نهاية المأمول في شرح كفايه الأصول‏

- الميرزا حسن الرضوي القمي‏ المزيد...
230 /
101

كان فى الشرافة و العظمة مساويا لمرتبة القرآن او اعلى منه او تاليه و ليست تلك المرتبة الا لأهل العصمة و الطهارة و معدن العلم و الشرافة الذين نزل الكتاب فى ابياتهم و لا يبعد مساعدة بعض الأخبار على هذه الدّعوى ايضا هذا كله مع اشتماله على علم ما كان و علم ما يكون و حكم كلّ شي‏ء او بدعوى شمول المتشابه الممنوع عن اتباعه فى ظاهر القرآن حيث قال عزّ من قائل‏ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ للظاهر متعلق بالشمول لا اقلّ من احتمال شموله اى شمول المتشابه للظاهر لتشابه معنى لفظ المتشابه و اجماله الذى وقع فى الآية بل المحكم ايضا بمعنى ان الآية مشتملة على لفظ المتشابه و المحكم و هما غير متضح المراد لعدم البيان بالنسبة اليهما فيصيران متشابهان فيشمل المتشابه للظاهر لا اقل من احتمال شموله و اما المحكم فلاطلاقه على الثابت و غير الناسخ كاطلاقه على معنى يرادف النصّ فصار المحكم متشابها ايضا او بدعوى انه و ان لم يكن منه ذاتا اى بدعوى ان الظاهر و ان لم يكن من المتشابه ذاتا إلّا انه صار منه عرضا للعلم الإجمالي بطرو التقييد و التخصيص و التجويز و النسخ فى غير واحد من ظواهره الضمير يرجع الى الكتاب الموجب لطروّ الإجمال و هذا و ان لم يكن انكارا للظهور راسا و مرجعه ليس الى الإجمال بالذات و لكن يشترك معه فى المنع عن التمسك به حيث انه يوجب الإجمال بالعرض او بدعوى شمول الأخبار الناهية عن تفسير القرآن بالرّاى وجه المشمول لحمل الكلام الظاهر فى معنى على ارادة هذا المعنى لحكمة و مصلحة فى ذلك و لو من جهة تعظيم امر القرآن و علو شانه لئلا يتطرق اليه اختلاف الأنظار و لا يصل اليه ايادى الفجّار او من جهة تعظيم شان اهل بيت العصمة و عدم الاستغناء عنهم (ع) فى فهم الكتاب و مطلوبيّة الرّجوع اليهم و دقّ بابهم و عدم الأعراض عنهم او لغير ذلك و لا يخفى كما اشرنا اليه آنفا انّ النزاع المذكور تختلف بيننا و بينهم صغرويّا و كبرويّا بحسب الوجوه الخمسة او السّتة فبحسب غير الوجه الأخير و الثّالث و الوجه الأخير هو دعوى شمول الأخبار الناهية و الثّالث هو دعوى شمول المتشابه يكون صغرويّا و هو منع الظهور للقرآن راسا و اما بحسبهما اى الوجه الأخير و الثّالث فالظاهر انه كبروى و انما قلنا فالظاهر انه كبروى لأنه يمكن ارجاع نزاع الكبروى الى الصغروى ايضا بدعوى ان التعليل فى بعضها بقوله (ع) بانه ربّما يكون صدر الآية فى فلان و ذيلها فى فلان و كذا قوله (ع) لا يتميّز عامّها عن خاصّها و ناسخها عن منسوخها يشعر او يدل على ان تلك الاخبار يكون فى بيان انّ القرآن ليس على وضع المتعارف من العرف فلا ظهور له كى يتمسك به و كيف كان فبحسبهما فالظ انّ النزاع كبروى و يكون المنع عن الظاهر اما لانه من المتشابه قطعا او احتمالا لشمول المتشابه له او لكون حمل الظاهر على ظاهره من التفسير بالرّأى و قد منعت الأخبار الكثيرة

102

عنه حتى افتى بعض العلماء بذلك على طبق تلك الأخبار بمثل النبوىّ (ص) من فسرّ القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار و فى رواية اخرى من قال فى القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده و فى نبوى ثالث من فسرّ القرآن برأيه فقد افترى على اللّه الكذب و عن ابى عبد اللّه (ع) من فسرّ القرآن برأيه ان اصاب لم يؤجر و ان أخطأ سقط ابعد من السّماء و الأخبار بهذا المضمون على حدّ يدعى تواتره‏

[فى بطلان دعاوى الاخباريين‏]

و لكن لا يخفى على البصير ان كل هذه الدّعاوى صغرويّة و كبرويّة فاسدة اما بطلان الدعوى الأولى فانما المراد مما دل على اختصاص فهم القرآن و معرفته باهله اختصاص فهمه بتمامه بمتشابهاته و محكماته بداهة ان فيه ما لا يختص به كظواهر بعض الآيات التى تكون فى بيان بعض الأحكام التى انعقد لها الظهور كما لا يخفى فان قلت انّ ردع ابى حنيفة و قتادة يدلّ على خلاف ذلك قلت و ردع ابى حنيفة و قتادة عن الفتوى به انّما هو لأجل الاستقلال فى الفتوى بالرجوع اليه اى بالرجوع الى الكتاب من دون مراجعة اهله و هم اهل البيت لا الرّدع عن الاستدلال بظاهره مط و لو مع الرّجوع الى رواياتهم و الفحص عما ينافيه و الفتوى به مع الياس عن الظفر به كما ان هذا ديدن الشيعة و علماء اهل البيت (ع) فانهم غير مستبدّين فى استنباط الأحكام من الكتاب و غير مستقلين فى ذلك بخلاف امثال أبي حنيفة و قتادة من فقهاء اهل السّنة كيف و قد ورد فى غير واحد من الروايات الإرجاع الى الكتاب مثل خبر الثقلين المشهور بين الفريقين و مثل ما دل على الأمر بالتمسّك بالقرآن و العمل بما فيه و عرض الاخبار المتعارضة بل و مطلق الأخبار عليه و ردّ الشروط المخالفة للكتاب فى ابواب العقود و هذه الأخبار تدل على الإرجاع الى الكتاب بل و فى غير واحد من الاخبار الاستدلال بغير واحد من آياته مثل قوله (ع) لما قال زرارة من اين علمت انّ المسح ببعض الرّأس فقال لمكان الباء فعرفه مورد استفادة الحكم من ظاهر الكتاب و مثل قول الصّادق (ع) فى مقام نهى الدّوانيقي عن قبول خبر النّمام انه فاسق و قال اللّه تعالى‏ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا و قوله (ع) لابنه إسماعيل ان اللّه عز و جل يقول‏ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ و قوله (ع) لمن اطال الجلوس فى بيت الخلاء لاستماع الغناء بتوهم انه لم يكن شيئا اتاه برجله اما سمعت قول اللّه عزّ و جلّ‏ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا و هكذا اخبار أخر يظفر بها كل من راجع كتب الحديث او المطولات و اما فساد الدعوى الثانية فلأنّ احتوائه على المضامين العالية الغامضة لا يمنع عن فهم ظواهره المتضمّنة للاحكام و حجّيتها كما هو محل الكلام و حاصله انّ اشتمال القرآن على المطالب العالية و المعارف الحقه و الأصول الكلّية لا يقتضى المنع عن البلوغ الى خصوص ما ظهر منه معناه و مفهومه و وضح مراده هذا مضافا الى ان المعانى العالية و المطالب الدقيقة التى لا تبلغ اليها عقول الرجال انما كانت فى المعارف و الاعتقاديات و اما آيات الاحكام التكليفيّة فهى ليست بتلك المثابة من الغموض و الخفاء و بالجملة

103

و بالجملة لا اشكال فى اشتمال القرآن على المطالب العالية و الأصول الكلّية التى قصرت عقول الرجال عن البلوغ اليها كما انه لا اشكال فى اشتمال القرآن على النصوص و الظواهر التى كانت الفاظها قالبة لمعان خاصّة و يكشف عنها المعانى الخاصّة عند اهل العرف كشفا تصوريّا و المنع عن التمسّك انما كانت بالنسبة الى الأول دون الثّانى و ردع أبي حنيفة و قتادة و امثالهما لا يشمل الظواهر ايضا و انما يراد به عدم وراثة ما يحتاج الى الاستنباط و الاستخراج كما هو مورد دعواهما و امّا ما يعرفه البدوى و عامة الناس فليس داخلا فى دعوى أبي حنيفة و امثاله لأنّ فهم الظواهر و النصوص بالنسبة الى أبي حنيفة و امثاله و غيرهما سيّان و ليس بقابل للرّدع و ليس فيها ما يمنع عن التمسّك بها لا اللفظ و لا المعنى و اما فساد الدعوى الثّالثة فللمنع عن كون الظاهر من المتشابه لأنّ المحكم هو ما وضحت دلالته سواء كان نصّا او ظاهرا و امّا المتشابه فان الظاهر كون المتشابه هو خصوص المجمل الذى كان غير متّضح الدلالة و ليس المتشابه بمتشابه و مجمل بل كونهما من متضحى الدلالة و الحاصل انّ لفظ المحكم كلفظ المتشابه ليس من المجمل و كان من متضح الدلالة فلا يشمل الظاهر بل الظاهر داخل فى المحكم و ان شئت قلت انّ لفظ المتشابه و إن كان متشابها بحسب الحمل الأولى الذاتى و لكنه ليس بمتشابه بالحمل الشائع الصّناعى بل المتشابه ظاهر بالنسبة الى هذا الحمل حيث انّ هذا اللفظ قالب لمعناه الظاهر فيه و يعرفه كل احد كما انّ اللفظ الظاهر ظاهر بكلا الحملين فالظاهر و المتشابه بحسب لفظهما و مفهومهما ليسا من المتشابه و لا اجمال و لا خفاء فى اصل مفهومهما بحسب متفاهم العرف نعم قد يتفق الاشتباه فى مصاديقهما و الاشتباه احيانا لا يوجب الإجمال فى المصداق و الاشتباه فى المتفاهم كما لا يخفى و اما فساد الدّعوى الرابعة فلأن العلم اجمالا يطرو ارادة خلاف الظاهر انما يوجب الاجمال فيما لم ينحل بالظفر بالرّوايات بموارد ارادة خلاف الظاهر بمقدار المعلوم بالإجمال و حاصله انّ العلم الاجمالى بطروّ هذه الطوارى انما يمنع عن الاخذ به قبل تميّز الناسخ عن المنسوخ و تميز العام المخصّص عن غيره و تميز المطلق المقيّد عن غيره لوجود العلم الإجمالي فى الأطراف الذى يمنع عن التمسك به و اما بعد التميز فلا شك فى ارتفاع المانع و المدعى ليس التمسك و الأخذ بالظواهر بدون الفحص بل لا اشكال فى اشتراط الفحص و الكلام انما هو فى جواز التمسك و الاحتجاج بعد الفحص و التتبع فى الأخبار بالتّتبع التام سواء ظفرنا بعد ذلك بالمخصص و المقيّد و المنسوخ أو لا و مانعيّة العلم الإجمالي عن الأخذ و الاحتجاج انما هو قبل الانحلال و قبل استكشاف خروج الموارد عن اطراف العلم الاجمالى و اما بعد الانحلال او استكشاف خصوص الموارد عن الأطراف و لو مع عدم الانحلال فلا يبقى الأشكال فى جواز التمسك و الاحتجاج فان قلت انّ الفحص عن الطوارى انّما يفيد

104

فيما كانت الشبهة من موارد الشبهة المحصورة و ح لا شك فى الانحلال و معه لا مانع من التمسك لرجوع الشك بالنسبة الى بعض الاطراف الى الشك البدوى و اما مع عدم الظفر بالمخصّص و المقيد راسا او عدم الظفر بالمقدار المعلوم من الطوارى فلا ينحل العلم و مع عدم الانحلال لا يجوز التمسك و الأخذ فالتفحّص لا يسمن و لا يغنى عن جوع قلت اما مع الظفر بالمقدار المعلوم من المقيّد و المخصّص فلا اشكال في جواز التمسك لارتفاع المانع و اما مع عدم الظفر بعد الفحص فكك ايضا لأنا نستكشف خروج الموارد عن اطراف العلم الاجمالى و يستكشف انّ الموارد من العمومات التى كانت باقية على عمومها و من المطلقات التى كانت باقية على اطلاقها و ذلك لأنّ العلم الإجمالي بوجود الطّوارى انما هو فى الظواهر التى لو تفحّصنا عنها لظفرنا بها و ح بعد الفحص و عدم الظفر يستكشف عن ذلك ان المورد لم يكن من اطراف العلم الإجمالي و ان شئت قلت ان العلم العلم الاجمالى بوجود الطوارى انما هو بالنسبة الى الظواهر التى لو تفحّصنا لظفرنا بها و اما الزيادة على ذلك فلا و لهذا قال شيخنا الأستاذ مع انّ دعوى اختصاص اطرافه بما اذا تفحص عما يخالفه لظفر به غير بعيدة كما انّ دعوى كون العلم الاجمالى بوجود الطوارى حتى فى الطائفة التى لم نظفر بطواريها بعد الفحص و كانت الشبهة نظير شبهة الكثير فى الكثير فلا يجوز التمسك بها بعد الفحص مع عدم الظفر لبقاء العلم الاجمالى بحاله بعد الفحص كوجوده قبل الفحص فى غاية البعد و دعوى كون العلم الاجمالى بهذا المقدار مدعيه مجازف و لا يسمع منه بل الشبهة المذكورة نظير قطيع غنم حرام كلّه سود و اشتبه فى الليل بقطيع غنم حلال آخر و كان تمامه بيض فح لا شك فى وجوب الاجتناب عن الكل لوجود العلم الإجمالي بالنسبة الى كل فرد فرد فيجب الاجتناب عن البيض ايضا للعلم المذكور ما دامت الليل باقية و لكن لو طلعت الشمس و تميّزت السود عن البيض يرتفع ذلك العلم الإجمالي فيقطع بخروج البيض عن الاطراف فيعلم بخروجها عن مورد الاجتناب و المقام من هذا القبيل لا من قبيل شبهة الكثير فى الكثير فتلخص من جميع ما ذكرنا انّ التمسك و الاحتجاج بالظواهر انما كان مشروطا بالفحص عن المقدار المعلوم من الطوارى و لكن بعد الفحص عنه لا اشكال فى صحّة التمسك بالظواهر فتامل جيّدا و اما فساد الدّعوى الخامسة فيمنع كون حمل الظاهر على ظاهره من التفسير فانه اى التفسير كشف القناع و لا قناع للظاهر لما عرفت من ان المعنى الظاهر هو الذى كان اللفظ ظاهرا فيه و قالبا له من دون قناع و غطاء و من دون ستر و حجاب بين اللفظ و المعنى كما هو المراد بالتفسير و لو سلّم التفسير يشمل الظاهر فليس الظاهر من التفسير بالرأى كما هو مضامين الاخبار المانعة عن التفسير اذ الظاهر ان المراد بالرّاى هو الاعتبار الظنّى الذى لا اعتبار به و انما كان منه حمل اللفظ على خلاف ظاهره لرجحانه بنظره او حمل المجمل على محتمله بمجرّد مساعدته‏

105

مساعدته ذاك الاعتبار من دون السّؤال عن الأوصياء (ع) و حاصله ان المراد من التفسير بالرّاى كما هو الظاهر من الاخبار المانعة تاويل المشتبهات على حسب الرّأى و الاعتبار العقلى الذى يؤدى اليه نظره القاصر و عقله الفاتر على وجه الاستقلال و الاستبداد و حمل الظاهر على المعانى الغير الظاهرة على وفق رايه و هواه و طبق ميله و مشتهاه من غير شاهد عقلى او نقلى على وفقه او حمل الظواهر على المعانى الظاهرة لكن بنحو الاستقلال و الاستبداد بالرّاى من دون المراجعة الى اهل بيت الوحى و فى بعض الأخبار انما هلك الناس فى المتشابه لأنهم لم يقفوا على معناه و لم يعرفوا حقيقته فوضعوا له تاويلا من عند انفسهم بآرائهم و استغنوا بذلك عن مسئلة الأوصياء (ع) فضلّوا و اضلّوا كما هو المشاهد من اصحاب البدع و الضلال لاختلال عقول الجهال فلا بدّ من الرّجوع الى اهل بيت الوحى لتميز الناسخ عن المنسوخ و العام عن الخاص و المطلق من المقيّد فليس لاحد ان يؤوّل الظاهر بغير الظاهر و انكشف القناع على وفق رايه و هواه ليحتجّ به لغرضه الفاسد و مدّعاه الكاسد و اما التمسك بالظواهر على وجه الاستعانة كما هو طريقة الخاصّة فلا باس به و الاخبار المذكورة لا يمنع عنه و كذلك تاويل بواطن القرآن و كشف اسراره مع الرجوع الى كلمات اهل العصمة و الطهارة و الأخذ منهم ليس ممنوعا و منهيّا عنه انما الممنوع الاستقلال و و الاستبداد بالرّاى اعراضا عن اهل بيت الرّسالة (سلام اللّه عليهم اجمعين) لأنّ الأعراض عنهم اعراض عن اللّه هذا مع انه لا محيص عن حمل هذه الروايات الناهية عن التفسير به على ذلك الذى حقّقناه و لو سلم شمولها لحمل اللفظ على ظاهره فكيف بعدم التّسليم كما عرفت آنفا ضرورة انه قضيّة التوفيق بينها و بين ما دلّ على جواز التمسك بالقرآن مثل خبر الثقلين المشهور بين الفريقين و ما دل على التمسك به و العمل بما فيه و كذا ما دل على عرض الأخبار المتعارضة عليه و رد شروط المخالفة له و غير ذلك من الأخبار المتواترة بالمعنى مما لا محيص عن ارادة الإرجاع الى ظواهره لا خصوص نصوصه ضرورة ان الآيات التى يمكن ان تكون مرجعا فى باب تعارض الروايات او الشّروط او يمكن ان يتمسك بها و يعمل بما فيها ليست الا ظاهرة فى معانيها و ليس فيها ما كان نصّا حتى يكون المرجع تلك النصوص لا تلك الظواهر كما لا يخفى و من جميع ما ذكر من الاخبار يظهر على وجه القطع جواز التمسك بظواهر القرآن و الاخبار الناهية ليست فى مقام النهى عن حمل الالفاظ على المعانى الظاهرة و التمسك بها بعد الفحص التام فى الأخبار و الرجوع الى اهل البيت لتميّز الناسخ عن المنسوخ و المحكم عن المتشابه و العام عن الخاصّ و المطلق عن المقيّد و غير ذلك من الطوارى و من المعلوم ان التمسّك و الأخذ بهذا النحو لا ينافى تعظيم القرآن و لا تعظيم اهل البيت و لا تاويل الباطن و لا كشف اسراره بل جميع المراتب محفوظة حتى البواطن السبعة او السّبعين من القرآن كما ورد فى الاخبار انّ له سبع بطون او سبعين على حسب‏

106

مراتب حقايق العالم و تفاوت درجات الوجود فبعد الرجوع اليهم و الأخذ منهم مع حفظ المراتب منه فلا بأس بكشف بواطنه لأن المعانى الباطنة و الأسرار التأويليّة انما يكون فى طول المعانى الظاهرة و المفهومات الاوّليّة لا فى عرضها كى تنثلم وحدته فهى بوجه عين المعانى الظاهرة التى اخذت من كلمات اهل البيت فان اطلاق اللّفظ بالنسبة الى المعانى الطوليّة كان على الوجه الحقيقة و ليس مجازا منها لعدم مغايرتها للمعانى الظاهرة التفسيريّة فجاز حملها على جميع تلك المراتب من المعانى و ان شئت قلت ان متشابهات الكتاب و السّنة بالنسبة الى المعانى الطوليّة و الاسرار الباطنيّة كلها محمولة على ظواهرها و مفهوماتها الأوليّة من دون حاجة الى التاويل او يحمل على التمثيل او التخيّل لأن للمفهومات مظاهر مختلفة و منازل شتّى و قوالب متعددة على حسب تعدّد النشئات و اختلاف المراتب و الدرجات فان لكل معنى روحا و حقيقة و لكل حقيقة لبّا و لكل ظاهر باطنا و سرّا و مما ذكرنا ظهر لك ايضا الفرق بين التفسير و التاويل فانّ التاويل هو الشرح و البيان بالنسبة الى المعانى الطولية و الأسرار الباطنيّة التى كانت ارواحا للمعانى الظاهريّة و المفهومات الأولية و اما التفسير فهو الشرح و البيان بالنسبة الى المعانى المستورة و كشف قناعها و رفع حجابها

[بطلان دعوى العلم الاجمالى بوقوع التحريف فى القرآن‏]

و دعوى العلم الاجمالى بوقوع التحريف فيه بنحو اما باسقاط او بتصحيف و إن كانت غير بعيدة كما يشهد به بعض الاخبار و يساعده الاعتبار إلّا انه لا يمنع عن حجّية ظواهره لعدم العلم بوقوع الخلل فيها بذلك اصلا اى لعدم العلم بوقوع الخلل فى آيات الأحكام بسبب التحريف لأن احتمال التحريف او الأسقاط ليس باعظم من احتمال القرينة فكما ان مجرّد احتمال القرينة لا يمنع عن التمسك به فكك احتمال التحريف ما دام لم يبلغ الى حد الإجمال و الاختلال و لو سلم كون التحريف فى القرآن فلا علم بوقوعه فى آيات الأحكام و العلم بوقوعه فيها او فى غيرها من الآيات الأخر المتعلقة بالاعتقاديات غير ضائر بحجّية آياتها لعدم حجّية ظاهر ساير الآيات اى العلم بوقوع التحريف فى آيات الأحكام او فى غير آيات الأحكام على نحو العلم الإجمالي فيهما غير ضائر بحجّية آيات الأحكام لعدم حجّية ظاهر ساير الاحكام بخروجها عن مورد الابتلاء و الحاصل انه لا نسلم وقوع التحريف فيه ثم و لو سلم هذا فلا نسلم كونه فى آيات الأحكام و لو سلم فيها ايضا لا يمنع عن التمسّك به بعد الفحص التام و عدم الظفر لأنه على تقدير التسليم فى آيات الأحكام انما يسلم فى خصوص الطائفة التى لو تفحصنا عنها لظفرنا به و بعد الفحص و عدم الظفر يستكشف خروج هذه الطائفة عن اطراف العلم كما قرّرناه فى مبحث الطوارى و دعوى العلم الإجمالي بوقوع التحريف المخل بالنسبة الى ظواهر آيات الأحكام حتى بالنسبة الى الطائفة التى لو تفحّصنا عنها لم نظفر بالتحريف بعد الفحص مجازفة صرفة و دعوى بلا بيّنة و لو قيل بالعلم الإجمالي بوقوع التحريف فى آيات الأحكام و ساير الآيات المتعلقة بغير

107

بغير الأحكام فغير ضائر بحجّية آيات الأحكام لخروجها عن محل الابتلاء لا يقال العلم بوجود الطارى المخلّ يوجب الإجمال بالعرض و يمنع عن الظهور بقول مطلق سواء كان جميع الأطراف موردا لابتلاء ام لا و ليس حاله حال خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء فى التكاليف حيث ان ملاكه فى التكاليف هو التنجّز و هو لا يكون إلّا اذا علم بتوجه الخطاب عليه فعلا على كل تقدير و هذا لا يكون الا فيما علم بعدم خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء و هذا بخلاف المقام لأنّ ملاكه العلم بطروّ الخلل فى احد الظهورين و هو يوجب الاجمال قهرا و لو كان بعضها خارجا عن محل الابتلاء لأنا نقول و العلم الإجمالي بوقوع الخلل فى الظواهر انما يمنع عن حجّيتها اذا كانت كلّها حجّة و الا لا يكاد ينفك ظاهر عن ذلك كما لا يخفى فلا بدّ ان يكون جميع الأطراف فعلا من محل الابتلاء و بدونه لا يؤثر شيئا و قد علمت انّ العلم الإجمالي فى خصوص محلّ الابتلاء بحيث يوجب المنع عن التمسّك بالفحص و بعد الفحص غير حاصل بل عرفت منع العلم الاجمالى هذا كله مضافا الى ان دعوى العلم الإجمالي بالتّحريف و الاسقاط خصوصا بالنسبة الى الزيادة غير مقبولة كيف و قد انكرها جمع من الأعاظم و بعد التسليم فى الجملة لم يعلم كونها من المخلّ و بعد التسليم منع كونها فى ظواهر آيات الأحكام و بعد التسليم انما يسلم فى الطائفة التى لو تفحصنا عنها لظفرنا بها اما التكلم فى وقوع التحريف فى القرآن او عدمه فليس بمهمّ فى المقام بل الحق عدم التحريف زيادة او نقيصة او كليهما و نقصان هذا القرآن الذى يكون بايدينا لا يدل على التحريف بالنقيصة لانّ نقصان هذا القرآن كان من اصله بمعنى لم يكن من اول الأمر جامعا لجميع ما نزل عليه (ص) و هذا بخلاف مصحف على (ع) فانه كان جامعا لجميع ما نزل لأنه كان يدور مع النبىّ (ص) حيث ما دار و يكتب كل ما نزل و هذا بخلاف كتاب الوحى غير علىّ (ع) فانهم اما يكتبون الأحكام او يكتبون ما نزل عليه (ص) فى المجالس و المحافل و امثالهما و اما الأخبار فاكثرها يدل على ما قلنا و اما الاعتبار فليس فيه الاعتبار مع عدم اعتبار صحيح فى البين و اما بعض الأخبار الأخر فلا بد من التاويل او الطّرح فافهم نعم لو كان الخلل المحتمل فيه او فى غيره بما اتصل به لأخلّ بحجّيته لعدم انعقاد ظهور له ح و ان انعقد له الظهور لو لا اتّصاله و لكنّك عرفت عدم تماميّة جميع الدّعاوى المذكورة فكيف بهذا الدّعوى‏

[فى بيان الاختلاف فى القراءة]

ثم ان التحقيق ان الاختلاف فى القراءة بما يوجب الاختلاف فى الظهور مثل يطّهّرن بالتشديد و التخفيف يوجب الإخلال بجواز التمسك و الاستدلال لعدم احراز ما هو القرآن و حاصل البحث ان المراد بتواتر القرّات السّبع هل هو تواترها عن النّبى (ص) ام لا بل المراد منها هو التواتر عن القرّاء السّبع خاصّة و هو على تقدير ثبوته لا يفيد شيئا و لا يثبت به القرآن و لا جواز الاستدلال به نعم يجوز القراءة بكل واحد من القراءات لما ورد عن الائمة (ع) الأمر بقراءة القرآن كما يقرأ الناس و الحق عدم ثبوت التواتر عن النّبى (ص) و ما روى من ان القرآن نزل على سبعة احرف‏

108

بعد الغضّ عن سنده غير دال على المدّعى بل لا يبعد دعوى القطع بعدم دلالته على اختلاف القراءات بل القطع بعدم الدلالة على شي‏ء اصلا لأنّ الظاهر منه نزول كل كلمته او كلامه على سبعة احرف و هو لم يدّع احد من المسلمين بل الاختلاف موجود بالنسبة الى كلها او بعضها و اما القراءات السبع فبالنسبة الى كل واحد من الآيات مضافا الى انه غير ثابت لم يدع احد فتامل و على هذا فالقول بالتواتر على تقدير تسليمه لا يفيد شيئا و ح فان قام الدّليل على اعتبار كل قراءة من القراءات السبع فى اثبات القرآنية بها و ترتيب ما لها من الآثار كجواز التمسك‏

[عدم ثبوت تواتر القراءات السبع‏]

و الاستدلال كما نقل الاجماع على جواز القراءة بكلّ قراءة كان ذلك بمنزلة ثبوت التواتر عن النبى (ص) فى اثبات القرآنية و تصير الآية الواحدة على اختلاف قراءتها بمنزلة الاثنتين او ثلاث آيات او ازيد بمقدار اختلافهم و لكن الحق عدم الدليل على اعتبار كل قراءة من القراءات السبع فى اثبات القرآنيّة و المسلم منه انما هو مجرّد جواز القراءة خاصّة و اما امر الائمة (ع) اصحابهم كما يقرأ الناس و تقريرهم لاصحابهم بقراءتهما لا يثبت الا جواز القراءة خاصّة لئلا يتطرق الاختلافات الكثيرة فى القرآن بين الأمة و لم يقع الافتراق بينهم فيما هو الجامع بينهم و لذا قال شيخنا الأستاذ ان التحقيق ان الاختلاف فى القراءة بما يوجب الاختلاف فى الظهور مثل يطهّرن يوجب الاخلال بجواز التمسك و الاستدلال لعدم احراز ما هو القرآن لعدم ثبوت التشديد الظاهر فى الاغتسال و عدم ثبوت التخفيف الظاهر فى النقاء من المحيض و لم يثبت تواتر القراءات عن النّبى (ص) بل و لم يثبت بالنسبة الى جميع الآيات بالنسبة الى جميع القراء و لا يثبت ايضا جواز الاستدلال بها و ان نسب الى المشهور تواترها لكنّه مما لا اصل له و انما الثابت جواز القراءة بها و لا ملازمة بينهما اى لعدم الملازمة بين جواز القراءة و جواز الاستدلال لما عرفت من ان امرهم (ع) بجواز القراءة لعله كان من جهة عدم تطرق الاختلاف غاية الكثرة و الاختلاف فيما كان جامعا بينهم كما لا يخفى و لو فرض جواز الاستدلال بها فلا وجه لملاحظة الترجيح بينها بعد كون الأصل فى تعارض الامارات هو سقوطها عن الحجّية فى خصوص المؤدى بناء على اعتبارها من باب الطريقيّة او التخيير بينها بناء على السّببيّة و الحاصل انه اذا اختلفت القراءة فى الكتاب على وجهين مختلفين او ازيد فى المؤدى فان ثبت و تمّ تواتر القراءات بالنسبة الى النّبى (ص) او قام الدليل على اثبات القرآنيّة بكل قراءة صارت الآية الواحدة بمنزلة الاثنتين مثلا و يقع التعارض بينهما فلا بد ح من الجمع بحمل الظاهر منهما على الأظهر لو كان احدهما اظهر و مع فرض التكافؤ من حيث الدلالة و عدم المرجّح فلا بدّ من التوقف و الرجوع الى غيرهما من عموم او اطلاق آخر لو كان و الا فالمرجع هو الأصول العمليّة مط من غير فرق بين ان يكون هناك مرجّح من غير جهة الدلالة ام لا لأنّ مرجع الترجيح من غير جهة الدلالة الى الطّرح و لا معنى للرّجوع الى ساير المرجّحات من حيث طرح السّند بعد فرض‏

109

فرض قطعيّته و اما التخيير فلا مجال له ايضا فى المقام على ما هو التحقيق من ان حجّية الظواهر من باب الطريقيّة و اما بناء على الموضوعيّة فالتخيير عند التكافؤ له وجه هذا كله مع عدم دليل على التّرجيح فى غير الروايات من ساير الأمارات لدلالة ادلة الترجيح بالنسبة الى الرّوايات خصوصا الروايات منها فلا بد من الرجوع حينئذ الى الأصل لو لم يكن اطلاق او عموم فى البين او الرّجوع الى العموم لو كان هناك عموم او اطلاق حسب اختلاف المقامات فافهم و تبصّر

فصل [فى احراز الظهور بالقطع‏]

انك قد عرفت سابقا حجّية الظهور الى كلام الشّك فى تعيين المرام بما لا مزيد عليه و قد عرفت ايضا ان هذه الكبرى موقوفة على احراز الصغرى ضرورة انه لو لم تحرز الصغرى فلا مجال للكبرى و هذا ايضا لا اشكال فيه و انما الأشكال فى انّ هذا الأحراز لا بد ان يكون على نحو القطع ام يكفى فيه مطلق الظنّ و الظاهر عدم حجّية الظنّ فى الأحراز من اى سبب كان بل لا بدّ من الأحراز بالقطع و ان القدر المسلّم منه هو الأحراز القطعى و ح فان احرز بالقطع و ان المفهوم منه جزما بحسب متفاهم اهل العرف هو ذاك المعنى فلا كلام فى ذلك لما عرفت انه القدر المتيقّن و الا يحرز بهذا النحو فإن كان عدم الأحراز لأجل احتمال وجود قرينة فلا خلاف فى ان الاصل عدمها لكن الظاهر انه معه يبنى على المعنى الذى لولاها كان اللفظ ظاهرا فيه ابتداء لا انه يبنى عليه بعد البناء على عدمها كما لا يخفى و حاصل المرام ان الأصول اللفظية المرادية التى يعمل بها فى تشخيص مراد المتكلم من اصالة الحقيقة و اصالة العموم و اصالة الإطلاق هل يكون راجعة الى اصالة عدم القرينة فى جميع الموارد كما يظهر من العلامة الأنصارى (ره) او فى بعض الموارد او المرجع فى الجميع الى اصالة الظهور و هو الجامع الشتات الأصول المراديّة و المرجع لمتفرقاتها و الحق كما اشار اليه شيخنا الأستاذ بقوله فى المتن هو الثّانى و بيان ذلك ان الشك فى المراد غالبا يتصوّر على وجوه ثلاثة احدها ان يكون الشك فى المراد ناشيا من الشكّ فى وجود القرينة خاصّة بحيث لو ارتفع الشّك عن وجود القرينة و قطع بعدمها يرتفع الشك عن المراد و يقطع بحصول المراد الثّانى ان يكون الشكّ فى المراد ناشيا عن احتمال ارادة المعنى التأويلى و التعمد فى اخفاء المراد لحكمة دعت الى التعمد و الخفاء مع القطع بعدم نصب القرينة و الثّالث الشك فى كلا الاحتمالين على وجه الاستقلال كما اذا احتملنا تعمّد المتكلم على اخفاء مراده و ارادته المعنى التأويلى من دون نصب القرينة و احتملنا ايضا نصب القرينة و اعتماده عليها حين التكلم و من المعلوم ان فى كل مقام كان الشك ناشيا عن احتمال ارادة المعنى التأويلى و اخفاء المراد لا يرتفع شكه عن المراد بارتفاع الشك عن وجود القرينة بل لو قطعنا بعدم القرينة ايضا كان الشك باقيا على حاله فانقدح بذلك عدم الأشكال فى عدم جريان‏

110

اصالة عدم القرينة فى الصّورة الثانية لعدم كون الشك فى المراد ناشيا عن الشك فى وجود اصل القرينة كى يدفع باصالة عدم القرينة فان المفروض فى هذا الوجه هو القطع بعدم وجود القرينة فكيف تجرى فيها اصالة عدم القرينة بل التشخيص لتعيين المراد ح الى اصالة الحقيقة المنطبقة على اصالة الظهور و لا يمكن ارجاع اصالة الحقيقة الى اصالة عدم القرينة كما لا يخفى و اما الصّورة الاولى و الثّالثة فيقع الأشكال فيهما من ان التمسّك فيهما لتعيين المراد هل يكون باصالة الحقيقة ابتداء من دون حاجة الى اجراء اصالة عدم القرينة اولا لتشخيص الظهور ثم باعمال اصالة الحقيقة لتشخيص المراد ام لا بد اولا من اجراء اصالة عدم القرينة لتعيين الظهور كى يصير المورد من مجرى الأصول اللفظية ثم يتمسك باصالة الحقيقة لتعيين المراد ثانيا فاصالة عدم القرينة فى المقام بمنزلة الاصل الموضوعى و اصالة الحقيقة بمنزلة الاصل الحكمى حيث انه بالاول يحرز الظهور الذى هو الموضوع لمجرى الاصول العقلائية و بالثانى يحرز المراد و الوجه فيه ان الشّك فى وجود القرينة يوجب الشك فى الظهور بوجه حيث ان الشك المزبور يرجع الى ان الكلام الملقى الى المخاطب كرايت اسدا مثلا هل يكون مع القرينة ام لا و الاول و إن كان ظ فى الحيوان المفترس إلّا انه لا يكون ظاهرا فى الرجل الشجاع لو كانت القرينة المشكوكة هو يرمى و الثّانى بالعكس فالكلام الملقى الى المخاطب كان ظهوره مشكوكا فيه نعم لو قطع النظر عن القرينة لكان ظ فى الحيوان المفترس و الحاصل انّ الظهور فى الكلام غير محرز و قد عرفت سابقا من انه لا بدّ من كون الصّغرى محرزة و بدونها لا مجرى للاصول المراديّة فيشكل ح التمسك باصالة الحقيقة فى تعيين المراد من دون احراز الصغرى و تشخيص الظهور بل لا بد اولا من اجراء اصالة عدم القرينة لتشخيص الظهور ثم البناء على اصالة الحقيقة لتعيين المراد فت فانّ التحقيق ان الذى يظهر من بناء العقلاء و سيرتهم انما هو البناء على اتباع الظهور و على اتباع ما للكلام من الظهور الفعلى من دون بناء آخر منهم على اصالة عدم القرينة اولا ثم البناء على اتباع الظهور ثانيا سواء كان من المعنى الحقيقى او المجازى و بالجملة ان المعلوم من سيرة العقلاء هو التمسك بالظهور من دون توقفهم على امر آخر و ليس المقام من مقام الاجمال و لا من مقام الشك فى قرينته القرينة الذى قد عرفته سابقا خروجه عن محل الكلام راسا و ما نحن فيه نظير مسئلة المقتضى و المانع فكان المقتضى موجودا فى المقام و لكن يشك فى وجود المانع و هذا بخلاف قرينته الموجود فان الشك فيها انما يكون شكا فى اصل المقتضى فافهم و تبصر و إن كان عدم الأحراز بالقطع لاحتمال قرينة الموجود فهو و ان لم يكن مجال عن الأشكال بعدم جريان الاصل فيه بناء

111

بناء على حجّية اصالة الحقيقة من باب التعبّد الا انّ الظاهر ان تعامل معاملة المجمل لما عرفت من ان حجّية اصالة الحقيقة و حجّية اصالة عدم القرينة لم تكن حجة الا لانطباقها على اصالة الظهور فعند الشك فى قرينته الموجود لم يكن الظهور محرزا بالقطع فيعامل معه معاملة المجمل فافهم و إن كان عدم الأحراز بالقطع لأجل الشك فيما هو الموضوع له لغة او المفهوم منه عرفا فالأصل يقتضى عدم حجّية الظنّ فيه لو ظنّ بالموضوع له لغة او المفهوم منه عرفا فانه ظنّ فى انه ظاهر و قد عرفت سابقا انه لا دليل الا على حجّية الظواهر فاحراز الظهور بالقطع لا بدّ منه نعم نسب الى المشهور حجّية قول اللغوى بالخصوص فى تعيين الأوضاع اللغويّة من الحقيقة و المجاز و المشترك اللفظى و غيرها

[فى بيان حجية قول اللغوى بالخصوص‏]

و استدلّ لهم باتفاق العلماء بل اتفاق العقلاء على ذلك عند الشك فى التعيين بعد العلم بموارد الاستعمال حيث انهم لا يزالون يستشهدون بقوله اى بقول اللغوى فى مقام الاحتجاج بلا انكار من احد و لو مع المخاصمة و اللجاج و نقل عن بعض آخر دعوى الإجماع على ذلك فيكون قولهم حجة بالخصوص فيكون قولهم مرجعا عند الشك فى تعيين الأوضاع و فيه ان الاتفاق المذكور لو سلّم اتفاقه و لم يمنع عنه فغير مقيد لما سيجي‏ء بعيد هذا فى جواب دعوى الاجماع مع انّ المتيقّن منه هو الرجوع اليه مع اجتماع شرائط الشهادة من العدد و العدالة لان الرّجوع اليهم لم يكن الا من باب الشهادة فلا بدّ فيه من اعتبار ما يعتبر فى الشهادة من العدد و العدالة و بدون ذلك ان الاصل عدم حجّية الظنّ إلّا ان يثبت حجة قولهم بالخصوص و لم يثبت من الاتفاق المذكور الّا الرّجوع اليهم من باب الشهادة و اما الجواب عن دعوى الإجماع فمن المعلوم انّ الإجماع المحصّل غير حاصل فى المقام و المنقول منه غير مقبول خصوصا فى مثل هذه المسألة مما احتمل قريبا ان يكون وجه ذهاب الجل لو لا الكلّ هو اعتقاد انه مما اتفق عليه العقلاء من الرّجوع الى اهل الخبرة من كل صنعة فيما اختصّ بها سيّما البارزين فى صنعتهم و من المعلوم انّ المتيقن من ذلك انما هو فيما اذا كان الرجوع اليهم بموجب الوثوق و الاطمينان و الا فالأصل ايضا يقتضى عدم حجّية قولهم فالمتيقّن منه فيما اذا كان الرجوع بموجب الاطمينان و الحال انه لا يكاد يحصل من قول اللغوى وثوق بالأوضاع لو سلّم كونهم من اهل خبرة ذلك بل يمكن ان يقال انه لا يكون اللغوى من اهل خبرة ذلك بل انما هو من اهل خبرة موارد الاستعمال بداهة ان همة ضبط موارده اى الاستعمال لا تعيين ان أيّا منها كان اللفظ حقيقة فيه او مجازا و الا لوضعوا لذلك علامة حتى يميّز الحقائق عن المجازات كل من راجع الى قولهم و من المعلوم عدم وضع علامة لذلك فان قلت على ما هو المعروف من بعض ان بنائهم‏

112

على ذكر الحقيقة اولا قبل ذكر موارد الاستعمال و هذه علامة لهم لتعيين المعانى قلت و ليس ذكره اولا علامة كون اللفظ حقيقة فيه للانتقاض بالمشترك اللفظى مع كون اللفظ حقيقة فى الجميع فذكر احد المعانى اولا لا يكون علامة لكون اللفظ حقيقة فيه خاصّة و كون موارد الحاجة الى قول اللّغوى اكثر من ان يحصى الانسداد باب العلم بتفاصيل المعانى غالبا بحيث يعلم بدخول الفرد المشكوك فيه او خروجه و إن كان المعنى معلوما فى الجملة كما عن العلامة الأنصارى (ره) لا يوجب خبر للكون اعتبار قوله بالخصوص ما دام انفتاح باب العلم بالأحكام الشرعيّة كما لا يخفى و مع الانسداد اى مع انسداد باب العلم بالأحكام الشرعيّة كان قوله معتبرا اذا افاد الظنّ بالمعنى المشكوك فيه و لكن ذلك الاعتبار انما كان من باب حجّية مطلق الظنّ و ان فرض انفتاح باب العلم باللغات بتفاصيلها فيما عدا المورد المشكوك فيه فلا يكون قولهم حجة بالخصوص و مجمل المرادان الرجوع الى قولهم هل كان من ما قام الدليل بالخصوص على اعتباره و لو مع عدم حجّية قول اهل الخبرة و الصّناعة ام لا و الظاهر عدم حجّية قولهم بالخصوص لأن اعتبار قولهم لو كان فى حال الانسداد فلا يكون معتبرا بالخصوص بل كان من باب مطلق الظنّ و إن كان فى حال الانفتاح فلا حاجة الى اعتبار قولهم بعد فرض الانفتاح و اما اتفاق المدعى لو سلم اتفاقه فغير مفيد كالإجماع المدعى فى المقام لأن المتيقّن منه هو الرّجوع اليه مع اجتماع شرائط الشهادة من العدد و العدالة و الإجماع المحصّل غير حاصل و الإجماع المنقول منه غير مقبول لما عرفت فى المتن و المتيقّن من الرّجوع اليهم فى مورد كان الرجوع بموجب الوثوق و الاطمينان الخ فدعوى اتفاق العلماء و الفضلاء على الرّجوع الى قولهم من حيث انّهم لغويّون بما هم لغويون مجازفة صرفة و دعوى بلا بيّنة و برهان نعم لو كان هناك دليل من الاتفاق و الإجماع و غيرهما على اعتباره لا يبعد ان يكون انسداد باب العلم بتفاصيل اللغات موجبا له لكن ذلك على نحو الحكمة اى حكمة اعتبار قول اللغوى بالخصوص انما كانت لأجل انسداد باب العلم بتفاصيل اللغات و لا يكون ذلك بنحو العلّة حتى يدور الرّجوع اليهم مدار الانسداد بل يرجع الى قوله و لو فى زمان الانفتاح لكون الانسداد كان من باب الحكمة فى الاعتبار لا العلّة لا يقال على هذا البناء و هو عدم اعتبار قولهم بالخصوص لا فائدة بعد فى الرّجوع الى اللغة فانه يقال مع هذا لا يكاد تخفى الفائدة فى المراجعة اليها فانه ربّما يوجب القطع بالمعنى كما فى بعض الموارد و ربّما يوجب القطع بان اللفظ فى المورد طاهر فى معنى بعد الظفر به و بغيره فى اللغة و ان لم يقطع بانه حقيقة فيه او مجازا كما اتفق كثيرا و هو يكفى فى الفتوى لما عرفت من كون الظهور حجة من باب بناء العقلاء و من المعلوم ان الظهور يكفى فى مقام الفتوى و لا خصوصيّته فى كونه بنحو الحقيقة او المجاز لعدم الاعتبار بذلك‏

113

بذلك فى مقام الفتوى و الحاجة نعم لا يترتب عليه حكم الحقيقة و المجاز لو كان لهما آثار و احكام‏

فصل الإجماع المنقول بخبر الواحد حجّة بالخصوص‏

عند كثير ممّن قال باعتبار الخبر بالخصوص لكن من جهة انه من افراده اى من جهة انّ الإجماع المنقول بخبر الواحد من افراد الخبر فيكون الدليل عليه دليلا عليه من دون ان يكون عليه دليل بالخصوص فلا بدّ فى اعتباره من شمول ادلّة اعتباره له بعمومها او اطلاقها الظرف متعلق بالشمول و الحاصل ان الإجماع المنقول حجة بالخصوص عند كثير ممّن قال باعتبار الخبر بالخصوص لكونه من افراد الخبر فلا بدّ من شمول العام او الاطلاق الذى كان دليلا على الخبر بالخصوص للاجماع المنقول حتى يكون دليل اعتبار الخبر دليل اعتبار الإجماع المنقول و ح فلو منع الاطلاق او العموم فلا يكون عليه دليل بالخصوص لعدم قيام دليل خاصّ على اعتباره‏

و تحقيق القول فيه يستدعى رسم امور

الأول و فيه مطالب ثلاثة

الأول التكلم فى ان نقل راى الإمام (ع) بصورة الاجماع او بالجهة التى ينتهى الى الإمام (ع) على الاختلاف بينهم هل تكون من باب الخبر حسّيا او حدسيّا و على التقديرين فهل يكون المخبر به و هو الاجماع مما يمكن الوقوع عادة فى زمان الغيبة كى يصحّ تصديق العادل و الأخذ بقوله على تقدير شمول ادلة حجّية الخبر الواحد له ام لا و هذا النزاع صغروىّ و الثّانى التكلم فى شمول ادلة اعتبار الخبر الواحد للإجماع المنقول نظرا الى تعميمه للخبر الحسّى و الحدسى و عدم شموله من جهة اختصاص الأدلة بالخبر الحسى او من جهة خصوصيّته فى هذا الخبر الحدسى فلا يشمله لكونه من الحدسىّ البعيد بحيث كان وقوعه عادة من الممتنعات العادية فى زمان الغيبة و هذا النزاع كبروىّ و الثّالث فى بيان اقسام الإجماع المنقول و الكلام فى المطلب الثّانى سيأتي تفصيله فى حجّية الخبر الواحد و العمدة فى المقام هو التكلم فى المطلب الأوّل و لكن تشير فيه ايضا الى المطلب الثّانى استطرادا و اما بيان اقسام الإجماع المنقول فنقول انّ وجه اعتبار الإجماع عندنا هو القطع براى الإمام (ع) سواء كان عبارة عن اتفاق الكل او اتفاق الأمّة او اتفاق اهل المدينة او اتفاق اهل الفتوى او اتفاق الشّيعة او اتفاق اهل الحلّ و العقد و مستند القطع به اى مستند القطع براى الإمام (ع) لحاكيه على ما يظهر من كلماتهم طرق مشهورها ثلاثة احدها هو علمه بدخوله (ع) فى المجمعين شخصا و لم يعرف الإمام (ع) عينا و هذه طريقة القدماء و هى المعروفة بالإجماع الدّخولى و مرجعها الى نقل الحكم و حكايته عن جماعة كان احدهم الإمام (ع) من غير تعيين شخصه و معرفة نفسه (ع) باعتقاد الناقل المحصّل للإجماع و من المعلوم ان السّبب و الكاشف على هذا و إن كان حسّيا و حاصلا من طريق الحسّ ايضا حيث ان الناقل قد اخبر عن سماع نفسه الحكم عن جماعة و لكن كون احدهم الإمام (ع) كان من الحدس حيث انّ المفروض انّ الناقل لم يعرف الإمام (ع) بشخصه و لا ادعى رؤيته (ع) بعينه و بشخصه و الا لبادرنا الى‏

114

تكذيبه على حسب بعض الاخبار فما هو الملاك فى حجّيته و مناطها كان حاصلا بالحدس هذا مضافا الى ان الوصول الى حضرته و رؤيته و سماع قوله (ع) و لو بهذا النحو كان ممتنع الوقوع عادة فى زمان الغيبة بحيث كان تصديق العادل فيه بمستبعد جدّا فالطريقة الأولى هو علمه بدخوله (ع) فى المجمعين شخصا مع عدم معرفته عينا او قطعه باستلزام ما يحكيه لرأيه (ع) عقلا من باب اللطف و هذه طريقة الشّيخ (ره) و مرجعها الى تحصيل اتفاق جميع العلماء فى عصر الناقل كى يستكشف منه بقاعدة اللطف راى الإمام (ع) و ملاكها استحالة اتفاق جميع العلماء الموجودين فى عصر واحد على خلاف الحق مع عدم ردعه (ع) و لو بالقاء الخلاف بينهم و لو بادخال قول الحق فى اقوالهم لوجوب الرّدع عليه (ع) من باب اللطف و عدم الردع منه كان مستحيلا لانه خلاف اللطف الواجب عليه فاذا راى احد اتفاق جميع العلماء فى عصر على رأى فانه يستكشف منه كشفا قطعيا بموافقة الإمام (ع) لهم و الكاشف ح و إن كان امرا حسّيا و حاصلا من طريق الحسّ لكنه بواسطة العقل حيث ان العقل قد حكم بان مورد الاتفاق هو راى الإمام (ع) من جهة وجوب اللطف عليه و مع ذلك انّ نفس الكاشف و هو اتفاق جميع علماء العصر مما امتنع وقوعه عادة لاستحالة الاطلاع عادة باقوال العلماء باجمعهم مع تشتتهم و تفرقهم فى البلدان و الأعصار و عدم معروفية كثير منهم و انزوائهم عن انظار الناس و اما المنكشف و هو استكشاف راى الإمام (ع) بقاعدة اللطف مع كونه من باب الحدس و الاعتقاد فغير تامّ ايضا لانه مجرد الاستبعاد و لا دليل على استحالة اتفاق العلماء فى عصر واحد على خلاف الحق من دون ردعه (ع) ايّاهم و لا دليل على وجوب القاء الخلاف بينهم مع ان خفاء الحق عنهم و حرمانهم عنه ليس باعظم من خفاء وجوده عن ابصار الناس و حرمانهم عنه و بعد ما كان انفسهم سبب خفائه و استتاره (ع) فلا غرو بكونهم ايضا سببا لاخفاء الحق و حرمانهم عنه و الى هذا كان نظر المحقق الطوسى ((قدس سرّه)) فى التجريد حيث قال وجوده لطف و تصرفه لطف آخر و عدمه منا او استلزام ما يحكيه لرأيه عادة او اتفاقا من جهة حدس رايه (ع) و ان لم تكن ملازمة بينهما عقلا و لا عادة بل كان مجرد الاتفاق كما هو طريقة المتاخرين و مرجعها الى استكشاف راى الإمام (ع) من اتفاق جماعة من العلماء بحيث كان اتفاقهم مستلزما لقوله (ع) من طريق الحدس من جهة كمال حسن الظن بهم فاتفاقهم على راى مستلزم للحدس القطعى بان هذا راى الإمام (ع) لاستحالة الانفكاك بين اتفاقهم على راى و راى الامام (ع) و تلك الملازمة الحدسيّة قد تكون بحسب العادة بمعنى ان كلّ من اطلع على اتفاق هؤلاء الاعلام لحدس حدسا قطعيّا بانه راى الإمام (ع) لاستحالة افتراق آرائهم عن رأى رئيسهم و قد تكون الملازمة عند الناقل فقط دون المنقول اليه و قد تكون بالعكس فعلى الأول لا يكون المنقول حجّة

115

حجّة الا عند الناقل و على الثّانى يكون حجّة عند المنقول اليه دون الناقل و الاول قد يفيد المنقول اليه احيانا لاجل صيرورته جزء السبب كما سيجي‏ء الإشارة اليه و الثّانى و ان لم يكن حجة فعليه عند الناقل إلّا انه لا ملازمة بين عدم كونه حجة عند الناقل عدم كونه حجة عند المنقول اليه و المفروض وجود الملازمة عند المنقول اليه فيكون حجة فعليّة عنده و الحاصل انّ نقل العادل اتفاق جماعة من العلماء انما يفيد لمن يرى الملازمة بين اتفاقهم و راى الإمام (ع) فعلى تقدير كون المنقول اليه معتقدا للملازمة كان المنقول حجة كالمحصّل فكان حجة فعليّة و إن كان المنقول اتفاق ثلاثة او اكثر بل راى شخص واحد فانه على تقدير ثبوت الملازمة عند احد بين المنقول اىّ منقول كان و بين راى الإمام كان المنقول حجة فعليّة سواء كان المنقول راى واحد او جماعة و لكن هذا مجرد الفرض لعدم ثبوت الملازمة بين فتوى جماعة ايّة جماعة كانت و بين راى الامام (ع) و بالجملة ان هذه طريقة المتاخرين فى دعوى الاجماع حيث انهم مع عدم الاعتقاد بالملازمة العقليّة و لا الملازمة العادية غالبا و عدم العلم بدخول جنابه فى المجمعين عادة يحكون الاجماع كثيرا فحكاية المتاخرين كثيرا الاجماع مع عدم اعتقادهم الملازمة العقليّة و لا العادية و عدم العلم بدخول جنابه فى المجمعين تدلّ على كون طريقتهم هو الحدس كما انه يظهر ممن اعتذر عن وجود المخالف بانه معلوم النسب انه استند فى دعوى الاجماع الى العلم بدخوله (ع) و إلّا فلا وجه لهذا الاعتذار و يظهر ممن اعتذر عنه بانقراض عصره انه استند الى قاعدة اللطف لان المناط عنده هو اتفاق العلماء فى عصر واحد فلا يضرّه اختلاف من كان قبله بعد انقراض عصره فكل واحد مما ذكر يدلّ على طريقة من الطرق هذا مضافا الى تصريحاتهم بذلك على ما يشهد به مراجعة كلماتهم فتلك الطّرق الثلاثة هى المشهورة بينهم و ربما يتفق لبعض الاوحدى وجه آخر من تشرفه برؤيته (ع) و اخذه الفتوى من جنابه و لكنه ينقل عنه بصورة الاجماع دون نقله على وجه اتفق له لنكتة و النكتة ما اشار اليها شيخنا الأستاذ بقوله و انما لم ينقل عنه على وجه وقع له بل يحكى الاجماع لبعض دواعى الأخفاء و هذه طريقة رابعة و حاصلها رؤية بعض الأوحدى جنابه و التشرف بحضرته و اخذ الحكم عن جنابه شفاها و لكنه ينقل عنه (ع) بصورة الاجماع لبعض دواعى الأخفاء من خوفه مبادرة الناس على تكذيبه حيث نطق بعض الأخبار بتكذيب من ادعى رؤيته (ع) فى زمان الغيبة الكبرى و هذا القسم من قبيل القسم الاول اعنى الاجماع الدّخولى و انما الفرق بينهما ان الناقل على الاول يستند الحكم الى الإمام (ع) من جهة سماعه عن جماعة كان احدهم من غير تعيين هو الإمام (ع) باعتقاده و على الثّانى يستند الحكم الى الامام (ع) من جهة سماعه عن شخص معيّن كان هو الامام (ع) باعتقاده و كلاهما غير ممكن الوقوع عادة فى زمان الغيبة و السبب‏

116

و الكاشف ح و إن كان حسّيا و لكن مرجعه الاستنباط و الاعتقاد حيث انّ الناقل لا يعرف الإمام (ع) بشخصه و انّما راى شخصا ثم اعتقد انه الإمام (ع) بحسب بعض القرائن فهذا القسم ايضا ليس خاليا عن الحدس و الاستنباط و مع ذلك ممتنع الوقوع عادة فى زمان الغيبة فلا يمكن تصديق العادل فيه ايضا حيث انّ الغالب فى دعوى رؤية الإمام (ع) غلبة القوّة الخياليّة او الوهميّة على النفس من جهة كثرة شوق الشخص الى حضرة جنابه فتوجب انشاء صورة خياليّة فى عالم الخيال فى النوم او اليقظة موجبة لا اعتقاد انه الإمام (ع) هذا و الطريقة الخامسة ان يكون مستند الانتهاء الى راى الإمام (ع) تحصيل قاعدة كلّية مقطوعة الصحّة و مسلّمة عند الكلّ و كانت المسألة التى ادعى الناقل فيها الإجماع من فروعات تلك المسألة الكلّية باعتقاد الناقل و من المعلوم انه لا بدّ من احراز انّ هذه القاعدة غير مخصّصة حتى يشمل جميع فروعاتها و جزئيّاتها فمستند الانتهاء الى راى الإمام (ع) على هذا تتم بامور ثلاثة احدها تحصيل تلك القاعدة الكلّية القطعيّة المسلّمة عند الكلّ ثانيها ان المسألة التى ادعى الإجماع فيها الناقل كانت من فروعات تلك القاعدة و من جزئيّاتها و ثالثها احراز عدم مخصّصيّة القاعدة كى يشمل جميع فروعاتها و جزئيّاتها فالمقدمة الاوّلى و ان كانت امرا حسّيا و حاصلا من طريق الحسّ و لكن الأمرين الأخيرين كانا مستنبطين فالكاشف و المنكشف كلاهما حاصل من طريق الحدس و الاستنباط حيث انّ ثبوت الاتفاق فى المسألة التى هى مورد دعوى الاتفاق انما كان بالاستنباط هذا تمام الكلام فى مستند الاجماع و وجوه الانتهاء الى راى الإمام (ع) و اما صحّة بعضها او كلها او بطلان كلّها فستجي‏ء الإشارة اليها بعيد هذا فافهم و تبصّر

الامر الثّانى من الأمور التى تستدعى تحقيق المقام رسمها [اختلاف نقل الاجماع‏]

انه لا يخفى اختلاف نقل الاجماع فتارة ينقل الناقل رايه (ع) فى ضمن نقله حدسا كما هو الغالب فى نقل الاجماع المتاخّرين او ينقل رأيه (ع) فى ضمن نقله حسّيا فى الاستفادة و هو نادر جدّا كما فى نقل اجماع القدماء و اخرى لا ينقل الا ما هو السّبب عند ناقله عقلا او عادة او اتفاقا من غير نقل راى الإمام (ع) و من غير كونه سببا عند المنقول اليه لا عقلا و لا عادة و لا اتفاقا و كذا لا يخفى اختلاف نقل الاجماع بالنسبة الى اختلاف الفاظ النقل ايضا كلفظ الإجماع و الاتفاق و الاختلاف و امثالها صراحة كالأوّل و ظهورا كالثانى و اجمالا كالثالث فى ذلك اى فى نقل السّبب فيكون صريحا او ظاهرا او مجملا بالنسبة الى السّبب او فى نقل السّبب و المسبب فيكون صريحا او ظاهرا او مجملا بالنسبة الى كليهما و ستجي‏ء الإشارة الى كل واحد فى طى المباحث الآتية المتعلقة بالمقام فانتظر

الأمر الثّالث [فى شمول آية إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ للخبر الحسى و الحدسى‏]

و اعلم انه من ادلة اعتبار الخبر الواحد الآية الشريفة و هى‏ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ و قبل التكلم فى الآية لا بدّ من تقديم مقدمة و هى انّ التكلم فى مسئلة

117

مسئلة الإجماع المنقول اما ان يكون على تقدير كون الآية متعرّضة لجميع جهات خبر العادل و شرائطها فكانت من جملة ادلة حجّية الخبر الواحد بالفعل من دون حالة منتظرة فى ذلك فالتكلّم فيها فى مسئلة الإجماع المنقول انما كانت من حيث الشمول و عدمه خاصّة او يكون على تقدير كونها متعرضة لجهة خاصّة من جهات الخبر و هى عدم الاعتناء باحتمال تعمد العادل الكذب مثلا و لا شكّ ان الآية على هذا التقدير ليست من ادلة الاعتبار راسا ضرورة انّ مجرّد دلالة الآية على عدم الاعتناء باحتمال تعمّده الكذب لا يوجب كون خبر العادل حجّة فعليّة لإمكان ان تكون للحجّية جهات أخر و شرائط اخرى و كانت الآية ساكتة عن جميعها فلا بدّ من التماس دليل آخر لبيان الجهات و حجّيتها و من المعلوم انّ دعوى عدم شمول الآية لنقل الإجماع للانصراف او غيره انما يتمشى على التقدير الأول حيث كانت الآية دليلا فعليّا على الحجّية و اما على التقدير الثّانى فلا معنى لدعوى الانصراف و عدم الشمول للإجماع المنقول حيث ان المفروض عدم دلالتها على كون الخبر حجّة فعليّة و بالجملة ان التكلم فى الآية على هذا التقدير اى تقدير عدم تعرض الآية لجميع الجهات بل متعرّضة لجهة واحدة و هو عدم الاعتناء باحتمال تعمّده الكذب فى مسئلة الاجماع المنقول من حيث الشمول للحسّ و عدم الشمول للحدس كان فى غير محله لأنّ الآية لم تكن الا فى مقام عدم تعمده الكذب و ليست مقام حجّية الخبر الواحد بقول مطلق فاذا عرفت ذلك فنقول انه لا شك فى ان التكلم فى الآية فى مسئلة الاجماع المنقول انما يكون بعد الفراغ عن كونها دليلا فعليّا على حجّية خبر العادل و جهة البحث فيها فى مسئلة الإجماع المنقول انما كانت من حيث الشمول للحدس و عدمه بحيث كان دلالتها على المطلوب على تقدير الشمول تامة و الأشكال انما كانت من حيث الشمول و عدمه فقط و ح فلا مجال لدعوى عدم تعرض الآية لجميع جهات الحجّية و انها فى مقام بيان عدم الاعتناء باحتمال تعمّده الكذب خاصّة لأن مرجع هذا الدعوى الى انكار كون الآية من ادلة اعتبار الخبر الواحد راسا و قد عرفت ان التكلم فى الآية فى مسئلتنا بعد الفراغ عن دلالتها فعلا على حجّية خبر العادل فيلزم ان لا يكون ما فرضته دليلا لحجّية خبر العادل فعلا دليلا على الحجّية فعلا و هو خلف و بالجملة لا يصحّ انكار الشمول للخبر الحدسى بدعوى عدم تعرضها لجميع الجهات للزوم الخلف نعم ينبغى دعوى انصرافها الى خصوص الخبر الحدسى و عدم انصرافها مع تسليم دلالتها على حجّية الخبر الحسّى بالفعل و من هذا يظهر ما فى كلام العلامة الأنصارى (ره) حيث انه انكر شمول الآية للخبر الحدسى من جهة عدم تعرضها لجميع جهات الحجّية و عدم دلالتها على حجّية الخبر العادل من جميع الجهات بل من جهة عدم الاعتناء باحتمال تعمّده الكذب خاصّة و اما من حيث ساير الجهات فلا بدّ من التماس‏

118

دليل آخر من عموم او اطلاق و لا نفى الآية الشريفة على هذا لاثبات الحجّية الفعليّة فلا يصحّ التمسك بها فى اثبات حجّية الخبر الواحد راسا من غير فرق بين الحسّى و الحدسى و الاستعانة للمطلوب بالأصول من اصالة عدم الخطاء و غيرها لا يجدى شيئا لأحتمال اعتبار وصف آخر فيما هى حجّة بالفعل غير العدالة و عدم الخطاء و لا طريق لنا لاحراز عدم اعتباره كى يثبت الحجّية الفعليّة بمعونتها و بعبارة اخرى ان الآية إن كانت لها دلالة على حجّية خبر العادل من حيث هو و من جميع الجهات بحيث كان وصف العدالة تمام الموضوع للحجّية و وجوب الاتباع فلا حاجة الى اصالة عدم الخطاء و السهو و الغفلة و ان لم تكن لها دلالة على حجّية خبر العادل لأحتمال اعتبار وصف آخر فى الحجّية غير العدالة و عدم الخطاء و لا طريق لنا لاحراز عدم اعتباره و لا اصلا معتبرا يدل على نفى هذا الاحتمال و عدم الاعتبار به فلا مجال لدعوى الانصراف و عدمه حينئذ (ص) و الحاصل اذا لم تكن الآية متعرضة لجميع جهات الحجّية و لم تدل على كون العدالة تمام الموضوع للحجّية و انما كانت متعرضة لجهة خاصّة و هى عدم الاعتناء باحتمال تعمده الكذب بحيث لا ينافى اعتبار الف جهة و شرط آخر فى الحجّية و كانت الآية ساكتة عن بيانها فليست الآية على هذا التقدير من ادلة حجّية خبر العادل راسا فلا يجوز التمسك بها و لو بمعونة الأصول و ح كان التكلم فيها من حيث الشمول و عدمه فى مسئلة الاجماع المنقول لغوا صرفا فتلخّص عن جميع ما ذكرنا اختصاص انحصار جهة البحث فى المقام بالانصراف الى الحسّى و عدمه و لا مجال للبحث من غير تلك الجهة و اذا تقرّر هذه فنقول لا ينبغى الأشكال فى تعميم الآية للخبر الحدسى و عدم انصرافها الى الحسّ بل نقول شمول الآية بمنطوقها للخبر الحدسى اقوى من شمولها للخبر الحسّى نظرا الى شدّة مناسبة حكم وجوب التّبيين للخبر الحدسى للقطع بعدم اختصاص وجوب التبيين بالخبر الحسّى من الفاسق بحيث لا يجب التبيين بالخبر الحدسى من الفاسق بل الخبر الحدسى لكثرة الاحتمالات المتطرقة فيه كان اقوى و انسب بالحكم المذكور و مع تلك المناسبة الشّديدة كيف يتمشّى توهّم انصراف الآية منطوقا الى الخبر الحسّى و لا اشكال بعد فى شمول الآية بمنطوقها للخبر الحدسى و عدم وجه الانصراف فكك فى مفهومها ضرورة ان المفهوم تابع للمنطوق فى العموم و الشمول و عدمه فاذا دلّت الآية بمنطوقها على عدم حجّية خبر الفاسق و وجوب التبين فيه بقول مطلق و مانعيّة صفة الفسق للحجّية كلما وجدت تلك الصّفة و اينما تحقّقت و لو مع القطع بتحرزه عن الكذب من غير فرق بين الحسّى و الحدسى فقد دلّت بمفهومها لا محالة على حجّية خبر العادل بقول مطلق و كون صفة العدالة تمام الموضوع للحجّية و لوجوب الاتباع من غير فرق بين الحسّى و الحدسى و عدم قبول الشّهادة فى الحدسيّات على تقدير تسليمه لا ينافى ذلك لأن عدم اعتبار الشهادة فى الحدسيّات كان من جهة الأخبار الخاصّة لا من جهة انصراف الآية

119

الآية الى الحسّيات على انّ عدم اعتبار الشّهادة فى الحدسيّات غير مسلّم و الأخبار المذكورة غير دالة على ذلك و انما تدلّ على عدم جواز الشهادة بمجرّد الظنّ و التّخمين من دون حصول العلم و اليقين و اما مع حصول العلم و لو من الحدس فلا دلالة فيها على المنع فتامّل فقد تحصّل من جميع ما ذكرنا ان الآية على تقدير دلالتها على حجّية خبر العادل يشمل الحدسى ايضا فلا وجه لدعوى عدم شمولها له من جهة توهّم عدم تعرّضها لجميع جهات الحجّية او من جهة انصرافها الى الحسّى هذا تمام الكلام فى الآية و اما الأخبار فالتكلم فيها ياتى فى محلّه إن شاء الله اللّه تعالى و اما بناء العقلاء على حجّية خبر العادل او الموثق فهو ايضا غير مختصّ بالحسّى ضرورة استقرار العقلاء و طريقتهم على الأخذ و التمسّك بقول من يوثق به من دون الاستفصال عن اسباب العلم عند التمسك و الاحتجاج فانهم ياخذون بقول من يوثق به من دون الاستفسار عن سبب علمه بما اخبر به هذا مضافا الى ان الغالب فى الاخبار و هو الحدسيّات و لو فيما اذا كان المخبر به امرا حسّيا و لكن سبب العلم غالبا كان من الحدس و دعوى ظهور النّبأ و الخبر فى الحسّى بمعنى حصول العلم به من طريق الحسّ مجازفة بل العلّية بالعكس فلا تجد الفرق بين العقلاء فى مقام الأخذ و التمسك بين كون المخبر به هو طريق الحدس او الحسّ فانك اذا تتّبعت سيرتهم و طريقتهم فى هذا الباب تراهم ياخذون بقول الموثق عند سماعه بقول مطلق من غير فرق بين الحسّ و الحدس و من غير فرق بين حصول العلم من الحدسى و الحسّى هذا كله ما افاده شيخنا الأستاذ فى مجلس البحث و لعمرى لقد اجاد فيما افاده فى الآية و بناء العقلاء و جاء بما فوق المراد و إن كان يظهر من المتن خلاف ذلك فى الجملة و لكن مع ذلك بقى فى النفس شي‏ء و هو انّ وصف العدالة و الفسق و كذا الوثوق و عدمه مما لا يصلح الا للتحرز عن الكذب و عدمه فلا مدخليّة له فى اصابة الحدس و عدمها ضرورة استواء العادل و الفاسق و الموثق و غيره فى اصابة الحدس و خطائه و ما يصلح للإصابة و الخطاء فى الحدس هو جودة الفهم و ذكاء القريحة و امثالهما لا العدالة و الفسق و امثالهما فالتفصيل بين وصف العدالة و الفسق عند الشرع و الوثوق و عدمه عند العقلاء فى الحجّية و عدمها مما لا وجه له سيّما بالنسبة الى بناء العقلاء حيث انه ليس بنائهم من باب التعبّد الصّرف فكيف يعقل منهم ان يحكموا بحجّية قول الموثق و وجوب اتباعه مط فى الحدسيّات و لو كان كثير الخطأ فى الحدسيّات و عدم حجّية غيره كذلك و لو كان جيّد الفهم و قليل الخطاء هذا كله مجمل الكلام فى الكبرى و اما الكلام فى الصّغرى و التكلم فى ان نقل الاجماع هل يكون من باب الحسّ او الحدس فيها و على التقدير الأوّل هل يكون مما يمكن الوقوع عادة ام لا و على التقدير الثّانى هل يكون من الحدس الصّحيح كى يشمله ادلة حجّية الخبر الواحد ام لا فلا يشمله و ان قلنا بشمولها للخبر الحدسى فنقول انّ الناقل قد ينقل نفس المسبب و المستكشف اى راى‏

120

الإمام (ع) و قد ينقل السّبب و الكاشف اى الاتفاق الذى حصّله و قد ينقل كليهما

[فى حجّية الإجماع المنقول بادلة حجّية الخبر]

فنقول انه لا اشكال فى حجّية الإجماع المنقول بادلة حجّية الخبر آية كانت او رواية او بناء العقلاء اذا كان نقله متضمّنا لنقل السبب و المسبّب عن حسّ كنقل الإجماع من القدماء فانّ السّبب و المسبّب كليهما حسّى و المقدار المسلّم من شمول الأدلة هو هذا القسم لو لم نقل بانّ نقله كذلك خصوصا فى زمان الغيبة الكبرى موهون جدّا و لكنك قد عرفت انه موهون جدّا فراجع و كذا لا اشكال فى حجّية الاجماع المنقول بادلة حجّية الخبر اذا لم يكن متضمّنا له اى لرأيه بل كان ممحضا في نقل السّبب عن حسّ لكونه قد اخبر عن الاتفاق المستند الى الحسّ إلّا انه كان سببا بنظر المنقول اليه ايضا عقلا او عادة او اتفاقا فيعامل المنقول اليه ح مع المنقول معاملة الاجماع المحصّل فى الالتزام بمسبّبه و هو راى المعصوم (ع) باحكامه و آثاره لانه يجب بحكم صدق العادل التصديق بما اخبر به و هو السّبب فكان السبب قد حصله المنقول اليه و قد كان بحسب الفرض بنظره سببا للانتقال بما لازمه من راى المعصوم (ع) عقلا او عادة او اتفاقا فصار المنقول عند المنقول اليه كالمحصّل فكان حجّة و اما اذا كان نقله للمسبّب فقط و هو راى الإمام (ع) لا عن حسّ بل عن حدس و لكن بملازمة ثابتة عند الناقل بوجه من الوجوه الثلاثة من العقل او العادة او الاتفاق دون المنقول اليه بوجه ففيه اشكال من عدم الفرق فى الأدلة بين الحدسى باىّ حدسى كان و الحسّى و من انصرافها الى الحسّى دون الحدسى او الانصراف الى غير هذا الحدسى و المسبّب المنقول و إن كان مستندا الى السّبب الحسّى و هو الاتفاق الا ان الملازمة كانت بطريق الحدس البعيد و لكن اظهره عدم نهوض تلك الأدلة على حجّيته اذا المتيقّن من بناء العقلاء الذى كان من جملة ادلّة الخبر غير ذلك الحدسى البعيد بل وجوده كان ممتنعا عادة كما ان المنصرف من الآيات و الرّوايات على تقدير دلالتهما و شمولها للحدسى ذلك اى عدم الحجّية خصوصا فيما اذا راى المنقول اليه خطاء الناقل فى اعتقاد الملازمة و حاصله ان الناقل قد ينقل السبب و المسبّب و قد ينقل السّبب فقط و قد ينقل المسبّب فقط اما اذا نقل السبب و المسبّب فلا شبهة فى حجّية ذلك و اما اذا نقل السّبب و كان نقله ممحّضا فى السّبب فقط الا ان نقله كان سببا بنظر المنقول اليه للانتقال الى لازمه بوجه من الوجوه الثلاثة فتعامل ح مع المنقول معاملة المحصّل فى الالتزام بمسبّبه باحكامه و آثاره و اما اذا كان نقله للمسبّب و هو راى الإمام (ع) لا عن حسّ بل بملازمة ثابتة عند الناقل ففيه اشكال و قد عرفت اشكاله بل يمكن ان يقال انه اذا نقل المسبّب باىّ قسم من الأقسام الخمسة المتقدمة فلا يكون حجّة اما القسم الأوّل و الرابع فمن جهة امتناع الوصول الى خدمة الإمام (ع) فى زمان الغيبة غالبا و اما الثّانى فلما عرفت من عدم تماميّة قاعدة اللطف بنفسها مع انها على تقدير صحّتها مستلزمة لانقلاب‏

121

لانقلاب راى الإمام (ع) فيما اذا تحقق اتفاق العلماء على حكمين مختلفين فى عصرين و هو باطل بالضّرورة فكذا المقدم و اما الثّالث فلعدم استلزام اتفاق جماعة من العلماء اىّ جماعة كانت لراى الإمام (ع) بل لا استلزام بين اتفاق جميع العلماء و راى الإمام (ع) فان السّهو و الخطاء غير عزيز فى افراد الإنسان بل هو كالطبيعة الثانية للإنسان و لم تقم دليل على امتناع صدور الخطاء من الفقهاء و من غيرهم لا من العقل و لا من النقل بل العقل و البرهان حاكم على تجويز الخطاء بالنسبة الى جميع افراد الإنسان الّا المعصوم و بالجملة الخطاء و الاشتباه من حيث هو امر ممكن الوقوع على جميع اصناف العلماء الا من كان قلبه مربوطا بالملاء الأعلى و هذا المقام الشامخ ليس الا لأهل بيت النّبوة و الطّهارة الذين طهّرهم اللّه من الرّجس تطهيرا و اما فى اصناف العلماء كجميع الناس مجبولون على الغلط و النسيان حتى ان بعضهم جوّز السّهو و النسيان على النّبى (ص) و إن كان فيه ما فيه و العدالة فى العلماء ايضا لا مدخليّة لها بالإصابة و عدمها و اتفاق المرءوسين بما هم مرءوسون ايضا غير كاشف عن موافقة رئيسهم بعد فرض عدم رؤيتهم ايّاه (ع) الا على وجه التخمين و الظنّ نعم اتفاق جميع الفرقة المحقة على حكم الأحكام من اول زمان الغيبة الى زماننا هذا بحيث لم يتطرق الاختلاف فيه اصلا بحسب الواقع و الحقيقة لا على وجه المسامحة و المساهلة يكشف كشفا قطعيّا عن حقيقة هذا الحكم و موافقته لراى الإمام (ع) لكن مثل هذا الاتفاق فى الأحكام مساق للضرورة كوجوب الصّلاة و الصوم و الزّكاة و الحج مثلا و اما خصوصيّات الاحكام فلا يكاد ان يتفق مسئلة اتفاقيّة بحيث لم يتطرق اليها الاختلاف اصلا بل اكثر المسائل كانت الأقوال فيها غير محصورة نعم يجوز انعقاد القضيّة التقديريّة بان يقال من اعتقد الملازمة بين اتفاق جماعة و راى الإمام (ع) بحيث يكشف كشفا قطعيّا عن راى الإمام (ع) بمجرّد ثبوت الاتفاق كان نقل الاتفاق حجّة عليه و يجب عليه الأتباع اذا ثبت عنده الاتفاق من غير ان يكون بنفسه محصّلا للاتفاق او ثبت عنده تعبّدا بنقل العادل و ح كان المنقول كالمحصّل عنده و ملخّص الكلام انّ الوجوه الخمس كلها باطلة عندنا و لا يثبت بها راى الإمام (ع) و لا يفيد لنا اذا نقل المسبّب و المنكشف و لو قلنا بتعميم ادلة حجّية الخبر الواحد للحدسى نعم يفيد لمن اعتقد صحّة بعض الوجوه المذكورة فكان بالنسبة اليه نقل الحجة و لكن التمسك بالاجماع المنقول لمن يرى صحّة بعض الوجوه المتقدّمة الخمسة ايضا لم يكن مط بل لا بدّ من احراز امور ثلاثة الأوّل ان يحرز تفصيلا ان الناقل ليس مبناه فى نقله على مقدّمة باطلة عند المنقول اليه للعلم الاجمالى باسناد بعض الناقلين نقله الى المقدمة الباطلة فاذا كان مثلا طريقة اللطف باطلة عند المنقول اليه فلا بدّ من احراز ان مستند الناقل ليس قاعدة اللطف و بدون الإحراز لا يجوز التمسّك بالنقل مع العلم الإجمالي باسناد الناقلين نقله الى بعض الوجوه التى كانت باطلة عند

122

المنقول اليه فانّ ادلة حجّية الخبر لا تساعد على الحجّية فيما كان بناء الناقل على امر باطل و لو قلنا بعمومه للخبر الحدسى و ح فلا بدّ من احراز هذا الأمر و لا يكفيه عدم الأحراز الثّانى ان يحرزان الناقل لم يرجع بعد نقله الإجماع عما ادعى فيه الاجماع لأنّه ربما ينقل الإجماع على خلافه و بذلك يصير نقل الإجماع موهونا و لا يجوز الاتكال عليه ما لم يحرز خروجه عن دائرة ما علم فيها ذلك حيث انه يكشف عن مسامحته من نقله قصورا او تقصيرا فلا بدّ من الفحص عن حاله و احراز انه ليس ممّن رجع عن نقله او نقل هو او غيره الإجماع الإجماع على خلافه الثّالث ان يحرزان المسألة المنقول فيها الإجماع لم يكن فيها مانع عن الحدس مع الالتفات اليه كما اذا كان فيها مستندا واضح من خبر صحيح ظاهر او صريح فى المقصود او كان مما يتطرّق اليه العقل بحيث كان من الممكن عادة استناد المجمعين كلّا او بعضا الى حكم العقل فانّ الاتفاق فى هذه المسألة و لو كان من الكلّ لا يوجب الحدس لمن يلتفت الى ذلك قطعا لأن المفروض وجود المانع عن الحدس لمن التفت اليه و ليس هذا من مجرّد الكشف البدوى فى الخطاء فى الحدس كى يتوجه عليه انّ ذلك مستلزم لعدم الحجّية بالنّسبة الى الخبر الحدسى كما قد يتوهم فانّ المفروض تحقق ما يمنع عن الحدس و وجود ما يقتضى الاستناد اليه من العقل و النقل فغلب على الظنّ بالظنّ الاطميناني ان الناقلين كان مستندهم ذلك الخبر الصّحيح او ذلك العقل و مع هذا الظنّ كيف يمكن التمسّك بالنقل المزبور و لعمرى انه بعد ملاحظة الأمور الثلاثة و لزوم احرازها لا يبقى بعد مصداق للإجماع بحيث يصح الاستناد اليه و الاعتماد عليه حتى عند بعض من يرى صحة بعض الوجوه الخمسة المتقدمة الا فى المسائل الكلّية و الأحكام الضّروريّة التى تكون غير محتاجة الى الدليل كوجوب الصلاة و امثالها هذا كله على تقدير نقل المسبّب و المنكشف و هو نقل راى الإمام (ع) كما انّ هذا كله ايضا فيما انكشف الحال و علم ان نقله المسبب كان لا عن حسّ و اما فيما اشتبه و لم يعلم ان نقله المنكشف و المسبّب هل كان مستندا الى الحسّ او الحدس فلا يبعد ان يقال بالاعتبار فان عمدة ادلّة حجّية الأخبار هو بناء العقلاء و هم كما عرفت سابقا يعملون بخبر الثقة اذا علم عن حسّ يعملون به فيما يحتمل كونه عن حدس من غير فرق بينهما حيث انه ليس بنائهم اذا اخبروا بشي‏ء على التوقف و التفتيش عن انه عن حدس او حسّ بل العمل على طبقه و الجرى على وفقه بدون ذلك التوقف و التفتيش بل انك قد عرفت على حسب ما حققناه فى الآية انه لا فرق اصلا بين الحدس و الحسّ بل شمولها للحدس اولى من الحسّ و كذلك بناء العقلاء نعم لا يبعدان يكون بنائهم على ذلك اى العمل بلا توقف فيما لا يعلم الحال فيما لا يكون امارة على الحدس او اعتقاد الملازمة فيما لا يرون هناك ملازمة هذا لكن الإجماعات المنقولة فى السّنة الأصحاب غالبا امارة الحدس فيها موجودة لأن اجماعاتهم المنقولة غالبا مبنيّة على حدس الناقل او اعتقاد الملازمة عقلا

123

عقلا فلا اعتبار ح بها ما لم ينكشف ان نقل السّبب كان مستندا الى الحسّ فيؤخذ بالسبب الحسّى دون المنقول و المنكشف اذا كان سببا بنظر المنقول اليه عقلا او عادة او اتفاقا فيعامل معه معاملة المحصّل فى الالتزام بمسبّبه باحكامه و آثاره و هذا بخلاف ان السّبب لم يكن سببا بنظر المنقول اليه باحدى الوجوه الثلث فانه هل لا يؤخذ به و لا يجعل كالمحصّل لعدم نقله الحجّية لا السبب و لا المسبب اما المسبّب فللاستناد الى الحدس و اما السّبب فلعدم الملازمة بنظر المنقول اليه ام يؤخذ و اعلم ان نقل كسبب و الكاشف اعنى نقل الاتفاق هل يكون حجّة بالمقدار الذى كان تحصيله ممكنا بحسب العادة كى يترتب عليه آثاره و احكامه ام لا فيه اشكال و منشائه ان الموضوعات التى ليس لها اثر شرعى لا يكون قول العادل حجة فيه لأن معنى وجوب تصديق العادل ليس الا ترتيب الآثار الشرعيّة على ما اخبر به فاذا لم يكن للمخبر به اثر شرعىّ فلا معنى لكونه حجة فيه لأنّ المراد بالأثر الشرعى انما هو الحكم الشرعى المجعول للشارع و الملازمة سواء كانت عقليّة او عاديّة او اتفاقية ليست من الآثار الشرعيّة المجعولة للشارع فالمنقول و ما اخبر به العادل اذا كان نفس الاتفاق الذى هو السبب و الكاشف سواء كان تمام السّبب او جزئه ليس له اثر شرعىّ بالمعنى المذكور فانّ دعوى ذهاب جماعة من الفقهاء على حكم ليس له اثر شرعى الا وجوب اتباعه للمقلّدين لتلك الجماعة و اما بالنسبة الى غير المقلّد فليس له اثر شرعى لاتفاق هؤلاء على حكم غاية الأمر أنه على تقدير تمام السبب كان ملازما لراى الإمام (ع) بالفعل و اذا كان جزء السبب يكون ملازما لقوله على تقدير و بحسب الفرض بمعنى لو انضم اليه ما يتمّ به السبب يكون ملازما لقوله (ع) فقد ظهر من جميع ما ذكر انّ الملازمة ليست باثر شرعى كى يترتب على المنقول فيما اذا نقل العادل السبب و الكاشف و على تقدير ان يكون له اثر شرعى لا يكون قول العدل؟

الواحد حجة فيه بل لا بدّ من العدلين فانّ الموضوعات لا بدّ من قيام البيّنة عليها و لا يكفى فيها النقل الواحد هذا و لكن يمكن حلّه بانّ السبب و الكاشف و إن كان من الأمور الخارجيّة و لم يكن له اثر شرعىّ يترتب على نقل العادل و لكن مثل هذا الموضوع الذى كان له دخل فى استكشاف الحكم الشرعىّ دخلا تامّا او ناقصا كان ملحقا بنفس الحكم فنقل العادل يكون حجة فيه لحجّيته فى نقل الأحكام و الآثار الشرعيّة من دون حاجة الى البيّنة و قيام العدلين و حجّية قول العادل فى الأحكام الشرعيّة و اثباتها به مستلزم لحجّية قوله فى بعض ما له دخل فى استكشاف الحكم الشرعى حيث ان الاستكشاف موقوف غالبا على بعض الأمور التى لا يمكن الاستكشاف بدونها فلو لم يكن قول العدل حجة فى امثال ذلك كان حجّية قوله فى نفس الأحكام لغوا صرفا لتوقف الاستكشاف غالبا عليها و قلّ مورد لم يتوقف استكشاف الحكم على بعض الأمور الخارجيّة و ح فاذا قام الدّليل على حجّية قول العدل فى الأحكام لا مجال لعدم الشمول لبعض متعلقات الأحكام و روابطها مما له دخل فى استكشاف الأحكام و تنقيح‏

124

ذلك بملاحظة نقل القرائن و نقل سبق السّؤال و عدمه و نقل بلد الراوى من انه عراقى او كوفىّ او مدنى فانّ دخل هذه الأمور فى استكشاف الحكم لا اشكال فيه و يختلف معها استفادة الاحكام لا محاله فظهر انّ ادلة حجّية الخبر فى الأحكام تدلّ بدلالة الاقتضاء على حجّية تلك الأمور مما له دخل فى استنباط الأحكام من غير فرق فى ذلك بين بناء العقلاء و آية النّبإ و الأخبار فافهم و تبصّر و اذا عرفت ما تلونا عليك فلا بدّ فى الإجماعات المنقولة بالفاظها المختلفة التى قد عرفت اختلاف الفاظها فى الأمر الثّانى من استظهار مقدار دلالة الفاظها و لو بملاحظة حال الناقل من كونه كثير التتبّع و عدمه و خصوص موضع النقل و امثالهما مما له مدخليّة فى ذلك فيؤخذ بذاك المقدار و يعامل معه كانه المحصّل و ح فإن كان بمقدار تمام السّبب عند المنقول اليه فهو و إلّا فلا يجدى فى حد ذاته ما لم يضمّ اليه ممّا حصّله المنقول اليه او نقل له من ساير الأقوال او ساير الامارات بانّه تمّ فافهم لئلا تشتبه عليك الأمر حتى تعرض عن جزء السبب مط او تاخذ به مط بل يؤخذ به لو انضمّ اليه ما حصّله المنقول اليه من ساير الأقوال و الامارات بحيث صار تمام السّبب بالنسبة الى الملازمة عقلا او عادة او اتفاقا عند المنقول اليه و إلّا فلا وجه للأخذ به لعدم نقل الناقل المسبب و لا السّبب التام و لا جزء السّبب فكان الأخذ به لغوا صرفا فتلخص بما ذكرنا ان الإجماع المنقول بخبر الواحد من حكايته راى الإمام (ع) بالتضمّن و الالتزام كخبر الواحد فى الاعتبار لكونه فردا منه فيشمل ادلته اذا كان من نقل اليه ممّن يرى الملازمة باحدى الوجوه الثلث بين رايه (ع) و ما نقله من الأقوال بنحو الجملة و الإجمال و تعمه ادلة اعتباره و ينقسم باقسامه اى يشمل ادلة اعتبار الخبر الواحد هذا المنقول و ينقسم هذا الاجماع المنقول لكونه من افراد الخبر الواحد بجميع اقسام الخبر الواحد من كونه متواترا او واحد الى آخر اقسام الخبر و احكامه و آثاره من الحجّية و غيرها و الا لم يكن فى الاعتبار من جهة الحكاية بما هى حكاية لما عرفت مرارا هذا بالنسبة الى انقل المسبب ان تامّا فتامّا و ان ناقصا فناقصا و اما من جهة نقل السّبب فهو فى الاعتبار بالنسبة الى مقدار من الأقوال التى نقلت اليه على الاجمال بالفاظ نقل الإجماع مثل ما اذا نقلت على التفصيل و ح فلو كان تاما فهو و ان لم يكن تامّا فلو ضمّ اليه مما حصله او نقل اليه من اقوال السّائرين او ضمّ اليه ساير الأمارات و القرائن مقدار اى ضمّ مقدار مما حصله او نقل اليه من اقوال السّائرين كان المجموع منه و مجموع ما نقل بلفظ الاجماع بمقدار السّبب التام كان المجموع عند المنقول اليه كالإجماع المحصّل و ح يكون حاله كما اذا كان كله منقولا فى الحجّية و من المعلوم انه لا تفاوت فى اعتبار الخبر بالنسبة الى جهة الحجّية بين ما اذا كان المخبر به تمامه او ما له دخل فيه و به قوامه من غير فرق‏

125

فرق بينهما كما يشهد به حجّيته بلا ريب فى تعيين حال السّائل و مكانه و خصوصيّة القضيّة الواقعة المسئول عنها من كونها مسبوقة بالسّؤال او غير مسبوقة و غير ذلك مما له دخل فى تعيين مرامه (ع) من كلامه و قد عرفت آنفا تفصيل جميع ذلك قبل المتن من الشرح الذى حققناه فى ذلك فافهم و تبصّر

و ينبغى التنبيه على امور ثلاثة

الأوّل [فى كيفيّة استكشاف راى الإمام ع‏]

انه قد مرّ فيما تقدّم الكلام فى كيفيّة استكشاف راى الإمام (ع) و انه لا يخلو عن احدى الوجوه الخمسة و قد مرّ ايضا ان مبنى دعوى الإجماع غالبا هو اعتقاد الملازمة عقلا لقاعدة اللطف و هى طريقة الشّيخ (ره) و هى على ما عرفت باطلة او اعتقاد الملازمة اتفاقا بحدس رايه (ع) من فتوى جماعة كما هى طريقة المتاخرين و هى على ما عرفت ايضا غالبا غير مسلّمة و اما كون مبنى العلم بدخول الامام بشخصه فى الجماعة كما هى طريقة القدماء او العلم برأيه (ع) للاطلاع بما يلازمه عادة من الفتاوى فقليل جدّا فى الإجماعات المتداولة فى السّنة الأصحاب فلم يبق بعد نقل اجماع يمكن الاتكال عليه كما لا يخفى بل لا يكاد يتفق العلم بدخوله (ع) على نحو الإجمال فى الجماعة فى زمان الغيبة اى الكبرى هذا اشارة الى علم الناقل بدخول الإمام فى المجمعين انما كان بنحو الإجمال لا التفصيل كما حقق ذلك فى دفع الأشكال الوارد على الاجماع فارجع الى المطولات و ان احتمل تشرف بعض الأوحدى بخدمته و معرفته احيانا و قد عرفت حال هذا القسم كما عرفت حال القسم الخامس و هو الاتفاق على القاعدة فلا يكاد بعد يجدى نقل الإجماع فيه الا من باب نقل السّبب بالمقدار الذى احرز من لفظه اى من لفظ الإجماع صراحة و ظهورا و اجمالا بما اكتف به من حال او مقال و بعد ذلك يعامل معه معاملة المحصّل و قد عرفت تفصيل الجميع بما لا مزيد عليه فراجع‏

الثّانى فى تعارض الاجماعات المنقولة و كيفيّة الأخذ بها او طرحها او الأخذ ببعضها

و اعلم انه لا يخفى ان الإجماعات المنقولة اذا تعارض اثنان منها او تعارض اكثر من اثنين منها فلا يكون التعارض الا بحسب المسبب و المنكشف و هو راى الإمام (ع) و هو واضح و اما التعارض بحسب السبب و هو نقل الاتفاق فلا تعارض فى البين لأحتمال صدق الكلّ فى تحصيل الاتفاق لكن نقل الفتاوى على الإجمال بلفظ الإجماع ح لا يصلح لأن يكون سببا تامّا و لا يصلح لأن يكون جزء سبب لينضم اليه ما حصّله المنقول اليه من الأقوال لأن يصير تمام السبب لثبوت الخلاف فيها اى فى الفتاوى و مع الاختلاف كيف يمكن ان يكون سببا او يصير جزء سبب إلّا اذا كان فى احد المتعارضين خصوصيّة موجبة لقطع المنقول اليه برأيه لو اطلع المنقول اليه عليها و لو مع اطلاعه على الخلاف فالاطلاع على الخلاف لا يمنع عن القطع برأيه (ع) اذا كان فى احد المتعارضين خصوصيّة موجبة لذلك اذا اطلع المنقول اليه على الخصوصيّة و هو اى القطع برأى الإمام (ع) و ان لم يكن مع الاطلاع على الفتاوى على اختلافها مفصّلا

126

ببعيد إلّا انه اى القطع برأيه مع عدم الاطلاع عليها كذلك اى بنحو التفصيل الا مجملا بعيد و حاصله ان الاجماعات المنقولة اذا تعارض اثنان منهما او اكثر فلا يكون التعارض بالنسبة الى السّبب لأحتمال صدق الكل بل التعارض انما يكون بحسب المنكشف و لكن نقل الفتاوى بلفظ الاجماع لما كان على سبيل الإجمال لا التفصيل لا يصلح لأن يكون سببا تامّا او جزء السّبب لثبوت الخلاف فى الفتاوى فلا يكون ح حجة فى البين لا السّبب و لا المسبب اما المسبّب فللتعارض و اما السّبب فللاختلاف نعم اذا كان فى احد المتعارضين خصوصيّة موجبة لقطع المنقول اليه برأيه (ع) لو اطلع على الخصوصيّة يكون ذاك الحجة و لو مع اطلاعه على الخلاف لكن القطع براى المعصوم (ع) بعد الاطلاع على الفتاوى مفصلا ليس ببعيد و هذا بخلاف صورة عدم الاطلاع عليها الا بلفظ الإجماع الذى يكون دالّا على الفتاوى بنحو الاجمال فان القطع برأيه بعيد فتامل لعله اشارة الى ان القطع براى الإمام (ع) بعد ان الاطلاع على الفتاوى تفصيلا مع العلم بالخلاف فهو ايضا بعيد نعم لو اطلع على الفتاوى تفصيلا مع عدم العلم بالخلاف فالقطع برأيه (ع) غير بعيد و لكن هذا خلاف الفرض لأن الفرض صورة وجود العلم بالخلاف فافهم‏

الثّالث انه ينقدح مما ذكرنا فى نقل الإجماع بالنسبة الى نقل السّبب او المسبّب حال نقل التواتر بالخبر الواحد

اى انه ظهر حال النقل التواتر بما ذكرنا فى حال نقل الإجماع بمعنى ان العادل اذا اخبر بانّ الخبر الكذائى يكون متواترا فان الناقل ح قد يكون ناقلا للسّبب و الكاشف و هو نقل التواتر و قد يكون ناقلا للمسبّب و المنكشف و هو نقل رأى الإمام (ع) بلا واسطة الحاصل للناقل بسبب التواتر و على التقديرين لا بدّ من احراز ان المقدار الذى حصّله الناقل كان بالغا حد التواتر عند الكل او عند المنقول اليه خاصّة و بدون الأحراز لا يفيد شيئا لأن حصول التواتر بالنسبة الى الأشخاص متفاوتة فقد يحصل باخبار مائة و قد يحصل باخبار مأتين او ثلاثمائة او خمسين او غير ذلك فله مصاديق مختلفة بحسب اختلاف المحصّلين و الأنظار فربما يحصل التواتر عند الناقل دون المنقول اليه و ذلك يوجب الوهن فى النقل على تقدير نقل المسبّب و المنكشف و يمنع عن التمسّك به و الاحتجاج عليه و اما بعد احراز ان مستند الناقل فى نقله راى الإمام (ع) كان اخبار جماعة بالغة حد التواتر عند الكل او عند المنقول اليه بحيث لو كان المنقول اليه نفسه محصلا لذلك المقدار يحصل له القطع برأيه (ع) كما حصل للناقل و ح كان النقل حجة عليه و كان المنقول عنده كالمحصّل هذا على تقدير نقل المسبّب و المنكشف و قد عرفت وجه لزوم الأحراز و اما على تقدير نقل السّبب و الكاشف فانه و إن كان تحصيل مصداق من مصاديق التواتر امرا ممكنا بحسب العادة و العقل من غير فرق بين المصداق الذى كان بالغا الى حد التواتر عند الكل و غيره و ليس من قبيل تحصيل‏

127

تحصيل الإجماع بحيث يمتنع عادة تحصيله حتى يوجب عدم تصديقه الا فى المقدار الذى يمكن تحصيله عادة لكن الوجه فى لزوم الأحراز فى المقام ان اختلاف المصاديق و كثرة اقسام التواتر يوجب الاجمال فى اصل مراد الناقل على تقدير نقله السّبب و الكاشف و الشّك فى انّ المخبر به ح هل هو هذا المصداق او ذاك و من المعلوم ان حجّية خبر العادل انما يكون فيما اخبر به و بعد ما لم يكن المخبر به محرزا حيث بالفرض أن مقصوده و مراده غير معلوم للمنقول اليه و ح كيف يمكن الاخذ بقوله و الاعتماد بنقله فلا بدّ من احراز مقصوده و مراده و استكشاف ما حصّله من كونه اىّ مصداق من المصاديق و ح فان استكشفنا انّ ما اخبر به هو المصداق الذى كان متواترا عند الكلّ او عند المنقول اليه فلا بدّ حينئذ من ترتيب جميع الآثار الواقعيّة عليه و اما ان استكشفنا انّ ما اخبر به هو المصداق الذى كان متواترا عند نفس الناقل خاصّة او عند غيره كما اذا نقل تواتر الخبر الفلانى عند الشهيد (ره) مثلا خاصّة لا عند الكلّ فلا بدّ ح من ترتيب ما يكون من آثار التواتر فى الجملة و لو عند شخص واحد لا ما يكون من آثار التواتر الواقعى فانّ التواتر الواقعى كان مقطوع الانتفاء بالفرض ثم انه على تقدير نقل المسبب و المنكشف بعد احراز انّ مستند الناقل هو السّبب التام بحيث لو حصل لنا ايضا نقطع براى الامام (ع) هل يكون هذا الخبر لكونه بلا توسيط الى الإمام (ع) من جملة خبر العالىّ السّند كى يقدم على الخبر الذى كان مع الواسطة بين الناقل و الإمام (ع) ام لا و لكن لا يبعد القول بتقديم هذا الخبر على الاخبار التى كانت مع الواسطة بعد التعارض بناء على ان يكون عدم الواسطة من المرجّحات الخارجيّة بقول مطلق و اما لو لم يكن عدم الواسطة من المرجّحات فلا وجه لتقديمه على الاخبار الأخر التى تكون مع الواسطة فافهم و تبصر و مما ذكرنا ظهر حال نقل التواتر و انه من حيث المسبّب لا بدّ فى اعتباره من كون الأخبار به اخبارا على الإجمال لا التفصيل لأنه يخبر عن هذا الخبر بانه متواتر و لا شك فى انه اخبار على الاجمال عن التواتر بمقدار يوجب قطع المنقول اليه بما اخبر به لو علم بها او يوجب قطع الكل فحجّية المسبّب انما يكون بعد احراز كون المنقول مما يوجب القطع به عند الكلّ او عند المنقول اليه و إلّا فلا وجه لحجّيته مثل هذا المسبّب و انه من حيث السّبب يثبت به كلّ مقدار كان اخباره بالتواتر دالّا عليه كما اذا اخبر به على التفصيل فلا وجه لاثبات ازيد من ذلك فربّما لا يكون الا دون حد التواتر فيكون من قبيل جزء السّبب فلا بدّ فى معاملته معه معاملته من لحوق مقدار آخر من الأخبار يبلغ المجموع ذاك الحد الذى تكون تامّا فيترتب عليه ح جميع الآثار نعم لو كان هناك اثر للخبر المتواتر فى الجملة و لو كان متواترا عند المخبر

128

و الناقل و ان لم يكن متواترا عند المنقول اليه لوجب ترتيبه عليه اى لوجب ترتيب اثر المتواتر على ما كان متواترا عند الناقل و إن كان دون التواتر عند المنقول اليه و لو لم يدلّ نقل الناقل على ما بحدّ التواتر من المقدار الذى كان سببا تامّا عند المنقول اليه او عند الكلّ و قد عرفت تفصيل كلّ واحد واحد قبل المتن فراجع‏

فصل [الشهرة فى الفتوى‏]

مما قيل باعتباره الشهرة فى الفتوى و دليل اعتباره امور تظهر فيما سيأتي من كلام الأستاذ و لكن الحق انه لا يساعده دليل مما تمسكوا به و توهّم دلالة ادلة حجّية الخبر الواحد عليه بالفحوى لكون الظنّ الذى يفيده اقوى مما يفيده الخبر الواحد فتكون حجة كحجّيته و حاصل التمسك التمسك بفحوى حجية الخبر الواحد نظرا الى انه لما كان ملاك حجّية الخبر الواحد هو الظنّ و كان الظن الذى يحصل من الشهرة اقوى من الظنّ الحاصل من الخبر فتكون هى ايضا حجة بطريق اولى لأن الظن الضعيف اذا كان حجة فالقوى و الأقوى منه يكون حجة بطريق اولى فيه ما لا يخفى خبر للتوهّم ضرورة عدم دلالتها اى الأدلّة على كون مناط اعتباره اى اعتبار الخبر افادته الظنّ لعدم احراز ملاك حجّية الخبر علما غايته تنقيح ذلك بالظنّ و هو لا يوجب الّا الظنّ بانها اى الشهرة اولى بالاعتبار بداهة تبعيّة النتيجة لاخس المقدمتين و الحال انه لا اعتبار به لأنه على تقدير كون الملاك هو الظنّ كان الفحوى ح من الأولويّة الظنّية و هى لا يفيد شيئا هذا مضافا الى انه ليس من الفحوى بل هو من تنقيح المناط فى طرف المفهوم كما قرّره العلامة الأنصارى (ره) لأنّ المفهوم انما يكون من الدلالات اللفظيّة و من المعلوم عدم لفظ فى المقام حتى يقال بانّ هذا منطوقه و هذا مفهومه مع انّ دعوى القطع بانه ليس بمناط غير مجازفة نعم يمكن ان يقال فى وجه الفحوى بان آية النبأ على تقدير استفادة الحجّية للخبر الواحد منها بالتقريب الذى قرّرناه سابقا تدل على حجّية الشهرة بالفحوى بانها تدل على حجّية الخبر حتى فى الخبر الحدسى فيكون وجوب التعيين ثابتا فى خبر الفاسق بحكم المنطوق مط من غير فرق بين الحسّ و الحدس و شدة مناسبة حكم التبين للخبر الحدسى من الفاسق يمنع الانصراف الى الحسّى فتدل ح بالمفهوم على حجّية خبر العدل مط حسّيا كان او حدسيّا فاذا دلّت الآية على حجّية خبر العادل الواحد اذا كان حدسيّا فتدل على حجّية الشهرة بالفحوى لأن الشهرة ايضا خبر حدسى عن جماعة من العدول فاذا كان الخبر الواحد حجة فخبر الجماعة كان اولى بالحجّية و فيه ان المراد بالخبر الواحد ليس خبر شخص واحد بل المراد منه هو خبر لم يبلغ الى مرتبة التواتر سواء كان المخبر شخصا واحدا او كان جماعة و ح يكون الشهرة احدى مراتب الخبر الواحد و لا معنى ح للفحوى بل ربما تكون مرتبة من مراتب الخبر الواحد اكثر جماعة من الشهرة هذا كله على تقدير ان يكون للآية الشريفة مفهوم‏

129

مفهوم و لكن سيأتى الكلام فيه و مجمل الكلام فيه ان المستفاد من تعليل الآية مانعيّة اصابة الجهالة و الوقوع فى الندم عن الحجّية و القبول مثل لا تاكل الرّمّان لانه حامض فكلّما كان المانع فيه موجودا كان عدم الحجّية و القبول موجودا و لا شك فى انّ المانع المزبور يتحقق فى كلّ خبر غير علمىّ حسّيا كان او حدسيّا من غير فرق بين العادل و الفاسق فان تعمّد الكذب و ان كان احتماله منسدّا فى العادل دون الفاسق سيّما اذا كان معنى الفاسق هو الكاذب كما يدل عليه بعض الأخبار و لكن باب احتمال الخطاء و الغفلة و الاشتباه ليس منسدّا فى حق العادل خصوصا فى الحدسيّات فانّ ملاك الإصابة فى الحدس ليس الا شدّة الذكاء و جودة القريحة و استقامة النّظر و العدالة و الفسق لا مدخليّة لهما فى الاصابة و عدمها بل ربما يكون الفاسق اقوى نظرا من العادل فى الحدس و من المعلوم ان الخطاء و الاشتباه كالطبيعة الثانية للإنسان و ليس لاحد التخلّص منه الا من كان فى المرتبة العصمة و الطهارة و هى مخصوصة بمن اذهب اللّه عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا و مرتبة العدالة لا تنافى الخطاء و الغلط فاذا كان باب هذا الاحتمال مفتوحا فى كل خبر غير علمىّ كان باب عدم الحجّية مفتوحا ايضا مط بحكم الآية اى بتعليلها فتكون الآية على هذا من ادلة عدم جواز العمل بغير العلم اللهمّ إلّا ان يمنع التمسك بمنصوص العلة مط و كيف كان فالتمسّك بالفحوى يكون ضعيفا جدّا

[توهّم دلالة المشهورة و المقبولة عليه‏]

و اضعف منه توهّم دلالة المشهورة و المقبولة عليه ففى الأولى قال زرارة قلت جعلت فداك ياتى عنكم الخبران و الحديثان المتعارضان فايّهما نعمل قال خذ بما اشتهر بين اصحابك ودع الشّاذّ النادر قلت يا سيّدى انهما مشهوران ماثوران عنكم قال خذ بما يقوله اعدلهما الخبر) بناء على انّ المراد من الموصول مطلق المشهور رواية كان او فتوى او ان اناطة الحكم بالاشتهار تدل على اعتبار الشهرة فى نفسها و ان لم يكن فى الرّواية و فى المقبولة بعد فرض السائل تساوى الرّوايتين فى العدالة قال (ع) ينظر الى ما كان من روايتهم عنّا فى ذلك الذى حكما به المجمع عليه بين اصحابك فيؤخذ به و يترك الشّاذ الذى ليس بمشهور عند اصحابك فان المجمع عليه لا ريب الخبر) فيكون فى التعليل بقوله فان المجمع عليه لا ريب فيه دلالة على ان المشهور مط مما يجب العمل و إن كان موردا لتعليل الشهرة فى الرّواية هذا وجه الأضعفيّة لوضوح انّ المراد بالموصول فى قوله فى الرّواية الاولى و هى المشهورة خذ بما اشتهر بين اصحابك و فى الرواية الثانية ينظر الى ما كان من روايتهم عنا فى ذلك الذى حكما به المجمع عليه بين اصحابك فيؤخذ به هو الرّواية لا ما يعمّ الفتوى كما هو اوضح من ان يخفى لكون السؤال انما كان بالنسبة الى الرّواية المتعارضة فالجواب‏

130

ايضا منزل على مورد السّئوال فان قلت لا معنى لتخصيص العام بالمورد قلت ليس هذا من باب التخصيص بل من باب ظهور الموصولة فى ذلك و لو كان الوجه فى الظهور هو صدر السّئوال اللّهمّ إلّا ان يقال انّ المراد بما كان من روايتهم الخ هو الحكم فكان معنى الراوى انه هو ينظر الى الحكم الذى حكما به من الرّواية عنّا كان مجمعا عليه بين اصحابك فيؤخذ به و اترك الحكم الذى حكما به من الرواية عنّا كان شاذّا فتكون صريحة فى الأخذ بالحكم و هو الفتوى التى تكون مشهورة فتدلّ على حجّية الشهرة فى الفتوى فافهم‏

فصل المشهور بين الأصحاب حجّية الخبر الواحد فى الجملة

مع قطع النظر عن خصوصيّاته من العدالة و التوثيق و عدم اعراض الاصحاب و وجوده فى الكتب الأربعة و عدمها بالخصوص مع قطع النظر عن دليل الانسداد و لا يخفى انّ هذه المسألة من المسائل الأصوليّة لما يترتب عليه من الآثار ما لا يترتب على المسائل الأخر و اعلم انك بعد ما عرفت المراد من الخبر الواحد من كونه فى قبال التواتر فنقول ان اثبات الأحكام الشرعيّة بالأخبار المرويّة عن الائمة (سلام اللّه عليهم اجمعين) بل اثبات المراد الجدّى بالخبر الواحد المنقول عن كل احد يتوقف على اثبات جهات ثلاثة احدها كون الكلام صادرا عنه الثانية كون صدوره منه لبيان مقصوده الحقيقى و مراده الجدّى لا بغيره من التقيّة و غيرها الثّالثة ثبوت دلالتها على المقصود و المراد و قد تقدّم الكلام فى الجهة الثّالثة و قد عرفت ان التكلم فيها انما يكون فى مقامين احدهما تشخيص اصل الظهور و قد علمت عدم حجّية قول اللّغوى فيه و ثانيهما فى حجّية الظهور و قد دريت انّ بناء العقلاء على حجّيته و التمسك به و الاحتجاج عليه و له و اما الجهة الثانية فلا اشكال فى ان بناء العقلاء على حمل كل كلام صادر عن كلّ متكلم يكون ظاهرا فى المعنى المقصود على المقصود الحقيقىّ و المراد الجدّى دون الحمل على التقيّة او الخوف او غيرهما حتى يوجب صرف اللفظ عن ظهوره و هذا ايضا اصل عقلائى بحيث يحتجّون على المتكلم بظاهر كلامه و لا يسمعون عنه الاعتذار بعدم كون الكلام صادرا لبيان المقصود و المراد الجدّى و قد صدر عنى خوفا او تقيّة او من باب المزاح او غير ذلك و عليه بنائهم و سيرتهم و هو ايضا من الظنون الخاصّة نعم يحمل على التقيّة او الخوف او غيرهما لو احتفّ كلامه بالقرينة اللفظيّة او لم يحفّ بها و لكن كانت قرينتها موجودة كالقرينة الحالية او غير ذلك و اما الجهة الأولى و هى جهة الصّدور فهى التى عقدت لها مسئلة حجّية الخبر الواحد و المرجع فيها الى ان الخبر الحاكى عن السّنة و هى نفس قول المعصوم او فعله او تقريره مع الشكّ فى كونها سنة هل يكون واجب الاتباع كنفس السّنة ام لا و ان شئت قلت انه بعد الفراغ عن حجّية السّنة و وجوب اتباعها فى علم الكلام يبحث فى الأصول فى ان مشكوك السّنة اى الخبر الحاكى عنها هل يكون حجّة كالسّنة ام لا فموضوع المسألة هو مشكوك‏

131

مشكوك السنّة اعنى الخبر الواحد الصّادر عن العدل الحاكى عن السّنة و محمولها هو الحجّية و وجوب الأتباع و هو من عوارضه الذاتية لا من عوارض السّنة لكون الموضوع فى المسألة هو الخبر الحاكى لا السّنة المحكية فيكون من عوارضه لا من عوارضها

[فى بيان المسألة الاصولية]

فان قلت فعلى هذا لا يكون من عوارض الأدلة فلا يكون من المسألة الأصولية قلت و قد عرفت فى اوّل الكتاب انّ الملاك فى المسألة الأصولية صحة وقوع نتيجة المسألة المبحوثة عنها فى طريق الاستنباط اى استنباط الحكم الشرعىّ الفرعى و لو لم يكن البحث فيها عن احوال الادلة الأربعة من الكتاب و السّنة و الاجماع و دليل العقل و ان اشتهر فى السّنة العلماء الفحول كون الموضوع فى علم الأصول هى الأدلة الاربعة بما هى هى او بما هو دليل و عليه اى و على الملاك الذى اخترناه لا يفيد فى ذلك اى كون هذه المسألة اصوليّة تجشّم دعوى انّ البحث عن دليلية الدليل بحث عن احوال الدليل كما تجشّم به صاحب الفصول (ره) من جعل موضوع الأصول ذوات الأدلة بما هى هى كى يكون البحث عن حجّيتها و دليليّتها بحثا عن عوارضها الذاتية ضرورة ان البحث فى المسألة ليس عن دليليّة الأدلة بل عن حجّية الخبر الحاكى عنها و هو الخبر الواحد و سيأتي الإشارة اليه فى ضمن تجشّم الثّانى الى سرّه فانتظر

[فى كون المسألة من عوارض السنة او لا]

كما لا يفيد عليه تجشّم دعوى ان مرجع هذه المسألة الى ان السّنة المحكية بالخبر الواحد و هى نفس قول الحجة او فعله او تقريره هل يثبت بالخبر الواحد الحاكى عنها او لا يثبت الا بما يفيد القطع من التواتر او القرينة المفيدة للقطع كما تجشم به العلامة الأنصارى (ره) فى المقام اما عدم فائدة تجشّم الثّانى فلان البحث عن ثبوت السّنة و تحققها التى هى موضوع العلم ليس من مسائل هذا العلم و من مباحثه و ليس من عوارضها الذاتية لأنّ وجود الشي‏ء و تحققه ليس من العوارض اللاحقة لذلك الشي‏ء كى يكون البحث عنه من مباحث ذلك العلم بل يكون البحث عن وجود الشي‏ء و محققه و معرفته من مبادى العلم و ذلك لأنّ المبحوث عنه فى العلوم هو انما يكون من مفاد كان الناقصة اى ثبوت شي‏ء لشي‏ء لا التامة اى ثبوت الشي‏ء و تحققه فلا بدّ ان يكون موضوع العلم بيّنا او مبيّنا فى علم اعلى و عوارضه من مفاد كان الناقصة فان قلت انّ البحث عن تحقق الشي‏ء و وجوده الحقيقى الذى هو مفاد الهليّة البسيطة و كان التامة و إن كان خارجا عن مسائل العلم و مباحثه لعدم كونه من العوارض اللاحقة بل لا بدّ من ان يكون المبحوث عنه فى علم هو مفاد الهليّة المركبة و كان الناقصة و لكن البحث عن اثبات السّنة بالخبر العادل ليس بحثا عن تحقق السّنة و وجودها الحقيقى كى يكون من مباديه لا من مسائله بل تقول اثبات شي‏ء لشي‏ء تعبّدا من العوارض اللّاحقة لذلك الشي‏ء لان اثبات التعبّدى حكم و الحكم الشرعى المجعول للموضوع من العوارض اللّاحقة لذلك الموضوع بلا كلام و بعبارة اخرى الخبر الواحد ليس واسطة فى الثبوت كى يرجع البحث فى المسألة

132

الى البحث عن اصل تحقق السّنة و وجودها الحقيقى و انما البحث فى انّ الخبر الواحد هل يكون واسطة فى الأثبات شرعا ام لا و الأثبات التعبدى حكم شرعى عارض للسّنة اى السّنة المحكية و هى نفس قوله او فعله او تقريره قلت فان التعبد بثبوتها مع الشك فيها لدى الأخبار بها ليس من عوارضها بل من عوارض مشكوكها كما لا يخفى و حاصل الجواب ان اثبات شي‏ء لشي‏ء تعبّدا و إن كان من مفاد كان الناقصة و السهلية المركبة و لكن هذا من العوارض اللاحقة لمشكوك السنة لا نفس السّنة و بعبارة اخرى ان اثبات السّنة تعبّدا من العوارض الطارية للخبر الحاكى عن السنة الذى هو واسطة فى اثبات السّنة لا من عوارض نفس السّنة الواقعيّة التى هى ذات الواسطة بداهة ان الأثبات تعبد الذى هو حكم شرعى انما هو من آثار الواسطة اعنى الخبر الواحد و ليس من آثار السّنة بل السّنة من متعلق الأثبات فالموضوع للمسألة هو الخبر الحاكى اعنى الخبر الواحد الحاكى عن السنة و المحمول هو الحجّية و وجوب الأتباع و الشاهد على ذلك انا لو قلنا بحجّية الخبر الواحد فالتعبد حاصل سواء كانت السّنة موجودة فى البين ام لا و ان لم نقل بحجّيته فالتعبد غير حاصل سواء كانت السّنة موجودة ام لا مع انّ الموضوع لو كان هو نفس السّنة و كان البحث عن العوارض اللاحقة للسّنة كان الواجب ان يكون البحث عن السّنة الموجودة دائما لأن المعروض الذى يبحث عن عوارضه لا بدّ من فرض وجوده لا محالة لأن ثبوت شي‏ء لشي‏ء فرع لثبوت المثبت له و هو واضح فظهر ان التعبد بثبوت السّنة مع الشكّ فيها لدى الأخبار بها ليس من عوارضها بل من عوارض مشكوكها مع انه اى التعبد بالخبر الحاكى لازم لما يبحث عنه فى المسألة من حجّية الخبر و المبحوث عنه فى المسائل انما هو الملاك فى انها من المباحث او من غيره لا ما هو لازمه كما هو واضح فاذا التحقيق فى المقام يقتضى ما اشرنا اليه مرارا خصوصا فى اوّل الكتاب ان كل مسئلة و قاعدة كانت ممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة و يكون نتيجتها واقعة فى طريق الاستنباط بان وقع صغرى او كبرى للقياس المستتبع للحكم الشرعى تكون من مباحث علم الأصول و موضوعه على هذا هو القدر الجامع بين موضوعات المسائل لا الأدلة الاربعة بما هى هى و لا بما هو دليل كما ذهب اليه صاحب القوانين (ره) لئلا يلزم منه خروج اكثر المسائل عنه و منها حجّية الخبر الواحد و قد ذكرنا شطرا من الكلام فى اوّل الكتاب فراجع ثم لا يخفى ما فى كلام العلامة الأنصارى (ره) فى عنوان البحث من القصور فى العبارة فى المقام حيث انه (ره) بعد دعواه بانّ اصل وجوب العمل بالأخبار المدوّنة فى الكتب المعروفة ممّا اجمع عليه فى هذه الأعصار بل لا يبعد كونه من ضرورى المذهب ثم قال و انما الخلاف في مقامين احدهما كونها مقطوعة الصدور او غير مقطوعه و ثانيهما انها مع عدم قطعيّة صدورها معتبرة بالخصوص ام لا فانّ العمل‏

133

العمل بجميع الاخبار المدوّنة فى الكتب المعروفة اجماعيّا بل ضرورتا كيف يجتمع مع السّلب الكلى و عدم الحجّية راسا و ايضا كون العمل بجميع الأخبار من ضرورى المذهب كيف يجتمع مع اقامة البرهان على الحجّية بالخصوص فان اقامة البرهان على الحجّية و وجوب العمل فرع لنظريّة المسألة و عدم ضروريّتها فكيف يصحّ دعوى ضروريّتها و ان اريد من السّلب الكلى عدم الحجّية بالخصوص و لو كانت حجة من باب دليل الانسداد اذا افادت الظن الشخصى فيرجع الخلاف الى وجه الحجّية لا الى اصل الحجّية و وجوب العمل بها فيردّ عليه اولا ان العمل ح كان بالظن لا بالخبر فان مقدّمات دليل الانسداد على تقدير تماميّتها انما ينتج حجة الظن الفعلى مط من اىّ سبب كان و ثانيا انّ العمل بالظنّ ح كان بحكم البرهان لا بالإجماع و ضرورى المذهب الذى قيد العنوان به و الظاهر ان بين كلماته (قدس سرّه) فى المقام تهافتا اللهمّ إلّا ان يدعى ان السّلب الكلى فى هذه الاعصار بالنسبة الى الحجّية بالخصوص غير متحقق بل الحجّية و وجوب العمل بتلك الأخبار بالخصوص فى الجملة كان اجماعيّا و ضرورتا حتى عند القائل بالانسداد فانه ايضا يعمل بطائفة من تلك الأخبار و كانت حجة عنده بالخصوص بحيث يقدم تلك الطائفة على الظن الفعلى الذى صار حجة بدليل الانسداد غاية الأمر ان الطائفة التى كانت حجة بالخصوص عنده لما لم يكن وافية بتمام الفقه و العسر و الحرج كان مانعا عن الرجوع الى الأصول فى ساير الأحكام فاحتاج ثانيا الى ترتيب مقدّمات الانسداد فالتمسك بالانسداد فى الحقيقة انما كان لاتمام الفقه إن هذا توجيه ما حققه الأستاذ فى مجلس الدّرس اقول هذا التوجيه مما لا يرضى صاحبه و لكن لو تأمّلت حق التامل فى كلامه (ره) تجد من نفسك عدم التهافت فراجع نعم فى الجملة عنوان البحث فيه حزازة و خارج عن طريقة البحث فالأحسن ان يقال ان العمل بهذه الأخبار المدوّنة فى الجملة كانت فى هذه الأعصار مما يمكن ان يدعى الاجماع على العمل بها و لكن الخ و كيف كان فالمحكى عن السيّد و القاضى و ابن زهره و الطبرسى و ابن ادريس عدم حجّية الخبر و استدلّ لهم مضافا الى انّ مقتضى الاصل الأولى عدم الحجّية و من المعلوم ان المنكر للحجّية كان مستريحا عن اقامة البرهان على عدم الحجّية بل المدعى للحجّية له اقامة البرهان و اثبات ذلك بالحجّية و البرهان و مع ذلك فقد وقع للمنكرين للحجّية بطريق السلب الكلى الاستدلال بالآيات الناهية عن اتباع غير العلم مثل لا تقف ما ليس لك به علم فانها دلّت على عدم جواز العمل بغير العلم مط خبرا كان او غيره و مثل تعليل آية النبإ و هو ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين حيث انه دلّ على مانعيّة اصابة القوم بجهالة و الوقوع فى الندم عن الحجّية فكلما كان المانع المذكور موجودا فالحجّية مسلوبة و لا

134

شك انّ الخبر الغير العلمى كان المانع المذكور موجودا فيه و متحقّقا فليس بحجّية بحكم تعليل الآية و الروايات الدالة على ردّ ما لم يعلم انه قولهم (ع) او لم يكن عليه شاهد من كتاب اللّه او شاهدان او لم يكن موافقا للقرآن اليهم او على بطلان ما لا يصدّقه كتاب اللّه او على ان ما لا يكون فى كتاب اللّه زخرف او على النهى عن قبول حديث الا ما وافق الكتاب او السنّة الى غير ذلك من الاخبار

[التمسك بالآيات الناهية و الاخبار المانعة]

و بالجملة ان الأخبار الدالة على عدم العمل بالخبر الغير العلمى كثيرة منها ما دل على عدم جواز العمل بما ليس بخبر علمى و منها ما دلّ على عدم جواز العمل بما لا يوجد له شاهد او شاهدان من كتاب اللّه و منها ما دلّ على عدم جواز العمل بما كان مخالفا للقرآن و منها ما دلّ على عدم جواز العمل بما لا يوافق كتاب اللّه و غير ذلك من الأخبار التى تكون قريبة مضمونها الى ما ذكر و ان شئت فارجع الى مظانها و الإجماع المحكى عن السيّد المرتضى فى مواضع من كلامه بل حكى عنه بعض العامة انه جعله بمنزلة القياس فى كون تركه معروفا من مذهب الشّيعة فظهر مما ذكرنا ان التمسك لهم انما كان بالآيات و الاخبار و الاجماع و الجواب عن الكل اما عن الآيات فبان الظاهر منها او المتيقّن من اطلاقاتها هو اتباع غير العلم فى الأصول الاعتقاديّة لا ما يعم الفروع الشرعيّة هذا مضافا الى ان شمول اطلاقها لحال الانسداد و عدم التمكن من العلم فى غاية البعد بل لاحد دعوى كون الآية مسوقة لبيان عدم جواز الرجوع الى الدليل الغير العلمى مع التمكن من العلم لا مط فانه بعيد جدّا فلا بدّ من الحمل اما على الأصول الاعتقاديّة او الحمل على حال التمكن من العلم لا حال الانسداد و لو سلم عمومها لها فهى مخصّصة بالادلة الآتية الدالة على اعتبار الاخبار فتسليم عمومها ايضا لا يثبت المدعى فافهم و اما الجواب عن الروايات فبأنّ الاستدلال بها خال عن السّداد فانها اخبار آحاد و لا يجوز التمسك بها على عدم حجّية الخبر الواحد الا من باب الزام الخصم لا على وجه البرهان لا يقال انها و ان لم تكن متواترة لفظا و لا معنى إلّا انها متواترة اجمالا للعلم الإجمالي بصدور بعضها لا محالة و حاصل الأشكال ان تلك الأخبار و ان لم تكن متواترا لفظا و لا معنى لاختلافها من حيث المضمون فلا يكون متواترة لفظيّا و لعدم قدر الجامع بينها بحسب المعنى فلا يكون متواترة معنى الا انا نقطع اجمالا بصدور بعضها بحيث يستحيل عادة ان تكون كلها كاذبة فلا بدّ من العمل على طبقها و لا يمكن طرحها لأنها متواترة اجمالا و ان لم تكن متواترة لفظا و لا معنى فانه يقال انها و إن كانت كذلك إلّا انها لا يفيد الا فيما توافقت عليه و هو غير مفيد فى اثبات السّلب كلّيا كما هو محل الكلام و مورد النقض و الإبرام و حاصل الجواب ان قضيّة التواتر الإجمالي بمعنى القطع بصدور بعضها ان تؤخذ بالطائفة التى تكون اخصّ مضمونا بالنسبة الى الجميع‏

135

الجميع ليتطابق عليه الكل اذ هى القدر المتيقّن مما قطع بصدوره و ما يكون اخصّ مضمونا من هذه الا خبار انما هو ما دلّ على المنع عما خالف الكتاب و السّنة و انما تفيد تلك الأخبار عدم حجّية الخبر المخالف للكتاب و السّنة و الالتزام به ليس بضائر بل لا محيص عنه فى مقام المعارضة فان قلت انّ الأخبار التى دلّت على المنع عن العمل بما لا يوافق الكتاب ايضا مساوية لتلك الطّائفة فى المراد قلت الظاهر من هذه الأخبار ان القضيّة فيها انما يكون السلب بانتفاء المحمول و لا يشمل السلب بانتفاء الموضوع فانّ الخبر الذى يكون متعرضا لحكم لم يكن كتاب اللّه متعرضا له اصلا ليس العمل به ممنوعا فبقى ما كان مخالفا لكتاب اللّه و الظاهر انّ المراد بالمخالف بملاحظة سياق تلك الأخبار و بملاحظة القطع بصدور كثير من الاخبار التى كانت بينها و بين الكتاب نسبته هى العموم و الخصوص او الإطلاق و التقييد هو خصوص المخالفة على وجه التباين الكلى لا ما يشمل المخالفة بالعموم و الخصوص او الإطلاق و التقييد و الا يلزم التخصيص المستهجن مع إباء تلك الأخبار عن التخصيص راسا فدلت الأخبار على المنع عن العمل بخصوص ما هو مباين للكتاب و بعد تسليم ان يكون المراد بالمخالف ما يشمل المخالفة بالعموم و الخصوص و الإطلاق و التقييد فنقول انما تدلّ تلك الأخبار على المنع عن العمل بخصوص ما يكون مخالفا للكتاب حتى بالعموم و الخصوص و الإطلاق و التقييد و هذا المقدار لا يدل على عدم الحجّية راسا بطريق السلب الكلى بل تدلّ على عدم جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد و الحاصل ان الأخبار المذكورة على جميع التقادير لا ينافى حجّية اخبار الآحاد و لا تدلّ على السّلب الكلى كى تنافى الايجاب الجزئى سيّما بناء على حمل المخالف على خصوص التباين الكلى كما هو الظاهر من سياق تلك الأخبار و دعوى عدم صدور ما يباين الكتاب كلّية من المخالفين و الكذّابين دعوى غير مسموعة كاحتمال حمل تلك الأخبار على المنع عن العمل بخبر غير الثقة او حمل كلها على ما ورد فى خصوص العقائد او على خصوص مقام المعارضة فان الحمل على الأمور المذكورة مما يقطع بفساده من جهة مضمون تلك الأخبار هذا كله ايضا مما افاده فى مجلس الدّرس و اما الجواب عن الإجماع فبان المحصّل منه غير حاصل كما هو واضح و المنقول منه للاستدلال به غير قابل خصوصا فى هذه المسألة التى تكون معركة للآراء بين الأصحاب كما يظهر وجهه للمتامّل لعدم كشف الإجماع عن راى المعصوم فى المسألة الأصوليّة مع انه معارض بمثله و موهون بذهاب المشهور الى خلافه و اما دعوى السيّد (ره) عدم العمل بالخبر الواحد كالقياس فمقطوع الفساد خصوصا عند الحاجة و فى زمان الانسداد كيف يمكن دعوى عدم جواز العمل من ضروريات‏

136

المذهب مع كون المسألة نظريّة و كان فى كل عصر من الاعصار الخلاف فيها متحققة فتبصّر

فصل [فى الآيات التى استدلّ بها لحجّية الخبر الواحد]

و اعلم انه قد استدل لحجّية الخبر الواحد بامور الكتاب و السّنة و الإجماع و العقل فهذا الفصل فى الآيات التى استدلّ بها لحجّية الخبر الواحد

فمنها آية النبإ قال اللّه تبارك و تعالى‏ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏

و يمكن تقريب الاستدلال بها من وجوه اظهرها انه من جهة مفهوم الشرط و هذا ببيان انّ تعليق الحكم بايجاب التبيّن عن النبإ الذى جي‏ء به على كون الجائى به الفاسق يقتضى انتفائه بانتفائه عملا بمفهوم الشرط فالموضوع فى القضيّة هو نفس النبإ المحقق الذى جي‏ء به و الشرط هو كون الجائى بالخبر فاسقا فعلّق ايجاب التبيّن على كون الجائى به فاسقا فمعنى الآية على هذا ان النبأ الذى جي‏ء به إن كان الجائى به فاسقا يجب التبيّن و إلّا فلا يجب التبيّن و لا يخفى انه على هذا التقرير لا يرد ان الشرط فى القضيّة لبيان تحقق الموضوع كان زرقت ولدا فاختنه و ان ركب الأمير فخذ ركابه فلا مفهوم له او مفهومه السالبة بانتفاء الموضوع فان عدم وجوب التبيّن لعدم ما تبيّن و حاصل الأشكال انه يمنع كون الآية مسوقة لتعلق الحكم على الشرط بل ليس فى مثل الآية الّا اثبات الحكم لموضوعه و سيقت الآية و القضيّة الشرطيّة لمجرّد تحقق الموضوع و هو خبر الفاسق كما يظهر و سيجي‏ء الفرق بينهما و كيف كان حالها من ملاحظة نظائرها مثل ان ركب الأمير فخذ ركابه و ان زرقت ولدا فاختنه الى غير ذلك حيث انّ مفادهما ليس الّا الحكم باخذ ركاب الامير و ختان الولد من دون تعليقه على شي‏ء كى يقتضى انتفائه عند انتفائه و بالجملة ان القضيّة الشرطيّة فى الآية مسوقة لبيان تحقق الموضوع اى ان وجد خبر الفاسق يجب التبين مع سكوتها عن عدم وجدان غيره و ما يكون كذلك لا مفهوم له اصلا نعم ينتفى الحكم بانتفاء الموضوع الّا ان هذا الانتفاء ليس من جهة دلالة اللفظ بل من جهة دلالة العقل فانّ العقل يحكم بانتفاء الحكم الشخصى بانتفاء الموضوع و هو جار في كلّ قضيّة سواء كانت ملفوظة او معقولة شرطيّة كانت او حمليّة نظير مفهوم اللقب مع عدم المفهوم له لا ان يكون القضيّة لها مفهوم لكن على وجه السالبة بانتفاء الموضوع كما يظهر ذلك من كلام العلامة الانصارى (ره) و حاصل الدفع يظهر من التّامل فيما قررناه من بيان موضوع القضيّة فافهم نعم لو كان الشرط هو نفس تحقق النبإ و مجي‏ء الفاسق به كانت القضيّة الشرطية مسوقة لبيان تحقق الموضوع فيرد الأشكال مع انه يمكن ان يقال ان القضيّة و لو كانت مسوقة لذلك إلّا انها ظاهرة فى انحصار موضوع وجوب التبيّن فى النبإ الذى جاء به الفاسق فيقتضى انتفاء وجوب التّبين عند انتفائه اى لفاسق و وجود موضوع‏

137

موضوع آخر و هو العادل و حاصله انه بعد احراز كون القضيّة مسوقة لمجرّد تحقق الموضوع يمكن ان يقال انّ لها ايضا مفهوما من باب دلالة القضيّة الشرطيّة على انتفاء سنخ الحكم عن غير ما علّق عليه الحكم اى الموضوع فلا وجه لاختصاص المفهوم بما اذا كان المعلق عليه غير الموضوع و ذلك لأن تعليق الحكم بان و اخواتها تدل على السّببية المنحصرة كما حقق فى محلّه و بعد ما كان كلمة انّ و اخواتها موضوعة لافادة السببية المنحصرة و اثبات العلقة و الملازمة الخاصّة بين الحكم و ما يتلوه من الموضوع و غيره فلا وجه للفرق بين ما اذا كان المعلق عليه امرا غير الموضوع او نفس الموضوع لاستبعاد ان تكون ادوات الشرط فيما اذا كان المعلق عليه نفس الموضوع مستعملة فى غير معناها الحقيقى اى ما كان لافادة السببيّة المنحصرة قد استعمل فى مجرّد الرّبط اى ربط الوجود بالوجود مع كثرة استعمال هذه القضايا فى المحاورات بل من القريب جدّا استعمالها فى الموارد المذكورات ايضا فى معناها الحقيقى الذى لازمه انتفاء سنخ المعلق عند انتفاء سنخ المعلق عليه بالدلالة المفهومية لانتفاء شخص الحكم الذى يكون انتفائه بالدلالة العقليّة فتدل الآية على انتفاء سنخ وجوب التبين راسا عند انتفاء خبر الفاسق و هذا لا يكون الّا اذا لم يكن التبين فى خبر العادل و الا لم يكن سنخ الحكم منتفيا هذا كله على تقدير تسليم كون القضيّة هنا لبيان تحقق الموضوع و ان يكون الموضوع هو بناء الفاسق و الا فانك قد عرفت ان الموضوع فى القضيّة هو البناء المحقق الذى جي‏ء به و الجائى به قد يكون فاسقا و قد يكون عادلا فلو كان الجائى به فاسقا فيجب التبين دون العادل و وصف الفسق الذى علق عليه الحكم كان امرا زائدا على الموضوع و عليه يكون مفهومه عدم اشراط القبول بالتبيّن عند انتفاء شرطه كما هو واضح فتدبّر و لكنه يشكل بانه ليس لها هاهنا مفهوم و لو سلم ان امثالها ظاهرة فى المفهوم و لو سبقت لبيان تحقق الموضوع لأن التعليل باصابة القوم بالجهالة المشترك بين المفهوم و المنطوق قرينة على انها ليس لها مفهوم لان الخطاء و السهو و الجهالة و الغلط امر مشترك بين العادل و الفاسق و لا مدخلية لها فى وصف العدالة و الفسق فى الإصابة بالجهالة و وقوع الخطاء و السّهو و النسيان و عدمها نعم جودة الفهم و حسن القريحة لهما مدخليّة فى الإصابة و عدمها فالتعليل باصابة القوم بالجهالة المشترك بين المفهوم و المنطوق قرينة على انها ليس لها مفهوم نعم يمكن ان يقال ان المقام ح يصير من باب تعارض الاحوال و تدور الأمر بين العمل بعموم التعليل او العمل بالمفهوم مع امكان تقديم المفهوم لأنه وضعىّ و التعليل عموم حكمتى من باب خلق كلام الحكيم عن اللغوية و فيه مضافا الى ان عموم المفهوم ايضا من الإطلاق ان الدار على‏

138

الظهور و يظهر للمتامل فى مجموع الكلام من المعلل و العلّة عدم بقاء المجال للمفهوم لأقوائيّة ظهور التعليل بملاحظة العلة و المعلّل على ظهور المفهوم و ح فلا مفهوم للآية و لكن لا يخفى عليك انّ الأشكال الذى ذكرناه من عدم المفهوم للآية من جهة التعليل انما يبتنى على كون الجهالة بمعنى عدم العلم كما هو ظاهر لفظها كما ان المراد من التبين هو التبيّن العلمى مع ان دعوى انها بمعنى السّفاهة و فعل ما لا ينبغى صدوره من العاقل غير بعيدة و ان قال ببعده العلامة الأنصارى (ره) فتامل و اعلم انا قد اشرنا آنفا الى ان التمسك بالآية من جهات اظهرها من باب مفهوم الشرط الثانية من جهة مفهوم الوصف حيث انه علق وجوب التعيين على وصف الفسق الثّالثة من جهة استفادة العلّية من الاقتران و المناسبة حيث انه اقترن بالحكم ما لو لم يكن علة له لاستبعد اقترانه به جدّا بل كان لغوا صرفا مع كمال مناسبته مع الحكم المذكور فيستفاد من ذلك علّية ذلك الوصف للحكم المذكور و كونه تمام المناط له فان اقتران الحكم بالوصف المذكور كاشف عن العلّية و المقام من هذا القبيل لانّ وجوب التبين مناسب للفسق دون العدالة فيستكشف من اقتران الحكم بوصف الفسق ان الفسق علة تامّة لوجوب التبيّن بحيث يوجد بوجوده و ينتفى بانتفائه الرابعة ان المستفاد من الآية حيث انه تبارك و تعالى علل عدم قبول خبر الفاسق لخوف اصابة القوم بجهالة و لم يعلّل القبول فى خبر الفاسق بالخوف ذلك انّ الخبر من حيث هو مقتض للقبول و التصديق و الفسق علة تامّة لوجوب التبين فهو مانع عن القبول و التصديق و ذلك لأن تعليل العدم بالامر الوجودى كاشف عن ثبوت المقتضى و تحققه من جهة انه لولاه لكان المتعين تعليل القبول بعدم الخوف فتدلّ الآية على حجّية كلّ خبر و ان القبول مقتضى الأصل و عدم قبول خبر الفاسق كان على خلاف الاصل الخامسة من جهة تعميم التبين الظاهر فى العلمى الى اعمّ منه و من الاطميناني او مطلق الظن سواء كان المخبر به بهذا الخبر عادلا او فاسقا و انما وجب التبين فى الخبر الذى لا يفيد العلم و لا الاطمينان او الظن بصدوره فتدل الآية على حجّية الخبر الموثوق بصدوره سواء المخبر عادلا ام لا فان الوثوق و الاطمينان بالصدور قد يتحقق من جهة احراز العدالة و قد يتحقق من جهة احراز الصّدق و التحرّز عن الكذب فى المخبر و ان كان فاسقا من جهات أخر هذه الوجوه غاية ما يمكن ان يقال بل قيل فى تقريب الاستدلال بالآية لحجّية الخبر الواحد و كلها مخدوشة غير خالية عن الاشكال اما الوجه الاوّل فقد عرفت و اما الثّانى فيرد عليه منع المفهوم للوصف مط سيّما مثل هذا الوصف الغير المعتمد على الموصوف و اما الثّالث فيرد عليه منع استفادة العلّية من الاقتران و المناسبة فى المقام فانّ استفادة العلّية من الاقتران و المناسبة انما يتمّ فيما

139

فيما اذا اقترن الحكم بوصف لو لم يكن الوصف علّة تامّة للحكم كان الاقتران لغوا صرفا و لم تكن هناك نكتة اخرى غير افادة العلّية من الاقتران و المقام ليس كذلك لأحتمال ان يكون الاقتران لمجرّد البينة على فسق الوليد و مع هذا الاحتمال كيف يتمّ استفادة العلّية و اما الرابع فيرد عليه منع رجوع التعليل الى عدم القبول بل العلة راجعة الى اشتراط القبول بالتبيّن كما هو الظاهر من الآية و عليه فلا دلالة على كون القبول مط على وفق الاصل ضرورة ان وجه الاستفادة هو تعليل عدم القبول بالوجود اعنى اصابة القوم بالجهالة الذى كاشف عن ثبوت المقتضى و تحققه و بعد منع رجوع التعليل الى عدم القبول كانت الاستفادة ممنوعة مع انه لو سلم رجوعه الى عدم القبول فانما يفيد المطلوب لو احرز المانع بما علّل عليه مع انه لا طريق اليه و اما الوجه الخامس فيرد عليه منع التعميم فى التبيّن بظهوره فى التبيّن العلمى فان التبين هو الاستكشاف و الوضوح و لا شك فى ظهوره فى خصوص العلمى سيّما بملاحظة مقابلته بالجهالة الظاهرة فى عدم العلم مط فهى قرينة على ارادة خصوص التبيّن العلمى فى المقام على انه لو سلّم عدم الظهور بنفسه و لا بالقرينة المقابلة بالجهالة فلا اقل فى عدم ظهوره فى الشمول و العموم لمطلق الظنّ او خصوص الاطميناني منه و مع عدم الظهور فى ذلك كيف يتمّ دعوى العموم و الشمول هذا و اعلم انه قد استشكل فى الآية باشكالات أخر ايضا و لكنّها قابلة الدفع و ان شئت فارجع الى الفرائد و حواشيه و لو لم يخرج الرّسالة عن وضعها لتعرضتها مع دفعها و لكن الاشتغال بالاهم و الاعراض عن المهمّ اولى بالمقام هذا و مع ذلك كله يمكن ان يراد من التبيّن خصوص التبيّن الاطميناني و لا يعد العمل على طبقه فى العرف جهالة او سفاهة من حيث انّ العمل على طبق الخبر الاطميناني معمول به عند العقلاء كما انّ العمل على طبقه لا يكون موجبا للندامة و هذا ديدن العقلاء فالآية تدل مفهوما و منطوقا على حجّية خبر العادل من دون تبيّن و حجّية خبر الفاسق مع التبيّن الاطميناني و لا يلزم من هذا عدم حجّية قوله راسا لاحتمال ان يكون التبيّن بهذا المعنى شرطا لجواز العمل بخبر الفاسق فلا يكون مطلق الاطميناني و لا مطلق التبين موجبا لحجية قوله بل التبيّن الاطمينانى بحجّة نعم لو كان المراد من التبين التبيّن العلمى فلا يجوز العمل بخبر الفاسق راسا اذ لا معنى لاشتراطه بالعلم فالتبيّن العلمى كان موجبا لطرح قوله راسا و هذا بخلاف التبيّن الاطميناني لإمكان ان يكون خبره حجة بشرط التبيّن الاطميناني و هذا المعنى موقوف على صدق التبيّن و هو صادق عند التبيّن الاطميناني و بعد احراز التبيّن لا غائلة على العمل بقوله و لا يعارضه التعليل من جهة انّ العمل على طبق الخبر العادل مط و الخبر الفاسق الموجب للاطمئنان كما انه ليس من الجهالة و السّفاهة كذلك لا يكون موجبا

140

لوقوع الشخص فى الندم عند العقلاء و اما مخالفته مع الواقع احيانا فهو مشترك الورود لأنّ العلم ايضا قد يخالف عن الواقع كالجهل المركب فكما ان العمل على طبق العلم المخالف للواقع ليس مذموما عند العقلاء فى صورة جهل المطابقة فكذلك ذلك هذا كله مع امكان ان يقال انّ المراد من الفسق فى الآية هو الكذب و يدل على ذلك تفسير جماعة من العامّة و الخاصّة الفسق فى الآية بالكذب و كذلك يؤيّده مورد الآية و هو خبر الوليد و العمدة فى ذلك الخبر المروى عن الإمام (ع) حيث سئل عنه الراوى ما المراد من الفسق فى قوله تعالى‏ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ‏ فاجاب (ع) بان المراد من الفسق فى آية الحج هو الكذب كما هو المراد من آية إِنْ جاءَكُمْ* هذا مضمون الخبر فافهم و تبصّر ثم انه لو سلم تماميّة دلالة الآية على حجّية خبر العدل ربما اشكل شمول مثلها للرّوايات الحاكية لقول الإمام (ع) بواسطة واحدة او وسائط متكثرة ببيان انه لا معنى لصدق العادل لوجوب التصديق تعبّدا الا ترتيب آثار الواقع الثابتة لما اخبر به العادل شرعا عليه اذا اخبر به كجواز الاقتداء عند الاخبار بالعدالة مثلا و ترتيب آثار الموت عند اخبار العادل به كتقسيم ارث الميّت و امثاله فمعنى وجوب التصديق بالنسبة الى قول العادل و حجّية خبره تعبّدا ليس الا ترتيب الآثار الثابتة له شرعا هذا و هذا يتصوّر فيما كان لما اخبر به اثر و حكم من الاحكام حكم و اما اذا كان ما اخبر به العادل هو خبر العدل او عدالة المخبر فلا يتصوّر له اثر شرعى غير وجوب التصديق الذى انشاء بنفس هذه الآية فلا يعمّ نفسه لاستلزامه اتحاد الحكم و الموضوع فيلزم فى المقام ان يكون وجوب التصديق موضوعا لوجوب التصديق حيث ان المفروض ان المخبر به العادل ح لم يكن له اثر شرعى الا هذا الاثر فلو عمّ الحكم اى وجوب التصديق لنفس وجوب التصديق بمعنى ان يعمّ نفس هذا الاثر المنشأ بالآية بحيث كان لسان الآية وجوب ترتيب جميع الآثار حتى نفس وجوب ترتيب الآثار يلزم اتحاد الحكم و الموضوع بالضرورة حيث ان مرجع ذلك الى ان وجوب التصديق ايضا مما وجب ترتيبه على خبر العادل الذى ليس له اثر شرعىّ بالفرض الا وجوب التصديق و الحاصل ان ما اخبر به العادل إن كان له اثر شرعى الذى قد ثبت بغير هذه الآية كجواز الاقتداء بالنسبة الى الأخبار بالعدل فلا اشكال فى الترتيب و اما اذا لم يكن له اثر شرعى الا وجوب التصديق الذى يكون عبارة اخرى عن وجوب ترتيب الأثر فيلزم ان يعمّ الحكم نفسه و هو محال بالبداهة لتقدم الموضوع على الحكم و تاخّره عنه طبعا و مرتبة فلا يمكن ان يعمّ الحكم نفسه بحيث يصير موضوعا لنفسه و ورود هذا الاشكال فى الرّوايات لا مجال لإنكاره و لو فيما لم يكن بين المخبر و المخبر به واسطة اصلا فانّ الشّيخ (ره) مثلا اذا اخبر عن اخبار المفيد او اخبر عن عدالة المفيد لو اخبر المفيد بخبر مثلا لا يكاد يتصوّر له اثر شرعىّ يهمّ‏

141

يهمّ ترتيبه الا وجوب تصديقه الذى هو قد انشاء بنفس وجوب التصديق فيستحيل ان يعمّ الآية لمثل خبر الشّيخ (ره) الذى كان اخباره خبر قد اخبر العادل او عدالة المخبر و إن كان خبر الشّيخ (ره) خبرا عادلا قد احرز خبريّته و عدالته بالوجدان و لكن حيث انه لا اثر له شرعا يهمّ ترتيبه غير وجوب تصديقه لا يمكن ان يعمّه وجوب التصديق المنشأ بالآية لما عرفت بيانه و ببيان آخر انك قد عرفت انه لا معنى لوجوب التصديق الا وجوب ترتيب الأثر الشرعى على ما اخبر به العادل فالأثر الشّرعى كان موضوعا فى هذا الإنشاء و وجوب الترتيب كان حكما و الأثر الشرعىّ ليس الّا الاحكام الشرعيّة و نفس وجوب الترتيب ايضا حكم شرعى قد انشاء بنفس هذه الآية فقد تحقّق فرد من افراد طبيعة الأثر الشرعى بنفس انشاء وجوب التصديق فهو محقق لهذا الفرد من موضوع الأثر و كان واسطة فى الثّبوت بالنسبة اليه و كل حكم كان محققا للموضوع لا يمكن ان يعمّ ذاك الموضوع لتقدّمه على هذا الحكم ذاتا و طبعا فيستحيل ان يصير حكما له و مؤخرا عنه كما فى كل خبرى صادق فانّ خبريّة هذا الخبر يتحقّق بالموضوع و المحمول جميعا فلا يمكن ان يعمّ هذا الحكم لنفس هذا الخبر لكونه محققا لموضوعه هذا و قد اشار شيخنا الأستاذ الى هذا الأشكال بقوله ثم انه لو سلم تماميّة دلالة الآية على حجّية خبر العدل ربما اشكل فى شمول مثلها للرّوايات الحاكية لقول الإمام (ع) بواسطة او وسائط فانه كيف يمكن الحكم بوجوب التصديق الذى ليس الا بمعنى وجوب ترتيب ما للمخبر به من الأثر الشّرعىّ بلحاظ نفس هذا الوجوب فيما كان المخبر به خبر العدل او كان المخبر به عدالة المخبر بان اخبر الشّيخ (ره) مثلا بان المفيد عادل لانه اى لان وجوب التصديق الذى يترتب على خبر العدل او عدالة المخبر و إن كان اثرا شرعيّا لهما لأنه حكم من الشارع قد انشائه بلسان صدق العادل او إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا إلّا انه بنفس الحكم فى مثل الآية بوجوب تصديق خبر العدل حسب الفرض فيعمّ الحكم نفسه فيلزم اتحاد الحكم و الموضوع و هو محال نعم لو انشاء هذا الحكم ثانيا فلا بأس فى ان يكون بلحاظه ايضا حيث انه صار اثرا بجعل آخر فلا يلزم اتحاد الحكم و الموضوع بخلاف ما اذا لم يكن هناك الا جعل واحد فانه يلزم اتحاد الحكم و الموضوع و هو محال فتدبّر و لكن يمكن الذب عن هذا الاشكال بوجوه الأوّل انه يدفع الأشكال بانه يلزم ذلك الأشكال اذا لم يكن القضية طبيعيّة و الحكم فيها بلحاظ طبيعة الأثر بل كان الحكم بلحاظ افراده و الا فالحكم بوجوب التصديق يسرى اليه سراية حكم الطبيعة الى افراده لما ثبت ان الحكم الثابت للطبيعة السّارية يسرى الى جميع افرادها بلا محذور لزوم اتحاد الحكم و الموضوع و جعل القضيّة طبيعيّة بمعنى ان يكون الموضوع فى القضيّة

142

الطبيعة السارية الى جميع الأفراد مع القاء خصوصيّات الأفراد لا الطبيعة من حيث هى التى لا موطن لها الّا الذّهن بان يكون الطبيعة من حيث هى ما فيه ينظر كما فى اصطلاح المنطقيّين بل المراد الطبيعة السّارية فى جميع الأفراد و الجزئيّات؟ الغير المتناهية من حيث ذواتها المشتركة التى يرجع اليها القضايا المحصورة بحسب اللبّ و الحقيقة بان تكون الطبيعة ما به ينظر الى المعنون كما انّ هذا هو مراد القائلين بكون الطبيعة متعلقة للأحكام لا الأفراد بمعنى انّ الطبيعة السّارية الى جميع الجزئيات مع القاء خصوصيّات الأفراد و اللوازم المفردة تكون متعلقة للأحكام كما عرفت هذا فى بابه فراجع و هكذا الكلام فى المقام فان الموضوع فى قضيّة وجوب ترتيب الأثر الذى هو عبارة اخرى عن وجوب التصديق المنشإ بآية النبإ هو طبيعة الاثر الشرعى بالمعنى المذكور فطبيعة الأثر الشرعى ملزومة لوجوب الترتيب و هو لازم لها فتدور معها اينما دارت و يتحقّق معها كلما تحققت او يقال انّ خبر العادل ملزوم لوجوب ترتيب الأثر الشرعى و هو لازم له دائما بحيث لا يجوز انفكاكه عنه شرعا و مال التعبدين الى امر واحد فيسرى الحكم الى نفس هذا الأثر بالدلالة اللفظية ايضا سراية حكم الطبيعة الى جميع الأفراد و منها نفس هذا الأثر هذا مضافا الى القطع بتحقّق ما هو المناط فى ساير الآثار فى هذا الأثر من غير فرق بينه و بينها اى وجوب التصديق بعد تحققه بهذا الخطاب الذى قد انشاء به و إن كان لا يمكن ان يكون لأجل المحذور و هو سراية الحكم الى نفسه و اتحاد الحكم و موضوعه و هذا هو الوجه الثّانى من وجه الذب و حاصله من باب تنقيح المناط ببيان ان اللفظ و إن كان قاصرا بنفسه عن الدلالة على الحكم بوجوب التصديق بلحاظ جميع الآثار حتى نفس هذا الأثر لما عرفت من تقدير الأشكال إلّا انه بضميمة العلم بالمناط قطعا يكون دالّا على ذلك بمعنى انّ المقصود الحقيقى و المراد الجدّى من الآية عدم طرح خبر العادل فيما كان له اثر شرعىّ اىّ اثر كان و لو نفس هذا الحكم الذى قد انشاء بنفس الآية اعنى وجوب التصديق و هذا تمام الملاك و المناط فى ذلك و بعد احراز المناط القطعى من مذاق الشارع يعمّ الحكم لنفسه ايضا من باب تنقيح المناط و ان لم يعمّه العموم اللفظى و يتضح ذلك بالمثال المتقدم فان القائل بقول كل خبرى صادق انما هو بصدد دفع الكذب عن نفسه بالنسبة الى اخباره رأسا و دعوى ملازمة الصّدق لكل ما اخبر به و لو نفس هذا الخبر الذى قد تحقّق موضوع خبريّته بنفس انشاء هذا الحكم و لا مجال لعدم شمول هذا الحكم لنفس هذا الخبر بحسب اللّبّ و ان لم يكن شموله بحسب عموم اللفظ لقصور عالم اللفظ دون عالم اللّب و هذا مضافا ايضا الى عدم القول بالفصل بينه و بين سائر الآثار فى وجوب الترتيب لدى الأخبار بموضوع صار اثره الشرعى وجوب التصديق و هو

143

و هو خبر العدل و لو بنفس الحكم فى الآية به فافهم فانه فرق واضح بين الوجوه الثلاثة و يمكن ان يكون اشارة الى انّ عدم القول بالفصل غير الإجماع على عدم جواز احداث الفصل و الذى يثمر انما يكون فى الثّانى دون الأوّل فتبصّر و لا يخفى انه لا مجال بعد اندفاع الأشكال المتقدم من اتحاد الحكم و موضوعه بذلك الوجه اى باحدى الوجوه الثلاثة من فرض القضيّة الطبيعيّة او العلم بالمناط او عدم القول بالفصل لا اشكال فى خصوص الوسائط من الأخبار كما صدر عن العلامة الأنصارى (ره) كخبر الصفار المحكى بخبر المفيد مثلا بانه متعلق بالأشكال لا يكاد يكون خبرا تعبّدا الا بنفس الحكم بوجوب تصديق العادل الشامل للمفيد فكيف يكون هذا الحكم المحقّق بكسر القاف لخبر الصّفار تعبدا مثلا حكما له ايضا فقرّب العلامة الأنصارى (ره) الأشكال بان ما يحكيه الشّيخ عن المفيد اذا صار خبرا للمفيد بحكم وجوب التصديق فكيف يصير موضوعا لوجوب التصديق الذى لم يثبت موضوع الخبريّة الآية و حاصله ان الحكم الذى كان محققا للموضوع لا يمكن ان يعمّ هذا الموضوع و خبر المفيد الّذى اخبر به الشّيخ قد تحقّق بوجوب تصديق الشّيخ فكيف يصير موضوعا لوجوب التصديق ثم بعد هذا التقريب قد دفع الأشكال بالوجهين السّابقين الذين قرّبناهما من القضيّة الطبيعيّة و العلم بتنقيح المناط الخ و ذلك اى عدم المجال للاشكال لانه اذا كان خبر العدل ذا اثر شرعى حقيقة بحكم الآية وجب ترتيب اثره عليه عند اخبار العدل به كسائر ذوات الآثار من الموضوعات من غير فرق بينه و بينها لما عرفت من شمول مثل الآية للخبر الحاكى للخبر بنحو القضيّة الطّبيعيّة او الشمول الحكم فيها له مناطا و ان لم يشمله لفظا او لعدم القول بالفصل و اعلم انّ العلامة الأنصارى (ره) بعد تقريبه الأشكال الذى نقلناه عنه آنفا قد تقضى عن الأشكال بالوجهين السّابقين الذين اشار شيخنا الأستاذ اليهما من تنقيح المناط و فرض القضية بنحو الطبيعة و لكنّك خبير بانّ الوجهين لا يجديان فى رفع هذا الأشكال الذى اورده (قدس سرّه) فى المقام فهذا الأشكال على تقدير وروده لا يمكن دفعه بالوجهين لأن تنقيح المناط و جعل القضية طبيعيّة انما يجدى بالنسبة الى الأفراد الواقعيّة و هو انما تكون فيما كان الحكم محققا لهذا الفرد من الأثر الشرعىّ حقيقة و لم يكن لهذا الفرد تحقق و ثبوت بدون هذا الحكم اصلا و بعبارة اخرى الوجهان انما يجديان فيما اذا كان الحكم واسطة فى الثبوت للموضوع كى يكون الموضوع من الأفراد الحقيقيّة مع ان المقام ليس كذلك فانّ خبر المفيد الذى اخبر به الشّيخ ليس من الأفراد الحقيقيّة لطبيعة الخبر و لا من الأفراد الجعليّة الا بعد تصديق الشّيخ و ترتيب الاثر على خبره و هو لا يمكن الّا بعد التفصى عن الأشكال الذى اوردناه و معه لا مجال لهذا الاشكال اذ لا معنى لكونه خبرا

144

تعبّدا الا ترتيب وجوب التصديق على خبر الشّيخ و بعد ترتيب وجوب التصديق على خبر الشّيخ بالوجه الذى اوضحناه لا يبقى مجال للأشكال اصلا لما عرفت الملازمة بين خبر العادل و طبيعة الأثر الشرعىّ و بتصديق الشّيخ يتحقق الخبريّة لخبر المفيد و هو ملازم لطبيعة الأثر الشرعى الذى هو وجوب التصديق و هكذا يتحقق به خبر الصفّار مثلا و هو ملازم لطبيعة الأثر الشرعىّ و هكذا الى ان ينتهى الى المعصوم (ع) فبمجرّد ترتيب طبيعة الأثر الشرعى على خبر الشّيخ يتحقق موضوع خبر العادل الملازم لهذه الطّبيعة و هكذا الى ان ينتهى الى المعصوم فتلخّص مما بيّناه و اوضحناه عبارة المتن ان تقريب الإشكال على الوجه الذى اورده العلامة الأنصارى (ره) مما لا وجه له بل الوجه ما اورده شيخنا الأستاذ و اجاب به و اوضحناه و بما ذكرنا ظهر ايضا اندفاع الأشكال فى مثل الإقرار على الإقرار و الشهادة على الشهادة فانه بعد جعل الإقرار و الشهادة هو طبيعة السّارية الى الأفراد و كانت ملازمة للحكم المجعول لها و هو الإنفاذ و الأثبات فى الأول و القبول و التصديق فى الثّانى فيدور الحكم معها حيثما دارت و يتحقق بها حيثما تحققت من غير فرق بين الفرد الذى قد تحقّق بنفس هذا الحكم و غيره من الأفراد و قد اجاب الشّيخ (ره) عن الأشكال الذى قربه نفسه (ره) بما فى الرسائل بقوله و ثانيا بالحل و هو واضح الفساد و اعترف هو (ره) ايضا بفساده فى الدّورة التالية و مدّ (ره) عليه الخط الباطل و حاصله الفرق بين كون الحكم واسطة فى الأثبات او واسطة فى الثبوت و الأشكال المتقدم انما يتمشى فيما كان الحكم واسطة فى ثبوت الموضوع و تحققه فيستحيل ح شمول الحكم المزبور لهذا الموضوع الذى قد تحقق بالحكم و اما اذا كان واسطة فى الأثبات فلا اشكال لأن الواسطة فى الأثبات ليست علّة و محققة لذى الواسطة كى يستحيل صيرورتها حكما له و انما هى طريق و كاشف و المقام من هذا القبيل فان وجوب التصديق الشامل لخبر الشّيخ (ره) واسطة فى اثبات خبر المفيد (ره) و ليس واسطة فى الثبوت له فلا محذور هذا و لكن الظاهر فساد هذا الجواب اما اولا فلأن حكم وجوب التصديق كان واسطة فى الثبوت للخبر الجعلى و التنزيلى لا محاله و ليس واسطة فى الأثبات كى يدفع المحذور بيان ذلك انّ خبر المفيد الذى اخبر به الشّيخ مثلا انما يصير خبرا جعليّا تنزيليّا بنفس وجوب التصديق المترتب على خبر الشّيخ بحيث لا يتحقّق خبر المفيد بهذا المعنى الا ترتيب حكم المذكور على خبر الشّيخ و اما بالنسبة الى الموضوع الواقعى فليس الحكم واسطة فى الأثبات كما لا يكون واسطة فى ثبوته و ان شئت قلت ان الخبر الواقعى الحقيقى اما ان يكون متحققا فى الواقع ام لا و على التقديرين ليس الحكم بالنسبة الى الواقعىّ الحقيقى لا واسطة فى الأثبات و لا فى الثبوت و اما الخبر الجعلى التنزيلى فالحكم كان واسطة فى ثبوته لا محالة

145

لا محالة بحيث يتحقق بتحققه و ينتفى بانتفائه و اما ثانيا فلانّ الواسطة فى الأثبات عبارة عن الطريق و الحاكى الأعم من الطريق الحقيقى الذاتى كالدليل القطعى و الطريق الجعلى التعبدى كالطّرق و الأمارات الشرعيّة فعلى هذا الواسطة فى الأثبات فى المقام انما هى نفس خبر الشّيخ لا الحكم المترتّب عليه الذى قد انشاء بآية النبإ ضرورة ان الحاكى و الكاشف عن خبر المفيد انما هو خبر الشّيخ لا حكم وجوب التصديق المترتّب عليه غاية الأمر ان خبر العادل مع قطع النّظر عن هذا الحكم كان طريقا غير معتبر شرعا و بملاحظة هذا الحكم صار طريقا معتبرا شرعا فالخبر به صار واسطة فى الأثبات شرعا لا انّ نفس الحكم كان واسطة فى الأثبات فالحكم ليس واسطة فى الأثبات بل لا معنى له اصلا ضرورة ان الحكم ليس لسانه الحكاية و الكشف و الطريقيّة و الحاكى و الكاشف فى المقام هو الخبر إلّا انه مع قطع النظر عن الخبر لا اعتبار به اصلا إلّا انه قد ثبت اعتباره بالحكم فالحكم كان واسطة فى ثبوت اعتباره و محقّقا لحجّيته و طريقيّته و ح عاد المحذور باعتراف المجيب (قدس سرّه) حيث انه سلّم ورود الأشكال على تقدير كون الحكم واسطة فى الثبوت فاذا التحقيق الذى كان حاسما لمادة الأشكال ما ذكره شيخنا الأستاذ و الا فمع قطع النظر عمّا ذكره و عمّا اجابه لا يندفع الأشكال بهذا الجواب فتبصّر ثم انه قد اجاب عن الأشكال بعض الأعاظم و حاصله ان خبر الشّيخ و ان لم يكن بنفسه له اثر و لكن لما ينتهى الى الأثر الشرعى الذى هو قول الامام (ع) و لو بوسائط عديدة فيكفى ذلك فى شمول الآية لهذا الخبر لأنّ الخبر كان امارة و طريقا و ليس وزانه وزان الأصول العمليّة كى يعتبر ان يكون له بنفسه اثر شرعىّ كالاستصحاب مثلا فان خبر لا تنقص اليقين بالشّك لا يشمل الا ما كان له اثر شرعىّ و اما اذا لم يكن بنفسه له اثر فلا يشمله الخبر و لو كان للوازمه العقليّة او العاديّة اثر شرعى لبطلان الأصول المثبتة عندنا و اما الأمارة و الطريق فيكفى فى شمول الآية لموضوع لم يكن له بنفسه اثر شرعىّ و لكن كان له اثر شرعىّ و لو بوسائط العقليّة او العادية كما فى المقام فانه ينتهى الى الأثر الشرعى و هو قول الإمام (ع) و فيه انّ الأمارات و الطرق و ان لم يكن كالأصول و يثبت بها اللوازم العقليّة و العادية كما يثبت بها الآثار الشرعيّة و لو بواسطة الآثار العقليّة و العادية الا ان الوسائط فى المقام ليس من اللوازم العقليّة و لا العادية ضرورة ان خبر الشّيخ الذى هو الحاكى ليس ملزوما بخبر المقيد الذى يكون محكيا و كذلك الخبر المفيد بالنسبة الى الصدوق و هكذا الى ان ينتهى الى المعصوم (ع) و الا لم يحصل الشكّ فى تحقّق الوسائط ضرورة ان احراز الملزوم كان احراز اللّازم فلو كان بين الحاكى و المحكى ملازمة عقليّة او عاديّة لم يعقل فى الشك تحقّق المحكى بعد احراز حاكيه وجد اما مع ان المفروض الشك فى تحقّق المحكى مع احراز الحاكى الذى هو خبر الشّيخ وجدانا

146

و الحاصل انه لا ملازمة عقليّة و لا عاديّة بين خبر الشّيخ و خبر المفيد و خبر المفيد بالنسبة الى غيره حتى ينتهى الى الإمام (ع) بحيث كلما تحقّق خبر الشّيخ تحقّق خبر المفيد و خبر الصّفار و غيرهم و المعصوم (ع) و مع عدم الملازمة كيف يكتفى بوجود الأثر لهذه الوسائط هذا كله الّا الوجه الأخير كان من رشحات سحاب تحقيق الأستاذ فى مجلس الدرس فخذ ما اتيتك و كن من الشاكرين‏

و منها اى من الآيات التى استدل بها على حجّية خبر الواحد آية النّفر قال اللّه تبارك و تعالى‏ فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏

و ربما يستدل بها من وجوه احدها من جهة كلمة لعلّ فانها دالة على محبوبيّة مدخولها و محبوبيّة التحذّر مستلزم لوجوبه من دون انفكاك بينهما فالآية تدل على وجوب الحذر و مطلوبيّته و لازمه وجوب القبول عند انذار المنذرين من دون حصول العلم لهم و الا يلزم لغويّة الحذر و اما وجه دلالة الآية على المحبوبية فتقريبه بوجهين الاوّل ما هو المشهور بينهم من لزوم انسلاخها عن معناها الحقيقى و هو الترجى لاستحالته فى حقه تعالى لاستلزامه سلب القدرة عنه تعالى و لزوم الجهل فلا بدّ من ان يراد منها المعنى المجازى و من المعلوم ان الحقيقة اذا تعذرت فاقرب المجازات متعينة و اقرب المجازات هنا المحبوبيّة فحاصل معناها انى احبّ ان يحذرون او ان الحذر محبوب منهم و الثّانى ان كلمة لعلّ و إن كانت مستعملة على التحقيق الذى قدمناه فى مبحث الألفاظ فى معناه الحقيقى و هو الترجى الإيقاعي الإنشائي الا انّ الداعى اليه حيث يستحيل فى حقه تعالى ان يكون هو الترجى الحقيقى للزوم الجهل و سلب القدرة عنه تعالى كان هو محبوبيّة التحذر عند الأنذار من المنذرين و اعلم انا و ان حققنا مراده من استعمال كلمة لعل فى معناه الحقيقى و هو الترجى الإيقاعي فى باب الأمر الا انّ الإعادة لما تكن خاليا عن الإفادة فلنحقق هنا ايضا اجمالا فنقول انّ صيغة الأمر و النهى و الاستفهام و التمنّى و الترجى موضوعة للمفاهيم الكلّية الإنشائية لا المصاديق الجزئية الخارجيّة و لا المفاهيم الواقعيّة الصّادقة على الوجودات الخارجيّة بالحمل الشائع الصناعى ببيان ان لصيغ المذكورة نحوين من الوجود احدهما الوجود الخارجى الحقيقى الذى هو عبارة عن الصّفة القائمة بالنفس الموجودة فيها و خارجيّتها بخارجيّة النفس اى يصدق عليه مفهوم الإرادة و الكراهة و التمنى و الترجى و الاستفهام و ثانيهما الوجود الإنشائي المتشخّص بتشخيص المنشى و تشخّص لفظه الصادق عليه المفهوم الكلّى الإنشائي بالحمل الشائع الصناعى و الفرق بين الوجودين ان الاول من صفات النفس و قائما بها و موجودات بوجودها و الثّانى من فعل النفس و هو وجود انشائى و لا وجود له لا فى الخارج و لا فى الذّهن الا بهذا الوجود الإنشائي و هو سنخ من الوجود

147

من الوجود و حقيقة الإنشاء اللفظى هو القول الذى يقصد به ايجاد المعنى فى نفس الأمر لا الحكاية عن ثبوته و تحققه فى موطنه من ذهن او خارج و لذا لا يتصف بالصّدق و الكذب و الوقوع و الا وقوع بخلاف الأخبار فانه تقرير للثابت فى موطنه و حكاية عن ثبوته في ظرفه فيتّصف باحدى المذكورات لا محالة و المراد من الوجود فى نفس الأمر ما لا يكون بفرض الفارض لا ما يكون بحذائه شي‏ء و كان من المحمولات بالضّميمة بل كان من خارج المحمول مثلا ملكيّة المشترى للمبيع قبل انشاء التملّك و ايجاده بصيغة البيع لم يكن لها ثبوت اصلا الا بالفرض كفرض الإنسان جمادا او بالعكس و بعد حصولها له خرجت عن مجرّد الفرض و حصلت له واقعيّة بذلك المعنى و الموضوع له للصّيغ المذكورة ما يصدق و يحمل على هذا الوجود الإنشائي بالحمل الشائع لا ما يصدق على الوجود الحقيقى الخارجى بهذا الحمل و كثيرا ما يقع الافتراق بين الوجودين فانه ربما يكون هذه المفاهيم بحسب الوجود الخارجى متحققا دون الوجود الإنشائي كما اذا كان الشخص طالبا لشي‏ء حقيقة و مريدا له او مكرها له من دون ان يظهر ذلك بانشاء الطلب و النهى فى الخارج و كذلك الاستفهام و قد يكون بالعكس اى يكون الوجود الإنشائي متحققا دون الوجود الخارجى كالأوامر و النواهى الاختباريّة و الامتحانيّة و انشاء مفهوم الاستفهام بداعى الإنكار و التوبيخ و انشاء مفهوم الترجى و التمنى فى مقام المحبوبيّة و المطلوبيّة كما بالنسبة الى اللّه تبارك و تعالى فالمفاهيم المذكورة كانت موجودة بحسب الوجود الإنشائي من غير ان يكون لها وجود بحسب الوجود الخارجى القائم بالنفس لاستلزامه الجهل و سلب القدرة و لا شك ان الوجودات الإنشائية متحققة فى تلك الموارد من دون وجودات الحقيقية الخارجيّة فاذا الصّيغ المذكورة فى تلك الموارد كانت مستعملة فى معناها الحقيقيّة و هو الإنشائي الإيقاعي و لو لم يكن المتكلم متمنّيا و مترجيا و مستفهما و مريدا و كارها حقيقة و لا يعتبر فى انشاء تلك المعانى بحسب الوجود الإنشائي الوجودات الحقيقية الخارجيّة القائمة بالنفس بل قد يكون الداعى اليها تلك الوجودات الحقيقيّة و قد يكون غيرها كالتوبيخ و اظهار المحبوبيّة و التقرير و امثالها فقد اتّضح بما ذكرنا الفرق بين الوجودين كاتّضاح الفرق بين المصاديق الخارجيّة و بين المعانى الحقيقيّة الإنشائية التى كانت تلك الصّيغ موضوعة بازائها و قد انقدح ايضا بما ذكرنا فساد كلام المشهور من انسلاخ الصّيغ عن معناها الحقيقى فى كلامه تبارك و تعالى و منشأ توهمهم كون الصّيغ المذكورة موضوعة للوجودات الخارجيّة و المعانى القائمة بالنفس و ارتكاب التجوز فيما لا ارادة و لا كراهة و لا استفهام و لا تمنّى و لا ترجى حقيقة مع انه لا علاقة بين المعنيين فاىّ مناسبة

148

بين الاستفهام و التوبيخ او التقرير هذا مضافا الى استلزام ذلك كثرة المجازات فى المحاورات خصوصا فى كلامه تعالى مع عدم الداعى الى ذلك فظهر من جميع ما ذكرنا انّ الصّيغ الإنشائية كلها موضوعة للوجودات الإنشائية الإيقاعيّة الّا انّ الداعى لتلك الوجودات مختلفة فقد يكون بداعى البعث و الزجر و قد يكون بداعى الامتحان و الاختبار و قد يكون بداعى الاستفهام الحقيقى و قد يكون بداعى التوبيخ و الإنكار و قد يكون بداعى التمنّى و الترجى حقيقة و قد يكون بداعى المحبوبيّة و المطلوبيّة و من المعلوم ان المستحيل فى حقة تبارك و تعالى هو تلك الوجودات الحقيقيّة او كان الداعى هو الوجود الحقيقى لا الإنشائي فقد اتّضح ممّا ذكرنا مراد شيخنا الأستاذ حيث قال ان كلمة لعلّ مستعملة على التحقيق فى معناه الحقيقى و هو الترجى الإيقاعي الإنشائي الا ان الداعى اليه حيث يستحيل فى حقه تبارك و تعالى ان يكون هو الترجى الحقيقى كان هو محبوبية التحذّر عند الأنذار هذا و اذا ثبتت محبوبيّته ثبت وجوبه من وجهين احدهما شرعا لعدم الفصل بينهما و ثانيهما ثبوته عقلا لوجوبه مع وجود ما يقتضيه و عدم حسنه بل عدم امكانه بدونه هذه اشارة الى ما ذكره صاحب المعالم (ره) فى المقام من انه مع وجود المقتضى للحذر يجب و بدونه لا يحسن و المراد من المقتضى هو حجّية قول المخبر و وجوب اتباعه و ذلك لأنه مع اتمام الحجّة يستحق العقوبة على المخالفة و بدونه يطمئن بعدمها للقطع بعدم الاستحقاق بدون قيام الحجة و الطريق و ح لا يحسن التحذر بل لا يمكن القول بالفصل بين وجوب اتباع المخبر و المنذر و حرمة العمل على طبقه و الجرى على وفقه فت ثانيها انه لما وجب الأنذار لكونه غاية للنفر الواجب كما هو قضيّة لو لا التخصيصيّة وجب التحذر و القبول حتى فى صورة الجهل و عدم العلم بصدق المخبر و الا لغى وجوبه ثالثها انه جعل غاية للأنذار الواجب و غاية الواجب واجب و لكن يشكل الوجه الاوّل بان التحذر لرجاء ادراك الواقع و عدم الوقوع فى محذور مخالفته من فوت المصلحة او الوقوع فى المفسدة حسن و ليس بواجب فيما لم يكن هناك حجة على التكليف و لم تكن محبوبيّة الحذر مط بواجب حتى مع الجهل بقول المنذر ضرورة ان الإطلاق غير مسوق لبيان حكم التحذر و انما هو مسوق لبيان ايجاب الأنذار فلعل المراد هو محبوبيّته بشرط العلم بل لا يبعد دعوى ظهور الآية فى ذلك بظهور كونها لبيان ايجاب الأنذار بما هو الواقع من الأحكام الشرعيّة فيتبعه التحذر فى ذلك و من المعلوم انه كما لا يكون الأنذار واجبا الا ما علم انه من الاحكام الشرعيّة كذلك لا يكون التحذر واجبا الا عمّا علم انه من الاحكام و اما الجواب عن الملازمة فبان ما افاده صاحب المعالم (ره) انما يصحّ لو انحصر الأنذار بالعقوبة على المعصية و ليس الامر كذلك لصحّة الأنذار على فوت المصالح و المفاسد الكامنتين فى الأفعال و على الحرمان عن نعيم الآخرة

149

الآخرة من الحور و القصور و غيرهما فمع وجود المقتضى للحذر و وجوب الأتباع لا يجب الحذر فيكون التحذّر لرجاء ادراك الواقع و عدم الوقوع فى محذور مخالفته من فوت المصلحة او الوقوع فى المفسدة حسنا و ليس بواجب فيما لم يكن هناك حجة على التكليف فان قلت انّ عدم القول بالفصل حجة هنا على التكليف قلت و لم يثبت هاهنا عدم الفصل حتى يكون حجة على التكليف غايته عدم القول بالفصل و هو اعمّ من الفصل و هو واضح و يشكل الوجه الثّانى و الثّالث بعدم انحصار فائدة الانذار بالتحذّر تعبّد العدم اطلاق يقتضى وجوبه على الاطلاق حتى فى صورة عدم العلم بالواقع ضرورة انّ الآية على ما عرّفته فى وجه الأشكال الأوّل مسوقة لبيان وجوب النّفر لا لبيان غائية التحذر و لعلّ وجوبه كان مشروطا بما اذا افاد العلم لو لم نقل مشروطا به فان النفر انما يكون لأجل التفقه و تعلم معالم الدين و عموده و معرفة ما جاء به سيّد المرسلين من عند ربّه الخبير العليم كى ينذروا بها المتخلفين التاركين للنّفر او النافرين الخارجين للتفقّه على الوجهين المسطورين فى تفسير الآية لكى يحذروا المتخلفين او النافرين اذا انذروا بها و قضيّته انما وجوب الحذر عند احراز ان الانذار بها بالعلم لتعلموا ان الانذار قد وقع على احكام سيّد المرسلين فيحذروا فيتجه الأنذار و وجوبه مع عدم وجوب التحذر لحصول العلم لهم غالبا من كثرة المخبرين او لكمال اطمينان المتحذرين من المنذرين كما لا يخفى ثم انه قد اشكل العلامة الأنصارى (قدس سرّه) ايضا بانّ الآية لو سلم دلالتها على وجوب الحذر مط فلا دلالة لها على حجّية الخبر بما هو خبر التى هى محل الأشكال و النقص و الابرام حيث انه ليس شان الرّاوى الا مجرّد الاخبار بما تحمّله و الحكاية عما علمه من الرّوايات كما انّ المراد من وجوب قبوله على المنقول اليه ليس الا تصديقه فيما يحكيه لا الأنذار و التحذر لا التخويف و الأنذار و الآية متكفّلة لهما و انما هو اى التخويف و الأنذار انما هو شان المرشد او المجتهد بالنسبة الى المسترشد او المقلّد فيكون الآية اجنبيّة عن ما نحن بصدده لدلالتها على حجّية الفتوى قلت لا يذهب عليك انه ليس حال الرّواة فى الصدر الأول فى نقل ما تحمّلوا من النّبى (ص) صلى اللّه عليه و على اهل بيته الكرام او من الإمام من الاحكام الى الأنام الا كحال نقلة الفتاوى من الرّواة بيان للصدر الاول فالآية لو فرض دلالتها على حجّية نقل الراوى اذا كان مع التخويف كان نقله حجة بدونه ايضا لعدم الفصل بينهما جزما هذا مضافا الى ان صحة الأنذار من نقلة الفتاوى بالنسبة الى المقلدين انما هو من حيث الخبر لا من حيث الفتوى من دون مدخليّة رايهم فى اعتبار نقلهم بل كان اعتبار قولهم انما كان من حيث الخبر خاصّة هذا اذا كان الأخبار على نحو التخويف و الانذار و بضميمة عدم القول بالفصل بين ما يكون على نحو الانذار و بين ما لا يكون كذلك صارت الآية دليلا على تمام المدّعى‏

150

فافهم فانه مجرّد عدم القول بالفصل لا انه يكون الاتفاق على عدم جواز الفصل‏

و منها آية الكتمان قال اللّه تبارك و تعالى‏ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ‏

و تقريب الاستدلال بها انّ حرمة الكتمان يستلزم القبول عقلا عند الإظهار للزوم اللغويّة بدونه و اللغو لا يصدر عن الحكيم و لا يخفى انه لو سلمت هذه الملازمة العقليّة لا مجال بعد للايراد على هذه الآية بما اورد على آية النفر من دعوى الإهمال او استظهار الاختصاص بما افاد العلم كما اورد به عليها العلامة الأنصارى (ره) من عدم الاطلاق و عدم كونها مسوقة لبيان وجوب القبول و لو مع الجهل و من دعوى ظهورها فى وجوب القبول عند العلم خاصّة فانها اى الملازمة العقليّة ينافيهما كما لا يخفى فان المنع كذلك انما يناسب التمسك بها لو كان من جهة الاطلاق لا من جهة الملازمة العقليّة فان الملازمة ينافى الاهمال او استظهار الاختصاص بما اذا افاد العلم لكنها ممنوعة اى لكن الملازمة العقليّة ممنوعة لعدم انحصار الفائدة بالقبول تعبّدا و امكان ان يكون حرمة الكتمان لأجل وضوح الحق بسبب كثرة من افشاه و بيّنة المستلزم غالبا لحصول العلم لئلا يكون للناس على اللّه حجّة بل كان له عليهم الحجّة البالغة فيتمّ بذلك الحجّة و البرهان على المكلفين و يرتفع العذر عنهم و يصحّ المؤاخذة و مع تلك الفوائد العظيمة كيف يبقى معها مجال للغويّة

و منها آية السؤال عن اهل الذكر قال اللّه تعالى‏ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ*

و تقريب الاستدلال بها ما فى آية الكتمان من استلزام ايجاب السّئوال وجوب القبول تعبّدا و الا لغى ايجاب السؤال و فيه مضافا الى منع اللغويّة لما فى ايجاب السّئوال من حصول العلم احيانا للسائلين و هو يكفى للفائدة و عدم لزوم اللغويّة ان الظاهر منها ايجاب السّئوال لتحصيل العلم لا للتعبّد بالجواب و هذا كما يقال فى العرف سل حتى تعلم فالآية لم تكن فى مقام التشريع و التعبّد سيّما كون الآية فى مورد الأصول الإيمانيّة التى لا معنى للتعبّد فيها بغير العلم هذا مضافا الى ورود الأخبار بكون هل الذكر هم الأئمة (سلام اللّه عليهم) اللّهمّ الا ان يتمسّك بها من باب تنقيح المناط و قد اورد العلامة الأنصارى (ره) عليها بانه لو سلّم دلالتها على التعبّد بما اجاب فلا دلالة لها على التعبّد بما يروى الراوى فانه بما هو راو لا يكون من اهل الذكر و العلم فالمناسب انما هو الاستدلال على حجّية الفتوى لا الرواية فكانت الآية اجنبيّة عما نحن بصدده ايضا و حاصله انّ السؤال عن الرّواة ليس سؤالا عن اهل العلم و الذكر لأن المتبادر منه ليس مطلق من علم و لو بسماع من الإمام (ع) مع انه يصحّ سلب هذا العنوان عن مطلق من احسّ شيئا بسمعه لأن السّئوال عن الرواة انما كان عن الألفاظ التى سمعها عن الإمام (ع) و فيه ان كثيرا من الرّواة