الفروق في اللغة

- حسن بن عبد الله‏ العسكري المزيد...
310 /
55

باستثناء في التحقيق، و قال ابن السراج الاستثناء هو إخراج بعض من كل.

(الفرق) بين‏

المنازعة

و

المطالبة

أن المطالبة تكون بما يعرف به المطلوب أخبرت أن الضرب قد استوفى القوم ثم قلت و عمرا فعمرو غير القوم و الفعل الواقع به غير الفعل الواقع بالقوم و انما أشركته معهم في فعل ثان وصل اليه منك و ليس هذا حكم الاستثناء لأنك تمنع في الاستثناء أن يصل فعلك الى جميع المذكور

. و من قبيل الكلام المنازعة

(الفرق) بين‏

المنازعة

و

المطالبة

أن المطالبة تكون بما يعرف به المطلوب كالمطالبة بالدين و لا تقع إلا مع الاقرار به و كذلك المطالبة بالحجة على الدعوى و الدعوى قول يعترف به المدعي، و المنازعة لا تكون الا فيما ينكر المطلوب و لا يقع فيما يعترف به الخصمان منازعة.

(الفرق) بين‏

المعارضة

و

الإلزام‏

أن كل معارضة الزام و ليس كل الزام معارضة ألا ترى أن قولك لمن أنكر حدوث الأجسام ما أنكرت أنها سابقة للحوادث الزام و ليس بمعارضة، و المعارضة أن تبدأ بما في عرض المسألة و بما في رأيه ثم تأتي بالمسألة فتجمع بينهما و بين ذلك إما بعلة أو بغير علة .. فالمعارضة بالعلة كقولك إن كان الله تعالى يفعل الجور فلا يكون الجور لأنه القادر المالك، و المعارضة على غير علة نحو قولنا لمن يقول إن السواد و الحركة جسم ما أنكرت أن البياض و السكون أيضا جسم.

(الفرق) بين‏

المعارضة

و

إجراء

العلة في المعلول‏

أن المطالب باجراء العلة في المعلول يبدأ بتقرير خصمه على جهة الاحتلال ثم يأتي بالموضع الذي رام أن يجري فيه كما تقول لأصحاب الصفات اذا قلتم إن كل موجود لم يكن غير الله محدث فقولوا إن صفاته محدثة لأنها ليست هي الله، و كذلك قولك للملحد اذا قلت إن الاجسام قديمة لأن قدمها متصور في العقل فلا يتصور في العقل ما لا حقيقة له.

56

(الفرق) بين‏

المسألة

و

الفتيا

أن المسألة عامة في كل شي‏ء و الفتيا سؤال عن حادثة، و أصله من الفتاء و هو الشباب و الفتى الشاب و الفتاة الشابة و تقول للأمة و إن كانت عجوزا فتاة لانها كالصغيرة في أنها لا توقر توقير الكبيرة، و الفتوة حال الغرة و الحداثة، و قيل للمسألة عن حادثة فتيا لأنها في حالة الشابة في أنها مسألة عن شي‏ء حدث.

(الفرق) بين‏

المعارضة

و

قلب‏

المسألة

أن قلب المسألة هو الرجوع على السائل بمثل مطالبته في مذهب له يلزمه فيه مثل الملك كقولنا للسحيرة اذا قالوا إن الفاعل في الشاهد لا يكون الا جسما فلما كان الله فاعلا وجب أن يكون جسما ما أنكرتم اذا كان الفاعل في الشاهد لا يكون الا محدثا مربوبا أي لا يكون في الغائب الا كذلك، و قلب المسألة يكون بعد الجواب فاذا كان قبل الجواب كان ظلما إلا أن يجعل على صيغة الجواب، و المعارضة هو أن يذكر المذهبان جميعا فيجمع بينهما، و قلب السؤال لا يكون الا ذكر مذهب واحد.

(الفرق) بين‏

الإبلاغ‏

و

الأداء

أن الأداء إيصال الشي‏ء على ما يجب فيه، و منه أداء الدين، فلان حسن الأداء لما يسمع و حسن الأداء للقراءة، و الابلاغ ايصال ما فيه بيان للافهام و منه البلاغة و هي ايصال المعنى الى النفس في أحسن صورة.

(الفرق) بين‏

الإبلاغ‏

و

الإيصال‏

أن الابلاغ أشد اقتضاء للمنتهي اليه من الايصال لانه يقتضي بلوغ فهمه و عقله كالبلاغة التي تصل الى القلب، و قيل الابلاغ اختصار الشي‏ء على جهة الانتهاء و منه قوله تعالى‏ (ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ).

(الفرق) بين الاسم‏

العرفي‏

و الاسم‏

الشرعي‏

أن الاسم الشرعي ما نقل عن أصله في اللغة فسمي به فعل أو حكم حدث في الشرع نحو الصلاة و الزكاة و الصوم و الكفر و الايمان و الاسلام و ما يقرب من ذلك و كانت هذه أسماء تجري قبل الشرع على أشياء ثم جرت في الشرع على أشياء

57

أخر و كثر استعمالها حتى صارت حقيقة فيها و صار استعمالها على الأصل مجازا ألا ترى أن استعمال الصلاة اليوم في الدعاء مجاز و كان هو الأصل، و الاسم العرفي ما نقل عن بابه بعرف الاستعمال نحو قولنا دابة و ذلك أنه قد صار في العرف إسما لبعض ما يدب و كان في الأصل اسما لجميعه و كذلك الغائط كان اسما للمطمئن من الأرض ثم صار في العرف اسما لقضاء الحاجة حتى ليس يعقل عند الاطلاق سواه، و عند الفقهاء أنه اذا ورد عن الله خطاب قد وقع في اللغة لشي‏ء و استعمل في العرف لغيره و وضع في الشرع لآخر فالواجب حمله على ما وضع في الشرع لأن ما وضع له في اللغة قد انتقل عنه و هو الأصل فما استعمل فيه بالعرف أولى بذلك و اذا كان الخطاب في العرف لشي‏ء و في اللغة بخلافه وجب حمله على العرف لأنه أولى كما أن اللفظ الشرعي يحمله على ما عدل عنه و اذا حصل الكلام مستعملا في الشريعة أولى على ما ذكر قبل، و جميع أسماء الشرع تحتاج الى بيان نحو قوله تعالى‏ (أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ)* إذ قد عرف بدليل أنه أريد بها غير ما وضعت له في اللغة و ذلك على ضربين أحدهما يراد به ما لم يوضع له البتة نحو الصلاة و الزكاة، و الثاني يراد به ما وضع له في اللغة لكنه قد جعل اسما في الشرع لما يقع منه على وجه مخصوص أو يبلغ حدا مخصوصا فصار كأنه مستعمل في غير ما وضع له و ذلك نحو الصيام و الوضوء و ما شاكله.

(الفرق) بين‏

بلى‏

و

نعم‏

أن بلى لا تكون إلا جوابا لما كان فيه حرف جحد كقوله تعالى‏ (أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏) و قوله عز و جل‏ (أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) ثم قال في الجواب‏ (قالُوا بَلى‏)، و نعم تكون للاستفهام بلا جحد كقوله تعالى‏ (فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ) و كذلك جواب الخبر إذا قال قد فعلت ذلك قلت نعم لعمري قد فعلته، و قال الفراء و إنما امتنعوا أن يقولوا في جواب الجحود نعم لأنه اذا قال الرجل ما لك عليّ شي‏ء، فلو قال الآخر نعم، كان صدقه، كأنه قال نعم ليس لي عليك‏

58

شي‏ء و اذا قال بلى فانما هو رد لكلام صاحبه أي بلى لي عليك شي‏ء فلذلك اختلف بلى و نعم.

(الفرق) بين‏

الوسوسة

و

النزع‏

أن النزع هو الاغواء بالوسوسة و أكثر ما يكون عند الغضب، و قيل أصله للازعاج بالحركة الى الشر و يقال هذه نزعة من الشيطان للخصلة الداعية الى الشر، و أصل الوسوسة الصوت الخفي و منه يقال لصوت الحلى وسواس، و كل صوت لا يفهم تفصيله لخفائه وسوسة و وسواس و كذلك ما وقع في النفس خفيا، و سمى الله تعالى الموسوس وسواسا بالمصدر في قوله تعالى: (مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ).

59

الباب الثالث فى الفرق بين الدلالة و الدليل و الاستدلال، و بين النظر و التأمل و بين النظر و الرؤية، و ما يجري مع ذلك‏

(الفرق) بين‏

الدلالة

و

الدليل‏

أن الدلالة تكون على أربعة أوجه أحدها ما يمكن أن يستدل به قصد فاعله ذلك أو لم يقصد، و الشاهد أن أفعال البهائم تدل على حدثها و ليس لها قصد الى ذلك و الأفعال المحكمة دلالة على علم فاعلها، و إن لم يقصد فاعلها أن تكون دلالة على ذلك، و من جعل قصد فاعل الدلالة شرطا فيها احتج بأن اللص يستدل بأثره عليه و لا يكون أثره دلالة لأنه لم يقصد ذلك فلو وصف بأنه دلالة لوصف هو بأنه دال على نفسه و ليس هذا بشي‏ء لانه ليس بمنكر في اللغة أن يسمى أثره دلالة عليه و لا أن يوصف هو بأنه دال على نفسه بل ذلك جائز في اللغة معروف يقال قد دل الحارب على نفسه بركوبه الرمل و يقال أسلك الحزن لأنه لا يدل على نفسك و يقولون استدللنا عليه بأثره و ليس له أن يحمل هذا على المجاز دون الحقيقة الا بدليل و لا دليل، و الثاني العبارة عن الدلالة، يقال للمسؤول أعد دلالتك، و الثالث الشبهة، يقال دلالة المخالف كذا أي شبهته، و الرابع الامارات يقول الفقهاء الدلالة من القياس كذا و الدليل فاعل الدلالة، و لهذا يقال لمن يتقدم القوم في الطريق دليل، إذ كان يفعل من التقدم ما يستدلون به، و قد تسمى الدلالة دليلا مجازا، و الدليل‏

60

أيضا فاعل الدلالة مشتق من فعله، و يستعمل الدليل في العبارة و الأمارة و لا يستعمل في الشبه، و الشبهة هي الاعتقاد الذي يختار صاحبه الجهل أو يمنع من اختيار العلم و تسمى العبارة عن كيفية ذلك الاعتقاد شبهة أيضا، و قد سمي المعنى الذي يعتقد عنده ذلك الاعتقاد شبهة، فيقال هذه الحيلة شبهة لقوم اعتقدوها معجزة.

(الفرق) بين‏

الدلالة

و

الشبهة

فيما قال بعض المتكلمين ان النظر في الدلالة يوجب العلم، و الشبهة يعتقد عندها أنها دلالة فيختار الجهل، لا لمكان الشبهة و لا للنظر فيها، و الاعتقاد هو الشبهة في الحقيقة لا المنظور فيه.

(الفرق) بين‏

الدلالة

و

الأمارة

أن الدلالة عند شيوخنا ما يؤدي النظر فيه الى العلم، و الامارة ما يؤدي النظر فيه الى غلبة الظن لنحو ما يطلب به من جهة القبلة و يعرف به جزاء الصيد و قيم المتلفات، و الظن في الحقيقة ليس يجب عن النظر في الامارة لوجوب النظر عن العلم في الدلالة و انما يختار ذلك عنده فالامارة في الحقيقة ما يختار عنده الظن، و لهذا جاز اختلاف المجتهدين مع علم كل واحد منهم بالوجه الذي منه خالفه صاحبه كاختلاف الصحابة في مسائل الجد و اختلاف آراء ذوي الرأي في الحروب و غيرها مع تقاربهم في معرفة الامور المتعلقة بذلك، و لهذا تستعمل الامارة فيما كان عقليا و شرعيا.

(الفرق) بين‏

الدلالة

و

الحجة

قال بعض المتكلمين الادلة تنقسم أقساما و هي دلالة العقل و دلالة الكتاب و دلالة السنة و دلالة الاجماع و دلالة القياس فدلالة العقل ضربان أحدهما ما أدى النظر فيه الى العلم بسوى المنظور فيه أو بصفة لغيره، و الآخر ما يستدل به على صفة له أخرى و تسمى طريقة النظر و لا تسمى دلالة لأنه يبعد أن يكون الشي‏ء دلالة على نفسه أو على بعض صفات نفسه فلا يبعد أن يكون يدل على غيره و كل ذلك يسمى حجة فافترقت الحجة و الدلالة من هذا الوجه، و قال قوم لا

61

يسميان حجة و دلالة الا بعد النظر فيهما و اذا قلنا حجة الله و دلالة الله فالمراد أن الله نصبهما و اذا قلنا حجة العقل و دلالة العقل فالمراد أن النظر فيهما يفضي الى العلم من غير افتقار الى أن ينصبهما ناصب، و قال غيره الحجة هي الاستقامة في النظر و المضي فيه على سنن مستقيم من رد الفرع الى الاصل و هي مأخوذة من الحجة و هي الطريق المستقيم و هذا هو فعله المستدل و ليس من الدلالة في شي‏ء، و تأثير الحجة في النفس كتأثير البرهان فيها و انما تنفصل الحجة من البرهان لأن الحجة مشتقة من معنى الاستقامة في القصد حج يحج، اذا استقام في قصده، و البرهان لا يعرف له اشتقاق و ينبغي أن يكون لغة مفردة.

(الفرق) بين‏

الاحتجاج‏

و

الاستدلال‏

أن الاستدلال طلب الشي‏ء من جهة غيره، و الاحتجاج هي الاستقامة في النظر على ما ذكرنا سواء كان من جهة ما يطلب معرفته أو من جهة غيره.

(الفرق) بين دلالة

الكلام‏

و دلالة

البرهان‏

أن دلالة البرهان هي الشهادة للمقالة بالصحة، و دلالة الكلام احضاره المعنى النفيس من غير شهادة له بالصحة إلا أن يتضمن بعض الكلام دلالة البرهان فيشهد بصحة المقالة، و من الكلام ما يتضمن دلالة البرهان و منه ما لا يتضمن ذلك إذ كل برهان فانه يمكن أن يظهر بالكلام كما أن كل معنى يمكن ذلك فيه، و الاسم دلالة على معناه و ليس برهانا على معناه و كذلك هداية الطريق دلالة عليه و ليس برهانا عليه، فتأثير دلالة الكلام خلاف تأثير دلالة البرهان.

(الفرق) بين‏

الاستدلال‏

و

الدلالة

أن الدلالة ما يمكن الاستدلال به، و الاستدلال فعل المستدل و لو كان الاستدلال و الدلالة سواء لكان يجب أن لو صنع جميع المكلفين للاستدلال على حدث العالم أن لا يكون في العالم دلالة على ذلك.

(الفرق) بين‏

الدلالة

و

العلامة

أن الدلالة على الشي‏ء ما يمكن كل‏

62

ناظر فيها أن يستدل بها عليه كالعالم لما كان دلالة على الخالق كان دالا عليه لكل مستدل به، و علامة الشي‏ء ما يعرف به المعلم له و من شاركه في معرفته دون كل واحد كالحجر تجعله علامة لدفين تدفنه فيكون دولة لك دون غيرك و لا يمكن غيرك أن يستدل به عليه الا اذا وافقته على ذلك كالتصفيق تجعله علامة لمجي‏ء زيد فلا يكون ذلك دلالة إلا لمن يوافقك عليه، ثم يجوز أن تزيل علامة الشي‏ء بينك و بين صاحبك، فتخرج من أن تكون علامة له، و لا يجوز أن تخرج الدلالة على الشي‏ء من أن تكون دلالة عليه فالعلامة تكون بالوضع و الدلالة بالاقتضاء.

(الفرق) بين‏

العلامة

و

الآية

أن الآية هي العلامة الثابتة من قولك تأييت بالمكان اذا تحبست به و تثبت قال الشاعر:

و علمت أن ليست بدار ثابتة* * * فكصفقة بالكف كان رقادي‏

أي ليست بدار تحبس و تثبت، و قال بعضهم أصل آية آيية ولكن لما اجتمعت يا آن قلبوا (1) احداهما ألفا كراهة التضعيف و جاز ذلك لأنه اسم غير جار على فعل.

(الفرق) بين‏

العلامة

و

الأثر

أن أثر الشي‏ء يكون بعده، و علامته تكون قبله تقول الغيوم و الرياح علامات المطر و مدافع السيول آثار المطر.

دلالة عليه و ليس برهانا عليه فتأثير دلالة الكلام خلاف تأثير دلالة

(الفرق) بين‏

العلامة

و

السمة

أن السمة ضرب من العلامات مخصوص و هو ما يكون بالنار في جسد حيوان مثل سمات الابل و ما يجري مجراها و في القرآن‏ (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ) و أصلها التأثير في الشي‏ء و منه الوسمي‏ (2) لأنه يؤثر في الارض أثرا، و منه الموسم لما فيه من آثار أهله و الوسمة (3) معروفة سميت بذلك لتأثيرها فيما يخضب بها.

(الفرق) بين‏

الدلالة

و

البرهان‏

أن البرهان لا يكون الا قولا يشهد

____________

(1) في التيمورية «قلبت».

(2) هو أول المطر.

(3) نبت يخضب به الشعر.

63

بصحة الشي‏ء، و الدلالة تكون قولا تقول العالم دلالة على القديم و ليس العالم قولا، و تقول دلالتي على صحة مذهبي كذا فتأتي بقول تحتج به على صحة مذهبك، و قال بعض العلماء البرهان بيان يشهد بمعنى آخر حق في نفسه و شهادته مثال ذلك أن الاخبار بأن الجسم محدث هو بيان بأن له محدثا و المعنى الأول حق في نفسه، و الدليل ما ينبئ عن معنى من غير أن يشهد بمعنى آخر و قد ينبئ عن معنى يشهد بمعنى آخر فالدليل أعم. و سمعت من يقول البرهان ما يقصد به قطع حجة الخصم فارسي معرب و أصله بران أي اقطع ذاك و منه البرهة و هي القطعة من الدلالة و لا يعرف صحة ذلك، و قال علي بن عيسى: الدليل يكون وضعيا قد يمكن أن يجعل على خلاف ما جعل عليه نحو دلالة الاسم على المسمى، و أما دلالة البرهان فلا يمكن أن توضع دلالة على خلاف ما هي دلالة عليه نحو دلالة الفعل على الفاعل لا يمكن أن تجعل دلالة على أنه ليس بفاعل.

(الفرق) بين‏

الأمارة

و

العلامة

أن الامارة هي العلامة الظاهرة، و يدل على ذلك أصل الكلمة و هو الظهور، و منه قيل أمر الشي‏ء اذا كثر و مع الكثرة ظهور الشأن، و من ثم قيل الامارة لظهور الشأن، و سميت المشورة أمارا لأن الرأي يظهر بها و ائتمر القوم اذا تشاوروا قال الشاعر

* ففيم الامار فيكم و الامار*

(الفرق) بين‏

العلامة

و

الرسم‏

أن الرسم هو إظهار الاثر في الشي‏ء ليكون علامة فيه، و العلامة تكون ذلك و غيره ألا ترى أنك تقول علامة مجي‏ء زيد تصفيق عمرو و ليس ذلك بأثر.

(الفرق) بين‏

الرسم‏

و

الختم‏

أن الختم ينبئ عن إتمام الشي‏ء و قطع فعله و عمله تقول ختمت القرآن أي أتممت حفظه و قرأته و قطعت قراءته و ختمت الكير لانه آخر ما يفعل به لحفظه و لا ينبئ الرسم عن ذلك و إنما الرسم إظهار الاثر بالشي‏ء ليكون علامة فيه و ليس يدل على تمامه ألا ترى‏

64

أنك تقول ختمت القرآن و لا تقول رسمته فان استعمل الرسم في موضع الختم في بعض المواضع فلقرب معناه من معناه، و الاصل في الختم ختم الكتاب لانه يقع بعد الفراغ منه و منه قوله تعالى‏ (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى‏ أَفْواهِهِمْ) منع و قوله تعالى‏ (خَتَمَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ) ليس بمنع ولكنه ذم بأنها كالممنوعة من قبول الحق على أن الرسم فارسي معرب لا أصل له في العربية فيجوز أن يكون بمعنى الختم لا فرق بينهما لانهما لغتان.

(الفرق) بين‏

الختم‏

و

الطبع‏

أن الطبع أثر يثبت في المطبوع و يلزمه فهو يفيد من معنى الثبات و اللزوم ما لا يفيده الختم، و لهذا قيل طبع الدرهم طبعا و هو الاثر الذي يؤثره فيه فلا يزول عنه، كذلك أيضا قيل طبع الانسان لانه ثابت غير زائل، و قيل طبع فلان على هذا الخلق اذا كان لا يزول عنه، و قال بعضهم الطبع علامة تدل على كنه الشي‏ء قال و قيل طبع الانسان لدلالته على حقيقة مزاجه من الحرارة و البرودة قال و طبع الدرهم علامة جوازه.

(الفرق) بين‏

العلة

و

الدلالة

أن كل علة مطردة منعكسة و ليس كل دلالة تطرد و تنعكس ألا ترى أن الدلالة على حدث الاجسام هي استحالة خلوها عن الحوادث و ليس ذلك بمطرد في كل محدث لأن العرض محدث و لا تحله الحوادث، و العلة في كون المتحرك متحركا هي الحركة و هي مطردة في كل متحرك و تنعكس فليس بشي‏ء يحدث فيه حركة الا و هو متحرك و لا متحرك الا و فيه حركة.

(الفرق) بين‏

العلة

و

السبب‏

أن من العلة ما يتأخر عن المعلول كالربح و هو علة التجارة يتأخر و يوجد بعدها و الدليل على أنه علة لها أنك تقول اذا قيل لك لم تتجر قلت للربح. و قد أجمع أهل العربية أن قول القائل لم مطالبة بالعلة لا بالسبب فان قيل ما أنكرت ان الربح علة لحسن التجارة و سبب له أيضا، قلنا أول ما في ذلك أنه يوجب أن كل تجارة فيها ربح حسنة لانه قد حصل فيها علة الحسن كما أن كل ما حصل فيه ربح فهو

65

تجارة، و السبب لا يتأخر عن مسببه على وجه من الوجوه ألا ترى أن الرمي الذي هو سبب لذهاب السهم لا يجوز أن يكون بعد ذهاب السهم، و العلة في اللغة ما يتغير حكم غيره به و من ثم قيل للمرض علة لأنه يغير حال المريض و يقال للداعي الى الفعل علة له تقول فعلت كذا لعلة كذا، و عند بعض المتكلمين أن العلة ما توجب حالا لغيره كالكون و القدرة و لا تقول ذلك في السواد لما لم يوجب حالا، و العلة في الفقه ما تعلق الحكم به من صفات الأصل المنصوص عليه عند القايس.

(الفرق) بين‏

السبب‏

و

الشرط

أن السبب يحتاج اليه في حدوث المسبب و لا يحتاج اليه في بقائه ألا ترى أنه قد يوجد المسبب و السبب معدوم و ذلك نحو ذهاب السهم يوجد مع عدم الرمي، و الشرط يحتاج اليه في حال وجود المشروط و بقائه جميعا نحو الحياة لما كانت شرطا في وجود القدرة لم يجز أن تبقى القدرة مع عدم الحياة.

(الفرق) بين‏

السبب‏

و

الآلة

أن السبب يوجب الفعل و الآلة لا توجبه، و الآلة هي التي يحتاج اليها بعض الفاعلين دون بعض فلا ترجع الى حسن الفعل و هي كاليد و الرجل.

(الفرق) بين‏

النظر

و

الاستدلال‏

أن الاستدلال طلب معرفة الشي‏ء من جهة غيره و النظر طلب معرفته من جهته و من جهة غيره، و لهذا كان النظر في معرفة القادر قادرا من جهة فعله استدلالا، و النظر في حدوث الحركة ليس باستدلال، و حد النظر طلب ادراك الشي‏ء من جهة البصر أو الفكر و يحتاج في ادراك المعنى الى الامرين جميعا كالتأمل للخط الدقيق بالبصر أولا ثم بالفكر لأن إدراك الخط الدقيق التي بها يقرأ طريق الى ادراك المعنى و كذلك طريق الدلالة المؤدية الى العلم بالمعنى، و أصل النظر المقابلة فالنظر بالبصر الاقبال به نحو المبصر، و النظر بالقلب الاقبال بالفكر نحو المفكر فيه، و يكون النظر باللمس ليدري اللين من الخشونة، و النظر الى الانسان بالرحمة هو الاقبال عليه بالرحمة، و النظر

66

نحو ما يتوقع و الانظار الى مدة هو الاقبال بالنظر نحو المتوقع، و النظر بالأمل هو الاقبال به نحو المأمول، و النظر من الملك لرعيته هو إقباله نحوهم بحسن السياسة، و النظر في الكتاب بالعين و الفكر هو الاقبال نحوه بهما، و نظر الدهر اليهم أي أهلكهم و هو إقباله نحوهم بشدائده، و النظير المثيل فانك اذا نظرت الى أحدهما فقد نظرت الى الآخر و اذا قرن النظر بالقلب فهو الفكر في أحوال ما ينظر فيه و اذا قرن بالبصر كان المراد به تقليب الحدقة نحو ما يلتمس رؤيته مع سلامة الحاسة.

(الفرق) بين‏

النظر

و

التأمل‏

أن النظر هو ما ذكرناه، و التأمل هو النظر المؤمل به معرفة ما يطلب و لا يكون الا في طول مدة فكل تأمل نظر و ليس كل نظر تأملا.

(الفرق) بين‏

النظر

و

البديهة

أن البديهة أول النظر يقال عرفته على البديهة أي في أول أحوال النظر، و له في الكلام بديهة حسنة اذا كان يرتجله من غير فكر فيه.

(الفرق) بين‏

البديهة

و

الروية

أن الروية فيما قال بعضهم آخر النظر، و البديهة أوله، و لهذا يقال للرجل اذا وصف بسرعة الاصابة في الرأي بديهته كروية غيره، و قال بعضهم الروية طول التفكر في الشي‏ء و هو خلاف البديهة، و بديهة القول ما يكون من غير فكر، و الروية اشباع الرأي و الاستقصاء في تأمله تقول روّأت في الأمر بالتشديد و فعّلت بالتشديد للتكثير و المبالغة، و تركت همزة الروية لكثرة الاستعمال.

(الفرق) بين‏

النظر

و

الفكر

أن النظر يكون فكرا أو يكون بديهة و الفكر ما عدا البديهة.

(الفرق) بين‏

النظر

و

الانتظار

أن الانتظار طلب ما يقدر النظر اليه و يكون في الخير و الشر و يكون مع شك و يقين و ذلك أن الانسان ينتظر طعاما يعمل في داره و هو لا يشك أنه يحضر له، و ينتظر قدوم زيد غدا و هو شاك فيه.

67

(الفرق) بين‏

التفكر

و

التدبر

أن التدبر تصرف القلب بالنظر في العواقب، و التفكر تصرف القلب بالنظر في الدلائل. و سنبين اشتقاق التدبر و أصله فيما بعد.

(الفرق) بين‏

النظر

و

الرؤية

، أن النظر طلب الهدي، و الشاهد قولهم نظرت فلم أر شيئا. و قال علي بن عيسى: النظر طلب ظهور الشي‏ء، و الناظر الطالب لظهور الشي‏ء و الله ناظر لعباده بظهور رحمته اياهم.

و يكون الناظر الطالب لظهور الشي‏ء بادراكه من جهة حاسة بصره أو غيرها من حواسه و يكون الناظر الى لين هذا الثوب من لين غيره، و النظر بالقلب من جهة التفكر، و الانتظار التوقف لطلب وقت الشي‏ء الذي يصلح فيه قال و النظر أيضا هو الفكر و التأمل لاحوال الأشياء ألا ترى أن الناظر على هذا الوجه لا بد أن يكون مفكرا و المفكر على هذا الوجه يسمى ناظرا و هو معنى غير الناظر و غير المنظور فيه ألا ترى أن الانسان يفصل بين كونه ناظرا و كونه غير ناظر، و لا يوصف القديم بالنظر لان النظر لا يكون الا مع فقد العلم و معلوم أنه لا يصلح النظر في الشي‏ء ليعلم الا و هو مجهول، و النظر يشاهد بالعين فيفرق بين نظر الغضبان و نظر الراضي، و أخرى فانه لو طلب جماعة الهلال ليعلم من رآه منهم ممن لم يره مع أنهم جميعا ناظرون فصح بهذا أن النظر تقليب العين حيال مكان المرئي طلبا لرؤيته، و الرؤية هي ادراك المرئي، و لما كان الله تعالى يرى الاشياء من حيث لا يطلب رؤيتها صح أنه لا يوصف بالنظر.

(الفرق) بين قولنا

مد

اليه بصره و

استشرفه‏

ببصره‏

. أن قولنا استشرفه ببصره معناه أنه مد اليه بصره من أعلاه.

و مما يجري مع ذلك‏

(الفرق) بين‏

الانتظار

و

الترجي‏

أن الترجي انتظار الخير خاصة و لا يكون الا مع الشك، و أما الانتظار و التوقع فهو طلب ما يقدر أن يقع.

(الفرق) بين‏

الانتظار

و

التربص‏

أن التربص طول الانتظار يكون‏

68

قصير المدة و طويلها و من ثم يسمى المتربص بالطعام و غيره متربصا لأنه يطيل الانتظار لزيادة الربح و منه قوله تعالى‏ (فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ‏ (1)) و أصله من الربصة و هي التلبث يقال ما لي على هذا الأمر ربصة أي تلبث في الانتظار حتى طال.

(الفرق) بين‏

الانتظار

و

الإمهال‏

أن الانتظار مقرون بما يقع فيه النظر و الامهال مبهم.

(الفرق) بين قولهم‏

آنست‏

ببصري و

أحسست‏

ببصري‏

أن الاحساس يفيد الرؤية و غيرها بالحاسة، و الايناس يفيد الانس بما تراه و لهذا لا يجوز أن يقال إن الله يؤنس و يحس، اذ لا يجوز عليه الوصف بالحاسة و الانس، و يكون الايناس في غير النظر.

(الفرق) بين‏

الخاطر

و

النظر

أن الخاطر مرور معنى بالقلب بمنزلة خطاب مخاطب يحدث بضروب الأحاديث، و الخواطر تنقسم بحسب المعاني، اذ كل معنى فله خاطر يختصه، يخالف جنس ما يختص غيره. و من كمال العقل تصرف القلب بالخواطر و لا يصح التكليف الا مع ذلك، و عند أبي علي، أن الخاطر جنس من الاعراض لا يوجد الا في قلب حيوان و انه شي‏ء بين الفكر و الذكر لأن الذكر علم و الفكر جنس من النظر الذي هو سبب العلم، و الخواطر تنبه على الاشياء و تكون ابتداءا و لا تولد علما، و منزلة الخاطر في ذلك منزلة التخيل في أنه بين العلم و الظن لأنه تمثل شي‏ء من غير حقيقة، و عند البلخي (رحمه الله) أنه كلام يحدثه الله تعالى في سمع الانسان، أو يحدثه الملك أو الشيطان، فاذا كان من الشيطان سمي وسواسا. و الى هذا ذهب أبو هاشم (رحمه الله)، و الذي يدل على أن الخاطر ليس بكلام ما يدل من أفعال الأخرس على خطور الخواطر بقلبه و هو لا يعرف الكلام أصلا و لا يعرف معانيه، و عن إبراهيم أنه لا

____________

(1) و في نسخة «فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ» و كلاهما في القرآن.

69

بد من خاطرين، أحدهما يأمر بالاقدام و الآخر بالكف ليصح الاختيار، و عن ابن الراوندي أن خاطر المعصية من الله تعالى و أن ذلك كالعقل و الشهوة لأن الشهوة ميل الطبع الى المشتهي، و العقل التمييز بين الحسن و القبيح.

(الفرق) بين‏

الذكر

و

الخاطر

أن الخاطر يكون ابتداءا و يكون عن عزوب، و الذكر لا يكون الا عن عزوب لانه انما يذكر ما عزب‏ (1) عنه و هو عرض ينافي النسيان.

و مما يجري مع الاستدلال القياس‏

(الفرق) بين‏

القياس‏

و بين‏

الاجتهاد

أن القياس حمل الشي‏ء على الشي‏ء في بعض أحكامه لوجه من الشبه، و قيل حمل الشي‏ء على الشي‏ء و إجراء حكمه عليه لشبه بينهما عند الحامل، و قال أبو هاشم (رحمه الله) حمل شي‏ء على شي‏ء و اجراء حكمه عليه و لذلك سمي المكيال مقياسا من حيث كان يحمل عليه ما يراد كيله، و كذلك يسمون ما يفدر به النعال مقياسا أيضا، و لذلك لا يستعمل القياس في شي‏ء من غير اعتبار له بغيره و انما يقال قست الشي‏ء بالشي‏ء، فلا (2) يقال لمن شبه شيئا بشي‏ء من غير أن يحمل أحدهما على الآخر و يجري حكمه عليه قايس، و لو جاز ذلك لجاز أن يسمى الله تعالى قايسا لتشبيهه الكافر بالميت و المؤمن بالحي و الكفر بالظلمة و الايمان بالنور، و من قال القياس استخراج الحق من الباطل فقد أبعد لأن النصوص قد يستخرج بها ذلك و لا يسمى قياسا، و مثال القياس قولك اذا كان ظلم المحسن لا يجوز من حكيم فعقوبة المحسن لا تجوز منه، و الفقهاء يقولون هو حمل الفرع على الأصل لعلة الحكم، و الاجتهاد موضوع في أصل اللغة لبذل المجهود، و لهذا يقال اجتهد في حمل الحجر لما بذل مجهوده فيه و لا يقال اجتهدت في حمل‏

____________

(1) أي بعد.

(2) في التيمورية «و لا».

70

النواة، و هو عند المتكلمين ما يقتضي غلبة الظن في الاحكام التي كل مجتهد فيها مصيب و لهذا يقولون قال أهل الاجتهاد كذا و قال أهل القياس كذا فيفرقون بينهما، فعلى هذا الاجتهاد أعم من القياس لأنه يحتوي على القياس و غيره، و قال الفقهاء الاجتهاد بذل المجهود في تعرف حكم الحادثة من النص لا بظاهره و لا فحواه، و لذلك‏

قال معاذ

أجتهد رأيي فيما لا أجد فيه كتابا و لا سنة

، و قال الشافعي: الاجتهاد و القياس واحد و ذلك أن الاجتهاد عنده هو أن يعلل أصلا و يرد غيره اليه بها، فأما الرأي فما أوصل اليه الحكم الشرعي من الاستدلال و القياس و لذلك‏

قال معاذ

أجتهد رأيي‏

، و

كتب عمر

هذا ما رأى عمر.

و

قال علي (عليه السلام)

رأيي و رأي عمر أن لا يبعن ثم رأيت بيعهن‏

، يعني أمهات الأولاد، و فيه دلالة على بطلان قول من يرد الرأي و يذمه، و الترجيح ما أيد به العلة و الخبر اذا قابله ما يعارضه، و الاستدلال أن يدل على أن الحكم في الشي‏ء ثابت من غير رده الى أصل، و الاجتهاد لا يكون الا في الشرعيات و هو مأخوذ من بذل المجهود و استفراغ الوسع في النظر في الحادث ليرده الى المنصوص على حسب ما يغلب في الظن و إنما يوسع ذلك مع عدم الدلالة و النص. ألا ترى أنه لا يجوز لأحد أن يقول ان العلم بحدوث الأجسام اجتهاد كما أن سهم الجد اجتهاد، و لا يجوز أن يقال وجوب خمسة دراهم في مائتي درهم مسألة اجتهاد لكون ذلك مجمعا عليه، و قد يكون القياس في العقليات فالفرق بينه و بين الاجتهاد ظاهر.

(الفرق) بين‏

دلالة

الآية و

تضمين‏

الآية

أن دلالة الاية على الشي‏ء هو ما يمكن الاستدلال به على ذلك الشي‏ء كقوله الحمد الله يدل على معرفة الله اذا قلنا ان معنى قوله الحمد لله أمرا لانه لا يجوز أن يحمد من لا يعرف، و لهذا قال أصحابنا ان معرفة الله واجبة لأن شكره واجب‏

71

لأنه لا يجوز أن يشكر من لا يعرف، و تضمين الآية هو احتمالها للشي‏ء بلا مانع ألا ترى أنه لو احتملته لكن منع منه القياس أو سنة أو آية أخرى لم تتضمنه، و لهذا نقول ان قوله‏ (السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما) لا يتضمن وجوب القطع على من سرق دانقا و ان كان محتملا لذلك لمنع السنة منه، و هذا واضح و الحمد لله تعالى.

72

الباب الرابع في الفرق بين أقسام العلوم و ما يجري مع ذلك من الفرق بين الادراك و الوجدان و في الفرق بين ما يضاد العلوم و يخالفها

(الفرق) بين‏

العلم‏

و

المعرفة

أن المعرفة أخص من العلم لأنها علم بعين الشي‏ء مفصلا عما سواه، و العلم يكون مجملا و مفصلا قال الزهري لا أصف الله بأنه عارف و لا أعنف من يصفه بذلك لأن المعرفة مأخوذة من عرفان الدار يعني آثارها التي تعرف بها قال و لا يجوز أن يكون علم الله تعالى بالاشياء من جهة الأثر و الدليل، قال و المعرفة تمييز المعلومات فأومأ الى أنه لا يصفه بذلك كما لا يصفه بأنه مميز، و ليس ما قاله بشي‏ء لأن آثار الدار ان كانت سميت عرفانا فسميت بذلك لأنها طريق الى المعرفة بها و ليس في ذلك دليل على أن كل معرفة تكون من جهة الأثر و الدليل، و أما وصف العارف بأنه يفيد تمييز المعلومات في علمه فلو جعله دليلا على أن الله عارف كان أولى من المعلومات متميزة في علمه بمعنى أنها متخيلة له و انما لم يسم علمه تمييزا لأن التمييز فينا هو استعمال العقل بالنظر و الفكر اللذين يؤديان الى تمييز المعلومات فلم يمتنع أن توصف معلوماته بأنها متميزة و ان كان لا يوصف بأنه مميز لأن تميزها صفة لها لا له، و المعرفة بها تفيد ذلك فيها لا فيه، فكل معرفة علم و ليس كل علم معرفة و ذلك أن لفظ المعرفة يفيد تمييز المعلوم من غيره‏

73

و لفظ العلم لا يفيد ذلك الا بضرب آخر من التخصيص في ذكر المعلوم، و الشاهد قول أهل اللغة ان العلم يتعدى الى مفعولين ليس لك الاقتصار على أحدهما الا أن يكون بمعنى المعرفة كقوله تعالى‏ (لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) أي لا تعرفونهم الله يعرفهم، و انما كان ذلك كذلك لأن لفظ العلم مبهم فاذا قلت علمت زيدا فذكرته باسمه الذي يعرفه به المخاطب لم يفد فاذا قلت قائما أفدت لأنك دللت بذلك على أنك علمت زيدا على صفة جاز أن لا تعلمه عليها مع علمك به في الجملة، و اذا قلت عرفت زيدا أفدت لأنه بمنزلة قولك علمته متميزا من غيره فاستغنى عن قولك متميزا من غيره لما في لفظ المعرفة من الدلالة على ذلك. و الفرق بين العلم و المعرفة انما يتبين في الموضع الذي يكون فيه جملة غير مبهمة ألا ترى أن قولك علمت أن لزيد ولدا و قولك عرفت أن لزيد ولدا يجريان مجرى واحدا.

(الفرق) بين‏

العلم‏

و

اليقين‏

أن العلم هو اعتقاد الشي‏ء على ما هو به على سبيل الثقة، و اليقين هو سكون النفس و ثلج الصدر بما علم، و لهذا لا يجوز أن يوصف الله تعالى باليقين، و يقال ثلج اليقين و برد اليقين و لا يقال ثلج العلم و برد العلم، و قيل الموقن العالم بالشي‏ء بعد حيرة الشك، و الشاهد أنهم يجعلونه ضد الشك فيقولون شك و يقين و قلما يقال شك و علم فاليقين ما يزيل الشك دون غيره من أضداد العلوم، و الشاهد قول الشاعر:

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه‏* * * و أيقن أنا لاحقان بقيصرا

أي أزال الشك عنه عند ذلك، و يقال اذا كان اليقين عند المصلي أنه صلى أربعا فله أن يسلم، و ليس يراد بذلك أنه اذا كان عالما به لأن العلم لا يضاف الى ما عند أحد اذا كان المعلوم في نفسه على ما علم و إنما يضاف اعتقاد الانسان الى ما عنده سواء كان معتقده على ما اعتقده أولا اذا زال به شكه، و سمي علمنا يقينا لأن في وجوده ارتفاع الشك.

74

(الفرق) بين‏

العلم‏

و

الشعور

أن العلم هو ما ذكرناه، و الشعور علم يوصل اليه من وجه دقيق كدقة الشعر و لهذا قيل للشاعر شاعر لفطنته لدقيق المعاني، و قيل للشعير شعيرا للشظية الدقيقة التي في طرفه خلاف الحنطة، و لا يقال الله تعالى يشعر لأن الأشياء لا تدق عنه، و قال بعضهم الذم للانسان بأنه لا يشعر أشد مبالغة من ذمه بأنه لا يعلم لأنه اذا قال لا يشعر فكأنه أخرجه الى معنى الحمار و كأنه قال لا يعلم من وجه واضح و لا خفي و هو كقولك لا يحس، و هذا قول من يقول ان الشعور هو أن يدرك بالمشاعر و هي الحواس كما أن الاحساس هو الادراك بالحاسة و لهذا لا يوصف الله بذلك.

(الفرق) بين‏

البصير

و

المستبصر

أن البصير على وجهين أحدهما المختص بأنه يدرك المبصر اذا وجد، و أصله البصر و هو صحة الرؤية، و يؤخذ منه صفة مبصر بمعنى رأى، و الرائي هو المدرك للمرئي، و القديم رأى بنفسه، و الآخر البصير بمعنى العالم تقول منه هو بصير و له به بصر و بصيرة أي علم، و المستبصر هو العالم بالشي‏ء بعد تطلب العلم كأنه طلب الابصار مثل المستفهم و المستخبر المتطلب للفهم و الخبر، و لهذا يقال‏ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ و لا يقال مستبصر، و يجوز أن يقال ان الاستبصار هو أن يتضح له الأمر حتى كأنه يبصره و لا يوصف الله تعالى به لأن الاتضاح لا يكون الا بعد الخفاء.

و مما يجري مع هذا

(الفرق) بين‏

البصر

و

العين‏

أن العين آلة البصر و هي الحدقة، و البصر اسم للرؤية و لهذا يقال احدى عينيه عمياء و لا يقال أحد بصريه أعمى، و ربما يجري البصر على العين الصحيحة مجازا و لا يجري على العين العمياء فيدلك هذا على أنه اسم للرؤية على ما ذكرنا، و يسمى العلم بالشي‏ء اذا كان جليا بصرا، يقال لك فيه بصر يراد أنك تعلمه كما يراه غيرك.

75

(الفرق) بين‏

التعليم‏

و

التلقين‏

أن التلقين يكون في الكلام فقط، و التعليم يكون في الكلام و غيره تقول لقنه الشعر و غيره و لا يقال لقنه التجارة و النجارة و الخياطة كما يقال علمه في جميع ذلك، و أخرى فان التعليم يكون في المرة الواحدة، و التلقين لا يكون الا في المرات، و أخرى فان التلقين هو مشافهتك الغير بالتعليم و إلقاء القول اليه ليأخذه عنك و وضع الحروف مواضعها و التعليم لا يقتضي ذلك. و لهذا لا يقال ان الله يلقن العبد كما يقال ان الله يعلمه.

(الفرق) بين‏

العلم‏

و

الرسخ‏

أن الرسخ هو أن يعلم الشي‏ء بدلائل كثيرة أو بضرورة لا يمكن ازالتها، و أصله الثبات على أصل يتعلق به، و سنبين ذلك في آخر الكتاب إن شاء الله، و اذا علم الشي‏ء بدليل لم يقل أن ذلك رسخ.

(الفرق) بين‏

المعرفة

الضرورية و

الإلهام‏

أن الالهام ما يبدو في القلب من المعارف بطريق الخير ليفعل و بطريق الشر ليترك، و المعارف الضرورية على أربعة أوجه أحدها يحدث عند المشاهدة و الثاني عند التجربة و الثالث عند الأخبار المتواترة و الرابع أوائل العقل.

(الفرق) بين‏

العالم‏

و

المتحقق‏

أن المتحقق هو المتطلب حق المعنى حتى يدركه كقولك تعلم أي أطلب العلم، و لهذا لا يقال ان الله متحقق، و قيل التحقق لا يكون الا بعد شك تقول تحققت ما قلته فيفيد ذلك أنك عرفته بعد شك فيه.

(الفرق) بين‏

العلم‏

و

العقل‏

أن العقل هو العلم الأول الذي يزجر عن القبائح‏ (1) و كل من كان زاجره أقوى كان أعقل، و قال بعضهم العقل يمنع صاحبه عن الوقوع في القبيح و هو من قولك عقل البعير اذا شده فمنعه من أن يثور و لهذا لا يوصف الله تعالى به، و قال بعضهم العقل الحفظ يقال اعقلت دراهمي أي حفظتها و أنشد قول لبيد:

____________

(1) في السكندرية «القبيح».

76

و اعقلي إن كنت لما تعقلي‏* * * و لقد أفلح من كان عقل‏

قال و من هذا الوجه يجوز أن يقال ان الله عاقل كما يقال له حافظ الا أنه لم يستعمل فيه ذلك، و قيل العقل يفيد معنى الحصر و الحبس، و عقل الصبي اذا وجد له من المعارف ما يفارق به حدود الصبيان‏ (1) و سميت المعارف التي تحصر معلوماته عقلا لأنها أوائل العلوم ألا ترى أنه يقال للمخاطب اعقل ما يقال لك‏ (2) أي احصر معرفته لئلا يذهب عنك، و خلاف العقل الحمق و خلاف العلم الجهل، و قيل لعاقلة الرجل عاقلة لأنهم يحبسون عليه حياته، و العقال ما يحبس الناقة عن الانبعاث، قال و هذا أحب الي في حد العقل من قولهم هو علم بقبح القبائح و المنع من ركوبها لأن في أهل الجنة عقلا (3) لا يشتهون القبائح و ليست علومهم منعا، و لو كان العقل منعا لكان الله تعالى عاقلا لذاته و كنا معقولين لأنه الذي منعنا، و قد يكون الانسان عاقلا كاملا مع ارتكابه القبائح، و لما لم يجز أن يوصف الله بأن له علوما حصرت معلوماته لم يجز أن يسمى عاقلا و ذلك أنه عالم لذاته بما لا نهاية له من المعلومات، و لهذه العلة لم يجز أن يقال ان الله معقول لنا لأنه‏ (4) لا يكون محصورا بعلومنا كما لا تحيط به علومنا.

(الفرق) بين‏

العقل‏

و

الأرب‏

أن قولنا الأرب يفيد وفور العقل من قولهم عظم مؤرب اذا كان عليه لحم كثير وافر، و قدح أريب و هو المعلى و ذلك أنه يأخذ النصيب المؤرب‏ (5) أي الوافر.

(الفرق) بين‏

العقل‏

و

اللب‏

أن قولنا اللب يفيد أنه من خالص صفات الموصوف به، و العقل يفيد أنه يحصر معلومات الموصوف به فهو مفارق له من هذا الوجه، و لباب الشي‏ء و لبه خالصه و لما لم يجز أن يوصف الله‏

____________

(1) من هنا الى (الفرق بين العلم و الشهادة) غير موجود في التيمورية بل في الأصل و السكندرية.

(2) في نسخة زيادة «فيه».

(3) في السكندرية «لأن أهل الجنة عقلاء».

(4) في نسخة «و انه».

(5) في النسخ «مؤربا».

77

تعالى بمعان بعضها أخلص من بعض لم يجز أن يوصف باللب.

(الفرق) بين‏

العقل‏

و

النهى‏

أن النهى هو النهاية في المعارف التي لا يحتاج اليها في مفارقة الأطفال و من يجري مجراهم و هي جمع واحدها النهية و يجوز أن يقال انها تفيد أن الموصوف بها يصلح أن ينتهي الى رأيه، و سمي الغدير نهيا لأن السيل ينتهي اليه، و التنهية المكان الذي ينتهي اليه السيل و الجمع التناهي و جمع النهي أنه‏ (1) و أنهاء.

(الفرق) بين‏

العقل‏

و

الحجا

أن الحجا هو ثبات العقل من قولهم تحجى بالمكان اذا قام به.

(الفرق) بين‏

العقل‏

و

الذهن‏

أن الذهن هو نقيض سوء الفهم و هو عبارة عن وجود الحفظ لما يتعلمه‏ (2) الانسان و لا يوصف الله به لأنه لا يوصف بالتعلم.

(الفرق) بين‏

العلم‏

و

الفطنة

أن الفطنة هي التنبه على المعنى، و ضدها الغفلة و رجل مغفل لا فطنة له و هي الفطنة و الفطانة، و الطبانة مثلها و رجل طبن فطن، و يجوز أن يقال ان الفطنة ابتداء المعرفة من وجه غامض فكل فطنة علم و ليس كل علم فطنة، و لما كانت الفطنة علما بالشي‏ء من وجه غامض لم يجز أن يقال الانسان فطن بوجود نفسه و بأن السماء فوقه.

(الفرق) بين‏

الفطنة

و

الذكاء

أن الذكاء تمام الفطنة من قولك ذكت النار اذا تم اشتعالها، و سميت الشمس ذكاء لتمام نورها، و التذكية تمام الذبح ففي الذكاء معنى زائد على الفطنة.

(الفرق) بين‏

الفطنة

و

الحذق‏

و

الكيس‏

، أن الكيس هو سرعة الحركة في الأمور و الأخذ فيما يعني منها دون ما لا يعني يقال غلام كيس اذا كان يسرع الأخذ فيما يؤمر به و يترك الفضول و ليس هو من قبيل‏

____________

(1) في النسخ «النهي»، و التصحيح من القاموس.

(2) في نسخة «يستعمله».

78

العلوم، و الحذق أصله حدة القطع يقال حذقه اذا قطعه، و قولهم حذق الصبي القرآن معناه أنه بلغ آخره و قطع تعلمه و تناهى في حفظه و كل حاذق بصناعة فهو الذي تناهى فيها و قطع تعلمها فلما كان الله تعالى لا توصف معلوماته بالانقطاع لم يجز أن يوصف بالحذق.

و مما يجري مع هذا

(الفرق) بين‏

الألمعي‏

و

اللوذعي‏

أن اللوذعي هو الخفيف الظريف مأخوذ من لذع النار و هو سرعة أخذها في الشي‏ء، و الألمعي هو الفطن الذكي الذي يتبين عواقب الأمور بأدنى لمحة تلوح له.

(الفرق) بين‏

الفطنة

و

النفاذ

أن النفاذ أصله في الذهاب يقال نفذ السهم اذا ذهب في الرمية، و يسمى الانسان نافذا اذا كان فكره يبلغ حيث لا يبلغ فكر البليد ففي النفاذ معنى زائد على الفطنة، و لا يكاد الرجل يسمى نافذا الا اذا كثرت فطنته للأشياء و يكون خراجا و لاجا في الأمور، و ليس هو من الكيس أيضا في شي‏ء لأن الكيس هو سرعة الحركة فيما يعني دون ما لا يعني، و يوصف به الناقص الآلة مثل الصبي و لا يوصف بالنفاذ الا الكامل الراجح و هذا معروف.

(و الفرق) بين ذلك و بين‏

الجلادة

أن أصل الجلادة صلابة البدن و لهذا سمي الجلد جلدا لأنه أصلب من اللحم و قيل الجليد لصلابته و قيل للرجل الصلب على الحوادث جلد و جليد من ذلك، و قد جالد قرنه و هما يجالدان اذا اشتد أحدهما على صاحبه، و يقال للأرض الصلبة الجلد بتحريك اللام.

و مما يجري مع ذلك و ليس منه‏

(الفرق) بين‏

القريحة

و

الطبيعة

أن الطبيعة ما طبع عليه الانسان أي خلق، و القريحة فيما قال المبرد ما خرج من الطبيعة من غير تكلف و منه فلان جيد القريحة و يقال للرجل اقترح ما شئت أي أطلب ما في نفسك، و أصل الكلمة الخلوص و منه ماء قراح اذا لم يخالطه شي‏ء، و يقال‏

79

للأرض التي لا تنبت شيئا قرواح اذا لم يخالطها شي‏ء من ذلك، و النخلة اذا تجردت و خلصت جلدتها قرواح و ذلك اذا نمت و تجاوزت و أتى عليها الدهر. و الفرس القارح يرجع الى هذا لأنه قد تم سنه، قال و أما القرح و القرحة فليس من ذلك و انما القرح ثلم في الجلد و القرحة مشبهة بذلك.

(الفرق) بين‏

علام‏

و

علامة

أن الصفة بعلام صفة مبالغة و كذلك كل ما كان على فعال، و علامة و ان كان للمبالغة فان معناه و معنى دخول الهاء فيه أنه يقوم مقام جماعة علماء فدخلت الهاء فيه لتأنيث الجماعة التي هي في معناه، و لهذا يقال الله علام و لا يقال له علامة كما يقال انه يقوم مقام جماعة علماء فأما قول من قال ان الهاء دخلت في ذلك على معنى الداهية فان ابن درستويه رده و احتج فيه بأن الداهية لم توضع للمدح خاصة ولكن يقال في الذم و المدح و في المكروه و المحبوب قال و في القرآن‏ (وَ السَّاعَةُ أَدْهى‏ وَ أَمَرُّ) و قال الشاعر:

لكل أخي عيش و إن طال عمره‏* * * دويهية تصفر منها الأنامل‏

يعني الموت، و لو كانت الداهية صفة مدح خاصة لكان ما قاله مستقيما، و كذلك قوله لحانة شبهوه بالبهيمة غلط لأن البهيمة لا تلحن و إنما يلحن من يتكلم، و الداهية اسم من أسماء الفاعلين الجارية على الفعل يقال دهى يدهي فهو داه و للأنثى داهية ثم يلحقها التأنيث على ما يراد به للمبالغة فيستوي فيه الذكر و الأنثى مثل الرواية و يجوز أن يقال ان الرجل سمي داهية كأنه يقوم مقام جماعة دهاة، و راوية كأنه يقوم مقام جماعة رواة على ما ذكر قبل و هو قول المبرد.

(الفرق) بين‏

الفهم‏

و

العلم‏

أن الفهم هو العلم بمعاني الكلام عند سماعه خاصة و لهذا يقال فلان سي‏ء الفهم اذا كان بطي‏ء العلم بمعنى ما يسمع و لذلك كان الأعجمي لا يفهم كلام العربي، و لا يجوز أن يوصف الله بالفهم لأنه عالم بكل شي‏ء على ما هو به فيما لم يزل، و قال بعضهم لا يستعمل الفهم الا في الكلام ألا ترى أنك تقول فهمت كلامه و لا تقول‏

80

فهمت ذهابه و مجيئه كما تقول علمت ذلك. و قال أبو أحمد بن أبي سلمة (رحمه الله) الفهم يكون في الكلام و غيره من البيان كالاشارة ألا ترى أنك تقول فهمت ما قلت و فهمت ما أشرت به الي. قال الشيخ أبو هلال (رحمه الله) الأصل هو الذي تقدم و انما استعمل الفهم في الاشارة لأن الاشارة تجري مجرى الكلام في الدلالة على المعنى.

(الفرق) بين‏

العلم‏

و

الفقه‏

أن الفقه هو العلم بمقتضى الكلام على تأمله و لهذا لا يقال ان الله يفقه لأنه لا يوصف بالتأمل، و تقول لمن تخاطبه تفقه ما أقوله أي تأمله لتعرفه، و لا يستعمل الا على معنى الكلام قال و منه قوله تعالى‏ (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) و أما قوله تعالى‏ (وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) فانه لما أتى بلفظ التسبيح الذي هو قول ذكر الفقه كما قال‏ (سَنَفْرُغُ لَكُمْ) عقب قوله‏ (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) قال الشيخ أبو هلال (رحمه الله) و سمي علم الشرع فقها لأنه مبني عن معرفة كلام الله تعالى و كلام رسول الله (صلى الله عليه و سلم).

(الفرق) بين‏

العالم‏

و

العليم‏

أن قولنا عالم دال على معلوم لأنه من علمت و هو متعد، و ليس قولنا عليم جاريا على علمية فهو لا يتعدى و إنما يفيد أنه ان صح معلوم علمه، كما أن صفة سميع تفيد انه ان صح‏ (1) مسموع سمعه، و السامع يقتضي مسموعا، و إنما يسمى الانسان و غيره سميعا اذا لم يكن أصم و بصيرا اذا لم يكن أعمى و لا يقتضي ذلك مبصرا و مسموعا ألا ترى أنه يسمى بصيرا و ان كان مغمضا، و سميعا و ان لم يكن بحضرته صوت يسمعه فالسميع و السامع صفتان.

و كذلك المبصر و البصير و العليم و العالم و القدير و القادر لأن كل واحد منهما يفيد ما لا يفيده الآخر فان جاء السميع و العليم و ما يجري مجراهما متعديا في بعض الشعر فان ذلك قد جعل بمعنى السامع و العالم،

____________

(1) في نسخة «أنه يصح مسموع» و هو تحريف.

81

و قد جاء السميع أيضا بمعنى مسمع‏ (1) في قوله:

أ من ريحانة الداعي السميع‏* * * يؤرقني و أصحابي هجوع‏

(الفرق) بين الصفة

بسامع‏

و الصفة

بعالم‏

أنه يصح عالم بالمسموع بعد نقضه و لا يصح سامع له بعد نقضه.

و مما يجري مع ذلك و ليس من الباب‏

(الفرق) بين‏

السمع‏

و

الإصغاء

أن السمع هو ادراك المسموع و السمع أيضا اسم الآلة التي يسمع بها، و الاصغاء هو طلب ادراك المسموع بامالة السمع اليه يقال صغا يصغو اذا مال و أصغى غيره و في القرآن‏ (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) أي مالت، و صغوك مع فلان أي ميلك.

(الفرق) بين‏

السمع‏

و

الاستماع‏

، أن الاستماع هو استفادة (2) المسموع بالاصغاء اليه ليفهم و لهذا لا يقال ان الله يستمع و أما السماع فيكون اسما للمسموع يقال لما سمعته من الحديث هو سماعي و يقال للغناء سماع، و يكون بمعنى السمع تقول سمعت سماعا كما تقول سمعت سمعا، و التسمع‏ (3) طلب السمع مثل التعلم طلب العلم.

(الفرق) بين‏

العلم‏

و

الإدراك‏

أن الادراك موقوف على أشياء مخصوصة، و ليس العلم كذلك، و الادراك يتناول الشي‏ء على أخص أوصافه و على الجملة، و العلم يقع بالمعدوم و لا يدرك الا الموجود، و الادراك طريق من طرق العلم، و لهذا لم يجز أن يقوى العلم بغير المدرك قوته بالمدرك ألا ترى أن الانسان لا ينسى ما يراه في الحال كما ينسى ما رآه قبل.

(الفرق) بين قولنا

يدرك‏

و بين قولنا

يحس‏

أن الصفة بحس مضمنة بالحاسة و الصفة تدرك مطلقة، و الحاسة اسم لما يقع به ادراك شي‏ء مخصوص و لذلك قلنا الحواس أربع: السمع و البصر و الذوق و الشم،

____________

(1) في نسخة «مسموع».

(2) في السكندرية «استبعاث».

(3) في النسخ «و السمع».

82

و ادراك الحرارة و البرودة لا تختص بآلة و الله تعالى لم يزل مدركا بمعنى أنه لم يزل عالما و هو مدرك للطعم و الرائحة لأنه مبين لذلك من وجه يصح أن يتبين منه لنفسه. و لا يصح أن يقال انه يشم و يذوق لان الشم ملابسة المشموم للأنف، و الذوق ملابسة المذوق للفم، و دليل ذلك قولك شممته فلم أجد له رائحة و ذقته فلم أجد له طعما، و لا يقال ان الله يحس بمعنى أنه يرى و يسمع اذ قولنا يحس يقتضي حاسة.

(الفرق) بين‏

الإدراك‏

و

الإحساس‏

على ما قال أبو أحمد أنه يجوز أن يدرك الانسان الشي‏ء و ان لم يحس به كالشي‏ء يدركه ببصره و يغفل عنه فلا يعرفه فيقال انه لم يحس به، و يقال انه ليس يحس اذا كان بليدا لا يفطن، و قال أهل اللغة كل ما شعرت به فقد أحسسته و معناه أدركته بحسك و في القرآن‏ (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا) و فيه‏ (فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ) أي تعرفوا باحساسكم.

و قال بعضهم:

(الفرق) بين‏

العلم‏

و

الحس‏

أن الحس هو أول العلم و منه قوله تعالى‏ (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى‏ مِنْهُمُ الْكُفْرَ) أي علمه في أول و هلة، و لهذا لا يجوز أن يقال ان الانسان يحس بوجود نفسه، قلنا و تسمية العلم حسا و احساسا مجاز و يسمى بذلك لأنه يقع مع الاحساس و الاحساس من قبيل الادراك، و الآلات التي يدرك بها حواس كالعين و الأذن و الأنف و الفم، و القلب ليس من الحواس لان العلم الذي يختص به ليس بادراك و اذا لم يكن العلم ادراكا لم يكن محله حاسة، و سميت الحاسة حاسة على النسب لا على الفعل لانه لا يقال منه حسست و انما يقال أحسستهم اذا أبدتهم‏ (1) قتلا مستأصلا، و حقيقته أنك تأتي على احساسهم فلا تبقي لهم حسا.

(الفرق) بين‏

الإدراك‏

و

الوجدان‏

أن الوجدان في أصل اللغة لما ضاع أو لما يجري مجرى الضائع في أن لا يعرف موضعه، و هو على‏

____________

(1) الكلمة في النسخ غير ظاهرة، و التصحيح من لسان العرب.

83

خلاف النشدان فأخرج على مثاله يقال نشدت الضالة اذا طلبتها نشدانا فاذا وجدتها قلت وجدتها وجدانا فلما صار مصدره موافقا لبناء النشدان استدل على أن وجدت ههنا انما هو للضالة، و الادراك قد يكون لما يسبقك ألا ترى أنك تقول وجدت الضالة و لا تقول أدركت الضالة و انما يقال أدركت الرجل اذا سبقك ثم اتبعته فلحقته، و أصل الادراك في اللغة بلوغ الشي‏ء و تمامه و منه ادراك الثمرة و ادراك الغلام و ادراكك من تطلب يرجع الى هذا لانه مبلغ مرادك و منه قوله تعالى‏ (قالَ أَصْحابُ مُوسى‏ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) و الدرك الحبل يقرن بحبل آخر ليبلغ ما يحتاج الى بلوغه، و الدرك المنزلة لأنها مبلغ من تجعل له، ثم توسع في الادراك و الوجدان فأجريا مجرى واحدا فقيل أدركته ببصري و وجدته ببصري و وجدت حجمه‏ (1) بيدي و أدركت حجمه بيدي و وجدته بسمعي و أدركته بسمعي و أدركت طعمه بفمي و وجدت طعمه بفمي و أدركت ريحه بأنفي و وجدت ريحه بأنفي، و حد المتكلمون الادراك فقالوا هو ما يتجلى به المدرك تجلي الظهور، ثم قيل يجد بمعنى يعلم و مصدره الوجود و ذلك معروف في العربية و منه قول الشاعر:

وجدت اللّه أكبر كل شي‏ء* * * محاولة (2) و أكثرهم جنودا

أي علمته كذلك الا أنه لا يقال للمعدوم موجود بمعنى أنه معلوم و ذلك أنك لا تسمى واجدا لما غاب عنك فان علمته في الجملة فذلك في المعدوم أبعد و قال الله تعالى‏ (يَجِدِ (3) اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً) أي يعلمه كذلك و قيل يجدونه حاضرا فالوجود هو العلم بالموجود، و سمي العالم بوجود الشي‏ء واجدا له لا غير و هذا مما جرى على الشي‏ء اسم ما قاربه و كان من سببه، و من ههنا يفرق بين الوجود و العلم.

____________

(1) في نسخة «ختمه».

(2) في السكندرية «مجادلة».

(3) في النسخ «تجد».

84

(الفرق) بين‏

العلم‏

و

البصيرة

أن البصيرة هي تكامل العلم و المعرفة بالشي‏ء و لهذا لا يجوز أن يسمى الباري تعالى بصيرة اذ لا يتكامل علم أحد بعظمته و سلطانه.

(الفرق) بين‏

العلم‏

و

الدراية

أن الدراية فيما قال أبو بكر الزبيري‏ (1) بمعنى الفهم قال و هو لنفي السهو عما يرد على الانسان فيدريه أي يفهمه، و حكى عن بعض أهل العربية أنها مأخوذة من دريت اذا اختلت و أنشد:

*

يصيب فما يدري و يخطي فما درى‏

* أي ما اختل فيه يفوته و ما طلبه من الصيد بغير ختل يناله فان كانت مأخوذة من ذاك فهو يجري مجرى ما يفطن الانسان له من المعرفة التي تنال غيره فصار ذلك كالختل منه للاشياء، و هذا لا يجوز على الله سبحانه و تعالى، و جعل أبو علي (رحمه الله) الدراية مثل العلم و أجازها على الله و احتج بقول الشاعر*

لا هم لا أدري و أنت الداري‏

* و هذا صحيح لان الانسان اذا سئل عما لا يدري فقال لا أدري فقد أفاد هذا القول منه معنى قوله لا أعلم لانه لا يستقيم أن يسأل عما لا يعلم فيقول لا أفهم لان معنى قوله لا أفهم أي لا أفهم سؤالك و قوله لا أدري انما هو لا أعلم ما جواب مسألتك، و على هذا يكون العلم و الدراية سواءا لان الدراية علم يشتمل على المعلوم من جميع وجوهه و ذلك أن الفعالة للاشتمال مثل العصابة و العمامة و القلادة، و لذلك جاء أكثر أسماء الصناعات على فعالة نحو القصارة و الخياطة و مثل ذلك العبارة لاشتمالها على ما فيها فالدراية تفيد ما لا يفيده العلم من هذا الوجه و الفعالة أيضا تكون للاستيلاء مثل الخلافة و الامارة فيجوز أن تكون بمعنى الاستيلاء فتفارق العلم من هذه الجهة.

____________

(1) لعله «الزهري».

85

(الفرق) بين‏

العلم‏

و

الاعتقاد

أن الاعتقاد هو اسم لجنس الفعل على أي وجه وقع اعتقاده و الاصل فيه أنه مشبه‏ (1) بعقد الحبل و الخيط فالعالم بالشي‏ء على ما هو به كالعاقد المحكم لما عقده و مثل ذلك تسميتهم العلم بالشي‏ء حفظا له و لا يوجب ذلك أن يكون كل عالم معتقدا لان اسم الاعتقاد أجري على العلم مجازا و حقيقة العالم هو من يصح منه فعل ما علمه متيقنا (2) اذا كان قادرا عليه.

(الفرق) بين‏

العلم‏

و

الحفظ

أن الحفظ هو العلم بالمسموعات دون غيره من المعلومات ألا ترى أن أحدا لا يقول حفظت أن زيدا في البيت و انما استعمل ذلك في الكلام و لا يقال للعلم بالمشاهدات حفظ، و يجوز أن يقال ان الحفظ هو العلم بالشي‏ء حالا بعد حال من غير أن يخلله جهل أو نسيان، و لهذا سمي حفاظ القرآن حفاظا و لا يوصف الله بالحفظ لذلك.

(الفرق) بين‏

العلم‏

و

الذكر

أن الذكر و ان كان ضربا من العلم‏ (3) فانه لا يسمى ذكرا الا اذا وقع بعد النسيان، و أكثر ما يكون في العلوم الضرورية و لا يوصف الله به لانه لا يوصف بالنسيان، و قال علي بن عيسى الذكر يضاد السهو، و العلم يضاد الجهل، و قد يجمع الذكر للشي‏ء و الجهل به من وجه واحد.

و أما

(الفرق) بين‏

الذكر

و

الخاطر

فان الخاطر مرور المعنى على القلب، و الذكر حضور المعنى في النفس.

(الفرق) بين‏

التذكير

و

التنبيه‏

أن قولك ذكر الشي‏ء يقتضي أنه كان عالما به ثم نسيه فرده الى ذكره ببعض الاسباب و ذلك أن الذكر هو العلم الحادث بعد النسيان على ما ذكرنا، و يجوز أن ينبه الرجل على الشي‏ء

____________

(1) في نسخة «مبدوء» و هو تحريف.

(2) في السكندرية «متسقا».

(3) فى السكندرية «العلوم».

86

لم يعرفه قط (1) ألا ترى أن الله ينبه على معرفته بالزلازل و الصواعق و فهم من لم يعرفه البتة فيكون ذلك تنبيها له كما يكون تنبيها لغيره، و لا يجوز أن يذكره ما لم يعلمه قط.

(الفرق) بين‏

العلم‏

و

الخبر

أن الخبر هو العلم بكنه المعلومات على حقائقها ففيه معنى زائد على العلم، قال أبو أحمد بن أبي سلمة (رحمه الله): لا يقال منه خابر لأنه من باب فعلت مثل طرقت و كرمت و هذا غلط لأن فعلت لا يتعدى و هذه الكلمة تتعدى به و انما هو من قولك خبرت الشي‏ء اذا عرفت حقيقة خبره و أنا خابر و خبير من قولك خبرت الشي‏ء اذا عرفت حقيقة خبره و أنا خابر و خبير من قولك خبرت الشي‏ء اذا عرفته مبالغة مثل عليم و قدير ثم كثر حتى استعمل في معرفة كنهه و حقيقته قال كعب الاشقري‏ (2):

و ما جاءنا من نحو أرضك خابر* * * و لا جاهل إلا يذمك يا عمرو

(الفرق) بين قولنا

يحسن‏

و بين قولنا

يعلم‏

أن قولنا فلان يحسن كذا بمعنى يعلمه مجازا، و أصله فيما يأتي الفعل الحسن ألا ترى أنه لا يجي‏ء له مصدر اذا كان بمعنى العلم البتة فقولنا فلان يحسن الكتابة معناه أنه يأتي بها حسنة من غير توقف و احتباس، ثم كثر ذلك حتى صار كأنه العلم و ليس به.

(الفرق) بين‏

العلم‏

و

الرؤية

أن الرؤية لا تكون الا لموجود، و العلم يتناول الموجود و المعدوم، و كل رؤية لم يعرض معها آفة فالمرئي بها معلوم ضرورة، و كل رؤية فهي لمحدود أو قائم في محدود كما أن كل احساس من طريق اللمس فانه يقتضي أن يكون لمحدود أو قائم في محدود. و الرؤية في اللغة على ثلاثة أوجه أحدها العلم و هو قوله تعالى‏ (وَ نَراهُ قَرِيباً) أي نعلمه يوم القيامة و ذلك أن كل آت قريب، و الآخر

____________

(1) في السكندرية نقص أسطر من هذا الفرق.

(2) في النسخ «الاسقري» بالمهملة، و التصويب من معجم الشعراء للمرزباني و من غيره.

87

بمعنى الظن و هو قوله تعالى‏ (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً) أي يظنونه، و لا يكون ذلك بمعنى العلم لأنه لا يجوز أن يكونوا عالمين بأنها بعيدة و هي قريبة في علم الله، و استعمال الرؤية في هذين الوجهين مجاز، و الثالث رؤية العين و هي حقيقة.

(الفرق) بين‏

العالم‏

بالشي‏ء و

المحيط

به‏

أن أصل المحيط المطيف بالشي‏ء من حوله بما هو كالسور الدائر عليه يمنع أن يخرج عنه ما هو منه و يدخل فيه ما ليس فيه، و يكون من قبيل العلم و قبيل القدرة مجازا فقوله تعالى‏ (وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطاً) يصلح أن يكون معناه أن كل شي‏ء في مقدوره فهو بمنزلة ما قبض القابض عليه في امكان تصريفه، و يصلح أن يكون معناه أنه يعلم بالاشياء من جميع وجوهها و قال‏ (قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً) أي علمه من جميع وجوهه و قوله‏ (وَ أَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ) يجوز في العلم و القدرة و قال‏ (قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها) أي قد أحاط بها لكم بتمليككم اياه و قال‏ (وَ اللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ) أي لا يفوتونه، و هو تخويف شديد بالغلبة فالمعلوم الذي علم من كل وجه بمنزلة ما قد أحيط به بضرب سور حوله و كذلك المقدور عليه من كل وجه فإذا أطلق اللفظ فالأولى أن يكون من جهة المقدور كقوله تعالى‏ (وَ اللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ) و قوله‏ (وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطاً) و يجوز أن يكون من الجهتين فاذا قيد بالعلم فهو من جهة المعلوم لا غير، و يقال للعالم بالشي‏ء عالم و ان عرف من جهة واحدة (1) فالفرق بينهما بين، و قد احتطت في الأمر اذا أحكمته كأنك منعت الخلل أن يدخله، و اذا أحيط بالشي‏ء علما فقد علم من كل وجه يصح أن يعلم منه، و اذا لم يعلم الشي‏ء مشاهدة لم يكن علمه إحاطة.

(الفرق) بين قولنا الله أعلم‏

بذاته‏

و

لذاته‏

أن قولنا هو عالم بذاته‏

____________

(1) في السكندرية «من وجه واحد».

88

يحتمل أن يراد أنه يعلم ذاته كما اذا قلنا انه عالم بذاته لما فيه من الاشكال و نقول هو عالم لذاته لأنه لا اشكال فيه و يقال هو إله بذاته و لا يقال هو إله لذاته احترازا من الاشكال لأنه يحتمل أن يكون قولنا اله لذاته أنه إله ذاته كما يقال انه اله لخلقه أي اله خلقه، و يجوز أن يقال قادر لذاته و بذاته لأن ذلك لا يشكل لكون القادر لا يتعدى بالباء و اللام و انما يتعدى بعلى.

(الفرق) بين‏

العلم‏

و

التبيين‏

أن العلم هو اعتقاد الشي‏ء على ما هو به على سبيل الثقة كان ذلك بعد لبس أو لا، و التبيين علم يقع بالشي‏ء بعد لبس فقط و لهذا لا يقال تبينت أن السماء فوقي كما تقول علمتها فوقي و لا يقال لله متبين لذلك.

(الفرق) بين‏

المعروف‏

و

المشهور

أن المشهور هو المعروف عند الجماعة الكبيرة، و المعروف معروف و ان عرفه واحد يقال هذا معروف عند زيد و لا يقال مشهور عند زيد ولكن مشهور عند القوم.

(الفرق) بين‏

العلم‏

و

الشهادة

أن الشهادة أخص من العلم و ذلك أنها علم بوجود الأشياء لا من قبل غيرها، و الشاهد نقيض الغائب في المعنى و لهذا سمي ما يدرك بالحواس و يعلم ضرورة شاهدا و سمي ما يعلم بشي‏ء غيره و هو الدلالة غائبا كالحياة و القدرة، و سمي القديم شاهدا لكل نجوى لأنه يعلم جميع الموجودات بذاته فالشهادة علم يتناول الموجود، و العلم يتناول الموجود و المعدوم.

(الفرق) بين‏

الشاهد

و

المشاهد

أن المشاهد للشي‏ء هو المدرك له رؤية، و قال بعضهم رؤية و سمعا و هو في الرؤية أشهر و لا يقال ان الله لم يزل مشاهدا لأن ذلك يقتضي ادراكا بحاسة و الشاهد لا يقتضي ذلك.

(الفرق) بين‏

الشاهد

و

الحاضر

أن الشاهد للشي‏ء يقتضي أنه عالم به و لهذا قيل الشهادة على الحقوق لأنها لا تصح الا مع العلم بها و ذلك أن أصل الشهادة الرؤية و قد شاهدت الشي‏ء رأيته، و الشهد العسل على‏

89

ما شوهد في موضعه، و قال بعضهم الشهادة في الأصل إدراك الشي‏ء من جهة سمع أو رؤية فالشهادة تقتضي العلم بالمشهود على ما بينا، و الحضور لا يقتضي العلم بالمحضور ألا ترى أنه يقال حضره الموت و لا يقال شهده الموت اذ لا يصح وصف الموت بالعلم، و أما الاحضار فانه يدل على سخط و غضب، و الشاهد قوله تعالى‏ (ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ).

(الفرق) بين‏

العالم‏

و

الحكيم‏

أن الحكيم على ثلاثة أوجه أحدها بمعنى المحكم مثل البديع بمعنى المبدع و السميع بمعنى المسمع، و الآخر بمعنى محكم و في القرآن‏ (فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) أي محكم، و إذا وصف الله تعالى بالحكمة من هذا الوجه كان ذلك من صفات فعله، و الثالث الحكيم بمعنى العالم بأحكام الأمور فالصفة به أخص من الصفة بعالم، و اذا وصف الله به على هذا الوجه فهو من صفات ذاته.

(الفرق) بين‏

الإعلام‏

و

الإخبار

أن الاعلام التعريض لأن يعلم الشي‏ء و قد يكون ذلك بوضع العلم في القلب لان الله تعالى قد علمنا ما اضطررنا اليه، و يكون الاعلام بنصب الدلالة و الاخبار و الاظهار للخبر علم به أو لم يعلم، و لا يكون الله مخبرا بما يحدثه من العلم في القلب.

الفرق بين ما يخالف العلم و يضاده‏

(الفرق) بين‏

العلم‏

و

التقليد

أن العلم هو اعتقاد الشي‏ء على ما هو به على سبيل الثقة، و التقليد قبول الأمر ممن لا يؤمن عليه الغلط بلا حجة فهو و ان وقع معتقده على ما هو به فليس بعلم لأنه لائقة معه، و اشتقاقه من قول العرب قلدته الأمانة أي ألزمته اياها فلزمته لزوم القلادة للعنق، ثم قالوا طوقته الأمانة لان الطوق مثل القلادة، و يقولون هذا الامر لازم لك و تقليد عنقك و منه قوله تعالى‏ (وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) أي ما طار له من الخير و الشر. و المراد به عمله يقال طار لي منك كذا أي صار حظي منك، و يقال قلدت فلانا ديني و مذهبي أي‏

90

قلدته إثما ان كان فيه و ألزمته اياه الزام القلادة عنقه، و لو كان التقليد حقا لم يكن بين الحق و الباطل فرق.

(الفرق) بين‏

التقليد

و

التنحيت‏

، أن التنحيت هو الاعتقاد الذي يعتد به الانسان من غير أن يرجحه على خلافه أو يخطر بباله أنه بخلاف ما اعتقده، و هو مفارق للتقليد لأن التقليد ما يقلد فيه الغير و التنحيت لا يقلد فيه أحد.

(الفرق) بين‏

النسيان‏

و

السهو

أن النسيان انما يكون عما كان، و السهو يكون عما لم يكن تقول نسيت ما عرفته و لا يقال سهوت عما عرفته و انما تقول سهوت عن السجود في الصلاة فتجعل السهو بدلا عن السجود الذي لم يكن و السهو و المسهو عنه يتعاقبان، و فرق آخر أن الانسان‏ (1) انما ينسى ما كان ذاكرا له، و السهو يكون عن ذكر و عن غير ذكر لأنه خفاء المعنى بما يمتنع به ادراكه، و فرق آخر و هو أن الشي‏ء الواحد محال أن يسهى عنه في وقت و لا يسهى عنه في وقت آخر و انما يسهى في وقت آخر عن مثله و يجوز أن ينسى الشي‏ء الواحد في وقت و يذكره في وقت آخر.

(الفرق) بين‏

السهو

و

الغفلة

أن الغفلة تكون عما يكون، و السهو يكون عما لا يكون تقول غفلت عن هذا الشي‏ء حتى كان و لا تقول سهوت عنه حتى كان لأنك اذا سهوت عنه لم يكن و يجوز أن تغفل عنه و يكون، و فرق آخر أن الغفلة تكون عن فعل الغير تقول كنت غافلا عما كان من فلان و لا يجوز أن يسهى عن فعل الغير.

(الفرق) بين‏

السهو

و

الإغماء

أن الاغماء سهو يكون من مرض فقط و النوم سهو يحدث مع فتور جسم الموصوف به.

(الفرق) بين‏

الظن‏

و

التصور

أن الظن ضرب من أفعال القلوب‏

____________

(1) في التيمورية «الناس» و هو تحريف.

91

يحدث عند بعض الامارات و هو رجحان أحد طرفي التجوز، و اذا حدث عند امارات غلبت و زادت بعض الزيادة فظن صاحبه بعض ما تقتضيه تلك الامارات سمي ذلك غلبة الظن، و يستعمل الظن فيما يدرك و فيما لا يدرك و التصور يستعمل في المدرك دون غيره كأن المدرك اذا أدركه المدرك تصور نفسه، و الشاهد أن الأعراض التي لا تدرك لا تتصور نحو العلم و القدرة، و التمثل مثل التصور الا أن التصور أبلغ لأن قولك تصورت الشي‏ء معناه أني بمنزلة من أبصر صورته، و قولك تمثلته معناه أني بمنزلة من أبصر مثاله، و رؤيتك لصورة الشي‏ء أبلغ في عرفان ذاته من رؤيتك لمثاله.

(الفرق) بين‏

التصور

و

التوهم‏

أن تصور الشي‏ء يكون مع العلم به، و توهمه لا يكون مع العلم به لأن التوهم من قبيل التجويز، و التجويز ينافي العلم، و قال بعضهم التوهم يجري مجرى الظنون يتناول المدرك و غير المدرك و ذلك مثل أن يخبرك من لا تعرف صدقه عما لا يخيل العقل فيتخيل كونه فاذا عرفت صدقه وقع العلم بمخبره و زال التوهم، و قال آخر التوهم هو تجويز ما لا يمتنع من الجائز و الواجب و لا يجوز أن يتوهم الانسان ما يمتنع كونه ألا ترى أنه لا يجوز أن يتوهم الشي‏ء متحركا ساكنا في حال واحدة.

(الفرق) بين‏

الظن‏

و

الشك‏

أن الشك استواء طرفي التجويز، و الظن رجحان أحد طرفي التجويز و الشاك يجوز كون ما شك فيه على احدى الصفتين لأنه لا دليل هناك و لا أمارة، و لذلك كان الشاك لا يحتاج في طلب الشك الى الظن، و العلم و غالب الظن يطلبان بالنظر، و أصل الشك في العربية من قولك شككت الشي‏ء اذا جمعته بشي‏ء تدخله فيه، و الشك هو اجتماع شيئين في الضمير، و يجوز أن يقال الظن قوة المعنى في النفس من غير بلوغ حال الثقة الثابتة، و ليس كذلك الشك الذي هو وقوف بين النقيضين من غير تقوية أحدهما على الآخر.

92

(الفرق) بين‏

الظن‏

و

الحسبان‏

أن بعضهم قال: الظن ضرب من الاعتقاد، و قد يكون حسبان ليس باعتقاد ألا ترى أنك تقول أحسب أن زيدا قد مات و لا يجوز أن تعتقد أنه مات مع علمك بأنه حي. قال أبو هلال (رحمه الله تعالى) أصل الحسبان من الحساب تقول أحسبه بالظن قد مات كما تقول أعده قد مات، ثم كثر حتى سمي الظن حسبانا على جهة التوسع و صار كالحقيقة بعد كثرة الاستعمال‏ (1) و فرق بين الفعل منهما فيقال في الظن حسب و في الحساب حسب و لذلك فرق بين المصدرين فقيل حسب و حسبان، و الصحيح في الظن ما ذكرناه.

(الفرق) بين‏

الشك‏

و

الارتياب‏

أن الارتياب شك مع تهمة (2) و الشاهد أنك تقول إني شاك اليوم في المطر و لا يجوز أن تقول اني مرتاب بفلان اذا شككت في أمره و اتهمته.

(الفرق) بين‏

الريبة

و

التهمة

، أن الريبة هي الخصلة من المكروه تظن بالانسان فيشك معها في صلاحه، و التهمة الخصلة من المكروه تظن بالانسان أو تقال فيه، ألا ترى أنه يقال وقعت على فلان تهمة اذا ذكر بخصلة مكروهة و يقال أيضا اتهمته في نفسي اذا ظننت به ذلك من غير أن تسمعه فيه فالمتهم هو المقول فيه التهمة و المظنون به ذلك، و المريب المظنون به ذلك فقط، و كل مريب متهم و يجوز أن يكون متهم ليس بمريب.

(الفرق) بين‏

الشك‏

و

الامتراء

أن الامتراء هو استخراج الشبه المشكلة، ثم كثر حتى سمي الشك مرية و امتراءا و أصله المري و هو استخراج اللبن من الضرع مرى الناقة يمريها مريا، و منه ماراه مماراة و مراءا اذا استخرج ما عنده بالمناظرة، و امترى امتراءا اذا استخرج الشبه المشكلة من غير حل لها.

____________

(1) في التيمورية «و صار كالحقيقة بعد لكثرة الاستعمال».

(2) في التيمورية «شك معه تهمة».

93

(الفرق) بين‏

العلم‏

و

الظن‏

أن الظان يجوز أن يكون المظنون على خلاف ما هو ظنه و لا يحققه و العلم يحقق المعلوم و قيل جاء الظن في القرآن بمعنى الشك في قوله تعالى‏ (إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)* و الصحيح أنه على ظاهره.

(الفرق) بين‏

الظن‏

و

الجهل‏

أن الجاهل يتصور نفسه بصورة العالم و لا يجوز خلاف ما يعتقده و ان كان قد يضطرب حاله فيه لأنه غير ساكن النفس اليه، و ليس كذلك الظان.

(الفرق) بين‏

التصور

و

التخيل‏

أن التصور تخيل لا يثبت على حال و إذا ثبت على حال لم يكن تخيلا فاذا تصور الشي‏ء في الوقت الأول و لم يتصور في الوقت الثاني قيل انه تخيل، و قيل التخيل تصور الشي‏ء على بعض أوصافه دون بعض فلهذا لا يتحقق، و التخيل و التوهم ينافيان العلم كما أن الظن و الشك ينافيانه.

(الفرق) بين‏

التقليد

و

الظن‏

أن المقلد و إن كان محسنا للظن بالمقلد لما عرفه من أحواله فهو سيظن أن الأمر على خلاف ما قلده فيه، و من اعتقد فيمن قلده أنه لا يجوز أن يخطئ فذاك لا يجوز كون ما قلده فيه على خلافه فلذلك لا يكون ظانا، و كذلك المقلد الذي تقوى عنده حال ما قلده فيه يفارق الظان لأنه كالسابق الى اعتقاد الشي‏ء على صفة لا ترجيح لكونه عليها عنده على كونه على غيرها، و الظن يكون له حكم اذا كان عن امارة صحيحة و لم يكن الظان قادرا على العلم فأما اذا كان قادرا عليه فليس له حكم، و لذلك لا يعمل بخبر الواحد اذا كان بخلاف القياس و عند وجود النص.

(الفرق) بين‏

الجهل‏

و

الحمق‏

أن الحمق هو الجهل بالأمور الجارية في العادة، و لهذا قالت العرب أحمق من دغة، و هي امرأة ولدت فظنت أنها أحدثت فحمقتها العرب بجهلها بما جرت به العادة من الولادة،

94

و كذلك قولهم أحمق من الممهورة (1) إحدى خدمتيها و هي امرأة راودها رجل عن نفسها فقالت لا تنكحني بغير مهر فقال لها مهرتك إحدى خدمتيك أي خلخاليك فرضيت فحمقها العرب بجهلها بما جرت به العادة في المهور، و الجهل يكون بذلك و بغيره و لا يسمى الجهل بالله حمقا.

و أصل الحمق الضعف و من ثم قيل البقلة الحمقاء لضعفها، و أحمق الرجل اذا ضعف فقيل للأحمق أحمق لضعف عقله.

(الفرق) بين‏

الحماقة

و

الرقاعة

أن الرقاعة على ما قال الجاحظ حمق مع رفعة و علو رتبة و لا يقال للأحمق اذا كان وضيعا رقيعا و انما يقال ذلك للأحمق اذا كان سيدا أو رئيسا أو ذا مال و جاه.

(الفرق) بين‏

الأحمق‏

و

المائق‏

أن المائق هو السريع البكاء القليل الحزم و الثبات، و الماقة البكاء و في المثل: أنا يئق و صاحبي مئق فكيف تنفق، و قال بعضهم المائق السي‏ء الخلق، و حكى ابن الانباري أن قولهم أحمق مائق بمنزلة عطشان نطشان و جائع نائع‏ (2).

____________

(1) في النسخ «المهمورة» و المثل مشهور.

(2) أي هو اتباع.

95

الباب الخامس في الفرق بين الحياة و النماء و الحي و الحيوان و بين الحياة و العيش و الروح و ما يخالف ذلك، و في الفرق بين الحياة و القدرة و الاستطاعة و القوة و القدرة و ما يقرب من ذلك، و الفرق بين ما يضاده و يخالفه.

(الفرق) بين‏

الحياة

و

النماء

أن الحياة هي ما تصير به الجملة كالشي‏ء الواحد في جواز تعلق الصفات بها فأما قوله تعالى‏ (فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) فمعناه أنا جعلنا حالها كحال الحي في الانتفاع بها، و الصفة لله بأنه حي مأخوذة من الحياة على التقدير لا على الحقيقة كما أن صفته بأنه موجود مأخوذة من الوجود على التقدير و قد دل الدليل على أن الحي بعد أن لم يكن حيا حي من أجل الحياة فالذي لم يزل حيا ينبغي أن يكون حيا لنفسه، و النماء يزيد الشي‏ء حالا بعد حال من نفسه لا باضافة اليه فالثبات ينمي و يزيد و ليس بحي و الله تعالى حي و لا ينام، و لا يقال لمن أصاب ميراثا أو أعطى عطية أنه قد نما ماله و انما يقال نما ماله اذا زاد في نفسه، و النماء في الماشية حقيقة لأنها تزيد بتوالدها قليلا قليلا، و في الورق و الذهب مجاز فهذا هو الفرق بين الزيادة و النماء، و يقال للاشجار و النبات نوام لأنها تزيد في كل يوم الى أن تنتهي الى حد التمام.

96

(الفرق) بين‏

الحي‏

و

الحيوان‏

أن الحيوان هو الحي ذو الجنس و يقع على الواحد و الجمع، و أما قوله تعالى‏ (وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ) فقد قال بعضهم يعني البقاء يريد أنها باقية، و لا يوصف الله تعالى بأنه حيوان لأنه ليس بذي جنس.

(الفرق) بين‏

الحياة

و

العيش‏

أن العيش اسم لما هو سبب الحياة من الأكل و الشرب و ما بسبيل ذلك، و الشاهد قولهم معيشة فلان من كذا يعنون مأكله و مشربه مما هو سبب لبقاء حياته فليس العيش من الحياة في شي‏ء.

(الفرق) بين‏

الحياة

و

الروح‏

أن الروح من قرائن الحياة، و الحياة عرض و الروح جسم رقيق من جنس الريح، و قيل هو جسم رقيق حساس، و تزعم الأطباء أن موضعها في الصدر من الحجاب و القلب، و ذهب بعضهم الى أنها مبسوطة في جميع البدن و فيه خلاف كثير ليس هذا موضع ذكره، و الروح و الريح في العربية من أصل واحد و لهذا يستعمل فيه النفخ فيقال نفخ فيه الروح و سمي جبريل (عليه السلام) روحا لأن الناس ينتفعون به في دينهم كانتفاعهم بالروح و لهذا المعنى سمي القرآن روحا.

(الفرق) بين‏

الروح‏

و

المهجة

و

النفس‏

و

الذات‏

، أن المهجة خالص دم الانسان الذي اذا خرج خرجت روحه و هو دم القلب في قول الخليل، و العرب تقول سالت مهجهم على رماحنا، و لفظ النفس مشترك يقع على الروح و على الذات و يكون توكيدا، يقال: خرجت نفسه أي روحه و جاءني زيد نفسه بمعنى التوكيد، و السواد سواد لنفسه كما تقول لداته، و النفس أيضا الماء و جمعه أنفاس قال جرير:

تعلل و هي ساغبة بنيها* * * بأنفاس من الشبم القراح‏

و النفس مل‏ء الكف من الدباغ و النفس التي تستعد بمعنى الذات‏

97

ما يصح أن تدل على الشي‏ء من وجه يختص به دون غيره، و اذا قلت هو لنفسه على صفة كذا فقد دللت عليه من وجه يختص به دون ما يخالفه، و قال علي بن عيسى الشي‏ء و المعنى و الذات نظائر و بينها فروق فالمعنى المقصود ثم كثر حتى سمي المقصود معنى، و كل شي‏ء ذات و كل ذات شي‏ء الا أنهم ألزموا الذات الاضافة فقالوا ذات الانسان و ذات الجوهر ليحققوا الاشارة اليه دون غيره، قلنا و يعبر بالنفس عن المعلوم في قولهم قد صح ذلك في نفسي أي قد صار في جملة ما أعلمه و لا يقال صح في ذاتي.

و مما يضاد الحياة الموت‏

(الفرق) بين‏

الموت‏

و

القتل‏

أن القتل هو نقض البنية الحيوانية و لا يقال له قتل في أكثر الحال الا اذا كان من فعل آدمي، و قال بعضهم القتل إماتة الحركة و منه يقال ناقة مقتلة اذا كثر عليها الاتعاب حتى تموت حركتها، و الموت عرض أيضا يضاد الحياة مضادة الروح و لا يكون الا من فعل الله، و الميتة الموت بعينه الا أنه يدل على الحال، و الموت ينفي الحياة مع سلامة البنية، و لا بد في القتل من انتقاض البنية، و يقال لمن حبس الانسان حتى يموت أنه قتله و لم يكن‏ (1) بقاتل في الحقيقة لأنه لم ينقض البنية، و يستعار الموت في أشياء فيقال مات قلبه اذا صار بليدا و مات المتاع أي كسد و مات الشي‏ء بينهم نقص و حظ ميت ضعيف و نبات ميت ذابل و وقع في المال موتان اذا تماوتت و موتان الأرض اذا لم تعمر.

(الفرق) بين‏

القتل‏

و

الذبح‏

أن الذبح عمل معلوم، و القتل ضروب مختلفة و لهذا منع الفقهاء عن الاجارة على قتل رجل قصاصا و لم يمنعوا من الاجارة على ذبح شاة لأن القتل منه لا يدري أيقتله بضربة أو بضربتين أو أكثر و ليس كذلك الذبح.

____________

(1) في التيمورية «و ليس بقاتل».

98

(الفرق) بين‏

الفناء

و

النفاد

أن النفاد هو فناء آخر الشي‏ء بعد فناء أوله، و لا يستعمل النفاد فيما يفنى جملة ألا ترى أنك تقول فناء العالم و لا يقال نفاد العالم و يقال نفاد الزاد و نفاد الطعام لأن ذلك يفنى شيئا فشيئا.

(الفرق) بين‏

الإهلاك‏

و

الإعدام‏

أن الاهلاك أعم من الاعدام لأنه قد يكون بنقض البنية و إبطال الحاسة و ما يجوز أن يصل معه اللذة و المنفعة، و الاعدام نقيض الايجاد فهو أخص فكل اعدام اهلاك و ليس كل إهلاك إعداما.

(الفرق) بين‏

الحياة

و

القدرة

أن قدرة الحي قد تتناقص مع بقاء حياته على حد واحد ألا ترى أنه قد يتعذر عليه في حال المرض و الكبر كثير من أفعاله التي كانت مناسبة له مع كون ادراكه في الحالين على حد واحد فيعلم أن ما صح به أفعاله قد يتناقض و ما صح به ادراكه غير متناقض، و فرق آخر أن العضو قد يكون فيه الحياة بدليل صحة ادراكه و إن لم تكن فيه القدرة كالأذن ألا ترى أنه يتعذر تحريكها مباشرا و ان كانت منفصلة، و فرق آخر أن الحياة جنس واحد و القدرة مختلفة و لو كانت متفقة لقدرتا بقدرتين على مقدور واحد.

(الفرق) بين‏

القدرة

و

القهر

أن القدرة تكون على صغير المقدور و كبيره، و القهر يدل على كبر المقدور و لهذا يقال ملك قاهر اذا أريد المبالغة في مدحه بالقدرة، و لا يقال في هذا المعنى ملك قادر لأن اطلاق قولنا قادر لا يدل على عظيم المقدور كما يدل عليه إطلاق قولنا قاهر.

(الفرق) بين‏

القهر

و

الغلبة

أن الغلبة تكون بفضل القدرة و بفضل العلم يقال قاتله فغلبه و صارعه فغلبه و ذلك لفضل قدرته و تقول حاجه فغلبه و لاعبه بالشطرنج فغلبه بفضل علمه و فطنته، و لا يكون القهر الا بفضل القدرة ألا ترى أنك تقول ناوأه فقهره و لا تقول حاجه فقهره و لا تقول قهره بفضل علمه كما تقول غلبه بفضل علمه.

99

(الفرق) بين‏

الغلبة

و

القدرة

أن الغلبة من فعل الغالب و ليست القدرة من فعل القادر يقال غلب خصمه غلبا كما تقول طلب طلبا و في القرآن‏ (وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) و قولهم‏ اللَّهُ غالِبٌ‏ من صفات الفعل و قولنا له قاهر من صفات الذات و قد يكون من صفات الفعل و ذلك أنه يفعل ما يصير به العدو مقهورا، و قال علي بن عيسى: الغالب القادر على كسر حد الشي‏ء عند مقاومته باقتداره، و القاهر القادر على المستعصي من الأمور.

(الفرق) بين‏

القادر

و

المقيت‏

)

أن المقيت على ما قال بعض العلماء يجمع معنى القدرة على الشي‏ء و العلم به قال و الشاهد قول الشاعر:

ألي الفضل أم علي إذا حو* * * سبت اني على الحساب مقيت‏

قال و لا يمكن المحاسبة لهما مع القدرة عليها و العلم بها و في القرآن‏ (وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مُقِيتاً) أي مقتدرا على كل شي‏ء عالما به، و قال غيره المقيت على الشي‏ء الموقوف عليه و قيل هو المقتدر و أنشد:

و ذي ضغن‏ (1) كففت الضغن عنه‏* * * و كنت على إساءته مقيتا

و قيل هو المجازي كأنه يجعل لكل فعل قدرة من الجزاء، و القدرة و القوت متقاربان و

قال ابن عباس‏ مُقِيتاً

حفيظا و قال مجاهد شهيدا و حفيظا حسيبا

، و قال الخليل المقيت الحافظ و الحفيظ أشبه الوجوه لأنه مشتق من القوت و القوت يحفظ النفس فكان المقيت الذي يعطي الشي‏ء قدر حاجته من الحفظ، و حكى الفراء يقوت و يقيت.

(الفرق) بين‏

القادر

و

القوي‏

أن القوي هو الذي يقدر على الشي‏ء و على ما هو أكثر منه و لهذا لا يجوز أن يقال للذي استفرغ قدرته في الشي‏ء أنه قوي عليه و إنما يقال له انه قوي عليه اذا كان في قدرته فضل لغيره، و لهذا قال بعضهم القوي القادر العظيم الشأن فيما يقدر عليه.

____________

(1) في النسخ «صغر».

100

(الفرق) بين قولك‏

قادر

عليه و

قادر

على فعله‏

أن قولك قادر عليه يفيد أنه قادر على تصريفه كقولك فلان قادر على هذا الحجر أي قادر على رفعه و وضعه و هو قادر على نفسه أي قادر على ضبطها و منعها فيما تنازع اليه، و قادر على فعله يفيد أنه قادر على ايجاده فبين الكلمتين فرق.

(الفرق) بين‏

القادر

على الشي‏ء و

المالك‏

له‏

أن الملك يضاف الى المقدور و غير المقدور نحو زيد مالك للمال و ليس بقادر عليه فالقادر على الشي‏ء قادر على ايجاده و المالك للشي‏ء مالك لتصريفه، و قد يكون المالك بمعنى القادر سواءا و هو قوله تعالى‏ (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) و يوم الدين لم يوجد فيملك و انما المراد أنه قادر عليه، و الملك في الحقيقة لا يكون الا لموجود و القدرة لا تكون على الموجود.

(الفرق) بين‏

القوة

و

الشدة

أن الشدة في الاصل هي مبالغة في وصف الشي‏ء في صلابة و ليس هو من قبيل القدرة و لهذا لا يقال للّه شديد، و القوة من قبيل القدرة على ما وصفنا، و تأويل قوله تعالى‏ (أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً)* أي أقوى منهم و في القرآن‏ (ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) أي العظيم الشأن في القوة و هو اتساع.

(الفرق) بين‏

الشدة

و

الجلد

أن الجلد صلابة البدن و منه الجلد لأنه أصلب من اللحم، و الجلد الصلب من الارض و قيل يتضمن الجلد معنى القوة و الصبر و لا يقال للّه جليد لذلك‏ (1).

(الفرق) بين‏

الشدة

و

الصعوبة

أن الشدة ما ذكرناه، و الصعوبة تكون في الأفعال دون غيرها تقول: صعب عليّ الأمر يعني أن فعله صعب عليك و رجل صعب أي مقاساته صعبة، و فيها معنى الغلبة لمن يزاولها، و من ثم سمي الفحل الشديد الغالب مصعبا، فالصعوبة أبلغ من الشدة، و قد يكون شديد غير صعب اذا استعمل فيما يستعمل فيه الصعب و لا

____________

(1) تقدم ذكره (و الفرق) بين ذلك و بين الجلادة .. الى آخر الفرق، و لعل موضعه هنا لعدم مناسبته هنالك.

101

صعب الا شديد.

(الفرق) بين‏

القوة

و

المتانة

أن المتانة صلابة في ارتفاع، و المتن من الأرض الصلب المرتفع و الجمع متان، و منه سمي عقب الظهر متنا، و الصلابة قريبة من ذلك، و لا تجوز الصفة بالصلابة و المتانة على الله فأما قوله تعالى‏ (ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) فالمتين في أسمائه مبالغة في الوصف بأنه قوي و هو في الله توسع لأن المتانة في الاصل نقيضة الرخاوة فاستعملت في نقيض الضعف للمبالغة في صفة القوة و الله أعلم.

(الفرق) بين‏

القدرة

و

المنة

أن المنة تفيد أنها قدرة للمبالغة تقطع بها الاعمال الشاقة، و أصل الكلمة القطع، و منه قوله تعالى‏ (أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)* أي مقطوع، و المنون المنية لانها قاطعة عن التصرف بالحياة، و قيل للامتنان بالنعمة امتنان لأنه يقطع الشكر.

(الفرق) بين‏

الشدة

و

الصلابة

أن الصلابة هي التئام الاجزاء بعضها الى بعض من غير خلل مع يبوسة فيها، و الشدة هي التزاق الاجزاء بعضها ببعض و سواء كان الموصوف بها ملتئما أو متحللا، و الشدة مبالغة في وصف الشي‏ء و الصلابة خلفه و استعمالها في موضع الصلابة استعارة.

(الفرق) بين‏

القوة

و

الشهامة

أن الشهامة خشونة الجانب مأخوذة من الشيهم و هو ذكر القنافذ و لا يسمى الله شهما لذلك.

(الفرق) بين‏

الشهامة

و

الجزالة

أن الجزالة أصلها شدة القطع تقول جزلت الشي‏ء اذا قطعته بشدة و قيل حطب جزل اذا كان شديد القطع صلبا و اذا كان كذلك كان أبقى على النار فشبه به الرجل الذي تبقى قوته في الامور فسمي جزلا و لا يوصف الله به.

(الفرق) بين‏

الشجاعة

و

البسالة

أن أصل البسل الحرام فكأن الباسل حرام أن يصاب في الحرب بمكروه لشدته فيها و قوته، و الشجاعة الجرأة و الشجاع الجري‏ء المقدام في الحرب ضعيفا كان أو قويا، و الجرأة قوة القلب الداعية الى الاقدام على المكاره فالشجاعة تنبئ عن الجرأة و البسالة

102

تنبئ عن الشدة و القوة. و يجوز أن يكون الباسل من البسول و هي تكره الوجه مثل البثور و هما لغتان، و سمي باسلا لتكرهه و لا تجوز الصفة بذلك على الله تعالى.

(الفرق) بين‏

الشجاعة

و

النجدة

أن النجدة حسن البدن و تمام لحمه و أصلها الارتفاع و منه سميت بلادهم المرتفعة نجدا، و قيل للنجاد نجاد لأنه يحشو الثياب فترتفع ثم قيل للشجاعة نجدة لانها تكون مع تمام الجسم في أكثر الحال.

و مما يجري مع ذلك‏

(الفرق) بين‏

الصلابة

و

القسوة

أن القسوة تستعمل فيما لا يقبل العلاج و لهذا يوصف بها القلب و ان لم يكن صلبا.

(الفرق) بين‏

القدرة

و

الصحة

أن الصحة يوصف بها المحل و الآلات و القدرة تتعلق بالجملة، فيقال عين صحيحة و حاسة صحيحة، و لا يقال عين قادرة و حاسة قادرة.

(الفرق) بين‏

الصحة

و

العافية

أن الصحة أعم من العافية يقال رجل صحيح و آلة صحيحة و خشبة صحيحة اذا كانت ملتئمة لا كسر فيها و لا يقال خشبة معافاة، و تستعار الصحة فيقال صححت القول و صح لي على فلان حق، و لا تستعمل العافية في ذلك، و العافية مقابلة المرض بما يضاده من الصحة فقط و الصحة تنصرف في وجوه على ما ذكرنا، و تكون العافية ابتداءا من غير مرض و ذلك مجاز كأنه فعل ابتداء ما كان من شأنه أن ينافي المرض يقال خلقه الله معافى صحيحا و مع هذا فانه لا يقال صح الرجل و لا عوفي الا بعد مرض يناله، و العافية مصدر مثل العاقبة و الطاغية و أصلها الترك من قوله تعالى‏ (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ) أي ترك له، و عفت الدار تركت حتى درست و منه‏

«اعفوا اللحى»

أي اتركوها حتى تطول و منه العفو عن الذنب و هو ترك المعاقبة عليه و عافاه الله من المرض تركه‏

103

منه بغده من الصحة و عفاه يعفوه و اعتفاه يعتفيه اذا أتاه يسأله تاركا لغيره.

(الفرق) بين‏

الصحة

و

السلامة

أن السلامة نقيضة الهلاك و نقيض الصحة الآفة من المرض و الكسر و ما بسبيل ذلك ألا ترى أنه يقال سلم الرجل من علته اذا كان يخاف عليه الهلاك منها أو على شي‏ء من جسده، و اذا لم يكن يخاف عليه ذلك منها لم يقل سلم منها و قيل صح منها، هذا على أن السلامة نقيضة الهلاك و ليست الصحة كذلك و في هذا وقوع الفرق بينهما، ثم كثر استعمال السلامة حتى قيل للمتبرئ من العيب سالم من العيب، و السلامة عند المتكلمين زوال الموانع و الآفات عمن يجوز عليه ذلك و لا يقال للّه سالم لأن الآفات غير جائزة عليه و لا يقال له صحيح لأن الصحة تقتضي منافاة المرض و الكسر و لا يجوزان على الله تعالى.

(الفرق) بين‏

القدرة

و

الطاقة

أن الطاقة غاية مقدرة القادر و استفراغ وسعه في المقدور يقال هذا طاقتي أي قدر إمكاني، و لا يقال للّه تعالى مطيق لذلك.

(الفرق) بين‏

القدرة

و

الاستطاعة

أن الاستطاعة في قولك طاعت جوارحه للفعل أي انقادت له و لهذا لا يوصف الله بها و يقال أطاعه و هو مطيع و طاع له و هو طائع له إذا انقاد له، و جاءت الاستطاعة بمعنى الاجابة و هو قوله تعالى: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) أي هل يجيبك الى ما تسأله و أما قوله تعالى‏ (لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) فمعناه أنه يثقل عليهم استماع القرآن ليس أنهم لا يقدرون على ذلك، و أنت تقول لا أستطيع أن أبصر فلانا تريد أن رؤيته تثقل عليك.

(الفرق) بين‏

العزيز

و

القاهر

أن العزيز هو الممتنع الذي لا ينال بالأذى و لذلك سمي أبو ذؤيب العقاب عزيزة لأنها تتخذ و كرها في أعلى الجبل فهي ممتنعة على من يريدها فقال:

104

حتى انتهيت الى فراش عزيزة* * * سوداء روثة أنفها كالمخصف‏

و يقال عز يعز إذا صار عزيزا و عز يعز عزا اذا قهر باقتدار على المنع و المثل من عزيز و العزاز الأرض الصلبة لامتناعها على الحافر بصلابتها كالامتناع من الضيم، و الصفة بعزيز لا تتضمن معنى القهر، و الصفة بقاهر تتضمن معنى العز يقال قهر فلان فلانا اذا غلبه و صار مقتدرا على إنفاذ أمره فيه.

(الفرق) بين قولك‏

العزيز

و بين قولك‏

عزيزي‏

أن قولك عزيزي بمعنى حبيبي الذي يعز عليك فقده لميل طبعك اليه، و لا يوصف العظماء به مع الاضافة، و ليس كذلك السيد و سيدي لأن الاضافة لا تقلب معنى ذلك الا بحسب ما تقتضيه الاضافة من الاختصاص.

(الفرق) بين‏

القادر

و

المتمكن‏

أن التمكن مضمن بالآلة و المكان الذي يتمكن فيه، و لهذا لا تجوز الصفة به على الله تعالى، و صفة القادر مطلقة لأنه لا يجوز أن يستغني بنفسه عن القدرة كما يستغني بها عن الآلة في الكتابة و نحوها و يقال مكنه و مكن له قال بعضهم معناهما واحد، قال و منه قوله تعالى‏ (مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ) قال فجاء باللغتين المتوسع في الكلام، و الصحيح أن مكنت له جعلت له ما يتمكن به و مكنته أقدرته على ملك الشي‏ء في المكان.

(الفرق) بين‏

التمكين‏

و

الإقدار

أن التمكين اعطاء ما يصح به الفعل كائنا ما كان من الآلات و العدد و القوى، و الاقدار اعطاء القدرة و ذلك أن الذي له قدرة على الكتابة تتعذر عليه اذا لم يكن له آلة للكتابة و يتمكن منها اذا حضرت الآلة. و القدرة ضد العجز، و التمكن ضد التعذر.

الفرق بين ما يضاد القدرة و يخالفها

(الفرق) بين‏

العجز

و

المنع‏

أن العجز يضاد القدرة مضادة التروك و يتعلق بمتعلقها على العكس، و المنع ما لأجله يتعذر الفعل على القادر