الفروق في اللغة

- حسن بن عبد الله‏ العسكري المزيد...
310 /
105

فهو يضاد الفعل و ليس يضاد القدرة بل ليس يسمى منعا الا اذا كان مع القدرة فليس هو من العجز في شي‏ء.

(الفرق) بين‏

المنع‏

و

الكف‏

أن المنع ما ذكرنا و الكف على ما ذكر بعضهم يستعمل في الامتناع عما تدعو اليه الشهوة قال و الامساك مثله يقال كف عن زيارة فلان و أمسك عن الافطار، و ليس الأمر كما قال بل يستعمل الامساك و الكف فيما تدعو اليه الشهوة و فيما لا تدعو اليه يقال كف عن القتال كما يقال كف عن شرب الماء و أمسك عن ذلك أيضا، و أصل الامساك حبس النفس عن الفعل و منه الامساك و هو مكان يمسك الماء أي يحبسه و الجمع مسك و المسكة السوار سمي بذلك لانه يلزم المعصم فهو كالمحبوس فيه، و الماسكة جلدة تكون على وجه الولد في بطن أمه لأنها محيطة به كاحاطة الحبس بالمحبوس، و استمسك الشي‏ء و تماسك كأن بعضه احتبس على بعض، و نقيض الاستمساك الاسترسال و نقيض الامساك الارسال، و أصل الكف الانقباض و التجمع و منه سميت الكف كفا لأنها تقبض على الأشياء و تجتمع، و يقال جاءني الناس كافة أي جميعا فالكف عن الفعل هو الامتناع عن موالاة الفعل و ايجاده حالا بعد حال خلاف الانبساط فيه و انما قلنا ذلك لأن أصله الانقباض و خلاف الانقباض الانبساط و الامساك حبس النفس عن الفعل على ما ذكرنا فالفرق بينهما بين.

(الفرق) بين‏

الكف‏

و

الترك‏

أن الترك عند المتكلمين فعل أحد الضدين اللذين يقدر عليهما المباشر، و قال بعضهم: كل شيئين تضادا و قدر عليهما بقدرة واحدة مع كون وقت وجودهما وقتا واحدا و كانا يحلان محل القدرة و انصرف القادر بفعل أحدهما عن الآخر سمي الموجود منهما تركا و ما لم يوجد متروكا، و الترك عند العرب تخليف الشي في المكان الذي هو فيه و الانصراف عنه، و لهذا يسمون بيضة النعامة اذا خرج فرخها تريكة لأن النعامة تنصرف عنها، و التريكة الروضة يغفلها الناس و لا يرعونها.

106

(الفرق) بين‏

الترك‏

و

التخلية

أن الترك هو ما ذكرنا، و التخلية للشي‏ء نقيض التوكيل به، يقال خلاه اذا أزال التوكيل عنه كأنه جعله خاليا لا أحد معه، ثم صارت التخلية عند المتكلمين ترك الأمر بالشي‏ء و الرغبة فيه و النهي عن خلافه، و يقولون القادر مخلى بينه و بين مقدوره أي لا مانع له منه شبه بمن ليس معه موكل يمنعه من تصرفاته.

(الفرق) بين قولك‏

تركت‏

الشي‏ء و قولك‏

لهيت‏

عنه‏

أنه يقال لهيت عنه اذا تركته سهوا أو تشاغلا، و لا يقال لمن ترك الشي‏ء عامدا أنه لهي عنه، و قول صاحب الفصيح لهيت عن الشي‏ء اذا تركته غلط ألا ترى أنه لا يقال لمن ترك الأكل بعد شبع أو الشرب بعد الري أنه لهي عن ذلك، و أصله من اللهو ميل الانفعال و المطاوعة.

(الفرق) بين‏

التخلية

و

الإطلاق‏

أن الاطلاق عند الفقهاء كالاذن الا أن أصل الاذن أن يكون ابتداءا و الاطلاق لا يكون الا بعد نهي، ثم كثر حتى استعمل أحدهما في موضع الآخر، و الاطلاق مأخوذ من الطلق و هو القيد أطلقه اذا فك طلقه أي قيده كما تقول أنشط اذا حل الأنشوطة، و منه طلق المرأة و ذلك أنهم يقولون للزوجة إنها في حبال الزوج فاذا فارقها قيل طلقها كأنه قطع حبلها و انما قيل في الناقة أطلق و في المرأة طلق للفرق بين المعنيين و الأصل واحد.

(الفرق) بين‏

الكف‏

و

الإحجام‏

أن الاحجام هو الكف عما يسبق فعله خاصة يقال أحجم عن القتال و لا يقال أحجم عن الأكل و الشرب.

(الفرق) بين‏

الإقدام‏

و

التقحم‏

أن التقحم الاقدام في المضيق بشدة يقال تقحم في الغار و تقحم بين الاقران و لا يقال أقدم في الغار، و أصل التقحم الاقدام على القحم و هي الأمور الشديدة واحدها قحمة، و الاقدام هو حمل النفس على المكروه من قدام، و يخالف التقدم في المعنى لان التقدم يكون في المكروه و المحبوب، و الاقدام لا يكون إلا على المكروه.

(الفرق) بين‏

المنع‏

و

الصد

أن الصد هو المنع عن قصد الشي‏ء خاصة،

107

و لهذا قال تعالى‏ (وَ هُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) أي يمنعون الناس عن قصده، و المنع يكون في ذلك و غيره ألا ترى أنه يقال منع الحائط عن الميل لان الحائط لا قصد له، و يقولون صدني عن لقائك يريد عن قصد لقائك و هذا بين.

(الفرق) بين قولك‏

منعته‏

عن الفعل و بين قولك‏

ثنيته‏

عنه‏

أن المنع يكون عن ايجاد الفعل، و الثني لا يكون الا المنع عن اتمام الفعل تقول ثنيته عنه اذا كان قد ابتدأه فمنعته عن اتمامه و استبقائه و الى هذا يرجع الاستثناء في الكلام لأنك اذا قلت ضربت القوم إلا زيدا فقد أخبرت أن الضرب قد استمر في القوم دون زيد فكأنك أطلقت الضرب حتى اذا استمر في القوم ثنيته فلم يصل الى زيد.

(الفرق) بين‏

الرد

و

الرجع‏

أنه يجوز أن ترجعه من غير كراهة له قال الله تعالى‏ (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى‏ طائِفَةٍ مِنْهُمْ) و لا يجوز أن ترده الا اذا كرهت حاله، و لهذا يسمى البهرج ردا و لم يسم رجعا، هذا أصله ثم ربما استعملت احدى الكلمتين موضع الاخرى لقرب معناهما.

(الفرق) بين‏

الرد

و

الرفع‏

أن الرد لا يكون الا الى خلف، و الرفع يكون الى قدام و الى خلف جميعا.

و مما يجري مع هذا

(الفرق) بين‏

الحصر

و

الحبس‏

أن الحصر هو الحبس مع التضييق يقال حصرهم في البلد لأنه اذا فعل ذلك فقد منعهم عن الانفساخ في الرعي و التصرف في الامور و يقال حبس الرجل عن حاجته و في الحبس اذا منعته عن التصرف فيها، و لا يقال حصر في هذا المعنى دون أن يضيق عليه و هو في حصار أي ضيق، و الحصر احتباس النجو كأنه من ضيق المخرج كذا قال أهل اللغة و يجوز أن يقال إن الحبس يكون لمن تمكنت منه و الحصر لمن لم تتمكن منه و ذلك انك اذا حاصرت أهل بلد في البلد فانك لم تتمكن‏

108

منهم و انما تتوصل بالحصر الى التمكن منهم و الحصر في هذا سبب التمكن و الحبس يكون بعد التمكن.

(الفرق) بين‏

الحصر

و

الإحصار

قالوا الاحصار في اللغة منع بغير حبس، و الحصر المنع بالحبس قال الكسائي ما كان من المرض قيل فيه احصر، و قال أبو عبيدة ما كان من مرض أو ذهاب نفقة قيل فيه احصر و ما كان من سجن أو حبس قيل فيه حصر فهو محصور، و قال المبرد هذا صحيح و اذا حبس الرجل الرجل قيل حبسه و اذا فعل به فعلا عرضه به لأن يحبس قيل أحبسه و اذا عرضه للقتل قيل أقتله و سقاه اذا أعطاه اناءا يشرب منه و أسقاه اذا جعل له سقيا، و قبره اذا تولى دفنه و أقبره جعل له قبرا فمعنى قوله تعالى‏ (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) عرض لكم شي‏ء يكون سببا لفوات الحج.

(الفرق) بين‏

الوهن‏

و

الضعف‏

أن الضعف ضد القوة و هو من فعل الله تعالى كما أن القوة من فعل الله تقول خلقه الله ضعيفا أو خلقه قويا، و في القرآن‏ (وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) و الوهن هو أن يفعل الانسان فعل الضعيف تقول وهن في الأمر يهن وهنا و هو واهن اذا أخذ فيه أخذ الضعيف، و منه قوله تعالى‏ (وَ لا تَهِنُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) أي لا تفعلوا أفعال الضعفاء و أنتم أقوياء على ما تطلبونه بتذليل الله إياه لكم، و يدل على صحة ما قلنا أنه لا يقال خلقه الله واهنا كما يقال خلقه الله ضعيفا، و قد يستعمل الضعف مكان الوهن مجازا في مثل قوله تعالى‏ (وَ ما ضَعُفُوا وَ مَا اسْتَكانُوا) أي لم يفعلوا فعل الضعيف، و يجوز أن يقال إن الوهن هو انكسار الحد و الخوف و نحوه، و الضعف نقصان القوة، و أما الاستكانة فقيل هي اظهار الضعف قال الله تعالى‏ (وَ ما ضَعُفُوا وَ مَا اسْتَكانُوا) أي لم يضعفوا بنقصان القوة و لا استكانوا باظهار الضعف عند المقاومة، قال الخليل ان الوهن الضعف في العمل و الأمر و كذلك في العظم و نحوه يقال و هن العظم يهن و هنا و أوهنه موهنة

109

و رجل واهن في الأمر و العمل و موهون في العظم و البدن و الموهن لغة و الوهين بلغة أهل مصر رجل يكون مع الأجير يحثه على العمل.

(الفرق) بين‏

الضُّعف‏

و

الضَّعف‏

أن الضعف بالضم يكون في الجسد خاصة و هو من قوله تعالى‏ (خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ) و الضعف بالفتح يكون في الجسد و الرأي و العقل يقال في رأيه ضعف و لا يقال فيه ضعف كما يقال في جسمه ضعف و ضعف.

110

الباب السادس في الفرق بين القديم و العتيق و الباقي و الدائم و ما يجري مع ذلك‏

(الفرق) بين‏

القديم‏

و

العتيق‏

أن العتيق هو الذي يدرك حديث جنسه فيكون بالنسبة اليه عتيقا أو يكون شيئا يطول مكثه و يبقى أكثر مما يبقى أمثاله مع تأثير الزمان فيه فيسمى عتيقا و لهذا لا يقال إن السماء عتيقة و ان طال مكثها لأن الزمان لا يؤثر فيها و لا يوجد من جنسها ما تكون بالنسبة اليه عتيقا، و يدل على ذلك أيضا أن الأشياء تختلف فيعتق بعضها قبل بعض على حسب سرعة تغيره و بطئه و القائم ما لم يزل موجودا، و القدم لا يستفاد و العتق يستفاد ألا ترى أنه لا يقال سأقدم هذا المتاع كما تقول سأعتقه، و يتوسع في القدم فيقال دخول زيد الدار أقدم من دخول عمرو و لا يقال أعتق منه فالعتق في هذا على أصله لم يتوسع فيه.

(الفرق) بين‏

الموجود

و

الكائن‏

أن الموجود من صح له تأثير فتأثير القديم صحة الفعل منه و تأثير الجسم شغله للحيز (1) و تأثير العرض تغييره للجسم و صفة الموجود من الوجود على التقدير و كذلك صفة القديم من القدم و صفة الحادث من الحدوث و انما جرت الصفات على البيان بأصل رجع اليه إما محقق و اما مقدر و قد يكون الكلام المقدر أبلغ منه بالمحقق ألا ترى أن قول امرئ القيس*

بمنجرد قيد الأوابد

____________

(1) في النسخ «للخير».

111

هيكل‏

* أبلغ من مانع الأوابد و هو مقدر تقدير المانع، و الكائن على أربعة أوجه أحدها بمعنى الموجود و يصح ذلك في القديم كما يصح في المحدث، و الناس يقولون إن الله لم يزل كائنا، و الثاني بمعنى وجود الصنع و التدبير و هو قول الناس ان الله تعالى كائن بكل مكان و المراد أنه صانع مدبر بكل مكان و انه عالم بذلك غير غائب عن شي‏ء من أحواله فيكون من هذا الوجه في حكم من هو كائن منه، و الثالث قولنا للجوهر إنه كائن بالمكان و معناه أنه شاغل للمكان، و الرابع قولنا للعرض أنه كائن في الجسم فالمراد حلوله.

(الفرق) بين‏

الكائن‏

و

الثابت‏

أن الكائن لا يكون إلا موجودا و يكون ثابت ليس بموجود و هو من قولهم فلان ثابت النسب معنى ذلك أنه معروف النسب و ان لم يكن موجودا و يقال شي‏ء ثابت بمعنى أنه مستقر لا يزول، و يستعمل الثبات في الاجسام و الاعراض و ليس كذلك الكون.

(الفرق) بين‏

الدوام‏

و

الخلود

أن الدوام هو استمرار البقاء في جميع الاوقات و لا يقتضي أن يكون في وقت دون وقت ألا ترى أنه يقال ان الله لم يزل دائما و لا يزال دائما و الخلود هو استمرار البقاء من وقت مبتدأ، و لهذا لا يقال إنه خالد كما انه دائم.

(الفرق) بين‏

الدائم‏

و

السرمد

أن السرمد هو الذي لا فصل يقع فيه و هو اتباع الشي‏ء الشي‏ء و الميم فيه زائدة، و العرب تقول شربته سرمدا مبردا كأنه اتباع.

(الفرق) بين‏

الخلود

و

البقاء

أن الخلود استمرار البقاء من وقت مبتدأ على ما وصفنا، و البقاء يكون وقتين فصاعدا، و أصل الخلود اللزوم و منه أخلد الى الأرض و أخلد الى قوله أي لزم معنى ما أتى به فالخلود اللزوم المستمر و لهذا يستعمل في الصخور و ما يجري مجراه و منه قول لبيد*

حمر خوالد ما يبين كلامها

* و قال علي بن عيسى‏

112

الخلود مضمر بمعنى في كذا و لهذا يقال خلده في الحبس و في الديوان، و من أجله قيل للاثافي خوالد فاذا زالت لم تكن خوالد، و يقال للّه تعالى دائم الوجود و لا يقال خالد الوجود.

(الفرق) بين‏

القديم‏

و

الباقي‏

و المتقدم أن الباقي هو الموجود لا عن حدوث في حال وصفه بذلك، و القديم ما لم يزل كائنا موجودا على ما ذكرنا و أنت تقول سأبقي هذا المتاع لنفسي و لا تقول سأقدمه و استبقيت الشي‏ء و لا تقول استقدمته، و قال قوم القديم في اللغة مبالغة في الوصف بالتقدم في الوجود و كلما تقدم وجوده حتى سمي قديما فذلك حقيقة فيه، و قال من يرد ذلك لو كان القدم يستفاد لجاز أن تقول لما علمته سيبقى طويلا انه سيقدم كما تقول انه سيبقى، و في بطلان ذلك دلالة على أنه في المحدث توسع و المتقدم خلاف المتأخر و التقدم حصول الشي‏ء قدام الشي‏ء و منه القدوم لتقدمها في العمل و قيل لمضيها في العمل لا تنثني فتوبع لها في الصفة كالمتقدم في الأمر، و منه القدم لأنك تتقدم بها في المكان في المشي، و السابقة في الخير و الشر قدم و في القرآن‏ (قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ) و قوادم الريش العشر المتقدمات و يقال قدم العهد و قدم البلى أي طال و كل ما يقدم فهو قديم و قدم و

في الحديث‏

«حتى يضع الجبار فيها قدمه»

أي في النار يريد من سلف في علمه أنه عاص، و يجوز أن يكون من سلف بعصيانه، و القديم على الحقيقة هو الذي لا أول لحدوثه.

(الفرق) بين قولنا

الأول‏

و بين قولنا

قبل‏

و بين قولنا

آخر

و قولنا

بعد

أن الأول هو من جملة ما هو أوله و كذلك الآخر من جملة ما هو آخره و ليس كذلك ما يتعلق بقبل و بعد و ذلك أنك اذا قلت زيد أول من جاءني من بني تميم و آخره أوجب ذلك أن يكون زيد من بني تميم و اذا قلت جاءني زيد قبل بني تميم أو بعدهم لم يجب أن يكون زيد منهم فعلى هذا يجب أن يكون قولنا الله أول الأشياء في الوجود و آخرها أن يكون الله من الأشياء، و قولنا إنه قبلها أو بعدها لم يوجب أنه منها و لا أنه شي‏ء

113

الا أنه لا يجوز أن يطلق ذلك دون أن يقال انه قبل الاشياء الموجودة سواه أو بعدها فيكون استثناؤه من الاشياء لا يخرجه من أن يكون شيئا، و قبل و بعد لا يقتضيان زمانا و لو اقتضيا زمانا لم يصح أن يستعملا في الأزمنة و الأوقات بأن يقال بعضها قبل بعض أو بعده لان ذلك يوجب للزمان زمانا. و غير مستنكر وجود زمان لا في زمان و وقت لا في وقت، و قبل مضمنة بالاضافة في المعنى و اللفظ و ربما حذفت الاضافة إجتزاءا بما في الكلام من الدلالة عليها، و أصل قبل المقابلة فكأن الحادث المتقدم قد قابل الوقت الاول و الحادث المتأخر قد بعد عن الوقت الأول ما يستقبل و الآخر يجي‏ء على تفصيل الاثنين تقول أحدهما كذا و الآخر كذا، و الأول و الآخر يقال بالاضافة يقال أوله كذا و آخره الا في أسماء الله تعالى و الأول الموجود قبل و الآخر الموجود بعد.

(الفرق) بين‏

السابق‏

و

الأول‏

أن السابق في أصل اللغة يقتضي مسبوقا، و الأول لا يقتضي ثانيا ألا ترى أنك تقول هذا أول مولود ولد لفلان و ان لم يولد له غيره، و تقول أول عبد يملكه حر و ان لم يملك غيره و لا يخرج العبد و الابن من معنى الابتداء، و بهذا يبطل قول الملحدين ان الأول لا يسمى أولا إلا بالاضافة الى ثان، و أما تسمية اللّه تعالى بأنه سابق يفيد أنه موجود قبل كل موجود، و قال بعضهم لا يطلق ذلك في الله تعالى الا مع البيان لأنه يوهم أن معه أشياء موجودة قد سبقها و لذلك لا يقال ان الله تعالى أسبق من غيره لأنه يقتضي الزيادة في السبق، و زيادة أحد الموصوفين على الآخر في الصفة يوجب اشتراكهما فيها من وجه أو من وجوه.

(الفرق) بين قولك‏

يقدمه‏

و قولك‏

يسبقه‏

أن معنى قولك يقدمه يسير قدامه و يسبقه يقتضي أنه يلحق قبله، و قال تعالى‏ (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ) قيل انه أراد يمشي على قدمه يقودهم الى النار و ليس كذلك يسبقهم لأن يسبقهم يجوز أن يكون معناه أنه يوجد قبلهم فيها.

114

الباب السابع في الفرق بين أقسام الارادات و ما يقرب منها و بين اقسام ما يضادها و يخالفها و بين أقسام الأفعال‏

(الفرق) بين‏

الإرادة

و

المحبة

أن المحبة تجري على الشي‏ء و يكون المراد به غيره، و ليس كذلك الارادة تقول أحببت زيدا و المراد أنك تحب إكرامه و نفعه و لا يقال أردت زيدا بهذا المعنى، و تقول أحب الله أي أحب طاعته و لا يقال أريده بهذا المعنى فجعل المحبة لطاعة الله محبة له كما جعل الخوف من عقابه خوفا منه و تقول الله يحب المؤمنين‏ (1) بمعنى أنه يريد إكرامهم و اثابتهم و لا يقال انه يريدهم بهذا المعنى، و لهذا قالوا ان المحبة تكون ثوابا و ولاية، و لا تكون الارادة كذلك، و لقولهم أحب زيدا مزية على قولهم أريد له الخير و ذلك أنه اذا قال أريد له الخير لم يبين أنه لا يريد له شيئا من السوء و اذا قال أحبه أبان أنه لا يريد له سوءا أصلا و كذلك اذا قال أكره له الخير لم يبين أنه لا يريد له الخير (2) البتة و اذا قال أبغضه أبان أنه لا يريد له خيرا البتة، و المحبة أيضا تجري مجرى الشهوة فيقال فلان يحب اللحم أي يشتهيه و تقول أكلت طعاما لا أحبه أي لا أشتهيه و مع هذا فان المحبة هي الارادة، و الشاهد أنه لا

____________

(1) في التيمورية «المؤمن» و ما بعدها بالافراد موافقة لها.

(2) في التيمورية «خيرا».

115

يجوز أن يحب الانسان الشي‏ء مع كراهته له.

(الفرق) بين‏

المحبة

و

الشهوة

أن الشهوة توقان النفس و ميل الطباع الى المشتهي و ليست من قبيل الارادة، و المحبة من قبيل الارادة و نقيضها البغضة و نقيض الحب البغض، و الشهوة تتعلق بالملاذ فقط و المحبة تتعلق بالملاذ و غيرها.

(الفرق) بينها و بين‏

الصداقة

أن الصداقة قوة المودة مأخوذة من الشي‏ء الصدق و هو الصلب القوي، و قال أبو علي (رحمه الله): الصداقة اتفاق القلوب على المودة و لهذا لا يقال إن الله صديق المؤمن كما يقال إنه حبيبه و خليله.

(الفرق) بين‏

الشهوة

و

اللذة

أن الشهوة توقان النفس الى ما يلذ و يسر، و اللذة ما تاقت النفس اليه و نازعت الى نيله فالفرق بينهما ظاهر.

(الفرق) بين‏

الإرادة

و

الشهوة

أن الانسان قد يشتهي ما هو كاره له كالصائم يشتهي شرب الماء و يكرهه، و قد يريد الانسان ما لا يشتهيه كشرب الدواء المر و الحمية و الحجامة و ما بسبيل ذلك، و شهوة القبيح غير قبيحة و ارادة القبيح قبيحة فالفرق بينهما بين.

(الفرق) بين‏

اللذة

و

الراحة

أن الراحة من اللذة ما تقدمت الشهوة له و ذلك أن العطشان اذا اشتهى الشرب و لم يشرب مليا ثم شرب سميت لذته بالشرب راحة و اذا شرب في أول أوقات العطش لم يسم بذلك، و كذلك الماشي اذا أطال المشي ثم قعد و قد تقدمت شهوته للقعود سميت لذته بالقعود راحة و ليس ذلك من ارادات ولكنه يجري معها و يشكل بها، و عند أبي هاشم (رحمه الله) أن اللذة ليست بمعنى، و في تعيين الملتذ بها و بضروبها الدالة على اختلاف أجناسها دليل على أنها معنى و لو لم تكن معنى مع هذه الحال لوجب أن تكون الارادة كذلك.

(الفرق) بين‏

الحب‏

و

الود

أن الحب يكون فيما يوجبه ميل الطباع و الحكمة جميعا و الود من جهة ميل الطباع فقط ألا ترى أنك تقول أحب‏

116

فلانا و أوده و تقول أحب الصلاة و لا تقول أود الصلاة و تقول أود أن ذاك كان لي اذا تمنيت وداده و أود الرجل ودا و مودة و الود و الوديد مثل الحب‏ (1) و هو الحبيب.

(الفرق) بين‏

المحبة

و

العشق‏

أن العشق شدة الشهوة لنيل المراد من المعشوق اذا كان انسانا و العزم على مواقعته عند التمكن منه، و لو كان العشق مفارقا للشهوة لجاز أن يكون العاشق خاليا من أن يشتهي النيل ممن يعشقه الا أنه شهوة مخصوصة لا تفارق موضعها و هي شهوة الرجل للنيل ممن يعشقه و لا تسمى شهوته لشرب الخمر و أكل الطيب عشقا، و العشق أيضا هو الشهوة التي اذا أفرطت و امتنع نيل ما يتعلق بها قتلت صاحبها و لا يقتل من الشهوات غيرها ألا ترى أن أحدا لم يمت من شهوة الخمر و الطعام و الطيب و لا من محبة داره أو ماله و مات خلق كثير من شهوة الخلوة مع المعشوق و النيل منه.

(الفرق) بين‏

الإرادة

و

الرضا

أن إرادة الطاعة تكون قبلها و الرضا بها يكون بعدها أو معها فليس الرضا من الارادة في شي‏ء، و عند أبي هاشم (رحمه الله) أن الرضا ليس بمعنى و نحن وجدنا المسلمين يرغبون في رضا الله تعالى و لا يجوز أن يرغب في لا شي‏ء، و الرضا أيضا نقيض السخط و السخط من الله تعالى إرادة العقاب فينبغي أن يكون الرضا منه ارادة الثواب أو الحكم به.

(الفرق) بين‏

التمني‏

و

الإرادة

أن التمني معنى في النفس يقع عند فوت فعل كان للمتمني في وقوعه نفع أو في زواله ضرر مستقبلا كان ذلك الفعل أو ماضيا، و الارادة لا تتعلق الا بالمستقبل، و يجوز أن يتعلق التمني بما لا يصح تعلق الارادة به أصلا و هو أن يتمنى الانسان أن الله لم يخلقه و أنه لم يفعل ما فعل أمس و لا يصح أن يريد ذلك، و قال أبو

____________

(1) بكسر الحاء.

117

علي (رحمه الله): التمني هو قول القائل ليت الأمر كذا فجعله قولا و قال في موضع آخر التمني هو هذا القول و إضمار معناه في القلب، و الى هذا ذهب أبو بكر بن الأخشاد، و التمني أيضا التلاوة قال الله تعالى‏ (إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) و قال ابن الأنباري: التمني التقدير قال و منه قوله تعالى‏ (مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى‏)، و تمنى كذب، و روي أن بعضهم قال للشعبي أهذا مما رويته أو مما تمنيته أي كذبت في روايته، و أما التمني في قوله تعالى‏ (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)* فلا يكون الا قولا و هو أن يقول أحدهم ليته مات، و متى قال الانسان ليت الآن كذا فهو عند أهل اللسان متمن غير اعتبارهم لضميره و يستحيل أن يتحداهم بأن يتمنوا ذلك بقلوبهم مع علم الجميع بأن التحدي بالضمير لا يعجز أحدا و لا يدل على صحة مقالته و لا فسادها لأن المتحدي بذلك يمكنه أن يقول تمنيت بقلبي فلا يمكن خصمه اقامة الدليل على كذبه، و لو انصرف ذلك الى تمني القلب دون العبارة باللسان لقالوا قد تمنينا ذلك بقلوبنا فكانوا مساوين له فيه و سقط بذلك دلالته على كذبهم و على صحة ثبوته فلما لم يقولوا ذلك علم أن التحدي وقع بالتمني لفظا.

(الفرق) بين‏

التمني‏

و

الشهوة

أن الشهوة لا تتعلق الا بما يلذ من المدركات بالحواس، و التمني يتعلق بما يلذ و ما يكره مثل أن يتمنى الانسان أن يموت، و الشهوة أيضا لا تتعلق بالماضي.

(الفرق) بين‏

الهوى‏

و

الشهوة

أن الهوى لطف محل الشي‏ء من النفس مع الميل اليه بما لا ينبغي و لذلك غلب على الهوى صفة الذم، و قد يشتهي الانسان الطعام و لا يهوى الطعام.

(الفرق) بين‏

الإرادة

و

المشيئة

أن الارادة تكون لما يتراخى وقته و لما لا يتراخى، و المشيئة لما لم يتراخ وقته و الشاهد أنك تقول فعلت كذا شاء زيد أو أبى فيقابل بها إباه و ذلك انما يكون عند محاولة الفعل و كذلك مشيئته انما تكون بدلا من ذلك في حاله.

118

(الفرق) بين‏

المشيئة

و

العزم‏

أن العزم إرادة يقطع بها المريد رويته في الاقدام على الفعل أو الاحجام عنه و يختص بارادة المريد لفعل نفسه لأنه لا يجوز أن يعزم على فعل غيره.

(الفرق) بين‏

العزم‏

و

النية

أن النية إرادة متقدمة للفعل بأوقات من قولك انتوى اذا بعد و النوى و النية البعد فسميت بها الارادة التي بعد ما بينها و بين مرادها و لا يفيد قطع الروية في الاقدام على الفعل، و العزم قد يكون متقدما للمعزوم عليه بأوقات و بوقت، و لا يوصف الله بالنية لأن إرادته لا تتقدم فعله و لا يوصف بالعزم كما لا يوصف بالروية و قطعها في الاقدام و الاحجام.

(الفرق) بين‏

الإرادة

و

الاختيار

أن الاختيار ارادة الشي‏ء بدلا من غيره و لا يكون مع خطور المختار و غيره بالبال و يكون ارادة للفعل لم يخطر بالبال غيره، و أصل الاختيار الخير فالمختار هو المريد لخير الشيئين في الحقيقة أو خير الشيئين عند نفسه من غير إلجاء و اضطرار و لو اضطر الانسان الى ارادة شي‏ء لم يسمى مختارا له لأن الاختيار خلاف الاضطرار.

(الفرق) بين‏

الاختيار

و

الإيثار

أن الايثار على ما قيل هو الاختيار المقدم و الشاهد قوله تعالى‏ (قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا) أي قدم اختيارك علينا و ذلك أنهم كلهم كانوا مختارين عند الله تعالى لأنهم كانوا أنبياء، و اتسع في الاختيار فقيل لافعال الجوارح اختيارية تفرقة بين حركة البطش و حركة المجس و حركة المرتعش و تقول إخترت المروى على الكتان أي اخترت لبس هذا على لبس هذا و قال تعالى‏ (وَ لَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى‏ عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ) أي اخترنا ارسالهم، و تقول في الفاعل مختار لكذا و في المفعول مختار من كذا، و عندنا أن قوله تعالى‏ (آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا) معناه أنه فضلك الله علينا، و أنت من أهل الأثرة عندي أي ممن أفضله على غيره بتأثير الخير و النفع عنده، و اخترتك أخذتك للخير الذي فيك‏

119

في نفسك و لهذا يقال آثرتك بهذا الثوب و هذا الدينار و لا يقال اخترتك به و انما يقال اخترتك لهذا الأمر فالفرق بين الايثار و الاختيار بين من هذا الوجه.

(الفرق) بين‏

العزم‏

و

الزماع‏

أن العزم يكون في كل فعل يختص به الانسان و الزماع يختص بالسفر يقال أزمعت المسير قال الشاعر*

أزمعت من آل ليلى ابتكارا

* و لا يقال أزمعت الأكل و الشرب كما تقول عزمت على ذلك، و الازماع أيضا يتعدى بعلى فالفرق بينهما ظاهر.

(الفرق) بين‏

الإرادة

و

المعنى‏

أن المعنى إرادة كون القول على ما هو موضوع له في أصل اللغة أو مجازها فهو في القول خاصة الا أن يستعار لغيره على ما ذكرنا قبل، و الارادة تكون في القول و الفعل.

(الفرق) بين‏

التيمم‏

و

الإرادة

أن أصل التيمم التأمم و هو قصد الشي‏ء من أمام و لهذا لا يوصف الله به لانه لا يجوز أن يوصف بأنه يقصد الشي‏ء من أمامه أو ورائه و المتيمم القاصد ما في أمامه ثم كثر حتى استعمل في غير ذلك.

(الفرق) بين‏

الإرادة

و

التحري‏

أن التحري هو طلب مكان الشي‏ء مأخوذ من الحرا و هو المأوى و قيل لمأوى الطير حراها و لموضع بيضها حرا أيضا و منه تحرى القبلة و لا يكون مع الشك في الاصابة و لهذا لا يوصف الله تعالى به فليس هو من الارادة في شي‏ء.

(الفرق) بين‏

الإرادة

و

التوخي‏

أن التوخي مأخوذ من الوخي و هو الطريق القاصد المستقيم و توخيت الشي‏ء مثل تطرقته جعلته طريقي ثم استعمل في الطلب و الارادة توسعا، و الاصل ما قلناه.

(الفرق) بين‏

الإرادة

و

توطين‏

النفس‏

أن توطين النفس أن توطين النفس على الشي‏ء يقع بعد الارادة له و لا يستعمل الا فيما يكون فيه مشقة ألا ترى أنك لا تقول وطن فلان نفسه على ما يشتهيه.

(الفرق) بين‏

القصد

و

الإرادة

أن قصد القاصد مختص بفعله دون‏

120

فعل غيره، و الارادة غير مختصة بأحد الفعلين دون الآخر، و القصد أيضا ارادة الفعل في حال ايجاده فقط و اذا تقدمته بأوقات لم يسم قصدا ألا ترى أنه لا يصح أن تقول قصدت أن أزورك غدا.

(الفرق) بين‏

القصد

و

الحج‏

أن الحج هو القصد على استقامة و من ثم سمي قصد البيت حجا لأن من يقصد زيارة البيت لا يعدل عنه الى غيره و منه قيل للطريق المستقيم محجة و الحجة فعلة من ذلك لأنه قصد الى استقامة رد الفرع الى الأصل.

(الفرق) بين‏

الحرد

و

القصد

أن الحرد قصد الشي‏ء من بعد، و أصله من قولك رجل حريد المحل اذا لم يخالط الناس و لم يزل معهم و كوكب حريد منتح عن الكواكب و في القرآن‏ (وَ غَدَوْا عَلى‏ حَرْدٍ قادِرِينَ) و المراد أنهم قصدوا أمرا بعيدا و ذلك أن الله أهلك ثمرتهم بعد الانتفاع بها.

(الفرق) بين‏

الإرادة

و

الإصابة

أن الارادة سميت إصابة على المجاز في قولهم أصاب الصواب و أخطأ الجواب أي أراد، قال الله تعالى‏ (رُخاءً حَيْثُ أَصابَ) و ذلك أن أكثر الاصابة تكون مع الارادة.

(الفرق) بين‏

القصد

و

النحو

أن النحو قصد الشي‏ء من وجه واحد يقال نحوته اذا قصدته من وجه واحد، و الناس يقولون الكلام في هذا على أنحاء أي على وجوه، و روي أن أبا الأسود عمل كتابا في الاعراب و قال لأصحابه أنحوا هذا النحو أي أقصدوا هذا الوجه من الكلام فسمي الاعراب نحوا، و ناحية الشي‏ء الوجه الذي يقصد منه و هي فاعلة بمعنى مفعولة أي هي منحوة.

(الفرق) بين‏

الهم‏

و

الإرادة

أن الهم آخر العزيمة عند مواقعة الفعل قال الشاعر:

هممت و لم أفعل و كدت و ليتني‏* * * تركت على عثمان تبكي حلائله‏

و يقال هم الشحم اذا أذابه و ذلك أن ذوبان الشحم آخر أحواله،

121

و قيل الهم تعلق الخاطر بشي‏ء له قدرة في الشدة، و المهمات الشدائد، و أصل الكلمة الاستقصاء و منه هم الشحم اذا أذابه حتى أحرفه و هم المرض إذا هبط.

(الفرق) بين‏

الهم‏

و

القصد

أنه قد يهم الانسان بالأمر قبل القصد اليه و ذلك أنه يبلغ آخر عزمه عليه ثم يقصده.

(الفرق) بين‏

الهم‏

و

الهمة

أن الهمة اتساع الهم و بعد موقعه و لهذا يمدح بها الانسان فيقال فلان ذو همة و ذو عزيمة، و أما قولهم فلان بعيد الهمة و كبير العزيمة فلأن بعض الهمم يكون أبعد من بعض و أكبر من بعض، و حقيقة ذلك أنه يهتم بالامور الكبار، و الهم هو الفكر في إزالة المكروه و اجتلاب المحبوب و منه يقال أهم بحاجتي، و الهم أيضا الشهوة قال الله تعالى‏ (وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها) أي عزمت هي على الفاحشة و اشتهاها هو و الشاهد على صحة هذا التأويل قيام الدلالة على أن الأنبياء (صلوات الله عليهم) لا يعزمون على الفواحش و هذا مثل قوله تعالى‏ (إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) و الصلاة من الله الرحمة و من الملائكة الاستغفار و من الآدميين الدعاء، و قوله تعالى‏ (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ) فالشهادة من الله تعالى إخبار و بيان و منهم اقرار، و الهم أيضا عند الحزن الذي يذيب البدن من قولك هم الشحم اذا أذابه. و سنذكر الفروق بين الهم و الغم و الحزن في بابه إن شاء اللّه.

(الفرق) بين‏

الحسد

و

الغبط

أن الغبط هو أن تتمنى أن يكون مثل حال المغبوط لك من غير أن تريد زوالها عنه‏ (1)، و الحسد أن تتمنى أن تكون حاله لك دونه فلهذا ذم الحسد و لم يذم الغبط. فأما ما

روي‏

أنه (عليه السلام) سئل فقيل له أيضر الغبط فقال نعم كما يضر العصا الخبط

فانه أراد أن تترك ما لك فيه سعة لئلا تدخل في المكروه و هذا مثل قولهم‏

____________

(1) «عنه» غير موجودة في النسخ.

122

ليس الزهد في الحرام إنما الزهد في الحلال، و الاغتباط الفرح بالنعمة، و الغبطة الحالة الحسنة التي يغبط عليها صاحبها.

الفرق بين ما يضاد الارادة و يخالفها

(الفرق) بين‏

الكراهة

و

الإباء

أن الاباء هو أن يمتنع و قد يكره الشي‏ء من لا يقدر على إبائه و قد رأيناهم يقولون للملك أبيت اللعن و لا يعنون أنك تكره اللعن لأن اللعن يكرهه كل أحد و انما يريدون أنك تمتنع من أن تلعن و تشتم لما تأتي من جميل الأفعال، و قال الراجز*

و لو أرادوا ظلمه أبينا

* أي امتنعنا عليهم أن يظلموا و لم يرد انا نكره ظلمهم إياه لان ذلك لا مدح فيه، و قال الله تعالى‏ (وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) أي يمتنع من ذلك و لو كان الله يأبى المعاصي كما يكرهها لم تكن معصية و لا عاص.

(الفرق) بين‏

الإباء

و

المضادة

أن الاباء يدل على المنعة ألا ترى أن المتحرك ساهيا لا يخرجه ذلك من أن يكون أتى بضد السكون و لا يصح أن يقال قد أبى السكون، و المضادة لا تدل على المنعة.

(الفرق) بين‏

الكراهة

و

البغض‏

أنه قد اتسع بالبغض ما لم يتسع بالكراهة فقيل ابغض زيدا أي ابغض إكرامه و نفعه، و لا يقال أكرهه بهذا المعنى كما اتسع بلفظ المحبة فقيل أحب زيدا بمعنى أحب إكرامه و نفعه و لا يقال أريده في هذا المعنى، و مع هذا فان الكراهة تستعمل فيما لا يستعمل فيه البغض فيقال أكره هذا الطعام و لا يقال أبغضه كما تقول أحبه و المراد إني أكره أكله كما أن المراد بقولك أريد هذا الطعام أنك تريد أكله أو شراءه.

(الفرق) بين‏

الكراهة

و

نفور

الطبع‏

أن الكراهة ضد الارادة، و نفور الطبع ضد الشهوة و قد يريد الانسان شرب الدواء المر مع نفور طبعه منه، و لو كان نفور الطبع كراهة لما اجتمع مع الارادة، و قد تستعمل الكراهة في موضع نفور الطبع مجازا، و تسمى الأمراض و الاسقام مكاره و ذلك لكثرة ما يكره الانسان ما ينفر طبعه منه، و لذلك تسمى الشهوة

123

محبة و المشتهى محبوبا لكثرة ما يحب الانسان ما يشتهيه و يميل اليه طبعه، و نفور الطبع يختص بما يؤلم و يشق على النفس، و الكراهة قد تكون كذلك و لما يلذ و يشتهي من المعاصي و غيرها.

(الفرق) بين قولك‏

يبغضه‏

و قولك لا

يحبه‏

أن قولك لا يحبه أبلغ من حيث يتوهم اذا قال يبغضه أنه يبغضه من وجه و يحبه من وجه كما إذا قلت يجهله جاز أن يجهله من وجه و يعلمه من وجه و اذا قلت لا يعلمه لم يحتمل الوجهين.

(الفرق) بين‏

الغضب‏

و

الغيظ

أن الانسان يجوز أن يغتاظ من نفسه و لا يجوز أن يغضب عليها و ذلك أن الغضب إرادة الضرر للمغضوب عليه و لا يجوز أن يريد الانسان الضرر لنفسه، و الغيظ يقرب من باب الغم.

(الفرق) بين‏

الغضب‏

و

السخط

أن الغضب يكون من الصغير على الكبير و من الكبير على الصغير و السخط لا يكون الا من الكبير على الصغير يقال سخط الأمير على الحاجب و لا يقال سخط الحاجب على الامير و يستعمل الغضب فيها، و السخط اذا عديته بنفسه فهو خلاف الرضا يقال رضيه و سخطه و اذا عديته بعلى فهو بمعنى الغضب تقول سخط الله عليه اذا أراد عقابه.

(الفرق) بين‏

الغضب‏

و

الاشتياط

أن الاشتياط خفة تلحق الانسان عند الغضب و هو في الغضب كالطرب في الفرح، و قد يستعمل الطرب في الخفة التي تعتري من الحزن، و الاشتياط لا يستعمل الا في الغضب و يجوز أن يقال الاشتياط سرعة الغضب، قال الاصمعي: يقال ناقة مشياط اذا كانت سريعة السمن، و يقال استشاط الرجل اذا التهب من الغضب كأن الغضب قد طار فيه.

(الفرق) بين‏

الغضب‏

الذي توجبه الحمية و

الغضب‏

الذي توجبه الحكمة

أن الغضب الذي توجبه الحمية انتفاض الطبع بحال يظهر في تغير الوجه، و الغضب الذي توجبه الحكمة جنس من العقوبة يضاد الرضا و هو

124

الغضب الذي يوصف الله به.

(الفرق) بين‏

الغضب‏

و

الحرد

أن الحرد هو أن يغضب الانسان فيبعد عن من غضب عليه و هو من قولك كوكب حريد أي بعيد عن الكواكب و حي حريد أي بعيد المحل، و لهذا لا يوصف الله تعالى بالحرد و هو الحرد بالاسكان و لا يقال حرد بالتحريك و انما الحرد استرخاء يكون في أيدي الابل جمل أحرد و ناقة حرداء، و يجوز أن يقال إن الحرد هو القصد و هو أن يبلغ في الغضب أبعد غاية.

(الفرق) بين‏

العداوة

و

البغضة

أن العداوة البعاد من حال النصرة، و نقيضها الولاية و هي الهرب من حال النصرة، و البغضة إرادة الاستحقار و الاهانة، و نقيضها المحبة و هو ارادة الاعظام و الاجلال.

(الفرق) بين‏

العدو

و

الكاشح‏

أن الكاشح هو العدو الباطن العداوة كأنه أضمر العداوة تحت كشحه و يقال كاشحك فلان اذا عاداك في الباطن و الاسم الكشيحة و المكاشحة.

(الفرق) بين‏

العداوة

و

الشنآن‏

أن العداوة هي ارادة السوء لما تعاديه و أصله الميل و منه عدوة الوادي و هي جانبه، و يجوز أن يكون أصله البعد و منه عدواء الدار أي بعدها و عدا الشي‏ء يعدوه اذا تجاوزه كأنه بعد عن التوسط، و الشنآن على ما قال علي بن عيسى طلب العيب على فعل الغير لما سبق من عداوته قال و ليس هو من العداوة في شي‏ء و انما أجري على العداوة لأنها سببه و قد يسمى المسبب باسم السبب و جاء في التفسير (شَنَآنُ قَوْمٍ)* أي بغض قوم فقرئ شنآن قوم بالاسكان أي بغض قوم شنى و هو شنآن كما تقول سكر و هو سكران.

(الفرق) بين‏

المعاداة

و

المخاصمة

أن المخاصمة من قبيل القول، و المعاداة من أفعال القلوب، و يجوز أن يخاصم الانسان غيره من غير أن يعاديه، و يجوز أن يعاديه و لا يخاصمه.

(الفرق) بين‏

المعاداة

و

المناوأة

أن مناوأة غيرك مناهضتك له بشدة في‏

125

حرب أو خصومة و هي مفاعلة من النوء و هو النهوض بثقل و مشقة، و منه قوله تعالى‏ (ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ) و يقال للمرأة البدينة اذا نهضت انها ناءت و ينوء بها عجزها و هو من المقلوب أي هي تنوء به، وناء الكوكب اذا طلع كأنه نهض بثقل، و قال صاحب الفصيح تقول اذا ناوأت الرجال فاصبر أي عاديت و هي المناوأة، و ليست المناوأة من المعاداة في شي‏ء ألا ترى أنه يجوز أن يعاديه و لا يناوئه.

(الفرق) بين‏

الغضب‏

و ارادة

الانتقام‏

أن الغضب معنى يقتضي العقاب من طريق جنسه من غير توطين النفس عليه و لا يغير حكمه، و ليس كذلك الارادة لأنها تقدمت فكانت عما توطن النفس على الفعل فاذا صحبت الفعل غيرت حكمه، و ليس كذلك الغضب، و أيضا فان المغضوب عليه من نظير المراد و هو مستقل.

و مما يخالف الاختيار المذكور في هذا الباب الاضطرار

(الفرق) بينه و بين‏

الإلجاء

أن الالجاء يكون فيما لا يجد الانسان منه بدا من أفعال نفسه مثل أكل الميتة عند شدة الجوع و مثل العدو على الشوك عند مخافة السبع فيقال إنه ملجأ الى ذلك، و قد يقال انه مضطر اليه أيضا فأما الفعل الذي يفعل في الانسان و هو يقصد الامتاع منه مثل حركة المرتعش فانه يقال هو مضطر اليه و لا يقال ملجأ اليه و اذا لم يقصد الامتناع منه لم يسم اضطرارا كتحريك الطفل يد الرجل القوي، و نحو هذا قول علي بن عيسى: إن الالجاء هو أن يحمل الانسان على أن يفعل، و الضرورة أن يفعل فيه ما لا يمكنه الانصراف عنه من الضر و الضر ما فيه ألم قال و الاضطرار خلاف الاكتساب ألا ترى أنه يقال له باضطرار عرفت هذا أم باكتساب، و لا يقع الالجاء هذا الموقع، و قيل هذا الاصطلاح من المتكلمين قالوا فأما أهل اللغة فان الالجاء و الاضطرار عندهم سواء، و ليس كذلك لأن كل واحد منهما على صيغة و من أصل و اذا اختلفت الصيغ و الأصول اختلفت المعاني لا محالة، و الاجبار يستعمل في الاكراه،

126

و الالجاء يستعمل في فعل العبد على وجه لا يمكنه أن ينفك منه، و المكره من فعل ما ليس له اليه داع و إنما يفعله خوف الضرر، و الالجاء ما تشتد دواعي الانسان اليه على وجه لا يجوز أن يقع مع حصول تلك الدواعي.

الفرق بين أقسام الافعال‏

(الفرق) بين‏

الحدوث‏

و

الإحداث‏

أن الاحداث و المحدث يقتضيان محدثا من جهة اللفظ، و ليس كذلك الحدوث و الحادث و ليس الحدوث و الاحداث شيئا غير المحدث و الحادث و انما يقال ذلك على التقدير، و شبه بعضهم ذلك بالسراب و قال هو اسم لا مسمى له على الحقيقة و ليس الأمر كذلك لان السراب سبخة تطلع عليها الشمس فتبرق فيحسب ماءا فالسراب على الحقيقة شي‏ء إلا أنه متصور بصورة غيره و ليس الحدوث و الاحداث كذلك.

(الفرق) بين‏

المحدث‏

و

المفعول‏

أن أهل اللغة يقولون لما قرب حدوثه محدث و حديث يقال بناء محدث و حديث و ثمر حديث و غلام حديث أي قريب الوجود، و يقولون لما قرب وجوده أو بعد مفعول و المحدث و المفعول في استعمال المتكلمين واحد.

(الفرق) بين‏

الفعل‏

و

الاختراع‏

أن الفعل عبارة عما وجد في حال كان قبلها مقدورا سواء كان عن سبب أو لا، و الاختراع هو الايجاد عن غير سبب و أصله في العربية اللين و السهولة فكأن المخترع قد سهل له الفعل فأوجده من غير سبب يتوصل به اليه.

(الفرق) بين‏

الاختراع‏

و

الابتداع‏

أن الابتداع ايجاد ما لم يسبق الى مثله يقال أبدع فلان اذا أتى بالشي‏ء الغريب و أبدعه الله فهو مبدع و بديع و منه قوله تعالى‏ (بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ)* و فعيل من أفعل معروف في العربية يقال بصير من أبصر و حليم من أحلم، و البدعة في الدين مأخوذة من هذا و هو قول ما لم يعرف قبله و منه قوله تعالى‏ (ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ) و قال رؤبة

«و ليس وجه الحق أن يبدعا»

.

127

(الفرق) بين‏

الفعل‏

و

الفطر

أن الفطر اظهار الحادث باخراجه من العدم الى الوجود كأنه شق عنه فظهر، و أصل الباب الشق و مع الشق الظهور و من ثم قيل تفطر الشجر اذا تشقق بالورق و فطرت الاناء شققته و فطر الله الخلق أظهرهم بايجاده اياهم كما يظهر الورق اذا تفطر عنه الشجر ففي الفطر معنى ليس في الفعل و هو الاظهار بالاخراج الى الوجود قبل ما لا يستعمل فيه الظهور و لا يستعمل فيه الوجود، ألا ترى أنك لا تقول إن الله فطر الطعام و الرائحة كما تقول فعل ذلك، و قال علي بن عيسى: الفاطر العامل للشي‏ء بايجاده بمثل الانشقاق عنه.

(الفرق) بين‏

الفعل‏

و

الإنشاء

أن الانشاء هو الاحداث حالا بعد حال من غير احتذاء على مثال و منه يقال نشأ الغلام و هو ناشئ اذا نما و زاد شيئا فشيئا و الاسم النشوء، و قال بعضهم الانشاء ابتداء الايجاد من غير سبب، و الفعل يكون عن سبب و كذلك الاحداث و هو ايجاد الشي‏ء بعد أن لم يكن و يكون بسبب و بغير سبب، و الانشاء ما يكون من غير سبب و الوجه الأول أجود.

(الفرق) بين‏

المبدئ‏

و

المبتدئ‏

أن المبدئ للفعل هو المحدث له و هو مضمن بالاعادة و هي فعل الشي‏ء كرة ثانية و لا يقدر عليها الا الله تعالى فأما قولك أعدت الكتاب فحقيقته أنك كررت مثله فكأنك قد أعدته، و المبتدئ بالفعل هو الفاعل لبعضه من غير تتمة و لا يكون الا لفعل يتطاول كمبتدئ بالصلاة و بالأكل و هو عبارة عن أول أخذه فيه.

(الفرق) بين‏

الفعل‏

و

العمل‏

أن العمل ايجاد الأثر في الشي‏ء يقال فلان يعمل الطين خزفا و يعمل الخوص زنبيلا و الأديم سقاءا، و لا يقال يفعل ذلك لأن فعل ذلك الشي‏ء هو ايجاده على ما ذكرنا و قال الله تعالى‏ (وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ) أي خلقكم و خلق ما تؤثرون فيه بنحتكم اياه أو صدغكم له، و قال البلخي (رحمه الله تعالى): من الافعال ما يقع في علاج و تعب و احتيال و لا يقال للفعل الواحد عمل، و عنده أن الصفة لله بالعمل‏

128

مجاز، و عند أبي علي (رحمه الله) أنها حقيقة، و أصل العمل في اللغة الدؤوب و منه سميت الراحلة يعملة و قال الشاعر:

و قالوا قف و لا تعجل‏* * * و إن كنا على عجل‏

قليل في هواك اليو* * * م ما نلقى من العمل‏

أي من الدؤوب في السير، و قال غيره*

و البرق يحدث شوقا كلما عملا

* و يقال عمل الرجل يعمل و اعتمل إذا عمل بنفسه و أنشد الخليل:

إن الكريم و أبيك يعتمل‏* * * إن لم يجد يوما على من يتكل‏

(الفرق) بين‏

العمل‏

و

الصنع‏

أن الصنع ترتيب العمل و إحكامه على ما تقدم علم به و بما يوصل الى المراد منه، و لذلك قيل للنجار صانع و لا يقال للتاجر صانع لأن النجار قد سبق علمه بما يريد عمله من سرير أو باب و بالأسباب التي توصل الى المراد من ذلك و التاجر لا يعلم اذا اتجر أنه يصل الى ما يريده من الربح أو لا فالعمل لا يقتضي العلم بما يعمل له ألا ترى أن المستخرجين و الضمناء و العشارين من أصحاب السلطان يسمون عمالا و لا يسمون صناعا اذ لا علم لهم بوجوه ما يعملون من منافع عملهم كعلم النجار او الصائغ بوجوه ما يصنعه من الحلى و الآلات، و في الصناعة معنى الحرفة التي يتكسب بها و ليس ذلك في الصنع، و الصنع أيضا مضمن بالجودة، و لهذا يقال ثوب صنيع و فلان صنيعة فلان اذا استخصه على غيره و صنع الله لفلان أي أحسن اليه و كل ذلك كالفعل الجيد.

(الفرق) بين‏

الجعل‏

و

العمل‏

أن العمل هو ايجاد الأثر في الشي‏ء على ما ذكرنا، و الجعل تغيير صورته بايجاد الأثر فيه و بغير ذلك ألا ترى أنك تقول جعل الطين خزفا و جعل الساكن متحركا و تقول عمل الطين خزفا و لا تقول عمل الساكن متحركا لأن الحركة ليست بأثر يؤثر به في الشي‏ء، و الجعل أيضا يكون بمعنى الاحداث و هو قوله تعالى‏ (وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ) و قوله تعالى‏ (وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ)* و يجوز أن يقال إن‏

129

ذلك يقتضي أنه جعلها على هذه الصفة التي هي عليها كما تقول جعلت الطين خزفا، و الجعل أيضا يدل على الاتصال و لذلك جعل طرفا للفعل فتستفتح به كقولك جعل يقول و جعل ينشد قال الشاعر:

فاجعل تحلل من يمينك انما

حنث اليمين على الأثيم الفاجر

فدل على تحلل شيئا بعد شي‏ء، و جاء أيضا بمعنى الخبر في قوله تعالى‏ (وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً) أي أخبروا بذلك، و بمعنى الحكم في قوله تعالى‏ (أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ) أي حكمتم بذلك، و مثله جعله الله حراما و جعله حلالا أي حكم بتحليله و تحريمه، و جعلت المتحرك متحركا، و له وجوه كثيرة أوردناها في كتاب الوجوه و النظائر، و الجعل أصل الدلالة على الفعل لأنك تعلمه ضرورة و ذلك أنك اذا رأيت دارا مهدمة ثم رأيتها مبنية علمت التغير ضرورة و لم تعلم حدوث شي‏ء إلا بالاستدلال‏ (1).

(الفرق) بين‏

الفعل‏

و

الخلق‏

و

التغيير

أن الخلق في اللغة (2) التقدير يقال خلقت الأديم اذا قدرته خفا أو غيره و خلق الثوب و أخلق لم يبق منه الا تقديره، و الخلقاء الصخرة الملساء لاستواء أجزائها في التقدير، و اخلو لق السحاب استوى و انه لخليق بكذا أي شبيه به كأن ذلك مقدر فيه، و الخلق العادة التي يعتادها الانسان و يأخذ نفسه بها على مقدار بعينه فان زال عنه الى غيره قيل تخلق بغير خلقه، و في القرآن‏ (إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ) قال الفراء يريد عادتهم، و المخلق التام الحسن لانه قدر تقديرا حسنا، و المتخلق المعتدل في طباعه، و سمع بعض الفصحاء كلاما حسنا فقال هذا كلام مخلوق، و جميع ذلك يرجع الى التقدير، و الخلوق من الطيب أجزاء خلطت على تقدير، و الناس يقولون لا خالق إلا الله و المراد أن هذا اللفظ لا يطلق الا لله إذ ليس أحد الا و في فعله سهو أو

____________

(1) في السكندرية «باستدلال».

(2) في السكندرية «العربية».

130

غلط يجري منه على غير تقدير غير الله تعالى كما تقول لا قديم الا الله و إن كنا نقول هذا قديم لأنه ليس يصح قول لم يزل موجودا الا الله.

(الفرق) بين‏

الخلق‏

و

الاختلاق‏

أن الاختلاق اسم خص‏ (1) به الكذب و ذلك اذا قدر تقديرا يوهم أنه صدق، و يقال خلق الكلام اذا قدره صدقا أو كذبا، و اختلقه اذا جعله كذبا لا غير فلا يكون الاختلاق الا كذبا و الخلق يكون كذبا و صدقا كما أن الافتعال لا يكون الا كذبا فالقول يكون صدقا و كذبا.

(الفرق) بين‏

الخلق‏

و

الكسب‏

أن الكسب الفعل العائد على فاعله بنفع أو ضر، و قال بعضهم الكسب ما وقع بمراس و علاج، و قال آخرون الكسب ما فعل بجارحة و هو الجرح و به سميت جوارح الانسان جوارح و سمي ما يصاد به جوارح و كواسب و لهذا لا يوصف الله بأنه مكتسب و الاكتساب فعل المكتسب، و المكتسب اذا كان مصدرا فهو فعل المكتسب و اذا لم يكن مصدرا فليس بفعل يقال اكتسب الرجل مالا و عقلا و اكتسب ثوابا و عقابا، و يكون بمعنى الفعل في قولك اكتسب طاعة فحد المكتسب هو الجاعل لها مكتسبة باحداثها و مكتسب المال هو الجاعل له مكتسبا هو الجاعل للشي‏ء مكتسبا له بحادث اما بنفسه أو غيره فمكتسب الطاعة هو الجاعل لها مكتسبة باحداثها و مكتسب المال هو الجاعل له مكتسبا باحداث ما يملكه به.

(الفرق) بين‏

الكسب‏

و

الجرح‏

أن الجرح يفيد من جهة اللفظ أنه فعل بجارحة كما أن قولك عنته يفيد أنه من جهة اللفظ للاصابة بالعين، و الكسب لا يفيد ذلك من جهة اللفظ.

(الفرق) بين‏

الكسب‏

و

الكدح‏

أن الكدح الكسب المؤثر في الخلال كتأثير الكدح الذي هو الخدش في الجلد، و قال الله تعالى‏ (إِنَّكَ كادِحٌ إِلى‏ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) و هو يرجع الى شدة الاجتهاد في السعي و الجمع‏

____________

(1) في السكندرية «قد خص».

131

و فلان يكدح لدنياه و يكدح لآخرته أي يجتهد لذلك.

(الفرق) بين‏

الذرء

و

الخلق‏

أن أصل الذرء الاظهار و معنى ذرأ الله الخلق أظهرهم بالايجاد بعد العدم، و منه قيل للبياض الذرأة لظهوره و شهرته و ملح ذرآني لبياضه و الذر و بلا همز التفرقة بين الشيئين، و منه قوله تعالى‏ (تَذْرُوهُ الرِّياحُ) و ليس من هذا ذريت الحنطة فرقت عنها التبن.

(الفرق) بين‏

البرء

و

الخلق‏

أن البرء هو تمييز الصورة و قولهم برأ الله الخلق أي ميز صورهم، و أصله القطع و منه البراءة و هي قطع العلقة و برئت من المرض كأنه انقطعت أسبابه عنك و برئت من الدين و برأ اللحم من العظم قطعه و تبرأ من الرجل اذا انقطعت عصمته منه.

(الفرق) بين‏

الأخذ

و

الاتخاذ

أن الأخذ مصدر أخذت بيدي و يستعار فيقال أخذه بلسانه اذا تكلم فيه بمكروه، و جاء بمعنى العذاب في قوله تعالى‏ (وَ كَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ) و قوله تعالى‏ (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ)* و أصله في العربية الجمع و منه قيل للغدير و خذ و أخذ جعلت الهمزة واوا و الجمع و خاذ و اخاذ. و الاتخاذ أخذ الشي‏ء لأمر يستمر فيه مثل الدار يتخذها مسكنا و الدابة يتخذها قعدة، و يكون الاتخاذ التسمية و الحكم و منه قوله تعالى‏ (وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) أي سموها بذلك و حكموا لها به.

(الفرق) بين‏

الأخذ

و

التناول‏

أن التناول أخذ الشي‏ء للنفس خاصة ألا ترى أنك لا تقول تناولت الشي‏ء لزيد كما تقول أخذته لزيد فالأخذ أعم، و يجوز أن يقال ان التناول يقتضي أخذ شي‏ء يستعمل في أمر من الأمور و لهذا لا يستعمل في الله تعالى فيقال تناول زيدا كما تقول أخذ زيدا و قال الله تعالى‏ (وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ) و لم يقل تناولنا، و قيل التناول أخذ القليل المقصود اليه و لهذا لا يقال تناولت كذا من غير قصد اليه و يقال أخذته من غير قصد.

132

الباب الثامن في الفرق بين الفرد و الواحد و الوحدانية و ما يجري مع ذلك، و في الفرق بين ما يخالفه من الكل و الجمع، و ما هو من قبيل الجمع من التأليف و التصنيف و النظم و التنضيد و الممارسة و المجاورة، و الفرق بين ما يخالف ذلك من الفرق و الفصل‏

(الفرق) بين‏

الواحد

و

الفرد

أن الفرد لا يفيد الانفراد من القرن، و الواحد يفيد الانفراد في الذات أو الصفة ألا ترى أنك تقول فلان فرد في داره و لا تقول واحد في داره و تقول هو واحد أهل عصره تريد (1) أنه قد انفرد بصفة ليس لهم مثلها و تقول الله واحد تريد أن ذاته منفردة عن المثل و الشبه، و سمي الفرد فردا بالمصدر يقال فرد يفرد فردا و هو فارد و فرد و الفرد مثله. و قال علي بن عيسى (رحمه الله تعالى): الواحد ما لا ينقسم في نفسه أو معنى في صفته دون جملته كانسان واحد و دينار واحد، و ما لا ينقسم في معنى جنسه كنحو هذا الذهب كله واحد و هذا الماء كله واحد، و الواحد في نفسه و معنى صفته بما لا يكون لغيره أصلا هو الله جل ثناؤه.

(الفرق) بين‏

الانفراد

و

الاختصاص‏

، أن الاختصاص انفراد بعض الأشياء بمعنى دون غيره كالانفراد بالعلم و الملك، و الانفراد تصحيح النفس‏

____________

(1) فى نسخة «و تريد» بزيادة واو.

133

و غير النفس، و ليس كذلك الاختصاص لانه نقيض الاشتراك، و الانفراد نقيض الازدواج، و الخاصة تحتمل الاضافة و غير الاضافة لأنها نقيض العامة فلا يكون الاختصاص الا على الاضافة لانه اختصاص بكذا دون كذا.

(الفرق) بين‏

الواحد

و

الأوحد

أن الأوحد يفيد أنه فارق غيره ممن شاركه في فن من الفنون و معنى من المعاني كقولك فارق فلان أوحد دهره في الجود و العلم تريد أنه فوق أهله في ذلك.

(الفرق) بين‏

الفذ

و

الواحد

أن الفذ يفيد التقليل دون التوحيد يقال لا يأتينا فلان الا في الفذ أي القليل، و لهذا لا يقال لله تعالى فذ كما يقال له فرد.

(الفرق) بين‏

الواحد

و

المنفرد

أن المنفرد يفيد التخلي و الانقطاع من القرناء، و لهذا لا يقال لله سبحانه و تعالى منفرد كما يقال إنه متفرد و معنى المتفرد في صفات الله تعالى المتخصص بتدبير الخلق و غير ذلك مما يجوز أن يتخصص به من صفاته و أفعاله.

(الفرق) بين‏

الواحد

و

الوحيد

و

الفريد

أن قولك الوحيد و الفريد يفيد التخلي من الاثنين يقال فلان فريد و وحيد يعني أنه لا أنيس له، و لا يوصف الله تعالى به لذلك.

(الفرق) بين قولنا

تفرد

و بين قولنا

توحد

أنه يقال تفرد بالفضل و النبل، و توحد تخلى.

(الفرق) بين‏

الوحدة

و

الوحدانية

أن الوحدة التخلي، و الوحدانية تفيد نفي الاشكال و النظراء و لا يستعمل في غير الله و لا يقال لله واحد من طريق العدد، و لا يجوز أن يقال إنه ثان لزيد لأن الثاني يستعمل فيما يتماثل، و لذلك لا يقال زيد ثان للحمار و لا يقال أنه أحد الاشياء لما في ذلك من الايهام و التشبيه‏ (1) و لا أنه بعض العلماء و ان كان وصفه بأنه‏

____________

(1) في السكندرية «من ايهام التشبيه».

134

عالم يفيد فيه ما يفيد فيهم.

(الفرق) بين‏

واحد

و

أحد

أن معنى الواحد أنه لا ثاني له فلذلك لا يقال في التثنية واحدان كما يقال رجل و رجلان ولكن قالوا اثنان حين أرادوا أن كل واحد منهما ثان للآخر، و أصل أحد أوحد مثل أكبر و إحدى مثل كبرى، فلما وقعا اسمين و كانا كثيري‏ (1) الاستعمال، هربوا في احدى الى الكبرى ليخف و حذفوا الواو ليفرق بين الاسم و الصلة و ذلك أن أوحد اسم و أكبر صفة و الواحد فاعل من وحد يحد و هو واحد مثل وعد يعد و هو واعد و الواحد هو الذي لا ينقسم في وهم و لا وجود، و أصله الانفراد في الذات على ما ذكرنا، و قال صاحب العين: الواحد أول العدد، وحد الاثنين ما يبين أحدهما عن صاحبه بذكر أو عقد فيكون ثانيا له بعطفه عليه و يكون الأحد أولا له و لا يقال إن الله ثاني اثنين و لا ثالث ثلاثة لأن ذلك يوجب المشاركة في أمر تفرد به فقوله تعالى‏ (ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ) معناه أنه ثاني اثنين في التناصر و قال تعالى‏ (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ) لانهم أوجبوا مشاركته فيما ينفرد به من القدم و الالهية فأما قوله تعالى‏ (إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ) فمعناه‏ (2) أنه يشاهدهم كما تقول للغلام اذهب حيث شئت فأنا معك تريد أن خبره لا يخفى عليك.

(الفرق) بين‏

الكل‏

و

الجمع‏

أن الكل عند بعضهم هو الاحاطة بالأجزاء، و الجمع الاحاطة بالابعاض، و أصل الكل من قولك تكلله أي أحاط به، و منه الاكليل سمي بذلك لاحاطته بالرأس، قال و قد يكون الاحاطة بالابعاض في قولك كل الناس و يكون الكل ابتداء توكيدا كما يكون أجمعون إلا أنه يبدأ في الذكر بكل كما قال الله تعالى‏ (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ)* لأن كلا تلى العوامل و يبدأ به و أجمعون لا يأتي‏

____________

(1) في نسخة «كثيرين» و هو لحن.

(2) في السكندرية «فمعنى أنه» و لعله تحريف.

135

الا بعد مذكور، و الصحيح أن الكل يقتضي الاحاطة بالابعاض، و الجمع يقتضي الاجزاء ألا ترى أنه كما جاز أن ترى جميع أبعاض الانسان جاز أن تقول رأيت كل الانسان و لما لم يجز أن ترى جميع أجزائه لم يجز أن تقول رأيت جميع الانسان، و أخرى فان الابعاض تقتضي كلا و الأجزاء لا تقتضي كلا ألا ترى أن الاجزاء يجوز أن يكون كل واحد منهما شيئا بانفراده و لا يقتضي كلا، و لا يجوز أن يكون كل واحد من الابعاض شيئا بانفراده لأن البعض يقتضي كلا و جملة.

(الفرق) بين‏

البعض‏

و

الجزء

أن البعض ينقسم و الجزء لا ينقسم و الجزء يقتضي جمعا و البعض يقتضي كلا، و قال بعضهم يدخل الكل على أعم العام و لا يدخل البعض على أخص الخاص و العموم ما يعبر به الكل و الخصوص ما يعبر عنه البعض أو الجزء و قد يجي‏ء الكل للخصوص بقرينة تقوم مقام الاستثناء كقولك لزيد في كل شي‏ء يد و يجي‏ء البعض بمعنى الكل كقوله تعالى‏ (إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ) و حد البعض ما يشمله و غيره اسم واحد و يكون في المتفق و المختلف كقولك الرجل بعض الناس و قولك السواد بعض الألوان و لا يقال الله تعالى بعض الاشياء و ان كان شيئا واحدا يجب افراده بالذكر لما يلزم من تعظيمه و في القرآن‏ (وَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) و لم يقل يرضوهما، و قيل حد البعض التناقص عن الجملة، و قال البلخي (رحمه الله) البعض أقل من النصف، وحد الجزء الواحد من ذا الجنس، و لهذا لا يسمى القديم جزءا كما يسمى واحدا.

(الفرق) بين‏

الجزء

من الجملة و

السهم‏

من الجملة

أن الجزء منها ما انقسمت عليه فالاثنان جزء من العشرة لانهما ينقسمان عليها و الثلاثة ليست بجزء منها لانها لا تنقسم عليها و كل ذلك يسمى سهما منها كذا حكى بعضهم، و السهم في اللغة السدس كذا حكى عن ابن مسعود و لذلك قسمت عليه الدوانيق لأنه هو العدد التام المساوي لجميع أجزائه، و الجزء هو مقدار من مقدار كالقليل من الكثير اذا كان يستوعب، فدرهم و درهمان‏

136

و ثلاثة أجزاء الستة و الستة تتم بأجزائها و لو قلت هذا من الثمانية لنقض لأن أجزاء الثمانية هو واحد و اثنان و أربعة و ليست ثلاثة بجزء من الثمانية لان الجزء ما يتم به العدد و الثلاثة لا تتم بها الثمانية فلما كانت الستة هي العدد التام لجميع أجزائه و عليه قسمت الدوانيق فالسهم منه هو السدس لانه جزء العدد التام قالوا فاذا أوصى له بسهم من ماله فان السهم يقع على السدس و يقع على سهام الورثة و ما يدخل في قسمة الميراث فأنصباء الورثة تسمى سهاما فتعطيه مثل أحسن سهام الورثة اذا كان أقل من السدس لأنا لا نعطيه الزيادة على الأخس الا بدلالة و ان كان أنقص من السدس نقصناه من السدس لانه يسمى سهما و لا نزيده على السدس لان السدس يعبر عنه بالسهم فلا نزيده عليه الا بدلالة.

(الفرق) بين‏

الجمع‏

و

الحشر

أن الحشر هو الجمع مع السوق، و الشاهد قوله تعالى‏ (وَ ابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ) أي ابعث من يجمع السحرة و يسوقهم اليك و منه يوم الحشر لأن الخلق يجمعون فيه و يساقون الى الموقف، و قال صاحب المفصل لا يكون الحشر الا في المكروه، و ليس كما قال لأن الله تعالى يقول‏ (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً) و تقول القياس جمع بين مشتبهين يدل الأول على صحة الثاني و لا يقال في ذلك حشر و انما يقال الحشر فيما يصح فيه السوق على ما ذكرنا و أقل الجمع عند شيوخنا ثلاثة، و كذلك هو عند الفقهاء، و قال بعضهم اثنان و احتج بأنه مشتق من اجتماع شي‏ء الى شي‏ء و هذا و إن كان صحيحا فانه قد خص به شي‏ء بعينه، كما أن قولنا دابة و ان كان يوجب اشتقاقه إن جرى على كل ما دب فانه قد خص به شي‏ء بعينه فاما

قوله عليه الصلاة و السلام‏

«الاثنان فما فوقهما جماعة»

فان ذلك ورد في الحكم لا في تعليم الاسم لان كلامه (صلى الله عليه و سلم) يجب أن يحمل على ما يستفاد من جهته دون ما يصح أن يعلم من جهته، و أما قوله تعالى‏ (هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا) و قوله تعالى‏ (وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ) يعني داود و سليمان‏

137

(عليهما السلام) فان ذلك مجاز كقوله تعالى‏ (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) و لو كان لفظ الجمع حقيقة في الاثنين لعقل منه الاثنان كما يعقل منه الثلاثة، و اذا كان قول الرجل رأيت الرجال لا يفهم منه الا ثلاثة علمنا أن قول الخصم باطل.

(الفرق) بين‏

الجمع‏

و

التأليف‏

أن بعضهم قال لفظ التأليف في العربية يدل على الالصاق و لفظ الجمع لا (1) يدل على ذلك ألا ترى انك تقول جمعت بين القوم في المجلس فلا يدل ذلك على أنك ألصقت أحدهم بصاحبه و لا تقول ألفتهم بهذا المعنى و تقول فلان يؤلف بين الزانيين لما يكون من التزاق أحدهما بالآخر عند النكاح و لذلك لا يستعمل التأليف الا في الاجسام، و الجمع يستعمل في الاجسام و الاعراض فيقال تجتمع في الجسم أعراض، و لا يقال تتألف فيه أعراض، و لهذا يستعار في القلوب لأنها أجسام فيقال ألف بين القلوب كما قال الله تعالى‏ (وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) و يقال جمع بين الاهواء و لا يقال ألف بين الاهواء لانها أعراض، و عندنا أن التأليف و الألفة في العربية تفيد الموافقة، و الجمع لا يفيد ذلك ألا ترى أن قولك تألف الشي‏ء و ألفته يفيد موافقة بعضه لبعض و قولك اجتمع الشي‏ء و جمعته لا يفيد ذلك و لهذا قال تعالى‏ (وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) لأنها اتفقت على المودة و المصافاة، و منه قيل الالفان و الأليفان لموافقة أحدهما صاحبه على المودة و التواصل و الأنسة، و التأليف عند المتكلمين ما يجب حلوله في محلين فانما قيل يجب ليدخل فيه المعدوم، و الاجتماع عندهم ما صار به الجوهر ان بحيث لا قرب أقرب منه، و قد يسمون التأليف مماسة و اجتماعا، و قال بعضهم الخشونة و اللين و الصقال يرجع الى التأليف، و قال آخرون يرجع الى ذهاب الجسم في جهات.

(الفرق) بين‏

البنية

و

التأليف‏

أن البنية من التأليف يجري في استعمال‏

____________

(1) «لا» غير موجودة في النسخ.

138

المتكلمين على ما كان حيوانا يقولون القتل نقض البنية و التأليف عندهم عام، و أهل اللغة يجرونها على البناء يقولون بنية و بنية و قال بعضهم بنى بنية من البناء و بنية من المجد و أنشد قول الحطيئة:

أولئك قوم ان بنوا أحسنوا البنا* * * و ان عاهدوا أوفوا و ان عقدوا شدوا

(الفرق) بين‏

التأليف‏

و

التصنيف‏

أن التأليف أعم من التصنيف و ذلك أن التصنيف تأليف صنف من العلم و لا يقال للكتاب إذا تضمن نقض شي‏ء من الكلام مصنف لأنه جمع الشي‏ء و ضده و القول و نقيضه، و التأليف يجمع ذلك كله و ذلك أن تأليف الكتاب هو جمع لفظ الى لفظ و معنى الى معنى فيه حتى يكون كالجملة الكافية فيما يحتاج اليه سواء (1) كان متفقا أو مختلفا و التصنيف مأخوذ من الصنف و لا يدخل في الصنف غيره.

(الفرق) بين‏

الضم‏

و

الجمع‏

أن الضم جمع أشياء كثيرة، و خلافه البث و هو تفريق أشياء كثيرة، و لهذا يقال اضمامة من كتب لأنها أجزاء كثيرة، ثم كثر حتى استعمل في الشيئين فصاعدا و الأصل ما قلنا، و الشاهد

قوله عليه الصلاة و السلام‏

«ضموا مواشيكم حتى تذهب فحمة الليل»

و يجوز أن يقال ان ضم الشي‏ء الى الشي‏ء هو أن يلزقه به، و لهذا يقال ضممته الى صدري، و الجمع لا يقتضي ذلك.

(الفرق) بين‏

المماسة

و

الكون‏

أن الكون هو ما يوجب حصول الجسم في المحادثات و يحل في الجزء و المفرد، و المماسة لا توجد الا في الجزئين و أيضا فانك تبطل الكون من الحجر بنقلك اياه من غير أن تبطل مماسته، و تبطل مماسة الجسم بنقل جسم عنه من غير أن يبطل كونه، و أيضا فان الجسم قد تم بين الجسم من الجهات الست و لا يكون كائنا الا في مكان واحد و أيضا فانه يوجد الكون و المكان معدوم و لا توجد المماسة

____________

(1) في النسخ «و سواء» بزيادة واو في جميع المواضع السابقة المشابهة لما هنا.

139

و المماس معدوم، و أيضا فان المماسة تحل المماس و تحل‏ (1) مكانه، و الكون لا يحل إلا مكانه.

(الفرق) بين‏

المماسة

و

الاعتماد

أنه يماس الجسم ما فوقه و لا يعتمد على ما فوقه و المماسة تكون في الجهات و الاعتماد لا يكون الا في جهة واحدة و الاعتماد هو المعنى الذي من شأنه في الوجود أن يوجب حركة محله الى احدى الجهات الست مع زوال الموانع.

(الفرق) بين‏

الاعتماد

و

الكون‏

أن الاعتماد يحل في غير جهة مكانه و لا يجوز أن يحل الكون في غير جهة مكانه.

(الفرق) بين‏

الاعتماد

و

السكون‏

أنه قد يجوز أن يسكن الرجل يده ببسطه اياها في الهواء أو على شي‏ء من غير أن يعتمد عليه، و لذلك قد يحرك يده مباشرة من غير أن يعتمد على شي‏ء.

(الفرق) بين‏

الاعتماد

و

المصاكة

أن المصاكة لا تكون إلا مع صوت، و الاعتماد قد يكون بلا صوت و ذلك أن المصاكة كون يحصل معه اعتماد و له صوت‏ (2) و لا يكون إلا في جسم صلب.

(الفرق) بين‏

السكون‏

و

الحركة

أن السكون يوجد في الجوهر في كل وقت و لا يجوز خلوه منه و ليس كذلك الحركة لأن الجسم يخلو منها الى السكون.

(الفرق) بين‏

الاضطراب‏

و

الحركة

أن الاضطراب حركات متوالية في جهتين مختلفتين و هو افتعال من ضرب يقال اضطرب الشي‏ء كأن بعضه يضرب بعضا فيتمحص. و لا يكون الاضطراب الا مكروها فيما هو حقيقة فيه أو غير حقيقة ألا ترى أنه يقال اضطربت السفينة و اضطرب حال زيد و اضطرب الثوب، و كل ذلك مكروه و ليس الحركة كذلك.

(الفرق) بين‏

النقلة

و

الحركة

أن النقلة لا تكون الا عن مكان و هي‏

____________

(1) في نسخة «و توجد».

(2) في السكندرية «ولد صوتا».

140

التحول منه الى غيره، و الحركة قد تكون لا عن مكان و ذلك أن الجسم قد يجوز أن يحدثه الله تعالى لا في مكان و لا يخلو من الحركة أو السكون في الحال الثاني فان تحرك تحرك لا عن مكان و إن سكن سكن لا في مكان.

(الفرق) بين‏

الانتقال‏

و

الزوال‏

أن الانتقال فيما ذكر علي بن عيسى يكون في الجهات كلها، و الزوال يكون في بعض الجهات دون بعض ألا ترى أنه لا يقال زال من سفل إلى علو كما يقال انتقل من سفل الى علو، قلنا و يعبر عن العدم بالزوال فنقول زالت علة زيد، و الانتقال يقتضي منتقلا اليه و الشاهد أنك تعديه بإلى و الزوال لا يقتضي ذلك، و الزوال أيضا لا يكون الا بعد استقرار و ثبات صحيح أو مقدر تقول زال ملك فلان و لا تقول ذلك إلا بعد ثبات الملك له و تقول زالت الشمس و هذا وقت الزوال و ذلك أنهم كانوا يقدرون أن الشمس تستقر في كبد السماء ثم تزول و ذلك لما يظن من بطء حركتها اذا حصلت هناك. و لهذا قال شاعرهم:

و زالت زوال الشمس عن مستقرها* * * فمن مخبري في أي أرض غروبها

و ليس كذلك الانتقال.

(الفرق) بين‏

الكون‏

و

السكون‏

أن الجوهر في حال وجوده كائن و ليس بساكن، و الكون في حال خلق الله تعالى الجسم يسمى كونا فقط و ما يوجد عقيب ضده منها حركة و يجب أن تحد الحركة بأنها كون يقع عقيب ضده بلا فصل احترازا من أن يوجد عقيب ضده و قد كان عدم، و السكون هو الذي يوجب كون الجسم في المحاذاة التي كان فيها بلا فصل و دخل فيه الباقي و الحادث، و اعلم أن القيام و القعود و الاضطجاع و الصعود و النزول و ما شاكل ذلك عبارات عن أكوان تقع على صفات معقولة.

(الفرق) بين‏

المجاورة

و

الاجتماع‏

قال علي بن عيسى المجاورة تكون بين جزءين، و الاجتماع يكون بين ثلاثة أجزاء فصاعدا و ذلك أن أقل الجمع ثلاثة و الشاهد تفرقة أهل اللغة بين التثنية و الجمع كتفرقتهم بين‏

141

الواحد و التثنية فالاثنان ليس بجمع كما أن الواحد ليس باثنين قال و لا يكاد العارف بالكلام يقول اجتمعت مع فلان إلا إذا كان معه غيره فاذا لم يكن معه غيره قال أحضرته و لم يقل اجتمعت معه كذا قال و الذي يقولونه ان أصل المجاورة في العربية تقارب المحال من قولك أنت جاري و أنا جارك و بيننا جوار، و لهذا قال بعض البلغاء الجوار قرابة بين الجيران ثم استعملت المجاورة في موضع الاجتماع مجازا ثم كثر ذلك حتى صار كالحقيقة.

(الفرق) بين‏

التأليف‏

و

الترتيب‏

و

التنظيم‏

أن التأليف يستعمل فيما يؤلف على استقامة أو على اعوجاج، و التنظيم و الترتيب لا يستعملان إلا فيما يؤلف على استقامة، و مع ذلك فان بين الترتيب و التنظيم فرقا و هو أن الترتيب هو وضع الشي‏ء مع شكله و التنظيم هو وضعه مع ما يظهر به، و لهذا استعمل النظم في العقود و القلائد لأن خرزها ألوان يوضع كل شي‏ء منها مع ما يظهر به لونه.

(الفرق) بين قولنا

الجمع‏

و قولنا

أجمع‏

أن أجمع اسم معرفة يؤكد به الاسم المعرفة نحو قولك المال لك أجمع و هذا مالك أجمع و لا ينصرف لأنه أفعل معرفة و الشاهد على أنه معرفة أنه لا يتبع نكرة أبدا و يجمع فيقال عندي إخوانك أجمعون و مررت باخوانك أجمعين و لا يكون الا تابعا لا يجوز مررت بأجمعين و جاءني أجمعون و مؤنثه جمعاء يقال طفت بدارك جمعاء و يجمع فيقال مررت بجواريك جمع و جاءني جواريك جمع، و أجمع جمع جمع تقول جاءني القوم بأجمعهم كما تقول جاءني القوم بأفلسهم و أكلبهم و أعبدهم، و ليس هذا الحرف من حروف التوكيد و الشاهد دخول العامل عليه و إضافته و أجمع الذي هو للتوكيد لا يضاف و لا يدخل عليه عامل و من أجاز فتح الجيم في قولك جاءني القوم بأجمعهم فقد أخطأ.

142

الفرق بين ما يخالف الجمع و التأليف‏

(الفرق) بين‏

التفريق‏

و

التفكيك‏

أن كل تفكيك تفريق و ليس كل تفريق تفكيكا و إنما التفكيك ما يصعب من التفريق و هو تفريق الملتزقات من المؤلفات و التفريق يكون فيها و في غيرها و لهذا لا يقال فككت النخالة بعضها من بعض كما يقال فرقتها، و قيل التفريق تفكيك ما جمع و ألف تقريبا، و هذا يقوله من لا يثبت للالتزاق معنى غير التأليف.

(الفرق) بين‏

الفصل‏

و

الفرق‏

أن الفصل يكون في جملة واحدة، و لهذا يقال فصل الثوب و هذا فصل في الكتاب لأن الكتاب جملة واحدة ثم كثر حتى سمي ما يتضمن جملة من الكلام فصلا و لهذا أيضا يقال فصل الأمر لأنه واحد و لا يقال فرق الامر لان الفرق خلاف الجمع فيقال فرق بين الامرين كما يقال جمع بين الأمرين و قال المتكلمون الحد ما أبان الشي‏ء و فصله من أقرب الأشياء شبها به، لأنه اذا قرب شبهه منه صارا كالشي‏ء الواحد و يقال أيضا فصلت العضو و هذا مفصل الرسغ و غيره لأن العضو من جملة الجسد و لا يقال في ذلك فرقت لأنه ليس بائنا منه، و قال بعضهم ما كان من الفرق ظاهرا و لهذا يقال لما تضمن جنسا من الكلام فصل واحد لظهوره و تجليه و لما كان الفصل لا يكون الا ظاهرا قالوا فصل الثوب و لم يقولوا فرق الثوب ثم قد تتداخل الكلمتان لتقارب معناهما.

(الفرق) بين‏

الفصل‏

و

الفتح‏

أن الفتح هو الفصل بين الشيئين ليظهر ما وراءهما و منه فتح الباب ثم اتسع فيه فقيل فتح الى المعنى فتحا اذ كشفه و سميت الأمطار فتوحا و الفاتح الحاكم و قد فتح بينهما أي حكم و منه قوله تعالى‏ (افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ).

(الفرق) بين‏

القصم‏

و

الفصم‏

أن القصم بالقاف الكسر مع الابانة قال أبو بكر القصم مصدر قصمت الشي‏ء قصما اذا كسرته و القصمة من الشي‏ء القطعة منه و الجمع قصم. و الفصم بالفاء كسر من غير إبانة قال أبو بكر انفصم الشي‏ء انفصاما اذا تصدع و لم ينكسر، قال أبو هلال و منه‏

143

قوله تعالى‏ (لَا انْفِصامَ لَها) و لم يقل لا انفصام لها لأن الانفصام أبلغ فيما أريد به ههنا و ذلك أنه اذا لم يكن لها انفصام كان أحرى أن لا يكون لها انقصام.

(الفرق) بين‏

القط

و

القد

أن القط هو القطع عرضا و منه قط القلم و المقط بفتح الميم موضع القط من رأس القلم و يكون مصدرا و مكانا، و المقط بكسر الميم ما يقط عليه، و القد القطع طولا و كل شي‏ء قطعته طولا فقد قددته و في الحديث أن عليا (عليه السلام) كان اذا علا بالسيف قد و اذا اعترض قط.

(الفرق) بين‏

التفريق‏

و

الشعب‏

أن الشعب تفريق الأشياء المجتمعة على ترتيب صحيح ألا ترى أنك اذا جمعته و رتبته ترتيبا صحيحا قلت شعبته أيضا فهو يقع على الشي‏ء و ضده لأن الترتيب يجمعهما.

(الفرق) بين قولك‏

فرقه‏

و بين قولك‏

بثه‏

أن قولك فرق يفيد أنه باين بين مجتمعين فصاعدا، و قولك بث يفيد تفريق أشياء كثيرة في مواضع مختلفة متباينة و اذا فرق بين شيئين لم يقل انه بث و في القرآن‏ (وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ)*.

(الفرق) بين‏

الفرق‏

و

التفريق‏

أن الفرق خلاف الجمع، و التفريق جعل الشي‏ء مفارقا لغيره حتى كأنه جعل بينهما فرقا بعد فرق حتى تباينا و ذلك أن التفعيل لتكثير الفعل و قيل فرق الشعر فرقا بالتخفيف لأنه جعله فرقتين و لم يتكرر فعله فيه، و الفرق أيضا الفصل بين الشيئين حكما أو خبرا و لهذا قال الله تعالى‏ (فَافْرُقْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ) أي أفصل بيننا حكما في الدنيا و الآخرة، و من هذا فرق بين الحق و الباطل.

(الفرق) بين‏

الفلق‏

و

الشق‏

أن الفلق على ما جاء في التفسير هو الشق على أمر كبير و لهذا قال تعالى‏ (فالِقُ الْإِصْباحِ) و يقال فلق الحبة عن السنبلة و فلق النواة عن النخلة و لا يقولون في ذلك شق لأن في الفلق المعنى الذي ذكرناه و من ثم سميت الداهية فلقا و فليقة.

144

(الفرق) بين‏

القطع‏

و

الفصل‏

أن الفصل هو القطع الظاهر و لهذا يقال فصل الثوب و القطع يكون ظاهرا و خافيا كالقطع في الشي‏ء الملزق المموه و لا يقال لذلك فصل حتى يبين أحد المفصولين عن الآخر، و من ثم يقال فصل بين الخصمين اذا ظهر الحق على أحدهما فزال تعلق أحدهما بصاحبه فتباينا و لا يقال في ذلك قطع، و يقال قطعه في المناظرة لأنه قد يكون ذلك من غير أن يظهر و من غير أن يقطع شغبه و خصومته.

و مما يجري مع هذا الباب‏

(الفرق) بين قولنا الجسم لا

ينفك‏

من كذا و قولنا لا

يبرح‏

و لا

يزال‏

و لا

يخلو

و لا

يعرى‏

أن قولنا لا يخلو يستعمل فيما لا يكون هيئة يشاهد عليها كالطعوم و الروائح و ما جرى مجراها لأن الشي‏ء يخلو من الشي‏ء اذا كان كالطرف له و لهذا يقال خلا البيت من فلان و من كذا و لا يقال عري منه لأن العري إنما هو مما يكون هيئة يشاهد عليها كالالوان و نحوها، و أصله من قولك عري زيد من ثيابه لأن الثياب كالهيئة له و لا يقال خلا منها، و الانفكاك انما يستعمل في المتجاورين أو ما في حكمهما لأن أصله من التفكك و هو انما يكون بين الاشياء الصلبة المؤلفة، و لهذا يستعمل المتكلمون الانفكاك في الاجتماع و الألوان لان ذلك في حكم المجاورة و يستعمل في الافتراق أيضا لأن الافتراق يقع مع الاجتماع في اللفظ كثيرا، و اذا قرب اللفظ من اللفظ في الخطاب أجري مجراه في أكثر الأحوال.

(الفرق) بين قولنا لم‏

ينفك‏

و لم‏

يبرح‏

و لم‏

يزل‏

أن قولنا لم ينفك يقتضي غيرا لم ينفك منه و هو يستعمل فيما كان الموصوف به لازما لشي‏ء أو مقارنا له أو مشبها بذلك على ما ذكرنا، و لم يبرح يقتضي مكانا لم يبرح منه، و ليس كذلك لم يزل فيما قال علي بن عيسى انما يستعمل فيما يوجب التفرقة به كقولك لم يزل موجودا وحده و لا يقال لم ينفك‏

145

زيد وحده، و قال النحويون: لم حرف نفي و زال فعل نفي و معناه ضد دام فلما دخلت عليه صار معناه دام فقولك لم يزل موجودا بمعنى قولك دام موجودا لأن نفي النفي ايجاب و ما في قولك ما زال حرف نفي و في قولك ما دام اسم مبهم ناقص و دام صلتها.

(الفرق) بين‏

الفصل‏

و

الفتق‏

أن الفتق بين الشيئين اللذين كانا ملتئمين أحدهما متصل بالآخر فاذا فرق بينهما فقد فتقا، و ان كان الشي‏ء واحد ففرق بعضه من بعض قيل قطع و فصل و شق و لم يقل فتق و في القرآن‏ (كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما) و الرتق مصدر رتق رتقا إذا لم يكن بينهما فرجة و الرتقاء من النساء التي يمتنع فتقها على مالكها.

146

الباب التاسع في الفرق بين المثل و الشبه و العديل و النظير و ما يخالف ذلك من المختلف و المتضاد و المتنافي و ما يجري مع ذلك‏

(الفرق) بين‏

الشبه‏

و

الشبيه‏

أن الشبه أعم من الشبيه ألا تراهم يستعملون الشبه في كل شي‏ء و قلما يستعمل الشبيه إلا في المتجانسين تقول زيد يشبه الأسد أو شبه الكلب، و لا يكادون يقولون شبيه الأسد و شبيه الكلب و يقولون زيد شبيه عمرو لان باب فعيل حكمه أن يكون اسم الفاعل الذي يأتي فعله على فعل و لا يأتي ذلك في الصفات فاذا قلت زيد شبيه عمرو فقد بالغت في تشبيهه به و أجريته مجرى ما ثبت لنفسه و اضافته اليه اضافة صحيحة، و إذا قلت زيد شبه عمرو و عمرو شبه الأسد فهو على الانفصال أي شبه لعمرو و شبه للأسد لأنه نكرة و كذلك المثل، و لهذا تدخل عليه رب و إن أضيف الى الكاف قال الشاعر:

يا رب مثلك في النساء عزيزة* * * بيضاء قد متعتها بطلاق‏

فأدخل رب على مثلك و لا تدخل رب إلا على النكرات، و أما الشبه فمصدر سمي به، يقال الشبه بينهما ظاهر، و في فلان شبه من فلان، و لا يقال فلان شبه، و الشبه عند الفقهاء الصفة التي اذا اشترك فيها الاصل و الفرع وجب اشتراكهما في الحكم، و عند المتكلمين ما اذا اشترك فيه اثنان كانا

147

مثلين، و كذلك الفرق بين العدل و العديل سواء و ذلك أن العدل أعم من العديل و ما كان أعم فانه‏ (1) أخص بالنكرة فهو للجنس و غير الجنس تقول عمرو عدل و زيد عديله و عدل الأسد و لا يقال عديله، و قال بعض النحويين مثل و غير و شبه و سوى لا تتعرف بالاضافة و إن أضيفت الى المعرفة للزوم الاضافة لمعناها و غلبتها على لفظها و ذلك أنك اذا قلت هذا المثل لم تخرجه عن أن يكون له مثل آخر و لا يكاد يستعمل الا على الاضافة حتى ذكر بعض النحويين أنه لا يجوز الغير انما تقول غيرك و غير زيد و نحو هذا، و شبيهك معرفة و شبهك نكرة تقول مررت برجل شبهك على الصفة و لا يجوز برجل شبيهك لأن شبيها معرفة و رجل نكرة و لا يوصف نكرة بمعرفة و لا معرفة بنكرة، و الدليل على أن شبيهك نكرة و ان أضفته الى الكاف أنه يكون صفة لنكرة و المراد به الانفصال و لا يجوز شبه بك كما يجوز شبيه بك و ذلك أن معنى شبيه بك المعروف بشبهك فأما شبهك فبمنزلة مثلك عرف بشبهه أو لم يعرف.

(الفرق) بين‏

المِثْل‏

و

المَثَل‏

ان المثلين ما تكافآ في الذات‏ (2) و المثل بالتحريك الصفة قال الله تعالى‏ (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ)* أي صفة الجنة، و قولك ضربت لفلان مثلا معناه انك وصفت له شيئا، و قولك مثل هذا كمثل هذا أي صفته كصفته و قال الله تعالى‏ (كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً) و حاملو التوراة لا يماثلون الحمار ولكن جمعهم و اياه صفة فاشتركوا فيها.

(الفرق) بين‏

المثل‏

و

الند

أن الند هو المثل المناد من قولك ناد فلان فلانا اذا عاداه و باعده و لهذا سمي الضد ندا، و قال صاحب العين: الند ما كان مثل الشي‏ء يضاده في أموره و النديد مثله و الندود الشرود و التناد التنافر و أنددت البعير و نددت بالرجل سمعت بعيوبه، و أصل الباب‏

____________

(1) في السكندرية «فهو».

(2) في نسخة «ان المثل ما يكافئ الذات».

148

التشريد فالند لمناداته لصاحبه كأنه يريد تشريده.

(الفرق) بين‏

المثل‏

و

الشكل‏

أن الشكل هو الذي يشبه الشي‏ء في أكثر صفاته حتى يشكل الفرق بينهما، و يجوز أن يقال ان اشتقاقه من الشكل و هو الشمال واحد الشمائل قال الشاعر:

حي الحمول بجانب الشكل‏* * * اذ لا يلائم شكلها شكلي‏

أي لا توافق شمائلها شمائلي فمعنى قولك شاكل الشي‏ء الشي‏ء انه أشبهه في شمائله، ثم سمي المشاكل شكلا كما يسمى الشي‏ء بالمصدر، و لهذا لا يستعمل الشكل إلا في الصور فيقال هذا الطائر شكل هذا الطائر، و لا يقال الحلاوة شكل الحلاوة، و مثل الشي‏ء ما يماثله و ذاته.

(الفرق) بين‏

المثل‏

و

النظير

أن المثلين ما تكافآ في الذات‏ (1) على ما ذكرنا، و النظير ما قابل نظيره في جنس افعاله و هو متمكن منها، كالنحوي نظير النحوي، و ان لم يكن له مثل كلامه في النحو أو كتبه فيه و لا يقال النحوي مثل النحوي لأن التماثل يكون حقيقة في أخص الأوصاف و هو الذات.

(الفرق) بين‏

المثلين‏

و

المتفقين‏

أن التماثل يكون بين الذوات على ما ذكرنا و الاتفاق يكون في الحكم و الفعل، تقول وافق فلان فلانا في الأمر و لا تقول ماثله في الأمر.

(الفرق) بين‏

المثل‏

و

العديل‏

أن العديل ما عادل أحكامه أحكام غيره و ان لم يكن مثلا له في ذاته و لهذا سمي العدلان عدلين و ان لم يكونا مثلين في ذاتهما ولكن لاستوائهما في الوزن فقط.

(الفرق) بين‏

الشبه‏

و

المثل‏

أن الشبه يستعمل فيما يشاهد فيقال السواد شبه السواد و لا يقال القدرة كما يقال مثلها. و ليس في الكلام شي‏ء يصلح في المماثلة إلا الكاف و المثل فأما الشبه و النظير فهما من جنس‏

____________

(1) في الاصل «ان المثل ما يكافأ في الذات».

149

المثل و لهذا قال الله تعالى‏ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ) فأدخل الكاف على المثل و هما الاسمان اللذان جعلا للمماثلة فنفى بهما الشبه عن نفسه فأكد النفي بذلك.

(الفرق) بين‏

العِدل‏

و

العَدل‏

أن العدل بالكسر المثل تقول عندي عدل جاريتك فلا يكون الا على جارية مثلها، و العدل من قولك عندي عدل جاريتك فيكون على قيمتها من الثمن و منه قوله تعالى‏ (أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً).

(الفرق) بين‏

المساواة

و

المماثلة

أن المساواة تكون في المقدارين اللذين لا يزيد أحدهما على الآخر و لا ينقص عنه و التساوي التكافؤ في المقدار، و المماثلة هي أن يسد أحد الشيئين مسد الآخر كالسوادين.

(الفرق) بين‏

كاف‏

التشبيه و بين‏

المثل‏

أن الشي‏ء يشبه بالشي‏ء من وجه واحد لا يكون مثله في الحقيقة الا اذا أشبهه من جميع الوجوه لذاته فكأن الله تعالى لما قال‏ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ) أفاد أنه لا شبه له و لا مثل و لو كان قوله تعالى‏ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ) نفيا أن يكون لمثله مثيل لكان قولنا ليس كمثل زيد رجل مناقضة لأن زيدا مثل من هو مثله و التشبيه بالكاف يفيد تشبيه الصفات بعضها ببعض و بالمثل يفيد تشبيه الذوات بعضها ببعض‏ (1) تقول ليس كزيد رجل أي في بعض صفاته لأن كل أحد مثله في الذات، و فلان كالأسد أي في الشجاعة دون الهيئة و غيرها من صفاته و تقول السواد عرض كالبياض و لا تقول مثل البياض.

(الفرق) بين‏

الاستواء

و

الاستقامة

أن الاستواء هو تماثل أبعاض الشي‏ء و اشتقاقه من السي و هو المثل كأن بعضه سي بعض أي مثله، و نقيضه التفاوت و هو أن يكون بعض الشي‏ء طويلا و بعضه قصيرا و بعضه تاما و بعضه ناقصا. و الاستقامة الاستمرار على سنن واحد و نقيضها

____________

(1) هذه الجملة ساقطة من الأصل، و التصويب من السكندرية.

150

الاعوجاج و طريق مستقيم لا اعوجاج فيه.

(الفرق) بين‏

الاستواء

و

الانتصاب‏

أن الاستواء يكون في الجهات كلها و الانتصاب لا يكون إلا علوا.

الفرق بين ما يخالف ذلك‏

(الفرق) بين‏

الاختلاف‏

و

التفاوت‏

أن التفاوت كله مذموم و لهذا نفاه الله تعالى عن فعله فقال‏ (ما تَرى‏ فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ) و من الاختلاف ما ليس بمذموم ألا ترى قوله تعالى‏ (وَ لَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ) فهذا الضرب من الاختلاف يكون على سنن واحد و هو دال على علم فاعله، و التفاوت هو الاختلاف الواقع على غير سنن و هو دال على جهل فاعله.

(الفرق) بين‏

الاعوجاج‏

و

الاختلاف‏

أن الاعوجاج من الاختلاف ما كان يميل الى جهة ثم يميل الى أخرى و ما كان في الارض و الدين و الطريقة فهو عوج مكسور الأول تقول في الارض عوج و في الدين عوج مثله و العوج بالفتح ما كان في العود و الحائط و كل شي‏ء منصوب.

(الفرق) بين‏

الاختلاف‏

في المذاهب و

الاختلاف‏

في الاجناس‏

أن الاختلاف في المذاهب هو ذهاب أحد الخصمين الى خلاف ما ذهب اليه الآخر، و الاختلاف في الأجناس امتناع أحد الشيئين من أن يسد مسد الآخر و يجوز أن يقع الاختلاف بين فريقين و كلاهما مبطل كاختلاف اليهود و النصارى في المسيح.

(الفرق) بين‏

المختلف‏

و

المتضاد

أن المختلفين اللذين لا يسد أحدهما مسند الآخر في الصفة التي يقتضيها جنسه مع الوجود كالسواد و الحموضة، و المتضادان هما اللذان ينتفي أحدهما عند وجود صاحبه اذا كان وجود هذا على الوجه الذي يوجد عليه ذلك كالسواد و البياض فكل متضاد مختلف و ليس كل مختلف متضادا كما أن كل متضاد ممتنع اجتماعه و ليس كل ممتنع اجتماعه متضادا و كل مختلف متغاير و ليس كل متغاير مختلفا،

151

و التضاد و الاختلاف قد يكونان في مجاز اللغة سواءا يقال زيد ضد عمرو اذا كان مخالفا له.

(الفرق) بين‏

التنافي‏

و

التضاد

أن التنافي لا يكون الا بين شيئين يجوز عليهما البقاء، و التضاد يكون بين ما يبقى و بين ما لا يبقى.

(الفرق) بين‏

الضد

و

الترك‏

أن كل ترك ضد و ليس كل ضد تركا لأن فعل غيري قد يضاد فعلي و لا يكون تركا له‏

.

152

الباب العاشر في الفرق بين‏

الجسم‏

و

الجرم‏

، و

الشخص‏

و

الشبح‏

و ما يقرب من ذلك‏

(الفرق) بين‏

الجسم‏

و

الجرم‏

أن جرم الشي‏ء هو خلقته التي خلق عليها يقال فلان صغير الجرم أي صغير من أصل الخلقة، و أصل الجرم في العربية القطع كأنه قطع على الصغر أو الكبر، و قيل الجرم أيضا الكون و الجرم الصوت أورد ذلك بعضهم و قال بعضهم الجرم اسم لجنس الاجسام و قيل الجرم الجسم المحدود و الجسم هو الطويل العريض العميق و ذلك أنه اذا زاد في طوله و عرضه و عمقه قيل أنه جسم و أجسم من غيره فلا تجي‏ء المبالغة من لفظ اسم عند زيادة معنى الا و ذلك الاسم موضوع لما جاءت المبالغة من لفظ اسمه ألا ترى أنه لا يقال هو أقدر من غيره إلا و المعلومات له أجلى، و أما قولهم أمر جسيم فمجاز و لو كان حقيقة لجاز في غير المبالغة فقيل أمر جسيم و كل ما لا يطلق إلا في موضع مخصوص فهو مجاز.

(الفرق) بين‏

الجسم‏

و

الشي‏ء

أن الشي‏ء ما يرسم به بأنه يجوز أن يعلم و يخبر عنه، و الجسم هو الطويل العريض العميق، و الله تعالى يقول‏ (وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ) و ليس أفعال العباد أجساما و أنت تقول لصاحبك لم تفعل في حاجتي شيئا و لا تقول لم تفعل فيها جسما، و الجسم اسم عام يقع على الجرم و الشخص و الجسد و ما بسبيل ذلك، و الشي‏ء

153

أعم لأنه يقع على الجسم و غير الجسم.

(الفرق) بين‏

الجسم‏

و

الشخص‏

أن الشخص ما ارتفع من الأجسام من قولك شخص الى كذا اذا ارتفع و شخصت بصري الى كذا أي رفعته اليه و شخص الى بلد كذا كأنه ارتفع اليه و الاشخاص يدل على السخط و الغضب مثل الاحصار.

(الفرق) بين‏

الشخص‏

و

الشبح‏

أن الشبح ما طال من الأجسام و من ثم قيل هو مشبوح الذراعين أي طويلهما، و هو الشبح و الشبح لغتان.

(الفرق) بين‏

الشخص‏

و

الجثة

أن الجثة أكثر ما تستعمل في الناس و هو شخص الانسان اذا كان قاعدا أو مضطجعا و أصله الجث و هو القطع، و منه قوله تعالى‏ (اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ) و المجثاث‏ (1) الحديدة التي يقلع بها الفسيل و يقال للفسيل‏ (2) الجثيث فيسمى شخص القاعد جثة لقصره كأنه مقطوع.

(الفرق) بين‏

الشخص‏

و

الآل‏

أن الآل هو الشخص الذي يظهر لك من بعيد، شبه بالآل الذي يرتفع في الصحارى، و هو غير السراب و انما السراب سبخة تطلع عليها الشمس فتبرق كأنها ماء، و الآل شخوص ترتفع في الصحارى للناظر و ليست بشي‏ء، و قيل الآل من الشخوص ما لم يشتبه و قال بعضهم الآل من الأجسام ما طال و لهذا سمي الخشب آلا.

(الفرق) بين‏

الشخص‏

و

الطلل‏

أن أصل الطلل ما شخص من آثار الديار ثم سمي شخص الانسان طلا على التشبيه بذلك و يقال تطاللت أي ارتفعت لأنظر الى شي‏ء بعيد، و أكثر ما يستعمل الطلل في الانسان اذا كان طويلا جسيما يقال لفلان طل و رواء اذا كان فخم المنظر.

(الفرق) بين‏

الطلل‏

و

الجسد

أن الجسد يفيد الكثافة و لا يفيد الطلل و الشخص ذلك و هو من قولك دم جاسد أي جامد، و الجسد أيضا الدم‏

____________

(1) في النسخ «الجثاث» و التصويب من القاموس.

(2) أي النخل الصغير.

154

بعينه قال النابغة:*

دم اهريق على الأنصاب من جسد

* فيجوز أن يقال إنه سمي جسدا لما فيه من الدم فلهذا خص به الحيوان فيقال جسد الانسان و جسد الحمار و لا يقال جسد الخشبة كما يقال جرم الخشبة و إن قيل ذلك فعلى التقريب و الاستعارة و يقال ثوب مجسد اذا كان يقوم من كثافة صبغه و قيل للزعفران جساد تشبيها بحمرة الدم.

(الفرق) بين‏

الجسد

و

البدن‏

أن البدن هو ما علا من جسد الانسان و لهذا يقال للزرع القصير الذي يلبس الصدر الى السرة بدن لأنها تقع على البدن و جسم الانسان كله جسد، و الشاهد أنه يقال لمن قطع بعض أطرافه إنه قطع شي‏ء من جسده و لا يقال شي‏ء من بدنه و إن قيل فعلى بعد، و قد يتداخل الاسمان اذا تقاربا في المعنى، و لما كان البدن هو أعلى الجسد و أغلظه قيل لمن غلظ من السمن قد بدن و هو بدين، و البدن الابل المسمنة للنحر ثم كثر ذلك حتى سمي ما يتخذ للنحر بدنة سمينة كانت أو مهزولة.

و مما يدخل في هذا الباب‏

(الفرق) بين‏

الصفة

و

الهيئة

أن الصفة من قبيل الاسماء و استعمالها في المسميات مجاز و ليست الهيئة كذلك و لو كانت هي‏ء الشي‏ء صفة له لكان الهي‏ء له واصفا له و يوجب ذلك أن يكون المحرك للجسم واصفا له و هذا خلاف العرف.

(الفرق) بين‏

الحلية

و

الهيئة

أن الحلية هيئة زائدة على الهيئة التي لا بد منها كحلية السكين و السيف انما هي هيئة زائدة على هيئة السكين و السيف و تقول حليته اذا هيأته هيئة لم تشمله بل تكون كالعلامة فيه و من ثم سمي الحلى الملبوس حليا.

(الفرق) بين‏

الصورة

و

الهيئة

أن الصورة اسم يقع على جميع هيئات الشي‏ء لا على بعضها، و يقع أيضا على ما ليس بهيئة، ألا ترى أنه يقال صورة هذا الأمر كذا و لا يقال هيئته كذا، و انما الهيئة تستعمل في البنية و يقال تصورت ما قاله و تصورت الشي‏ء كهيئته الذي هو عليه و نهايته من الطرفين‏