفى فى ترتّب الاثر ابقاء العدم الأزلى لأن العدم الأزلى و ان لم يكن قابلا للجعل لعدم القدرة عليه الا انّ العدم اللايزالي يكون قابلا للجعل للقدرة عليه بابقائه على عدمه و الشي‏ء اذا كان وضعه و رفعه بيد الشارع يكفى فيه الاستصحاب و الحكم بالبقاء و تنزيل مشكوكه منزلة المتيقّن بل من جهة انّ بقاء الموضوع و لو تسامحا شرط فى الاستصحاب و فيما نحن فيه بقطع بانتفائه فلا يبقى مجال لاستصحاب عدم الحجّية و ان شئت قلت انّ عدم الأحراز يكفى فى عدم ترتب تلك الآثار و لا يحتاج الى احراز العدم و مع الشّك فى الأحراز يدخل تحت موضوع عدم الأحراز فاذا دخل تحته فيقطع بانتفاء الموضوع و لعمرى هذا واضح لا يحتاج الى مزيد بيان و اقامة برهان فان قيل كما ان الاستصحاب العدمى فيما نحن فيه لا معنى له فكك الاستصحاب الوجودى كما اذا فرض شي‏ء كان سابقا حجّة ثم شكّ فى بقائها كالشّك فى نسخها مثلا قلنا ليس لأمر كذلك لأن المراد بالطريق المحرز ليس الطريق المحرز بالعلم الحقيقى الوجدانى بل يكون اعمّ منه و من المحرز بالعلم التّنزيلى فح يصحّ الوجودى دون العدمى لما عرفت من انّ فى طرف العدم يكون الموضوع مقطوع الانتفاء و هذا بخلاف طرف الوجود فان الاستصحاب فيه امر معقول لما علمت انّ الاحراز اعمّ من العلم الحقيقى و التنزيلى اى و لو ثبت شرعا الأحراز و ان شئت قلت انّ طرف الوجود اعمّ من ان يكون احرازه بالطريق المستجعل او المجعول فح لو شكّ فى بقاء الحجّية بعد العلم بثبوتها يصحّ الاستصحاب اى الحكم ببقاء الحجّية فافهم و اغتنم و اما صحّة الالتزام بما ادّى اليه من الأحكام كالحرمة و الوجوب و غيرهما و صحّة نسبته إليه تعالى فليسا من آثارها اى من آثار الحجّية ضرورة ان حجّية الظنّ عقلا على تقرير الحكومة فى حال الانسداد لا يوجب صحّتهما لما عرفت مرارا من انّ نتيجة الانسداد على الحكومة هى وجوب متابعة الظنّ لا الاستناد الى الشارع فلا يصحّ ان يقال كلما ادّى اليه ظنى فهو حكم اللّه بل كلما ادّى اليه ظنّى يجب اتباعه فلو فرض صحّتهما شرعا مع الشّك فى التعبّد به بفرض المحال‏

89

المحال لما كان يجدى فى الحجّية شيئا ما لم يترتّب عليه ما ذكر من آثارها و معه لما كان يضرّ عدم صحّتهما اصلا كما اشرنا اليه آنفا ففى الحقيقة انّ حرمة العمل بما وراء العلم و عدم جواز الاستناد اليه تبارك و تعالى من دون علم بذلك من آثار الافتراء و التشريع و هو كلام آخر و ليس جواز الاستناد و جواز العمل من آثار الحجّية و من لوازم التعبّد بالأمارة كى يترتّب على عدم التعبّد و عدم الحجّية حرمة العمل و الاستناد بل مقتضى النظر الدقيق عدم الملازمة بين الحجّية و جواز استناد الحلّية و الحرمة الى الله وجودا و عدما بل لا يترتّب على الحجّية بعد ثبوتها جواز الاستناد على ما قرّرناه و حققناه و اخترناه من عدم ثبوت الأحكام النفسيّة بالأمارة مورد قيامها و انما المجعول هو نفس الحجّية خاصّة او الحكم الطريقى و الأمر و النّهى الإرشادي الغيرى كما انه لا تترتّب تلك الآثار على جواز استناد الحلّية و الحرمة الى الش مع الشك فى الحجّية اى لو ثبت جواز الافتراء بفرض المحال على الحق عند الشّك فى شي‏ء مثلا لما يجدى فى الحجّية شيئا ما لم يترتب عليها تلك الآثار و بعبارة اخرى لا ملازمة بين الافتراء و التشريع لو فرض جوازهما بفرض المحال و بين الحجّية و التعبّد بالأمارة و الحاصل انّ جواز العمل و الالتزام و الاستناد مع الشّك ليس من الآثار المترتبة على الحجّية و التعبّد بالأمارة كى يترتّب على عدم الحجّية حرمة العمل و حرمة الاستناد بل تلك الآثار اجنبيّة عن الحجّية و التعبّد به راسا و لا ملازمة بينهما وجودا و عدما فانّ حرمة العمل و جواز الاستناد بدون العلم موضوعهما الافتراء و التشريع لا الحجّية و التعبّد و المقصود هنا بالأصالة انما هو التكلم فى وقوع التعبّد بالأمارة لا بيان موضوع الافتراء و التشريع فالأصل الذى قرّروه فى المقام انما يفيد اثبات حرمة الافتراء و التشريع و اما بالنسبة الى الآثار المهمّة و المرغوبة من الحجّية و التعبّد بالأمارة فقد عرفت عدم الحاجة الى الأصل فبيان عدم صحّة الالتزام مع الشّك فى التعبّد و عدم جواز الاستناد اليه تعالى غير مرتبط بالمقام فلا يكون الاستدلال عليه بمهمّ كما اتعب به شيخنا العلّامة الأنصارى اعلى اللّه مقامه نفسه الزكيّة بما اطنب من النقض و الإبرام فراجعه بما علّقنا عليه و تامّل‏

[حاصل ما علقه المصنف فى المقام على الفرائد]

و حاصل ما حققه دام ظلّه فى التعليقة و في مجلس الدّرس انه لو قلنا بانّ معنى التعبّد بالأمارة ليس الّا جعل الحكم الوضعى الصّرف او الأمر الطّريقى الإرشادي فعدم كون جواز الاستناد من آثاره واضح كما عرفت و اما لو تنزّلنا عن ذلك و قلنا ان معنى التعبد بالظنّ هو جعل الأحكام النفسيّة فنقول انّ هذا الأثر الّذى قد ترتّبه (ره) على عدم ثبوت الحجّية و هو عدم جواز الاستناد و غيره ايضا لا يترتّب على عدم ثبوت الحجّية بل هذه الآثار مترتبة على الكذب و ان شئت قلت انّ هذا الأصل‏

90

يحقق عنوان الكذب و الافتراء و الكذب قبيح عقلا و شرعا و كذلك من طرف الحجّية و ثبوتها فانه يحقق عنوان الصّدق و الصّدق حسن شرعا و عقلا بيان ذلك انه لو كان معنى التعبّد بالظنّ بعد التنزّل و معنى صدّق العادل هو جعل انشاء احكام نفسيّة فيما يخبر به العدل فمرجع الكلام الى انّ الش كانه قال لو اخبر زرارة او غيره بوجوب صلاة الجمعة مثلا فوجوبها مجعول عن قبلى اى انّى انشات الوجوب لصلاة الجمعة و لو لم يكن واجبة فى الواقع و فى نفس الأمر و كذلك الأحكام الأخر لو اخبر العادل بها و ح فلو علم بوقوع تلك النسبة او علم بعدم وقوعها او كانت مشكوكة فجواز الاستناد و عدمه يكون من آثار العلم بصدق النسبة و مطابقتها لقول الصّادق (ع) و عدمه و لا يكون جواز الاستناد و عدمه من آثار ثبوت الحجّية و عدمها مثلا فلو قيل زيد قائم فجواز الاستناد و عدمه من آثار العلم بصدق القضيّة و مطابقتها و عدم العلم بالصّدق و عدم مطابقتها لا آثار ثبوت الحجّية و عدمها فظهر مما ذكرنا انّ هذا التأسيس لا يسمن و لا يغنى عن جوع لأنّ هذه الآثار فكما انها ليست من الآثار المهمّة للحجّية فكك لا يترتب على ثبوت الحجّية فهذا الأصل كما لا يرفع تلك الآثار المهمّة فكك لا يرفع هذه الآثار ايضا فعلم انّ معنى التعبد بالظنّ هو ما اخترناه فكك تاسيس الأصل و بعبارة موجزة انّ معنى التعبد بالظنّ هو جعل ما ليس بحجّة حجة و آثارها التنجّز و اثبات العذر و تحقّق عنوان التجرّى و الانقياد و امثال ذلك و بمجرّد الشّك فى الحجّية لا يترتب تلك الآثار بالنسبة الى المشكوك لأن هذه الحجة لم يكن الّا الحجة الفعليّة حتى يصدّق عليها الحجّة لا الحجة الواقعية

[تحقيق فى المقام‏]

فاذا عرفت ذلك فنقول ان الأخذ بالظنّ و بما ادّت اليه الأمارة مع الشّك فى حجّيتها و مع الشّك بانه حكم اللّه قد يكون على نحو الجرى على طبقه بمعنى العمل على طبقه من دون الاستناد و من دون الالتزام و قد يكون على نحو الالتزام بدون العمل على طبقه و بدون استناد حكمه الى اللّه تعالى و قد يكون بدون العمل و بدون الالتزام بانه حكم اللّه و قد يجتمع فيه الأمور الثلاثة من الاستناد و الالتزام و العمل امّا الاستناد و الاخبار القولى من دون الالتزام و العمل على طبقه فلا شكّ فى عدم حرمته لو لم يدخل تحت موضوع الافتراء او الكذب و الا فمن حيث هو هو لا دليل على حرمته لأنه يكون من الشبهات الموضوعيّة التى لا يعلم حرمتها و لا عدم حرمتها من جهة انه لا يعلم انه داخل فى الصّدق او الكذب و ح يحتاج الى دليل مستقلّ اما دخولها فى موضوع الافتراء فلا يخلو عن قصور لو كان معنى الافتراء هو الكذب عن عمد الا ان يعمّم؟ موضوع الافتراء بان يقال انه القول من غير علم فح يدخل تحت الافتراء فيكون حراما او يقال إنه افتراء مجازا و يكون من قبيل الطواف بالبيت صلاة فيكون اظهر خواصّه الحرمة لو كان معنى تنزيل شي‏ء منزلة شي‏ء آخر هو تنزيل آثاره‏

91

آثاره الظاهرة و الا فجميع احكام الافتراء و أما مع عدم التعميم او التشبيه فالحكم بالحرمة من جهة دخوله تحت موضوع الافتراء فمشكل جدّا و التمسّك له بآية قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ‏ يكون فى غير محلّه و اما دخوله تحت عنوان الكذب فمشكل ايضا كما هو الظّاهر نعم بالنسبة الى لازمه يدخل تحت موضوع الكذب من جهة انه مع الشّك فيه لما يخبر بطريق العلم و الجزم فبالنسبة الى لازمه كذب و ان لم يكن نفسه كذبا و ح فلو قلنا بعموم ادلة الكذب لهذه الصّورة اى الكذب حرام حتى فى الخبر الذى يكون لازمه كذبا فيحكم بالحرمة و الا فقد قلنا انه داخل فى الشبهات الموضوعيّة و الحكم بالحرمة يحتاج الى دليل دالّ عليها و اذ ليس فليس و اما التمسّك بالخبر فهو ايضا مشكل من جهة احتمال ان يكون المراد بقوله و هو لا يعلم هو الكناية عن عدّ نفسه من اهل هذا المنصب الجليل و هو القضاوة مع انه ليس من اهلها و يكفى فيه قوله (ع) لشريح يا شريح لا يجلس فى هذا المجلس الا نبىّ او وصىّ نبىّ او شقىّ فتامّل و امّا الإجماع فعدم دلالته على المدّعى واضح من جهة ان دعوى الإجماع فى المسألة العقليّة واضحة البطلان لا سيّما على تقرير الفريد البهبهانى (ره) إلّا ان يكون مراده من الإجماع هو بناء العقلاء و هو لا يثبت الحرمة الشرعيّة كما هو الظاهر و اما العقل فهو كبناء العقلاء لا يثبت به الحرمة الشرعيّة لأن العقل ليس مستقلّا فى ادراك حسنه او قبحه حتى يحكم بانّه حرام او حلال لما عرفت انه من الشبهات الموضوعيّة حيث لا يعلم بكونه صدقا او كذبا و امّا الالتزام بما ادّت اليه الأمارة الظنّية و العقد القلبى على وفقه و البناء عليه‏ (1) لكن بحيث يكون خاليا عن الاستناد القولى و خاليا عن العمل الخارجى الجوارحى على طبق ما التزم به فهو و ان لم يكن داخلا تحت الافتراء كما لا يخفى فكك لا يكون داخلا تحت قضاء الجود ايضا و كذلك عدم معنى دعوى الإجماع على حرمته كما عرفت و لكن يمكن ان يدعى انه حرام لانه يكون من المآثم القلبيّة التى يستقلّ العقل بحسنها و قبحها بل يستقلّ العقل باستحقاق العبد العقاب عليها لأنه فى الحقيقة يكون مشرعا لأن العلم بكون شي‏ء ليس من اللّه او عدم العلم بانه من اللّه مع الالتزام الجرمى بانه من اللّه ليس الا تصرّف فى سلطان اللّه و لا يكون هذا الا تشريعا فان قلت ما الفرق بينه و بين المخالفة الالتزاميّة مع انك قلت فى المخالفة الالتزاميّة بجواز عدم الالتزام بالحكم المعلوم بل يلتزم بخلافه مع انهما من واد واحد قلت فرق بينهما من جهة و التسوية من جهة اخرى اما الفرق فلأن الحكم فى المخالفة الالتزاميّة معلوم و ثابت إلّا انه لا يلتزم به بل يلتزم بخلافه إلّا انه يعمل على طبقه و قد قلنا ان فى تلك المسألة امر المولى لا يدل على الالتزام و ان قيل بالموافقة الالتزاميّة من دليل آخر و اما التسوية فلان العقل مستقلّ باستحقاق العقاب فى الالتزام بانّه‏

____________

(1) مع الشّك فى حجّيته بانه حكم اللّه‏

92

حكم اللّه مع العلم بانه ليس منه او الشّك فيه كما فى المقام فكك فى المخالفة الالتزاميّة فانقدح بما قلنا ان العقل مستقلّ باستحقاق العقاب فلا يحتاج الى توسيط النّهى المولوى لأنّ الغرض من الأمر و النّهى المولوى ليس الا من جهة صيرورته داعيا الى الطاعة حتى يحقق موضوع استحقاق الثواب و العقاب و من المعلوم أنّ هذا ليس الا فيما لا يستقل العقل بحسنه او قبحه و اما فيما كان العقل مستقلا بحسنه او قبحه فلا يحتاج الى توسيط النهى المولوى كما فيما نحن فيه و كيف كان فيما يستقلّ العقل بالاستحقاق لا يحتاج الى توسيط النهى الشرعى حتى يكون محرّكا و داعيا الى الترك كما فى المقام فالمقام كما انه حرام عقلا فكك حرام شرعا بالملازمة و لا يحتاج الى النهى اذ ليس المراد من الحرمة الا ما يستحق العبد بمخالفته العقاب و هذا بخلاف الاستناد القولى من دون الالتزام به و لا العمل على طبقه فانك قد عرفت كما ان العقل غير مستقلّ بالاستحقاق فكك غير مستقلّ بالقبح الا بالنسبة الى لازمه و لازمه هو الكذب و الكذب حرام فاذا دخل تحت موضوع الكذب فيخرج ح من تحت موضوع الافتراء على اللّه لأنه فى الحقيقة مفتر على نفسه لا انه مفتر على اللّه هذا بالنسبة الى الالتزام و امّا العمل على طبق الظنّ من دون الاستناد و الالتزام بانه حكم اللّه بل من جهة انّ الظنّ راجح كما فى العمل بالظنّ عند الانسداد بناء على الحكومة فنقول ان العمل على طبق الظنّ مع الشّكّ فى حجّيته من جهة ان المظنون امر راجح مع حكم العقل بالعمل على طبق الراجح فلا ضير بل هو امر حسن و لا اشكال فيه و التشكيك فيه غير محله و الاشكال فى العمل على طبق الظنّ مع الالتزام او الاستناد او كليهما من جهة انّ العمل على طبق الظنّ من حيث انه راجح و إن كان امرا راجحا حسنا الا انّ الكلام فى انّ هذا العمل من جهة انضمام الالتزام او الاستناد او كليهما به هل يصير موجها بجهة القبح بناء على كون الحسن و القبح بالوجوه و الاعتبارات ام لا بل العمل لا يتغيّر عمّا هو عليه من الرّجحان و الحق كما حقّقناه فى القطع لا يتغير العمل الرّاجح عما هو عليه بل هو باق بحاله كما كان و كذلك الالتزام باق بحاله كما كان عليه و بالجملة العمل بالظنّ مع الشّك فيه من حيث انه راجح ليس الا كحال القطع بالشّي‏ء و كحال التجرّى كما عرفت مفصلا نعم فيه آثم قلبى من جهة الالتزام الذى يستقل العقل باستحقاق الذمّ و العقاب عليه و لا يحتاج الى توسيط النّهى المولوى كما عرفت آنفا فى الالتزام بدون العمل و اما العمل على طبق الظنّ و الأمارة المشكوكة اعتبارها من حيث انه راجح لأقربيّة الراجح بالنسبة الى غيره فنقول ان هذا يتصوّر على اقسام لأنّ العمل على طبق مؤدّى الأمارة المشكوكة من حيث انه راجح سواء كان مصادفا للواقع ام لا فقد يكون بموافقة اصل معتبر أو امارة موافقة او يكون بخلافه اصل معتبرا و الأمارة المخالفة و هذا الأصل‏

93

الأصل الموافق او المخالف قد يكون استصحابا و قد يكون غيره امّا الأوّل فلا ضير فيه و لا وجه للحكم بالحرمة مع فرض مصادفته للواقع من دون الالتزام و لا الاستناد و من دون الأمارة المعتبرة على خلافه حتى يخالف مؤدّى الأمارة المعتبرة و في صورة المخالفة ايضا كذلك لأنه و ان لم يكن له عمل مطابق للواقع إلّا انه ليس عليه ايضا حكم منجّز حتى يلزم عن مخالفته استحقاق العقاب لو لم يأت به او من موافقته الثواب لو اتى به و اما القسم الأوّل من القسم الثّانى مع كونه مطابقا للواقع فلا اشكال فيه ايضا لأنه مضافا الى انه مطابق للواقع مع عدم الالتزام به او الاستناد وجود الأصل المعتبر او الأمارة المعتبرة على وفقه غاية الأمر انه لم يسند عمله الى الأمارة او الأصل الموافق و لكن هذا ليس فيه جهة مقبّحة حتى يحكم بالحرمة سواء قلنا بانّ لسان الأمارة هو الحكم النفسى ام لا و عليك باستخراج حكم ساير الأقسام لما يلزم من التعرض لها خروج الرّسالة عن وضعها فتامّل و تبصّر و قد انقدح بما ذكرنا انّ الصّواب فيما هو المهمّ فى الباب ما ذكرنا من تقرير الأصل فتدبّر جيّدا اذا عرفت ذلك من تقرير الأصل فما خرج موضوعا على التحقيق عن تحت هذا الأصل من غير خلاف فيه او قيل بخروجه عنه على خلاف التحقيق كما سنحقّقه نذكر فى ذيل فصول و هى خمسة عشر فصلا

فصل [فى بيان حقيقة الظهور]

من الأمور التى كان التعبد بها و حجّيتها مسلّمة فى الجملة ظواهر الألفاظ فلا بدّ اولا من شرح الظهور و بيان حقيقية ثم بيان مدرك حجّيته و اعلم انّ لكلّ حقيقة من الحقائق وجود لفظى و وجود ذهنى و وجود عينى و لا بدّ من المناسبة و الرّبط بين انحاء الوجود فكما انّ للوجود الذّهنى نحو خصوصيّته و اتحاد مع الوجود العينى فكذلك للوجود الذّهنى نحو ارتباط و اتحاد مع الوجود اللفظى فانّ المعنى بمنزلة الرّوح بالنسبة الى اللّفظ و اللّفظ قالب له و ان شئت قلت ان المعنى باطن اللفظ و اللفظ ظاهر المعنى و وجهه و من الواضح انّ السّنخيّة ثابتة بين كلّ باطن و ظاهر و كلّ روح و ظلّه و كل وجه مع ذى الوجه و كل عنوان مع معنونه و لو لا تلك المناسبة الجعليّة و السّنخيّة بين اللفظ و المعنى لما كان اللفظ دالّا على معناه و لما كان بينهما ذاك الحكاية و المحكى و استحال اظهار ما فى الضير من المعانى المقصودة بالألفاظ و انكشاف تلك المعانى بالفاظها الخاصّة و من المعلوم انّ الألفاظ بالنّسبة الى المعانى لو خليت يختلف حالها باختلافها حيث لا ارتباط بين كلّ لفظ و كل معنى و ان المناسبة و الخصوصيّة انما تكون بين بعض الألفاظ و بعض المعانى و ليست بين جميع المعانى و جميع الألفاظ تلك المناسبة حتى يكون كل لفظ ظاهرا فى كل معنى فالمراد من ظهور اللفظ فى المعنى كونه قالبا له و ظاهرا فيه و وجها له و فانيا فيه نوع فناء الوجه فى ذى الوجه بحيث يحكى‏

94

هذا اللفظ المعيّن عن ذاك المعنى المعيّن و يدلّ عليه دلالة تصوّريّة فى متفاهم العرف سواء كان الظهور ناشيا من الوضع كما فى المعانى الحقيقيّة ام لا كما فى المعانى المجازيّة فلا بدّ ان تكون تلك الدّلالة التّصوريّة من اللوازم الغير المفارقة بحيث ينتفى الظهور بانتفاء تلك الدلالة ضرورة انّ مع فرض كون اللفظ المعيّن قالبا للمعنى المعيّن و وجهه و ظاهره فلا بدّ من ان يتصوّر معنى ذلك اللفظ عند متفاهم عرف ذاك اللسان بمجرّد سماع ذاك اللفظ لا محاله و الا لزم الخلف فاذا عرفت شرح الظهور و حقيقته‏

[الفرق بين النص و الظهور]

فاعلم ان الكلام الملقى الى المخاطب و لو مع الاحتفاف بالقرائن الحالية او المقاليّة اما ان يكون قالبا لمعنى معيّن من المعانى الحقيقيّة او المجازيّة و له وجه و ظهور بالنسبة الى ذاك المعنى المعيّن او لا و على الأوّل فامّا يقطع بان مراد المتكلم هو هذا المعنى الذى كان اللفظ قالبا له و ظاهرا فيه او يشك و الاول يسمى نصّا فى الاصطلاح و النص خارج عن محل الكلام كما انه اذا لم يكن اللفظ قالبا لمعنى معيّن ايضا خارج عن محل الكلام راسا لأن الصغرى فى المقام انما هو اللفظ الذى كان قالبا للمعنى و ظاهرا فيه فلا بدّ ان يكون الصغرى محرزة بالقطع و بعد احراز الصّغرى فان حصل القطع بالمراد فهو النصّ و ان لم يحصل القطع بالمراد فهو من؟؟؟ الكلام سواء حصل الظنّ الشخصى بالمراد ام لا

[اقسام الشك فى المراد]

و الشكّ فى المراد اما ان يكون ناشيا من احتمال تعمد المتكلم على اخفاء مراده و ارادة المعنى التأويلى من دون اعتماد على القرينة الحاليّة او المقالية فى اظهار المراد و اما انه قد نصب القرينة و لكن خفيت علينا و خفائها علينا اما لكونها حالية او مقالية لكنّها سقطت فى الزمان الأوّل و اما لكونها قد سقطت فى البين و لم يصل الينا و الجامع الشكّ فى نصب اصل القرينة فبقى من الاحتمالات المتطرّقة فى محل الكلام الموجبة لقدم حصول القطع بالمراد الاحتمالان احدهما احتمال تعمّد المتكلم على اخفاء المراد من دون نصب قرينة لاظهار مراده و الثّانى احتمال اعتماد المتكلم على القرينة و خفائها علينا فان الاحتمالين المذكورين كليهما من محل النزاع و كانا من مجارى الأصول اللفظيّة المراديّة و الاحتمال الثّانى و ان امكن دفعه باصالة عدم نصب القرينة الا انّ الاحتمال الأوّل لا يمكن دفعه بها فانقدح بما ذكرنا امران الأوّل ان ما وقع من العلامة الأنصارى (ره) من ارجاع اصول اللفظيّة باجمعها الى اصالة عدم القرينة غير صحيح لما عرفت من عدم انحصار منشإ الشك باحتمال اعتماد المتكلم على القرينة كى يدفع جميع الاحتمالات المتطرّقة باصالة عدم القرينة الثّانى ان الصّغرى فى محل الكلام هى ما اذا كان اللّفظ قالبا لمعنى من المعانى و ظاهرا فيه و اما اذا لم يكن فى البين ظهور فهو خارج عن محل الكلام و لو كان من موارد دوران اللفظ بين المعنى الحقيقى و المجازى لعدم الدليل هنا الحمل على المعنى الحقيقى لعدم وجود الصغرى و هو الظهور فى البين و لا

95

و لا يبعد دعوى القطع بعدم الخلاف فى ذلك حتى من القائل بحجّية اصالة الحقيقة تعبّدا فان المراد من حجّية اصالة الحقيقة تعبّدا ليس حجّيتها فى جميع الموارد حتى فى المورد الذى لم يكن فى البين ظهور للفظ اصلا بل الظاهر حجّيته فى المورد الذى كان ظهور للفظ فى البين و لهذا سميت بالأصول المرادية و بعبارة اخرى ان حجّية اصالة الحقيقة ليست الا من جهة انطباقها على اصالة الظهور بحيث كان الاعتماد على اصالة الحقيقة حقيقتا على اصالة الظّهور و اما مع الإجمال و عدم الظهور فلا دليل على التعبد بمعنى من المعانى بل المقطوع عدم جواز الحمل ح على خصوص معنى من المعانى لا الحقيقى و لا المجازى و لا التأويلى كما فى قولك رايت اسدا فى السوق فان السوق كما يحتمل ان يكون قرينة على استعماله فى الرجل الشجاع كذلك يحتمل ان يكون مؤكدا للمعنى الحيوان المفترس و على هذا فلا يبقى ظهور فى البين حتى يحمل على ما هو الظاهر منه فقد ظهر لك من المثال ايضا انه من جملة الشكوك فى المراد الشّك من جهة قرينيّة القرينة و قرينيّة الموجود هذا

[ارجاع الاصول اللّفظيّة باجمعها الى اصالة الظهور]

فانقدح بما ذكرنا ان التحقيق ارجاع الاصول اللّفظيّة باجمعها الى اصالة الظهور لا الى اصالة عدم القرينة كما عن الشّيخ العلامة الأنصارى (ره) و لا الى اصالة الحقيقة كما قد يتوهّم من القائل بحجّية اصالة الحقيقة تعبّدا فاذا لم يكن الكلام الملقى الى المخاطب مع ما احتفّ به من القرائن الحالية او المقاليّة ظهور و وجه بالنسبة الى معنى من المعانى فلا يجوز الحمل على المعنى الحقيقى تمسّكا باصالة عدم القرينة فى صورة تعمّد المتكلم لاخفاء مراده و ارادة المعنى التأويلى من دون اعتماد على القرينة راسا و لا من باب التمسّك باصالة الحقيقة لعدم الظهور فى البين و معه لا وجه للتعبّد و البناء على حمل الكلام على احد المعانى بل وجب التوقّف و الحاصل ان محل الكلام بعد الغض عن ما احتف به من القرائن هو فيما كان له ظهور فى معنى من المعانى ظهورا ذاتيا او عرضيّا سواء كان الشك فى المراد ناشيا عن احتمال خفاء القرينة التى اعتمد عليها المتكلم حال المتكلم او احتمال تعمّده فى اخفاء المراد لحكمة دعت اليه فافهم و تبصّر هذا كله ما حققه شيخنا الأستاذ فى مجلس الدرس و كتبه فى حاشيته على الفرائد و لكن الكلام معه مجال واسع فافهم هذا كله فى الصّغرى و اما الكبرى فنقول انه لا شك فى اصالة الظهور و حجّيتها لتعيين مراد المتكلم من الكلام فان المتكلم العاقل و العالم بالقواعد و الاوضاع اللغويّة و المكالمات العرفيّة فيما كان بصدد الإفادة و الاستفادة و التفهيم و التفهيم و كان للكلام الملقى الى المخاطب ظهور و وجه الى خصوص معنى من المعانى اما ظهورا ذاتيا او عرضيّا بحيث يكشف عن المعنى الذى كان اللفظ ظاهرا فيه كشفا تصوريّا على حسب متفاهم العرف و كان الشك فى المراد ناشيا من الاحتمالين المذكورين او من احدهما خاصّة فح يحمل كلامه على المعنى الذى كان اللفظ ظاهرا فيه و مرآة له و لا يعتنى بالاحتمالين و عليه‏

96

جرى بناء العقلاء و ديدنهم و اهل العرف من تشخيص مراد المتكلم و هذا الاشكال فيه‏

[فى لزوم اتباع ظاهر كلام الشارع فى تعيين مراده‏]

كما انه لا شبهة فى لزوم اتباع ظاهر كلام الش فى تعيين مراده فى الجملة لاستقرار طريقة العقلاء على اتباع الظهورات فى تعيين المرادات فان قلت لعل للشّارع طريقا آخر لاستكشاف مراده من كلامه فمجرّد بناء العقلاء على اتباع الظهورات لا يدلّ على استكشاف مراد الشارع من الظهورات قلت انا نقطع بان الشارع فى باب الالفاظ من العرف و طريقية طريقة العرف من اهل لسانه و يكون طريقة جرى الش فى بيان مراده هو طريقة العرف فيكون ظهورات كلام الش احد مصاديق الظهورات فيكون حجة فان قلت ان مجرد ذلك غير كاف لامكان منع الش و ردعه عن هذه الطّريقة قلت يكفى و لامضاء عدم ثبوت الردع عنه و لا يحتاج الى قوله امضيت و انفذت مع القطع بعدم الرّدع عنها لوضوح عدم اختراع طريقة اخرى فى مقام الإفادة لمرامه من كلامه كما هو واضح و الظاهر ان سيرتهم على اتباعها اى و الظاهر ان سيرة العقلاء على اتباع الظهورات من غير تقييد بافادتها للظنّ فعلا و لا بعدم الظنّ كذلك اى فعلا على خلافها قطعا و حاصله ان التعبد باصالة الظهور و اعتبارها هل هو مقيّد بحصول القطع بالمراد او بحصول الظنّ الشخصى او بعدم وجود الظنّ الفعلى على الخلاف او بحصول الظنّ النّوعى أو لا يكون مقيدا بشي‏ء من ذلك اصلا حتى الكشف النّوعى و الظاهر ان حجّية الظهورات عند العقلاء غير مقيّد شي‏ء من تلك القيودات اما عدم تقييده بحصول القطع بالمراد فظاهر حيث ان مع حصول القطع بالمراد كان العمل على القطع و لا حاجة الى اعمال الأصول بل لا مجرى لها و اما بالنسبة الى القيود الأخر فعدم تقييده بها واضح ضرورة انه لا مجال عندهم للاعتذار عن مخالفتها بعدم افادتها للظن بالوفاق شخصيا او نوعيّا و لا بوجود الظنّ بالخلاف و كيف كان المرجع فى اتباع الظهورات هو العرف و بناء العقلاء و من المعلوم ان سيرتهم و طريقتهم البناء على الظهور المنعقد للكلام بقول مطلق فان الوجدان اقوى شاهد على ذلك لانه بعد ما بلغ كلام المتكلم الى المخاطب او سمع المخاطب منه كلامه و كان له وجه و ظهور الى معنى خاص حقيقيّا او مجازيّا يبنى على الظهور المنعقد للكلام من دون توقف فى ذلك و كانت الحجّية تامة عنده بحيث يصحّ للمتكلم ان يحتج بظهور الكلام على المخاطب و يقبح للمخاطب ان يحتج به على المتكلم و لا يسمع اعتذار المخاطب بانّى ما ظننت بمرادك او ظننت بخلاف ما كان لفظك ظاهرا فيه و كذلك بالنسبة الى المتكلم بان يقول لم عملت بظاهر كلامى مع عدم ظنّك به او مع الظنّ بالخلاف و الحاصل ان المعلوم من طريقة العقلاء هو الأخذ بالظهور من دون تقييده بشي‏ء آخر حتى اللحاظ الكشف النّوعى فان قلت انه يستحيل ان يتعبد العقلاء باحد طرفي الاحتمال من دون رجحان فى ذلك و لو نوعا فلا بدّ فى التعبد بالظهور من التقييد بحصول الظن بالوفاق ظنّا فعليّا او نوعيّا او عدم الظنّ بالخلاف قلت نعم فانّ‏

97

فانّ التعبد من العقلاء لما كان كاشفا عن حكم عقلهم اذ العقل هو الجامع بينهم و الملاك لاتفاقهم على امر واحد فلا بدّ ان يكون فى البين مرجّح لكى لا يلزم ترجيح المرجوح على الراجح او الترجيح بلا مرجّح الا انّ الالتزام بخصوص مرجّح دون آخر فلا دليل عليه و ليس علينا تعيين المرجّح فى جعلهم و بنائهم و انما المعلوم ان الجعل و البناء منهم لا بدّ ان يكون مع المرجّح و اما تعيين المرجّح انما يكون هو الظن الفعلى او النوعى او الاطميناني على الوفاق او عدمه على الخلاف فليس علينا التعيين و ان شئت قلت انه بعد الفراغ عن امكان جعل ما ليس بحجة حجّة و ان نسبة الإمكان الى طرفى الحجّية و الا حجّيته نسبة واحدة فلا بدّ حين جعل الحجّية من المرجّح لأحد طرفى الامكان لاستحالة الترجيح بلا مرجّح الا انّ ذاك المرجّح ما ذا فليس علينا تعيينه خصوصا فى زمان الانفتاح فانه لا فرق فى هذا الزّمان بين الظنّ الفعلى و النوعى و الاطميناني نعم فى صورة دوران الأمر بين العمل بالراجح او المرجوح فلا بدّ من العمل بالرّاجح فتحصل من جميع ما ذكرنا انه لا فرق بين الظهورات فى كونها حجّة خصوصا فى زمان الانفتاح بين كون الظنّ على الوفاق نوعا او شخصا و بين الظنّ على الخلاف و علم ايضا ان التعبّد من العقلاء لا بدّ من المرجّح و اما انّ المرجح هو خصوص الظنّ الفعلى او النوعى او الاطميناني فليس عليه دليل بل بناء العقلاء على خلافه فظهر من جميع ما ذكرنا عدم تقييد الظهورات بالظنّ الفعلى و لا بعدم الظنّ الغير المعتبر على الخلاف و لا بالكشف النوعى بل و مع الشّك الصّرف بل و مع الظنّ الغير المعتبر بعدم ارادة الظاهر و يكون الظاهر حجة و متبعا بقول مطلق و يترتب عليه آثار الحجّية و اعلم انه لو سلم تقييد بناء العقلاء و طريقتهم فى حجّية الظهور بعدم الظنّ على الخلاف فكان هذا من جهة اعتبار الظنّ الفعلى و حجّيته عندهم و لكن هذا التسليم لا يوجب اعتبار عدم الظن الخارجى على الخلاف فى الشرعيات لالغاء الظن الخارجى الغير المعتبر فى نظر الشارع و عدم اعتباره عنده فمع تسليم تقييد حجّية الظهور بعدم الظنّ على الخلاف لا يوجب تقييد اعتباره فى الأحكام الشرعيّة بعد ما كان هذا الظن غير معتبر عند الش نعم ان قلت ان العقلاء يتوقفون عند الظن على الخلاف حتى الظن الغير المعتبر عندهم كان اعتباره مقيّدا بعدم الظن على الخلاف فى الشرعيّات ايضا و لكن انى لهم باثباته و دون اثباته خرط القتاد ثم ان ما ذكرنا من اتباع الظهور عند الشّك فى المراد لا فرق فيه بين القرينة المتّصلة و المنفصلة فكما يجب اتباع الظهور عند احتمال القرينة المتصلة من دون حاجة الى اجراء اصالة عدم القرينة فكك يجب اتباع الظهور عند احتمال القرينة المنفصلة من دون حاجة الى اجراء اصالة عدم القرينة فالظهور حجّة الى ان تعارضه حجّة اخرى نعم فرق فى الجملة بين وجود القرينة المتصلة و المنفصلة من جهتين و لا دخل لهما فى جهة اتباع الظهور احدهما انّ وجود القرينة المتصلة يوجب صرف ظهور الكلام عن معناه الحقيقى الى غيره و يمنع عن الظهور الذى كان للكلام فى حد نفسه و اما

98

وجود القرينة المنفصلة فلا يوجب ذلك لاستقرار الظهور ففى الحقيقة ان التعارض بين الخاص المنفصل مع العام انما يكون فى الحجّية دون الظهور بخلاف الخاصّ المتصل بالعام فانه يوجب رفع الظهور البدوى الحقيقى و يستقر الظهور الثانوى و قد حققنا ذلك فى مبحث العام و الخاص فراجع و ثانيهما انّ وجود القرينة المجملة المتصلة يوجب الاجمال و يسرى اجمالها الى ذى القرينة بمقدار اجمالها دون المنفصلة لانعقاد الظهور فى ذى القرينة المنفصلة فاجمال القرينة المنفصلة لا يدفع الظهور المنعقد و لا يسرى اجمالها اليه و هذا بخلاف القرينة المتصلة فانه يسرى اجمالها اليه لعدم انعقاد الظهور فى ذيها فيسرى اجمالها اليه فظهر مما ذكرنا ان حجّية الظهور متبعة عند العقلاء سواء كان الظن الفعلى على الوفاق او على الخلاف‏

[عدم اختصاص الظهور بمن قصد افهامه‏]

كما ان الظاهر عدم اختصاص ذلك بمن قصد افهامه كما يظهر الاختصاص من المحقق القمّى (ره) فانه اختصّ ذلك بمن قصد افهامه من الكلام و لكن الظاهر من بناء العقلاء عدم الاختصاص و لذا لا يسمع اعتذار من لا يقصد افهامه اذا خالف ما تضمّنه ظاهر كلام المولى من تكليف يعمّه او يخصّه و هو يظهر بمراجعة طريقة العقلاء و سيرتهم حيث انهم يحتجون بظهور الكلام على من انعقد الظهور عنده سواء كان مقصودا بالأفهام و عدمه و لذا يصح به الاحتجاج لدى المخاصمة و اللجاج كما يشهد به صحة الشهادة بالإقرار من كل من سمعه و لو قصد عدم افهامه فضلا عما اذا لم يكن بصدد افهامه فمجرّد عدم كون من انعقد عنده الظهور مقصودا بالأفهام لا يوجب ذلك الفرق لاشتراكه مع من قصد افهامه فى جميع الجهات و الحيثيّات و الفرق بينهما بانه يحتمل ان يكون بين المتكلم و من قصد افهامه قرينة معهودة لعلها صارت مختفية عند من لم يقصد و هذا بخلاف من قصد فانه لا يحتمل ذلك فى حقه غير فارق لأنّ مرجع ذلك ايضا الى الشك فى المراد من جهة الشّك فى وجود القرينة غاية الأمر ان الشك فى المراد بالنسبة اليه كان مسببا عن احتمال معهوديّة القرينة بين المتكلم و المخاطب و ليس هذا الا ابداء شك بالنسبة الى من لم يقصد افهامه من الخطاب و لكن من المعلوم ان ابداء سبب للشّك لا يوجب سلب حجّية الظهور راسا فان قلت انّ الواجب على المتكلم القاء الكلام على وجه لا يقع من كان مقصودا بالأفهام فى خلاف المقصود و المرام و الا كان ناقضا لغرضه و هو قبيح على المتكلم الحكيم و اما بالنسبة الى من لا يقصد افهامه بالكلام فحيث انه كان اجنبيا عن الكلام فلا يجب على المتكلم القاء الكلام على وجه لا يقع فى خلاف المقصود لعدم نقض الغرض فى البين لأنّ الغرض الإفهامي لم يكن بينه و بينه و هذا الفرق كاف بينهما من جهة حجّيته الظهور بالنسبة الى من قصد افهامه دون من لم يقصد قلت الفرق المذكور و إن كان مسلّما لكن لزوم نقض الغرض‏

99

الغرض و القبح على المتكلم لم يكن ماخوذا فى مقدّمات الظهور كى يوجب سلب حجّية الظهور بالنسبة الى من لم يقصد و بعبارة اخرى انّ حجّية الظهور لم تكن من جهة نقض الغرض و لزوم القبح على المتكلم حتى تدور الحجّية مدارهما بل الدليل على الحجّية انما كان من جهة طريقة العقلاء و سيرتهم فى المحاورات و المكالمات على الظهورات و من الواضح انّ بنائهم لا يفرّق بين من قصد و بين من لم يقصد فتلخّص من جميع ما ذكرنا انه بعد انعقاد الظهور للكلام كان الظهور حجّة على من بلغ و وصل اليه الكلام سواء كان مقصودا بالأفهام ام لا فيصحّ احتجاج المتكلم على المخاطب بالكلام الذى انعقد له الظهور بقول مطلق فلو اقرّ المتكلم عند من قصد افهامه فان غيره ايضا يأخذ بهذا الإقرار سواء كان ممّن قصد افهامه او لا يقصد حتى انه يأخذ بهذا الاقرار من قصد عدم افهامه فضلا عن من لم يقصد افهامه‏

[فى بيان عدم الفرق بين الكتاب و غيره فى الظهور]

و لا فرق فى ذلك بين الكتاب المبين و احاديث سيّد المرسلين و الأئمة الطاهرين و ان ذهب بعض الأصحاب اى بعض اصحابنا من الاخباريّين الى عدم حجّية ظاهر الكتاب دون محكماته فانها مما لا بدّ من العمل بها كما انه ذهب بعضهم على ما نقل بعضهم منه الى عدم حجّية الكتاب بقول مطلق سواء كان من الظاهر او من المحكمات و إن كان الأظهر من مذهبهم هو القول الأول و غاية منعهم يرجع تارة الى منع الصغرى بمعنى انكار اصل الظهور راسا و اخرى الى منع الكبرى و هو انكار حجّية ظواهر الكتاب بالخصوص بعد تسليم الصغرى بالاعتراف بان الكتاب له ظواهر متعارفة كظواهر ساير الكلمات بحيث كانت قالبة لمعان خاصّة يستكشف عن المعانى بتلك الظواهر كشفا تصوريّا بحسب متفاهم العرف و متعارف اهل اللسان من دون ان يكون فى تلك الظواهر ما يمنع عن التمسّك اصلا لا بحسب المعنى و لا بحسب اللفظ و لا بغيرهما من العوارض الخارجيّة و الجهات الطارية الّا التعبّد من الش بحسب الاخبار الكثيرة بل المتواترة

[فى بيان دعاوى الاخباريين‏]

فلهم فى ذلك الدعوى وجوه اما بدعوى اختصاص فهم القرآن و معرفته باهله و من خوطب به كما يشهد به ما ورد فى ردع ابى حنيفة حيث ادّعى معرفة القرآن قال عليه السلم يا أبا حنيفة لقد ادّعيت علما ويلك ما جعل اللّه ذلك الا عند اهل الكتاب الذين انزل عليهم ويلك ما هو الا عند الخاصّ من ذرّية نبيّنا و ما ورثك اللّه من كتابه حرفا كما يشهد به ما ورد عن ردع قتادة عن الفتوى به بقوله (ع) فى ردّ قتادة ويحك انما يعرف القرآن من خوطب به او بدعوى قصور اللفظ عن الدلالة و الكشف بدعوى ان القرآن نزل على اصطلاح خاص و وضع جديد على خلاف العرف فلا يمكن فهم معناه و الوصول اليه لقصور اللفظ عن الدلالة من دون ان يكون فى معناه خصوصيّة زائدة و هذا الوجه هو المحكى عن السيّد الصدر (ره) او بدعوى انه لأجل احتوائه على مضامين شامخة و مطالب غامضة عالية

100

لا يكاد يصل اليها أيدي افكار اولى الأنظار الغير الراسخين العالمين بتأويله فهذه الدّعوى يرجع الى علوّ المعنى لا الى قصور اللفظ بتقريب انّ الكلام تابع للمتكلم من حيث العلوّ و الشرافة و الرّفعة و الجلالة فكلما كان المتكلم اعظم و اعلى كان كلامه من حيث المعنى اشرف و ارفع و ادقّ و الطف لأن الكلام فى الحقيقة مرتبة نازلة من مرتبة روحانية المتكلم كما ادّعى عليه اهل الكشف و اهل المعقول و لا يكون الكلام اجنبيّا عن مرتبة المتكلم اذ حقيقة الكلام ليس الا ما هو الكاشف عما فى ضمير المتكلم من المقاصد فهو فى الحقيقة صورة معلوماته و قالب مقاصده و مراداته و لهذا اشتهر فى الألسن انّ كلام الملوك ملوك الكلام و لعلّه من هذا الباب سرّ عدم جواز مسّ الكتاب بدون الطهارة لأنّ هذه النقوش فى الحقيقة مرتبة من اللفظ و كاشفة عن الالفاظ الكاشفة عن المعانى الصادرة عن مبدا حقيقة التنزيه و القدس و لا شكّ ان الكتابة لكشفها عن المعنى مرتبة نازلة من اللفظ و المعنى و ان المعنى الا نشآت النفس و تطوراتها فللكتابة مرتبة نازلة من مراتب النفس فتكون بحكمها فى الجملة فانهم و كيف كان و من المعلوم انّ فهم المعنى من اللفظ لا بدّ ان لا يكون السّامع فى اخسّ الدرجة و المتكلم فى اعلاها من حيث الشّرف و العلو و الجلالة و النبالة و الدّقة و التلاوة و الفصاحة و العجمة و الا مستحيل ان يفهم السّامع و يعلم مراد المتكلم اصلا كيف و لا يكاد الى فهم كلمات الأوائل الا الأوحدى من الأفاضل و لا يمكن الوصول اليها ايدى عامة النّاس فكيف‏ (1) بكلامه تعالى و بعد هذه المقدمة فقد علم وجه علوّ القرآن و شرافته و سرّ خفاء القرآن و دلالته لنا و عدم انكشاف حقيقته و لبّه عندنا و اجماله و خفائه لدينا فانّ السّبب فى ذلك هو قصورنا عن مرتبة انكشاف الحقائق من جهة احتجابنا عن العالم الرّبوبى و الالوهى و استغراقنا فى النشاة الناسوتي قصور القرآن فى تماميّة الانكشاف لما علمت ان الكلام كلما كان اشرف باعتبار متكلّمه كان اشرف و ارفع فى الدلالة و الظهور لكن الكلام الالهى كنفس ذاته و حقيقته لفرط ظهوره و كماله اوجب الخفاء و الإجمال بالنسبة الينا لعدم سنخيّتنا معه و فرط قصورنا و عجزنا عن الوصول الى حقيقته كحرمان الخفّاش عن رؤية الشمس‏

موشى نيست كه دعوى انا الحق شنود* * * ور نه اين زمزمه اندر شجرى نيست كه نيست‏

(2) و بهذا ايضا يعلم وجه اعجاز القرآن و سرّ كونه من اعظم معجزات نبيّنا (ص) فانّ العمدة فى ذلك اشتماله على المعارف الحقّة و المعانى الحقيقيّة الكلّية التى صارت لسعة احاطتها و علوّها و غاية شرفها و جلالها مستحيلة الوصول الى كنهها لا لمجرّد فصاحة الفاظه و بلاغة كلماته من حيث القواعد العربيّة و الاوصاف اللفظيّة فانّ القرآن اعظم و اعلى من ان يكون امتيازه عن ساير الكلمات بمجرّد الفصاحة و البلاغة خاصّة دون المعنى و الحاصل انّ القرآن و إن كان على حسب كلماته غير قاصر اللفظ و الدلالة عن افادة المعانى لكن لفرط علوّ مطالبه و معناه و عظمة لبه و حقيقيّة و شرافة مقاصده و مرامه لا يمكن وصول ايدى عامة الناس اليه فانّ للقرآن اهلا مخصوصا و هو من كان‏

____________

(1) فما ظنك.

(2) و نعم ما قيل بالفارسى‏

موشى نيست كه دعوى انا الحق شنود* * * ور نه اين زمزمه اندر شجرى نيست كه نيست‏

.