تنزيه الأنبياء عليهم السلام‏

- السيد المرتضى المزيد...
185 /
101

يجوز أن يقول إنه ظلم نفسه من حيث نقصها ذلك الثواب و ليس يمتنع أن يكون يونس (ع) أراد هذا المعنى لأنه لا محالة قد ترك كثيرا من الندب فإن استيفاء جميع الندب يتعذر و هذا أولى مما ذكره من جوزه الصغائر على الأنبياء (ع) لأنهم يدعون أن خروجه كان بغير إذن من الله تعالى له فكان قبيحا صغيرا و ليس ذلك بواجب على ما ظنوه لأن ظاهر القرآن لا يقتضيه و إنما أوقعهم في هذه الشبهة قوله‏ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏ و قد بينا وجه ذلك و أنه ليس بواجب أن يكون خبرا عن المعصية و ليس لهم أن يقولوا كيف يسمى من ترك النفل بأنه ظالم و ذلك أنا قد بينا وجه هذه التسمية في اللغة و إن كان إطلاق اللفظة في العرف لا يقتضيه و على من سأل عن ذلك مثله إذا قيل له كيف يسمى كل من فعل معصية بأنه ظالم و إنما الظلم المعروف هو الضرر المحض الموصل إلى الغير فإذا قالوا إن في المعصية معنى الظلم و إن لم يكن ضررا يوصل إلى الغير من حيث نقصت ثواب فاعلها قلنا و هذا المعنى يصح في الندب على أن يجري ما [لا] يستحق من الثواب مجرى المستحق و بعد فإن أبا علي الجبائي و كل من وافقه في الامتناع من القول بالموازنة في الإحباط لا يمكنه أن يجيب بهذا الجواب فعلى أي وجه يا ليت شعري يجعل معصية يونس (ع) ظلما و ليس فيها من معنى الظلم شي‏ء فأما قوله تعالى‏ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ‏ فليس على ما ظنه الجهال من أنه (ع) ثقل عليه أعباء النبوة لضيق خلقه فقذفها و إنما الصحيح أن يونس (ع) لم يقو على الصبر على تلك المحنة التي ابتلاه الله تعالى بها و عرضه لنزولها به بغاية الثواب فشكا إلى الله تعالى منها و سأله الفرج و الخلاص و لو صبر لكان أفضل و أراد الله تعالى لنبيه (ص) أفضل المنازل و أعلاها

102

عيسى ع‏

فإن قيل فما معنى قوله تعالى‏ وَ إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ‏ و ليس يخلو من أن يكون عيسى (ع) ممن قال ذلك أو يجوز أن يقوله و هذا خلاف ما تذهبون إليه في الأنبياء (ع) أو يكون ممن لم يقل ذلك و لا يجوز أن يقوله فلا معنى لاستفهامه تعالى منه و تقريره ثم أي معنى في قوله‏ وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ‏ و هذه اللفظة لا تكاد تستعمل في الله تعالى الجواب قلنا إن قوله تعالى‏ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ‏ ليس باستفهام على الحقيقة و إن كان خارجا مخرج الاستفهام و المراد به تقريع من ادعى ذلك عليه من النصارى و توبيخهم و تكذيبهم و هذا يجري مجرى قول أحدنا لغيره أ فعلت كذا و كذا و هو يعلم أنه لم يفعله و يكون مراده تقريع من ادعى ذلك عليه و ليقع الإنكار و الجحود ممن خوطب بذلك فيبكت من ادعاه عليه و وجه آخر و هو أنه تعالى أراد بهذا القول تعريف عيسى (ع) أن قوما قد اعتقدوا فيه و في أمه أنهما إلهان لأنه يمكن أن يكون عيسى (ع) لم يعرف ذلك إلا في تلك الحال و نظيره في التعارف أن يرسل الرجل رسولا إلى قوم فبلغ الرسول رسالته و يفارق القوم فيخالفونه بعده و يبدلون ما أتى به و هو لا يعلم و يعلم المرسل له ذلك فإذا أحب أن يعلمه مخالفة القوم له جاز أن يقول له أ أنت أمرتهم بكذا و كذا على سبيل الإخبار له بما صنعوه فأما قوله (ع) تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ‏ فإن لفظة النفس تنقسم في اللغة إلى معان مختلفة فالنفس نفس الإنسان و غيره من الحيوان و هي التي إذا فقدها خرج عن كونه حيا و منه قوله تعالى‏

103

كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ و النفس أيضا ذات الشي‏ء الذي يخبر عنه كقولهم فعل ذلك فلان نفسه إذا تولى فعله و أعطى كذا و كذا نفسه و النفس أيضا الأنفة كقولهم ليس لفلان نفس أي لا أنفة له و النفس أيضا الإرادة يقولون نفس فلان في كذا و كذا أي إرادته قال الشاعر

فنفساي نفس قالت ائت ابن بجدل‏* * * تجد فرحا من كل غم تهابها

و نفس تقول اجهد بحال و لا تكن‏* * * كخاضبة لم يغن شيئا خضابها

و منه أن رجلا قال للحسن يا أبا سعيد لم أحجج قط إلا و لي نفسان فنفس تقول لي احجج و نفس تقول لي تزوج فقال الحسن إنما النفس واحدة و لكن هم يقول احجج و هم يقول لك تزوج و أمره بالحج و قال الممزق العبدي‏

ألا من لعين قد ناها حميمها* * * و أرقها بعد المنام همومها

فباتت له نفسان شتى همومها* * * فنفس تعزيها و نفس تلومها

و النفس أيضا العين التي تصيب الإنسان يقال أصابت فلانا نفس أي عين‏

: و روي أن رسول الله (ص) كان يرقي فيقول- بسم الله أرقيك و الله يشفيك من كل داء هو فيك من عين عائن و نفس نافس و حسد حاسد

و قال ابن الأعرابي النفوس التي تصيب الناس بالنفس و ذكر رجلا فقال كان و الله حسودا نفوسا كذوبا و قال عبد الله بن قيس الرقيات يتقي أهلها النفوس عليها فعلى نحرها الرقي و التميم و النفس أيضا من الدباغ مقدار الدبغة يقال أعطني نفسا من الدباغ أي قدر ما أدبغ به مرة و النفس أيضا الغيب يقول القائل إني لا أعلم نفس فلان أي غيبه و هذا هو تأويل قوله‏ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ‏ أي تعلم غيبي و ما عندي و لا أعلم غيبك و ما عندك و قيل إن النفس أيضا العقوبة من قولهم أحذرك نفسي أي عقوبتي و بعض المفسرين حمل قوله تعالى‏ وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ‏ على هذا المعنى كأنه قال يحذركم الله عقوبته روي ذلك عن ابن عباس و الحسن و آخرون قالوا معنى الآية و يحذركم الله إياه فإن قيل فما الوجه في تسمية

104

الغيب بأنه نفس قلنا لا يمتنع أن يكون الوجه في ذلك أن نفس الإنسان لما كانت خفية الموضع الذي يودعه سرها أنزل ما يكتمه و يجهد في سره منزلتها فقيل فيه إنه نفس مبالغة في وصفه بالكتمان و الخفاء و إنما حسن أن يقول مخبرا عن نبيه (ع) و أعلم ما في نفسك من حيث تقدم قوله‏ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي‏ ليزدوج الكلام فلهذا لا يحسن ابتداء أن يقول أنا لا أعلم ما في نفس الله تعالى و إن حسن على الوجه الأول و لهذا نظائر في الكلام مشهورة مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى حاكيا عن عيسى (ع) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ و كيف يجوز هذا القول مع علمه (ع) بأنه تعالى لا يغفر للكفار الجواب قلنا المعنى بهذا الكلام تفويض الأمر إلى ملكه و تسليمه إلى مدبره و التبري من أن يكون إليه شي‏ء من أمور قومه و على هذا يقول أحدنا إذا أراد أن يتبرأ من تدبير أمر من الأمور و يسلم منه و يفوض أمره إلى غيره هذا الأمر لا مدخل لي فيه فإن شئت أن تفعله و إن شئت أن تتركه مع علمه و قطعه على أن أحد الأمرين لا بد أن يكون منه و إنما حسن منه ذلك لما أخرج كلامه مخرج التفويض و التسليم و

قد روي عن الحسن أنه قال‏

: معنى الآية أن تعذبهم فبإقامتهم على كفرهم و إن تغفر لهم فبتوبة كانت منهم فكأنه اشترط التوبة و إن لم يكن الشرط ظاهرا في الكلام‏

فإن قيل فلم لم يقل و إن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم فهو أليق بالكلام و معناه من‏ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ قلنا هذا سؤال من لم يعرف معنى الآية لأن الكلام لم يخرج مخرج مسألة فيليق بما ذكر في السؤال و إنما ورد على معنى تسليم الأمر إلى مالكه فلو قيل فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء لهم بالمغفرة و لم يقصد ذلك بالكلام على أن قوله‏ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ أبلغ في المعنى و أشد استيفاء له من الغفور الرحيم و ذلك لأن الغفران و الرحمة قد يكونان حكمة و صوابا

105

و يكونان بخلاف ذلك فهما بالإطلاق لا يدلان على الحكمة و الحسن و الوصف بالعزيز الحكيم يشتمل على معنى الغفران و الرحمة إذا كانا صوابين و يزيد عليهما باستيفاء معان كثيرة لأن العزيز هو المنيع القادر الذي لا يذل و لا يضام و هذا المعنى لا يفهم من الغفور الرحيم البتة و أما الحكيم فهو الذي يضع الأشياء مواضعها و يصيب بها أغراضها و لا يفعل إلا الحسن الجميل فالمغفرة و الرحمة إذا اقتضتهما الحكمة دخلتا في قوله الحكيم و زاد معنى هذه اللفظة عليهما من حيث اقتضاء وصفه بالحكمة في سائر أفعاله و إنما طعن بهذا الكلام من الملحدين من لا معرفة له بمعاني الكلام و إلا فبين ما تضمنه القرآن من اللفظة و بين ما ذكروه فرق ظاهر في البلاغة و استيفاء المعاني و الاشتمال عليها

في تنزيه سيدنا محمد المصطفى ص‏

مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى‏ وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى‏ أ و ليس هذا يقتضي إطلاقه الضلال عن الدين و ذلك مما لا يجوز عندكم قبل النبوة و لا بعدها الجواب في معنى هذه الآية أجوبة أولها أنه أراد وَ وَجَدَكَ ضَالًّا عن النبوة فهداك إليها أو عن شريعة الإسلام التي نزلت عليه و أمر بتبليغها إلى الخلق و بإرشاده (ص) إلى ما ذكرناه أعظم النعم عليه و الكلام في الآية خارج مخرج الامتنان و التذكير بالنعم و ليس لأحد أن يقول إن الظاهر بخلاف ذلك لأنه لا بد في الظاهر من تقدير محذوف يتعلق به الضلال لأن الضلال هو الذهاب و الانصراف فلا بد من أمر يكون منصرفا عنه فمن ذهب إلى أنه أراد الذهاب عن الدين فلا بد له من أن يقدر هذه اللفظة ثم يحذفها ليتعلق بها لفظ الضلال و ليس هو في ذلك أولى منا فيما قدرناه و حذفناه و ثانيها أن يكون أراد الضلال عن المعيشة و طريق‏

106

الكسب يقال للرجل الذي لا يهتدي طريق معيشته و وجه مكسبه هو ضال لا يدري ما يصنع و لا أين يذهب فامتن الله تعالى عليه بأن رزقه و أغناه و كفاه و ثالثها أن يكون أراد وَجَدَكَ ضَالًّا بين مكة و المدينة عند الهجرة فهداك و سلمك من أعدائك و هذا الوجه قريب لو لا أن السورة مكية و هي مقدمة للهجرة إلى المدينة اللهم إلا أن يحمل قوله تعالى‏ وَجَدَكَ‏ على أنه سيجدك على مذهب العرب في حمل الماضي على معنى المستقبل فيكون له وجه و رابعها أن يكون أراد بقوله‏ وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى‏ أي مضلولا عنك في قوم لا يعرفون حقك فهداهم إلى معرفتك و أرشدهم إلى فضلك و هذا له نظير في الاستعمال يقال فلان ضال في قومه و بين أهله إذا كان مضلولا عنه و خامسها أنه روي في قراءة هذه الآية الرفع أ لم يجدك يتيم فآوى و وجدك ضال فهدى على أن اليتيم وجده و كذلك الضال و هذا الوجه ضعيف لأن القراءة غير معروفة و لأن هذا الكلام يسمج و يفسد أكثر معانيه مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى‏ وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏ أ و ليس قد

روي في ذلك‏

أن رسول الله (ص) لما رأى تولى قومه عنه شق عليه ما هم عليه من المباعدة و المنافرة و تمنى في نفسه أن يأتيه من الله تعالى ما يقارب بينه و بينهم و تمكن حب ذلك في قلبه فلما أنزل الله تعالى عليه‏

وَ النَّجْمِ إِذا هَوى‏

و تليها عليهم ألقى الشيطان على لسانه لما كان تمكن في نفسه من محبة مقاربتهم تلك الغرانيق العلى و إن شفاعتهن لترتجى فلما سمعت قريش ذلك سرت به و أعجبهم ما زكى به آلهتهم حتى انتهى إلى السجدة فسجد المؤمنون و سجد أيضا المشركون لما سمعوا من ذكره آلهتهم بما أعجبهم فلم يبق في المسجد مؤمن و لا مشرك إلا سجد إلا

107

الوليد بن المغيرة فإنه كان شيخا كبيرا لا يستطيع السجود فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها ثم تفرق الناس من المسجد و قريش مسرورة بما سمعت و أتى جبرئيل (ع) إلى النبي (ص) معاتبا على ذلك فحزن له حزنا شديدا فأنزل الله تعالى عليه معزيا له و مسليا

وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ‏

الآية

الجواب قلنا أما الآية فلا دلالة في ظاهرها على هذه الخرافة التي قصوها و ليس يقتضي الظاهر إلا أحد أمرين إما أن يريد بالتمني التلاوة كما قال حسان بن ثابت‏

تمنى كتاب الله أول ليلة* * * و آخره لاقى حمام المقادر

أو يريد بالتمني تمني القلب فإن أراد التلاوة كان المراد أن من أرسل قبلك من الرسل كان إذا تلا ما يؤديه إلى قومه حرفوا عليه و زادوا فيما يقوله و نقصوا كما فعلت اليهود في الكذب على نبيهم فأضاف ذلك إلى الشيطان لأنه يقع بوسوسته و غروره ثم بين أن الله تعالى يزيل ذلك و يدحضه بظهور حجته و ينسخه و يحسم مادة الشبهة به و إنما خرجت الآية على هذا الوجه مخرج التسلية له (ص) لما كذب المشركون عليه و أضافوا إلى تلاوته من مدح آلهتهم ما لم يكن فيها و إن كان المراد تمني القلب فالوجه في الآية أن الشيطان متى تمنى النبي (ع) بقلبه بعض ما يتمناه من الأمور يوسوس إليه بالباطل و يحدثه بالمعاصي و يغريه بها و يدعوه إليها و أن الله تعالى ينسخ ذلك و يبطله بما يرشده إليه من مخالفة الشيطان و عصيانه و ترك استماع غروره فأما الأحاديث المروية في هذا الباب فلا يلتفت إليها من حيث تضمنت ما قد نزهت العقول الرسل (ع) عنه هذا لو لم تكن في أنفسها مطعونة ضعيفة عند أصحاب الحديث بما يستغنى عن ذكره و كيف يجيز ذلك على النبي (ص) من يسمع الله تعالى يقول‏ كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ‏ يعني القرآن و قوله تعالى‏ وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَ‏

108

لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ‏ و قوله تعالى‏ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى‏ على أن من يجيز السهو على الأنبياء (ع) يجب أن لا يجيز ما تضمنته هذه الرواية المنكرة لما فيها من غاية التنفير عن النبي (ص) لأن الله تعالى قد جنب نبيه (ص) من الأمور الخارجة عن باب المعاصي كالغلطة و الفظاظة و قول الشعر و غير ذلك مما هو دون مدح الأصنام المعبودة دون الله تعالى على أنه لا يخلو (ع) و حوشي مما قذف به من أن يكون تعمد ما حكوه و فعله قاصدا أو فعله ساهيا و لا حاجة بنا إلى إبطال القصد في هذا الباب و العمد لظهوره و إن كان فعله ساهيا فالساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الألفاظ المطابقة لوزن السورة و طريقها ثم لمعنى ما تقدمها من الكلام لأنا نعلم ضرورة أن من كان ساهيا لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتى يتفق منه بيت شعر في وزنها و في معنى البيت الذي تقدمه و على الوجه الذي يقتضيه فائدته و هو مع ذلك يظن أنه من القصيدة التي ينشدها و هذا ظاهر في بطلان هذه الدعوى على النبي (ص) على أن الموحي إليه من الله النازل بالوحي و تلاوة القرآن جبرئيل (ع) و كيف يجوز السهو عليه على أن بعض أهل العلم قد قال يمكن أن يكون وجه التباس الأمر أن رسول الله (ص) لما تلا هذه السورة في ناد غاص بأهله و كان أكثر الحاضرين من قريش المشركين فانتهى إلى قوله تعالى‏ أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى‏ و علم من قرب مكانه منه من قريش أنه سيورد بعدها ما يسوؤهم به فيهن قال كالمعارض له و الراد عليه تلك الغرانيق العلى و إن شفاعتهن لترتجى فظن كثير ممن حضر أن ذلك من قوله (ص) و اشتبه عليهم الأمر لأنهم كانوا يلغطون عند قراءته (ص) و يكثر كلامهم و ضجاجهم طلبا لتغليطه و إخفاء قراءته و يمكن أن يكون هذا أيضا في الصلاة لأنهم كانوا يقربون منه (ص) في حال صلاته عند الكعبة و يسمعون‏

109

قراءته و يلغون فيها و قيل أيضا إنه (ع) كان إذا تلا القرآن على قريش توقف في فصول الآيات و أتى بكلام على سبيل الحجاج لهم فلما تلا أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى‏ قال (ص) تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى على سبيل الإنكار عليهم و إن الأمر بخلاف ما ظنوه من ذلك و ليس يمتنع أن يكون هذا في الصلاة ح كان مباحا و إنما نسخ من بعد و قيل إن المراد بالغرانيق الملائكة و قد جاء مثل ذلك في بعض الحديث فتوهم المشركون أنه يريد آلهتهم و قيل إن ذلك كان قرآنا منزلا في وصف الملائكة فتلاه الرسول (ص) فلما ظن المشركون أن المراد به آلهتهم نسخت تلاوته و كل هذا يطابق ما ذكرناه من تأويل قوله‏ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ‏ لأن بغرور الشيطان و وسوسته أضيف إلى تلاوته (ع) ما لم يرده بها و كل هذا واضح بحمد الله تعالى مسألة فإن قيل فما تأويل قوله تعالى‏ وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ‏ أ و ليس هذا عتابا له (ص) من حيث أضمر ما كان ينبغي أن يظهره و راقب من لا يجب أن يراقبه فما الوجه في ذلك الجواب قلنا وجه هذه الآية معروف و هو أن الله تعالى لما أراد نسخ ما كانت عليه الجاهلية من تحريم نكاح زوجة الدعي و الدعي هو الذي كان أحدهم يجتبيه و يربيه و يضيفه إلى نفسه على طريق البنوة و كان من عادتهم أن يحرموا على أنفسهم نكاح أزواج أدعيائهم كما يحرمون نكاح أزواج أبنائهم فأوحى الله تعالى إلى نبيه (ص) أن زيد بن حارثة و هو دعي رسول الله (ص) سيأتيه مطلقا زوجته و أمره أن يتزوجها بعد فراق زيد لها ليكون ذلك ناسخا لسنة الجاهلية التي تقدم ذكرها فلما حضر زيد مخاصما زوجته عازما على طلاقها أشفق‏

110

الرسول من أن يمسك عن وعظه و تذكيره لا سيما و قد كان يتصرف على أمره و تدبيره فرجف المنافقون به (ص) إذا تزوج المرأة و يقرفونه بما قد نزهه الله تعالى عنه فقال له‏ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ‏ تبرؤا مما ذكرناه و تنزها و أخفى في نفسه عزمه على نكاحها بعد طلاقه لها لينتهي إلى أمر الله تعالى فيها و يشهد بصحة هذا التأويل قوله تعالى‏ فَلَمَّا قَضى‏ زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا على أن العلة في أمره بنكاحها ما ذكرناه من نسخ السنة المتقدمة فإن قيل العتاب باق على كل حال لأنه قد كان ينبغي أن يظهر ما أضمره و يخشى الله و لا يخشى الناس قلنا أكثر ما في الآية إذا سلمنا نهاية الاقتراح فيها أن يكون (ص) فعل ما غيره أولى منه و ليس يكون (ص) بترك الأولى عاصيا و ليس يمتنع على هذا الوجه أن يكون صبره على قذف و إهانة المنافقين و هوانه بقولهم أفضل و أكثر ثوابا فيكون إبداء ما في نفسه أولى من إخفائه على أنه ليس في ظاهر الآية ما يقتضي العتاب و لا ترك الأولى و أما إخباره بأنه أخفى ما الله مبديه فلا شي‏ء فيه من الشبهة و إنما هو خير محض و أما قوله‏ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ‏ ففيه أدنى شبهة و إن كان الظاهر لا يقتضي عند التحقيق ترك الأفضل لأنه أخبر أنه يخشى الناس و أن الله أحق بالخشية و لم يخبر أنك لم تفعل الأحق و عدلت إلى الأدون و لو كان في الظاهر بعض الشبهة لوجب أن نتركه و نعدل عنه للقاطع من الأدلة و قد قيل إن زيد بن حارثة لما خاصم زوجته زينب ابنة جحش و هي ابنة عمة رسول الله (ص) و أشرف على طلاقها أضمر رسول الله (ص) أنه إن طلقها زيد تزوجها من حيث إنها ابنة عمته و كان يحب ضمها إلى نفسه كما يحب أحدنا ضم قرابته إلى نفسه حتى لا ينالهم بؤس و لا ضرر فأخبر الله تعالى رسول الله (ص) و الناس بما كان يضمره من إيثار ضمها

111

إلى نفسه ليكون ظاهر الأنبياء (ع) و باطنهم سواء و لهذا

قال رسول الله (ص) للأنصار يوم فتح مكة و قد جاء عثمان بعبد الله بن سعد بن أبي سرح و سأله أن يرضى عنه و كان رسول الله (ص) قبل ذلك قد أهدر دمه و أمر بقتله فلما رأى عثمان استحى من رده و سكت طويلا ليقتله بعض المؤمنين فلم يفعل المؤمنون ذلك انتظارا منهم لأمر رسول الله (ص) مجددا فقال للأنصار أ ما كان فيكم رجل يقوم إليه فيقتله فقال فقاله عباد بن بشر يا رسول الله (ص) إن عيني ما زالت في عينك انتظارا أن تومئ إلي فأقتله فقال له رسول الله (ص) الأنبياء (ع) لا تكون لهم خيانة أعين‏

و هذا الوجه يقارب الأول في المعنى فإن قيل فما المانع مما وردت به الرواية من أن رسول الله (ص) رأى في بعض الأحوال زينب ابنة جحش فهواها فلما أن حضر زيد لطلاقها أخفى في نفسه عزمه على نكاحها بعده و هواه لها أ و ليس الشهوة عندكم التي قد تكون عشقا على بعض الوجوه من فعل الله تعالى و أن العباد لا يقدرون عليها و على هذا المذهب لا يمكنكم إنكار ما تضمنته السؤال قلنا لم ننكر ما وردت به هذه الرواية الخبيثة من جهة أن الشهوة تتعلق بفعل العباد و أنها معصية قبيحة بل من جهة أن عشق الأنبياء (ع) لمن ليس يحل لهم من النساء منفر عنهم و حاط من رتبتهم و منزلتهم و هذا مما لا شبهة فيه و ليس كل شي‏ء يجب أن يجتنبه الأنبياء (ع) مقصورا على أفعالهم أ لا ترى أن الله تعالى قد جنبهم الفظاظة و الغلظة و العجلة و كل ذلك ليس من فعلهم و أوجبنا أيضا أن يجنبوا الأمراض المنفرة و الخلق المشينة كالجذام و البرص و تفاوت الصور و اضطرابها و كل ذلك ليس من مقدورهم و لا فعلهم و كيف يذهب على عاقل أن عشق الرجل زوجة غيره منفر عنه معدود في جملة معايبه و مثالبه و نحن نعلم أنه لو عرف بهذه الحال بعض الأمناء أو الشهود لكان‏

112

ذلك قادحا في عدالته و خافضا من منزلته و ما يؤثر في منزلة أحدنا أولى أن يؤثر في منازل من طهره الله و عصمه و أكمله و أعلى منزلته و هذا بين لمن تدبره مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى‏ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى‏ حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ أ و ليس هذا يقتضي عتابه على استبقاء الأسارى و أخذ عرض الدنيا عوضا عن قتلهم الجواب قلنا ليس في ظاهر الآية ما يدل على أنه (ص) عوتب في شأن الأسارى بل لو قيل إن الظاهر يقتضي توجه الآية إلى غيره لكان أولى لأن قوله تعالى‏ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ و قوله تعالى‏ لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ لا شك أنه لغيره فيجب أن يكون المعاتب سواه و القصة معروفة و الرواية بها متظافرة لأن الله تعالى أمر نبيه (ص) بأن يأمر أصحابه بأن يثخنوا في قتل أعدائهم بقوله تعالى‏ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَ اضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ‏ و بلغ النبي (ص) ذلك إلى أصحابه فخالفوه و أسروا يوم بدر جماعة من المشركين طمعا في الفداء فأنكر الله تعالى ذاك عليهم و بين أن الذي أمر به سواه فإن قيل فإذا كان النبي (ص) خارجا عن العتاب فما معنى قوله تعالى‏ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى‏ قلنا الوجه في ذلك لأن الأصحاب إنما أسروهم ليكونوا في يده (ص) فهم أسراؤه على الحقيقة و مضافون إليه و إن كان لم يأمرهم بأسرهم بل أمر بخلافه فإن قيل أ فما شاهدهم النبي (ص) وقت الأسر فكيف لم ينههم عنه قلنا ليس يجب أن يكون (ص) مشاهدا لحال الأسر لأنه كان (ص) على ما وردت به الرواية يوم بدر جالسا في العريش فلما تباعد أصحابه عنه (ص) أسروا من أسروه من المشركين‏

113

بغير علمه (ص) فإن قيل فما بال النبي (ص) لم يأمر بقتل الأسراء لما صاروا في يده إن كان خارجا من المعصية و موجب العتاب أ و ليس لما استشار أصحابه فأشار عليه أبو بكر باستبقائهم و عمر باستيصالهم رجع إلى رأي أبي بكر حتى روي أن العتاب من أجل ذلك قلنا أما الوجه في أنه (ص) لم يقتلهم فظاهر لأنه غير ممتنع أن يكون المصلحة في قتلهم و هم محاربون و أن يكون القتل أولى من الأسر فإذا أسروا تغيرت المصلحة و كان استبقاؤهم أولى و النبي (ص) لم يعمل برأي أبي بكر إلا بعد أن وافق ذلك ما نزل الوحي به عليه و إذا كان القرآن لا يدل بظاهر و لا فحوى على وقوع معصية منه (ص) في هذا الباب فالرواية الشاذة لا يعول عليها و لا يلتفت إليها و بعد فلسنا ندري من أي وجه تضاف المعصية إليه (ص) في هذا الباب لأنه لا يخلو من أن يكون أوحي إليه (ص) في باب الأسارى بأن يقتلهم أو لم يوح إليه فيه شي‏ء و وكل ذلك إلى اجتهاده و مشورة أصحابه فإن كان الأول فليس يجوز أن يخالف ما أوحي إليه و لم يقل أحد أيضا في الباب إنه (ص) خالف النص في باب الأسارى و إنما يدعى عليه أنه فعل ما كان الصواب عند الله خلافه و كيف يكون قتلهم منصوصا عليه بعد الأسر و هو يشاور فيه الأصحاب و يسمع فيه المختلف من الأقوال و ليس لأحد أن يقول إذا جاز أن يشاور في قتلهم و استحيائهم و عنده نص بالاستحياء فهلا جاز أن يشاور و عنده نص في القتل و ذلك أنه لا يمتنع أن يكون أمر بالمشاورة قبل أن ينص له على أحد الأمرين ثم أمر بما وافق إحدى المشورتين فاتبعه و هذا لا يمكن للمخالف أن يقول مثله و إن كان لم يوح إليه في باب الأسارى شي‏ء و وكل إلى اجتهاده و مشورة أصحابه فما باله يعاتب و قد فعل ما أداه إليه الاجتهاد و المشاورة و أي لوم على من فعل الواجب و لم يخرج عنه و هذا يدل على أن من‏

114

أضاف إليه المعصية قد ضل عن وجه الصواب مسألة فإن قيل فما وجه قوله تعالى مخاطبا لنبيه (ص) لما استأذنه قوم في التخلف عن الخروج معه إلى الجهاد فأذن لهم‏ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ تَعْلَمَ الْكاذِبِينَ‏ أ و ليس العفو لا يكون إلا عن الذنوب و قوله‏ لِمَ أَذِنْتَ‏ ظاهر في العتاب لأنه من أخص ألفاظ العتاب الجواب قلنا أما قوله تعالى‏ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ‏ فليس يقتضي وقوع معصية و لا غفران عقاب و لا يمتنع أن يكون المقصود به التعظيم و الملاطفة في المخاطبة لأن أحدنا قد يقول لغيره إذا خاطبه أ رأيت رحمك الله و غفر الله لك و هو لا يقصد إلى الاستصفاح له عن عقاب ذنوبه بل ربما لم يخطر بباله أن له ذنبا و إنما الغرض الإجمال في المخاطبة و استعمال ما قد صار في العادة علما على تعظيم المخاطب و توقيره و أما قوله تعالى‏ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ‏ فظاهره الاستفهام و المراد به التقرير و استخراج ذكر علة إذنه و ليس بواجب حمل ذلك على العتاب لأن أحدنا قد يقول لغيره لم فعلت كذا و كذا تارة مستفهما و تارة مقررا فليست هذه اللفظة خاصة للعتاب و الإنكار و أكثر ما يقتضيه و غاية ما يمكن أن يدعى فيها أن تكون دالة على أنه (ص) ترك الأولى و الأفضل و قد بينا أن ترك الأولى ليس بذنب و إن كان الثواب ينقص معه فإن الأنبياء (ع) يجوز أن يتركوا من النوافل كثيرا و قد يقول أحدنا لغيره إذا ترك الندب لم تركت الأفضل و لم عدلت عن الأولى و لا يقتضي ذلك إنكارا و لا قبيحا مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى‏ أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ‏ أ و ليس هذا صريحا في وقوع المعاصي منه (ص) الجواب قلنا أما الوزر في أصل اللغة فهو الثقل و إنما سميت الذنوب بأنها أوزارا لأنها تثقل كاسبها و حاملها و إذا كان أصل الوزر ما ذكرناه فكل شي‏ء أثقل الإنسان و غمه و كده و جهده‏

115

جاز أن يسمى وزرا تشبيها بالوزر الذي هو الثقل الحقيقي و ليس يمتنع أن يكون الوزر في الآية إنما أراد به غمه (ص) و همه بما كان عليه قومه من الشرك و أنه كان هو و أصحابه بينهم مستضعفا مقهورا فكل ذلك مما يتعب الفكر و يكد النفس فلما أن أعلى الله كلمته و نشر دعوته و بسط يده خاطبه بهذا الخطاب تذكيرا له بمواقع النعمة عليه ليقابله بالشكر و الثناء و الحمد و يقوي هذا التأويل قوله تعالى‏ وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ‏ و قوله عز و جل‏ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً و العسر بالشدائد و الغموم أشبه و كذلك اليسر بتفريج الكرب و إزالة الهموم و الغموم أشبه فإن قيل هذا التأويل يبطله أن هذه السورة مكية نزلت على النبي (ص) و هو في الحال التي ذكرتم أنها تغمه من ضعف الكلمة و شدة الخوف من الأعداء و قبل أن يعلي الله كلمة المسلمين على المشركين فلا وجه لما ذكرتموه قلنا عن هذا السؤال جوابان أحدهما أنه تعالى لما بشره بأنه يعلي دينه على الدين كله و يظهره عليه و يشفي من أعدائه غيظه و غيظ المؤمنين به كان بذلك واضعا عنه ثقل غمه بما كان يلحقه من قومه و مطيبا لنفسه و مبدلا عسره يسرا لأنه يثق بأنه وعد الله تعالى حق لا يخلف فامتن الله تعالى عليه بنعمة سبقت الامتنان و تقدمته و الجواب الآخر أن يكون اللفظ و إن كان ظاهره الماضي فالمراد به الاستقبال و لهذا نظائر كثيرة في القرآن و الاستعمال قال الله تعالى‏ وَ نادى‏ أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ و قوله تعالى‏ وَ نادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ‏ إلى غير ذلك مما شهرته تغني عن ذكره مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى‏ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ أ و ليس هذا صريحا في أن له (ص) ذنوبا كانت مغفورة الجواب قلنا أما من نفى عنه (ص) صغائر الذنوب مضافا إلى كبائرها فله عن هذه الآية أجوبة نحن نذكرها و نبين صحيحها من سقيمها

116

منها أنه أراد تعالى بإضافة الذنب إليه ذنب أبيه آدم (ع) و حسنت هذه الإضافة للاتصال القربي و عفوه له من حيث أقسم على الله تعالى به فأبر قسمه فهذا المتقدم و الذنب المتأخر هو ذنب شيعة أخيه (ع) و هذا الجواب يعترضه أن صاحبه نفى عن نبي ذنبا و أضافه إلى آخر و السؤال عليه فيمن أضافه إليه كالسؤال فيمن نفاه عنه و يمكن إذا أردنا نصرة هذا الجواب أن نجعل الذنوب كلها لأمته (ص) و يكون ذكر التقدم و التأخر إنما أراد به ما تقدم زمانه و ما تأخر كما يقول القائل مؤكدا قد غفرت لك ما قدمت و ما أخرت و صفحت عن السالف و الآنف من ذنوبك و لأضافه ذنوب أمته إليه وجه في الاستعمال معروف لأن القائل قد يقول لمن حضره من بني تميم أو غيرهم من القبائل أنتم قلتم كذا و كذا و قتلتم فلانا و إن كان الحاضرون ما شهدوا ذلك و لا فعلوه و حسنت الإضافة للاتصال و التسبب و لا سبب أوكد مما بين الرسول (ص) و أمته فقد يجوز توسعا و تجوزا أن يضاف ذنوبهم إليه و منها أنه سمي تركه الندب ذنبا و حسن ذلك لأنه (ص) ممن لا يخالف الأوامر إلا هذا الضرب من الخلاف و لعظم منزلته و قدره جاز أن يسمى بالذنب منه ما إذا وقع من غيره لم يسم ذنبا و هذا الوجه يضعفه على بعد هذه التسمية أنه لا يكون معنى لقوله إنني أغفر ذنبك و لا وجه في معنى الغفران يليق بالعدول عن الندب و منها أن القول خرج مخرج التعظيم و حسن الخطاب كما قلناه في قوله تعالى‏ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ‏ و هذا ليس بشي‏ء لأن العادة قد جرت فيما يخرج هذا المخرج من الألفاظ أن يجري مجرى الدعاء مثل قولهم غفر الله لك و ليغفر الله لك و ما أشبه ذلك و لفظ الآية بخلاف هذا لأن المغفرة فيها جرت مجرى الجزاء و العوض في الفتح و قد كنا ذكرنا في هذه الآية وجها اخترناه و هو أشبه بالظاهر مما تقدم و هو أن يكون المراد بقوله‏

117

ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ‏ الذنوب إليك لأن الذنب مصدر و المصدر يجوز إضافته إلى الفاعل و المفعول معا أ لا ترى أنهم يقولون أعجبني ضرب زيد عمروا إذا أضافوه إلى الفاعل و أعجبني ضرب زيد عمروا إذا أضافوه إلى المفعول و معنى المغفرة على هذا التأويل هي الإزالة و الفسخ و النسخ لأحكام أعدائه من المشركين عليه و ذنوبهم إليه في منعهم إياه عن مكة و صدهم له عن المسجد الحرام و هذا التأويل يطابق ظاهر الكلام حتى يكون المغفرة غرضا في الفتح و وجها له و إلا فإذا أراد مغفرة ذنوبه لم يكن لقوله‏ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ معنى معقول لأن المغفرة للذنوب لا تعلق لها بالفتح و ليست غرضا فيه فأما قوله‏ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ فلا يمتنع أن يريد به ما تقدم زمانه من فعلهم القبيح بك و بقومك و ما تأخر و ليس لأحد أن يقول إن سورة الفتح نزلت على رسول الله (ص) بين مكة و المدينة و قد انصرف من الحديبية و قال قوم من المفسرين إن الفتح أراد به فتح خيبر لأنه كان تاليا لتلك الحال و قال آخرون بل أراد به إنا قضينا لك في الحديبية قضاء حسنا فكيف يقولون ما لم يقله أحد من أن المراد بالآية فتح مكة و السورة نزلت قبل ذلك بمدة طويلة و ذلك أن السورة و إن كانت نزلت في الوقت الذي ذكر و هو قبل فتح مكة فغير ممتنع أن يريد بقوله تعالى‏ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً فتح مكة و يكون ذلك على طريق البشارة له و الحكم بأنه سيدخل مكة و ينصره الله على أهلها و لهذا نظائر في القرآن و الكلام كثيرة و مما يقوي أن الفتح في السورة أراد به فتح مكة قوله تعالى‏ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً فالفتح القريب هاهنا هو فتح خيبر و أما حمل الفتح على القضاء الذي قضاه في الحديبية فهو خلاف الظاهر و مقتضى الآية لأن الفتح بالإطلاق الظاهر

118

منه الظفر و النصر و يشهد بأن المراد بالآية ما ذكرناه قوله تعالى‏ وَ يَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً فإن قيل ليس يعرف إضافة المصدر إلى المفعول إلا إذا كان المصدر متعديا بنفسه مثل قولهم أعجبني ضرب زيد عمروا و إضافة مصدر غير متعد إلى مفعوله غير معروفة قلنا هذا تحكم في اللسان و على أهله لأنهم في كتب العربية كلها أطلقوا أن المصدر يضاف إلى الفاعل و المفعول معا و لم يستثنوا متعديا من غيره و لو كان بينهما فرق لبينوه و فصلوه كما فعلوا ذلك في غيره و ليس قلة الاستعمال معتبرة في هذا الباب لأن الكلام إذا كان له أصل في العربية استعمل عليه و إن كان قليل الاستعمال و بعد فإن ذنبهم هاهنا إليه إنما هو صدهم له عن المسجد الحرام و منعهم إياه عن دخوله فمعنى الذنب متعد و إذا كان معنى المصدر متعديا جاز أن يجري مجرى ما يتعدى بلفظه فإن من عادتهم أن يحملوا الكلام تارة على معناه و أخرى على لفظه أ لا ترى إلى قول الشاعر

جئني بمثل بني بدر لقومهم‏* * * أو مثل إخوة منظور بن سيار

فأعمل الكلام على المعنى دون اللفظ لأنه لو أعمله على اللفظ لقال أو مثل بالجرة لكنه لما كان معنى جئني أحضر أو هات قوما مثلهم حسن أن يقال أو مثل بالفتح و قال الشاعر

درست و غير آيهن مع البلى‏* * * إلا رواكد جمرهن هباء

و مشجج أما سوار قذاله فبدا* * * و غيب سارة المعزاء

فقال و مشجج بالرفع إعمالا للمعنى لأنه لما كان معنى قوله إلا رواكد إنهن باقيات ثابتات عطف ذلك المشجج بالرفع و لو أجرى الكلام على اللفظ لنصب المعطوف به و أمثلة هذا المعنى كثيرة و فيما ذكرناه كفاية بمشية الله تعالى مسألة فإن قيل أ ليس قد عاتب الله تعالى نبيه (ص) في إعراضه عن ابن أم مكتوم لما جاءه و أقبل على غيره بقوله‏ عَبَسَ وَ تَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى‏ وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى‏ و هذا أيسر ما فيه أن يكون صغيرا الجواب قلنا أما ظاهر الآية

119

فغير دال على توجهها إلى النبي (ص) و لا فيها ما يدل على أنه خطاب له (ص) بل هي خبر محض لم يصرح بالمخبر عنه و فيها ما يدل عند التأمل على أن المعني بها غير النبي (ص) لأنه وصفه بالعبوس و ليس هذا من صفات النبي (ص) في قرآن و لا خبر مع الأعداء المنابذين فضلا عن المؤمنين المسترشدين ثم وصفه بأنه يتصدى للأغنياء و يتلهى عن الفقراء و هذا مما لا يصف به نبينا (ص) من يعرفه فليس هذا مشبها لأخلاقه (ص) الواسعة و تحننه على قومه و تعطفه و كيف يقول له‏ وَ ما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى‏ و هو (ص) مبعوث للدعاء و التنبيه و كيف لا يكون ذلك عليه و كان هذا القول إغراء بترك الحرص على إيمان قومه و قد قيل إن هذه السورة نزلت في رجل من أصحاب رسول الله (ص) كان منه هذا الفعل المنعوت فيها و نحن إن شككنا في عين من نزلت فيه فلا ينبغي أن نشك في أنها لم يعن بها النبي (ص) و أي تنفير أبلغ من العبوس في وجوه المؤمنين و التلهي عنهم و الإقبال على الأغنياء الكافرين و التصدي لهم و قد نزه الله تعالى النبي (ص) عما دون هذا في التنفير بكثير مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى مخاطبا لنبيه (ص) لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ و كيف يوجه هذا الخطاب إلى من لا يجوز عليه الشرك و لا شي‏ء من المعاصي الجواب قد قلنا في هذه الآية إن الخطاب للنبي (ص) و المراد به أمته فقد

روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال‏

: نزل القرآن بإياك أعني و اسمعي يا جارة

و مثل ذلك قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ‏ فدل قوله تعالى‏ فَطَلِّقُوهُنَ‏ على أن الخطاب توجه إلى غيره و جواب آخر أن هذا خبر يتضمن الوعيد و ليس يمتنع أن يتوعد الله تعالى على العموم و على سبيل الخصوص من يعلم أنه لا يقع منه ما تناوله الوعيد لكنه لا بد من أن يكون مقدورا له و جائزا بمعنى الصحة

120

لا بمعنى الشك و لهذا يجعل جميع وعيد القرآن عاما لمن يقع منه ما تناوله الوعيد و لمن علم الله تعالى أنه لا يقع منه و ليس قوله تعالى‏ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ‏ على سبيل التقدير و الشرط بأكثر من قوله تعالى‏ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا لأن استحالة وجود ثان معه تعالى إذا لم يمنع من تقدير ذلك و بيان حكمه فأولى أن يسوغ تقدير وقوع الشرك الذي هو مقدور ممكن و بيان حكمه و الشيعة لها في هذه الآية جواب تنفرد به‏

و هو أن النبي (ص) لما نص على أمير المؤمنين (ع) بالإمامة في ابتداء الأمر جاءه قوم من قريش فقالوا له يا رسول الله (ص) إن الناس قريبو عهد بالإسلام و لا يرضون أن تكون النبوة فيك و الإمامة في ابن عمك فلو عدلت به إلى غيره لكان أولى فقال لهم النبي (ص) ما فعلت ذلك برأيي فأتخير فيه لكن الله تعالى أمرني به و فرضه علي فقالوا له فإذا لم تفعل ذلك مخافة الخلاف على ربك تعالى فأشرك في الخلافة معه رجلا من قريش تسكن الناس إليه ليتم لك أمرك و لا يخالف الناس عليك فنزلت الآية

و المعنى فيها لئن أشركت في الخلافة مع أمير المؤمنين (ع) غيره ليحبطن عملك و على هذا التأويل فالسؤال باق قائم لأنه إذ كان قد علم الله تعالى أنه (ص) لا يفعل ذلك و لا يخالف أمره لعصمته فما الوجه في الوعيد فلا بد من الرجوع إلى ما ذكرناه مسألة فإن قيل فما وجه قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ أ و ليس ظاهر هذا الخطاب يتضمن العتاب و العتاب لا يكون إلا على ذنب كبير و صغير الجواب قلنا ليس في ظاهر الآية ما يقتضي عقابا و كيف يعاتبه الله تعالى على ما ليس بذنب لأن تحريم الرجل بعض نسائه لسبب أو لغير سبب ليس بقبيح و لا داخل في جملة الذنوب و أكثر ما فيه أنه مباح و لا يمتنع أن يكون قوله تعالى‏ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ‏

121

لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ‏ خرج مخرج التوجع له من حيث تحمل المشقة في إرضاء زوجاته و إن كان ما فعل قبيحا و لو أن أحدنا أرضى بعض نسائه بتطليق أخرى أو بتحريمها لحسن أن يقال له لم فعلت ذلك و تحملت المشقة فيه و إن كان ما فعل قبيحا و يمكن أيضا إذا سلمنا أن القول يقتضي ظاهره العتاب أن يكون ترك التحريم أفضل من فعله فكأنه عدل بالتحريم عن الأولى و يحسن أن يقال لمن عدل عن النفل لم لم تفعله و كيف عدلت عنه و الظاهر الذي لا شبهة فيه قد يعدل عنه لدليل فلو كان للآية ظاهر يقتضي العتاب لجاز أن نصرفه إلى غيره لقيام الدلالة على أنه (ص) لا يفعل شيئا من الذنوب و لأن القصة التي خرجت الآية عليها لا يقتضي ما له تعلق بالذنب على وجه من الوجوه مسألة فإن قيل فما الوجه‏

في الرواية المشهورة

أن النبي (ص) ليلة المعراج لما خوطب بفرض الصلاة راجع ربه تعالى مرة بعد أخرى حتى رجعت إلى خمس و في الرواية أن موسى (ع) هو القائل له (ص) إن أمتك لا تطيق هذا

و كيف ذهب ذلك على النبي (ص) حتى نبهه موسى (ع) عليه و كيف يجوز المراجعة منه مع علمه بأن العبادة تابعة للمصلحة و كيف يجاب عن ذلك مع أن المصلحة بخلافه الجواب قلنا أما هذه الرواية فهي من طريق الآحاد التي لا توجب علما و هي مع ذلك مضعفة و ليس يمتنع لو كانت صحيحة أن تكون المصلحة في الابتداء تقتضي العبادة بالخمسين من الصلوات و إذا وقعت المراجعة تغيرت المصلحة و اقتضت أقل من ذلك حتى تنتهي إلى هذا العدد المستقر و يكون النبي (ص) قد أعلم بذلك فراجع طلبا للتخفيف عن أمته و التسهيل و نظير ذلك ما ذكرناه في تغير المصلحة بالمراجعة و تركها إن فعل المنذور قبل النذر غير واجب فإذا تقدم النذر صار واجبا و داخلا في جملة العبادات المفترضات و كذلك تسليم المبيع غير واجب و لا داخل في جملة

122

العبادات فإذا تقدم عقد البيع وجب و صار مصلحة و نظائر ذلك في الشرعيات أكثر من أن تحصى فأما قول موسى (ع) له (ص) إن أمتك لا تطيق فراجع فليس ذلك تنبيها له (ص) و ليس يمتنع أن يكون النبي (ص) أراد أن يسأله مثل ذلك لو لم يقله موسى (ع) و يجوز أن يكون قوله قوى دواعيه في المراجعة التي كانت أبيحت له و في الناس من استبعد هذا الموضع من حيث يقتضي أن يكون موسى (ع) في تلك الحال حيا كاملا و قد قبض منذ زمان و هذا ليس ببعيد لأن الله تعالى قد خبر أن أنبياءه (ع) الصالحين من عباده في الجنان يرزقون فما المانع من أن يجمع الله بين نبينا (ص) و بين موسى ع. مسألة فإن قيل فما الوجه‏

فيما روي‏

من أن الله تعالى لما أمر نبيه (ص) أن يقرأ القرآن على حرف واحد قال له جبرئيل (ع) أ ستزده يا محمد (ص) فسأل الله تعالى حتى أذن له يقرأه على سبعة أحرف‏

الجواب قلنا إن الكلام في هذا الخبر يجري مجرى ما ذكرناه في المراجعة عند فرض الصلاة و ليس يمتنع أن يكون المصلحة تختلف بالمراجعة و السؤال و إنما التمس الزيادة في الحروف للتسهيل و التخفيف فإن في الناس من يسهل عليه التفخيم و بعضهم لا يسهل عليه إلا الإمالة و كذلك القول في الهمز و ترك الهمز فإن كان هذا الخبر صحيحا فوجه المراجعة هو طلب التخفيف و رفع المشقة مسألة فإن قيل فما الوجه في إجابة النبي (ص) العباس رضي الله عنه في قوله إلا الإذخر إلى سؤاله و إمضاء استثنائه و أنتم تعلمون أن التحريم و التحليل إنما يتبع المصالح و كيف يستثني بقول العباس ما لم يكن يريد أن يستثنيه الجواب قلنا عن هذا جوابان أحدهما أن يكون النبي (ص) أراد أن يستثني ما ذكره العباس (ع) من الإذخر لو لم يسابقه العباس إليه و قد نجد كثيرا من الناس يبتدئ بكلام و في نيته أن يصله بكلام‏

123

مخصوص فيسابقه إلى ذلك الكلام بعض حاضريه فيظن به أنه إنما وصل كلامه الأول بالثاني لأجل تذكير الحاضر له و لا يكون الأمر كذلك و الجواب الثاني أن يكون الله تعالى خير نبيه (ص) في الإذخر فلما سأله العباس اختار أحد الأمرين اللذين خير فيهما و كل هذا غير ممتنع مسألة فإن قيل فما قولكم في الخبر الذي‏

رواه محمد بن جرير الطبري بإسناده عن أبي هريرة عن النبي (ص)

أن النار

تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ

إذا ألقي أهلها فيها حتى يضع الرب تعالى قدمه فيها فتقول قط قط فحينئذ تمتلئ و ينزوي بعضها إلى بعض‏

و قد روي مثل ذلك عن أنس بن مالك‏

الجواب قلنا لا شبهة في أن كل خبر اقتضى ما تنفيه أدلة العقول فهو باطل مردود إلا أن يكون له تأويل سائغ غير متعسف فيجوز أن يكون صحيحا و معناه مطابق الأدلة و قد دلت العقول و محكم القرآن و الصحيح من السنة على أن الله تعالى ليس بذي جوارح و لا يشبه شيئا من المخلوقات فكل خبرنا في ما ذكرناه وجب أن يكون إما مردودا أو محمولا على ما يطابق ما ذكرناه من الأدلة و خبر القدم يقتضي ظاهره التشبيه المحض فكيف يكون مقبولا و قد قال قوم إنه لا يمتنع أن يريد بذكر القدم القوم الذين قدمهم لها و أخبر أنهم يدخلون إليها ممن استحقها بأعماله فأما قول النار هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فقد قيل معنى ذلك أنها صارت بحيث لا موضع فيها للزيادة و بحيث لو كانت ممن تقول لقالت قد امتلأت و ما بقي مزيد و أضاف القول إليها على سبيل المجاز كما أضاف الشاعر القول إلى الحوض‏

امتلأ الحوض و قال قطني‏* * * مهلا رويدا قد ملأت بطني‏

و قد قال أبو علي الجبائي إن القول الذي هو هَلْ مِنْ مَزِيدٍ من قول الخزنة كما يقال قالت البلدة الفلانية كذا أي قال أهلها و كما قال تعالى‏ وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا و هذا أيضا غير ممتنع مسألة فإن قيل فما معنى الخبر

المروي عن النبي ص‏

124

أنه قال‏

: إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه‏

و في رواية أخرى‏

: أن الميت يعذب في قبره بالنياحة عليه‏

و روى المغيرة بن شعبة عنه (ص) أنه قال‏

: من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه‏

الجواب قلنا هذا الخبر منكر الظاهر لأنه يقتضي إضافة الظلم إلى الله تعالى و قد نزهت أدلة العقول التي لا يدخلها الاحتمال و الاتساع و المجاز لله تعالى عن الظلم و كل قبيح و قد نزه الله تعالى نفسه بمحكم القول عن ذلك فقال جل و عز وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ فلا بد أن نصرف ما ظاهره بخلاف هذه الأدلة إلى ما يطابقها إن أمكن أو نرده و نبطله‏

و قد روي عن ابن عباس في هذا الخبر أنه قال‏

: وهل ابن عمر إنما مر رسول الله (ص) على قبر يهودي أهله يبكون عليه فقال إنهم ليبكون عليه و إنه ليعذب‏

و قد روي إنكار هذا الخبر عن عائشة أيضا و أنها قالت لما خبرت بروايته‏

وهل أبو عبد الرحمن كما وهل يوم قليب بدر إنما قال (ع) إن أهل البيت ليبكون و إنه ليعذب بجرمه‏

فهذا الخبر مردود مطعون عليه كما ترى و معنى قولهما وهل أي ذهب وهمه إلى غير الصواب يقال وهلت إلى الشي‏ء و أنا واهل وهلا إذا ذهب وهمك إليه و وهلت عنه أوهل وهلا إذا نسيته و غلطت فيه و وهل الرجل يوهل وهلا إذا فزع و الوهل الفزع و موضع وهله في ذكر القليب أنه‏

روى‏

: أن النبي (ص) وقف على قليب بدر فقال هل‏

وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا

ثم قال إنهم ليسمعون ما أقول‏

فأنكر ذلك عليه و قيل إنما قال (ع) إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق و استشهد بقول الله تعالى‏ إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى‏ و يمكن في الخبر إن كان صحيحا وجوه من التأويل أولها أنه إن وصى موص بأن يناح عليه ففعل ذلك بأمره فإنه يعذب بالنياحة و ليس معنى يعذب بها أنه يؤاخذ بفعل النواح و إنما معناه أنه يؤاخذ بأمره بها و وصيته بفعلها

125

و إنما قال (ص) ذلك لأن الجاهلية كانوا يرون البكاء عليهم و النوح و يأمرون به و يؤكدون الوصية بفعله و هذا مشهور عنهم قال طرفة بن العبد

فإن مت فانعينى بما أنا أهله‏* * * و شقي على الجيب بابنة معبد

و قال بشر بن أبي حازم‏

فمن يك سائلا عن بيت بشر* * * فإن له بجنب الردم بابا

ثوى في ملحد لا بد منه‏* * * كفى بالموت نابا و اغترابا

رهين بلي و كل فتى سيبلي‏* * * فأذري الدمع و انتحبي انتحابا

و ثانيها أن العرب كانوا يبكون موتاهم و يذكرون غاراتهم و قتل أعداءهم و ما كانوا يسلبونه من الأموال و يبتزونه من الأحوال فيعدون ما هو معلص في الحقيقة يعذب الميت بها و إن كانوا يجعلون ذلك من مفاخره و مناقبه فذكر (ع) أنكم تبكونهم بما يعذبون به و ثالثها أن يكون المعنى أن الله تعالى إذا أعلم الميت ببكاء أهله و أعزته تألم بذلك و كان عذابا له و العذاب ليس بجار مجرى العقاب الذي لا يكون إلا على ذنب متقدم بل يستعمل كثيرا بمعنى الألم و الضرر أ لا ترى أن القائل قد يقول لمن ابتدأه بضرر أو ألم قد عذبتني بكذا و كذا و آذيتني كما يقول أضررت بي و ألمتني و إنما لم يستعمل العقاب حقيقة في الآلام المبتدئة من حيث كان اشتقاق لفظة العقاب من المعاقبة التي لا بد من تقدم سبب لها و ليس هذا في العذاب و رابعها أن يكون أراد بالميت من حضره الموت و دنا منه فقد يسمى بذلك لقوة المقاربة على سبيل المجاز فكأنه (ص) أراد أن من حضره الموت يتأذى ببكاء أهله عنده و يضعف نفسه فيكون ذلك كالعذاب له و كل هذا بين بحمد الله و منه مسألة فإن قيل فما معنى‏

الخبر المروي عن عبد الله بن عمر أنه قال سمعت النبي (ص) يقول‏

: إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف شاء ثم يقول رسول الله (ص) عند ذلك اللهم مصرف القلوب اصرف‏

126

قلوبنا إلى طاعتك‏

و الخبر الذي يرويه أنس قال: قال رسول الله ص‏

: ما من قلب آدمي إلا و هو بين إصبعين من أصابع الله تعالى فإذا شاء أن يثبته ثبته و إذا شاء أن يقلبه قلبه‏

الجواب قلنا إن لمن تكلم في تأويل هذه الأخبار و لم يدفعها لمنافاتها لأدلة العقول أن يقول إن الإصبع في كلام العرب و إن كانت هي الجارحة المخصوصة فهي أيضا الأثر الحسن يقال لفلان على ماله و إبله إصبع حسنة أي قيام و أثر حسن قال الراعي و اسمه عبيد الله بن الحصين و يكنى بأبي جندل يصف راعيا حسن القيام على إبله‏

ضعيف العصا بادي العروق ترى له‏* * * عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا

و قال لبيد

من يبسط الله عليه إصبعا* * * بالخير و الشر بأي أولعا

يملأ له منه ذنوبا مترعا

و قال الآخر

أكرم نزارا و اسمه المشعشعا* * * فإن فيه خصلات أربعا

جدا و جودا و يدا و إصبعا

فالإصبع في كل ما أوردناه المراد بها الأثر الحسن و النعمة فيكون المعنى ما من آدمي إلا و قلبه بين نعمتين لله تعالى جليلتين فإن قيل فما معنى تثنية النعمتين و نعم الله تعالى على عباده لا تحصى كثرة قلنا يحتمل أن يكون الوجه في ذلك نعم الدنيا و نعم الآخرة و ثناهما لأنهما كالجنسين أو النوعين و إن كان كل قبيل منهما في نفسه ذا عدد كثير و يمكن أن يكون الوجه في تسميتهم الأثر الحسن بالإصبع هو من حيث يشار إليه بالإصبع إعجابا و تنبيها عليه و هذه عادتهم في تسمية الشي‏ء بما يقع عنده و بما له به علقة و قد قال قوم إن الراعي أراد أن يقول يدا في موضع إصبع لأن اليد النعمة فلم يمكنه فعدل عن اليد إلى الإصبع لأنها من اليد و في هذه الأخبار وجه آخر و هو أوضح من الوجه الأول و أشبه بمذهب العرب و تصرف ملاحن كلامها و هو أن يكون الغرض في ذكر الإصبع الإخبار عن تيسر تصريف القلوب و تقليبها و الفعل فيها عليه جل و عز و دخول ذلك تحت قدرته أ لا ترى أنهم يقولون هذا الشي‏ء في خنصري و إصبعي و في يدي و قبضتي كل‏

127

ذلك إذا أرادوا وصفه بالتيسر و التسهيل و ارتفاع المشقة فيه و المئونة و على هذا المعنى يتأول المحققون قوله تعالى‏ وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏ فكأنه (ص) لما أراد المبالغة في وصفه بالقدرة على تقليب القلوب و تصريفها بغير مشقة و لا كلفة قال إنها بين أصابعه كناية عن هذا المعنى و اختصار اللفظ الطويل فيه و قد ذكر قوم في معنى الأصابع على تسليم أنها المخلوقات من اللحم و الدم استظهارا في الحجة على المخالف وجها آخر و هو أنه لا ينكر أن يكون القلب يشتمل عليه جسمان على شكل الإصبعين يحركه الله بهما و يقلبه بالفعل فيهما و يكون وجه تسميتها بالإصبعين من حيث كانا على شكلهما و الوجه في إضافتهما إلى الله تعالى و إن كانت جميع أفعاله تضاف إليه بمعنى الملك و القدرة لأنه لا يقدر على الفعل فيهما و تحريكهما منفردين عما جاورهما غيره تعالى فقيل إنهما إصبعان له من حيث اختص بالفعل فيهما على هذا الوجه و هذا التأويل و إن كان دون ما تقدمه فالكلام يحتمله و لا بد من ذكر القوي و الضعيف إذا كان في الكلام أدنى احتمال مسألة فإن قيل فما معنى‏

الخبر المروي عن النبي (ص) أنه قال‏

: إن الله خلق آدم على صورته‏

أ و ليس ظاهر هذا الخبر يقتضي التشبيه و أن له تعالى عن ذلك صورة الجواب قلنا قد قيل في تأويل هذا الخبر أن الهاء في قوله في صورته إذا صح هذا الخبر راجعة إلى آدم (ع) دون الله فكان المعنى أنه تعالى خلقه على الصورة التي قبض عليها و أن حاله لم يتغير في الصورة بزيادة و لا نقصان كما تتغير أحوال البشر و ذكر وجه ثان و هو أن يكون الهاء راجعة إلى الله تعالى و يكون المعنى أنه خلقه على الصورة التي اختارها و اجتباها لأن الشي‏ء قد يضاف على هذا الوجه إلى مختاره و مصطفيه و ذكر أيضا وجه ثالث و هو أن الكلام خرج على سبب معروف‏

لأن الزهري روى عن الحسن أنه كان يقول‏

: مر رسول الله ص‏

128

برجل من الأنصار و هو يضرب وجه غلام له و يقول قبح الله وجهك و وجه من تشبهه فقال النبي (ص) بئس ما قلت فإن الله خلق آدم صورته‏

يعني على المضروب و يمكن في هذا الخبر وجه رابع و هو أن يكون المراد أن الله تعالى خلق صورته لينفي بذلك الشك في أن تأليفه من فعل غيره لأن التأليف من جنس مقدور البشر و الجواهر و ما شاكلها من الأجناس المخصوصة من الأعراض هي التي ينفرد القديم تعالى بالقدرة عليها فممكن قبل النظر أن يكون الجواهر من فعله و تأليفها من فعل غيره أ لا ترى أنا نرجع في العلم بأن تأليف السماء من فعله تعالى إلى السمع لأنه لا دلالة في العقل على ذلك كما نرجع في أن تأليف الإنسان من فعله تعالى في الموضوع الذي يستدل به على أنه عالم من حيث ظهر منه الفعل المحكم إلى أن يجعل الكلام في أول إنسان خلقه لأنه لا يمكن أن يكون مؤلفه سواه إذا كان هو أول الأحياء من المخلوقات فكأنه (ع) أخبر بهذه الفائدة الجليلة و هو أن جواهر آدم (ع) و تأليفه من فعل الله تعالى و يمكن وجه خامس و هو أن يكون المعنى أن الله تعالى أنشأه على هذه الصورة التي شوهد عليها على سبيل الابتداء و أنه لم ينقل إليها و يتدرج كما جرت العادة في البشر و كل هذه الوجوه جائزة في معنى الخبر و الله تعالى و رسوله أعلم بالمراد مسألة فإن قيل فما معنى‏

الخبر المروي عن النبي (ص) أنه قال‏

: سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته‏

و هذا خبر مشهور لا يمكن تضعيفه و نسبته إلى الشذوذ الجواب قلنا أما هذا الخبر فمطعون عليه مقدوح في راويه فإن راويه قيس بن أبي حازم و قد كان خولط في آخر عمره مع استمراره على رواية الأخبار و هذا قدح لا شبهة فيه لأن كل خبر مروي عنه لا يعلم تاريخه يجب أن يكون مما سمع منه في حال الاختلال و هذه طريقة في قبول الأخبار و ردها ينبغي‏

129

أن يكون أصلا و معتبرة فيمن علم منه الجرح و لم يعلم تاريخ ما نقل عنه على أن قيسا لو سلم من هذا القدح لكان مطعونا فيه من وجه آخر و هو

أن قيس بن أبي حازم كان مشهورا بالنصب و المعاداة لأمير المؤمنين (عليه صلوات الله و سلامه) و الانحراف عنه و هو الذي قال رأيت علي بن أبي طالب (ع) على منبر الكوفة يقول انفروا إلى بقية الأحزاب فبغضه حتى اليوم في قلبي‏

إلى غير ذلك من تصريحه بالمناصبة و المعاداة و هذا قادح لا شك في عدالته على أن للخبر وجها صحيحا يجوز أن يكون محمولا عليه إذا صح لأن الرؤية قد يكون بمعنى العلم و هذا ظاهر في اللغة و يدل عليه قوله تعالى‏ أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ و قوله تعالى‏ أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ و قال الشاعر

رأيت الله إذ سمى نزارا* * * و أسكنهم بمكة قاطنينا

فيجوز أن يكون معنى الخبر على هذا أنكم تعلمون ربكم ضرورة كما تعلمون القمر ليلة البدر و من غير مشقة و لا كد نظر و ليس لأحد أن يقول إن الرؤية إذا كانت بمعنى العلم تعدت إلى مفعولين لا يجوز الاقتصار على أحدهما على مذهب أهل اللسان و الرؤية بالبصر تتعدي إلى مفعول واحد فيجب أن يحمل الخبر مع فقد المفعول الثاني على الرؤية بالبصر و ذلك أن العلم عند أهل اللغة على ضربين علم يقين و معرفة و الضرب الآخر يكون بمعنى الظن و الحسبان و الذي هو بمعنى اليقين لا يتعدى إلى أكثر من مفعول واحد و لهذا يقولون علمت زيدا بمعنى عرفته و تيقنته و لا يأتون بمفعول ثان و إذا كان بمعنى الظن احتاج إلى المفعول الثاني و قد قيل ليس يمتنع أن يكون المفعول الثاني في الخبر محذوفا يدل الكلام عليه و إن لم يكن مصرحا به فإن قيل يجب على تأويلكم هذا أن يساوي أهل النار أهل الجنة في هذا الحكم الذي هو المعرفة الضرورية بالله تعالى لأن معارف جميع أهل الآخرة عندكم لا تكون إلا اضطرارا

130

و إذا ثبت أن الخبر بشارة للمؤمنين دون الكافرين بطل تأويلكم قلنا البشارة في هذا الخبر نخص المؤمنين على الحقيقة لأن الخبر بزوال اليسير من الأذى لمن نعيمه خالص صاف يعد بشارة و مثل ذلك لا يعد بشارة فيمن هو في غاية المكروه و نهاية الألم و العذاب و أيضا فإن علم أهل الجنة بالله ضرورة يزيد في نعيمهم و سرورهم لأنهم يعلمون بذلك أنه تعالى يقصد بما يفعله لهم من النعيم التعظيم و التبجيل و أنه يديم ذلك و لا يقطعه و أهل النار إذا علموه تعالى ضرورة علموا قصده إلى إهانتهم و الاستخفاف بهم و إدامة مكروههم و عذابهم فاختلف العلمان في باب البشارة و إن اتفقا في أنهما ضروريان مسألة فإن قيل فما معنى‏

الخبر الذي رواه أبو هريرة عن النبي (ص) أنه قال‏

: إن أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها و إن قل فعليكم من الأعمال بما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا

الجواب قلنا في تأويل هذا الخبر وجوه كل واحد منها يخرج كلامه (ص) من حيز الشبهة أولها أنه أراد نفي الملل عنه و أنه لا يمل أبدا فعلقه بما لا يقع على سبيل التبعيد كما قال جل و عز وَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ و كما قال الشاعر

فإنك سوف تحكم أو تباهي‏* * * إذا ما شبت أو شاب الغراب‏

أراد أنك لا تحكم أبدا فإن قيل و من أين لكم أن الذي علقه به لا يقع حتى حكمتم بأنه أراد نفي الملل على سبيل التأبيد قلنا معلوم أن الملل لا يشمل البشر في جميع أمورهم و أوطارهم و أنهم لا يعرون من حرص و رغبة و أمل و طمع فلهذا جاز أن يعلق ما علم الله تعالى أنه لا يكون بمللهم و الوجه الثاني أن يكون المعنى أنه تعالى لا يغضب عليكم فيطرحكم و يخليكم من فضله و إحسانه حتى تتركوا العمل له و تعرضوا عن سؤاله و الرغبة في حاجاتكم إلى جوده فسمى الفعلين مللا و إن لم يكونا على الحقيقة كذلك على مذهب العرب في تسميتها الشي‏ء باسم غيره إذا وافق معناه من بعض الوجوه قال عدي‏

131

بن زياد العبادي‏

ثم أضحوا لعب الدهر بهم‏* * * و كذاك الدهر يؤدي بالرجال‏

و قال عبيد بن الأبرص الأسدي سائل بنا حجر ابن أم قطام إذ

ظلت به السمر الذوابل تلعب‏

فنسب اللعب إلى الدهر و القنا تشبيها و قال ذو الرمة

و أبيض موشي القميص نصبته‏* * * على خصر مقلاة سفيه جديلها

فسمى اضطراب زمامها سفها لأن السفه في الأصل هو الطيش و سرعة الاضطراب و الحركة و إنما وصف ناقته بالذكاء و النشاط و الوجه الثالث أن يكون المعنى أنه تعالى لا يقطع عنكم خيره و نائله حتى تملوا من سؤاله ففعلهم ملل على الحقيقة و سمي فعله تعالى مللا ليس على الحقيقة كذلك للازدواج و التشاكل في الصورة و إن كان المعنى مختلفا و مثل هذا قوله تعالى‏ فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ‏ وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها و مثل قول الشاعر

أ لا لا يجهلن أحد علينا* * * فنجهل فوق جهل الجاهلينا

و إنما أراد المجازاة على الجهل لأن العاقل لا يفخر بالجهل و لا يتمدح به و اعلم أن لهذه الأخبار المضافة إلى النبي (ص) مما يقتضي ظاهره تشبيها لله تعالى بخلقه أو جورا له في حكمه أو إبطالا لأصل عقلي نظائر كثيرة و إن كانت لا تجري في الشهرة مجرى ما ذكرناه و متى تقصينا الكلام على جميع ذلك طال الكتاب جدا و خرج عن الغرض المقصود به لأنا شرطنا أن لا نتكلم و لا نتأول فيما يضاف إلى الأنبياء (ع) من المعاصي إلا على آية من الكتاب أو خبر معلوم أو مشهور يجري في شهرته مجرى المعلوم و فيما ذكرناه بلاغ و كفاية و نحن نبتدئ الكلام على ما يضاف إلى الأئمة (ع) مما ظن ظانون أنه قبيح و نرتب ذلك مما رتبناه في الأنبياء (ع) و من الله نستمد حسن المعونة و التوفيق‏

132

تنزيه الأئمة ع‏

أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع‏

مسألة إن قال قائل إذا كان مذهبكم يا معشر القائلين بالنص أن النبي (ص) نص على أمير المؤمنين (ع) بالخلافة بعده و فوض إليه أمر أمته فما باله لم ينازع المتأمرين بعد النبي (ص) في الأمر الذي وكل إليه و عول في تدبيره عليه أ و ليس هذا منه إغفالا لواجب لا يسوغ إغفاله فإن قلتم إنه لم يتمكن من ذلك فألا أعذر و أبلى و اجتهد فإنه إذا لم يصل إلى مراده بعد الإعذار و الاجتهاد كان معذورا أ و ليس هو (ع) الذي حارب أهل البصرة و فيهم زوجة رسول الله (ص) و طلحة و الزبير و مكانهما من الصحبة و الاختصاص و التقدم مكانهما و لم يحشمه ظواهر هذه الأحوال من كشف القناع في حربهم حتى أتى على نفوس أكثر أهل العسكر و هو المحارب (ع) لأهل صفين مرة بعد أخرى مع تخاذل أصحابه و تواكل أنصاره و أنه (ع) كان في أكثر مقاماته تلك و مواقفه لا يغلب في ظنه الظفر و لا يرجو لضعف من معه النصر و كان (ع) مع ذلك كله مصمما ماضيا قدما لا تأخذه في الله لومة لائم و قد وهب نفسه و ماله و ولده لله تعالى و رضي بأن يكون دون الحق إما جريحا أو قتيلا فكيف لم يظهر منه بعض هذه الأمور مع من تقدم و الحال عندكم واحدة بل لو قلنا إنها كانت أغلظ و أفحش لأصبنا لأنها كانت مفتاح الشر و رأس الخلاف و سبب التبديل و التغيير و بعد فكيف لم يقنع بالكف عن النكير و العدول عن المكاشفة و المجاهدة حتى بايع القوم و حضر مجلسهم و دخل في آرائهم و صلى مقتديا بهم و أخذ عطيتهم و نكح سبيهم و أنكحهم و دخل في الشورى التي هي عندكم مبنية على غير تقوى فما الجواب عن جميع ذلك اذكروه فإن‏

133

الأمر فيه مشتبه و الخطب ملتبس الجواب قلنا أما الكلام على ما تضمنه هذا السؤال فهو مما يخص الكلام في الإمامة و قد استقصيناه في كتابنا المعروف بالشافي في الإمامة و بسطنا القول فيه في هذه الأبواب و نظائرها بسطا يزيل الشبهة و يوضح الحجة لكنا لا نخلي هذا الكتاب من حيث تعلق غرضه بهذه المواضع من إشارة إلى طريقة الكلام فيها فنقول قد بينا في صدر هذا الكتاب أن الأئمة (ع) معصومون من كبائر الذنوب و صغائرها و اعتمدنا في ذلك على دليل عقلي لا يدخله احتمال و لا تأويل بشي‏ء فمتى ورد على أحدهم (ع) فعل له ظاهر الذنب وجب أن نصرفه عن ظاهره و نحمله على ما يطابق موجب الدليل العقلي فيهم كما فعلنا مثل ذلك في متشابه القرآن المقتضي ظاهره ما لا يجوز على الله تعالى و ما لا يجوز على نبي من أنبيائه (ع) و إذا ثبت أن أمير المؤمنين (ع) إمام فقد ثبت بالدليل العقلي أنه معصوم من الخطاء و الزلل فلا بد من حمل جميع أفعاله (ع) على جهات الحسن و نفي القبيح عن كل واحد منهما و ما كان منها له ظاهر يقتضي الذنب علمنا في الجملة أنه على غير ظاهره فإن عرفنا وجهه على التفصيل ذكرناه و إلا كفانا في تكليفنا أن نعلم أن الظاهر معدول عنه و أنه لا بد من وجه فيه يطابق ما تقتضيه الأدلة و هذه الجملة كافية في جميع المشتبهة من أفعال الأئمة (ع) و أقوالهم نحن نزيد عليها فنقول إن الله تعالى لم يكلف إنكار المنكر سواء اختص بالمنكر أو تعداه إلى غيره إلا بشروط معروفة أقواها التمكن و أن لا يغلب في ظن المنكر أن إنكاره يؤدي إلى وقوع ضرر به لا يتحمل مثله و أن لا يخاف في إنكاره من وقوع ما هو أفحش منه و أقبح من المنكر و هذه شروط قد دلت الأدلة عليها و وافقنا المخالفون لنا في الإمامة فيها و إذا كان ما ذكرناه مراعى في وجوب إنكار المنكر فمن أين أن أمير المؤمنين ع‏

134

كان متمكنا من المنازعة في حقه و المجادلة و ما المنكر من أن يكون (ع) خائفا متى نازع و حارب من ضرر عظيم يلحقه في نفسه و ولده و شيعته ثم ما المنكر من أن يكون خاف في الإنكار من ارتداد القوم عن الدين و خروجهم عن الإسلام و نبذهم شعار الشريعة فرأى أن الإغضاء أصلح في الدين من حيث كان يجر الإنكار ضررا فيه لا يتلافى فإن قيل ما يمنع من أن يكون إنكار المنكر مشروطا بما ذكرتم إلا أنه لا بد لارتفاع التمكن و خوف الضرر عن الدين و النفس من أمارات لائحة ظاهرة يعرفها كل أحد و لم يكن هناك شي‏ء من أمارات الخوف و علامات وقوع الفساد في الدين و على هذا فليس ينفعكم الجملة التي ذكرتموها لأن التفصيل لا يطابقها قلنا أول ما نقوله أن الأمارات التي يغلب معها الظن بأن إنكار المنكر يؤدي إلى الضرر إنما يعرفها من شهد الحال و حضرها و أثرت في ظنه و ليست مما يجب أن يعلمها الغائبون عن تلك المشاهدة و من أتى بعد ذلك الحال بالسنين المتطاولة و ليس من حيث لم يظهر لنا تلك الأمارات و لم نحط بها علما يجب القطع على من شهد تلك الحال لم تكن له ظاهرة فإنا نعلم أن للمشاهد و حضوره مزية في هذا الباب لا يمكن دفعها و العادات تقتضي بأن الحال على ما ذكرناه فإنا نجد كثيرا ممن يحضر مجالس الظلمة من الملوك يمتنع من إنكار بعض ما يجري بحضرتهم من المناكير و ربما أنكر ما يجري مجراه في الظاهر فإذا سئل عن سبب إغضائه و كفه ذكر أنه خاف لأمارة ظهرت له و لا يلزمه أن يكون تلك الأمارة ظاهرة لكل أحد حتى يطالب بأن يشاركه في الظن و الخوف كل من عرفه بل ربما كان معه في ذلك المقام من لا يغلب على ظنه مثل ما غلب على ظنه من حيث اختص بالأمارة دونه ثم قد ذكرنا في كتابنا في الإمامة من أسباب الخوف و أمارات الضرر التي تناصرت بها الروايات و وردت من الجهات المختلفة ما فيه مقنع للمتأمل و أنه (ع) غولط في الأمر

135

و سوبق إليه و انتهزت غرته و اغتنمت الحال التي كان فيها متشاغلا بتجهيز النبي (ص) و سعى القوم إلى سقيفة بني ساعدة و جرى لهم فيها مع الأنصار ما جرى و تم لهم عليهم كما اتفق من بشير بن سعد ما تم و ظهر و إنما توجه لهم من قهرهم الأنصار ما توجه أن الإجماع قد انعقد على البيعة و أن الرضا وقع من جميع الأمة و روسل أمير المؤمنين (ع) و من تأخر معه من بني هاشم و غيرهم مراسلة من يلزمهم بيعة قد تمت و وجبت لا خيار فيها لأحد و لا رأي في التوقف عنها لذي رأي ثم تهددوه على التأخر و تارة يقال له لا تقم مقام من يظن به الحسد لابن عمه إلى ما شاكل ذلك من الأقوال و الأفعال التي تقتضي التكفل و التشبث و يدل على التصميم و التتمم و هذه أمارات بل دلالات تدل على أن الضرر في مخالفة القوم شديد و بعد فإن الذي نذهب إليه من سبب التقية و الخوف مما لا بد منه إذا فرضوا أن مذهبنا على النص صحيح لأنه إذا كان النبي (ص) قد نص على أمير المؤمنين (ع) بالإمامة في مقام بعد مقام و بكلام لا يحتمل التأويل ثم رأى المنصوص عليه أكثر الأمة بعد الوفاة بلا فصل أقبلوا يتنازعون الأمر تنازع من لم يعهد إليه بشي‏ء فيه و لا يسمع على الإمامة نصا لأن المهاجرين قالوا نحن أحق بالأمر لأن رسول الله (ص) منا و لكيت و كيت و قال الأنصار نحن آويناه و نصرناه فمنا أمير و منكم أمير هذا و النص لا يذكر فيما بينهم و معلوم أن الزمان لم يبعد فيتناسوه و مثله لا يتناسى فلم يبق إلا أنهم عملوا على التصميم و وطنوا نفوسهم على التحليج و أنهم لم يستحيزوا الإقدام على خلاف الرسول (ص) في أجل أوامره و أوثق عهوده و التظاهر بالعدول عما أكده و عقده إلا لداع قوي و أمر عظيم يخاف فيه من عظيم الضرر و يتوقع منه شديد الفتنة فأي طمع يبقى في نزوعهم بوعظ و تذكير و كيف يطمع في قبول وعظه و الرجوع إلى تبصيره و إرشاده من رآهم لم يتعظوا بوعظ

136

مخرجهم من الضلالة و منقذهم من الجهالة و كيف لا يتهمهم على نفسه و دينه من رأى فعلهم بسيدهم و سيد الناس أجمعين فيما عهده و أراده و قصده و هل يمكن عاقل بعد هذا أن يقول أي أمارة للخوف ظهرت اللهم إلا أن يقولوا إن القوم ما خالفوا نصا و لا نبذوا عهدا و إن كل ذلك تقول منكم عليهم لا حجة فيه دعوى لا برهان عليها فتسقط حينئذ المسألة من أصلها و يصير تقديرها إذا كان أمير المؤمنين (ع) غير منصوص عليه بالإمامة و لا مغلوب على الخلافة فكيف لم يطالب بها و لم ينازع فيها و معلوم أنه لا مسألة في أن من لم يطالب بما ليس له و لم يجعل إليه و إنما المسألة في إن لم يطالب بما جعل إليه و إذا فرضنا أن ذلك إليه جاء منه كل الذي ذكرناه ثم يقال لهم إذا سلمتم أن وجوب إنكار المنكر مشروط فلم أنكرتم أن يكون أمير المؤمنين (ع) إنما أحجم عن المجاهدة بالإنكار لأن شروط إنكار المنكر لم تتكامل إما لأنه كان خائفا على نفسه أو على من يجري مجرى نفسه أو مشفقا من وقوع ضرر في الدين هو أعظم مما أنكروه و ما المانع من أن يكون الأمر جرى على ذلك فإن قالوا لأن أمارات الخوف لم تظهر قلنا و أي أمارة للخوف هي أقوى من الإقدام على خلاف رسول الله (ص) في أوثق عهوده و أقوى عقوده و الاستبداد بأمر لا حظ لهم فيه و هذه الحال تخرج من أن يكون أمارة في ارتفاع الحشيمة من القبيح إلى أن يكون دلالة و إنما يسوغ أن يقال لا أمارة هناك تقتضي الخوف و تدعو إلى سوء الظن إذا فرضنا أن القوم كانوا على أحوال السلامة متضافرين متناصرين متمسكين بأوامر الرسول (ص) جارين على سنته و طريقته فلا يكون لسوء الظن عليهم مجال و لا للخوف من جهتهم طريق فأما إذا فرضنا أنهم دفعوا النص الظاهر و خالفوه و عملوا بخلاف مقتضاه فالأمر حينئذ منعكس منقلب و حسن الظن لا وجه له و سوء الظن هو الواجب اللازم فلا ينبغي للمخالفين لنا في هذه المسألة أن يجمعوا بين المتضادات و يفرضوا أن‏

137

القوم دفعوا النص و خالفوا موجبه و هم مع ذلك على أحوال السلامة المعهودة منهم التي تقتضي من الظنون بهم أحسنها و أجملها على أنا لا نسلم أنه صلى الله عليه لم يقع منه إنكار على وجه من الوجوه فإن الرواية متظافرة بأنه (ع) لم يزل يتظلم و يتألم و يشكو أنه مظلوم و مقهور في مقام بعد مقام و خطاب بعد خطاب و قد ذكرنا تفصيل هذه الجملة في كتابنا الشافي في الإمامة و أوردنا طرفا مما روي في هذا الباب و بينا أن كلامه (ع) في هذا المعنى ترتب في الأحوال بحسب ترتبها في الشدة و اللين و كان المسموع من كلامه (ع) في أيام أبي بكر سيما في صدرها و عند ابتداء البيعة له ما لم يكن مسموعا في أيام عمر ثم صرح (ع) و بين و قوى تعريضه في أيام عثمان ثم انتهت الحال في أيام تسليم الأمر إليه إلى أنه (ع) ما كان يخطب خطبة و لا يقف موقفا إلا و يتظلم فيه بالألفاظ المختلفة و الوجوه المتباينة حتى أشرك في معرفة ما في نفسه الولي و العدو و القريب و البعيد و في بعض ما كان (ع) يبديه و يعيده إعذار و إفراغ للوسع و قيام بما يجب على مثله ممن قل تمكنه و ضعف ناصره فأما محاربة أهل البصرة ثم أهل صفين فلا يجري مجرى التظاهر بالإنكار على المتقدمين عليه (ع) لأنه وجد على هؤلاء أعوانا و أنصارا يكثر عددهم و يرجى النصر و الظفر بمثلهم لأن الشبهة في فعلهم و بغيهم كانت زائلة عن جميع الأماثل و ذوي البصائر و لم يشتبه أمرهم إلا على أغنام و طغام لا اعتبار بهم و لا فكر في نصرة مثلهم فتعين الغرض في قتالهم و مجاهدتهم للأسباب التي ذكرناها و ليس هذا و لا شي‏ء منه موجودا فيمن تقدم بل الأمر فيه بالعكس مما ذكرناه لأن الجمهور و العدد الجم الكثير كانوا على موالاتهم و تعظيمهم و تفضيلهم و تصويبهم في أقوالهم و أفعالهم فبعض للشبهة و بعض للانحراف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و المحبة لخروج الأمر

138

عنه و بعض لطلب الدنيا و حطامها و نيل الرئاسات فيها فمن جمع بين الحالتين و سوى بين الوقتين كمن جمع بين المتضادين فكيف يقال هذا و يطلب منه (ع) من الإنكار على من تقدم مثل ما وقع منه (ع) متأخرا في صفين و الجمل و كل من حارب معه (ع) في هذه الحروب إلا القليل كانوا قائلين بإمامة المتقدمين عليه (ع) و فيهم من يعتقد تفضيلهم على سائر الأمة فكيف يستنصره و يتقوى في إظهاره الإنكار على من تقدم بقوم هذه صفتهم و أين الإنكار على معاوية و طلحة و فلان و فلان من الإنكار على أبي بكر و عمر و عثمان لو لا الغفلة و العصبية و لو أنه (ع) لم يرج في حرب الجمل و صفين و سائر حروبه ظفرا أو خاف من ضرر في الدين عظيم هو أعظم مما ينكره لما كان إلا ممسكا محجما كسنته فيمن تقدم.

فأما البيعة

فإن أريد بها الرضا و التسليم فلم يبايع أمير المؤمنين (ع) القوم بهذا التفسير على وجه من الوجوه و من ادعى ذلك كانت عليه الدلالة فإنه لا يجدها و إن أريد بالبيعة الصفقة و إظهار الرضا فذلك مما وقع منه (ع) لكنها بعد مطل شديد و تقاعد طويل علمهما الخاص و العام و إنما دعاه إلى الصفقة و إظهار التسليم ما ذكرناه من الأمور التي بعضها يدعو إلى مثل ذلك.

فأما حضور مجالسهم‏

فما كان (ع) ممن يتعمدها و يقصدها و إنما كان يكثر الجلوس في مسجد الرسول (ص) فيقع الاجتماع مع القوم هناك و ذلك ليس بمجلس لهم مخصوص و بعد فلو تعمد حضور مجالسهم لينهى عن بعض ما يجري فيها من منكر فإن القوم قد كانوا يرجعون إليه في كثير من الأمور لجاز و لكان للحضور وجه صحيح له بالدين‏

139

علقة قوية فأما الدخول في آرائهم فلم يكن (ع) ممن يدخل فيها إلا مرشدا لهم و منبها لما شذ عنهم و الدخول بهذا الشرط الواجب.

فأما الصلاة خلفهم‏

فقد علمنا أن الصلاة على ضربين صلاة مقتد مؤتم بإمامه على الحقيقة و صلاة مظهر للاقتداء و الائتمام و إن كان لا ينو بها فإن ادعي على أمير المؤمنين (ع) أنه صلى ناويا للاقتداء فيجب أن يدلوا على ذلك فإنا لا نسلمه و لا هو الظاهر الذي لا يمكن النزاع فيه و إن ادعوا صلاة مظهر للاقتداء فذلك مسلم لهم لأنه الظاهر إلا أنه غير نافع فيما يقصدونه و لا يدل على خلاف ما نذهب إليه في أمره (ع) فلم يبق إلا أن يقال فما العلة في إظهار الاقتداء بمن لا يجوز الاقتداء به فالعلة في ذلك غلبة القوم على الأمر و تمكنهم من الحل و العقد لأن الامتناع من إظهار الاقتداء بهم مجاهرة و منابذة و قد قلنا فيما يؤدي ذلك إليه ما فيه كفاية.

فأما أخذه العطية

فما أخذ (ع) إلا حقه و لا سؤال على من أخذ ما يستحقه فيه اللهم إلا أن يقال ذلك المال لم يكن وديعة له (ع) في أيديهم و لا دينا في ذمتهم فيتعين حقه و يأخذه كيف شاء و أنى شاء لكن ذلك المال إنما يكون حقا له إذا كان الجابي لذلك المال و المستفيد له ممن قد سوغت الشريعة جبايته و غنيمته إن كان من الغنيمة و الغاصب ليس له أن يغنم و لا أن يتصرف التصرف المخصوص الذي يفيد المال الجواب عن ذلك أنا نقول إن تصرف الغاصب لأمر الأمة إذا كان عن قهر و غلبته و سوغت الحال للأمة الإمساك عن النكير خوفا و تقية يجري في الشرع مجرى تصرف المحق في باب جواز أخذ الأموال التي تضي‏ء

140

على يده و نكاح السبي و ما شاكل ذلك و إن كان هو لذلك الفعل موزورا معاقبا و هذا بعينه عليه نص عن أئمتنا (ع) لما سئلوا عن النكاح في دول الظالمين و التصرف المخصوص.

فأما ما ذكر في السؤال من نكاح السبي-

فقد قلنا في هذا الباب ما فيه كفاية لو اقتصرنا عليه لكنا نزيد الأمر وضوحا بأن نقول ليس المشار بذلك فيه إلا إلى الحنفية أم ابنه محمد رضي الله تعالى عنه و قد كنا ذكرنا في كتابنا المعروف بالشافي أنه (ع) لم يستبحها بالسبي بل نكحها و مهرها و قد وردت الرواية من طريق العامة فضلا عن طريق الخاصة بهذا بعينه فإن‏

البلاذري روى في كتابه المعروف بتاريخ الأشراف عن علي بن المغيرة بن الأثرم و عباس بن هشام الكلبي عن هشام بن خراش بن إسماعيل العجلي قال‏

: أغارت بنو أسد على بني حنيفة فسبوا خولة بنت جعفر و قدموا بها المدينة في أول خلافة أبي بكر فباعوها من علي (ع) و بلغ الخبر قومها فقدموا المدينة على علي (ع) فعرفوها و أخبروه بموضعها منهم فأعتقها و مهرها و تزوجها فولدت له محمدا و كناه أبا القاسم‏

قال و هذا هو الثبت لا الخبر الأول يعني بذلك خبرا

رواه عن المدائني قال‏

: بعث رسول الله (ص) عليا (ع) إلى اليمن فأصاب خولة في بني زبيد و قد ارتدوا مع عمرو بن معديكرب و صارت في سهمه و ذلك على عهد رسول الله (ص) فقال له رسول الله (ص) إن ولدت منك غلاما فسمه باسمي و كنه بكنيتي فولدت له (ع) بعد موت فاطمة (ع) فسماه محمدا و كناه أبا القاسم‏

و هذا الخبر إذا كان صحيحا لم يبق سؤال في باب الحنفية.

141

فأما إنكاحه (ع) إياهم‏

فقد ذكرنا في كتابنا الشافي الجواب عن هذا الباب مشروحا و بينا أنه (ع) ما أجاب عمر إلى إنكاح بنته (ع) إلا بعد توعد و تهدد و مراجعة و منازعة و كلام طويل مأثور أشفق معه من شروف الحال و ظهور ما لا يزال يخفيه منها و أن العباس رحمة الله عليه لما رأى أن الأمر يفضي إلى الوحشة و وقوع الفرقة سأله (ع) رد أمرها إليه ففعل فزوجها منه و ما يجري على هذا الوجه معلوم أنه لا على اختيار و لا إيثار و بينا في الكتاب الذي ذكرناه أنه لا يمتنع أن يبيح الشرع أن يناكح بالإكراه من لا يجوز مناكحته مع الاختيار لا سيما إذا كان المنكح مظهرا للإسلام و التمسك بسائر الشريعة و بينا أن العقل لا يمنع من مناكحة الكفار على سائر أنواع كفرهم و إنما المرجع فيما يحل من ذلك أو يحرم إلى الشريعة و فعل أمير المؤمنين (ع) أقوى حجة في أحكام الشرع و بينا الجواب عن إلزامهم لنا فلو أكره على إنكاح اليهود و النصارى لكان يجوز ذلك و فرقنا بين الأمرين بأن قلنا إن كان السؤال عما في العقل فلا فرق بين الأمرين و إن كان عما في الشرع فالإجماع يحظر أن تنكح اليهود على كل حال و ما أجمعوا على حظر إنكاح من ظاهره الإسلام و هو على نوع من القبيح لكفر به إذا اضطررنا إلى ذلك و أكرهنا عليه فإذا قالوا فما الفرق بين كفر اليهودي و بين كفر من ذكرتم قلنا لهم و أي فرق بين كفر اليهودية في جواز إنكاحها عندكم و كفر الوثنية.

فأما الدخول في الشورى‏

فقد بينا في كتابنا المقدم ذكره الكلام مستقصى و جملته أنه (ع) لو لا الشورى لم يكن ليتمكن من الاحتجاج على القوم بفضائله و مناقبه و الأخبار الدالة على النص بالإمامة عليه و بما ذكره ع‏

142

من الأمور التي تدل على أن أسبابه إلى الإمامة أقوى من أسبابهم و طرقه إلى تناولها أقرب من طرقهم و من كان يصغي لو لا الشورى إلى كلامه المستوفى في هذا المعنى و أي حال لولاها كانت تقتضي ذكر ما ذكره من المقامات و الفضائل فلو لم يكن في الشورى من الغرض إلا هذا وحده لكان كافيا مغنيا و بعد فإن المدخل له في الشورى هو الحامل له على إظهار البيعة للرجلين و الرضا بإمامتهما و إمضاء عقودهما فكيف يخالف في الشورى و يخرج منها و هي عقد من عقود من لم يزل (ع) ممضيا في الظاهر لعقوده حافظا لعهوده و أول ما كان يقال له أنك إنما لا تدخل في الشورى لاعتقادك أن الإمامة إليك و أن اختيار الأمة للإمام بعد الرسول (ص) باطل و في هذا ما فيه و الامتناع من الدخول في الشورى يقود إليه و يحمل عليه و قد قال قوم من أصحابنا إنه (ع) إنما دخل فيها تجويز أن ينال الأمر منها و معلوم أن كل سبب ظن معه أو جوز الوصول إلى الأمر الذي قد تعين عليه القيام به يلزمه (ع) التوصل به و تحريه له و هذه الجملة كافية في الجواب عن جميع ما تضمنه السؤال مسألة فإن قيل إذا كنتم تروون عنه (ع) و تدعون عليه في أحكام الشريعة مذاهب كثيرة لا يعرفها الفقهاء له مذهبا و قد كان (ع) عندكم يشاهد الأمر يجري بخلافها فألا أفتى بمذاهبه و نبه عليها و أرشد إليها و ليس لكم أن تقولوا إنه (ع) استعمل التقية كما استعملها فيما تقدم لأنه (ع) قد خالفهم في مذاهب استبد بها و تفرد بالقول فيها مثل قطع السارق من الأصابع و بيع أمهات الأولاد و مسائل في الحد و غير ذلك مما مذهبه (ع) فيه إلى الآن معروف فكيف اتقى في بعض و أمن في آخر و حكم الجميع واحد في أنه خلاف في أحكام شرعية لا تتعلق بإمامة و لا تصحيح نص و لا إبطال اختيار الجواب قلنا لم يظهر أمير المؤمنين (ع) في أحكام الشريعة خلافا للقوم إلا بحيث كان له موافق و إن قل عدده أو بحيث علم أن‏

143

الخلاف يئول إلى الفساد و لا يقتضي مجاهرة و لا مظاهرة و هذه حال يعلمها الحاضر بالمشاهدة أو يغلب على ظنه فيها ما لا يعلمه الغائب و لا يظنه و استعمال القياس فيما يؤدي إلى الوحشة بين الناس و نفار بعضهم عن بعض لا يسوغ لأنا قد نجد كثيرا من الناس يستوحشون من أن يخالفوا في مذهب من المذاهب غاية الاستيحاش و إن لم يستوحشوا من الخلاف فيما هو أعظم منه و أجل موقعا و يغضبهم في هذا الباب الصغير و لا يغضبهم الكبير و هذا إنما يكون لعادات جرت و أسباب استحكمت و لاعتقادهم أن بعض الأمور و إن صغر في ظاهره فإنه يؤدي إلى العظائم و الكبائر أو لاعتقادهم أن الخلاف في بعض الأشياء و إن كان في ظاهر الأمر كالخلاف في غيره لا يقع إلا من معاند منافس و إذا كان الأمر على ما ذكرناه لم ينكر أن يكون أمير المؤمنين (ع) إنما لم يظهر في جميع مذاهبه التي خالف فيها القوم إظهارا واحدا لأنه (ع) علم أو غلب في ظنه أن إظهار ذلك يؤدي من الضرر في الدين إلى ما لا يؤدي إليه إظهار ما أظهره و هذا واضح لمن تدبره و قد دخل في جملة ما ذكرناه الجواب عن قولهم لم لم يغير الأحكام و لم يظهر مذاهبه و ما كان مخبوا في نفسه عند إفضاء الأمر إليه و حصول الخلافة في يده فإنه لا تقية على من هو أمير المؤمنين و إمام جميع المسلمين لأنا قد بينا أن الأمر ما أفضى إليه (ع) إلا بالاسم دون المعنى و قد كان (ع) معارضا منازعا مغصصا طول أيام ولايته إلى أن قبضه الله تعالى إلى جنته و كيف يأمن في ولايته الخلاف على المتقدمين عليه (ع) و جل من بايعه و جمهورهم شيعة أعدائه (ع) و من يرى أنهم مضوا على أعدل الأمور و أفضلها و أن غاية من يأتي بعدهم أن يتبع آثارهم و يقتفي طرائقهم و ما العجب من ترك أمير المؤمنين (ع) ما ترك من إظهار بعض مذاهبه التي كان الجمهور يخالفه فيها

144

و إنما العجب من إظهاره شيئا من ذلك مع ما كان عليه من شرف الفتنة و خوف الفرقة و قد كان (ع) يجهر في كل مقام يقومه بما هو عليه من فقد التمكن و تقاعد الأنصار و تخاذل الأعوان بما أن ذكرنا قليله طال به الشرح و هو (ع) القائل‏

و الله لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم و بين أهل الزبور بزبورهم و بين أهل الفرقان بفرقانهم حتى يظهر كل كتاب من هذه الكتب و يقول يا رب إن عليا قد قضى بقضائك‏

و هو القائل (ع) و

قد استأذنه قضاته فقالوا: بم نقضي يا أمير المؤمنين (ع) فقال (ع) اقضوا بما كنتم تقضون حتى تكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي‏

يعني (ع) من تقدم موته من أصحابه و المخلصين من شيعته الذين قبضهم الله تعالى و هم على أحوال التقية و التمسك باطنا بما أوجب الله جل اسمه عليهم من التمسك به و هذا واضح فيما قصدناه و قد تضمن كلامنا هذا الجواب عن سؤال من يسأل عن السبب في امتناعه (ع) من رد فدك إلى يد مستحقها لما أفضى التصرف في الإمامة إليه (ع) مسألة فإن قيل فما الوجه في تحكيمه (ع) أبا موسى الأشعري و عمرو بن العاص و ما العذر في أن حكم في الدين الرجال و هذا يدل على شكه في إمامته و حاجته إلى علم بصحة طريقته ثم ما الوجه في تحكيمه فاسقين عنده عدوين له أ و ليس قد تعرض بذلك لأن يخلع إمامته و يشككا الناس فيه و قد مكنهما من ذلك بأن حكمهما و كانا غير متمكنين منه و لا أقوالهما حجة في مثله ثم ما العذر في تأخيره جهاد المرقة الفسقة و تأجيله ذلك مع إمكانه و استظهاره و حضور ناصره ثم ما الوجه في محو اسمه من الكتاب بالإمامة و تنظره بمعاوية في ذكر نفسه بمجرد الاسم المضاف إلى الأب كأفعل ذلك به و أنتم تعلمون أن بهذه الأمور ضلت الخوارج مع شدة

145

تخشنها في الدين و تمسكها بعلائقه و وثائقه الجواب قلنا كل أمر ثبت بدليل قاطع غير محتمل فليس يجوز أن نرجع عنه و نشكك فيه لأجل أمر محتمل و قد ثبتت إمامة أمير المؤمنين (ع) و عصمته و طهارته من الخطاء و براءته من الذنوب و العيوب بأدلة عقلية و سمعية فليس يجوز أن نرجع عن ذلك أجمع و لا عن شي‏ء منه لما وقع من التحكيم المحتمل للصواب بظاهره و قبل النظر فيه كاحتماله للخطاء و لو كان ظاهره أقرب إلى الخطاء و أدنى إلى مخالفة الصواب بل الواجب في ذلك القطع على مطابقة ما ظهر من المحتمل لما ثبت بالدليل و صرف ما له ظاهر عن ظاهره و العدول به إلى موافقة مدلول الدلالة التي لا يختلف مدلولها و لا يتطرق عليها التأويل و هذا فعلنا فيما ورد من آي القرآن التي تخالف بظاهرها الأدلة العقلية مما يتعلق به الملحدون أو المجبرة أو المشبهة و هذه جملة قد كررنا ذكرها في كتابنا هذا لجلالة موقعها من الحجة و لو اقتصرنا في الشبهة عليها لكانت مغنية كافية كما أنها كذلك فيما ذكرناه من الأصول لكنا نزيد وضوحا في تفصيلها و لا نقتصر عليها كما لم نفعل ذلك فيما صدرنا به هذا الكتاب من الكلام في تنزيه الأنبياء (ع) عن المعاصي فنقول إن أمير المؤمنين (ع) ما حكم مختارا بل أحوج إلى التحكيم و ألجئ إليه لأن أصحابه (ع) كانوا من التخاذل و التقاعد و التواكل إلا القليل منهم على ما هو معروف مشهور و لما طالت الحرب و كثر القتل و جل الخطب ملوا ذلك و طلبوا مخرجا من مقارعة السيوف و اتفق من رفع أهل الشام المصاحف و التماسهم الرجوع إليها و إظهارهم الرضا بما فيها ما اتفق بالحيلة التي نصبها عدو الله عمرو بن العاص و المكيدة التي كاد بها لما أحس بالبوار و علو كلمة أهل الحق و أن معاوية و جنده مأخوذون قد علتهم السيوف و دنت منهم الحتوف فعند ذلك وجد هؤلاء الأغنام‏

146

طريقا إلى الفرار و سبيلا إلى وقوف أمر المناجزة و لعل منهم من دخلت عليه الشبهة لبعده عن الحق و غلظ فهمه و ظن أن الذي دعا إليه أهل الشام من التحكيم و كف الحرب على سبيل البحث عن الحق و الاستسلام للحجة لا على وجه المكيدة و الخديعة فطالبوه (ع) بكف الحرب و الرضا بما بذله القوم فامتنع (ع) من ذلك امتناع عالم بالمكيدة ظاهر على الحيلة و صرح لهم بأن ذلك مكر و خداع فأبوا و لجوا فأشفق (ع) في الامتناع عليهم و الخلاف لهم و هم جمة عسكره و جمهور أصحابه من فتنة صماء هي أقرب إليه من حرب عدوه و لم يأمن أن يتعدى ما بينه و بينهم إلى أن يسلموه إلى عدوه أو يسفكوا دمه فأجاب إلى التحكيم على مضض و رد من كان قد أخذ بخناق معاوية و قارب تناوله و أشرف على التمكن منه حتى أنهم قالوا للأشتر (رحمه الله تعالى) و قد امتنع من أن يكف عن القتال و قد أحس بالظفر و أيقن بالنصر أ تحب أنك ظفرت هاهنا و أمير المؤمنين (ع) بمكانه قد سلم إلى عدوه و تفرق أصحابه عنه و

قال لهم أمير المؤمنين (ع) عند رفعهم المصاحف: اتقوا الله و امضوا على حقكم فإن القوم ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن و أنا أعرف بهم منكم قد صحبتهم أطفالا و رجالا فكانوا شر أطفال و شر رجال إنهم و الله ما رفعوا المصاحف ليعملوا بها و إنما رفعوها خديعة و دهاء و مكيدة

فأجاب (ع) إلى التحكيم دفعا للشر القوي بالشر الضعيف و تلافيا للضرر الأعظم بتحمل الضرر الأيسر و أراد أن يحكم من جهته عبد الله بن العباس رحمة الله عليه فأبوا عليه و لجوا كما لجوا في أصل التحكيم و قالوا لا بد من يماني مع مضري فقال (ع) فضموا الأشتر و هو يماني إلى عمرو فقال الأشعث بن قيس الأشتر هو الذي طرحنا فيما نحن فيه و اختاروا أبا موسى مقترحين له عليه (ع) ملزمين له تحكيمه فحكمهما بشرط أن يحكما بكتاب الله تعالى و لا يتجاوزاه و أنهما

147

متى تعدياه فلا حكم لهما و هذا غاية التحرز و نهاية التيقظ لأنا نعلم أنهما لو حكما بما في الكتاب لأصابا الحق و علما أن أمير المؤمنين (ع) أولى بالأمر و أنه لا حظ لمعاوية و ذويه في شي‏ء منه و لما عدلا إلى طلب الدنيا و مكر أحدهما بصاحبه و نبذا الكتاب و حكمه وراء ظهورهما خرجا من التحكيم و بطل قولهما و حكمهما و هذا بعينه موجود في كلام أمير المؤمنين (ع) لما ناظر الخوارج و احتجوا عليه في التحكيم و كل ما ذكرناه في هذا الفصل من ذكر الإعذار في التحكيم و الوجوه المحسنة له مأخوذ من كلامه (ع) و قد روي عنه (ع) مفصلا مشروحا.

فأما تحكيمهما مع علمه بفسقهما فلا سؤال فيه‏

إذ كنا قد بينا أن الإكراه وقع على أصل الاختيار و فرعه و أنه (ع) ألجئ إليه جملة ثم إلى تفصيله و لو خلي (ع) و اختياره ما أجاب إلى التحكيم أصلا و لا رفع السيوف عن أعناق القوم لكنه أجاب إليه ملجأ كما أجاب إلى ما اختاروه بعينه كذلك و قد صرح (ع) بذلك في كلامه حيث‏

يقول‏

: لقد أمسيت أميرا و أصبحت مأمورا و كنت أمس ناهيا و أصبحت اليوم منهيا

و كيف يكون التحكيم منه (ع) دالا على الشك و هو (ع) ناه عنه و غير راض به و مصرح بما فيه من الخديعة و إنما يدل ذلك على شك من حمله عليه و قاده إليه و إنما يقال إن التحكيم يدل على الشك إذا كنا لا نعرف سببه و الحامل عليه أو كان لا وجه له إلا ما يقتضي الشك فأما إذا كنا قد عرفنا ما اقتضاه و أدخل فيه علمنا أنه (ع) ما أجاب إليه إلا لدفع الضرر العظيم و لأن تزول الشبهة عن قلب من ظن به (ع) أنه لا يرضى بالكتاب و لا يجيب إلى تحكيمه فلا وجه لما ذكروه و قد أجاب (ع) عن هذه الشبهة بعينها في مناظرتهم لما

قالوا له: أ شككت؟ فقال (ع) أنا أولى بأن‏

148

لا أشك في ديني أم النبي (ص) أ و ما قال الله تعالى لرسوله‏

قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى‏ مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏

و أما قول السائل فإنه (ع) تعرض لخلع إمامته و مكن الفاسقين من أن يحكما عليه بالباطل فمعاذ الله أن يكون كذلك لأنا قد بينا أنه (ع) إنما حكمهما بشرط لو وفيا به و عملا عليه لأقرا إمامته و أوجبا طاعته لكنهما عدلا عنه فبطل حكمهما فما مكنهما من خلع إمامته و لا تعرض منهما لذلك و نحن نعلم أن من قلد حاكما أو ولى أميرا ليحكم بالحق و يعمل بالواجب فعدل عما شرطه و خالفه لا يسوغ القول بأن من ولاه عرضه للباطل و مكنه من العدول عن الواجب و لم يلحقه شي‏ء من اللوم بذلك بل كان اللوم عائدا على من خالف ما شرط عليه.

فأما تأخيره جهاد الظالمين و تأجيل ما يأتي من استيصالهم‏

فقد بينا العذر فيه و أن أصحابه (ع) تخاذلوا و تواكلوا و اختلفوا و أن الحرب بلا أنصار و بغير أعوان لا يمكن و المتعرض لها مغرر بنفسه و أصحابه.

فأما عدوله عن التسمية بأمير المؤمنين‏

و اقتصاره على التسمية المجردة فضرورة الحال دعت إليها و قد سبقه إلى مثل ذلك سيد الأولين و الآخرين رسول الله (ص) في عام الحديبية و قصته مع سهيل بن عمرو و أنذره (ع) بأنه سيدعى إلى مثل ذلك و يجيب على مضض فكان كما أنذر و خبر رسول الله (ص) و اللوم بلا إشكال زائل عما اقتدى فيه بالرسول (ص) و هذه جملة تفصيلها يطول و فيها لمن أنصف من نفسه بلاغ و كفاية مسألة فإن قيل فإذا كان (ع) من أمر التحكيم على ثقة و يقين فلم‏

روي عنه (ع)

أنه كان يقول‏

149

بعد التحكم في مقام بعد آخر-: لقد عثرت عثرة لا أنجبر سوف أكيس بعدها و أستمر و أجمع الرأي الشتيت المنتشر

أ و ليس هذا إذعانا بأن التحكيم جرى على خلاف الصواب الجواب قلنا قد علم كل عاقل قد سمع الأخبار ضرورة أن أمير المؤمنين (ع) و أهله و خلصاء شيعته و أصحابه كانوا من أشد الناس إظهارا لوقوع التحكيم من الصواب و السداد موقعه و أن الذي دعا إليه حسن و التدبير أوجبه و أنه (ع) ما اعترف قط بخطاء فيه لا أغضى عن الاحتجاج فيمن شك فيه و ضعفه كيف و الخوارج إنما ضلت عنه و عاصته و خرجت عليه لأجل أنها إرادته على الاعتراف بالزلل في التحكيم فامتنع كل امتناع و أبى أشد إباء و قد كانوا يقنعون منه و يعاودون طاعته و نصرته بدون هذا الذي أضافوه إليه (ع) من الإقرار بالخطاء و إظهار التندم و كيف يمتنع من شي‏ء و يعترف بأكثر منه و يغضب من جزء و يجيب إلى كل هذا مما لا يظنه (ع) أحد ممن يعرفه حق معرفة و هذا الخبر شاذ ضعيف فإما أن يكون باطلا موضوعا أو يكون الغرض فيه غير ما ظنه القوم من الاعتراف بالخطاء في التحكيم فقد روي عنه (ع) معنى هذا الخبر و تفسير مراده منه و نقل من طرق معروفة موجودة في كتب أهل السير أنه (ع) لما سئل عن مراده بهذا الكلام قال كتب إلي محمد بن أبي بكر بأن أكتب له كتابا في القضاء يعمل عليه فكتبت له ذلك و أنفذته إليه فاعترضه معاوية فأخذه فأسف (ع) على ظفر عدوه بذلك و أشفق من أن يعمل بما فيه من الأحكام و يوهم ضعفة أصحابه أن ذلك من علمه و من عنده فتقوى الشبهة به عليهم و هذا وجه صحيح يقتضي التأسف و التندم و ليس في الخبر المتضمن للشعر ما يقتضي أن تندمه كان على التحكيم دون غيره و إذا جاءت رواية بتفسير ذلك عنه (ع) كان الأخذ بها أولى مسألة فإن قيل فما الوجه فيما فعله أمير المؤمنين ع‏

150

عند حربه للخوارج عند النهروان من رفعه رأسه إلى السماء ناظرا إليها تارة و إلى الأرض أخرى‏

و قوله ع‏

: و الله ما كذبت و لا كذبت فلما قتلهم و فرغ من الحرب قال له ابنه الحسن (ع) يا أمير المؤمنين أ كان رسول الله (ص) تقدم إليك في هؤلاء بشي‏ء فقال لا و لكن أمرني رسول الله (ص) بكل حق و من الحق أن أقاتل المارقين و الناكثين و القاسطين‏

أ و ليس قد تعلق بهذا النظام في كتابه المعروف بالنكت و قال هذا توهيم منه (ع) لأصحابه أن رسول الله قد تقدم إليه في أن الخوارج سيخالفونه و يقتلهم إذ يقول الله ما كذبت و لا كذبت الجواب قلنا إنا لا ندري كيف ذهب على النظام كذب هذه الرواية يعني المتضمنة لقوله (ع) إنه لم يتقدم الرسول (ص) إليه في ذلك بشي‏ء إن كان النظام رواها و نقلها أم كيف استجاز أن يضيفها إليه (ع) إن كان تخرصها و كيف ظن أن مثل ذلك يخفى على أحد مع ظهور الحال و تواتر الروايات عنه (ع) بالإنذار لقتال أهل النهروان و كيفيته و الإشعار بقتل المخدج ذي الثدية و إنما كان (ع) ينظر إلى السماء ثم إلى الأرض و يقول ما كذبت و لا كذبت استبطاء لوجود المخدج لأنه (ع) عند قتل القوم أمر بطلبه في جملة القتلى لما طال الأمر في وجوده و أشفق (ع) من وقوع شبهة من ضعفة أصحابه فيما كان يخبر به و ينذر من وجوده فقلق (ع) لذلك و اشتد همه و كرر قوله ما كذبت و لا كذبت إلى أن أتاح الله وجوده و الظفر به بين القتلى على الهيئة التي كان (ع) ذكرها فلما أحضروه إياه كبر (ع) و استبشر بزوال الشبهة في صحة خبره و قد روي من طرق مختلفة و جهات كثيرة عنه (ع) الإنذار بقتال الخوارج و قتل المخدج على صفته التي وجد عليها و أنه (ع) كان يقول لأصحابه إنهم لا يعبرون النهر حتى يصرعوا دونه و إنه لا يقتل من أصحابه إلا دون العشرة و لا يبقى من الخوارج‏