معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار

- محمد بن عبد الله بن الخطيب المزيد...
198 /
53

و من أنواع القصص أيضا عند العرب القصص التاريخى البطولى، كقصة عنترة بن شداد فى حروبه، و سيف بنى يزن فى كفاحه، و حرب البسوس فى طولها و شناعتها، و منها القصص العاطفى، كقصة «قيس المجنون بليلاه»، و عنترة العاشق لعبلة، و كثير الواله بعزة، الى آخر هذه الالوان القصصية، التى تزخر بها كتب الادب العربى، و بعض التراجم الاجنبية. على أنه من الملحوظ أن القصة العربية تطورت مع الزمن، و اتخذت فى كل عصر طابعا خاصا، رقيا عما قبل، مع متانة فى البناء، منذ الجاهلية حتى عصرنا الحاضر، و قد تولد عن التصرف فى تركيبها نوع خاص منها، و هو ما سمى- بين فنون النثر العربى- باسم «المقامة»، و التى ترتكز على العناية بالاسلوب، و تغليب الشكل على الجوهر، فمن مقوماتها البلاغية السجع و الجناس و الكناية و التلاعب بالالفاظ، و من مقوماتها اللغوية طائفة ضخمة من شوارد اللغة، و شواذ القواعد النحوية، و من مقومات أسلوبها- كذلك- تضمينها بعض آيات القرآن الكريم، أو الحديث النبوى، أو الحكم و الامثال، أو المنثور أو المنظوم، كما تشتمل المقامة على المعلومات الفقهية و الطبية و العروضية و التاريخية، الى غير ذلك مما عرف فى عصر المولعين بصناعتها.

فالمقامة- اذن- نوع من الترف الادبى، و ميدان للتدليل على مبلغ معرفة المؤلف بالعلوم و الفنون على اختلاف أنواعها، و قد ابتدعها «بديع الزمان الهمذانى» من أشهر أدباء العصر العباسى، و يقال: انه أنشأ حوالى أربعمائة مقامة، و لكن لم يظفر الناس منها اليوم بأكثر من نيف و خمسين مقامة، و من مقاماته الشهيرة المقامة القريضية، نسبة الى القريض، و هو الشعر، لانه موضوعها، و المقامة الخمرية، و المقامة الجاحظية، و المقامة الدينارية، و المقامة البصرية، و المقامة الكوفية، ثم قلده فى نفس العصر كثيرون، و لكن الحريرى كان بارعا فيها أيضا، و من مقاماته المعروفة مثلا «المقامة الصنعائية» نسبة الى صنعاء، احدى مدن اليمن المشهورة.

54

أما ما ذا يقصد بالمقامة عموما فهو تصوير بؤس الادباء، و احتيالهم أحيانا لكسب عيشهم، و لها راوية ينقل الخبر، و بطل تدور حوله حوادثها.

على أن هذه المقامة قد اختفت من الادب العربى بعد ناصف اليازجى اللبنانى فى كتابه: «مجمع البحرين»، و محمد المويلحى المصرى فى كتابه ذى الشبه الكبير بالمقامة «حديث عيسى بن هشام»، اذ لم يعد أحد بعدئذ يلتفت الى هذا اللون الادبى من أدباء عصرنا الحاضر.

هذا، و قد كان من الطبيعى أن ينتقل فن المقامة من المشرق- منذ ظهوره- الى الاندلس، و ذلك عن طريق الرحلات التى قام بها كثير من الاندلسيين الى الشرق يطلبون العلم، و الذين عادوا الى موطنهم بعد أن درسوا- ضمن ما درسوا- هذا الفن، فنشروه بين مواطنيهم، و قد لوحظ أن مقامات بديع الزمان الهمذانى و رسائله- التى أشرنا اليها- قد ذاعت خصوصا فى عهد ملوك الطوائف بالاندلس، فقد قام بعض الادباء الاندلسيين يومئذ بمعارضة هذه الرسائل و السير على نمطها، و من هؤلاء الاديب عبد الله محمد بن شرف القيروانى، الذي عارض مقامات البديع، حسبما يروى ابن بسام عن هذا الاديب المعاصر للمعتضد بن عباد بأشبيلية 434- 461 ه (1042- 1068 م). كذلك روى ابن بسام عن الشاعر أبى المغيرة عبد الوهاب بن حزم المتوفى حوالى سنة 420 ه (1029 م) أن هذا الاخير عارض رسالة للهمذانى فى وصف غلام، و فى موضع آخر من كتاب الذخيرة يورد ابن بسام أجزاء من مقامتين، إحداهما لابى حفص عمر الشهيد، و الاخرى لابى محمد بن مالك القرطبى، و هذان الأديبان عاشا فى عهد المعتصم بن صمادح بمدينة المرية الاندلسية 443- 484 ه (1051- 1091 م).

و نزيد تعريفا بصلة المغرب بالمشرق حول فن المقامة، فنذكر أيضا أنه فى أوائل عهد المرابطين بالاندلس انتشرت مقامات الحريرى بالمغرب على مدى واسع، فى الوقت الذي انتشرت فيه بالشرق، و اهتم علماء

55

الاندلس بحياة مؤلف هذه المقامات، فقد روى ابن الابار «أن كثيرا من الاندلسيين سمعوا من الحريرى مقاماته الخمسين ببستانه ببغداد، ثم عادوا الى بلادهم، حيث حدثوا بها عنه»، و من هؤلاء الحسن بن على البطليوسى المتوفى عام 566 ه (1169 م) و أبو الحجاج يوسف القضاعى البلنسى المتوفى عام 542 ه (1147 م).

و قد تابع الاندلسيون الاشتغال بفن المقامة حتى نهاية عهدهم الاندلسى، أيام بنى الاحمر فى غرناطة، و من أشهر أدباء هذا العصر الذين زاولوا هذا الفن الادبى الوزير لسان الدين بن الخطيب، بمقاماته العديدة التى أنشأها، و التى منها: الكتاب الذي نتعرض لدراسته هنا، و هو «معيار الاختيار»، و مقامته «خطرة الطيف، فى رحلة الشتاء و الصيف» و «مقامة السياسة» و غيرها.

-*- و على ضوء ما أوجزنا بيانه عن «المقامة» و مقوماتها، و مدى صلتها بفن القصة العربية، و عن دور الاندلسيين فيها بالنسبة للمشارقة، نستطيع أن نزن كتاب «معيار الاختيار» فى هذا الميدان، فنقول: انه عبارة عن وصف قصصى، جاء فى صورة مقامة تقليدية، حاول بها ابن الخطيب- كما حاول فى غيرها- أن يجارى بها من سبقوه فى هذا الميدان، و فى سبيل ذلك حشد لها المزيد من فنون القول و البيان، و بخاصة مقدمة كل من المجلسين، و نهايتهما، حيث انصرف فيهما الى حد ما عن المعنى الى اللفظ مما أفقد المقدمة- خاصة- قيمتها الادبية، من أديب مثل ابن الخطيب.

و لكن عندما تناول صلب الموضوع، فانه- و ان كان قد عنى بالاسلوب أيضا- الا أن الوصف للمدن عموما قد جاء تحفة فنية رائعة،

56

فقد تناولها تاريخيا و اجتماعيا و ثقافيا، و تمكن- رغم قيود السجع و الجناس و الكناية و غيرها- من ابراز هذه المعالم فى صورة مشوقة.

و مع ذلك، نرى أن ابن الخطيب لو أطلق لنفسه العنان فى هذا المؤلف التاريخى، و حرر نفسه من هذه القيود اللفظية التى كبل بها قلمه- لجاء وصفه للبلدان أبدع فنا، و أشمل موضوعا، فلا شك أنه حصر نفسه فى نطاق ضيق، كانت نتيجته الحتمية أن فوت علينا المؤلف انطلاقاته المعروفة عنه، فى تقصى المعانى، و الاحاطة بشتات الموضوع الذي يتعرض له.

قيمة الكتاب كوثيقة تاريخية

توجد لكتاب «معيار الاختيار، فى ذكر المعاهد و الديار» أكثر من مخطوطة، فى الاسكوريال و الرباط، و فاس، و قد ورد هذا الكتاب ضمن مؤلف آخر من مؤلفات ابن الخطيب، و هو «التاج المحلى فى مساجلة القدح المعلى» (554 الاسكوريال)، كما ورد ضمن مؤلفه «ريحانة الكتاب و نجعة المنتاب» حيث أورده المؤلف فى باب «المقامات».

و قد ألف ابن الخطيب «معيار الاختيار» هذا عندما نفى الى المغرب مع سلطانه الغنى بالله ابن الاحمر المعروف بمحمد الخامس، حيث حلا ضيفين على السلطان أبى سالم ملك المغرب (محرم 761 ه- 1359 م) و لكن ابن الخطيب لم يذكر فى الكتاب تاريخ تأليفه بالضبط، و انما عرفنا الفترة التى ألفه خلالها من مؤلف آخر له، حيث ذكر به أنه دون بعض كتبه خلال سنوات المنفى الثلاث التى قضاها بمدينة سلا بالمغرب‏ (1).

(760- 763 ه)- (1358- 1361 م)، و من بين تلك الكتب «معيار الاختيار»، و قد أدرج الغزيرى هذا المؤلف تحت رقم 1777 بفهرس المخطوطات العربية بمكتبة الاسكوريال بأسبانيا.

____________

(1) ابن الخطيب فى «نفاضة الجراب فى علالة الاغتراب»، مكتبة الاسكوريال بمدريد لوحة (67).

57

و لما كنت قد قارنت- أثناء البحث و الدراسة- بين نسخ مخطوطة هذا الكتاب، و التى وجدتها فى كل من مدريد و الرباط و فاس و القاهرة و الفاتيكان، فقد بان لى أن أكملها و أوفاها- كما ذكرت- مخطوطة الأسكوريال بأسبانيا (رقم 554)، و قد ذكر ناسخ هذه المخطوطة أنه كتبها عام 173 ه (1468 م)، أى بعد تدوين ابن الخطيب للكتاب نفسه بحوالى 112 عاما تقريبا، و بعد وفاة المؤلف بنحو 97 عاما.

و قد نشر المستشرق الاسبانى «سيمونيت» القسم الاول من «معيار الاختيار»، بعد أن فصل عنه المقدمة التى أشرنا الى مضمونها، و هذا القسم هو الخاص بمدن مملكة غرناطة، و عددها أربع و ثمانون مدينة، تحت عنوان «وصف مملكة غرناطة، فى عهد بنى نصر» (1).

ثم نشر باقى الكتاب- و هو الجزء الخاص بمدن المغرب- المستشرق الالمانى «موللر»، متضمنا وصفا لجبل الفتح، و سبتة، و مراكش، و أغمات، فى مجموعة خاصة (2). و لم يفت هذا المستشرق أن ينوه ببعض الاخطاء التى وقع فيها زميله الاسبانى «سيمونيت» عند تحقيقه للجزء الخاص بمدن الاندلس، و ان كان هو بدوره قد وقع فى عدة أخطاء أثناء التحقيق، و ذلك نتيجة عدم التمرس بالاساليب العربية، و لا سيما عبارة ابن الخطيب كطابع عام لما كانت عليه اللغة فى العصور الاسلامية الوسطى.

و تجدر الاشارة الى أن قيمة «المعيار» تمكن فى التعريف بالوضعية التى كانت عليها كل من مملكتى بنى نصر و بنى مرين فى منتصف القرن الرابع عشر الميلادى، و أن ابن الخطيب قد حدثنا- بحق أيضا

____________

(1) راجع:

Descripcion del Reino de Granada bajo la, Dominacion de las Naza- ritas( Madrid, 1681 )

. (2) راجع:

Beitaage zur Geschichte des Westlichen, Araber( Munchen, 6681 ).

58

خصوصا- عن عاصمتى كل من الاندلس و المغرب فى عصره (غرناطة و فاس)، سالكا نفس الموضوعية تجاه كليهما، دون أن يخفى لوما فيما لاحظه من مثالب بالنسبة لهاتين العاصمتين.

و نحن نعتقد من جانبنا أن المؤلف- عند تدوينه لهذا الكتاب- قد اعتمد على مصادر ثلاثة:

1- زيارته للمدن التى تناولها قلمه:

فمن المعلوم أن ابن الخطيب كان قد وزر للسلطان يوسف الاول النصرى 733- 755 ه (1333- 1354 م) ثم لابنه من بعده الغنى بالله محمد الخامس 755- 760 ه (1304- 1359 م) ثم- للمرة الثانية- عام 762- 793 ه (1361- 1392 م)، و طبيعة المنصب تقتضى تفقد الوزير هناك للبلاد و الثغور الاندلسية، للوقوف على أحوالها، و حركة دولاب العمل فيها، ثم توجيه العمال و ارشادهم، و من ثم تحرير التقارير عن زياراته. كما أنه رافق سلطانه أبا الحجاج يوسف الاول فى زيارته التاريخية، و التى بدأها من غرناطة فى 17 محرم 748 ه- 1347 م، صحبة الحاشية، و قد أفرد ابن الخطيب رسالة خاصة بهذه الرحلة، سماها: «خطرة الطيف، فى رحلة الشتاء و الصيف» جاء فيها أن الركب الملكى- بعد أن غادر العاصمة- وصل الى مدينة وادى آش، و هناك استقبلهم الاهالى استقبالا رائعا، ثم اتجهت القافلة شرقا مارة ببعض المدن و الحصون الهامة، مثل: بسطة، و برشانة، و هنا صور ابن الخطيب الحالة التى كان يعانيها سكان هذه المدن، نتيجة كل من الغارات النصرانية و السيول الموسمية، ثم زار الركب مدينة «بيرة»، أقصى الثغور على الحدود الشرقية، و قد ذكر لنا ابن الخطيب ما كان يشعر به سكان هذا الثغر من القلق و الخوف، من جراء هجوم الاسبان المفاجئ بين حين و آخر، كما صور لنا و عورة موقع المدينة،

59

و صعوبة مسالكها، حيث اضطروا للاسترشاد بدليل ماهر، يكشف لهم طريقهم فى الجبال بين الروابى و الوهاد.

و أخيرا يعود الموكب الى قاعدته «غرناطة»، راجعا من طريق آخر، مارا بثغر المرية، حيث استعرض السلطان قطع الاسطول الحربى، و استقبل رجاله فى زيهم الرائع الانيق.

كما زار الموكب بعد المرية بعض المدن العامة، مثل: بجانة، و برشلونة و فنيانة، و ينتهى المطاف بمدينة وادى آش مرة أخرى، و منها الى العاصمة «غرناطة» (1).

و بذلك أتيحت فرصة رسمية هامة للوزير ابن الخطيب، حيث وقف على أحوال هذه المدن الاندلسية خلال هذه الرحلة، و كون لنفسه و دون فى مذكراته فكرة عميقة موضوعية عن كل مدينة زارها الركب السلطانى التاريخى.

أما بالنسبة للمدن المغربية فقد زار ابن الخطيب المغرب أكثر من مرة، و فى كل مرة كان يتجول فى البلاد و يتعرف عليها، و يختلط بأهلها، و لا سيما رجال الادارة و العلماء و الخاصة، و لابد أنه شافه الكثير منهم برغبته فى الوقوف على معالم مدنهم و آثارهم و اجتماعياتهم، و كانت المعاينة لديه وسيلة هامة فى وزن الحقائق، و كشف الظنون، و جلاء الشكوك.

لقد زار ابن الخطيب المغرب لاول مرة سفيرا من لدن السلطان الغنى بالله ابن الأحمر، الى سلطان المغرب عام 755 ه- 1354 م.

____________

(1) راجع التحقيق الحديث لهذه الرحلة فى كتاب «مشاهدات ابن الخطيب فى بلاد الاندلس و المغرب» للدكتور أحمد مختار العبادى، طبعة جامعة الاسكندرية 1958، حيث تقع هذه الرحلة بين هذه المشاهدات ص: 25- 35.

60

ثم رجع الى المغرب مرة أخرى، و لكن منفيا مع سلطانه المخلوع المغنى بالله ابن الاحمر، و ذلك فى محرم 761- 1359 م، و فى هذه المرة مكث بالمغرب ثلاث سنوات تقريبا، كما أشرنا الى ذلك فى موضعه، و فى تلك الاثناء زار بعض المدن المغربية، و دون بعض رحلاته يومئذ فى كتابه المعروف باسم «نفاضة الجراب و علالة الاغتراب»، الذي وضعه بالمغرب مع بعض الكتب الاخرى، التى منها كتابنا «معيار الاختيار».

و أخيرا استقر ابن الخطيب بالمغرب حينما فر من الاندلس، حيث شعر بما يدسه له خصومه عند السلطان الغنى بالله، على نحو ما هو معروف من تاريخ مأساة هذا الوزير، فوصل المغرب عام 773 ه- 1371 م، و بقى به حتى نكب و قتل عام 776 ه- 1375 م.

فهذه ثلاث زيارات قام بها المؤلف للمغرب، سفيرا، فمنفيا، ففارا ناجيا بحياته أخيرا، و تعتبر فترة النفى- من بين هذه الزيارات الثلاث- فترة البحث و الدرس و التأليف عند ابن الخطيب، فقد منح الرواتب و أقطع الاراضى، و استقرت نفسيته الى حد سمح له بمواصلة تآليفه.

أما المرة الاولى فكان وقتها أضيق من أن يتسع للتجوال عبر المدن المغربية، فهو حينئذ سفير منوط به أمر رسمى، و ذو قيود و حدود مرسومة.

و أما فى المرة الاخيرة حيث استقر نهائيا بالمغرب، فنرجح أن ابن الخطيب لم يتجه كثيرا للبحث و التدوين، فقد كانت الهزات السياسية بالمغرب تتناوشه ذات اليمين و ذات الشمال، بفضل مواصلة خصومه- بغرناطة- السعى فى القضاء عليه، و على رأسهم سلطانه القديم «الغنى بالله» و الذي تأثر الى أبعد حد بسعاية هؤلاء الخصوم، و مع هذا فقد ألف ابن الخطيب ابان هذه الفترة كتابه «أعمال الاعلام، فيمن بويع قبل الاحتلام، من ملوك الاسلام»، استجابة للظروف الجديدة التى أملت عليه اصدار هذا المؤلف.

61

2- الاطلاع و السماع:

و هو المصدر الثانى من المصادر التى اعتمد عليها ابن الخطيب فى تدوين كتابه «معيار الاختيار» و نعنى به قراءته لكتب من سبقوه من المؤرخين و الكتاب فى أوصاف المدن الاندلسية و المغربية على الخصوص، و فى تاريخها الحافل بالاحداث، و كذلك سماعه من شيوخه الذين تتلمذ عليهم، فى أحوال المغرب منذ القدم، و أحداث المملكة الاسلامية بالأندلس، لا سيما و أنه تربى فى أحضانها، و درج بين ربوعها، و جاس خلال ديارها، فحديثه عنها حديث الخبير العالم، و وصفه لها وصف المحيط بأسرارها.

هذا بالاضافة الى مجالس ابن الخطيب العلمية، و ندواته الثقافية، و التى كانت كثيرا ما تجمع رواة الاخبار، و حفظة التاريخ.

3- التقارير الادارية الرسمية:

و ابن الخطيب كوزير، و أمين سر السلطان، لابد و أن يطلع على كافة التقارير الرسمية، و الرسائل الادارية، التى كانت ترد عادة الى الديوان من عمال و حكام الاقاليم، فهذه التقارير و تلك الرسائل وثائق تاريخية لها أهميتها البالغة، اذ على أساسها- فى العادة- تدار سياسة الدولة، و توجه الامور الوجهة الصالحة، لذلك نرى أن ابن الخطيب قد استفاد الى حد كبير من هذه الوثائق، بالاضافة الى المصدرين السابقين، و بذلك أمكنه أن يعطينا هذه الاوصاف لتلك المدن فى مؤلفه «معيار الاختيار».

هذا، و ينبغى أن نشير اخيرا الى أن شخصية المؤلف و علاقاتها بالآخرين لابد و أن تنعكس على كتاباته، و هذا ما وضح من خلال أوصاف ابن الخطيب لبعض البلاد و أهلها، فانه و ان كان قد تعمق فى البحث على نحو دقيق، و حلل الاسباب و المسببات حتى جاء الموضوع‏

62

وثيقة تاريخية يعتمد عليها الى حد بعيد- و بخاصة اذا اعتبرنا قلة المراجع التاريخية التى تناولت العصر الذي عاشه ابن الخطيب، و ذلك فى أخبار كل من الاندلس و المغرب- الا أنه لا ينبغى أن نغفل الدوافع الشخصية، و النزعات النفسية للمؤلف أيا كان، فهذه و تلك لابد و أن يحسب حسابهما، و يقام وزنهما، فى تقييم مثل هذه الوثيقة التاريخية، لرجل وزير كابن الخطيب، قضى حياته بين تيارات السياسة، تتنازعه الاهواء و الدوافع، يعطف على مسلكة البعض، و ينقم على خطته البعض الآخر، و بالتالى يكون اتجاهه متباينا نحو كليهما، و ما يصدق على الافراد يصدق على مجموعة منها تؤلف بلدا أو مدينة.

و للتدليل على هذا التأثر النفسى عند الكاتب، و انعكاسه على ما يحرره، نذكر أن ابن الخطيب نفسه قد صب جام غضبه على مدينة سلا المغربية، فى رسالته المسماة «مفاخرات بين مالقة و سلا»، رغم أنه أقام بها طيلة فترة النفى الاولى، قرابة ثلاث سنوات، و احتوته عزيزا مكرما، و لكن كان قد حدث احتكاك بينه و بين بعض الفقهاء من أهل هذه المدينة، الامر الذي ساقه الى تأليف رسالة خاصة، فى النيل من هؤلاء الفقهاء، و هى المسماة «مثلى الطريقة، فى ذم الوثيقة»، فى أسلوب يفيض اقذاعا و نيلا غير كريم من الخصوم، و عليه- بالتالى- فلم يكن من المنتظر أن يرتفع ابن الخطيب بمدينة سلا فى المفاخرات مع مالقة.

فنخلص من هذا الى أن ابن الخطيب لم يسلم- الى حد ما- من تحامل فى وصفه لبعض المدن الاندلسية و المغربية فى كتابه «معيار الاختيار»، و بخاصة عندما كان يتناول أحوال سكانها الاجتماعية.

بيد أن هذا التحامل الضئيل المفترض لن يطغى بحال على ما للكتاب من قيمة تاريخية كبرى، و لا يمنع الدارسين لتاريخ المغرب و الاندلس- فى الفترة التى عاصرها ابن الخطيب- من الاستفادة من «معياره»

63

هذا الى حد بعيد ..، اذا ما عن لهم الكشف عن الحالة الاجتماعية بهذين القطرين فى ذلك العصر، و عن الاقتصاد، و المحصولات الزراعية، و أهمية الاسواق، و الصناعة الاندلسية و دورها، و ما الى ذلك مما تناوله المؤلف، تجاه البلاد الاندلسية و المغربية، فى منتصف القرن الرابع عشر الميلادى.

64

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

65

الفصل الرابع كتاب معيار الاختيار في ذكر المعاهد و الديار

المجلس الأول‏

66

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

67

اللوحة الاولى من مخطوط «معيار الاختيار» بالاسكوريال (الفزيرى 777. 1)

68

اللوحة الاولى من «المجلس الثانى»

69

اللوحة الاخيرة من «المجلس الاول»

70

اللوحة الاخيرة من «المجلس الثانى» نهاية المخطوط

71

معيار الاختيار، فى ذكر المعاهد و الديار

المجلس الاول:

(97: أ) بسم الله الرحمن الرحيم. صلى الله على سيدنا محمد.

الحمد لله الذي انفردت صفاته بالاشتمال على أشتات الكمال، و الاستقلال بأعباء الجلال، المنزه عن احتلال الحلال، المتصفة الخلال بالاختلال، المعتمد بالسؤال لصلة النوال، جاعل الارض كسكانها متغايرة الاحوال، باختلاف العروض و الاطوال، متصفة بالمحاسن و المقابح عند اعتبار الهيئات و الاوضاع و الصنائع و الاعمال، على التفصيل و الاجمال.

فمن قام خيره بشره دخل تحت خطة الاعتدال، و من قصر خيره عن شره، كان أهلا للاستعاضة و الاستبدال، و من أربى خيره على شره وجب اليه شد الرحال، و التمس بقصده صلاح الحال. و كثيرا ما اغتبط الناس بأوطانهم فحصلوا فى الجبال على دعة البال، و فازوا فى الرمال بالآمال، (97: ب) حكمة (منه) فى اعتمار ربع الشمال، و تفيى‏ء أكنافه عن اليمين و الشمال، الى أن يدعو أهل الارض لموقف العرض و السؤال، و يذهل- عن الاهل- عظيم الاهوال. و الصلاة على سيدنا (و مولانا) (1) محمد المصطفى الذي أنقذ بدعوته الوارفة الظلال من ظلمات الضلال، و جاء برفع الاغلال، و تمييز الحرام من الحلال. و الرضا عمن له من الصحب و الآل، (موارد الصدق عند كذب الآل) (2).

____________

(1) زيادة فى «س، ط».

(2) زيادة فى «س».

72

أما بعد، ساعدك السعد، و لان لك الجعد (3)، فان الانسان- و ان انصف بالاحسان، و ابانة اللسان، لما كان بعضه لبعض فقيرا، نبيها كان أو حقيرا. اذ مؤنه‏ (4) التى تصلح بها حاله. لا يسعها انتحاله- لزم اجتماعه و ائتلافه على سياسة يؤمن معها اختلافه، و اتخاذ مدينة يقر بها قراره، و يتوجه اليها ركونه و فراره، اذا رابه أضراره، و يختزن بها أقواته التى بها حياته، و يحاول منها معاشه الذي به انتعاشه، فان كان اتخاذها جزافا و اتفاقا، و اجتزاء ببعض المآرب و ارتفاقا، تجاول‏ (5) شرها و خيرها، و تعارض نفعها و ضيرها، و فضلها- (98: أ) فى الغالب- غيرها، و ان كان عن اختيار، و تحكيم معيار، و تأسيس حكيم، و تفويض للعقل و تحكيم، تنافر الى حكمها النفر، و أعمل السفر، و كانت مساوئها- بالنسبة الى محاسنها- تغتفر، اذ وجود الكمال فاضح للآمال، و لله در القائل:

و من ذا الذي ترضى سجاياه كلها* * * كفى المرء فخرا أن تعد معايبه‏

و بحسب ذلك:

حدث من يعنى بالاخبار ينقلها، و الحكم يصقلها، و الاسمار ينتقيها، و الآثار يخلدها و يبقيها، و المجالس يأخذ صدورها و الآفاق يشيم‏ (6) شموسها و بدورها، و الحلل يعرف دورها، و يأكل قدورها، و الطرف يهديها، و الخفيات يبديها. و قد جرى ذكر تفضيل البلدان، و ذكر القاصى والدان، و مزايا الاماكن، و خصائص المنازل و المساكن، و المقابح و المحاسن، و الطيب و الآسن‏ (7).

____________

(3) الجعد: فى الاصل هو الشعر غير المنسق، و السياق ينصرف الى اللئيم البخيل.

(4) فى نسخة (س) «مؤنتة» بدل «مؤنه».

(5) تجاول: يقال، تجاول القوم فى الحرب، أى جال بعضهم على بعض.

(6) يشيم: يعلم، يقصد أنه ذو دراية بمطالع الشمس و القمر فى هذه البلاد.

(7) الآسن: من الماء المتغير الطعم و اللون و الرائحة.

73

قال: ضمنى الليل و قد سدل المسح راهبه، و انتهب قرص الشمس من يد الامس ناهبه، و دلفت جيوشه الحبشية (98: ب) و كتائبه، و فتحت الازهار بشط المجرة كواكبه، و جنحت الطيور الى و كونها، و انتشرت الطوافات بعد سكونها، و عوت الذئاب فوق هضابها، و لوحت البروق ببيض عضابها، و باهت الكف الخضيب بخضابها، و تسللت اللصوص لانتهاز فرصها، و خرجت الليوث الى قسمها و حصصها، فى مناخ رحب المنطق، وثيق الغلق، سامى السور، كفيل بحفظ الميسور، يأمن- به الذعر- خائفه، و تدفع- معرة السماء- سقائفه، يشتمل على مأوى الطريد، و محراب المريد، و مرابط خيل البريد (8)، و مكاسع الشيطان المريد. ذى قيم كثير البشاشة، لطيف الحشاشة، قانع بالمشاشة.

يروح و يشى، و يقف على ريب الاعيان و أعيان الريب فلا يشى. بر فأكثر، و مهد و وثر، و أدفأ و دثر، (ورقى بسور استنزاله فأثر) (9).

فلما أزحت الكلفة، و أقضمت جوادى العلفة، و أعجبتنى- من رفقاء الرفق- الالفة، رمقت فى بعض السقائف آمنا فى زى خائف، و شيخا طاف منه بالارض طائف، و سكن حتى اليمامة و الطائف. جنيب (99: أ) عكاز، و مثير شيب أثيث الوفرة، و قسى ضلوع توتر بالزفرة، حكم له بياض الشيب بالهيبة، و قد دار بذراعه للسبحة الرقطاء حنش، كما اختلط روم و حبش. و الى يمينه دلو فاهق‏ (10)، و عن يساره تلميذ مراهق، و أمامه حمار ناهق، و هو يقول:

هم أسكنونا فى ظلال بيوتهم‏* * * ظلال بيوت أدفأت و أكنت‏

أبوا أن يملونا، و لو أن أمنا* * * تلاقى الذي يلقون منا لملت‏

____________

(8) مكاسع: مطارد، مكان الطرد.

(9) زيادة فى نسخة «س».

(10) فاهق: ممتلئ.

74

حتى اذا اطمأن حلوله، و أصحب ذلوله‏ (11)، و تردد الى قيم الخان- زغلوله‏ (12)، و استكبر لما جاءه- بما يهواه- رسوله، استجمع قوته و احتشد، و رفع عقيرته و أنشد:

أشكو الى الله ذهاب الشباب‏* * * كم حسرة أورثنى و اكتئاب‏

سد عن اللذات باب الصبا* * * فزارت الاشجان من كل باب‏

و غربة طالت فما تنتهى‏* * * موصولة اليوم بيوم الحساب‏

و شر نفس كلما هملجت‏ (13)* * * فى الغى لم تقبل خطام المتاب‏

يا رب شفع فى شيبى و لا* * * تحرمنى الزلفى و حسن المآب‏

ثم أن، و الليل قد جن، فلم يبق- فى القوم- الا من أشفق و حن، و قال- و قد هزته أريحية- (99: ب): على الدنيا سلام و تحية، فقد نلنا الاوطار، و ركبنا الاخطار، و أبعدنا المطار، و اخترقنا الاقطار (14)، و حلبنا الاشطار (15). فقال فتاه- و قد افترت عن الدر شفتاه، مستثيرا لشجونه، و مطلعا لنجوم همه من دجونه، و مدلا عليه بمجونه-: و ما ذا بلغ الشيخ من أمدها، و رفع من عمدها، حتى يقضى منه عجب، أو يجلى منه محتجب؟ فأخذته حمية الحفاظ لهذه الالفاظ، و قال: أى بنى، مثلى من الاقطاب، يخاطب بهذا الخطاب!! و أيم الله لقد عقدت الحلق (و لبست من الدهر الجديد و الخلق) (16)، و فككت الغلق، و أبعدت فى الصبوة الطلق، و خضت المنون، و صدت الضب و النون، و حذقت الفنون،

____________

(11) ذلوله: دابته السهلة القياد.

(12) زغلوله: غلامه الخفيف السريع.

(13) هملجت: الهملجة، المشى فى سرعة.

(14) فى نسخة «س» و افترقنا، و لعلها فى نسختا أصوب.

(15) حلبنا الاشطار: يقصد جربنا خير الدهر و شره، فعرفناهما.

(16) زيادة فى «ط، س».

75

و قهرت- بعد سليمان- الجنون، و قضيت الديون، و مرضت لمرض العيون. و ركبت الهمالج‏ (17)، و توسدت الوذائل‏ (18) و الدمالج، و ركضت الفاره، و اقتحمت المهالك و المكاره، وجبت البلاد، و حضرت الجلاد، و أقمت الفصح و الميلاد. فعدت من بلاد الهند و الصين، بالعقل الرصين، و حذقت بدار قسطنطين‏ (19) كتاب اللطين‏ (20)، و دست مدارس أصحاب الرواق‏ (21)، و رأيت غار الارواح و شجر الوقواق،

____________

(17) الهمالج: الابل تمشى فى سرعة.

(18) الوذائل: ج وذيلة، و هى الرشيقة من النساء.

(19) قسطنطين: ملك من ملوك الروم، سميت حاضرة ملكه باسمه (القسطنطينية) و هى مدينة قديمة كانت مسورة بأسوار حصينة تبلغ المائة، أحدها (باب الذهب)، أنظر ياقوت الحموى فى معجم البلدان ج 15 ص 347.

(20) كتاب اللطين: يعنى به «اللاتينية».

(21) أصحاب الرواق: يقصد الرواقيين، و هم فرقة من الفلاسفة القدماء، ينسبون الى الرواق، الذي كان يعلم زينون-Zenon الرواقيين‏Stoiciens تحته، و قد نشأت هذه الفرقة فى القرن الرابع قبل الميلاد ببلاد الاغريق، تنقسم عندهم الفلسفة الى المنطق و الطبيعة و علم الاخلاق، و لا يفصلون العناية الالهية عن القضاء، كما أنهم لا يميزون بين المادى و الروحى، و أن الكون يسوده النظام، و يسوسه المنطق، و أن على الانسان أن ينظم نفسه، فيحتل مكانه فيه.

و بهذا تحققت عندهم فكرة الوحدة الكونية، فى وقت لم يكن العلم الطبيعى عند الاغريق كثيرا، و لكن كان حدسهم شديدا، و نظراتهم الثاقبة كثيرا ما كانت تصيب.

أما عن زينون الرواقى فهو مؤلف هذا المذهب (نحو 340- 265 ق م) فقد ولد فى بلدة كتيوم‏Cition بجزيرة قبرص، و جاء بعد الى أثينا، و هو من أصل فينيقى، و أكثر من وسعوا المذهب كانوا أسيويين أكثر منهم أفارقة، و يعد المذهب آخر مجهود فلسفى فى اليونان الوثنية.

هذا، و ممن آمن بوحدة الكون فى العصور الوسطى كتاب الاديان الثلاثة، فمن المسلمين ابن رشد (1126- 1198 م)، و من المسيحيين كثيرون، و من اليهود القباليون‏Kabbalists ، ثم جاء عصر النهضة بأوربا فأحيا مبدأ الوحدة الكونية بين أهلها، و انبرى عدة فلاسفة ينادون بها، متأثرين بالفلسفة الافلاطونية، و بما رسمه المذهب من آداب، و منهم شكسبير، و شلر، و كنط.

راجع: د. أحمد زكى (مجلة العربى) عدد 134 يناير 1970 م.

76

و شريت حلل اليمن (100: أ) ببخس الثمن‏ (22)، و حللت من عدن‏ (23) حلول الروح من البدن، و نظرت الى قرن الغزالة لما شدن‏ (24)، و أزمعت عن العراقين‏ (25)، سرى القين، و شربت من ماء الرافدين باليدين، و صليت بمحراب الدمنى ركعتين، و تركت الاثر للعين، و وقفت حيث وقف الحكمان‏ (26)، و تقابل التركمان‏ (27) و أخذت بالقدس، عن الحبر الندس، و ركبت الولايا، الى بلاد العلايا (28)، بعد أن طفت بالبيت الشريف، و حصلت بطيبة على الخصب و الريف، فى فصل الخريف، و قرأت بأخميم‏ (29) علم التصريف، و أسرعت فى الانحطاط الى الفسطاط (30)،

____________

(22) فى نسخة س «بأبخس ثمن» و كلاهما بمعنى.

(23) عدن: عاصمة جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، تقع على ساحل البحر الاحمر جنوب غربى الجزيرة العربية، لها شهرة تجارية واسعة بفضل موقعها.

أنظر: معجم البلدان، للحموى، ج 13 ص 89.

(24) فى نسخة (س) «إذا» بدل «لما»، و لعلها فى نسختنا أصوب.

(25) العراقين: البصرة و الكوفة بالعراق، مدينتان لهما أصالتهما العلمية و لا سيما فى عصر الامويين و العباسيين.

(26) الحكمان: هما أبو موسى الاشعرى، و عمرو بن العاص، لما احتكم اليهما على ابن أبى طالب، و معاوية بن أبى سفيان، عقب وقعة صفين (37 ه- 657 م) فى أمر الخلافة، و انتهت بتولى معاوية.

أنظر «وقعة صفين فى:

أ) المسعودى فى «مروج الذهب» ج 2 ص 20- 22.

ب) الطبرى- فى «تاريخ الامم و الملوك» ج 6 ص 33- 43.

(27) التركمان: قبيلة أخضعها التتار، تعرف منذ القرن الثانى عشر الميلادى، و تعيش الآن فى تركستان الغربى، و ايران، و ما وراء القفقاس.

(28) العلايا: مدينة ساحلية بآسيا الصغرى، أسسها علاء الدين كيقوباذ عام 1220 م.

(29) أخميم: مدينة أثرية على شاطئ النيل الشرقى بمصر، محافظتها «سوهاج» أنظر: معجم البلدان ج 1 ص 123.

(30) الفسطاط- مدينة أنشأها الفاتح لمصر عمرو بن العاص علم (20 ه- 640 م) مكانها «مصر القديمة» حاليا إحدى ضواحى القاهرة.

77

و المصر الرحب الاختطاط، و سكنت مدينة الاسكندرية (31) ثغر الرباط، و عجلت بالمرور الى التكرور (32)، فبعث الظل بالحرور و وقفت بأشبانية الى الهيكل المزور، و حصلت بافريقية على الرفد غير المنزور، و انحدرت الى المغرب، انحدار الشمس الى المغرب، و صممت تصميم الحسام الماضى المضرب، و رابطت بالاندلس ثغر الاسلام، و أعلمت بها تحت ظل‏ (33) الاعلام.

فآها- و الله- على عمر مضى، و خلف مضضا (100: ب) و زمن انقضى، و شمل قضى الله من تفرقه ما قضى، ثم أجهش ببكائه، و أعلن باشتكائه، و أنشد:

لبسنا فلم نبل الزمان و أبلانا* * * يتابع أخرانا- على الغى- أولانا

و نغتر بالآمال، و العمر ينقضى‏* * * فما كان- بالرجعى الى الله- أولانا

و ما ذا عسى أن ينظر الدهر ما عسى‏* * * فما انقاد للزجر الحثيث و لا لانا

جزينا صنيع الله شر جزائه‏* * * فلم نرع ما- من سابق الفضل- أولانا

فيا رب عاملنا بما أنت أهله‏* * * من العفو، و اجبر صدعنا، أنت مولانا

ثم قال:

لقد مات اخوانى الصالحون‏* * * فمالى صديق و لا لى عماد

اذا أقبل الصبح ولى السرور* * * و ان أقبل الليل ولى الرقاد

____________

(31) الاسكندرية: العاصمة التجارية لجمهورية مصر العربية، و تقع على ساحل البحر المتوسط، بناها الاسكندر المقدونى.

انظر ياقوت الحموى فى «معجم البلدان» ج 2 ص 182.

(32) تكرور: شعب من الزنج يسكن الجزء الاكبر من وهاد «فوتة» السنغالية، و يعرف باسم‏Foucouleur و فى نسخة (س) «تكرور» بدل «التكرور».

(33) فى نسخة أخرى «ظلال» بدل «ظل»، و كلاهما بمعنى.

78

فتملكتنى له رقة، و هزة للتماسك مسترقة، فهجمت على مضجعه هجوما أنكره، وراع شاءه و عكره‏ (34)، و غطى بفضل ردنه سكره، فقلت له: على رسلك أيها الشيخ، ناب‏ (35) حنت الى حوار (36)، و غريب أنس بجوار، و حائر اهتدى بمنار، و مقرور قصد الى ضوء نار، و طارق لا يفضح عيبا، (و لا يثلم غيبا) و لا يهمل‏ (37) شيبا، و لا يمنع (101: أ) سيبا، و منتاب يكسو الحلة، و يحسن الخلة، و يفرغ الغلة، و يملأ القلة.

أجارتنا: انا غريبان ها هنا* * * و كل غريب- للغريب- نسيب‏

فلما وقم الهواجس و كبتها، و تأمل المخيلة و استثبتها، تبسم لما توسم، و سمح بعد ما جمح، فهاج عقيما فتر، و وصل ما بتر، و أظهر ما خبأ تحت ثوبه و ستر، و ماج منه البحر الزاخر، و أتى بما لا تستطيعه الاوائل و لا الاواخر. و قال- و قد ركض الفنون و أجالها، و عدد الحكم و رجالها، و فجر للاحاديث أنهارها، و ذكر البلدان و أخبارها-:

و لقد سئمت مآربى‏* * * فكأن أطيبها (38) خبيث‏

الا الحديث فانه‏* * * مثل اسمه- ابدا- حديث‏

فلما ذهب الخجل و الوجل، و طال المروى و المرتجل، و توسط الواقع، و تشوفت للنجوم المواقع، و توردت الخدود الفواقع، قلت: أيها الحبر، و اللج الذي لا يناله السبر، لا حجبك- قبل عمر النهاية- القبر،- و أعقب كسر أعداد عمرك- المقابلة بالقبول و الجبر، كأنا بالليل قد أظهر- لوشك الرحيل- (101: ب) الهلع، و الغرب الجشع لنجومه‏

____________

(34) عكره: ابله.

(35) ناب: الناب هى الناقة المسنة.

(36) حوار: بفتح الحاء و ضمها، ولد الناقة.

(37) يقصد: أنه لا يعيب أحدا فى غيبته، و قد وردت هذه الجملة فى نسخة (س).

(38) فى نسخة (س) «فكان» بدل «فكأن» و هو ما لا يستقيم وزنا.

79

قد ابتلع، و مفرق الاحباب- و هو الصبح- قد طلع، فأولنى عارفة من معارفك أقتنيها، و أهززلى أفنان حكمك أجتنيها، فقال: أمل ميسر، و مجمل يحتاج أن يفسر، فأوضح الملغز، و ابن لى الطلا (39) من البرغز (40).

و سل عما بدا لك، فهو أجدى لك، فأقسم لا تسألنى عن غامض، و حلو و حامض، الا أوسعته علما و بيانا، و أريتك الحق عيانا.

قلت: صف لى البلاد وصفا لا يظلم مثقالا، و لا يعمل- فى غير الصدق- و خدا و لا ارقالا (41)، و اذا قلتم فاعدلوا (42)، و من أصدق من الله مقالا (43) فقال: سل، و لا تسل، و لو راعك الاسل. قلت: انفض لى البلاد الاندلسية من أطرافها، و ميز- بميزان الحق- بين اعتدالها و انحرافها، ثم اتلها بالبلاد المرينية (44) نسقا، و اجل- بنور بيانك- غسقا:

____________

(39) الطلا: ولد الظبى ساعة ولادته، و الجمع «أطلاء».

(40) البرغز: ولد البقرة، و يقصد بالعبارة: أوضح غرضك و فصله.

(41) الوخد و الارقال: نوعان من السير السريع للابل.

(42) اقتباسا من قوله تعالى: «وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ، لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى‏، وَ بِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» سورة الانعام، آية: 152.

(43) اقتباسا من قوله تعالى: «وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها أَبَداً، وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا، وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا» سورة النساء، آية: 122.

(44) البلاد المرينية: البلاد المغربية، نسبة الى بنى مرين الذين حكموا هذه البلاد فى الفترة من 668- 869 ه (1269- 1265 م) و كانت عاصمتهم فاس.

80

خريطة مملكة غرناطة، يقابلها الجزء الشمالى من مملكة بنى مرين المغربية، و ذلك فى منتصف القرن الرابع عشر الميلادى‏

81

جبل طارق‏

«منظر جبل طارق من البحر»

«منظر رأس الصخرة»

82

و هات ما تقول فى «جبل الفتح» (46):

1- «جبل الفتح»

قال: فاتحة الكتاب من مصحف ذلك الاقليم، و لطيفة السميع العليم، و قصص المهارق‏ (47)، و أفق البارق، و متحف هذا الوطن المباين للارض المفارق، مأهل العقيق‏ (48) و بارق‏

تذكرت ما بين العذيب و بارق‏* * * مجر عوالينا و مجر السوابق‏

(49)، و محط طارقها، (102: أ) بالفتح طارق. ارم البلاد (50) التى لم يخلق مثله فيها، و ذو المناقب التى لا تحصرها الالسنة و لا توفيها.

حجزه البحر، حتى لم يبق الا خصر، فلا يناله- من غير تلك الفرصة- ضيق و لا حصر، و أطل بأعلاه قصر، و أظله فتح- من الله- و نصر. ساوق‏ (51) سوره البحر فأعياه، قد تهلل بالكلس محياه، و استقبل الثغر الغريب فحياه. اطرد صنع الله فيه، من عدو يكفيه، و لطف يخفيه، و داء عضال يشفيه. فهو خلوة العباد، و مقام العاكف و الباد، و مسلحة من وراءه من العباد، و شقة القلوب المسلمة و الاكباد. هواؤه صحيح، و ثراه- بالخزين- شحيح، و تجر الرباط فيه ربيح، و حماه- للمال‏

____________

(46) جبل الفتح: هو جبل طارق «Gibraltar» نسبة الى فاتح اسبانيا (طارق بن زياد)، و كان يسمى قبل الفتح «Calpe» بمعنى «تجويف» يتبع بريطانيا حاليا، و تنازعها أسبانيا فى الاحقية، و هذا خلاف قديم.

راجع:Jose Carlos de luna -Historia de Gibra ltar .

(47) المهارق: جمع مهرق، و هى الصحيفة.

(48) العقيق: العتيق تقوله العرب لكل مسيل ماء شقه السيل فى الارض فأنهره و وسعه، و فى بلاد العرب أربعة أعقة.

راجع: ياقوت الحموى- معجم البلدان- ج 14 ص 138، ص 139.

(49) بارق، ركن من أركان اليمامة، و هو جبل، كما يطلق أيضا على ماء بالعراق، و هو الفاصل بين القادسية و البصرة من أعمال الكوفة، و قد عناه المتنبى بقوله:

تذكرت ما بين العذيب و بارق‏* * * مجر عوالينا و مجر السوابق‏

راجع: ياقوت الحموى- معجم البلدان- ج 2 ص 319- 320.

(50) ارم: الارم، ما يهتدى به من حجارة تنصب فى المفازة، و جمعه آرام و أرؤم، و المعنى: علم البلاد.

(51) ساوق: فاخر.

83

و الحريم- غير مبيح، و وصفه الحسن لا يشان بتقبيح. الا أنه- و الله يقيه مما يتقيه- بعيد الاقطار، ممار بالقطار (52)، كثير الرياح و الامطار.

مكتنف بالرمل المخلف، و الجوار المتلف. قليل المرافق، (53) معدوم المشاكل و المرافق. هزل الكراع (لعدم الازدراع، حاسر الذراع، للقراع) (54)، مرتزق من ظل الشراع. كورة دبر، (55) و معتكف أزل و صبر، و ساكنه حى فى قبر (102: ب).

هو الباب ان كان التزاور و اللقيا* * * و غوث و غيث للصريخ و للسقيا

فان تطرق الايام فيه بحادث‏* * * و أعزز به- قلنا: السلام على الدنيا

2- «أسطبونة» (56)

قلت: فاسطبونة؟

قال: ذهب رسمها، و بقى اسمها، و كانت مظنة النعم الغزيرة، قبل حادث الجزيرة (57).

____________

(52) القطار: السحاب الغزير القطر.

(53) المرافق: أراد بالمرافق الاولى المنافع، و بالثانية الآبار.

(54) لعدم الازدراع: لعدم المرعى، و ما بين القوسين زيادة وجدناها فى نسختى (س، ر).

(55) كورة دبر: منزل النحل و الزنانير، و قد وردت فى نسختى (ر، د) «حبر».

(56) اسطبونة: بلدة تقع غرب مالقة، على شاطئ البحر المتوسط، و تعرف فى الاسبانية باسم «Estepana»

(57) يقصد بحادث الجزيرة موقعه طريف، و هى بالاسبانية (Batalla del Salado) حدثت بين النصارى من جهة و بين المغاربة و الاندلسيين من جهة أخرى، و تمخضت عن هزيمة المسلمين، و سقوط كل من طريف و الجزيرة الخضراء (30/ 10/ 1340 م جمادى الاولى 741 ه).

راجع: ابن خلدون فى «العبر» ج 7 ص 261، 262، و المقرى فى «نفح الطيب» ج ص 317، 318، و ابن الخطيب فى اللمحة البدرية ص 92، 93، و السلاوى فى «الاستقصاء» ج 2 ص 65، 66، و دكتور لويس سيكودى لوثينا» فى مجلة الاندلس- ملحق 1949 م.

84

مربلة (غرناطة)

صورة من الجو المدينة الساحلية

85

3- «مربلة» (58)

قلت: فمربلة؟

قال: بلد التأذين على السردين، و محل الدعاء و التأمين، لمطعم الحوت السمين، و حدقاتها مغرس العنب العديم القرين، الى قبة أرين‏ (59). الا أن مرساها غير أمين، و عقارها غير ثمين، و معقلها تركبه الارض عن شمال و يمين‏ (60).

4- «سهيل» (61)

قلت: فسهيل؟

قال: حصن حصين، يضيق عن مثله هند و صين، و يقضى- بفضله- كل ذى عقل رصين، سبب عزه متين، و مادة قوته شعير و تين. قد علم أهله مشربهم، و أمنوا مهربهم. و أسهلت بين يديه قراه، و جاد بالسمك واديه و بالحب ثراه، و عرف شأنه بأرض النوب‏ (62)، و منه يظهر سهيل من كواكب الجنوب. الا أن سواحله فل‏ (63) الغارة البحرية، و مهبط

____________

(58) مربلة: مدينة متوسطة، تقع غرب مالقة، على مسافة 60 كم منها، تعرف فى الاسبانية باسم «Marbella»

(59) فى نسخة (ر، س، ط) «قلت أن مرساها غير أمين»، و قد أوردها كذلك المستشرق «سيمونيت»، و لكن الصواب فى نسختنا.

(60) فى نسخة (س، ر) «عن شمال و يمين» بدل «من شمال و يمين».

(61) سهيل: ميناء على ساحل البحر المتوسط، يعرف اليوم فى الاسبانية باسم‏Fuenjerola على مسافة 28 كم شرقى مربلة.

(62) ربما يقصد «بلاد النوبة» أقصى الجنوب بجمهورية مصر العربية، و شمال السودان، و التعبير كناية عن بعد صيت المدينة.

(63) فى نسخة (ر، س) «بل» بدل «فل».

86

منظر عام للمدينة و مينائها

منظر داخلى للقصبة

87

السرية غير السرية، الخليقة بالحذر الحرية، مسرح السائمة الاميرية، و خدامها (103: أ)- كما علمت- أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (64).

5- مالقة (65)

قلت: فمدينة مالقة؟

قال: و ما القول‏ (66) فى الدرة الوسيطة، و فردوس هذه البسيطة؟

أشهد لو كانت سورة لقرنت بها حذقة الاطعام‏ (67)، أو يوما لكانت عيدا فى العام‏ (68)، تبعث لها بالسلام مدينة السلام‏ (69)، و تلقى لها يد الاستسلام محاسن بلاد الاسلام. أى دار، و قطب مدار، و هالة ابدار، و كنز تحت جدار. قصبتها مضاعفة الاسوار، مصاحبة للسنين مخالفة للادوار (70)، قد برزت فى أكمل الاوضاع و أجمل الاطوار. كرسى ملك عتيق، و مدرج مسك فتيق، و ايوان أكاسرة، و مرقب عقاب كاسرة، و مجلى فاتنة حاسرة، و صفقة غير خاسرة. فحماها منيع حريز،

____________

(64) اقتباسا من قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها، أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ» سورة البينة، آية: 6.

(65) مالقة:Malaga مدينة على ساحل البحر الابيض المتوسط، جنوب شرق الاندلس، يرجع تأسيسها الى الفنيقيين عام 1200 ق. م، حيث كانت تعرف باسم «Malaca» بمعنى: المملح، نسبة الى الاسماك المملحة التى اشتهرت بها، و تتوفر المدينة أيضا على أجود أنواع الفواكه، و لها شهرة فى صناعة الفخارCeramica ، كانت عاصمة الحموديين الا دارسة أيام ملوك الطوائف، كما كان بنو الاحمر يعتبرونها العاصمة الثانية بعد غرناطة.

راجع: المقرى فى «نفح الطيب» ج 1 ص 186، و ياقوت الحموى فى «معجم البلدان» ج 17 ص 367.

(66) فى نسخة (ر، س) «و ما أقول» بدل «و ما القول» و كلاهما بمعنى.

(67) حذقة الطعام: الحفل الخاص بانتهاء الصبى من حفظ القرآن.

(68) فى نسخة (ط، س) «فى الايام» بدل «فى الطعام» فالتعبير فى نسختنا أعم.

(69) مدينة السلام: بغداد.

(70) فى نسخة (س، ر) «مصاحبة السنين، محالفة الادوار»، فلعلها فى نسختنا أولى.

88

مالقة- القصبة

أحد الافنية فى القصبة

89

اضطبنت دار الاسطول، و ساوقت البحر بالطول، و أسندت الى جبل الرحمة ظهرها، و استقبلت ملعبها و نهرها، و نشقت وردها الارج (103: ب) و زهرها، و عرفت قدرها، فأغلت مهرها. و فتحت جفنها على الجفن غير الغضيض‏ (72)، و العالم الثانى ما بين الاوج الى الحضيض.

دار العجائب المصنوعة، و الفواكه غير المقطوعة و لا الممنوعة، حيث الاوانى تلقى لها يد الغلب صنائع حلب، و الحلل التى تلح صنعاء فيها بالطلب، و تدعو الى الجلب، الى الدست الرهيف، ذى الورق الهيف.

و كفى برمانها حقاق ياقوت، و أمير قوت، و زائر غير ممقوت. الى المواساة، و تعدد الاساة، و اطعام الجائع و المساهمة فى الفجائع، و أى خلق أسرى من استخلاص الاسرى، تبرز منهم المخدرة حسرى، سامحة بسواريها و لو كانا سوارى كسرى. الى المقبرة التى تسرح بها العين، و تستهان- فى ترويض روضاتها- العين، الى غللها المحكمة البنيان، الماثلة كنجوم السماء للعيان، و افتراض سكناها- أوان العصير- على الاعيان، و وفور أولى المعارف و الاديان.

(104: أ) و أحسن‏ (73) الشعر فيما أنت قائله‏* * * بيت يقال- اذا

أنشدته- صدقا

و على ذلك، فطينها يشقى به قطينها، و أزبالها تحيى بها سبالها، و سروبها يستمد (74) منها مشروبها، فسحنها (75) متغيرة، و كواكب‏

____________

(72) اضطبنت: وافقت.

(73) فى نسختى (س، ط) «مما» بدل «فيما».

(74) فى نسختى (ط، د) «يستعمل» بدل «يستمد».

(75) فى نسختى (ر، س) «فسخهما، فساحاتها» بدل «فسحنها» فلعلها فى نسختنا أولى.

90

قصبة مالقة (منظر جانبي)

91

أذهانها النيرة متحيرة، و أقطارها جد شاسعة، و أزقتها لزجة (76) غير واسعة، و آبارها تفسدها أزفارها، و طعامها لا يقبل الاختزان، و لا يحفظ الوزان، و فقيرها لا يفارق الاحزان، و جوعها ينفى به هجوعها، تحث‏ (77) على الامواج أقواتها، و تعلو على الموازين غير القسط أصواتها، و أرحيتها تطرقها النوائب، و تصيب أهدافها السهام الصوائب، و تعد بها الجنائب، و تستخدم فيها الصبا و الجنائب، و ديارها الآهلة بالسكان قد صم بالنزائل صداها، و أضحت بلاقع بما كسبت يداها، و عين أعيانها أثر، و رسم مجادتها قد دثر، و الدهر لا يقول لعا لمن عثر (78)، و لا ينظم شملا اذا انتثر. و كيف لا يتعلق الذام، ببلد يكثر به الجذام! محلة بلواه آهلة، و النفوس- بمعرة عدواه- جاهلة.

ثم تبسم عند انشراح صدر، و تذكر (79) قصة (104: ب) الزبرقان بن بدر (80).

تقول هذا مجاج النحل تمدحه‏* * * و ان ذممت تقل‏ (81) قى‏ء الزنابير

مدح و ذم، و عين الشي‏ء واحدة* * * ان البيان يرى الظلماء كالنور

(82)

____________

(76) فى نسخة (س) «حرجة».

(77) فى نسخة (ط) «تحط» بدل «تحث».

(78) مثل يضرب عند العرب، و معناه: أن الدهر لا يدعو لك بالانتعاش اذا عثرت.

(79) فى نسخة (س) «و ذكر» بدل «و تذكر».

(80) تتلخص قصة الزبرقان بن بدر فى: أن النبي (صلى الله عليه و سلم) سأل عمرو ابن الاهتم عن الزبرقان بن بدر، فقال: «مانع لحوزته، مطاع فى أدنيه» فقال الزبرقان: أما أنه قد علم أكثر مما قال، و لكنه حسدنى شرفى، فقال عمرو:

«أما لئن قال ما قال: فو الله ما علمته الا ضيق الصدر، زمر المروءة، لئيم الخال، حديث الغنى»، فلما رأى عمرو أنه قد خالف قوله الاول، و رأى الانكار فى عينى الرسول، قال: «يا رسول الله، رضيت، فقلت أحسن ما علمت، و غضبت فقلت أقبح ما علمت، و ما كذبت فى الاولى، و لقد صدقت فى الاخرى» فقال الرسول عند ذلك: «ان من البيان لسحرا».

أنظر: الجاحظ فى «البيان و التبيين». ج 1 ص 52.

(81) فى نسخة (ط) «فقل».

(82) فى نسخة (ط، س) «فى النور» بدل «كالنور».

92

6- «بليش مالقة» (83)

قلت: فبليش؟

قال: جادها المطر الصيب، فنعم البلد الطيب، حلى و نحر، (وبر) و لوز و تين، و سبب من الامن متين، و بلد أمين، و عقار ثمين، و فواكه عن شمال و يمين، و فلاحة مدعى انجابها لا يمين. الا أن التشاجر بها أنمى من الشجر، و القلوب أقسى من الحجر، و نفوس أهلها بينة الحسد و الضجر، و شأنها غيبة و نميمة، و خبث‏ (84) مائها- على ما سوغ الله من آلائها- تميمة

و اذا المنية أنشبت أظفارها* * * ألفيت كل تميمة لا تنفع‏

(85).

7- «قمارش» (86)

قلت فقمارش؟

قال: مودع الوفر، و محط السفر، و مزاحم الفرقد (87) و الغفر (88)، حيث الماء المعين، و القوت المعين. لا يخامر قلب‏

____________

(83) هى بالاسبانية «Velez Malaga» موقعها غرب مدينة مالقة على مسافة 34 كم. و قد تحدث ابن بطوطة عنها فى «الرحلة» بما يؤيد وصف ابن الخطيب هنا (رحلة ابن بطوطة ج 2 ص 187).

(84) فى نسخة (ر، س) «و خبيث».

(85) التميمة: تجمع على تمائم، و هى للاطفال مثلا ما يوضع على صدورهم أو جباههم من تعاويذ، يعتقد أهلوهم أنها تقيهم شر الجوائح و عين الحسود، قال الشاعر:

و اذا المنية أنشبت أظفارها* * * ألفيت كل تميمة لا تنفع‏

و القصد فى موضوعنا: أن المؤلف يعلل لخبث ماء بليش، بأنه تعويذة من حسد الحساد، لما أنعم الله به عليها من النعم التى عددها.

(86) قمارش: هى «Comares» احدى الحصون الهامة أيام مملكة غرناطة، و تقع قربها.

(87) الفرقد: البقر الوحشى.

(88) الغفر: ولد الوعل.

93

المنكب مرفأ نزول عبد الرحمن الداخل مؤسس دولة بني أمية بالاندلس‏

صورة من البحر

94

الثائر به خطرة وجله، الا من أجله. طالما فزعت اليه نفوس الملوك الاخائر بالذخائر، و شقت عليه أكياس المرائر فى الضرائر. و به الاعناب التى راق بها الجناب، و الزياتين، و اللوز و التين، و الحرث الذي له التمكين، و المكان المكين. الا أنه عدم سهله‏ (89)، و عظم جهله، فلا يصلح فيه الا أهله.

8- «المنكب» (90)

قلت: (105: أ) فالمنكب؟

قال: مرفأ السفن و محطها، و منزل عباد المسيح و مختطها. بلدة معقلها منيع، و بردها صنيع، و محاسنها غير ذات تقنيع. و القصر المفتح الطيقان، المحكم الاتقان، و المسجد المشرف المكان، و الاثر المنبئ عن كان و كان، كأنه مبرد واقف، أو عمود فى يد مثاقف. قد أخذ من الدهر الامان، و تشبه بصرح هامان‏ (91)، و أرهفت جوانبه بالصخر المنحوت، و كاد أن يصل (ما) بين الحوت و الحوت‏ (92). غصت‏

____________

(89) يرمى بهذه الكناية الى سوء خلق أهل البلد.

(90) المنكب: مرفأ ساحلى مرتفع، يقع جنوب شرق الاندلس بمقاطعة غرناطة، يدعى الآن «Almunecar و قد نزل الامير الاموى عبد الرحمن بن معاوية بهذا الميناء عند دخوله الاندلس فى ربيع الاول 138 ه- سبتمبر 755 م، و هذا الامير هو الذي عرف بعدئذ بلقب «الداخل».

راجع: الادريسى فى «نزهة المشتاق»- ص 199- نشر دوزى 1866 م، و كذا «الروض المعطار للحميرى ص 186.

(91) يرمى الى الصرح الذي أمر فرعون وزيره هامان بتشييده له، فى قوله تعالى:

«و قال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من اله غيرى، فأوقد لى يا هامان على الطين، فاجعل لى صرحا لعلى أطلع الى اله موسى، و انى لأظنه من الكاذبين» القصص: 38.

(92) يعنى بالحوت الاول: السمك، و بالآخر: نجم، كناية عن عظم ارتفاع القصر.

95

حصن المنكب (اول محط لعبد الرحمن الداخل)

96

- بقصب السكر- أرضها، و استوعب بها (93) طولها و عرضها، زبيبها فائق، و جنابها رائق.

و قد مت- اليها- جبل الشوار (94) بنسب الجوار. منشأ الاسطول، بعدته‏ (95) غير ممطول، و أمده لا يحتاج الى الطول. الا أن اسمها مظنة طيرة تشتنف‏ (96)، فالتنكيب- عنها- يؤتنف‏ (97).

و طرقها (98) يمنع شر سلوكها من تردد ملوكها، و هواؤها فاسد، و وباؤها مستأسد، و جارها حاسد. فاذا التهبت السماء، و تغيرت بالسمائم‏ (99) المسميات و الاسماء، فأهلها- من أجداث بيوتهم- يخرجون‏ (100)، و الى جبالها يعرجون. و الودك اليها مجلوب، و القمح بين أهلها مقلوب، (105: ب) و الصبر- ان لم يبعثه البحر- مطلوب‏ (101)، و الحرباء- بعرائها- مصلوب‏ (102)، و الحر- بدم الغريب- مطلوب‏ (103).

____________

(93) فى نسخة (ر) «فيها» بدل «بها».

(94) يقصد به جبل «Sierra del Cazulas»

راجع فى هذا كلا من الحميرى فى «الروض المعطار» ص 112، و كذا:

«سيمونيت» فى تحقيقه ص 47.

(95) فى نسخة (ط) «فوعدها».

(96) فى نسخة (س) «تستنف».

(97) يؤتنف: يبتدئ.

(98) فى نسختى (س، ط) «و طريقها».

(99) السمائم: الريح الحارة.

(100) اقتباسا من قوله تعالى: «يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً، كَأَنَّهُمْ إِلى‏ نُصُبٍ يُوفِضُونَ» سورة المعارج، آية: 43.

(101) لعله يقصد أن القمح هو الآخر يجلب من الخارج، ثم يصرف بين أهل المدينة، فان لم تأت به السفن فالصبر نافذ.

(102) لعل السبب لهذا شدة الحرارة، كما أسلف، و يبقى الاعتراض على تذكير «مصلوب» و الحرباء مؤنثة، و على هذا المرجع أنه يقصد بالحرباء قاطع الطريق العاتى، بدليل ما بعده، و يميل «سيمونيت» الى ذلك.

راجع: سيمونيت فى تحقيقه ص: 47.

(103) ربما يرمى بذلك الى أن أهلها شرار يعترضون طريق الغريب، بغية السلب، و لو أدى بهم ذلك الى قتل الغريب، و من ثم يكون القصاص منهم.

97

9- «شلوبانية» (104)

قلت: فشلوبانية؟

قال: أختها الصغرى، ولدتها التى يشغل بها المسافر و يغرى، حصانة معقل، و مرقب متوقل، و غاية طائر، و ممتنع ثائر، و متنزه زائر، تركب- بدنها- الجداول المرفوعة، و تخترق- جهاتها- المذانب المفردة و المشفوعة، ففى المصيف تلعب بالعقل الحصيف، و فى الخريف تسفر عن الخصب و الريف. و حوت هذه السواحل أغزر من رمله، تغرى‏ (105) القوافل الى البلاد بحمله‏ (106)، الى الخضر الباكرة، و النعم الحامدة للرب الشاكرة. و كفى بمترايل‏ (107) من بسيطها محلة مشهورة، و عقيلة ممهورة، و وداعة فى السهل غير مبهورة (108).

جامعها حافل، و فى حلة الحسن رافل. الا أن أرضها مستخلص السلطان بين الاوطان، و رعيتها عديمة الاعيان، مروعة على الاحيان. و تختص‏

____________

(104) شلوبانية: بلدة على ساحل البحر الابيض المتوسط، تبعد بمسافة 16 كلم شرق المنكب، و تعرف فى الاسبانية باسم «Salobrena» تحيط بها الجبال من الشمال و الغرب، و بها حصن أندلسى من أهم الآثار الاندلسية، و هو يشرف على المدينة من ناحية الشرق من ارتفاع شاهق، و قد سقطت شلوبانية فى يد الاسبان فى نفس العام الذي سقطت فيه المنكب، أى عام 1489 م، و الى شلوبانية ينتسب امام النحو الاندلسى «أبو على الشلوبين» المتوفى باشبليلية عام 645 ه (1247 م).

(105) فى نسخة (س) «تغدو».

(106) فى نسخة (س) «تحمله».

(107) مدينة تسمى الآن «Motril»، يبلغ تعداد سكانها حاليا 000. 50 نسمة تقريبا، تبعد عن مالقة بنحو 107 كم، كما تبعد عن مدينة غرناطة شرقا بنحو 74 كم تجاه ساحل البحر الابيض المتوسط، تشتهر بزراعة قصب السكر، و لها أهمية اقتصادية بين مدن غرناطة، حيث أنها مركز هام للمواصلات.

(108) غير مبهورة: غير مفضولة.

98

شلوبانية بمزية البنيان، و لكنها غاب الحميات، غير أمينة على الاقتيات، و لا وسيمة الفتيان و لا الفتيات‏ (109).

10- «برجة» (110)

قلت: فبرجة؟

قال: تصحيف و تحريف، و تغيير فى تعريف‏ (111). ما هى الا بهجة ناظر، و شرك خاطر، و نسيجة (106: أ) عارض ماطر، و دارين‏

يمرون بالدهنا خفافا عيابهم‏* * * و يرجعون من دارين بجر الحقائب‏

(112) نفس عاطر. عقارها ثمين، و حرمها أمين، و حسنها باد و كمين، عقود أعنابها قد قرطت آذان الميس‏ (113) و الحور (114)، و عقائل أدواحها مبتسمة عن ثغور النور. وسيطها متواضع عن النجد، مرتفع عن الغور، و عينها سلسالة، و سبائك‏ (115) المذانب منها مسالة، تحمل الى كل جهة رسالة، و دورها فى العراء مبثوثة (و ركائب النواسم بينها محثوثة)، لا تشكو بضيق الجوار، و استكشاف العوار، و تزاحم الزوار.

مياه و ظلال، و سحر حلال، و خلق دمث كثراها، و محاسن متعددة كقراها، و لطافة كنواسمها عند مسراها، و أعيان و وجوه، نجل العيون،

____________

(109) فى نسختى (ط، س) «و الفتيات» بدون «لا».

(110) برجه: هى «Berja» تقع شرق الاندلس، و تتبع اقليم المرية.

(111) يصح أن يكون اسم المدينة مصحف عن «بهجة» و محرف عن «برج»، و تقرأ معرفة «البرج»، و هذا مقصد ابن الخطيب من تعبيره عنها.

(112) دارين: مكان بالبحرين يجلب اليه المسك من الهند، و ينسب اليها. و قد ورد هذا المكان كثيرا فى الاشعار العربية، قال بعضهم:

يمرون بالدهنا خفافا عيابهم‏* * * و يرجعون من دارين بجر الحقائب‏

(113) الميس: نوع من الشجر. يوصف بضخامة الادواح و الغصون.

(114) الحور: نوع من الكروم ينهض على ساق.

(115) فى نسخة (ط) «و سنابك».

99

بيض الوجوه، غلتهم الحرير، و مجادتهم غنية عن التقرير. الا أن متبوأها بسيط مطروق، و قاعدتها فروق‏ (116)، و وتدها مفروق‏ (117)، و معقلها خرب، كأنه أحدب جرب، ان لم ينقل اليه الماء، برح به الظماء، و لله در صاحبنا اذ يقول:

يا بسيطا بمعانى برجه‏* * * أصبح الحسن به مشتهرا

لا تحرك بفخار مقولا* * * فلقد ألقمت منها حجرا

و البر بها نزر الوجود، و اللحم تلوه و هما طيبتا الوجود، و الحرف (106: ب) بها ذاوية العود، و المسلك اليها بعيد الصعود.

11- «دلاية» (118)

قلت: فدلاية؟

قال خير رعاية و ولاية، حرير ترفع عن الثمن، و ملح يستفد على الزمن، و مسرح معروف، و أرض ينبت بها جبن و خروف. الا أنها لسرايا العدو البحرى مجر العوالى، و محل الفتكات على التوالى، فطريقها صوى‏ (119) و مشاهد، و العارف- فى مثلها- زاهد.

____________

(116) قاعدتها فروق: أى أن أرضها عرضة للغارات، التى تجعلها جزعة يتملكها الخوف.

(117) وتدها مفروق: كناية عن أن مبانيها يفرقها نهر أو واد مثلا، و التعبير اصطلاح عروضى، و التورية واضحة.

(118) دلاية: هى «Dalias» احدى القرى التابعة لولاية المرية، تبعد بنحو 9 كم جنوب شرق برجة.

(119) صوى: ما يوضع فى الطرق من أحجار كعلامات، و فى نسخ (س، ط، ر) «هوى». و قد أوردها «سيمونيت» هكذا، و لعل الصواب فى نسختنا.

100

12- «المرية» (120)

قلت: فمدينة المرية؟

قال: المرية هنية مرية، بحرية برية، أصيلة سرية، معقل الشموخ و الاباية، و معدن المال و عنصر الجباية، و حبوة الاسطول‏ (121)، غير المعلل بالنصر و لا الممطول، و محط التجار، و كرم النجار، و رعى الجار.

ما شئت من أخلاق معسولة، و سيوف من الجفون السود مسلولة، و تكك محلولة، و حضارة تعبق طيبا، و وجوه لا تعرف تقطيبا، و لم تزل- مع الظرف- دار نساك؛ و خلوة اعتكاف و امساك.

أرغم أهلها أنف الصليب، لما عجم منها بالعود الصليب، و ألف‏ (122)

____________

(120) المرية «Almaria» مدينة كبيرة جنوب شرق الاندلس، و من أجمل الثغور و المدن الاندلسية، و هى عاصمة الولاية المسماة، بهذا الاسم، يبلغ سكانها اليوم 000. 85 نسمة تقريبا، و أهم صادراتها الحديد و الرصاص و الفاكهة، و كانت فى العهد الاسلامى من أهم ثغور الاندلس الجنوبية، بناها الخليفة الاموى عبد الرحمن الناصر عام 344 ه- 955 م، و سقطت فى يد الاسبان فى فبراير 1490 م (895).

راجع: الروض المعطار للحميرى ص 183، 184، و كذلك ما ذكره المستشرق «زيبولد» بدائرة المعارف الاسلامية، عن وضعية هذه المدينة فى العهد الاسلامى ص 319 (Zeybold ,Enc .ISI ,l ,P .319)

(121) يقصد القاعدة التى هى مرسى الاسطول.

(122) فى نسختى (س، ر) «و أنف» و هكذا ورد عند «سيمونيت»، فلعل الصواب فى نسختنا، اذ يرمى المؤلف بتعبيره هذا الى أن معظم اسم المدينة يعنى «المرارة» التى ذاقها العدو فانقلب عنها.

101

المرية

صورة للقصبة العربية من الجو

102

لامها و ألفها حكم التغليب، فانقلب منها آيسا (123) عند التغليب:

يسأل عن أهل المرية سائل‏* * * و كيف ثبات القوم و الروع باسر

(107: أ)

قطا دارج فى الرمل فى يوم لذة* * * و لهو، و يوم الروع فتخ كواسر

(124)

بحرها مرفأ السفن الكبار، و كرسيها هو العزيز عند الاعتبار، و قصبتها سلوة الحزين، و مودع الخزين، و فلك المنتزين. و هى محل الغلل‏ (125) المجدية، و الاندية (126) المشفوعة الاردية، و لواديها المزية على الاودية. حجة الناظر المفتون، المكسو الغصون‏ (127) و المتون، بالاعناب و الزيتون.

____________

(123) ينبغى أن نشير هنا الى هذه المؤامرة السرية الخطيرة التى تمت بين قشتالة و أراجون على غزو مملكة غرناطة فى آن واحد عام 1309 م (709 ه). و تتلخص هذه المؤامرة فى أن تهاجم الجيوش القشتالية مدينة الجزيرة الخضراءAlgociras بالجنوب، بينما تهاجم الاساطيل الارجونية ثغور المرية من الشرق، و يتابع الطرفان هجومهما حتى يتقابلا فى غرناطة نفسها، و قد تعرضت مدن أندلسية كثيرة لشر هذا الاتفاق، و كانت المرية أكثر المدن ابتلاء بهذا الهجوم، و قد فشل المشروع الهجومى بصمود هذه المدن.

أنظر: ابن القاضى فى «درة الحجال فى غرة اسماء الرجال» ج 1 ص: 71 و ما بعدها، نشر علوش. الرباط 1934 م، و قد ترجم النص الى عدة لغات، منها ترجمة اسبانية لسانشث البرانث فى:

Sachez, Alborenez, La Espana Musulmana, P.

392- 386.

(124) فتخ: الاسد ذوات الكف العريض.

(125) فى نسختى (س، ط) «و الحلل».

(126) فى نسخة (ط) «و الاردية».

(127) فى نسخة (ط) «الخصور».