الفروق في اللغة

- حسن بن عبد الله‏ العسكري المزيد...
310 /
205

(الفرق) بين‏

الهداية

و

النجاة

أن النجاة تفيد الخلاص من المكروه و الهداية تفيد التمكن من الوصول الى الشي‏ء و لفظهما ينبئ عن معنييهما و هو أنك تقول نجاه من كذا و هداه الى كذا فالنجاة تكون من الشي‏ء و الهداية تكون الى الشي‏ء و انما ذكرناهما و الفرق بينهما لأن بعضهم ذكر أنهما سواء.

(الفرق) بين‏

الفوز

و

النجاة

أن النجاة هي الخلاص من المكروه، و الفوز هو الخلاص من المكروه مع الوصول الى المحبوب و لهذا سمى الله تعالى المؤمنين فائزين لنجاتهم من النار و نيلهم الجنة و لما كان الفوز يقتضي نيل المحبوب قيل فاز بطلبته و قال تعالى‏ (يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً) أي أنال الخير نيلا كثيرا.

(الفرق) بين‏

الفوز

و

الظفر

أن الظفر هو العلو على المناوى‏ء المنازع قال الله تعالى‏ (مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ) و قد يستعمل في موضع الفوز يقال ظفر ببغيته و لا يستعمل الفوز في موضع الظفر ألا ترى أنه لا يقال فاز بعدوه كما يقال ظفر بعدوه بعينه فالظفر مفارق للفوز و قال علي بن عيسى الفوز الظفر بدلا من الوقوع في الشر و أصله نيل الحظ من الخير و فوز اذا ركب المفازة و فوز أيضا اذا مات لأنه قد صار في مثل المفازة.

(الفرق) بين‏

النجاة

و

التخلص‏

أن التخلص يكون من تعقيد و ان لم يكن أذى و النجاة لا تكون الا من أذى و لا يقال لمن لا خوف عليه نجا لأنه لا يكون ناجيا الا مما يخاف.

(الفرق) بين‏

الصلاح‏

و

الفلاح‏

أن الصلاح ما يتمكن به من الخير أو يتخلص به من الشر. و الفلاح نيل الخير و النفع الباقي أثره و سمي الشي‏ء الباقي الأثر فلحا و يقال للأكار فلاح لأنه يشق الارض شقا باقيا في الارض‏ (1) و الافلح المشقوق الشفة السفلى، يقال هذه علة صلاحه و لا يقال فلاحه بل يقال هي سبب فلاحه و يقال موته صلاحه لأنه يتخلص به‏

____________

(1) في السكندرية «باقي الاثر».

206

من الضرر العاجل و لا يقال هو فلاحه لأنه ليس بنفع يناله و يقال أيضا لكل من عقل و حزم و تكاملت فيه خلال الخير قد أفلح و لا يقال صلح الا اذا تغير الى استقامة الحال، و الفلاح لا يفيد التغيير و يجوز أن يقال الصلاح وضع الشي‏ء على صفة ينتفع به سواء انتفع أو لا، و لهذا يقال أصلحنا أمر فلان فلم ينتفع بذلك فهو كالنفع في أنه يجوز أن لا ينتفع به، و يقال فلان يصلح للقضاء و يصلح أمره و لا يستعمل الفلاح في ذلك.

و مما يجري مع هذا

(الفرق) بين‏

التسديد

و

التقويم‏

أن التسديد هو التوجيه للصواب فيقال سدد السهم اذا وجهه وجه الصواب، و التقويم ازالة الاعوجاج كتقويم الرمح و القدح ثم يستعار فيقال قوم العمل فالمسدد المقوم لسبب الصلاح، و التسديد يكون في السبب المولد كتسديد السهم للاصابة، و يكون في السبب المؤدي كاللطف الذي يؤدي الى الطاعة، و السبب على وجهين مولد و مؤد، فالمولد هو الذي لا يقع السبب الا به لنقص القادر عن فعله دونه، و المؤدي هو الداعي الى الفعل دعاء الترغيب و الترهيب و التسديد من أكبر الأسباب لأنه يكون في المولد و المؤدي و التسديد للحق لا يكون الا مع طلب الحق فأما مع الاعراض عنه و التشاغل بغيره فلا يصح و الاصلاح تقويم الأمر على ما تدعو اليه الحكمة.

(الفرق) بين‏

الرُشْد

و

الرَشَد

قال أبو عمرو بن العلاء الرشد الصلاح قال الله تعالى‏ (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) و الرشد الاستقامة في الدين و منه قوله تعالى‏ (أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً) و قيل هما لغتان مثل العدم و العدم.

و مما يجري مع ذلك‏

(الفرق) بين‏

الإحكام‏

و

الإتقان‏

أن اتقان الشي‏ء اصلاحه و أصله من‏

207

التقن و هو الترنوق‏ (1) الذي يكون في المسيل أو البئر و هو الطين المختلط بالحمأة يؤخذ فيصلح به التأسيس و غيره فيسد خلله و يصلحه فيقال أتقنه اذا (2) طلاه بالتقن ثم استعمل فيما يصح معرفته فيقال أتقنت كذا أي عرفته صحيحا كأنه لم يدع فيه خللا، و الاحكام ايجاد الفعل محكما و لهذا قال الله تعالى‏ (كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ) أي خلقت محكمة و لم يقل أتقنت لأنها لم تخلق و بها خلل ثم سد خللها و حكى بعضهم أتقنت الباب اذا أصلحته قال أبو هلال (رحمه الله تعالى) و لا يقال أحكمته الا اذا ابتدأته محكما.

(الفرق) بين‏

الإحكام‏

و

الرصف‏

أن الرصف هو جمع شي‏ء الى شي‏ء يشاكله، و احكام الشي‏ء خلقه محكما و لا يستعمل الرصف الا في الأجسام، و الاحكام و الاتقان يستعملان فيها و في الاعراض فيقال فعل متقن و محكم و لا يقال فعل مرصوف الا أنهم قالوا رصف هذا الكلام حسن و هو مجاز لا يتعدى هذا الموضع.

(الفرق) بين‏

إحكام‏

الشي‏ء و

إبرامه‏

أن ابرامه تقويته و أصله في تقوية الحبل و هو في غيره مستعار.

(الفرق) بين‏

الإبرام‏

و

التأريب‏

أن التأريب شدة العقد يقال أرب العقد اذا جعل عقدا فوق عقد، و هو خلاف النشط يقال نشطه اذا عقده بأنشوطة و هو عقد ضعيف و اربه اذا أحكم عقده و أنشطه اذا حل الأنشوطة.

الفرق بين ما يخالف الهداية و غيرها مما يجري في الباب‏

(الفرق) بين‏

الزيغ‏

و

الميل‏

أن الزيغ مطلقا لا يكون الا الميل عن الحق يقال فلان من أهل الزيغ و يقال أيضا زاغ عن الحق و لا أعرف زاغ عن الباطل لأن الزيغ اسم لميل مكروه و لهذا قال أهل اللغة الفرغ زيغ في‏

____________

(1) في النسخ «الرنوق» و التصويب من القاموس.

(2) في نسخة «أي».

208

الرسغ، و الميل عام في المحبوب و المكروه.

(الفرق) بين‏

المَيْل‏

و

المِيل‏

أن الميل مصدر و يستعمل فيما يرى و فيما لا يرى مثل ميلك الى فلان و مال الحائط ميلا، و ميل بالتحريك اسم يستعمل فيما يرى خاصة تقول في العود ميل و في فلان ميل اذا كان يميل في أحد الجانبين من خلقه.

(الفرق) بين‏

العثو

و

الفساد

أن العثو كثرة الفساد و أصله من قولك ضبع عثواء اذا كثر الشعر على وجهها و كذلك الرجل و عاث يعيث لغة و عثا يعثو أفصح اللغتين و منه قوله عز و جل‏ (وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)*.

(الفرق) بين‏

الفساد

و

القبيح‏

أن الفساد هو التغيير عن المقدار الذي تدعو اليه الحكمة و الشاهد أنه نقيض الصلاح و هو الاستقامة على ما تدعو اليه الحكمة و اذا قصر عن المقدار أو أفرط لم يصلح و اذا كان على المقدار أصلح و القبيح ما تزجر عنه الحكمة و ليس فيه معنى المقدار.

(الفرق) بين‏

الفساد

و

الغي‏

أن كل غي قبيح و يجوز أن يكون فساد ليس بقبيح كفساد التفاحة بتعينها و يذهب بذلك الى أنها تغيرت عن الحال التي كانت عليها و اذا قلنا فلان فاسد اقتضى ذلك أنه فاجر و اذا قلت انه غاو اقتضى فساد المذهب و الاعتقاد.

(الفرق) بين‏

الغي‏

و

الضلال‏

أن أصل الغي الفساد و منه يقال غوى الفصيل اذا بشم من كثرة شرب اللبن و اذا لم يرو من لبن أمه فمات هزلا.

فالكلمة من الأضداد، و أصل الضلال الهلاك و منه قولهم ضلت الناقة اذا هلكت بضياعها و في القرآن‏ (إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ) أي هلكنا بتقطع أوصالنا فالذي يوجبه أصل الكلمتين أن يكون الضلال عن الدين أبلغ من الغي فيه و يستعمل الضلال أيضا في الطريق كما يستعمل في الدين فيقال ضل عن الطريق اذا فارقه و لا يستعمل الغي الا في الدين خاصة فهذا فرق آخر و ربما استعمل الغي في الخيبة يقال غوى الرجل اذا خاب‏

209

في مطلبه و أنشد قول الشاعر:

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره‏* * * و من يغو لا يعدم على الغي لائما

و قيل أيضا معنى البيت أن من يفعل الخير يحمد و من يفعل الشر يذم فجعل من المعنى الأول و يقال أيضا ضل عن الثواب و منه قوله تعالى‏ (كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ) و الضلال بمعنى الضياع يقال هو ضال في قومه أي ضائع و منه قوله تعالى‏ (وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى‏) أي ضائعا في قومك لا يعرفون منزلتك و يجوز أن يكون ضالا أي في قوم ضالين لأن من أقام في قوم نسب اليهم كما قيل خالد الحذاء لنزوله بين الحذائين و أبو عثمان المازني لاقامته في بني مازن و لم يكن منهم، و قال أبو علي (رحمه الله) (وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى‏) أي وجدك ذاهبا الى النبوة فهي ضالة عنك كما قال تعالى‏ (أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما) و انما الشهادة هي الضلالة عنها و هذا من المقلوب المستفيض في كلامهم و يكون الضلال الابطال و منه‏ (أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ)* أي أبطلها، و منه‏ (أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ) و يقال ضللني فلان أي سماني ضالا، و الضلال يتصرف في وجوه لا يتصرف الغي فيها.

(الفرق) بين‏

الحنف‏

و

الحيف‏

أن الحنف هو العدول عن الحق و الحيف الحمل على الشي‏ء حتى ينقصه، و أصله من قولك تحيفت الشي‏ء اذا تنقصته من حافاته.

(الفرق) بين‏

الميل‏

و

الميد

أن الميل يكون في جانب واحد و الميد هو أن يميل مرة يمنة و مرة يسرة و منه قوله تعالى‏ (وَ جَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ) أي تضطرب يمنة و يسرة و معروف أنه لم يرد أنها تميد في جانب واحد و انما أراد الاضطراب و الاضطراب يكون من الجانبين قال الشاعر:

حبتهم ميالة تميد* * * ملاءة الحسن لها حديد

يريد أنها تميل من الجانبين للين قوامها.

210

الباب السابع عشر في الفرق بين التكليف و الاختبار و الفتنة و التجريب و بين اللطف و التوفيق و بين اللطف و اللطف و ما يجري مع ذلك‏

(الفرق) بين‏

التكليف‏

و

الابتلاء

أن التكليف إلزام ما يشق ارادة الانسانية عليه، و أصله في العربية اللزوم و من ثم قيل كلف بفلانة يكلف بها كلفا اذا لزم حبها و منه قيل الكلف في الوجه للزومه اياه و المتكلف للشي‏ء الملزم به على مشقة و هو الذي يلتزم ما لا يلزمه أيضا و منه قوله تعالى‏ (وَ ما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) و مثله المكلف. و الابتلاء هو استخراج ما عند المبتلي و تعرف حاله في الطاعة و المعصية بتحميله المشقة و ليس هو من التكليف في شي‏ء فان سمي التكليف ابتلاءا في بعض المواضع فقد يجري على الشي‏ء اسم ما يقاربه في المعنى، و استعمال الابتلاء في صفات الله تعالى مجاز معناه أنه يعامل العبد معاملة المبتلي المستخرج لما عنده و يقال للنعمة بلاء لأنه يستخرج بها الشكر و البلي يستخرج قوة الشي‏ء باذهابه الى حال البال فهذا كله أصل واحد.

(الفرق) بين‏

التكليف‏

و

التحميل‏

أن التحميل لا يكون الا لما يستثقل و لهذا قال تعالى‏ (لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً) و الاصر الثقل و التكليف قد يكون لما لا ثقل‏ (1) له نحو الاستغفار تقول كلفه الله الاستغفار و لا

____________

(1) في النسخ «يثقل».

211

تقول حمله ذلك.

(الفرق) بين‏

الابتلاء

و

الاختبار

أن الابتلاء لا يكون الا بتحميل المكاره و المشاق. و الاختبار يكون بذلك و بفعل المحبوب ألا ترى أنه يقال اختبره بالانعام عليه و لا يقال ابتلاه بذلك و لا هو مبتلي بالنعمة كما قد يقال اختبره بالانعام عليه و لا تقول ابتلاه بذلك و لا هو مبتلي بالنعمة كما قد يقال انه مختبر بها، و يجوز أن يقال ان الابتلاء يقتضي استخراج ما عند المبتلي من الطاعة و المعصية، و الاختبار يقتضي وقوع الخبر بحاله في ذلك و الخبر العلم الذي يقع بكنه الشي‏ء و حقيقته فالفرق بينهما بين.

(الفرق) بين‏

الفتنة

و

الاختبار

أن الفتنة أشد الاختبار و أبلغه، و أصله عرض الذهب على النار لتبين صلاحه من فساده و منه قوله تعالى‏ (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) و يكون في الخير و الشر أ لا تسمع قوله تعالى‏ (أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ)* و قال تعالى‏ (لَأَسْقَيْناهُمْ‏ (1) ماءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) فجعل النعمة فتنة لأنه قصد بها المبالغة في اختبار المنعم عليه بها كالذهب اذا أريد المبالغة في تعرف حاله فيراني أدخل النار، و الله تعالى لا يختبر العبد لتغيير حاله في الخير و الشر و انما المراد بذلك شدة التكليف.

(الفرق) بين‏

الاختبار

و

التجريب‏

أن التجريب هو تكرير الاختبار و الاكثار منه و يدل على هذا أن التفعيل هو للمبالغة و التكرير، و أصله من قولك جربه اذا داواه من الجرب فنظر أصلح حاله أم لا و مثله قرد البعير اذا نزع عنه القردان و قرع الفصيل اذا داواه من القرع و هو داء معروف و لا يقال ان الله تعالى يجرب قياسا على قولهم يختبر و يبتلي لأن ذلك مجاز و المجاز لا يقاس عليه.

____________

(1) في النسخ «و أسقيناهم».

212

الفرق بين‏

اللطف‏

و

التوفيق‏

و

العصمة

و

اللطف‏

و

الرقة

و ما يجري مع ذلك‏

(الفرق) بين‏

اللطف‏

و

التوفيق‏

أن اللطف هو فعل تسهل به الطاعة على العبد و لا يكون لطفا الا مع قصد فاعله وقوع ما هو لطف فيه من الخير خاصة فأما اذا كان ما يقع عنده قبيحا و كان الفاعل له قد أراد ذلك فهو انتقاد و ليس بلطف. و التوفيق فعل ما تتفق معه الطاعة و اذا لم تتفق معه الطاعة لم يسم توفيقا و لهذا قالوا انه لا يحسن الفعل. و فرقا آخر و هو أن التوفيق لطف يحدث قبل الطاعة بوقت فهو كالمصاحب لها في وقته لأن وقته يلي وقت فعل الطاعة و لا يجوز أن يكون وقتهما واحدا لأنه بمنزلة مجي‏ء زيد مع عمرو و ان كان بعده بلا فصل فأما اذا جاء بعده بأوقات فانه لم يجي‏ء معه، و اللطف قد يتقدم الفعل بأوقات يسيرة يكون له معها تأثير في نفس الملطوف له و لا يجوز أن يتقدمه بأوقات كثيرة حتى لا يكون له معها في نفسه تأثير فكل توفيق لطف و ليس كل لطف توفيقا و لا يكون التوفيق ثوابا لأنه يقع قبل الفعل و لا يكون الثواب ثوابا لما لم يقع ولكن التسمية بموفق على جهة المدح يكون ثوابا على ما سلف من الطاعة، و لا يكون للتوفيق الا لما حسن من الافعال يقال وفق فلان للانصاف و لا تقول وفق للظلم و يسمى توفيقا و ان كان منقضيا في حال ما وصف به أنه توفيق فيه كما يقال زيد وافق عمرا في هذا القول و ان كان قول عمرو قد انقضى، و اللطف يكون التدبير الذي ينفذ في صغير الأمور و كبيرها فالله تعالى لطيف و معناه أن تدبيره لا يخفي عن شي‏ء و لا يكون ذلك الا باجرائه على حقه. و الأصل في اللطيف التدبير ثم حذف و أجريت الصفة للمدبر على جهة المبالغة و فلان لطيف الحيلة اذا كان يتوصل الى بغيته بالرفق و السهولة و يكون اللطف حسن العشرة و المداخلة في الأمور بسهولة و اللطف أيضا صغر الجسم خلاف الكثافة و اللطف‏

213

أيضا صغر الجسم و هو خلاف الخفاء في المنظر و في اللطيف معنى المبالغة لأنه فعيل و في موفق معنى تكثير الفعل و تكريره لأنه مفعل و العصمة هي اللطيفة التي يمتنع بها عن المعصية اختيارا و الصفة بمعصوم اذا أطلقت فهي صفة مدح و كذلك الموفق فاذا أجري على التقيد فلا مدح فيه و لا يجوز أن يوصف غير الله بأنه يعصم و يقال عصمه من كذا و وفقه لكذا و لطف له في كذا فكل واحد من هذه الأفعال يعدى بحرف و ههنا يوجب أيضا أن يكون بينهما فروق من غير هذا الوجه الذي ذكرناه و شرح هذا يطول فتركته كراهة الاكثار و أصولهما في اللغة و اشتقاقاتهما أيضا توجب فروقا من وجوه أخر فاعلم ذلك.

(الفرق) بين‏

اللطف‏

و

اللطف‏

أن اللطف هو البر و جميل الفعل من قولك فلان يبرني و يلطفني و يسمى الله تعالى لطيفا من هذا الوجه أيضا لأنه يواصل نعمه الى عباده.

(الفرق) بين‏

اللطف‏

و

الرفق‏

أن الرفق هو اليسر في الأمور و السهولة في التوصل اليها و خلافه العنف و هو التشديد في التوصل الى المطلوب، و أصل الرفق في اللغة النفع و منه يقال أرفق فلان فلانا اذا مكنه مما يرتفق به و مرافق البيت المواضع التي ينتفع بها زيادة على ما لا بد منه. و رفيق الرجل في السفر يسمى بذلك لانتفاعه بصحبته و ليس هو على معنى الرفق و اللطف و يجوز أن يقال سمي رفيقا لأنه يرافقه في السير أي يسير الى جانبه فيلي مرفقه.

(الفرق) بين‏

اللطف‏

و

المداراة

أن المداراة ضرب من الاحتيال و الختل من قولك دريت الصيد اذا ختلته و انما يقال داريت الرجل اذا توصلت الى المطلوب من جهته بالحيلة و الختل.

214

الباب الثامن عشر في الفرق بين الدين و الملة و الطاعة و العبادة و الفرض و الوجوب و الحلال و المباح و ما يجري مع ذلك‏

(الفرق) بين‏

الدين‏

و

الملة

أن الملة اسم لجملة الشريعة، و الدين اسم لما عليه كل واحد من أهلها ألا ترى أنه يقال فلان حسن الدين و لا يقال حسن الملة، و انما يقال هو من أهل الملة. و يقال لخلاف الذمي الملي نسب الى جملة الشريعة فلا يقال له ديني و تقول ديني دين الملائكة و لا تقول ملتي ملة الملائكة لأن الملة اسم للشرائع مع الاقرار بالله. و الدين ما يذهب اليه الانسان و يعتقد أنه يقربه الى الله و ان لم يكن فيه شرائع مثل دين أهل الشرك و كل ملة دين و ليس كل دين ملة و اليهودية ملة لأن فيها شرائع و ليس الشرك ملة و اذا أطلق الدين فهو الطاعة العامة التي يجارى عليها بالثواب مثل قوله تعالى‏ (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ) و اذا قيد اختلف دلالته و قد يسمى كل واحد من الدين و الملة باسم الآخر في بعض المواضع لتقارب معنييهما و الاصل ما قلناه، و الفرس تزعم أن الدين لفظ فارسي و تحتج بأنهم يجدونه في كتبهم المؤلفة قبل دخول العربية أرضهم بألف سنة و يذكرون أن لهم خطا يكتبون به كتابهم المنزل بزعمهم يسمى دين دوري أي كتابه الذي سماه بذلك صاحبهم زراد شت و نحن نجد للدين أصلا و اشتقاقا صحيحا في العربية و ما كان كذلك لا نحكم عليه بأنه أعجمي و إن‏

215

صح ما قالوه فان الدين قد حصل في العربية و الفارسية اسما لشي‏ء واحد على جهة الاتفاق و قد يكون على جهة الاتفاق ما هو أعجب من هذا، و أصل الملة في العربية المل و هو أن يعدو الذئب على شي‏ء ضربا من العدو فسميت الملة ملة لاستمرار أهلها عليها و قيل أصلها التكرار من قولك طريق مليل اذا تكرر سلوكه حتى توطأ و منه الملل و هو تكرار الشي‏ء على النفس حتى تضجر و قيل الملة مذهب جماعة يحمي بعضهم لبعض عند الأمور الحادثة و أصلها من المليلة و هي ضرب من الحمى و منه الملة موضع النار و ذلك أنه اذا دفن فيه اللحم و غيره تكرر عليه الحمى حتى ينضج.

و أصل الدين الطاعة و دان الناس لملكهم أي أطاعوه. و يجوز أن يكون أصله العادة ثم قيل للطاعة دين لأنها تعتاد و توطن النفس عليها.

(الفرق) بين‏

العبادة

و

الطاعة

أن العبادة غاية الخضوع و لا تستحق الا بغاية الانعام و لهذا لا يجوز أن يعبد غير الله تعالى و لا تكون العبادة الا مع المعرفة بالمعبود و الطاعة الفعل الواقع على حسب ما أراده المريد متى كان المريد أعلى رتبة ممن يفعل ذلك و تكون للخالق و المخلوق و العبادة لا تكون الا للخالق و الطاعة في مجاز اللغة تكون اتباع المدعو الداعي الى ما دعاه اليه و إن لم يقصد التبع كالانسان يكون مطيعا للشيطان و إن لم يقصد أن يطيعه ولكنه اتبع دعاءه و ارادته.

(الفرق) بين‏

الطاعة

و

موافقة

الارادة

أن موافقة الارادة قد تكون طاعة و قد لا تكون طاعة و ذلك اذا لم تقع موقع الداعي الى الفعل كنحو ارادتك أن يتصدق زيد بدرهم من غير أن يشعر بذلك فلا يكون بفعله مطيعا لك و لو علمه ففعله من أجل ارادتك كان مطيعا لك و لذلك لو أحس بدعائك الى ذلك فمال معه كان مطيعا لك.

(الفرق) بين‏

الطاعة

و

الخدمة

أن الخادم هو الذي يطوف على الانسان متحققا في حوائجه و لهذا لا يجوز أن يقال إن العبد يخدم الله تعالى، و أصل الكلمة الاطافة بالشي‏ء و منه سمي الخلخال خدمة ثم كثر

216

ذلك حتى سمي الاشتغال بما يصلح به شأن المخدوم خدمة و ليس ذلك من الطاعة و العبادة في شي‏ء ألا ترى أنه يقال فلان يخدم المسجد اذا كان يتعهده بتنظيف و غيره، و أما الحفد فهو السرعة في الطاعة و منه قوله تعالى‏ (بَنِينَ وَ حَفَدَةً) و قولنا في القنوت و اليك نسعى و نحفد.

(الفرق) بين‏

العبيد

و

الخول‏

أن الخول هم الذين يختصون بالانسان من جهة الخدمة و المهنة و لا تقتضي الملك كما تقتضيه العبيد (1) و لهذا لا يقال الخلق خول الله كما يقال عبيده‏ (2).

(الفرق) بين‏

العبد

و

المملوك‏

أن كل عبد مملوك و ليس كل مملوك عبدا لأنه قد يملك المال و المتاع فهو مملوك و ليس بعبد و العبد هو المملوك من نوع ما يعقل و يدخل في ذلك الصبي و المعتوه و عباد الله تعالى الملائكة و الانس و الجن.

(الفرق) بين‏

الدين‏

و

الشريعة

أن الشريعة هي الطريقة المأخوذ فيها الى الشي‏ء و من ثم سمي الطريق الى الماء شريعة و مشرعة، و قيل الشارع لكثرة الأخذ فيه، و الدين ما يطاع به المعبود. و لكل واحد منا دين و ليس لكل واحد منا شريعة، و الشريعة في هذا المعنى نظير الملة الا أنها تفيد ما يفيده الطريق المأخوذ ما لا تفيده الملة و يقال شرع في الدين شريعة كما يقال طرق فيه طريقا و الملة تفيد استمرار أهلها عليها.

(الفرق) بين‏

التقي‏

و

المتقي‏

، و

المؤمن‏

أن الصفة بالتقي أمدح من الصفة بالمتقي لأنه عدل عن الصفة الجارية على الفعل للمبالغة، و المتقي أمدح من المؤمن لأن المؤمن يطلق بظاهر الحال و المتقي لا يطلق الا بعد الخبرة و هذا من جهة الشريعة و الأول من جهة دلالة اللغة، و الايمان نقيض الكفر و الفسق جميعا لأنه لا يجوز أن يكون الفعل ايمانا فسقا كما لا

____________

(1) في نسخة «كما يقتضي العبد».

(2) في السكندرية «هم عبيده».

217

يجوز أن يكون ايمانا كفرا الا أن يقابل النقيض في اللفظ بين الايمان و الكفر أظهر.

(الفرق) بين‏

الحسن‏

و

الحسنة

أن الحسنة هي الأعلى في الحسن لأن الهاء داخلة للمبالغة فلذلك قلنا إن الحسنة تدخل فيها الفروض و النوافل و لا يدخل فيها المباح و إن كان حسنا لأن المباح لا يستحق عليه الثواب و لا الحمد و لذلك رغب في الحسنة و كانت طاعة فيه المباح لأن كل مباح حسن ولكنه لا ثواب فيه و لا حمد فليس هو بحسنة.

(الفرق) بين‏

الطاعة

و

القبول‏

أن الطاعة انما تقع رغبة أو رهبة، و القبول مثل الاجابة يقع حكمة و مصلحة و لذلك حسنت الصفة لله تعالى بأنه مجيب و قابل و لا تحسن الصفة له بأنه مطيع.

(الفرق) بين‏

الإجابة

و

القبول‏

و بين قولك أجاب و استجاب أن القبول يكون للاعمال، يقال: قبل الله عمله، و الاجابة للأدعية، يقال: أجاب الله دعاءه و قولك أجاب معناه فعل الاجابة و استجاب طلب أن يفعل الاجابة لأن أصل الاستفعال لطلب الفعل و صلح استجاب بمعنى أجاب لأن المعنى فيه يؤول الى شي‏ء واحد و ذلك ان استجاب طلب الاجابة بقصده اليها و أجاب أوقع الاجابة بفعلها.

(الفرق) بين‏

الإجابة

و

الطاعة

أن الطاعة تكون من الأدنى للأعلى لأنها في موافقة الارادة الواقعة موقع المسألة و لا تكون اجابة الا بأن تفعل لموافقة الدعاء بالأمر و من أجله كذا قال علي بن عيسى (رحمه الله).

(الفرق) بين‏

المذهب‏

و

المقالة

أن المقالة قول يعتمد عليه قائله و يناظر فيه يقال هذه مقالة فلان اذا كان سبيله فيها هذا السبيل و المذهب ما يميل اليه من الطرق سواء كان يطلق القول فيه أو لا يطلق و الشاهد أنك تقول هذا مذهبي في السماع و الأكل و الشرب لشي‏ء (1) تختاره من ذلك و تميل‏

____________

(1) في السكندرية «الذي».

218

اليه تناظر فيه أولا. و فرق آخر و هو أن المذهب يفيد أن يكون الذاهب اليه معتقدا له أو بحكم المعتقد و المقالة لا تفيد ذلك لأنه يجوز أن يقوله و يناظر فيه و يعتقد خلافه فعلى هذا يجوز أن يكون مذهب ليس بمقالة و مقالة ليس بمذهب.

(الفرق) بين‏

الفرض‏

و

الوجوب‏

أن الفرض لا يكون الا من الله، و الايجاب يكون منه و من غيره تقول فرض الله تعالى على العبد كذا و أوجبه عليه و تقول أوجب زيد على عبده و الملك على رعيته كذا و لا يقال فرض عليهم ذلك و إنما يقال فرض لهم العطاء و يقال فرض له القاضي، و الواجب يجب في نفسه من غير ايجاب يجب له من حيث أنه غير متعد و ليس كذلك الفرض لأنه متعد و لهذا صح وجوب الثواب على الله تعالى في حكمته و لا يصح فرضه، و من وجه آخر أن السنة المؤكدة تسمى واجبا و لا تسمى فرضا مثل سجدة التلاوة هي واجبة على من يسمعها و قيل على من قعد لها و لم يقل انها فرض و مثل ذلك الوتر في أشباه له كثيرة، و فرق آخر أن العقليات لا يستعمل فيها الفرض و يستعمل فيها الوجوب تقول هذا واجب في العقل و لا يقال فرض في العقل و قد يكون الفرض و الواجب سواءا في قولهم صلاة الظهر واجبة و فرض لا فرق بينهما ههنا في المعنى و كل واحد منهما من أصل فأصل الفرض الحز في الشي‏ء تقول فرض في العود فرضا اذا حز فيه حزا، و أصل الوجوب السقوط يقال وجبت الشمس للمغيب اذا سقطت و وجب الحائط وجبة أي سقط، وحد الواجب و الفرض عند من يقول ان القادر لا يخلو من الفعل و الترك ماله ترك قبيح و عند من يجيز خلو القادر من الفعل و الترك ما اذا لم يفعله استحق العقاب و ليس يجب الواجب لايجاب موجب له و لو كان كذلك لكان القبيح واجبا اذا أوجبه موجب، و الافعال ضربان أحدهما ألا يقارنه داع و لا قصد و لا علم فليس له حكم زائد على وجوده كفعل الساهي و النائم، و الثاني يقع مع قصد و علم أو داع و هذا على أربعة أضرب أحدها ما كان لفاعله أن‏

219

يفعله من غير أن يكون له فيه مثل المباح، و الثاني ما يفعله لعاقبة محمودة و ليس عليه في تركه مضرة و يسمى ذلك ندبا و نفلا و تطوعا و ان لم يكن شرعيا سمي تفضلا و احسانا و هذا هو زائد (1) على كونه مباحا، و الثالث ماله فعله و ان لم يفعله لحقه مضرة و هو الواجب و الفرض و قد يسمى المحتم و اللازم، و الرابع الذي ليس له فعله و ان فعله استحق الذم و هو القبيح و المحظور و الحرام.

(الفرق) بين‏

الفرض‏

و

الحتم‏

أن الحتم امضاء الحكم على التوكيد و الاحكام يقال حتم الله كذا و كذا و قضاه قضاءا حتما أي حكم به حكما موكدا و ليس هو من الفرض و الايجاب في شي‏ء لأن الفرض و الايجاب يكونان في الأوامر و الحتم يكون في الاحكام و الأقضية و انما قيل للفرض فرض حتم على جهة الاستعارة و المراد أنه لا يرد كما أن الحكم الحتم لا يرد و الشاهد أن العرب تسمي الغراب حاتما لأنه يحتم عندهم بالفراق أي يقضي به و ليس يريدون أنه يفرض ذلك أو يوجبه.

(الفرق) بين‏

الإيجاب‏

و

الإلزام‏

أن الالزام يكون في الحق و الباطل يقال ألزمته الحق و ألزمته الباطل، و الايجاب لا يستعمل الا فيما هو حق فان استعمل في غيره فهو مجاز و المراد به الالزام.

(الفرق) بين‏

الإلزام‏

و

اللزوم‏

أن اللزوم لا يكون الا في الحق يقال لزم الحق و لا يقال لزم الباطل، و الالزام يكون في الحق و الباطل يقال ألزمه الحق و ألزمه الباطل على ما ذكرنا.

(الفرق) بين‏

الحلال‏

و

المباح‏

، أن الحلال هو المباح الذي علم إباحته بالشرع، و المباح لا يعتبر فيه ذلك تقول المشي في السوق مباح و لا تقول حلال، و الحلال خلاف الحرام و المباح خلاف المحظور و هو الجنس الذي لم يرغب فيه، و يجوز أن يقال هو ما كان لفاعله أن يفعله و لا ينبئ عن‏

____________

(1) في نسخة «و هذه أمور زائدة».

220

مدح و لا ذم و قيل هو ما أعلم المكلف أو دل على حسنه و انه لا ضرر عليه في فعله و لا تركه، و لذلك لا توصف أفعال الله تعالى بأنها مباحة و لا توصف أفعال البهائم بذلك فمعنى قولنا انه على الاباحة أن للمكلف أن ينتفع به و لا ضرر عليه في ذلك و ارادة المباح و الأمر به قبيح لأنه لا فائدة فيه اذ فعله و تركه سواء في أنه لا يستحق عليه ثواب و ليس كذلك الحلال.

(الفرق) بين‏

النافلة

و

الندب‏

أن الندب في اللغة ما أمر به و في الشرع هو النافلة و النافلة في الشرع و اللغة سواء، و النافلة في اللغة أيضا اسم للعطية و النوفلة الجواد و الجمع نوفلون، و يقال أيضا للعطية نوفل و الجمع نوافل.

(الفرق) بين‏

السنة

و

النافلة

أن السنة على وجوه أحدها انا اذا قلنا فرض و سنة فالمراد به المندوب اليه و اذا قلنا الدليل على هذا الكتاب و السنة فالمراد بها قول رسول الله (صلى الله عليه و سلم) و اذا قلنا سنة رسول الله (صلى الله عليه و سلم) فالمراد بها طريقته‏ (1) و عادته التي دام عليها و أمر بها فهي في الواجب و النفل و جميع ذلك ينبئ عن رسم تقدم و سبب فرد و النفل و النافلة ما تبديه من غير سبب.

(الفرق) بين‏

السنة

و

العادة

أن العادة ما يديم الانسان فعله من قبل نفسه، و السنة تكون على مثال سبق و أصل السنة الصورة و منه يقال سنة الوجه أي صورته و سنة القمر أي صورته، و السنة في العرف تواتر و آحاد فالتواتر ما جاز حصول العلم به لكثرة رواته و ذلك أن العلم لا يحصل في العادة الا اذا كثرت الرواة، و الآحاد ما كان رواته القدر الذي لا يعلم صدق خبرهم لقلتهم و سواء رواه واحد أو أكثر و المرسل ما أسنده الراوي الى من لم يره و لم يسمع منه و لم يذكر من بينه و بينه.

(الفرق) بين‏

العادة

و

الدأب‏

أن العادة على ضربين اختيار أو اضطرار

____________

(1) في السكندرية «طرائقه».

221

فالاختيار كتعود شرب النبيذ و ما يجري مجراه مما يكثر الانسان فعله فيعتاده و يصعب عليه مفارقته و الاضطرار مثل أكل الطعام و شرب الماء لاقامة الجسد و بقاء الروح و ما شاكل ذلك، و الدأب لا يكون الا اختيارا ألا ترى أن العادة في الأكل و الشرب المقيمين للبدن لا تسمى دأبا.

(الفرق) بين قولك‏

يجب‏

كذا و قولك‏

ينبغي‏

كذا

أن قولك ينبغي كذا يقتضي أن يكون المبتغي حسنا سواء كان لازما أو لا و الواجب لا يكون الا لازما.

(الفرق) بين قولنا

يجوز

كذا و قولك‏

يجزئ‏

كذا

أن قولك يجوز كذا بمعنى يسوغ و يحل كما تقول يجوز للمسافر أن يفطر و نحوه و يجوز قراءة (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) و (ملك يوم الدين) و يكون بمعنى الشك نحو قولك يجوز أن يكون زيد أفضل من عمرو، و يجوز بمعنى جواز النقد و قال بعضهم يجوز بمعنى يمكن و لا يمتنع نحو قولك يجوز من زيد القيام و ان كان معلوما أن القيام لا يقع منه. و قال أبو بكر الاخشاد أكره هذا القول لأن المسلمين لا يستجيزون أن يقولوا يجوز الكفر من الملائكة حتى يصيروا كابليس لقدرتهم على ذلك و لا أن يقولوا يجوز من الله تعالى وقوع الظلم لقدرته عليه الا أن يقيد و أصل هذا كله من قولك جاز أي وجد مسلكا مضى فيه و منه الجواز في الطريق و المجاز في اللغة، فقولك قراءة جائزة معناه أن قارئها وجد لها مذهبا يأمن معه أن يرد عليه و اذا قلت يجوز أن يكون فلان خيرا من فلان فمعناه أن وهمك قد توجه الى هذا المعنى منه فاذا علمته لم يحسن فيه ذكر الجواز، و الجائز لا بد أن يكون منيبا عما سواه ألا ترى أن قائلا لو قال يجوز أن يعبد العبد ربه لم يكن ذلك كاملا مستقيما اذا لم يكن منبئا عما سواه و قولنا هذا الشي‏ء يجزى‏ء يفيد أنه وقع موقع الصحيح فلا يجب فيه القضاء، و يقع به التمليك ان كان عقدا و قد يكون المنهى عنه مجزئا نحو التوضؤ بالماء المغصوب و الذبح بالسكين المغصوب و طلاق البدعة و الوطء في الحيض و الصلاة في الدار

222

المغصوبة محرمة عند الفقهاء لأنه نهى عنها لا بشرائط الفعل الشرعية و لكن لحق صاحب الدار لأنه لو أذن في ذلك لجاز و لا يكون المنهى عنه جائزا فالفرق بينهما بين، و ذهب أبو علي و أبو هاشم رحمهما الله تعالى الى أن الصلاة في الدار المغصوبة غير مجزئة لأنه قد أخذ على المصلي ينوي اداء الواجب و لا يجوز أن ينوي ذلك و الفعل معصية.

و مما يخالف ذلك‏

(الفرق) بين‏

المردود

و

الفاسد

و بين المنهى عنه و بين الفاسد أن المردود ما وقع على وجه لا يستحق عليه الثواب و ذلك أنه خلاف المقبول و القبول من الله تعالى ايجاب الثواب و لا يمنعه ذلك من أن يكون مجزئا مثل التوضؤ بالماء المغصوب و غيره مما ذكرناه آنفا و المنهى عنه ينبئ عن كراهة الناهي له و لا يمنعه ذلك من أن يكون مجزئا أيضا فكل واحد من المنهى عنه و المردود يفيد ما لا يفيده الآخر، و الفاسد لا يكون مجزئا فهو مفارق لهما.

(الفرق) بين‏

الحسن‏

و

المباح‏

أن كل مباح حسن و ليس كل حسن مباحا، و ذلك أن أفعال الطفل و الملجأ قد تكون حسنة و ليست بمباحة.

(الفرق) بين‏

الإذن‏

و

الإباحة

أن الاباحة قد تكون بالعقل و السمع، و الاذن لا يكون الا بالسمع وحده، و أما الاطلاق فهو ازالة المنع عمن يجوز عليه ذلك، و لهذا لا يجوز أن يقال ان الله تعالى مطلق و ان الاشياء مطلقة له.

(الفرق) بين‏

الإسلام‏

و

الإيمان‏

و

الصلاح‏

أن الصلاح استقامة الحال و هو مما يفعله العبد لنفسه و يكون بفعل الله له لطفا و توفيقا، و الايمان طاعة الله التي يؤمن بها العقاب على ضدها و سميت النافلة ايمانا على سبيل التبع لهذه الطاعة، و الاسلام طاعة الله التي يسلم بها من عقاب الله و صار كالعلم على شريعة محمد (ص)، و لذلك ينتفي منه اليهود و غيرهم و لا ينتفون من الايمان.

223

(الفرق) بين‏

الأمين‏

و

المأمون‏

أن الأمين الثقة في نفسه، و المأمون الذي يأمنه غيره.

(الفرق) بين‏

الكفر

و

الإلحاد

أن الكفر اسم يقع على ضروب من الذنوب فمنها الشرك بالله و منها الجحد للنبوة و منها استحلال ما حرم الله و هو راجع الى جحد النبوة و غير ذلك مما يطول الكلام فيه و أصله التغطية، و الالحاد اسم خص به اعتقاد نفي التقديم مع اظهار الاسلام و ليس ذلك كفر الالحاد ألا ترى أن اليهودي لا يسمى ملحدا و ان كان كافرا و كذلك النصراني و أصل الالحاد الميل و منه سمي اللحد لحدا لأنه يحفر في جانب القبر.

(الفرق) بين‏

الرياء

و

النفاق‏

أن النفاق إظهار الايمان مع أسرار الكفر و سمي بذلك تشبيها بما يفعله اليربوع و هو أن يجعل بجحره بابا ظاهرا و بابا باطنا يخرج منه اذا طلبه الطالب و لا يقع هذا الاسم على من يظهر شيئا و يخفي غيره الا الكفر و الايمان و هو اسم اسلامي و الاسلام و الكفر اسمان اسلاميان فلما حدثا و حدث في بعض الناس اظهار أحدهما مع إبطان الآخر سمي ذلك نفاقا، و الرياء اظهار جميل الفعل رغبة في حمد الناس لا في ثواب الله تعالى، فليس الرياء من النفاق في شي‏ء فان استعمل أحدهما في موضع الآخر فعلى التشبه و الأصل ما قلناه.

(الفرق) بين‏

الذنب‏

و

القبيح‏

أن الذنب عند المتكلمين ينبئ عن كون المقدور مستحقا عليه العقاب و قد يكون قبيحا لا عقاب عليه كالقبح يقع من الطفل قالوا و لا يسمى ذلك ذنبا و انما يسمى الذنب ذنبا لما يتبعه من الذم، و أصل الكلمة على قولهم الاتباع و منه قيل ذنب الدابة لأنه كالتابع لها و الذنوب الدلو التي لها ذنب، و يجوز أن يقال أن الذنب يفيد أنه الرذل من الفعل الدني‏ء، و سمي الذنب ذنبا لأنه أرذل ما في صاحبه و على هذا استعماله في الطفل حقيقة.

(الفرق) بين‏

الذنب‏

و

المعصية

أن قولك معصية ينبئ عن كونها

224

منهيا عنها و الذنب ينبئ عن استحقاق العقاب عند المتكلمين و هو على القول الآخر فعل ردي‏ء و الشاهد على أن المعصية تنبئ عن كونها منهيا عنها قولهم أمرته فعصاني، و النهي ينبي‏ء عن الكراهة، و لهذا قال أصحابنا (1) المعصية ما يقع من فاعله على وجه قد نهي عنه أو كره منه.

(الفرق) بين‏

المحظور

و

الحرام‏

أن الشي‏ء يكون محظورا اذا نهى عنه ناه و ان كان حسنا كفرض‏ (2) السلطان التعامل ببعض النقود أو الرعي ببعض الأرضين و ان لم يكن قبيحا، و الحرام لا يكون الا قبيحا، و كل حرام محظور و ليس كل محظور حراما، و المحظور يكون قبيحا اذا دلت الدلالة على أن من حظره لا يحظر الا القبيح كالمحظور في الشريعة و هو ما أعلم المكلف أو دل على قبحه، و لهذا لا يقال ان أفعال البهائم محظورة و ان وصفت بالقبح و قال أبو عبد الله الزبيري الحرام يكون مؤبدا و المحظور قد يكون الى غاية. و فرق أصحابنا بين قولنا و الله لا آكله فقالوا اذا حرمه على نفسه حنث بأكل الخبز و اذا قال و الله لا آكله لم يحنث حتى يأكله كله و جعلوا تحريمه على نفسه بمنزلة قوله و الله لا آكل منه شيئا.

(الفرق) بين‏

الطغيان‏

و

العتو

أن الطغيان مجاوزة الحد في المكروه مع غلبة و قهر و منه قوله تعالى‏ (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ) الآية يقال طغى الماء اذا جاوز الحد في الظلم، و العتو المبالغة في المكروه فهو دون الطغيان و منه قوله تعالى‏ (وَ قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) قالوا كل مبالغ في كبر أو كفر أو فساد فقد عتا فيه و منه قوله تعالى‏ (بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ) أي مبالغة في الشدة و يقال جبار عات أي مبالغ في الجبرية و منه قوله تعالى‏ (عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها) يعني أهلها تكبروا على ربهم فلم يطيعوه.

____________

(1) في النسخ «أصحاب».

(2) في السكندرية «الفرق» و هو من غيرها ساقط.

225

(الفرق) بين‏

الكفر

و

الشرك‏

أن الكفر خصال كثيرة على ما ذكرنا و كل خصلة منها تضاد خصلة من الايمان لأن العبد اذا فعل خصلة من الكفر فقد ضيع خصلة من الايمان، و الشرك خصلة واحدة و هو ايجاد الهية مع الله أو دون الله و اشتقاقه ينبئ عن هذا المعنى ثم كثر حتى قيل لكل كفر شرك على وجه التعظيم له و المبالغة في صفته و أصله كفر النعمة و نقيضه الشكر و نقيض الكفر بالله الايمان و انما قيل لمضيع الايمان كافر لتضييعه حقوق الله تعالى و ما يجب عليه من شكر نعمه فهو بمنزلة الكافر لها و نقيض الشرك في الحقيقة الاخلاص ثم لما استعمل في كل كفر صار نقيضه الايمان و لا يجوز أن يطلق اسم الكفر الا لمن كان بمنزلة الجاحد لنعم الله و ذلك لعظم ما معه من المعصية و هو اسم شرعي كما أن الايمان اسم شرعي.

(الفرق) بين‏

الفسق‏

و

الخروج‏

أن الفسق في العربية خروج مكروه و منه يقال للفأرة الفويسقة لأنها تخرج من جحرها للافساد و قيل فسقت الرطبة اذا خرجت من قشرها لأن ذلك فساد لها و منه سمي الخروج من طاعة الله بكبيرة فسقا و من الخروج مذموم و محمود و الفرق بينهما بين.

(الفرق) بين‏

الفسق‏

و

الفجور

أن الفسق هو الخروج من طاعة اللّه بكبيرة، و الفجور الانبعاث في المعاصي و التوسع فيها و أصله من قولك أفجرت السكر اذا خرقت فيها خرقا واسعا فانبعث الماء كل منبعث فلا يقال لصاحب الصغيرة فاجر كما لا يقال لمن خرق في السكر خرقا صغيرا أنه قد فجر السكر ثم كثر استعمال الفجور حتى خص بالزنا و اللواط و ما أشبه ذلك.

(الفرق) بين قولك‏

كفر

النعمة و قولك‏

بطر

النعمة

أن قولك بطرها يفيد أنه عظمها و بغى فيها. و كفرها يفيد أنه عظمها فقط. و أصل البطر الشق و منه قيل للبيطار بيطار و قد بطرت الشي‏ء أي شققته و أهل اللغة يقولون البطر سوء استعمال النعمة و كذلك جاء في تفسير قوله تعالى‏

226

(بَطِرَتْ مَعِيشَتَها) ... (وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَ رِئاءَ النَّاسِ).

(الفرق) بين‏

الظلم‏

و

الجور

أن الجور خلاف الاستقامة في الحكم.

و في السيرة السلطانية تقول جار الحاكم في حكمه و السلطان في سيرته اذا فارق الاستقامة في ذلك، و الظلم ضرر لا يستحق و لا يعقب عوضا سواء كان من سلطان أو حاكم أو غيرهما ألا ترى أن خيانة الدانق و الدرهم تسمى ظلما و لا تسمى جورا فان أخذ ذلك على وجه القهر أو الميل سمي جورا و هذا واضح، و أصل الظلم نقصان الحق، و الجور العدول عن الحق من قولنا جار عن الطريق اذا عدل عنه و خولف بين النقيضين فقيل في نقيض الظلم الانصاف و هو اعطاء الحق على التمام، و في نقيض الجور العدل و هو العدول بالفعل الى الحق.

(الفرق) بين‏

السوء

و

القبيح‏

أن السوء مأخوذ من أنه يسوء النفس بما قربه لها و قد يلتذ بالقبيح صاحبه كالزنا و شرب الخمر و الغصب.

(الفرق) بين‏

الظلم‏

و

الهضم‏

أن الهضم نقصان بعض الحق و لا يقال لمن أخذ جميع حقه قد هضم. و الظلم يكون في البعض و الكل و في القرآن‏ (فَلا (1) يَخافُ ظُلْماً وَ لا هَضْماً) أي لا يمنع حقه و لا بعض حقه و أصل الهضم في العربية النقصان و منه قيل للمنخفض من الارض هضم و الجمع اهضام.

(الفرق) بين‏

الظلم‏

و

الغشم‏

أن الغشم كره الظلم و عمومه توصف به الولاه لأن ظلمهم يعم و لا يكاد يقال غشمني في المعاملة كما يقال ظلمني فيها و في المثل «وال غشوم خير من فتنة تدوم» و قال أبو بكر الغشم اعتسافك الشي‏ء ثم قال يقال غشم السلطان الرعية يغشمهم، قال الشيخ أبو هلال (رحمه الله) الاعتساف خبط الطريق على غير هداية فكأنه جعل‏

____________

(1) في نسخة «لا يخاف» و في السكندرية «و لا يخاف».

227

الغشم ظلما يجري على غير طرائق الظلم المعهودة.

(الفرق) بين‏

الظلم‏

و

البغي‏

أن الظلم ما ذكرناه، و البغي شدة الطلب لما ليس بحق بالتغليب و أصله في العربية شدة الطلب و منه يقال دفعنا بغي السماء خلفنا أي شدة مطرها، و بغي الجرح يبغي اذا ترامى الى فساد يرجع الى ذلك و كذلك البغاء و هو الزنا و قيل في قوله تعالى‏ (وَ الْإِثْمَ وَ الْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) أنه يريد الترأس على الناس بالغلبة و الاستطالة.

(الفرق) بين‏

القبح‏

و

الفحش‏

أن الفاحش الشديد القبح و يستعمل القبح في الصور فيقال القرد قبيح الصورة و لا يقال فاحش الصورة و يقال هو فاحش القبح و هو فاحش الطول و كل شي‏ء جاوز حد الاعتدال مجاوزة شديدة فهو فاحش و ليس كذلك القبيح.

(الفرق) بين‏

الحرام‏

و

السحت‏

أن السحت مبالغة في صفة الحرام، و لهذا يقال حرام سحت و لا يقال سحت حرام، و قيل السحت يفيد أنه حرام ظاهر فقولنا حرام لا يفيد أنه سحت و قولنا سحت يفيد أنه حرام و يجوز أن يقال أن السحت الحرام الذي يستأصل الطاعات من قولنا سحته اذا استأصلته، و يجوز أن يكون السحت الحرام الذي لا بركة له فكأنه مستأصل، و يجوز أن يكون المراد به أنه يستأصل صاحبه.

(الفرق) بين‏

الإثم‏

و

الخطيئة

أن الخطيئة قد تكون من غير تعمد و لا يكون الاثم الا تعمدا، ثم كثر ذلك حتى سميت الذنوب كلها خطايا كما سميت إسرافا، و أصل الاسراف مجاوزة الحد في الشي‏ء.

(الفرق) بين‏

الإثم‏

و

الذنب‏

أن الاثم في أصل اللغة التقصير أثم يأثم إذا قصر و منه قول الأعشى:

جمالية تغتلي بالرداف‏* * * إذا كذب الآثمات الهجيرا

الاغتلاء بعد الخطو، و الرداف جمع رديف، و كذب قصر، و عني بالآثمات المقصرات و من ثم سمي الخمر إثما لأنها تقصر بشاربها لذهابها بعقله.

228

(الفرق) بين‏

الأثيم‏

و

الآثم‏

أن الأثيم المتهادي في الاثم، و الآثم فاعل الاثم.

(الفرق) بين‏

الذنب‏

و

الجرم‏

أن الذنب ما يتبعه الذم أو ما يتتبع عليه العبد من قبيح فعله، و ذلك أن أصل الكلمة الاتباع على ما ذكرنا فأما قولهم للصبي قد أذنب فانه مجاز، و يجوز أن يقال الاثم هو القبيح الذي عليه تبعة، و الذنب هو القبيح من الفعل و لا يفيد معنى التبعة، و لهذا قيل للصبي قد أذنب و لم نقل قد أثم، و الأصل في الذنب الرذل من الفعل كالذنب الذي هو أرذل ما في صاحبه، و الجرم ما ينقطع به عن الواجب و ذلك أن أصله في اللغة القطع و منه قيل للصرام الجرام و هو قطع التمر.

(الفرق) بين‏

الحوب‏

و

الذنب‏

أن الحوب يفيد أنه مزجور عنه و ذلك أن أصله في العربية الزجر و منه يقال في زجر الابل حوب حوب و قد سمي الجمل به لأنه يزجر و حاب الرجل يحوب و قيل للنفس حوباء لأنها تزجر و تدعى.

(الفرق) بين‏

الوزر

و

الذنب‏

أن الوزر يفيد أنه يثقل صاحبه و أصله الثقل و منه قوله تعالى‏ (وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) و قال تعالى‏ (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) أي أثقالها يعني السلاح و قال بعضهم الوزر من الوزر و هو الملجأ يفيد أن صاحبه ملتجئ الى غير ملجأ و الأول أجود.

و مما يخالف الظلم المذكور في الباب العدل‏

(الفرق) بينه و بين‏

الإنصاف‏

أن الانصاف إعطاء النصف، و العدل يكون في ذلك و في غيره ألا ترى أن السارق اذا قطع قيل انه عدل عليه و لا يقال انه أنصف، و أصل الانصاف أن تعطيه نصف الشي‏ء و تأخذ نصفه من غير زيادة و لا نقصان و ربما قيل أطلب منك النصف كما يقال أطلب منك الانصاف ثم استعمل في غير ذلك مما ذكرناه و يقال أنصف‏

229

الشي‏ء اذا بلغ نصف نفسه و نصف غيره اذا بلغ نصفه.

(الفرق) بين‏

العدل‏

و

القسط

أن القسط هو العدل البين الظاهر و منه سمي المكيال قسطا و الميزان قسطا لأنه يصور لك العدل في الوزن حتى تراه ظاهرا و قد يكون من العدل ما يخفى و لهذا قلنا ان القسط هو النصيب الذي بينت وجوهه و تقسط القوم الشي‏ء تقاسموا بالقسط.

(الفرق) بين‏

العدل‏

و

الحسن‏

أن الحسن ما كان القادر عليه فعله و لا يتعلق بنفع واحد أو ضره، و العدل حسن يتعلق بنفع زيد أو ضر غيره‏ (1) ألا ترى أنه يقال ان كل الحلال حسن و شرب المباح حسن و ليس ذلك بعدل.

الفرق بين ما يخالف ذلك من‏

التوبة

و

الاعتذار

و

العفو

و

الغفران‏

و ما يجري معه‏

(الفرق) بين‏

التوبة

و

الاعتذار

أن التائب مقر بالذنب الذي يتوب منه معترف بعدم عذره فيه و المعتذر يذكر أن له فيما أتاه من المكروه عذرا و لو كان الاعتذار التوبة لجاز أن يقال اعتذر الى الله كما يقال تاب اليه و أصل العذر إزالة الشي‏ء عن جهته اعتذر الى فلان فعذره أي أزال ما كان في نفسه عليه في الحقيقة أو في الظاهر و يقال عذرته عذيرا، و لهذا يقال من عذيري من فلان و تأويله من يأتيني بعذر منه و منه قوله تعالى‏ (عُذْراً أَوْ نُذْراً) و النذر جمع نذير.

(الفرق) بين‏

الندم‏

و

التوبة

أن التوبة أخص من الندم و ذلك أنك قد تندم على الشي‏ء و لا تعتقد قبحه، و لا تكون التوبة من غير قبح فكل توبة ندم و ليس كل ندم توبة.

(الفرق) بين‏

الاستغفار

و

التوبة

أن الاستغفار طلب المغفرة بالدعاء و التوبة أو غيرهما من الطاعة، و التوبة الندم على الخطيئة مع العزم على‏

____________

(1) في السكندرية «عمرو».

230

ترك المعاودة فلا يجوز الاستغفار مع الاصرار لأنه مسلبة لله ما ليس من حكمه و مشيئته ما لا تفعله مما قد نصب الدليل فيه و هو تحكم عليه كما يتحكم المتأمر المتعظم على غيره بأن يأمره بفعل ما أخبر أنه لا يفعله.

(الفرق) بين‏

التأسف‏

و

الندم‏

أن التأسف يكون على الفائت من فعلك و فعل غيرك و الندم جنس من أفعال القلوب لا يتعلق الا بواقع من فعل النادم دون غيره فهو مباين لأفعال القلوب و ذلك أن الارادة و العلم و التمني و الغبط قد يقع على فعل الغير كما يقع على فعل الموصوف به، و الغضب يتعلق بفعل الغير فقط.

(الفرق) بين‏

العفو

و

الغفران‏

أن الغفران يقتضي إسقاط العقاب و إسقاط العقاب هو ايجاب الثواب فلا يستحق الغفران الا المؤمن المستحق للثواب و هذا (1) لا يستعمل الا في الله فيقال غفر الله لك و لا يقال غفر زيد لك الا شاذا قليلا و الشاهد على شذوذه أنه لا يتصرف في صفات العبد كما يتصرف في صفات الله تعالى ألا ترى أنه يقال استغفرت الله تعالى و لا يقال استغفرت زيدا، و العفو يقتضي اسقاط اللوم و الذم و لا يقتضي ايجاب الثواب، و لهذا يستعمل في العبد فيقال عفا زيد عن عمرو و اذا عفا عنه لم يجب عليه إثابته الا أن العفو و الغفران لما تقارب معناهما تداخلا و استعملا في صفات الله جل اسمه على وجه واحد فيقال عفا الله عنه و غفر له بمعنى واحد و ما تعدى به اللفظان يدل على ما قلنا و ذلك انك تقول عفا عنه فيقتضي ذلك إزالة شي‏ء عنه و تقول غفر له فيقتضي ذلك إثبات شي‏ء له.

(الفرق) بين‏

الغفران‏

و

الستر

أن الغفران أخص و هو يقتضي ايجاب الثواب. و الستر سترك الشي‏ء بستر ثم استعمل في الاضراب عن ذكر الشي‏ء فيقال ستر فلان على فلان اذا لم يذكر ما اطلع عليه من عثراته‏

____________

(1) في نسخة «و لهذا».

231

و ستر الله عليه خلاف فضحه و لا يقال لمن يستر عليه في الدنيا إنه غفر له لأن الغفران ينبئ عن استحقاق الثواب على ما ذكرنا، و يجوز أن يستر في الدنيا على الكافر و الفاسق.

(الفرق) بين‏

الصفح‏

و

الغفران‏

أن الغفران ما ذكرناه. و الصفح التجاوز عن الذنب من قولك صفحت الورقة اذا تجاوزتها و قيل هو ترك مؤاخذة المذنب بالذنب و ان تبدي له صفحة جميلة و لهذا لا يستعمل في الله تعالى.

(الفرق) بين‏

الإحباط

و

التكفير

أن الاحباط هو إبطال عمل البر من الحسنات بالسيئات و قد حبط هو و منه قوله تعالى‏ (وَ حَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها) و هو من قولك حبط بطنه اذا فسد بالمأكل الردي‏ء، و التكفير إبطال السيئات بالحسنات و قال تعالى‏ (كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ)*.

(الفرق) بين قولك‏

أبطل‏

و بين قولك‏

أدحض‏

ان أصل الابطال الاهلاك و منه سمي الشجاع بطلا لاهلاكه قرنه، و أصل الادحاض الاذلال فقولك أبطله يفيد أنه أهلكه و قولك أدحضه يفيد أنه أزاله و منه مكان دحض اذا لم تثبت عليه الاقدام و قد دحض اذا زل و منه قوله تعالى‏ (حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ).

232

الباب التاسع عشر في الفرق بين الثواب و العوض، و بين العوض و البدل، و بين القيمة و الثمن، و الفرق بين ما يخالف الثواب من العقاب و العذاب و الألم و الوجع و ما يجري مع ذلك.

(الفرق) بين‏

الثواب‏

و

العوض‏

أن العوض يكون على فعل العوض، و الثواب لا يكون على فعل المثيب و أصله المرجوع و هو ما يرجع اليه العامل، و الثواب من الله تعالى نعيم يقع على وجه الاجلال و ليس كذلك العوض لانه يستحق بالالم فقط و هو مثامنة من غير تعظيم فالثواب يقع على جهة المكافأة على الحقوق و العوض يقع على جهة المثامنة في البيوع.

(الفرق) بين‏

الثواب‏

و

الأجر

أن الاجر يكون قبل الفعل المأجور عليه و الشاهد أنك تقول ما أعمل حتى آخذ أجري و لا تقول لا أعمل‏ (1) حتى آخذ ثوابي لأن الثواب لا يكون الا بعد العمل على ما ذكرنا هذا على أن الأجر لا يستحق له الا بعد العمل كالثواب الا أن الاستعمال يجري بما ذكرناه و أيضا فان الثواب قد شهر في الجزاء على الحسنات، و الأجر يقال في هذا المعنى و يقال على معنى الأجرة التي هي من طريق المثامنة بأدنى الاثمان و فيها معنى المعاوضة بالانتفاع.

____________

(1) في السكندرية «اعلم» و ساقط من غيرها.

233

(الفرق) بين‏

العوض‏

و

البدل‏

أن العوض ما تعقب به الشي‏ء على جهة المثامنة تقول هذا الدرهم عوض من خاتمك و هذا الدينار عوض من ثوبك و لهذا يسمى ما يعطي الله الأطفال على ايلامه اياهم اعواضا، و البدل ما يقام مقامه و يوقع موقعه على جهة التعاقب دون المثامنة ألا ترى أنك تقول لمن أساء الى من أحسن اليه أنه بدل نعمته كفرا لأنه أقام الكفر مقام الشكر فلا تقول عوضه كفرا لأن معنى المثامنة لا يصح في ذلك، و يجوز أن يقال العوض هو البدل الذي ينتفع به و اذا لم يجعل على الوجه الذي ينتفع به لم يسم عوضا، و البدل هو الشي‏ء الموضوع مكان غيره لينتفع به أولا، قال ابن دريد الابدال جمع بديل مثل أشراف و شريف و فنيق و افناق، و قد يكون البدل الخلف من الشي‏ء، و البدل عند النحويين مصدر سمي به الشي‏ء الموضوع مكان آخر قبله جاريا عليه حكم الأول و قد يكون من جنسه و غير جنسه ألا ترى أنك تقول مررت برجل زيد فتجعل زيدا بدلا من رجل و زيد معرفة و رجل نكرة و المعرفة من غير جنس النكرة.

(الفرق) بين‏

تبديل‏

الشي‏ء و

الإتيان‏

بغيره‏

أن الاتيان بغيره لا يقتضي بل يجوز بقاؤه معه، و تبديله لا يكون الا برفعه و وضع آخر مكانه و لو كان تبديله و الاتيان بغيره سواءا لم يكن لقوله تعالى‏ (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ) فائدة و فيه كلام كثير أوردناه في تفسير هذه السورة، و قال الفراء يقال بدله إذا غيره و أبدله جاء ببدله.

(الفرق) بين‏

العوض‏

و

الثمن‏

أن الثمن يستعمل فيما كان عينا أو ورقا، و العوض يكون من ذلك و من غيره تقول أعطيت ثمن السلعة عينا أو ورقا و أعطيت عوضها من ذلك أو من العوض و اذا قيل الثمن من غير العين و الورق فهو على التشبيه.

(الفرق) بين‏

القيمة

و

الثمن‏

أن القيمة هي المساوية لمقدار المثمن من غير نقصان و لا زيادة، و الثمن قد يكون بخسا و قد يكون وفقا و زائدا و الملك لا يدل على الثمن، فكل ما له ثمن مملوك و ليس كل مملوك له ثمن،

234

و قال الله تعالى‏ (وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا)* فأدخل الباء في الآيات و قال في سورة يوسف‏ (وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ) فأدخل الباء في الثمن، قال الفراء هذا لأن العروض كلها أنت مخير في إدخال الباء فيها إن شئت قلت اشتريت بالثوب كساءا و إن شئت قلت اشتريت بالكساء ثوبا أيهما جعلته ثمنا لصاحبه جاز فاذا جئت الى الدراهم و الدنانير وضعت الباء في الثمن لأن الدراهم أبدا ثمن.

(الفرق) بين‏

الشراء

و

الاستبدال‏

أن كل شراء استبدال و ليس كل استبدال شراءا لأنه قد يستبدل الانسان غلاما بغلام و أجيرا بأجير و لم يشتره.

(الفرق) بين‏

العذاب‏

و

الألم‏

أن العذاب أخص من الألم و ذلك أن العذاب هو الألم المستمر و الألم يكون مستمرا و غير مستمر ألا ترى أن قرصة البعوض ألم و ليس بعذاب فان استمر ذلك قلت عذبني البعوض الليلة فكل عذاب ألم و ليس كل ألم عذابا، و أصل الكلمة الاستمرار و منه يقال ماء عذب لاستمرائه في الحلق.

(الفرق) بين‏

الألم‏

و

الوجع‏

أن الوجع أعم من الألم تقول آلمني زيد بضربته اياي و أوجعني بذلك و تقول أوجعني ضربني و لا تقول آلمني ضربني و كل ألم هو ما يلحقه بك غيرك، و الوجع ما يلحقك من قبل نفسك و من قبل غيرك ثم استعمل أحدهما في موضع الآخر.

(الفرق) بين‏

الألم‏

و

الوصب‏

أن الوصب هو الألم الذي يلزم البدن لزوما دائما و منه يقال و لا واصبة اذا كانت بعيدة كأنها من شدة بعدها لا غاية لها و منه قوله تعالى‏ (وَ لَهُ الدِّينُ واصِباً) و قوله تعالى‏ (وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ).

(الفرق) بين‏

العذاب‏

و

العقاب‏

أن العقاب ينبئ عن استحقاق و سمي بذلك لأن الفاعل يستحقه عقيب فعله، و يجوز أن يكون العذاب مستحقا و غير مستحق، و أصل العقاب التلو و هو تأدية الأول الى الثاني يقال عقب‏

235

الثاني الأول اذا تلاه و عقب الليل النهار و الليل و النهار هما عقيبان و أعقبه بالغبطة حسرة اذا أبدله بها و عقب باعتذار بعد اساءة و في التنزيل‏ (وَلَّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ)* أي لم يرجع بعد ذهابه تاليا له مجيئه و فيه‏ (لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) و تعقبت فلانا تتبعت أمره و استعقبت منه خيرا و شرا أي استبدلت بالأول ما يتلوه من الثاني، و تعاقبا الأمر تناوباه بما يتلو كل واحد منهما الآخر و عاقبت اللص بالقطع الذي يتلو سرقته و اعتقب الرجلان العقبة اذا ركبها كل واحد منهما على مناوبة الآخر (وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)* و على المجرمين لأنها تعقب المتقين خيرا و المجرمين شرا كما تقول الدائرة لفلان على فلان.

(الفرق) بين‏

البلاء

و

النقمة

أن البلاء يكون ضررا و يكون نفعا و اذا أردت النفع قلت أبليته و في القرآن‏ (وَ لِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً) و من الضر بلوته، و أصله أن تختبره بالمكروه و تستخرج ما عنده من الصبر به و يكون ذلك ابتداءا و النقمة لا تكون الا جزاءا و عقوبة و أصلها شدة الانكار تقول نقمت عليه الأمر اذا أنكرته عليه و قد تسمى النقمة بلاءا و البلاء لا يسمى نقمة اذا كان ابتداءا و البلاء أيضا اسم للنعمة و في كلام الأحنف البلاء ثم الثناء أي النعمة ثم الشكر.

(الفرق) بين قولك‏

أنكر

و بين قولك‏

نقم‏

أن قولك نقم أبلغ من قولك أنكر و معنى نقم أنكر انكار المعاقب و من ثم سمي العقاب نقمة.

(الفرق) بين‏

العقاب‏

و

الانتقام‏

أن الانتقام سلب النعمة بالعذاب، و العقاب جزاء على الجرم بالعذاب لأن العقاب نقيض الثواب و الانتقام نقيض الانعام.

(الفرق) بين‏

الخوف‏

و

الحذر

و

الخشية

و

الفزع‏

أن الخوف توقع الضرر المشكوك في وقوعه و من يتيقن الضرر لم يكن خائفا له و كذلك الرجاء لا يكون الا مع الشك و من تيقن النفع لم يكن راجيا له، و الحذر توقي الضرر، و سواء كان مظنونا أو متيقنا، و الحذر يدفع الضرر، و الخوف‏

236

لا يدفعه و لهذا يقال خذ حذرك و لا يقال خذ خوفك.

(الفرق) بين‏

الحذر

و

الاحتراز

أن الاحتراز هو التحفظ من الشي‏ء الموجود، و الحذر هو التحفظ مما لم يكن اذا علم أنه يكون أو ظن ذلك.

(الفرق) بين‏

الخوف‏

و

الخشية

أن الخوف يتعلق بالمكروه و بترك المكروه تقول خفت زيدا كما قال تعالى‏ (يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ) و تقول خفت المرض كما قال سبحانه‏ (وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ) و الخشية تتعلق بمنزل المكروه و لا يسمى الخوف من نفس المكروه خشية و لهذا قال‏ (يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ) فان قيل أليس قد قال‏ (إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ) قلنا انه خشي القول المؤدي الى الفرقة و المؤدي الى الشي‏ء بمنزلة من يفعله و قال بعض العلماء يقال خشيت زيدا و لا يقال خشيت ذهاب زيد فان قيل ذلك فليس على الأصل ولكن على وضع الخشية مكان الخوف، و قد يوضع الشي‏ء مكان الشي‏ء اذا قرب منه.

(الفرق) بين‏

الخشية

و

الشفقة

أن الشفقة ضرب من الرقة و ضعف القلب ينال الانسان و من ثم يقال للأم إنها تشفق على ولدها أي ترق له و ليست هي من الخشية و الخوف في شي‏ء و الشاهد قوله تعالى (و الَّذِينَ‏ (1) هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) و لو كانت الخشية هي الشفقة لما حسن أن يقول ذلك كما لا يحسن أن يقول يخشون من خشية ربهم، و من هذا الأصل قولهم ثوب شفق اذا كان رقيقا، و شبهت به البداة لأنها حمرة ليست بالمحكمة فقولك أشفقت من كذا معناه ضعف قلبي عن احتماله.

(الفرق) بين‏

الخوف‏

و

الرهبة

أن الرهبة طول الخوف و استمراره و من ثم قيل للراهب راهب لأنه يديم الخوف، و الخوف أصله من قولهم جمل رهب اذا كان طويل العظام مشبوح الخلق، و الرهابة العظم الذي على‏

____________

(1) في الأصل «ان الذين».

237

رأس المعدة يرجع الى هذا و قال علي بن عيسى الرهبة خوف يقع على شريطة لا مخافة و الشاهد أن نقيضها الرغبة و هي السلامة من المخاوف مع حصول فائدة و الخوف مع الشك بوقوع الضرر و الرهبة مع العلم به يقع على شريطة كذا و إن لم تكن تلك الشريطة لم تقع.

(الفرق) بين‏

التخويف‏

و

الإنذار

أن الانذار تخويف مع إعلام موضع المخافة من قولك نذرت بالشي‏ء اذا علمته فاستعددت له فاذا خوف الانسان غيره و أعلمه حال ما يخوفه به فقد أنذره، و إن لم يعلمه ذلك لم يقل أنذره، و النذر ما يجعله الانسان على نفسه اذا سلم مما يخافه، و الانذار احسان من المنذر و كلما كانت المخافة أشد كانت النعمة بالانذار أعظم و لهذا كان النبي (ص) أعظم الناس منة بانذاره لهم عقاب الله تعالى.

(الفرق) بين‏

الإنذار

و

الوصية

أن الانذار لا يكون الا منك لغيرك و تكون الوصية منك لنفسك و لغيرك تقول أوصيت نفسي كما تقول أوصيت غيري و لا تقول أنذرت نفسي، و الانذار لا يكون الا بالزجر عن القبيح و ما يعتقد المنذر قبحه. و الوصية تكون بالحسن و القبيح لأنه يجوز أن يوصي الرجل الرجل بفعل القبيح كما يوصي بفعل الحسن و لا يجوز أن ينذره الا فيما هو قبيح، و قيل النذارة نقيضة البشارة و ليست الوصية نقيضة البشارة.

(الفرق) بين‏

الخوف‏

و

الهلع‏

و

الفزع‏

أن الفزع مفاجأة الخوف عند هجوم غارة أو صوت هدة و ما أشبه ذلك و هو انزعاج القلب بتوقع مكروه عاجل و تقول فزعت منه فتعديه بمن و خفته فتعديه بنفسه فمعنى خفته أي هو نفسه خوفي و معنى فزعت منه أي هو ابتداء فزعي لأن من لابتداء الغاية و هو يؤكد ما ذكرناه، و أما الهلع فهو أسوأ الجزع و قبل الهلوع على ما فسره الله تعالى في قوله تعالى‏ (إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً) و لا يسمى هلوعا حتى تجتمع فيه هذه الخصال.

238

(الفرق) بين‏

الخوف‏

و

الهول‏

أن الهول مخافة الشي‏ء لا يدري على ما يقحم عليه منه كهول الليل و هول البحر و قد هالني الشي‏ء و هو هائل و لا يقال أمر مهول الا أن الشاعر قال في بيت:

و مهول من المناهل وحش‏* * * ذي عراقيب آجن مدفان‏

و تفسير المهول أن فيه هولا، و العرب اذا كان الشي‏ء أنشئ له يخرجونه على فاعل كقولهم دارع و اذا كان الشي‏ء أنشئ فيه أخرجوه على مفعول مثل يحبون فيه ذلك، و مديون عليه ذلك و هذا قول الخليل.

(الفرق) بين‏

الخوف‏

و

الوجل‏

أن الخوف خلاف الطمأنينة وجل الرجل يوجل وجلا اذا قلق و لم يطمئن و يقال أنا من هذا على وجل و من ذلك‏ (1) على طمأنينة، و لا يقال على خوف في هذا الموضع، و في القرآن‏ (الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)* أي اذا ذكرت عظمة الله و قدرته لم تطمئن قلوبهم الى ما قدموه من الطاعة و ظنوا أنهم مقصرون فاضطربوا من ذلك و قلقوا فليس الوجل من الخوف في شي‏ء، و خاف متعد و وجل غير متعد و صيغتاهما مختلفتان أيضا و ذلك يدل على فرق‏ (2) بينهما في المعنى.

(الفرق) بين‏

الاتقاء

و

الخشية

أن في الاتقاء معنى الاحتراس مما يخاف و ليس ذلك في الخشية.

(الفرق) بين‏

الخوف‏

و

البأس‏

و

البؤس‏

أن البأس يجري على العدة من السلاح و غيرها و نحوه قوله تعالى‏ (وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) و يستعمل في موضع الخوف مجازا فيقال لا بأس عليك و لا بأس في هذا الفعل أي لا كراهة فيه.

(الفرق) بين‏

الحيرة

و

الدهش‏

أن الدهش حيرة مع تردد و اضطراب‏

____________

(1) في السكندرية «و من هذا».

(2) «على فرق» غير موجودة في الأصل.

239

و لا يكون الا ظاهرا و يجوز أن تكون الحيرة خافية كحيرة الانسان بين أمرين تروى فيهما و لا يدري على أيهما يقدم و لا يظهر حيرته و لا يجوز أن يدهش و لا يظهر دهشته.

(الفرق) بين‏

الخجل‏

و

الحياء

أن الخجل معنى يظهر في الوجه لغم يلحق القلب عند ذهاب حجة أو ظهور على ريبة و ما أشبه ذلك فهو شي‏ء تتغير به الهيبة، و الحياء هو الارتداع بقوة الحياء و لهذا يقال فلان يستحي في هذا الحال أن يفعل كذا، و لا يقال يخجل أن يفعله في هذه الحال لان هيئته لا تتغير منه قبل أن يفعله فالخجل مما كان و الحياء مما يكون، و قد يستعمل الحياء موضع الخجل توسعا، و قال الانباري أصل الخجل في اللغة الكسل و التواني و قلة الحركة في طلب الرزق ثم كثر استعمال العرب له حتى أخرجوه على معنى الانقطاع في الكلام، و

في الحديث‏

«اذا جعتن وقعتن و اذا شبعتن خجلتن»

وقعتن أي ذللتن و خجلتن كسلتن، و قال أبو عبيدة الخجل ههنا الأشر و قيل هو سوء احتمال العناء و قد جاء عن العرب الخجل بمعنى الدهش قال الكميت:

فلم يدفعوا عندنا ما لهم‏* * * لوقع الحروب و لم يخجلوا

أي لم يبقوا دهشين مبهوتين.

(الفرق) بين‏

الرجاء

و

الطمع‏

أن الرجاء هو الظن بوقوع الخير الذي يعتري صاحبه الشك فيه الا أن ظنه فيه أغلب و ليس هو من قبيل العلم، و الشاهد أنه لا يقال أرجو أن يدخل النبي الجنة لكون ذلك متيقنا، و يقال أرجو أن يدخل الجنة اذا لم يعلم ذلك. و الرجاء الأمل في الخير و الخشية و الخوف في الشر لانهما يكونان مع الشك في المرجو و المخوف و لا يكون الرجاء الا عن سبب يدعو اليه من كرم المرجو أو ما به اليه، و يتعدى بنفسه تقول رجوت زيدا و المراد رجوت الخير من زيد لأن الرجاء لا يتعدى الى أعيان الرجال. و الطمع ما يكون من غير سبب يدعو اليه فاذا طمعت في الشي‏ء فكأنك حدثت نفسك به من غير أن يكون هناك‏

240

سبب يدعو اليه، و لهذا ذم الطمع و لم يذم الرجاء، و الطمع يتعدى الى المفعول بحرف فتقول طمعت فيه كما تقول فرقت منه و حذرت منه و اسم الفاعل طمع مثل حذر و فرق و دئب اذا جعلته كالنسبة و اذا بنيته على الفعل قلت طامع.

(الفرق) بين‏

الوجل‏

و

الأمل‏

أن الأمل رجاء يستمر فلأجل هذا قيل للنظر في الشي‏ء اذا استمر و طال تأمل، و أصله من الأميل و هو الرمل المستطيل.

(الفرق) بين‏

اليأس‏

و

القنوط

و

الخيبة

أن القنوط أشد مبالغة من اليأس و أما الخيبة فلا تكون الا بعد الأمل لأنها امتناع نيل ما أمل، فأما اليأس فقد يكون قبل الأمل و قد يكون بعده، و الرجاء و اليأس نقيضان يتعاقبان كتعاقب الخيبة و الظفر، و الخائب المنقطع عما أمل.

241

الباب العشرون في الفرق بين الكبر و التيه و الجبرية و الزهو و بين ما يخالف ذلك من التذلل و الخضوع و الخشوع و الهون و ما بسبيل ذلك‏

(الفرق) بين‏

الكبر

و

التيه‏

أن الكبر هو إظهار عظم الشأن و هو في صفات الله تعالى مدح لأن شأنه عظيم و في صفاتنا ذم لأن شأننا صغير و هو أهل للعظمة و لسنا لها بأهل، و الشأن ههنا معنى صفاته التي هي في أعلى مراتب التعظيم و يستحيل مساواة الأصغر له فيها على وجه من الوجوه، و الكبير الشخص و الكبير في السن و الكبير في الشرف و العلم يمكن مساواة الصغير له، أما في السن فبتضاعف مدة البقاء في الشخص، تتضاعف أجزاؤه و أما بالعلم فباكتساب مثل ذلك العلم. و التيه أصله الحيرة و الضلال، و انما سمي المتكبر تائها على وجه التشبيه بالضلال و التحير و لا يوصف الله به، و التيه من الأرض ما يتحير فيه و في القرآن‏ (يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) أي يتحيرون.

(الفرق) بين‏

الكبر

و

الكبرياء

أن الكبر ما ذكرناه و الكبرياء هي العز و الملك و ليست من الكبر في شي‏ء و الشاهد قوله تعالى‏ (وَ تَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ) يعني الملك و السلطان و العزة، و أما التكبر فهو اظهار الكبر مثل التشجع اظهار الشجاعة الا أنه في صفات الله تعالى بمعنى أنه يحق له أن يعتقد أنه الكبير و هو على معنى قولهم تقدس و تعالى لا على‏

242

ترفع علينا و تعظم و قيل المتكبر في صفاته بمعنى أنه المتكبر عن ظلم عباده.

(الفرق) بين‏

الكبر

و

الجبرية

و

الجبروت‏

، أن الجبرية أبلغ من الكبر و كذلك الجبروت و يدل على هذا فخامة لفظها و فخامة اللفظ تدل على فخامة المعنى فيما يجري هذا المجرى، و لهذا قال أهل العربية الملكوت أبلغ من الملك لفخامة لفظه، و كذلك الطاغوت أبلغ من الطاغي لفخامة لفظه، ولكن كثر استعمال الطاغوت حتى سمي كل ما عبد من دون الله طاغوتا و سمي الشيطان به لشدة طغيانه، و كل من جاوز الحد في ضرب أو معصية من الشر و المكروه فقد طغى، و تجبر أبلغ من تكبر، و قال بعض العلماء تجبر الرجل اذا تعظم بالقهر و هذا يؤيد ما قلناه من أنه أبلغ من تكبر لأن التكبر لا يتضمن معنى القهر، و الجبار القهار و الجبار العظيم في قوله تعالى‏ (إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ) و الجبار المتسلط في قوله تعالى‏ (وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) و قال الجبار القتال في قوله تعالى‏ (وَ إِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) قالوا قتالين، و الاجبار الاكراه و جبر النقص اتمامه و جبر المصيبة رفعها بالنعمة و الجبارة خشب الجبر و اجتبر و تجبر تعظم بالقهر و الجبار الذي لا أرش فيه و قيل الجبار في صفات الله تعالى بمعنى أنه لا يبالي بالأذى و أصله في النخلة التي فاتت اليد، و يقال تجبر الرجل ما لا اذا أصاب مالا و تجبر النبت اذا نبت في يبسه الرطب، و قال ابن عطاء الجبار في أسماء الله تعالى جل اسمه بمعنى أنه يجبر الكسر، و الجبرية مصدر منسوب الى الجبروت بحذف الواو و التاء و الجبروت أيضا يجري مجرى المصادر و معناه المبالغة في التجبر.

(الفرق) بين‏

الكبر

و

الزهو

أن الكبر إظهار عظم الشأن و هو فينا خاصة رفع النفس فوق الاستحقاق، و الزهو على ما يقتضيه الاستعمال رفع شي‏ء اياها من مال أو جاه و ما أشبه ذلك ألا ترى أنه يقال زها الرجل و هو مزهو كأن شيئا زهاه أي رفع قدره عنده و هو من قولك زهت الريح‏

243

الشي‏ء اذا رفعته و الزهو التزيد في الكلام.

(الفرق) بين‏

الزهو

و

النخوة

أن النخوة هو أن ينصب رأسه من الكبر و لهذا يقال في رأسه نخو و يتصرف في العربية كتصرف الزهو فيقال نخا الرجل فهو منخو الا أنه لم يسمع نخاه كذا كما يقال زهاه كذا.

(الفرق) بين‏

النخوة

و

الخزوانة

أن الخزوانة هو أن يشمخ أنفه من الكبر و يفتح منخره، و لهذا يقال في أنفه خزوانة و لا يقال في أنفه نخوة و يقال أيضا في رأسه خزوانة اذا مال رأسه من الكبر شبهها بامالة أنفه.

(الفرق) بين‏

العجب‏

و

الكبر

أن العجب بالشي‏ء شدة السرور به حتى لا يعادله شي‏ء عند صاحبه تقول هو معجب بفلانة اذا كان شديد السرور بها و هو معجب بنفسه اذا كان مسرورا بخصالها. و لهذا يقال أعجبه كما يقال سر به، فليس العجب من الكبر في شي‏ء، و قال علي بن عيسى: العجب عقد النفس على فضيلة لها ينبغي أن يتعجب منها و ليست هي لها.

(الفرق) بين‏

الاستكبار

و

الاستنكاف‏

أن في الاستنكاف معنى الأنفة و قد يكون الاستكبار طلب من غير أنفة و قال تعالى‏ (وَ مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَ يَسْتَكْبِرْ) أي يستنكف عن الاقرار بالعبودية و يستكبر عن الاذعان بالطاعة.

(الفرق) بين‏

الخشوع‏

و

الخضوع‏

أن الخشوع على ما قيل فعل يرى فاعله ان من يخضع له فوقه و انه أعظم منه، و الخشوع في الكلام خاصة و الشاهد قوله تعالى‏ (وَ خَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ) و قيل هما من أفعال القلوب و قال ابن دريد يقال خضع الرجل للمرأة و أخضع اذا ألان كلامه لها قال و الخاضع المطأطئ رأسه و عنقه و في التنزيل‏ (فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) و عند بعضهم أن الخشوع لا يكون الا مع خوف الخاشع المخشوع له و لا يكون تكلفا و لهذا يضاف الى القلب فيقال خشع قلبه و أصله البس و منه يقال قف خاشع للذي تغلب عليه السهولة، و الخضوع هو التطامن و التطأطؤ و لا يقتضي أن يكون معه خوف، و لهذا لا يجوز

244

اضافته الى القلب فيقال خضع قلبه و قد يجوز أن يخضع الانسان تكلفا من غير أن يعتقد أن المخضوع له فوقه و لا يكون الخشوع كذلك، و قال بعضهم الخضوع قريب المعنى من الخشوع الا أن الخضوع في البدن و الاقرار بالاستجداء و الخشوع في الصوت.

(الفرق) بين‏

التواضع‏

و

التذلل‏

أن التذلل اظهار العجز عن مقاومة من يتذلل له. و التواضع اظهار قدرة من يتواضع له سواء كان ذا قدرة على المتواضع أو لا، ألا ترى أنه يقال العبد متواضع لخدمة أي يعاملهم معاملة من لهم عليه قدرة و لا يقال يتذلل لهم لأن التذلل اظهار العجز عن مقاومة المتذلل له و انه قاهر و ليست هذه صفة الملك مع خدمه.

(الفرق) بين‏

التذلل‏

و

الذل‏

أن التذلل فعل الموصوف به و هو ادخال النفس في الذل كالتحلم ادخال النفس في الحلم و الذليل المفعول به الذل من قبل غيره في الحقيقة و إن كان من جهة اللفظ فاعلا، و لهذا يمدح الرجل بأنه متذلل و لا يمدح بأنه ذليل لأن تذلله لغيره اعترافه له و الاعتراف حسن و يقال العلماء متذللون لله تعالى و لا يقال أذلاء له سبحانه.

(الفرق) بين‏

الذل‏

و

الضعة

أن الضعة لا تكون الا بفعل الانسان بنفسه و لا يكون بفعل غيره وضيعا كما يكون بفعل غيره ذليلا، و اذا غلبه غيره قيل هو ذليل و لم يقل هو وضيع، و يجوز أن يكون ذليلا لأنه يستحق الذل كالمؤمن يصير في ذل الكفر فيعيش به ذليلا و هو عزيز في المعنى فلا يجوز أن يكون الوضيع رفيعا.

(الفرق) بين‏

الذل‏

و

الصغار

أن الصغار هو الاعتراف بالذل و الاقرار به و اظهار صغر الانسان، و خلافه الكبر و هو اظهار عظم الشأن، و في القرآن‏ (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ) و ذلك أن العصاة بالآخرة مقرون بالذل معترفون به و يجوز أن يكون ذليل لا يعترف بالذل.

(الفرق) بين‏

الذل‏

و

الخزي‏

أن الخزي ذل مع افتضاح و قيل هو الانقماع لقبح الفعل، و الخزاية الاستحياء لانه انقماع عن الشي‏ء لما فيه‏

245

من العيب قال ابن درستويه الخزي الاقامة على السوء خزى يخزي خزيا و اذا استحيا من سوء فعله أو فعل به قيل خزى يخزي خزاية لانهما في معنى واحد و ليس ذلك بشي‏ء لأن الاقامة على السوء و الاستحياء من السوء ليسا بمعنى واحد.

(الفرق) بين‏

الضراعة

و

الذل‏

أن الضراعة مشتقة من الضرع و الضرع معرض لحالبه و الشارب منه فالضارع هو المنقاد الذي لا امتناع به، و منه التضرع في الدعاء و السؤال و غيرهما و منه الضريع الذي ذكره سبحانه و تعالى‏ (1) في كتابه إنما هو من طعام و ذل لا منفعة فيه لآكله كما وصفه الله تعالى بقوله‏ (لا يُسْمِنُ وَ لا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ) و يجوز أن يقال التضرع هو أن يميل أصبعه يمينا و شمالا خوفا و ذلا و منه سمي الضرع ضرعا لميل اللبن اليه، و المضارعة المشابهة لأنها ميل الى الشبه مثل المقاربة.

(الفرق) بين‏

الخضوع‏

و

الذل‏

أن الخضوع ما ذكرناه و الذل الانقياد كرها و نقيضه العز و هو الاباء و الامتناع و الانقياد على كره و فاعله ذليل، و الذلال الانقياد طوعا و فاعله ذلول.

(الفرق) بين‏

الخضوع‏

و

الإخبات‏

أن المخبت هو المطمئن بالايمان و قيل هو المجتهد بالعبادة و قيل الملازم للطاعة و السكون و هو من أسماء المدوح مثل المؤمن و المتقي و ليس كذلك الخضوع لأنه يكون مدحا و ذما، و أصل الاخبات أن يصير الى خبت تقول أخبت اذا صار الى خبت و هو الارض المستوية الواسعة كما تقول أنجد اذا صار الى نجد، فالاخبات على ما يوجبه الاشتقاق هو الخضوع المستمر على استواء.

(الفرق) بين‏

الإذلال‏

و

الإهانة

أن اذلال الرجل للرجل هنا أن يجعله منقادا على الكره أو في حكم المنقاد، و الاهانة أن يجعله صغير الأمر لا يبالي به و الشاهد قولك استهان به أي لم يبال به و لم يلتفت اليه، و الاذلال‏

____________

(1) يشير الى الآية «لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ وَ لا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ».

246

لا يكون الا من الأعلى للأدنى، و الاستهانة تكون من النظير للنظير و نقيض الاذلال الاعزاز و نقيض الاهانة الاكرام فليس أحدهما من الآخر في شي‏ء الا أنه لما كان الذل يتبع الهوان سمي الهوان ذلا و اذلال أحدنا لغيره غلبته له على وجه يظهر و يشتهر ألا ترى أنه اذا غلبه في خلوة لم يقل انه أذله، و يجوز أن يقال ان اهانة أحدنا صاحبه هو تعريف الغير انه غير مستصعب عليه و اذلاله غلبته عليه لا غير، و قال بعضهم لا يجوز أن يذل الله تعالى العبد ابتداءا لأن ذلك ظلم ولكن يذله عقوبة ألا ترى أنه من قاد غيره على كره من غير استحقاق فقد ظلمه و يجوز أن يهينه ابتداءا بأن يجعله فقيرا فلا يلتفت اليه و لا يبالي به، و عندنا أن نقيض الاهانة الاكرام على ما ذكرنا فكما لا يكون الاكرام من الله الا ثوابا فكذلك لا تكون الاهانة الا عقابا، و الهوان نقيض الكرامة و الاهانة تدل على العداوة و كذلك العز يدل على العداوة و البراءة و الهوان مأخوذ من تهوين القدر، و الاستخفاف مأخوذ من خفة الوزن و الألم يقع للعقوبة و يقع للمعاوضة و الاهانة لا تقع الا عقوبة و يقال يستدل على نجابة الصبي بمحبته الكرامة، و قد قيل الذلة الضعف عن المقاومة و نقيضها العزة و هي القوة على الغلبة و منه الذلول و هو المقود من غير صعوبة لأنه ينقاد انقياد الضعيف عن المقاومة و أما الذليل فانه ينقاد على مشقة.

(الفرق) بين‏

الذليل‏

و

المهين‏

و

المذعن‏

أن المهين هو المستضعف و في القرآن‏ (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ

مَهِينٌ‏

) و فيه‏ (مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ) قال أهل التفسير أراد الضعيف قال المفضل هو فعيل من المهانة يقال مهن يمهن مهانة و مهنته مهنا و أنا ماهن و هو مهون و مهين، و يقال هو من المهنة و هي العمل و امتهنته امتهانا اذا ابتذلته، و من ثم قيل للخادم ماهن و الجمع مهنة و مهان، و أما الاذعان في العربية فهو الاسراع في الطاعة و ليس هو من الذل و الهون في شي‏ء.

(الفرق) بين‏

الحقير

و

الصغير

أن الحقير من كل شي‏ء ما نقص عن‏

247

المقدار المعهود لجنسه يقال هذه دجاجة حقيرة اذا كانت ناقصة الخلق عن مقادير الدجاج، و يكون الصغر في السن و في الحجم، تقول: طفل صغير و حجر صغير و لا يقال حجر حقير لأن الحجارة ليس لها قدر معلوم فاذا نقص شي‏ء منها عنه سمي حقيرا كما أن الدجاج و الحجل و ما أشبهها لها أقدار معلومة فاذا نقص شي‏ء من جملتها عنه سمي حقيرا، و الصغير يكون صغيرا بالاضافة الى ما هو أكبر منه، و سواء كان من جنسه أو لا، فالكوز صغير بالاضافة الى الجرة و الجمل صغير بالاضافة الى الفيل و لا يقال للجمل صغير على الاطلاق و انما يقال هو صغير بجنب الفيل.

(الفرق) بين‏

اليسير

و

القليل‏

أن القلة تقتضي نقصان العدد يقال قوم قليل و قليلون و في القرآن‏ (لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) يريد أن عددهم ينقص عن عدة غيرهم و هي نقيض الكثرة و ليست الكثرة الا زيادة العدد و هي في غيره استعارة و تشبيه، و اليسير من الاشياء ما يتيسر تحصيله أو طلبه و لا يقتضي ما يقتضيه القليل من نقصان العدد ألا ترى أنه يقال عدد قليل و لا يقال عدد يسير ولكن يقال مال يسير لأن جمع مثله يتيسر فان استعمل اليسير في موضع القليل فقد يجري اسم الشي‏ء على غيره اذا قرب منه.

(الفرق) بين‏

الكثير

و

الوافر

أن الكثرة زيادة العدد، و الوفور اجتماع آخر الشي‏ء حتى يكثر حجمه ألا ترى أنه يقال كردوس وافر و الكردوس عظم عليه لحم و لا يقال كردوس كثير و تقول حظ وافر و لا تقول كثير و انما تقول حظوظ كثيرة و رجال كثيرة و لا يقال رجل كثير فهذا يدل على أن الكثرة لا تصح الا فيما له عدد و ما لا يصح أن يعد لا تصح فيه الكثرة الا على استعارة و توسع.

(الفرق) بين‏

الجم‏

و

الكثير

أن الجم الكثير المجتمع و منه قيل جمة البئر لاجتماعها و قال أهل اللغة جمة البئر الماء المجتمع فيها و الجمة من الشعر سميت جمة لاجتماعها و أجمعت الفرس اذا أرحته يتجمع قوته، و أجم الشي‏ء اذا قرب كأنه قصد الاجتماع معك و يجوز أن يكون كثيرا غير مجتمع.

248

الباب الحادي و العشرون في الفرق بين العبث و اللعب و الهزل و المزاح و الاستهزاء و السخرية و ما يخالف ذلك‏

(الفرق) بين‏

العبث‏

و

اللعب‏

و

اللهو

أن العبث ما خلا عن الارادات الا ارادة حدوثه فقط، و اللهو و اللعب يتناولهما غير ارادة حدوثهما ارادة وقعا بها لهوا و لعبا ألا ترى أنه كان يجوز أن يقعا مع ارادة أخرى فيخرجا عن كونهما لهوا و لعبا، و قيل اللعب عمل للذة لا يراعى فيه داعي الحكمة كعمل الصبي لأنه لا يعرف الحكيم و لا الحكمة و انما يعمل للذة.

(الفرق) بين‏

اللهو

و

اللعب‏

أنه لا لهو الا لعب و قد يكون لعب ليس بلهو لأن اللعب يكون للتأديب كاللعب بالشطرنج و غيره و لا يقال لذلك لهو و انما اللهو لعب لا يعقب نفعا و سمي لهوا لأنه يشغل عما يعنى من قولهم ألهاني الشي‏ء أي شغلني و منه قوله تعالى‏ (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ).

(الفرق) بين‏

المزاح‏

و

الاستهزاء

أن المزاح لا يقتضي تحقير من يمازحه و لا اعتقاد ذلك ألا ترى أن التابع يمازح المتبوع من الرؤساء و الملوك و لا يقتضي ذلك تحقيرهم و لا اعتقاد تحقيرهم و لكن يقتضي الاستئناس بهم على ما ذكرناه في أول الكتاب، و الاستهزاء يقتضي تحقير المستهزأ به و اعتقاد تحقيره.

249

(الفرق) بين‏

الاستهزاء

و

السخرية

أن الانسان يستهزأ به من غير أن يسبق منه فعل يستهزأ به من أجله، و السخر يدل على فعل يسبق من المسخور منه و العبارة من اللفظين تدل عن صحة ما قلناه و ذلك أنك تقول استهزأت به فتعدى الفعل منك بالباء و الباء للالصاق كأنك ألصقت به استهزاءا من غير أن يدل على شي‏ء وقع الاستهزاء من أجله و تقول سخرت منه فيقتضي ذلك من وقع السخر من أجله كما تقول تعجبت منه فيدل ذلك على فعل وقع التعجب من أجله و يجوز أن يقال أصل سخرت منه التسخير و هو تذليل الشي‏ء و جعلك اياه منقادا فكأنك اذا سخرت منه جعلته كالمنقاد لك و دخلت من للتبعيض لأنك لم تسخره كما تسخر الدابة و غيرها و انما خدعته عن بعض عقله، و بني الفعل منه على فعلت لأنه بمعنى عنيت، و هو أيضا كالمطاوعة و المصدر السخرية كأنها منسوبة الى السخرة مثل العبودية و اللصوصية و أما قوله تعالى‏ (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا) فانما هو بعث الشي‏ء المسخر و لو وضع موضع المصدر جاز، و الهزء يجري مجرى العبث و لهذا جاز هزأت مثل عبثت فلا يقتضي معنى التسخير فالفرق بينهما بين.

(الفرق) بين‏

المزاح‏

و

الهزل‏

أن الهزل يقتضي تواضع الهازل لمن يهزل بين يديه و المزاح لا يقتضي ذلك ألا ترى أن الملك يمازح خدمه و إن لم يتواضع لهم تواضع الهازل لمن يهزل بين يديه و النبي (ص) يمازح و لا يجوز أن يقال يهزل و يقال لمن يسخر يهزل و لا يقال يمزح.

(الفرق) بين‏

المزاح‏

و

المجون‏

أن المجون هو صلابة الوجه و قلة الحياء من قولك مجن الشي‏ء يمجن مجونا اذا صلب و غلظ و منه سميت الخشبة التي يدق عليها القصار الثوب مجنة و أصل المجنة البقعة الغليظة تكون في الوادي و أصلها موجنة فقلبت الواو ياءا لكسرة ما قبلها و منه الوجين و هو الغليظ من الأرض و منه ناقة و جناء صلبة شديدة و قيل هي الغليظة الوجنات و الوجنة ما صلب من الوجه، و المجون كلمة مولدة لم تعرفه العرب و انما تعرف أصله و هو الذي ذكرناه، و قيل المزاح الايهام‏

250

المشي‏ء في الظاهر و هو على خلافه في الباطن من غير اغترار للايقاع في مكروه، و الاستهزاء الايهام لما يجب في الظاهر و الأمر على خلافه في الباطن على جهة الاغترار.

(الفرق) بين‏

الجد

و

الانكماش‏

أن الانكماش سرعة السير يقال انكمش سيره اذا أسرع فيه ثم استعمل في كل شي‏ء تصح فيه السرعة فتقول انكمش على النسخ و الكتابة و ما يجري مع ذلك، و الجد صدق القيام في كل شي‏ء تقول جد في السير و جد في اغاثة زيد و في نصرته و لا يقال انكمش في اغاثة زيد و نصرته اذ ليس مما تصح فيه السرعة.

251

الباب الثاني و العشرون في الفرق بين الحيلة و التدبير، و السحر و الشعبذة، و المكر و الكيد و ما يقرب من ذلك، و بين العجب و الامر و ما بسبيله‏

(الفرق) بين‏

الحيلة

و

التدبير

أن الحيلة ما أحيل به عن وجهه فيجلب به نفع أو يدفع به ضر، فالحيلة بقدر النفع و الضر من غير وجه و هي في قول الفقهاء على ضربين: محظور و مباح، فالمباح أن تقول لمن يحلف على وطء جاريته في حال شرائه لها قبل أن يشتريها اعتقها و تزوجها ثم طأها و أن تقول لمن يحلف على وطء امرأته في شهر رمضان أخرج في سفر وطأها. و المحظور أن تقول لمن ترك صلوات ارتد ثم أسلم يسقط عنك قضاؤها، و انما سمي ذلك حيلة لأنه شي‏ء أحيل من جهة الى جهة أخرى و يسمى تدبيرا أيضا. و من التدبير ما لا يكون حيلة و هو تدبير الرجل لاصلاح ماله و اصلاح أمر ولده و أصحابه، و قد ذكرنا اشتقاق التدبير قبل.

(الفرق) بين‏

السحر

و

الشعبذة

أن السحر هو التمويه و تخيل الشي‏ء بخلاف حقيقته مع ارادة تجوزه على من يقصده به و سواء كان ذلك في سرعة أو بطء، و في القرآن‏ (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى‏) و الشعبذة ما يكون من ذلك في سرعة فكل شعبذة سحر و ليس كل سحر شعبذة.

252

(الفرق) بين‏

السحر

و

التمويه‏

، أن التمويه هو تغطية الصواب و تصوير الخطأ بغير صورته، و أصله طلاء الحديد و الصفر (1) بالذهب و الفضة ليوهم أنه ذهب و فضة، و يكون التمويه في الكلام و غيره تقول كلام مموه اذا لم تبين حقائقه، و حلى مموه اذا لم يعين‏ (2) جنسه.

و السحر اسم لما دق من الحيلة حتى لا تفطن الطريقة، و قال بعضهم التمويه اسم لكل حيلة لا تأثير لها قال و لا يقال تمويه الا و قد عرف معناه و المقصد منه، و يقال سحر و ان لم يعرف المقصد منه و لهذا قيل: التمويه ما لا يثبت، و قيل التمويه أن ترى شيئا مجوزا له بغيره كما يفعل مموه الحديد فيجوزه بالذهب. و

سمى النبي (ص) البيان سحرا

و ذلك أن البليغ يبلغ ببلاغته ما لا يبلغ الساحر بلطافة حيلته.

(الفرق) بين‏

العجب‏

و

الأمر

أن الامر العجب الظاهر المكشوف، و الشاهد أن أصل الكلمة الظهور و منه قيل للعلامة الامارة لظهورها و الامرة و الامارة ظاهر الحال، و في القرآن‏ (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً).

(الفرق) بين‏

العجب‏

و

الأد

أن الأد العجب المنكر. و أصله من قولك أد البعير كما تقول ند أي شرد فالاد العجب الذي خرج عما في العادة من أمثاله، و العجب استعظام الشي‏ء لخفاء سببه و المعجب ما يستعظم لخفاء سببه.

(الفرق) بين‏

العجيب‏

و

الطريف‏

(3) أن الطريف‏ (3) خلاف التليد (4) و هو ما يستطرفه الانسان من الأموال‏ (5)، و التليد (4) المال القديم الموروث من المال أعجب الى الانسان سمى كل عجيب طريفا و ان لم يكن مالا.

____________

(1) في نسخة «الصقل.

(2) في نسخة «يبين».

(3) في نسخة «الظريف».

(4) في نسخة «البليد» و في السكندرية مهملة من النقط.

(5) في السكندرية «المال».

253

(الفرق) بين‏

الخدع‏

و

الكيد

أن الخدع هو اظهار ما ينطق خلافه أراد اجتلاب نفع أو دفع ضر، و لا يقتضي أن يكون بعد تدبر و نظر و فكر ألا ترى أنه يقال خدعه في البيع اذا غشه من جشاء و همه الانصاف و ان كان ذلك بديهة من غير فكر و نظر، و الكيد لا يكون الا بعد تدبر و فكر و نظر، و لهذا قال أهل العربية: الكيد التدبير على العدو و ارادة اهلاكه، و سميت الحيل التي يفعلها أصحاب الحروب بقصد اهلاك اعدائهم مكايد لأنها تكون بعد تدبر و نظر، و يجي‏ء الكيد بمعنى الارادة و هو قوله تعالى‏ (كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ) أي أردنا، و دل على ذلك بقوله‏ (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) و إن شاء الله بمعنى المشيئة، و يجوز أن يقال الكيد الحيلة التي تقرب وقوع المقصود به من المكروه و هو من قولهم كاد يفعل كذا أي قرب الا أنه قيل في هذا يكاد و في الأولى يكيد للتصرف في الكلام و التفرقة بين المعنيين، و يجوز أن يقال ان الفرق بين الخدع و الكيد أن الكيد اسم لفعل المكروه بالغير قهرا تقول كايدني فلان أي ضرني قهرا، و الخديعة اسم لفعل المكروه بالغير من غير قهر بل بأن يريد بأنه ينفعه، و منه الخديعة في المعاملة و سمى الله تعالى قصد أصحاب الفيل مكة كيدا في قوله تعالى‏ (أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ) و ذلك أنه كان على وجه القهر.

(الفرق) بين‏

الخدع‏

و

الغرور

أن الغرور ايهام يحمل الانسان على فعل ما يضره مثل أن يرى السراب فيحسبه ماءا فيضيع ماءه فيهلك عطشا و تضييع الماء فعل أداه اليه غرور السراب اياه، و كذلك غر ابليس آدم ففعل آدم الأكل الضار له. و الخدع أن يستر عنه وجه الصواب فيوقعه في مكروه، و أصله من قولهم خدع الضب اذا توارى في جحره و خدعه في الشراء أو البيع اذا أظهر له خلاف ما أبطن فضره في ماله، و قال علي بن عيسى: الغرور ايهام حال السرور فيما الأمر بخلافه في المعلوم و ليس كل ايهام غرورا لأنه قد يوهمه مخوفا ليحذر منه فلا يكون قد غره، و الاغترار ترك الحزم فيما يمكن أن يتوثق فيه فلا عذر في ركوبه، و يقال في الغرور

254

غره فضيع ماله و أهلك نفسه، و الغرور قد يسمى خدعا، و الخدع يسمى غرورا على التوسع و الأصل ما قلناه، و أصل الغرور الغفلة، و الغر الذي لم يجرب الأمور يرجع الى هذا فكأن الغرور يوقع المغرور فيما هو غافل عنه من الضرر، و الخدع مرجع يستر عنه وجه الأمر.

(الفرق) بين‏

الكيد

و

المكر

أن المكر مثل الكيد في أنه لا يكون الا مع تدبر و فكر الا أن الكيد أقوى من المكر، و الشاهد أنه يتعدى بنفسه و المكر يتعدى بحرف فيقال كاده يكيده و مكر به و لا يقال مكره و الذي يتعدى بنفسه أقوى، و المكر أيضا تقدير ضرر الغير من أن يفعل به ألا ترى أنه لو قال له أقدر أن أفعل بك كذا لم يكن ذلك مكرا و انما يكون مكرا اذا لم يعلمه به، و الكيد اسم لايقاع المكروه بالغير قهرا سواء علم أو لا، و الشاهد قولك فلان يكايدني فسمى فعله كيدا و إن علم به، و أصل الكيد المشقة، و منه يقال فلان يكيد لنفسه أي يقاسي المشقة، و منه الكيد لايقاع ما فيه من المشقة و يجوز أن يقال الكيد ما يقرب وقوع المقصود به من المكروه على ما ذكرناه، و المكر ما يجتمع به المكروه من قولك جارية ممكورة الخلق أي ملتفة مجتمعة اللحم غير رهلة.

(الفرق) بين‏

الحيلة

و

المكر

أن من الحيلة ما ليس بمكر و هو أن يقدر نفع الغير لا من وجهه فيسمى ذلك حيلة مع كونه نفعا، و المكر لا يكون نفعا. و فرق آخر و هو أن المكر بقدر ضرر الغير من غير أن يعلم به و سواء كان من وجهه أولا، و الحيلة لا تكون الا من غير وجهه، و سمى الله تعالى ما توعد به الكفار مكرا في قوله تعالى‏ (فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ) و ذلك أن الماكر ينزل المكروه بالممكور به من حيث لا يعلم فلما كان هذا سبيل ما توعدهم به من العذاب سماه مكرا، و يجوز أن يقال سماه مكرا لأنه دبره و أرسله في وقته، و المكر في اللغة التدبير على العدو فلما كان أصلهما واحدا قام أحدهما مقام الآخر، و أصل المكر في اللغة الفتل و منه قيل جارية ممكورة أي ملتفة البدن و انما سميت الحيلة مكرا