تنزيه الأنبياء عليهم السلام‏

- السيد المرتضى المزيد...
185 /
51

يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَ اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ‏ و على مذهبهم الفاسد كل واحد منهما خاطئ فيجب أن يستغفر فلم اختصت بالاستغفار دونه و قوله تعالى حاكيا عنه‏ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ‏ فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن و الاستجابة تؤذن ببراءته من كل سوء و تنبئ أنه لو فعل ما ذكروه لكان قد صبا و لم يصرف عنه كيدهن و قوله تعالى‏ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ و العزم على المعصية من أكبر السوء و قوله تعالى حاكيا عن الملك‏ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ‏ و لا يقال ذلك فيمن فعل ما ادعوه عليه فإن قيل فأي معنى لقول يوسف (ع) وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي‏ قلنا إنما أراد الدعاء و المنازعة و الشهوة و لم يرد العزم على المعصية و هو لا يبرئ نفسه مما لا يعرى منه طباع البشر و في ذلك جواب آخر اعتمده أبو علي الجبائي و اختاره و إن كان قد سبق إليه جماعة من أهل التأويل و ذكروه و هو أن هذا الكلام الذي هو ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إنما هو من المرأة لا من كلام يوسف (ع) و استشهدوا على صحة هذا التأويل بأنه منسوق على الكلام المحكي عن المرأة بلا شك أ لا ترى أنه تعالى قال‏ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ فنسق الكلام على كلام المرأة و على هذا التأويل يكون التبري من الخيانة الذي هو ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب من كلام المرأة لا من كلام يوسف (ع) و يكون المكنى عنه في قولها أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ‏ هو يوسف (ع) دون زوجها لأن زوجها قد خانته في الحقيقة بالغيب و إنما أرادت لم أخن يوسف (ع) و هو غائب في‏

52

السجن و لم أقل فيه لما سئلت عنه و عن قصتي معه إلا الحق و من جعل ذلك من كلام يوسف (ع) جعله محمولا على أني لم أخن العزيز في زوجته بالغيب و هذا الجواب كأنه أشبه بالظاهر لأن الكلام معه لا ينقطع عن اتساقه و انتظامه فإن قيل فأي معنى لسجنه إذا كان عند القوم متبرئا من المعصية متنزها عن الخيانة قلنا قد قيل إن العلة في ذلك الستر على المرأة و التمويه [و الكتمان لأمرها] على أمرها حتى لا تفتضح و ينكشف أمرها لكل أحد و الذي يشهد بذلك قوله تعالى‏ ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ و جواب آخر في الآية على أن الهم فيها هو العزم و هو أن يحمل الكلام على التقديم و التأخير و يكون تلخيصه و لقد همت به و لو لا أن رأى برهان ربه لهم بها و يجري ذلك مجرى قولهم قد كنت هلكت لو لا أن تداركتك و قتلت لو لا أني قد خلصتك و المعنى لو لا تداركي لهلكت و لو لا تخليصي لقتلت و إن لم يكن وقع هلاك و لا قتل قال الشاعر

فلا يدعني قومي صريخا لحرة* * * لئن كنت مقتولا و يسلم عامر

و قال الآخر

فلا يدعني قومي ليوم كريهة* * * لئن لم أعجل طعنة أو أعجل‏

فقدم جواب لئن في البيتين جميعا و قد استبعد قوم تقديم جواب لو لا عليها و قالوا لو جاز ذلك لجاز قولهم قام زيد لو لا عمرو و قصدتك لو لا بكر و قد بينا بما أوردناه من الأمثلة و الشواهد جواز تقديم جواب لو لا و أن القائل قد يقول قد كنت قمت لو لا كذا و كذا و قد كنت قصدتك لو لا أن صدني فلان و إن لم يقع قيام و لا قصد و هذا هو الذي يشبه الآية دون ما ذكروه من المثال و بعد فإن في الكلام شرطا و هو قوله تعالى‏ لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ‏ فكيف يحمل على الإطلاق مع حصول الشرط فليس لهم أن يجعلوا جواب لو لا محذوفا لأن جعل جوابها موجودا أولى و ليس تقديم جواب لو لا بأبعد من حذفه جملة من الكلام و إذا جاز عندهم الحذف لئلا يلزم تقديم الجواب جاز لغيرهم تقديم الجواب حتى لا يلزم الحذف‏

53

فإن قيل فما البرهان الذي رآه يوسف (ع) حتى انصرف لأجله عن المعصية و هل يصح أن يكون البرهان ما روي من أن الله تعالى أراه صورة أبيه يعقوب (ع) عاضا على إصبعه متوعدا له على مقارفة المعصية أو يكون ما روي من أن الملائكة نادته بالنهي و الزجر في الحال قلنا ليس يجوز أن يكون البرهان الذي رآه فانزجر به عن المعصية ما ظنه العامة من الأمرين اللذين ذكرناهما لأن ذلك يفضي إلى الإلجاء و ينافي التكليف و يضاد المحنة و لو كان الأمر على ما ظنوه لما كان يوسف (ع) يستحق تنزيهه عما دعته إليه المرأة من المعصية مدحا و لا ثوابا و هذا من أقبح القول فيه (ع) لأن الله تعالى قد مدحه بالامتناع عن المعصية و أثنى عليه بذلك فقال تعالى‏ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ‏ فأما البرهان فيحتمل أن يكون لطفا لطف الله تعالى له به في تلك الحال أو قبلها فاختار عنده الامتناع من المعاصي و التنزه عنها و هو الذي يقتضي كونه معصوما لأن العصمة هي ما اختير [ما اختار] عنده من الألطاف التنزه عن القبيح و الامتناع من فعله و يجوز أن يكون هذه الرؤية هاهنا بمعنى العلم كما يجوز أن يكون بمعنى الإدراك لأن كلا الوجهين يحتمله القول و ذكر آخرون أن البرهان هاهنا إنما هو دلالة الله تعالى ليوسف (ع) على تحريم ذلك الفعل و على أن من فعله استحق العقاب لأن ذلك أيضا صارف عن الفعل و مقو له لدواعي الامتناع منه و هذا أيضا جائز مسألة فإن قيل كيف يجوز أن يقول يوسف (ع) رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ‏ و نحن نعلم أن سجنهم له معصية كما أن ما دعوه إليه معصية و محبة المعصية عندكم لا تكون إلا قبيحة الجواب قلنا في تأويل هذه الآية جوابان أحدهما أنه أراد بقوله أحب إلي أخف علي و أسهل و لم يرد المحبة التي هي الإرادة على الحقيقة و هذا يجري مجرى أن يخير أحدنا بين فعلين ينزلان به يكرههما و يشقان‏

54

يثقلان عليه فيقول في الجواب كذا أحب إلي و إنما يريد ما ذكرناه من السهولة و الخفة و الوجه الآخر أنه أراد أن توطيني نفسي و تصبيري لها على السجن أحب إلي من مواقعة المعصية فإن قيل هذا خلاف الظاهر لأنه مطلق و قد أضمرتم فيه قلنا لا بد من مخالفة الظاهر لأن السجن نفسه لا يجوز أن يكون مرادا ليوسف (ع) و كيف يريده و إنما السجن البنيان المخصوص و إنما يكون الكلام ظاهره يخالف ما قلناه إذا قرئ‏ رَبِّ السِّجْنُ‏ بفتح السين و إن كانت أيضا هذه القراءة محتملة للمعنى الذي ذكرناه فكأنه أراد أن سجني نفسي عن المعصية أحب إلي من مواقعتها فرجع معنى السجن إلى فعله دون أفعالهم و إذا كان الأمر على ما ذكرناه فليس للمخالف أن يضمر في الكلام أن كوني في السجن و جلوسي فيه أحب إلي بأولى ممن أضمر ما ذكرناه لأن كلا الأمرين يعود إلى السجن و يتعلق به فإن قيل كيف يقول‏ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ‏ و هو لا يحب ما دعوه إليه على وجه من الوجوه و من شأن هذه اللفظة أن تستعمل بين شيئين مشتركين في معناها قلنا قد تستعمل هذه اللفظة فيما لا اشتراك فيه أ لا ترى أن من خير بين ما يكرهه و ما يحبه ساغ له أن يقول هذا أحب إلي من هذا و إن لم يحسن أن يقول ذلك مبتدئا من غير أن يخير هذا أحب إلي من هذا إذا كانا لا يشتركان في محبته و إنما سوغ ذلك على أحد الوجهين دون الآخر لأن المخير بين الشيئين في الأصل لا يخير بينهما إلا و هما مرادان له أو مما يصح أن يريدهما فموضوع التخيير يقتضي ذلك و إن حصل فيما يخالف أصل موضوعه فمن قال و قد خير بين شيئين لا يحب أحدهما هذا أحب إلي إنما يكون مجيبا بما يقتضيه أصل الموضوع في التخيير و يقارب ذلك قوله تعالى‏ قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ و نحن نعلم أنه لا خير في العقاب و إنما حسن القول لوقوعه موقع التقريع‏

55

و التوبيخ على اختيار المعاصي على الطاعات و أنهم ما آثروها إلا لاعتقادهم أن فيها خيرا و نفعا فقيل أ ذلك خير على ما تظنوه و تعتقدونه أم كذا و كذا و قد قال في قوله تعالى‏ أَ ذلِكَ خَيْرٌ إنه إنما حسن لاشتراك الحالتين في باب المنزلة و إن لم يشتركا في الخير و النفع كما قال تعالى‏ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلًا و مثل هذا المعنى يتأتى في قوله‏ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَ‏ لأن الأمرين يعني المعصية و دخول السجن مشتركان في أن لكل منهما داعيا و عليه باعثا و إن لم يكن يشتركان في تناول المحبة فجعل اشتراكهما في دواعي المحبة اشتراكا في المحبة نفسها و أجري اللفظ على ذلك فإن قيل كيف يقول‏ وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ‏ و عندكم أن امتناع القبيح منه (ع) ليس بمشروط بارتفاع الكيد عنه بل هو ممتنع منه و إن وقع الكيد قلنا إنما أراد يوسف (ع) أنك متى لم تلطف بي لما تدعوني إلى مجانبة الفاحشة و تثبتني على تركها صبوت و هذا منه انقطاع إلى الله تعالى و تسليم لأمره و إنه لو لا معونته و لطفه ما نجا من الكيد و الكلام و إن تعلق في الظاهر بالكيد نفسه فقال (ع) وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَ‏ فالمراد به إلا تصرف عني ضرر كيدهن لأنهن إنما جرين بالكيد إلى مساعدته لهن على المعصية فإذا عصم منها و لطف له في الانصراف عنها كان الكيد مصروفا عنه من حيث لم يقع ضرره و ما أجرى به إليه و لهذا يقال لمن أجرى بكلامه إلى غرض لم يقع ما قلت شيئا و لمن فعل ما لا تأثير له ما فعلت شيئا و هذا بين بحمد الله تعالى مسألة فإن قيل كيف يجوز على يوسف (ع) و هو نبي مرسل أن يعول في إخراجه من السجن على غير الله تعالى و يتخذ سواه وكيلا في ذلك في قوله للذي كان معه‏ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ‏ حتى وردت الرواية أن سبب طول حبسه (ع) إنما كان لأنه‏

56

عول على غير الله تعالى الجواب قلنا إن سجنه (ع) إذا كان قبيحا و منكرا فعليه أن يتوصل إلى إزالته بكل وجه و سبب و يتشبث إليه بكل ما يظن أنه يزيله عنه و يجمع فيه بين الأسباب المختلفة فلا يمتنع على هذا أن يضم إلى دعائه الله تعالى و رغبته إليه في خلاصه من السجن أن يقول لبعض من يظن أنه سيؤدي قوله‏ اذْكُرْنِي‏ و نبه على خلاصي و إنما القبيح أن يدع التوكل و يقتصر على غيره فأما إن يجمع بين التوكل و الأخذ بالحزم فهو الصواب الذي يقتضيه الدين و العقل و يمكن أيضا أن يكون الله تعالى أوحى إليه بذلك و أمره بأن يقول للرجل ما قاله مسألة فإن قيل فما الوجه في طلب يوسف (ع) أخاه من إخوته ثم حبسه له عن الرجوع إلى أبيه مع علمه بما يلحقه عليه من الحزن و هل هذا إلا إضرار به و بأبيه الجواب قلنا الوجه في ذلك ظاهر لأن يوسف (ع) لم يفعل ذلك إلا بوحي من الله تعالى و ذلك امتحان منه لنبيه يعقوب (ع) و ابتلاء لصبره و تعريض للعالي من منزلة الثواب و نظير ذلك امتحانه له (ع) بأن صرف عنه خبر يوسف (ع) طول المدة حتى ذهب بصره بالبكاء عليه و إنما أمرهم يوسف (ع) بأن يلطفوا بأبيهم في إرساله من غير أن يكذبوه و يخدعوه فإن قيل أ ليس قد قالوا سنراود عنه أباه و المراودة هي الخداع و المكر قلنا ليس المراودة ما ظننتم بل هي التلطف و التسبب و الاحتيال و قد يكون ذلك من جهة الصدق و الكذب جميعا و إنما أمرهم بفعله على أحسن الوجوه فإن خالفوه فلا لوم إلا عليهم مسألة فإن قيل فما معنى جعل السقاية في رحل أخيه و ذلك تعريض منه لأخيه بالتهمة ثم إن مؤذنه نادى بأنهم سارقون و لم يسرقوا على الحقيقة الجواب قلنا أما جعله السقاية في رحل أخيه فالغرض فيه التسبب إلى احتباس أخيه عنده و يجوز أن يكون ذلك بأمر الله تعالى و قد روي أنه ع‏

57

أعلم أخاه بذلك ليجعله طريقا إلى التمسك به فقد خرج على هذا القول من أن يكون مدخلا على أخيه غما و ترويعا بما جعله من السقاية في رحله و ليس بمعرض له للتهمة بالسرقة لأن وجود السقاية في رحله يحتمل وجوها كثيرة غير السرقة فليس يجب صرفه إليها إلا بدليل و على من صرف ذلك إلى السرقة من غير طريق اللوم لتقصيره و تسرعه و لا ظاهر أيضا لوجود السقاية في الرحل يقتضي السرقة لأن الاشتراك في ذلك قائم و قرب هذا الفعل من سائر الوجوه التي يحتملها على حد واحد فأما نداء المنادي بأنهم سارقون فلم يكن بأمره (ع) و كيف يأمر بالكذب و إنما نادى بذلك أحد القوم لما فقدوا الصواع و سبق إلى قلوبهم أنهم سرقوه و قد قيل إن المراد بأنهم سارقون أنهم سرقوا يوسف (ع) من أبيه و أوهموه أنهم يحفظونه و ضيعوه فالمنادي صادق على هذا الوجه و لا يمتنع أن يكون النداء بإذنه (ع) غير أن ظاهر القصة و اتصال الكلام بعضه ببعض يقتضي أن يكون المراد بالسرقة سرقة الصواع الذي تقدم ذكره و أحسوا فقده و قد قيل إن الكلام خارج على معنى الاستفهام و إن كان ظاهره ظاهر الخبر كأنه قال إنكم لسارقون فأسقط ألف الاستفهام كما سقطت في مواضع قد تقدم ذكرها في قصة إبراهيم (ع) و هذا الوجه فيه بعض الضعف لأن ألف الاستفهام لا تكاد تسقط إلا في موضع يكون على سقوطها دلالة في الكلام مثل قول الشاعر

كذبتك نفسك أم رأيت بواسط* * * غلس الظلام من الرباب خيالا

مسألة فإن قيل فما بال يوسف (ع) لم يعلم أباه بخبره لتسكن نفسه و يزول وجده و همه مع علمه بشدة تحرقه و عظم قلقه الجواب قلنا في ذلك وجهان أحدهما أن ذلك كان له ممكنا و كان عليه قادرا فأوحى الله تعالى إليه بأن يعدل عن اطلاعه على خبره تشديدا للمحنة عليه و تعريضا للمنزلة الرفيعة في البلوى و له تعالى أن يصعب التكليف و أن يسهله و الوجه الآخر أنه جائز أنه‏

58

ع لم يتمكن من ذلك و لا قدر عليه فلذلك عدل عنه مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى‏ وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً و كيف يرضى بأن يسجدوا له و السجود لا يكون إلا لله تعالى الجواب قلنا في ذلك وجوه منها أن يكون تعالى لم يرد بقوله إنهم سجدوا له إلى جهته بل سجدوا لله تعالى من أجله لأنه تعالى جمع بينهم و بينه كما يقول القائل إنما صليت لوصولي إلى أهلي و صمت لشفائي من مرضي و إنما يريد من أجل ذلك فإن قيل هذا التأويل يفسده قوله تعالى‏ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا قلنا ليس هذا التأويل بمانع من مطابقة الرؤيا المتقدمة في المعنى دون الصورة لأنه (ع) لما رأى سجود الكواكب و القمرين له كان تأويل ذلك بلوغه أرفع المنازل و أعلى الدرجات و نيله أمانيه و أغراضه فلما اجتمع مع أبويه و رأياه في الحال الرفيعة العالية و نال ما كان يتمناه من اجتماع الشمل كان ذلك مصدقا لرؤياه المتقدمة فلذلك قال‏ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ‏ فلا بد لمن ذهب إلى أنهم سجدوا له على الحقيقة من أن يجعل ذلك مطابقا للرؤيا المتقدمة في المعنى دون الصورة لأنه ما كان رأى في منامه أن إخوته و أبويه سجدوا له و لا رأى في يقظته الكواكب تسجد له فقد صح أن التطابق في المعنى دون الصورة و منها أن يكون السجود لله تعالى غير أنه كان إلى جهة يوسف (ع) و نحوه كما يقال صلى فلان إلى القبلة و للقبلة و هذا لا يخرج يوسف (ع) من التعظيم أ لا ترى أن القبلة معظمة و إن كان السجود لله تعالى نحوها و منها أن السجود ليس يكون بمجرده عبادة حتى يضامه من الأفعال ما يكون عبادة فلا يمتنع أن يكون سجدوا له على سبيل التحية و الإعظام و الإكرام و لا يكون ذلك منكرا لأنه لم يقع على وجه العبادة التي يختص بها القديم تعالى مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى حكاية عنه (ع) مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي‏

59

و هذا يقتضي أن يكون قد أطاع الشيطان و نفذ فيه كيده و نزغه الجواب قلنا هذه الإضافة لا يقتضي ما تضمنه السؤال بل النزغ و القبيح كان منهم إليه و يجري ذلك مجرى قول القائل جرى بيني و بين فلان شر و إن كان من أحدهما و لم يشتركا فيه مسألة فإن قيل فما معنى قوله (ع) للعزيز اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ‏ و كيف يجوز أن يطلب الولاية من قبل الظالم الجواب قلنا إنما التمس تمكينه من خزائن الأرض ليحكم فيها بالعدل و ليصرفها إلى مستحقها و كان ذلك له من غير ولاية و إنما سأل الولاية للتمكن من الحق الذي له أن يفعله و لمن لا يتمكن من إقامة الحق أو الأمر بالمعروف أن يتسبب إليه و يتوصل إلى فعله فلا لوم في ذلك على يوسف (ع) و لا حرج‏

أيوب ع‏

مسألة فإن قيل فما قولكم في الأمراض و المحن التي لحقت أيوب (ع) أ و ليس قد نطق القرآن بأنها كانت جزاء على ذنب في قوله‏ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ‏ و العذاب لا يكون إلا جزاء كالعقاب و الآلام الواقعة على سبيل الامتحان لا تسمى عذابا و لا عقابا أ و ليس قد روى جميع المفسرين أن الله تعالى إنما عاقبه بذلك البلاء لتركه الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و قصته مشهورة يطول شرحها الجواب قلنا أما ظاهر القرآن فليس يدل على أن أيوب (ع) عوقب بما نزل به من المضار و ليس في ظاهره شي‏ء مما ظنه السائل لأنه تعالى قال‏ وَ اذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى‏ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ‏ و النصب هو التعب و فيه لغتان فتح النون و الصاد و ضم النون و تسكين الصاد و التعب هو المضرة التي لا تختص بالعقاب و قد تكون على سبيل الامتحان و الاختبار و أما العذاب فهو أيضا يجري مجرى المضار التي لا يختص إطلاق ذكرها بجهة دون جهة و لهذا يقال للظالم‏

60

و المبتدئ بالظلم إنه معذب و مضر و مؤلم و ربما قيل معاقب على سبيل المجاز و ليست لفظة العذاب بجارية مجرى لفظة العقاب لأن لفظة العقاب تقتضي بظاهرها الجزاء لأنها من التعقيب و المعاقبة و لفظة العذاب ليست كذلك فأما إضافته ذلك إلى الشيطان و إنما ابتلاه الله به فله وجه صحيح لأنه لم يضف المرض و السقم إلى الشيطان و إنما أضاف إليه ما كان يستضر به من وسوسته و يتعب به من تذكيره له ما كان فيه من النعم و العافية و الرخاء و دعائه له إلى التضجر و التبرم مما هو عليه و لأنه كان أيضا يوسوس إلى قومه بأن يستقذروه و يتجنبوه و يستخفوه لما كان عليه من الأمراض الشنيعة المنظر و يخرجوه من بينهم و كل هذا ضرر من جهة اللعين إبليس و قد روي أن زوجته (ع) كانت تخدم الناس في منازلهم و تصير إليه بما يأكله و يشربه و كان الشيطان لعنه الله تعالى يلقي إليهم أن داءه (ع) يعدي و يحسن إليهم تجنب خدمة زوجته من حيث كانت تباشر قروحه و تمس جسده و هذه مضار به لا شبهة فيها و أما قوله تعالى في سورة الأنبياء وَ أَيُّوبَ إِذْ نادى‏ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَ آتَيْناهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ ذِكْرى‏ لِلْعابِدِينَ‏ فلا ظاهر لها أيضا يقتضي ما ذكروه لأن الضر هو الضرر الذي قد يكون محنة كما يكون عقوبة فأما ما روي في هذا الباب عن جملة [جهلة] المفسرين فمما لا يلتفت إلى مثله لأن هؤلاء لا يزالون يضيفون إلى ربهم تعالى و إلى رسله (ع) كل قبيح و منكر و يقذفونهم بكل عظيم و في روايتهم هذه السخيفة ما إذا تأمله المتأمل علم أنه موضوع باطل مصنوع لأنهم رووا أن الله تعالى سلط إبليس على مال أيوب (ع) و غنمه و أهله فلما أهلكهم و مر عليهم و رأى صبره (ع) و تماسكه قال إبليس لربه يا رب إن أيوب (ع) علم أنك ستخلف عليه ماله و ولده فسلطني على جسده‏

61

فقال قد سلطتك على جسده كله إلا قلبه و بصره قال فأتاه فنفخه من لدن قرنه إلى قدمه فصار قرحة واحدة فقذف على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين و أشهرا تختلف الدواب في جسده إلى شرح طويل نصون كتابنا عن ذكر تفصيله فمن يقبل عقله هذا الجهل و الكفر كيف يوثق بروايته و من لا يعلم أن الله تعالى لا يسلط إبليس على خلقه و أن إبليس لا يقدر على أن يقرح الأجساد و لا أن يفعل الأمراض كيف يعتمد على روايته فأما هذه الأمراض العظيمة النازلة بأيوب (ع) فلم تكن إلا اختبارا و امتحانا و تعريضا للثواب بالصبر عليها و العوض العظيم النفيس في مقابلتها و هذه سنة الله تعالى في أصفيائه و أوليائه (عليهم السلام)

فقد روي عن الرسول (ص) أنه قال‏

: و قد سئل أي الناس أشد بلاء فقال الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل من الناس‏

فظهر من صبره على محنته و تماسكه ما صار به إلى الآن مثلا حتى روي أنه كان في خلال ذلك كله صابرا شاكرا محتسبا ناطقا بما له فيه من المنفعة و الفائدة و أنه ما سمعت له شكوى و لا تفوه بتضجر و لا تبرم فعوضه الله تعالى مع نعيم الآخرة العظيم الدائم أن رد عليه ماله و أهله و ضاعف عددهم في قوله تعالى‏ وَ آتَيْناهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ‏ و في سورة (ص) وَ وَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ‏ ثم مسح ما به من العلل و شفاه و عافاه و أمره على ما وردت به الرواية بأن اركض برجلك الأرض فظهرت له عين فاغتسل منها فتساقط ما كان على جسده من الداء قال الله تعالى‏ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَ شَرابٌ‏ و الركض هو التحريك و منه ركضت الدابة فإن قيل أ فتصححون ما روي من أن الجذام أصابه حتى تساقطت أعضاؤه قلنا إن العلل المستقذرة التي تنفر من رآها و توحشه كالبرص و الجذام فلا يجوز شي‏ء منها على الأنبياء (ع) لما تقدم ذكره في صدر هذا الكتاب لأن النفور ليس بواقف على الأمور القبيحة بل قد

62

يكون من الحسن و القبيح معا و ليس ينكر أن يكون أمراض أيوب (ع) و أوجاعه و محنته في جسمه ثم في أهله و ماله بلغت مبلغا عظيما يزيد في الغم و الألم على ما ينال المجذوم و ليس ننكر تزايد الألم فيه (ع) و إنما ننكر ما اقتضى التنفير فإن قيل أ فتقولون إن الغرض بما ابتلي به أيوب (ع) كان الثواب أو العوض أو هما على الاجتماع و هل يجوز أن يكون ما في هذه الآلام من المصلحة و اللطف حاصلا في غيرها مما ليس بألم أم تمنعون من ذاك قلنا أما الآلام التي يفعلها الله تعالى لا على سبيل العقوبة فليس يجوز أن يكون غرضه عز و جل فيها العوض من حيث كان قادرا على أن يبتدئ بمثل العوض بل الغرض فيها المصلحة و ما يؤدي إلى استحقاق الثواب فالعوض تابع و المصلحة أصل و إنما يخرج بالعوض من أن يكون ظلما و بالغرض من أن يكون عبثا فأما الألم إذا كانت فيه مصلحة و لطف و هناك في المعلوم ما يقوم مقامه فيهما إلا أنه ليس بألم إما بأن يكون لذة أو ليس بألم و لا لذة ففي الناس من ذهب إلى أن الألم لا يحسن في هذا الموضع و إنما يحسن بحيث لا يقوم مقامه ما ليس بألم في المصلحة و الصحيح أنه حسن و الله تعالى مخير في فعل أيهما شاء و الدليل على صحة ما ذكرناه أنه لو قبح و الحال هذه لم يخل أن يكون إنما قبح من حيث كان ظلما أو من حيث كان عبثا و معلوم أنه ليس بظلم لأن العوض الزائد العظيم الذي يحصل منه يخرجه عن كونه ظلما و ليس أيضا بعبث لأن العبث هو ما لا غرض فيه أو ما ليس فيه غرض مثله و هذا الألم فيه غرض عظيم جليل و هو الذي تقدم بيانه و لو كان هذا الغرض غير كاف فيه و لا يخرجه من البعث لما أخرجه من ذلك إذا لم يكن هناك ما يقوم مقامه و ليس لهم أن يقولوا إنه إنما قبح و صار عبثا من حيث كان هناك ما يغني عنه لأن ذلك يؤدي إلى أن كل فعلين ألمين كانا أو لذتين أو ليسا بألمين و لا لذتين أو أفعال تساوت في وجه المصلحة بقبح كل واحد منهما لأن العلة التي‏

63

ادعيت حاصلة و ليس له أن يقول إن الألم إنما يقبح إذا كان فيه من المصلحة مثل ما في فعل هو لذة من حيث كان يغني عنه ما ليس بألم و ذلك أن العوض الذي في مقابلته يخرجه من كونه ضررا و يدخله في أن يكون نفعا و يجريه على أقل الأحوال مجرى ما ليس بضرر فقد عاد الأمر إلى أن الألم بالعوض قد ساوى ما ليس بألم و حصل فيه من الغرض المؤدي إلى المصلحة مثل ما فيه فيجب أن يكون مخيرا في الاستصلاح بأيهما شاء فإن قيل ما أنكرتم أن يكون الفرق بين الأمرين أن للذة قد يحسن أن تفعل بمجرد كونها لذة و لا يفتقر في حسن فعلها إلى أمر زائد و الألم ليس كذلك فإنه لا يحسن أن يفعل مجردا و لا بد من أمر زائد يجعله حسنا قلنا هذا فرق بين الأمرين من غير الموضع الذي جمعنا بينهما فيه لأن غرضنا إنما كان في التسوية بين الألم و اللذة إذا كان في كل واحد منهما مثل ما في صاحبه و أن يحكم بصحة التخيير في الاستصلاح بكل واحد منهما و إن كنا لا ننكر أن بينهما فرقا من حيث كان أحدهما نفعا يجوز الابتداء به و استحقاق الشكر عليه و الآخر ليس كذلك إلا أن هذا الوجه و إن لم يكن في الألم فليس يقتضي قبحه و وجوب فعل اللذة أ لا ترى أن اللذة قد يساويها في المصلحة فعل ما ليس بألم و لا لذة فيكون المكلف تعالى مخيرا في الاستصلاح بأيهما شاء و إن كان يجوز و يحسن أن يفعل اللذة بمجردها من غير غرض زائد و لا يحسن ذلك الفعل الآخر الذي جعلناه في مقابلتها متى تجرد و إنما يحسن لغرض زائد و لم يخرجهما اختلافهما في هذا الوجه من تساويهما فيما ذكرناه من الحكم و إذا كان اللذة قد تساوى في الحكم الذي ذكرناه من التخيير في الاستصلاح ما ليس بلذة و بينا أن العوض قد أخرج الألم من كونه ضررا و جعله بمنزلة ما ليس بألم فقد بان صحة ما ذكرناه لأن التخيير بين اللذة و ما ليس بلذة و لا ألم إذا حسن متى اجتمعا في المصلحة فكذلك‏

64

يحسن التخيير بين اللذة و ما جرى مجرى ما ليس بألم و لا ضرر من الألم الذي تقابله المنافع و ليس بعد هذا إلا قول من يوجب فعل اللذة لكونها نفعا و هذا مذهب ظاهر البطلان لا حاجة بنا إلى الكلام عليه في هذا الموضع فإن قيل ما أنكرتم أن يكون الاستصلاح بالألم إذا كان هناك ما يستصلح به و ليس بألم يجري في القبج و العبث مجرى من بذل المال لمن يتحمل منه ضرب المقارع و لا غرض له إلا إيصال المال في أن ذلك عبث قبيح قلنا أما قبح ما ذكرته فالوجه فيه غير ما ظننته من أن هناك ما يقوم مقامه في الغرض لأنا قد بينا أن ذلك لو كان هو وجه القبح لكان كل فعل فيه غرض يقوم غيره فيه مقامه عبثا و قبيحا و قد علمنا خلاف ذلك و إنما قبح بذل المال لمن يتحمل الضرب و الغرض إيصال المال إليه من حيث حسن أن يبتدئ بدفع المال الذي هو الغرض من غير تكليف الضرب فصار عبثا و قبيحا من هذا الوجه و ليس يمكن مثل ذلك في الألم إذا قابله ما ليس بألم لأن ما فيه من الغرض لا يمكن الابتداء به‏

شعيب ع‏

مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى في الحكاية عن شعيب (ع) وَ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ‏ و الشي‏ء لا يعطف على نفسه لا سيما بالحرف الذي يقتضي التراخي و المهلة و هو ثم و إذا كان الاستغفار هو التوبة فما وجه هذا الكلام الجواب قلنا في هذه الآية وجوه أولها أن يكون المعنى اجعلوا المغفرة غرضكم و قصدكم الذي فيه تجأرون و نحوه تتوجهون ثم توصلوا إليها بالتوبة و المغفرة أول في الطلب و أخر في السبب و ثانيها أنه لا يمتنع أن يريد بقوله‏ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ‏ أي سلوه التوفيق للمغفرة و المعونة عليها ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ‏ لأن المسألة للتوفيق ينبغي أن يكون قبل التوبة و ثالثها أنه أراد بثم الواو و المعنى استغفروا ربكم‏

65

و توبوا إليه و هذان الحرفان قد يتداخلان فيقوم أحدهما مقام الآخر و رابعها أن يريد استغفروه قولا و نطقا ثم توبوا إليه لتكونوا بالتوبة فاعلين لما يسقط العقاب و لا تقتصروا على القول الذي لا يقطع على سقوط العقاب عنده و خامسها أنه خاطب المشركين بالله تعالى فقال لهم استغفروه من الشرك بمفارقته‏ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ‏ أي ارجعوا إلى الله بالطاعات و أفعال الخير لأن الانتفاع إليه بذلك لا يكون إلا بتقديم الاستغفار من الشرك و مفارقته و التائب و الآئب و النائب و المنيب بمعنى واحد و سادسها ما أومأ إليه أبو علي الجبائي في تفسير هذه الآية لأنه قال أراد بقوله‏ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ‏ أي أقيموا على التوبة إليه لأن التائب إلى الله تعالى من ذنوبه يجب أن يكون تائبا إلى الله في كل وقت يذكر فيه ذنوبه بعد توبته الأولى لأنه يجب أن يكون مقيما على الندم على ذلك و على العزم على أن لا يعود إلى مثله لأنه لو نقض هذا العزم لكان عازما على العود و ذلك لا يجوز و كذلك لو نقض الندم لكان راضيا بالمعصية مسرورا بها و هذا لا يجوز و قد حكينا ألفاظه بأعيانها و حمله على هذا الوجه أنه أراد التكرار و التأكيد و الأمر بالتوبة بعد التوبة كما يقول أحدنا لغيره اضرب زيدا ثم اضربه و افعل هذا ثم افعل و هذا الذي حكيناه عن أبي علي أولى مما ذكره في صدر هذه السورة لأنه قال هناك‏ وَ أَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ‏ إن معناه استغفروا ربكم من ذنوبكم السالفة ثم توبوا إليه بعد ذلك من كل ذنب يكون منكم أو معصية و هذا ليس بشي‏ء لأنه إذا حمل الاستغفار المذكور في الآية على التوبة فلا معنى لتخصيصه بما سلف دون ما يأتي لأن التوبة من ذلك أجمع واجبة و لا معنى أيضا لتخصيص قوله‏ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ‏ بالمعاصي المستقبلة دون الماضية لأن الماضي و المستقبل مما يجب التوبة منه فالذي حكيناه أولا عنه أشفى و أولى مسألة

66

فإن قيل فما الوجه في عدول شعيب (ع) عن جواب بنته في قولها يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ‏ إلى قوله لموسى (ع) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ‏ و هي لم تسأل النكاح و لا عرضت به فترك إجابتها عن كلامها و خرج إلى شي‏ء لم يجر ما يقتضيه الجواب قلنا إنها لما سألت أباها أن يستأجره و مدحته بالقوة و الأمانة كان كلامها دالا على الترغيب فيه و التقريب منه و المدح له بما يدعو إلى إنكاحه فبذل له النكاح الذي يقتضي غاية الاختصاص فما فعله شعيب (ع) في غاية المطابقة لجوابها و لما يقتضيه سؤالها مسألة فإن قيل فما معنى قول شعيب (ع) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى‏ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَ ما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ‏ و كيف يجوز في الصداق هذا التخيير و التفويض و أي فائدة للبنت فيما شرط هو لنفسه و ليس يعود إليها من ذلك نفع الجواب قلنا يجوز أن تكون الغنم كانت لشعيب (ع) و كانت الفائدة باستيجار من يرعاها عائدة عليه إلا أنه أراد أن يعوض بنته عن قيمة رعيها فيكون ذلك مهرا لها فأما التخيير فلم يكن إلا فيما زاد على الثماني حجج و لم يكن فيما شرط مقترحا تخيير و إنما كان فيما تجاوزه و تعداه و وجه آخر و هو أنه يجوز أن تكون الغنم كانت للبنت و كان الأب المتولي لأمرها و القابض لصداقها لأنه لا خلاف أن قبض الأب مهر بنته البكر البالغ جائز و أنه ليس لأحد من الأولياء ذلك غيره و أجمعوا أن بنت شعيب (ع) كانت بكرا و وجه آخر و هو أن يكون حذف ذكر الصداق و ذكر ما شرط لنفسه مضافا إلى الصداق لأنه جائز أن يشترط الولي لنفسه ما يخرج من الصداق و هذا الجواب يخالف الظاهر لأن قوله تعالى‏ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى‏ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ‏

67

يقضي ظاهره أن أحدهما جزاء على الآخر و وجه آخر و هو أنه يجوز أن يكون من شريعته (ع) العقد بالتراضي من غير صداق معين و يكون قوله‏ عَلى‏ أَنْ تَأْجُرَنِي‏ نفسك على غير وجه الصداق و ما تقدم من الوجوه قوي‏

موسى ع‏

مسألة فإن قيل فما الوجه في قتل موسى (ع) للقبطي و ليس يخلو من أن يكون مستحقا للقتل أو غير مستحق فإن كان مستحقا فلا معنى لندمه (ع) و قوله‏ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ‏ و قوله‏ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي‏ و إن كان غير مستحق فهو عاص في قتله و ما بنا حاجة إلى أن نقول إن القتل لا يكون صغيرة لأنكم تنفون الصغير و الكبير من المعاصي عنهم (ع) الجواب قلنا مما يجاب به عن هذا السؤال إن موسى (ع) لم يتعمد القتل و لا أراده و إنما اجتاز فاستغاثه رجل من شيعته على رجل من عدوه بغى عليه و ظلمه و قصد إلى قتله فأراد موسى (ع) أن يخلصه من يده و يدفع عنه مكروهه فأدى ذلك إلى القتل من غير قصد إليه و كل ألم يقع على سبيل المدافعة للظالم من غير أن يكون مقصودا فهو حسن غير قبيح و لا يستحق العوض به و لا فرق بين أن تكون المدافعة من الإنسان عن نفسه و بين أن تكون عن غيره في هذا الباب و الشرط في الأمرين أن يكون الضرر غير مقصود و أن يكون القصد كله إلى دفع المكروه و المنع من وقوع الضرر فإن أدى ذلك إلى ضرر فهو غير قبيح و من العجب أن أبا علي ذكر هذا الوجه في تفسيره ثم نسب مع ذلك موسى (ع) إلى أنه فعل معصية صغيرة و نسب معصيته إلى الشيطان و قد قال في قوله‏ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي‏ أي في هذا الفعل الذي لم تأمرني به و ندم على ذلك ثم تاب إلى الله منه فيا ليت شعري ما الذي فعل مما لم يؤمر به و هو إنما دافع الظالم و مانعه و وقعت الوكزة منه على وجه‏

68

الممانعة من غير قصد و لا شبهة في أن الله تعالى أمره بدفع الظلم عن المظلوم فكيف فعل ما لم يؤمر به و كيف يتوب من فعل الواجب و إذا كان يريد أن ينسب المعصية إليه فما الحاجة إلى ذكر المدافعة و الممانعة و له أن يجعل الوكزة تكون المعصية به صغيرة فإن قيل أ ليس لا بد أن يكون قاصدا إلى الوكزة و إن لم يكن مريدا بها إتلاف النفس قلنا ليس يجب ما ظننته و كيف يجعل الوكزة مقصودة و قد بينا الكلام على أن القصد كان إلى التخليص و المدافعة و من كان إنما يريد المدافعة لا يجوز أن يقصد إلى شي‏ء من الضرر و إنما وقعت الوكزة و هو لا يريدها و إنما أراد التخليص فأدى ذلك إلى الوكزة و القتل و وجه آخر و هو أن الله تعالى كان عرف موسى (ع) استحقاق القبطي للقتل بكفره و ندبه إلى تأخير قتله إلى حال التمكن فلما رأى موسى (ع) منه الإقدام على رجل من شيعته تعمد قتله تاركا لما ندب إليه من تأخير قتله فأما قوله‏ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ‏ ففيه وجهان أحدهما أنه أراد أن تزيين قتلي له و تركي لما ندبت إليه من تأخيره و تفويتي ما أستحقه عليه من الثواب من عمل الشيطان و الوجه الآخر أنه يريد أن عمل المقتول من عمل الشيطان مفصحا بذلك عن خلافه لله تعالى و استحقاقه للقتل و أما قوله‏ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي‏ فعلى معنى قول آدم (ع) رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ و المعنى أحد وجهين إما على سبيل الانقطاع و الرجوع إلى الله تعالى و الاعتراف بالتقصير عن حقوق نعمه و إن لم يكن هناك ذنب أو من حيث حرم نفسه المستحق بفعل الندب و ما قوله‏ فَاغْفِرْ لِي‏ فإنما أراد به فاقبل مني هذه القربة و الطاعة و الانقطاع أ لا ترى أن قبول الاستغفار و التوبة يسمى غفرانا و إذا شارك هذا القبول غيره في معنى استحقاق الثواب و المدح به جاز أن يسمى بذلك ثم يقال لمن ذهب إلى أن القتل منه (ع) كان‏

69

صغيرة ليس يخلو من أن يكون قتله متعمدا و هو مستحق للقتل أو قتله عمدا و هو غير مستحق أو قتله خطاء و هو مستحق أو غير مستحق و القسم الأول يقضي أن لا يكون معصية عاصيا و الثاني لا يجوز مثله على النبي (ع) لأن قتل النفس عمدا بغير استحقاق لو جاز أن يكون صغيرة على بعض الوجوه جاز ذلك في الزنى و عظائم الذنوب فإن ذكروا في الزنى و ما أشبهه التنفير فهو في القتل أعظم و إن كان قتله خطاء و هو مستحق أو غير مستحق ففعله خارج من باب القبح جملة فما الحاجة إلى ذكر الصغيرة مسألة فإن قيل كيف يجوز لموسى (ع) أن يقول لرجل من شيعته يستصرخه‏ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ‏ الجواب أن قوم موسى (ع) كانوا غلاظا جفاة أ لا ترى إلى قولهم بعد مشاهدة الآيات لما رأوا من يعبد الأصنام‏ اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ و إنما خرج موسى (ع) خائفا على نفسه من قوم فرعون بسبب قتل القبطي فرأى ذلك الرجل يخاصم رجلا من أصحاب فرعون فاستنصر موسى (ع) فقال له عندك ذلك‏ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ‏ و أراد أنك خائب في طلب ما لا تدركه و تكلف ما لا تطيقه ثم قصد إلى نصرته كما نصره بالأمس على الآخر فظن أنه يريده بالبطش لبعد فهمه فقال له‏ أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَ ما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ‏ فعدل عن قتله و صار ذلك سببا لشياع خبر القبطي بالأمس مسألة فإن قيل فما معنى قول فرعون لموسى (ع) وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَ أَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ‏ و قوله (ع) فَعَلْتُها إِذاً وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ‏ فكيف نسب (ع) الضلال إلى نفسه و لم يكن عندكم في وقت من الأوقات ضالا الجواب قلنا أما قوله‏ وَ أَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ‏ فإنما أراد به من الكافرين لنعمتي و حق تربيتي فإن فرعون كان المربي لموسى (ع) إلى أن كبر و بلغ أ لا ترى إلى‏

70

قوله تعالى حكاية عنه‏ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَ لَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ‏ و أما قول موسى (ع) فَعَلْتُها إِذاً وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ‏ فإنما أراد به من الذاهبين عن أن الوكزة تأتي على النفس أو أن المدافعة تفضي إلى القتل و قد يسمى الذاهب عن الشي‏ء أنه ضال عنه و يجوز أيضا أن يريد أنني ظللت عن فعل المندوب إليه من الكف عن القتل في تلك الحال و الفوز بمنزلة الثواب مسألة فإن قيل كيف جاز لموسى (ع) و قد قال تعالى‏ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏ أن يقول في الجواب‏ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ وَ يَضِيقُ صَدْرِي وَ لا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى‏ هارُونَ‏ و هذا استعفاء عن الرسالة الجواب أن ذلك ليس باستعفاء كما تضمنه السؤال بل كان (ع) قد أذن له في أن يسأل ضم أخيه في الرسالة إليه قبل هذا الوقت و ضمنت له الإجابة أ لا ترى إلى قوله تعالى‏ وَ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى‏ إِذْ رَأى‏ ناراً إلى قوله‏ وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي‏ فأجابه الله تعالى إلى مسألته بقوله‏ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى‏ و هذا يدل على أن ثقته بالإجابة إلى مسألته التي قد تقدمت و كان مأذونا له فيها فقال‏ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ وَ يَضِيقُ صَدْرِي وَ لا يَنْطَلِقُ لِسانِي‏ شرحا لصورته و بيانا عن حاله المقتضية لضم أخيه في الرسالة فلم تكن مسألته إلا عن إذن و علم ثقة بالإجابة مسألة فإن قيل كيف جاز لموسى (ع) أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال و العصي و ذلك كفر و سحر و تلبيس و تمويه و الأمر بمثله لا يحسن الجواب قلنا لا بد من أن يكون في أمره (ع) بذلك شرط فكأنه قال‏ أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ‏ إن كنتم محقين و كان له فيما يفعلونه حجة و حذف الشرط لدلالة الكلام عليه و اقتضاء الحال له و قد جرت العادة باستعمال هذا الكلام محذوف الشرط و إن كان الشرط مرادا و ليس يجري هذا مجرى قوله تعالى فأتوني‏ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ‏ و هو

71

يعلم أنهم لا يقدرون على ذلك و ما أشبه هذا الكلام من ألفاظ التحدي لأن التحدي و إن كان بصورة الأمر فليس بأمر على الحقيقة و لا تصاحبه إرادة الفعل فكيف تصاحبه الإرادة و الله تعالى يعلم استحالة وقوع ذلك منهم و تعذره عليهم و إنما التحدي لفظ موضوع لإقامة الحجة على المتحدى و إظهار عجزه و قصوره عما تحدي به و ليس هناك فعل يتناوله إرادة و الأمر بإلقاء الحبال و العصي بخلاف ذلك لأنه مقدور ممكن فليس يجوز أن يقال إن المقصود به هو أن يعجزوا عن إلقائها و يتعذر عليهم ما دعوا إليه فلم يبق بعد ذلك إلا أمر بشرط و يمكن أن يكون على سبيل التحدي بأن يكون دعاهم إلى الإلقاء على وجه يساوونه فيه و لا يخيلون فيما ألقوه من السعي و التصرف من غير أن يكون له حقيقة لأن ذلك غير مساو لما ظهر على يده من انقلاب الجماد حية على الحقيقة دون التخييل و إذا كان ذلك ليس في مقدورهم فإنما تحداهم به لتظهر حجته و يتوجه دلالته و هذا واضح و قد بين الله تعالى في القرآن ذلك بأوضح ما يكون فقال‏ وَ جاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ قالَ نَعَمْ وَ إِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ قالُوا يا مُوسى‏ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَ إِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ وَ جاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ مُوسى‏ أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَ بَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَ انْقَلَبُوا صاغِرِينَ‏ مسألة فإن قيل فمن أي شي‏ء خاف موسى (ع) حتى حكى الله تعالى عنه من الخيفة في قوله عز و جل‏ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى‏ أ و ليس خوفه يقتضي شكه في صحة ما أتى به الجواب قلنا لم يخف من الوجه الذي تضمنه السؤال و إنما رأى من قوة التلبيس و التخييل ما أشفق عنده من وقوع الشبهة على من لم يمعن النظر فأمنه الله تعالى من ذلك و بين له أن حجته ستتضح للقوم بقوله تعالى‏

72

لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى حاكيا عن موسى (ع) رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ زِينَةً وَ أَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى‏ أَمْوالِهِمْ وَ اشْدُدْ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ الجواب قلنا أما قوله تعالى‏ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ففيه وجوه كثيرة أولها أنه أراد لئلا يضلوا فحذف لا و هذا له نظائر كثيرة في القرآن و كلام العرب فمن ذلك قوله تعالى‏ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى و إنما أراد لئلا تضل و قوله تعالى‏ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ و قوله تعالى‏ وَ أَلْقى‏ فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ و قال الشاعر

نزلتم منزل الأضياف منا* * * فعجلنا القرى أن تشتمونا

و المعنى لئلا تشتمونا فإن قيل ليس هذا نظير لقوله تعالى‏ رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ لأنكم حذفتم في الآية أن و لا معا و ما استشهدتم به إنما حذف منه لفظة لا فقط قلنا كلما استشهدنا به فقد حذف منه اللام و لا معا أ لا ترى أن تقدير الكلام لئلا تشتمونا و في الآية إنما حذف أيضا حرفان و هما أن و لا و إنما جعلنا حذف اللام فيما استشهدنا به بإزاء حذف أن في الآية من حيث كانا جميعا ينبئان عن الغرض و يدلان على القصد أ لا ترى أنهم يقولون جئتك لتكرمني كما تقولون جئتك أن تكرمني و المعنى أن غرضي الكرامة فإذا جاز أن يحذفوا أحد الحرفين جاز أن يحذفوا الآخر ثانيها أن اللام هاهنا لام العاقبة و ليست بلام الغرض و يجري مجرى قوله تعالى‏ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً و هم لم يلتقطوه لذلك بل لخلافه غير أن العاقبة لما كانت ما ذكره حسن إدخال اللام و مثله قول الشاعر

و للموت تغذو الوالدات سخالها* * * كما لخراب الدور تبنى المساكن‏

و نظائر ذلك كثيرة فكأنه تعالى لما علم أن عاقبة أمرهم الكفر و أنهم لا يموتون إلا كفارا و أعلم ذلك نبيه حسن أن‏

73

يقول إنك آتيتهم الأموال ليضلوا و ثالثها أن يكون خرج مخرج النفي و الإنكار على من زعم أن الله تعالى فعل ذلك ليضلهم و لا يمتنع أن يكون هناك من يذهب إلى مذهب المجبرة في أن الله تعالى يضل عن الدين فرد بهذا الكلام عليه كما يقول أحدنا إنما آتيت عبدي من الأموال ما آتيته ليعصيني و لا يطيعني و هو إنما يريد الإنكار على من يظن ذلك به و نفي إضافة المعصية إليه و هذا الوجه لا يتصور إلا على أحد وجهين إما بأن يقدر فيه الاستفهام و إن حذف فيه حرفه أو بأن تكون اللام في قوله ليعصيني لام العاقبة التي قد تقدم بيانها و متى رفعنا من أوهامنا هذين الوجهين لم نتصور كيف يكون الكلام خارجا مخرج النفي و الإنكار و رابعها أن يكون أراد الاستفهام فحذف حرفه المختص به و قد حذف حرف الاستفهام في أماكن كثيرة من الكلام و هذا الجواب يضعف لأن حرف الاستفهام لا يكاد يحذف إلا و في الكلام دلالة عليه و عوض منه مثل قول الشاعر

كذبتك عينك أم رأيت بواسط* * * غلس الظلام من الرباب خيالا

لأن لفظة أم يقتضي الاستفهام و قد سأل أبو علي الجبائي نفسه عن هذا السؤال في التفسير و أجاب عنه بأن في الآية ما يدل على حذف حرف الاستفهام و هو دليل العقل الدال على أن الله تعالى لا يضل العباد عن الدين و دليل العقل أقوى مما يكون في الكلام دالا على حرف الاستفهام و هذا ليس بشي‏ء لأن دليل العقل و إن كان أقوى من كل دليل يصحب الكلام فإنه ليس يقتضي في الآية أن يكون حرف الاستفهام منها محذوفا لا محالة لأن العقل إنما يقتضي تنزيه الله تعالى عن أن يكون مجريا بشي‏ء من أفعاله إلى إضلال العباد عن الدين و قد يمكن صرف الآية إلى ما يطابق دليل العقل من تنزيهه تعالى عن القبيح من غير أن يذكر الاستفهام و يحذف حرفه فإذا كان ذلك ممكنا لم يكن في العقل دليل على حذف حرف الاستفهام و إنما كان يكون فيه دليل على ذلك لو كان يتعذر تنزيهه تعالى عن إرادة الضلال إلا بتقدير

74

الاستفهام فأما قوله تعالى‏ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ فأجود ما قيل فيه أنه عطف على قوله‏ لِيُضِلُّوا و ليس بجواب لقوله‏ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى‏ أَمْوالِهِمْ وَ اشْدُدْ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ و تقدير الكلام‏ رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ زِينَةً وَ أَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى‏ أَمْوالِهِمْ وَ اشْدُدْ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ و هذا الجواب يطابق أن يكون اللام للعاقبة و أن يكون المعنى فيها لئلا يضلوا أيضا و قال قوم إنه أراد فلن يؤمنوا فأبدل الألف من النون الخفيفة كما قال الأعشى‏

و صل علي حين العشيات و الضحى‏* * * و لا تحمد المثرين و الله فاحمدا

أراد فاحمدن فأبدل النون ألفا و كما قال عمر بن أبي ربيعة

و قمير بدا ابن خمس و عشرين‏* * * له قالت الفتاتان قوما

أراد قومن و مما استشهد به من أجاب بهذا الجواب الذي ذكرناه آنفا في أن الكلام خبر و إن خرج مخرج الدعاء

ما روي عن النبي (ص) من قوله‏

: لن يلدغ المؤمن من جحر مرتين‏

و هذا نهي و إن كان مخرجه مخرج الخبر و تقدير الكلام لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين لأنه لو كان خبرا لكان كذبا و إذا جاز أن يراد بما لفظه لفظ الخبر النهي جاز أن يراد بما لفظه لفظ الدعاء الخبر و يكون المراد بالكلام فلن يؤمنوا و قد ذكر أبو علي أن قوما من أهل اللغة قالوا إنه تعالى نصب قوله‏ فَلا يُؤْمِنُوا و حذف منه النون و هو يريد في المعنى لا يؤمنون على سبيل الخبر عنهم لأن قوله تعالى‏ فَلا يُؤْمِنُوا وقع موقع جواب الأمر الذي هو قوله‏ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى‏ أَمْوالِهِمْ وَ اشْدُدْ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ‏ فلما وقع موقع جواب الأمر و فيه الفاء نصبه بإضمار إن لأن جواب الأمر بالفاء منصوب في اللغة فنصب هذا لما أجراه مجرى الجواب و إن لم يكن في الحقيقة جوابا و مثله قول القائل انظر إلى الشمس تغرب بالجزم و تغرب ليس هو جواب الأمر على الحقيقة لأنها لا تغرب لنظر هذا الناظر و لكن لما وقع موقع الجواب أجراه مجراه في الجزم و إن لم يكن جوابا على‏

75

الحقيقة و قد ذكر أبو مسلم محمد بن بحر في هذه الآية وجها آخر و هو أن من أغرب ما ذكر فيها قال إنه تعالى إنما آتى فرعون و ملأه الزينة و الأموال في الدنيا على طريق العذاب لهم و الانتقام منهم لما كانوا عليه من الكفر و الضلال و علمه من أحوالهم في المستقبل من أنهم لا يؤمنون و يجري ذلك مجرى قوله تعالى‏ فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدنيا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كافِرُونَ‏ فسأل موسى (ع) ربه و قال رب إنك آتيتهم هذه الأموال و الزينة في الحياة الدنيا على طريق العذاب و لتضلهم في الآخرة عن سبيلك التي هي سبيل الجنة و تدخلهم النار بكفرهم ثم سأله أن يطمس على أموالهم بأن يسلبهم إياها ليزيد ذلك في حسرتهم و عذابهم و مكروههم و يشد على قلوبهم أن يميتهم على هذه الحال المكروهة و هذا جواب قريب من الصواب و السدان مسألة فإن قيل فما الوجه في قوله تعالى‏ وَ لَمَّا جاءَ مُوسى‏ لِمِيقاتِنا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ‏ أ و ليس هذه الآية تدل على جواز الرؤية عليه تعالى لأنها لو لم تجز لم يسغ أن يسألها موسى (ع) كما لا يجوز أن يسأله اتخاذ الصاحبة و الولد الجواب قلنا أولى ما أجيب به عن هذه الآية أن يكون موسى (ع) لم يسأل الرؤية لنفسه و إنما سألها لقومه فقد روي أن قومه طلبوا ذلك منه فأجابهم بأن الرؤية لا تجوز عليه تعالى فلجوا به و ألحوا عليه في أن يسأل الله تعالى أن يريهم نفسه و غلب في ظنه أن الجواب إذا ورد من جهته جلت عظمته كان أحسم للشبهة و أنفى لها فاختار السبعين الذين حضروا الميقات لتكون المسألة بمحضر منهم فيعرفوا ما يرد من الجواب فسأل (ع) على ما نطق به القرآن و أجيب بما يدل على أن الرؤية لا يجوز عليه عز و جل و يقوي هذا الجواب أمور منها قوله تعالى‏ يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى‏

76

أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ‏ و منها قوله تعالى‏ وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى‏ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ‏ و منها قوله تعالى‏ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ‏ فأضاف ذلك إلى السفهاء و هذا يدل على أنه كان بسببهم من حيث سألوا ما لا يجوز عليه تعالى و منها ذكر الجهرة في الرؤية و هي لا تليق إلا برؤية البصر دون العلم و هذا يقوي أن الطلب لم يكن للعلم الضروري على ما سنذكره من الجواب التالي لهذا الكلام و منها قوله تعالى‏ أَنْظُرْ إِلَيْكَ‏ لأنا إذا حملنا الآية على طلب الرؤية لقومه أمكن أن يكون قوله‏ أَنْظُرْ إِلَيْكَ‏ على حقيقته و إذا حملنا الآية على العلم الضروري احتيج إلى حذف في الكلام فيصير تقديره أرني أنظر إلى الآيات التي عندها أعرفك ضرورة و يمكن في هذا الوجه الأخير خاصة أن يقال إذا كان المذهب الصحيح عندكم أن النظر في الحقيقة غير الرؤية فكيف يكون قوله‏ أَنْظُرْ إِلَيْكَ‏ على حقيقته في جواب من حمل الآية على طلب الرؤية لقومه فإن قلتم لا يمتنع أن يكونوا إنما التمسوا الرؤية التي يكون معها النظر و التحديق إلى الجهة فسأل على حسب ما التمسوا قيل لكم هذا ينقض فرقكم في هذا الجواب بين سؤال جميع ما يستحيل عليه من الصاحبة و الولد و ما يقتضي الجسمية بأن نقول الشك في الرؤية لا يمنع من صحة معرفة السمع و الشك في جميع ما ذكر يمنع من ذلك لأن الشك الذي لا يمنع من معرفة السمع إنما هو في الرؤية التي يكون معها نظر و لا يقتضي التشبيه فإن قلتم يحمل ذكر النظر على أن المراد به نفس الرؤية على سبيل المجاز لأن عادة العرب أن يسموا الشي‏ء باسم طريقه و ما قاربه و ما داناه قيل لكم و كأنكم قد عدلتم عن مجاز إلى مجاز فلا

77

قوة في هذا الوجه و الوجوه التي ذكرناها في تقوية هذا الجواب المتقدمة أولى و ليس لأحد أن يقول لو كان موسى (ع) إنما سأل الرؤية لقومه لم يضف السؤال إلى نفسه فيقول أرني أنظر إليك و لا كان الجواب أيضا مختصا به في قوله‏ لَنْ تَرانِي‏ و ذلك أنه غير ممتنع وقوع الإضافة على هذا الوجه مع أن المسألة كانت من أجل الغير إذا كان هناك دلالة تؤمن من اللبس فلهذا يقول أحدنا إذا شفع في حاجة غيره للمشفوع إليه أسألك أن تفعل بي كذا و كذا و تجيبني إلى كذا و كذا يحسن أن يقول المشفوع إليه قد أجبتك و شفعتك و ما جرى مجرى هذه الألفاظ و إنما حسن هذا لأن للسائل في المسألة غرضا و إن رجعت إلى الغير لتحققه بها و تكلفه كتكلفه إذا اختصته فإن قيل كيف يسأل الرؤية لقومه مع علمه باستحالتها و لئن جاز ذلك ليجوز أن يسأل لقومه سائر ما يستحيل عليه من كونه جسما و ما أشبهه إذ شكوا فيه قلنا إنما صحت المسألة في الرؤية و لم يصح فيما سئلت عنه لأن مع الشك في جواز الرؤية التي لا يقتضي كونه جسما يمكن معرفة السمع و أنه تعالى حكيم صادق في إخباره فيصح أن يعرفوا بالجواب الوارد من جهته تعالى استحالة ما شكوا في جوازه و مع الشك في كونه جسما لا يصح معرفة السمع فلا ينتفع بجوابه و لا يثمر علما و قد قال بعض من تكلم في هذه الآية قد كان جائز أن يسأل موسى (ع) لقومه ما يعلم استحالته و إن كان دلالة السمع لا تثبت قبل معرفته متى كان المعلوم أن في ذلك صلاحا للمكلفين في الدين و أن ورود الجواب يكون لطفا لهم في النظر في الأدلة و إصابة الحق منها غير أن من أجاب بذلك شرط أن يبين النبي (ع) أنه عالم باستحالة ما سئل فيه و أن غرضه في السؤال أن يرد الجواب فيكون لطفا و جواب آخر في الآية و هو أن يكون موسى (ع) إنما سأل ربه تعالى أن يعلمه تعالى نفسه ضرورة بإظهار لبعض أعلام الآخرة التي يضطر عندها إلى‏

78

المعرفة فتزول عنه الخواطر و منازعة الشكوك و الشبهات و يستغني عن الاستدلال فتخف المحنة عنه بذلك كما سأل إبراهيم (ع) ربه تعالى أن يريه كيف يحيي الموتى طلبا لتخفيف المحنة و إن كان قد عرف ذلك قبل أن يراه و السؤال و إن وقع بلفظ الرؤية فإن الرؤية تفيد العلم كما تفيد الإدراك بالبصر قال الشاعر

رأيت الله إذ سمى نزارا* * * و أسكنهم بمكة قاطنينا

و احتمال الرؤية للعلم أظهر من أن يدل عليه لاشتهاره و وضوحه فقال الله تعالى‏ لَنْ تَرانِي‏ أي لم تعلمني على هذا الوجه التمسته ثم أكد ذلك بأن أظهر في الجبل من الآيات و العجائب ما دل به على أن المعرفة الضرورية في الدنيا مع التكليف و بيانه لا يجوز فإن الحكمة يمنع منها و الوجه الأول أولى لما ذكرناه متقدما من الوجوه لأن موسى (ع) لا يخلو من أن يكون شاكا في أن المعرفة الضرورية لا يصح حصولها في الدنيا أو غير شاك فإن كان شاكا فالشك فيما يرجع إلى أصول الديانات و قواعد التكليف لا يجوز على الأنبياء (ع) لا سيما و قد يجوز أن يعلم ذلك على حقيقته بعض أمتهم فيزيد عليهم في المعرفة و هذا أبلغ في التنفير عنهم من كل شي‏ء يمنع منهم و إن كان موسى (ع) عالما بذلك و غير شاك فيه فلا وجه لسؤاله إلا أنه سأل لقومه فيعود إلى معنى الجواب الأول فقد حكي جواب ثالث في هذه الآية عن بعض من تكلم في تأويلها من أهل التوحيد و هو أنه قال يجوز أن موسى (ع) في وقت مسألته ذلك كان شاكا في جواز الرؤية عليه تعالى فسأل عن ذلك ليعلم هل يجوز عليه أم لا قال و ليس شكه في ذلك بمانع أن يعرف الله تعالى بصفاته بل يجري مجرى شكه في جواز الرؤية على بعض ما لا يرى من الأعراض في أنه غير مخل بما يحتاج إليه في معرفته تعالى قال و لا يمتنع أن يكون غلطه في ذلك ذنبا صغيرا و تكون التوبة الواقعة منه لأجله و هذا الجواب يبعد من جهة أن‏

79

الشك في جواز الرؤية التي لا تقتضي تشبيها و إن كان لا يمتنع من معرفته بصفاته فإن الشك في ذلك لا يجوز على الأنبياء (ع) من حيث يجوز من بعض من بعثوا أن يعرف ذلك على حقيقته فيكون النبي (ع) شاكا فيه و أمته عارفون به مع رجوعهم في المعارف بالله تعالى و ما يجوز عليه إلى النبي (ع) و هذا يزيد في التنفير على كل ما يوجب تنزيه الأنبياء (ع) عنه فإن قيل فعن أي شي‏ء كانت توبة موسى (ع) على الجوابين المتقدمين قلنا أما من ذهب إلى أن المسألة كانت لقومه فإنه يقول إنما تاب لأنه أقدم على أن يسأل عن لسان قومه ما لم يؤذن له فيه و ليس للأنبياء (ع) ذلك لأنه لا يؤمن من أن يكون الصلاح في المنع منه فيكون ترك إجابتهم منفرا عنهم و ليس تجري مسألتهم على سبيل الاستسرار و بغير حضور قومهم مجرى ما ذكرناه لأنه يجوز أن يسألوا مستسرين ما لم يؤذن لهم فيه لأن منعهم منه لا يقتضي تنفيرا و من ذهب إلى أنه سأل المعرفة الضرورية يقول إنه تاب من حيث سأل معرفة لا يقتضيها التكليف و في الناس من قال إنه تاب من حيث ذكر في الحال ذنبا صغيرا متقدما و الذي يجب أن يقال في تلفظه بذكر التوبة إنه وقع على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى و الرجوع إليه و التقرب منه و إن لم يكن هناك ذنب معروف و قد يجوز أيضا أن يكون الغرض في ذلك مضافا إلى ما ذكرناه من الاستكانة و الخضوع و العبادة تعليمنا و توقيفنا على ما نستعمله و ندعو به عند نزول الشدائد و ظهور الأهوال و تنبيه القوم المخطئين خاصة على التوبة مما التمسوه من الرؤية المستحيلة عليه تعالى فإن الأنبياء (ع) و إن لم يقع منهم القبائح فقد يقع من غيرهم و يحتاج من وقع ذلك منه إلى التوبة و الاستغفار و الاستقالة و هذا بين بحمد الله و منه مسألة فإن قيل فما وجه قوله تعالى حكاية عن‏

80

موسى (ع) وَ أَلْقَى الْأَلْواحَ وَ أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَ لا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ أ و ليس ظاهر هذه الآية يدل على أن هارون (ع) أحدث ما أوجب إيقاع ذلك الفعل منه و بعد فما الاعتذار لموسى (ع) من ذلك و هو فعل السخفاء و المتسرعين و ليس من عادة الحكماء المتماسكين الجواب قلنا ليس فيما حكاه الله تعالى من فعل موسى و أخيه (ع) ما يقتضي وقوع معصية و لا قبيح من واحد منهما و ذلك أن موسى (ع) أقبل و هو غضبان على قومه لما أحدثوا بعده مستعظما لفعلهم مفكرا منكرا ما كان منهم فأخذ برأس أخيه و جره إليه كما يفعل الإنسان بنفسه مثل ذلك عند الغضب و شدة الفكر أ لا ترى أن المفكر الغضبان قد يعض على شفتيه و يفتل أصابعه و يقبض على لحيته فأجرى موسى (ع) أخاه هارون مجرى نفسه لأنه كان أخاه و شريكه و من يمسه من الخير و الشر ما يمسه فصنع به ما يصنعه الرجل بنفسه في أحوال الفكر و الغضب و هذه الأمور يختلف أحكامها بالعادات فيكون ما هو إكرام في بعضها استخفافا في غيرها و يكون ما هو استخفاف في موضع إكراما في آخر فأما قوله‏ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي‏ فليس يدل على أنه وقع على سبيل الاستخفاف بل لا يمتنع أن يكون هارون (ع) خاف من أن يتوهم بنو إسرائيل لسوء ظنهم أنه منكر عليه معاتب له ثم ابتدأ بشرح قصته فقال في موضع آخر إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي‏ و في موضع آخر يا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي‏ إلى آخر الآية و يمكن أن يكون قوله‏ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي‏ ليس على سبيل الامتعاض و الأنفة أي الغيرة لكن معنى كلامه لا تغضب و لا يشتد جزعك و أسفك لأنا إذا كنا قد جعلنا فعله ذلك دلالة الغضب و الجزع فالنهي عنه نهي عنهما و قال قوم إن موسى (ع) لما جرى من قومه من بعده ما جرى‏

81

اشتد حزنه و جزعه و رأى من أخيه هارون (ع) مثل ما كان عليه من الجزع و القلق أخذ برأسه يجره إليه متوجعا له مسكنا له كما يفعل أحدنا بمن تناله المصيبة العظيمة فيجزع لها و يقلق منها و على هذا الجواب يكون قوله‏ فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ لا يتعلق بهذا الفعل بل يكون كلاما مستأنفا فأما قوله على هذا الجواب‏ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي‏ فيحتمل أن يريد أن لا تفعل ذلك و غرضك التسكين مني فيظن القوم أنك منكرا علي و قال قوم في هذه الآية إن بني إسرائيل كانوا على نهاية سوء الظن بموسى (ع) حتى أن هارون (ع) كان غاب عنهم غيبة فقالوا لموسى (ع) أنت قتلته فلما وعد الله تعالى موسى (ع) ثلاثين ليلة و أتمها له بعشر و كتب له في الألواح من كل شي‏ء و خصه بأمور شريفة جليلة الخطر بما أراه من الآية في الجبل و من كلام الله تعالى له و غير ذلك من شريف الأمور ثم رجع إلى أخيه أخذ برأسه ليدنيه إليه و يعلمه ما جدده الله تعالى له من ذلك و يبشره فخاف هارون (ع) أن يسبق إلى قلوبهم ما لا أصل له فقال إشفاقا على موسى (ع) لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي‏ لتسر إلى ما تريده بين أيدي هؤلاء فيظنوا بك ما لا يجوز عليك و لا يليق بك و الله تعالى أعلم بمراده من كلامه مسألة فإن قيل فما وجه قوله تعالى فيما حكاه عن موسى (ع) و العالم الذي كان صحبه و قيل إنه الخضر (ع) من الآيات التي ابتدأ فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً قالَ لَهُ مُوسى‏ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى‏ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً إلى آخر الآيات المتضمنة لهذه القصة و أول ما تسألون عنه في هذه الآيات أن يقال لكم كيف يجوز أن يتبع موسى ع‏

82

غيره و يتعلم منه و عندكم أن النبي (ع) لا يجوز أن يفتقر إلى غيره و كيف يجوز أن يقول له‏ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً و الاستطاعة عندكم هي القدرة و قد كان موسى (ع) على مذهبكم قادرا على الصبر و كيف قال موسى (ع) سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً فاستثنى المشية في الصبر و أطلق فيما ضمنه من طاعته و اجتناب معصيته و كيف قال‏ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً و شَيْئاً نُكْراً و ما أتى العالم منكرا على الحقيقة و ما معنى قوله‏ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ‏ و عندكم أن النسيان لا يجوز على الأنبياء (ع) و لم نعت موسى (ع) النفس بأنها زكية و لم تكن كذلك على الحقيقة و لم قال في الغلام‏ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَ كُفْراً فإن كان الذي خشيه الله تعالى على ما ظنه قوم فالخشية لا يجوز عليه تعالى و إن كان هو الخضر (ع) فكيف يستبيح دم الغلام لأجل الخشية و الخشية لا تقتضي علما و لا يقينا الجواب قلنا إن العالم الذي نعته الله تعالى في هذه الآيات فلا يجوز إلا أن يكون نبيا فاضلا و قد قيل إنه الخضر (ع) و أنكر أبو علي ذلك و زعم أنه ليس بصحيح قال لأن الخضر (ع) يقال إنه كان نبيا من أنبياء بني إسرائيل الذين بعثوا من بعد موسى (ع) و ليس يمتنع أن يكون الله تعالى قد أعلم هذا العالم ما لم يعلمه موسى (ع) و أرشد موسى (ع) إليه ليتعلم منه و إنما المنكر أن يحتاج النبي (ع) في العلم إلى بعض رعيته المبعوث إليهم فأما إن يفتقر إلى غيره ممن ليس له برعية فجائز و ما تعلمه من هذا العالم إلا كتعلمه من الملك الذي يهبط إليه بالوحي و ليس في هذا دلالة على أن ذلك العالم كان أفضل من موسى بالعلم كله لأنه لا يمتنع أن يزيد موسى (ع) عليه في سائر العلوم التي هي أفضل و أشرف مما علمه فقد يعلم أحدنا شيئا من المعلومات و إن كان ذلك المعلوم يذهب إلى غيره ممن هو أفضل منه و أعلم و أما نفي الاستطاعة فإنما أراد بها أن الصبر لا يخف عليك أنه يثقل على‏

83

طبعتك كما يقول أحدنا لغيره إنك لا تستطيع أن تنظر إلي و كما يقال للمريض الذي يجهده الصوم و إن كان عليه قادرا إنك لا تستطيع الصيام و لا تطيقه و ربما عبر بالاستطاعة عن الفعل نفسه كما قال الله تعالى حكاية عن الحواريين‏ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ فكأنه على هذا الوجه قال له إنك لن تصبر و لن يقع منك الصبر و لو كان إنما نفى القدرة على ما ظنه الجهال لكان العالم و هو في ذلك سواء فلا معنى لاختصاصه بنفي الاستطاعة و الذي يدل على أنه نفى عنه الصبر لا الاستطاعة قول موسى (ع) في جوابه‏ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً و لم يقل ستجدني إن شاء الله مستطيعا و من حق الجواب أن يطابق الابتداء فدل جوابه على أن الاستطاعة في الابتداء عبارة عن الفعل نفسه و أما قوله‏ وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً فهو أيضا مشروط بالمشيئة و ليس بمطلق على ما ذكر في السؤال فكأنه قال ستجدني صابرا و لا أعصي لك أمرا إن شاء الله و إنما قدم الشرط على الأمرين جميعا و هذا ظاهر في الكلام و أما قوله‏ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً فقد قيل إنه أراد شيئا عجبا و قيل إنه أراد شيئا منكرا و قيل إن الإمر أيضا هو الداهية فكأنه قال جئت داهية و قد ذهب بعض أهل اللغة إلى أن الإمر مشتق من الكثرة من أمر القوم إذا كثروا و جعل عبارة عما كثر عجبه و إذا حملت هذه اللفظة على العجب فلا سؤال فيها و إن حملت على المنكر كان الجواب عنها و عن قوله‏ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً واحدا و في ذلك وجوه منها أن ظاهر ما أتيته المنكر و من يشاهده ينكره قبل أن يعرف علته و منها أن يكون حذف الشرط فكأنه قال إن كنت قتلته ظالما فقد جئت شيئا نكرا و منها أنه أراد أتيت أمرا بديعا غريبا فإنهم يقولون فيما يستغربونه و يجهلون علته أنه نكر و منكر و ليس يمكن أن يدفع خروج الكلام مخرج‏

84

الاستفهام و التقرير دون القطع أ لا ترى إلى قوله‏ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها و إلى قوله‏ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ‏ و معلوم أنه كان قصد بخرق السفينة إلى التغريق فقد أتى منكرا و كذلك إن كان قتل النفس على سبيل الظلم فأما قوله‏ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ‏ فقد ذكر فيه وجوه ثلاثة أحدها أنه أراد النسيان المعروف و ليس ذلك بعجب مع قصر المدة فإن الإنسان قد ينسى ما قرب زمانه لما يعرض له من شغل القلب و غير ذلك و الوجه الثاني أنه أراد لا تأخذني بما تركت و يجري ذلك مجرى قوله تعالى‏ وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ‏ أي ترك‏

و قد روي هذا الوجه عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله (ص)

قال له موسى (ع)

لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ‏

يقول مما تركت من عهدك‏

و الوجه الثالث أنه أراد لا تؤاخذني بما فعلته مما يشبه النسيان فسماه نسيانا للمشابهة كما قال المؤذن لأخوة يوسف (ع) إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏ أي إنكم تشبهون السراق و كما يتأول‏

الخبر الذي يرويه أبو هريرة عن النبي (ص) أنه قال‏

: كذب إبراهيم (ع) ثلث كذبات في قوله سارة أختي و في قوله‏

بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا

و قوله‏

إِنِّي سَقِيمٌ‏

و المراد بذلك إن كان هذا الخبر صحيحا أنه فعل ما ظاهره الكذب و إذا حملنا هذه اللفظة على غير النسيان الحقيقي فلا سؤال فيها و إن حملناها على النسيان في الحقيقة كان الوجه فيها أن النبي (ع) إنما لا يجوز عليه النسيان فيما يؤديه عن الله تعالى أو في شرعه أو في أمر يقتضي التنفير عنه فأما فيما هو خارج عما ذكرناه فلا مانع من النسيان أ لا ترى أنه إذا نسي أو سها في مأكله أو مشربه على وجه لا يستمر و لا يتصل فننسب إلى أنه مغفل فإن ذلك غير ممتنع و أما وصف النفس بأنها زكية فقد قلنا إن ذلك خرج مخرج الاستفهام لا على سبيل الإخبار و إذا كان استفهاما فلا سؤال‏

85

على هذا الموضع و قد اختلف المفسرون في هذا النفس فقال أكثرهم إنه كان صبيا لم يبلغ الحلم و إن الخضر و موسى (ع) مرا بغلمان يلعبون فأخذ الخضر (ع) منهم غلاما فأضجعه و ذبحه بالسكين و من ذهب إلى هذا الوجه يجب أن يحمل قوله‏ زَكِيَّةً على أنه من الزكاء الذي هو الزيادة و النماء لا من الطهارة في الدين من قولهم زكت الأرض تزكو إذا زاد ريعها و ذهب قوم إلى أنه كان رجلا بالغا كافرا و لم يكن يعلم موسى (ع) باستحقاقه القتل فاستفهم عن حاله و من أجاب بهذا الجواب إذا سئل عن قوله تعالى‏ حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ‏ يقول لا يمتنع تسمية الرجل بأنه غلام على مذهب العرب و إن كان بالغا و أما قوله‏ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَ كُفْراً فالظاهر يشهد أن الخشية من العالم لا منه تعالى و الخشية هاهنا قيل العلم كما قال الله تعالى‏ وَ إِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً و قوله تعالى‏ إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ‏ و قوله عز و جل‏ وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً و كل ذلك بمعنى العلم و على هذا الوجه كأنه يقول إني علمت بإعلام الله تعالى لي أن هذا الغلام متى بقي كفر أبويه [كفر و أبواه‏] و متى قتل بقيا على إيمانهما فصارت تبقيته مفسدة و وجب اخترامه و لا فرق بين أن يميته الله تعالى و بين أن يأمر بقتله و قد قيل إن الخشية هاهنا بمعنى الخوف الذي لا يكون معه يقين و لا قطع و هذا الجواب يطابق جواب من قال إن الغلام كان كافرا مستحقا للقتل بكفره و انضاف إلى استحقاقه ذلك بالكفر خشية إدخال أبويه في الكفر و تزيينه لهما و قال قوم إن الخشية هاهنا هي الكراهية يقول القائل فرقت بين الرجلين خشية أن يقتتلا أي كراهية لذلك و على هذا التأويل و الوجه الذي قلناه إنه بمعنى العلم لا يمتنع أن تضاف الخشية إلى الله تعالى فإن قيل فما معنى قوله تعالى‏ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ‏

86

لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ و السفينة البحرية تساوي المال الجزيل فكيف يسمى مالكها بأنه مسكين و المسكين عند قوم شر من الفقير و كيف قال‏ وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً و من كان وراءهم قد سلموا من شره و نجوا من مكروهه و إنما الحذر مما يستقبل قلنا أما قوله‏ لِمَساكِينَ‏ ففيه أوجه منها أنه لم يعن بوصفهم بالمسكنة الفقر و إنما أراد عدم الناصر و انقطاع الحيلة كما يقال لمن له عدو يظلمه و يهضمه إنه مسكين و مستضعف و إن كان كثير المال واسع الحال و يجري هذا المجرى‏

ما روي عنه ع‏

: مسكين مسكين رجل لا زوجة له‏

و إنما أراد وصفه بالعجز و قلة الحيلة و إن كان ذا مال واسع و وجه آخر و هو أن السفينة الواحدة البحرية التي لا يتعيش إلا بها و لا يقدر على التكسب إلا من جهتها كالدار التي يسكنها الفقير هو و عياله و لا يجد سواها فهو مضطر إليها و منقطع الحيلة إلا منها فإذا انضاف إلى ذلك أن يشاركه جماعة في السفينة حتى يكون له منها الجزء اليسير كان أسوأ حالا و أظهر فقرا و وجه آخر أن لفظة المساكين قد قرئت بتشديد السين و فتح النون و إذا صحت هذه الرواية فالمراد بها البخلاء و قد سقط السؤال فأما قوله تعالى‏ وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ فهذه اللفظة يعبر بها عن الأمام و الخلف معا فهي هاهنا بمعنى الأمام و يشهد بذلك قوله تعالى‏ مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ يعني من قدامه و بين يديه و قال الشاعر

ليس على طول الحياة ندم‏* * * و من وراء المرء ما لا يعلم‏

و قال الآخر

أ ليس ورائي إن تراخت منيتي‏* * * لزوم العصا تحني عليها الأصابع‏

و لا شبهة في أن المراد بجميع ذلك القدام و قال بعض أهل العربية إنما صلح أن يعبر بالوراء عن الأمام إذا كان الشي‏ء المخبر عنه بالوراء يعلم أنه لا بد من بلوغه ثم سبقه و تخليفه فتقول العرب البرد وراءك و هو يعني قدامك لأنه قد علم أنه لا بد من أن أنه يبلغ البرد ثم يسبق و وجه آخر و هو أنه يجوز أن يريد

87

أن ملكا ظالما كان خلفهم و في طريقهم عند رجوعهم على وجه لا انفكاك لهم منه و لا طريق لهم غير المرور به فخرق السفينة حتى لا يأخذها إذا عادوا عليه و يمكن أن يكون وراءهم على وجه الاتباع و الطلب و الله أعلم بمراده مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى‏ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَ كانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً أ و ليس قد روي في الآثار أن بني إسرائيل رموه بأنه أدر الأدر المنتفخ الخصيتين و بأنه أبرص و أنه (ع) ألقى ثيابه على صخرة ليغتسل فأمر الله تعالى الصخرة بأن تسير فسارت و بقي موسى (ع) مجردا يدور في محافل بني إسرائيل حتى رأوه و علموا أنه لا عاهة به الجواب قلنا ما روي في هذا المعنى ليس بصحيح و ليس يجوز أن يفعل الله تعالى بنبيه (ع) ما ذكروه من هتك العورة ليبرئه من عاهة أخرى فإنه تعالى قادر على أن ينزهه مما قذفوه به على وجه لا يلحقه معه فضيحة أخرى و ليس يرمي بذلك أنبياء الله تعالى من يعرف أقدارهم‏

و الذي روي في ذلك من الصحيح معروف و هو

أن بني إسرائيل لما مات هارون (ع) قذفوه بأنه قتله لأنهم كانوا إلى هارون (ع) أميل فبرأه الله تعالى من ذلك بأن أمر الملائكة بأن تحمل هارون (ع) ميتا فمرت به على محافل بني إسرائيل ناطقة بموته و مبرئة لموسى (ع) من قتله و هذا الوجه يروى عن أمير المؤمنين (ع)

و روي أيضا أن موسى (ع) نادى أخاه هارون فخرج من قبره فسأله هل قتلتك فقال لا ثم عاد إلى قبره و كل هذا جائز و الذي ذكره الجهال غير جائز

داود (ع)

مسألة فإن قيل فما الوجه في قوله تعالى‏ وَ هَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ إِذْ دَخَلُوا عَلى‏ داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى‏ بَعْضُنا عَلى‏ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَ لا تُشْطِطْ

88

وَ اهْدِنا إِلى‏ سَواءِ الصِّراطِ إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَ عَزَّنِي فِي الْخِطابِ قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى‏ نِعاجِهِ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ قَلِيلٌ ما هُمْ وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ راكِعاً وَ أَنابَ‏ أ و ليس قد روى أكثر المفسرين أن داود (ع) قال رب قد أعطيت إبراهيم و إسحاق و يعقوب من الذكر ما وددت أنك أعطيتني مثله قال الله تعالى إني ابتليتهم بما لم أبتلك بمثله فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم و أعطيتك كما أعطيتهم قال نعم فقال جل و عز له فاعمل حتى أرى بلاءك فكان ما شاء الله أن يكون و طال عليه ذلك حتى كاد ينساه فبينا هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة المحراب فذهب ليأخذها فطارت فأطلع من الكوة فإذا امرأة تغتسل فهواها و هم بتزويجها و كان لها بعل يقال له أوريا فبعث به إلى بعض السرايا و أمره أن يتقدم أمام التابوت الذي فيه السكينة و كان غرضه أن يقتل فيه فتزوج بامرأته فأرسل الله إليه الملكين في صورة خصمين ليبكتاه على خطيئة و كنيا عن النساء بالنعاج و عليكم في هذه الآيات سؤال من وجه آخر و هو أن الملائكة لا تكذب فكيف قالوا خَصْمانِ بَغى‏ بَعْضُنا عَلى‏ بَعْضٍ‏ و كيف قال أحدهما إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ إلى آخر الآيات و لم يكن من ذلك شي‏ء الجواب قلنا نحن نفسر الآية و نبين أنه لا دلالة في شي‏ء منها على وقوع الخطاء من داود (ع) فهو الذي يحتاج إليه فأما الرواية المدعاة فساقطة مردودة مرذولة لتضمنها خلاف ما يقتضيه العقول في الأنبياء (ع) و قد طعن في رواتها بما هو معروف و لا حاجة بنا إلى ذكره و أما قوله تعالى‏ وَ هَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ‏ فالخصم مصدر لا يجمع و لا يثنى و لا يؤنث‏

89

ثم قال‏ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ فكنى عنهم بكناية الجماعة و قيل في ذلك إنه أخرج الكلام على المعنى دون اللفظ لأن الخصمين هاهنا كالقبيلتين أو الجنسين و قيل بل جمع لأن الاثنين أقل الجمع و أوله و لأن فيهما معنى الانضمام و الاجتماع و قيل بل كان مع هذين الخصمين غيرهما ممن يعينهما و يؤيدهما فإن العادة جارية فيمن يأتي باب السلطان بأن يحضر معه الشفعاء و المعاونين فأما خوفه منهما فلأنه (ع) كان خاليا بالعبادة في وقت لا يدخل عليه فيه أحد على مجرى عادته فراعه منهما أنهما أتيا في غير وقت الدخول أو لأنهما دخلا من غير المكان المعهود و قولهما خَصْمانِ بَغى‏ بَعْضُنا عَلى‏ بَعْضٍ جرى على التقدير و التمثيل و هو كلام مقطوع عن أوله و تقديره أ رأيت لو كنا كذلك و احتكمنا إليك و لا بد لكل واحد من الإضمار في هذه الآية و إلا لم يصح الكلام لأن خصمان لا يجوز أن يبتدأ به و قال المفسرون تقدير الكلام نحن خصمان قالوا و هذا مما يضمره المتكلم و يضمر للمتكلم أيضا فيقول المتكلم سامع مطيع أي أنا كذلك و يقول القافلون من الحج آئبون تائبون لربنا حامدون أي نحن كذلك و قال الشاعر

و قولا إذا جاوزتما أرض عامر* * * و جاوزتما الحيين نهدا و خثعما

نزيعان من جرم بن زبان إنهم‏* * * أبوا أن يجيروا في الهزاهز محجما

أي نحن نزيعان و يقال للمتكلم مطاع معان و يقال له أ راحل أم مقيم و قال الشاعر

تقول ابنة الكعبي لما لقيتها* * * أ منطلق في الجيش أم متثاقل‏

أي أنت كذلك فإذا كان لا بد في الكلام من إضمار فليس لهم بأن يضمروا شيئا بأولى منا إذا أضمرنا سواه فأما قوله‏ إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً إلى آخر الآية فإنما هو أيضا على جهة التقدير و التمثيل اللذين قدمناهما و حذف من الكلام ما يقتضي فيه التقدير و معنى قوله‏ وَ عَزَّنِي‏ أي صار أعز مني و قيل أراد قهرني و غلبني فأما قوله‏ لَقَدْ ظَلَمَكَ‏ من غير مسألة

90

للخصم فإنه أراد إن كان الأمر كما ذكرت و معنى ظلمك نقصك و تملك كما قال الله تعالى‏ آتَتْ أُكُلَها وَ لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً و معنى ظن قيل فيه وجهان أحدهما أنه أراد الظن المعروف الذي هو بخلاف اليقين و الوجه الآخر أنه أراد العلم و اليقين لأن الظن قد يرد بمعنى العلم قال الله تعالى‏ وَ رَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها و ليس يجوز أن يكون أهل الآخرة ظانين لدخول النار بل عالمين قاطعين و قال الشاعر

فقلت لهم ظنوا بإلقاء مذحج‏* * * سراتهم في الفارسي المسرد

أي أيقنوا و الفتنة في قوله‏ وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ هي الاختبار و الامتحان و لا وجه لها إلا ذلك في هذا الموضع كما قال تعالى‏ وَ فَتَنَّاكَ فُتُوناً فأما الاستغفار و السجود فلم يكونا لذنب كان في الحال و لا فيما سلف على ما ظنه بعض من تكلم في هذا الباب بل على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى و الخضوع له و التذلل و العبادة و السجود و قد يفعله الناس كثيرا عند النعم التي تتجدد عليهم و تنزل و تئول و ترد إليهم شكرا لمولاها و كذلك قد يسبحون و يستغفرون الله تعالى تعظيما و شكرا و عبادة و أما قوله تعالى‏ وَ خَرَّ راكِعاً وَ أَنابَ فالإنابة هي الرجوع و لما كان (ع) بما فعله راجعا إلى الله تعالى و منقطعا إليه قيل فيه إنه أناب كما يقال في التائب الراجع إلى التوبة و الندم إنه منيب فأما قوله تعالى‏ فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ فمعناه أنا قبلناه منه و كتبنا له الثواب عليه فأخرج الجزاء على وجه المجازات به كما قال تعالى‏ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ و قال جل و عز اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ فأخرج الجزاء على لفظ المجازى عليه قال الشاعر

ألا لا يجهلن أحد علينا* * * فنجهل فوق جهل الجاهلينا

و لما كان المقصود في الاستغفار و التوبة إنما هو القبول قيل في جوابه فغفرنا لك أي فعلنا المقصود به و كذلك لما كان الاستغفار على طريق الخضوع و العبادة المقصود به القربة و الثواب قيل في جوابه غفرنا مكان قبلنا على أن من ذهب إلى أن داود

91

ع فعل صغيرة لا بد من أن يحمل قوله تعالى‏ فَغَفَرْنا على غير إسقاط العقاب لأن العقاب قد سقط بما هناك من الثواب الكثير من غير استغفار و لا توبة و من جوز على داود (ع) الصغيرة يقول إن استغفاره (ع) كان لأحد أمور أولها أن أوريا بن حنان لما أخرجه في بعض ثغوره فقتل و كان داود (ع) عالما بجمال بحال زوجته فمالت نفسه إلى نكاحها بعده فقل غمه بقتله لميل طبعه إلى نكاح زوجته فعوتب على ذلك بنزول الملكين من حيث حمله ميل الطبع على أن قل غمه بمؤمن قتل من أصحابه و ثانيها أنه‏

روي‏

أن امرأة خطبها أوريا بن حنان ليتزوجها و بلغ داود (ع) جمالها فخطبها أيضا فزوجها أهلها بداود (ع) و قدموه على أوريا و غيره فعوتب (ع) على الحرص على الدنيا و أنه خطب امرأة قد خطبها غيره حتى قدم عليه-

و ثالثها أنه‏

روي‏

أن امرأة تقدمت هي و زوجها إليه في مخاصمة بينهما من غير محاكمة لكن على سبيل الوساطة و طال الكلام بينهما و تردد فعرض داود (ع) للرجل بالنزول عن المرأة لا على سبيل الحكم لكن على سبيل التوسط و الاستصلاح كما يقول أحدنا لغيره إذا كنت لا ترضى زوجتك هذه و لا تقوم بالواجب من نفقتها فانزل عنها فقدر الرجل أن هذا حكم منه لا تعريض فنزل عنها و تزوجها داود (ع) فأتاه الملكان ينبهانه على التقصير في ترك تبيين مراده للرجل و أنه كان على سبيل العرض لا الحكم‏

و رابعها أن سبب ذلك‏

أن داود (ع) كان متشاغلا بعبادته في محرابه فأتاه رجل و امرأة يتحاكمان فنظر إلى المرأة ليعرفها بعينها فيحكم لها أو عليها و ذلك نظر مباح على هذا الوجه فمالت نفسه إليها ميل الخلقة و الطباع ففصل بينهما و عاد إلى عبادته فشغله الفكر في أمرها و تعلق القلب بها عن بعض نوافله التي كان وظفها على نفسه فعوتب-

و خامسها أن المعصية منه إنما كانت بالعجلة في الحكم قبل التثبت و قد كان يجب‏

92

عليه لما سمع الدعوى من أحد الخصمين أن يسأل الآخر عما عنده فيها و لا يقضي عليه قبل المسألة و من أجاب بهذا الجواب قال إن الفزع من دخولهما عليه في غير وقت العادة أنساه التثبت و التحفظ و كل هذه الوجوه لا يجوز على الأنبياء (ع) لأن فيها ما هو معصية و قد بينا أن المعاصي لا تجوز عليهم و فيها ما هو منفر و إن لم يكن معصية مثل أن يخطب امرأة قد خطبها رجل من أصحابه فتقدم عليه و تزوجها و مثل التعريض بالنزول عن المرأة و هو لا يريد الحكم فأما الاشتغال عن النوافل فلا يجوز أن يقع عليه عتاب لأنه ليس بمعصية و لا هو أيضا منفر فأما من زعم أنه عرض أوريا للقتل و قدمه أمام التابوت عمدا حتى يقتل فقوله أوضح فسادا من أن يتشاغل برده‏

1

و قد روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال‏

: لا أوتي برجل يزعم أن داود (ع) تزوج بامرأة أوريا إلا جلدته حدين حد النبوة و حد الإسلام‏

فأما أبو مسلم فإنه قال لا يمتنع أن يكون الداخلان على داود (ع) كانا خصمين من البشر و أن يكون ذكر النعاج محمولا على الحقيقة دون الكناية و إنما ارتاع منهما لدخولهما من غير إذن و على غير مجرى العادة قال و ليس في ظاهر التلاوة ما يقتضي أن يكونا ملكين و هذا الجواب يستغني معه عما تأولنا به قولهما و دعوى أحدهما على صاحبه و ذكر النعاج و الله تعالى أعلم بالصواب‏

سليمان (ع)

مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى‏ وَ وَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ‏ أ و ليس ظاهر هذه الآيات يدل على أن مشاهدة الخيل ألهاه و شغله عن ذكر ربه حتى روي أن الصلاة فاتته و قيل إنها

93

صلاة العصر ثم إنه عرقب الخيل و قطع سوقها و أعناقها غيظا عليها و هذا كله فعل يقتضي ظاهره القبح الجواب قلنا أما ظاهر الآية فلا يدل على إضافة قبيح إلى النبي (ع) و الرواية إذا كانت مخالفة لما تقتضيه الأدلة لا يلتفت إليها لو كانت قوية صحيحة ظاهرة فكيف إذا كانت ضعيفة واهية و الذي يدل على ما ذكرناه على سبيل الجملة أن الله تعالى ابتدأ الآية بمدحه و تعريفه و الثناء عليه فقال‏ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ‏ و ليس يجوز أن يثني عليه بهذا الثناء ثم يتبعه من غير فضل بإضافة القبيح إليه و أن يلهى بعرض الخيل عن فعل المفروض عليه من الصلاة و الذي يقتضيه الظاهر أن حبه للخيل و شغفه بها كان عن إذن ربه و بأمره و بتذكيره إياه لأن الله تعالى قد أمرنا بارتباط الخيل و إعدادها لمحاربة الأعداء فلا ينكر أن يكون سليمان (ع) مأمورا بمثل ذلك‏ فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي‏ ليعلم من حضره أن اشتغاله بها و استعداده لها لم يكن لهوا و لا لعبا و إنما تبع فيه أمر الله تعالى و أثر طاعته فأما قوله‏ أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ ففيه وجهان أحدهما أنه أراد إني أحببت حبا ثم أضاف الحب إلى الخير و الوجه الآخر أنه أراد أحببت اتخاذ الخير فجعل بدل قوله اتخاذ الخير حب الخير فأما قوله تعالى‏ رُدُّوها عَلَيَ‏ فهو الخيل لا محالة على مذهب سائر أهل التفسير فأما قوله تعالى‏ حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ‏ فإن أبا مسلم محمد بن بحر وحده قال إنه عائد إلى الخيل دون الشمس لأن الشمس لم يجر لها ذكر في القصة و قد جرى للخيل ذكر فرده إليها أولى إذا كانت له محتملة و هذا التأويل يبرئ النبي (ع) عن المعصية فأما من قال إن قوله تعالى‏ حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ‏ كناية عن الشمس فليس في ظاهر القرآن أيضا على هذا الوجه ما يدل على أن التواري كان سببا لفوت الصلاة و لا يمتنع أن يكون ذكر ذلك على سبيل الغاية لعرض الخيل عليه ثم استعادته لها فأما أبو علي الجبائي و غيره‏

94

فإنه ذهب إلى أن الشمس لما توارت بالحجاب و غابت كان ذلك سببا لترك عبادة كان يتعبد بها بالعشي و صلاة نافلة كان يصليها فنسيها شغلا بهذه الخيل و إعجابا بتقليبها فقال هذا القول على سبيل الاغتمام لما فاته من الطاعة و هذا الوجه أيضا لا يقتضي إضافة قبيح إليه (ع) لأن ترك النافلة ليس بقبيح و لا معصية و أما قوله تعالى‏ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ فقد قيل فيه وجوه منها أنه عرقبها و مسح أعناقها و سوقها بالسيف من حيث شغلته عن الطاعة و لم يكن ذلك على سبيل العقوبة لها لكن حتى لا يتشاغل في المستقبل بها عن الطاعات لأن للإنسان أن يذبح فرسه لأكل لحمه فكيف إذا انضاف إلى ذلك وجه آخر يحسنه و قد قيل إنه يجوز أن يكون لما كانت الخيل أعز ماله عليه أراد أن يكفر عن تفريطه في النافلة بذبحها و التصدق بلحمها على المساكين قالوا فلما رأى حسن الخيل و راقته و أعجبته أراد أن يتقرب إلى الله تعالى بالمعجب له الرائق في عينه و يشهد بصحة هذا المذهب قوله تعالى‏ لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ فأما أبو مسلم فإنه ضعف هذا الوجه فقال لم يجر للسيف ذكر فيضاف إليه المسح و لا يسمي العرب الضرب بالسيف و القطع به مسحا قال فإن ذهب ذاهب إلى قول الشاعر

مدمن يجلو بأطراف الذرى‏* * * دنس الأسوق بالعضب الأفل‏

فإن هذا الشاعر يعني أنه عرقب الإبل للأضياف فمسح بأسنمتها ما صار على سيفه من دنس عراقبها و هو الدم الذي أصابه منها و ليس في الآية ما يوجب ذلك و لا يقاربه و ليس الذي أنكره أبو مسلم بمنكر لأن أكثر أهل التأويل و فيهم من يشار إليه في اللغة روى أن المسح هاهنا هو القطع و في الاستعمال المعروف مسحه بالسيف إذا قطعه و بتره و العرب تقول مسح علاوتها أي ضربها و منها أن يكون معنى مسحها هو أنه أمر يده عليها صيانة لها و إكراما لما رأى من حسنها فمن عادة من عرضت عليه الخيل‏

95

أن يمر يده على أعرافها و أعناقها و قوائمها و منها أن يكون معنى المسح هاهنا هو الغسل فإن العرب تسمي الغسل مسحا فكأنه لما رأى حسنها أراد صيانتها و كرامها فغسل قوائمها و أعناقها و كل هذا واضح مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى‏ وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَ أَلْقَيْنا عَلى‏ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ‏ أ و ليس قد روي في تفسير هذه الآية أن جنيا كان اسمه صخرا تمثل على صورته و جلس على سريره و أنه أخذ خاتمه الذي فيه النبوة فألقاه في البحر فذهبت نبوته و أنكره قومه حتى عاد إليه من بطن السمكة الجواب قلنا أما ما رواه القصاص الجهال في هذا الباب فليس مما يذهب على عاقل بطلانه و إن مثله لا يجوز على الأنبياء (ع) و إن النبوة لا تكون في خاتم و لا يسلبها النبي (ع) و لا ينزع عنه و إن الله تعالى لا يمكن الجني من التمثيل بصورة النبي (ع) و لا غير ذلك مما افتروا به على النبي (ع) و إنما الكلام على ما يقتضيه ظاهر القرآن و ليس في الظاهر أكثر من أن جسدا ألقي على سبيل الفتنة له و هي الاختبار و الامتحان مثل قوله تعالى‏ الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ‏ و الكلام في ذلك الجسد ما هو إنما يرجع فيه إلى الرواية الصحيحة التي لا تقتضي إضافة قبيح إليه (ع) و قد قيل في ذلك أشياء منها أن سليمان (ع) قال يوما يوما في مجلسه و فيه جمع كثير لأطوفن الليلة على مائة امرأة تلد كل امرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله و كان له فيما روى عدد كثير من السراري فأخرج كلامه على سبيل المحبة لهذه الحال فنزهه الله تعالى عن الكلام الذي ظاهره الحرص على الدنيا و التشبث بها لئلا يقتدى به في ذلك فلم تحمل من نسائه إلا امرأة واحدة فألقت ولدا ميتا فحمل حتى وضع على كرسيه جسدا بلا روح تنبيها له على أنه ما كان يجب أن يظهر منه ما ظهر فاستغفر ربه و فزع إلى الصلاة

96

و الدعاء و هذا الوجه إذا صح ليس يقتضي معصية صغيرة على ما ظنه بعضهم حتى نسب الاستغفار و الإنابة إلى ذلك و ذلك لأن محبة الدنيا على الوجه المباح ليس بذنب و إن كان غيره أولى منه و الاستغفار عقيب هذه الحال لا يدل على وقوع ذنب في الحال و لا قبلها بل يكون محمولا على ما ذكرناه آنفا في قصة داود (ع) من الانقطاع إلى الله تعالى و طلب ثوابه فأما قول بعضهم إن ذنبه من حيث لم يستثن مشيئة الله تعالى لما قال تلد كل امرأة واحدة منهن غلاما فهو غلط لأنه (ع) و إن لم يستثن ذلك لفظا فقد استثناه ضميرا أو اعتقادا إذ لو كان قاطعا مطلقا للقول لكان كاذبا أو مطلقا لما لا يأمن أن يكون كذبا و ذلك لا يجوز عند من جوز الصغائر على الأنبياء (ع) و أما قول بعضهم إنه (ع) إنما عوتب و استغفر لأجل أن فريقين اختصما إليه أحدهما من أهل جراده امرأة له كان يحبها فأحب أن يقع القضاء لأهلها فحكم بين الفريقين بالحق و عوتب على محبة موافقة الحكم لأهل امرأته فليس هذا أيضا بشي‏ء لأن هذا المقدار الذي ذكروه ليس بذنب يقتضي عتابا إذا كان لم يرد القضاء بما يوافق امرأته على كل حال بل مال طبعه إلى أن يكون الحق موافقا لقول فريقها و أن يتفق أن يكون في جهتها من غير أن يقتضي ذلك ميلا منه في الحكم أو عدولا عن الواجب و منها أنه‏

روي عن الحسن‏

لما ولد لسليمان (ع) ولد قالوا لنلقين من ولده مثل ما لقينا من أبيه فلما ولد له غلام أشفق عليه منهم فاسترضعه في المزن و هو السحاب فلم يشعر إلا و قد وضع على كرسيه ميتا تنبيها له على أن الحذر لا ينفع مع القدر و منها أنهم ذكروا أنه كان لسليمان (ع) ولد شاب ذكي و كان يحبه حبا شديدا فأماته الله تعالى على بساطه فجأة بلا مرض اختبارا من الله تعالى لسليمان (ع) و ابتلاء لصبره في إماتة ولده و ألقى جسده على كرسيه و قيل إن الله جل ثناؤه أماته في حجره و هو على كرسيه فوضعه من حجره‏

97

عليه‏

و منها ما ذكره أبو مسلم فإنه قال جائز أن يكون الجسد المذكور هو جسد سليمان (ع) و أن يكون ذلك لمرض امتحنه تعالى به و تلخيص الكلام‏ وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَ أَلْقَيْنا عَلى‏ كُرْسِيِّهِ جَسَداً و ذلك لشدة المرض و العرب تقول في الإنسان إذا كان ضعيفا إنه لحم على وضم كما يقولون إنه جسد بلا روح تغليظا للعلة و مبالغة في فرط الضعف‏ ثُمَّ أَنابَ أي رجع إلى حال الصحة و استشهد على الاختصار و الحذف في الآية بقوله تعالى‏ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَ جَعَلْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ و لو أتى بالكلام على شرحه لقال يقول الذين كفروا منهم أي من المجادلين كما قال تعالى‏ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ إلى قوله‏ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً و قال الأعشى في معنى الاختصار و الحذف‏

و كان السموط علقها السلك‏* * * بعطفي جيداء أم غزال‏

و لو أتى بالشرح لقال علقها السلك منها و قال كعب بن زهير

زالوا فما زال إنكاس و لا كشف‏* * * عند اللقاء و لا ميل معازيل‏

و إنما أراد فما زال منهم إنكاس و لا كشف و شواهد هذا المعنى كثيرة مسألة فإن قيل فما معنى قول سليمان (ع) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ‏ أ و ليس ظاهر هذا القول منه (ع) يقتضي الشح و الظن و المنافسة لأنه لم يقنع بمسألة الملك حتى أضاف إلى ذلك أن يمنع غيره منه الجواب قلنا قد ثبت أن الأنبياء (ع) لا يسألون إلا ما يؤذن لهم في مسألته لا سيما إذا كانت المسألة ظاهرة يعرفها قومهم و جائز أن يكون الله تعالى أعلم سليمان (ع) أنه إن سأل ملكا لا يكون لغيره كان أصلح له في الدين و الاستكثار من الطاعات و أعلمه أن غيره لو سأل ذلك لم يجب إليه من حيث لا صلاح‏

98

له فيه و لو أن أحدنا صرح في دعائه بهذا الشرط حتى يقول اللهم اجعلني أيسر أهل زماني و ارزقني ما لا يساويني فيه غيري إذا علمت أن ذلك أصلح لي و أنه أدعى إلى ما تريده مني لكان هذا الدعاء منه حسنا جميلا و هو غير منسوب به إلى بخل و لا شح و ليس يمتنع أن يسأل النبي (ع) هذه المسألة من غير إذن إذا لم يكن شرط ذلك بحضرة قومه بعد أن يكون هذا الشرط مرادا فيها و إن لم يكن منطوقا به و على هذا الجواب اعتمد أبو علي الجبائي و وجه آخر و هو أن يكون (ع) إنما التمس أن يكون ملكه آية النبوة ليتبين بها عن غيره ممن ليس بنبي و قوله‏ لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي‏ أراد به لا ينبغي لأحد غيري ممن أنا مبعوث إليه و لم يرد من بعده إلى يوم القيامة من النبيين (ع) و نظير ذلك أنك تقول للرجل أنا أطيعك ثم لا أطيع أحدا بعدك تريد و لا أطيع أحدا سواك و لا تريد بلفظة بعد المستقبل و هذا وجه قريب قد ذكر أيضا في هذه الآية و مما لم يذكر فيها مما يحتمله الكلام أن يكون (ع) إنما سأل ملك الآخرة و ثواب الجنة التي لا يناله المستحق إلا بعد انقطاع التكليف و زوال المحنة فمعنى قوله‏ لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي‏ أي لا يستحقه بعد وصولي إليه أحد من حيث لا يصح أن يعمل ما يستحق به لانقطاع التكليف و يقوي هذا الجواب قوله‏ رَبِّ اغْفِرْ لِي‏ و هو من أحكام الآخرة و ليس لأحد أن يقول إن ظاهر الكلام بخلاف ما تأولتم لأن لفظة بَعْدِي‏ لا يفهم منها بعد وصولي إلى الثواب و ذلك أن الظاهر غير مانع من التأويل الذي ذكرناه و لا مناف له لأنه لا بد من أن تعلق لفظة بَعْدِي‏ بشي‏ء من أحواله المتعلقة به و إذا علقناها بوصوله إلى الملك كان ذلك في الفائدة و مطابقة الكلام كغيره مما يذكر في هذا الباب أ لا ترى أنا إذا حملنا لفظة بَعْدِي‏ على بعد نبوتي أو بعد مسألتي أو ملكي كان ذلك كله في حصول الفائدة به يجري مجرى أن نحملها على بعد وصولي إلى الملك‏

99

فإن ذلك مما يقال فيه أيضا بعدي أ لا ترى أن القائل يقول دخلت الدار بعدي و وصلت إلى كذا و كذا بعدي و إنما يريد بعد دخولي و بعد وصولي و هذا واضح بحمد الله‏

يونس ع‏

مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى‏ وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى‏ فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏ و ما معنى غضبه و على من كان غضبه و كيف ظن أن الله تعالى لا يقدر عليه و ذلك مما لا يظنه مثله و كيف اعترف بأنه من الظالمين و الظلم قبيح الجواب قلنا أما من ظن أن يونس (ع) خرج مغاضبا لربه من حيث لم ينزل بقومه العذاب فقد خرج في الافتراء على الأنبياء (ع) و سوء الظن بهم عن الحد و ليس يجوز أن يغاضب ربه إلا من كان معاديا له و جاهل بأن الحكمة في سائر أفعاله و هذا لا يليق بأتباع الأنبياء (ع) من المؤمنين فضلا عمن عصمه الله تعالى و رفع درجته و أقبح من ذلك ظن الجهال و إضافتهم (ع) إليه أنه ظن أن ربه لا يقدر عليه من جهة القدرة التي يصح بها الفعل و يكاد يخرج عندنا من ظن بالأنبياء (ع) مثل ذلك عن باب التمييز و التكليف و إنما كان غضبه (ع) على قومه لمقامهم على تكذيبه و إصرارهم على الكفر و يأسه من إقلاعهم و توبتهم فخرج من بينهم خوفا من أن ينزل العذاب بهم و هو مقيم بينهم فأما قوله تعالى‏ فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ‏ فمعناه أن لا نضيق عليه المسلك و نشدد عليه المحنة و التكليف لأن ذلك مما يجوز أن يظنه النبي (ع) و لا شبهة في أن قول القائل قدرت و قدرت بالتخفيف و التشديد معناه التضييق قال الله تعالى‏ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ‏ و قال تعالى‏ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ

100

وَ يَقْدِرُ أي يوسع و يضيق و قال تعالى‏ وَ أَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ‏ أي ضيق و التضييق الذي قدره الله عليه هو ما لحقه من الحصول في بطن الحوت و ما ناله في ذلك من المشقة الشديدة إلى أن نجاه الله تعالى منها و أما قوله تعالى‏ فَنادى‏ فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏ فهو على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى و الخشوع له و الخضوع بين يديه لأنه لما دعاه كشف ما امتحنه به و سأله أن ينجيه من الظلمات التي هي ظلمة البحر و ظلمة بطن الحوت و ظلمة الليل فعل ما يفعله الخاضع و الخاشع من الانقطاع و الاعتراف بالتقصير و ليس لأحد أن يقول كيف يعترف بأنه كان من الظالمين و لم يقع منه ظلم و هل هذا إلا كذب بعينه و ليس يجوز أن يكذب النبي (ع) في حال خضوع و لا غيره و ذلك أنه يمكن أن يريد بقوله‏ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏ أي من الجنس الذي يقع منهم الظلم فيكون صدقا و إن ورد على سبيل الخضوع و الخشوع لأن جنس البشر لا يمتنع منه وقوع الظلم فإن قيل فأي فائدة في أن يضيف نفسه إلى الجنس الذي يقع منهم الظلم إذا كان الظلم منتفيا عنه في نفسه قلنا الفائدة في ذلك التظاهر و التطأمن لله تعالى و التخاضع و نفي التكبر و التجبر لأن من كان مجتهدا في رغبة إلى ملك قدير فلا بد من أن يتطأطأ له و يجتهد له في الخضوع بين يديه و من أكبر الخضوع أن يضيف نفسه إلى القبيل الذي يخطئون و يصيبون كما يقول الإنسان إذا أراد أن يكسر نفسه و ينفي عنها دواعي الكبر و الخيلاء إنما أنا من البشر لست من الملائكة و أنا ممن يخطئ و يصيب و هو لا يريد إضافة الخطاء إلى نفسه في الحال بل يكون الفائدة ما ذكرناها و وجه آخر و هو أنا قد بينا في قصة آدم (ع) لما تأولنا قوله تعالى‏ رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا أن المراد بذلك أنا نقصناها الثواب و بخسناها حظها منه لأن الظلم في أصل اللغة هو النقص و الثلم و من ترك المندوب إليه و هو لو فعله لاستحق الثواب‏