الفروق في اللغة

- حسن بن عبد الله‏ العسكري المزيد...
310 /
155

سواء كان هيئة أو لا و لهذا لا يقال صورة الله كذا لأن الله تعالى ليس بذي نهاية.

(الفرق) بين‏

الصورة

و

الصبغة

أن الصبغة هيئة مضمنة بجعل جاعل في دلالة الصفة اللغوية و ليس كذلك الصورة لأن دلالتها على جعل جاعل قياسية.

و مما يجري مع ذلك‏

(الفرق) بين‏

القلب‏

و

البال‏

أن القلب اسم للجارحة و سمي بذلك لأنه وضع في موضعه من الجوف مقلوبا، و البال و الحال و حال الشي‏ء عمدته فلما كان القلب عمدة البدن سمي بالا فقولنا بال يفيد خلاف ما يفيده قولنا قلب لأن قولنا بال يفيد أنه الجارحة التي هي عمدة البدن و قولنا قلب يفيد أنه الجارحة التي وضعت مقلوبة أو الجارحة التي تنقلب بالافكار و العزوم، و يجوز أن يقال إن البال هو الحال التي معها و لهذا يقال اجعل هذا على بالك و قال امرؤ القيس:

فأصبحت معشوقا و أصبح أهلها* * * عليه القيام سي‏ء الظن و البال‏

أي سي‏ء الحال في ذكرها و تقول هو في حال حسنة و لا يقال في بال حسن فيفرق بذلك.

(الفرق) بين‏

الحال‏

و

البال‏

أن قولنا للقلب بال يفيد أنه موضع الذكر و القلب يفيد التقلب بالأفكار و العزوم على ما ذكرنا.

156

الباب الحادي عشر في الفرق بين الأصل و الأس، و الجنس و النوع و الصنف، و ما يقرب من ذلك‏

(الفرق) بين‏

الأصل‏

و

الأس‏

أن الاس لا يكون إلا أصلا و ليس كل أصل أسا و ذلك أن أس الشي‏ء لا يكون فرعا لغيره مع كونه أصلا مثال ذلك أن أصل الحائط يسمى أس الحائط و فرع الحائط لا يسمى أسا لعرفه.

(الفرق) بين‏

الأصل‏

و

السنخ‏

أن السنخ‏ (1) هو أصل الشي‏ء الداخل في غيره مثل سنخ السكين و السيف و هو الداخل في النصاب و سنوخ الانسان ما يدخل منها في عظم الفك فلا يقال سنخ كما يقال أصل ذلك.

و الأصل اسم مشترك يقال أصل الحائط و أصل الجبل و أصل الانسان و أصل العداوة بينك و بين فلان كذا و الأصل في هذه المسألة كذا و هو في ذلك مجاز و في الجبل و الحائط حقيقة، و حقيقة أصل الشي‏ء ما كان عليه معتمده و من ثم سمي العقل أصالة لأن معتمد صاحبه عليه و رجل أصيل أي عاقل، و حقيقة أصل الشي‏ء عندي ما بدى‏ء منه و من ثم يقال ان أصل الانسان التراب و أصل هذا الحائط حجر واحد لأنه بدى‏ء في بنيانه‏

____________

(1) في نسخة «السنج» بالجيم و هو تحريف.

157

بالحجر و الآجر.

(الفرق) بين‏

الأصل‏

و

الجذم‏

أن جذم الشجرة حيث تقطع من أصلها، و أصله من الجذم و هو القطع فلا يستعمل الجذم فيما لا يصلح قطعه ألا ترى أنه لا يقال جذم الكوز و ما أشبه ذلك فان استعمل في بعض المواضع مكان الأصل فعلى التشبيه.

(الفرق) بين‏

الجنس‏

و

النوع‏

أن الجنس على قول بعض المتكلمين أعم من النوع، قال لأن الجنس هو الجملة المتفقة سواء كان مما يعقل أو من غير ما يعقل قال و النوع الجملة المتفقة من جنس ما لا يعقل قال ألا ترى أنه يقال الفاكهة نوع كما يقال جنس و لا يقال للانسان نوع، و قال غيره النوع ما يقع تحته أجناس بخلاف ما يقوله الفلاسفة أن الجنس أعم من النوع، و ذلك أن العرب لا تفرق الأشياء كلها فتسميها بذلك و أصحابنا يقولون السواد جنس و اللون نوع و يستعملون الجنس في نفس الذات فيقولون التأليف جنس واحد و هذا الشي‏ء جنس الفعل و الحركة ليست بجنس الفعل يريدون أنها كون على وجه، و يقولون الكون جنس الفعل و ان كان متضادا لما كان لا يوجد إلا و هو كون و لا يقولون في العلم ذلك لأنه قد يوجد و هو غير علم و يقولون في الأشياء المتماثلة انها جنس واحد و هذا هو الصحيح.

(الفرق) بين‏

الجنس‏

و

الصنف‏

أن الصنف ما يتميز من الاجناس بصفة يقولون السوادات الموجودة صنف على حيالها و ذلك لاشتراكها في الوجود كأنها ما صنف من الجنس فلا يقال للمعدوم صنف لأن التصنيف ضرب من التأليف فلا يجري التأليف على المعدوم و يجري على بعض الموجودات حقيقة و على بعضها مجازا.

(الفرق) بين‏

الضرب‏

و

الجنس‏

أن الضرب اسم يقع على الجنس.

و الصنف، و الجنس قولك الحمر ضرب من الحيوان، و الصنف قولك التفاح الحلو صنف و التفاح الحامض صنف، و يقع الضرب أيضا على‏

158

الواحد الذي ليس بجنس و لا صنف كقولك الموجود على ضربين قديم و محدث فيوصف القديم بأنه ضرب و لا يوصف بأنه جنس و لا صنف.

(الفرق) بين‏

الجنس‏

و

الوجه‏

أن الجنس يقع على الذوات، و الوجه يتناول الصفات يقال الجواهر جنس من الاشياء و لا يقال وجه منها و انما يقال الشي‏ء على وجوه أي على صفات.

(الفرق) بين‏

الجنس‏

و

القبيل‏

أن الجنس يقتضي الاتفاق، و القبيل لا يقتضيه ألا ترى أنك تقول اللون قبيل و الطعم قبيل و لا يقال لذلك جنس و يقال السواد جنس و البياض جنس، و من الكلام ما يبين قبيلا و هو قولنا لون و منه ما يبين جنسا من جنس و هو قولنا سواد

.

159

الباب الثاني عشر في الفرق بين القسم و الحظ و النصيب، و بين السخاء و الجود و أقسام العطيات و بين الغنى و الجدة و ما يخالف ذلك من الفقر و المسكنة

(الفرق) بين‏

الحظ

و

القسم‏

أن كل قسم حظ و ليس كل حظ قسما و إنما القسم ما كان عن مقاسمة و ما لم يكن عن مقاسمة فليس بقسم فالانسان إذا مات و ترك مالا و وارثا واحدا قيل هذا المال كله حظ هذا الوارث و لا يقال هو قسمه لأنه لا مقاسم له فيه فالقسم ما كان من جملة مقسومة و الحظ قد يكون ذلك و قد يكون الجملة كلها.

(الفرق) بين‏

النصيب‏

و

الحظ

أن النصيب يكون في المحبوب و المكروه يقال وفاه الله نصيبه من النعيم أو من العذاب و لا يقال حظه من العذاب إلا على استعارة بعيدة لأن أصل الحظ هو ما يحظه الله تعالى للعبد من الخير، و النصيب ما نصب له ليناله سواء كان محبوبا أو مكروها، و يجوز أن يقال الحظ اسم لما يرتفع به المحظوظ، و لهذا يذكر على جهة المدح فيقال لفلان حظ و هو محظوظ، و النصيب ما يصيب الانسان من مقاسمة سواء ارتفع به شأنه أم لا و لهذا يقال لفلان حظ في التجارة و لا يقال له نصيب فيها لأن الربح الذي يناله فيها ليس عن مقاسمة.

160

(الفرق) بين‏

النصيب‏

و

الحصة

أن بعضهم قال ان الحصة هي النصيب الذي بين و كشفت وجوهه و زالت الشبهة عنه و أصلها من الحصص و هو أن يحص الشعر عن مقدم الرأس حتى ينكشف، و منه قول ابن الأسكت:

قد حصت البيضة رأسي فما* * * أطعم نوما غير تهجاع‏

و في القرآن‏ (الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ) و لهذا يكتب أصحاب الشروط حصته من الدار كذا و لا يكتبون نصيبه لأن ما تتضمنه الحصة من معنى التبيين و الكشف لا يتضمنه النصيب، و عندنا أن الحصة هي ما ثبت للانسان و كل شي‏ء حركته لتثبته فقد حصحصته و هذه حصتي أي ما ثبت لي و حصته من الدار ما ثبت له منها و ليس يقتضي أن يكون عن مقاسمة كما يقتضي ذلك النصيب.

(الفرق) بين‏

النصيب‏

و

الخلاق‏

أن الخلاق النصيب الوافر من الخير خاصة بالتقدير لصاحبه أن يكون نصيبا له لأن اشتقاقه من الخلق و هو التقدير و يجوز أن يكون من الخلق لأنه مما يوجبه الخلق الحسن.

(الفرق) بين‏

النصيب‏

و

القسط

أن النصيب يجوز أن يكون عادلا و جائرا و ناقصا عن الاستحقاق و زائدا يقال نصيب مبخوس و موفور، و القسط الحصة العادلة مأخوذة من قولك أقسط اذا عدل و يقال قسط القوم الشي‏ء بينهم اذا قسموه على القسط، و يجوز أن يقال القسط اسم للعدل في القسم، ثم سمي العزم على القسط قسطا كما يسمى الشي‏ء باسم سببه و هو كقولهم للنظر رؤية، و قيل القسط ما استحق المقسط له من النصيب و لا بد له منه و لهذا يقال للجوهر قسط من المساحة أي لا بد له من ذلك.

(الفرق) بين‏

الرزق‏

و

الحظ

أن الرزق هو العطاء الجاري في الحكم على الادرار و لهذا يقال أرزاق الجند لأنها تجري على ادرار، و الحظ لا يفيد هذا المعنى و انما يفيد ارتفاع صاحبه به على ما ذكرنا، قال بعضهم يجوز أن يجعل الله للعبد حظا في شي‏ء ثم يقطعه عنه و يزيله مع حياته‏

161

و بقائه، و لا يجوز أن يقطع رزقه مع إحيائه، و بين العلماء في ذلك خلاف ليس هذا موضع ذكره، و كل ما خلقه الله تعالى في الارض مما يملك فهو رزق للعباد في الجملة بدلالة قوله تعالى‏ (خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) و إن كان رزقا لهم في الجملة فتفصيل قسمته على ما يصح و يجوز من الاملاك، و لا يكون الحرام رزقا لأن الرزق هو العطاء الجاري في الحكم و ليس الحرام مما حكم به، و ما يفترسه الأسد رزق له بشرط غلبته عليه كما أن غنيمة المشركين رزق لنا بشرط غلبتنا عليهم، و المشرك يملك ما في يده أما اذا غلبناه عليه بطل ملكه له و صار رزقا لنا، و لا يكون الرزق الا حلالا فأما قولهم رزق حلال فهو توكيد كما يقال بلاغة حسنة و لا تكون البلاغة الا حسنة.

(الفرق) بين‏

الرزق‏

و

الغذاء

أن الرزق اسم لما يملك صاحبه الانتفاع به فلا يجوز منازعته فيه لكونه حلالا له، و يجوز أن يكون ما يغتذيه الانسان حلالا و حراما إذ ليس كل ما يغتذيه الانسان رزقا ألا ترى أنه يجوز أن يغتذي بالسرقة و ليست السرقة رزقا للسارق و لو كانت رزقا له لم يذم عليها و على النفقة منها بل كان يحمد على ذلك و الله تعالى مدح المؤمنين بانفاقهم في قوله تعالى‏ (وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ)*.

(الفرق) بين‏

الإعطاء

و

الهبة

أن الاعطاء هو اتصال الشي‏ء الى الآخذ له ألا ترى أنك تعطي زيدا المال ليرده الى عمرو و تعطيه ليتجر لك به، و الهبة تقتضي التمليك فاذا و هبته له فقد ملكته إياه، ثم كثر استعمال الاعطاء حتى صار لا يطلق الا على التمليك فيقال أعطاه مالا اذا ملكه إياه و الأصل ما تقدم.

(الفرق) بين‏

الإعطاء

و

الإنفاق‏

أن الانفاق هو إخراج المال من الملك، و لهذا لا يقال الله تعالى ينفق على العباد و أما قوله تعالى‏ (يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ) فانه مجاز لا يجوز استعماله في كل موضع و حقيقته أنه يرزق العباد على قدر المصالح، و الاعطاء لا يقتضي اخراج المعطى من الملك، و ذلك أنك‏

162

تعطي زيدا المال ليشتري لك الشي‏ء و تعطيه الثوب ليخيطه لك و لا يخرج عن ملكك بذلك فلا يقال لهذا انفاق.

(الفرق) بين‏

الهبة

و

الهدية

أن الهدية ما يتقرب به المهدي الى المهدى اليه، و ليس كذلك الهبة و لهذا لا يجوز أن يقال إن الله يهدي الى العبد كما يقال إنه يهب له، و قال تعالى‏ (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) و تقول أهدى المرؤوس الى الرئيس و وهب الرئيس للمرؤوس، و أصل الهدية من قولك هدى الشي‏ء اذا تقدم و سميت الهدية لأنها تقدم أمام الحاجة.

(الفرق) بين‏

الهبة

و

المنحة

أن أصل المنحة الشاة أو البعير يمنحها الرجل أخاه فيحتلبها زمانا ثم يردها، قال بعضهم لا تكون المنحة إلا الناقة، و ليس كذلك و الشاهد ما أنشد الأصمعي (رحمه الله تعالى):

أعبد بني سهم ألست براجع‏* * * منيحتنا فيما ترد المنائح‏

لها شعر داح و جيد مقلص‏* * * و جسم حدارى و صدغ مجامح‏

و هذه صفة شاة، و الممانح‏ (1) التي لا ينقطع لبنها مع الجدب، ثم صار كل عطية منحة لكثرة الاستعمال، و قال بعضهم كل شي‏ء تقصد به قصد شي‏ء فقد منحته إياه كما تمنح المرأة وجها للرجل و أنشد*

قد علمت إذ منحتني فاها

* و الهبة عطية منفعة تفضل بها على صاحبك و لذلك لم تكن عطية الدين و لا عطية الثمن هبة، و هي مفارقة للصدفة لما في الصدفة من معنى تضمن فقر صاحبها لتصديق حاله فيما ينبي حاله من فقره.

(الفرق) بين‏

الهبة

و

النعمة

مضمنة بالشكر لأنها لا تكون إلا حسنة و قد تكون الهبة قبيحة بأن تكون مغصوبة.

(الفرق) بين‏

العطية

و

النحلة

أن النحلة ما يعطيه الانسان بطيب نفس، و منه قوله تعالى‏ (وَ آتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً) أي عن طيب أنفس، و قيل نحلة ديانة، و منه قوله نحله الكلام و القصيدة إذا نسبها

____________

(1) في النسخ «المجانح» و التصحيح من القاموس.

163

إليه طيب النفس بذلك و انتحل هو، و قيل النحلة أن تعطيه بلا استعراض و منه قولهم نحل الوالد ولده، و

في الحديث‏

«ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن»

و قال علي بن عيسى الهبة لا تكون واجبة و النحلة تكون‏ (1) واجبة و غير واجبة، و أصلها العطية من غير معارضة، و منه النحلة الديانة لأنها كالنحلة التي هي العطية.

(الفرق) بين‏

المهر

و

الصداق‏

أن الصداق اسم لما يبذله الرجل للمرأة طوعا من غير الزام، و المهر اسم لذلك و لما يلزمه، و لهذا اختار الشروطيون في كتب المهور: صداقها التي تزوجها عليه، و منه الصداقة لأنها لا تكون بالزام و اكراه و منه الصدقة، ثم يتداخل المهر و الصداق لقرب معناهما.

(الفرق) بين‏

المنحة

و

العربة

أن العربة من النخل، و المنحة في الابل و الشاه و هو أن يعطى الرجل ثمرة نخل سنة أو أكثر من ذلك أو أقل و قد أعراه قال الشاعر*

و لكن عرايا في السنين الجوانح‏

*.

(الفرق) بين ذلك و بين‏

الإفقار

أن الافقار مصدر فقر الرجل ظهر بعيره ليركبه ثم يرده، مأخوذ من الفقار و هو عظم الظهر يقال أفقرته البعير أي أمكنته من فقاره.

(الفرق) بين‏

الإفقار

و

الإخبال‏

أن الاخبال أن يعطى الرجل فرسا ليغزو عليه و قيل هو أن يعطيه ماله ينتفع بصوفه و وبره و سمنه قال زهير:

* هنا لك إن يستخبلوا المال يخبلوا*

(الفرق) بين‏

البر

و

الصلة

أن البر سعة الفضل المقصود اليه، و البر أيضا يكون بلين الكلام، و بر والده اذا لقيه بجميل القول و الفعل قال الراجز:

بني ان البر شي‏ء هين‏* * * وجه طليق و كلام لين‏

و الصلة البر المتأصل، و أصل الصلة و صلة على فعلة و هي للنوع‏

____________

(1) في السكندرية «قد تكون»

164

و الهيئة يقال بار وصول أي يصل بره فلا يقطعه، و تواصل القوم تعاملوا بوصول بر كل واحد منهم الى صاحبه و واصله عامله بوصول البر و في القرآن‏ (وَ لَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ) أي كثرنا وصول بعضه ببعض بالحكم الدالة على الرشد.

(الفرق) بين‏

البر

و

الصدقة

أنك تصدق على الفقير لسد خلته، و تبرذا الحق لاجتلاب مودته و من ثم قيل بر الوالدين، و يجوز أن يقال البر هو النفع الجليل و منه قيل البر لسعته محلا له نفعة، و يجوز أن يقال البر سعة النفع، و منه فيه البر الشفقة.

(الفرق) بين‏

البر

و

الخير

أن البر مضمن بجعل عاجل قد قصد وجه النفع به فأما الخير فمطلق حتى لو وقع عن سهو لم يخرج عن استحقاق الصفة به، و نقيض الخير الشر و نقيض البر العقوق.

(الفرق) بين‏

الغنيمة

و

الفي‏ء

أن الغنيمة اسم لما أخذ من أموال المشركين بقتال، و الفي‏ء ما أخذ من أموالهم بقتال و غير قتال إذا كان سبب أخذه الكفر و لهذا قال أصحابنا ان الجزية و الخراج من الفي‏ء.

(الفرق) بين‏

الغنيمة

و

النفل‏

أن أصل النفل في اللغة الزيادة على المستحق و منه النافلة و هي التطوع ثم قيل لما ينفله صاحب السرية بعض أصحابه نفلا و الجمع أنفال و هو أن يقول ان قتلت قتيلا فلك سلبه أو يقول لجماعة لكم الربع بعد الخمس و ما أشبه ذلك، و لا خلاف في جواز النفل قبل إحراز الغنيمة، و قال الكوفيون لا نفل بعد إحراز الغنيمة على جهة الاجتهاد، و قال الشافعي يجوز النفل بعد إحراز الغنيمة على جهة الاجتهاد، و قال ابن عباس في رواية الأنفال ما شذ عن المشركين الى المسلمين من غير قتال نحو العبد و الدابة و لذلك جعلها الله تعالى للنبي (صلى الله عليه و سلم) في قوله‏ (قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ). و

روي عن مجاهد

أن الأنفال الخمس جعله الله لأهل الخمس‏

، و

قال الحسن‏

الانفال من السرايا التي تتقدم أمام الجيش الأعظم‏

، و أصلها ما ذكرنا ثم أجريت‏

165

على الغنائم كلها مجازا.

(الفرق) بين‏

القرض‏

و

الدين‏

أن القرض أكثر ما يستعمل في العين و الورق و هو أن تأخذ من مال الرجل درهما لترد عليه بدله درهما فيبقى دينا عليك الى أن ترده فكل قرض دين و ليس كل دين قرضا و ذلك أن أثمان ما يشترى بالنسأ ديون و ليست بقروض فالقرض يكون من جنس ما اقترض و ليس كذلك الدين، و يجوز أن يفرق بينهما فنقول قولنا يداينه يفيد أنه يعطيه ذلك ليأخذ منه بدله، و لهذا يقال قضيت قرضه و أديت دينه و واجبه، و من أجل ذلك أيضا يقال أديت صلاة الوقت و قضيت ما نسيت من الصلاة لأنه بمنزلة القرض.

(الفرق) بين‏

القرض‏

و

الفرض‏

أن القرض ما يلزم إعطاؤه، و الفرض ما لا يلزم إعطاؤه و يقال ما عنده قرض و لا فرض أي ما عنده خير لمن يلزمه أمره و لا لمن لا يلزمه أمره، و أصل القرض القطع و قد أقرضته إذا دفعت إليه قطعة من المال و منه المقراض‏ (1)، و يجوز أن يقال انه سمي قرضا لتساوي ما يأخذ و ما يرد، و العرب تقول تقارض الرجلان الثناء إذا أثنى كل واحد منهما على صاحبه، و قال الشاعر*

و أيدي الندى في الصالحين قروض‏

* و قال بعضهم هما يتقارظان و لا يقال يتقارضان، و كلاهما عندنا جيد بل الضاد أكثر من الظاء في هذا و أشهر و رواه علي ابن عيسى في تفسيره.

(الفرق) بين‏

العمرى‏

و

الرقبى‏

، أن العمرى هي أن يقول الرجل للرجل هذه الدار لك عمرك أو عمري، و الرقبى أن يقول إن مت قبلي رجعت إلي و إن مت قبلك فهي لك، و ذلك أن كل واحد منهما وقت موت صاحبه.

(الفرق) بين‏

العطية

و

الجائزة

أن الجائزة ما يعطاه المادح و غيره‏

____________

(1) في السكندرية «المقراضان».

166

على سبيل الاكرام و لا يكون الا ممن هو أعلى من المعطي، و العطية عامة في جميع ذلك، و سميت الجائزة جائزة لأن بعض الأمراء في أيام عثمان و أظنه عبد الله بن عامر قصد عدوا من المشركين بينه و بينهم جسر فقال لأصحابه من جاز اليهم فله كذا فجازه قوم منهم فقسم فيهم ما لا فسميت العطية على هذا الوجه جائزة.

(الفرق) بين‏

البسلة

(1) و

الحلوان‏

و

الرشوة

أن البسلة أجر الراقي و جاء النهي عنها و ذلك اذا كانت الرقية بغير ذكر الله تعالى فأما اذا كانت بذكر الله تعالى و بالقرآن فليس بها بأس و يؤخذ الأجر عليها، و الشاهد أن قوما من الصحابة رقوا من العقرب فدفعت اليهم ثلاثون شاة فسألوا رسول الله (صلى الله عليه و سلم) عن ذلك فقال لهم اقتسموها و اضربوا لي معكم بسهم، و الحلوان أجر الكاهن و قد نهى عنه يقال حلوته حلوانا ثم كثر ذلك حتى سمي‏ (2) كل عطية حلوانا قال الشاعر:

فمن راكب أحلوه رحلي و ناقتي‏* * * يبلغ عني الشعر إذ مات قائله‏

و الحلو ان أيضا أن يأخذ الرجل مهر ابنته و ذلك عار عندهم قال الراجز:*

لا نأخذ الحلوان من بناتنا

* و الرشوة ما يعطاه الحاكم و قد نهى عنها

قال النبي (صلى الله عليه و سلم)

«لعن الله الراشي و المرتشي»

و كانت العرب تسميها الاتاوة و قال أبو زيد أتوت الرجل أتوا و هي الرشوة قال زهير:

أ في كل أسواق العراق إتاوة* * * و في كل ما باع امرؤ مكس درهم‏

قال المكس الخيانة و هو ههنا الضريبة التي تؤخذ في الأسواق و يقال مكسه مكسا اذا خانه و يقال المكس العشر و جاء

في الحديث‏

«لا يدخل الجنة صاحب مكس»

و قال بعضهم الاسلال الرشوة و

في الحديث‏

«لا اغلال و لا اسلال»

و الاغلال الخيانة، و قال أبو عبيدة الاسلال‏

____________

(1) كغرفة.

(2) في السكندرية «سموا»

167

السرقة، و قال بعضهم الاتاوة الخراج.

(الفرق) بين‏

السخاء

و

الجود

أن السخاء هو أن يلين الانسان عند السؤال و يسهل مهره للطالب من قولهم سخوت النار أسخوها سخوا اذا ألينتها و سخوت الأديم لينته و أرض سخاوية لينة و لهذا لا يقال الله تعالى سخى، و الجود كثرة العطاء من غير سؤال من قولك جادت السماء اذا جادت بمطر غزير، و الفرس الجواد الكثير الاعطاء للجري و الله تعالى جواد لكثرة عطائه فيما تقتضيه الحكمة فان قيل فلم لا يجوز على الله تعالى الصفة بسخي و جاز عليه الصفة بكير و أصل الكبير كبر الجثة أي كبير الشأن، و السخي مصرف من السخاوة كتصريف الحكيم من الحكمة و كل مصرف من أصله فمعناه فيه، و أما المنقول فليس كذلك لأنه بمنزلة الاسم العلم في أنه لا يكون فيه معنى ما نقل عنه و انما يوافقه في اللفظ فقط، و يجوز أن يكون أصل الجواد اعطاء الخير و منه فرس جواد و شي‏ء جيد كأنه يعطي الخير لظهوره فيه و أجاد في أمره اذا أحكمه لاعطاء الخير الذي ظهر فيه.

(الفرق) بين‏

الجواد

و

الواسع‏

أن الواسع مبالغة في الوصف بالجود و الشاهد أنه نقيض قولهم للبخيل ضيق مبالغة في الوصف بالجود و هذا في أوصاف الخلق مجاز (1) لأن المراد أن عطاءه كثير، و قال بعضهم هو في صفات الله تعالى بمعنى أنه المحيط بالأشياء علما من قوله تعالى‏ (وَسِعَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً) و له وجه آخر في اللغة و هو أن يكون مأخوذا من الوسع و هو قدر ما تسع له القوة و هو بمنزلة الطاقة و هو نهاية مقدور القادر فلا يصح ذلك في الله تعالى.

(الفرق) بين‏

الجواد

و

الندى‏

أن الندى اسم للجواد الذي ينال القريب و البعيد فيبعد مذهبه مشبه بندى المطر لبعد مذهبه و فلان أندى‏

____________

(1) في السكندرية «فهو في أوصاف الله تعالى و أوصاف الخلق مجاز».

168

صوتا من فلان أي أبعد مذهبا و المنديات المخزيات‏ (1) التي يبعد بها الصوت واحدها مندية. و قال الخليل الندى له وجوه ندى الماء و ندى الخير و ندى الشم و ندى الصوت قال الشاعر:

بعيد ندى التغريد أزمع صوته‏* * * سجيل و أدناه شحيح محشرج‏

و ندى الخصر و ندى الوجنة كل ذلك من بعد المذهب.

(الفرق) بين‏

الكرم‏

و

الجود

أن الجود هو الذي ذكرناه، و الكرم يتصرف على وجوه فيقال لله تعالى كريم و معناه أنه عزيز و هو من صفات‏ (2) ذاته و منه قوله تعالى‏ (ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) أي العزيز الذي لا يغلب، و يكون بمعنى الجواد المفضال فيكون من صفات فعله، و يقال‏ رِزْقٌ كَرِيمٌ* اذا لم يكن فيه إمتهان أي كرم صاحبه، و الكريم الحسن في قوله تعالى‏ (مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ)* و مثله‏ (وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً) أي حسنا و الكريم بمعنى المفضل في قوله تعالى‏ (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ) أي أفضلكم و منه قوله تعالى‏ (وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ) أي فضلناهم، و الكريم أيضا السيد في‏

قوله (صلى الله عليه و سلم)

«إذا أتاكم كريم قوم فاكرموه»

أي سيد قوم، و يجوز أن يقال الكرم هو إعطاء الشي‏ء عن طيب نفس قليلا كان أو كثيرا، و الجود سعة العطاء و منه سمي المطر الغزير الواسع جودا، سواء كان عن طيب نفس أو لا، و يجوز أن يقال الكرم هو إعطاء من يريد اكرامه و اعزازه، و الجود قد يكون كذلك و قد لا يكون.

(الفرق) بين‏

المال‏

و

النشب‏

أن المال اذا لم يقيد فانما يراد به الصامت و الماشية، و النشب ما نشب من العقارات قال الشاعر:

أمرتك الخير فافعل ما أمرت به‏* * * فقد تركتك ذا مال و ذا نشب‏

____________

(1) في النسخ «المحرمات» و التصويب من القاموس.

(2) في الاصل «صفاته» و هو تحريف.

169

و المال أيضا يقع على كل ما يملكه الانسان من الذهب و الورق و الابل و الغنم و الرقيق و العروض و غير ذلك، و الفقهاء يقولون البيع مبادلة (1) مال بمال، و كذلك هو في اللغة فيجعلون الثمن و المثمن من أي جنس كانا مالا، الا أن الأشهر عند العرب في المال المواشي و اذا أرادوا الذهب و الفضة قالوا النقد.

(الفرق) بين‏

الغنى‏

و

الجدة

و

اليسار

أن الجدة كثرة المال فقط يقال رجل واجد أي كثير المال، و الغنى يكون بالمال و غيره من القوة و المعونة و كل ما ينافي الحاجة، و قد غني يغني غنى، و استغنى طلب الغنى، ثم كثر حتى استعمل بمعنى غنى، و الغناء ممدودا من الصوت لامتاعه النفس كإمتاع الغنى، و المغاني المنازل للاستغناء بها في نزولها، و الغانية الجارية لاستغنائها بجمالها عن الزينة، و أما اليسار فهو المقدار الذي تيسر معه المطلوب من المعاش فليس ينبى‏ء عن الكثرة، ألا ترى أنك تقول فلان تاجر موسر و لا تقول ملك موسر لأن أكثر ما يملكه التاجر قليل في جنب ما يملكه الملك.

و مما يوافق‏ (2) السخاء المذكور في هذا الباب‏

(الفرق) بين‏

التخويل‏

و

التمويل‏

أن التخويل اعطاء الخول يقال خوله اذا جعل له خولا كما يقال موله اذا جعل له مالا و سوده اذا جعل له سوددا، و سنذكر الخول في موضعه، و قيل أصل التخويل الارعاء يقال أخوله إبله اذا استرعاه اياها، فكثر (3) حتى جعل كل هبة و عطية تخويلا كأنه جعل له من ذلك ما يرعاه.

و مما يخالف السخاء في هذا الباب البخل‏

(الفرق) بينه و بين‏

الضن‏

(4) أن الضن أصله أن يكون بالعواري،

____________

(1) في السكندرية «تبادل».

(2) في الأصل «يخالف».

(3) في السكندرية «ثم كثر».

(4) في نسخة «الضيق» و هو تحريف.

170

و البخل بالهيئات و لهذا تقول هو ضنين بعلمه و لا يقال بخيل بعلمه لأن العلم أشبه بالعارية منه بالهبة و ذلك أن الواهب اذا وهب شيئا خرج من ملكه، فاذا أعار شيئا لم يخرج أن يكون‏ (1) عالما به فأشبه العلم العارية فاستعمل فيه من اللفظ ما وضع لها و لهذا قال الله تعالى‏ (وَ ما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) و لم يقل ببخيل.

(الفرق) بين‏

الشح‏

و

البخل‏

أن الشح الحرص على منع الخير و يقال زند (2) شحاح اذا لم يور نارا، و ان أشح عليه بالقدح كأنه حريص على منع ذلك، و البخل منع الحق فلا يقال لمن يؤدي حقوق الله تعالى بخيل.

الفرق بين ما يخالف الغنى‏ (3)

(الفرق) بين‏

الفقر

و

المسكنة

أن الفقر فيما قال الازهري في تأويل قوله تعالى‏ (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ) الفقير الذي لا يسأل و المسكين الذي يسأل، و مثله عن ابن عباس و الحسن و جابر بن زيد و مجاهد و هو قول أبي حنيفة و هذا يدل على أنه رأى المسكين أضعف حالا و أبلغ في جهة الفقر، و يدل عليه قوله تعالى‏ (لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) إلى قوله تعالى‏ (يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) فوصفهم بالفقر و أخبر مع ذلك عنهم بالتعفف حتى يحسبهم الجاهل بحالهم أغنياء من التعفف و لا يحسبهم أغنياء إلا و لهم ظاهر جميل و عليهم بزة حسنة، و قيل لاعرابي أفقير أنت‏ (4) فقال بل مسكين و أنشد:

أما الفقير الذي كانت حلوبته‏ (5)* * * وفق العيال فلم يترك له سبد

فجعل للفقير حلوبة (5) و المسكين الذي لا شي‏ء له فأما قوله تعالى‏ (فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) فأثبت لهم ملك سفينة و سماهم مساكين فانه روى أنهم كانوا أجراء فيها و نسبها إليهم لتصرفهم فيها

____________

(1) في السكندرية «من أن يكون».

(2) في النسخ «زيد».

(3) أكثر هذه العناوين الفرعية غير موجود في السكندرية اكتفاءا برؤوس الأبواب.

(4) في نسخة «أنت فقير».

(5) في السكندرية «صلوبته» و هو غلط.

171

و الكون بها (1) كما قال تعالى‏ (لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ) ثم قال‏ (وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) و عن أبي حنيفة فيمن قال مالي للفقراء و المساكين أنهما صنفان. و عن أبي يوسف أن نصف المال لفلان و نصفه للفقراء و المساكين، و هذا يدل على أنه جعلهما صنفا واحدا و القول قول أبي حنيفة، و يجوز أن يقال المسكين هو الذي يرق له الانسان اذا تأمل حاله و كل من يرق له الانسان يسميه مسكينا.

(الفرق) بين‏

الفقر

و

الإعدام‏

أن الاعدام أبلغ في الفقر، و قال أهل اللغة المعدم الذي لا يجد شيئا، و أصله من العدم خلاف الوجود و قد أعدم كأنه صار ذا عدم، و قيل في خلاف الوجود عدم للفرق بين المعنيين و لم يقل عدمه اللّه و إنما قيل أعدمه الله، و قيل في خلافه قد وجد و لم يقل وجده الله و إنما قيل أوجده الله، و قال بعضهم الاعدام فقر (2) بعد غنى.

(الفرق) بين‏

الفقير

و

المصرم‏

أن المصرم هو الذي له صرمة و الصرمة الجماعة القليلة من الابل ثم كثر ذلك حتى سمي كل قليل الحال مصرما و ان لم تكن له صرمة.

(الفرق) بين‏

الفقير

و

المملق‏

أن المملق مشتق من الملق و هو الخضوع و التضرع و منه قيل للاجمة المفترشة ملقة و الجمع ملقات فلما كان الفقير في أكثر الحال خاضعا متضرعا سمي مملقا و لا يكون إلا بعد غنى كأنه صار ذا ملق كما تقول أطفلت المرأة اذا صار لها طفل، و يجوز أن يقال إن الاملاق نقل الى عدم التمكن من النفقة على العيال و لهذا قال اللّه تعالى‏ (وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) أي خشية العجز عن النفقة عليهم.

(الفرق) بين‏

الخلة

و

الفقر

أن الخلة الحاجة و المختل المحتاج و سميت الحاجة خلة لاختلال الحال بها كأنما صار بها خلل يحتاج الى سده و الخلة أيضا الخصلة التي يختل إليها أي يحتاج و الخلة المودة التي تتخلل‏

____________

(1) لعله «لتصرفهم بها و الكون فيها».

(2) في نسخة «يكون فقرا».

172

الأسرار معها بين الخليلين، و سمي الطريق في الرمل خلا لأنه يتخلل لانعراجه، و الخل الذي يصطبغ به لأنه يتخلل ما عين فيه بلطفه وحدته و خللت الثوب خلا و خللا و جمع الخلل خلال و في القرآن‏ (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ)* و الخلال ما يخل به الثوب و ما يخرج به الشي‏ء من خلل الأسنان فالفقر أبلغ من الخلة لأن الفقر ذهاب المال و الخلة الخلل في المال.

(الفرق) بين‏

الفقر

و

الحاجة

أن الحاجة هي النقصان و لهذا يقال الثوب يحتاج إلى خزمة و فلان يحتاج إلى عقل و ذلك اذا كان ناقصا و لهذا (1) قال المتكلمون: الظلم لا يكون إلا من جهل أو حاجة، أي من جهل بقبحه أو نقصان زاد جبره بظلم الغير، و الفقر خلاف الغنى فأما قولهم فلان مفتقر إلى عقل فهو استعارة و محتاج إلى عقل حقيقة.

و مما يخالف الحظ الحرمان و الحرف‏

(الفرق) بينهما

أن الحرمان عدم الظفر بالمطلوب عند السؤال يقال سأله فحرمه، و الحرف عدم الوصول إلى المنافع من جهة الصنائع يقال للرجل اذا لم يصل الى إحراز المنافع في صناعته انه محارف و قد يجعل المحروم خلاف المرزوق في الجملة فيقال هذا محروم و هذا مرزوق.

(الفرق) بين‏

الفقير

و

البائس‏

قال مجاهد و غيره البائس الذي يسأل بيده، قلنا و إنما سمي من هذه حاله بائسا لظهور أثر البؤس عليه بمد يده للمسألة و هو على جهة المبالغة في الوصف له بالفقر، و قال بعضهم هو بمعنى المسكين لأن المسكين هو الذي يكون في نهاية الفقر قد ظهر عليه السكون للحاجة و سوء الحال، و هو (2) الذي لا يجد شيئا.

(الفرق) بين‏

المحارف‏

و

المحدود

أن المحدود على ما قال بعض أهل العلم هو من لا يصل إلى مطلوبه من الظفر بالعدو عند منازعته إياه و قد يستعمل في غير ذلك من وجوه المنع، و الصحيح أن المحدود هو الممنوع‏

____________

(1) في السكندرية «و لذلك».

(2) في السكندرية «قال و هو».

173

من وجوه الخير كلها من قولك حد إذا منع وحده إذا منعه و حدود اللّه ما منع عنه بالنهي.

(الفرق) بين‏

النقص‏

و

الحاجة

أن النقص سبب إلى الحاجة فالمحتاج يحتاج لنقصه، و النقص أعم من الحاجة لأنه يستعمل فيما يحتاج و فيما لا يحتاج.

(الفرق) بين‏

البخس‏

و

النقصان‏

أن البخس النقص بالظلم قال تعالى‏ (وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ)* أي لا تنقصوهم ظلما، و النقصان يكون بالظلم و غيره.

(الفرق) بين‏

النقص‏

و

التخفيف‏

أن النقص الأخذ من المقدار كائنا ما كان، و التخفيف فيما له اعتماد و استعمل التخفيف في العذاب لأنه يجثم على النفوس جثوم ماله ثقل.

و مما يخالف النقصان الزيادة

(الفرق) بينها و بين‏

النماء

أن قولك نما الشي‏ء يفيد زيادة من نفسه و قولك زاد لا يفيد ذلك ألا ترى أنه يقال زاد مال فلان بما ورثه عن والده و لا يقال نما ماله بما ورثه و إنما يقال نمت الماشية بتناسلها، و النماء في الذهب و الورق مستعار و في الماشية حقيقة و من ثم أيضا سمي الشجر و النبات النامي و منه يقال نما الخضاب في اليد و الحبر في الكتاب.

و مما يدخل في هذا الباب‏

(الفرق) بين‏

القنوع‏

و

السؤال‏

أن القنوع سؤال الفضل و الصلة خاصة، و السؤال عام في ذلك و في غيره. يقال قنع يقنع قنوعا إذا سأل و هو قانع و في القرآن‏ (وَ أَطْعِمُوا الْقانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ) قال القانع السائل و المعتر الذي يلم بك لتعطيه و لا يسأل، اعتره يعتره و عره يعره و قيل عره و اعتره و اعتراه إذا جاءه يطلب معروفه، و قال الليث القانع المسكين الطواف،

174

و قال مجاهد القانع هنا جارك و لو كان‏ (1) غنيا، و قال الحسن القانع الذي يسأل و يقنع بما تعطيه، و قال الفراء القانع الذي إن أعطيته شيئا قبله، و قال أبو عبيدة القانع السائل الذي قنع إليك أي خضع، و قال أبو علي هو الفقير الذي يسأل، و قال إبراهيم القانع الذي يجلس في بيته و المعتر الذي يعتريك.

____________

(1) في السكندرية «و ان كان».

175

الباب الثالث عشر في الفرق بين العز و الشرف و الرياسة و السؤدد، و بين الملك و السلطان و الدولة و التمكين و النصرة و الاعانة، و بين الكبير و العظيم، و الفرق بين الحكم و القضاء و القدرة و التقدير و ما يجري مع ذلك‏

(الفرق) بين‏

العز

و

الشرف‏

أن العز يتضمن معنى الغلبة (1) و الامتناع على ما قلنا فأما قولهم عز الطعام فهو عزيز فمعناه قل حتى لا يقدر عليه فشبه بمن لا يقدر عليه لقوته و منعته لأن العز بمعنى القلة، و الشرف إنما هو في الأصل شرف المكان و منه قولهم أشرف فلان على الشي‏ء إذا صار فوقه و منه قيل شرفة القصر و أشرف على التلف إذا قاربه، ثم استعمل في كرم النسب فقيل للقرشي شريف و كل من له نسب مذكور عند العرب شريف، و لهذا لا يقال للّه تعالى شريف كما يقال له عزيز.

(الفرق) بين‏

السيد

و

الصمد

أن السيد المالك لتدبير السواد و هو الجمع و سمي سوادا لأن مجتمعه سواد إذا رؤي من بعيد، و منه يقال للسواد الأعظم و يقال لهم الدهماء لذلك و الدهمة السواد، و قولنا الصمد يقتضي القوة على الأمور (2) و أصله من الصمد و هو الأرض الصلبة، و الجمع صماد و الصمدة صخرة شديدة التمكن في الأرض، و يجوز أن‏

____________

(1) في نسخة: «القلة».

(2) في الأصل: الأصوب.

176

يقال إنه يقتضي قصد الناس اليه في الحوائج من قولك صمدت صمدة أي قصدت قصدة، و كيفما كان فانه أبلغ من السيد ألا ترى أنه يقال لمن يسود عشيرته سيد و لا يقال له صمد حتى يعظم شأنه فيكون المقصود دون غيره، و لهذا يقال سيد صمد و لم يسمع صمد سيد.

(الفرق) بين قولك‏

يسوسهم‏

و بين قولك‏

يسودهم‏

أن معنى قولك يسودهم أنه يلي تدبيرهم و معنى قولك يسوسهم أنه ينظر في دقيق أمورهم مأخوذ من السوس، و لا تجوز الصفة به على اللّه تعالى لأن الأمور لا تدق عنه و قد ذكرنا ذلك قبل.

(الفرق) بين‏

سيد

القوم و

كبير

هم‏

أن سيدهم هو الذي يلي تدبيرهم، و كبيرهم هو الذي يفضلهم في العلم أو السن أو الشرف و قد قال تعالى‏ (فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) فيجوز أن يكون الكبير في السن، و يجوز أن يكون الكبير في الفضل و يقال لسيد القوم كبيرهم و لا يقال لكبيرهم سيدهم إلا إذا ولي تدبيرهم، و الكبير في أسماء اللّه تعالى هو الكبير الشأن الممتنع من مساواة الأصغر له بالتضعيف‏ (1) و الكبير الشخص الذي يمكن مساواته للأصغر بالتجزئة (2) و يمكن مساواة الأصغر له بالتضعيف، و الصفة بهذا لا تجوز على اللّه تعالى، و قال بعضهم الكبير في أسماء الله تعالى بمعنى أنه كبير في أنفس العارفين غير أن يكون له نظير.

(الفرق) بين‏

مالك‏

و

ملك‏

أن مالك يفيد مملوكا، و ملكا لا يفيد ذلك و لكنه‏ (3) يفيد الأمر وسعة المقدرة على أن المالك أوسع من الملك لأنك تقول الله مالك الملائكة و الانس و الجن‏ (4) و مالك الأرض و السماء و مالك السحاب و الرياح و نحو ذلك، و مالك لا يحسن إلا في الملائكة و الانس و الجن قال الفرزدق:

____________

(1) من قوله «التضعيف» الى «التضعيف» الآتية ساقط من نسخة.

(2) في السكندرية «بالتجربة» و ساقط من غيرها.

(3) في نسخة «ولكن».

(4) هنا زيادة «قال الفرزدق» و ما بعدها الى البيت غير موجود في السكندرية.

177

سبحان من عنت الوجوه لوجهه‏* * * ملك الملوك و مالك الغفر

و لو قال ملك‏ (1) العفر لم يحسن.

(الفرق) بين‏

مالك‏

و

مليك‏

أن المليك مبالغة مثل سميع و عليم و لا يقتضي مملوكا و هو بمعنى فاعل إلا أنه يتضمن معنى التكثير و المبالغة، و ليس معنى قولنا فاعل أنه فعل فعلا استحق من أجله الصفة بذلك و إنما يراد به اعمال ذلك في الاعراب على تقدير أسماء الفاعلين.

(الفرق) بين‏

الملك‏

و

الملك‏

أن الملك هو استفاضة الملك وسعة المقدور لمن له السياسة و التدبير و الملك استحقاق تصريف الشي‏ء لمن هو أولى به من غيره.

(الفرق) بين‏

كبير

القوم و

عظيم‏

القوم‏

أن عظيم القوم هو الذي ليس فوقه أحد منهم فلا تكون الصفة به إلا مع السؤدد و السلطان فهو مفارق للكبير و

كتب رسول الله (صلى الله عليه و سلم)

الى كسرى عظيم فارس‏

، و العظيم في أسماء الله تعالى بمعنى عظيم الشأن و الامتناع عن مساواة الصغير له بالتضعيف، و أصل الكلمة القوة و منه سمي العظيم عظيما لقوته، و يجوز أن يقال أن أصله عظيم الجثة ثم نقل لعظيم الشأن كما فعل بالكبير و قال تعالى‏ (عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)* فسماه عظيما لعظم ما فيه من الآلام و البلاء (2)، و ما اتسع لأن يكون فيه العظم استحق بأن يوصف أنه عظيم.

(الفرق) بين‏

العظيم‏

و

الكبير

أن العظيم قد (3) يكون من جهة الكثرة و من غير جهة الكثرة و لذلك جاز أن يوصف اللّه تعالى بأنه عظيم و ان لم يوصف بأنه كثير، و قد يعظم الشي‏ء من جهة الجنس و من جهة التضاعف. و فرق بعضهم بين الجليل و الكبير بأن قال الجليل في أسماء اللّه تعالى هو العظيم الشأن المستحق للحمد، و الكبير فيما يجب له من‏

____________

(1) في الاصل «مالك».

(2) في الاصل «و الملاذ».

(3) «قد» ساقطة من نسخة.

178

صفة الحمد، و الأجل بما ليس فوقه من هو أجل منه، و أما الأجل من ملوك الدنيا فهو الذي ينفرد في الزمان بأعلى مراتب الجلالة، و الجلال اذا أطلق كان مخصوصا بعظم الشأن و يقال حكم جليلة للنفع بها و يوصف المال الكثير بأنه جليل و لا يوصف الرمل الكثير بذلك لما كان من عظم النفع في المال، و سميت الجلة جلة لعظمها و المجلة الصحيفة سميت بذلك لما فيها من عظم الحكم و العهود.

(الفرق) بين‏

الجلالة

و

الهيبة

أن الجلالة ما ذكرناه، و الهيبة خوف الاقدام على الشي‏ء فلا يوصف الله بأنه يهاب كما لا يوصف بأنه لا يقدم عليه لأن الاقدام هو الهجوم‏ (1) من قدام فلا يوصف الله تعالى بأن له قداما و وراء، و الهيبة هو أن يعظم في الصدور فيترك الهجوم عليه.

(الفرق) (2) بين الصفة منه عز و جل بأنه علي و بين الصفة للسيد من العباد

بأنه رفيع أن الصفة بعلي منقولة الى علم إنسان بالقهر و الاقتدار و منه‏ (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ) أي قهر أهلها و قوله تعالى‏ (وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ) فقيل لله تعالى علي من هذا الوجه، و معناه أنه الجليل بما يستحق من ارتفاع الصفات، و الصفة بالرفيع يتصرف من علو المكان و قد ذكرنا أن في المصرف معنى ما صرف منه فلهذا لا يقال الله رفيع، و الأصل في الارتفاع زوال الشي‏ء عن موضعه الى فوق، و لهذا يقال ارتفع الشي‏ء بمعنى زال و ذهب، و العلو لا يقتضي الزوال عن أسفل و لهذا يقال ارتفع الشي‏ء و ان ارتفع قليلا لأنه زال عن موضعه الى فوق و لا يقال علا اذا ارتفع قليلا، و يجوز أن يقال الصفة برفيع لا تجوز على الله تعالى لأن الارتفاع يقتضي الزوال فأما قوله تعالى‏ (رَفِيعُ الدَّرَجاتِ) فهو كقوله كثير الاحسان في أن الصفة للثاني في الحقيقة.

(الفرق) بين‏

الصعود

و

الارتفاع‏

أن الصعود مقصور على الارتفاع في المكان و لا يستعمل في غيره و يقال صعد في السلم و الدرجة و لا يقال‏

____________

(1) في نسخة «العزم».

(2) هذا الفرق غير موجود في السكندرية.

179

صعد أمره، و الارتفاع و العلو يشترط فيهما جميع ذلك، و الصعود أيضا هو الذهاب الى فوق فقط و ليس الارتفاع كذلك ألا ترى أنه يقال ارتفع في المجلس و رفعت مجلسه و ان لم يذهب به في علو و لا يقال أصعدته إلا إذا أعليته.

(الفرق) بين‏

الصعود

و

الرقي‏

أن الرقي أعم من الصعود ألا ترى أنه يقال رقي في الدرجة و السلم كما يقال صعد فيهما و يقال رقيت في العلم و الشرف الى أبعد غاية و رقي في الفضل و لا يقال في ذلك صعد و الصعود على ما ذكرنا مقصور على المكان، و الرقي يستعمل فيه و في غيره فهو أعم و هو أيضا يفيد التدرج في المعنى شيئا بعد شي‏ء، و لهذا سمي الدرج مراقي و تقول ما زلت أراقيه حتى بلغت به الغاية أي أعلو به شيئا شيئا.

(الفرق) بين‏

الصعود

و

الإصعاد

أن الاصعاد في مستوى الارض، و الصعود في الارتفاع يقال أصعدنا من الكوفة الى خراسان و صعدنا في الدرجة و السلم و الجبل.

(الفرق) بين‏

الأعلى‏

و

فوق‏

أن أعلى الشي‏ء منه يقال هو في أعلى النخلة يراد أنه في نهاية قامتها و تقول السماء فوق الأرض فلا يقتضي ذلك أن تكون السماء من الارض و أعلى يقتضي أسفل، و فوق يقتضي تحت و أسفل الشي‏ء منه و تحته ليس منه ألا ترى أنه يقال وضعته تحت الكوز و لا يقال وضعته أسفل الكوز بهذا المعنى و يقال أسفل البئر و لا يقال تحت البئر.

(الفرق) بين‏

الرفيع‏

و

المجيد

أن المجيد هو الرفيع في علو شأنه، و الماجد هو العالي الشأن في معاني صفاته، و قيل المجيد الكريم في قوله تعالى‏ (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ) أي كريم فيما يعطى من حكمه و قيل فيما يرجى من خيره، و أصل المجد العظم إلا أنه جرى على وجهين عظم الشخص و عظم الشأن فيقال تمجدت الابل تمجدا إذا عظمت أجسامها لجودة الكلأ و أمجد القوم ابلهم إذا رعوها كلأ جيدا في أول الربيع،

180

و يقال في علو الشأن مجد الرجل مجدا و أمجد امجادا اذا عظم شأنه لغتان و مجدت الله تعالى تمجيدا عظمته.

(الفرق) بين‏

الإله‏

و

المعبود

بحق‏

أن الاله هو الذي يحق له العبادة فلا إله إلا الله و ليس كل معبود بحق له العبادة ألا ترى أن الاصنام معبودة و المسيح معبود و لا يحق له و لها العبادة.

(الفرق) بين قولنا

اللّه‏

و بين قولنا

إله‏

ان قولنا الله اسم لم يسم به غير الله و سمي غير الله الها على وجه الخطأ و هي تسمية العرب الأصنام آلهة و أما قول الناس لا معبود الا الله فمعناه أنه لا يستحق العبادة الا اللّه تعالى.

(الفرق) بين قولنا

يحق‏

له العبادة و قولنا

يستحق‏

العبادة

أن قولنا يحق له العبادة يفيد أنه على صفة يصح أنه منعم، و قولنا يستحق يفيد أنه قد أنعم و استحق و ذلك أن الاستحقاق مضمن بما يستحق لأجله.

(الفرق) بين قولنا

الله‏

و قولنا

اللهم‏

أن قولنا الله اسم و اللهم نداء و المراد به يا الله فحذف حرف النداء و عوض الميم في آخره.

(الفرق) بين الصفة ب

رب‏

و الصفة ب

سيد

أن السيد مالك من يجب عليه طاعته نحو سيد الأمة و الغلام، و لا يجوز سيد الثوب كما يجوز رب الثوب، و يجوز رب بمعنى سيد في الاضافة، و في القرآن‏ (فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً) و ليس ذلك في كل موضع ألا ترى أن العبد يقول لسيده يا سيدي و لا يجوز أن يقول يا ربي فاما قول عدي بن زيد:

إن ربي لو لا تداركه المل* * * ك بأهل العراق ساء العذير

يعني النعمان بن المنذر، و العذير الحال فان ذلك كان مستعملا ثم ترك استعماله كما ترك أبيت اللعن و عم صباحا (1) و ما أشبه ذلك.

(الفرق) بين الصفة ب

رب‏

و الصفة ب

مالك‏

أن الصفة برب أفخم من الصفة بمالك لأنها من تحقيق القدرة على تدبير ما ملك فقولنا رب‏

____________

(1) في السكندرية «و عمر ضياعا» و هو تحريف.

181

يتضمن معنى الملك و التدبير فلا يكون الا مطاعا أيضا و الشاهد قول الله تعالى‏ (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي سادة يطيعونهم، و الصفة بمالك تقتضي القوة على تصريف ما ملك و هو من قولك ملكت العجين اذا أجدت عجنه‏ (1) فقوي و منه قول الشاعر:

ملكت بها كفي فأنهرت فتقها* * * يرى قائم من دونها ما وراءها

أي قويت بها كفي، ثم كثر حتى جرى على معنى مالك في الحكم كالصبي المالك لما لا يقدر على تصريفه الا في الحكم أي حكمه حكم القادر على تصريف ماله، و لذلك لم يحسن اطلاق الصفة برب الا على الله تعالى، و الصفة برب أيضا تقتضي معنى المصلح و منه ربيت النعمة اذا أصلحتها باتمامها و أديم مربوب مصلح و يجوز أن يقال ان قولنا رب يقتضي معنى ولاية الأمر حتى يتم و من ثم قيل رب الولد و رب السمسم و شاة ربي و هي مثل النفساء من النساء و قيل لها ذلك لأنها تربي ولدها فالباء في التربية أصلها ياء نقلت الى حرف العلة كما قيل في الظن التظني.

(الفرق) بين الصفة ب

رب‏

و الصفة ب

قادر

أن الصفة بقادر أعم من حيث تجري على المقدور نحو قادر أن يقوم، و لا يجوز الصفة برب الا في المقدر المصرف المدبر و صفة قادر تجري في كل وجه و هو الأصل في هذا الباب، و قال بعضهم لا يقال الرب الا لله فرده بعضهم و قال قد جاء عن العرب خلاف ذلك و هو قول الحارث بن حلزة:

و هو الرب و الشهيد على يو* * * م الجبارين‏ (2) و البلاء بلاء

و القول الأول هو الصحيح لأن قوله الرب ههنا ليس باطلاق لانه خبر هو و كذلك الشهيد و الشهيد هو الرب و هما يرجعان الى هو فاذا كان الشهيد هو الرب، و قد خص الشهيد بيوم الجبارين، فينبغي أن يكون خصوصه خصوصا للرب لأنه هو، و أما قول عدي بن زيد:

____________

(1) في السكندرية: أخذت عجوة، و هو تحريف.

(2) في لسان العرب: الحيارين‏

182

و راقد الرب مغبوط بصحته‏* * * و طالب الوجه يرضي الحال مختارا

فان ذلك من خطابهم، و مثله تسميتهم الصنم إلها و مسيلمة رحمانا (1) و أراد بالوجه وجه الحق.

(الفرق) بين‏

السيد

و

المالك‏

أن السيد في المالكين كالعبد في المملوكات فكما لا يكون العبد إلا ممن‏ (2) يعقل فكذلك لا يكون السيد الا ممن يعقل، و المالك يكون كذلك و لغيره فيقال هذا سيد العبد و مالك العبد و يقال هو مالك الدار و لا يقال سيد الدار و يقال للقادر مالك فعله و لا يقال سيد فعله و الله تعالى سيد لانه مالك لجنس من يعقل.

و مما يجري مع ذلك‏

(الفرق) بين‏

الملك‏

و

الدولة

أن الملك يفيد اتساع المقدور على ما ذكرنا، و الدولة انتقال حال سارة من قوم الى قوم، و الدولة ما ينال من المال بالدولة فيتداوله القوم بينهم هذا مرة و هذا مرة، و قال بعضهم الدولة فعل المنتهبين و الدولة الشي‏ء الذي ينتهب، و مثلها غرفة لما في يدك و الغرفة فعلة من غرفت و مثل ذلك خطوة للموضع و خطوة فعلة من خطوت، و جمع الدولة دول مثل غرف، و من قال دول‏ (3) فهي لغة و الأول الأصل.

(الفرق) بين‏

الملك‏

و

السلطان‏

أن السلطان قوة اليد في القهر للجمهور الأعظم و للجماعة اليسيرة أيضا ألا ترى أنه يقال الخليفة سلطان الدنيا و ملك الدنيا و تقول لأمير البلد سلطان البلد و لا يقال له ملك البلد لأن الملك هو من اتسعت مقدرته على ما ذكرنا فالملك هو القدرة على أشياء كثيرة، و السلطان القدرة سواء كان على أشياء كثيرة أو قليلة و لهذا يقال له في داره سلطان و لا يقال له في داره ملك و لهذا يقال هو مسلط علينا

____________

(1) سيأتي الكلام على ذلك في الفرق بين الرحيم و الرحمن.

(2) في السكندرية «من جنس ما».

(3) أي بكسر الدال و فتح الواو.

183

و ان لم يملكنا، و قيل السلطان المانع المسلط على غيره من أن يتصرف عن مراده و لهذا يقال ليس لك على فلان سلطان فتمنعه من كذا.

(الفرق) بين قولك‏

الملك‏

و قولك‏

ملك‏

اليمين‏

أن ملك اليمين متى أطلق علم منه الأمة و العبد المملوكان و لا يطلق على غير ذلك لا يقال للدار و الدابة و ما كان من غير بني آدم ملك اليمين و ذلك أن ملك العبد و الأمة أخص من ملك غيرهما ألا ترى أنه يملك التصرف في الدار بالنقض و البناء و لا يملك ذلك في بني آدم و يجوز عارية الدار و غيرها من العروض و لا يجوز عارية الفروج.

(الفرق) بين‏

التمكين‏

و

التمليك‏

أن تمكين الحائز يجوز و لا يجوز تمليكه لأنه إن ملكه الحوز فقد جعل له أن يحوز و ليس كذلك التمكين لانه مكن مع الزجر و دل على أنه ليس له أن يحوز و ليس كل من مكن من الغصب قد ملكه.

(الفرق) بين‏

الولاية

و

العمالة

أن الولاية أعم من العمالة و ذلك أن كل من ولي شيئا من عمل السلطان فهو وال فالقاضي وال و الأمير وال و العامل وال و ليس القاضي عاملا و لا الأمير و إنما العامل من يلي جباية المال فقط فكل عامل وال و ليس كل وال عاملا و أصل العمالة أجرة من يلي الصدقة ثم كثر استعمالها حتى أجريت على غير ذلك.

(الفرق) بين‏

الإعانة

و

النصرة

أن النصرة لا تكون الا على المنازع المغالب و الخصم المناوئ المشاغب، و الاعانة تكون على ذلك و على غيره تقول أعانه على من غالبه و نازعه و نصره عليه و أعانه على فقره اذا أعطاه ما يعينه و أعانه على الاحمال‏ (1) و لا يقال نصره على ذلك فالاعانة عامة و النصرة خاصة.

(الفرق) بين‏

الإعانة

و

التقوية

أن التقوية من الله تعالى للعبد هي اقداره على كثرة المقدور و من العبد للعبد اعطاؤه المال و امداده بالرجال‏

____________

(1) في السكندرية «على حمل الحمل».

184

و هي أبلغ من الاعانة الا ترى أنه يقال أعانه بدرهم و لا يقال قواه بدراهم و انما يقال قواه بالأموال و الرجال على ما ذكرنا، و قال علي بن عيسى التقوية تكون على صناعة و النصرة لا تكون الا في منازعة.

(الفرق) بين‏

النصير

و

الولي‏

أن الولاية قد تكون باخلاص المودة، و النصرة تكون بالمعونة و التقوية و قد لا تمكن النصرة مع حصول الولاية فالفرق بينهما بين.

(الفرق) بين‏

السيد

و

الهمام‏

أن الهمام هو الذي يمضي همه في الامور، و لا يوصف الله تعالى به لأنه لا يوصف بالهم.

(الفرق) بين‏

الهمام‏

و

القمقام‏

أن القمقام هو السيد الذي تجتمع له أموره و لا تتفرق عليه شؤونه من قولهم تقمقم الشي‏ء اذا تجمع و قمقم عصبه جمعه و يقال للبحر قمقام لأنه مجمع المياه.

(الفرق) بين‏

الولاية

بفتح الواو و

النصرة

أن الولاية النصرة لمحبة المنصور لا للرياء و السمعة لانها تضاد العداوة، و النصرة تكون على الوجهين.

(الفرق) بين‏

الحكم‏

و

القضاء

أن القضاء يقتضي فصل الأمر على التمام من قولك قضاه اذا أتمه و قطع عمله و منه قوله تعالى‏ (ثُمَّ قَضى‏ أَجَلًا) أي فصل الحكم به‏ (وَ قَضَيْنا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ) أي فصلنا الاعلام به و قال تعالى‏ (قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ) أي فصلنا أمر موته‏ (فَقَضاهُنَ (1) سَبْعَ سَماواتٍ) في يومين أي فصل الأمر به، و الحكم يقتضي المنع عن الخصومة من قولك أحكمته اذا منعته قال الشاعر:

أ بني حنيفة أحكموا سفهاءكم‏* * * إني أخاف عليكم أن أغضبا

و يجوز أن يقال الحكم فصل الأمر على الاحكام بما يقتضيه العقل و الشرع فاذا قيل حكم بالباطل فمعناه أنه جعل الباطل موضع الحق، و يستعمل الحكم في مواضع لا يستعمل فيها القضاء كقولك حكم هذا كحكم هذا

____________

(1) في النسخ: و قضاهن، بالواو.

185

أي هما متماثلان في السبب أو العلة أو نحو ذلك و أحكام الاشياء تنقسم قسمين‏ (1) حكم يرد الى أصل و حكم لا يرد الى أصل لانه أول في بابه.

(الفرق) بين‏

الحاكم‏

و

الحكم‏

أن الحكم يقتضي أنه أهل أن يتحاكم اليه، و الحاكم الذي من شأنه أن يحكم. فالصفة بالحكم أمدح و ذلك أن صفة حاكم جار على الفعل فقد يحكم الحاكم بغير الصواب فاما من يستحق الصفة بحكم فلا يحكم الا بالصواب لأنه صفة تعظيم و مدح.

(الفرق) بين‏

القضاء

و

القدر

أن القدر هو وجود الافعال على مقدار الحاجة اليها و الكفاية لما فعلت من أجله و يجوز أن يكون القدر هو الوجه الذي أردت ايقاع المراد عليه، و المقدر الموجد له على ذلك الوجه، و قيل أصل القدر هو وجود الفعل على مقدار ما أراده الفاعل، و حقيقة ذلك في أفعال الله تعالى وجودها على مقدار المصلحة، و القضاء هو فصل الأمر على التمام.

(الفرق) بين‏

القدر

و

التقدير

أن التقدير يستعمل في أفعال الله تعالى و أفعال العباد، و لا يستعمل القدر الا في أفعال الله عز و جل‏ (2) و قد يكون التقدير حسنا و قبيحا كتقدير المنجم موت زيد و افقاره و استغناءه، و لا يكون القدر الا حسنا.

(الفرق) بين قولك‏

قضى‏

اليه و

قضى‏

به‏

أن قولك قضى اليه أي أعلمه و قوله تعالى‏ (وَ قَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ) أي أعلمناه ثم فسر الأمر الذي ذكره فقال‏ (أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) فكأنه قال و قضينا اليه ان دابر هؤلاء مقطوع، و معنى قولنا قضى به أنه فصل الأمر به على التمام.

(الفرق) بين‏

التقدير

و

التدبير

أن التدبير هو تقويم الأمر على ما بكون فيه صلاح عاقبته، و أصله من الدبر و أدبار الأمور عواقبها و آخر كل شي‏ء دبره و فلان يتدبر أمره أي ينظر في اعقابه ليصلحه على ما يصلحها،

____________

(1) في نسخة «الى قسمين».

(2) في السكندرية «جل اسمه».

186

و التقدير تقويم الأمر على مقدار يقع معه الصلاح و لا يتضمن معنى العاقبة.

(الفرق) بين قولك‏

قدر

له كذا و

منى‏

له كذا

أن المنى لا يكون الا تقدير المكروه يقال منى له الشر و لا يقال منى له الخير و من ثم سميت المنية منية و يقال أعلمت ما منيت‏ (1) به من فلان، و التقدير يكون في الخير و الشر.

(الفرق) بين‏

السياسة

و

التدبير

أن السياسة في التدبير المستمر و لا يقال للتدبير الواحد سياسة فكل سياسة تدبير و ليس كل تدبير سياسة، و السياسة أيضا في الدقيق من أمور المسوس على ما ذكرنا قبل فلا يوصف الله تعالى بها لذلك.

____________

(1) في السكندرية «منينا».

187

الباب الرابع عشر في الفرق بين الانعام و الاحسان و بين النعمة و الرحمة و الرأفة و النفع و الخير و بين الحلم و الصبر و الوقار و التؤده و ما بسبيل ذلك‏

(الفرق) بين‏

الإنعام‏

و

الإحسان‏

أن الانعام لا يكون الا من المنعم على غيره لانه متضمن بالشكر الذي يجب وجوب الدين، و يجوز احسان الانسان الى نفسه تقول لمن يتعلم العلم انه يحسن‏ (1) الى نفسه و لا تقول منعم على نفسه، و الاحسان متضمن بالحمد و يجوز حمد الحامد لنفسه، و النعمة متضمنة بالشكر و لا يجوز شكر الشاكر لنفسه لأنه يجري مجرى الدين و لا يجوز أن يؤدي الانسان الدين الى نفسه، و الحمد يقتضي تبقية الاحسان اذا كان للغير، و الشكر يقتضي تبقية النعمة، و يكون من الاحسان ما هو ضرر مثل تعذيب الله تعالى أهل النار، و كل من جاء بفعل حسن فقد أحسن ألا ترى أن من أقام حدا فقد أحسن و ان أنزل بالمحدود ضررا ثم استعمل في النفع و الخير خاصة فيقال أحسن الى فلان اذا نفعه و لا يقال أحسن اليه اذا حده و يقولون للنفع كله احسانا و لا يقولون للضرر كله اساءة فلو كان معنى الاحسان هو النفع على الحقيقة لكان معنى الاساءة الضرر على الحقيقة لأنه ضده، و الأب يحسن الى ولده‏

____________

(1) في السكندرية «محسن».

188

بسقيه الدواء المر و بالفصد و الحجامة و لا يقال ينعم عليه بذلك و يقال أحسن اذا أتى بفعل حسن و لا يقال أقبح اذا أتى بفعل قبيح اكتفوا بقولهم أساء، و قد يكون أيضا من النعمة ما هو ضرر مثل التكليف نسميه نعمة لما يؤدي اليه من اللذة و السرور.

(الفرق) بين‏

الإحسان‏

و

النفع‏

أن النفع قد يكون من غير قصد و الاحسان لا يكون الا مع القصد تقول ينفعني العدو بما فعله بي اذا أراد بك ضرا فوقع نفعا و لا يقال أحسن الي في ذلك.

(الفرق) بين‏

الإحسان‏

و

الإجمال‏

أن الاجمال هو الاحسان الظاهر من قولك رجل جميل كأنما يجري فيه السمن و أصل الجميل الودك‏ (1) و اجتمل الرجل اذا طبخ العظام ليخرج و دكها، و يقال أحسن اليه فيعدى بإلى، و أجمل في أمره لانه فعل الجميل في أمره، و يقال أنعم عليه لأنه دخله معنى علو نعمة عليه فهي غامرة له، و لذلك يقال هو غريق في النعمة و لا يقال غريق في الاحسان و الاجمال و يقال أجمل الحساب فيعدي ذلك بنفسه لأنه مضمن بمفعول ينبئ عنه من غير وسيلة، و قد يكون الاحسان مثل الاجمال في استحقاق الحمد به و كما يجوز أن يحسن الانسان الى نفسه يجوز أن يجمل في فعله لنفسه.

(الفرق) بين‏

الفضل‏

و

الإحسان‏

أن الاحسان قد يكون واجبا و غير واجب، و الفضل لا يكون واجبا على أحد و انما هو ما يتفضل به من غير سبب يوجبه.

(الفرق) بين‏

الطول‏

و

الفضل‏

أن الطول هو ما يستطيل به الانسان على من يقصده به و لا يكون الا من المتبوع الى التابع و لا يقال لفضل التابع على المتبوع طول، و يقال طال عليه و تطول وطل عليه اذا سأله ذلك قال الشاعر:

____________

(1) أي الدسم.

189

* أقر لكي يزداد طولك طولا*

و قال الله تعالى‏ (أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ) أي من معه فضل يستطل به على عشيرته.

(الفرق) بين‏

الآلاء

و

النعم‏

أن الألى واحد الآلاء و هي النعمة التي تتلو غيرها من قولك وليه يليه اذا قرب منه و أصله ولى، و قيل واحد الآلاء ألى، و قال بعضهم الألى مقلوب من ألى الشي‏ء اذا عظم على قال فهو اسم للنعمة العظيمة.

(الفرق) بين‏

الإفضال‏

و

التفضل‏

أن الافضال من الله تعالى نفع تدعو اليه الحكمة و هو تعالى يفضل لا محالة لأن الحكيم لا يخالف ما تدعو اليه الحكمة و هو كالانعام في وجوب الشكر عليه، و أصله الزيادة في الاحسان، و التفضل التخصص بالنفع الذي يوليه القادر عليه و له أن لا يوليه و الله تعالى متفضل بكل نفع يعطيه اياه من ثواب و غيره فان قلت الثواب واجب من جهة انه جزاء على الطاعة فكيف يجوز أن لا يفعله قلنا لا يفعله بان لا يفعل سببه المؤدي اليه.

(الفرق) بين‏

المتفضل‏

و

الفاضل‏

أن الفاضل هو الزائد على غيره في خصلة من خصال الخير و الفضل الزيادة يقال فضل الشي‏ء في نفسه اذا زاد و فضله غيره اذا زاد عليه و فضله بالتشديد اذا أخبر بزيادته على غيره و لا يوصف الله تعالى بأنه فاضل لأنه لا يوصف بالزيادة و النقصان.

(الفرق) بين‏

النعمة

و

الرحمة

أن الرحمة الانعام على المحتاج اليه و ليس كذلك النعمة لأنك اذا أنعمت بمال تعطيه اياه فقد أنعمت عليه و لا تقول انك رحمته.

(الفرق) بين‏

الرحمن‏

و

الرحيم‏

أن الرحمن على ما قال ابن عباس‏

(1)

أرق من الرحيم‏

يريد أنه أبلغ في المعنى لأن الرقة و الغلظة لا يوصف الله تعالى بهما و الرحمة من الله تعالى على عباده و نعمته عليهم في باب الدين‏

____________

(1) «ابن عباس» غير موجودة في السكندرية.

190

و الدنيا، و أجمع المسلمون أن الغيث رحمة من الله تعالى، و قيل معنى قوله رحيم أن من شأنه الرحمة و هو على تقدير يديم، و الرحمن في تقدير بزمان و هو اسم خص به الباري جل و عز، و مثله في التخصيص قولنا لهذا النجم سماك و هو مأخوذ من السمك الذي هو الارتفاع و ليس كل مرتفع سماكا و قولنا للنجم الآخر دبران لأنه يدبر الثريا، و ليس كل ما دبر شيئا يسمى دبرانا فأما قولهم لمسيلمة رحمان اليمامة فشي‏ء وضعه له أصحابه على وجه الخطأ كما وضع غيرهم اسم الالهية لغير الله و عندنا أن الرحيم مبالغة لعدوله و أن الرحمن أشد مبالغة لأنه أشد عدولا و اذا كان العدول على المبالغة كلما كان أشد عدولا كان أشد مبالغة.

(الفرق) بين‏

الرحمة

و

الرقة

أن الرقة و الغلظة يكونان في القلب و غيره خلقة و الرحمة فعل الراحم و الناس يقولون رق عليه فرحمه يجعلون‏ (1) الرقة سبب الرحمة.

(الفرق) بين‏

الشفيق‏

و

الرفيق‏

أنه قد يرق الانسان لمن لا يشفق عليه كالذي يئد الموءودة فيرق لها لا محالة لأن طبع الانسانية يوجب ذلك و لا يشفق عليها لأنه لو أشفق عليها ما و أدها.

(الفرق) بين‏

الرأفة

و

الرحمة

أن الرأفة أبلغ من الرحمة و لهذا قال أبو عبيدة إن في قوله تعالى‏ (رَؤُفٌ رَحِيمٌ)* تقديما و تأخيرا أراد أن التوكيد يكون في الأبلغ في المعنى فاذا تقدم الأبلغ في اللفظ كان المعنى مؤخرا.

(الفرق) بين‏

المنفعة

و

الخير

أن من المعصية ما يكون منفعة و قد شهد الله تعالى بذلك في قوله‏ (قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ) و ما كانت فيه منفعة فهو منفعة و لا تكون المعصية خيرا و قد أجريت الصفة بنافع على الموجب للنفع فقيل طعام نافع و دواء نافع.

(الفرق) بين‏

المنفعة

و

النعمة

أن المنفعة تكون حسنة و قبيحة كما أن المضرة تكون حسنة و قبيحة و المنفعة القبيحة منفعتك الرجل تنفعه ليسكن‏

____________

(1) في السكندرية «فيجعلون».

191

اليك فتغتاله، و النعمة لا تكون الا حسنة، و يفرق بينهما أيضا فتقول الانسان يجوز أن ينفع نفسه و لا يجوز أن ينعم عليها.

(الفرق) بين‏

المتاع‏

و

المنفعة

أن المتاع النفع الذي تتعجل به اللذة و ذلك إما لوجود اللذة و اما بما يكون معه اللذة نحو المال الجليل و الملك النفيس و قد يكون النفع بما تتأجل به اللذة نحو اصلاح الطعام و تبريد الماء لوقت الحاجة الى ذلك.

(الفرق) بين‏

الإنعام‏

و

التمتع‏

أن الانعام يوجب الشكر، و التمتع كالذي يمتع الانسان بالطعام و الشراب ليستنيم اليه فيتمكن من اغتصاب ماله و الاتيان على نفسه.

(الفرق) بين‏

الخير

و

النعمة

ان الانسان يجوز أن يفعل بنفسه الخير كما يجوز أن ينفعها و لا يجوز أن ينعم عليها فالخير و النفع من هذا الوجه متساويان، و النفع هو ايجاب اللذة بفعلها أو السبب اليها و نقيضه الضر و هو ايجاب الالم بفعله أو التسبب اليه.

(الفرق) بين‏

النعمة

و

النعماء

أن النعماء هي النعمة الظاهرة و ذلك أنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة مثل الحمراء و البيضاء، و النعمة قد تكون خافية فلا تسمى نعماء.

(الفرق) بين‏

اللذة

و

النعمة

أن اللذة لا تكون الا مشتهاة و يجوز أن تكون نعمة لا تشتهى كالتكليف و انما صار التكليف نعمة لأنه يعود عليها بمنافع و ملاذ، و انما سمي ذلك نعمة لأنه سبب للنعمة كما يسمى الشي‏ء باسم سببه.

(الفرق) بين‏

النعمة

و

المنة

أن المنة هي النعمة المقطوعة من جوانبها كأنها قطعة منها، و لهذا جاءت على مثال قطعة، و أصل الكلمة القطع و منه قوله تعالى‏ (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)* أي غير مقطوع، و سمي الدهر منونا لأنه يقطع بين الالف، و سمي الاعتداد بالنعمة منّا لأنه يقطع الشكر عليها.

(الفرق) بين‏

الإحسان‏

و

الإفضال‏

أن الاحسان النفع الحسن،

192

و الافضال النفع الزائد على أقل المقدار و قد خص الاحسان‏ (1) بالفضل و لم يجب مثل ذلك في الزيادة لأنه جرى مجرى الصفة الغالبة كما اختص النجم بالسماك و لا يجب مثل ذلك في كل مرتفع.

(الفرق) بين‏

البر

و

القربان‏

أن القربان البر الذي يتقرب به الى الله و أصله المصدر مثل الكفران و الشكران.

الفرق بين ما يخالف‏

النفع‏

و

الإحسان‏

من‏

الضر

و

السوء

و غير ذلك مما يجري معه‏

(الفرق) بين‏

الضَّرِّ

و

الضُّرِّ

أن الضر خلاف النفع و يكون حسنا و قبيحا فالقبيح الظلم و ما بسبيله و الحسن شرب الدواء المر رجاء العافية.

و الضر بالضم الهزال و سوء الحال و رجل مضرور سي‏ء الحال، و من وجه آخر أن الضر أبلغ من الضرر لأن الضرر يجري على ضرت ضرا فيقع على أقل قليل الفعل لأنه مصدر جار على فعله كالصفة الجارية على الفعل، و الضر بالضم كالصفة المعدولة للمبالغة.

(الفرق) بين‏

الضر

و

الضراء

أن الضراء هي المضرة الظاهرة و ذلك أنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة مثل الحمراء و البيضاء على ما ذكرنا.

(الفرق) بين‏

الضراء

و

البأساء

أن البأساء ضراء معها خوف و أصلها البأس و هو الخوف يقال لا بأس عليك أي لا خوف عليك و سميت الحرب بأسا لما فيها من الخوف و البائس الرجل اذا لحقه بأس و اذا لحقه بؤس أيضا و قال تعالى‏ (فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ) أي لا يلحقك بؤس و يجوز أن يكون من البأس أي لا يلحقك خوف بما فعلوا و جاء البأس بمعنى الاثم في قولهم لا بأس بكذا (2) أي لا إثم فيه و يقال أيضا لا بأس فيه أي هو جائز شائع.

(الفرق) بين‏

الضر

و

السوء

أن الضر يكون من حيث لا يعلم المقصود

____________

(1) في السكندرية «الانسان».

(2) في السكندرية: في كذا.

193

به و السوء لا يكون الا من حيث يعلم و معلوم أنه يقال ضررت فلانا من حيث لا يعلم و لا يقال سؤته الا اذا جاهرته بالمكروه.

(الفرق) بين‏

المضرة

و

الإساءة

أن الاساءة قبيحة و قد تكون مضرة حسنة اذا قصد بها وجه يحسن نحو المضرة بالضرب للتأديب و بالكد للتعلم و التعليم.

(الفرق) بين‏

السُوء

و

السَوء

أن السوء مصدر أضيف المنعوت اليه تقول هو رجل سوء و رجل السوء بالفتح و ليس هو من قولك سؤته و في المثل لا يعجز مسك السوء عن عرق السوء، أي لا يعجز الجلد الردي‏ء عن الريح الرديئة، و السوء بالضم المكروه يقال ساءه يسوؤه اذا لقي منه مكروها، و أصل الكلمتين الكراهة الا أن استعمالها يكون على ما وصفنا.

(الفرق) بين‏

الإساءة

و

السوء

أن الاساءة اسم للظلم يقال أساء اليه اذا ظلمه و السوء اسم الضرر و الغم يقال ساءه يسوؤه اذا ضره و غمه و إن لم يكن ذلك ظلما.

(الفرق) بين‏

الضر

و

الشر

، أن السقم و عذاب‏ (1) جهنم ضر في الحقيقة و شر مجازا، و شرب الدواء المر رجاء العافية ضرر يدخله الانسان على نفسه و ليس بشر، و الشاهد على أن السقم و عذاب جهنم لا يسمى شرا على الحقيقة أن فاعله لا يسمى شريرا كما يسمى فاعل الضر ضارا، و قال أبو بكر بن الاخشاد (رحمه الله تعالى) السقم و عذاب جهنم شر على الحقيقة و إن لم يسم فاعلهما شريرا لأن الشرير هو المنهمك في الشر القبيح و ليس كل شر قبيحا و لا كل من فعل الشر شريرا كما أنه ليس كل من شرب الشراب شريبا، و إنما الشريب المنهمك في الشرب المحظور، و الشر عنده ضربان حسن و قبيح فالحسن السقم و عذاب جهنم و القبيح الظلم و ما

____________

(1) في السكندرية (و عقاب).

194

يجري مجراه، قال: و يجوز أن يقال للشي‏ء الواحد إنه خير و شر اذا أردت بأحد القولين إخبارا عن عاقبته و انما يكونان نقيضين اذا كانا من وجه واحد.

(الفرق) بين‏

الصبر

و

الحلم‏

أن الحلم هو الامهال بتأخير العقاب المستحق، و الحلم من الله تعالى عن العصاة في الدنيا فعل ينافي تعجيل العقوبة من النعمة و العافية، و لا يجوز الحلم اذا كان فيه فساد على أحد من المكلفين و ليس هو الترك لتعجيل العقاب لأن الترك لا يجوز على الله تعالى لأنه فعل يقع في محل القدرة يضاد المتروك و لا يصح الحلم الا ممن يقدر على العقوبة و ما يجري مجراها من التأديب بالضرب و هو ممن لا يقدر على ذلك و لهذا قال الشاعر:

* لا صفح ذل و لكن‏ (1) صفح أحلام‏* * * و لا يقال لتارك الظلم حليم

انما

يقال لتارك الظلم حليم انما يقال حلم عنه اذا أخر عقابه أو عفا عنه و لو عاقبه كان عادلا، و قال بعضهم ضد الحلم السفه، و هو جيد لأن السفه خفة و عجلة و في الحلم أناة و إمهال، و قال المفضل السفه في الاصل قلة المعرفة بوضع الأمور مواضعها و هو ضعف الرأي، قال أبو هلال و هذا يوجب أنه ضد الحلم لأن الحلم من الحكمة و الحكمة وجود الفعل على جهة الصواب، قال المفضل ثم أجرى السفه على كل جهل و خفة يقال سفه رأيه سفها، و قال الفراء سفه غير متعد و انما ينصب رأيه على التفسير، و فيه لغة أخرى سفه يسفه سفاهة، و قيل السفيه في قوله تعالى‏ (فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً) هو الصغير و هذا يرجع الى أنه القليل المعرفة، و الدليل على أن الحلم أجرى مجرى الحكمة نقيضا للسفه قول المتلمس:

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا* * * و ما علم الانسان إلا ليعلما

أي لذي المعرفة و التمييز، و أصل السفه الخفة ثوب سفيه أي خفيف، و أصل الحلم في العربية اللين و رجل حليم أي لين في معاملته في الجزاء

____________

(1) في النسخ «و لا».

195

على السيئة بالاناة، و حلم في النوم لأن حال النوم حال سكون و هدوء و احتلم الغلام و هو محتلم و حالم يرجع الى قولهم حلم في النوم، و حلمة الثدي الناتئ في طرفه لما يخرج منها من اللبن الذي يحلم الصبي و حلم الأديم ثقل بالحلم و هو قردان عظيمة لينة الملمس و تحلم الرجل تكلف الحلم. و الصبر حبس النفس لمصادفة المكروه، و صبر الرجل حبس نفسه عن إظهار الجزع و الجزع اظهار ما يلحق المصاب من المضض‏ (1) و الغم و

في الحديث‏

(يصبر الصابر و يقتل القاتل)

و الصابر ههنا هو الذي يصبر النفس عن القتل، و لا تجوز الصفة على الله تعالى بالصبر لأن المضار لا تلحقه و تجوز الصفة عليه بالحلم لأنه صفة مدح و تعظيم و اذا قال قائل اللهم حلمك عن العصاة أي امهالك فدلك جائز على شرائط الحكمة من غير أن يكون فيه مفسدة و امهال الله تعالى اياهم مظاهرة عليهم.

(الفرق) بين‏

الصبر

و

الاحتمال‏

أن الاحتمال للشي‏ء يفيد كظم الغيظ فيه، و الصبر على الشدة يفيد حبس النفس عن المقابلة عليه بالقول و الفعل، و الصبر عن الشي‏ء يفيد حبس النفس عن فعله و صبرت على خطوب الدهر أي حبست النفس عن الجزع عندها و لا يستعمل الاحتمال في ذلك لأنك لا تغتاظ منه.

(الفرق) بين‏

الحلم‏

و

الإمهال‏

أن كل حلم امهال و ليس كل امهال حلما لأن الله تعالى لو أمهل من أخذه لم يكن هذا الامهال حلما لأن الحلم صفة مدح و الامهال على هذا الوجه مذموم و اذا كان الأخذ و الامهال سواءا في الاستصلاح فالامهال تفضل و الانتقام عدل و على هذا يجب أن يكون ضد الحلم السفه اذا كان الحلم واجبا لأن ضده استفساد فلو فعله لم يكن ظلما الا أنه لم يكن حكمة ألا ترى أنه قد يكون الشي‏ء سفها و إن لم يكن ضده حلما و هذا نحو صرف الثواب عن المستحق الى غيره لأن ذلك يكون ظلما من حيث حرمة من استحقه و يكون سفها من حيث وضع‏

____________

(1) في السكندرية «المضرة».

196

في غير موضعه و لو أعطى مثل ثواب المطيعين من لم يطع لم يكن ذلك ظلما لأحد ولكن كان سفها لأنه وضع الشي‏ء في غير موضعه، و ليس يجب أن تكون اثابة المستحقين حلما و إن كان خلاف ذلك سفها فثبت بذلك أن الحلم يقتضي بعض الحكمة و ان السفه يضاد ما كان من الحلم واجبا لا ما كان منه تفضلا و أن السفه نقيض الحكمة في كل وجه، و قولنا الله حليم من صفات الفعل و يكون من صفات الذات بمعنى أهل لأن يحلم إذا عصي، و يفرق بين الحلم و الامهال من وجه آخر و هو أن الحلم لا يكون الا عن المستحق للانتقام و ليس كذلك الامهال ألا ترى أنك تمهل غريمك الى مدة و لا يكون ذلك منك حلما، و قال بعضهم لا يجوز أن يمهل أحد غيره في وقت الا ليأخذه في وقت آخر.

(الفرق) بين‏

الإمهال‏

و

الإنظار

أن الانظار مقرون بمقدار ما يقع فيه النظر، و الامهال مبهم، و قيل الانظار تأخير العبد لينظر في أمره و الامهال تأخيره ليسهل ما يتكلفه من عمله.

(الفرق) بين‏

الحلم‏

و

الوقار

أن الوقار هو الهدوء و سكون الأطراف و قلة الحركة في المجلس، و يقع أيضا على مفارقة الطيش عند الغضب، مأخوذ من الوقر و هو الحمل. و لا تجوز الصفة به على الله سبحانه و تعالى.

(الفرق) بين‏

الوقار

و

السكينة

أن السكينة مفارقة الاضطراب عند الغضب و الخوف و أكثر ما جاء في الخوف ألا ترى قوله تعالى‏ (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ) و قال‏ (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) و يضاف الى القلب كما قال تعالى‏ (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ) فيكون هيبة و غير هيبة، و الوقار لا يكون الا هيبة.

(الفرق) بين‏ (1) ذلك و بين‏

الرزانة

أن الرزانة تستعمل في الانسان و غيره فهي أعم يقال رجل رزين أي ثقيل و لا يقال حجر وقور.

____________

(1) في السكندرية «الفرق بينهما».

197

(الفرق) بين‏

الرجاح‏

و

الرزانة

أن الرجاح أصله الميل و منه رجحت كفة الميزان اذا مالت لثقل ما فيها و منه زن و أرجح، يوصف الرجل بالرجاح على وجه التشبيه كأنه وزن مع غيره فصار أثقل منه و ليس هو صفة تختص الانسان على الحقيقة ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال للانسان ترجح أي كن راجحا ولكن يقال له ترجح أي تمايل، و يجوز أن يقال له ترزن أي كن رزينا و هي أيضا تستعمل في التثبيت و السكون، و الرجاح في زيادة الفضل فالفرق بينهما بين.

(الفرق) بين‏

الوقار

و

التوقير

، أن التوقير يستعمل في معنى التعظيم يقال وقرته اذا عظمته و قد أقيم الوقار موضع التوقير في قوله تعالى‏ (ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً) أي تعظيما و قال تعالى‏ (وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ) و قال أبو أحمد ابن أبي سلمة (رحمه الله): الله جل اسمه لا يوصف بالوقار و يوصف العباد بأنهم يوقرونه أي يعظمونه و لا يقال انه وقور بمعنى عظيم كما يقال انه يوقر بمعنى يعظم لأن الصفة بالوقور ترجع اليه اذا وصف بها، قال أبو هلال و هي غير لائقة به لأن الوقار مما تتغير به الهيبة، قال أبو أحمد و الصفة بالتوفير ترجع الى من توقره، قال أبو هلال أيده الله تعالى عندنا أنه يوصف بالتوفير ان وصف به على معنى التعظيم لا لغير ذلك.

(الفرق) بين‏

الوقار

و

السمت‏

أن السمت هو حسن السكوت و قالوا هو كالصمت فأبدل الصاد سينا كما يقال خطيب مسقع و مصقع، و يجوز أن يكون السمت حسن الطريقة و استواؤها من قولك هو على سمت البلد، و ليس السمت من الوقار في شي‏ء.

(الفرق) بين‏

الحلم‏

و

الأناة

أن الاناة هي البطء في الحركة و في مقاربة الخطو في المشي و لهذا يقال للمرأة البدينة أناة قال الشاعر:

رمته أناة من ربيعة عامر* * * نؤم الضحى في مأتم أي مأثم‏

و يكون المراد بها في صفات الرجال المتمهل في تدبير الأمور و مفارقة

198

التعجل‏ (1) فيها كأنه يقاربها مقاربة لطيفة من قولك أنى الشي‏ء اذا قرب و تأنى أي تمهل ليأخذ الأمر من قرب، و قال بعضهم الاناة السكون عند الحالة المزعجة.

(و الفرق) بينها و بين‏

التؤدة

أن التؤدة مفارقة الخفة في الأمور و أصلها من قولك و أده يئده اذا أثقله بالتراب، و منه الموؤودة و أصل التاء فيها واو و مثلها التخمة و أصلها من الوخامة و التهمة و أصلها من وهمت و الترة و أصله من ترت فالتؤدة تفيد من هذا خلاف ما تفيد الاناة و ذلك أن الاناة تفيد مقاربة الأمر و التسبب اليه بسهولة و التؤدة تفيد مفارقة الخفة و لو لا أنا رجعنا الى الاشتقاق لم نجد بينهما فرقا و يجوز أن يقال ان الاناة هي المبالغة في الرفق بالأمور و التسبب اليها من قولك آن الشي‏ء اذا انتهى و منه‏ (حَمِيمٍ آنٍ) و قوله‏ (غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ) أي نهايته من النضج.

و مما يخالف ذلك‏

(الفرق) بين‏

الطيش‏

و

السفه‏

أن السفه نقيض الحكمة على ما وصفنا و يستعار في الكلام القبيح فيقال سفه عليه اذا أسمعه القبيح و يقال للجاهل سفيه، و الطيش خفة معها خطأ في الفعل و هو من قولك طاش السهم اذا خف فمضى فوق الهدف فشبه به الخفيف المفارق لصواب الفعل.

(الفرق) بين‏

السرعة

و

العجلة

أن السرعة التقدم فيما ينبغي أن يتقدم فيه و هي محمودة و نقيضها مذموم و هو الابطاء، و العجلة التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه و هي مذمومة، و نقيضها محمود و هو الاناة، فأما قوله تعالى‏ (وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى‏) فان ذلك بمعنى أسرعت.

____________

(1) في السكندرية «العجلة».

199

الباب الخامس عشر في الفرق بين الحفظ و الرعاية و الحراسة و ما يجري مع ذلك و في الفرق بين الضمان و الوكالة و الزعامة و ما يقرب من ذلك‏

(الفرق) بين‏

الحفظ

و

الرعاية

أن نقيض الحفظ الاضاعة و نقيض الرعاية الاهمال و لهذا يقال للماشية اذا لم يكن لها راع همل و الاهمال هو ما يؤدي الى الضياع، فعلى هذا يكون الحفظ صرف المكاره عن الشي‏ء لئلا يهلك، و الرعاية فعل السبب الذي يصرف المكاره عنه و من ثم يقال فلان يرعى العهود بينه و بين فلان أي يحفظ الأسباب التي تبقى معها (1) تلك العهود و منه راعي المواشي لتفقده أمورها و نفي الاسباب التي يخشى عليها الضياع منها. فأما قولهم للساهر أنه يرعى النجوم فهو تشبيه براعي المواشي لأنه يراقبها كما يراقب الراعي مواشيه.

(الفرق) بين‏

الحفظ

و

الكلاءة

أن الكلاءة هي إمالة الشي‏ء الى جانب يسلم فيه من الآفة و من ثم يقال كلأت السفينة اذا قربتها من الارض و الكلأ مرفأ السفينة فالحفظ أعم لأنه جنس الفعل فان استعملت‏ (2) احدى الكلمتين في مكان الاخرى فلتقارب معنييهما.

(الفرق) بين‏

الحفظ

و

الحراسة

أن الحراسة حفظ مستمر، و لهذا

____________

(1) في السكندرية «الذي يبقى معه».

(2) في النسخ «استعمل».

200

سمي الحارس حارسا لأنه يحرس في الليل أو لأن ذلك صناعته فهو يديم فعله، و اشتقاقه من الحرس و هو الدهر و الحراسة هو أن يصرف الآفات عن الشي‏ء قبل أن تصيبه صرفا مستمرا فاذا أصابته فصرفها عنه سمي تخليصا و هو مصدر و الاسم الخلاص و يقال حرس الله عليك النعمة أي صرف الآفة عنها صرفا مستمرا و الحفظ لا يتضمن معنى الاستمرار و قد حفظ الشي‏ء و هو حافظ و الحفيظ مبالغة و قالوا الحفيظ في أسماء الله بمعنى العليم و الشهيد فتأويله الذي لا يعزب عنه الشي‏ء، و أصله أن الحافظ للشي‏ء عالم به في اكثر الاحوال اذا كان من خفيت عليه أحواله لا يأتي له حفظ، قال أبو هلال أيده الله تعالى و الحفيظ بمعنى عليم توسع ألا ترى أنه لا يقال ان الله حافظ لقولنا و قدامنا على معنى قولنا فلان يحفظ القرآن و لو كان حقيقة لجرى في باب العلم كله.

(الفرق) بين‏

الحفيظ

و

الرقيب‏

أن الرقيب هو الذي يرقبك لئلا يخفى عليه فعلك و أنت تقول لصاحبك اذا فتش عن أمورك أرقيب علي أنت و تقول راقب الله أي اعلم أنه يراك فلا يخفى عليه فعلك، و الحفيظ لا يتضمن معنى التفتيش‏ (1) عن الامور و البحث عنها.

(الفرق) بين‏

المهيمن‏

و

الرقيب‏

أن الرقيب هو الذي يرقبك مفتشا عن أمورك على ما ذكرنا و هو من صفات الله تعالى بمعنى الحفيظ و بمعنى العالم لأن الصفة بالتفتيش لا تجوز عليه تعالى. و المهيمن هو القائم على الشي‏ء بالتدبير و منه قول الشاعر:

ألا ان خير الناس بعد نبيهم‏* * * مهيمنه التأليه في العرف و النكر

يريد القائم على الناس بعده، و قال الاصمعي‏ (وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ) أي قفانا و القفان فارسي معرب، و

قال عمر رضي الله عنه‏

: اني لأستعين بالرجل فيه عيب ثم أكون على قفانه‏

أي على تحفظ أخباره و القفان بمعنى المشرف.

(الفرق) بين‏

الوكيل‏

في صفات الله تعالى و بينه‏ (2) في صفات العباد

____________

(1) في نسخة «التنقير».

(2) في السكندرية «و بين الوكيل».

201

أن الوكيل في صفات الله بمعنى المتولي القائم بتدبير خلقه لأنه مالك لهم رحيم بهم و في صفات غيره انما يعقد بالتوكيل.

(الفرق) بين‏

الحفظ

و

الحماية

أن الحماية تكون لما لا يمكن احرازه و حصره مثل الارض و البلد تقول هو يحمي البلد و الارض و اليه حماية البلد، و الحفظ يكون لما يحرز و يحصر و تقول هو يحفظ دراهمه و متاعه و لا تقول يحمي دراهمه و متاعه و لا يحفظ الارض و البلد الا ان يقول ذلك عامي لا يعرف الكلام.

(الفرق) بين‏

الحفظ

و

الضبط

أن ضبط الشي‏ء شدة الحفظ له لئلا يفلت منه شي‏ء، و لهذا لا يستعمل في الله تعالى لأنه‏ (1) لا يخاف الافلات، و يستعار في الحساب فيقال فلان يضبط الحساب اذا كان يتحفظ فيه من الغلط.

(الفرق) بين‏

الكفالة

و

الضمان‏

أن الكفالة تكون بالنفس و الضمان يكون بالمال، ألا ترى أنك تقول كفلت زيدا و تريد اذا التزمت‏ (2) تسليمه، و ضمنت الأرض اذا التزمت اداء الأجر عنها و لا يقال كفلت بالأرض لأن عينها لا تغيب فيحتاج الى احضارها فالضمان التزام شي‏ء عن المضمون و الكفالة التزام نفس المكفول به و منه كفلت الغلام اذا ضممته اليك لتعوله و لا نقول ضمنته لأنك اذا طولبت به لزمك تسليمه و لا يلزمك تسليم شي‏ء عنه، و في القرآن‏ (وَ كَفَّلَها زَكَرِيَّا) و لم يقل ضمنها، و من الدليل على أن الضمان يكون للمال و الكفالة للنفس أن الانسان يجوز أن يضمن عمن لا يعرفه، و لا يجوز أن يكفل من لا يعرفه لأنه اذا لم يعرفه لم يتمكن من تسليمه و يصح أن يؤدي عنه و ان لم يعرفه.

(الفرق) بين‏

الضمين‏

و

الحميل‏

أن الحمالة ضمان الدية خاصة تقول حملت حمالة و أنا حميل و قال بعض العرب حملت دماء عولت فيها على‏

____________

(1) في النسخ «بأنه».

(2) في نسخة «كفلت».

202

مالي و آمالي فقدمت مالي و كنت من أكبر آمالي فان حملتها فكم من غم شفيت و هم كفيت و ان حال دون ذلك حائل لم أذم يومك و لم أيأس من غدك. و الضمان يكون في ذلك و في غيره.

(الفرق) بين‏

الرئيس‏

و

الزعيم‏

أن الزعامة تفيد القوة على الشي‏ء و منه قوله تعالى‏ (وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ) أي أنا قادر على أداء ذلك يعني أن يوسف‏ (1) زعيم به لأن المنادي بهذا الكلام كان يؤدي عن يوسف (عليه السلام) و انما قال أنا قادر على أداء ذلك لأنهم كانوا في زمن قحط لا يقدر فيه على الطعام و من ثم قيل للرياسة الزعامة و زعيم القوم رئيسهم لأنه أقواهم و أقدرهم على ما يريده فان سمي الكفيل زعيما فعلى جهة المجاز و الأصل ما قلناه و الزعامة اسم للسلاح كله و سمي بذلك لأنه يتقوى به على العدو و اللّه أعلم.

____________

(1) (يوسف) من زيادات السكندرية.

203

الباب السادس عشر في الفرق بين الهداية و الصلاح و السداد و ما يخالف ذلك من الغي و الفساد و ما يقرب منه‏

(الفرق) بين‏

الهداية

و

الإرشاد

أن الارشاد الى الشي‏ء هو التطريق اليه و التبيين له. و الهداية هي التمكن من الوصول اليه و قد جاءت الهداية للمهتدي في قوله تعالى‏ (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) فذكر انهم دعوا بالهداية و هم مهتدون لا محالة و لم يجي‏ء مثل ذلك في الارشاد و يقال أيضا هداه الى المكروه كما قال الله تعالى‏ (فَاهْدُوهُمْ إِلى‏ صِراطِ الْجَحِيمِ) و قال تعالى‏ (إِنَّكَ لَعَلى‏ هُدىً مُسْتَقِيمٍ) و الهدي الدلالة فاذا كان مستقيما فهو دلالة الى الصواب و الايمان هدي لأنه دلالة الى الجنة و قد يقال الطريق هدي و لا يقال أرشده الا الى المحبوب و الراشد هو القابل للارشاد و الرشيد مبالغة من ذلك، و يجوز أن يقال الرشيد الذي صلح بما في نفسه مما يبعث عليه الخير و الراشد القابل لما دل عليه من طريق الرشد و المرشد الهادي للخير و الدال على طريق الرشد و مثل ذلك مثل من يقف بين طريقين لا يدري أيهما يؤدي الى الغرض المطلوب فاذا دله عليه دال فقد أرشده و اذا قبل هو قول الدال فسلك قصد السبيل فهو راشد و اذا بعثته نفسه على سلوك الطريق القاصد فهو رشيد و الرشاد و السداد و الصواب حق من يعمل عليه أن ينجو و حق من يعمل‏

204

على خلافه أن يهلك.

(الفرق) بين‏

الهدي‏

و

البيان‏

أن البيان في الحقيقة اظهار المعنى للنفس كائنا ما كان فهو في الحقيقة من قبيل القول. و الهدي بيان طريق الرشد ليسلك‏ (1) دون طريق الغي، هذا اذا أطلق فاذا قيد استعمل في غيره فقيل هدي الى النار و غيرها.

(الفرق) بين‏

الخير

و

الصلاح‏

أن الصلاح الاستقامة على ما تدعو اليه الحكمة و يكون في الضر و النفع كالمرض يكون صلاحا للانسان في وقت دون الصحة و ذلك أنه يؤدي الى النفع في باب الدين فاما الألم الذي لا يؤدي الى النفع فلا يسمى صلاحا مثل عذاب جهنم فانه لا يؤدي الى نفع و لا هو نفع في نفسه و يقال أفعال الله تعالى كلها خير و لا يقال عذاب الاخرة خير للمعذبين به و قيل الصلاح التغير الى استقامة الحال و الصالح المتغير الى استقامة الحال و لهذا لا يقال لله تعالى صالح و الصالح في الدين يجري على الفرائض و النوافل دون المباحات لأنه مرغب فيه و مأمور به فلا يجوز أن يرغب في المباح و لا أن يؤمر به لأن ذلك عبث، و الخير هو السرور و الحسن و اذا لم يكن حسنا لم يكن خيرا لما يؤدي اليه من الضرر الزائد على المنفعة به و لذلك لم تكن المعاصي خيرا و ان كانت لذة و سرورا و لا يقال للمرض خير كما يقال له صلاح فاذا جعلت خيرا أفعل فقلت المرض خير لفلان من الصحة كان ذلك جائزا و يقال الله تعالى خير لنا من غيره و لا يقال هو أصلح لنا من غيره لأن أفعل انما يزيد على لفظ فاعل مبالغة فاذا لم يصح أن يوصف بأنه أصلح من غيره و الخير اسم من أسماء الله تعالى و في الصحابة رجل يقال له عبد خير و قال أبو هشام تسمية الله تعالى بأنه خير مجاز قال و يقال خار الله لك و لم يجي‏ء أنه خائر.

____________

(1) «ليسلك» زائدة في السكندرية.