تنزيه الأنبياء عليهم السلام‏

- السيد المرتضى المزيد...
185 /
151

إلا دون العشرة حتى أن رجلا من أصحابه قال له (ع) يا أمير المؤمنين فذهب القوم و قطعوا النهر فقال (ع) لا و الله ما قطعوه و لا يقطعونه حتى يقتلوا دونه عهدا من الله و رسوله (ص) فكيف يستشعر عاقل أن ذلك كان من غير علم و لا اطلاع من الرسول (ص) على وقوعه و كونه و قد

روي‏

أن عبيدة اليماني لما سمعه (ع) مخبرا عن النبي (ص) بقتال الخوارج قبل ذلك بمدة طويلة و قتل المخدج شك فيه لضعف بصيرته فقال له (ع) أنت سمعت من رسول الله (ص) ذلك فقال إي و رب الكعبة مرات‏

و قد روي أمر الخوارج و قتال أمير المؤمنين (ع) لهم و إنذار الرسول (ص) بذلك جملة من الصحابة لو لا أن في ذكر ذلك خروجا عن غرض الكتاب لذكرناه حتى‏

أن عائشة روت ذلك فيما رفعه عامر عن مسروق قال‏

: دخلت على عائشة فقالت من قتل الخوارج؟ قلت قتلهم علي بن أبي طالب (ع) فسكتت فقلت لها يا أمه أسألك بحق الله و حق نبيه (ص) و حقي فإني لك ولد إن كنت سمعت رسول الله (ص) يقول فيهم شيئا لما أخبرتنيه فقالت سمعت رسول الله (ص) يقول هم شر الخلق و الخليقة يقتلهم خير الخلق و الخليقة و أقربهم عند الله وسيلة

و عن مسروق أيضا عن عائشة أنها قالت‏

: من قتل ذا الثدية؟ قلت علي بن أبي طالب (ع) قالت لعن الله عمرو بن العاص فإنه كتب إلي يخبرني أنه قتله بالإسكندرية إلا أنه لا يمنعني ما في نفسي أن أقول ما سمعت من رسول الله (ص) فيه سمعته يقول يقتلهم خير أمتي من بعدي‏

و روى فضالة بن أبي فضلة و كان ممن شهد مع رسول الله (ص) بدرا قال‏

: اشتكى أمير المؤمنين (ع) بينبع شكاة ثقل منها فخرج أبي يعوده فخرجت معه فلما دخل عليه قال لا تخرج إلى المدينة فإن أصابك أجلك شهدك أصحابك و صلوا عليك و إنك هاهنا بين ظهراني أعراب جهينة فقال (ع) لا أموت‏

152

من مرضي هذا لأنه فيما عهده إلى رسول الله (ص) أن لا أموت حتى أومر و أقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين و حتى تخضب هذه من هذا و أشار (ع) إلى لحيته و رأسه‏

و ذكر المروي في هذا الباب يطول و الأمر في إخباره (ع) بقصة الخوارج و قتاله (ع) لهم و إنذاره بذلك ظاهر جدا مسألة فإن قيل فما الوجه فيما

روي عنه (ع) من قوله‏

: إذا حدثتكم عن رسول الله (ص) فهو كما حدثتكم فو الله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب على رسول الله (ص) و إذا سمعتموني أحدث فيما بيني و بينكم فإنما الحرب خدعة

أ و ليس هذا مما نفاه النظام أيضا و قال لو لم يحدثهم عن رسول الله بالمعاريض لما اعتذر من ذلك و ذكر أن هذا يجري مجرى التدليس في الحديث الجواب قلنا إن أمير المؤمنين (ع) لفرط احتياطه في الدين و تخشنه فيه و علمه بأن المخبر ربما دعته الضرورة إلى ترك التصريح و استعمال التعريض أراد أن يميز السامعين بين الأمرين و يفصل لهم بين ما لا يدخل فيه التعريض من كلامه مما باطنه كظاهره و بين ما يجوز أن يعرض فيه للضرورة و هذا نهاية الحكمة منه (ع) و إزالة اللبس و الشبهة و يجري مجرى البيان و الإيضاح بالضد لما توهمه النظام من دخوله في باب التدليس في الحديث لأن المدلس يقصد إلى الإبهام و يعدل عن البيان و الإيضاح طلبا لتمام غرضه و هو (ع) ميز بين كلامه و فرق بين أنواعه حتى لا يدخل الشبهة فيه على أحد و أعجب من هذا كله قوله إنه لو لم يحدث عن رسول الله (ص) بالمعاريض لما اعتذر من ذلك لأنه (ع) ما اعتذر كما ظنه و إنما نفى أن يكون التعريض مما يدخل روايته عن رسول الله (ص) كما أنه ربما دخل ما يخبر به عن نفسه قصدا للإيضاح و نفي الشبهة و ليس كل من نفى عن نفسه شيئا و أخبر عن براءته منه فقد فعله و قوله (ع) لأن أخر من السماء يدل على أنه ما فعل ذلك‏

153

و لا يفعله و إنما نفاه حتى لا يلبس على أحد خبره عن نفسه و مما يجوز فيه مما يرويه و يسنده إلى الرسول (ص) مسألة فإن قيل فما الوجه‏

فيما روي عنه (ع) من أنه قال‏

: كنت إذا حدثني أحد عن رسول الله (ص) بحديث استحلفته بالله أنه سمعه عن رسول الله (ص) فإن حلف صدقته و إلا فلا و حدثني أبو بكر و صدق أبو بكر

أ و ليس هذا الخبر مما طعن به النظام و قال لا يخلو المحدث عنده من أن يكون ثقة أو متهما فإن كان ثقة فما معنى الاستحلاف و إن كان متهما فكيف يتحقق قول المتهم بيمينه و إذا جاز أن يحدث عن رسول الله (ص) بالباطل جاز أن يحلف على ذلك بالباطل الجواب قلنا هذا خبر ضعيف مطعون مدفوع على إسناده لأن عثمان بن المغيرة رواه عن علي بن ربيعة الوالبي عن أسماء بن الحكم الفزاري قال سمعت عليا (ع) يقول كذا و كذا و أسماء بن الحكم هذا مجهول عند أهل الرواية لا يعرفونه و لا روي عنه شي‏ء من الأحاديث غير هذا الخبر الواحد و قد روي أيضا من طريق سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقري عن أخيه عن جده أبي سعيد رواه هشام بن عمار و الزبير بن بكار عن سعد بن سعيد بن أبي سعيد عن أخيه عبد الله بن سعيد عن جده عن أمير المؤمنين (ع) و قال الزبير عن سعد بن سعيد إنه ما أرى أخبث منه و قال أبو عبد الرحمن الشيباني عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقري متروك الحديث و قال يحيى بن معين إنه ضعيف و رووه عن طريق أبي المغيرة المخزومي عن ابن نافع عن سليمان بن زيد عن المقري و أبو المغيرة المخزومي مجهول لا يعرفه أكثر أهل الحديث و رووه من طريق عطاء بن مسلم عن عمارة عن المحرز عن أبي هريرة عن أمير المؤمنين (ع) قالوا المحرز لم يسمع من أمير المؤمنين (ع) بل لم يره‏

154

و عمارة و هو عمارة بن جوير [حريز] و هو أبو هارون العبدي قيل إنه متروك الحديث و مما ينبئ عن ضعف هذا الحديث و اختلاله أن من المعروف الظاهر أن أمير المؤمنين (ع) لم يرو عن أحد قط حرفا غير النبي (ص) و أكثر ما يدعى عليه من ذلك هذا الذي نحن في الكلام عليه و قوله ما حدثني أحد عن رسول الله (ص) إلا استحلفته يقتضي ظاهره أنه قد سمع أخبارا عنه (ع) من جماعة من الصحابة و المعلوم خلاف ذلك و أما تعجب النظام من الاستحلاف ففي غير موضعه لأنا نعلم أن في عرض اليمين تهييبا لمن عرضت عليه و تذكيرا بالله تعالى و تخويفا بعقابه سواء كان من تعرض عليه ثقة أو ظنينا لأن بذل اليمين و الإقدام عليها يزيدنا في الثقة بصيرة و ربما قوى ذلك حال الظنين لبعد الإقدام على اليمين الفاجرة و لهذا نجد كثيرا من الجاحدين للحقوق متى عرضت عليهم اليمين امتنعوا منها و أقروا بها بعد الجحود و اللجاج و لهذا استظهر في الشريعة باليمين على المدعى عليه و في القاذف زوجته بالتلفظ باللعان و لو أن ملحدا أراد الطعن على الشريعة و استعمل من الشبهة ما استعمله النظام فقال أي معنى لليمين في الدعاوي و المستحلف إن كان ثقة فلا معنى لإحلافه و إن كان ظنينا متهما فهو بأن يقدم على اليمين أولى و كذلك في القاذف زوجته لما كان له جواب إلا ما أجبنا به النظام و قد ذكرناه و قد حكي عن الزبير بن بكار في هذا الخبر تأويل قريب و هو أنه قال كان أبو بكر و عمر إذا جاءهما حديث عن رسول الله (ص) لا يعرفانه لم يقبلاه حتى يأتي مع الذي ذكره آخر فيقوما مقام الشاهدين قال فأقام أمير المؤمنين (ع) اليمين مع دعوى المحدث مقام الشاهد مع اليمين في الحقوق كما أقاما الرواية في طلب شاهدين عليهما مقام باقي الحقوق فإن قيل أ و ليس هذا الحديث إذا سلمتوه و أخذتم في تأويله يقتضي أن أمير المؤمنين ع‏

155

ما كان يعلم الشي‏ء الذي يخبر به عن رسول الله (ص) و أنه كان يستفيد من المخبر و لو لا ذلك لما كان لاستحلافه معنى و هذا يوجب أنه (ع) كان غير محيط بعلم الشريعة على ما تذهبون إليه قلنا قد بينا الجواب عن هذه الشبهة في كتابنا الملقب الشافي في الإمامة و ذكرنا أنه (ع) و إن كان عالما بصحة ما أخبره المخبر و أنه من الشرع فقد يجوز أن يكون المخبر له به ما سمعه من الرسول (ص) و إن كان من شرعه و يكون كاذبا في ادعائه السماع فكان يستحلفه لهذه العلة و قلنا أيضا لا يمتنع أن يكون ذلك إنما كان منه (ع) في حياة الرسول (ص) و في تلك الأحوال لم يكن محيطا بجميع الأحكام بل كان يستفيدها حالا بعد حال فإن قيل كيف خص أبا بكر في هذا الباب بما لم يخص به غيره قلنا يحتمل أن يكون أبو بكر حدثه بما علم أنه سمعه من الرسول (ص) و حضر تلقيه له من جهته (ص) فلم يحتج إلى استحلافه لهذا الوجه مسألة فإن قيل فما الوجه فيما

ذكره النظام في كتابه المعروف بالنكت من قوله العجب‏

مما حكم به علي بن أبي طالب (ع) في حرب أصحاب الجمل لأنه (ع) قتل المقاتلة و لم يغنم فقال له قوم من أصحابه إن كان قتلهم حلالا فغنيمتهم حلال و إن كان غنيمتهم حراما فقتلهم حرام فكيف قتلت و لم تسب فقال (ع) فأيكم يأخذ عائشة في سهمه؟ فقال قوم إن عائشة تصان لرسول الله (ص) فنحن لا نغنمها و نغنم من ليس سبيله من رسول الله (ص) سبيلها قال فلم يجبهم إلى شي‏ء من ذلك فقال له عبد الله بن وهب الراسبي أ ليس قد جاز أن يقتل كل من حارب مع عائشة و لا تقتل عائشة؟ قال بلى قد جاز ذلك و أحله الله عز و جل فقال له عبد الله بن وهب فلم ما جاز أن نغنم غير عائشة ممن حاربنا و يكون غنيمة عائشة غير حلال لنا فيما تدفعنا عن حقنا فأمسك (ع) عن جوابه‏

فكان‏

156

هذا أول شي‏ء حقدته الشراة على علي عليه الصلاة و السلام قلنا ليس يشنع أمير المؤمنين (ع) و يعترضه في الأحكام إلا من قد أعمى الله قلبه و أضله عن رشده لأنه المعصوم الموفق المسدد على ما دلت عليه الأدلة الواضحة ثم لو لم يكن كذلك و كان على ما يعتقده المخالفون أ ليس هو الذي شهد له الرسول (ص) بأنه (ع) أقضى الأمة و أعرفها بأحكام الشريعة و هو الذي شهد (ص) له بأن الحق معه يدور كيف ما دار فينبغي لمن جهل وجه شي‏ء فعله (ع) أن يعود على نفسه باللوم و يقر عليها بالعجز و النقص و يعلم أن ذلك موافق للصواب و السداد و إن جهل وجهه و ضل عن علته و هذه جملة يغني التمسك بها عن كثير من التأويل و أمير المؤمنين (ع) لم يقاتل أهل القبلة إلا بعهد من الرسول (ص) و قد صرح (ع) في ذلك بكثير من كلامه الذي قد مضى حكاية بعضه و لم يسرفهم إلا بما عهده إليه من السيرة و ليس بمنكر أن يختلف أحكام المحاربين فيكون منهم من يقتل و يغنم و منهم من يقتل و لا يغنم لأن أحكام الكفار في الأصل مختلفة و مقاتلو أمير المؤمنين (ع) عندنا كفار لقتالهم له و إذا كان في الكفار من يقر على كفر و يؤخذ الجزية منه و منهم من لا يقر على كفره و لا يقعد عن محاربته إلى غير ذلك مما اختلفوا فيه من الأحكام جاز أن يكون أيضا فيهم من يغنم و من لا يغنم لأن الشرع لا ينكر فيه هذا الضرب من الاختلاف و قد روي أن مرتدا على عهد أبي بكر يعرف بعلانة ارتد فلم يعرض أبو بكر لماله و قالت امرأته إن يكن علانة ارتد فإنا لم نرتد و روي مثل ذلك في مرتد قتل في أيام عمر بن الخطاب فلم يعرض لماله و

روي‏

أن أمير المؤمنين (ع) قتل مستوردا العجلي و لم يعرض لميراثه‏

فالقتل و وجوبه ليس بأمارة على تناول المال و استباحته على أن الذي رواه النظام من القصة محرف معدول عن‏

157

الصواب‏

و الذي تظاهرت به الروايات و نقله أهل السير في هذا الباب من طرق مختلفة

أن أمير المؤمنين (ع) لما خطب بالبصرة و أجاب عن مسائل شتى سئل عنها و أخبر بملاحم و أشياء تكون بالبصرة قام إليه عمار بن ياسر رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين إن الناس يكثرون في أمر الفي‏ء و يقولون من قاتلنا فهو و ماله و ولده في النار و قام رجل من بكر بن وائل يقال له عباد بن قيس فقال يا أمير المؤمنين و الله ما قسمت بالسوية و لا عدلت في الرعية فقال (ع) و لم ذلك ويحك؟ قال لأنك قسمت ما في العسكر و تركت الأموال و النساء و الذرية فقال أمير المؤمنين (ع) يا أيها الناس من كانت به جراحة فيداوها بالسمن فقال عباد بن قيس جئنا نطلب غنائمنا فجاءنا بالترهات فقال عليه الصلاة و السلام إن كنت كاذبا فلا أماتك الله حتى يدركك غلام ثقيف فقال رجل يا أمير المؤمنين و من غلام ثقيف فقال رجل لا يدع لله حرمة إلا انتهكها قال له الرجل أ يموت أو يقتل؟ فقال أمير المؤمنين (ع) بل يقصمه قاصم الجبارين يخترق سريره لكثرة ما يحدث من بطنه يا أخا بكر أنت امرؤ ضعيف الرأي أ ما علمت أنا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير و أن الأموال كانت بينهم قبل الفرقة يقسم ما حواه عسكرهم و ما كان في دورهم فهو ميراث لذريتهم فإن عدى علينا أحد أخذناه بذنبه و إن كف عنا لم نحمل عليه ذنب غيره يا أخا بكر و الله لقد حكمت فيكم بحكم رسول الله (ص) في أهل مكة قسم ما حواه العسكر و لم يعرض لما سوى ذلك و إنما اقتفينا أثره حذو النعل بالنعل يا أخا بكر أ ما علمت أن دار الحرب يحل ما فيها و دار الهجرة محرم ما فيها إلا يحق مهلا مهلا رحمكم الله فإن أنتم أنكرتم ذلك علي فأيكم يأخذ أمه عائشة بسهمه قالوا يا أمير المؤمنين أصبت و أخطأنا و علمت و جهلنا أصاب الله بك الرشاد و السداد.

158

فأما قول النظام‏

إن هذا أول ما حقدته الشراة عليه فباطل لأن الشراة ما شكوا قط فيه (ع) و لا ارتابوا بشي‏ء من أفعاله قبل التحكيم الذي منه دخلت الشبهة عليهم و كيف يكون ذلك و هم الناصرون له بصفين و المجاهدون بين أيديه و السافكون دماءهم تحت رايته و حرب صفين كانت بعد الجمل بمدة طويلة فكيف يدعي أن الشك منهم في أمره كان ابتداؤه في حرب الجمل لو لا ضعف البصائر مسألة فإن قيل فما الوجه فيما

ذكره النظام من‏

أن ابن جرموز لما أتى أمير المؤمنين (ع) برأس الزبير و قد قتله بوادي السباع قال أمير المؤمنين (ع) و الله ما كان ابن صفية بجبان و لا لئيم لكن الحين و مصارع السوء فقال له ابن جرموز الجائزة يا أمير المؤمنين فقال (ع) سمعت النبي (ص) يقول بشر قاتل ابن صفية بالنار

فخرج ابن جرموز هو يقول شعرا

أتيت عليا برأس الزبير* * * و كنت أرجو به الزلفة

فبشر بالنار قبل العيان‏* * * فبئس البشارة و التحفة

فقلت له إن قتل الزبير* * * لو لا رضاك من الكلفة

فإن ترض ذاك فمنك الرضا* * * و إلا فدونك لي حلفة

و رب المحلين و المحرمين‏* * * و رب الجماعة و الألفة

لسيان عندي قتل الزبير* * * و ضرطة عنز بذي الجحفة

قال النظام و قد كان يجب على علي (ع) أن يقيده بالزبير و كان يجب على الزبير أن بان له أنه على خطاء أن يلحق بعلي (ع) فيجاهد معه الجواب أنه لا شبهة في أن الواجب على الزبير أن يعدل إلى أمير المؤمنين (ع) و ينحاز إليه و يبذل نصرته لا سيما إذا كان رجوعه على طريق التوبة و الإنابة و من أظهر ما أظهر من المباينة و المحاربة إذا تاب و تبين خطاؤه يجب عليه أن يظهر ضد ما كان أظهره لا سيما و أمير المؤمنين (ع) في تلك الحال مصاف لعدوه و محتاج إلى نصرة من هو دون الزبير في الشجاعة و النجدة و ليس هذا موضع استقصاء ما يتصل بهذا

159

المعنى و قد ذكرناه في كتابنا الشافي المقدم ذكره.

فأما أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام‏

فإنما عدل أن يقتل ابن جرموز بالزبير لأحد أمرين إن كان ابن جرموز قتله غدرا و بعد أن أمنه أو قتله بعد أن ولى مدبرا و قد كان أمير المؤمنين (ع) أمر أصحابه أن لا يتبعوا مدبرا و لا يجهزوا على جريح فلما قتل ابن جرموز الزبير مدبرا كان بذلك عاصيا مخالفا لأمر إمامه (ع) فالسبب في أنه لم يقيده به أن أولياء الدم الذين هم أولاد الزبير لم يطالبوا بذلك و لا حكموا فيه و كان أكبرهم و المنظور إليه منهم عبد الله محاربا لأمير المؤمنين (ع) مجاهرا له بالعداوة و المشاقة فقد أبطل بذلك حقه لأنه لو أراد أن يطالب به لرجع عن الحرب و بايع و سلم ثم طالب بعد ذلك فانتصف له منه و إن كان الأمر الآخر و هو أن يكون ابن جرموز ما قتل الزبير إلا مبارزة بغير غدر و لا أمان نقدم على ما ذهب إليه قوم فلا يستحق بذلك قودا و لا مسألة هاهنا في القود فإن قيل على هذا الوجه ما معنى بشارته بالنار قلنا المعنى فيها الخبر عن عاقبة أمره لأن الثواب و العقاب إنما يحصلان على عواقب الأعمال و خواتيمها و ابن جرموز هذا خرج مع أهل النهر على أمير المؤمنين (ع) فقتل هناك فكان بذلك الخروج من أهل النار لا بقتل الزبير فإن قيل فأي فائدة لإضافة البشارة بالنار إلى قتل الزبير و قتله طاعة و قربة و إنما يجب أن يضاف البشارة بالنار إلى ما يستحق به النار قلنا عن هذا جوابان أحدهما أنه (ع) أراد التعريف و التنبيه و إنما يعرف الإنسان بالمشهور من أفعاله و الظاهر من أوصافه و ابن جرموز كان غفلا خاملا و كان فعله بالزبير من أشهر ما يعرف به مثله و هذا وجه في التعريف صحيح و الجواب الثاني أن قتل الزبير إذا

160

كان باستحقاق على وجه الصواب من أعظم الطاعات و أكبر القربات و من جرى على يده يظن به الفوز بالجنة فأراد (ع) أن يعلم الناس أن هذه الطاعة العظيمة التي يكثر ثوابها إذا لم تعقب بما يفسده غير نافعة لهذا القاتل و أنه سيأتي من فعله في المستقبل ما يستحق به النار فلا تظنوا به لما اتفق على يده من هذه الطاعة خيرا و هذا يجري مجرى أن يكون لأحدنا صاحب خصيص به خفيف في طاعته مشهور بنصيحته فيقول هذا المصحوب بعد برهة من الزمان لمن يريد إطرافه و تعجبه أ و ليس صاحبي فلان الذي كانت له من الحقوق كذا و كذا و بلغ من الاختصاص بي إلى منزلة كذا قتلته و أبحت حريمه و سلبت ماله و إن كان ذلك إنما استحقه بما تجدد منه في المستقبل و إنما عرف بالحسن من أعماله على سبيل التعجب و هذا واضح مسألة فإن قيل فما الوجه فيما عابه النظام به (ع) من الأحكام التي ادعى أنه خالف فيها جميع الأمة مثل بيع أمهات الأولاد و قطع يد السارق من أصول الأصابع و دفع السارق إلى الشهود و جلد الوليد بن عقبة أربعين سوطا في خلافة عثمان و جهره بتسمية الرجال في القنوت و قبوله شهادة الصبيان بعضهم على بعض و الله تعالى يقول‏ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ‏ و أخذه (ع) نصف دية الرجل من أولياء المرأة و أخذه نصف دية العين من المقتص من الأعور و تخليفه رجلا يصلي العيدين بالضعفاء في المسجد الأعظم و أنه (ع) أحرق رجلا أتى غلاما في دبره و أكثر ما أوجب على من فعل هذا الفعل الرجم و أنه (ع) أوتي بمال من مهور البغايا فقال (ع) ارفعوه حتى يجي‏ء عطاء غني و باهلة و قال النظام لم خص بهذا غنيا و باهلة فإن كانوا مؤمنين فمن عداهم من المؤمنين كهم في جواز تناول هذا المال و إن كانوا غير مؤمنين فكيف يأخذون العطاء مع المؤمنين قال و ذلك المال و إن كان من مهور البغايا أو لحوم الخنازير بعد أن يملكه الكفار ثم يبيحه‏

161

على المؤمنين فهو حلال طيب للمؤمن الجواب أنا قد بينا قبل هذا الموضع أنه لا يعترض على أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام في أحكام الشريعة و يطمع فيه في عثرة أو زلة إلا معاند لا يعرف قدره و من شهد له النبي (ص) بأنه أقضى الأمة و أن الحق معه كيف ما دار و ضرب بيده على صدره و قال اللهم اهد قلبه و ثبت لسانه لما بعثه إلى اليمن حتى قال أمير المؤمنين (ع) فما شككت في قضاء بين اثنين و قال فيه (ص) أنا مدينة العلم و علي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب لا يجوز أن يعرض أحكامه (ع) و لا يظن بها إلا الصحة و السداد و أعجب من هذا كله الطعن على هذه الأحكام و أشباهها بأنها خلاف الإجماع و أي إجماع ليت شعري يستقر و أمير المؤمنين (ع) خارج منه و لا أحد من الصحابة الذين لهم في الأحكام مذاهب و فتاو و قيام إلا و قد تفرد بشي‏ء لم يكن له عليه موافق و ما عد مذهبه خروجا عن الإجماع و لو لا التطويل لذكرنا شرح هذه الجملة و معرفتها و ظهورها يغنيان عن تكلف ذلك و لو كان للطعن على أمير المؤمنين (ع) في هذه الأحكام مجال و له وجه لكان أعداؤه من بني أمية و المتقربين إليهم من شيعتهم بذلك أخبر و إليه أسبق و كانوا يعيبونه عليه و يدخلونه في جملة مثالبهم و معايبهم التي تمحلوها و لما تركوا ذلك حتى يستدركه النظام بعد السنين الطويلة و في أضرابهم عن ذلك دليل على أنه لا مطعن بذلك و لا معاب و بعد فكل شي‏ء فعله أمير المؤمنين (ع) من هذه الأحكام و كان له مذهبا ففعله (ع) و اعتقاده إياه هو الحجة فيه و أكبر البرهان على صحته لقيام الأدلة على أنه (ع) لا يزل و لا يغلط و لا يحتاج إلى بيان وجوه زائدة على ما ذكرناه إلا على سبيل الاستظهار و التقرير على الخصوم و تسهيل طريق الحجة عليهم.

162

فأما بيع أمهات الأولاد

فلم يسر فيهن إلا بنص الكتاب و ظاهره قال الله تعالى‏ وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى‏ أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى‏ وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ‏ و لا شبهة في أن أم الولد يطؤها سيدها بملك اليمين لأنها ليست زوجة و لا هو عاد في وطئها إلى ما لا يحل و إذا كانت مملوكة متسرية بطل ما يدعونه من أن ولدها أعتقها و يبين ذلك أيضا أنه لا خلاف في أن لسيدها أن يعتقها و لو كان الولد قد أعتقها لم يصح ذلك لأن عتق المعتق محال و هذه الجملة توضح عن بطلان ما يروونه من أن ولدها أعتقها ثم يقال لهم أ ليس هذا الخبر لم يقتض أن لها جميع أحكام المعتقات لأنه لو اقتضى ذلك لما جاز أن يعتقها السيد و لا أن يطأها إلا بعقد و إنما اقتضى بعض أحكام المعتقات فلا بد من مزيل فيقال لهم فما أنكرتم من أن مخالفكم يمكنه أن يستعمله أيضا على سبيل التخصيص كما استعملتموه فنقول إنه لو أراد بيعها لم يجز إلا في دين و عند ضرورة و عند موت الولد فكأنها تجري مجرى المعتقات فيما لا يجوز بيعها فيه و إن لم تجر من كل وجه كما أجريتموها مجراهن في وجه دون آخر.

فأما قطع السارق من أصول الأصابع‏

فهو الحق الواضح الجلي لأن الله تعالى قال‏ وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما و اسم اليد يقع على جملة هذا العضو إلى المنكب و يقع أيضا عليه إلى المرافق و إلى الزند و إلى الأشاجع كل ذلك على سبيل الحقيقة و لهذا يقول أحدهم أدخلت يدي في الماء إلى أصول الأصابع و إلى الزند و إلى المرفق و إلى المنكب فيجعل كل ذلك غاية و قال الله تعالى‏ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ‏ و معلوم أن الكتابة تكون بالأصابع و لو يرى أحدنا قلما

163

فعقرت السكين أصابعه لقيل قطع يده و عقرها و نحو ذلك و قال الله تعالى في قصة يوسف (ع) فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ‏ و معلوم أنهن ما قطعن أكفهن إلى الزند بل على ما ذكرناه و إذا كان الأمر على ما ذكرناه و لم يجز أن يحمل اليد على كل ما تناولته هذه اللفظة حتى يقطع من الكتف على مذهب الخوارج لأن هذا باطل عند جميع الفقهاء وجب أن نحمله على أدنى ما تناوله و هو من أصول الأشاجع و القطع من الأصابع أولى بالحكمة و أرفق بالمقطوع لأنه إذا قطع من الزند فاته من المنافع أكثر مما يفوته إذا قطع من الأشاجع و قد

روي‏

أن علي بن أصمع [إصبع‏] سرق عيبة بسفوان فأتي به إلى أمير المؤمنين (ع) فقطعه من أشاجعه فقيل له يا أمير المؤمنين أ فلا من الرسغ فقال (ع) فعلى أي شي‏ء يتوكأ و بأي شي‏ء يستنجي‏

و مهما شككنا فإنا لا نشك في أن أمير المؤمنين (ع) كان أعلم باللغة العربية من النظام و من جميع الفقهاء و الذين خالفوه في القطع و أقرب إلى فهم ما نطق به القرآن و أن قوله (ع) حجة في العربية و قدوة و قد سمع الآية و عرف اللغة التي نزل بها القرآن فلم يذهب إلى ما ذهب إليه إلا عن خبرة و يقين.

فأما دفع السارق إلى الشهود

فلا أدري من أي وجه كان عيبا و هل دفعه إليهم ليقطعوه إلا كدفعه إلى غيرهم ممن يتولى ذلك منه و في هذا فضل استظهار عليهم و تهييب لهم من أن يكذبوا فيعظم عليهم تولي ذلك و مباشرته بنفوسهم و هذا نهاية الحزم و الاحتياط للدين.

فأما جلد الوليد بن عتبة أربعين سوطا

فإن المروي أنه (ع) جلده بتسعة لها رأسان فكان الحد ثمانين كاملا و هذا مأخوذ من قوله تعالى‏ وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لا تَحْنَثْ‏.

164

و أما الجهر بتسمية الرجال في القنوت‏

فقد سبقه (ع) إلى ذلك رسول الله (ص) و تظاهرت الرواية بأنه (ص) كان يقنت في صلاة الصبح و يلعن قوما من أعدائه بأسمائهم فمن عاب ذلك أو طعن به فقد طعن على أصل الإسلام و قدح في الرسول ص.

و أما قبول شهادة الصبيان‏

فالاحتياط للدين يقتضيه و لم ينفرد أمير المؤمنين (ع) بذلك بل قد قال بقوله بعينه أو قريبا منه جماعة من الصحابة و التابعين روي عن عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان في شهادة الصبي يشهد بعد كبره و العبد بعد عتقه و النصراني بعد إسلامه أنها جائزة و هذا قول جماعة من الفقهاء المتأخرين كالثوري و أبي حنيفة و أصحابه و روى مالك بن أنس عن هشام بن عروة أن عبد الله بن الزبير كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح و روي عن هشام بن عروة أنه قال سمعت أبي يقول يجوز شهادة الصبيان بعضهم على بعض يؤخذ بأول قولهم و روي عن مالك بن أنس أنه قال المجمع عليه عندنا يعني أهل المدينة أن شهادة الصبيان تجوز فيما بينهم من الجراح و لا تجوز على غيرهم إذا كان ذلك قبل أن يتفرقوا و يجيئوا و يعلموا فإن تفرقوا فلا شهادة لهم إلا أن يكونوا قد أشهدوا عدولا على شهادتهم قبل أن يتفرقوا و يوشك أن يكون الوجه في الأخذ بأوائل أقوالهم لأن من عادة الصبي و سجيته إذا أخبر بالبديهة أن يذكر الحق الذي عاينه و لا يتعمل لتحريفه و ليس جميع الشهادات تراعى فيها العدالة و جماعة من العلماء قد أجازوا شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر إذا لم يوجد مسلم و تأولوا لذلك قول الله عز و جل‏ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ‏ و قد أجازوا أيضا شهادة النساء وحدهن فيما لا يجوز أن ينظر إليه الرجال و قبلوا شهادة القابلة و إنما أردنا بذكر

165

قبول شهادة النساء أن قوله تعالى‏ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ‏ مخصوص غير عام في جميع الشهادات أ لا ترى أن ذلك غير مانع من قبول اليمين مع شهادة الواحد و بعد فليس قوله تعالى‏ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ‏ بمقتض غير الأمر بالشهادة على هذا الوجه و ليس بمانع من قبول شهادة غير العدلين و لا تعلق له بأحكام قبول الشهادات.

فأما أخذ نصف الدية من أولياء المرأة

إذا أرادوا قتل الرجل بها فهو الصحيح الواضح الذي لا يجوز خلافه لأن دية الرجل عشرة آلاف درهم و دية المرأة نصفها فإذا أراد أولياء المرأة قتل الرجل فإنما يقتلون نفسا ديتها الضعف من دية مقتولهم فلا بد إذا اختاروا ذلك من رد فضل القيمتين و لهذا لو أرادوا أخذ الدية لم يأخذوا أكثر من خمسة آلاف درهم و هكذا القول في أخذ نصف الدية من المقتص من الأعور لأن دية عين الأعور عشرة آلاف درهم و دية إحدى عيني الصحيح خمسة آلاف فلا بد من الرجوع بالفضل على ما ذكرناه و ما أدري من أي وجه تطرق العيب في تخليفه (ع) رجلا يصلي العيدين بالضعفاء في المسجد الأعظم و ذلك من رأفته (ع) بالضعفاء و رفقه بهم و توصله إلى أن يحفظوا بفضل هذه الصلاة من غير تحمل مشقة الخروج إلى المصلى.

فأما ما حكاه من إحراقه اللوطي‏

فالمعروف أنه (ع) ألقى على الفاعل و المفعول به لما رآهما الجدار و لو صح الإحراق لم ينكر أن يكون ذلك الشي‏ء عرفه من الرسول (ص) و قد روى فهد بن سليمان عن القاسم بن أمية العدوي عن عمر بن أبي حفص مولى الزبير عن شريك عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة أن أبا بكر أتي برجل ينكح فأمر به فضربت عنقه‏

166

ثم أمر به فأحرق و لعل أمير المؤمنين (ع) أحرقه بالنار بعد القتل بالسيف كما فعل أبو بكر و ليس ما روى من الإحراق بمانع من أن يكون القتل متقدما له و قد روي قتل المتلوطين من طرق مختلفة عن الرسول (ص) و كذلك روي رجمهما

روى داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله ص‏

: اقتلوا الفاعل و المفعول به-

و روى عبد العزيز عن ابن جريح عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ص‏

: مثل ذلك‏

و عن عمر بن أبي عمير عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله (ص) قال‏

: فيمن يوجد يعمل عمل قوم لوط مثل ذلك‏

روى أبو هريرة عن النبي (ص) قال‏

: الذي يعمل عمل قوم لوط ارجموا الأعلى و الأسفل ارجموهما جميعا

و سئل ابن عباس ما حد اللوطي فقال ينظر إلى أرفع بناء في القرية فيرمى به منكسا ثم يتبع بالحجارة

و روي أن عثمان أشرف على الناس يوم الدار فقال أ لم تعلموا أنه لا يحل دم امرئ مسلم إلا أربعة رجل قتل فقتل و رجل زنى بعد أن أحصن و رجل ارتد بعد إسلام و رجل عمل عمل قوم لوط فلا شبهة على ما ترى في قتل اللوطي و لا ريب في وجوب ذلك عليه و كيف يتهم بحيف في حد يقيمه من يتحرى فيما يخصه هذا التحري المشهور

فيقول (ع)

لما ضربه اللعين ابن ملجم أحسنوا أسره فإن عشت فأنا ولي دمي و إن مت فضربه بضربة و لا تمثلوا بالرجل فإن رسول الله (ص) نهى عن المثلة و لو بالكلب العقور

فمن ينهى عن التمثيل بقاتله مع الغيظ الذي يجده الإنسان على ظالمه و ميله إلى الاستيفاء و الانتقام كيف يمثل بمن لا تره بينه و بينه و لا حسكة له في قلبه و هذا ما لا يظنه بمثله (ع) إلا مئوف العقل.

167

فأما حبسه (ع) المال المكتسب من مهور البغايا على غني و باهلة

فله إن كان صحيحا وجه واضح و هو أن ذلك المال دني الأصل خسيس السبب و مثله ما ينزه عنه ذو الأقدار من جلة المؤمنين و وجوه المسلمين و إن كان حلالا طلقا فليس كل حلال يتساوى الناس في التصرف فيه فإن من المكاسب و المهن و الحرف ما يحل و يطيب و يتنزه ذوو المروات و الأقدار عنها و قد فعل النبي (ص) نظير ما فعله أمير المؤمنين (ع) فإنه‏

روي عنه‏

أنه (ص) نهى عن كسب الحجام‏

فلما روجع فيه أمر المراجع له أن يطعمه رقيقه و يعلفه ناضحه و إنما قصد (ص) إلى الوجه الذي ذكرناه من التنزيه و إن كان ذلك الكسب حلالا طلقا و هاتان القبيلتان معروفتان بالدناءة و لؤم الأصل مطعون عليهما في ديانتهما أيضا فخصهما بالكسب اللئيم و عوض من له في ذلك المال سهم من الجلة و الوجوه من غير ذلك المال و هذا واضح لمن تدبره مسألة فإن قيل أ ليس‏

قد روي‏

أن أمير المؤمنين (ع) خطب بنت أبي جهل بن هشام في حياة الرسول (ص) حتى بلغ ذلك فاطمة (ع) و شكته إلى النبي (ص) فقام على المنبر قائلا إن عليا (ع) آذاني يخطب بنت أبي جهل بن هشام ليجمع بينها و بين فاطمة و لن يستقيم الجمع بين بنت ولي الله و بين بنت عدوه أ ما علمتم معشر الناس أن من آذى فاطمة فقد آذاني و من آذاني فقد آذى الله تعالى‏

فما الوجه في ذلك الجواب قلنا هذا خبر باطل موضوع غير معروف و لا ثابت عند أهل النقل و إنما ذكره الكرابيسي طاعنا به على أمير المؤمنين (ص) و معارضا بذكره لبعض ما يذكره شيعته من الأخبار في أعدائه و هيهات أن يشبه الحق بالباطل و لو لم يكن في ضعفه إلا رواية

168

الكرابيسي له و اعتماده عليه و هو من العداوة لأهل البيت (ع) و المناصبة لهم و الإزراء على فضائلهم و مآثرهم على ما هو مشهور لكفى على أن هذا الخبر قد تضمن ما يشهد ببطلانه و يقضي على كذبه من حيث ادعى فيه أن النبي (ص) ذم هذا الفعل و خطب بإنكاره على المنابر و معلوم أن أمير المؤمنين (ع) لو كان فعل على ما حكى لما كان فاعلا لمحظور في الشريعة لأن نكاح الأربع حلال على لسان نبينا محمد (ص) و المباح لا ينكره الرسول (ص) و يصرح بذمه و بأنه متأذ به و قد رفعه الله عن هذه المنزلة و أعلاه عن كل منقصة و مذمة و لو كان (ع) نافرا من الجمع بين بنته و بين غيرها بالطباع التي تنفر من الحسن و القبيح لما جاز أن ينكره بلسانه ثم ما جاز أن يبالغ في الإنكار و يعلن به على المنابر و فوق رءوس الأشهاد و لو بلغ من إيلامه لقلبه كل مبلغ فما هو اختص به (ع) من الحلم و الكظم و وصفه الله به من جميل الأخلاق و كريم الآداب ينافي ذلك و يحيله و يمنع من إضافته إليه و تصديقه عليه و أكثر ما يفعله مثله (ع) في هذا الأمر إذا ثقل عليه أن يعاتب سرا و يتكلم في العدول عنه خفيا على وجه جميل و بقول لطيف و هذا المأمون الذي لا قياس بينه و بين الرسول (ص) و قد

أنكح أبا جعفر محمد بن علي (ع) بنته و نقلها معه إلى مدينة الرسول (ص) لما ورد كتابها عليه تذكر أنه قد تزوج عليها أو تسرى يقول مجيبا لها و منكرا عليها إنا ما أنكحناه لنحظر عليه ما أباحه الله تعالى‏

و المأمون أولى بالامتعاض من غيره بنته و حاله أجمل للمنع من هذا الباب و الإنكار له فو الله إن الطعن على النبي (ص) بما تضمنه هذا الخبر الخبيث أعظم من الطعن على أمير المؤمنين (ع) و ما صنع هذا الخبر إلا ملحد قاصد للطعن عليهما أو ناصب معاند لا يبالي أن يشفي غيظه بما يرجع على أصوله بالقدح و الهدم على أنه لا خلاف بين أهل النقل‏

169

أن الله تعالى هو الذي اختار أمير المؤمنين (ع) لنكاح سيدة النساء (صلوات الله و سلامه عليها) و أن النبي (ص) رد عنها جلة أصحابه و قد خطبوها و قال (ص) إني لم أزوج فاطمة عليا (ع) حتى زوجها الله إياه في سمائه و نحن نعلم أن الله سبحانه لا يختار لها من بين الخلائق من يغيرها و يؤذيها و يغمها فإن ذلك من أدل دليل على كذب الراوي لهذا الخبر و بعد فإن الشي‏ء إنما يحمل على نظائره و يلحق بأمثاله و قد علم كل من سمع الأخبار أنه لم يعهد من أمير المؤمنين (ع) خلاف على الرسول (ص) و لا كان قط بحيث يكره على اختلاف الأحوال و تقلب الأزمان و طول الصحبة و لا عاتبه (ع) على شي‏ء من أفعاله مع أن أحدا من أصحابه لم يخل من عتاب على هفوة و نكير لأجل زلة فكيف خرق بهذا الفعل عادته و فارق سجيته و سنته لو لا تخرص الأعداء و تعديهم و بعد فأين كان أعداؤه (ع) من بني أمية و شيعتهم عن هذه الفرصة المنتهزة و كيف لم يجعلوها عنوانا لما يتخرصونه من العيوب و القروف و كيف تمحلوا الكذب و عدلوا عن الحق و في علمنا بأن أحدا من الأعداء متقدما لم يذكر ذلك دليل على أنه باطل موضوع‏

أبو محمد الحسن بن علي ع‏

مسألة فإن قال قائل ما العذر له في خلع نفسه من الإمامة و تسليمها إلى معاوية مع ظهور فجوره و بعده عن أسباب الإمامة و تعريه من صفات مستحقها ثم في بيعته و أخذ عطائه و صلاته و إظهار موالاته و القول بإمامته هذا مع وفور أنصاره و اجتماع أصحابه و متابعة من كان يبذل عنه دمه و ماله حتى سموه مذل المؤمنين و عاتبوه في وجهه (ع) الجواب قلنا قد ثبت أنه عليه الصلاة و السلام الإمام المعصوم المؤيد الموفق بالحجج الظاهرة و الأدلة القاهرة فلا بد من التسليم لجميع أفعاله و حملها على الصحة

170

و إن كان فيها ما لا يعرف وجهه على التفضيل أو كان له ظاهر ربما نفرت النفوس عنه و قد مضى تلخيص هذه الجملة و تقريرها في مواضع من كتابنا هذا و بعد فإن الذي جرى منه (ع) كان السبب فيه ظاهرا و الحامل عليه بينا جليا أن المجتمعين له من الأصحاب و إن كانوا كثيري العدد و قد كانت قلوب أكثرهم دغلة بعلة غير صافية و قد كانوا صبوا إلي دنيا معاوية و أمراحه من أحب في الأموال من غير مراقبة و لا مساترة فأظهروا له (ع) النصرة و حملوه على المحاربة و الاستعداد لها طمعا في أن يورطوه و يسلموه و أحس (ع) بهذا منهم قبل التولج و التلبس فتخلى من الأمر و تحرز من المكيدة التي كادت تتم عليه في سعة من الوقت و قد صرح بهذه الجملة و بكثير من تفصيلها في مواقف كثيرة و بألفاظ مختلفة و قال إنما هادنت حقنا للدماء و صيانتها و إشفاقا على نفسي و أهلي و المخلصين من أصحابي فكيف لا يخاف أصحابه و يتهمهم على نفسه و أهله و هو (ع) لما كتب إلى معاوية يعلمه أن الناس قد بايعوه بعد أبيه (ع) و يدعوه إلى طاعته فأجابه معاوية (لعنه الله) بالجواب المعروف التضمن للمعاطفة منه و المواربة و قال له فيه لو كنت أعلم أنك أقوم بالأمر و أضبط للناس و أكيد للعدو و أقوى على جميع الأهوال [الأحوال‏] مني لبايعتك لأني أراك لكل خير أهلا و قال في كتابه إن أمري و أمرك شبيه بأمر أبي بكر و أمركم بعد وفاة رسول الله (ص) دعاه ذلك إلى أن خطب بأصحابه بالكوفة يحثهم على الجهاد و يعرفهم فضله و ما في الصبر عليه من الأجر و أمرهم أن يخرجوا إلى معسكرهم فما أجابه أحد فقال لهم عدي بن حاتم سبحان الله أ لا تجيبون إمامكم أين خطباء المصر فقام قيس بن سعد و فلان و فلان فبذلوا الجهاد و أحسنوا القول و نحن نعلم أن من ظن بكلامه أولى بأن يظن بفعاله أ و ليس أحدهم قد جلس له في مظلم ساباط و طعنه بمعول‏

171

كان معه أصاب فخذه فشقه حتى وصل إلى العظم و انتزع من يده و حمل (ع) إلى المدائن و عليها سعيد بن مسعود عم المختار و كان أمير المؤمنين (ع) ولاه إياها فأدخل منزله فأشار المختار على عمه أن يوثقه و يسير به إلى معاوية على أن يطعمه خراج جوخي سنة فأبى عليه و قال للمختار قبح الله رأيك و أنا عامل أبيه (ع) و قد ائتمنني و شرفني و هبني نسيت بلاء أبيه أنسى رسول الله (ص) و لا أحفظه في ابن بنته و حبيبه ثم إن سعيد بن مسعود أتاه (ع) بطبيب و قام عليه حتى برئ و حوله إلى بعض المدائن فمن ذا الذي يرجو السلامة بالمقام بين أظهر هؤلاء القوم فضلا عن النصرة و المعونة و قد

أجاب (ع) حجر بن عدي الكندي لما قال له سودت وجوه المؤمنين فقال (ع) ما كل أحد يحب ما تحب و لا رأيه كرأيك و إنما فعلت ما فعلت إبقاء عليكم-

و

روى ابن عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف عن أبي الكنود عبد الرحمن بن عبيد قال‏

: لما بايع الحسن (ع) معاوية أقبلت الشيعة تتلاقى بإظهار الأسف و الحسرة على ترك القتال فخرجوا إليه بعد سنتين من يوم بايع معاوية فقال له (ع) سليمان بن صرد الخزاعي ما ينقضي تعجبنا من بيعتك معاوية و معك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة كلهم يأخذ العطاء و هم على أبواب منازلهم و معهم مثلهم من أبنائهم و أتباعهم سوى شيعتك من أهل البصرة و الحجاز ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العقد و لا حظا من العطية فلو كنت إذ فعلت ما فعلت أشهدت على معاوية وجوه أهل المشرق و المغرب و كتبت عليه كتابا بأن الأمر لك بعده كان الأمر علينا أيسر و لكنه أعطاك شيئا بينك و بينه ثم لم يف به ثم لم يلبث أن قال على رءوس الأشهاد إني كنت شرطت شروطا و وعدت عداة إرادة لإطفاء نار الحرب و مداراة لقطع الفتنة فأما إذا جمع الله لنا الكلمة و الألفة فإن ذلك تحت قدمي و الله ما عنى بذلك غيرك و لا أراد

172

بذلك إلا ما كان بينه و بينك و قد نقض فإذا شئت فأعد للحرب عدة و أذن لي في تقدمك إلى الكوفة فأخرج عنها عاملها و أظهر خلعه و ننبذ إليه‏

عَلى‏ سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ‏

و تكلم الباقون بمثل كلام سليمان فقال الحسن عليه الصلاة و السلام أنتم شيعتنا و أهل مودتنا و لو كنت بالحزم في أمر الدنيا أعمل و لسلطانها أربض [أركض‏] و أنصب ما كان معاوية بأشد مني بأسا و لا أشد شكيمة و لا أمضى عزيمة و لكني أرى غير ما رأيتم و لا أردت بما فعلت إلا حقن الدماء فارضوا بقضاء الله و سلموا لأمره و الزموا بيوتكم و أمسكوا أو قال‏

كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ‏

حتى يستريح برا و يستراح من فاجر

و هذا كلام منه (ع) يشفي الصدور و يذهب بكل شبهة

و قد روي‏

أنه (ع) لما طالبه معاوية بأن يتكلم على الناس و يعلمهم ما عنده في هذا الباب قام (ع) فحمد الله و أثنى عليه ثم قال إن أكيس الكيس التقى و أحمق الحمق الفجور أيها الناس إنكم لو طلبتم ما بين جابلق و جابلس رجلا جده رسول الله (ص) ما وجدتموه غيري و غير أخي الحسين (ع) و إن الله قد هداكم بأولنا محمد (ص) و إن معاوية نازعني حقا هو لي فتركته لصلاح الأمة و حقن دمائها و قد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت و قد رأيت أن أسالمه و قد رأيت أن ما حقن الدماء خير مما سفكها و أردت صلاحكم و أن يكون ما صنعت حجة على من كان يتمنى هذا الأمر

وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ‏

و كلامه (ع) في هذا الباب الذي يصرح في جميعه بأنه مغلوب مقهور ملجأ إلى التسليم دافع بالمسالمة الضرر العظيم عن الدين و المسلمين أشهر من الشمس و أجلى من الصبح.

فأما قول السائل إنه خلع نفسه من الإمامة

فمعاذ الله لأن الإمامة بعد حصولها للإمام لا تخرج عنه بقوله‏

173

و عند أكثر مخالفينا أيضا في الإمامة أن خلع الإمام نفسه لا يؤثر في خروجه من الإمامة و إنما ينخلع من الإمامة عندهم و هو حي بالأحداث و الكبائر و لو كان خلعه نفسه مؤثرا لكان إنما يؤثر إذا وقع اختيارا فأما مع الإلجاء و الإكراه فلا تأثير له لو كان مؤثرا في موضع من المواضع و لم يسلم أيضا الأمر إلى معاوية بل كف عن المحاربة و المغالبة لفقدان الأعوان و إعواز النصار و تلافي الفتنة على ما ذكرناه فتغلب عليه معاوية بالقهر و السلطان مع أنه كان متغلبا على أكثره و لو أظهر (ع) التسليم قولا لما كان فيه شي‏ء إذا كان عن إكراه و اضطهاد.

و أما البيعة

فإن أريد بها الصفقة و إظهار الرضا و الكف عن المنازعة فقد كان ذلك لكنا قد بينا جهة وقوعه و الأسباب المحوجة إليه و لا حجة في ذلك (ع) كما لم يكن في مثله حجة على أبيه (ع) لما بايع المتقدمين عليه و كف عن نزاعهم و أمسك عن خلافهم و إن أريد بالبيعة الرضا و طيب النفس فالحال شاهدة بخلاف ذلك و كلامه المشهور كله يدل على أنه (ع) أحوج و أخرج و أن الأمر له و هو (ع) أحق الناس به و إنما كف عن المنازعة فيه للغلبة و القهر و الخوف على الدين و المسلمين.

و أما أخذ العطاء

فقد بينا في هذا الكتاب عند الكلام فيما فعله أمير المؤمنين (ع) من ذلك أن أخذه من يد الجائر الظالم المتغلب جائز و أنه لا لوم فيه على الأخذ و لا حرج.

و أما أخذ الصلات‏

فسائغ بل واجب لأن كل مال في يد الجائر المتغلب على أمر الأمة يجب على الإمام و على جميع المسلمين انتزاعه من يده كيف ما أمكن بالطوع أو الإكراه و وضعه في مواضعه فإذا لم يتمكن‏

174

ع من انتزاع جميع ما في يد معاوية من أموال الله تعالى و أخرج هو شيئا منها إليه على سبيل الصلة فواجب عليه أن يتناوله من يده و يأخذ منه حقه و يقسمه على مستحقه لأن التصرف في ذلك المال بحق الولاية عليه لم يكن في تلك الحال إلا له (ع) و ليس لأحد أن يقول إن الصلات التي كان يقبلها من معاوية إنما كان ينفقها على نفسه و عياله و لا يخرجها إلى غيره و ذلك أن هذا مما لا يمكن أحد أن يدعي العلم به و القطع عليه و لا شك أنه (ع) كان ينفق منها لأن فيها حقه و حق عياله و أهله و لا بد من أن يكون قد أخرج منها إلى المستحقين حقوقهم و كيف يظهر ذلك و هو (ع) كان قاصدا إلى إخفائه و ستره لمكان التقية و المحوج إليه إلى قبول تلك الأموال على سبيل الصلة هو المحوج له إلى ستر إخراجها و إخراج بعضها إلى مستحقها من المسلمين و قد كان (ع) يتصدق بكثير من أمواله و يواسي الفقراء و يصل المحتاجين إليه و لعل في جملة ذلك هذه الحقوق.

فأما إظهاره (ع) موالاته‏

فما أظهر (ع) من ذلك شيئا كما لم يبطنه و كلامه فيه بمشهد معاوية و مغيبه معروف ظاهر يشهد بذم معاوية و معايبه و لو فعل ذلك خوفا و استصلاحا و تلافيا للشر العظيم لكان واجبا فقد فعل أبوه (ع) مثله مع المتقدمين عليه و أعجب من هذا كله دعوى القول بإمامته و معلوم ضرورة منه (ع) خلاف ذلك و أنه (ع) كان يعتقد و يصرح بأن معاوية لا يصلح أن يكون بعض ولاة الإمام و لا تباعه فضلا عن الإمامة نفسها و ليس يظن مثل هذه الأمور إلا عامي حشوي قد قعد به التقليد و ما سبق إلى اعتياده من تصويب القوم كلهم عن المتأمل و سماع الأخبار المأثورة في هذا الباب فهو لا يسمع إلا ما يوافقه و إذا سمع لم يصدق إلا بما أعجبه‏ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ‏

175

أبو عبد الله الحسين بن علي (ع)

مسألة فإن قيل ما العذر في خروجه (ع) من مكة بأهله و عياله إلى الكوفة و المستولي عليها أعداؤه و المتأمر فيها من قبل يزيد اللعين منبسط الأمر و النهي و قد رأى (ع) صنع أهل الكوفة بأبيه و أخيه و أنهم غدارون خوانون و كيف خالف ظنه ظن جميع أصحابه في الخروج و ابن عباس يشير بالعدول عن الخروج و يقطع على العطب فيه و ابن عمر لما ودعه (ع) يقول أستودعك الله من قتيل إلى غير ما ذكرناه ممن تكلم في هذا الباب ثم لما علم بقتل مسلم بن عقيل (ع) و قد أنفذه رائدا له كيف لم يرجع لما علم الغرور من القوم و تفطن بالحيلة و المكيدة ثم كيف استجاز أن يحارب بنفر قليل لجموع عظيمة خلفها مواد لها ثم لما عرض ابن زياد اللعين الأمان و أن يبايع يزيد لعنه الله تعالى كيف لم يستجب حقنا لدمه و دماء من معه من أهله و شيعته و مواليه و لم ألقى بيده إلى التهلكة و بدون هذا الخوف سلم أخوه الحسن (ع) الأمر إلى معاوية فكيف يجمع بين فعليهما بالصحة الجواب قلنا قد علمنا أن الإمام متى غلب في ظنه أنه يصل إلى حقه و القيام بما فوض إليه بضرب من الفعل وجب عليه ذلك و إن كان فيه ضرب من المشقة يتحمل مثلها تحملها و سيدنا أبو عبد الله (ع) لم يسر طالبا للكوفة إلا بعد توثق من القوم و عهود و عقود و بعد أن كاتبوه (ع) طائعين غير مكرهين و مبتدءين غير مجيبين و قد كانت المكاتبة من وجوه أهل الكوفة و أشرافها و قرائها تقدمت إليه (ع) في أيام معاوية و بعد الصلح الواقع بينه و بين الحسن (ع) فدفعهم و قال في الجواب ما وجب ثم كاتبوه بعد وفاة الحسن (ع) و معاوية باق فوعدهم و مناهم و كانت أياما صعبة لا يطمع في مثلها فلما مضى معاوية عادوا المكاتبة و بذلوا الطاعة و كرروا

176

الطلب و الرغبة و رأى (ع) من قوتهم على من كان يليهم في الحال من قبل يزيد اللعين و تشحنهم عليه و ضعفه عنهم ما قوى في ظنه أن المسير هو الواجب تعين عليه ما فعله من الاجتهاد و التسبب و لم يكن في حسابه أن القوم يغدر بعضهم و يضعف أهل الحق عن نصرته و يتفق ما اتفق من الأمور الغريبة فإن مسلم بن عقيل رحمة الله عليه لما دخل الكوفة أخذ البيعة على أكثر أهلها و لما وردها عبيد الله بن زياد لعنة الله عليه و قد سمع بخبر مسلم و دخوله الكوفة و حصوله في دار هاني بن عروة المرادي رحمة الله عليه على ما شرح في السيرة و حصل شريك بن الأعور بها جاءه ابن زياد عائدا و قد كان شريك وافق مسلم بن عقيل على قتل ابن زياد اللعين عند حضوره لعيادة شريك و أمكنه ذلك و تيسر له فما فعل و اعتذر بعد فوت الأمر إلى شريك بأن ذلك فتك‏

و أن النبي (ص) قال‏

إن الإيمان قيد الفتك‏

و لو كان فعل مسلم بن عقيل بابن زياد ما تمكن منه و وافقه شريك عليه لبطل الأمر و دخل الحسين (ع) الكوفة غير مدافع عنها و حسر كل أحد قناعة في نصرته و اجتمع له من كان في قلبه نصرته و ظاهره مع أعدائه و قد كان مسلم بن عقيل أيضا لما حبس ابن زياد هانيا سار إليه في جماعة من أهل الكوفة حتى حصره في قصره و أخذ يكظمه و أغلق ابن زياد الأبواب دونه خوفا و جبنا حتى بث الناس في كل وجه يرغبون الناس و يرهبونهم و يخذلونهم عن ابن عقيل فتقاعدوا عنه و تفرق أكثرهم حتى أمسى في شرذمة ثم انصرف و كان من أمره ما كان و إنما أردنا بذكر هذه الجملة أن أسباب الظفر بالأعداء كانت لائحة متوجهة و أن الاتفاق عكس الأمر و قلبه حتى تم فيه ما تم و قد هم سيدنا أبو عبد الله (ع) لما عرف بقتل مسلم بن عقيل و أشير عليه بالعود فوثب إليه (ع) بنو عقيل و قالوا و الله لا ننصرف حتى تدرك ثارنا أو نذوق ما ذاق أبونا فقال (ع) لا خير في العيش بعد

177

هؤلاء ثم لحقه الحر بن يزيد و من معه من الرجال الذين أنفذهم ابن زياد اللعين و منعه من الانصراف و سامه أن يقدمه على ابن زياد اللعين نازلا على حكمه فامتنع و لما رأى أن لا سبيل له إلى العود و لا إلى دخول الكوفة سلك طريق الشام سائرا نحو يزيد بن معاوية اللعين لعلمه (ع) بأنه على ما به أرأف من ابن زياد لعنه الله و أصحابه فسار (ع) حتى قدم عليه عمر بن سعد لعنة الله عليه في العسكر العظيم و كان من أمره ما قد ذكر و سطر فكيف يقال إنه (ع) ألقى بيده إلى التهلكة

و قد روي‏

أنه (صلوات الله و سلامه عليه و آله) قال لعمر بن سعد اللعين-: اختاروا مني إما الرجوع إلى المكان الذي أقبلت منه أو أن أضع يدي في يد يزيد فهو ابن عمي ليرى في رأيه و إما أن تسيروني إلى ثغر من ثغور المسلمين فأكون رجلا من أهله لي ما له و علي ما عليه‏

و أن عمر كتب إلى عبيد الله بن زياد اللعين بما سئل فأبى عليه و كاتبه بالمناجزة و تمثل بالبيت المعروف و هو

الآن قد علقت مخالبنا به‏* * * يرجو النجاة وَ لاتَ حِينَ مَناصٍ‏

فلما رأى (ع) إقدام القوم عليه و أن الدين منبوذ وراء ظهورهم و علم أنه إن دخل تحت حكم ابن زياد اللعين تعجل الذل و العار و آل أمره من بعد إلى القتل التجأ إلى المحاربة و المدافعة بنفسه و أهله و من صبر من شيعته و وهب دمه له و وقاه بنفسه و كان بين إحدى الحسنيين إما الظفر فربما ظفر الضعيف القليل أو الشهادة و الميتة الكريمة.

و أما مخالفة ظنه (ع) لظن جميع من أشار عليه من النصحاء كابن عباس و غيره‏

فالظنون إنما تغلب بحسب الأمارات و قد تقوى عند واحد و تضعف عند آخر و لعل ابن عباس لم يقف على ما كوتب به من الكوفة و ما تردد في ذلك من المكاتبات و المراسلات و العهود و المواثيق و هذه أمور تختلف أحوال الناس فيها و لا يمكن الإشارة إلا إلى جملتها دون تفصيلها.

178

فأما السبب في أنه (ع) لم يعد بعد قتل مسلم بن عقيل‏

فقد بينا و ذكرنا أن الرواية وردت بأنه (ع) هم بذلك فمنع منه و حيل بينه و بينه.

فأما محاربة الكثير بالنفر القليل‏

فقد بينا أن الضرورة دعت إليها و أن الدين و الحزم ما اقتضى في تلك الحال إلا ما فعله و لم يبذل ابن زياد اللعين من الأمان ما يوثق بمثله و إنما أراد إذلاله (ع) و النقص من قدره بالنزول تحت حكمه ثم يفضي الأمر بعد الذل إلى ما جرى من إتلاف النفس و لو أراد به (ع) الخير على وجه لا يلحقه فيه تبعه من الطاغية يزيد اللعين لكان قد مكنه من التوجه نحوه و استظهر عليه بمن ينفذه معه لكن الترات البدرية و الأحقاد الوثنية ظهرت في هذه الأحوال و ليس يمتنع أن يكون (ع) من تلك الأحوال مجوزا أن يفي‏ء إليه قوم ممن بايعه و عاهده و قعد عنه و يحملهم ما يكون من صبره و استسلامه و قلة ناصره على الرجوع إلى الحق دينا أو حمية فقد فعل ذلك نفر منهم حتى قتلوا بين يديه شهداء و مثل هذا يطمع فيه و يتوقع في أحوال الشدة.

فأما الجمع بين فعله (ع) و فعل أخيه الحسن (ع)

فواضح صحيح لأن أخاه (ع) سلم كفا للفتنة و خوفا على نفسه و أهله و شيعته و إحساسا بالغدر من أصحابه و هذا لما قوي (ع) في ظنه النصرة ممن كاتبه توثق له و رأى من أسباب قوة نصار الحق و ضعف نصار الباطل ما وجب عليه الطلب و الخروج فلما انعكس ذلك و ظهرت أمارات الغدر فيه و سوء الاتفاق رام الرجوع و المكافة و التسليم كما فعل أخوه (ع) فمنع ذلك و حيل بينه و بينه فالحالان متفقان لأن التسليم و المكافة

179

عند ظهور أسباب الخوف لم يقبلا منه و لم يجب إلى الموادعة و طلب نفسه (ع) فمنع منها بجهده حتى مضى كريما إلى جنة الله و رضوانه و هذا واضح لمن تأمله و إذا كنا قد بينا عذر أمير المؤمنين (ع) في الكف عن نزاع من استولى على ما هو مردود إليه من أمر الأمة و أن الحزم و الصواب فيما فعله فذلك بعينه عذر لكل إمام من أبنائه (ع) في الكف عن طلب حقوقهم من الإمامة فلا وجه لتكرار ذلك في كل إمام من الأئمة (ع) و الوجه أن نتكلم على ما لم يمض الكلام على مثله‏

أبو الحسن علي بن موسى الرضا (ع)

إن قيل كيف تولى علي بن موسى الرضا (ع) العهد للمأمون و تلك جهة لا يستحق الإمامة منها أ و ليس هذا إيهاما فيما يتعلق بالدين؟ الجواب قلنا قد مضى من الكلام في سبب دخول أمير المؤمنين (ع) في الشورى ما هو أصل في هذا الباب و جملته أن ذا الحق له أن يتوصل إليه من كل جهة و بكل سبب لا سيما إذا كان يتعلق بذلك الحق تكليف عليه فإنه يصير واجبا عليه التوصل و التحمل و التصرف في الإمامة مما يستحقه الرضا (صلوات الله عليه و آله) بالنص من آبائه (ع) فإذا دفع عن ذلك و جعل إليه من وجه آخر أن يتصرف فيه وجب عليه أن يجيب إلى ذلك الوجه ليصل منه إلى حقه و ليس في هذا إيهام لأن الأدلة على استحقاقه (ع) للإمامة بنفسه تمنع من دخول الشبهة بذلك و إن كان فيه بعض الإيهام لحسنة إلجاء دفع الضرورة إليه كما حملته و آباءه (ع) على إظهار متابعة الظالمين و القول بإمامتهم و لعله (ع) أجاب إلى ولاية العهد للتقية و الخوف و أنه لم يؤثر الامتناع على من ألزمه ذلك و حمله عليه فيفضي الأمر إلى المباينة و المجاهرة

180

و الحال لا يقتضيها و هذا بين‏

القائم المهدي (صلوات الله و سلامه عليه)

إن قال قائل فما الوجه في غيبته (ع) و استتاره على الاستمرار و الدوام حتى أن ذلك قد صار سببا لنفي ولادته و إنكار وجوده و كيف يجوز أن يكون إماما للخلق و هو لم يظهر قط لأحد منهم و آبائه (ع) و إن كانوا غير آمرين فيما يتعلق بالإمامة و لا ناهين فقد كانوا ظاهرين بارزين يفتون في الأحكام و يرشدون عند المعضلات لا يمكن أحد نفي وجودهم و إن نفى إمامتهم الجواب قلنا أما الاستتار و الغيبة فسببهما إخافة الظالمين و من أخيف على نفسه فقد أحوج إلى الاستتار و لم تكن الغيبة من ابتدائها على ما هي عليه الآن فإنه في ابتداء الأمر كان ظاهرا لأوليائه غائبا عن أعدائه و لما اشتد الأمر و قوي الخوف و زاد الطلب استتر عن الولي و العدو فليس ما ذكره السائل من أنه لم يظهر لأحد من الخلق صحيحا.

فأما كون ذلك سببا لنفي ولادته (ع)

فلم يكن سببا لشي‏ء من ذلك إلا بالشبهة و ضعف البصيرة و التقصير عن النظر الصحيح و ما كان التقصير داعيا إليه و الشبهة سببه من الاعتقادات و على الحق فيه دليل واضح باد لمن أراده ظاهر لمن قصده ليس يجب المنع في دار التكليف و المحنة منه أ لا ترى أن تكليف الله تعالى من علم أنه يكفر قد صار سببا لاعتقادات كثيرة باطلة فالملحدون جعلوه طريقا إلى نفي الصانع و المجبرة جعلته طريقا إلى أن القبح منا لا يقبح من فعله تعالى و آخرون جعلوه طريقا إلى الشك و الحيرة و الدفع عن القطع على حكمه للقديم تعالى و كذلك الآلام بالأطفال و البهائم قد شك كثير من الناس منهم الثنوية و أصحاب التناسخ و البكرية و المجبرة و لم يكن دخول الشبهة بهذه الأمور على من قصر في النظر و انقاد إلى‏

181

الشبهة مع وضوح الحق له لو أراده موجبا على الله دفعها حتى لا يكلف إلا المؤمنين و لا يؤلم إلا البالغين و لهذا الباب في الأصول نظائر كثيرة ذكرها يطول و الإشارة إليها كافية فأما الفرق بينه و بين آبائه (ع) فواضح لأن خوف من يشار إليه بأنه القائم المهدي الذي يظهر بالسيف و يقهر الأعداء و يزيل الدول و الممالك لا يكون كخوف غيره ممن يجوز له مع الظهور التقية و ملازمة منزله و ليس من تكليفه و لا مما سبق أنه يجري على يده الجهاد و استيصال الظالمين مسألة فإن قيل إن كان الخوف قد اقتضى أن المصلحة في استتاره و تباعده فقد تغيرت الحال إذا في المصلحة بالإمام و اختلف و صار ما توجبونه من كون المصلحة مستمرة بوجوده و أمره و نهيه مختلفا على ما ترون و هذا خلاف مذهبكم الجواب قلنا المصلحة التي توجب استمرارها على الدوام بوجوده و أمره و نهيه إنما هي للمكلفين و هذه المصلحة ما تغيرت و لا تتغير و إنما قلنا إن الخوف من الظالمين اقتضى أن يكون من مصلحته هو (ع) في نفسه الاستتار و التباعد و ما يرجع إلى المكلفين به لم يختلف و مصلحتنا و إن كانت لا تتم إلا بظهوره و بروزه فقد قلنا إن مصلحته الآن في نفسه في خلاف الظهور و ذلك غير متناقض لأن من أخاف الإمام و أحوجه إلى الغيبة و إلى أن يكون الاستتار من مصلحته قادر على أن يزيل خوفه فيظهر و يبرز و يصل كل مكلف إلى مصلحته و التمكن مما يسهل سبيل المصلحة تمكن من المصلحة فمن هذا الوجه لم يزل التكليف الذي الإمام لطف فيه عن المكلفين بالغيبة منه و الاستتار على أن هذا يلزم في النبي (ص) لما استتر في الغار و غاب عن قومه بحيث لا يعرفونه لأنا نعلم أن المصلحة بظهوره و بيانه كانت ثابتة غير متغيرة و مع هذه الحال فإن المصلحة له في الاستتار و الغيبة عند الخوف و لا جواب عن ذلك و بيان أنه لا تنافي فيه و لا

182

تناقض إلا بمثل ما اعتمدناه بعينه مسألة فإن قيل فإذا كان الإمام (ع) غائبا بحيث لا يصل إليه أحد من الخلق و لا ينتفع به فما الفرق بين وجوده و عدمه و إذا جاز أن يكون إخافة الظالمين سببا لغيبته بحيث لا يصل إلى مصلحتنا به حتى إذا أزالت الإخافة ظهر فلم لا يجوز أن يكون إخافتهم له سببا لأن يعدمه الله تعالى فإذا انقادوا و أذعنوا أوجده الله لهم الجواب قلنا أول ما نقر له أنا غير قاطعين على أن الإمام (ع) لا يصل إليه أحد و لا يلقاه بشر فهذا أمر غير معلوم و لا سبيل إلى القطع عليه ثم الفرق بين وجوده غائبا عن أعدائه للتقية و هو في خلال ذلك منتظر أن يمكنوه فيظهر و يتصرف و بين عدمه واضح لا خفاء به و هو الفرق بين أن تكون الحجة فيما فات من مصالح العباد لازمة لله تعالى و بين أن تكون لازمة للبشر لأنه إذا أخيف فغيب شخصه عنهم كان ما يفوتهم من مصلحة عقيب فعل سببوه و إلجائه إليه فكانت العهدة فيه عليهم و الذم لازما لهم و إذا أعدمه الله تعالى و معلوم أن العدم لا يسببه الظالمون بفعلهم و إنما يفعله الله تعالى اختيارا كان ما يفوت بالإعدام من المصالح لازما له تعالى و منسوبا إليه مسألة فإن قيل فالحدود التي تجب على الجناة في حال الغيبة كيف حكمها و هل تسقط عن أهلها و هذا إن قلتموه صرحتم بنسخ شريعة الرسول (ص) و إن أثبتموه فمن الذي يقيمها و الإمام (ع) غائب مستتر الجواب قلنا أما الحدود المستحقة بالأعمال القبيحة فواجبة في جنوب مرتكبي القبائح و إن تعذر على الإمام (ع) في حال الغيبة إقامتها فالإثم فيما تعذر من ذلك على من سبب الغيبة و أوجبها بفعله و ليس هذا نسخا للشريعة لأن المتقرر بالشرع وجوب إقامة الحد مع التمكن و ارتفاع الموانع و سقوط فرض إقامته مع الموانع و ارتفاع التمكن لا يكون نسخا للشرع المتقرر لأن الشرط في الوجوب لم يحصل و إنما يكون ذلك نسخا لو سقط فرض إقامة

183

الحدود عن الإمام مع تمكنه على أن هذا يلزم مخالفينا في الإمامة إذا قيل لهم كيف الحكم في الحدود التي تستحق في الأحوال التي لا يتمكن فيها أهل الحل و العقد من نصب إمام و اختياره و هل تبطل الحدود أو تستحق مع تعذر إقامتها و هل يقتضي هذا التعذر نسخ الشريعة فأي شي‏ء اعتصموا به من ذلك فهو جوابنا بعينه مسألة فإن قيل فالحق مع غيبة الإمام كيف يدرك و هذا يقتضي أن يكون في حيرة مع الغيبة فإن قلتم إنه يدرك من جهة الأدلة المنصوبة عليه قيل لكم هذا يقتضي الاستغناء عن الإمام بهذه الأدلة الجواب قلنا أما العلة المحوجة إلى الإمام في كل عصر و على كل حال فهي كونه لطفا فيما أوجب علينا فعله من العقليات من الإنصاف و العدل و اجتناب الظلم و البغي لأن ما عدا هذه العلة من الأمور المستندة إلى السمع و العبادة به جائز ارتفاعها لجواز خلو المكلفين من العبادات الشرعية كلها و ما يجوز على حال ارتفاعه لا يجوز أن يكون علة في أمر مستمر لا يجوز زواله و قد استقصينا هذا المعنى في كتابنا الشافي في الإمامة و أوضحناه ثم نقول من بعد أن الحق في زماننا هذا على ضربين عقلي و سمعي فالعقلي ندركه بالعقل و لا يؤثر فيه وجود الإمام و لا فقده و السمعي إنما يدرك بالعقل [بالسمع‏] الذي في مثله الحجة و لا حق يجب علينا العلم به من الشرعيات إلا و عليه دليل شرعي و قد ورد النقل به عن النبي (ص) و الأئمة من ولده (صلوات الله عليهم) فنحن نصيب الحق بالرجوع إلى هذه الأدلة و النظر فيها و الحاجة مع ذلك كله إلى الإمام ثابتة لأن الناقلين يجوز أن يعرضوا عن النقل إما لشبهة أو اعتماد فينقطع النقل أو يبقى فيمن ليس نقله حجة و لا دليلا فيحتاج حينئذ المكلفون إلى دليل هو قول الإمام و بيانه و إنما يثق المكلفون بما نقل إليهم و أنه جميع الشرع لعلمهم بأن وراء هذا النقل إماما متى اختل استدرك‏

184

عما شذ منه فالحاجة إلى الإمام ثابتة مع إدراك الحق في أحوال الغيبة من الأدلة الشرعية على ما بيناه مسألة فإن قيل إذا كانت العلة في استتار الإمام خوفه من الظالمين و اتقاءه من المعاندين فهذه العلة زائلة في أوليائه و شيعته فيجب أن يكون ظاهرا لهم أو يجب أن يكون التكليف الذي أوجب إمامته لطفا فيه ساقطا عنهم لأنه لا يجوز أن يكلفوا بما فيه لطف ثم يحرموه بجناية غيرهم الجواب قلنا قد أجاب أصحابنا عن هذا بأن العلة في استتاره من الأعداء هي الخوف منهم و التقية و علة استتاره من الأولياء لا تمتنع أن يكون لئلا يشيعوا خبره و يتحدثوا عنه بما يؤدي إلى خوفه و إن كانوا غير قاصدين به ذلك و قد ذكرنا في كتاب الإمامة جوابا آخر و هو أن الإمام (ع) عند ظهوره من الغيبة إنما يعلم شخصه و يتميز عينه من جهة المعجز الذي يظهر على يديه لأن النص المتقدم من آبائه (ع) لا يميز شخصه من غيره كما ميز النص أشخاص آبائه (ع) لما وقع على إمامتهم و المعجز إنما يعلم دلالة و حجة بضرب من الاستدلال و الشبه معترضة لذلك و داخلة فيه فلا يمتنع على هذا أن يكون كل من لم يظهر له من أوليائه فلأن المعلوم من حاله أنه متى ظهر له قصر في النصر في معجزة و ألحق به هذا التقصير عند دخول الشبهة لمن يخاف منه من الأعداء و قلنا أيضا إنه غير ممتنع أن يكون الإمام (ع) يظهر لبعض أوليائه ممن لا يخشى من جهته شيئا من أسباب الخوف فإن هذا مما لا يمكن القطع على ارتفاعه و امتناعه و إنما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه و لا سبيل له إلى العلم بحال غيره و لو لا أن استقصاء الكلام في مسائل الغيبة يطول و يخرج عن الغرض بهذا الكتاب لأشبعناه هاهنا و قد أوردنا منه الكثير في كتابنا في الإمامة و لعلنا نستقصي الكلام فيه و نأتي على ما لعله لم نورده في كتاب‏

185

الإمامة في موضع نفرده له إن أخر الله تعالى في المدة و تفضل بالتأييد و المعونة فهو المسئول ذلك و المأمول لكل فضل و خير قربا من ثوابه و بعدا من عقابه‏ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ و صلى الله على محمد و آله الطاهرين‏