نهاية المأمول في شرح كفايه الأصول‏

- الميرزا حسن الرضوي القمي‏ المزيد...
230 /
201

لا بنفسه حيث ان النتيجة اعمّ من الوصول بنفسه بل يحتمل ان يصل الحجة بنفسها و مع هذا الاحتمال لا يصير الظن القوىّ و ما ظنّ اعتباره قدرا متيقنا من الحجّية فلا بدّ من جريان المقدّمات فى المسألة الأصوليّة ايضا و فى تعيين القضيّة المهملة حيث انه انسدّ علينا باب تعيين الطرق المجعولة المستكشفة من مقدّمات الانسداد فى الفروع و لا مجال للبراءة بعد استكشاف جعل الطريق من الش و تنجّز الاحكام الثابتة فى موارد الطرق المجعولة المعلومة بالاجمال و لا مجال للاحتياط ايضا فى الطريق للزوم الخلف حيث انّ المفروض استكشاف الحجة الواصلة و لو بطريقها و المفروض ايضا عدم وصولها بنفسها فلا بدّ ان يصل بطريق معتبر و لا وصول مع الاحتياط فى الطريق بل مرجعه الى بقاء القضيّة المهملة على الإرسال و الإجمال فينتج من تلك المقدّمات حجّية مطلق الظنّ فى تعيين حجّة المجعولة و لا معنى للإهمال فى النتيجة فى المسألة الأصوليّة و فى تعيين القضيّة المهملة و الا لزم الخلف و التسلسل فلو قامت امارة واحدة على حجّية الظنون بقدر الكفاية فى الفقه او قامت امارات متعدّدة على حجّية الظّنون بقدر الكفاية كانت الأمارات الظنّية مط حجة فى تعيين الحجة المجعولة سواء كانت الأمارات متساوية او كانت مختلفة كما اذا كان بعضها مظنون الاعتبار و بعضها مشكوك الاعتبار و موهوم الاعتبار او كان بعضها اقوى و بعضها اضعف و الحاصل ان نتيجة المقدّمات الجارية فى المسألة الأصوليّة لا بدّ و ان تكون مطلقة و لو كانت مهملة فلا بدّ ان يكون المستكشف هو الحجّة الواصلة بنفسها فى تعيين الحجة المجعولة حتى يكون الظنّ القوىّ و المظنون الاعتبار قدرا متيقنا فى الحجّية و الا فلو كانت النتيجة فى المسألة الأصوليّة ايضا الحجة الواصلة و لو بطريقها او غير الواصلة يلزم الخلف و التسلسل و مما ذكرنا ظهر ان جريان المقدّمات فى المسألة الأصوليّة مما لا محيص عنه على تقدير و لا مجال له على تقدير فاذا كانت النّتيجة هى الحجّة الواصلة بطريقها فلا بدّ من اجراء المقدّمات فى تعيين الحجة المجعولة و لو كان مطلق الظنّ حجة فى المسألة الأصوليّة فتدبّر جيّدا

[فيما لو قيل بان النتيجة هو الطريق الواصل‏]

و اما لو قيل بانّ النتيجة هو الطريق و لو لم يصل اصلا فالاهمال فيها يكون من الجهات الثلث من جهة الأسباب و المورد و المرتبة و لا محيص ح الا من الاحتياط بمراعاة اطراف الاحتمال لو لم يكن بينها متيقن الاعتبار لو لم يلزم محذور و الا لزم التنزل الى حكومة العقل بالاستقلال اى و قد يستكشف ان الش قد جعل لنا طريقا و حجة فى الواقع مع تعلق الغرض بعدم وصوله الينا و تعيّنه عندنا اصلا لا بنفسه و لا بطريقه و بقى على اجماله و اهماله فلا وجه للترجيح ح لعدم القدر المتيقّن فى البين اذ مع فرض تجويز عدم وصول الحجّة المجعولة راسا كيف يوجب قوة الظنّ و الظنّ بالاعتبار كون‏

202

الظنّ قدرا متيقنا فى الحجّية نعم مع تحقّق القدر المتيقّن فى البين كما اذا قام الإجماع على الملازمة بين حجّية شي‏ء فى الواقع و حجّية الظنّ الحاصل من الخبر الموثق كان المتيقن هو الحجة الواصلة و لا ينافى اعميّة النتيجة من الحجّة الواصلة و غير الواصلة اذ ليست النتيجة خصوص الحجّة الغير الواصلة فلا ينافى وصولها بحسب الاتفاق من جهة قيام الإجماع من الخارج اتفاقا على الملازمة كما لا يخفى و اما بدون قيام الدليل القطعى من الخارج على الملازمة فلا يمكن تحصيل القدر المتيقن ح و الحاصل لو قام الدليل القطعى من الخارج على الملازمة و حصل القدر المتيقن بقدر الكفاية بتعيين الأخذ به و عدم التعدّى الى غيره فهو و إلّا فلا مجال للترجيح بقوّة الظنّ و بقيام الظّنّ على الاعتبار كما انه لا مجال للتعميم ايضا مع عدم القدر المتيقن فى البين لجواز اهمال النتيجة ابدا و عدم تعيين الحجّة المجعولة اصلا فلا بدّ ح من الاحتياط فى المسألة الأصوليّة و الأخذ بجميع ما احتمل حجّيته بدليل الانسداد لو لم يلزم من الاحتياط محذورا و إلّا فلا بدّ من الانتهاء الى حكومة العقل فى حجّية مطلق الظنّ حيث ان المفروض بقاء الاحكام الواقعيّة و عدم إنتاج المقدّمات الا استكشاف انّ الش قد جعل لنا طريقا و حجّة فى امتثال احكامه و لكن من دون تعلق غرض بوصوله الى المكلف و لا محيص ح الا عن انتهاء الأمر الى حكومة العقل على حجّية مطلق الظنّ فتامل فانّ المقام من مزال الأقدام‏

وهم و دفع‏

لعلّك تقول انّ القدر المتيقن الوافى لو كان فى البين لما كان مجال لدليل الانسداد ضرورة انه من مقدّماته اى من مقدّمات الانسداد انسداد باب العلمى كانسداد باب العلم ايضا لكنك غفلت عن انّ المراد ما اذا كان اليقين بالاعتبار من قبله اى من قبل الانسداد لاجل اليقين بانه لو كان حجّة شرعا كان هذا الشي‏ء حجة قطعا لا كونه متيقن الاعتبار بداهة انّ الدليل على احد المتلازمين انما هو الدليل على الآخر لا الدليل على الملازمة و قد مرّت الإشارة الى شرحه سابقا فيما يناسب المقام فارجع ثم لا يخفى ان الظنّ باعتبار الظنّ بالخصوص و كونه طريقا مجعولا من الش بالخصوص يوجب اليقين باعتباره من باب دليل الانسداد على تقرير الكشف لا الحكومة لكن بهذا بناء على كون النتيجة هو الطريق الواصل بنفسه بمعنى كون المستكشف هو الطريق الواصل بنفسه لا الواصل و لو بطريق و لا الطريق و لو لم يصل فانه ح يقطع بكونه حجة على جميع التقادير بمعنى كان غيره حجة أو لا و احتمال عدم حجّيته بالخصوص من جهة قيام الظنّ بالاعتبار فلا بد ان يكون عدم حجّيته بالخصوص محتملا لا ينافى القطع بحجّيته بملاحظة الانسداد ضرورة انه على الفرض اى كون المنصوب هو الطريق‏

203

الطريق الواصل بنفسه لا يحتمل ان يكون غيره حجة بلا نصب قرينة و بعبارة اخرى ان نصب غيره حجة يحتاج الى نصب قرينة عليه و مع عدم نصب القرينة على حجّية غيره فلا يكون غيره حجة و من المحتمل ان يكون هو الحجّة دون غيره لما فيه من خصوصيّة الظنّ بالاعتبار و بالجملة الامر يدور بين حجّية الكلّ و كان احدها و حجّيته بالخصوص دون غيرها فيكون مقطوع الاعتبار و اعلم ان معنى التعميم و الترجيح الذى ذكروه فى المقام يكون مختلفا و التعميم بالوجهين السّابقين كالتعيين بقوة الظنّ و قيام الظن على الاعتبار انما يصحّ فيما اذا كانت النتيجة هى الحجة الواصلة بنفسها دون الحجّية الواصلة بطريقها و غير الواصلة اما التعميم من جهة عدم المرجّح فى البين فلان الطريق المجعول لو لم يكن مما يجب وصوله الى المكلف و تعينه لديه لم يضرّ بقائه على اهماله و اجماله و لا وجه لحكومة العقل على التعميم في صورة المرجّح و اما التعميم من جهة عدم الكفاية فلانّ التعدى من مظنون الاعتبار الى غيره من جهة عدم كفاية مظنون الاعتبار او من جهة العلم الاجمالى بانّ الأمارات التى ظنّ باعتبارها كانت عموماتها و اطلاقاتها مخصّصة و مقيّدة مع وجود المخصّص و المقيّد فى الأمارات المشكوكة اعتبارها انما يصحّ فيما اذا كان مظنون الاعتبار متيقّنا فى الحجّية و قد عرفت اختصاص ذلك بما اذا كانت النتيجة هى الحجة الواصلة بنفسها و اما بناء على كون النتيجة هى الأعمّ من الواصلة بنفسها او بطريقها و من غير الواصلة اصلا فلا يوجب الظنّ بالاعتبار مع قطع النظر عن اعتباره القطع بحجّية الظنّ و ليس المظنون اعتباره من القدر المتيقن فى الحجّية كى يصحّ التعدى منه الى غيره من جهة عدم الكفاية او من جهة العلم الاجمالى بمخالفة كثير من ظواهرها للمعانى الظاهرة منها و وجود المخصّص و المقيّد فى غيره فالتعميم بالوجهين المذكورين على اطلاقه ليس بصحيح بل قد عرفت انهما مما لا محيص عنهما على تقدير و لا مجال لهما على تقدير آخر و لا يرد على التعميم بالوجه الثّانى فيما اذا كانت النتيجة هى الحجة الواصلة بنفسها ما اورده العلامة الأنصارى (ره) من انه لا دليل على اعتبار مطلق الظن بالاعتبار إلّا اذا اثبت جواز العمل بمطلق الظن عند الانسداد و لا وجه للتعدى عن مظنون الاعتبار الى مشكوك الاعتبار الذى ليس معارضا لمظنون الاعتبار و التعدى الى المشكوك الذى كان مخصّصا او مقيّدا لمظنون الاعتبار لا يوجب جواز التعدى الى ما ليس كذلك وجه الاندفاع ما قد عرفت من ان مظنون الاعتبار كان قدرا متيقنا فى الحجّية فيما اذا كانت النتيجة هى الحجة الواصلة بنفسها حيث انه كان ذا مزيّة عند العقل‏

204

و اما التعميم فمع عدم قدر المتيقن الحقيقى الكافى كما هو المفروض و استكشاف الحجة الواصلة بنفسها فلا بدّ من التعدى الى المتيقن الإضافي إن كان و إلّا فلا بدّ من التعميم و الحكم بحجّية مطلق الظن لما عرفت من ان مع فقد المرجح فى البين لا بد من التعميم نعم الظن المشكوك الاعتبار الغير المعارض لمظنون الاعتبار لا يصير قدرا متيقنا اضافيا الا بعد قيام الاجماع على الملازمة بين المشكوك المعارض و المشكوك الغير المعارض فى الحجّية و المفروض ان المشكوك المعارض كان حجّة لكونه متمّما لمظنون الاعتبار حيث كان مخصّصا او مقيدا له فكان المشكوك الغير المعارض ايضا حجة بدليل حجة الملزوم و هكذا الكلام فى الموهومات و الحاصل مع قيام الإجماع على الملازمة لا بد من التعدى من الملزوم الى اللازم لكون اللازم ح قدرا متيقنا اضافيا و دعوى الاجماع ايضا ليس ببعيد فى مثل المقام بعد استكشاف جعله الطريق الواصل بنفسه بقدر الكفاية من مقدّمات الانسداد و اما الترجيح بقوة الظن و بالظنّ بالاعتبار مع قطع النظر عن اعتبار هذا الظن القائم فقد عرفت ابتنائهما على كون الحجة المجعولة الواصلة بنفسها دون غيرها و من هنا ظهر حال القوة اى الترجيح بقوة الظنّ و لعل نظر من رجح بها الى هذا الفرض و هو فرض كون المستكشف هو الحجة الواصلة بنفسها و كان منع شيخنا العلامة الانصارى اعلى اللّه مقامه عن الترجيح بها اى بالقوة بناء كون النتيجة هو الطريق الواصل و لو بطريقه او الطريق و لو لم يصل اصلا و بذلك يوفق بين كلمات الاعلام فى المقام من ان المرجح بها كان نظره الى كون النتيجة هو الطريق الواصل بنفسه و من منع عن الترجيح بها كان نظره الى كون النتيجة هو الطريق الواصل و لو بطريقه او كون النتيجة هو الطريق و لو لم يصل فيجمع بين كلماتهم بما ذكرنا و عليك بالتامل التام حتى ظهر لك الحال فى المقام ثم لا يذهب عليك ان الترجيح بها اى بالقوة انما هو على تقدير كفاية الراجح بالفقه و إلّا فلا بد من التعدى الى غيره بمقدار الكفاية فيختلف الحال باختلاف الأنظار بل الأحوال فربما يكون الراجح بقدر الكفاية فى الفقه بالنسبة الى نظر دون نظر آخر او حال دون حال آخر و ربما لا يكون و اما الترجيح بالظنّ بالاعتبار بعد فرض اعتباره بجريان مقدّمات الانسداد فى المسألة الأصوليّة مستقلا فقد عرفت ابتنائه على كون المجعول هو الحجة الواصل و لو بطريقها فلا بدّ ح من اجراء مقدّمات الانسداد فى المسألة الاصولية و اما تعميم النتيجة بان قضيّة العلم الاجمالى بالطريق هو الاحتياط فى اطرافه هذا هو الوجه الثّالث من اقسام التعميم و قد عرفت‏

205

عرفت القسمين منها آنفا فهو لا يكاد يتمّ الا على تقدير كون النتيجة هو نصب الطريق و لو لم يصل فلا بدّ ح من الاحتياط فى الطريق او الانتهاء الى حكومة العقل على حجّية مطلق الظنّ و اما بناء على كون النتيجة هى الحجة الواصلة بنفسها فلا مجال للاحتياط فى الطريق كما عرفت سابقا مع ان التعميم فى ذلك اى بالطريق لا يوجب العمل الا على وفق المثبتات من الاطراف دون النافيات الا فيما كان ناف من جميع الأصناف فالاحتياط فى الطرق ليس فيها تعميم فى الحقيقة بل مرجعه الى بقاء الطريق المجعول على اجماله و اهماله و تحصيل العلم بخروج العهدة عن امتثال التكليف الثابت في مورده و مورد الاحتياط انما هو الطرق المثبتة للتكليف الإلزامي و اما الطرق النافية للتكاليف فلا معنى للاحتياط فيها انطباق العمل عليه و مقتضاه عدم الالتزام بوجوب ما ادى الطريق الى عدم وجوبه و عدم الالتزام بحرمة ما ادى الطريق الى عدم حرمته و اما الالتزام بعدم الارتكاب فى الاوّل و الارتكاب فى الثّانى فليس هو من مقتضى انطباق العمل على الطرق النافية فيما اذا كان الطريق النافى معلوم الحجّية مفصّلا فظهر ان التعميم بذلك لا يوجب العمل الا على وفق المثبتات دون النافيات الا فيما اذا كان هناك ناف من جميع الأصناف ضرورة انّ الاحتياط فيها لا يقتضى رفع اليد عن الاحتياط فى المسألة الفرعيّة اذا لزم حيث لا ينافيه كيف و يجوز الاحتياط فيها مع قيام الحجة النافية كما لا يخفى فما ظنك بما لا يجب الأخذ بموجبه الا من باب الاحتياط و الحاصل ان مقتضى انطباق العمل على الطريق النافى ليس الا ما ذكرنا من غير فرق بين الطريق المعلوم اعتباره تفصيلا او المعلوم اجمالا اعتباره و من هذا ظهر لك عدم معارضة الاحتياط فى المسألة الأصوليّة للاحتياط فى المسألة الفرعيّة حيث انّ المقتضى للاحتياط فى المسألة الفرعيّة هو الالتزام باتيان ما احتمل وجوبه و الالتزام بعدم ارتكاب ما احتمل حرمته و الا فالاحتياط فى المسألة الاصولية ليس مقتضاه إلا انطباق العمل على ما ادى اليه الطريق و هو يحصل فى الطريق النافية بمجرّد الالتزام بعدم وجوب ما ادى الطرق الى عدم وجوبه و الالتزام بعدم حرمة ما ادّى الطريق الى عدم حرمته و اما الالتزام بعدم الارتكاب فى الاوّل و الارتكاب فى الثّانى فليس هو من مقتضى الطريق اصلا هذا تمام الكلام فى تقرير الكشف و قد عرفت انه لا محيص عن حكومة العقل عليه على جميع التقادير غاية الأمر ان حكومة العقل قد يكون فى باب التعيين و صرف القضيّة المهملة الى ما كان ذا مزيّة عنده لا فى اصل حجّية الظنّ كما اذا كانت النتيجة هى الحجة الواصلة

206

و قد يكون فى اصل الحجّية فيما اذا كانت النتيجة هى الحجة الغير الواصلة حيث انك قد عرفت لزوم الانتهاء الى حكومة العقل ح و من هذا كله يمكن استكشاف بطلان طريقة الكشف و انّ المتيقّن من اول الأمر هو تقرير الحكومة فكان الظنّ حجة حال الانسداد بحكم العقل كالعلم حال الانفتاح من دون ان تناله يد الجعل و التصرف من الشارع فافهم و تبصّر

فصل [فى خروج القياس عن عموم نتيجة دليل الانسداد و الاشكال فيه‏]

قد اشتهر الأشكال بالقطع بخروج القياس عن عموم نتيجة دليل الانسداد بتقرير الحكومة و تقريره على ما فى الرّسائل انه كيف يجامع حكم العقل بكون الظنّ فى حال الانسداد كالعلم حال الانفتاح مناطا للإطاعة و المعصية و يقبح عن الأمر على وزن فاعل بان طلب الأمر فى حال الانسداد الإطاعة العلمية و يقبح ايضا عن المامور التعدى عنه بان يمتثل تكليفه بالاطاعة الشكّية و الوهميّة و مع ذلك ربما يحصل الظن او خصوص الاطمينان من القياس و لا يجوّز الشارع العمل به فان المنع عن العمل بما يقتضيه العقل من الظن او خصوص الاطمينان لو فرض ممكنا جرى فى غير القياس فلا يكون العقل مستقلا اذ لعلّه نهى عن امارة مثل ما نهى عن القياس و اختفى علينا و لا دافع لهذا الاحتمال الّا قبح ذلك على الش اذ احتمال صدور ممكن بالذات عن الحكيم لا يرتفع الّا بقبحه و هذا من افراد ما اشتهر من انّ الدليل العقلى لا يقبل التخصيص انتهى موضع الحاجة من كلامه زيد فى علوّ مقامه و اعلم انّ الأشكال المتوهم فى المقام يتصوّر على وجهين الاول من جهة انّ الاخبار الدالّة على النهى عن العمل بالقياس عامّة تشمل باطلاقها حال الانسداد و خروج الظنّ القياس حال الانسداد بناء على تقرير الحكومة مستلزم للخلف او تخصيص حكم العقل و كلاهما محال بيان الملازمة انه بعد ما استقل العقل بان المدار فى مقام الامتثال حال الانسداد على الانكشاف الظنّى او الاطمينانى منه بحيث تصحّ المؤاخذة على مخالفة الواقع من جهة ترك اتباعه فى صورة الإصابة و يصحّ عقاب التجرّى في صورة عدم الاصابة كما انه قد يوجب استحقاق الثواب على اتباعه و موافقته فى صورة الإصابة و عدمه فى صورة عدمها فالمنع عن اتباع الظن القياسى فى هذا الحال مع حصول الظنّ او الاطميناني منه كما هو المفروض لا يخلو عن احد امرين لأن نهيه اما ان يكون مع عدم تحقّق ما هو الملاك لحكم العقل فيه و اما ان يكون مع تحققه و الأول مستلزم لعدم كون الانكشاف الظنى او الاطميناني مناطا لوجوب الأتباع عقلا و هو خلف حيث ان المفروض ان الملاك عند العقل ليس الا من جهة الانكشاف و إلّا فلا وجه لاستقلاله على الحجّية و وجوب الأتباع فى ساير افراد الظن و الثّانى مستلزم‏

207

مستلزم لتخصيص حكم العقل و الانفكاك بين ما هو تمام الملاك للحجّية و وجوب الأتباع و اللّازم بكلا شقيّه واضح البطلان فكذا الملزوم الثّانى انّ النهى عن اتباع الظن القياسى مع كونه كساير افراد الظنّ فى نظر العقل من غير تفاوت اصلا فيه فلا بدّ ان يكون عن حكمة و مصلحة و الا فالنّهى بلا وجه صحيح قبيح و صدوره عن الحكيم و هو محال‏

[فى دفع الاشكال‏]

و انت خبير بانه لا وقع لهذا الأشكال بعد وضوح كون حكم العقل معلقا على عدم نصب الش طريقا واصلا و عدم حكمه اى العقل به فيما كان هناك منصوب و لو كان اصلا بداهة ان من مقدّمات حكمه عدم وجود علم و لا علمى فلا موضع لحكمه مع احدهما و النهى عن ظنّ حاصل من سبب ليس الا كنصب شي‏ء بل هو يستلزمه فيما كان فى مورده اصل شرعى فلا يكون نهيه عنه رفعا لحكمه عن موضوعه بل به يرتفع موضوعه و ليس حال النهى عن سبب مفيد للظنّ الا كالأمر بما لا يفيده و كما لا حكومة معه للعقل لا حكومة له معه و كما لا يصحّ بلحاظ حكمه الأشكال فيه لا يصحّ الاشكال فيه بلحاظه و حاصل الدفع بالنّسبة الى الأشكال الأول انك قد عرفت سابقا ان هم العقل فى مقام الامتثال ليس الا تحصيل الأمن من تبعة التكليف المنجز عليه من العقوبة و المؤاخذة على تقدير المخالفة و لا شك انه لا يحصل حال الانفتاح الا باتيان المكلّف به الحقيقى الذى هو نفس الواقع بما هو واقع او باتيان ما ادى اليه الطريق المعتبر المجعول شرعا و اما الإتيان بما ادى اليه الظن حال الانفتاح فليس بمؤمّن و مفرّغ للذّمة اصلا و اما حال الانسداد يوجب التنزل بحكم العقل من العلم و العلمى الى الظنّ الذى لم يمنع الش عنه بالخصوص و اما مع المنع عنه بالخصوص فليس بمؤمّن و مفرّغ للذمّة قطعا بل إن احتملنا احتمالا موهوما او مشكوكا المنع بالخصوص لا يجوز اتباعه و لا يستقل العقل بحجّيته بل يستقل بعدم جواز اتباعه و عدم كونه مؤمّنا قطعا و ذلك لأنّ حكومة العقل على حجّية الظنّ حال الانسداد ليست على الإطلاق بل كانت معلقة على عدم التصرف من الش نفيا و اثباتا و مع التصرف فيه نفيا و اثباتا كما اذا جعل طريقا او نهى عن اتباع بعض افراد الظنّ بالخصوص فلا مجال لحكومة العقل لعدم الانسداد فى ذلك المورد فكك مع النهى عن اتباع الظن لا مجال لحكومة العقل على حجّية هذا الظن هذا على ان النهى عن اتباع طريق يلزم الأمر باتباع طريق الموجود فى مقابله و الارجاع اليه فمرجع نهى الش عن العمل بالقياس الى ارجاع المكلف الى الاصول اللفظية او العمليّة و غير ذلك من الاصول و الأمارات المعتبرة فتلخص من جميع ما ذكرنا ان لسان النهى عن اتباع القياس هو الورود و التخصص و اخراج المورد عن حكومة العقل لا التخصيص الحكمى لما عرفت ان حكم‏

208

العقل كان معلقا على عدم تصرف الش فى الطريق نفيا و اثباتا و مع التصرف من الش لا يبقى موضوع لحكم العقل راسا لعدم الانسداد فى مورد التصرف كما لا يخفى و اما الجواب عن الأشكال الثّانى فلعدم اختصاص هذا الاشكال بالمقام حيث انّ مرجعه الى وجود الحكمة و المصلحة فى نهى الش لأنّ قول الحكيم لا بدّ صدوره عنه من حكمة دعت اليه كى يخرج بذلك عن اللغوية و الجزاف و من المعلوم انه لا اختصاص بالنهى عن القياس بل هو جار فى جميع افعاله و احكامه من غير فرق بين الاحكام الطريقية و الوضعيّة و التكليفيّة و من غير فرق بين الأوامر التكوينيّة و التشريعيّة و اما احراز تلك المصلحة فليس تعيينه واجبا علينا نعم يستكشف من صدور الفعل عن اللّه تعالى بطريق الا بانّ ما صدر عنه او نهى عنه اوامر به كان ذا مصلحة او ذات مفسدة و كيف كان الأشكال الثّانى مع قطع النظر عن الأشكال الاول لا وقع له و اما الأشكال الأول فقد عرفت جوابه نعم لا بأس فيه فى نفسه اى لا باس بالأشكال فى حجّية الظن فى نفسه كما اشكل فيه برأسه و المستشكل ابن قبة بملاحظة توهّم استلزام النصب لمحاذير تقدم الكلام فى تقريرها فى كلام ابن قبة و ما هو التحقيق فى جوابها فى جعل الطرق فراجع غاية الأمر تلك المحاذير التى تكون فيما اذا خطا الطريق المنصوب عن الواقع كانت تلك المحاذير فى الطريق المنهى عنه في مورد الاصابة كالظن القياس اذا طابق الواقع فالنّهى عنه يوجب تلك المحاذير و لكن من الواضح انه لا دخل لذلك فى الأشكال على دليل الانسداد بخروج القياس ضرورة انه بعد الفراغ عن صحة النهى عنه فى الجملة قد اشكل فى عموم النهى لحال الانسداد بملاحظة حكم العقل بحجّية اتباع الظن مط و مع حجّيته مط كيف يمكن شمول النهى عن الظنّ القياسى فى حال الانسداد فيلزم احد الامرين و قد عرفت جوابهما و اما ما ذكره العلامة الأنصارى (ره) فى الجواب عن الأشكال الثّالث الذى ذكره فى توجيه خروج القياس بقوله انما الكلام فى توجيه صحة منع الش عن العمل به فان امكن منع الش عن العمل بالقياس امكن ذلك عن امارة اخرى ففيه انّ صحة المنع انما يتوقف على ثبوت حكمة و مصلحة فى ذلك فمعها كان المنع جائزا و بدونها غير جائز لا محالة و لكن ليس علينا احراز تلك المصلحة تفصيلا كما فى ساير احكام الش و افعاله‏

[فى الاشكال على دفع الاشكال‏]

و اما الأشكال بعدم استقلال العقل على حجّية الظّنون ح لإمكان المنع بالخصوص فى جميعها و مع احتمال المنع فى كل فرد من افراد الظنّ بالخصوص لا مجال لاستقلال العقل بحجّيته لاستحالة اجتماع القطع بالحجّية مع احتمال الخلاف ففيه ان استلزام امكان المنع عنه لأحتمال المنع عن امارة اخرى و قد اختفى علينا و إن كان موجبا لعدم استقلال العقل إلّا انه انما يكون بالإضافة الى تلك‏

209

تلك الأمارة لو كان غيرها مما لا يحتمل فيه المنع بمقدار الكفاية و إلّا فلا مجال لأحتمال المنع فيها مع فرض استقلال العقل ضرورة عدم استقلاله بحكم مع احتمال وجود مانعه على ما ياتى تحقيقه فى الظن المانع و الممنوع و بالجملة انه بعد تماميّة مقدّمات الانسداد و استقلال العقل على حجّية الظن بقدر الكفاية للفقه لا يبقى بعد احتمال للمنع فعلا و لو فرض ح منع الش فى متن الواقع فليس منجّزا علينا قطعا لقبح توجه النهى الفعلى علينا بالنسبة الى جميع الظنون مع بقاء التكليف و تماميّة مقدّمات الانسداد و الحاصل انّ امكان المنع عن الظن القياسى و وقوع المنع فيه لا يستلزم امكان الوقوعى للمنع الفعلى بالنسبة الى جميع الظنون بل المنع الفعلى بالنسبة الى الظنون التى كانت بقدر الكفاية كان قبيحا جزما مع الانسداد و لو كان فى الواقع منع من الش بالنسبة الى جميع الظنون او بعضها كان نهيا انشائيا لا فعليّا لاستحالة اجتماع النهى الفعلى عن العمل بالظن مط مع وجود المانع عنه او احتماله و هو بقاء التكاليف و تماميّة مقدّمات الانسداد على ما ياتى تحقيقه فى الظن المانع و الممنوع‏

[فى دفع الاشكال‏]

و قياس حكم العقل بكون الظن مناطا للاطاعة في هذا الحال اى حال الانسداد على حكمه الظرف متعلق بالقياس بكون العلم مناطا لها فى حال الانفتاح لا يكاد يخفى على احد فساده هذا ناظر الى صدر كلام العلامة الأنصارى فى اشكال خروج القياس حيث قال كيف يجامع حكم العقل بكون الظنّ كالعلم مناطا للإطاعة و المعصية و لوضوح انه مع الفارق ضرورة ان حكمه فى العلم على نحو التنجيز فت و فيه على نحو التعليق فقياس الظن فى حال الانسداد بالعلم حال الانفتاح بكونه مناطا للإطاعة قياس مع الفارق لأن حكم العقل بوجوب متابعة العلم فى حال الانفتاح انما يكون على نحو التنجز و العلّية و حكم العقل بوجوب متابعة الظنّ فى حال الانسداد انما يكون على نحو التعليق و التقييد بعدم نهى الش عنه ثم لا يكاد ينقضى تعجبى لم بكسر اللام و فتح الميم خصّصوا الأشكال بالنهى عن القياس مع جريانه فى الأمر بطريق غير مفيد للظن فامره بطريق غير مفيد للظن و لزوم اتباعه كالنهى عن القياس المفيد للظنّ بداهة انتفاء حكمه فى مورد الطريق المجعول قطعا مع عدم افادته للظنّ مع انه لا يظن احد يستشكل بذلك و ليس الا لاجل ان حكمه به اى حكم العقل به معلق على عدم النصب و معه لا حكم له كما هو كذلك مع النهى عن بعض افراد الظن كالنهى عن القياس و الاستحسان فتدبر جيّدا و قد انقدح بذلك الدفع انه لا وقع للجواب عن الأشكال بخروج القياس تارة بان المنع عن القياس لأجل كونه غالب المخالفة و اخرى بانّ العمل به يكون ذا مفسدة غالبة على مصلحة الواقع الثابتة عند الإصابة فيقع الكسر و الانكسار

210

بين المفسدة و المصلحة الثابتة عند الإصابة فتتزاحم الجهتان و لكن لما كانت مفسدة العمل بالقياس غالبة على مصلحة الواقع عند الإصابة صار العمل به منهيّا عنه و ذلك لبداهة انه انما يشكل بخروجه بعد الفراع عن صحّة المنع عنه فى نفسه بملاحظة الظرف متعلق بيشكل حكم العقل بحجّية الظن مط و لا يكاد يجدى صحّته اى صحّة المنع كذلك فى الذب عن الاشكال فى صحّته اى المنع بهذا اللحاظ من كونه غالب المفسدة او كونه ذات مفسدة غالبة على مصلحة الواقع الثابتة مع الاصابة لأن مع صحّة المنع كذلك لا يمكن حكم العقل بحجّية الظن مط لأنه يلزم حكم العقل بنحو التنجز لا التعليق فيلزم ان يكون خروجه من باب التخصيص و لا معنى للتخصيص فى حكم العقل فافهم فانه لا يخلو عن دقة و اما ما قيل فى جوابه من منع عموم النهى عنه بحال الانسداد او منع حصول الظنّ منه بعد انكشاف حاله و ان ما يفسده اكثر مما يصلحه ففى غاية الفساد فانه مضافا الى كون كل واحد المنعين بفتح العين تثنية المنع من منع عموم النّهى بحال الانسداد و من منع حصول الظنّ منه غير سديد لدعوى الاجماع على عموم النهى مع اطلاق ادلّته و عموم علّته من انّ الدين لو قيس محق و شهادة الوجدان بحصول الظنّ منه لحصول الظنّ من غير القياس بعينه فى بعض الاحيان لا يكاد يكون هذا بيان الفساد فى رفع الأشكال بالقطع بخروج الظنّ الناشى منه بمفيد الظرف متعلق بيكون اى لا يكون هذا لدفع الأشكال بمفيد لما عرفت من ان الأشكال بخروجه بعد الفراغ عن صحّة المنع فى نفسه بملاحظة حكم العقل بحجّية الظنّ فيلزم من المنع تخصيص حكم العقل غاية الأمر انه لا اشكال مع فرض احد المنعين لكنه غير فرض الأشكال فتدبّر جيّدا

تنبيه و هو انّ الظنّ حال الانسداد لا يكاد ينهض لتخصيص العمومات و تقييد الإطلاقات‏

مط سواء تمت مقدّمات الانسداد و صار الظن حجّة و واجب الأتباع عقلا على تقرير الحكومة او شرعا على تقرير الكشف او نوقش فى المقدّمات و قلنا بتبعيض الاحتياط من جهة نفى الاحتياط الكلى و ثبوت الترخيص بمقدار رفع العسر كما افاده العلامة الأنصارى (ره) كيف كان انّ الظنّ حال الانسداد لا ينهض للمعارضة مع الإطلاقات و العمومات بقول مطلق و الوجه فى ذلك انّ الظنّ انما يصير حجة و واجب الأتباع فى غير مورد العلم و العلمى فهو متأخر عن العلم و الطرق المعتبرة بالخصوص و كان موضوعه مقيّدا بعدم العلم و العلمى فنسبة الظنّ مع الطرق المعتبرة بالخصوص من العمومات و الإطلاقات كنسبة الاصل مع الدليل الاجتهادي فمقدّمات دليل الانسداد على تقدير تماميّتها انما تفيد حجّية الظنّ فيما اذا لم يكن الدليل العلمى و لا الطرق المعتبرة بالدليل العلمى موجودا و معه لا يمكن توهّم تخصيص العمومات و تقييد

211

و تقييد الاطلاقات بالظنّ و من هذا ظهر وجه النظر فيما افاده العلامة الأنصارى (ره) فى مقام بيان ثمرات التبعيض فى الاحتياط بقوله و تحصيل مما ذكرنا اشكال آخر من جهة انّ نفى الاحتياط بلزوم العسر لا يوجب كون الظن حجة ناهضة لتخصيص العمومات الناهية بالظنون الخاصّة و لا يخفى ضعف ما ذكره (ره) و اضعف منه دعوى سقوط عمومات الكتاب و السّنة عن الاعتبار للعلم الاجمالى بمخالفة ظواهر اكثرها لمراد المتكلم فلا يبقى لها ظهور اصلا و يصير من المجملات فلا عموم و لا اطلاق فى البين راسا كى يخصّص او يقيّد بالظن حال الانسداد و فساد ذلك واضح فان العلم الإجمالي بمخالفة بعض العمومات و الإطلاقات الواردة فى الكتاب و السنة لمراد المتكلم لا يخرجها عن الظهور و لا يجعلها مجملات ما لم يكن اطراف العلم الاجمالى فعلا محل الابتلاء و الا فهذا العلم الاجمالى حاصل حال الانفتاح ايضا حيث انه يعلم كل احد ان بعض العمومات و الإطلاقات فى الكتاب و الأخبار ليست عمومها و اطلاقها مرادة للمتكلم و كانت مخصّصة او مقيّدة و قد اشتهر ما من عام الا و قد خصّ فلو كان هذا العلم الاجمالى موجبا لسقوط الاطلاقات و العمومات عن الحجّية فلا يبقى لنا عموم و اطلاق يمكن التمسك بها من جهة هذا العلم الاجمالى فلا بدّ ان يسقط جميعها عن الحجّية فى جميع الحالات من دون اختصاص بحال الانسداد و هو واضح الفساد فافهم و تبصّر

فصل [فى ظن المانع و الممنوع‏]

اذا قام ظنّ على عدم حجّية ظنّ بالخصوص بمعنى اذا قام ظنّ من افراد الظنّ على منع الش و نهيه عن اتباع بعض افراد الظنون بالخصوص فهل يتبع الظنّ المانع او الممنوع او لا يتّبع احدهما اصلا فيه وجوه بل اقوال و قد يتخيّل اختصاص النزاع بالقول بتعميم نتيجة دليل الانسداد فى المسائل الفرعيّة و الأصولية معا نظر الى ان لازم من ذهب الى اختصاص نتيجة الانسداد بالمسائل الأصوليّة هو الأوّل و لازم من ذهب الى اختصاصها بالمسائل الفرعيّة هو الثّانى و هو توهّم فاسد ضرورة ان القول باختصاص النتيجة بالمسائل الاصولية و إن كان لازمه عدم حجّية الظن الممنوع اذا كان فى الفروع إلّا انه لا يقتضى حجّية المانع مط لامكان ان يكون الظن المانع و الممنوع كلاهما فى المسائل الاصوليّة كما لو قام ظن على عدم حجّية ظن قامت على اعتباره امارة و ح لا يمكن اتباع المانع و الممنوع كليهما فلا بد من رفع اليد عن احدهما و انما يقتضى حجّية المانع فيما كان الظن الممنوع فى الفروع كما ان القول باختصاص النتيجة بالمسائل الفرعيّة و إن كان لازمه عدم حجّية الظنّ المانع إلّا انه لا يقتضى حجّية الممنوع مط و لو فيما ظنّ بعدم اعتباره كما فى المقام بل المتعيّن ح حجّيته خصوص ما لا يحتمل منع الش عن اتباعه و حجّيته بالخصوص و لو احتمالا

212

موهوما فضلا عن الظن بمنع الش عن اتباعه فالتحقيق فى المقام ان يقال بعد تصور المنع عن بعض الظنون فى حال الانسداد انه لا استقلال للعقل بحجّية ظنّ احتمل المنع عنه فضلا عما اذا ظنّ كما اشرنا اليه فى الفصل السابق فلا بدّ من الاقتصار على ظنّ قطع بعدم المنع عنه بالخصوص فان كفى هذا المقدار للفقه فهو و الا فبضميمة ما لم يظنّ المنع عنه و ان احتمل مع قطع النظر عن مقدّمات الانسداد و ان انسدّ باب هذا الاحتمال معها اى مع المقدّمات كما لا يخفى ضرورة انه لا احتمال مع الاستقلال حسب الفرض و منه انقدح انه لا يتفاوت الحال لو قيل بكون النتيجة هى حجّية الظنّ فى الأصول او فى الفروع او فيهما فالنزاع فى المسألة يعم الأقوال الثّلاثة فى الجملة و لا اختصاص له بما اذا قبل بحجّية الظن مط اصولا و فروعا كما زعمه العلامة الأنصارى (ره) ثم ان المسألة لما كانت عقليّة صرفة من جهة ان الكلام فى ان العقل يستقل على حجّية المانع او الممنوع او كليهما او عدم حجّية واحد منهما فلا مجال بعد الترجيح التخصّص على التخصيص على ما نقله العلامة الأنصارى (ره) و حاصله ان نتيجة مقدّمات دليل الانسداد انما هى حجّية كل ظنّ لم يقم دليل معتبر على عدم اعتباره و الظنّ الممنوع قد قام الدليل المعتبر على عدم اعتباره و هو الظن المانع حيث ان جميع افراد الظن كان مشمولا لنتيجة دليل الانسداد و كانت حجة معتبرة بحكم العقل الا ما قد قام الدليل المعتبر على عدم اعتباره فخروج الممنوع كان من باب التخصيص لا من باب التخصّص بخلاف المانع و اذا دار الأمر بين اخراج احد المتنافيين عن تحت الدليل و كان احدهما من باب التخصيص و الآخر من باب التخصّص فالمتعيّن ما كان اخراجه على التخصيص و هذا نظير ما تقرّر فى باب الاستصحاب من تقديم استصحاب السّببى على الاستصحاب المسبّبى حيث انه بعد جريان الاستصحاب فى السبب لا يبقى الشك فى المسبّب و يرتفع موضوع الشّك فيه فخروج الاستصحاب فى المسبّب عن عموم ادلة الاستصحاب كان على نحو التخصّص و من باب خروج الموضوع بخلاف استصحاب السّببى فانّ خروجه مستلزم لارتكاب التجوّز فى عموم ادلة الاستصحاب و هو خلاف الأصل هذا حاصل ما حكاه العلامة الأنصارى (ره) فى الفرائد في تقديم الظن المانع على الممنوع و هو فى غير محلّه لأنه انما يتمّ فيما اذا كان هناك عموم لفظى و لم يمكن الجمع فى حكمه بين فردين متنافيين من افراده كالاستصحابين فيرجح كلما لا يلزم من العمل بحكم العام فيه تخصيص للزوم اتباع اصالة العموم و عدم ارتكاب التجوّز فى العام و اما المقام فليست المسألة من المسائل اللفظية و انما هى مسئلة عقليّة صرفة و لا معنى لجريان قواعد اللفظ فيهما و كذا ما افاده العلامة الأنصارى (ره) فيها من ان القطع بحجّية المانع‏

213

المانع عين القطع بحجّية الممنوع لكن القطع بحجّية الممنوع كان مستلزما لعدم حجّية المانع و ليس هو عينه فانه ايضا الى انه يلزم من العمل باحدهما مخالفة اصالة العموم و لا يلزم ذلك من العمر بالآخر فيتعيّن العمل بما لا يلزم منه ذلك حيث انه لا يكاد يصح هذا الترجيح من دون ان يكون فى البين لفظ ظاهر فى العموم يلزم تخصيصه من العمل بحكمه فى احد الفردين دون الآخر و الحاصل انما يتمّ ما افاده فيما اذا كان لفظ ظاهر فى العموم و دار الأمر بين رفع اليد عن احد الفردين بنحو كان خروج احدهما على نحو التخصّص و الآخر على نحو التخصيص كما اذا فرضنا عموما لفظيّا كان مفاده حجّية كل فرد من افراد الظنون الا ما قطع بعدم حجّيته من جهة القطع بحجّية غيره بنحو العينيّة فالمتعيّن فى تقديم ما يكون القطع بحجّيته عين القطع بعدم حجّية الآخر حيث انّ خروجه كان من باب التخصّص و الخروج الموضوعى بخلاف ما كان القطع بحجّيته مستلزما لعدم حجّية الآخر كالظنّ الممنوع فالتحقيق فى حل الأشكال هو ما ذكره شيخنا الأستاذ و حاصله انه لا اشكال فى عدم اكتفاء العقل بظن يحتمل و لو وهما عدم اعتباره من جهة احتمال المنع من الش بالخصوص فضلا عن الظنّ بذلك لعدم كون مثل هذا الظنّ مؤمّنا عند العقل مع منع الش عنه بالخصوص احتمالا او ظنا و قد عرفت ان همّ العقل فى جميع مراتب الامتثال على تحصيل المؤمّن من تبعة التكليف و ح فإن كانت الظنون التى لم يحتمل المنع عنها بالخصوص بقدر الكفاية للفقه فليقتصر عليه و كانت الحجّة بحكم المقدّمات خصوص تلك الطائفة من الظنون دون ما يحتمل المنع شكّا او ظنّا بل وهما فان لم يف تلك الظنون لاتمام الفقه فليتعدى من الظنون التى يحتمل المنع عنها وهما دون ما يحتمل المنع شكا او ظنا فان و فى ايضا فهو و إلّا فلا بدّ من التعدّى الى الظنون التى يشك فيها المنع بالخصوص او يظنّ و الوجه فى اكتفاء العقل على الظنون التى يحتمل المنع فيها بالخصوص انّ مع الالجاء و الاضطرار الى تلك الظنون و عدم كفاية غيرها فى الفقه لا يبقى احتمال للمنع فيها مط بل نقطع ح بانه لو كان هناك منع من الش لكان فى غير هذا الحال اى حال الاضطرار و الإلجاء و الا فمع بقاء الاحتمال للمنع في هذا الحال لا يبقى مجال لاستقلال العقل على الحجّية لاستحالة اجتماع الاستقلال مع احتمال الخلاف ففى حال الاضطرار و الإلجاء الى تلك الظنون مع فرض تماميّة مقدّمات الانسداد و انتاجها حجّية الظنون بقدر الكفاية لا يبقى احتمال المنع من الش جزما بل يستكشف كشفا قطعيّا بانه لو كان المنع منه فى الواقع و نفس الأمر لكان فى غير هذه الصّورة لأنه اذا صحّ ان يكون حكم العقل على نحو التعليق بعدم المنع من الش بالخصوص و احتمل ثبوت المنع فى الواقع‏

214

ظنّا او شكّا او وهما فلا يكاد ان يستقل العقل به ضرورة عدم الجزم بشي‏ء مع احتمال مانعه فتجعل مما ذكرنا انه مع بقاء الاحتمال بعدم الحجّية او الظن به من جهة المنع بالخصوص لا يبقى مجال للترجيح مط لا بالوجهين الذين ذكرناهما سابقا و لا بما ذكره العلامة الأنصارى (ره) اخيرا من الترجيح باقوائية الظنّ فان مع الظنّ بالمنع بالخصوص كيف يستقل العقل على حجّية الظنّ الممنوع كى يصل النوبة الى الترجيح بل نقطع بعدم حجّيته ح و إن كان من الظن القوىّ الاطميناني و كان الظنّ قويّا فى الغاية فافهم و تبصّر

فصل [فى تعلق الظن بالفاظ الرواية]

لا فرق فى نتيجة دليل الانسداد بين الظن بالحكم من امارة عليه و بين الظنّ به من امارة متعلقة بالفاظ الآية او الرّواية كقول اللغوى فيما يورث الظنّ بمراد الش من لفظه و هو واضح و لا يخفى ان اعتبار ما يورثه لا محيص عنه بالأخذ و حجّيته بما اذا كان مما ينسد فيه باب العلم فقول اهل اللغة حجّة فيما يورث الظن بالحكم مع الانسداد و لو انفتح باب اللغة فى غير المورد ملخص الكلام فى المقام انك قد دريت فيما سبق ان نتيجة دليل الانسداد بناء على الحكومة لا اهمال فيها بل العقل يستقل بعد تماميّة المقدّمات على حجّية مطلق الظنّ بقدر الكفاية من اىّ سبب كان و فى اىّ مرتبة كان و ح لا فرق بين حصول الظن و تعلقه ابتداء بنفس الحكم الشرعى بلا واسطة او حصل و تعلق بالفاظ الدّليل و بظهوره فى المعنى او بصدور الخبر او بعدم كونه تقية او بارادة المعنى الفلانى من الكلام فكلما حصل الظنّ بشي‏ء يلزم منه حصول الظنّ بالحكم الشّرعى الفرعى بواسطة او بوسائط كان حجة بحكم العقل سواء كان الظنّ متعلقا بظهور الكلام او بصدوره من الإمام (ع) او بالمراد او بجهة الخبر و هذا مما لا اشكال فيه و انما الكلام فى حجّية الظنّ بالنسبة الى بعض الجهات المذكورة فيما اذا تمكّن من تحصيل العلم في هذه الجهة و إن كان باب العلم منسدّا بالنسبة الى ساير الجهات كما اذا فرض انسداد باب العلم فى جهة من الجهات المذكورة خاصّة من الدلالة او الصّدور او الإرادة او الجهة و كان المكلّف متمكّنا من تحصيل العلم فى باقى الجهات المذكورة فهل الظنّ فى هذه الجهة الخاصّة حجة ام لا فيه وجهان من ان الحكم الفرعى لما كان باب العلم منسدّا فيه حيث ان النتيجة تابعة لأخسّ المقدّمتين و المفروض انسداد باب العلم فى بعض الجهات و معه لا يتمكّن من تحصيل العلم بالحكم الفرعى لا محالة و مع انسداد باب العلم فى الحكم كان الظنّ حجة مط و مجرّد انفتاح باب العلم فى بعض الجهات المذكورة لا يجدى شيئا و لا يمنع عن حجّية الظنّ فى تلك الجهة لان الملاك انما هو انسداد باب العلم فى نفس الحكم الشرعى و من انّ سدّ باب الاحتمالات و لو فى بعض الجهات مرجعه الى اقوائية الظنّ بالحكم الفرعى اذ مع تحصيل‏

215

تحصيل العلم فى بعض الجهات يحصل قوة فى الظنّ بالحكم لا محالة هذا و كيف كان لا فرق فى نتيجة الانسداد بين الظنّ بالحكم من امارة عليه و بين الظنّ به من امارة متعلقة بالفاظ الآية او الرّواية فقول اهل اللغة حجة فيما يورث الظنّ بالحكم مع الانسداد و لو انفتح باب العلم باللغة فى غير المورد نعم لا يكاد يترتب عليه اثر آخر من تعيين المراد فى وصيّة او اقرار او غيرهما من الموضوعات الخارجيّة الا فيما ثبت فيه حجته مطلق الظن بالخصوص او ذاك المخصوص و لو لم يكن حجّية فيه مطلق الظنّ بالخصوص و مثله الظن الحاصل بحكم شرعى كلّى من الظنّ بموضوع خارجى كالظنّ بانّ راوى الخبر هو زرارة بن اعين مثلا لا شخص‏ (1) آخر

[فى الظنون الرجاليّة]

و اعلم ان الظنون الرجاليّة محل الخلاف فى حجّيته فى حال الانسداد و لكن فانقدح بذلك ان الظنون الرجالية مجدية فى حال الانسداد و لو لم يقم دليل على اعتبار قول الرّجالى لا من باب الشهادة و لا من باب الرّواية تنبيه انك قد عرفت آنفا انّ الكلام فى حجّية الظنّ بالنسبة الى بعض الجهات المذكورة السّابقة فيما اذا تمكّن من تحصيل العلم فى هذه الجهة و إن كان باب العلم منسدّا بالنسبة الى ساير الجهات من الوجهين و لكن الاقوى هو الثّانى اذ لا يبعد دعوى استقلال العقل بلزوم تقليل الاحتمالات المتطرقة الى مثل السند او الدلالة او جهة الصدور كالتقية مهما امكن فى الرّواية و عدم الاقتصار على الظن الحاصل منها بلا سدّ بابه فيه بالحجة من علم او علمى و حاصله دعوى استقلال العقل بلزوم تقليل جهات الاحتمالات بقدر الامكان و لزوم سدّ باب الاحتمالات فى كلّ جهة يمكن احرازها بالعلم بتحصيله و مرجعه الى لزوم تحصيل الأقوى و عدم جواز الاقتصار على الأضعف مع امكان تحصيله و ذلك لعدم جواز التنزل فى صورة الانسداد الى الضعيف مع التمكن من القوىّ او ما يحكمه عقلا فت جيّدا

فصل [فى حجية الظنّ بالامتثال فى مقام الإتيان‏]

فى ان بعد تماميّة المقدّمات فهل حجّية الظنّ يختصّ بالاحكام او يكون اعمّ منه و من تطبيق الماتى به فى الخارج و بالجملة فهل الظنّ بالامتثال فى مقام الإتيان ايضا حجة ام لا و لكن الحق هو الثّانى اى عدم الحجّية بل انما الثابت بمقدّمات دليل الانسداد فى الأحكام هو حجّية الظن فيها اى فى الأحكام فقط لا حجّيته فى تطبيق الماتى به فى الخارج معها ايضا فيتبع الظن مثلا فى وجوب صلاة الجمعة يومها لو ظنّ بوجوبها فيها لا الظنّ فى اتيانها بل لا بدّ فى مقام الإتيان من علم او علمى باتيانها و لا يكفى فيه الظنّ لأنّ الاشتغال اليقينى لا بدّ من البراءة اليقينيّة فما دام لم يحرز الإتيان بالعلم او العلمى فالعقل يحكم بالإتيان كما لا يخفى نعم ربما يجرى نظير مقدّمات الانسداد فى الأحكام فى بعض الموضوعات‏

____________

(1) او زرارة

216

الخارجيّة من انسداد باب العلم به غالبا و اهتمام الش به بحيث علم بعدم الرضا بمخالفة الواقع باجراء الاصول فيه مهما امكن و عدم وجوب الاحتياط شرعا او عدم امكانه عقلا كما فى بعض موارد الضرر المردد امره بين الوجوب و الحرمة مثلا فلا محيص عن اتباع الظنّ ح ايضا فافهم و وضوح المطالب لا يحتاج الى الشرح و لهذا اعرضا عنه و تعرضنا بما هو الأهمّ فى نظرنا

خاتمة يذكر فيها امران‏

الأوّل و فيه مطالب‏

المطلب الأوّل [فى معنى الإسلام المقابل للأيمان‏]

و اعلم انه لا ينبغى الأشكال فى عدم اعتبار التصديق و لا عقد القلب فى الإسلام المقابل للأيمان بل الإسلام عبارة عن الإقرار باللسان و الالتزام و التسليم فى مرحلة الظاهر فقط بالنسبة الى اللّه و ملائكته و رسله و اليوم الآخر سواء كان مع الاعتقاد القلبى فى الباطن ام لا بل يتحقّق الإسلام مع الاعتقاد القطعى بالخلاف و لا يعتبر ايضا فيه الإقرار بالولاية الخاصّة و الإمامة بل يتحقّق مع انكارها ما لم يرجع انكارها الى انكار النبىّ (ص) و تكذيبه كما انه لا يعتبر فيه الإقرار بما جاء به النّبىّ (ص) الا بعد العلم بكونه مما جاء به (ص) بحيث يرجع انكاره بعد العلم به الى انكار النبى (ص) و اما انكار كون شي‏ء مما جاء به النّبىّ (ص) فغير مستلزم للكفر الظّاهرى لعدم انتفاء موضوع الإسلام فانّ الإسلام موضوع ظاهرىّ للاحكام الظاهريّة الفرعيّة و اثرها الطهارة الظاهرية و التوارث و جواز النكاح و حفظ الدّم و المال الى غير ذلك من الأحكام الفقهيّة و الكفر المقابل له اثره النجاسة و عدم محفوظيّة الدّم و المال و عدم التوارث و امثاله و اما الأيمان فقد وقع الخلاف فيه فى انه هل هو عبارة عن نفس المعرفة و التصديق الباطنى باللّه و ملائكته و رسله و اوليائه و اليوم الآخر او هو مع عقد القلب عليه و التسليم القلبى الباطنى على طبقه او هو مع الإقرار باللسان و التسليم فى مرحلة الظاهر ايضا و لكن الحق انّ الأيمان الذى يكون موضوع النجاة فى النشاة الآخرة و موضوع الآثار الاخرويّة ليس هو الا نفس المعرفة و التصديق قطعا او ظنّا سواء كان حاصلا عن النظر و الاستدلال او من التقليد فانّ القطع و الظن المطابق للواقع كان محققا لموضوع الأيمان بقول مطلق غاية الأمر انّ القطع الحاصل من التقليد ليس كالقطع الحاصل من البرهان و لا يعتبر فيه عقد القلب و التسليم الباطنى و لا الإقرار باللسان فى الظاهر لأنه بعد اعتبار المعرفة و التصديق الباطنى فعقد القلب و التسليم الباطنى و الإقرار باللسان اللوازم القهريّة المترتبة عليه و اما الإقرار باللسان فقد عرفت انه معتبر فى موضوع الإسلام و اما الأيمان فليس الا نفس العلم و المعرفة من اىّ سبب حصل و الكفر المقابل له ليس الا الجهل و الحيرة و الضلالة و لكن المستفاد من بعض الأخبار و الآيات اعتبار الإقرار باللسان فى موضوع الأيمان فعن الصّادق (ع) الأيمان ارفع عن الإسلام بدرجة

217

بدرجة الأيمان يشارك الإسلام فى الظاهر و الإسلام لا يشارك الأيمان فى الباطن و ان اجتمعا فى القول و الصّفة و عنه (ع) ايضا ان الإسلام قبل الأيمان و عليه يتوارثون و يتناكحون و الايمان عليه يثابون قال اللّه تعالى‏ قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا و قوله تعالى حكاية عن الكفار وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ‏ و بالجملة الآيات و الأخبار ناطقة بانّ النسبة بين الاسلام و الأيمان عموم و خصوص مطلق و ان الإسلام اعمّ من الأيمان من وجهين حيث انه لا يعتبر فيه الاعتقاد و التصديق الباطنى كما لا يعتبر فيه الإقرار بالولاية و الإمامة بل يتحقّق مع عدم التصديق باطنا و انكار الولاية ظاهرا و باطنا و الأيمان قد اعتبر فيه كلا التصديقين و لكن يمكن ان يقال انّ الإقرار باللسان و العمل بالأركان كان من لوازم الأيمان و ليس معتبرا فيه فى نفسه لتلازم العلم و التصديق الحقيقى بالاصول الخمسة للعمل و الإطاعة فى مرحلة الظاهر فان العلم الحقيقى غير منفكّ عن العمل و عدم التسليم و الإطاعة فى مرحلة الظاهر كاشف عن عدم الأيمان باطنا و هذا هو السّرّ و الوجه فى كفر ابليس و فرعون و امثالهما فانهم لم يكونوا من المؤمنين بالله و رسوله و اليوم الآخر و الا فالمعرفة الحقيقيّة و الأيمان الحقيقى لا يجتمع مع هذا الطغيان و العصيان الذى قد صدر عنهم فتحصّل انّ النسبة بين الايمان و الاسلام عموم من وجه لكن لا ينفكّ الايمان عن الإسلام بحسب الوجود الخارجى من جهة تلازم العلم الحقيقى للعمل دون العكس و الآيات و الاخبار كانت ناظرة الى ذلك‏

المطلب الثّانى [فى انّ الاعتقاديات على قسمين‏]

و اعلم انّ الاعتقاديات على قسمين الأول ما يستقل العقل على وجوب الأيمان به فى نفسه سواء كان الأيمان بمعنى نفس التصديق و المعرفة خاصّة او مع عقد القلب و الاقرار باللّسان ظاهرا و هذا كالأصول الخمسة الإيمانيّة من الأيمان باللّه و ملائكته و رسله و اوليائه و اليوم الآخر فانها مما يجب عقلا الإيمان به و تحصيل العلم و المعرفة بهم و التسليم لهم و ينتفى موضوع الأيمان الذى به يحصل النجاة فى الآخرة بانتفاء كلّ واحد من القيود المأخوذة فيه و الثّانى ما لا يستقل العقل على وجوب الايمان به مستقلّا و فى نفسه بل من باب كونه مما جاء به النّبى (ص) و من حيث عدم الأيمان به مستلزم لانكار النّبوة و الرسالة و هذا ما عدى الأصول الخمسة فان جميع ما جاء به النّبى (ص) من الامور الاعتقادية لخصوصيّات الحشر و النشر من الصراط و الميزان و الحساب الى غير ذلك من الأمور المتعلقة بالأخلاق و من الأحكام العملية فانه يجب الايمان بها و التسليم لها و التصديق بها و عقد القلب على طبقها من باب انها مما جاء به النّبىّ (ص) و من حيث انّ الايمان بالنبى (ص) مستلزم للايمان بحقيقة اقواله و ما جاء به و اما من حيث هو فلا يستقلّ العقل على وجوب المعرفة بهذه‏

218

الأمور و لا عقد القلب على طبقها و لا الإقرار بها ثم ان عقد القلب و التسليم القلبى على تقدير وجوبه و اعتباره فانه يجب مع العلم بها لا بدون العلم من غير فرق بين القسمين من الاعتقاديات فهما يشتركان فى عدم وجوب عقد القلب و التّديّن باطنا الا بعد العلم بهما فكان عقد القلب و التدين من آثار العلم بالواقع فى كلا القسمين و ليس من آثار الواقع كما توهّم اذ لا معنى بوجوب عقد القلب و التديّن بما يشكّ فى اصل وجوده من غير فرق بين الأصول الخمسة و غيرها فالعقل على تقدير استقلاله على وجوب عقد القلب بالأمور المذكورة الاعتقاديّة فانما يسلّم بعد العلم بها لا مع الشّك و الظنّ و هذا فى القسم الثّانى واضح حيث انّ العقل ليس مستقلّا على وجوب تحصيل معرفة هذه الأمور على وجه الأصالة و الاستقلال و انما استقلّ على وجوب التصديق بها من باب وجوب تصديق النبى (ص) فكك لا يستقل على وجوب عقد القلب و التديّن بها مستقلا بل من باب وجوب التدين و الايمان بالنّبى (ص) و هو انما يتمّ فيما علم انه من النّبى (ص) و مع العلم بثبوت من النبى فالتصديق به قهرىّ للتلازم بين تصديق نبوّة النّبى (ص) و التصديق بحقيّة قوله فمع القطع بحقيّة النّبى (ص) و القطع بانه قد جاء بالأمر الفلانى فحصول التصديق القطعى بثبوت ذلك الشي‏ء كان قهريّا و اما ما لا يعلم بثبوته من دين النّبى (ص) فلا يجب الاعتقاد بمعنى لا يجب عقد القلب و التديّن به بل لا يجوز التديّن و الالتزام به لكونه من التديّن بغير العلم و من هنا علم عدم جواز الإخبار (بكسر الهمزة و سكون الخاء) ببعض تفاصيل الحشر و النشر بمساعدة ظاهر آية او رواية من دون قيام دليل قطعى عليه كما هو ديدن بعض الناس فى امثال زماننا بل الواجب التديّن و الالتزام بان كلما جاء به النّبى فهو حق و صدق ان علم تفصيلا فتفصيلا و ان علم اجمالا فاجمالا

المطلب الثّالث [فى اثبات القسم الأول من الاعتقاديات بالعقل الفطرى‏]

انّ القسم الأول من الاعتقاديات من اثبات الصانع و وجوب وجوده و وحدته و بساطته و عينيّة صفاته و اثبات الملائكة و النبوّة المطلقة و الولاية المطلقة و كذلك تطبيقها على النبوّة الشخصيّة و الولاية الشخصيّة و اثبات الرّجوع الى اللّه و اليوم المآب و ابطال التّناسخ مما لا سبيل اليها غير العقل الفطرى الذى هو حجّة اللّه على عباده فى مرحلة الباطن و رسول منه فى الداخل و لا يمكن الوصول اليها الّا بدلالة العقل و لا مجال للتعبّد بها و التقليد فيها للزوم الدّور لتقدم تلك الأمور على الشريعة الخاصّة الجزئيّة من حيث الذات و المرتبة و لست اقول انه ليس للشارع ادراكها و لا يجوز اخذها منه حاشا ثم حاشا بل اقول لا بدّ من قيام البرهان القطعىّ عليها و لو بتعليم معلّم الكلّ الذى‏

219

الذى كان معلّمه شديد القوى فليس بيان هذه الأمور وظيفة الشارع من حيث انه شارع بل بما هو عقل كلّ و كلّى العقل المحيط بجميع الأشياء كما هى و لذا كانت البيانات الواردة عن النبى (ص) و الأئمة (ع) فى هذه المقامات بلسان التعليم و الإرشاد لا التعبد و التقليد فقد انقدح بما ذكرنا فساد قول الأخباريّين من الاخذ من الش بما هو و فساد قول بعض الفلاسفة من اخذها من العقل بل القولان بين الأفراط و التفريط و الحق ما اوضحناه‏

المطلب الرابع [فى استقلال العقل على معذوريّة الجاهل القاصر مط و وجود القاصر فى الاعتقاديّات‏]

انه لا ينبغى الأشكال فى استقلال العقل على معذوريّة الجاهل القاصر مط من غير فرق بين من أخطأ فى الاعتقاد او من لم يتمكّن من تحصيل الاعتقاد و الأيمان راسا بل معذوريّة الجاهل القاصر من البديهيّات الأولية عند العقل مط فى جميع الموارد من غير فرق بين الاعتقاديّات و العمليّات و من غير فرق بين ما يعتبر فى موضوع الايمان على وجه الأصالة كالمعارف الخمسة الإيمانية و ما لا يعتبر فيه الا على وجه التبعيّة و تصديق النّبى و ما وجب تحصيله شرعا و هذا مما لا اشكال فيه كما لا ينبغى الأشكال فى وجود القاصر فى الاعتقاديّات و عدم اختصاصه بالعمليّات اما فى القسم الاخير من الاعتقاديات اى ما لا يكون العقل مستقلّا على وجوب تحصيل الاعتقاد فيها على وجه الأصالة و ليس العقل مستقلا فى ادراكها و معرفتها فالأمر اوضح فان بعد فرض عدم استقلال العقل بادراك مثل هذه الأمور كبعض خصوصيّات الحشر و النشر مثلا و عدم استقلاله فى وجوب تحصيل الاعتقاد بها كيف يعقل نفى القصور فى الجهل و الخطاء فيها و الحاصل الخطاء و عدم الاعتقاد فى امثال هذه الأمور اذا لم يكن من العصبيّة و العناد و التقصير فى المقدّمات كان موجبا للعذر قطعا و لا يترتب على القاصر فيها آثار الكفر جزما لا واقعا و لا ظاهرا فلا تعاقب على خطائه و عدم ايمانه بهذه الأمور فى الآخرة كما انه لا يحكم بكفره ظاهرا اذا لم يرجع خطائه الى انكار النبوّة كما هو المفروض فان الكلام فيما اذا انكر كون هذه الأمور مما جاء به النبى (ص) لا انه انكر حقيّته مع تصديقه بانه مما جاء به و بالجملة انه لا شك و لا شبهة فى ان الخطاء و الانكار فى مثل هذا القسم من الاعتقاديات مما لا يعتبر فى موضوع الأيمان و لا الإسلام على وجه الأصالة و لا يوجب كفرا و لا زندقة و لا يورث مؤاخذة و لا عقابا و لا يجوز تكفير من انكرها او أخطأ فيها فى مرحلة الظاهر ايضا مع فرض قصوره فى ذلك و عدم رجوع انكاره الى انكار النبوّة بل لا يجوز الحكم بكفره مع فرض قصوره اذا لم يرجع انكاره لهذه الأمور بحسب الظاهر الى انكار النبوّة لما عرفت منّا سابقا انّ الإسلام موضوع ظاهرى للأحكام الظاهريّة يتحقق بالإقرار

220

باللّسان و لا ينتفى الا بالإنكار لسانا و مجرّد العلم بكون الشخص منكرا و جاحدا لا يوجب تكفيره بل يترتب عليه آثار الإسلام ظاهرا و إن كان فى الواقع كافرا مع فرض عدم تقصيره و امّا الإنكار و الخطاء فى القسم الأوّل من الاعتقاديات مع فرض القصور فلا اشكال فى معذوريّته بحسب الباطن و عدم جواز عقوبته و مؤاخذته مع ذلك لكن يوجب ذلك الإنكار الباطنى فى هذا القسم الانحطاط فى الدّرجة و يمنع عن ارتفاع الدّرجة و القرب الى اعلى علّيين اذ الكمالات فى النوع الإنساني انما هو بالمعرفة بهذه الأمور و مع عدم المعرفة ليست له درجة المقرّبين و ان كان قاصرا بل يحتمل قويّا ان يكون للمعارف الحقّة الاعتقاديّة خصوصا بالنّسبة الى الايمان باللّه آثار ذاتيّة وضعيّة وجودا و عدما كمالا و نقصا فبقدر المعرفة بهذه الأمور ينبت الايمان كمالا و قربا و بقدر الجهل بها نقصا و بعدا من غير فرق بين القاصر و المقصّر نظير الدّواء للمريض فان المعارف الاعتقاديّة بمنزلة الدّواء للنفوس الناقصة و بها حيوة القلب الذى هو عرش الرّحمن فاذا حرم المريض من الدّواء يشتدّ مرضه و يهلكه و إن كان قاصرا و بهذا تصحّ اطلاقات خلود الكفار فى النار و إن كان اثباته فى غاية الصّعوبة لكنّه بمكان من الإمكان بل يحتمله العقل السليم احتمالا قويّا و اما الكفر بحسب الظاهر فان انكر هذه الأمور فى مرحلة الظاهر يترتب عليه آثار الكفر ظاهرا من النجاسة و جواز القتل و عدم جواز النكاح الى غير ذلك و إلّا فلا يترتب عليه آثار الكفر ايضا فى الظاهر و لو مع علمنا بجحده باطنا فت لما هو المعلوم من عمل النّبى (ص) و الأئمة مع المنافقين الذين كانوا جاحدين لمراتب الإيمان و غير مصدّقين للتوحيد و الرّسالة و المعاد مع علم النبىّ (ص) و الأئمة (ع) بجحودهم و كفرهم باطنا و مع ذلك لا يترتّبون عليهم آثار الكفر ظاهرا و يكتفون عنهم بمجرّد الإقرار باللّسان فى مرحلة الظاهر فت فاذا عرفت ما ذكرنا من المطالب فاعلم انّ الكلام فى حجّية الظنّ فى الاعتقاديّات يكون اعمّ من الظّنون الشخصيّة الحاصلة من الأدلّة العقليّة او النقليّة و الظنون النّوعيّة المعتبرة ببناء العقلاء الحاصلة من الخبر الواحد و ظواهر الالفاظ و الكلام فيه قد يقع فى وجوب التعبّد بمؤدى الظنّ عقلا بمعنى عقد القلب عليه و الالتزام و التّديّن به باطنا و قد يقع فى وجوب تحصيل الاعتقاد الظّنّى على الشّاكّ العاجز عن تحصيل الاعتقاد القطعى و قد يقع فى جواز الاقتصار بالاعتقاد الظنّى على تقدير التمكن من الاعتقاد القطعى و انفتاح باب العلم عليه و قد يقع بحسب الآثار الوضعيّة من تحقق موضوع الأيمان و الإسلام به و عدمه كى يترتب عليه آثاره من ارتفاع الدّرجة و النّجاة من العقوبة و غيرهما من الآثار الأخرويّة

221

الاخرويّة و ترتب الطهارة و صحّة النكاح و التوارث الى غير ذلك من الأحكام الظاهريّة العمليّة

[فى حجية الظن فى الاعتقاديات و عدمها]

و العمدة فى المقام هو التكلم فى الجهة الأولى فانها المناسب للحجّية فنقول هل الظنّ كما يتبع عند الانسداد اى انسداد باب العلم و العلمى عقلا فى الفروع العمليّة المطلوب فيها اوّلا العمل بالجوارح فهل يتّبع‏ (1) فى الأصول الاعتقاديّة المطلوب فيها عمل الجوانح من الاعتقاد به و عقد القلب عليه و تحمّله و الانقياد له أو لا فالنزاع فى انه اذا قام الظنّ الشخصى او الخبر الواحد او ظهور آية او رواية مقطوعة الصّدور على امر من الأمور الاعتقاديّة هل يجب اتباعه عقلا و الالتزام به على طبقه قلبا بحيث يوجب مخالفته و عدم التعبّد به استحقاق العقوبة عند المطابقة كما يتبع ذلك فى حال الانسداد عقلا فى الفروع العمليّة المطلوب فيها العمل بلا شبهة مع صحّة المقدّمات الظاهر لا فان الأمر الاعتقادي و ان انسدّ باب القطع به الّا انّ باب الاعتقاد اجمالا بما هو واقعة و الانقياد له و تحمّله غير منسدّ بخلاف العمل بالجوارح فانه لا يكاد يعلم مطابقته مع ما هو عليه الا بالاحتياط و المفروض على حيث صحّة المقدّمات عدم وجوبه شرعا او عدم جوازه عقلا و من المعلوم بعد ذلك لا اقرب الى الواقع من العمل على وفق الظنّ و هذا بخلاف باب الاعتقاديات فانه و ان انسدّ فيها ايضا باب القطع التفصيلىّ بها الا ان باب الاعتقاد اجمالا يكون مفتوحا فانه يعتقد بما هو واقعة و الانقياد له و (2) تحمّله غير منسدّ عليه و بالجملة لا موجب مع انسداد باب العلم فى الاعتقاديات لترتب الأعمال الجوانحيّة على الظنّ فيها مع امكان ترتيبها على ما هو الواقع فيها فلا يتحمّل الّا لما هو الواقع و لا ينقاد الا له لا لما هو مظنونه و هذا بخلاف العمليات فانه لا محيص عن العمل بالظنّ فيها مع تماميّة مقدّمات الانسداد فلا يكون وزان الاعتقاديّات وزان العمليّات كى لا بدّ من الرّجوع فيها الى الأمارات و الظواهر فى تعيين ما للمكلّف و ما عليه من العمل فانّ العمليّات لا معنى للتوقف فيها بل يمتنع لاستحالة خلوّ الإنسان عن احد الكونين فلا بدّ فيها من تعيين ما للمكلّف و ما عليه من العمل و من هنا كانت الرّوايات و الظواهر و الأصول حجّة فيها و هذا بخلاف الاعتقاديّات حيث انه يمكن التديّن و الالتزام بها (3) بالواقع اجمالا على ما هو عليه من دون لزوم التديّن بشي‏ء معيّن تفصيلا حتى يلزم الوقوع فى خلاف الواقع كثيرا و بعبارة اخرى لو سلم وجوب عقد القلب شرعا فنقول انا نقطع بحصول الامتثال بالالتزام بالواقع اجمالا لو علمنا اجمالا و فيما علمنا تفصيلا فلا بدّ من الالتزام و عقد القلب تفصيلا هذا مضافا الى انا لا نسلم وجوب عقد القلب و الالتزام القلبى بالأمور الاعتقاديّة بقول مطلق لا شرعا و لا عقلا بل لم نجد لذلك المفهوم معنى محصّلا حتى يتكلّم فى‏

____________

(1) الظن مط و لو ظنا خاصّا عند انسداد باب العلم فقط

(2) باب‏

(3) براقعها

222

وجوبه و عدم وجوبه تكليفا و اعتباره فى الأيمان و الإسلام و عدم اعتباره فيهما وصفا بل الإيمان ليس الا نفس العلم و المعرفة و التصديق بالأمور الاعتقاديّة على ما فصّلناه فى المطالب و هو الواجب تحصيله و كان موضوعا للنجاة فى الآخرة و اما الإسلام فلا يعتبر فيه الّا الإقرار باللسان و العمل بالأركان ظاهرا كما عرفته ايضا سابقا فى المطالب و لا يعتبر فيه الاعتقاد و التصديق فصلا عن عقد القلب مضافا الى ان وجوب عقد القلب و الالتزام قلبا على تقدير تسليمه عقلى و ليس بشرعىّ بداهة استقلال العقل على وجوب الأيمان بالمنعم الحقيقى و وسائط نعمه من رسله و خلفائه و اليوم الآخر و ح فإن كان الأيمان نفس حصول المعرفة و التصديق القلبى للأمور الاعتقاديّة فهو المطلوب و إن كان هو التديّن و الالتزام قلبا فلا شبهة فى استقلال العقل بوجوبه بعد حصول التصديق القلبى و المعرفة التامّة بالأمور الاعتقاديّة فبعد ثبوت وجوب الايمان باللّه و باليوم الآخر بالبرهان القطعى و بعد وجوب الأيمان بالنّبى (ص) و بجميع ما جاء به و اخبر به بالبرهان العقلى فهل يحتمل احد توقفه على الأمر التشريعى و من المعلوم عدم حجّية الأمارات و الظواهر فى الأحكام العقليّة و مضافا الى انا لو سلمنا كونه شرعيّا لكن لا معنى لوجوب الشرعى فى القسم الأوّل من الاعتقاديّات لما عرفته من الدّور لأنه فرع اثبات الشارع و هو فرع اثبات المبدا و المعاد فلا يعقل وجوب عقد القلب شرعا قبل اثبات النبوّة الخاصّة بالدّليل القطعى العقلى و اما فى القسم الثّانى من الاعتقاديّات فالوجوب ليس من آثار الواقع بما هو هو فانّ الصّراط و الميزان مثلا ليس التديّن و الالتزام به واجبا من حيث هو هو بل من حيث انه مما جاء و اخبر به النّبى (ص) فلا بدّ من احراز هذا العنوان كى يترتب عليه آثاره و الا فالمفروض عدم وجوب التديّن و الالتزام بهذه الأمور من حيث هى و الأمارة و الظهور مثلا انما قام على عنوان الصّراط و وجوده و كيفيّته لا على عنوان انه مما جاء به النبى (ص) فافهم و لا تكن من الغافلين و مضافا الى انه مع الإغماض عما ذكرنا و تسليم وجوب عقد القلب شرعا انما يسلم وجوبه بعد حصول القطع بالواقع و اما وجوبه فى غير مورد القطع ففيه اشكال سواء حصل الظنّ الشخصى ام لا سيّما فيما اذا لم يحصل الظن الشخصى كما فى مورد قيام الأمارات و الظهور فانه مع الشّكّ بالواقع كيف يجب عقد القلب و الالتزام بخصوص احد طرفى الشّك و ح فلو لم نقل بعدم جواز عقد القلب و الالتزام به فلا اقل يدعى عدم وجوبه فى كلا القسمين من الاعتقاديات خصوصا فى القسم الثّانى منها حيث ان وجوب عقد القلب فى هذا القسم على تقدير تسليمه كان وجوبه مشروطا و ليس واجبا مطلقا اى كان وجوبه مختصا بالعالمين و قد قرّر فى محلّه عدم قيام الأمارات مقام القطع الموضوعى فت و ما قد يقال من ان اشتراط الوجوب‏

223

الوجوب بالعلم لا ينافى كونه من آثار نفس الواقع لإمكان كون الشّرط قيدا للطلب لا قيدا للموضوع فلا مانع من قيام الأمارات مقام القطع ح ففيه مضافا الى عدم الفرق في مقام اللّب و الواقع بين كونه من قيود الطلب او من قيود الموضوع بل لا معنى لكون شرائط الوجوب من قيود الطلب فافهم‏ (1) بداهة لزوم ارجاعها الى الموضوع بحسب اللّب و الحقيقة و لو كانت من قيود الطلب فى القضيّة اللفظيّة سيّما على القول بكون الأحكام تابعة للمصالح الكامنة فى الموضوعات كما هو الحق عند الإماميّة فافهم ان مجرّد جعل الشرط من قيود الطلب لا يجدى فيما هو المقصود بعد فرض كون الشرط هو خصوص العلم لانتفاء الطلب بعد انتفاء شرطه و قيام الأمارة و الظهور ليس محصّلا للشرط حسب الفرض لعدم افادتها العلم بالواقع فلا يجب عقد القلب و الالتزام على وفقها إلّا ان يدعى انّ الشرط اعمّ من العلم و ما يقوم مقامه و لكن انّى للخصم اثباته هذا كلّه فى القسم الثّانى من الاعتقاديات و اما القسم الاوّل فهو و إن كان عقد القلب فيه على تقدير وجوبه واجبا مطلقا و ليس مشروطا بالعلم شرعا لكن الاعتقاد القطعى شرط لتعلق الوجوب عقلا و كان تحصيل الاعتقاد القطعى من مقدّمات الواجب المطلق بمعنى توقف الوجوب الشرعى على الاعتقاد القطعى عقلا و مضافا الى انا لو سلّمنا كونه واجبا مطلقا شرعا و لكن لا معنى لحجّية الأمارات فيها اذ من المعلوم اختصاص حجّية الأمارات و الأدلة الاجتهاديّة بالأحكام الشرعيّة و عدم حجّيتها فى هذه الموضوعات و فى المقام قيامها على الموضوعات على الفرض لا على الأحكام فان الخبر الواحد او الظهور انما قام على الصراط هكذا او الميزان هكذا مثلا و ليس مؤداه وجوب عقد القلب كى نقول باتباعه و وجوب العمل على طبقه و ليست هذه الأمور من الموضوعات المخترعة من الش كما هو واضح فلا معنى الشمول ادلة اعتبار بها لمثل هذه الأمور و مضافا الى انه لا يبعد دعوى اختصاص ادلّة اعتبار الأمارات و الظواهر بالاعمال الجوارحيّة دون الأحكام القلبيّة اما لانصرافها اليها و اما لكونها القدر المتيقن و معه لا مجال للتمسّك بالإطلاق فيما كان الادلة اعتبارها الإطلاق و اما الظواهر المعتبرة ببناء العقلاء فلم يثبت بنائهم على حجّيتها فى مثل هذه الأمور و لا اقلّ من الشّك فى ذلك و هو كاف فى عدم الحجّية ثم اعلم ان وجوب التديّن و عقد القلب على طبق مؤدى الامارات و الظواهر على تقدير تسليمه انما يكون فى غير ما يستقل العقل بادراكه نفيا و اثباتا و اما فيما كان العقل مستقلا فيها نفيا او اثباتا فلا مجال للقول بوجوب التديّن على طبق الأمارات و الظهور من غير فرق بين القسمين من الاعتقاديات سواء استقلّ العقل على طبق الأمارات او على خلافها لأنّ‏

____________

(1) علة لعدم الفرق منه‏

224

المتعيّن فى الثّانى هو طرح الأمارات و الظواهر لعدم حجّيتها فى قبال العقل المستقلّ لعدم معارضة الظنّ و الشك مع القطع و بالجملة الالتزام و التديّن بالواقع و إن كان واجبا على القول بوجوبه لكنّه من جهة قيام الدليل القطعى العقلى لا من جهة قيام الأمارات و الظواهر فيها و من المعلوم استقلال العقل نفيا و اثباتا فى كثير من المسائل الاعتقاديّة لو لم نقل باستقلاله فى كلّها و اما الكلام فى الأخبار (بكسر الهمزة و سكون الخاء المعجمة) على طبق الأمارات و استناد مؤدّيها الى الش فلا شبهة فى حرمته عقلا و شرعا لعدم العلم بالواقع حسب الفرض فكان كذبا و افتراء محضا او كان من القول بغير العلم‏

[فى وجوب تحصيل العلم فى بعض الاعتقادات‏]

نعم يجب تحصيل العلم فى بعض الاعتقادات لو امكن من باب وجوب المعرفة بنفسها كمعرفة الواجب تعالى و صفاته الثبوتيّة و السلبيّة اداء لشكر بعض نعمائه لعدم امكان الشكر لجميع نعمائه و ان تعدّوا نعمة اللّه لا تحصوها و معرفة انبيائه فانهم وسائط نعمه و آلائه بل و كذا معرفة الإمام (ع) على وجه صحيح و هو ان تكون الولاية كالنبوّة منصبا الهيّا لا ينالها الا من ارتضاه بسبب اتّصافه بتمام الكمالات النّفسيّة و مكارم الاخلاق القدسيّة و كونه ذات نفس ملكوتى و قوة الهيّة يظهر بها الكرامات و خوارق العادات و يكون على ولايته شواهد و آيات لذوى الفكر و الاعتبار من دون حاجة الى تنصيص النّبى (ص) الّا الخفافيش الأبصار و إن كان خبث الباطن و شقاوة الذات يؤدّى الى مخالفته بل الانكار (هذا البيان لمعرفة الإمام على وجه صحيح ما كتبه شيخنا الأستاذ فى حاشيته على الفرائد فى المقام) فالعقل يستقل بوجوب معرفة النّبى (ص) و وصيّه لذلك و لاحتمال الضرر فى تركه و دفع الضرر المحتمل واجب عقلا فيجب معرفة الواجب تعالى و صفاته و معرفة النّبى و وصيّه و لا يجب عقلا معرفة غير ما ذكر الّا ما وجب شرعا معرفته كمعرفة الإمام على وجه آخر غير صحيح من باب قوله (ص) من مات و لم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهليّة او كمعرفة امر آخر كالمعاد مما دلّ الشرع على وجوب معرفته و لبداهة انها من ضروريات الدّين و ما اخبر به سيّد المرسلين (ص) و ان استقل العقل بثبوته ايضا و امّا ما لا دلالة على وجوب معرفة بالخصوص لا من العقل و لا من النقل كان اصل البراءة من وجوب معرفته محكمة لكونه شكا فى التكليف فيكون مرجعه الى البراءة فيجب تحصيل العلم فى بعض الاعتقاديات لو امكن اما من باب وجوب المعرفة لنفسها او مما دلّ الشّرع على وجوب معرفته بالخصوص و لا دلالة لمثل قوله تعالى‏ وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ‏ الخ الا ليعبدون اى ليعرفون و لا لقوله (ص) و ما اعلم شيئا بعد المعرفة افضل عن هذه الصّلوات الخمس لدلالة الأفضليّة على وجوب المعرفة بعد وجوب الصّلاة الخمس و لا لما دلّ على وجوب التفقّه و طلب العلم من الآيات و الرّوايات على معرفته بالعموم كما استظهر

225

استظهر منها العلامة الأنصارى (ره) ضرورة ان المراد من ليعبدون هو خصوص عبادة اللّه و معرفته و النّبوى انما هو بصدد بيان فضيلة الصّلوات لا بيان حكم المعرفة فلا اطلاق فيه اصلا و مثل آية النّفر و عمومات وجوب التفقه الشّاملة للمعارف بقرينة استشهاد الإمام (ع) بها لوجوب النفر لمعرفة الإمام الملاحق انما هو بصدد بيان الطريق المتوسّل به الى التفقّه الواجب لا بيان ما يجب فقهه و معرفته كما لا يخفى و كذا ما دلّ على وجوب طلب العلم كطلب العلم فريضة على كل مسلم و مسلمة و امثاله انما هو بصدد الحبّ على طلبه لا بصدد ما يجب العلم به فالتمسّك بهذه الأمور يكون فى غير محلّه ثم انه لا يجوز الاكتفاء بالظنّ فيما يجب معرفته عقلا كمعرفة الواجب و صفاته و معرفة انبيائه و معرفة الإمام (ع) على وجه صحيح و لا شرعا كمعرفة الإمام (ع) على وجه آخر او امر آخر كالمعاد حيث انه ليس بمعرفة قطعا فلا بدّ من تحصيل العلم بها لو امكن و مع العجز عنه كان معذورا إن كان العذر عن قصور لغفلة او لغموضيّة المطلب مع قلة الاستعداد كما هو المشاهد فى كثير من النساء بل فى كثير من الرّجال فالكلام فالأمر الثّانى انما يكون فى انّه لا شبهة فى عدم وجوب تحصيل الاعتقاد الظنّى مع عدم العجز عن تحصيل الاعتقاد القطعى بل لا يجوز فى القسم الأوّل من الاعتقاديّات و لا يجوز الاقتصار في هذا القسم بالظنّ لمن تمكن من تحصيل الاعتقاد القطعى و اما مع العجز عن تحصيل الاعتقاد القطعى فهو معذور كالعاجز عن تحصيل مطلق الاعتقاد لاستقلال العقل على معذوريّة الجاهل القاصر كما عرفته سابقا فى المطالب هذا بالنسبة الى الظّنون الشّخصيّة و اما الظنون النوعيّة من الظواهر و الأمارات الغير المفيدة للظنّ الشّخصى فلا معنى لوجوب تحصيلها لعدم حصول الاعتقاد و لو ظنّا اصلا كما هو المفروض و اما وجوب تحصيلها لأجل عقد القلب و الالتزام القلبى بناء على وجوبه فقد تقدّم الكلام فيه و اما الكلام فى القسم الثّانى من الاعتقاديّات فلا شبهة ايضا فى عدم عدم وجوب تحصيل الاعتقاد الظنّى بها كما انه لا شبهة في جواز الاقتصار بالاعتقاد الظنّى على تقدير حصوله مع عدم التمكن من تحصيل الاعتقاد القطعى عقلا او نقلا فافهم هذا كله فى الجاهل القاصر و هذا بخلاف ما اذا كان عن تقصير فى الاجتهاد و لو لأجل حبّ طريقة الآباء و الأجداد و اتباع سيرة السلف فانه كالجبلى الخلف و قل ما عنه تخلّف فانه غير معذور لتقصيره و المراد من المجاهدة فى قوله تعالى‏ وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا فان المجاهدة فى سبيل اللّه ترد الجبلّة و تنصرف المجاهد من طريق السلف الى الصراط المستقيم هو المجاهدة مع النفس بتخليتها عن الرّذائل و تحليتها بالفضائل و هى التى كانت‏

226

اكبر من الجهاد الاصغر و هو الجهاد فى سبيل اللّه لا النظر و الاجتهاد و الّا لأدّى الى الهداية مع انه قد تؤدّى الى الجهالة و الضّلالة او الغواية إلّا اذا كانت هناك منه تعالى عناية فانّه لطيف بعباده يرزق من يشاء بغير حساب فانه غالبا بصدد اثبات ان ما وجد آباءه عليه هو الحقّ لا بصدد الحق فيكون مقصّرا مع اجتهاده و مؤاخذا اذا أخطأ على قطعه و اعتقاده ثم بعد ذلك كله انك قد عرفت سابقا انه لا استقلال للعقل بوجوب تحصيل الظنّ مع الياس عن تحصيل العلم فيما يجب تحصيله عقلا لو امكن لو لم نقل بعدم وجوبه بل بعدم جوازه لما اشرنا اليه فى صدر المبحث من انّ الأمور الاعتقاديّة مع عدم القطع بها تفصيلا امكن الاعتقاد بها بما هو واقعها و الانقياد لها اجمالا فلا إلجاء فيها اصلا بعد عدم التمكّن من العلم تفصيلا الى التنزل الى الظنّ فيما انسدّ فيه باب العلم بخلاف الفروع العمليّة كما لا يخفى و كذلك لا دلالة من النقل على وجوبه فيما يجب معرفته مع الامكان شرعا و ما يدعى دلالته على ذلك فقد عرفت حاله بل الأدلة الدالة على النهى عن اتباع الظنّ فى الاعتقاديات على ما هو الأظهر من دلالتها او الجمع بينها و بين ما دل على جواز اتباع الظنّ دليل على عدم جوازه ايضا

[فى بيان معذورية الجاهل القاصر]

و قد انقدح من مطاوى ما ذكرنا انّ القاصر يكون فى الاعتقاديات للغفلة او عدم الاستعداد للاجتهاد فيها لعدم وضوح الأمر فيها فى بعض الاعتقاديات بمثابة لا يكون الجهل بها الا عن تقصير فلا بدّ فى بعضها من الاستعداد التامّ مع عناية و نفحة من نفحات روح اللّه و من المعلوم انّ اكثر الرّجال فكيف بعموم النساء ليس فيه هذا الاستعداد كما لا يخفى فيكون الجاهل القاصر بها معذور عقلا و لا يصغى الى ما ربما قيل بعدم وجود القاصر فيها لكنّه انما يكون معذورا غير معاقب على عدم معرفة الحق اذا لم يكن يعانده بل كان ينقاد له على اجماله لو احتمله هذا كله فى الجهتين من الجهات الثّلاث التى قد اشرنا اليها بعد طىّ المطالب الاربعة و اما الجهة الثّالثة فلا يبعد ان يقال بتحقّق حقيقة الأيمان بالاعتقاد الظنّى الحاصل من اىّ سبب كان غاية الأمر انه كان من اوائل درجات الأيمان فانّ للأيمان درجات غير متناهية على حسب اختلاف مراتب الإنسان و درجاته كمالا و نقصا في القرب إلى ساحة جلاله و البعد عن حريم كبريائه و ليس له حدّ محدود فيصدق عليه الايمان بالحمل الشائع الصناعى نعم لا شبهة فى الخطاط درجة الأيمان الظنى عن درجة الأيمان القطعى كانحطاط درجة علم اليقين عن درجة عين اليقين و حقّ اليقين ممّا نسب الى جماعة منهم المحقق الطوسى (ره) من كفاية الظنّ فى الأيمان محمول على ما ذكرنا و اما الظّنون النوعيّة الحاصلة من الأمارات و الظواهر فالظاهر

227

فالظاهر عدم تحقق الأيمان بها بناء على ما هو الحق عندنا من كون الأيمان نفس التصديق و الاعتقاد و العرفان مع الالتزام به ظاهرا لأن المفروض عدم حصول القطع و لا الظنّ منها و اما بناء على اعتبار عقد القلب و الالتزام قلبا فى الأيمان فكك ايضا لما عرفت منا سابقا من عدم وجوب عقد القلب بل عدم جوازه على طبق مؤدّى الظنّ و الظواهر تفصيلا و ان المتعيّن هو التديّن و الالتزام بالواقع اجمالا على ما هو عليه لتقدّم الموافقة القطعيّة الإجمالية على الموافقة التفصيليّة الغير القطعيّة عقلا لعدم كون الثّانى مصونا عن الخطاء و عن التديّن بغير الواقع هذا بحسب تحقّق معنى الأيمان و آثاره و اما بحسب استحقاق العقوبة و صحّة المؤاخذة فهو يدور مدار التقصير فإن كان مقصّرا فى عدم تحصيل الأيمان كان معاقبا و الا كان معذورا جزما كالمخطى فى الأصول الايمانية فان من اعتقد شيئا من الأصول الإيمانيّة على خلاف الواقع مع فرض عدم تقصيره فى مقدّمات اجتهاده كان معذورا قطعا حسبما عرفت سابقا و اما عقد القلب فقد عرفت عدم وجوبه وضعا كعدم وجوبه تكليفا نعم بناء على وجوبه كان معتبرا فيه وضعا فممّا ذكرنا ظهر لك عدم حجّية الظنّ فى الأصول الاعتقاديّة راسا كما انه ظهر مما ذكرنا انه لا تقع المعارضة بين العقل الكلى و الشرع بل تستحيل المعارضة بينهما لأنهما متحدان لبّا و الفرق بينهما انّ العقل رسول فى الباطن و الشرع عقل فى الخارج نعم يقع المعارضة بين العقل الجزئى و النقل من جهة تطرق المخالفة بالنسبة الى كل واحد منهما للواقع بداهة ان كل ما ادّى اليه النقل ليس هو نفس الشرع من جهة الاختلال فى السند او الدلالة او الجهة كما انه ليس كلّما حكم به العقل الجزئى كان مطابقا للواقع كما هو ظاهر بل كثيرا ما يخالف الواقع فلو وقعت المعارضة بين النقل الذى هو الحاكى عن السنّة و بين العقل الجزئى فان حصل القطع بالواقع من احدهما فهو المتبع لعدم امكان القطع من الآخر و ح لا بدّ من طرح الآخر من غير فرق بين الدليل العقلى و النقلى و ان لم يحصل القطع من واحد منهما فلا يكونان بحجة سواء حصل الظنّ الشخصى او النوعى ام لا اذ لا معنى لحجّية الدليل الغير القطعى بالنسبة الى غير العمليّات فلا يجب الالتزام و التدين بواحد منهما من دون فرق بين القسمين من الاعتقاديات نعم لا بدّ من التصديق الإجمالي بالواقع على ما هو عليه و من المعلوم ان ذلك حاصل لكلّ من آمن باللّه و رسوله لا محالة اذ لا يعقل انفكاك الأيمان باللّه و برسوله عن التصديق اجمالا بحقّية ما اخبر به الله و رسوله فهذه الأمور ايضا من افادات شيخنا الأستاذ فى مجلس الدرس فخذ ما اتيتك و كن من الشاكرين هذا بعض الكلام مما يناسب المقام و اما بيان حكم الجاهل من حيث الكفر و الاسلام فهو مع عدم مناسبته خارج عن وضع الرسالة لكنك عرفت بعض الكلام فيها؟؟

الثّانى [فى جبر السند بالظن الذى لم يقم دليل على اعتباره‏]

الظن‏

228

الذى لم يقم على حجّية دليل لا خاصّا و لا عامّا هل يجبر به ضعف السّند لو كان سند حديث ضعيفا او يجبر به ضعف الدلالة لو كانت دلالته غير ظاهرة بحيث صار حجّة ما اسم لصار لولاه لما كان حجّة اى بحيث صار الخبر الضعيف الذى لم يكن بحجّية حجّة من اجل ذلك الظنّ الموافق او يوهن به اى و هل يوهن به ما (1) لولاه على خلافه لكان حجّة بمعنى انّ الخبر الذى يكون حجة فهل الظنّ على خلافه يصير موجبا لوهنه او يرجح به احد المتعارضين لو كانا متعارضين بحيث لولاه على وفقه لما كان ترجيح لأحدهما على الآخر او كان و لكن كان للآخر منهما ام لا يجبر به و لا يوهن و لا يرجّح بل كان وجوده كعدمه فيكون الأوّل غير حجة و الثّانى حجّة و الثّالث متعارضين متساويين فى جميع الجهات كما اذا لم يكن ظنّ الغير المعتبر على وفق الأوّل و لا على خلاف الثّانى و لا على وفق احد المتعارضين بالنسبة الى الثّالث‏

[تحقيق فى اقسام الظن غير المعتبر]

و اعلم انّ الظنّ الغير المعتبر على قسمين الأوّل الظنّ الذى قام دليل على عدم اعتباره كالظنّ القياسى و الثّانى الظنّ الذى لم يدل دليل على حجّيته كما لم يدل دليل على عدم اعتباره فكان باقيا تحت اصالة عدم الحجّية اما القسم الأوّل فسيجي‏ء التكلم فيه بعيد هذا

[الظنّ الذى لم يدل دليل على حجّيته‏]

و اما الثّانى فهذا مقام التكلم فيه و مجمل القول فى كل واحد من ذلك يحتاج الى تقديم مقدّمة موجزة نافعة و هى ان العبرة فى حصول الجبران او الرّجحان بموافقته هو الدخول بذلك تحت دليل الحجّية فى الأوّل او تحت دليل المرجحيّة الراجعة الى دليل الحجّية فى الثّالث كما انّ العبرة فى الوهن انّما هو الخروج بالمخالفة عن تحت دليل الحجّة و اذ كانت العبرة بالجبران هو الدّخول بذلك تحت دليل الحجّية فلا يبعد جبر السند فى الخبر بالظنّ بصدوره او بصحّة مضمونه و دخوله بذلك تحت ما دل على حجّية ما يوثق به فيصير بذلك حجّة فراجع ادلة اعتبارها و كذلك لا يبعد عدم جبر ضعف الدلالة بالظنّ بالمراد لما عرفت سابقا من دليل الحجّية لاختصاص دليل الحجّية بحجّية الظهور متعلق بالاختصاص فى تعيين المراد دون عين الظهور فلا يدخل بذلك تحت دليل الحجّية و الظنّ من امارة خارجيّة به كما فى المقام لا يوجب ظهور اللفظ فيه كما هو ظاهر لأن الظنّ عن امارة خارجيّة بالمراد يوجب الظنّ بالمراد و لا دليل على حجّية الظنّ بالمراد بل الحجّية قائمة على حجّية الظهور لكشف المراد دون ما يستكشف منه المراد الا فيما اوجب القطع و لو اجمالا باحتفافه بما كان موجبا لظهوره فيه لو لا عروض انتفائه و ح اذا ظنّ بالمراد و لو من امارة خارجيّة و ارتفع عروض انتفاء الظهور فالظنّ بالمراد يوجب ظهور اللفظ فى المراد فيدخل بذلك تحت ادلة حجّية الظهور فيجبر به ضعف الدلالة ايضا و الا فبمجرّد الظنّ بالمراد من امارة خارجيّة

____________

(1) فاعل يوهن‏

229

خارجيّة لا يوجب ظهور اللفظ فيه مع انك قد عرفت اختصاص ادلة الحجّية بظهور اللفظ فى المراد و بما حققناه من مناط الجبران او الرجحان و الوهن ظهر لك ايضا عدم وهن السند بالظن بعدم صدوره لو كانت شرائط الصّدور موجودة و كذا ظهر عدم وهن دلالته مع ظهوره الا فيما كشف بنحو معتبر عن ثبوت خلل فى سنده فى الاوّل او كشف بنحو معتبر كالعلم و لو اجمالا عن وجود قرينة مانعة عن انعقاد ظهوره فيه فيما فيه ظاهرا لو لا تلك القرينة فى الثّانى لعدم اختصاص علة لعدم وهن السند او الدلالة اى كذا ظهر عدم وهن السند بالظنّ بعدم صدوره و كذا ظهر عدم وهن دلالته مع ظهوره لعدم اختصاص دليل اعتبار خبر الثقة فى الأول و لا دليل اعتبار الظهور فى الثّانى بما اذا لم يكن ظنّ بعدم صدوره ايضا فى الأوّل او ظن بعدم ارادة ظهوره ايضا فى الثّانى لما عرفت من ادلة اعتبار السند و كذا ادلة اعتبار الظهور عدم تقييدهما بذلك هذا كله فى الجبر و الوهن سندا او دلالة و اما الترجيح بالظنّ فهو فرع دليل على الترجيح به اى بالظنّ بعد ما هو التحقيق فى المتعارضين من سقوط الأمارتين بالتعارض فى البين و عدم حجّية واحد منهما بخصوصه و عنوانه و ان بقى احدهما بلا عنوان على حجّيته للعلم بصدور احدهما بلا عنوان و عدم امكان الطرح بالنسبة اليه فبعد سقوط الأمارتين بالتعارض فى البين و عدم حجّية واحد منهما بعنوانه فلا يبقى بعد محلّ للترجيح إلّا ان يقوم دليل على الترجيح بالظنّ و لم يقم دليل بالخصوص على الترجيح به و ان قام الدليل على الترجيح بغيره من العدالة و الوثاقة و الشهرة مما يكون فى الاخبار العلاجيّة و ان ادعى شيخنا العلامة الأنصارى اعلى اللّه مقامه استفادته اى استفادة الترجيح بالظنّ من الاخبار الدالة على الترجيح بالمرجحات الخاصّة على ما ياتى تفصيله فى التعادل و التراجيح فى بابهما فانتظر فان قلت انه بعد تماميّة دليل الانسداد فى الأحكام فالترجيح بالظنّ ايضا له مدخل فى الحكم فله ايضا دليل و ان لم يقم دليل خاصّ على الترجيح به قلت و مقدّمات دليل الانسداد فى الأحكام الفرعيّة انما يوجب حجّية الظنّ بالحكم نفسه او يوجب الظنّ بالحجّة و هو الطريق على ما عرفت فى دليل الانسداد من عدم اختصاصه بالحكم او الطريق بل الظنّ باىّ واحد منهما تعلق كان حجّة فراجع لا الترجيح به اى بالظنّ ما لم يوجب ظنّ باحدهما فاذا ظنّ بالحكم او الحجّية فالترجيح بالظن مستغنى عنه حينئذ فان قلت نعم و لكنه تجرى المقدّمات فى نفس الترجيح عند عدم العلم او العلمى به فيوجب ذلك الترجيح بالظنّ ايضا قلت و مقدماته فى خصوص الترجيح لو جرت لعدم امكان‏

230

جريان المقدّمات هنا لو سلم جريانها فى غير المقام كما هو واضح قلت انما يوجب حجّية الظنّ فى تعيين المرجّح لا انه اى الظنّ مرجح إلّا اذا ظنّ انه ايضا مرجح فت جيّدا فتلخّص انّ الترجيح بالظنّ الغير المعتبر فى المتعارضين فرع للدّليل على الترجيح به و مع عدم الدّليل كما فى المقام خلافا للشيخ (ره) فلا وجه له بعد سقوط المتعارضين فى التعارض و عدم حجّية واحد منهما بخصوصه و بعنوانه و اما الوهن به فلا وجه له سندا و دلالة بعد كونه تحت دليل حجّية السند و بعد كونه تحت دليل حجّية الظهور لعدم اختصاص دليل اعتبار خبر الثقة و لا دليل اعتبار الظهور بما اذا لم يكن ظنّ بعدم صدوره او ظنّ بعدم ارادة ظهوره الا فيما انكشف بنحو معتبر من القطع و لو بنحو الإجمال عن ثبوت خلل فى سنده او وجود قرينة مانعة عن انعقاد ظهوره فيه ظاهرا لو لا تلك القرينة و اما جبر ضعف السّند فقد عرفت عدم استبعاده كما عرفت عدم جبر ضعف الدلالة به لما عرفت من الملاك فى الجبران و الرّجحان و الوهن‏

[فيما قام الدليل على المنع عنه‏]

هذا كله فيما لم يقم على المنع عن العمل به و قد عرفت سابقا انّ الظن الغير المعتبر على قسمين قسم يكون تحت اصالة عدم الحجّية و قسم يكون دليل خاصّ على عدم حجّيته اما الاول فقد عرفته و اما ما قام الدليل على المنع عنه كذلك كالقياس فلا يكاد يكون به جبرا و وهن او ترجيح فيما لا يكون لغيره اى لغير القياس بمعنى انّ اىّ موضع لم يكن للظنّ القياسى احدها لم يكن للظن القياسى ايضا بطريق اولى و هذا واضح و كذا فيما يكون به احدهما من الجبر او الوهن اى و كذا لا يكون للظنّ القياسى من الجبر او الوهن فيما يكون للظن الغير القياسى احدهما لوضوح انّ الظنّ القياسى اذا كان على خلاف ما لولاه لكان حجّة بعد المنع عنه لا يوجب خروجه عن تحت دليل الحجّية فى الأوّل و اذا كان على وفق ما لولاه لما كان حجة لا يوجب دخوله تحت دليل الحجّية و هكذا لا يوجب الظنّ القياسى ترجيح احد المتعارضين على الآخر و ذلك لدلالة دليل المنع عن القياس على الغائه الشارع راسا و عدم استعماله فى الشّرعيّات قطعا لأن الدّين اذا قيس محق هذا بحسب الكبرى لا شبهة فيه و من المعلوم ان دخله فى واحد منهما اى دخل الظنّ القياسى فى واحد من المتعارضين و لو بنحو الترجيح نحو استعمال له فيها اى فى الشرعيّات كما لا يخفى فتكون الصّغرى ايضا موجودة فلا يوجب ترجيح احد المتعارضين بذلك فتامّل جيّدا هذا آخر ما نمفه قلمه الشريف فى باب الأمارات الغير العلميّة و أخر ما شرحناه و اوضحنا مراده و مرامه فيها (1) و الحمد للّه اولا و آخرا و ظاهرا و باطنا و لقد تم ما شرحناه فى الأمارات الغير العلميّة فى اواخر الشهر الثّانى عشر من السّنة التّاسعة

____________

(1) و سيتلوه الجزء الآخر من الأصول الاربعة

231

التاسعة بعد الثلثين من المائة الرابعة بعد الألف من الهجرة المقدّسة النّبويّة على هاجرها آلاف الصلاة و السّلام و التحيّة فى محروسة طهران) و قد فرغ من تنميقه و تسويده باشارة مولى المعظّم و السّيّد الجليل المفخّر المكرّم اعنى الآقا سيد مهدى الرّضوى القمى زاد اللّه عزه و شرفه و انا العبد الأحقر الأفقر الآثم الشّجى محمد على غفر اللّه له و لوالديه فيشهر ربيع الاخرى سنة 1340