نهاية المأمول في شرح كفايه الأصول‏

- الميرزا حسن الرضوي القمي‏ المزيد...
230 /
151

الرّواة يصدق عليهم انهم اهل الذكر و الاطلاع على رأى الإمام (ع) كزرارة و محمّد بن مسلم و مثلهما و يصدق على السّئوال عنهم انه السّئوال عن اهل الذكر و العلم و لو كان السّائل عن اضرابهم حتى لو كان السّائل اكثر اطلاعا منهم فكيف بعدم كون السائل عن امثالهم فاذا وجب قبول روايتهم فى مقام الجواب بمقتضى هذه الآية وجب قبول روايتهم و قبول رواية غيرهم من العدول مط لعدم القول بالفصل جزما فى وجوب القبول بين المبتدا و بين المسبوق و لا بين اضراب زرارة و بين غيرهم ممن لا يكون من اهل الذكر و انما يروى مجرّد ما سمعه او يروى مجرّد ما راه فافهم فانه يمكن ان يقال انّ هذا ايضا عدم القول بالفصل اتفاقا فى المسألة

و منها آية الأذن بضمّ الهمزة و الذال المعجمة قال اللّه تبارك و تعالى‏ وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ‏

فانه تبارك و تعالى مدح نبيّه بانّه يصدق المؤمنين و قرّبه بتصديقه تعالى فلو لم يكن تصديق المؤمنين و المسلمين حسنا لما مدح اللّه نبيّه (ص) بذلك و اذ كان حسنا كان واجبا و فيه اولا انه انما مدحه بانه اذن و هو سريع القطع لا الأخذ بقول الغير تعبّدا فكونه اذنا بمعنى انه سريع التصديق و الاعتقاد بكلّ ما يسمع لا من يعمل و يترتب الاثر بما يسمع تعبّدا من غير حصول الاعتقاد بصدقه كما هو محل الكلام و ثانيا انما المراد بتصديقه للمؤمنين هو ترتيب خصوص الآثار الّتى تنفعهم و لا تضرّهم غيرهم لا التصديق بترتيب جميع الآثار كما هو المطلوب فلا يكون الأذن بمعناه الحقيقى ضرورة انه لو كان كذلك كان ذلك منافيا لمرتبته و لمقامه الشامخ من الرسالة و النبوّة حيث انه ليس من الصفات الحسنة و الاخلاق اللائقة بحال جنابه (ص) بل المراد انه (ص) كان يرى انه اذنا و سريع الاعتقاد باقوال الناس و اخبارهم من حيث انه لو لم ير ذلك لكان بصدد ايذاء الناس بردّ اقوالهم بمجرّد سماع قولهم بل كان (ص) يصدقهم ظاهرا و ان لم يكن معتقدا باطنا بقولهم من غير ترتيب الأثر على اقوالهم و الجرى طبق افعالهم و ذلك من جهة كونه (ص) نفس الرّحمة و الرّأفة بالنسبة الى جميع الناس حتى بالنسبة الى غير المسلمين فكيف بهم و لذا شفقة بهم يرى ذلك و لا شكّ ان الأذن بهذا المعنى كان من الصّفات الحسنة و الأخلاق الكريمة و كان خيرا لجميع الناس لا بمعناه الحقيقى الذى كان شرّا محضا و كان من الأخلاق الذّميمة هذا مضافا الى ما ذكره المحقق القمىّ (ره) من وجه نزول الآية فانه لو لم يصدق المنافق لكان يلزم منه تكذيبه للّه تعالى و هو قوله تعالى‏ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ‏ و مع ذلك كيف ان يمدحه اللّه تعالى على ذلك و يظهر ذلك من تصديقه للنّمام بانّه ما نمّه و تصديقه للّه بانّه نمّه فح لا شكّ فى عدم كون المراد من الأذن معناه الحقيقى و هو التصديق و ترتيب جميع الآثار

152

حتى ترتيب الآثار التى كانت بعضها شرّا للناس بل المراد منه اما حمله على انه يصدقهم بحسب الظاهر او الحمل على ترتيبه بعض الآثار الذى كان خيرا للناس و عدم ترتيبه بعضها الآخر و هو الذى كان شرّا لهم و يؤيّد الاول ما رواه القمىّ و الثّانى ما رواه فى الكافى من قضيّة إسماعيل كما هو المراد من التصديق فى قوله (ع) فصدّقه و كذّبهم حيث قال (ع) على ما فى الخبر يا أبا محمّد كذب سمعك و بصرك عن اخيك فان شهد عندك خمسون قسامة بفتح القاف انه قال قولا و قال صاحب القول انّى لم اقله فصدّقه و كذّبهم فيكون مراده تصديقه بما ينفعه و لا يضرّهم و تكذيبهم فيما يضرّه و لا ينفعهم و الا فكيف يحكم بتصديق الواحد و تكذيب خمسين فانّه من تصديق المرجوح دون الرّاجح و هكذا المراد من التصديق بتصديق المؤمنين فى قصّة إسماعيل و هو عدم ترتيب جميع آثار شرب الخمر على من ائتمنه إسماعيل للتجارة بل ترتيب بعضها و هو عدم قابليّته للائتمان من دون ترتيب آثار الفسق على الرّجل فانّ عدم الاستيمان ليس ضررا على ذلك الشخص بل ليس الّا مجرّد عدم وصول النفع اليه فعدم ترتيب هذا الأثر كان خيرا للناس فلو رتّب جميع الآثار كان شرّا للرّجل الذى قيل فى حقه انه شارب الخمر و هكذا الكلام فيما لو قيل فى حق احد انه مرتدّا و قاتل فمقتضى الرّحمة ما دام لم يقم البيّنة ترتيب بعض الآثار دون جميع آثار الارتداد و القتل فلو لم يترتب شي‏ء من الآثار كان شرّا للناقلين و لو ترتب جميع الآثار كان شرّا لمن قيل فى حقه ذلك فمع ترتيب كبعضها و عدم ترتيب بعضها الآخر كان خيرا لهما و اما ما ذكره العلامة الأنصارى (ره) فى الرّوايتين من الحمل على ما يقتضيه قول المسلم على الصحّة و الأحسن او حمل الأخبار على الصّدق حمله على احسنه فلا يخفى ما فيه ضرورة انّ حمل قول المسلم على الصّحيح او الأحسن لا يقتضى حمل اخباره على الصّدق بداهة انّ كل واحد من الخبر الصادق و الكاذب يتصف بالجواز و الحسن و القبح و عدمه و ليس الحسن دائما مطابقا للصدق كما انّ القبح ليس ملازما لكذب دائما بل قد يكون الخبر حسنا و صحيحا و إن كان كاذبا كما قد يكون بالعكس فالوجه هو ما حملناه و على كلّ حال لا معنى للتمسّك بالآية للعمل بالخبر الواحد تعبّدا لعدم كون الآية في مقام التشريع بل كانت في مقام مدح النّبى (ص) بانه كان اذن خير بالنسبة الى جميع الناس فافهم و اغتنم‏

فصل فى الاخبار التى دلت على اعتبار اخبار الآحاد

و رضاء الشارع على العمل بها و هى و إن كانت طوائف كثيرة و فى الموارد المتفرقة كما يظهر من مراجعة كتاب الوسائل و غيرها إلّا انه قد يشكل الاستدلال بها على حجّية اخبار الآحاد بانها متعلق بكلمة يشكل اى يشكل التمسّك بها بانّ هذه الأخبار اخبار آحاد و لا يكون بمتواتر فانها غير متفقة على لفظ و لا على معنى فتكون متواترة

153

متواترة لفظا او معنا و لكنه مندفع اى و لكن ذلك الأشكال مندفع بانها و إن كانت كذلك اى لا تكون متواترة لفظا و لا معنى بل يكون اخبار آحاد و لا يمكن التمسك لحجّية الخبر الواحد بالأخبار الآحاد

[فى معنى التواتر الاجمالى و حكمه‏]

إلّا انها متواترة اجمالا ضرورة انه يعلم اجمالا بصدور بعضها منهم عليهم السّلام و لا يمكن ردّ جميعها حتى ذلك البعض الذى يعلم بصدقها و الحاصل ان تلك الأخبار مع كثرتها لا تكون متواترة لفظا لاختلاف الفاظها و لا تكون متواترة معنا لاختلاف مضامينها مع عدم وجود جامع بينها بحيث كان المخبرين بصدد الاخبار بذلك الجامع حتى تصير متواترة معنا و إن كان يمكن ملاحظة الجامع بينها لاعتبار ذلك فى التواتر المعنوى فمجرّد وجود الجامع لا يكفى فى التواتر المعنوى نعم هذا مفيد لو كان المخبرون المختلفون بصدد بيان ذلك الجامع نعم كثرة تلك الأخبار يوجب العلم بصدور بعضها و لو كان واحدا منها عن المعصومين (سلام اللّه عليهم اجمعين) فيكون متواترة اجماليّا للعلم الإجمالي بصدور بعضها و لو كان حصول ذلك العلم الإجمالي من جهة كثرة تلك الأخبار فمن جهة ذلك العلم الإجمالي لا يمكن ردّ جميعها و لو كان كلّ واحد واحد خبرا واحدا و من الواضحات كفاية ذلك للاستدلال بها على حجّية الخبر الواحد و رضاء الشارع به لكن فى الجملة فى مقابل السلب الكلّى فان قلت نعم و لكنه لا بدّ من الاخذ بما هو اخصّ مضمونا لأنه القدر المتيقّن من تلك الأخبار و ح لا يجوز التعدّى الى غيره و من المعلوم ان هذا المقدار لا يكفى لاثبات حجّية الخبر قلت و قضيّته اى قضيّة التواتر الإجمالي و إن كان حجّية خبر دلّ على حجّية اخصّها مضمونا إلّا انه يتعدّى عنه فيما اذا كان بينها ما كان بهذه الخصوصيّة و قد دل على حجّية ما كان اعمّ و حاصل ما ذكره ان قضيّة التواتر الاجمالى يوجب الأخذ بما هو اخصّ مضمونا من بين الأخبار و ح فلو كان مضمون الاخصّ دالّا على حجّية الخبر الواحد الثقة او العدل او العدل الإمامي و امثالها فلا وجه للتعدى الى غير ما هو اعمّ منه مضمونا نعم لو وجد بين تلك الاخبار خبر كان بتلك الصّفة و كان مشتملا على حجّية ما كان اعمّ منها فانه يتعدى منه ح الى ما كان اعمّ منها و بالجملة للتعدى وجهان احدهما ما ذكر فى المتن و ثانيهما بعد اخذ ما هو اخصّ مضمونا من الجميع فاما يبقى بعد علمنا الإجمالي بوجود صادر فى الباقى أو لا فإن كان فيؤخذ بما هو اخصّ مضمونا فى الباقى ايضا و هكذا و ان لم يبق العلم الاجمالى و ارتفع فلا وجه للتعدّى فان قلت اذا لم يكن فى البين ما هو اخصّ مضمونا من الجميع حتى فى الدّورة الأولى فما التكليف قلت اذا لم يكن فى البين ما هو اخصّ مضمونا من الجميع فنعمل بمضمون الجميع اى نعمل لخبر الذى يكون جميع القيود موجودات فيه مثلا اذا كان بعض الاخبار مشتملا على العدل و بعضها على الثقة و بعضها على الإمامي‏

154

و هكذا فان وجد خبر فيه ما هو يشمل على الجميع كان وجد خبر كان مضمونه العمل بالخبر الثقة العدل الإمامي فهو و هو المراد بالأخصّ مضمونا و إلّا فلا بدّ من العمل على الخبر الثقة العدل الإمامي لكونه هو المتيقّن من تلك الأخبار فافهم‏

فصل فى الاجماع على حجّية الخبر

و تقريره من وجوه الأول دعوى الاجماع من تتبع فتاوى الأصحاب على الحجّية من زماننا الى زمان الشّيخ اى الطوسى (قدس سرّه) فيكشف رضاه (ع) بذلك و يقطع به او من تتبّع الإجماعات المنقولة على الحجّية و هذان الطريقان من العلامة الأنصارى (ره) او دعوى الإجماع و الاتفاق من جميع اهل الفرقة المحقّة من اوّل زمان الغيبة الى زماننا هذا على حجّية طائفة من الاخبار المدوّنه فى الكتب المعتبرة بالخصوص حال الانسداد و حال عدم التمكن من الدليل العلمى فى الأحكام الشرعيّة فانا نقطع بالحجّية بالخصوص بالنسبة الى طائفة خاصّة من تلك الاخبار فى حال الانسداد و عدم التمكن من الدليل العلمى بحيث كانت حجّية تلك الأخبار مسلّمة عند الكلّ حتى مثل السّيّد و اتباعه من القدماء و بعض الاخباريّين و غيرهم من المتاخرين فانهم و ان انكروا حجّية الخبر الغير العلمى الا انّ انكارهم انما كان من جهة كثرة الأخبار العلميّة عندهم باعتقادهم بسبب التواتر او القرائن الخارجيّة العلميّة بحيث كانوا لا يحتاجون معها الى العمل بالخبر الغير العلمى اصلا و بعبارة اخرى لما كانت الاخبار العلميّة و لو باعتقادهم بقدر الكفاية فى جميع الفقه عندهم موجودة انكروا حجّية الخبر الغير العلمى و هذا لا ينافى حجّية الخبر الغير العلمى عندهم حال الانسداد و عدم التمكن من الخبر العلمى بقدر الكفاية فى نحو زماننا فانه لا يبعد دعوى القطع بانه لو سئل السّيّد و اتباعه عن حجّية الخبر الغير العلمى حال الانسداد و عدم التمكن من الدليل العلمى بقدر الكفاية لقالوا بالحجّية و عدم تجويزهم الرجوع الى الأصول فى جميع الأحكام الموجب للعسر و الحرج و الخروج من الدّين و لا العمل على الظنّ الشخصى من اىّ سبب حصل من باب مقدّمات دليل الانسداد فان طرح جميع الاخبار الغير العلميّة المدوّنة فى الكتب المعتبرة سيّما فى الكتب الاربعة التى تكون مدار فقه الشّيعة بل اصولهم و فروعهم عليها سيّما الصّحاح الأعلائى منها و الرجوع الى الظنّ الفعلى بحكم دليل الانسداد مما يقطع بفساده و عدم جوازه عند الفرقة المحقّة باجمعهم حتى عند القائلين بالانسداد و بحجّية الظنّ المطلق كالمحقق القمىّ (ره) و اضرابه مثلا فانهم ايضا غير مطرحين جميع الأخبار الغير العلميّة راسا بل يعملون بها و كانت حجّة عندهم بالخصوص فى الجملة بحيث يقدّمون تلك الأخبار على الظنّ الشخصى الفعلى الذى صار حجة عندهم بدليل الانسداد غاية الأمر انه لما كانت غير وافية عندهم بتمام الفقه اقاموا برهان الانسداد على حجّية مطلق الظنّ ليتمّ به الفقه و الذى يؤيّد ذلك او يدلّ عملهم بتلك الأخبار

155

الأخبار فى الفقه و لم يعلم انّ عملهم انما كان من جهة دليل الانسداد نعم يقع الأشكال فى مقدار ما هو حجّة من انّ هذا المقدار بالخصوص هل كان بقدر الكفاية بالنسبة الى جميع الفقه كى لا يحتاج الى مقدّمات دليل الانسداد او الرّجوع الى مطلق الظنّ ام لا و هذا مطلب آخر غير مربوط بالمقام و كيف كان فقد تمسّكوا لحجّية الخبر الواحد بالإجماع و تقريره من وجوه احدها ما ذكر و لكن لا يخفى مجازفة هذه الدّعوى لاختلاف الفتاوى فيما اخذ فى اعتباره من الخصوصيّات من الثقة و العدل و الامامى و عدم اعراض الأصحاب فى جميع الأعصار و معه لا مجال لتحصيل القطع برضائه (ع) من تتبّعها و هكذا تتبّع الإجماعات المنقولة بل لا يمكن تحصيل الإجماع باقسامه الثّلاثة المتقدّمة فى المقام اما طريقة القدماء فلامتناع الوصول الى ساحة حضرته و التشرف بحضوره (ع) فى زمان الغيبة بحيث يعلم كونه (ع) فى المجمعين و كان (ع) احدهم و اما طريقة اللطف مضافا الى عدم صحّته من اصلها فلوجود المخالف فى جميع الأعصار من زمان السّيّد و الشّيخ (قدس سرّهما) الى زماننا هذا و اما طريقة المتاخرين فلعدم الملازمة بين كل جماعة من العلماء و بين راى الإمام (ع) فان السّهو و الغلط و الخطاء امر غير بعيد عن الإنسان بل كالطبيعة الثانية بالنسبة اليهم من غير دليل من العقل و لا النقل على امتناع الامور المذكورة بل هما حاكمان بتجويز تلك الأمور فى حق العلماء و غيرهم لأنهم فى ذلك كغيرهم الا من كان مؤيّدا من عند اللّه و اتفاق المرءوسين بما هم مرءوسون ايضا غير كاشف عن موافقة رئيسهم الا على وجه الظنّ و التخمين نعم اتفاق جميع الفرقة المحقة من اول زمان الغيبة الى زماننا كاشف قطعا عن حجّية هذا الحكم و موافقته لراى الحجة و لكن وجود مثل هذا الاتفاق مساوق للضرورة و انّى لهم باثبات هذا الاتفاق فى هذه الأعصار مع مخالفة مثل السيّد (ره) و اتباعه و اضرابه مضافا الى ما نقل عنه من انّ العمل بالخبر الواحد كالعمل بالقياس عند الاماميّة و إن كانت هذه الدعوى عنه غير مسموعة و كانه صدر عنه ذلك مبالغة فى ترك العمل به و إلّا فلا شك فى وجود الخلاف على حجّيته خصوصا مثل ذهاب الشّيخ (ره) و جماعة الى حجّيته و مع ذلك كيف يمكن الحاقه بالقياس فدعوى الاجماع على العمل كدعوى الحاقه بالقياس خارجتان عن حد الاعتدال فكما لا يمكن ذكر هذه المسألة فى عداد المسائل التى قد اتفق الإجماع عليها من الكلّ فى جميع الاعصار فكك الحاق العمل به بالقياس خارج عن حد الأنصاف كدعوى ابن قبة (ره) على امتناع التعبد بالطريق الغير العلمى فظهر من جميع ما ذكرنا ان الإجماع غير متحقّق و مع فرضه غير مفيد لأن اتفاقهم على الحجّية مع استدلال الجلّ بل الكلّ بالرّوايات و الآيات و غيرهما لا يمكن كشف رأى المعصوم (ع) من الإجماع المدّعى‏

156

فى المقام للاحتمال بل الظنّ بانها مداركهم لا الإجماع بما هو اجماع و اما الكلام فى فساد الوجه الثّانى فهو واضح بعد وضوح فساد الوجه الأوّل‏

[فى بيان عدم امكان تحصيل الاجماع فى المسألة على جميع الاقوال‏]

فلا وجه ح للتمسك بالإجماع المنقول لأنه فرع امكان تحقّق الإجماع و تحصيله حتى من يرى صحّة بعض اقسام الثلاثة ليس له التمسّك بالإجماع المنقول على الاطلاق الا ان يحرز الأمور الثلاثة المتقدّمة من احراز ان الناقل لم يكن مبناه فى نقله على مقدّمة باطلة للعلم الإجمالي باسناد بعض الناقلين الى المقدمة الباطلة و من احراز انّ الناقل لم يرجع بعد نقله عما ادعى عليه الإجماع لم يكن على خلافه اجماع و من احراز عدم المانع فى المسألة ما يمنع عن الحدس مع الالتفات اليه لوجود سند صحيح من خبر صحيح او الصريح فى المقصود او عدم وجود ناقل الحاكم عليه و مع احراز تلك الأمور الثلاثة يمكن الاتكال على الإجماع المنقول و المقام لا يمكن احراز الأمر الثّالث لوجود الرّوايات و الآيات و السّيرة و بناء العقلاء على العمل بخبر الواحد و مع احتمال اتكال الجلّ او الكل على احدى تلك الأمور و مع هذا الاحتمال كيف يمكن الاتكال على الإجماع المنقول الذى يكون محصّله غير واقع و واقعة غير مفيد اللّهمّ إلّا ان يدعى تواطؤها اى الإجماعات المنقولة على الحجّية فى الجملة و انما الاختلاف فى الخصوصيّات المعتبرة فيها من العدل او الثقة او الإمامي او غيرها و لكن دون اثباته خرط القتاد ثانيها دعوى اتفاق العلماء عملا بل كافّة المسلمين على العمل بالخبر الواحد فى امورهم الشرعيّة كما يظهر كون العمل على ذلك من بكسر الميم اخذ فتاوى المجتهدين من الناقلين بها و حاصل الثّانى من الوجوه هو الإجماع العملى و فيه مضافا الى ما عرفت مما يرد على الوجه الأوّل من المجازفة انه لو سلم اتفاقهم على ذلك لم يحرز انهم اتفقوا بما هم مسلمون و متديّنون بهذا الدّين او بما هم عقلاء و لو لم يلتزموا بدين كما لا يزالون يعملون بها فى غير الأمور الدينيّة من الأمور العادية و مع هذا الاحتمال كيف يتمّ الإجماع العملى حتى يمكن التمسك به للعمل بالخبر و ح فلو؟؟؟ او قلنا بان عملهم على الخبر انما كان من جهة انهم عقلاء لا من جهة انهم مسلمون فيرجع الوجه الثّانى الى ثالث الوجوه و هو دعوى استقرار سيرة العقلاء من ذوى الأديان و غيرهم على العمل بخبر الثقة و استمرّت الى زماننا هذا و لم يردع عنه نبىّ و لا وصىّ نبىّ ضرورة انه لو كان الرّدع واقعا لاشتهر و بان و مع عدم الاشتهار بل عدم نقل احد يكشف عن عدم الرّدع و من الواضح انه يكشف عن رضا الشّارع به فى الشرعيات ايضا و هذا هو العمدة فيما يستدل به عليه‏

[فى حجية الخبر فى جميع الاعصار من غير نكير]

و ملخص الكلام فيه انه لا شكّ فى استقرار العقلاء من لدن آدم (ع) الى زمان الخاتم (ص) و منه الى زماننا هذا فى جميع الاعصار و الأمصار على العمل بخبر الثقة فى مقام الاحتجاج و اللجاج و الاعتماد عليه و الاستناد به‏

157

به من غير نكير منهم لا من متكلّم و لا من مخاطب و لا من مؤمن و لا من منافق و لا من عبد و لا من مولى من دون ردع من احد منهم عن العمل به حتى فى جميع الملل و الأديان بل كان ديدن الأنبياء عليهم السّلام و صاحب الشرائع على ذلك فكان هذا من المسلميّات عندهم من دون انتظار سماع خبر على العمل به و لذا لم يقع السّئوال من احد من الرّواة مع كون المسألة من امّهات المسائل مع انه كان ديدن الرّواة السّئوال عن مسئلة تكون ادنى مقاما من هذه المسألة و هذا نظير العمل بالظهورات فانّ حجّيتها كانت من المسلّمات عندهم و استقرار سيرتهم على العمل بها فيكون العمل بالخبر من حيث السّند كالعمل بالظواهر من حيث الدلالة مع انه لا شكّ على العمل بها و ليس ذلك الا من جهة استقرار سيرتهم على العمل بهما و الاعتماد عليهما فى جميع الأعصار و الأمصار فى معاشهم و معادهم فان قلت نعم هذا المقدار غير كاف فى ثبوت العمل به لعدم كونه من الحج الذاتيّة بحيث لا يتطرّق اليه الجعل الا اثباتا و لا نفيا لأنك قد عرفت ان نسبة كل خبر غير علمى الى الحجّية نسبة الإمكان الذاتى و على هذا و ح فلو انتهى العمل به الى زمان المعصوم (ع) و لم يردعه بل امضاه تكون حجّة و الا فقد قلنا سابقا من تاسيس الاصل انّ الشكّ فى الحجّية يكفى فى عدم الحجّية فالحجّية لا بدّ من الأحراز و مجرّد استقرار سيرة العقلاء على العمل به غير كاف للعمل بها فى الشرعيات‏

[فى بيان الردع و جوابه‏]

قلت ان عدم ثبوت الرّدع فى امثال ذلك يكفى فى ثبوت الإمضاء لأن استقرار سيرة العقلاء على ذلك و جريهم على طبقه فى جميع الأعصار و الامصار مع كونه بمرأى و مسمع منه (ع) يكشف كشفا قطعيّا عن رضائهم به و العمل على وفقه و الا يردعوا عنه و لو ردعوا لنقل الينا لتوفر الدّواعى على نقله و اذ ليس فليس و على الخصم اثبات الرّدع و انّى له باثباته و دون اثباته خرط القتاد ان قلت يكفى فى الرّدع الآيات الناهية عن العمل بما وراء العلم و الرّوايات المانعة عن اتباع غير العلم و ناهيك قوله تعالى‏ وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ و قوله تعالى‏ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً* فانها بعمومها و اطلاقها يشمل المقام فثبت به الردع فلا يجوز العمل به و لو كان على طبقه سيرة العقلاء قلت لا يكاد يكفى تلك الآيات و الرّوايات فى ذلك الرّدع فانه مضافا الى انها وردت ارشادا الى عدم كفاية الظنّ فى اصول الدّين اى الأصول الاعتقاديّة و لو سلّم عدم كونها للإرشاد الى ذلك فانما المتيقن لو لا انه المتصرف اليه اطلاقها هو خصوص الظنّ الذى لم يقم على اعتباره حجّة لا الظنّ الذى يكون على اعتباره حجة بل حجج فينتهى ما بالعرض الى ما بالذات لا يكاد يكون الرّدع بها الا على وجه دائر و حاصل مجموع الدّفع ان تلك الآيات لم تكن فى مقام النهى الشرعى و تشريع الحكم و لم يكن فى مقام عدم جواز العمل بغير العلم شرعا فى الأحكام الشرعيّة

158

بل كانت في مقام النّصح و الوعظ ارشادا الى ردعهم عن العمل بغير العلم فى الأصول الاعتقاديّة و عدم اتباعهم عن آبائهم كما قال اللّه تعالى حكاية عنهم‏ إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى‏ أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى‏ آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ‏ فاللّه تعالى ارتدعهم عما يكون قبيحا عندهم و عند جميع العقلاء من الأتباع بغير العلم فى اصول الدّين فلا تكون لسانها لسان النهى التحريمى فانتهى بالآيات بالنسبة الى اصول الدّين انما يكون ارشادا الى عدم كفاية الظنّ فى الأصول و يكون من تعليم طريق المجادلة التى ثبت حسنها بالعقل و بالآية كما قال اللّه تعالى‏ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏ هذا مضافا الى انه بعد تسليم كونها فى مقام ذلك فلا يستفاد منها الّا الحرمة التشريعيّة لا الحرمة الذاتيّة و هى و إن كانت كافية فى ثبوت الرّدع بها الا ان ذلك فرع ثبوت الموضوع اى فرع ثبوت تحقق موضوع التشريع فى العمل بالخبر الواحد و هو فرع ثبوت الرّدع و الا فبدون ثبوت الرّدع كان حجّة عندهم لسيرتهم على ذلك مع انه لا رادع له الا هذا الحكم الشرعى و مضافا الى تسليم كونها فى مقام الحرمة الذاتيّة فنقول انّ اطلاقها لا يشمل مثل المقام لأنها فى مقام الرّدع عن الظنون التى لا ينتهى الى الحجّية و لا شكّ انها فى المقام تنتهى اليها لأنّ الجامع بين العقلاء من حيث انهم عقلاء ليس الا عقلهم و لا شك فى كونه من الحجج العلام فينتهى الى ما هو حجّة بالذات و ما ينتهى الى الحجّية الذاتيّة لا يمكن الرّدع عنها بظواهر الآيات و الرّوايات و مضافا الى انه لو سلم جميع ذلك فلا نسلم شمولها فى مورد العمل به فى الفروع العمليّة و ان شمل مثل الخبر الواحد الذى ثبت حجّيته من العقلاء بل الرّدع منحصر فيها فى العمل بغير العلم فى غير الفروع العمليّة من الأصول الاعتقاديّة و غيرها و لا اقلّ من الشك فى الشمول و مع وجود القدر المتيقن فى البين لا يمكن التمسك باطلاقها و يؤيّد ذلك نزولها فى مورد الأصول الاعتقاديّة

[ثبوت الدور على القول بردع السيرة عن الخبر مع دلالتها على اعتباره‏]

و مضافا الى انه لو سلم جميع ذلك فلا يمكن الردع بها الا على وجه دائر و ذلك لأن الرّدع بها يتوقف على عدم تخصيص عمومها او تقييد اطلاقها بالسّيرة القطعيّة التى قد عرفت دلالتها آنفا على اعتبار خبر الثقة و هو يتوقف على الرّدع عنها بها و الّا لكانت مخصّصة او مقيّدة لها بيان ذلك انك قد علمت آنفا انّ عدم ثبوت الرّدع يكفى فى ثبوت الإمضاء فى المقام و بذلك يستكشف كشفا قطعيّا على امضائهم و رضائهم و من المعلوم انّ امضاء الشارع يوجب تقييد تلك المطلقات لأن نسبة السّيرة الثابتة الغير المردوعة (1) نسبة الإطلاق و التقييد فقبل ثبوت الرّدع كانت السّيرة مقيّدة للإطلاقات و بعد التقييد فلا يبقى ح مجال للرّدع عنها بالإطلاقات اذ الرّدع فرع حجّية الإطلاقات بالفعل و عدم تقيّدها و هى فرع الرّدع‏

____________

(1) الى المطلقات تكون‏

159

الرّدع بها عن السّيرة فحجّية الإطلاقات على وجه الإطلاق بحيث يشمل المقام كى تصير موجبة للردع عن السّيرة موقوفة على الرّدع عن السّيرة بها اذ بدون ذلك يكون السّيرة مقيدة للإطلاقات و الرّدع موقوف على حجّية المطلقات على وجه الإطلاق اذ لا رادع عنها غيرها و الحاصل انه لا يمكن الردع عن السّيرة بما يتوقف حجّيته فعلا على ثبوت الرّدع الا على وجه دائر و لا شك فى بطلانه لا يقال على هذا لا تكون اعتبار خبر الثقة بالسّير ايضا الا على وجه دائر فان اعتباره بها اى اعتبار خبر الثقة بالسّيرة فعلا يتوقف على عدم الرّدع بها عنها و هو يتوقف على تخصيصها بها و هو يتوقف على عدم الردع بها عنها اى لأن اعتبار خبر الثقة بالسّيرة فعلا يتوقف على عدم الرّدع بالآيات عن السّيرة و عدم الرّدع يتوقف على تخصيص الآيات بالسّيرة و تخصيص الآيات بالسّيرة موقوف على عدم الرّدع بالآيات عن السّيرة فجاء الدّور فلا يكون اعتبار خبر الثقة بالسّيرة ايضا الا على وجه الدّور و هو باطل فلا يكون لخبر الثقة ح دليل فانه يقال انما يكفى فى حجّيته عدم ثبوت الرّدع عنها لعدم نهوض ما يصلح لردعها اى انما يكفى فى حجّية الخبر عدم ثبوت الرّدع عن السيرة لعدم نهوض دليل آخر يصلح للرّدع عنها سوى تلك الآيات و هى لا يصلح الا على وجه دائر كما عرفت و حاصله انّ حجّية السّيرة كما عرفت آنفا لا يتوقف على عدم وجود الرادع لها واقعا بل يتوقف على عدم ثبوت الرّدع عنها خاصّة ففيما لم يثبت الرّدع كانت السّيرة حجة بالفعل و مقيّدة للإطلاقات و العمومات و معه لا مجال للرّدع فبقيت السّيرة حجّة بلا معارض و مزاحم كما يكفى فى تخصيصها بها كما لا يخفى اى كما يكفى فى تخصيص الآيات الناهية بالسّيرة عدم ثبوت الرّدع عن السّيرة من دون الاحتياج الى امضاء السّيرة واقعا ضرورة انّ ما جرت عليه السّيرة المستمرة فى مقام الإطاعة و المعصية و فى استحقاق العقوبة بالمخالفة و عدم استحقاقها مع الموافقة و لو فى صورة المخالفة عن الواقع يكون عقلا فى الشرع متبعا ما لم ينهض دليل على المنع عن اتباعه فى الشّرعيات فتامّل لعله اشارة الى انّ ما افاده مقدّمة لهذا الوجه من كفاية عدم ثبوت الرّدع لحجّية السّيرة فعلا فيقال انّ هذا و إن كان مسلّما لكن لا من حيث هو بل من حيث استكشافه عن رضاء الشارع و امضائه الخبر الثقة كشفا قطعيّا فعدم ثبوت الرّدع طريق قطعى الى الإمضاء و الرضا لا موضوعه كما هو ظاهر الكلام و ح فتقول قبل نزول الآيات المذكورة لا اشكال فى استكشاف رضاء الشّارع و امضائه للسّيرة كشفا قطعيّا لكن بعد نزول الآيات التى لسانها الرّدع عن جملة ما وراء العلم ان لم يقطع بعدم رضائه بها لا اقل من الشك فى ذلك و هو كاف فى عدم الحجّية من دون احتياج اثبات الرّدع عنها بالإطلاقات‏

160

كى يلزم منه الدور اذا السّيرة على هذا كانت مشكوكة الاعتبار فلا مجال للتمسّك بها و ان لم يثبت الرّدع عنها اذا الشك فيها يكفى فى عدم جواز اتباعها و اعتبارها عند الشارع و لا يحتاج الى القطع بعدم حجّيتها هذا مضافا الى امكان اثبات الرّدع عنها لدى الشّك فى حجّيتها شرعا او يقطع بعدم صلاحيّتها لتقييد الإطلاقات ضرورة انّ الأمارة التى شك فى اعتبارها غير صالحة للتقييد كالأمارة التى يقطع بعدم اعتبارها و الحاصل انّ تقييد الإطلاقات بالسّيرة و حجّيتها بالفعل موقوف على رضاء الشارع بها و امضائها و هو موقوف على القطع بعدم كون الأمارات رادعة لها و مع الشكّ فى حجّية السّيرة و لو بواسطة الآيات لا يكون السّيرة حجّة فعليّة لحجّية خبر الثقة فافهم‏

فصل فى وجوه العقليّة التى اقيمت على حجّية الخبر الواحد

احدها انه يعلم اجمالا بصدور كثير ممّا بايدينا من الأخبار من الأئمة الأطهار بمقدار واف بمعظم الفقه‏

و ان لم يكن وافيا بتمامه و لكن يكون بمقدار واف بمعظم الفقه بحيث لو علم تفصيلا ذاك المقدار الّذى يعلم بقطعيّة صدوره لا نحل علمنا الاجمالى بثبوت التكاليف بين الرّوايات و ساير الأمارات الى العلم التفصيلى متعلقة بالانحلال بالتكاليف فى مضامين الأخبار الصّادرة المعلومة تفصيلا و الشّك البدوى فى ثبوت التكليف فى مورد ساير الأمارات الغير المعتبرة اى لا نحل علمنا الإجمالي الى العلم التفصيلى و الشك البدوى اما العلم التفصيلى بالتكاليف بعد الانحلال ففى مضامين الأخبار الصّادرة المعلومة تفصيلا و امّا الشك البدوى ففى مورد ساير الأمارات الغير المعتبرة و حاصل الاستدلال ان الأخبار المدوّنة فى الكتب المعتبرة و غيرها و ان لم يكن باجمعها مقطوعة الصدور لعدم كونها متواترة و لا محفوفة بالقرائن العلميّة و لم يقم دليل خاصّ من الخارج على حجّيتها و الأخذ بها و العمل على وفقها و تقديمها على الأصول العمليّة و لكن لا شكّ فى ان اكثرها بمقدار واف بمعظم الفقه و نعلم بصدوره عن اهل البيت و ان لم نعلم ذلك المقدار الصّادر المعتبر و لكن مع ذلك ان العقل يحكم بالعمل بجميع تلك الأخبار حتى الأخبار الغير الصّادرة فان المقام و ان لم يكن من الشبهة المحصورة ضرورة عدم انحصار اطراف الشبهة إلّا انها من شبهة الكثير فى الكثير التى كانت بحكم الشّبهة المحصورة توجب بحكم العقل الرّجوع الى جميع تلك الأخبار المدوّنة و لو كانت بعضها مشكوكة الاعتبار لأن ذلك الصّادر يجب العمل على وفقه فلا بدّ من العمل على الجميع حتى يعلم العمل بما وجب العمل على طبقه و هذا الدّليل و ان لم يكن موجبا لاثبات اعتبار الأخبار بالخصوص و لم يدل دليل خاصّ على اعتبارها حتى يقدم على الأصول العمليّة إلّا انه وجب العمل بجميعها عقلا من باب‏

161

من باب الاحتياط تحصيلا للبراءة اليقينيّة و بالجملة ان القطع اجمالا بصدور اخبار كثيرة عن المعصومين (ع) بحيث يكون وافيا بمعظم الفقه بحيث لو علم ذلك المقدار الصادر لانحل علمنا الإجمالي الذى كان بين الأخبار و ساير الأمارات الى العلم التفصيلى و الشّك البدوى و العلم التفصيلى فى مضامين الأخبار المعلومة و الشك البدوى فى موارد ساير الأمارات الغير المعتبرة و لازم ذلك العلم الإجمالي لزوم العمل على وفق جميع الأخبار المثبتة للتكاليف لعدم مزاحم لها و جواز العمل على طبق جميع النافى منها فيما اذا لم يكن فى المسألة المبحوثة عنهما التى كان بازائها غير ناف من الأخبار اصل اسم لكان ثبت له الضمير يرجع الى ما من قاعدة الاشتغال و الاستصحاب بيان للأصل بناء على جريانه اى جريان الأصل فى اطراف علم اجمالا بانتفاض الحالة السّابقة او قيام امارة على انتقاضها فيه كما فى المقام للعلم بالانتقاض و ان لم نجر الاصل فى الاطراف فوجود الاصل كعدمه لكونه علّة تامّة فيكون مانعة عن جريان الأصل و هذا بخلاف كون العلم على نحو الاقتضاء فانه لا مانع عن الجريان و كيف كان انّ جواز العمل بالنافى فيما لم يكن اصل مثبت للتكليف فى مورد كان فيه خبر النافى و الّا لاختصّ عدم جواز العمل على وفق الخبر النافى للتكليف بما هذا متعلق بالاختصاص اذا كان الخبر النافى على خلاف قاعدة الاشتغال او الاستصحاب و الحاصل انّ لازم ذلك العلم الإجمالي لزوم العمل على طبق جميع الأخبار المثبتة للتكاليف لعدم المانع عنه و جواز العمل على وفق جميع الأخبار النافية للتكاليف بشرط عدم وجود اصل مثبت للتكليف من قاعدة الاشتغال و الاستصحاب لكن بناء على جريان الأصل فى اطراف ما علم اجمالا بالانتقاض الحالة السابقة او قيام امارة على الانتقاض فيه و اما لو كان اصل مثبت للتكليف على خلاف الخبر النافى فعدم جواز العمل بالخبر النافى انما يكون فيما كان على خلاف الاستصحاب او الاشتغال كما انّ جواز العمل بالخبر النافى انما يكون فيما كان على وفق الأصل المنافى للتكليف من اصل البراءة

[الايراد على الوجه الاول‏]

و فيه انه لا يكاد ينهض على حجّية الخبر بقول مطلق بحيث يقدم تخصيصا او تقييدا او ترجيحا على غيره من عموم او اطلاق او مثل مفهوم لعدم اقتضاء ذلك العلم الإجمالي الّا العمل بجميع الأخبار على نحو ما عرفت من المثبت و النافى و لكنه لا يدلّ على حجّية الخبر بالخصوص حتى يقدم تخصيصا او تقييدا او ترجيحا على غيره من عموم او اطلاق او مثل مفهوم عند تعارض المفهوم معه و إن كان هذا يسلم عما اورده العلامة الأنصارى عليه من انّ لازمة الاحتياط في سائر الأمارات لا الاحتياط فى خصوص الرّوايات ببيان انّ وجوب العمل بالأخبار الصّادرة ليس الا من جهة كشفها

162

عن الاحكام الشّرعيّة لا من حيث الموضوعيّة للعلم الإجمالي بل القطعى بصدور جميع الأحكام الشرعيّة عنهم (ع) حتى ارش الخدش و كشف تلك الأحكام منحصرا بموارد تلك الأخبار فقط بل نعلم اجمالا بكشف تلك الأحكام عن الأمارات الأخر ايضا من الشهرة و الاجماعات المنقولة و الاستقراء و الأولويّة القطعيّة و غيرها كعلمنا بكشف تلك الأخبار عنها فكما نعلم اجمالا بوجود تلك الأحكام بين تلك الأخبار فكك نعلم اجمالا بوجودها بينها و بين الأمارات الأخر و مقتضى ذلك هو العمل بجميع الأخبار و الأمارات الأخر ايضا فوجب الاحتياط بالنسبة الى الجميع و مع التعسر فالمرجع هو مطلق الظنّ للعمل بتلك الأحكام الصّادرة عنهم (ع) سواء كان ما يفيد الظنّ خبرا او شهرة او غيرهما فهذا الدّليل فى الحقيقة دالّ اما بالأخذ بكلّ امارة عند عدم العسر او العمل بكلّ ما يفيد الظنّ لما عرفت من انحلال العلم الإجمالي بينهما بما علم بين الأخبار بالخصوص و لو اجمالا لما عرفت من العلم الإجمالي بصدور كثير مما بايدينا من الأخبار من الأئمة الأطهار (ع) بمقدار واف بمعظم الفقه بحيث لو رجع الى الأصول فى غير تلك الموارد لا يلزم منه الخروج من الدين و من المعلوم انه لو عمل بجميع الأخبار من باب الاحتياط لينحل العلم الإجمالي الى التفصيلى بالنسبة الى اكثر الموارد و الى الشك البدوى بالنسبة الى غيرها لوجود العلم الإجمالي بين الأخبار فان قلت انا نعلم ايضا بوجود الأحكام الصّادرة من الشارع فى موارد الأمارات الأخر او كلّ ما يفيد الظنّ بها سوى الأخبار فلا وجه للانحلال قلت انه و ان علمنا بوجود الأحكام الصادرة عنهم (ع) بين الأمارات الأخر ايضا كوجودها بين الأخبار الا انا لا نعلم بمغايرة تلك الأحكام الموجودة فى الأمارات للأحكام الموجودة فى الاخبار بل لا يبعد دعوى القطع بموافقتها لها و لا اقل من الشكّ فى ذلك و ح نقول انا نعلم ان الأخبار الصّادرة التى تكون بين مجموع الأخبار وافية بمعظم الاحكام المعلومة بالإجمال بحيث لا يبقى معه علم بتكليف مغاير للتكاليف الثابتة بين الأخبار و على تقدير وجود الأحكام المغايرة فى موارد الأمارات لم نعلم بل نقطع بعدم الخروج من الدّين لو رجعنا الى الأصول العمليّة بالنسبة الى هذا المقدار حتى يجب الاحتياط بالنسبة الى جميع الأمارات و الأخبار بداهة كفاية تلك الأخبار الصّادرة بمعظم الفقه و ح لا يبقى مجال للعلم الإجمالي فيما سوى الأخبار بل الاحتياط على هذا يقتضى العمل بجميع الأخبار؟؟؟ للأخبار و الأمارات الأخر و الحاصل انا نعلم اجمالا بكفاية تلك الأخبار الصادرة بمعظم الفقه او القطع بعدم مغايرة الاحكام الموجودة فى الأمارات للأحكام الصّادرة بين الأخبار و لو فرض وجودها لكن لم يكن بحيث لو رجع الى الأصول فى هذا المقدار الباقى يلزم منه الخروج‏

163

الخروج من الدّين فاذا انحل العلم الإجمالي فيرتفع الأشكال نعم لو ثبت وجود الأحكام المغايرة فى موارد الأمارات الأخر و عدم كفاية تلك الأخبار الصّادرة بين الأخبار المدوّنة بمعظم الفقه لكان العمل بالأخبار و الأمارات الأخر من باب الاحتياط له وجه الا انّ هذا خلاف فرض المستدل من الكفاية بمعظم الفقه لكن هذا كله بعد فرض عدم ورود هذا الأشكال عليه يرد عليه ما اوردنا عليه من ان يقتضى هذا الدليل ليس الّا العمل بمجموع الأخبار من باب الاحتياط و لا يكاد ينهض على حجّية الخبر مط بحيث يقدم تخصيصا او تقييدا او ترجيحا على غيره من عموم او اطلاق او مثل المفهوم فافهم و تبصّر

ثانيها ما ذكره فى الوافية مستدلا على حجّية الأخبار الموجودة فى الكتب المعتمدة للشّيعة كالكتب الأربعة التى يكون مدار فقه الشّيعة عليها مع عمل جمع به من غير ردّ ظاهر

فهذا الوجه الثّانى انما يعتبر الأخبار الموجودة فى الكتب المعتمدة كالكتب الأربعة او المعتبرة بشرط كونها معمولة بها من دون ردّ ظاهر و هو انا نقطع ببقاء التكليف الى يوم القيمة سيّما بالأصول الضروريّة كالصّلاة و الزّكاة و الصّوم و الحج و المتاجر و الأنكحة و نحوها مع انّ جلّ اجزائها و شرائطها و موانعها انما يثبت بالخبر الغير القطعى بحيث يقطع بخروج حقايق هذه الأمور عن هذه الأمور عند ترك العمل بخبر الواحد و من انكر فانما ينكره باللّسان و قلبه مطمئنّ بالأيمان انتهى‏

[الايراد على الوجه الثانى‏]

و اورد العلّامة الأنصارى (ره) عليه اولا بانّ العلم الإجمالي حاصل بوجود الأجزاء و الشّرائط و الموانع بين جميع الأخبار لا الأخبار المشروطة بما ذكره من كونها فى الكتب المعتمدة و عمل جمع بها من دون ردّ ظاهر فاللّازم ح اما الاحتياط فى جميع الأخبار او العمل بكلّ ما دلّ على جزئيّة شي‏ء او شرطيّة او مانعيّة فلا وجه لاختصاص العمل بالأخبار المشروطة بما ذكره و اعلم انه لا يمكن دفع هذا الأشكال بما دفعناه سابقا لأنا نعلم بالعلم الاجمالى بكون تلك التكاليف بين جميع الأخبار لا خصوص الأخبار المدوّنة فى الكتب المعتمدة فوجب العمل بجميع الأخبار لعدم كفاية تلك الأخبار المدوّنة فى الكتب الأربعة او المعتمدة بمعظم الفقه حتى لا يلزم من العمل بالأصول الخروج من الدّين و الحاصل الأشكال الذى اورده العلامة الأنصارى (ره) بالنسبة الى الوجه الأوّل يرد على هذا الوجه الثّانى مع عدم امكان الدّفع بما دفعناه قلت و معضلك يمكن ان يقال فى دفعه ايضا ان العلم الاجمالى و إن كان حاصلا بين جميع الأخبار الا انّ العلم بوجود الأخبار الصّادرة عنهم (ع) بقدر الكفاية عن الأجزاء و الشرائط و الموانع بين تلك الطائفة المدوّنة فى الكتب المعتمدة و العلم باعتبار طائفة كذلك بالخصوص بينها يوجب انحلال ذاك العلم الإجمالي‏

164

و صيرورة غيره خارجة عن طرف العلم لصيرورته بدويّا كما مرّت الإشارة اليه فى تقريب الوجه الأوّل من كفاية تلك الأخبار المعتمدة بمعظم الفقه بحيث لو عمل بها ثم احتيج الى الأصول فى بعض الفروع القليلة لما يلزم منه الخروج من الدّين اللّهمّ الا ان تمنع عن ذلك و ادّعى عدم الكفاية جدّا فيما علم بصدوره عنهم (ع) او علم اعتباره بالخصوص او ادعى العلم بصدور اخبار أخر بين غيرها من الكتب المعتبرة فتامّل فى الكفاية و عدمها حتى يمكن الدّفع ام لا و ثانيا بان قضيّة اى قضيّة العلم الإجمالي انما هو العمل بالأخبار المثبتة للجزئيّة او الشرطيّة دون الأخبار النافية كما عرفت فى لزوم الوجه الأوّل من قولنا و لازم ذلك و لكن الأولى ان يورد عليه بانّ قضيّته انما هو الاحتياط فى الأخبار المثبتة للجزئيّة و الشرطيّة فيما لم يقم حجّة معتبرة على نفيهما من عموم دليل او اطلاقه لا الحجّية بحيث يخصّص او يقيّد بالمثبت منها او يعمل بالنافى فى قبال حجّة على الثبوت و لو كان اصلا و قد اشرنا اليه فى الجواب عن الوجه الأوّل فراجع‏

ثالثها [انا نعلم بكوننا مكلّفين بالرّجوع الى الكتاب و السّنة الى يوم القيمة لاستيفاء الأحكام و استقلال العقل بلزوم الخروج عن العهدة]

ما افاده بعض المحققين فى تعليقته على المعالم بما ملخّصه انا نعلم بكوننا مكلّفين بالرّجوع الى الكتاب و السّنة الى يوم القيمة لاستيفاء الأحكام الشرعيّة بالإجماع و الضرورة و المراد من السّنة هى الأخبار الحاكية عن السنّة لا السنّة المصطلحة التى هى عبارة عن قول المعصوم (ع) او فعله او تقريره و بعد ثبوت هذا التكليف فعلا لا شكّ فى استقلال العقل بالخروج عن العهدة و ح فان تمكّنا من الرّجوع اليهما على تحصيل العلم بالحكم او ما بحكمه من العلم التنزيلى فلا بدّ من الرّجوع اليهما كذلك و إلّا فلا محيص عن الرجوع اليهما على نحو يحصل الظنّ به فى الخروج عن عهدة هذا التكليف فلو لم يتمكّن من القطع بالصّدور او الاعتبار فلا بدّ من التنزّل الى الظنّ باحدهما صدورا او اعتبارا و لا ريب فى انّ الظنّ بالحكم موقوف على الظنّ بالسنّة من جهة الصدور او الاعتبار و كذلك موقوف على الدلالة و الا فمع عدم الظنّ باحدهما لا يمكن الظنّ بالحكم بالضّرورة فاذا وجب الرجوع الى الكتاب و السّنة فعلا لاستنباط الأحكام و استنباطها على وجه الظنّ بعد انسداد باب العلم و العلمى فلا بد من حجّية الظنّ بالسّند و الظنّ بالدلالة لا محالة فالملاك فى هذا الوجه دعوى وجوب الرّجوع الى الكتاب و السّنة لتحصيل الأحكام الشرعيّة شرعا بالإجماع و الضرورة و استقلال العقل على وجوب الخروج عن عهدة هذا التكليف على وجه القطع او ما بحكمه ان امكن و الا فمع وجه يحصل به الظن بالحكم دلالة و سندا و فيه ان قضيّته بقاء التكليف فعلا بالرّجوع الى الأخبار الحاكية للسّنة كما صرّح بانها المراد منها فى ذيل كلامه زيد فى علوّ مقامه لا السّنة المصطلحة انما هى خبر انّ‏

165

خبر انّ الاقتصار فى الرّجوع الى الأخبار المتيقّن الاعتبار فانّ وفى بالتكليف المذكور فهو و الا اضيف اليه الرّجوع الى ما هو المتيقّن اعتباره بالإضافة الى الأوّل لو كان و الا يفى بالتكليف المذكور مع ذلك فالاحتياط فى العمل بجميع الأخبار بنحو ما عرفت لا الرجوع الى ما ظنّ اعتباره و ذلك للتمكن من الرّجوع اليهما علما تفصيلا او اجمالا فلا وجه معه من الاكتفاء بالرّجوع الى ما ظنّ اعتباره و حاصل الذّب بعد التسليم انه لا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن فى استيفاء الاحكام من دون وصول النّوبة الى الظنّ و ح فان امكن الاقتصار على القدر المتيقّن الحقيقى فى استيفاء الأحكام فهو و الا فالمرجع هو القدر المتيقن الإضافي مثلا فلو قدرنا على تحصيل تلك الأحكام من الأخبار العدول فهو و الا فالخبر الثقة و هكذا حتى تصل النوبة الى جميع الأخبار و الا فما دام يمكن الاستيفاء بمقدار الخبر العدل الإمامي فلا وجه للرّجوع الى غيره فكيف بالرجوع الى الظنّ المطلق و الحاصل إن كان الرّجوع الى الكتاب و السنّة و الأخبار لاستيفاء الاحكام واجبا بالاجماع و الضرورة كما ادّعاه المستدل فلازمه حجّية الأخبار بمقدار استيفاء الأحكام فكانت الأخبار بمقدار ذلك حجة قطعيّة بحكم الإجماع و الضرورة من دون وصول النوبة الى جميع الأخبار فكيف الى مطلق الظنّ و الا فحجّية الأخبار جميعها هذا مع ان مجال المنع عن ثبوت التكليف بالرجوع الى السّنة بذاك المعنى الذى صرّح بانها المراد منها فيما لم يعلم بالصّدور و لا بالاعتبار بالخصوص واسع و الى هذا اشرنا آنفا بقولنا بعد التسليم و اما الإيراد الذى اورد عليه العلامة الأنصارى (ره) فرجوعه امّا الى دليل الانسداد لو كان ملاكه دعوى العلم الإجمالي بتكاليف واقعيّة و اما برجوعه الى الدليل الاوّل لو كان ملاكه دعوى العلم بصدور اخبار كثيرة بين ما بايدينا من الأخبار و على اىّ نحو اراد فلا يكون هذا دليلا مستقلّا عقليّا لحجّية الأخبار ففيه انّ ملاكه لم يكن هذا و لا ذاك بل انما هو دعوى العلم بالتكليف بالرجوع الى الرّوايات فى الجملة الى يوم القيمة فراجع تمام كلامه تعرف حقيقة مرامه‏

فصل فى الوجوه التى اقاموها على حجّية الظنّ و هى اربعة

الأوّل أن فى مخالفة المجتهد لما ظنّه من الحكم الوجوبى او التحريمى مظنّة للضرر و دفع الضّرر المظنون لازم بحكم العقل‏

اما بيان الصّغرى و احرازها التى تكون مهتما بها فى المقام فلأمن الظن بوجوب شي‏ء او حرمته يلازم الظنّ بالعقوبة على مخالفته هذا احد وجه احراز الصّغرى و بيانها و الثّانى فلان الظنّ بالحرمة او الوجوب يلازم الظّنّ بالمفسدة فيها بناء على تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد

166

فكان احراز الصّغرى باحد الوجهين اما الظنّ بالعقوبة او الظنّ بالمفسدة و اما الكبرى و هى دفع الضرر المظنون لازم فلاستقلال العقل بدفع الضرر المظنون و لو لم نقل بالتحسين و التقبيح العقليّين لوضوح عدم انحصار ملاك حكمه بهما بل يكون التزامه بدفع الضرر المظنون بل المحتمل بما هو كذلك و لو لم يستقلّ بالتحسين و التقبيح مثل الالتزام بفعل ما استقل بحسنه اذا قيل باستقلاله و لذا اطبق العقلاء عليه مع خلافهم فى استقلاله بالتحسين و التقبيح حاصله انّ الكبرى مما قد وقع الاجماع عليه من العقلاء باجمعهم من غير خلاف بينهم حتى الأشاعرة المنكرين للتحسين و التقبيح العقليّين و لا ملازمة بين الكبرى و مسئلة التحسين و التقبيح اى لا يكون ملاك المسألتين واحدا بل الالتزام بدفع الضرر المظنون بل خوفه كالضرر المقطوع من الفطريّات و اوائل العقول و هو مودع فى طبائعهم بل فى طبائع الحيوانات و لذا يتحرّزون عن مظانّه فدفعه واجب عقلا و ان لم نقل بالتحسين و التقبيح العقليّين بيان ذلك ان ملاكات العقل فى المقام مختلفة فمنها ملاك الضّرر و هو عبارة عن مجرّد ملاحظة كون الأمر الكذائى مظنون الضّرر من دون انه مما يذمّ او يقبح عليه العقل ام لا و منها ملاك التحسين و التقبيح الذى وقع فيه الخلاف من الأشاعرة من دون دخل احد الملاكين بالآخر و من غير تلازم بينهما وجودا و عدما و لا قبولا و انكارا و لا جهلا و ادراكا فربما يكون ملاك القبح موجودا من دون ملاك الضرر كما فى السّرقة و النظر الى الأجنبيّة و الزّنا و الظلم و امثالها فتسليم احد الملاكين غير نافع لملاك الآخر كما انّ ادراك ملاك احدهما غير ملازم لملاك الآخر لأنّ ملاك الأوّل ممّا اطبق عليه العقلاء من غير خلاف بينهم اصلا بخلاف الآخر لوجود المخالف فيه كالأشاعرة و لذا كان النّزاع فيه من اعظم النزاع بين العدليّة و الأشاعرة فان الإماميّة يثبتون ذلك و الأشاعرة ينكرون له جدّا و البرهان على استقلال العقل بالحكم فى جميع موارد الملاكات الملزمة انّ الأفعال كسائر الأشياء مما يختلف بحسب وجوداتها الخاصّة سعة و ضيقا و على حسب اختلافها يختلف بحسب الآثار خيرا و شرّا و هذا مما لا يخفى على اوائل العقول و كذلك لا خفاء فى اختلاف الأشياء بالقياس الى كلّ واحد واحد من الحواس الظاهرة و القوى الباطنة ملائمة و منافرة فربّ شي‏ء يكون ملائما للباصرة او الشّامّة و ينافرها اخرى و القوى العاقلة التى منها بل رئيسها يكون معجبة لبعض ما يدركه و يطلع عليه لملاءمته لها و مشمئزّة من الآخر لمنافرته لها و لا نعني بالحكم العقلى فى موارد الملاكات الملزمة الا كون الشي‏ء فى نفسه ملائما للعقل فيعجبه او منافرا له فينفر؟ عنه‏

167

عنه و بهذا المعنى نقول باستقلال العقل على الحكم فى ملاكات التحسين و التقبيح و هكذا فى مورد ملاك الضرر و مما ذكرنا ظهر انّ الكبرى مما لا مجال لإنكارها لعدم وقوع الخلاف فيها من احد فاذا الكبرى لا اشكال فيها حتى من المنكرين للتحسين و التقبيح فتامّل جيّدا فانّ المنع عن الكبرى مما لا وجه له اصلا و لكن الصّواب فى الجواب عن اصل الدليل هو منع الصّغرى اما العقوبة فلضرورة عدم الملازمة بين الظنّ بالتكليف و الظنّ بالعقوبة على مخالفته اى مخالفة ما ظنّه المجتهد لعدم الملازمة بينه و بين العقوبة على مخالفته لأنّ المثوبة و العقوبة لم تكونا من لوازم نفس الحكم الشرعى الواقعى و لا تدور انّ مدار المخالفة الواقعيّة بالنسبة الى الحكم الواقعى الشرعىّ و انما الملازمة بين خصوص معصية و استحقاق العقوبة عليها لا بين مطلق المخالفة و العقوبة بنفسها و من المعلوم انّ مجرّد الظن به بدون دليل على اعتباره لا يتنجّز به كى يكون مخالفته عصيانه و من المعلوم ان العصيان و العقوبة من لوازم تنجّز التكليف لا مجرّد الظنّ به و مخالفته و الحاصل ان العقوبة و المثوبة من لوازم منجّزية الحكم على المكلّف و هو لا يكون الا بعد العلم به او قيام الطريق المعتبر عليه و بدون ذلك فالعقل مستقلّ بعدم العقاب و مؤمّن عن العقاب لقبح العقاب بلا بيان و هو الحجّة فى المقام لأن المراد من البيان ليس ما هو الظاهر من لفظه حتى يلاحظ مقدار دلالته بل المراد منه هو الحجّة و المفروض فى المقام عدم قيام الحجة و البرهان على اعتباره كى يصير الحكم به منجّزا و انما قام الظنّ الغير المعتبر عليه و لا شك ان قيام الظنّ الغير المعتبر غير مانع عن استقلال العقل على قبح العقاب من غير بيان لأنّ مجرى البراءة العقليّة يعمّ مورد الظنّ الغير المعتبر من دون اختصاص بالشّك هذا كله بناء على التحقيق من استقلال العقل بقبح العقاب فى مورد الظنّ الغير المعتبر و اما بناء على عدم استقلاله على قبح العقاب فى مورد الظنّ فالعقاب محتمل لا مظنون لعدم التلازم بين مخالفة الحكم الواقعى و العقاب فمع عدم استقلال العقل بقبح العقاب فيحتمل كون الظنّ حجة و بيانا فى استحقاق العقاب و عدمه فاذا الصّغرى غير محرزة اللّهمّ إلّا ان يقال انه لا يستقلّ ايضا بعدم استحقاقها معه فيحتمل العقوبة ح على المخالفة و دعوى استقلاله بدفع الضرر المشكوك كالمظنون قريبة جدّا لا سيّما اذا كان هو العقوبة الأخرويّة كما لا يخفى هذا كلّه بالنسبة الى العقوبة لو كانت العقوبة مراد المستدلّ من الضرر فى الصّغرى و اما المفسدة فلا لأنها و إن كان الظنّ بالتكليف يوجب الظن بالوقوع فيها لو خالفه إلّا انّها ليست بضرر على كلّ حال لأنّ الأحكام الشرعيّة و إن كانت على المشهور تابعة للمصالح و المفاسد الكامنة فى نفس المأمور بها و المنهىّ عنها لا المصالح‏

168

و المفاسد فى نفس الأمر و النّهى إلّا انها تكون علّة تامّة لمجرّد انشاء الحكم لا الأحكام العقليّة حتى يلزم استيفائها بحيث كانت نفس تلك الملاكات عين ملاك الضرر كى يلزم منه ان يكون فوت الواجب او الأقدام فى المنهىّ ضررا على المكلّف حتى يجب دفعه لأن تلك الملاكات كانت ملاكاته للأحكام النوعيّة و ليست من ملاكات الاحكام الشخصيّة بل هى المصالح و المفاسد النوعيّة الملحوظة بالنظر الى النظام الكلّى للنوع مثلا الزّنا و السّرقة و النظر الى الأجنبيّة مع قطع النظر عن ملاك التقبيح العقلى و مع النظر عن العقوبة فيها لم تكن مفسدتها ملزمة بالنسبة الى كل شخص كى يحكم العقل برفعها بل المفسدة الكامنة فيها صارت مناطة للحرمة بالنظر الى النوع حيث انها يوجب الهرج و المرج و الاختلال فى المعاش و المعاد و اختلاط الأنساب و هذه المفسدة لا يحكم العقل بوجوب دفعها مع العلم بها فكيف بالظنّ بها و ناهيك توهّم الإنكار فى ملاكات الأحكام الشرعيّة بالنظر الى العقل بل المقصود انّ ملاك المصلحة و المفسدة بنفسها مع قطع النظر عن ساير الملاكات الملزمة الموجودة فى المأمور بها و المنهىّ عنها ليست ملاكات ملزمة بحكم العقل بحيث لو فرض عدم العقوبة على مخالفة الواجبات و المحرّمات و اغمض النظر عن ساير الملاكات الموجودة فيهما بالنسبة الى كل شخص شخص لم يحكم العقل بدفع تلك المفاسد الكامنة الموجبة للأحكام الإنشائيّة حتى مع العلم بها فضلا عن الظنّ و الاحتمال فظهر من ذلك ان المفسدة ليست من الضرر على كل حال ضرورة ان كلّما يوجب قبح الفعل من المفاسد لا يلزم ان يكون من الضرر على فاعله بل ربّما يوجب حزازة و منقصة فى الفعل بحيث يذم فاعله بلا ضرر عليه اصلا نعم قد يكون ملاكات المفسدة فى بعض الموضوعات من الضرر الشّخصى و ح فوجب دفعه عقلا كما فى بعض الموارد التى نهى الشارع عنها كالجذام و البرص حيث قال فرّ من الجذام فرارك من الأسد و امثال ذلك إلّا انه لندرة مورده كان احتمالا موهوما و لا شكّ ان موهوم الضرر ليس ممّا يعتنى به قطعا هذا مضافا الى عدم اطراده فى جميع الموارد و هو المهمّ هذا كله بالنسبة الى المفسدة و اما تفويت المصلحة مضافا الى ما عرفت فلا شبهة فى انه ليس فيه مضرّة بل ربما يكون فى استيفائها المضرّة كما فى الإحسان بالمال فظهر من جميع ما ذكرنا منع الصّغرى حيث ان الظنّ بالوجوب و الحرمة ليس ظنّا بالعقوبة و لا احتمالا بها الا على وجه غير وجيه و لا ظنّا بضرر آخر من جهة الظنّ بالمفسدة فان فوت المصلحة او الوقوع فى المفسدة الكامنتين فى الأفعال الموجبتين للوجوب و الحرمة و إن كان مظنونا إلّا انه لم يكونا من الضّرر على كلّ حال كى يكون الظنّ بهما ظنّا بالضّرر الذى وجب دفعه عقلا هذا كلّه مع منع كون الاحكام‏

169

الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد فى المأمور بها و المنهىّ عنها بل هى تابعة لمصالح فيها اى فى الأحكام كما حققناه فى بعض فوائدنا و بيّناه فى جواب ابن قبة فراجع هذا كله بالنسبة الى ملاك الضّرر و اما من حيث ملاك التحسين و التقبيح فلا يجب دفعه ايضا و العقل لا يقبح على الأقدام على مخالفة الحكم المظنون بالظن الغير المعتبر لاختصاص التحسين و التقبيح بالأفعال الاختياريّة و هى لا بدّ فيها من المبادى الاختياريّة فلا بدّ من كونها مسبوقة بالعلم و الإرادة و الفعل المحرّم الذى اوقعه المكلّف و إن كان اختياريّا بالنظر الى عنوانه و حقيقته إلّا انه بالنظر الى ملاك قبحه لعدم العلم بهذا الملاك بالفرض لا يكون اختياريّا مع اعتبار العلم بوجه القبح فى اختياريّة الفعل بملاكه القبحى و المفروض عدم العلم بالمفسدة و العقل لا يحكم بالتقبيح بمجرّد الظنّ بملاك التقبيح لعدم كون الفعل اختياريّا بهذا العنوان و بالجملة ليست المفسدة المدركة و لا المنفعة الفائتة اللّتان فى الأفعال و انيط بهما الأحكام بمضرّة و ليس مناط حكم العقل بقبح ما فيه المفسدة او حسن ما فيه المصلحة من الأفعال على القول باستقلاله بذلك هو كونه ذا ضرر وارد على فاعله او نفع عائد اليه لما عرفت من عدم العلم بملاك التحسين و التقبيح و من جميع ذلك ظهر انتفاء الصّغرى بكلا الملاكين و بمثل ما ذكرنا ينبغى ان يحقق المقام و يمنع الصّغرى لا بما افاده العلامة الأنصارى (ره) حيث منع الصّغرى اولا من جهة احتمال التدارك و منع الكبرى فى خصوص المقام ثانيا بعد تسليم الصغرى من جهة القطع او الظنّ بالتدارك بعد القطع او الظنّ بالرّجوع الى البراءة او الاستصحاب فى مورد الظنّ و ترخيصه لترك مراعاة الظنّ بدعوى ان حكم الشارع بالرجوع الى البراءة او الاستصحاب فى مورد الظنّ و ترخيصه لترك مراعاة الظنّ القياسى يكشف كشفا قطعيّا عن تدارك ذلك الضرر المظنون فلا يجب دفعه هذا حاصل ما افاده و فيه ان الضرر الذى يستقل العقل بالتحرّز عن مقطوعه و مظنونه و إن كان خصوص ما لا يتدارك منقصته و ما لا يجبر كسره بفائدة إلّا انه ليس كلّ منفعة عائدة بجابرة له و الا فليكن كلّ منفعة حصلت للإنسان جابرة لما ورد عليه من الضرر فالحسنات و إن كانت تذهبن السيّئات بعقوباتها بحيث ان الحسنات تجزى بعشر امثالها و السّيئات لا يجزى الا مثلها الا انّ ضرر مفاسدها لا يجبر بما فيها من المصالح و الا لجاز الأقدام فيها لمن عمل الحسنات و هو مقطوع الفساد بل خلاف ضرورة الذين و بالجملة جعل الأمارات و الأصول المؤدّية الى مخالفة الحكم الواقعىّ النفس الأمرى و كذا النهى عن الظن القياسى و إن كان ناشئا عن مصلحة فى نفس الجعل و النّهى لأنها كانت اقوى عن مصلحة تفويت المصلحة عن المكلّف و ايقاعه فى المفسدة بحيث يبقى‏

170

مصلحة الجعل و النهى بعد الكسر و الانكسار بين مصلحة تفويت المصلحة و الايقاع فى المفسدة بلا مزاحم بحيث كان عدم الجعل و عدم النهى قبيحا عقلا و بذلك يصير جعل الأمارات و الأصول المخالفة للحكم الواقعى و النهى عن الظنّ القياسى واجبا عليه تبارك و تعالى وجوبا عقليّا و كان تركه قبيحا لما تقرر من انّ ترك ما فيه خير كثير لشر قليل كان شرّا كثيرا لأن مصلحة الكامنة فى الجعل و النهى لا تجبر الضرر الذى وقع فيه المكلف اذ لا مصلحة فى مؤدى الأمارات و الاصول كى يمكن ان يكون جابرة لما فيه من الضرر و المفسدة و لعمرى هذا الذى حققناه فى المقام اوضح من ان يخفى فلا مجال لقاعدة رفع الضرر المظنون هاهنا اصلا و لا استقلال للعقل بقبح ما فيه احتمال المفسدة او ترك ما فيه احتمال المصلحة فافهم و تبصّر

الثّانى من الوجوه التى اقيمت على حجّية الظن انه لو لم يؤخذ بالظنّ و اخذ بالشكّ لزم ترجيح المرجوح على الراجح و هو قبيح عقلا فيوجب اتباع الظنّ‏

و فيه انه لا يكاد يلزم منه ذلك الا فيما اذا كان الأخذ بالظنّ او بطرفه لازما اى دار الأمر بينهما مع عدم امكان الجميع بينهما عقلا او عدم وجوبه شرعا ليدور الأمر بين ترجيحه و ترجيح طرفه و هو الشك و الحال انه لا يكاد يدور الأمر بينهما الا بمقدّمات دليل الانسداد ففى الحقيقة انّ المستدل انما اخذ بالمقدّمة الأخيرة من مقدّمات دليل الانسداد و هو انما يتمّ بعد اثبات الدّوران بين الأخذ بالظنّ او بالشكّ بعد اثبات المقدّمات السّابقة من اثبات انسداد باب العلم و العلمى و ابطال البراءة و الاحتياط و ساير الطرق المقررة للجاهل فيدور الأمر بعد اثبات تلك المقدّمات بين الأخذ بالظنّ او الشك او الوهم بحيث لا محيص الّا الأخذ باحدها فيؤخذ الراجح و هو الظنّ دون المرجوح و هو الشك و الوهم فظهر انه لا يكاد يدور الأمر عقلا الا بمقدّمات دليل الانسداد و الا كان اللّازم هو الرجوع الى العلم او العلمى او الاحتياط او غيرهما على حسب اختلاف الأشخاص او الأحوال فى اختلال المقدّمات على ما ستطلع على حقيقة الحال فى دليل الانسداد و سيجي‏ء بعيد هذا

الثّالث من الوجوه ما عن السّيّد الطباطبائى (ره) [و خلاصته العمل بالاحتياط فى المظنونات دون المشكوكات و الموهومات من بين المشتبهات‏]

من انه لا ريب فى وجود واجبات و محرّمات كثيرة فعليّة بين المشتبهات و مقتضى ذلك وجوب الاحتياط بالإتيان بكلّ ما يحتمل الوجوب و لو موهوما و ترك ما يحتمل الحرمة كذلك اى موهوما و لكن مقتضى قاعدة نفى الحرج عدم وجوب ذلك كله لأنه عسر اكيد و حرج شديد فمقتضى الجمع بين قاعدتى الاحتياط و قاعدة انتفاء الحرج العمل بالاحتياط فى المظنونات دون المشكوكات و الموهومات لأنّ الجمع على غير هذا الوجه باخراج بعض المظنونات‏

171

المظنونات و ادخال بعض المشكوكات و الموهومات باطل اجماعا فوجب الاحتياط بالمظنونات و هو المطلوب و لكن لا يخفى ما فيه من القدح و الفساد فانه بعض مقدّمات الانسداد فانه قد اخذ بالمقدمة الأولى و الرابعة منه و ترك المقدمة الثانية و هى انسداد باب العلم و العلمى و المقدّمة الثّالثة و هى ابطال البراءة كلّية و المقدّمة الخامسة و هى تقديم جانب الظن بقبح ترجيح المرجوح على الرّاجح و لا يكاد ينتج بدون ساير مقدّماته و معه لا يكون دليل آخر بل ذاك الدّليل و هو دليل الانسداد فلا بدّ من انضمام مقدّماته الأخر لينتج المطلوب مع فرض تماميّتها فتبصّر

الرابع من الوجوه العقليّة الدالة على حجّية الظنّ مط دليل الانسداد

و هو مؤلف من مقدّمات خمسة بعضها وجدانيّة و بعضها استقرائيّة و بعضها شرعيّة و بعضها عقليّة و لا ينافى مع ذلك كونه دليلا عقليّا لأن عقليّة الدّليل انما هى بملاحظة عقليّة النتيجة لا عقليّة مقدماتها و المقام كذلك لأنه بعد تماميّة المقدّمات يستقل العقل مع تحققها بكفاية الإطاعة الظنّية حكومة او كشفا على ما تعرف الفرق بينهما و لا يكاد يستقل العقل بها بدونها فلا يقال انّ استلزام تلك المقدّمات للنتيجة لا يستلزم كون الدليل عقليّا لأن استلزام كل مقدمة للنتيجة يكون عقليّا

[فى مقدمات دليل الانسداد]

و هى خمسة

اولها انه يعلم اجمالا بثبوت تكاليف كثيرة فعليّة من الواجبات و المحرّمات‏

بحيث كانت بالغة مرتبة البعث و الزّجر الفعلى فى الشريعة

ثانيها انه قد انسدّ علينا باب العلم و العلمى فى كثير منها

المعبر عنه بالظنّ الخاص تارة او مقطوع الاعتبار او الطّرق المجعولة مرة اخرى‏

الثّالثة انه لا يجوز لنا اهمالها

و لسنا بالنسبة اليها كالبهائم و المجانين‏

رابعها انه لا يجب علينا الاحتياط

بل لا يجوز فى الجملة كما لا يجوز الرّجوع الى الأصل فى المسألة المبحوثة عنها و المحتاجة اليها من استصحاب و تخيير و براءة و احتياط و لا الى فتوى العالم بحكمها و ان شئت قلت انه بعد الانسداد و عدم جواز الإهمال ليس المرجع فيها هو الأصول النافية من البراءة و اصالة العدم و غيرهما بوجوه ثلاثة الأوّل الإجماع القطعى من الكلّ حتى من القائلين بالانفتاح كالسيّد و اتباعه و الثّانى انّ الرّجوع الى الأصول النافية فى جميع المشتبهات يستلزم الخروج من الدّين و الثّالث مانعيّة العلم الاجمالى للزوم المخالفة القطعيّة لأنّ العلم الاجمالى كالتفصيلى كان منجّزا للتكليف و معه لا مجال للبراءة و غيرها من الأصول النافية و كذلك ليس المرجع بعد ابطال الأصول النافية هو الاحتياط الكلّى فى جميع اطراف العلم الإجمالي من المظنونات و المشكوكات و الموهومات للاجماع القطعى و لزوم الإخلال بنظام المعاش و المعاد و كذلك ليس المرجع بعد ذلك‏

172

هو الأصول الجارية فى مواردها مط مثبتة كانت او نافية او غيرهما للعلم الإجمالي على الخلاف و كذلك ليس المرجع بعد ابطال ذلك الى فتوى العالم بحكمها بنحو التقليد للتمكن من الاطاعة الظّنيّة

خامسها انّه بعد ابطال البراءة الكلّية و ابطال الاحتياط الكلّى فى غير المعلومات يدور الامر بين الأخذ بالمظنونات او المشكوكات او الموهومات و لا يجوز تقديم جانب المشكوك و الموهوم لانه كان ترجيح المرجوح على الراجح قبيحا فيستقل العقل ح بلزوم الإطاعة الظنّية لتلك التكاليف المعلومة

الفعليّة و الا لزم بعد انسداد باب العلم و العلمى بها اما اهمالها و اما لزوم الاحتياط فى اطرافها و اما الرّجوع الى الأصول النافية كلّية و اما الرجوع الى الاصل الجارى فى كل مسئلة مع قطع النظر عن العلم بها او التقليد فيها او الاكتفاء بالإطاعة الشكّية او الوهميّة مع التمكن من الظنّية و الفرض بطلان كلّ واحد منها فينتج تلك المقدّمات حجّية الظنّ بقول مطلق و وجوب اتباعه بحكم العقل‏

[الرد على دليل الانسداد]

[الرد على المقدمة الاولى‏]

اما المقدمة الأولى فهى و إن كانت بديهيّة و لا مجال لانكارها اذ المعلوم بالضّرورة لكل احد وجود التكاليف الفعليّة عليه فى هذه الشريعة فلا يحتاج تلك المقدّمة الى البرهان إلّا انه قد عرفت سابقا انحلال العلم الإجمالي بما فى الأخبار الصّادرة عن الأئمّة الطاهرين عليهم السّلام التى تكون فيما بايدينا من الرّوايات فى الكتب المعتبرة مط و معه لا موجب للاحتياط لانحلال العلم الإجمالي الى العلم التفصيلى و الشّك البدوى فلا موجب للاحتياط الا فى خصوص ما فى الرّوايات من التكاليف و هو غير مستلزم للعسر فضلا عما يوجب الاختلال لأنه ليس بازيد من حجّية جميع الأخبار الموجودة بالخصوص فكما انّ العلم التفصيلى بحجّية جميع الأخبار او بصدورها غير مستلزم للحرج فكك مع العلم الاجمالى بصدور بعضها و الاحتياط فى جميع الأطراف و ح فلو بقى فرضا جملة من التكاليف فليس بمقدار يوجب اجراء الأصل فيه الخروج من الدّين و لا اجماع على عدم وجوبه و لو سلّم الإجماع على عدم وجوبه لو لم يكن هناك انحلال فكيف اذا قلنا بالانحلال و قد قلنا به بما فى الأخبار الصّادرة عن الأئمة الطاهرين (سلام اللّه عليهم اجمعين) و

[الرد على المقدمة الثانية]

اما المقدمة الثانية اما بالنسبة الى العلم الحقيقى الوجدانى فهى بالنسبة الى امثال زماننا بيّنة وجدانيّة يعرف الانسداد بالنسبة اليه كلّ من تعرض للاستنباط و الاجتهاد و لا اظنّ ان يخالف فى ذلك احد من العلماء و ما ينسب الى بعض الأخباريّين و الأصوليّين من انفتاح باب العلم فهو مؤوّل بمعنى انّ مرادهم هو العلمى و الا فدعوى انفتاح باب العلم الحقيقى التفصيلى فى جميع الاحكام خصوصا

173

خصوصا فى امثال زماننا بديهىّ الفساد و اما بالنسبة الى العلمى المعبّر عنه بالظنّ الخاص فالظاهر انها غير ثابتة لما عرفت سابقا من نهوض الأدلّة على حجّية خبر يوثق بصدقه و هو بحمد اللّه واف بمعظم الفقه لا سيّما بضميمة ما علم تفصيلا منها و بالجملة ان الأخبار الموثوقة بصدقها و بصدورها كانت حجة و واجب الأتباع بالخصوص ببناء العقلاء و الآيات و الرّوايات سواء كانت فى الكتب المعتمدة او لم تكن و من المعلوم انّ هذا المقدار واف بمعظم الفقه فباب العلم الحقيقى و إن كان منسدّا الا انّ باب العلمى غير منسدّ

[الرد على المقدّمة الثّالثة]

و اما المقدّمة الثّالثة فهى القطعيّة و لسنا كالبهائم و المجانين فت لا يخفى لطفه منه و لو لم نقل بكون العلم الإجمالي منجّزا مط او فيما جاز او وجب الاقتحام فى بعض اطرافه كما فى المقام حسب ما ياتى و ذلك لأن اهمال معظم الأحكام و عدم الاجتناب كثيرا عن الحرام ممّا يقطع بانّه مرغوب عنه شرعا و مما يلزم تركه اجماعا فكيف يمكن اهمالها خصوصا لو قلنا بكون العلم الإجمالي كالتفصيلى منجّزا للتكليف ان قلت اذا لم يكن العلم الإجمالي بها منجّزا لها للزوم الاقتحام فى بعض الأطراف كما اشير اليه آنفا بقوله او فيما وجب الاقتحام فى بعض اطرافه كما فى المقام حسب ما ياتى فهل كان العقاب على المخالفة فى ساير الأحكام ح على تقدير المصادفة الا عقابا بلا بيان و المؤاخذة عليها الا مؤاخذة بلا برهان فاذا كان العقاب على هذا بلا بيان فاهمالها و عدم التعرض لها كان فى محله فهذه المقدمة و إن كانت قطعيّة إلّا انه لا نتيجة فى قطعيّتها لجواز الإهمال فيها قلت هذا انما يلزم لو لم يعلم بايجاب الاحتياط و قد علم بنحو اللّم لما علمت بان اهمال معظم الا حكام و عدم الاجتناب كثيرا عن الحرام مما يقطع بفساده و انه امر مرغوب عنه شرعا حيث علم اهتمام الشارع بمراعات تكاليفه بحيث ينافيه عدم ايجابه الاحتياط الموجب للزوم المراعات و لو كان ببعض المحتملات من اطراف العلم مع صحّة دعوى الاجماع على عدم جواز الإهمال في هذا الحال و انه مرغوب عنه شرعا قطعا و اما مع استكشافه و لو بنحو اللّم فلا تكون المؤاخذة و العقاب ح بلا بيان و بلا برهان كما حققناه فى البحث و غيره من غير محلّ البحث و بالجملة انّ هذه المقدمة لا اشكال فيه و لو لم نقل بكون العلم الإجمالي منجّزا مط او فى المقام بوجوب الاقتحام فى بعض اطرافه كما ستجي‏ء الإشارة اليه‏

[الرد على المقدمة الرابعة]

و اما المقدمة الرابعة فهى بالنسبة الى عدم وجوب الاحتياط التّام بلا كلام فيما يوجب عسره اختلال النظام و اما فيما لا يوجب فمحلّ نظر بلا منع و ان شئت قلت ان ما ذكروه من الوجوه الثلاثة لأبطال البراءة الكلّية و عدم جواز الرجوع الى الأصول النافية حال الانسداد فغير تامّ اما الإجماع فلأن تحصيله فى هذه المسألة بعيد و لو اتّفقت الأقوال ايضا لم يكشف‏

174

مثل هذا الاتفاق عن راى المعصوم (ع) لقوة احتمال ذهاب الجلّ لو لا الكل الى عدم جواز الرّجوع الى الأصول النافية من جهة حكم العقل بكون العلم الاجمالى بالتكليف الفعلى منجّزا بحيث كان علّة تامّة للتنجّز فلا مجال ح على هذا للبراءة و بعد معلوميّة مدرك الإجماع و الاتفاق كيف يمكن استكشاف راى الحجة عن اتفاقهم و ليس هذا منحصرا بالمبحث بل كل مسئلة يتطرّق اليها حكم العقل او كان فيها رواية يحتمل ان يكون مستند الإجماع هذا الحكم العقلى او هذه الرّواية فلا اعتماد ح بمثل هذا الاتفاق كما فى المقام فانّ مانعيّة العلم الإجمالي و منجّزيّته للتكليف عقلا امر مركوز فى الأذهان فمرجع اتفاقهم فى المقام هو هذا الحكم العقلى و اما لزوم المخالفة الكثيرة من الرجوع فى تلك الوقائع الى البراءة بحيث يعد الرجوع اليها خارجا عن الدّين مع ثبوت اكثر التكاليف فى الشريعة بما قطع ثبوته من الضّروريّات و الاجماعات و المتواترات و ما احتف بما يوجب اليقين و ما ساعدت اليه امارة ثبت اعتبارها فممنوع جدّا و الحاصل انه مع قطع النظر عن الاجماع السّابق و منجّزيّة العلم الإجمالي و مانعيّته عن الرّجوع الى البراءة لا محذور فى الرّجوع الى البراءة و ليس هذا محذورا مستقلّا فعلى تقدير منجّزيّة العلم الإجمالي و تجويز المخالفة القطعيّة و قطع النّظر عن الاجماع لا محذور فى الرّجوع قطعا و لا يلزم من الرّجوع اليها الخروج من الدّين جزما بعد الالتزام و العمل بجميع ما قطع بثبوته فى الشريعة و اما لزوم المخالفة القطعيّة من جهة العلم الإجمالي بالتكاليف و منجّزيّته فالتحقيق كما اخترناه فى مبحث العلم الإجمالي من انّه ليس كالعلم التفصيلى بان يكون علّة تامّة للتنجّز و انما هو منجّز للتكليف بنحو الاقتضاء و على وجه التعليق بحيث يوجب تنجّز متعلّقه لو لا المانع و لم يثبت الترخيص من طرف الشارع فى بعض الأطراف او جميعها و ليس كالعلم التفصيلى بحيث يمنع الترخيص فى مورده و يلزم التناقض فيعمّه ادلة البراءة و اما الاستدلال على رفع الاحتياط الكلّى بالإجماع و قاعدة الخروج فى غير ما يوجب الإخلال بالنظام فغير تام جدّا اما الإجماع فلما عرفت من ان دعوى الإجماع فيما يتطرق اليه العقل كما فى المقام بعيدة لأحتمال ان يكون وجه عدم التزامهم بالاحتياط عدم تنجز التكليف عندهم بالعلم الاجمالى و معه لا يمكن استكشاف رضاء المعصوم (ع) عن اتفاقهم‏

[حكومة قاعدة العسر و الحرج على الاحتياط]

و اما قاعدة العسر و الحرج فهى ممنوعة لعدم حكومة نفى العسر و الحرج على قاعدة الاحتياط و اعلم ان المنفىّ بها اما ان يكون خصوص الحكم العسرى الذى كان بنفسه عسريّا او يكون المنفىّ اعمّ من الحكم العسرى و الحكم الذى نشاء عن قبله العسر و مستلزم له و ان لم يكن بنفسه عسريّا على الاختلاف فى مفاد قاعدة الحرج و قاعدة الضرر و على التقديرين لا تنهض‏

175

لا تنهض لأبطال الاحتياط الكلّى اما على الأوّل فلانّه لما حققناه فى معنى ما دلّ؟ على نفى الضرر و العسر من انّ التوفيق بين دليلهما و دليل التكليف او الوضع المتعلقين لما يعمّهما بحيث يشمل التكليف العسرى و الضّررى هو نفيهما عنهما بلسان نفيهما فلا يكون على الاحتياط العسر اذا كان بحكم العقل لعدم العسر فى متعلق التكليف و انّما هو فى الجمع بين محتملاته احتياطا و سيجي‏ء تحقيق مفاد لا ضرر و لا حرج فى باب قاعدة ضرر و حاصل ما افاده هاهنا ان التكليف المعلوم بالإجمال حال الانسداد ليس فيه العسر و ليست الأحكام المشتبه بنفسها عسريّة و انما جاء العسر و الحرج بسبب حكم العقل بوجوب الاحتياط الكلّى فالحكم العسرى هو وجوب الاحتياط لا نفس التكاليف المعلومة بالإجمال و وجوب الاحتياط في مورد العلم الإجمالي حكم عقلى لا شرعى كى يمكن رفعه بالقاعدة المذكورة لاستحالة تخصيص حكم العقل بالشرع فاذا فرض استقلال العقل بوجوب الاحتياط فى مورد العلم الإجمالي فلا يمكن دفع هذا الحكم فيما اذا لزم العسر و الحرج و تخصيصه بغير هذا المورد لأنها قاعدة واقعيّة كسائر الأدلة الواقعيّة ليس مفادها الا نفى الحكم العسرى عن الواقع و تقديمها على الأدلة الواقعيّة بملاحظة المرجّحات الخارجيّة انما هو من باب الجمع العرفى و تقديم الأظهر على الظاهر بحمله على الأظهر لا من باب الحكومة لأنّ الحكومة على ما قرّره الشّيخ (ره) ان يكون الحاكم بلفظه ناظرا الى المحكوم و شارحا له و مثبتا لمقدار عمومه و شموله فاذا كان مفاد قاعدة الحرج و الضرر نفى الحكم العسرى و الضررى بنفسه فتقديمهما على الأدلة الواقعيّة انما هو من باب الجمع العرفى بين دليليهما و دليل التكليف او الوضع و ح لا حكومة لهما على الاحتياط العسر اذا كان بحكم العقل لعدم العسر فى متعلق التكاليف بنفسها ح و انما العسر جاء من قبل حكم العقل بلزوم الاحتياط

[فى بيان الشيخ الانصارى لمعنى الحرج‏]

نعم لو كان معناه اى معنى ما دلّ على نفى العسر نفى الحكم الناشئ من قبله العسر و ان لم يكن بنفسه عسريّا كما قيل و القائل هو العلامة الأنصارى (ره) لكانت قاعدة نفيه محكمة على قاعدة الاحتياط لأن العسر ح يكون من قبل التكاليف المجهولة فيكون منفيّة بنفيه و يرتفع به الإيراد السّابق من لزوم تخصيص حكم العقل حيث انّ المنفىّ ح هو نفس التكاليف الشرعيّة الثابتة بالأدلة الواقعيّة فيصحّ ارتفاعها ببركة القاعدة المذكورة من باب الحكومة و لكن لا يخفى انه على هذا لا وجه لدعوى استقلال حكم العقل بوجوب الاحتياط فى بعض الأطراف بعد رفع اليد عن الاحتياط فى تمامها بل لا بدّ من وجوبه ح وجوبه شرعا كما اشرنا اليه فى بيان المقدمة الثّالثة توضيح ذلك ان الأدلة الواقعيّة و ان عمّت و شملت الأحكام العسرة و الأحكام التى نشأ عن قبلها العسر الا انّ قاعدة نفى الحرج على هذا المعنى كانت كاشفة عن عدم تشريع الحكم الذى جاء منه العسر و استلزم منه الحرج و التكاليف‏

176

المعلومة بالاجمال حال الانسداد و ان لم تكن بنفسها عسرة إلّا انها لما اوجبت على وجه الاستلزام العسر و الحرج من جهة تطرق الاشتباه و الجهل و حكم العقل بوجوب الاحتياط الكلّى فهى مرفوعة و ساقطة راسا بمعنى انه يستكشف من قاعدة الحرج عدم تشريع التكليف فى حال الانسداد فالمنفىّ على هذا نفس التكاليف الشرعيّة من دون تخصيص حكم العقل و انه لا يبقى بعد مورد للاحتياط اصلا لانتفاء العلم الإجمالي بالتكاليف فلا مجال ح لمقدّمات الانسداد

[فى ابطال الاحتياط الكلى‏]

فانقدح بما ذكرنا الاختلال فيما ذكره الشّيخ (ره) فى ابطال الاحتياط الكلى من الاجماع و قاعدة الحرج ثم انه بعد الإغماض عن جميع ما ذكرناه و تسليم قيام الإجماع و قاعدة الحرج على رفع الاحتياط الكلّى فنقول بعد قيام الدليل القطعى من الشرع او العقل على عدم وجوب الاحتياط فى جميع الأطراف و الترخيص و جواز الأقدام و الاقتحام فيها تعيينا او تخييرا ينحل العلم الإجمالي و يمنع عن تاثيره فلا بدّ من الرّجوع الى البراءة فى جميع الأطراف و من المعلوم انّ العلم الإجمالي بالتكاليف الفعليّة بين المظنونات و المشكوكات و الموهومات انما يؤثّر فى التنجّز اذا لم يقم دليل قطعىّ على التّرخيص فى بعض الأطراف تعيينا او تخييرا و اما مع قيام الدليل القطعى عليه فيمنع عن تاثير العلم الإجمالي فى التنجّز اذ لا يبقى بعد الترخيص فى بعض اطراف العلم بالتكليف الفعلى لاحتمال ان يكون التكليف المعلوم بالاجمال من خصوص الطرف الذى وقع الترخيص فيه على التعبير او التخيير و لا فرق فى ذلك بين قيام الدّليل على الترخيص من اوّل الأمر مقارنا للعلم الإجمالي بالتكليف او بعده بحسب الزّمان اذ بعد قيام الدليل القطعى و لو مؤخّرا يستكشف كشفا قطعيّا الترخيص من اوّل الأمر و نقطع بانّ بعض الأطراف كان مرخصا فيه ابتداء و لم يؤثر العلم الإجمالي فى التنجّز راسا نعم اذا فرض طريان المانع بعد تنجّز التكليف و اليقين باشتغال الذمّة بالخروج عن عهدة التكليف المنجّز فلا يمنع عن التنجّز و التاثير و لا يوجب الانحلال لأنّ المفروض انّ العلم قد اثر اثره و تنجّز التكليف بحكم العقل فلا بدّ من تحصيل العلم و هذا لا يمكن الا مع الاحتياط فى باقى الأطراف كخروج بعض اطراف العلم عن مورد الابتلاء كاهراق الماء الذى كان من اطراف الشبهة فانّ طرو امثال ذلك غير مانع عن التاثير و هذا بخلاف المقام فانّ قيام الدّليل مانع عن التنجّز من اوّل الأمر فلا يبقى للمورد الأصل البراءة و لم تصل النوبة الى الأخذ بالظنّ او الشّك او الوهم كى يتعيّن بحكم العقل من جهة قبح ترجيح المرجوح على الراجح وجوب اتباع الظنّ و العمل على طبقه‏

[التبعيض فى الاحتياط و وجه فساده‏]

و مما ذكرنا ظهر الاختلال فيما اختاره العلامة الأنصارى (ره) ايضا من التبعيض‏

177

من التبعيض فى الاحتياط حيث انه (ره) بعد ابطال الاحتياط الكلى فى جميع الموارد بالإجماع و لزوم العسر التزم بوجوب الاحتياط فى المقدار الذى لا يلزم منه العسر و الحرج و الترخيص فى المقدار الذى يلزم منه العسر و اذا دار الأمر بين الاحتياط فى بعض اطراف العلم الإجمالي و الترخيص فى بعضه الآخر فالعقل يستقل على تعيين مورد الترخيص بالموهومات اى المظنون عدم التكليف و وجوب الاحتياط فى المظنونات و المشكوكات و وجه الفساد هو ما عرفت من انحلال العلم الإجمالي بعد قيام الدليل القطعى على الترخيص فى بعض الأطراف فلا يبقى اثر للعلم الإجمالي كى يوجب الاحتياط فى المقدار الزائد عن مورد الترخيص بل حكم العقل بعد قيام الدّليل و انحلال العلم الإجمالي هو الترخيص فى جميع اطراف العلم بحكم البراءة العقليّة لاستقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان اذ بعد الانحلال و الرجوع الى العلم التفصيلى بالترخيص فى بعض الأطراف و الشّك البدوى فى الترخيص فى بعضه الآخر يجرى البراءة قطعا لتحقق موضوعها و هو عدم البيان و عدم قيام الحجّة و البرهان حيث انّ الشك و الاحتمال ليس حجّة ذاتا و لا مجعولا

[بيان الاحتياط فى بعض الشبهات الموضوعية و الجواب عن الاحتياط فى بعض الشبهات‏]

فظهر من جميع ما ذكرنا انّ مقتضى القاعدة بحكم العقل هو البراءة كليّة لا التبعيض فى الاحتياط لا يقال انه قد يجب الاحتياط شرعا فى بعض الشبهات البدويّة الحكميّة و الموضوعيّة اذا احرز كمال اهتمام الشارع بالحكم كما فى مورد الدّماء و الفروج و نصاب الزكاة و امثالها حيث انّ الشارع قد اوجب الاحتياط و الفحص قبل احراز بلوغ المال الى حدّ النصاب و كذلك امثاله مع ان الشك فى تلك المقامات بدوىّ موضوعىّ و مقتضى القاعدة فيها هو البراءة من دون وجوب الفحص و من المعلوم انّ ايجاب الشارع الاحتياط فى تلك المواضع ليس الا من جهة اهتمامه بالحكم فمن الممكن ان يكون الاحتياط علينا واجبا حال الانسداد لاهتمام الشارع بالأحكام و لو مع عدم العلم الإجمالي فى البين فانا نقول ان مجرّد العلم الاجمالى باهتمام الشارع بالاحكام لا يجدى فى ايجاب الاحتياط و ارتفاع موضوع البراءة العقليّة حيث كان التكليف وجوده مشكوكا و العلم باهتمام الشارع بالحكم لو كان متحققا لا يخرج الشّك عن كونه شكّا و لا يتحقق البيان بمجرّد ذلك فتجرى البراءة العقليّة بلا كلام الا ان يستكشف كشفا قطعيّا من الخارج بانّ الشارع جعل لنا طريقا خاصّا فى امتثال احكامه من الاحتياط او الظنّ او احال ذلك الى العقل و العقل قد استقلّ على التنزل من العلم بعد الانسداد الى الظنّ و وجوب اتباعه فى احكامه و مع استكشافه لا شك فى انّه لا مجال للبراءة لارتفاع موضوعها اذ يكفى‏

178

فى البيان و قيام الحجة و البرهان القطع بايجاب الشارع الاحتياط او الظنّ طريقا الى امتثال احكامه او الإحالة الى العقل و بهذا الاستكشاف يتمّ مقدّمات الانسداد و لو مع انحلال العلم الإجمالي راسا و عدم وجوب الاحتياط الكلّى بحكم العقل فافهم و تامّل جيّدا و اما الرجوع الى الأصول فبالنّسبة الى الأصول المثبتة من احتياط او استصحاب مثبت للتكليف فلا مانع عن اجرائها عقلا مع حكم العقل و مع عموم النّقل و اعلم انّ الكلام راجع الى ما فى المقدّمة الرابعة من قوله كما لا يجوز الرّجوع الى الأصل فى المسألة من استصحاب و تخيير و براءة و احتياط و ح تقول انّ الأصول فى الموارد على قسمين مثبتة و نافية اما الأول فلا مانع من جريانها فى الموارد الشخصيّة مط من غير فرق بين المظنونات و المشكوكات و الموهومات اذ لا وجه لعدم اعتبارها حال الانسداد بعد فرض حجّيتها بالخصوص و قيام الدليل العام و الخاصّ على اعتبارها و العلم الإجمالي بوجود التكاليف الإلزاميّة لا يمنع عن حجّيتها و سقوطها عن الاعتبار بل العلم الإجمالي بثبوت التكاليف الإلزاميّة يقتضى الجرى على وفقها و العمل على طبقها مع كون ادلة اعتبارها عامّة شاملة هذا اى خذ ما قلناه من جريان الأصول المثبتة من احتياط او استصحاب مثبت للتكليف فى المقام و لو قيل بعدم جريان الاستصحاب فى اطراف العلم الإجمالي لاستلزام شمول دليله لها التناقض فى مدلوله بداهة تناقض حرمة النقض المستفاد من قوله لا تنقض اليقين بالشّك فى كلّ منها اى الأطراف بمقتضى لا تنقض لوجوبه اى لوجوب النقض فى البعض كما هو قضيّة قوله و لكن ينقضه بيقين آخر بيان التناقض فى المقام لو جرى الاستصحاب بانا نعلم بانتقاض الحالة السّابقة فى بعض الاستصحابات حيث انا نعلم بوجود الأحكام الغير الالزاميّة فى موارد الاستصحابات المثبتة فلو شمل عموم ادلة الاستصحاب جميع الأطراف يوجب التناقض فى المدلول حيث انّ ذيل دليله يوجب الانتقاض لأن المراد من قوله و لكن تنقضه بيقين آخر يكون اعمّ من اليقين التفصيلى و الاجمالى و صدره مانع عن الانتقاض فى جميع الموارد فالنقض فى بعض الموارد ينافى حرمة النقض فى جميع الموارد فاليقين السّابق التفصيلى فى الموارد الخاصّة كان موضوعا لحرمة النقض و اليقين الاجمالى بالانتقاض كان موضوعا لوجوب النقض فى ذلك البعض فيجتمع حرمة النقض و وجوبه فى ذلك البعض الذى علم بالانتقاض فيه و هو محال فلا بدّ من عدم شمول دليل الاعتبار لمثل المقام لعدم قابليّة المورد و ذلك لأنّه انما يلزم فيما اذا كان الشّك فى اطرافه فعليّا و اما اذا لم يكن كذلك بل لم يكن الشّك فعلا الا فى بعض اطرافه و كان بعض اطرافه الآخر غير ملتفت اليه فعلا اصلا

179

اصلا كما هو حال المجتهد فى مقام استنباط الأحكام كما لا يخفى فلا يكاد يلزم ذلك فانّ قضيّة لا تنقض ليس ح الا حرمة النقض فى خصوص الطرف المشكوك و ليس فيه علم بالانتقاض كى يلزم التناقض فى مدلول دليله من شموله له و حاصل الدفع انّ العلم الاجمالى بخلاف الحالة السابقة و انتقاضها على تقدير تسليم كونه مانعا عن جريان الاستصحاب فى الجملة انما يمنع عن الجريان و يوجب التناقض فى مدلول دليله فيما اذا كان الابتلاء بالاستصحاب فى جميع اطراف العلم فعلا بحيث كان موضوع الاستصحاب بالنسبة الى جميع الأطراف منقّحا فعلا بان يكون اليقين السابق الفعلى و الشك اللاحق الفعلى متحققا فى جميع الأطراف و كان جميعها فعلا محلّ الابتلاء فيمنع عن الجريان للزوم التناقض و هذا كما فى تعارض الاستصحابين مع انّ التحقيق جريان الاستصحاب فى هذا الفرض ايضا و عدم لزوم التناقض مط كما ياتى فى محلّه إن شاء الله اللّه تعالى و على اىّ حال فلا ينبغى الأشكال فى عدم مانعيّة العلم الاجمالى فى المقام عن جريان الاستصحابات المثبتة للتكليف لعدم الابتلاء فعلا بجميع اطراف العلم الاجمالى اذ من المعلوم ان المجتهد الذى انسدّ عليه باب العلم انما يجتهد و يستنبط الاحكام و يبتلى بالاستصحابات فى الموارد الخاصّة تدريجا بحيث كان حين الابتلاء بمثله غافلا عن ساير المسائل و مجارى الاستصحابات و لا يلتفت اليها الّا على الوجه الكلّى مفهوما بمعنى انه يعلم بحدوث الشك الفعلى له مع اليقين السّابق فيما سيأتي كما انه يعلم بابتلائه سابقا فيما مضى بموارد الاستصحابات و العلم الإجمالي بانتقاض بعض الحالات السّابقة فى الاستصحابات التى يبتلى فيما بعد لا يمنع عن جريان الاستصحاب فعلا فى المورد الذى ابتلى به مع عدم علمه فيه فعلا بالانتقاض لأن موضوع الاستصحاب فى اطراف العلم حيث لم يكن منقّحا فعلا فلا يتوجه اليها حرمة النقض كى يلزم التناقض من جهة وجوب النقض بمقتضى العلم الإجمالي و الا فمثل هذا العلم الاجمالى بالانتقاض حاصل فى الاستصحابات الجارية حال الانفتاح ايضا و لا وجه للاختصاص بحال الانسداد حيث انه يعلم كل احد اجمالا على نحو الكلّية بانتقاض الحالة السّابقة فى بعض الاستصحابات التى يكون مبتلا بها تدريجا فيما مضى او يبتلى بها فيما بعد اذ من البعيد جدّا ان تكون قضيّة خالية عن هذا العلم من اوّل الأمر فلو كان هذا العلم مانعا عن جريان الاستصحابات و موجبا للانتقاض و التناقض فليمنع عن الاستصحاب مط من دون اختصاص ذلك بحال الانسداد و بمورد دون مورد و شخص دون شخص و هو واضح البطلان فلا وجه لتوهّم مانعيّة مثل هذا العلم الإجمالي عن‏

180

جريان الاستصحاب فمع حجّية الاستصحاب و وجوب اتباعه حال الانفتاح فلا وجه لسقوطها عن الاعتبار و الحجّية حال الانسداد فما ذكره العلامة الأنصارى (ره) فى المقام لا وجه له فافهم فانّه لا يمكن ان يقال ان هذه الشبهة تجرى فى اطراف كلّ علم اجمالى و لو فى المحصورة فانه بعيد ان يكون جميع الأطراف دفعة واحدة مورد الاستعمال بل تستعمل تدريجا و من المعلوم ان كلّ واحد من اطراف العلم من حيث هو يكون شبهة بدويّة فانه يقال فرق بين محل الابتلاء و محلّ الاستعمال فان الأوّل اعمّ من الثّانى فانه ربّما يكون شي‏ء محل الابتلاء و لم يكن محلّ الاستعمال جميع الأطراف فما يكون مناطا كونه محل الابتلاء دون الاستعمال فت و لكن الحق جريان الاستصحاب فى اطراف العلم الاجمالى و اشكال التناقض سيجي‏ء دفعه فى محله انش تعالى فتبصّر هذا كله فى الأصول المثبتة و منه قد انقدح ثبوت حكم العقل و عموم النقل بالنسبة الى الأصول النافية ايضا و انه لا يلزم محذور لزوم التناقض من شمول الدّليل لها لو لم يكن هناك مانع عقلا او شرعا من اجرائها كلزوم الخروج من الدّين و عدم انحلال العلم الاجمالى و وجوب الاحتياط و امثاله عند الرّجوع الى الأصول النافية فما دام لم يكن هناك مانع عقلا او شرعا من جريان الأصول النافية فالأصول النافية ايضا تجرى بحكم العقل و عموم النقل و لا مانع كذلك لا عقلا و لا شرعا لو كانت موارد الأصول المثبتة بضميمة ما علم تفصيلا او نهض عليه دليل علمى بمقدار المعلوم اجمالا بل بمقدار لم يكن معه مجال لاستكشاف ايجاب الاحتياط و ان لم يكن بذاك المقدار المعلوم بالاجمال فاجراء الأصول النافية على هذا لا مانع عنها لا عقلا و لا شرعا و من الواضح انه يختلف باختلاف الأشخاص و الأحوال بالنسبة الى المعلوم بالإجمال من التكاليف و بالنسبة الى الأصول المثبتة و انضمام ما علم تفصيلا و بالنسبة الى دليل علمىّ معتبر من الأمارات و نصوص الكتاب و غيره و بالجملة لو فرض الحلال العلم الإجمالي لكثرة ما علم تفصيلا بضميمة موارد الأصول المثبتة فى الموارد الخاصّة فلا اشكال فى جريان الأصول النافية ايضا و إلّا فلا اقلّ من انتفاء لزوم الخروج من الدّين بعد الالتزام بجميع ما علم تفصيلا و موارد الأصول المثبتة و ساير الأمارات المعتبرة بالخصوص و ح فلا مانع ايضا من اجراء الأصول النافية الّا بقاء العلم الإجمالي بالتكاليف و عدم انحلاله فان قلنا بكونه علّة تامّة للتنجّز كالعلم التفصيلى فلا مجال للأصول النافية و اما لو قلنا بكونه منجّزا للتكليف على وجه التعليق بمعنى كونه منجّزا لو لم يثبت الترخيص و الاذن فى الاقدام و الاقتحام من الشارع فلا مانع من جريان الأصول النافية ايضا

181

ايضا لتحقق المعلّق عليه و هو الترخيص الثابت بادلة الأصول النّافية بالفرض و قد ظهر بذلك انّ العلم الإجمالي بالتكاليف ربّما ينحلّ ببركة جريان الأصول المثبتة و تلك الضّميمة من معلوم التفصيل و ساير موارد الأمارات المعتبرة بالخصوص فلا موجب ح للاحتياط عقلا و لا شرعا كما لا يخفى و قد عرفت وجه عدم خفائه كما ظهر انه لو لم ينحلّ بذلك العلم الإجمالي كان خصوص موارد الأصول النافية مط دون موارد الأصول المثبتة و لو من مظنونات عدم التكليف محلّا للاحتياط فعلا و يرفع اليد عنه فيها اى و يرفع اليد عن الاحتياط في موارد الأصول النّافية كلّا او بعضا بمقدار رفع الاختلال او رفع العسر و ان لم يكن موجبا للاختلال على ما عرفت من ادلة نفى العسر و الحرج لا محتملات التكليف مط ما دام لم يصل الاحتياط الى مرتبة الاختلال او العسر و اما الرّجوع الى فتوى العالم هذا راجع الى ما فى قوله فى المقدمة الرابعة و لا الى فتوى العالم بحكمها فلا يكاد يجوز ضرورة انه اى الرّجوع الى فتوى العالم لا يجوز الا للجاهل بالأحكام لا للفاضل الذى يرى خطاء من يدعى انفتاح باب العلم او العلمى و لو يرجع مع ذلك اليه فهل يكون رجوعه اليه بنظره الّا من قبيل رجوع الفاضل الى الجاهل مع عدم دليل من العقل و لا الشرع على رجوع هذا الفاضل الى ذاك الجاهل باعتقاده فافهم و تبصّر

[فى الاشكال على المقدّمة الخامسة]

و امّا المقدّمة الخامسة فلاستقلال العقل بها و انه لا يجوز التنزّل بعد عدم التمكن من الاطاعة العلميّة او عدم وجوبها إلّا الى الإطاعة الظنّية دون الشكّية و الوهميّة لبداهة مرجوحيّتها بالإضافة اليها اى مرجوحيّة الشكّية و الوهميّة بالإضافة الى الظنّية و معلوم عند اوائل العقول قبح ترجيح المرجوح على الرّاجح فهذه المقدمة الخامسة اعنى قبح ترجيح المرجوح على الراجح بيّنة و لا اشكال فيها بعد تماميّة المقدّمات السابقة من تسليم الانسداد الكلى و عدم انحلال العلم الاجمالى بالتكاليف من جهة عدم وجود الطريق المعتبر بمقدار المعلوم بالاجمال من التكاليف و ابطال البراءة الكلّية و ابطال الاحتياط الكلى و عدم التبعيض فى الاحتياط فيدور الأمر ح بين الأخذ بالشّك او الوهم او الأخذ بالظنّ و لا يجوز الرجوع الى الشّك و الوهم بحكم المقدّمة الخامسة فيكشف ح انّ الشارع جعل لنا الظنّ طريقا متبعا الى الواقع و كان حجة و واجب الأتباع بحكم الشارع و بحسب جعله بناء على الكشفيّة او احال ذلك الى العقل و العقل قد استقلّ بالتنزل من العلم الى الظنّ بعد الانسداد بناء على الحكومة و هكذا الكلام اذا قلنا بانحلال العلم‏

182

الاجمالى بالتكاليف بعد قيام الدّليل القطعى على الترخيص فى بعض الأطراف بمقدار رفع العسر كما قوينا احتماله سابقا و قد عرفت ان المرجع بعد انحلال العلمى الإجمالي الى البراءة بحكم العقل الا ان يستكشف من جهة اهتمام الشارع بمعظم الأحكام انه قد جعل لنا فى امتثال احكامه و اوامره و نواهيه طريقا متّبعا من ايجاب الاحتياط في موارد المظنونات او جعل الظنّ واجب الأتباع او احال ذلك الى العقل فاستقلّ العقل بوجوب اتباع الظنّ و التنزّل اليه بعد الانسداد و على التقديرين من تقرير الحكومة او الكشف يرتفع موضوع البراءة و يتحقق البيان و الحجة و البرهان فيجب ان يترتّب على الظنّ ما يترتّب على العلم حال الانفتاح من الأحكام و الآثار لكنّك عرفت عدم وصول النوبة الى الإطاعة الاحتماليّة مع دوران الأمر بين الإطاعة الظنّية و الشكّية او الوهميّة من جهة ما اوردناه الظرف متعلق بعرفت على المقدمة الأولى و هى العلم الإجمالي بثبوت تكاليف كثيرة فعليّة من انحلال العلم الإجمالي بما فى اخبار الكتب المعتبرة و قد عرفت ايضا قضيّته الاحتياط بالاستلزام عملا بما فيها اى الأخبار عن التكاليف و من المعلوم انه لا باس به اى بالاحتياط بما فى الأخبار حيث لا يلزم منه عسر فضلا عما يوجب اختلال النظام فى المعاش و المعاد و كذلك قد عرفت عدم وصول النوبة اليها من جهة ما اوردناه على المقدمة الرابعة و هى انه لا يجب علينا الاحتياط الخ من جواز الرّجوع الى الأصول مط و لو كانت الأصول نافية لوجود المقتضى و فقد المانع عنه فوجود المقتضى هو عموم ادلتها و اما فقد المانع فلما عرفت سابقا من انه لو كان التكليف فى موارد الأصول المثبتة و ما علم منه تفصيلا او نهض عليه دليل معتبر بمقدار المعلوم بالاجمال و الّا اى و ان لم يكن التكليف فى موارد الأصول المثبتة و ما علم منه تفصيلا او نهض عليه دليل معتبر بمقدار المعلوم بالاجمال فالأصول المثبتة يعمل بها وحدها و ح كان خصوص موارد الأصول النافية محلّا لحكومة العقل كشفا و حكومة و ترجيح مظنونات التكليف فيها على غيرها من الشك و الوهم و لو بعد استكشاف الاحتياط فى الجملة شرعا بعد عدم الاحتياط التام شرعا او عقلا على ما عرفت تفصيله آنفا فلا نعيد فارجع هذا هو التحقيق على ما يساعد عليه النظر الدقيق‏

[الضابط فى الاحتياط الشرعى‏]

ثم انّ الضابط فى الاحتياط الشرعى بناء على استكشاف وجوب الاحتياط شرعا و وجوب اتباعه بحكمه و جعله الى القدر المتيقّن حيث ان ارتفاع موضوع البراءة انما هو مع القطع بوجوب الاحتياط و وجوب اتباعه و مع الشك فيه لا يتحقّق البيان‏

183

البيان و تجرى البراءة العقليّة و ح فان استكشفنا على وجه القطع وجوب الاحتياط فى المظنونات و المشكوكات جميعا فهو و الا فمع الشّك فى وجوبه في مورد المشكوكات تجرى البراءة لعدم البيان هذا بناء على ما قرّرناه من انحلال العلم الإجمالي و زوال اثره و ارتفاع الاحتياط العقلى و

[فى ما افاده الشّيخ العلامة الأنصارى (ره) من التبعيض فى الاحتياط و الاشكال عليه‏]

اما ما افاده الشّيخ العلامة الأنصارى (ره) من التبعيض فى الاحتياط بعد قيام الدليل القطعى على الترخيص بمقدار رفع العسر و الحرج و بقاء اثر العلم الإجمالي فى القدر الزائد عن مورد الترخيص فالضابط الكلّى فيه ان بعد ثبوت وجوب الاحتياط عقلا فى بعض الأطراف و ثبوت الترخيص بعد رفع العسر و الحرج فى البعض من غير تعيين فالعقل يستقل فى جعل المظنونات موردا للاحتياط و جعل الموهومات موردا للترخيص دون العكس لقبح ترجيح المرجوح على الراجح و اما المشكوكات فان لم يحصل الظنّ بحجّية الأصول الجارية فى موردها فانها ملحقة بالمظنونات فى وجوب الاحتياط و ان حصل الظنّ بحجّية الأصول الجارية في موردها و لو بالظنّ الغير المعتبر فح تلحق الاصول المثبتة للتكاليف فى موردها بمظنونات التكليف و الأصول النافية للتكليف بالموهومات لأن العقل لا يفرق فيما يهمّه فى نظره من تحصيل الأمن من العقوبة بين الظّن بالتكليف و الظنّ بحجّية طريق مثبت للتكليف و لا يفرق ايضا بين الظنّ بعدم التكليف و الظنّ بحجّية طريق كان نافيا للتكليف فاذا فرض كون الأصول فى مورد المشكوكات مظنون الاعتبار فالعقل يستقل ابتداء على الحاق الأصول المثبتة بالمظنونات و الحاق الأصول النافية بالموهومات فيكون اطراف العلم الاجمالى فى نظر العقل بين طائفتين مظنون التكليف و الطريق المظنون حجّية المثبت للتكليف و الموهوم التكليف و الطريق الموهوم حجّية المثبت للتكليف فيجعل العقل الطائفة الأولى موردا للاحتياط و الطائفة الثانية موردا للترخيص فاذا كان الترخيص فى مورد الموهومات و الأصول النافية فى مورد المشكوكات زائدا على مقدار رفع العسر و الحرج بحيث كان العسر و الحرج مرتفعا باقلّ من ذلك فالضابط ح ملاحظة قوة الظنّ و ضعفه في مورد الموهومات و موارد الأصول النافية و جعل الظنّ الضعيف و لو فى الموهومات موردا للاحتياط و جعل الظنّ القوىّ و لو فى المشكوكات موردا للترخيص و مما ذكرنا ظهر النظر فيما افاده العلامة الأنصارى (ره) فى المقام حيث انه بعد تسليمه تحقق الإجماع الظنّى على عدم وجوب الاحتياط حكم بانّ ذلك لا يجدى فى رفع اليد عن الاحتياط في مورد المشكوكات ما لم ينته الى حدّ القطع ثم اورد على نفسه (ره) بقوله ان قلت اذا ظنّ بعدم وجوب الاحتياط فى المشكوكات فقد ظنّ بانّ المرجع فى كلّ مورد منها

184

الى ما يقتضيه الأصل الجارى فى ذلك المورد فتصير الأصول مظنونة الاعتبار فى المسائل المشكوكة فاجاب عن ذلك بقوله قلت يرجع الإجماع قطعيّا كان او ظنّيا على الرجوع فى المشكوكات الى الأصول الخ و حاصل غرضه (ره) انّ مرجع هذه الدعوى الى دعوى الاجماع على حجّية الظنّ بعد الانسداد و هو غير مفيد فى المقام اما وجه رجوعها اليها فلانّ عدم وجوب الاحتياط فى المشكوكات مستلزم لجريان الأصول التى تجرى فى موردها و هو مستلزم لحجّية مطلق الظنّ اذ لو لم يكن الظنّ حجّة لم يكن وجه آخر يوجب الرّجوع الى الأصول فى المشكوكات دون المظنونات مع استواء الطّائفتين فى كونهما طرفى العلم الاجمالى و بالجملة لا امتياز بينهما إلّا ان يكون الظنّ حجة و إلّا فلا بدّ اما من وجوب الاحتياط فى الجميع او حجّية الأصول كذلك و اما وجه عدم كون الإجماع مفيدا اصلا قطعيّا كان او ظنّيا فلانه لو كان قطعيّا يلزم اثبات حجّية الظنّ بعد دليل الانسداد و هو خارج عن المقصود و إن كان ظنيّا فلا يفيد رفع اليد عن الاحتياط لتوقفه على حجّية الظنّ فلا يمكن اثبات حجّية الظنّ بالاجماع الظنّى الا على وجه دائر لرجوعه الى اثبات حجّية الظنّ بالظنّ و فيه انّ قيام الإجماع الظنّى على عدم وجوب الاحتياط فى المشكوكات و ان لم يكن مجديا لاثبات حجّية الظنّ للزوم الدّور إلّا انه يجدى لرفع اليد عن الاحتياط في موارد الأصول النافية فى المشكوكات لما عرفت من انّ حصول الظنّ بحجّية الأصول فى موارد المشكوكات لا بدّ من الحاق الأصول المثبتة بالمظنونات فى وجوب الاحتياط و الحاق الأصول النافية بالموهومات فى عدم وجوب الاحتياط فيها و لا يتوقف ذلك على حجّية الظنّ كى يستلزم حجّية الظنّ بالظنّ بل قد عرفت انّ الضّابط فى التبعيض فى الاحتياط ما ذكرنا اذا حصل الظنّ بحجّية الأصول و فرض قيام الاجماع الظنّى على حجّيتها و لا وجه لإلحاق المشكوكات مط بالمظنونات و لو مع حصول الظنّ بحجّية الأصول الجارية في موردها بل التحقيق حجّية الأصول المثبتة للتكليف من الاستصحاب و اصل الاحتياط فى موارد المظنونات و المشكوكات و الموهومات مط سواء حصل الظنّ بحجّيتها ام لا اذ لا وجه لعدم اعتبارها حال الانسداد بعد فرض حجّيتها بالخصوص و قيام الدليل الخاص على اعتبارها و العلم الإجمالي بثبوت التكاليف يقتضى وجوب اتباعها و العمل على طبقها مع عموم ادلّتها و شمولها لمثل المقام من غير فرق كما عرفت مفصلا و لا وجه لذلك التوهّم الا ما ذكرنا من لزوم التناقض و قد عرفت جوابه فافهم و تامّل جيّدا

فصل هل قضيّة المقدّمات السّابقة المرتبة لحجّية الظنّ المطلق على تقدير سلامتها هى حجّية الظنّ بالواقع او حجّية الظنّ بالطريق او حجّية الظنّ بهما

اقوال‏

185

اقوال و ان شئت قلت انه بعد تسليم تلك المقدّمات فهل يكون الظنّ حجّة فى خصوص المسائل الفرعيّة او فى خصوص المسائل الأصوليّة او يكون حجّة فى الجميع فيه اقوال قيل باختصاصها بالفروع نظرا الى ان مجرّد الانسداد فى الفروع لا يوجب الإلجاء و الاضطرار فى المتنزّل الى الظنّ فى المسائل الأصوليّة بل لا بدّ فيها من إلجاء و اضطرار آخر و انسداد غير ذلك الانسداد فى الاصول ايضا حتى يصير الظنّ حجة فيها ايضا و يرجع هذا الى النزاع الكبروىّ كما هو واضح و قيل باختصاصها بالاصول و ذلك لوجهين و سيذكرهما شيخنا الأستاذ و يرجع النزاع على الوجهين الى النزاع الصّغروىّ و سيجي‏ء الإشارة اليهما

[فى ان نتيجة دليل الانسداد حجية الظن فى الفروع و الاصول‏]

و التحقيق ان يقال انه لا شبهة فى انّ هم العقل فى كل حال انما هو تحصيل الأمن من تبعات التكاليف المعلومة من العقوبة على مخالفتها كما لا شبهة فى استقلاله فى تعيين ما هو المؤمّن منها و كذلك لا شبهة فى استقلال العقل فى انّ كلّما كان القطع به مؤمّنا فى حال الانفتاح كان الظنّ به مؤمّنا حال الانسداد جزما و من البيّن الواضح انّ المؤمّن فى حال الانفتاح هو القطع باتيان المكلّف به الواقعى بما هو كذلك لا بما هو معلوم و مؤدّى الطريق و متعلق العلم و هو طريق شرعا و عقلا او باتيانه الجعلى و الحاصل انه لا ريب فى انّ همّ العقل فى مقام الامتثال ليس الا تحصيل الأمن من تبعة التكليف المنجّز من المؤاخذة و العقوبة عليه على تقدير اتفاق المخالفة و الخصم فى المقام ايضا يسلّم هذا الا انّ الكلام فى الصّغرى باى شي‏ء يحصل القطع بالأمن من تبعة التكليف و من العقوبة و المؤاخذة عليه و لا شكّ انه يحصل باداء المكلّف به الحقيقى الّذى هو نفس الواقع بما هو واقع جزما و قطعا كما انه يحصل باتيان ما ادّى اليه الطريق المعتبر جزما و قطعا و ذلك لأنّ العقل قد استقل بانّ الإتيان بالمكلف به الحقيقى بما هو هو لا بما هو مؤدّى الطريق مبرئ للذّمة قطعا كيف و قد عرفت انّ القطع بنفسه طريق لا يكاد تناله يد الجعل احداثا و امضاء اثباتا و نفيا و بعبارة اخرى انه لا فرق فى نظر العقل و فيما هو همّه من تحصيل الأمن من تبعة التكليف المنجّز و المفرغيّة بين الواقع الحقيقى و الواقع الجعلى الذى هو مؤدّى الطّرق المعتبرة فى كون كل واحد منها مؤمّنا و مفرّغا للذّمة على وجه القطع و اليقين و إن كان بينهما فرق من جهات اخرى فكما يحصل القطع بالأمن و الفراغ باتيان الواقع الجعلى فكك يحصل القطع بالأمن و الفراغ باتيان الواقع الحقيقى الذى هو نفس الواقع بما هو واقع و لا دخل فى الطريق بقول مطلق فى حصول الأمن فى مقامين و ليس مؤثرا فى ذلك ابدا بداهة انّ المؤمّن و المفرّغ للذّمة انما هو الواقع الحقيقى بما هو واقع حقيقىّ‏

186

لا بما هو واقع ادّى اليه الطّريق او الواقع الجعلى بما هو واقع جعلىّ او بما هو مؤدّى الطّريق و لا اثر للطّريق فى حصول الأمن جزما و قطعا مط من غير فرق بين الطّريق المنجعل و الطّريق المجعول فكما انّ حصول الفراغ و الأمن باداء التكليف الحقيقى الذى علم انه نفس الواقع انما هو من جهة الإتيان بما هو نفس الواقع لا بما هو معلوم و لا بما هو مؤدّى القطع فكك حصول الأمن و الفراغ بالإتيان بمؤدّى الطّرق المجعولة انما هو من جهة كونه واقعيّا جعليّا لا بما هو ادّى اليه الطّريق المجعول فاذا امر المولى عبده باتيان الماء فالمؤمّن و المفرّع لذمة العبد ح ليس الإتيان الماء بما هو المكلّف به الحقيقى و المطلوب النفس الأمرى لا بما هو معلوم و قام عليه القطع بكونه معلوما بل يمكن ان يقال بانه لو كان للطّريق دخل فى التفريغ لزم منه التسلسل حيث انه يجب ح تحصيل العلم باتيان ما هو مؤمّن و مفرّع للذّمة و ليس هو الا ما ادّى اليه العلم و المفروض مؤثرية هذا العلم ايضا فى حصول الأمن و الفراغ فلا بدّ من احراز طريق آخر يحرز به تحقق ما هو مؤثر فى حصول الأمن و الفراغ و المفروض مؤثرية الطرق بقول مطلق فى حصول الأمن فتسلسل فت و من هذا علم فساد مؤثرية الطرق فى حصول الأمن و الفراغ مط من غير فرق بين الطرق المنجعلة و المجعولة فاذا لم يكن الطريق المنجعل الذى هو طريق بالذات من دون امكان وقوع يد الجعل عليه اثباتا و نفيا مؤثرا فى حصول الأمن و الفراغ اصلا بل كان المؤمّن و المفرّغ هو اتيان نفس الواقع بما هو واقع لا بما هو معلوم و مؤدّى اليه القطع فكك الكلام فى الطرق المجعولة و لكن لا يخفى انّ قضيّة ذلك الكلام من كون همّ العقل هو الأمن من تبعة التكليف المنجّز من غير فرق فى نظره بين الواقع الحقيقى و الواقع الجعلى هو التنزّل الى الظنّ بكل واحد من الواقع و الطريق و لا منشأ لتوهّم الاختصاص بالظنّ بالواقع الا توهّم انّ قضيّته اختصاص المقدّمات بالفروع دون الأصول لعدم انسداد باب العلم فى الأصول و عدم إلجاء و اضطرار فى التنزّل الى الظنّ فيها و الغفلة عن انّ جريانها فى الفروع موجب لكفاية الظنّ بالطّريق فى مقام يحصل الأمن من عقوبة التكاليف و إن كان باب العلم فى غالب الأصول مفتوحا و ذلك لعدم التفاوت فى نظر العقل فى ذلك كما انّ قضيّته ذلك انه مع التمكّن من اتيان المكلّف به الحقيقى و الجعلى كليهما وجب الالتزام باحدهما تخييرا و مع عدم التمكن الامن احدهما وجب الالتزام به تعيينا و مع عدم التمكن منهما راسا وجب التنزّل الى الظنّ فيقوم الظنّ بكل واحد منهما مقام القطع به فوجب تحصيل الظنّ باداء واحد منهما مع التمكن من تحصيل الظنّ تخييرا من دون فرق بين الظنّ بالواقع الحقيقى و الواقع الجعلى‏

187

الجعلى و مع عدم التمكن الا من واحد منهما وجب تحصيل الظنّ به تعيينا

[فى توهم الاختصاص بالظن بالطريق‏]

كما انّ منشأ توهّم الاختصاص بالظنّ بالطّريق وجهان احدهما ما افاده بعض الفحول و تبعه فى الفصول قال فيها انّا نقطع بانّا مكلّفون فى زماننا هذا تكليفا فعليّا باحكام فرعيّة كثيرة لا سبيل لنا بحكم العيان و شهادة الوجدان الى تحصيل كثير منها بالقطع و لا بطريق معيّن من السمع بحكم الشارع بقيامه و قيام طريقه مقام القطع و لو عند تعذره كذلك نقطع بانّ الشارع قد جعل لنا الى تلك الأحكام طريقا مخصوصا و كلّفنا تكليفا فعليّا بالعمل بمؤدّى طرق مخصوصة و حيث انه لا سبيل غالبا الى تعيينها بالقطع و لا بطريق يقطع من السّمع بقيامه بالخصوص او قيام طريقه كذلك مقام القطع و لو بعد تعذّره فلا ريب انّ الوظيفة فى مثل ذلك بحكم العقل انما هو فى تعيين ذلك الطريق الى الظنّ الفعلى الذى لا دليل على حجّيته لأنه اقرب الى العلم و الى اصابة الواقع مما عداه لأنّ الظنّ طريق الا انّ طريقية ناقصة و هذا بخلاف الشّك و الوهم فانه ليس فيهما إراءة اصلا و حاصل مرامه انّ الفراغ المبرا للذمّة الإتيان بمؤدّى الطرق المخصوصة لا الواقع بما هو واقع للعلم الاجمالى بان الشارع قد نصب لنا طرقا لامتثال احكامه و اطاعة اوامره و نواهيه فالتكليف الفعلى انما هو مؤدّيات الطّرق من حيث انه قام عليه الطّرق فحال الانفتاح لا بدّ من العلم باداء مؤدّيات الطّرق و حال الانسداد يتنزّل الى الظنّ فوجب تحصيل الظنّ باداء مؤدّيات الطّرق حيث انه لا سبيل لنا الى تعيين تلك الطرق المعلومة بالاجمال حال الانسداد فالواجب ح بحكم العقل هو الرّجوع فى تعيين تلك الطّرق الى الظنّ الفعلى بها

[فى الاشكال على نصب الطريق‏]

فيه اوّلا بعد تسليم العلم بنصب طرق خاصّة و مع ذلك كانت باقية فيما بايدينا من الطّرق الغير العلميّة و عدم وجود المتيقن بينها اصلا ان قضيّة ذلك هو الاحتياط فى اطراف هذه الطرق المعلومة بالإجمال لا تعيينها بالظنّ فمجرّد العلم الإجمالي بتكاليف فعليّة فى مؤدّيات الطرق لا يستلزم التنزّل الى الظنّ بها حال الانسداد بل اللازم من ذلك الاقتصار على المتيقن من الطرق المعلومة بالعلم الإجمالي اولا و ح فإن كان فيها قدرا متيقّنا بقدر الكفاية فوجب الاقتصار عليه كما اذا فرضنا انّ بعض الطرق المعلومة المنصوبة كان قطعىّ الاعتبار على كل تقدير فلو فرض كون هذا البعض كافيا للفقه فلا بدّ من الاقتصار عليه من دون حاجة الى التعدّى بغيره و الا فليتعدّ الى القدر المتيقن الإضافي و هكذا الى ان يتمّ بها الفقه و ان لم يكن فى البين قدر متيقن كما اذا كان جميعها فى مرتبة واحدة او كان‏

188

و لم يكن بقدر الكفاية فاللازم ح مراعاة العلم الإجمالي و الاحتياط فى جميع اطراف العلم لا يقال الفرض اى فرضنا فيما مضى من المقدّمات هو عدم وجوب الاحتياط بل عدم جوازه لأنّ الفرض انما هو عدم وجوب الاحتياط التام فى اطراف الأحكام مما يوجب العسر المخلّ بالنظام لا الاحتياط فى خصوص ما بايدينا من الطرق لا يقال ان هذا الاحتياط ايضا يرجع الى الاحتياط فى الفروع و هو يوجب العسر فان قضيّة هذا الاحتياط فى الطرق هو جواز رفع اليد عنه فى غير مواردها اى هذا الاحتياط فى الطّرق يستلزم جواز رفع اليد عن الاحتياط فى غير موارد الطرق من الأحكام و الرّجوع الى الأصل فيها و لو كان الأصل نافيا للتكليف و كذا فيما نهض الكل على نفيه و كذا فيما تعارض فردان من بعض الأطراف فيه نفيا و اثباتا مع ثبوت المرجّح المنافى بل مع عدم رجحان المثبت فى خصوص الخبر منها اى من الطرق و مط فى غيره سواء كان مرجّح فى البين ام لا و لكن هذا بناء على عدم ثبوت الترجيح على تقدير الاعتبار فى غير الأخبار من الطّرق الأخر و كذا لو تعارض اثنان منها فى الوجوب و التحريم فان المرجع فى جميع ما ذكر من موارد التعارض هو الأصل الجارى فيها و لو كان نافيا لعدم نهوض طريق معتبر و لا ما هو من اطراف العلم به على خلافه و حاصله انّ قضيّة الاحتياط فى الطرق رفع اليد عن الاحتياط فى الفروع و الرّجوع فيها الى الأصول الجارية و لو كانت نافية و ذلك فى موارد كثيرة و منها فيما اذا نهض الكل على نفيه و كذا فيما اذا تعارض فردان من بعض اطراف العلم نفيا و اثباتا مع ثبوت المرجّح للمنافى و منها فى هذا المورد بعينه مع عدم رجحان المثبت فى خصوص الخبر من الطرق و مط فى غيره بناء على عدم ثبوت الترجيح فى غير الأخبار لأنّ الظاهر من موارد ادلة الترجيح هو الأخبار دون الطّرق الأخر و منها فيما اذا تعارض اثنان من الأخبار فى الوجوب و التحريم فان المرجع فى جميع موارد التعارض هو الأصل الجارى فيها و لو كان نافيا لعدم قيام طريق معتبر على خلافه و لا ما هو من اطراف العلم به على خلافه و منها فيما كان خارجا عن اطراف العلم الإجمالي المتعلق بالطّرق راسا و بالجملة قضيّة الاحتياط فى الطرق الأخذ بجميع الطرق المعلومة بالاجمال و كثير منها كانت نافية للتكليف و جملة منها مثبتة للتكليف مغايرة لما اثبته الآخر و معه كيف يلزم منه الحرج و العسر كما انه لو فرض اعتبار جميعها على وجه التفصيل فانه لا يلزم منه العسر و الحرج ضرورة انّ كثرة الأدلة و الطرق رافعة للعسر لا مستلزمة له كما لا يخفى فوجب الاحتياط فى الطرق ح من دون وصول النوبة الى الظنّ فافهم فلا يقال انّ حكم العقل لا يخصص فان حكم العقل بعدم جواز الاحتياط كان معلقا على العسر المخلّ بالنّظام فتبصّر و كذا من موارد الرّجوع الى الأصل الجارى و لو كان نافيا كلّ مورد لم يجر فيه الأصل المثبت للتكليف‏

189

للتكليف للعلم بانتقاض الحالة السّابقة فيه اجمالا بسبب العلم به او بقيام امارة معتبرة عليه فى بعض اطرافه بناء على عدم جريانه بذلك اى بناء على عدم جريان الأصل المثبت للتكليف بواسطة العلم بانتقاض الحالة السّابقة او العلم بقيام امارة معتبرة للتناقض‏

[فى بطلان كون الوظيفة هو الاختصاص بالظن بالطريق‏]

و ثانيا لو سلم ان قضيّته لزوم التنزّل الى الظنّ فتوهّم انّ الوظيفة ح هو خصوص الظنّ بالطريق فاسد قطعا و ذلك لعدم كونه اقرب الى العلم و اقرب الى اصابة الواقع من الظنّ بكونه مؤدّى طريق معتبر من دون الظنّ بحجّية طريق اصلا و من الظنّ بالواقع اى لو سلم ان قضيّة تلك المقدّمات هو التنزّل الى الظنّ لكونه اقرب الى العلم و لكنه لا نسلّم كون الظنّ بالطريق كما هو مدّعى الخصم اقرب الى العلم و اصابة الواقع من الظنّ بكونه مؤدّى الطريق و من الظنّ بالواقع فالتنزّل الى ما قلنا اقرب الى العلم من التنزّل الى الظنّ بنفس الطريق كما لا يخفى لا يقال انما لا يكون اقرب من الظنّ اذا لم يصرف التكليف الفعلى عنه الى مؤدّيات الطرق و لو بنحو التقييد فنصب الطريق للواقع يوجب صرف الواقع عن واقعيّته الى مؤدّيات الطّرق فيكون مؤدّيات الطّرق هى المطلوبات و لو بنحو التقييد بان يكون الواقع مطلوبا من هذه الطرق الخاصّة المجعولة لا الواقع بما هو واقع فالظنّ بالطريق يكون اقرب الى العلم و الى اصابة الواقع من غيره فان الالتزام هذا جواب لا يقال به بعيد اذا الصّرف لو لم يكن تصويبا محالا فلا اقلّ من كونه مجمعا على بطلانه و قد عرفت الفرق بينهما فى الجواب عن الإشكالات فى التعبّد بالأمارة الغير العلمى فراجع ضرورة انّ القطع بالواقع يجدى فى الأجزاء بما هو واقع لا بما هو مؤدّى طريق القطع كما عرفت فمجرّد نصب الطرق للواقع لا يوجب صرف الواقع الى مؤدّى الطرق بحيث لا يكون فى الواقع تكليف فعلىّ سوى مؤدّى الطّريق للزوم خلوّ الواقع عن الحكم و لو بعد جعل الطريق فيكون تصويبا مجمعا على بطلانه لو لم يكن تصويبا محالا و من هذا انقدح انّ التقييد ايضا غير سديد لما عرفت آنفا مع ان الالتزام بذلك غير مفيد فانّ الظنّ بالواقع فيما ابتلى به من التكاليف لا يكاد ينفكّ عن الظنّ بانه مؤدّى طريق معتبر لأن الظنّ بالأحكام الفرعيّة من الواقعيّة لا ينفكّ غالبا عن الظنّ بانّها مؤدّيات الطرق المعتبرة حيث انا نعلم اجمالا بانه ما من واقعة الا و قد نهض عليها طريق معتبر الا ما شذّ و ندر كالأحكام المسكوتة عنها فحال الانسداد لا بدّ من التنزّل الى الظن بالأحكام الواقعيّة التى هى مؤدّيات الطّرق غالبا و ان لم يظن بحجّية طريق اصلا فح بعد تسليم صرف التكليف و بعد نصب الطرق الى مؤدّيات الطّرق فاللازم ح هو الرجوع الى الظنّ بمؤدّى الطريق حال الانسداد

190

لا الى خصوص الظنّ فى تعيين الطرق فلا بدّ من اداء مؤدّيات الطرق و الإتيان بها علما حال الانفتاح و ظنّا حال الانسداد فتماميّة مقدّمات الانسداد ينتج للظنّ بمؤدّيات الطرق لا نفس الطرق هذا و من المعلوم ان الظنّ بالطريق ما لم يظنّ باصابة الواقع غير مجد على التقييد لعدم استلزامه الظنّ بالواقع المقيّد بدونه و مع الظنّ باصابة الواقع لا يحتاج الى الظنّ بالطريق هذا مع عدم مساعدة نصب الطرق على الصّرف و لا على التقييد لأنّ نصب الطريق لاراءة الواقع لا لتقييد الواقع غايته انّ العلم الاجمالى بنصب طرق وافية يوجب انحلال العلم الاجمالى بالتكاليف الواقعيّة الى العلم بما هو مضامين الطرق المنصوبة من التكاليف الفعليّة فيكون التكليف الفعلى الواقعى منوطا باصابة الطريق اليها بان يكون الحكم الحقيقى و البعث و الزّجر الفعلى خصوص ما اصاب اليه طريق معتبر كما ربما يستظهر ذلك من عبارة الفصول و الانحلال بالنسبة الى التكاليف الواقعيّة و إن كان يوجب عدم تنجّز بالنسبة اليها ما لم يؤدّ اليه الطريق من التكاليف الواقعيّة إلّا انه اذا كان رعاية العلم بالنصب لازما و الفرض عدم اللزوم لما عرفت من عدم الصّرف بل عدم الجواز لما عرفت من لزوم التصويب و عليه اى و على عدم اللزوم بل عدم الجواز يكون التكاليف الواقعيّة كما اذا لم يكن هناك علم بالنصب فى كفاية الظنّ بها حال انسداد باب العلم كما لا يخفى و لا بدّ ح من عناية اخرى فى لزوم رعاية الواقعيّات بنحو من الإطاعة و عدم اهمالها راسا كما اشرنا اليهما فى المقدّمات حيث انّ المفروض عدم صرف الواقعيات الى الطرق و عدم تقييدها بها و عدم انحلال العلم الإجمالي الى العلم بمضامين الطرق المنصوبة فلا بدّ ح من عناية اخرى فى لزوم رعاية الواقعيّات بنحو من الإطاعة و عدم اهمالها رأسا و حيث انّ مراعاة الاحتياط بالنسبة الى الواقعيّات يوجب العسر و الحرج و قد قام الدليل القطعى على عدم وجوب الاحتياط او عدم جوازه و ح فاما يستكشف حجّية الظنّ بالواقع بحكم الشارع او احالة ذلك الى العقل فيستقلّ على حجّية الظنّ و وجوب اتباعه فى الأحكام الواقعيّة على الاختلاف فى تقرير الكشف و الحكومة و على التقديرين كان الظنّ بالواقع حجة و واجب الأتباع و لا شبهة فى انّ الظنّ بالواقع لو لم يكن اولى ح لكونه اقرب فى التوسّل به الى ما به الاهتمام من فعل الواجب و ترك الحرام من الظنّ الظرف متعلق بالأقرب بالطرق فلا اقلّ من كونه مساويا فيما يهمّ العقل من تحصيل الأمن من العقوبة فيتنزّل من العلم الى الظنّ بالواقع كما يتنزّل الى الظنّ بالطرق لكونه مساويا له لو لم يكن اقرب فى التوسّل الخ هذا ما عرفت من انه عادة يلازم بانّه‏

191

انّه مؤدّى طريق لما عرفت من انّ الغالب فيها قيام الطريق المعتبر عليها الّا فى الأحكام المسكوتة عنها و هو بلا شبهة يكفى و لو لم يكن هناك ظنّ بالطريق فافهم فانه دقيق و بالتّنميق الى وجنات الحور حقيق ثانيهما ما اختصّ به بعض المحققين فى تعليقاته على المعالم قال لا ريب فى كوننا من المكلّفين بالأحكام الشرعيّة و لم يسقط عنّا التكليف بالأحكام الشرعيّة لأنّ الواجب علينا اوّلا هو تحصيل العلم بتفريغ الذمّة فى حكم المكلف بان يقطع معه بحكمه بتفريغ ذمّتنا عما كلّفنا به و سقوط تكليفنا عنا سواء حصل العلم معه باداء الواقع أو لا حسبما مرّ تفصيل القول فيه فح نقول ان صح لنا تحصيل العلم بتفريغ ذمّتنا فى حكم الش فلا اشكال فى وجوبه و حصول البراءة و ان انسدّ علينا سبيل العلم كان الواجب علينا تحصيل الظنّ بالبراءة فى حكمه اذ هو الاقرب الى العلم به فيتعيّن الأخذ به عند التنزّل من العلم فى حكم العقل بعد انسداد سبيل العلم و القطع ببقاء التكليف دون ما يحصل معه الظنّ باداء الواقع كما يدّعيه القائل باصالة حجّية الظنّ انتهى موضع الحاجة زيد فى علوّ مقامه و حاصل مرامه هو انّ الواجب علينا بحكم العقل هو تحصيل العلم بحكم الش بالفراغ مع التمكن من تحصيل العلم على ذلك و مع عدم التمكن كما فى حال الانسداد لا بدّ من تحصيل الظنّ بحكم الش بالفراغ و هو لا يحصل الّا باداء مؤدّيات الطرق لا الواقع بما هو واقع هذا و النّزاع على هذين الوجهين تكون صغرويّا اى فيما يحصل الأمن و الفراغ به عقلا او شرعا و الفرق انّ الوجه الأوّل مبنى على دعوى العلم الإجمالي بنصب الطرق الخاصّة دون الأخير مع؟؟؟ فى دعوى اختصاص المؤمّن و المفرّغ بمؤدّيات الطرق و منشأ التوهم ما عرفت من تخيل مؤثريّة الطرق فى حصول الأمن و الفراغ و فيه اوّلا انّ الحاكم على الاستقلال على ما عرفت مرارا فى باب تفريغ الذمة بالإطاعة و الامتثال انما هو العقل و ليس للشارع فى هذا الباب حكم مولوىّ يتبعه حكم العقل و لو حكم فى هذا الباب كان يتّبع حكمه ارشادا اليه و حاصل الدفع انه ان اريد من حكم المولى بالفراغ التأسيس الاستقلالي بان يكون هذا الحكم ايضا حكما مجعولا على وجه الاستقلال بحيث وجب على المكلف تحصيل هذا الحكم و كانت له حالة منتظرة بعد اداء نفس الواقع و ما هو حاق مطلوب المولى ففساده اوضح من ان يخفى ضرورة انه لا يعقل للمولى حكم مولوىّ غير احكامه الواقعيّة و الظاهريّة التى يستقلّ العقل بالبراءة و الفراغ على وجه القطع مع ادائها و موافقتها قطعا فى حال الانفتاح او ظنا فى حال الانسداد كما انه يستقل بعدم الأمن و استحقاق العقوبة و المؤاخذة بدون الإتيان و الموافقة

192

على الوجه المذكور بمعنى صحّة المؤاخذة و العقوبة في صورة اتفاق المخالفة فاين المجال لحكم المولى بالفراغ و البراءة و ليس الفراغ عن تبعة التكليف المنجّز و عدمه و صحّة المؤاخذة على مخالفته و عدمها من الأمور الجعليّة الشرعيّة و الا لتسلسل الى غير النهاية بل الفراغ و الأمن و عدمهما بدوران مدار وجود العلّة التامة لاستحقاق العقوبة و عدمه و من المعلوم ان ذلك انما يكون بحكم العقل فهو الحاكم بالفراغ و الاشتغال و ليس لاستكشاف حكم الشرع به مجال و ان اريد من حكم المولى بالفراغ ما يتبع حكم العقل و يتفرّع عليه و يرجع اليه فوجوب تحصيله و إن كان مسلّما الا انك قد عرفت استقلاله بكون الواقع بما هو الواقع مفرّغ و انّ القطع به حقيقة او تعبّدا من الش مؤمّن جزما و قد عرفت ايضا سابقا ان المؤمّن فى حال الانسداد هو الظنّ بما كان القطع به مؤمّنا حال الانفتاح و على هذا فيكون الظنّ بالواقع ايضا مؤمّنا حال الانسداد حيث ان الظنّ فى حال الانسداد كالعلم فى حال الانفتاح فى حصول القطع بالفراغ و الأمن باداء الواقع الحقيقى قطعا و الواقع الجعلى ظنّا و ثانيا سلّمنا ذلك لكن حكمه بتفريغ الذمّة فيما اذا اتى المكلّف بمؤدّى الطرق المنصوبة ليس الا بدعوى ان النّصب يستلزمه اى النصب يستلزم الفراغ مع انّ دعوى انّ التكليف بالواقع يستلزم حكمه بالتفريغ فيما اذا اتى به اولى لأنّ النصب ليس الا من جهة كونه طريقا الى الواقع و ليس فى قباله فالاتيان بالواقع يستلزم حكمه بالفراغ بطريق اولى كما لا يخفى فيكون الظنّ به ظنّا بالحكم بالتفريغ ايضا بل يمكن ان يقال انّ اتباع الظنّ هنا ليس موجبا لحصول الظنّ بالفراغ كما يظهر ذلك من تقرير الوجه الأوّل لأنه مع فرض حجّيته و اعتباره على وجه القطع كان اتباعه موجبا للقطع بالفراغ من غير فرق بين الظنّ بالواقع الحقيقى و الظنّ بالطريق و مع فرض عدم اعتباره و عدم حجّيته لا يوجب الظنّ بالفراغ اذ اتباع مشكوك الحجّية ليس مؤمّنا و مفرّغا للذمّة عند العقل و المولى الا قطعا و لا ظنّا فت ان قلت كيف يستلزم الحكم بالفراغ الظنّ بالواقع مع انه ربّما يقطع بعدم حكمه به معه اى ربّما يقطع بعدم حكم العقل بالفراغ مع الظنّ بالواقع فلا يستلزم الظنّ بالواقع الظنّ بالفراغ كما اذا كان الظنّ بالواقع حاصلا من القياس لردع الش و منعه عنه و هذا بخلاف الظنّ بالطريق فانه يستلزمه اى يستلزم الظنّ بالفراغ من جهة العمل على طبقه و لو كان من القياس و حاصل الأشكال امكان توجيه مراده بانّ جعل الطريق و نصب الحجة من المولى عبارة عن الحكم بحصول الفراغ بالعمل على طبق ما جعله حجة او مستلزم لذلك و هذا هو المقصود من الحكم بالفراغ فى كلام هذا المحقق لا الحكم التأسيسي على الفراغ مستقلا

193

مستقلا و ح فالظنّ بالطريق و بالظنّ الغير المعتبر كان ظنّا بحصول الفراغ بخلاف الظنّ بالواقع فانه ليس ظنا بالفراغ مع قطع النظر عن اعتبار هذا الظنّ بل الظنّ بالواقع قد يجتمع مع القطع بعدم الفراغ كما اذا فرض كون الظنّ منهيّا عن العمل به كالظنّ القياسى فانه ح نقطع بعدم الفراغ مع حصول الظنّ بالواقع و اما الظنّ بالطريق كان ظنّا بالفراغ لا محالة و لو كان منهيّا عن العمل به كالظن القياسى حيث انّ معنى الحجّية و الطريق شرعا لازمه عقلا و عرفا هو حكم الش بحصول الفراغ و لا ينفك عنه ابدا و كان هذا صار سببا للفرق بين الظن بالواقع و الظنّ بالطريق قلت الظن بالواقع أيضا يستلزم الظن بحكمه بالتفريغ و لا ينافى القطع بعدم حجّيته لدى الش و عدم كون المكلف معذورا اذا عمل به فيما أخطأ بمعنى ان العمل على الظن الذى تعلق بالواقع و إن كان من القياس يستلزم الظن بالفراغ و لا ينافى هذا لاستلزام عدم حجّية ذلك الظنّ و عدم معذورية المكلف اذا عمل على طبقه فيما أخطأ هذا الظن و لم يكن على طبق الواقع بل كان مستحقا للعقاب و لو فيما اصاب لو بنى على حجّيته اى حجّية الطريق الّذى يقطع بعدم حجّيته و لو تشريعا و الاقتصار عليه لتجرّيه الظرف متعلق بالاستحقاق و ان شئت قلت اولا لا نسلم رجوع نصب الطريق و الحجية الى الحكم بالفراغ بل الحكم بالفراغ بعد اتباع الطّريق المعتبر كان حكما عقليّا محضا و ليس حكما مولويّا و ثانيا انه ان اريد استلزام الظنّ بالطريق للظنّ بالفراغ مط و لو فى صورة الخطاء فهو غير مسلّم كيف و هو يجتمع مع القطع بعدم الفراغ ايضا على تقدير خطائه فيما اذا قطع بعدم اعتباره و ان اريد استلزامه له على تقدير اصابته و عدم خطائه فهو مسلّم الا ان الظنّ بالواقع ليس كذلك على تقدير الإصابة و لو قطع بعدم اعتباره حيث انّ الإتيان بالواقع مفرّغ للذمة واقعا فيكون الظنّ به ظنّا بالفراغ و لو كان هذا الظنّ مما يقطع بعدم اعتباره بل كان مستحقّا للعقاب فيما اصاب بشرط البناء على حجّيته و الاقتصار عليه لانه كان متجرّيا بل مشرعا و كيف كان لا فرق بين الظنّ بالواقع و بين الظنّ بالطريق بل لا وجه للفرق بينهما هذا و قد يوجّه هذا الوجه بوجه آخر و هو انّ الظنّ بالواقع غير حاصل ما لم يقم الطريق الظنّى على اعتبار الطريق الذى قام على الواقع مثلا اذا ظنّ بالواقع بطريق ظنّى فلا يلزم منه الظنّ بالفراغ ما لم يقم طريق ظنّى آخر على اعتبار هذا الطريق و حجّيته لأن النّتيجة يكون تابعا لأخسّ المقدّمتين فاذا كان الظنّ بنفسه مشكوك الاعتبار فمجرّد قيامه على الواقع لا ينتج الظنّ بالفراغ و هذا بخلاف ما لو قام على الواقع طريق ظنّى و ظنّ باعتبار هذا الطرق و حجّيته من طريق آخر فيحصل الظنّ بالفراغ لا محالة فالظنّ بالفراغ انما يحصل من الظنّ بالطريق لا من الظنّ بالواقع و فيه‏

194

انّ اللازم من ذلك عدم حصول الظنّ بالفراغ ما لم يكن الطريق ظنيّا فى جميع المراتب لكون النتيجة تابعة لأخسّ المقدّمتين فالطريق الظنى الذى قام على اعتبار الطريق ايضا لا بدّ من كونه مظنون الاعتبار و الا لم يحصل الظنّ بالفراغ فاحتيج الى قيام طريق ظنّى آخر و هذا الطريق الآخر ايضا لا بدّ و ان يكون مظنون الاعتبار و الا لم يحصل الظن بالفراغ فاحتيج الى قيام آخر على اعتباره و هكذا يتسلسل الى غير النهاية فان لم ينته الى مرتبة من المراتب الى القطع بالاعتبار لزم التسلسل و ان انتهى الى القطع في مرتبة من المراتب كان من الظنون المعتبرة بالخصوص و خرج عن محل الكلام و بالجملة حصول الظنّ بالفراغ مستلزم للتّسلسل و هو محال و بدونه غير حاصل او يخرج عن محل الكلام هذا غاية ما يمكن ان يقال فى هذا الوجه و قد عرفت فساده بما لا مزيد عليه فافهم و تبصّر و ثالثا سلّمنا ان الظنّ بالواقع لا يستلزم الظنّ به لكن قضيّته ليس الا التنزّل الى الظنّ بانه مؤدّى طريق معتبر كما عرفت فى الوجه الأوّل لا خصوص الظنّ بالطريق و قد عرفت مرارا انّ الظنّ بالواقع لا يكاد ينفكّ عن الظنّ بانه مؤدى الطريق غالبا الّا الأحكام المسكوتة عنها هذا و اما القول الآخر و هو حجّية الظنّ بالفروع دون الاصول فقد عرفت فساده مما مرّ من ان العقل لا يفرق فيما يهمّه من تحصيل المفرّغ و المؤمّن بين نفس الواقع و ما ادّى اليه الطريق فمع التمكن من تحصيل العلم باتيان الواقع الحقيقى او الواقع الجعلى وجب الالتزام باحدهما تخييرا و مع عدم التمكن الا من احدهما وجب الالتزام به تعيينا و مع عدم التمكن منهما راسا وجب التنزّل من العلم الى الظنّ فيقوم الظنّ بكل واحد منهما مقام القطع بهما من دون فرق بينهما اصلا فى نظر العقل فالمؤمّن و المفرّغ عند العقل امران؟ نفس الواقع و ما ادّى اليه الطريق المعتبر و لا يحتاج فى ذلك الى انسداد آخر فى المسائل الأصوليّة و جريان المقدّمات فيها بل يكفى فى ذلك مجرّد الانسداد فى الفروع و جريان المقدّمات فيها و ذلك لأن المسائل الأصولية ليست فى عرض المسائل الفرعيّة و مؤدّيات الطرق ليست فى قبال الحكم الواقعى بل هى بمنزلة البدل بالنسبة الى الواقع الحقيقى فكان مؤمّنا و مفرّغا فى نظر العقل كالواقع الحقيقى فمع الانفتاح كان المكلف مخيّرا من الإتيان بايّهما شاء و مع الانسداد فى المسائل الفرعيّة يتنزّل من العلم بهما الى الظنّ بهما و لو مع الانفتاح فى المسائل الأصوليّة هذا كلّه بناء على تقرير الحكومة و اما على تقرير الكشف فلا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن من الاستكشاف و هو فى الفروع خاصّة دون الأصول‏

فصل [فى ان الشارع هل جعل الظنّ طريقا حال الانسداد]

فى انّه بعد تسليم المقدّمات هل يستكشف العقل منها انّ الش قد جعل الظنّ لنا طريقا الى امتثال احكامه فيكون الظنّ حال الانسداد طريقا مجعولا عن‏

195

عن الش كالطرق و الأمارات الأخر بنحو الطريقيّة او الموضوعيّة او يحكم العقل بوجوب اتباع الظنّ فيكون طريقا عقليّا صرفا فى حال الانسداد

[فى عدم مساعدة الانسداد على كون الظن منصوبا شرعا]

و لكن لا يخفى عدم مساعدة مقدّمات الانسداد على الدلالة على كون الظنّ طريقا منصوبا شرعا ضرورة انه معها لا يجب عقلا على الش ان ينصب طريقا لاطاعة اوامره و نواهيه لجواز اجتزائه بما استقل به العقل فى هذا الحال و مع احتمال العقل باجتزائه بما استقل به العقل كيف يستقل بنصب الش الطريق و وجوبه عليه و ستجي‏ء الإشارة الى بطلان الكشف فى بيان الإهمال فى النتيجة و لا مجال ايضا لاستكشاف نصب الش طريقية الظنّ من حكم العقل لقاعدة الملازمة بناء على القول بالملازمة بين العقل و الشرع بان يقال ان العقل لما يحكم بوجوب اتباع الظنّ فالشرع ايضا حاكم للملازمة بينهما ضرورة انها انما يكون في مورد قابل للحكم الشرعى و المورد هاهنا غير قابل له فانّ الإطاعة الظنّية التى يستقل العقل بكفايتها فى حال الانسداد انما هى بمعنى عدم جواز مؤاخذة الشارع بازيد منها و عدم جواز اقتصار المكلف بدونها و مؤاخذة الش غير قابلة لحكمه و هو واضح لأنّ مرجع استقلال العقل على حجّية الظنّ حال الانسداد الى امرين احدهما عدم مؤاخذة الش بازيد من الامتثال الظنّى الآخر و حسن المؤاخذة على الاقتصار بالامتثال الشكّى و الوهمى و من الواضح عدم قابليّة فعل الش لصيرورته موضوعا لحكم نفسه و لا معنى لحرمة المؤاخذة عليه بالحرمة الشرعيّة و وجوب المؤاخذة بالوجوب الشرعى و هذا مراده من قوله غير قابلة لحكمه الخ و اما بالنسبة الى فعل المكلف و إن كان قابلا للحكم الشرعى إلّا انه غير ممكن للحكم الشرعى فى المقام و الى هذا اشار شيخنا الأستاذ بقوله و اقتصار المكلف بما دونها لما كان بنفسه موجبا للعقاب مط او فيما اصاب الظنّ كما انها بنفسها موجبة للثواب أخطأ او اصاب من دون حاجة الى امر بها او نهى عن مخالفتها كان حكم الش فيه حكما مولويّا بلا ملاك يوجبه من جهة انّ الإطاعة الظنّية حال الانسداد لما كانت بنفسها مما يترتب عليها الثواب و العقاب و القرب و البعد و جميع ما يترتب على امر الشارع و حكمه مما يوجب انبعاث العبد على الإطاعة و الرّدع عن المعصية من دون حاجة الى امر و نهى كان حكم الش به حكما مولويّا بلا ملاك فكذلك اقتصار المكلف بما دون الإطاعة الظنّية كان مما يترتب عليه العقاب بنفسه مط سواء طابق الواقع ام لا او فيما أخطأ اصاب و معه لا مجال لحكم الش و امره و نهيه اذ انقداح الإرادة و الطلب بدون الملاك محال كما لا يخفى نعم و لا باس به ارشاديّا كما هو شانه فى حكمه بوجوب الإطاعة و حرمة المعصية مع كونهما من احكام العقل فحكم الش بهما انما يكون من باب تقرير حكم العقل و لا يكون حكما مولويّا لاستقلال‏

196

العقل بذلك و لا يكون فيه ملاك حكم الشّارع لا يقال قضيّة ذلك استحالة كون الظنّ حجّة شرعيّة فى حال الانسداد و امتناع استكشاف حجّية عند الش عن مقدّمات الانسداد او عن دليل آخر و هو واضح الفساد قلت و صحّة نصبه الطريق و جعله فى كل حال بملاك يوجبه نصبه و حكمة داعية اليه لا ينافى استقلال العقل بلزوم الإطاعة بنحو من انحاء الإطاعة كالإطاعة الظنّية حال الانسداد من دون حاجة الى الحكم المولوىّ كما يحكم بلزومها اى الاطاعة بنحو آخر من انحاء الإطاعة كالإطاعة العلميّة حال الانفتاح من دون استكشاف حكم الش بلزومها مولويا لما عرفت من عدم الملاك لحكمه و ان شئت قلت ان هذا قياس مع الفارق لأن قضيّة ما ذكرنا امتناع استكشاف الجعل من الش بقاعدة الملازمة بعد حكومة العقل على حجّية الظنّ حال الانسداد حيث انه يترتب على الاطاعة الظنيّة ح جميع ما يترتب على الطرق المجعولة شرعا من الثواب و العقاب و القرب و البعد فالجعل من الش ح كان لغوا صرفا و تحصيل لما هو حاصل بدونه و هذا لا يقتضى استحالة جعله الظنّ طريقا منه ابتداء عند عدم حكومة العقل على الاطاعة الظنيّة و عدم حكمه بوجوب اتباع الظنّ لأنّه لا يترتب على الإطاعة الظنيّة الآثار المرغوبة منها الا بعد جعل الش و نصبه ففرق واضح بين استكشاف الجعل من الش بعد حكومة العقل على وجوب اتباع الظنّ كما هو قضيّة قاعدة الملازمة و بين وقوع الجعل من الشارع ابتداء فيما لا حكومة للعقل فافهم فانه لا يخلو عن دقّة

[فى انقداح الحكومة لا الكشف‏]

فانقدح بذلك عدم صحّة تقرير المقدّمات الا على نحو الحكومة دون الكشف و عليها فلا اهمال فى النّتيجة اصلا سببا و موردا و مرتبة لعدم تطرق الاهمال و الاجمال فى حكم العقل كما لا يخفى لأنّ العقل ما دام لم يتصوّر موضوع حكمه تامّا لا يحكم بشي‏ء من الاحكام و بعد تصوّره الموضوع لا يحكم الا بما هو موضوعه المتصوّر و ح لا معنى للإجمال و الإهمال فى حكمه و اعلم انه على حسب النظر الدقيق انّ مقدّمات الانسداد لا تجرى الا فى معظم المسائل لا فى كل مسئلة مسئلة بما هى مسئلة واحدة على وجه الاستقلال لأنه لا يمكن ابطال الأصول النافية و الأصول المثبتة من الاستصحاب و الاحتياط من جهة العلم الإجمالي بالتكاليف الفعليّة و لزوم الخروج من الدين و المخالفة القطعيّة الا فى معظم المسائل كما ياتى بيانه مفصلا و اما بناء على جريانها فى كل مسئلة مسئلة مستقلا مع قطع النظر عن ساير المسائل و مع قطع النظر عن ملاحظة الانسداد فى جميعها و عدمه و ابطال الرجوع الى الاصول النافية و المثبتة من غير جهة لزوم الخروج من الدين و المخالفة القطعيّة و لزوم الحرج و العسر فلا مجال للإهمال بناء على اختصاص حجّية الظنّ بالفروع دون الأصول لأنه بعد فرض تماميّة المقدّمات فى كل مسئلة مسئلة فلا بدّ من‏

197

من حجّية الظنّ الموجود فيها لا محالة لعدم تعدّد الظنون فيها فيتعيّن العمل باىّ ظنّ حصل و من اىّ سبب كان و لا يعقل الإهمال ح مط لا من حيث المسائل و الموارد و لا من حيث الاسباب و لا من حيث المراتب لوحدة الظنّ و عدم تعدده ففرض الإهمال ح مستلزم للخلف لأن اللازم من فرض تماميّة المقدّمات فى كل مسئلة مسئلة حجّية الظن الموجود فيها بقول مطلق و فرض الإهمال و الإجمال مستلزم لعدم تماميّة المقدّمات فيها و هو خلف هذا كله بناء على اختصاص حجّية الظنّ بالفروع و اما بناء على حجّية الظنّ فى الأصول و الفروع بناء على وجه التعميم كما هو مختار شيخنا الأستاذ و اسناده و شيخه و هو العلامة الأنصارى (ره) او على وجه الاختصاص بالأصول كما هو مختار صاحب الفصول و اخيه المحقق المحشّى فحديث الاهمال جاء فيها ايضا و للإجمال مجال قطعا لأنّ الظنّ على هذا يتعدّد و لو في مسألة واحدة بحسب المراتب و الأسباب فما يظهر من العلامة الأنصارى (ره) من اختصاص الإهمال بما اذا جرت المقدّمات فى مجموع المسائل مط حتى بناء على ما اختاره من حجّية الظنّ بالأصول فلا وجه له و اما اذا جرت المقدّمات فى مجموع المسائل‏

[لا اهمال فى النتيجة على تقرير الحكومة]

فعلى تقرير الحكومة فلا اهمال فى النتيجة اصلا اما بحسب الاسباب فلا تفاوت بنظره فيها حال الانسداد كما لا فرق عنده بين اسباب العلم حال الانفتاح ففى حال الانسداد يتنزل من العلم الى الظنّ من اىّ سبب حصل و اما بحسب الموارد و المسائل فيمكن ان يقال بعدم استقلاله بكفاية الإطاعة الا فيما ليس للشارع مزيد اهتمام فيه بفعل الواجب و ترك الحرام كالطهارات و النجاسات و استقلاله بوجوب الاحتياط فيما فيه مزيد اهتمام كما فى الفروج و الدّماء بل ساير حقوق الناس بما لا يلزم من الاحتياط فيها العسر و الحرج فعدم الإهمال بحسب المورد انما يكون فيما لا يهتم به الش او يهتم الا انّ الاحتياط فيه كان موجبا للعسر فلا يرد ان قول شيخنا الأستاذ و عليها فلا اهمال اصلا سببا و موردا و مرتبة متناقض للاهمال فى المورد هذا مضافا الى قوله فيمكن ان يقال و كيف كان فالاهمال بالنسبة الى المورد ممكن للفرق عند العقل و الشرع بين ابواب الدّماء و الفروج و حقوق الناس و بين ابواب الطهارة و النجاسة و ان قال العلامة الأنصارى (ره) بعدم الإهمال و الاجمال بحسب المورد ايضا و اما بحسب المرتبة فكك لا يستقل العقل الا بلزوم التنزل إلى مرتبة الاطمينان من الظنّ بعدم التكليف الا على تقدير عدم كفايتها فى دفع محذور العسر فالعقل يفرق بين الظنّ القوى الذى بلغ حدّ الاطمينان و غيره فيحكم بحجّية الأوّل على تقدير كفايته للفقه و لدفع محذور العسر و عدم حجّية الثّانى فت و اما على تقرير الكشف فيختلف الحال من حيث الإهمال و عدمه بحسب اختلاف النتيجة فانّ النتيجة على الكشف يتصوّر على وجوه مختلفة فلو قيل بكون النتيجة

198

هو نصب الطريق الواصل بنفسه فلا اهمال فيها ايضا بحسب الاسباب بل يستكشف ح انّ الكل حجّة لو لم يكن بينها ما هو المتيقن و إلّا فلا مجال لاستكشاف ان حجة غيره بمعنى ان المستكشف من المقدّمات ان استكشف ان الش جعل فى امتثال احكامه طريقا واصلا الينا بنفسه بحيث تعلق الفرض بوصوله بنفسه الى المكلّف و تعيينه لديه من دون نصب علامة عليه من الخارج فلا اهمال فى الأسباب لأن تعيين الحجّية على هذا الاستكشاف كان موكولا بنظر العقل فانّ الذى يصلح ان يصل الى المكلّف و تعيّن لديه من دون نصب علامة عليه هو حجّية ما يستقل العقل بتعيينه بالترجيح مع وجود المرجح عنده فى البين و مع عدم المرجح فالتعميم و ذلك لأنه لا يكاد ان يتعيّن ح ما هو الحجّية واقعا و يصل الى المكلّف إلّا اذا كان العقل حاكما فى باب التعيين و يكون المجعول حجّة من بين المحتملات ما كان ذا مزيّة عند العقل و الا يلزم نقض الغرض عليه لا محالة فلا بد من احالة ذلك الى العقل و حكومته فى باب التعيين و مع الإحالة فالعقل يستقل على التعيين و الترجيح مع وجود المرجح و الامتياز فى البين و التعميم مع عدم الامتياز بين المحتملات راسا فالذى يصلح صار للقضيّة المهملة و معينا لها فى نظر العقل ليس الا كون البعض متيقن الاعتبار من بين المحتملات و كان ذلك البعض كافيا للفقه كما اذا قام الدليل القطعى من اجماع و غيره على الملازمة بين حجّية شي‏ء عند الش و حجّية الظنّ الحاصل من خبر الموثق مثلا بحيث حصل القطع بانه لو كان عند الش شي‏ء حجّية كان هذا حجة قطعا و قد ثبت حجّية الملزوم بدليل الانسداد بالفرض حيث استكشفنا انّ الش قد جعل لنا طريقا فى امتثال احكامه فكان اللازم و هو الظن الحاصل من الخبر الموثق ايضا حجّة بدليل حجّية الملزوم فدليل حجّية اللازم هو نفس دليل حجّية الملزوم و اما الإجماع فهو دليل على الملازمة لا على ثبوت اللازم بداهة انّ الدليل على ثبوت الملازمة بين الشّيئين لا يكون دليلا على ثبوتهما و لا على ثبوت احدهما ضرورة صدق القضيّة الشرطيّة مع كذب طرفيها و من هذا ظهر فساد توهّم انّ هذا القدر المتيقن ح من الظنون الخاصّة نظرا الى ثبوت حجّيته بالإجماع و بالجملة لا ينبغى الإشكال فى كون القدر المتيقن صار موجبا للتقييد و التعيين فمع وجود القدر المتيقن بقدر الكفاية فى الفقه لا مجال للتعميم و الحكم بحجّية الظنّ المطلق مط فيما كانت النتيجة المستكشفة هى الحجّة الواصلة بنفسها كما هو المفروض و هذا بخلاف انه لم يكن فى البين قدر متيقّن فالعقل يحكم انّ الكل حجّة و ح فلا اهمال من حيث الأسباب و لا بحسب الموارد بل يحكم العقل بحجّية فى جميعها و الألزم عدم وصول الحجة و لو لأجل التردد فى مواردها و دعوى الإجماع على التعميم بحسبها فى‏

199

فى مثل المسألة المستحدثة مجازفة جدّا فالتعميم ح انما كان بحكم العقل فى جميع الموارد و إلا لزم عدم وصول الحجة مع انّ فرض الكلام انما كان فى الطريق الواصل بنفسه و اما التعميم او الإهمال بحسب المرتبة ففيها اهمال لأجل احتمال حجّية خصوص الاطمينان منه اذا كان وافيا فلا بدّ من الاقتصار عليه و اما لو لم يكن وافيا فلا بدّ من التعميم و اعلم ان مجرّد اقوائيّة الظن فى كونه مظنون الاعتبار و ان لم يصلح للترجيح و التعيين ما لم يبلغ الى مرتبة القطع بالاعتبار حيث انّ المفروض احتمال عدم حجّية و حجة غيره عند الش إلّا انه لما كان الظنّ القوى الاطميناني و الظنّ الذى ظنّ باعتباره ذا مزيّة عند العقل و كانا ممتازين بين الظنون و المفروض استكشاف الحجّة الواصلة بنفسها من مقدّمات الانسداد فلا بدّ من ان يكون ما له مزيّة عند العقل و ممتازا فى نظره حجّة على وجه القطع لما عرفت من حكومة العقل فى باب التعيين فيما اذا كانت النتيجة الحجّية الواصلة بنفسها و الظنّ القوىّ الاطميناني و المظنون الاعتبار و ان لم يكونا متيقن الاعتبار من حيث هو هو حيث انّ المفروض احتمال عدم حجّيتهما و حجة غيرهما من بين المحتملات إلّا انه بملاحظة مقدّمات الانسداد و استكشاف جعل الطريق الواصل بنفسه لا مجال لأحتمال عدم الحجّية للقطع بعدم اختصاص الجعل بالأضعف و مشكوك الاعتبار و موهومة بان يكون الظنّ الضعيف و المشكوك الاعتبار و موهومه حجة دون الظن الاطمينانى و المظنون الاعتبار و احتمال التعميم و حجّية مطلق الظنّ ايضا كان منسدّا لوجود الظنّ الذى له مزيّة زائدة عند العقل بقدر الكفاية مع استكشاف مجعولية الطريق الواصل الينا بنفسه من دون نصب علامة عليه و يمكن ان يكون وجه عدم نصب العلامة مع لزوم الوصول و تعلق الفرض بوصوله بنفسه هو الاتكال على استقلال العقل بلزوم الاقتصار على ما له مزيّة عنده فكان الظنّ القوىّ و ما ظن اعتباره يتيقّن الاعتبار ح لعدم احتمال كون المجعول فى هذا الحال هو خصوص ما عداه لعدم صلاحيّته للوصول بلا قرينة و عدم المجال للتعدّى و التعميم مع كون الظنّ القوىّ و المظنون الاعتبار بقدر الكفاية فى الفقه و لو لم يكن الظنّ القوى الاطميناني و ما ظنّ اعتباره حجّة و كان غيره حجّة مع لزوم وصول ما هو حجّة واقعا من دون نصب علامة عليه يلزم الخلف فانقدح من جميع ما ذكرنا انّ الظنّ بالاعتبار كان مرجحا و معيّنا فيما كانت النّتيجة هى الحجّة الواصلة بنفسها من دون توقف على كون الظنّ القائم على اعتبار الظنّ حجّة و معتبرا فى حدّ نفسه بل المظنون اعتباره ح كان حجّة قطعا من دون حاجة الى معين و مرجّح و الظنّ القائم على اعتباره انما يوجب صرف القضيّة المهملة اليه و تقييده عند العقل و ليس فى الحقيقة من باب الترجيح‏

200

و التعيين بل الظنّ الذى ظنّ باعتباره كالظنّ الاطمينانى كان له التعيّن ح فى نظر العقل لكونه من القدر المتيقن فى الحجّية بملاحظة دليل الانسداد و استكشاف الحجة الواصلة نعم اذا كانت النتيجة هى الحجة الواصلة و لو بطريقها لا خصوص نفسها فلا مجال للترجيح بالظنّ بالاعتبار الا بعد قيام الدليل على اعتباره فلا بدّ من اجراء مقدّمات دليل الانسداد ح فى المسألة الأصوليّة و تعيين القضيّة المهملة كما سيأتي تفصيله و بدونه لا مجال للترجيح بالظنّ بالاعتبار كما انه لا مجال للترجيح ح باقوائيّة الظنّ من حيث المرتبة فتلخّص من جميع ما ذكرنا انّ الترجيح و التعيين بمطلق الظنّ بالاعتبار مما لا محيص عنه على تقدير و لا مجال له على تقدير آخر فاذا كانت النتيجة هى الحجّة الواصلة بنفسها فلا بدّ من الترجيح و التعيين بمطلق الظنّ القائم على اعتبار الظنون من دون حاجة الى جريان المقدّمات فى المسألة الأصوليّة لما عرفت من انّ ما ظنّ باعتباره ح كان له التعيين و كان قدرا متيقنا فى الحجّية من دون حاجة الى التعيين و الترجيح و اما اذا كانت النتيجة هى الحجة الواصلة بطريقها فلا بد من جريان مقدّمات الانسداد فى المسألة الأصوليّة و من هذا ظهر لك وجه ما وقع من بعض الاعلام فى المقام من الترجيح بالظنّ بالاعتبار مع قطع النّظر عن اعتبار هذا الظنّ فانه لا بدّ من حمله على ما اذا كانت النتيجة هى الحجّة الواصلة بنفسها لا الاعمّ منها و من الواصلة بطريقها و ما لا يصل اصلا و على هذا لا يرد عليه ما اورده العلامة الأنصارى (ره) من ان الترجيح فرع حجّية المرجّح و اعتباره و بدونه لا مجال للترجيح و المفروض عدم حجّية مطلق الظنّ بمقدّمات الانسداد حيث كانت النتيجة مهملة (1) و لو قيل بانّ النتيجة هو نصب الطريق الواصل و لو بطريقه اى كان المستكشف الطريق الواصل الى المكلف و لو بمعونة طريق آخر لا بنفسه فلا اهمال فيها بحسب الأسباب لو لم يكن فيها تفاوت اصلا او لم يكن بينها الا واحد و إلّا فلا بدّ من الاقتصار على متيقن الاعتبار منها او مظنونه باجراء مقدّمات دليل الانسداد مرّة او مرّات فى تعيين الطريق المنصوب حتى ينتهى الى ظنّ واحد او الى ظنون متعدّدة لا تفاوت بينها فيحكم بحجّية كلّها او متفاوتة يكون بعضها الوافى متيقّن الاعتبار فيقتصر عليه و اما بحسب الموارد و المرتبة فكما اذا كانت النتيجة هى الطريق الواصل بنفسه و اعلم انا قد اشرنا آنفا اليه من انّه لا بدّ من اجراء مقدّمات الانسداد فى المسألة الأصوليّة و لا يمكن الترجيح و التعيين بقوّة الظنّ و بكونه مظنون الاعتبار و الوجه فيه انّ الظنّ ح لا يصير متيقن الحجّية بمقدّمات الانسداد بمجرّد القوّة و قيام الظنّ على اعتباره مع عدم حجّية هذا الظن القائم على الاعتبار و ذلك لاحتمال وصول الحجّة المجعولة بطريق معتبر لا

____________

(1) و لا فرق بين المسألة الاصوليّة و الفرعية من حيث اهمال النتيجة و اطلاقها و مع اطلاق النتيجة لا حاجة الى الترجيح و مع الإهمال لا يصحّ التّرجيح بمطلق الظنّ لعدم حجّية مطلق الظنّ فى تعيين القضيّة المهملة و الأحسن لتبين الأمر عليهم فيقال إن أرادوا الترجيح بمطلق الظنّ الغير المعتبر فيما كانت المهملة هى الحجة الواصلة بنفسها فهو حق و إلّا فلا مجال للترجيح اصلا قطعا