الأمصار ذوات الآثار

- محمد بن أحمد الذهبي المزيد...
262 /
55

اللّه، و المتوكل على اللّه بن يعقوب بن المتوكل على اللّه‏ (1).

و قبل الانتقال إلى بيان فشو العلم و شيوعه في باقي الملوك، و الخلفاء، و الحكام في ديار الإسلام أجدني مضطرا لإظهار و بيان اهتمام الخلفاء الأمويين، و العباسيين بعلم الحديث خاصة، لأنه هو لب هذه المقدمة، و أساسها، و سأفعل مثل ذلك إن شاء اللّه تعالى في كل دولة يتيسر لي معلومات عن اهتمام أصحابها بعلم الحديث.

فالأمويون برز فيهم علماء كبار في الحديث، و هم معاوية بن أبي سفيان- و ناهيك به- و عبد الملك بن مروان، و عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه، و لا حاجة لتفصيل أمرهم في ذلك لأنهم عاشوا في عهد كان هذا العلم فيه رأس العلوم.

و أما العباسيون فقد اهتم كثير من خلفائهم بعلم الحديث، و أولوه عظيم عنايتهم:

فأبو جعفر المنصور كان طلّابة للعلم، و الحديث قبل الخلافة، قال الصولي: «كان المنصور أعلم الناس بالحديث، و الأنساب، مشهورا بطلبه» (2)، و قال ابن كثير: «كان المنصور في شبيبته يطلب العلم من مظانه، و الحديث، و الفقه، فنال جانبا جيدا، و طرفا صالحا، و قد قيل له يوما: يا أمير المؤمنين هل بقي شي‏ء من اللذات لم تنله؟ قال: شي‏ء واحد، قالوا:

و ما هو؟ قال: قول المحدث للشيخ: من ذكرت‏ (3) رحمك اللّه؟ فاجتمع وزراؤه و كتابه، و جلسوا حوله و قالوا: ليمل علينا أمير المؤمنين شيئا من الحديث، فقال: لستم بهم، إنما هم الدّنسة ثيابهم، المشققة أرجلهم،

____________

(1) من رام تفصيل ذلك فلينظر تاريخ الخلفاء للسيوطي.

(2) تاريخ الخلفاء 179.

(3) كان من عادة أئمة الحديث إذا جلسوا للإملاء أن يستفتح المستملي المجلس بالبسملة و الحمدلة، و الصلاة على النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم يقبل على المحدث و يقول: من ذكرت رحمك اللّه، أو نحوه فيبدأ الشيخ بالإملاء. انظر علوم الحديث لابن الصلاح 219.

56

الطويلة شعورهم، رواد الآفاق، و قطاع المسافات، تارة بالعراق، و تارة بالحجاز، و تارة بالشام، و تارة باليمن، فهؤلاء نقلة الحديث» (1).

و قال محمد بن سلّام الجمحي: «قيل للمنصور: هل بقي من لذات الدنيا شي‏ء لم تنله؟ قال: بقيت خصلة أن أقعد في مصطبة و حولي أصحاب الحديث، يقول المستملي: من ذكرت رحمك اللّه قال: فغدا عليه الندماء، و أبناء الوزراء بالمحابر، و الدفاتر، فقال: لستم بهم، إنما هم الدّنسة ثيابهم، المشققة أرجلهم، الطويلة شعورهم، برد الآفاق، و نقلة الحديث» (2).

بل إن المنصور أوصى ابنه المهدي بتلقي الحديث و نقله، و مجاورة أهله فقال: «يا بني لا تجلس مجلسا إلا و عندك من أهل الحديث من يحدثك، فإن الزهري قال: علم الحديث ذكر لا يحبه إلا ذكران الرجال، و لا يكرهه إلا مؤنثوهم، و صدق أخو زهرة» (3).

و المهدي بن المنصور روى الحديث، و روي عنه.

و هارون الرشيد طلب العلم، و اهتم به قبل الخلافة، و بعدها، قال القاضي الفاضل في بعض رسائله: «ما أعلم أن لملك رحلة قط في طلب العلم إلا للرشيد، فإنه رحل بولديه الأمين و المأمون لسماع الموطأ على مالك (رحمه اللّه) ... ثم رحل لسماعه السلطان صلاح الدين بن أيوب إلى الإسكندرية ... و لا أعلم لهما ثالثا» (4).

و المأمون طلب العلم من صغره، و سمع الحديث من جماعة من الأئمة، و كان أعلم خلفاء بني العباس، فصيحا، فقيها، بارعا في العربية، و أيام الناس، و عني بعلوم الأوائل، و كانت عنده حافظة قوية مستحضرة، فقد قال‏

____________

(1) البداية و النهاية 10/ 126.

(2) تاريخ الخلفاء 177.

(3) البداية و النهاية 10/ 126.

(4) تاريخ الخلفاء 195.

57

محمد بن المنذر الكندي: «حج الرشيد فدخل الكوفة، فطلب المحدثين فلم يتخلف إلا عبد اللّه بن إدريس، و عيسى بن يونس، فبعث إليهما الأمين و المأمون فحدثهما ابن إدريس بمئة حديث، فقال المأمون: يا عم، أتأذن لي أن أعيدها من حفظي؟ قال: افعل، فأعادها، فعجب من حفظه» (1).

و قال الخطيب: «كان المأمون أعظم خلفاء بني العباس عناية بالحديث، كثير المذاكرة به، شديد الشهوة لروايته، مع أنه قد حدث أحاديث كثيرة لمن كان يأنس به من خاصته، و كان يحب إملاء الحديث في مجلس عام يحضر سماعه كل أحد، فكان يدافع نفسه بذلك حتى عزم على فعله- ثم ساق الخطيب بسنده إلى- يحيى بن أكثم القاضي قال: «قال لي المأمون يوما:

يا يحيى أريد أن أحدث، فقلت: و من أولى بهذا الحديث من أمير المؤمنين؟! فقال: ضعوا لي منبرا بالحلبة، فصعد و حدث، فأول حديث حدثنا به عن هشيم، عن أبي الجهم، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار، ثم حدث بنحو من ثلاثين حديثا، ثم نزل فقال: يا يحيى كيف رأيت مجلسنا؟ فقلت: أجل مجلس يا أمير المؤمنين تفقه الخاص و العام، فقال: لا، و حياتك ما رأيت لكم حلاوة، و إنما المجلس لأصحاب الخلقان، و المحابر- يعني أصحاب الحديث» (2).

و قال إبراهيم بن سعيد الجوهري: «لما فتح المأمون مصر، قال له قائل:

الحمد للّه يا أمير المؤمنين الذي كفاك أمر عدوك، و أدان لك العراقين، و الشامات، و مصر، و أنت ابن عم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقلت له: ويحك إلا أنه بقيت لي خلّة و هو أن أجلس في مجلس و يستملي يحيى فيقول لي: من ذكرت رضي اللّه عنك؟ فأقول- و ساق الحديث» (3).

____________

(1) تاريخ الخلفاء 217.

(2) شرف أصحاب الحديث 101.

(3) تاريخ الخلفاء 220.

58

و مما يدل على عناية المأمون بالحديث، و حفظه له، ما ذكره محمد بن سهل بن عسكر قال: «وقف المأمون يوما للأذان، و نحن وقوف بين يديه إذ تقدم إليه رجل غريب بيده محبرة فقال: يا أمير المؤمنين صاحب حديث منقطع به، فقال له المأمون: أيش تحفظ في باب كذا؟ فلم يذكر فيه شيئا، فما زال المأمون يقول: حدثنا هشيم، و حدثنا حجاج، و حدثنا فلان حتى ذكر الباب، ثم سأله عن باب ثان فلم يذكر فيه شيئا فذكره المأمون ثم نظر إلى أصحابه فقال: يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيام ثم يقول: أنا من أصحاب الحديث أعطوه ثلاثة دراهم» (1).

كما اهتم كثير من الخلفاء العباسيين في العصر الثاني للدولة العباسية بعلم الحديث، و إليك جانبا من ذلك:

فالمسترشد باللّه بن المستظهر باللّه سمع الحديث من جماعة من الأئمة، و سمع جزء بن عرفة مع أخيه المقتفي لأمر اللّه.

و المقتفي لأمر اللّه بن المستظهر باللّه سمع الحديث، و روى عنه جماعة، قال السيوطي: «كان محبا للحديث و سماعه، معتنيا بالعلم» (2).

و الناصر لدين اللّه بن المستضي‏ء بأمر اللّه اشتغل في وسط ولايته برواية الحديث، و أجاز له جماعة، و كتب للملوك و العلماء إجازات، و صنف كتابا في الحديث فيه أسانيد صحيحة عالية رواها عن أكابر المحدثين، و سماه «روح العارفين» و أجازه لجمع من العلماء.

و الظاهر بأمر اللّه بن الناصر لدين اللّه روى الحديث عن والده بالإجازة، و قرى‏ء عليه في مسند الإمام أحمد بإجازته من والده.

و المستعصم باللّه بن المستنصر باللّه الشهيد آخر خلفاء بني العباس في‏

____________

(1) تاريخ الخلفاء 220.

(2) المصدر السابق 292.

59

بغداد، استجاز له الحافظ ابن النجار من جماعة من مشايخ خراسان، و حدث عنه جماعة، و خرج له الدمياطي أربعين حديثا.

كما اهتم بعض الخلفاء العباسيين في مصر بعلم الحديث:

فالحاكم بأمر اللّه بن المستكفي باللّه بن الحاكم بأمر اللّه سمع الحديث، و أسمعه.

و المعتضد باللّه بن المستكفي باللّه بن الحاكم بأمر اللّه لما قدم إلى دمشق جلس في المدرسة الدماغية، فقرأ الحافظ ابن كثير بين يديه جزءا فيه ما رواه أحمد بن حنبل عن الشافعي في مسنده.

و أتحول الآن إلى الحديث عن عناية ملوك و خلفاء الأمويين في الأندلس بالعلم، فأقول: إن عددا من هؤلاء الملوك و الخلفاء كانوا أهل علم و أدب، يؤثرون العلوم النقلية، و المساعدة لها، و لم يخرجوا عن ذلك إلا في بعض الأزمنة الضيقة.

فأول ملوكهم و هو عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام كان عالما جليلا، بل هو أول من نهض بالحركة العلمية في الأندلس، لأن من قبله من الولاة كانوا مشتغلين بأمور الحرب و الفتوح.

و كان ابنه هشام له اشتغال بالعلوم الشرعية و الأدبية، و في عهده ذاع مذهب مالك في الأندلس بعد أن كانوا على مذهب الأوزاعي.

كما أن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام كان عالما بعلوم الشريعة و الفلسفة، و هو أول من أدخل كتب الحكماء إلى تلك الديار، و هذا من المآخذ العظام عليه.

و كان عبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم من علماء ملوك الأندلس الأمويين، متفننا في ضروب العلوم الشرعية، و المساعدة لها.

و إن الخليفة الناصر عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن‏

60

عبد الرحمن- و هو أول من تسمى بالخلافة في الأندلس- كان بارعا في بعض العلوم الشرعية و الأدبية.

كما أن ابنه الخليفة الحكم المستنصر كان عالما، محبا للقراءة، شغفا بالمطالعة، و امتازت مكتبته العظيمة بتعليقاته الحافلة على كثير من كتبها، و كان له ميل إلى أهل الحديث، استدعى كثيرا منهم من الآفاق، و جالسهم، و ذاكرهم.

و لم يكن ملوك و خلفاء بني أمية في الأندلس أقل عناية بالحديث من خلفاء بني العباس، فقد كان هشام بن عبد الرحمن ثاني ملوك الأندلس يؤثر مجالس الحديث، و كان الإمام مالك يعجب بسيرته، و يشيد بخلاله، و كذلك فإن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام سمع الحديث، و أسمعه للطلبة، و عبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم كان ولعا بحضور مجالس المحدثين، و الخليفة الناصر سمع الحديث و درسه، كما أن الخليفة الحكم المستنصر ابن الخليفة الناصر سمع الحديث كثيرا، و عين لولده الخليفة هشام المؤيد كبير المحدثين بقرطبة ليسمعه الحديث.

أما باقي ملوك و سلاطين الدول الإسلامية في الشرق و الغرب، فأتناول الحديث عن اهتمامهم بالعلم، و سماعه، و طلبه من خلال تقسيم دولهم إلى ثلاثة أقسام: دول المشرق، و دول الشام و مصر، و دول المغرب، و بذا يسهل الحديث عنهم.

(1) دول المشرق:

عني بعض ملوك هذه الدول بالعلم، فنالوا منه نصيبا يختلف باختلاف رغباتهم.

فالسلطان العظيم محمود بن سبكتكين صاحب الدولة الغزنوية، و فاتح بلاد الهند، كان عالما، كلفا بدراسة العلوم الشرعية، و خاصة الحديث، و قد صنّفت له كتب كثيرة في فنون العلم، و قصده العلماء من أصقاع البلاد.

61

و السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه صاحب الدولة السّلجوقية، كان غزير العلم، و خاصة في النحو و التاريخ و السير.

و السلطان محمد بن أنوشتكين صاحب الدولة الخوارزمية كان عالما جليلا، و خاصة في التفسير.

و السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد- و هو الذي لحقه التتار في بلاد خراسان- كان عالما متفننا، يجيد الفقه، و الأصول، و عرف بكثرة مجالسة العلماء و مناظرتهم.

(2) دول الشام و مصر في عهد الخلافة العباسية البغدادية و المصرية:

* فالدولة الطّولونية: كان أول ملوكها و هو أحمد بن طولون حافظا للقرآن، يطلب الحديث. كما كان خمارويه بن أحمد بن طولون ثاني ملوك هذه الدولة يطلب الحديث.

* الدولة الحمدانية: اهتم أصحابها بالعلوم، و خاصة الآداب، و مهر عدد منهم فيها.

* الدولة النّورية: كان سيدها، و سلطانها العظيم الملك العادل نور الدين محمود عالما بالفقه على مذهب أبي حنيفة رضي اللّه عنه و سمع الحديث كثيرا، و أسمعه طلبا للأجر و الثواب، و مما يحكى عنه من قصص جليلة ما ذكره أبو شامة فقال: «بلغني من شدة اهتمام نور الدين (رحمه اللّه) بأمر المسلمين حين نزل الفرنج على دمياط أنه قرى‏ء عليه جزء من حديث كان له به رواية فجاء في جملة تلك الأحاديث حديث مسلسل بالتبسم، فطلب منه بعض طلبة الحديث أن يتبسم لتتم السلسلة على ما عرف من عادة أهل الحديث، فغضب من ذلك و قال: إني لأستحي من اللّه تعالى أن يراني متبسما و المسلمون محاصرون بالفرنج» (1).

____________

(1) كتاب الروضتين، ج 1 ق 2 ص 459.

62

* الدولة الأيوبية: لم يعتن ملوك دولة من دول مصر و الشام بالعلم كاعتناء الأيوبيين به، و حرصهم على التزوّد منه، و من محاسنهم أنهم ابتعدوا عن علوم الأوائل، و آثروا علوم الشرائع، و خاصة الآثار، إلا أن أحد ملوكهم و هو الناصر داود بن المعظم ملك دمشق اهتم بعلم الفلاسفة، و شجعه، و ناصره، لكن سرعان ما أزيل ذلك بعد عزله عن دمشق.

فأول ملوك هذه الدولة و هو السلطان المجاهد صلاح الدين يوسف بن نجم الدين أيوب كان حريصا على طلب العلم، فقد رحل في‏ (1) زمن ملكه و معه إخوانه، و امراؤه إلى الإسكندرية، فسمعوا الحديث من الحافظ السّلفي و غيره، و كان (رحمه اللّه) ملما ببعض العلوم كالحديث، و الفقه، و الأنساب، و التواريخ، و قد قرى‏ء عليه الحديث في ساعات الوغى، و لم ينقل عن غيره مثل ذلك، و آثر سماع الحديث بالأسانيد، و أسمعه بها، قال ابن شدّاد: «كان (رحمه اللّه) شديد الرغبة في سماع الحديث، و متى سمع عن شيخ ذي رواية عالية، و سماع كثير، فإن كان ممن يحضر عنده استحضره، و سمع عليه، فأسمع من يحضره في ذلك المكان من أولاده، و مماليكه المختصين به، و كان يأمر الناس بالجلوس عند سماع الحديث إجلالا له، و إن كان ذلك الشيخ ممن لا يطرق أبواب السلاطين، و يتجافى عن الحضور في مجالسهم، سعى إليه، و سمع عليه، تردد إلى الحافظ الأصفهاني- (أي السّلفي)- بالإسكندرية حرسها اللّه تعالى و روى عنه أحاديث كثيرة» (2).

و قال أيضا: «لقد قرى‏ء عليه جزء من الحديث بين الصفين، و ذلك أني قلت له: قد سمع الحديث في جميع المواطن الشريفة، و لم ينقل أنه سمع بين الصفين، فإن رأى المولى أن يؤثر عنه ذلك كان حسنا، فأذن في ذلك، فأحضر جزءا، و هناك أحضر من له به سماع فقرى‏ء عليه و نحن على ظهور

____________

(1) ينظر قول القاضي الفاضل الذي سبق ذكره في ص 56.

(2) النوادر السلطانية و المحاسن اليوسفية 9.

63

الدواب بين الصفين، نمشي تارة، و نقف أخرى» (1).

و قال أيضا: «لقد مر بنا رجل جمع بين العلم و التصوف، و أنه يؤثر زيارة السلطان، فعرّفت السلطان رحمة اللّه عليه تلك الليلة وصول هذا الرجل، فاستحضره، و روى عنه حديثا» (2).

و قال أيضا إنه كان: «حافظا لأنساب العرب و وقائعهم، عارفا بسيرهم و أحوالهم، حافظا لأنساب خيلهم، عالما بعجائب الدنيا، و نوادرها، بحيث كان يستفيد محاضره منه ما لا يسمع من غيره» (3).

و كذلك كان كثير من خلفاء صلاح الدين أهل علم، و دراية، و رواية، و فقه:

فالملك المعظم عيسى ابن الملك العادل محمد ملك دمشق و الشام- و هو ابن أخي صلاح الدين- حفظ القرآن، و برع في الفقه على مذهب أبي حنيفة، و درس العربية، و الحديث، و غيرهما من العلوم، و صنف التصانيف المفيدة، منها السهم المصيب في الرد على الخطيب- ذب فيه عن الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي اللّه عنه- و شرح الجامع الكبير في الفقه بمعاونة غيره؛ و سمع مسند الإمام أحمد، و أمر بترتيبه، و كان يبحث، و يناظر، و يفتي.

و الملك الكامل محمد ابن الملك العادل محمد ملك مصر و الشام و غيرهما- و هو أخو المعظم- كان عالما بالحديث، يحرص على حفظه و نقله، و قد شغف بسماعه، و له تعليقات حسنة على صحيح مسلم، و خرّج له الشيخ أبو القاسم بن الصّفراوي أربعين حديثا سمعها منه جماعة، و كان يناظر العلماء، و يكثر من مجالستهم.

____________

(1) النوادر السلطانية و المحاسن اليوسفية 20.

(2) المصدر السابق 31- 32.

(3) المصدر السابق 34.

64

و الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر صاحب حماه كان عالما بالتواريخ، و الآداب، له إلمام بالحديث، يكثر من المطالعة و البحث، و له تصانيف حافلة منها: التاريخ الكبير، و طبقات الشعراء.

و الملك المؤيد عماد الدين أبو الفداء إسماعيل ابن الملك الأفضل علي صاحب حماه، كان عالما متقنا، متفننا، له تصانيف نافعة منها المختصر في أخبار البشر، و تقويم البلدان.

و الملك ظهير الدين أحمد بن صلاح الدين يوسف بن أيوب كان عالما، محدثا، سمع و كتب الكثير.

هذا و قد اهتم الملوك الأيوبيون برواية الحديث و سماعه، و قد ظهر شي‏ء من ذلك فيمن مر ذكره منهم، و أضيف إليهم:

الملك العادل محمد ملك مصر و الشام و غيرهما- و هو أخو صلاح الدين- الذي طلب الحديث، و حدث بالجزء السابع من المحامليات عن السّلفي رواه عنه ابنه الملك الصالح إسماعيل صاحب دمشق.

و الملك الأشرف موسى ابن الملك العادل صاحب دمشق روى عن جماعة، و روى عنه آخرون، و سمع صحيح البخاري في ثمانية أيام من ابن الزّبيدي، و كان له ميل إلى المحدثين و الحنابلة، و قد كان لهذا الملك دور في نشر العلوم الشرعية، و إقصاء العلوم الفاسدة، فلما ملك دمشق رغب الناس في العلوم الشرعية كالتفسير، و الفقه، و الحديث، و نهاهم عن الاشتغال بعلم الأوائل، و كان أخوه الملك الناصر داود بن المعظم ملك دمشق قبله قد اهتم بتلك العلوم الضارة، و روّج أمرها.

و الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين صاحب حلب سمع الحديث كثيرا، و أسمعه.

و الملك الأفضل علي ابن السلطان صلاح الدين صاحب الشام سمع الحديث بالإسكندرية و غيرها.

65

و الملك العزيز عثمان ابن السلطان صلاح الدين ملك مصر و الشام سمع الحديث كثيرا.

و الملك المعظم تورانشاه ابن السلطان صلاح الدين سمع الحديث و أسمعه، و انتخب له الدّمياطي جزءا.

و الملك السعيد عبد الملك بن الصالح إسماعيل بن العادل روى الموطأ.

و الملك أبو المحاسن يوسف ابن الملك الناصر داود بن المعظم سمع الحديث، و روى عنه الدمياطي في معجمه.

و الملك المنصور محمود ابن الملك الصالح إسماعيل بن العادل سمع الحديث كثيرا.

* الدولة المماليكية: كان فيها عدد من السلاطين الذين عنوا (1) بسماع الحديث، و حرصوا على تلقي بعض العلوم الشرعية، و المساعدة لها، و لم يبرز فيهم أحد يمكن أن يعد من العلماء.

فالسلطان الناصر بن قلاوون سمع على قاضي القضاة ابن جماعة عشرين حديثا، و حضر معه الأمراء.

و السلطان الملك الأشرف شعبان بن حسين سمع الحديث.

و السلطان الملك الأشرف برسباي الدّقماقي سمع الحديث أيضا.

و السلطان الملك الظاهر سيف الدين جقمق العلائي الظاهري كان متفقها.

و السلطان الملك الأشرف قانصوه الغوري كان مغرما بقراءة التواريخ، و السير، و دواوين الأشعار، و كان يعقد المجالس العلمية في القلعة كل أسبوع، و يجمع إليه العلماء.

____________

(1) جرت العادة في زمن المماليك بقراءة صحيح البخاري مرة كل عام في حضرة السلطان، انظر: النجوم الزاهرة 14/ 267.

66

* الدولة العبيدية: كان لبعض ملوكها عناية بالعلم، لكنه علم السوء و الضلال، و الفلسفة و الزندقة، و قد أخرت ذكر هذه الدولة عن مكانها الطبيعي لأنها دولة خبيثة مفسدة.

(3) دول المغرب و الأندلس:

(أ) دول الأندلس: لقد حكم الأندلس عقب زوال الدولة الأموية، و دولة بني حمّود الأدارسة، ملوك الطوائف الذين أحبوا العلم، و نالوا منه قسطا صالحا، و خاصة الآداب و الشعر.

فملك إشبيلية القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عبّاد كان عالما أديبا، و شاعرا مطبوعا، و كذلك حفيده المعتمد محمد بن عبّاد.

و ملك بطليوس أبو بكر المظفر بن الأفطس كان أديبا مجيدا، صنف كتابا عظيما في الأدب.

و ملك سرقسطة و الثغر الأعلى المقتدر أحمد بن سليمان بن محمد بن هود الجذامي نظم الشعر، و برع في الأدب، و مهر في العلوم العقلية كالرياضة، و الفلك، و الفلسفة. كما أن خليفته و ابنه المؤتمن يوسف أتقن علم الرياضة، و صنف فيه تصانيف مهمة، و اهتم بهذه العلوم أيضا عدد آخر من ملوك بني هود.

و حاكم المريّة و أعمالها أبو يحيى محمد بن معن بن صمادح الملقب بالمعتصم باللّه كان شاعرا، و محبا للعلوم الشرعية كالتفسير و الحديث يجلس يوما كل أسبوع للفقهاء و العلماء فيتناظرون بين يديه.

و لما ضعف أمر الأندلس، و استولى النصارى على معظم نواحيه، بقيت منه بقية في أيدي المسلمين و هي مملكة غرناطة التي حكمها بنو نصر (بنو الأحمر)، و كان هؤلاء الملوك يميلون إلى العلم، و قد ظهر فيهم علماء و فقهاء.

67

فمحمد بن محمد بن يوسف بن نصر المعروف والده بابن الأحمر كان عالما أديبا، عرف بالفقيه لعلمه و تقواه.

و أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل كان ذا علم و أدب أيضا.

(ب) دول المغرب: لم يبلغ ملوك المغرب في العلوم ما بلغه نظراؤهم في المشرق، و لعل ذلك يعود إلى كثرة الاضطرابات في بلدهم.

فدولة الأدارسة العلويين نبغ في العلم من ملوكها يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس الأصغر، حيث كان فقيها، حافظا للحديث و الآثار.

و دولة المرابطين كان مؤسسها الأول- و إن لم يكن من ملوكها- الشيخ عبد اللّه بن ياسين أحد العلماء الفقهاء.

و دولة الموحدين كان مؤسسها الأول أيضا- و إن لم يكن من ملوكها- المهدي بن تومرت إماما في علوم الشريعة، فقيها، حافظا للحديث، متمكنا في العربية، متعمقا في أصول الدين.

كما كان أول ملوك هذه الدولة و هو عبد المؤمن بن علي عالما باللغة، و النحو، و الأدب، و القراءات، حافظا للقرآن، و الحديث، يجيد نظم الشعر، و له إلمام بعلم التاريخ، و علم أصول الدين، و قد طلب العلم من صغره.

و كان ابنه و خليفته من بعده أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ذا علم و فقه، له إلمام بكلام العرب يحفظ أيامهم و مآثرهم و جميع أخبارهم في الجاهلية و الإسلام، كما كان عارفا بالفقه، حافظا للغة، متبحرا في النحو، و كان يحفظ الصحيحين و يملي أحاديث الجهاد على جنده، ثم عكف على دراسة الفلسفة و الفلك و الطب، و قد لقي جماعة كثيرة من العلماء و استفاد منهم.

و كان ابنه و خليفته من بعده أبو يوسف يعقوب المنصور بن يوسف عالما، يحفظ القرآن و الحديث، و يتكلم و يناظر في الفقه، و يفتي، و عنده ولع‏

68

بمجالسة العلماء و خاصة أهل الحديث منهم، و كانت مجالسه تفتتح بالتلاوة، ثم بقراءة بعض الأحاديث، ثم بدعائه، و قد صنف كتابا في العبادات.

دولة بني زيري في إفريقيّة: و إفريقيّة من أقاليم المغرب، و قد كان بنو زيري في بادى‏ء أمرهم ولاة من قبل العبيديين على إفريقيّة إلى أن خلع أحد ملوكهم و هو المعز بن باديس بن المنصور طاعة هؤلاء الزنادقة، و أظهر الدعوة للعباسيين، و أدخل إلى إفريقيّة مذهب مالك رضي اللّه عنه في الفروع، و مذهب أهل السنّة في الأصول بعد أن كانت تلك الناحية تغلي بالتشيع و الرفض فقها و اعتقادا، كما قام بمحاربة الشيعة أتباع العبيديين، و وضع السيف فيهم حتى استأصلهم، و قد سار على منواله ابنه تميم، لكن يحيى بن تميم عاد إلى طاعة العبيديين.

و قد كان تميم بن المعز عالما من فحول الشعراء. و كان ابنه يحيى عالما باللغة، و العربية، و الأدب، و الأخبار، و أيام الناس، و الطب، يجيد نظم الشعر، و يكثر من مطالعة كتب السير و الأخبار.

هذا و قد اقتصرت في كلامي السابق على بيان اهتمام الخلفاء، و الملوك، و السلاطين بالعلم و التعلم، دون غيرهم من الحكام كالوزراء، و كبار الأمراء، لأنهم هم الأصل و غيرهم تبع، و لما كان كثير من الوزراء، و الكبراء، ممن برع في العلم، و نال منه نصيبا كبيرا، أحببت أن أذكر جانبا من أخبارهم حتى لا يستدرك عليّ فيها:

ففي الدولة العباسية ظهر وزراء علماء، ذوو معرفة و دراية، ففي العهد الأول كالبرامكة، و يحيى بن أكثم و هو القائل: «وليت القضاء، و قضاء القضاة، و الوزارة، و كذا و كذا، ما سررت بشي‏ء كسروري بقول المستملي:

من ذكرت رضي اللّه عنك» (1). و في العهد الثاني كوزير المقتفي لأمر اللّه‏

____________

(1) شرف أصحاب الحديث 104.

69

العالم، الفقيه، المحدث، المتفنن يحيى بن محمد بن هبيرة، صاحب التصانيف الحافلة، و التآليف البديعة، و من أهمها كتاب الإفصاح عن معاني الصحاح، و هو شرح على صحيحي البخاري و مسلم، و كان ابن هبيرة يحب علم الحديث، و يكثر من سماعه و مذاكرته، و تصنيف الشروح عليه‏ (1).

و في الدولة الأموية في الأندلس: كان الحاجب المنصور محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن أبي عامر بارعا في العلوم الشرعية، و الأدبية، و اللغوية، و خاصة علم الحديث، فقد طلبه منذ حداثته، و أكثر من سماعه، و قراءته على أئمة عصره.

أما باقي الدول فقد ظهر في وزرائها من له علم، و معرفة، و طلب:

ففي الدولة الإخشيدية كان الوزير أبو المسك كافور له نظر في الفقه و النحو، و كان وزيره ابن حنزابة عالما يروي الحديث، و يمليه في حال الوزارة.

و في الدولة البويهية كان محمد بن الحسين بن محمد المعروف بابن العميد وزير ركن الدولة البويهي، عالما، أديبا، لغويا، شاعرا، حكيما. و كان إسماعيل بن عباد المعروف بالصاحب- لصحبته الوزير ابن العميد- وزير مؤيد الدولة بن ركن الدولة البويهي عالما، له تصانيف جليلة.

و في الدولة السّلجوقية كان نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطّوسي وزير ألب أرسلان، و ملكشاه من أعظم وزراء الدنيا علما و دينا، فقد حفظ القرآن، و طلب الفقه في حداثته حتى برع فيه، كما أتقن علم العربية، و أكثر من سماع الحديث، و إملائه، فقد أملاه في بغداد، و نيسابور، و غيرهما من بلاد المشرق.

و في الدولة الخوارزمية كان شهاب الدين أبو سعد بن عمران الخيوقي‏

____________

(1) و انظر عن اهتمام كثير من الوزراء بالعلوم كتاب وفيات الأعيان 5/ 94- 147.

70

مستشار السلطان علاء الدين محمد خوارزم شاه، و مقدم دولته، فقيها، مفتيا، عنده إلمام بالطب، و اللغة، و الخلاف، و سائر العلوم.

و في الدولة الأتابكية بالموصل: كان الأمير الكبير مجاهد الدين قايماز بن عبد اللّه الزيني الذي فوض إليه حكم هذه الدولة عالما فهما، قال ابن الأثير:

«و كان ... يعلم الفقه على مذهب أبي حنيفة رضي اللّه عنه و يحفظ من الأشعار و الحكايات و النوادر و التواريخ شيئا كثيرا، إلى غير ذلك من المعارف الحسنة» (1).

و في الدولة الأيوبية: برز في العلم و الأدب وزيرها القاضي الفاضل العلامة عبد الرحيم بن علي البيساني العسقلاني المصري، الذي يعد أبلغ و أفصح أهل زمنه، و قد سمع الحديث من كبار محدثي عصره كالحافظ السّلفي، و الحافظ أبي القاسم بن عساكر. و كان وزير الأيوبيين أيضا القاضي الأشرف أحمد ابن القاضي الفاضل ممن طلب العلم و الحديث، و اهتم بسماعه و إسماعه.

كما كان جمال الدين علي بن يوسف بن إبراهيم القفطي أحد وزراء الأيوبيين في حلب عالما أديبا متفننا في العلوم كالنحو، و اللغة، و الفقه، و علم القرآن، و الحديث، و الأصول، و التاريخ، و الجرح و التعديل، و المنطق، و الرياضة، و النجوم، و الهندسة؛ و له تصانيف عظيمة نافعة في عدد من الفنون الشرعية، و التاريخية، و الأدبية، و غيرها.

و كان القاضي مجد الدين البهنسي أحد وزراء الأيوبيين عالما، نحويا، و لغويا.

كما كان ضياء الدين بن الأثير صاحب المثل السائر و وزير الأيوبيين عالما مشهورا.

____________

(1) التاريخ الباهر 193.

71

و نبغ في العلم من وزراء الأيوبيين أيضا أمين الدولة بن غزال السامري وزير الملك الصالح إسماعيل بن العادل. و صفي الدين عبد اللّه بن علي المعروف بابن شكر وزير الملك العادل، الذي صنف كتابا في الفقه على مذهب الإمام مالك رضي اللّه عنه.

و في الدولة المماليكية: كان أحد أمرائها و هو علم الدين سنجر الدّويدار من العلماء الأجلاء المفتين، له مشاركة في الفقه و الحديث، صنف شرحا كبيرا على مسند الشافعي، و قد خرّج له المزّي جزأين عوالي، كما خرّج له غيره. و كان نائب الشام من قبل المماليك سيف الدين تنكز يكثر من طلب الحديث و سماعه، و قد عمل على إسماعه أيضا. و كان نائب الإسكندرية الأمير صلاح الدين خليل بن عرّام مشاركا في عدة علوم، و له تصنيف في التاريخ. كما أن الأمير الكبير بيبرس المنصوري الدّوادار كان مولعا بسماع الحديث، و البحث، و قد صنف تاريخا كبيرا بمعاونة غيره.

و في مملكة غرناطة بالأندلس: برع الوزير الكبير أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه السّلماني المعروف بلسان الدين بن الخطيب بالعلم و الأدب، فقد كان كاتبا، شاعرا، أديبا، مؤرخا، طبيبا، فيلسوفا، له إلمام ببعض العلوم الشرعية، بل إن السّخاوي عده من المتكلمين في الرجال‏ (1).

ثانيا- تشجيع الحكام للعلماء:

فمن ألقى نظرة عامة في سير و تواريخ حكام المسلمين عبر العصور الطويلة، يجد الكثير منهم يميل إلى العلماء، و يقربهم، و يغدق عليهم في العطاء.

و لا حاجة لبيان تشجيع الخلفاء الأمويين في دمشق، و العباسيين في عصرهم الأول ببغداد للعلماء، لأنه أمر واضح و جلي.

____________

(1) الإعلان بالتوبيخ 446.

72

أما الذي يحتاج إلى توضيح فهو تشجيع العلماء من قبل الخلفاء العباسيين في العهد الثاني، و الأمويين في الأندلس، و كذا ملوك الدول المستقلة التي عاشت في العهد الأول و الثاني لبني العباس.

و أبدأ بخلفاء العباسيين في العهد الثاني فأقول: لقد وجد في هؤلاء الخلفاء من وصف بحبه للعلماء، و حرصه على رفع مكانتهم كالقادر باللّه بن المقتدر، و المستظهر باللّه بن المقتدي باللّه، و المسترشد باللّه بن المستظهر باللّه، و الراشد باللّه بن المسترشد، و المقتفي لأمر اللّه بن المستظهر باللّه، و المستضي‏ء بأمر اللّه بن المستنجد باللّه، و الناصر لدين اللّه بن المستضي‏ء بأمر اللّه، و المستنصر باللّه بن الظاهر بأمر اللّه، و المعتضد باللّه بن المستكفي باللّه، و المعتضد باللّه بن المتوكل على اللّه، و الأخيران كانا بمصر.

أما ملوك و خلفاء الأمويين في الأندلس فقد فاقوا خلفاء العصر الثاني لبني العباس، في حبهم للعلماء، و المبالغة في إكرامهم، و ذلك مثل: عبد الرحمن الدّاخل، و ابنه هشام، و ابنه الحكم بن هشام، و ابنه عبد الرحمن بن الحكم، و ابنه محمد بن عبد الرحمن، و ابنه عبد اللّه بن محمد، و الخليفة عبد الرحمن الناصر، و الخليفة الحكم المستنصر بن الناصر.

و كان ملوك دول المشرق و الشام و مصر من أكثر الناس ميلا للعلماء، كإسماعيل بن أحمد السّاماني صاحب الدولة السامانية، و أحمد بن طولون صاحب الدولة الطولونية، و ابنه خمارويه، و محمود بن سبكتكين صاحب الدولة الغزنوية، و ابنه السلطان مسعود، و شهاب الدين محمد بن حسام صاحب الدولة الغورية، و أخيه غياث الدين، و ملكشاه صاحب الدولة السّلجوقية، و حفيده محمود بن محمد، بل و سائر سلاطين السّلاجقة، و علاء الدين خوارزم شاه محمد صاحب الدولة الخوارزمية، و نور الدين محمود، و مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل، و بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل و غيرهم.

كما حرص الأيوبيون كل الحرص على تشجيع العلماء، و ذلك كالأمير

73

نجم الدين أيوب والد صلاح الدين، و السلطان صلاح الدين بن نجم الدين، و الملك المعظم عيسى بن العادل ملك دمشق و الشام، و الملك الكامل محمد بن العادل ملك مصر و الشام أيضا، و الملك الأشرف موسى بن العادل ملك دمشق، و الملك المؤيد إسماعيل بن الأفضل علي صاحب حماه، و الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر صاحب حماه، و الملك ظهير الدين أحمد ابن السلطان صلاح الدين، و الملك المنصور محمود ابن الملك الصالح إسماعيل بن العادل، و غيرهم.

و كان لمعظم السلاطين المماليك يد طولى في الاهتمام بالعلماء، و الاحتفال بهم، حتى إن الملك الظاهر سيف الدين برقوق الجركسي كان إذا أتاه أحد من العلماء قام إليه، قال ابن تغري بردي: «و لم يعرف أحد قبله من الملوك الترك يقوم لفقيه» (1)، و ممن تبع برقوق على هذا الأمر الملك الظاهر سيف الدين جقمق الظاهري.

و من السلاطين المماليك الذين اشتهروا بحب العلماء، و الأنس بمجالسهم، الملك الظاهر بيبرس البندقداري، و الملك الأشرف شعبان بن حسين بن الناصر محمد بن قلاوون، و الملك المؤيّد شيخ المحمودي، و الملك الأشرف برسباي، و الملك الأشرف إينال، و الملك الظاهر خشقدم، و غيرهم.

كما كان لبعض الملوك العبيديين في مصر دور كبير في تشجيع العلم و أهله، كالمعز لدين اللّه، و العزيز باللّه، و غيرهما، لكنهم حاربوا علوم الشريعة و الآثار، و عملوا على إبعاد أو قتل من نسب إليها من العلماء.

هذا بالنسبة لملوك المشرق، أما ملوك المغرب فقد وجد فيهم من أولى العلماء عنايته، و بالغ في إكرامهم، فمن ملوك الموحدين عبد المؤمن بن علي، و ابنه يوسف الذي جعل من مرّاكش منارة للعلم، و المنصور يعقوب بن‏

____________

(1) النجوم الزاهرة 11/ 291.

74

يوسف. و من ملوك المرابطين يوسف بن تاشفين، و ابنه علي، و من بني زيري أصحاب إفريقيّة المعز بن باديس، و تميم بن المعز، و يحيى بن تميم. و في الأندلس كان بنو حمّود، و ملوك الطوائف، و ملوك غرناطة ممن اشتهر بالميل إلى العلماء، و الرغبة في مجالسهم.

و قد وجد في وزراء، و أمراء بعض الدول المذكورة من عمل على تشجيع العلماء، و الإنفاق عليهم، و الاهتمام بهم، و الحرص على إكرامهم، و رفع شأنهم، ففي الدولة الإخشيدية كأبي المسك كافور، و في الدولة الأموية في الأندلس كالحاجب المنصور محمد بن أبي عامر، و في الدولة السّلجوقية كالوزير العظيم نظام الملك، و في الدولة المماليكية كالأمير علم الدين سنجر الجاولي.

ثالثا- إنشاء الحكام للمراكز العلمية كالمدارس و المكتبات:

لقد حرص الخلفاء، و الملوك، و السلاطين، و الأمراء المسلمون على تهيئة الأسباب اللازمة لانتشار العلوم في بلادهم، و كان من أهم ما قاموا به لتحقيق هذا الهدف إنشاؤهم للمراكز العلمية كالمدارس و المكتبات.

و لم يكن العلماء و الأثرياء أقل رغبة منهم في هذا السبيل الخير، بل إن العلماء هم الذين شجعوا أصحاب السلطان على عملهم المذكور.

و المدارس و المكتبات العامة لم تكن موجودة في الصدر الأول، و ذلك لأن المساجد كانت تعمل عمل المدارس المتأخرة في نشر العلم، قال المقريزي: «و المدارس مما حدث في الإسلام و لم تكن تعرف في زمن الصحابة و لا التابعين، و إنما حدث عملها بعد الأربع مئة من سني الهجرة، و أول من حفظ عنه أنه بنى مدرسة في الإسلام أهل نيسابور» (1). كما كانت معظم علوم القوم محفوظة في صدورهم، و مخزونة في أذهانهم، مما جعلهم‏

____________

(1) المواعظ و الاعتبار 2/ 363.

75

يستغنون عن المكتبات، أو عن الاعتماد على الكتب، قال الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ عقب ذكره لتراجم حفاظ الطبقة الرابعة الذين شرع في عهدهم بتدوين السنن، و جمع الفروع، و تصنيف العربية: «ثم كثر ذلك- (أي التصنيف)- في أيام الرشيد، و كثرت التصانيف، و ألّفوا في اللغات، و أخذ حفظ العلماء ينقص، و دوّنت الكتب، و اتكلوا عليها، و إنما كان قبل ذلك علم الصحابة و التابعين في الصدور فهي كانت خزائن العلم لهم رضي اللّه عنهم» (1).

و سأقوم في هذا المبحث إن شاء اللّه تعالى بإلقاء الضوء على تلك الجهود الخيّرة التي قام بها حكام المسلمين، و علماؤهم، خدمة للعلم و أهله، و رغبة في نشره و إذاعته.

و لا يخفى ما في هذا الموضوع من سعة، و تشعب، يضطران الباحث فيه إلى جعله أقساما أو فصولا تمنع من التداخل، و تساعد على التنظيم و الترتيب.

و التقسيم الذي يتناسب مع ما سبق من بحوث هذه المقدمة هو تنظيم المعلومات الواردة في هذا المبحث على الدول الإسلامية في المشرق، و في الشام و مصر، و في المغرب و الأندلس.

(1) دول المشرق:

و أبدأ بذكر اهتمام الخلفاء بإنشاء المراكز العلمية، و أتبعه ببيان اهتمام الملوك و السلاطين، ثم الوزراء و الأمراء و الكبراء، ثم العلماء بهذا الأمر.

(أ) حرص الخلفاء على تشييد المراكز العلمية

: لقد شهدت مدينة السلام (بغداد) منذ تأسيسها تقدما حضاريا، و نهضة علمية رفيعة، فكانت منارة، و قبسا لذوي النّهى و الألباب، و لم يكن ذلك متحققا لولا عناية الخلفاء بالعلوم، و ارتشافهم من معينها العذب، و تطلعهم إلى نشرها بكل وسيلة نبيلة،

____________

(1) 1/ 160.

76

و طريقة حسنة، و من أعظم تلك الوسائل و الطرائق إقامتهم للمراكز العلمية العظيمة من مدارس و مكتبات، و لم أر بعد تتبع دقيق ذكرا لمدرسة بنيت في العهد الأول لبني العباس، أما المكتبات فقد وجدت و اشتهرت، فقد كان للخليفة المنصور خزانة كتب كبيرة، و هي لا تذكر أمام المكتبة العظيمة التي أسسها هارون الرشيد- فيما قيل- و عمل ابنه المأمون على توسعتها، و جلب المجموعات الكبيرة من الكتب إليها، و كانت تسمى ببيت الحكمة، و قد حرص المأمون على تزويدها بكل كتاب يعلم وجوده على ظهر البسيطة، سواء كان في علوم الشريعة، أو العلوم الأخرى المفيدة، و المذمومة، و يقول القلقشندي في هذه المكتبة: «و يقال إن أعظم خزائن الكتب في الإسلام ثلاث خزائن: إحداها: خزانة الخلفاء العباسيين ببغداد، فكان فيها من الكتب ما لا يحصى كثرة، و لا يقوّم عليه نفاسة، و لم تزل على ذلك إلى أن دهمت التتر بغداد، و قتل ملكهم هولاكو المستعصم آخر خلفائهم ببغداد، فذهبت خزانة الكتب فيما ذهب، و ذهبت معالمها، و أعفيت آثارها» (1).

كما كان للمأمون خزانة كتب خاصة به.

أما في العصر الثاني لبني العباس فقد كان للخليفة المعتضد باللّه، و الخليفة المقتدي بأمر اللّه، و الخليفة الراضي‏ (2) باللّه، و الخليفة الناصر لدين اللّه خزائن كتب.

و كان الخليفة الناصر لدين اللّه قد أنشأ من خزانته المذكورة ثلاث خزائن، فوقف واحدة منها على المدرسة النّظامية ببغداد، و أخرى على الرباط (3) الخاتوني السّلجوقي ببغداد، و ثالثة على دار المسنّاة (4) ببغداد أيضا؛ كما أنشأ خزانة كبيرة في رباط بناه بالحريم الطاهري ببغداد.

____________

(1) صبح الأعشى 1/ 466.

(2) و كان عند الأمير هارون بن المقتدر أخي الراضي باللّه و عامل فارس مكتبة عظيمة.

(3) بنى هذا الرباط الخليفة الناصر عند تربة زوجته سلجوقة خاتون.

(4) بنى هذه الدار الخليفة الناصر أيضا.

77

كما كان للخليفة المستنصر باللّه خزانة كتب خاصة غير الخزانة العظيمة، العديمة المثل التي وقفها (1) على المدرسة المستنصرية، و قد بنى المستنصر هذه المدرسة العظيمة الجامعة سنة 631، و وقف عليها أوقافا عظيمة جدا، و جعل فيها دروسا في الفقه على المذاهب الأربعة، و هو أول من ابتكر هذه الفكرة، كما جعل فيها دورا للقرآن، و الحديث، و العربية، و الفرائض، و الطب، و الرياضة.

و كان لآخر خلفاء العباسيين في بغداد، و هو المستعصم باللّه الشهيد خزانتان عظيمتان من الكتب، و قد بنى مدرسة للحنابلة ببغداد.

(ب) عناية ملوك و سلاطين المشرق ببناء المراكز العلمية

: عرفت المكتبات في المشرق منذ زمن بعيد، أما المدارس فقد حدثت في وقت متأخر عنها، و كان أهل المشرق أول من حفظ عنهم بناء المدارس، قال المقريزي: «و المدارس مما حدث في الإسلام، و لم تكن تعرف في زمن الصحابة و لا التابعين، و إنما حدث عملها بعد الأربع مئة من سني الهجرة، و أول من حفظ عنه أنه بنى مدرسة في الإسلام أهل نيسابور، فبنيت بها المدرسة البيهقية، و بنى بها أيضا الأمير نصر بن سبكتكين مدرسة، و بنى بها أخو السلطان محمود بن سبكتكين مدرسة، و بني بها أيضا المدرسة السعيدية، و بني بها أيضا مدرسة رابعة، و أشهر ما بني في القديم المدرسة النّظامية ببغداد» (2).

ففي بلاد ما وراء النهر أنشأ نوح بن نصر صاحب الدولة السامانية مكتبة كبيرة ببخارى، كانت من عجائب مكتبات الدنيا، و كانت بخارى في عهد السامانيين أعظم المراكز العلمية في المشرق الإسلامي الأقصى.

____________

(1) كان المستنصر من أشد الخلفاء رغبة في جمع الكتب، و وقفها، حتى بيعت كتب العلم في زمنه بأغلى الأثمان.

(2) المواعظ و الاعتبار 2/ 363، و انظر: علماء النّظاميات و مدارس المشرق الإسلامي 4- 5.

78

و قد عمل السلطان محمود بن سبكتكين صاحب الدولة الغزنوية مكتبة عريقة في غزنة، جلب إليها مجموعات كبيرة من الكتب.

و أنشأ السلطان مغيث الدين محمود بن غياث الدين محمد بن ملكشاه السّلجوقي مدرسة كبيرة للحنفية ببغداد.

و أنشأ ملك الغوريين السلطان غياث الدين محمد بن سام الغوري عدة مدارس في غزنة.

و أنشأ عضد الدولة بن ركن الدولة البويهي في قصره بشيراز خزانة كتب زاخرة، ضمت بين جنباتها كل ما سمع به من كتب الدنيا، مما تيسر له الحصول عليه، و قد كان عضد الدولة هذا محبا للعلوم و أهلها، دنى منه العلماء، و صنفوا له تصانيف حافلة، كما أمد العضد الخزانة الحيدرية في النّجف بكتب كثيرة.

و أنشأ الملك السعيد نور الدين أرسلان شاه بن عز الدين مسعود صاحب أتابكية الموصل مكتبة عظيمة، و مدرسة للشافعية كلاهما بالموصل، و قد قال ابن الأثير في هذه المدرسة: «و هي من أحسن المدارس» (1).

و أنشأ الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل مكتبة كبيرة، و عدة مدارس في بلده، و كان هذا الملك محبا للعلم، مقرّبا للعلماء، يحب قراءة كتب التواريخ و السير، و قد جمع له عز الدين بن الأثير تاريخه المشهور.

و قد بنى السلطان خوارزم شاه علاء الدين تكش بن أرسلان صاحب الدولة الخوارزمية مدرسة عظيمة للحنفية في خوارزم، و جعل فيها دارا للكتب. كما بنى آخر سلاطين الخوارزمية جلال الدين منكبرتي مدرسة كبيرة بأصبهان.

و بنى الملك المعظم أبو سعيد مظفر الدين بن زين الدين كوكبوري صاحب إربل، و الملك مبارز الدين أبو بكر كك صاحب إربل و الجبال مدرستين.

____________

(1) التاريخ الباهر 201.

79

و بنى زين الدين علي بن بكتكين صاحب إربل و والد صاحبها مظفر الدين كوكبوري عدة مدارس بالموصل.

و أنشأ الملك الصالح ابن الملك المنصور صاحب ماردين مدارس كثيرة في بلاده.

و بنى السلطان شاه أرمن ناصر الدين محمد بن إبراهيم صاحب خلاط مدرسة في بلده.

و بنى الملك عز الدين أبو الحارث أرسلان آبه بن أتابك صاحب مراغة مدرسة.

و كان يوجد في مدينة تبريز أعظم مدن الشرق في عهد التتار عدة مدارس أنشأها السلطان محمود غازان التتاري.

و كان سيف الدين غازي بن عماد الدين زنكي صاحب الموصل قد بنى مدرسة عظيمة في بلده، قال فيها ابن الأثير: «و هي من أحسن المدارس و أوسعها، و جعلها وقفا على الفقهاء الشافعية و الحنفية» (1).

و أنشأ عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي صاحب الموصل مدرسة في بلده جعلها للحنفية و الشافعية، و قد قال فيها ابن خلّكان:

«و هي من أحسن المدارس» (2).

و بنى القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي مدرسة بالموصل.

و أنشأ الملك العادل نور الدين محمود مدرسة بالجامع الذي بناه في الموصل.

____________

(1) التاريخ الباهر 93.

(2) وفيات الأعيان 5/ 207.

80

(ج) اهتمام الوزراء و الأمراء و الكبراء بإنشاء المراكز العلمية

: عني الخلفاء، و الملوك، و السلاطين باختيار وزرائهم، و كبار دولتهم، من أهل العلم و الشرف و النباهة، و قد حرص هؤلاء الرؤساء على التزود من العلم، و نشره، و التقرب من أهله، فبنوا المدارس و المكتبات الخاصة و العامة، و وقفوا عليها الأوقاف الجليلة.

فوزير الخليفة هارون الرشيد يحيى بن خالد البرمكي الفارسي كانت له ببغداد خزانة كتب حافلة، و قد كان هذا الوزير زنديقا فهو أول من أدخل كتب الفلسفة إلى ديار الإسلام، و أمر بتعريبها، و تبعه على فعلته هذه الخليفة المأمون عفا اللّه عنه.

و وزير الخليفة المعتصم العالم الكبير محمد بن عبد الملك الزيات كانت له خزانة كتب نفيسة في سرّ من رأى.

و وزير الخليفة المتوكل العالم الفتح بن خاقان كان مغرما بالتقرب من العلماء، و بالمطالعة، و جمع الكتب، و قد عمل له أبو الحسن علي بن يحيى المنجّم خزانة كتب كبيرة جدا، لكن الكثير من كتبها كان في علوم اليونان الفلاسفة.

و وزير الخليفتين المعتضد، و المكتفي، أبو الحسين القاسم بن عبيد اللّه كانت له خزانة كتب، ضم إليها مكتبة الإمام أبي العباس أحمد بن يحيى النّحوي المعروف بثعلب.

و وزير الخليفتين المقتفي، و المستنجد، العالم، المتفنن، أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة، كانت له خزانة كتب حافلة وقفها على مدرسته ببغداد.

و وزير الخليفة الناصر لدين اللّه العالم مؤيد الدين أبو المظفر بن القصاب أنشأ مكتبة عظيمة في بغداد.

81

و وزير الخليفة المسعصم، الخائن اللعين، و الأديب العالم مؤيد الدين بن العلقمي أنشأ في دار الوزارة ببغداد دار كتب نادرة، حوت نفائس الكتب و أعيانها.

و وزير بهاء الدولة البويهي أبو نصر سابور بن أردشير أنشأ في الكرخ ببغداد مكتبة كبيرة سماها دار العلم، قيل إنها احتوت على أكثر من عشرة آلاف مجلد، و كان العلماء و الأدباء يتنافسون في إهداء مؤلفاتهم لهذه المكتبة، و قد قال فيها ياقوت: «و لم يكن في الدنيا أحسن كتبا منها، كانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة، و أصولهم المحررة» (1).

و وزير ركن الدولة البويهي، الأديب الكبير ابن العميد كانت له خزانة كتب كبيرة.

و وزير مؤيد الدولة بن ركن الدولة الصاحب بن عباد كانت له مكتبة عظيمة. و قد حوت مكتبتا ابن العميد، و الصاحب كتبا كثيرة للفلاسفة و الحكماء، و لما مرّ السلطان محمود السّلجوقي على الرّيّ أمر بحرق كتب الفلسفة التي كانت في مكتبة الصاحب.

و قد برز في عهد السّلاجقة وزيرهم العظيم نظام الملك الذي كان له فضل كبير في نشر العلوم في البلاد المشرقية، فقد بنى في بغداد و نيسابور المدرستين العظيمتين، الشهيرتين بالنّظامية، وقف عليهما خزانتي كتب جليلتين، و قد مر أن الخليفة الناصر لدين اللّه وقف على نظامية بغداد خزانة كتب نفيسة، كما أن الحافظ المؤرخ ابن النّجار وقف عليها خزانتين من الكتب.

كما أنشأ نظام الملك مدارس كثيرة في المشرق فبنى مدرسة بطوس، و مدرسة بمرو، و مدرسة بهراة، و مدرسة ببلخ، و مدرسة بأصبهان، و مدرسة

____________

(1) معجم البلدان 1/ 534.

82

بالبصرة، و مدرسة بجزيرة ابن عمر، و مدرسة بالموصل، و مدرسة بآمل طبرستان‏ (1)، و وقف عليها أوقافا عظيمة، و مكتبات قيمة. و بذا يعتبر نظام الملك أكثر الوزراء عناية بالعلم و نشره، و قد قال فيه ابن الأثير: «و أما صدقاته و وقوفه فلا حد لها، و مدارسه في العالم مشهورة، لم يخل بلد من شي‏ء منها حتى جزيرة ابن عمر التي هي في زاوية من الأرض لا يؤبه لها، بنى فيها مدرسة كبيرة حسنة» (2).

و ثمة وزير آخر يلقب بنظام الملك و اسمه مسعود بن علي و هو وزير الدولة الخوارزمية، بنى المدرسة النظامية للشافعية بخوارزم، و كانت مدرسة عظيمة، جعل فيها دار كتب حافلة.

و قد أنشأ علي بن أحمد السّميري وزير السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه السّلجوقي مدرسة بأصبهان، و جعل فيها خزانة كتب نفيسة.

كما بنى وزير صاحب الموصل الملك سيف الدين غازي بن عماد الدين مدرسة للشافعية بالموصل، و مدرستين بنصيبين، و أوقف أوقافا كثيرة.

و أنشأ وزير التتار نصير الدين محمد بن محمد الطّوسي المنجّم مكتبة عظيمة في مراغة عاصمة تتار الشرق بأمر من سيده هولاكو، و ذلك في المرصد الذي بناه في تلك الناحية، و قد حوت هذه المكتبة مجموعات كبيرة من الكتب، و خاصة في الرياضة، و الفلك، و الطب، و سائر العلوم العقلية، و قد قدرت أعدادها بأكثر من 400000 مجلد، نهب أكثرها من بغداد، و الشام، و الجزيرة بعد وقعة هولاكو.

و قد أشار الذهبي إلى عظمة هذه المكتبة فقال: «عملت أنا تاريخ‏

____________

(1) ذكر المدارس النظامية هذه الدكتور ناجي معروف في كتابه علماء النظاميات ص 12، و قد فاته ذكر نظامية طوس فقط- و قد ذكرها الذهبي في سير أعلام النبلاء 19/ 94- و يبدو أن نظام الملك (رحمه اللّه تعالى) قد بنى مدارس كثيرة في أماكن أخرى، و اللّه أعلم.

(2) التاريخ الباهر 9.

83

الإسلام، و هو كاف في معناه فيما أحسب، و لم يكن عندي تواريخ كثيرة مما قد سمعت بها بالعراق، و بالمغرب، و برصد مراغة، ففاتني جملة وافرة» (1).

كما أن أحد نواب التتار، و وزرائهم و هو علاء الدين عطا الجويني، قد جمع خزانة كتب نفيسة.

هذا بالنسبة للوزراء، أما الأمراء و الكبراء فقد حفظ عن كثير منهم شدة الاهتمام بإنشاء المراكز العلمية. و من أشهر هؤلاء:

الأمير الكبير، قائد الفرسان، و شرابي الخليفة المستنصر باللّه، شرف الدين إقبال بنى المدرسة الشّرابية ببغداد، و هي من أعظم المدارس في أواخر أيام الدولة العباسية، و قد ضم إليها مكتبة كبيرة عامرة، كما بنى مدرسة بواسط، و وقف عليهما الأوقاف العظيمة.

و أمير الأمراء في عهد الخليفة المستنصر باللّه مجاهد الدين أيبك الجركسي بنى مدرسة ببغداد و وقفها على الحنابلة، و كان في هذه المدرسة المعمورة خزانة كتب نفيسة، وقف عليها بعض العلماء كتبهم.

و الأمير الكبير، نائب البصرة من قبل الخليفة الناصر لدين اللّه، و الخليفة المستنصر باللّه أبو المظفر باتكين بن عبد اللّه الرومي بنى مدارس كثيرة في البصرة، و وقف عليها مكتبات عامرة، و أوقافا حسنة، و كان هذا الأمير له اشتغال بالعلم، و صلة بالعلماء.

و الأمير، رسول الخليفة المستظهر باللّه سعادة الرّسائلي أنشأ مدرسة ببغداد.

و أحد أركان دولة الخليفة المقتفي لأمر اللّه ثقة الدولة علي بن محمد

____________

(1) سير أعلام النبلاء 19/ 125.

84

الدريني، العالم، الخيّر، الورع، زوج العالمة المشهورة شهدة بنت الإبري، بنى مدرسة للشافعية ببغداد.

و زوجة الخليفة المستضي‏ء بأمر اللّه، و أم الخليفة الناصر لدين اللّه السيدة زمرد خاتون الصالحة الخيرة، بنت مدارس كثيرة، و وقفت أوقافا حسنة، و من أعظم آثارها مدرسة الأصحاب ببغداد التي كادت تضاهي المدرستين النظامية و المستنصرية.

و مولاة الخليفة المستضي‏ء بأمر اللّه، و حظيّته بنفشا بنت عبد اللّه الرومية الكريمة الصالحة، صاحبة الصدقات و الوقوف الكثيرة، بنت مدرسة عظيمة للحنابلة ببغداد و أسندت مشيختها للعلامة ابن الجوزي.

و جارية الخليفة المستعصم آخر خلفاء بني العباس ببغداد، و حظيته المعروفة بباب بشير بنت في بغداد مدرسة عامرة واسعة، وقفتها على المذاهب الأربعة كالمدرسة المستنصرية و هي ثاني مدرسة في العالم تسند إلى فقهاء المذاهب الأربعة، و قد وقفت عليها خزانة كتب نفيسة.

و صاحبة أصبهان زوجة السلطان ملكشاه السّلجوقي و أم ولده السلطان محمود، الخبيرة بأمور السياسة و الحروب تركان خاتون بنت مدرسة للحنفية ببغداد.

و الملكة جوهر شاه بنت السلطان غياث الدين الغوري، و زوجة السلطان شاه رخ أنشأت بهراة مدرسة كبيرة حسنة.

و أحد رجال عضد الدولة البويهي و هو أبو علي بن سوّار الكاتب أنشأ في البصرة خزانة كتب حوت نفائس الأسفار و أمهاتها.

و أحد أركان مملكة السلطان ألب أرسلان السّلجوقي، عميد خراسان شرف الملك أبو سعد محمد بن منصور بنى مدرسة كبيرة للحنفية عند مشهد الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان في بغداد، و قيل إنها اول مدرسة أنشئت‏

85

بالعراق حيث افتتحت سنة 459 قبل النظامية بعدة شهور، و كان بها خزانة كتب نفيسة. كما بنى العميد أبو سعد مدرسة عظيمة بمرو، و لعلها التي وقفها على السمعانيين، و كان بها خزانة كتب قيمة. و قد بنى أيضا مدرسة ببغداد غير الأولى.

و مدبر مملكة السلطان ملكشاه السّلجوقي تاج الملك المرزبان بن خسرو بنى مدرسة عظيمة للشافعية ببغداد، و هي ثاني مدرسة لهم بعد النظامية فيما عرف.

و الأمير الكبير المملوك، أحد أمراء السلطان محمد بن ملكشاه السّلجوقي خمارتكين بن عبد اللّه، بنى مدرسة للحنفية ببغداد.

و الأمير المولى بهروز خادم السلطان غياث الدين السّلجوقي بنى مدرسة للحنفية في جامع السلطان ملكشاه السّلجوقي ببغداد.

و الأمير الكبير قطلو دمور بنى مدرسة كبيرة بخوارزم.

و الأمير بدر الدين كهرتاش المعروف بزردار نديم السلطان السّلجوقي علاء الدين كيقباذ بنى مدرسة كبيرة بقونية.

و الأمير موسى أحد أمراء السلطان السّلجوقي علاء الدين كيقباذ بنى مدرسة في مدينة قرمان.

و الأمير مجاهد الدين أبو منصور قايماز بن عبد اللّه الزيني أحد أركان دولة سيف الدين غازي بن مودود صاحب الموصل بنى الجوامع و المدارس، و من أهمها الجامع المجاهدي، و المدرسة المجاهدية كلاهما بالموصل. و كان قد بنى في إربل لما كان مقدما عند صاحبها المدرسة المجاهدية أيضا.

و الأمير أبو منصور سرفتكين الزيني نائب صاحب إربل بنى مدرسة كبيرة، في بلده.

و الأمير مجاهد الدين أبو منصور يرنقش التركي أحد أمراء عماد الدين بن‏

86

قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي صاحب سنجار، بنى مدرسة في بلده للحنفية.

كما بنى شهاب الدين أبو سعد بن عمران الخيوقي مستشار السلطان علاء الدين محمد خوارزم شاه، و مقدم دولته عدة مدارس في خوارزم، و أنشأ دارا عظيمة للكتب، قال النسوي: «و قد بنى شهاب الدين بخوارزم في جامع الشافعية دار كتب لم ير قبلها و لا بعدها مثلها» (1).

و مما ينبغي ذكره هنا أن أصحاب إمارة بهدينان‏ (2) العباسيين كانوا يهتمون بالعلوم، و قد بنى بعضهم المدارس، و أنشأ المكتبات العامة في حاضرتهم العمادية- قلعة في شمالي الموصل- و أعمالها.

فالأمير غياث الدين قاسم بن بهاء الدين العباسي بنى مدرسة في العمادية، و ضم إليها خزانة كتب عظيمة.

و الأمير سلطان حسين العباسي جدد بناء إحدى المدارس في العمادية، و وقف عليها خزانة كتب نفيسة، كما أنشأ مدرسة بالعقر- و هي من أعمال إمارة بهدينان- و جعل فيها مكتبة.

و الأمير قباذ ابن الأمير سلطان حسين بنى مدرسة في إحدى القرى التابعة للعمادية، و جعل فيها خزانة كتب.

____________

(1) سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي 110.

(2) لما دخل هولاكو إلى بغداد عام 656 قضى على معظم العباسيين، و أسر البقية منهم إلى مراغة، و في سنة 671 أطلق سراحهم فرجعوا إلى بغداد، و سكنوا فيها، و كان من بينهم ابن آخر الخلفاء العباسيين بالعراق المستعصم باللّه و هو أبو المناقب مبارك الذي توفي سنة 677، و قد عين السلطان التتري محمود غازان سنة 703 ابن أبي المناقب أبا نصر محمدا أميرا على شمال العراق، و استطاع حفيد هذا الأمير و هو بهاء الدين بن منصور بن أبي نصر أن يؤسس إمارة بهدينان العباسية التي بقيت نحو خمسة قرون و نصف، أي من القرن الثامن إلى سنة 1259 عندما قضى العثمانيون عليها. و بهدينان كلمة كردية معناها آل بهاء الدين.

87

و الأمير مراد خان ابن أخي الأمير سلطان حسين أنشأ مدرسة، و ضم إليها مكتبة حسنة.

و الأميرة، الصالحة، العابدة، زاهدة العباسية بنت الأمير أبي نصر حفيد المستعصم باللّه بنت مدرسة كبيرة في العمادية، و وقفت عليها خزانة كتب جليلة، و كانت هذه الأميرة تحب العلماء و الشعراء و تقربهم.

(د) عناية العلماء بإقامة المراكز العلمية

: لقد حرص العلماء كغيرهم على إنشاء المدارس و المكتبات، بل إنهم هم الذين شجعوا ملوك الدنيا على بناء دور العلم، و خزائن الكتب، و لو أراد الباحث أن يذكر كل ما وقف عليه من جهد العلماء في هذا المضمار لطال الأمر كثيرا، و يكفي هنا أن أشير إلى عدد قليل منهم- كالمثال- لأنهم في الأصل لا يدخلون في مجال بحثي الذي يختص بالحكام دون غيرهم.

فالفقيه، الأديب، الشاعر، المصنف أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي، المتوفى سنة 323 كان له بالموصل دار علم، تشتمل على مكتبة كبيرة وقفها على أهل العلم و طلبته.

و الشريف، الزاهد، العالم أبو الحسن علي بن أحمد الزيدي، المتوفى سنة 575 أنشأ خزانة كتب عظيمة في مسجده ببغداد، و وقفها على أهل العلم، و قد شاركه في وقف الكتب رجلان، و تبعهما غير واحد من العلماء منهم ياقوت الحموي الذي وقف كتبه عليها.

و الإمام الكبير، الفقيه أبو حامد محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة 505 بنى في بلده طوس مدرسة للفقهاء.

و غيرهم‏ (1) الكثير.

فهذه لمحة موجزة عن اهتمام الحكام في بلاد المشرق برفع المستوى العلمي من خلال بنائهم لدور العلم، و إن أهل المشرق- كما مر- هم أول‏

____________

(1) انظر كتاب علماء النظاميات و مدارس المشرق الإسلامي للدكتور ناجي معروف.

88

من ابتكروا فكرة المدارس، و إنهم أيضا أول من وقفوا المكتبات، و ذلك أن أول‏ (1) دار للكتب وقفت في الإسلام كانت في البصرة.

و قد كانت المدارس و المكتبات منتشرة في البلاد المشرقية كلها، في بلاد ما وراء النهر، و خراسان، و السّند، و الهند، و الجبال، و أذربيجان، و فارس، و العراق، و الموصل، و بلاد الروم، و غيرها. و كان أعظمها ذكرا في العصور المتأخرة قبيل ورود التتار إلى ديار الإسلام، المدارس و المكتبات في البلاد الخراسانية، قال ياقوت الحموي عند كلامه على مرو: «و لولا ما عرا من ورود التتر إلى تلك البلاد، و خرابها لما فارقتها إلى الممات، لما في أهلها من الرّفد، و لين الجانب، و حسن العشرة، و كثرة كتب الأصول المتقنة بها، فإني فارقتها و فيها عشر خزائن للوقف لم أر في الدنيا مثلها كثرة وجودة، منها خزانتان في الجامع إحداهما يقال لها العزيزية وقفها رجل يقال له عزيز الدين أبو بكر عتيق الزّنجاني أو عتيق بن أبي بكر ... و كان فيها إثنا عشر ألف مجلد أو ما يقاربها، و الأخرى يقال لها الكمالية لا أدري إلى من تنسب، و بها خزانة شرف الملك المستوفي أبي سعد محمد بن منصور في مدرسته، و مات المستوفي هذا في سنة 494 و كان حنفي المذهب، و خزانة نظام الملك الحسن‏ (2) بن إسحاق في مدرسته؛ و خزانتان للسمعانيين؛ و خزانة أخرى في المدرسة العميدية؛ و خزانة لمجد الملك أحد الوزراء المتأخرين بها؛ و الخزائن الخاتونية في مدرستها، و الضميرية في خانكاه هناك، و كانت سهلة التناول، لا يفارق منزلي منها مئتا مجلد و أكثر بغير رهن، تكون قيمتها مئتي دينار، فكنت أرتع فيها، و أقتبس من فوائدها، و أنساني حبها كل بلد، و ألهاني عن الأهل و الولد، و أكثر فوائد هذا الكتاب- (أي معجم البلدان)- و غيره مما جمعته فهو من تلك الخزائن» (3).

____________

(1) المنتظم 9/ 3؛ الكامل 10/ 184.

(2) هو الحسن بن علي بن إسحاق.

(3) معجم البلدان 5/ 114- 115.

89

و كانت نيسابور أيضا تحفل بمدارس كثيرة، و مكتبات عظيمة، و من أهم مكتباتها خزائن الكتب الوقفية في مسجد عقيل.

(2) دول الشام و مصر:

- الملوك و السلاطين:

(أ) الدولة الحمدانية

: أسس سيف الدولة الحمداني مكتبة عظيمة في بلده حلب، احتوت على نوادر الكتب الأدبية و غيرها.

(ب) الدولة العبيدية

: إن من الإنصاف إعطاء هذه الدولة الخبيثة، المارقة عن سنن الحق، حقها في مجال نشر العلوم، و بناء المعاهد العلمية، و إنشاء خزائن الكتب، و قد قدّمت أن هذه الدولة مع ما اشتهر عنها من حب للعلوم فإنها حاربت علوم الآثار و الأخبار التي عليها مدار الشريعة، و روّجت علوم الأوائل الضالة، و شجعت البحث في متاهات الفلسفة التي لا توصل إلا إلى الزّيغ و المروق.

و لم يظهر اهتمام العبيديين بالعلوم، و إقامة المراكز العلمية قبل ورودهم القاهرة، فلما استولى قائد المعز لدين اللّه العبيدي جوهر الصّقلّي على مصر، بنى مدينة القاهرة، و بنى فيها الجامع الأزهر الذي كانت تعقد فيه المجالس العلمية لدراسة المذاهب الإسماعيلية و الفلسفية، و لما تولى العزيز باللّه بن المعز لدين اللّه الملك بعد أبيه جعل من هذا الجامع معهدا علميا واسعا، تدرس فيه جميع العلوم خلا الحديث و الآثار.

ثم تولى الملك بعد العزيز ابنه الزنديق الملقب بالحاكم بأمر اللّه عليه لعنة اللّه فأنشأ (1) دار الحكمة التي كانت جامعة للعلوم، حيث اشتغل فيها

____________

(1) لم يهتم العبيديون ببناء المدارس، و دور العلم كما هو حال أصحاب الدول الكبيرة، قال القلقشندي في صبح الأعشى 3/ 362 عند ذكر مدارس مصر: «و أما مدارسها: فكانت في الدولة الفاطمية و ما قبلها قليلة الوجود بل تكاد أن تكون معدومة، غير أنه كان بجوار القصر دار تعرف بدار العلم، كان داعي الشيعة يجلس فيها، و يجتمع إليه من التلامذة من يتكلم في العلوم المتعلقة بمذهبهم».

90

جماعة كبيرة من العلماء في كثير من الفنون.

و قد برع العبيديون بإنشاء المكتبات، و خزائن العلم الخاصة و العامة، فقد ألحق الحاكم بأمر اللّه بدار الحكمة مكتبة عظيمة، تحتوي على مجموعات كبيرة من الكتب، و سماها دار العلم.

كما كانت قصور العبيديين تشتمل على خزائن كبيرة من الكتب، قال القلقشندي: «و يقال: إن أعظم خزائن الكتب في الإسلام ثلاث خزائن:

إحداها: خزانة الخلفاء العباسيين ببغداد ...

الثانية: خزانة الخلفاء الفاطميين بمصر، و كانت من أعظم الخزائن، و أكثرها جمعا للكتب النفيسة من جميع العلوم ... و لم تزل على ذلك إلى أن انقرضت دولتهم بموت العاضد آخر خلفائهم، و استيلاء السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب على المملكة بعدهم، فاشترى القاضي الفاضل أكثر كتب هذه الخزانة، و وقفها بمدرسته الفاضلية بدرب ملوخيّا بالقاهرة فبقيت إلى أن استولت عليها الأيدي فلم يبق منها إلا القليل» (1).

و قد أشار ابن أبي طي إلى عظم خزائن العبيديين، و نفاسة محتوياتها فقال: «و كانت من عجائب الدنيا لأنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من الدار التي بالقاهرة في القصر، و من عجائبها أنه كان بها ألف و مئتان و عشرون نسخة من تاريخ الطبري، و يقال إنها كانت تحتوي على ألفي ألف و ستمائة ألف كتاب، و كان فيها من الخطوط المنسوبة أشياء كثيرة، و حصل للقاضي الفاضل قدر منها كبير، حيث شغف بحبها». انتهى نقلا عن كتاب الروضتين‏ (2).

كما ألمع أبو شامة إلى سعة هذه الخزائن، و احتوائها على أمهات الأسفار

____________

(1) صبح الأعشى 1/ 466- 467.

(2) ج 1 ق 2 ص 507.

91

فقال: «و كان فيها من الكتب الكبار، و تواريخ الأمصار، و مصنفات الأخبار ما يشتمل كل كتاب على خمسين أو ستين جزءا مجلدا» (1).

(ج) دولة بني عمار في طرابلس الشام‏

: حكم بنو عمار الإسماعيليون طرابلس من قبل العبيديين فترة من الزمن انتهت بدخول الصليبيين إلى هذه المدينة، و قد بنوا دارا للعلم لنشر دعوتهم، و جعلوا فيها مكتبة عظيمة جمعت لهم من نواحي البلاد، و قد قدرت أعداد الكتب فيها بثلاثة آلاف ألف مجلد في مختلف الفنون، و قيل أقل من ذلك، و كانت تلك الدار تفتح طيلة الليل و النهار، يتناوب النساخ فيها العمل، و كان بها 180 ناسخ.

(د) الدولة النورية

: لم يمنع قصر مدة هذه الدولة من بلوغها الدرجة العالية في نشر العلم، و تشييد المعاهد، و المراكز العلمية، فأول ملوكها و هو الملك العادل نور الدين رضي اللّه عنه، بنى مدارس كثيرة للحنفية و الشافعية في دمشق، و حلب‏ (2)، و حماه، و حمص، و بعلبك، و الموصل، و منبج، و الرّحبة و غيرها، و وقف عليها مكتبات قيمة، و أوقافا عظيمة، كما بنى دار الحديث بدمشق و هي من أعظم مدارسه، قال عز الدين بن الأثير:

«و هو أول من بنى دارا للحديث فيما علمناه» (3). و تبع ابن الأثير على قوله هذا المقريزيّ‏ (4).

____________

(1) كتاب الروضتين ج 1 ق 2 ص 686، و قد اشتملت هذه الخزائن على الكتب الجامعة للعلوم و الفنون كالفقه على مختلف المذاهب، و النحو، و اللغة، و الحديث، و التواريخ، و السير، و الفلسفة، و التنجيم، و الروحانيات، و الكيمياء، و غير ذلك. انظر: المواعظ و الاعتبار 1/ 408- 409.

(2) فائدة: بنيت أول مدرسة في حلب سنة 517، و قد أنشأها صاحب حلب بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق.

(3) التاريخ الباهر 172.

(4) المواعظ و الاعتبار 2/ 375، و قد اعترض الأستاذ المحقق الدكتور ناجي معروف على ابن الأثير و من تبعه في زعمهم أن نور الدين أول من بنى دارا للحديث، فقال في كتابه علماء النظاميات و مدارس المشرق الإسلامي 79: «أنشئت مدارس حديثية أيضا قبل دار الحديث-

92

و من مدارس نور الدين بدمشق أيضا المدرسة الصّلاحية التي نسبت لصلاح الدين الأيوبي، و المدرسة العمادية المنسوبة لعماد الدين إسماعيل بن نور الدين، و المدرسة النورية الصغرى، و مدرسة الكلّاسة التي أحرقت و أعاد عمارتها صلاح الدين لمّا ملك دمشق.

و قد أنشأ الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين المدرسة النورية الكبرى، و قيل إن أباه قد ابتدأ بإنشائها.

(ه) الدولة الأيوبية

: أولى الملوك الأيوبيون عظيم عنايتهم لنشر العلم و المعرفة، فأنشئوا المدارس و المكتبات، و وقفوا عليها الأوقاف العظيمة.

فأول و أعظم سلاطينهم و هو صلاح الدين يوسف بن نجم الدين أيوب عني ببناء المدارس، فعندما كان وزيرا للعاضد العبيدي من قبل نور الدين محمود بنى في القاهرة المدرسة الناصرية و وقفها على الشافعية، و قد ذكر المقريزي‏ (1) أنها أول مدرسة عملت بديار مصر، كما بنى في القاهرة في زمن الوزارة المدرسة المعروفة بالقمحية و وقفها على المالكية، و لما تولى الملك و استأثر بالسلطان بنى مدارس كثيرة في القاهرة، و الشام، و القدس و غيرها، و من أعظم هذه المدارس المدرسة السّيوفية في القاهرة، قال المقريزي:

«و هي أول مدرسة وقفت على الحنفية بديار مصر» (2). و بنى أيضا المدرسة الناصرية بالقرافة- و هي غير الأولى- و المدرسة الصلاحية بدمشق. و قد وقف صلاح الدين (رحمه اللّه تعالى) على مدارسه وقوفا عظيمة.

____________

- النورية بدمشق بأكثر من قرنين و ثلث القرن». و وعد بأنه سيفرد مؤلفا خاصا في المدارس الحديثية، و لم يذكر تلك الدار الحديثية الأولى التي سبقت دار الحديث النورية بأكثر من قرنين، و أظنه قصد مدرسة ابن حبان التي في بست.

و أشار الدكتور ناجي في ص 153 من كتابه المذكور إلى دار للحديث بالموصل، كانت توجد تحت المدرسة المهاجرية، و قد نزل بهما موفق الدين عبد اللطيف البغدادي سنة 585.

(1) المواعظ و الاعتبار 2/ 363، فإن قصد المقريزي بديار مصر القاهرة، استقام له الكلام، و إلا فإن وزير العبيديين ابن السّلّار السّني بنى مدرسة للشافعية في الإسكندرية كما سيأتي.

(2) المصدر السابق 2/ 366.

93

كما أنشأ الملك العادل أخو صلاح الدين ملك مصر و الشام مدرسة بمصر، و إليه تنسب المدرسة العادلية الكبرى بدمشق التي بدأ بإنشائها نور الدين محمود، ثم بنى فيها الملك العادل، و لما توفي أتم بناءها ابنه الملك المعظم.

و بنى الملك الكامل محمد بن العادل ملك مصر دار الحديث الكاملية في القاهرة، قال المقريزي: «و هي ثاني دار عملت للحديث، فإن أول من بنى دارا على وجه الأرض الملك العادل نور الدين محمود» (1).

و بنى الملك الأشرف موسى بن العادل ملك دمشق دار الحديث الأشرفية بدمشق، و وقف عليها الأوقاف الجليلة، و ضم إليها مكتبة نفيسة، كما بنى دارا للحديث بسفح قاسيون.

و وقف الملك الصالح إسماعيل بن العادل ملك دمشق مدرستين ببلده، إحداهما للحديث و الإقراء، و الأخرى تسمى الصالحية.

كما أنشأ الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين ملك مصر و الشام مدرسة بدمشق، كان قد ابتدأ بتأسيسها أخوه الملك الأفضل.

و أنشأ الملك العزيز عثمان بن العادل صاحب بانياس و الحصون المدرسة العزيزية بدمشق.

و شيّد الملك المعظم عيسى بن العادل المدرسة المعظمية بدمشق.

و بنى الملك المعز بن طغتكين بن أيوب صاحب اليمن مدرسة بزبيد.

و وقف الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب المدرسة الظاهرية بدمشق.

كما وقف الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه ابن الأمير نجم الدين‏

____________

(1) المواعظ و الاعتبار 2/ 375. و انظر: الحاشية الرابعة من صفحة 91.

94

أيوب صاحب حماه- و هو ابن أخي صلاح الدين- المدرسة المعروفة بمنازل العز في القاهرة، و مبنى منازل العز هو من أبنية العبيديين و منتزهاتهم، اشتراه الملك المظفر و وقفه. كما بنى المظفر المدرسة التّقوية و هي من أعظم مدارس دمشق، و له مدرسة كبيرة بحماه، و مدرستان بالفيّوم، و مدرسة بالرّها.

و بنى الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل ملك مصر مدرستين عظيمتين بالقاهرة و هما المدرسة النّجمية، و المدرسة الصالحية، و كانت الأخيرة قلعة للعلماء، و قد وقفها الصالح على فقهاء المذاهب الأربعة. قال المقريزي: «و هو أول من عمل بديار مصر دروسا أربعة في مكان» (1).

و بنى الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز ابن الملك الظاهر بن صلاح الدين صاحب حلب مدرستين بدمشق إحداهما دار حديث، و سميت كل واحدة بالناصرية.

كما بنى الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر صاحب حماه مدرسة عظيمة في بلده، وقف عليها أوقافا جليلة، و كان للمنصور خزانة كتب ضخمة.

و وقف الملك المظفر نور الدين عمران ابن الملك الأمجد صاحب بعلبك المدرسة الأمجدية بدمشق.

(و) دولة بني رسول في اليمن‏

: اهتم بعض ملوك هذه الدولة بالعلم، و أقاموا المعاهد و المكتبات، و شجعوا العلماء، فأحد ملوكهم و هو الملك المؤيد عزيز الدين داود بن يوسف بن عمر بن علي بن رسول أنشأ لنفسه خزانة كتب كبيرة، اشتملت على مئة ألف مجلد. و كان هذا الرجل عالما متفننا.

(ز) الدولة المماليكية

: حرص السلاطين المماليك كأسلافهم الأيوبيين‏

____________

(1) المواعظ و الاعتبار 2/ 374. و قد سبق في ص 47 أن الخليفة المستنصر باللّه العباسي هو أول من جمع الدروس الأربعة في مدرسة واحدة.

95

على رفع المستوى العلمي في بلادهم فبنوا المدارس، و أنشئوا المكتبات، و شجعوا العلوم.

فأول سلاطينهم و هو الملك المعز أيبك التّركماني بنى المدرسة المعزّيّة بالقاهرة.

و الملك الظاهر ركن الدين بيبرس العلائي البندقداري عمر المدرستين الظاهريتين الشهيرتين، إحداهما بالقاهرة، و هي من أعظم مدارس مصر، جعلها للشافعية و الحنفية، كما جعل فيها مشيخة للحديث، و مارستانا، و ضم إليها مكتبة عظيمة جدا. و الأخرى بدمشق وقفها مدرسة و دار حديث.

و الملك المنصور قلاوون أنشأ عدة مدارس، أعظمها المدرسة المنصورية بالقاهرة، و جعل فيها دروسا للمذاهب الأربعة، و دورا للحديث، و التفسير، و الطب، و هي من أحسن مدارس مصر و الشام، و قد وقف عليها قلاوون خزانة كتب جليلة.

و الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون بنى مدرسة بالقاهرة.

و الملك الناصر محمد بن قلاوون أتم بناء المدرسة الناصرية بالقاهرة، التي بدأ بإنشائها السلطان كتبغا المنصوري، و وقف عليها خزانة كتب حسنة.

و الملك المظفر بيبرس بن عبد اللّه الجاشنكير المنصوري أنشأ في الجامع الحاكمي بالقاهرة خزانة كتب عامرة.

و الملك الناصر حسن بن الناصر محمد بن المنصور قلاوون بنى مدرسة كبيرة بالقاهرة، تشتمل على أربعة مدارس، لكل شيخ مذهب مدرسة تختص به، قال ابن إياس فيها: «لم يعمر مثلها في الإسلام» (1).

و الملك الظاهر برقوق الجركسي أنشأ مدرسة بالقاهرة، و جعل فيها دروسا

____________

(1) بدائع الزهور 1/ 204.

96

للمذاهب الأربعة، و درسا للتفسير، و آخر للحديث، و آخر للقراءات، و وقف عليها أوقافا عظيمة، قال ابن تغري بردي: «لم يعمر مثلها بين القصرين» (1).

و الملك الناصر فرج بن الظاهر برقوق عمّر مدرسة بالقاهرة.

و الملك المؤيّد شيخ بن عبد اللّه المحمودي الظاهري أودع في الجامع المحمودي الذي بناه في القاهرة خزانة كتب كبيرة تحتوي على نفائس الأسفار.

و الملك الأشرف برسباي الدّقماقي الظاهري بنى ثلاث مدارس بالقاهرة.

و الملك الأشرف سيف الدين إينال بن عبد اللّه العلائي بنى مدرسة بمصر.

و الملك الأشرف قايتباي المحمودي الظاهري أنشأ المدارس الكثيرة في القاهرة، و مكة، و المدينة، و بيت المقدس، و غزة، و دمياط، و الإسكندرية.

و الملك الأشرف قانصوه الغوري الأشرفي أنشأ مدرسة عظيمة في القاهرة، و مدرسة أخرى بمكة.

و كان يوجد في قلعة الجبل بالقاهرة- و هي مركز السلاطين المماليك- مكتبة كبيرة.

- الوزراء و الأمراء و الكبراء:

(أ) الدولة العبيدية الخبيثة

: كان يعقوب بن كلّس وزير ملكها العزيز باللّه يملك خزانة عظيمة من الكتب، و كان هذا الوزير عالما مصنفا يحب العلماء و يقربهم.

و وزير هذه الدولة أيضا ابن السّلّار السّني بنى مدرسة للشافعية بالإسكندرية و أسند مشيختها للحافظ السّلفي.

____________

(1) النجوم الزاهرة 12/ 113، و من أهم المدارس التي بنيت بين القصرين في القاهرة دار الحديث الكاملية، و المدرسة الصالحية التي بناها الملك الصالح بن الكامل الأيوبي، و المدرسة الظاهرية، و المدرسة المنصورية، و غيرها.

97

و كذلك فإن صلاح الدين الأيوبي وزير العاضد العبيدي من قبل نور الدين محمود بنى في القاهرة المدرستين الناصرية، و القمحية كما سبق.

و المدارس السنية المذكورة لا يمكن بناؤها في هذه الدولة الرافضية لولا ضعفها، و قلة حيلتها.

(ب) الدولة السّلجوقية

: أنشأ أحد أمرائها و هو شجاع الدولة صادر بن عبد اللّه المدرسة الصادرية بدمشق، قال النّعيمي: «قال القاضي عز الدين:

و هي أول مدرسة أنشئت بدمشق سنة إحدى و تسعين و أربع مئة» (1)

ثم أنشأ أمين الدولة كمشتكين والي أتابكية عسكر دمشق من قبل الأمير الأتابك طغتكين السّلجوقي المدرسة الأمينية في دمشق: «قيل إنها أول مدرسة بنيت بدمشق للشافعية» (2). كما بنى أمين الدولة مدرسة ببصرى.

(ج) الدولة النورية

: قام صلاح الدين نائب الملك العادل نور الدين على مصر، و وزير العاضد العبيدي ببناء بعض المدارس، كما وقف الملك الكبير المنصور أسد الدين شيركوه بن شادي ملك الرّحبة و حمص، و أحد قواد نور الدين، و وزير العاضد العبيدي من قبل نور الدين المدرسة الأسدية بدمشق. و وقف الأمير الكبير مجاهد الدين الكردي أحد مقدمي جند نور الدين‏

____________

(1) الدارس في تاريخ المدارس 1/ 537.

(2) المصدر السابق 1/ 178.

فائدة: كانت دمشق، و بيت المقدس أكثر المدن الشامية مدارس، و معاهد علمية، و قد ألفت في ذلك كتب و بحوث. و لم تكن المدن الشامية الأخرى خالية من ذلك، بل وجد فيها كثير من المدارس و المكتبات. قال القلقشندي في صبح الأعشى 4/ 109 لما ذكر بعلبك:

«قال في مسالك الأبصار: بها المساجد، و المدارس، و الرّبط، و الخوانق، و الزوايا، و البيمارستان» و عندما ذكر حلب 4/ 116 قال: «قال في مسالك الأبصار: و هي مدينة عظيمة ... ذات جوامع، و مساجد، و مدارس، و خوانق، و زوايا و غير ذلك من سائر وجوه البرّ، و بها بيمارستان حسن لعلاج المرضى». و لما ذكر حماه 4/ 140 قال: «و بها القصور الملكية و الدور الأنيقة، و الجوامع، و المساجد، و المدارس، و الرّبط، و الزوايا» و لما ذكر طرابلس 4/ 143 قال: «بها مساجد، و مدارس، و زوايا، و بيمارستان».

98

مدرسة بدمشق، و وقف خادم نور الدين ريحان الطّواشي المدرسة الريحانية بدمشق، و وقفت زوجة نور الدين مدرسة بدمشق أيضا، كما بنت فيها مدرسة زوجة والد نور الدين السّلجوقية.

(د) الدولة الأيوبية

: اهتم الوزراء، و الأمراء، و الأعيان في هذه الدولة بإنشاء المعاهد العلمية، و دور الكتب.

فوزير صلاح الدين القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني العسقلاني ثم المصري بنى المدرسة الفاضلية بالقاهرة، قال المقريزي:

«و كانت هذه المدرسة من أعظم مدارس القاهرة، و أجلها» (1)، و قد ضم القاضي إليها مكتبة عظيمة بلغ عدد كتبها- فيما قيل- 124000 مجلد، معظمها مأخوذ من خزائن القصور العبيدية. و كان القاضي الفاضل يهتم بجمع الكتب، و قد بعث الرسل إلى النواحي لابتياعها و استنساخها.

كما بنى القاضي الفاضل مدرسة بدمشق عرفت أيضا بالفاضلية.

و أنشأ مجد الدين البهنسي وزير الملك الأشرف موسى بن العادل مدرسة بصالحية دمشق، و ضم إليها خزانة كتبه.

كما أنشأ الصاحب عز الدين بن القلانسي وزير الأيوبيين دارا للحديث بصالحية دمشق.

و أنشأ الصاحب صفي الدين عبد اللّه بن علي بن شكر وزير الأيوبيين المدرسة الصاحبية بالقاهرة، و وقف بها خزانة كتب.

و كان لكل من الوزيرين جمال الدين القفطي، و أمين الدولة أبي الحسن بن غزال السّامري مكتبة عظيمة، تحتوي على نفائس الكتب، كما وقف ابن غزال مدرسة ببعلبك.

و قد أنشأ قاضي حلب بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع المعروف‏

____________

(1) المواعظ و الاعتبار 2/ 366.

99

بابن شداد أحد كبار الأعيان؟؟؟ في الدولة الأيوبية مدرستان في حلب، جعل إحداهما دار حديث.

و قد أنشأ عدد من أمراء الأيوبيين المعاهد، و المدارس في مصر و الشام و غيرهما من بلاد الدولة الأيوبية، كالأمير علم الدين سنجر المعظمي، و الأمير صارم الدين قايماز، و الأمير جهاركس الصلاحي نائب العادل على بانياس و الشّقيف، و الأمير فخر الدين بن الزنجيلي نائب عدن، و الأمير عز الدين أيبك المعظمي نائب صرخد، و الأمير ركن الدين منكورس الفلكي، و الأمير جمال الدين آقوش الصالحي، كلهم في دمشق، و الأمير الشريف فخر الدين أبو نصر الجعفري، و الأمير فخر الدين أحد أمراء الملك الكامل، و الأمير سيف الدين أيازكوج، و الأمير قطب الدين بن بلبل في مصر.

كما وقف محتسب دمشق من قبل الأيوبيين محمد بن عقيل بن كروس دارا للحديث بدمشق.

و قد حرصت النساء، و أزواج الملوك من بني أيوب على تشييد المراكز العلمية، فوقفت كل من بنتي الملك العادل، و الملك المعظم بن العادل، و أختي صلاح الدين زمرد، و ربيعة (1)، و زوجة الملك المعظم مدرسة بدمشق، كما بنت بنت العادل المذكورة مدرسة بالقاهرة، و أخرى بحلب.

(ه) الدولة المماليكية

: تنافس وزراء هذه الدولة، و أمراؤها، و أعيانها في التقرب من العلماء، و في تشييد دور العلم، و خزائن الكتب.

فالأمير جمال الدين محمود بن علي الإستدّار بنى بالقاهرة سنة 797 المدرسة المحمودية، و جعل فيها خزانة كتب جليلة، و قد قال المقريزي في هذه المدرسة: «و عمل- (أي واقفها)- فيها خزانة كتب لا يعرف اليوم بديار مصر، و لا الشام مثلها، و هي باقية إلى اليوم لا يخرج لأحد منها كتاب إلا أن‏

____________

(1) و هي زوجة صاحب إربل مظفر الدين كوكبوري. و مدرستها بسفح قاسيون.

100

يكون في المدرسة، و بهذه الخزانة كتب الإسلام من كل فن، و هذه المدرسة من أحسن مدارس مصر» (1)، و قال الحافظ ابن حجر في كتب خزانتها: «و هي من أنفس الكتب الموجودة الآن بالقاهرة» (2).

و الأمير الكبير، الوزير بهاء الدين علي بن حنا بنى مدرسة كبيرة بالقاهرة، قال المقريزي: «و كانت من أجل مدارس الدنيا، و أعظم مدرسة بمصر» (3)، و جعل فيها خزانة كتب جليلة.

و الأمير الكبير سيف الدين الجاي أنشأ مدرسة عظيمة بالقاهرة، و جعل فيها خزانة كتب.

و الأمير، الوزير علاء الدين مغلطاي الجمّالي أنشأ المدرسة الجمّالية بالقاهرة، و وقفها على الحنفية، قال المقريزي: «و تعد من أجل مدارس القاهرة» (4).

و الأمير تنكز نائب الشام أنشأ دار قرآن و حديث بدمشق، و دار حديث بالقدس، و جدد عمارة بعض المدارس.

____________

(1) المواعظ و الاعتبار 2/ 395. و كتب الخزانة المحمودية كانت للقاضي برهان الدين بن جماعة فاشتراها الإستدّار جمال الدين محمود من تركة ولده. و كان القاضي برهان الدين مولعا بتحصيل الكتب، و جمعها، و اقتنائها قال فيه الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة: «و اقتنى من الكتب النفيسة بخطوط مصنفيها و غيرهم ما لم يتهيأ لغيره».

و قد تولى الإشراف على المكتبة المحمودية هذه سراج الدين أبو حفص عمر بن رسلان البلقيني، ثم عزل بفخر الدين عثمان البكري المعروف بالطاغي الذي عزل أيضا سنة 826 و استقر مكانه الحافظ ابن حجر. و كان سبب عزل البلقيني و الطاغي هو تفريطهما في حفظها، فقد نقصت في زمن البلقيني ثلاثين و مئة مجلد، و في زمن الطاغي أربع مئة مجلد، مع أن الواقف شرط أن لا يخرج شي‏ء من كتبها عن نطاق المدرسة.

إنباء الغمر 8/ 4- 5؛ الدرر الكامنة 1/ 40، 5/ 97؛ الضوء اللامع 5/ 143؛ و انظر:

بذل المجهود في خزانة محمود 134- 136.

(2) إنباء الغمر 8/ 4.

(3) المواعظ و الاعتبار 2/ 371.

(4) المصدر السابق 2/ 392.

101

و الأمير علم الدين سنجر الدّويدار بنى مدرسة و دار حديث بدمشق.

و الأمير سيف الدين منكوتمر الحسامي نائب السلطنة بمصر بنى مدرسة، و جعل فيها خزانة كتب.

و الأمير سعد الدين بشير أنشأ مدرسة بالقاهرة، و وقف عليها خزانة كتب.

و الأمير الطّواشي سابق الدين أنشأ مدرسة بالقاهرة، و وضع فيها خزانة كتب.

و الأمير علاء الدين طيبرس أنشأ مدرسة بالقاهرة، و ضم إليها خزانة كتب.

و الأمير شرف الدين عيسى الهكّاري أنشأ دارا للحديث بالقدس.

كما وقف عدد آخر من أمراء المماليك مدارس في مصر، و دمشق. فممن وقف بدمشق الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير مبارك، و الأمير نائب الشام قجماس الإسحاقي، و الأمير سيف الدين منجك، و غيرهم. و في مصر الأمير علاء الدين أقبغا عبد الواحد، و الأمير حسام الدين طرنطاي نائب السلطنة بمصر، و الأمير شمس الدين قراسنقر نائب السلطنة بمصر، و الأمير صلاح الدين خليل بن عرّام نائب المماليك بالإسكندرية، و الأمير سيف الدين طغجي، و الأمير علم الدين سنجر الجاولي، و الأمير شمس الدين الفارقاني، و غيرهم.

و قد أنشأت تتر الحجازية ابنة السلطان الناصر محمد بن قلاوون مدرسة بمصر، و وقفت عليها خزانة كتب حسنة.

و كان يوجد بدمشق في عهد المماليك دورا للحديث‏ (1) كثيرة أوقفها العلماء، و التجار، و الأغنياء و غيرهم كدار الحديث السكرية و دار الحديث القوصية- و قد بقيت من عهد الأيوبيين- و دار الحديث السّامريّة، و دار الحديث الحمصية، و دار الحديث الشقيقية، و دار الحديث العروية و بها خزانة كتب، و دار الحديث النّفيسيّة، و دار الحديث البهائية.

____________

(1) جمع ابن طولون جزءا ذكر فيه دور الحديث بدمشق.

102

- العلماء: ليس ذكر اهتمام العلماء بإقامة المراكز العلمية من شرطي- كما سبق- و لكنني أذكر منهم هنا رجلين فقط عاشا في عهد الدولة الأيوبية، و كان لهما دور بارز في هذا المضمار و هما:

(1) الشيخ أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي أخو الإمام موفق الدين، الذي أنشأ مدرسة بصالحية دمشق، و قد اعتنى بهذه المدرسة العلماء و الناس من بعده فكانوا يزيدون في بنائها و أثاثها حتى صارت من أعظم المدارس في بلاد الإسلام، و وقف أبو عمر عليها مكتبة عظمت كثيرا من بعده أيضا لأن العلماء كانوا يكثرون من وقف الكتب عليها.

و قد بقي من هذه المكتبة جملة كبيرة توجد الآن في المكتبة الظاهرية بدمشق.

(2) و الحافظ الكبير ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي الذي أنشأ بصالحية دمشق المدرسة الضيائية، و وقف عليها خزانة كتب جليلة، كثير منها بخطه.

(3) دول المغرب و الأندلس:

- الخلفاء و الملوك:

(أ) الأندلس‏

: عني الخلفاء و الملوك الأندلسيون عناية فائقة بنشر العلم و المعرفة في ربوع جزيرتهم الواسعة، فبنوا المعاهد العلمية، و أنشئوا المكتبات العظيمة، و شجعوا العلماء.

فالأمير عبد الرحمن بن الحكم بن هشام الأموي شغف بجمع الكتب، و بعث الرسل إلى المشرق لانتقائها، و ابتياعها، و استنساخها، حتى أنشأ في قصر قرطبة مكتبة كبيرة كانت حينئذ أجل مكتبات الأندلس، و يعتبر ابن الحكم هذا أول أمراء الأندلس الذين اعتنوا بجمع الكتب.

و قد سار على منواله في هذا الشأن الخليفة الناصر عبد الرحمن بن‏

103

محمد بن عبد اللّه، فأثرى مكتبة القصر بمجموعات كبيرة من الكتب جمعت له من الآفاق.

ثم تولى الملك من بعده ابنه الخليفة الحكم المستنصر بن عبد الرحمن بن محمد فتقدمت في عهده الحركة العلمية تقدما عظيما لم يعهد من قبل في الأندلس، فقد أنشأ المدارس الكثيرة، حتى صار معظم أهل قرطبة متعلمين، و شغف بجمع الكتب شغفا لم يبلغه أحد من أسلافه، فقد أرسل الوفود الكثيرة إلى دمشق، و بغداد، و القاهرة، و خراسان و غيرها من البلاد ينتقون له الكتب، و يشترونها، كما كان له وراقون في كثير من مدن المشرق يستنسخون له الكتب النفيسة، و الأسفار الثمينة، حتى استطاع أن يجعل مكتبة القصر في قرطبة من أعظم مكتبات الدنيا، و كان كثير من علماء الشرق و الغرب يهدون كتبهم للحكم المستنصر لما يرون من علمه، و حبه للكتب، و قد قدر عدد الأسفار في مكتبة القصر القرطبي ب 400000 و قيل 600000 مجلد.

و قد أشار القلقشندي إلى عظم هذه المكتبة فقال: «و يقال إن أعظم خزائن الكتب في الإسلام ثلاث خزائن:

إحداها: خزانة الخلفاء العباسيين ببغداد ...

الثانية: خزانة الخلفاء الفاطميين بمصر ...

الثالثة: خزانة خلفاء بني أمية بالأندلس، و كانت من أجل خزائن الكتب أيضا، و لم تزل إلى انقراض دولتهم باستيلاء ملوك الطوائف على الأندلس، فذهبت كتبها كل مذهب» (1).

أما ملوك الطوائف فقد اهتموا كثيرا بإنشاء المراكز العلمية، و خاصة المكتبات.

ففي إشبيلية كانت مكتبة بني عبّاد العظيمة.

و في بطليوس كانت مكتبة المظفر بن الأفطس الزاخرة بنفائس الأسفار.

____________

(1) صبح الأعشى 1/ 467.

104

و في طليطلة كانت مكتبة بني ذي النون الجليلة.

و في منطقة المريّة وجدت المكتبات القيمة، و كذلك في سائر مدائن الأندلس.

و اهتم بهذا الأمر أيضا بنو الأحمر ملوك غرناطة.

(ب) المغرب‏

: حرص الخلفاء و الملوك في المغرب على إقامة المعاهد و المكتبات، فأبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن صاحب الدولة الموحدية أنشأ في مرّاكش مكتبة عظيمة. و ملوك المرينيون بنوا المدارس الكثيرة، و شجعوا الحركة العلمية.

-

الوزراء و الأمراء

: لقد قيض اللّه سبحانه و تعالى لبلاد الأندلس وزراء نابهين، و حجابا صالحين، و أمراء نجباء، ساعدوا على رفع المستوى العلمي في بلادهم، و من أجلّ هؤلاء الحاجب المنصور (محمد بن أبي عامر) أعظم وزراء الأمويين في الأندلس، الذي أنشأ دور العلم بقرطبة، و بالغ في الإنفاق عليها، و تكريم أهلها من علماء و طلبة، و كان (رحمه اللّه تعالى) محبا للعلم و المعرفة، يؤثر علوم الشرائع و العربية، و يبغض علوم الأوائل، و قد استخرج من مكتبة القصر كتب الفلسفة التي جمعها الحكم المستنصر و أحرقها فجزاه اللّه خير الجزاء، و كان مغرما بجمع الكتب، له خزانة كتب عظيمة تشتمل على أمهات الأسفار و نفائسها.

و قد تنافس الأمراء و الأعيان في قرطبة، و خاصة في عهد الحكم المستنصر، في تأسيس المكتبات في دورهم، حتى غدت أسواق الكتب في قرطبة من أعظم الأسواق الكتبية و أحفلها في العالم.

و قد قيل إنه كان يوجد في الأندلس حوالي 70 مكتبة عامة.

و كان يوسف بن نغرالة اليهودي أحد وزراء بني مناد البربر في غرناطة جمّاعة للكتب، أنشأ لنفسه مكتبة عظيمة.