الأمصار ذوات الآثار

- محمد بن أحمد الذهبي المزيد...
262 /
105

الفقرة الثانية: أسباب ضعف الحركة العلمية في ديار الإسلام‏

تختلف وجهات نظر الباحثين في تحديد بدء ضعف الحركة العلمية في ديار الإسلام لاختلاف مشاربهم، فالباحثون المسلمون الواعون يرجعون ذلك إلى عهد المأمون العباسي الذي نشر علوم الزنادقة و الفلاسفة في قلب المجتمع الإسلامي. أما الباحثون الآخرون فإنهم يجعلون بدء الضعف من وقت تدمير المنشآت العلمية من معاهد، و مدارس، و مكتبات، و قتل العلماء على يد الصليبيين، و التتار، و غيرهم.

و الرأي الثاني لا يرفضه بكامله أصحاب المذهب الأول، إنما يرفضون منه جعله قاعدة البدء، و لا أريد الخوض في جميع عوامل ضعف الحركة العلمية عند المسلمين، و إنما أتكلم عن عاملين أساسيين فقط- مضت الإشارة إليهما- و هما:

(1) جلب علوم الأوائل الفاسدة إلى ديار المسلمين، و انصراف كثير من العلماء إليها.

(2) نكبة المسلمين في أنفسهم، و بلادهم، و مراكزهم العلمية من أعدائهم الكفرة، و المنتسبين للإسلام، و نكبتهم في ذلك أيضا عند تغيّر دولهم، و نكبتهم أيضا عند حلول قوارع الزمن.

فالعامل الأول: كان له أثر كبير في وهن البنيان السليم للحركة العلمية في بلاد المسلمين،

106

لأنه أراد تغيير مسارها الطبيعي إلى حيث الجدليات العقيمة، و المخاضات المهلكة، و الغياهب المتلفة التي شتتت أفكار المسلمين، و أوقعت بينهم العداوة و البغضاء. فبدل أن ينصرف جميع طلبة العلم إلى تعلم العلوم الشرعية، و العربية، و التاريخية، و علوم الطب، و الهندسة و ما إلى ذلك من علوم نافعة تقيم الحضارة، و ترفع من شأن المجتمعات، راح الكثير منهم يتخبطون في دراسة نظريات أرسطو، و أفلاطون المظلمة التي تفسد العقائد، و تضل الأذهان.

و قد حكي أن ملوك الروم لما دخلوا في النصرانية جمعوا كتب الفلاسفة من نواحي ممالكهم، و وضعوها في مخازن سرية موصدة كي لا يطلع عليها أحد من الناس، خوفا من فساد المعتقد، و ذهاب الدين، لكن يحيى بن خالد البرمكي الفارسي الزنديق أحد وزراء العباسيين طلب من ملوك الروم تلك الكتب فبذلوها إليه، و إلى المأمون من بعده، لا يريدون بذلك إلا إضلال المسلمين، و تحويلهم عن دينهم القويم.

أما العامل الثاني: فيمكن تفصيل الكلام فيه من خلال تقسيمه إلى عدة نقاط

، و هي: نوائب التتار، و قواصم الصليبيين، و قوارع الباطنيين، و مهالك العابثين المفسدين، و تبدل دول المسلمين، و حوالك الزمان.

(1) نوائب التتار:

لم ترزأ أمة من أمم الأرض قاطبة بمثل تلك الرّزيئة المهولة التي فجع بها المسلمون عند دخول التتار إلى بلادهم، فقد أهلك هؤلاء الكفرة الحرث و النسل، و عم فسادهم السهل و الوعل، و جعلوا مدن الإسلام المشرقية خرابا يبابا، بعد أن كانت آمنة مطمئنة، و عامرة مخضرة، فدمروا عمرانها، و نهبوا أموالها و ثرواتها، و قتلوا رجالها، و استرقوا صبيانها، و استحيوا نساءها، و جعلوها كأن لم تكن.

و كان ياقوت الحموي ممن عاين هذه الفاجعة المروّعة، و شاهد

107

شدائدها، و عايش وقائعها حيث كان بخوارزم، و لما وصل إلى الموصل هاربا، كتب إلى الوزير في حلب القاضي جمال الدين أبي الحسن القفطي رسالة بليغة طويلة، يصف فيها حاله، و حال البلاد التي عدا عليها التتار، و عاثوا فيها الفساد، و من جملة ما فيها: «... إلى أن حدث بخراسان ما حدث من الخراب، و الويل المبير و التّباب، و كانت لعمر اللّه بلادا مونقة الأرجاء، رائعة الأنحاء، ذات رياض أريضة، و أهوية صحيحة مريضة، قد تغنت أطيارها، فتمايلت طربا أشجارها، و بكت أنهارها، فتضاحكت أزهارها، و طاب روح نسيمها، فصح مزاج إقليمها ... و جملة أمرها أنها كانت أنموذج الجنة بلامين، فيها ما تشتهي الأنفس و تلذ العين، قد اشتملت عليها المكارم، و ارجحنّت في أرجائها الخيرات الفائضة للعالم، فكم فيها من حبر راقت حبره، و من إمام توّجت حياة الإسلام سيره، آثار علومهم على صفحات الدهر مكتوبة، و فضائلهم في محاسن الدنيا و الدين محسوبة ... أطفالهم رجال، و شبابهم أبطال، و مشايخهم أبدال، شواهد مناقبهم باهرة، و دلائل مجدهم ظاهرة ... فجاس خلال تلك الديار أهل الكفر و الإلحاد، و تحكم في تلك الأبشار أولو الزّيغ و العناد، فأصبحت تلك القصور، كالممحوّ من السطور، و آضت تلك الأوطان، مأوى الأصداء و الغربان، تتجاوب في نواحيها البوم، و تتناوح في أراجيها الريح السّموم ... فإنا للّه و إنا إليه راجعون من حادثة تقصم الظهر، و تهدم العمر، و تفت في العضد، و توهي الجلد، و تضاعف الكمد، و تشيب الوليد ... و جملة الأمر أنه لولا فسحة في الأجل، لعز أن يقال سلم البائس- (يقصد ياقوت نفسه)- أو وصل، و لصفق عليه أهل الوداد صفقة المغبون، و ألحق بألف ألف ألف ألف ألف هالك بأيدي الكفار أو يزيدون ...» (1) انتهى.

فهذه صورة وجيزة صادقة عن حال تلك البلاد قبل خروج التتار، و ما آلت‏

____________

(1) وفيات الأعيان 6/ 134- 137.

108

إليه بعد هجمتهم البئيسة، و انقضاضهم عليها كانقضاض الذئب على الفريسة.

و قد أسهب أيضا المؤرخ عز الدين بن الأثير في وصف هول هذه الوقعة التي عاصرها، و لابس أخبارها، و شافه عددا ممن ذاق مرارتها، و إليك بعض وصفه المجمل: «فلو قال قائل: إن العالم مذ خلق اللّه سبحانه و تعالى آدم، و إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها و لا ما يدانيها ... و لعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم، و تفنى الدنيا إلا يأجوج و مأجوج، و أما الدجال فإنه يبقي على من اتبعه، و يهلك من خالفه، و هؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا النساء، و الرجال، و الأطفال، و شقوا بطون الحوامل، و قتلوا الأجنّة، فإنا للّه و إنا إليه راجعون، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم» (1).

و قد سبق في هذه المقدمة شرح حال التتار، و دخولهم المهيل إلى بلاد الإسلام، و ما اقترفوا فيها من عظائم، و ما اجترحته أيديهم من سيئات، فلا داعي لإعادته، إلا ما تمس حاجة البحث إليه من بيان إعدامهم للعلماء، و تدميرهم للمعاهد العلمية، و إحراقهم للمكتبات، و إتلافهم لها.

فعندما تمكن جنكيز خان من بلاد ما وراء النهر، وضع السيف في رقاب أهلها حتى استأصلهم، و فيهم ما لا يحصى من الأئمة، و العلماء الأفذاذ الذين طار ذكرهم في الآفاق، و ضربت إليهم آباط الإبل من كل مكان.

و لم يقنع جنكيز خان و قبيله بهذا الأمر، بل أرادوا أن يمحوا كل أثر للإسلام في تلك الديار، و يزيلوا منها كل معلم يشهد بحضارة المسلمين، و ينطق بمآثرهم، فعمدوا إلى المدارس، و المساجد، و دور العلم فطمسوا آثارها، و خربوا عمرانها، و جعلوها قاعا صفصفا، ثم أضرموا النار في خزائن الكتب العامرة حتى صارت رمادا تذروه الرياح.

____________

(1) الكامل 12/ 358- 359.

109

و تقدم التتار بعد ذلك- بأمر من ملكهم جنكيز خان- إلى بلاد خوارزم، و بلاد خراسان الواسعة، و بلاد الجبال، و بلاد أذربيجان، و بلاد أرّان، و غيرها ففعلوا فيها مثل ما فعلوه في بلاد ما وراء النهر. و لا يشعر بعظم هذه المصيبة القاصمة إلا من علم ما كانت تشتمل عليه تلك البلاد من مدن و قرى كثيرة عامرة، و ما كانت تحويه هذه المدن و القرى من خلق عظيم لا يعلم عددهم إلا اللّه تعالى، و ما كان في هذا الخلق من علماء الدين، و أئمة المسلمين، و أحبارهم الذين تعجز الأسفار العظيمة عن الوفاء بأسمائهم فضلا عن تراجمهم.

و ليست هذه وحدها حادثة التتار، بل إنهم لعنهم اللّه تقدموا في عهد ملكهم هولاكو إلى عاصمة الإسلام، و قاعدة الدنيا، و موئل الأنام، بغداد، فجاسوا خلال ديارها، و قضوا على قضاتها و فقهائها و علمائها- و ناهيك بهم جلالة و كثرة- و دمروا مدارسها، و مساجدها، و ربطها، و جعلوا من خزائنها العظيمة، و دور كتبها الحافلة طعمة للنيران، و معابر لخيولهم على دجلة، و مرابط لحمرهم، و قد ذكر ابن خلدون، و ابن الساعي، و القلقشندي صورا من جرائمهم، و عبثهم في مكتبات بغداد الضخمة و بخاصة بيت الحكمة، فقال ابن خلدون: «و ألقيت كتب العلم التي كانت بخزائنهم جميعها في دجلة، و كان شيئا لا يعبر عنه» (1). و قال ابن الساعي: «بنوا إسطبلات الخيول، و طوالات المعالف بكتب العلماء عوضا عن اللبن» (2). و قال القلقشندي:

«خزانة الخلفاء العباسيين ببغداد: فكان فيها من الكتب ما لا يحصى كثرة، و لا يقوم عليه نفاسة، و لم تزل على ذلك إلى أن دهمت التتر بغداد، و قتل ملكهم هولاكو المستعصم آخر خلفائهم ببغداد، فذهبت خزانة الكتب فيما ذهب، و ذهبت معالمها، و أعفيت آثارها» (3).

____________

(1) تاريخ ابن خلدون 3/ 537.

(2) خزائن الكتب القديمة في العراق لكوركيس عواد 102 نقلا عن مختصر أخبار الخلفاء المنسوب لابن الساعي.

(3) صبح الأعشى 1/ 466.

110

و لما تحقق لهولاكو مراده من بغداد، توجه إلى بلاد الشام، و قصد مدينة حلب، فدخلها، و وضع السيف في جميع أهلها، و دمر مراكزها العلمية، ثم استولى على سائر مدن الشام.

و بعد فترة من الزمن أرسل طائفة من جنده إلى مدينة الموصل من بلاد الجزيرة، ففعلوا فيها مثل ما فعله في حلب.

و في سنة 694 تولى غازان التتري ملك المشرق، و دخل في الإسلام مع جماعة كبيرة من قومه، لكن انتسابه لهذا الدين لم يمنعه من الاعتداء على البلاد الإسلامية، ففي سنة 699 زحف بجنده إلى الشام، و استولى على جميع مدائنها، و إليه تنسب الوقعة الشهيرة في كتب التاريخ بوقعة غازان، و في هذه الوقعة الأليمة نهبت مكتبات دمشق، كمكتبة الرباط الناصري- نسبة إلى الملك الناصر بن قلاوون- و مكتبة المدرسة الضيائية، و خزانة ابن البزوري، و غيرها من مكتبات المدارس و المساجد في دمشق و الصالحية، كما أحرقت دار الحديث الأشرفية، و ذهب كل ما فيها.

و لم يقتصر أمر التتار على هذا، ففي سنة 803 توجه ملكهم و طاغيتهم تيمور لنك لعنة اللّه عليه إلى بلاد الشام، فاستولى على حلب، و حماه، و دمشق و غيرها من مدن الشام، و قام بقتل جميع أهلها، و دمر مساجدها، و مدارسها، و مكتباتها، و أضرم النار في دورها، و أسواقها، حتى عفت رسومها.

و كانت وقعة تيمور لنك هذه أعظم، و أقسى، و أشد وقائع التتار على بلاد الشام.

ثم توجه تيمور لنك إلى بغداد، فأهلك كل من لم يمكنه الهرب من أهلها، ثم قضى على كل أثر للعلم و الحضارة و الحياة فيها، حيث خرب المدارس، و المساجد، و الربط، و الدور، و الأسواق، و كان لعنه اللّه قد ورد بغداد سنة 795 فقتل، و نهب، و خرّب.

111

(2) قواصم الصليبيين:

لقد نعم النصارى بالأمن و الطمأنينة في ظل دولة الإسلام قرونا طويلة، حفظت لهم فيها الحقوق، و سلموا من الظلم و الجور اللذين عاملهم ملوكهم قبل الإسلام بهما.

فأهل الذمة منهم لقوا من المسلمين سماحة و عدلا لم يعهدوهما في سابق أيامهم فلم تهدم كنائسهم، و لم يمنعوا من أداء عباداتهم، و لم يمس أحد من قساوستهم بأذى، بل شاهدوا بأم أعينهم أن حكم الإسلام العادل كان يردع كل من سولت له نفسه ظلمهم.

و كان حقا على النصارى أن يعاملوا المسلمين بما عوملوا به، لكنهم لما ظهرت دولتهم، و تمكنوا من بلاد الإسلام، جازوا المسلمين جزاء سنمّار، فأرخوا عنان ظلمهم و بغيهم على المسلمين، فلم يرحموا في بلاد الإسلام التي دخلوا عليها شيخا أو وليدا، و لم يتركوا فيها للإسلام ركنا مشيدا، بل وضعوا السيف في المسلمين، و أعدموا العلماء و العابدين، و هدموا المساجد على المصلين، و نهبوا كل ما وصلت إليه أيديهم من أموال و ثروات، هذا إلى جانب هتكهم للأعراض و الحرمات.

لقد وهنت الحركة العلمية و عدمت في البلاد التي دخلها النصارى، لأنهم قتلوا العلماء، و هدموا المدارس، و أحرقوا المكتبات، بعد أن نهبوا منها ما أرادوا.

- ففي طرابلس الشام: كانت مكتبة بني عمار الفريدة التي ضاهت بل وفاقت أعظم مكتبات الدنيا كثرة و نفاسة، و قد قدر البعض أعداد أسفارها بثلاثة آلاف ألف مجلد، فلما دخل النصارى طرابلس أضرموا النار في هذه المكتبة العظيمة، و لم يسلم منها إلا ما أرادوا نهبه.

و قد صور ابن الأثير دخول الصليبيين الفرنجة إلى طرابلس بقوله:

«فهجموا على البلد، و ملكوه عنوة و قهرا، و نهبوا ما فيها، و أسروا الرجال،

112

و سبوا النساء و الأطفال، و نهبوا الأموال، و غنموا من أهلها من الأموال و الأمتعة، و كتب دور العلم الموقوفة ما لا يحد و لا يحصى فإن أهلها كانوا من أكثر أهل البلاد أموالا و تجارة، و عاقب الفرنج أهلها بأنواع العقوبات، و أخذت دفائنهم و ذخائرهم في مكامنهم» (1).

- و في بيت المقدس: لما دخل النصارى إليه قتلوا من أهله مقتلة عظيمة، و هدموا المساجد، و أحرقوا المكتبات، قال السيوطي: «و فيها- (أي في سنة 492)- أخذت الفرنج بيت المقدس بعد حصار شهر و نصف، و قتلوا به أكثر من سبعين ألفا، منهم جماعة من العلماء، و العباد، و الزهاد، و هدموا المساجد ...» (2).

و قال ابن الأثير: «و قتل الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا، منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين، و علمائهم، و عبادهم، و زهادهم ممن فارق الأوطان، و جاور بذلك الموضع الشريف» (3).

و قد فعل النصارى في مدائن الشام الأخرى مثل ما فعلوه في طرابلس، و بيت المقدس.

- و في الأندلس: لما سقطت غرناطة سنة 897 بيد الأسبان الصليبيين، فرّ كثير من علمائهم إلى بلاد المغرب، و كان أصحاب السلطان في غرناطة قد اتفقوا مع النصارى المحاصرين لبلدهم، على تسليم المدينة بشروط منها:

عدم التدخل في شئون المسلمين، و منحهم الحرية المطلقة في أداء شعائر دينهم، و الاحتفاظ بأملاكهم، و مراكزهم العلمية و معاهدهم، لكن الأسبان الحاقدين لما تمكنوا من المدينة خرقوا كل المواثيق، و نقضوا جميع العهود، و قد أمر أحد كبرائهم و هو الكاردينال خمنيس سنة 905 بجمع الكتب من‏

____________

(1) الكامل 10/ 476.

(2) تاريخ الخلفاء 283.

(3) الكامل 10/ 283- 284.

113

جميع المكتبات الإسلامية الخاصة و العامة بغرناطة- مع إيعاده لكل من تستّر على كتاب بالعذاب الشديد، و القتل- و لما جمعت له انتقى منها بعض الكتب الطبية، و الهندسية و غيرها و أرسلها إلى إحدى الجامعات، ثم أضرم النار في البقية التي تعد بمئات الآلاف في أحد ميادين غرناطة.

و لم يقتصر الحقد الصليبي الدفين على هذا العمل المشين بل ضيقوا على المسلمين، و هدموا مساجدهم، و مدارسهم، و أجبروهم على التنصر تحت العذاب الأليم، و منعوهم من التكلم بالعربية.

و كان النصارى الأسبان قد ارتكبوا مثل هذه الجرائم في المدن الأندلسية الأخرى التي استولوا عليها من قبل، لكن عملهم في غرناطة كان أشد و أقسى لأن هذه المدينة كانت آخر معقل للمسلمين في جزيرة الأندلس.

و لم يبرح النصارى منذ الحروب الصليبية و إلى الآن يظهرون كل عداء للمسلمين، و يعملون على القضاء على حضارتهم بكل وسيلة ممكنة، فعندما استولى الفرنجيون (الفرنسيون) على قسنطينية إحدى مدن الجزائر في منتصف القرن الثالث عشر، أحرقوا كل ما وقفوا عليه من كتب فيها، كما أن منظمة التحرير الفرنسية السرية التي تشكلت في الجزائر قبيل استقلالها قامت بحرق مكتبة جامعة الجزائر التي كانت تحتوي على أكثر من خمس مئة ألف كتاب.

فهذا هو حال النصارى في القديم و الحديث، فما أحرى المسلمين اليوم أن يتنبهوا لمكايد هذه الفئة الضالة، التي بدلت دينها، و تنكبت عن جادة طريقها، و دأبت على تدبير الدسائس، و تحيّن الفرص للنيل من المسلمين، و الانتقاص من دينهم، لكن اللّه ربنا لهم بالمرصاد إن استقمنا على هديه، و احتكمنا لشرعه‏ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللَّهُ، وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ‏ (1).

____________

(1) الأنفال 30.

114

(3) قوارع الباطنيين:

لقد ابتلى اللّه سبحانه و تعالى المسلمين بأعداء أشداء، قلوبهم كالحجارة بل أشد قسوة، فجاسوا خلال الديار، و جعلوا أعزة أهلها أذلة، فكم من دماء سفكوا، و من أعراض هتكوا، و من معالم أزالوا.

و كان من ألد هؤلاء الأعداء، و أعتاهم، الباطنيون، و أعوانهم من غلاة الرافضة.

فالعبيديون حاربوا أهل السنّة، و قتلوا كثيرا من أئمتهم، و علمائهم، فعبيد اللّه المهدي المجوسي الذي نصب نفسه خليفة «كان باطنيا خبيثا، حريصا على إزالة ملة الإسلام، أعدم العلماء، و الفقهاء ليتمكن من إغواء الخلق، و جاء أولاده على أسلوبه» (1).

و القائم بأمر اللّه بن المهدي ثاني ملوكهم كان «زنديقا ملعونا، أظهر سب الأنبياء ... و قتل خلقا من العلماء» (2).

و الحاكم بأمر اللّه لعنه اللّه كان من أشد ملوكهم إيذاءا للمسلمين، و علمائهم.

و المستنصر باللّه بالغ في محاربة السنّة و أهلها قال ابن تغري بردي: «و في دولته كان الرفض و السب فاشيا مجهرا، و السنّة و الإسلام غريبا» (3).

____________

(1) تاريخ الخلفاء 259- 260.

(2) المصدر السابق 265.

(3) النجوم الزاهرة 5/ 3. و في عهد المستنصر المذكور منع الإمام الحافظ أبو إسحاق الحبّال المصري من التحديث قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 18/ 497: «و كانت الدولة الباطنية قد منعوه من التحديث، و أخافوه، و هدّدوه فامتنع من الرواية و لم ينتشر له كبير شي‏ء ... قلت:

قبّح اللّه دولة أماتت السنة و رواية الأثارة النبوية، و أحيت الرفض و الضلال، و بثّت دعاتها في النواحي تغوي الناس و يدعونهم إلى نحلة الإسماعيلية».

و كان بعض علماء أهل السنّة يدارون هذه الدولة خوفا من بطشها و سطوتها قال الذهبي في ترجمة الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري في سير أعلام النبلاء 17/ 271:-

115

و لم يسلم من الإفساد أحد من ملوك العبيديين إلا من لم يقدر عليه، فعندما ذكر السيوطي بعض الفتن التي أصابت أمة الإسلام قال: «و من جملة ذلك ابتداء الدولة العبيدية، و ناهيك بهم إفسادا و كفرا، و قتلا للعلماء و الصلحاء» (1).

و من أخطر و أقبح الأمور المنسوبة إليهم أنهم حرضوا النصارى على الدخول إلى بلاد الشام، قال السيوطي: «فقيل: إن صاحب مصر لما رأى قوة السّلجوقية و استيلاءهم على الشام كاتب الفرنج يدعوهم إلى المجي‏ء إلى الشام ليملكوها» (2).

هذا شي‏ء من خبر باطنيي المغرب، أما أهل المشرق منهم فلم يكونوا أحسن من سابقيهم، حيث لقي المسلمون منهم كل سوء و بلاء، و من جرائمهم المروّعة أنهم كمنوا سنة 552 لحجاج خراسان و كانوا خلقا عظيما فيهم الأئمة، و العلماء، و الصالحون، فقتلوهم إلا يسيرا منهم، قال ابن الأثير:

«في هذه السنة سار حجاج خراسان، فلما رحلوا عن بسطام أغار عليهم جمع من الجند الخراسانية قد قصدوا طبرستان، فأخذوا من أمتعتهم، و قتلوا نفرا منهم، و سلم الباقون، و ساروا عن موضعهم، فبينما هم سائرون إذ طلع عليهم الإسماعيلية، فقاتلهم الحجاج قتالا عظيما، و صبروا صبرا عظيما، فقتل أميرهم، فانخذلوا، و ألقوا بأيديهم و استسلموا، و طلبوا الأمان، و ألقوا أسلحتهم مستأمنين، فأخذهم الإسماعيلية، و قتلوهم، و لم يبقوا منهم إلا شرذمة يسيرة، و قتل فيهم من الأئمة، و العلماء، و الزهاد، و الصلحاء جمع‏

____________

- «قلت: اتصاله بالدولة العبيدية كان مداراة لهم، و إلا فلو جمح عليهم لاستأصله الحاكم خليفة مصر ... و أظنه ولي وظيفة لهم، و قد كان من أئمة الأثر، نشأ في سنة و اتباع قبل وجود دولة الرفض، و استمر هو على التمسك بالحديث، و لكنه دارى القوم، و داهنهم».

(1) تاريخ الخلفاء 351.

(2) المصدر السابق 283.

116

كثير، و كانت مصيبة عظيمة عمت بلاد الإسلام، و خصت خراسان، و لم يبق بلد إلا و فيه المأتم» (1).

و قد ساعد الإسماعيليون (الباطنيون) التتار على المسلمين، و أرشدوهم إلى مواطن ضعفهم، فكان ذلك من أسباب ظهور التتار و غلبتهم.

كما أن ابن العلقمي الرافضي وزير المستعصم باللّه العباسي هوّن لهولاكو دخول بغداد، و صرف كثيرا من جند المسلمين عن قتال التتار.

و لما دخل التتار إلى بغداد، قام نصير الدين الطوسي الرافضي منجم هولاكو بإتلاف الكتب الشرعية الموجودة في مكتبات بغداد العظيمة، قال ابن تيمية: «لما استولى التتار على بغداد، و كان الطوسي منجما لهولاكو استولى على كتب الناس الوقف و الملك، فكان كتب الإسلام مثل التفسير، و الحديث، و الفقه، و الرقائق يعدمها، و أخذ كتب الطب، و النجوم، و الفلسفة، و العربية، فهذه عنده هي الكتب المعظمة» (2).

فهذه نتف من عظائم الباطنيين، و غلاة الرافضة، تدل على زندقة أصحابها، و خبثهم، و عدائهم للإسلام و المسلمين.

(4) جرائم العابثين المفسدين:

لقد كان لتلك الجرائم أثر كبير في ضعف الحركة العلمية، و تأخرها، قال ابن الأثير عند ذكره لحوادث سنة 556: «ذكر الفتنة بنيسابور و تخريبها: كان أهل العبث و الفساد بنيسابور قد طمعوا في نهب الأموال، و تخريب البيوت، حيث خربوا نيسابور بالكلية، و من جملة ما خرب مسجد عقيل كان مجمعا لأهل العلم، و فيه خزائن الكتب الموقوفة، و كان من أعظم منافع نيسابور، و خرب أيضا من مدارس الحنفية ثماني مدارس، و من مدارس الشافعية سبع‏

____________

(1) الكامل 11/ 225.

(2) مجموع الفتاوى 13/ 207.

117

عشرة مدرسة، و أحرق خمس خزائن للكتب، و نهب سبع خزائن كتب» (1).

و من أعظم فتن هؤلاء المفسدين، فتنة الغزّ (2) الأتراك المسلمين، الذين قاموا سنة 548 بغارات واسعة على مدن و قرى خراسان، فنهبوها، و وضعوا السيف في أهلها، و قتلوا جماعة لا تحصى من القضاة و الأئمة و العلماء، و سبوا النساء و الذرية، و أحرقوا المكتبات العظيمة في مرو، و نيسابور، و طوس، و غيرها، و هدموا دور العلم، و لم يسلم من خراسان في هذه الفتنة إلا هراة و دهستان.

و كان من خبرهم في نيسابور أنهم لما دخلوا البلد اجتمع الناس في الجامع الكبير، و طلبوا الأمان، فدخل عليهم الغز و قتلوهم عن آخرهم، و فيهم عدد كبير من الأئمة.

و لم تقتصر غارات الغز على بلاد خراسان بل تقدموا غربا إلى الرّيّ، و أذربيجان، و الجبال، و العراق، فنهبوا، و قتلوا، و سبوا، و ارتكبوا كل كبير (3).

و من فتن المفسدين التي ضيعت جملة كبيرة من تراثنا المكتبي العظيم، ما حدث في البصرة سنة 483 عندما دخلها رجل ادعى أنه المهدي، و حارب أهل البصرة، و شجع عليهم أهل العبث و الفساد فنهبوا المدينة، و أحرقوا أعظم مكتباتها قال ابن الجوزي: «ورد البصرة رجل كان ينظر في علوم النجوم، يقال له تليا، و استغوى جماعة، و ادعى أنه الإمام المهدي، و أحرق البصرة، فأحرقت دار كتب عملت قبل عضد الدولة و هي أول دار كتب عملت في الإسلام» (4).

____________

(1) الكامل 9/ 74.

(2) كان الغز يسكنون بلاد تركستان فلما ملك الخطا بلادهم، أخرجوهم منها، فقصدوا خراسان، و كانوا خلقا كثيرا.

(3) ينظر تفصيل خبر الغزّ في الكامل 9/ 377- 391 و 11/ 176- 183؛ كما أشار السمعاني في مواطن كثيرة من كتاب التحبير إلى قتلهم للعلماء، و إفسادهم في البلاد، ينظر مقدمة تحقيق التحبير 1/ 61- 62.

(4) المنتظم 9/ 53.

118

و قال ابن الأثير: «و دخل العرب حينئذ البصرة ... و ملكوها، و نهبوا ما فيها نهبا شنيعا ... و أحرقوا مواضع عدة، و في جملة ما أحرقوا داران للكتب إحداهما وقفت قبل أيام عضد الدولة بن بويه ... و هي أول دار وقفت في الإسلام، و الأخرى وقفها الوزير أبو منصور بن شاه مردان و كان بها نفائس الكتب و أعيانها» (1).

(5) تبدل دول المسلمين:

شهد المسلمون حروبا كثيرة و مريرة، كانت تحدث عند تغيّر دولهم، و تبدل ملوكهم و أمرائهم، و لو أراد الإنسان أن يسرد تلك الوقائع، و يصور ما فيها من الشدائد و الفظائع، لطال الأمر كثيرا، و لخرج البحث عن مساره السليم، و إني أكتفي هنا بذكر بعض الحوادث التي كان لها أثر مباشر في ضعف الحركة العلمية.

فالخليفة المقتدر باللّه بن المعتضد باللّه العباسي لما اعتلى كرسي الخلافة بعد خلعه عنها أمر بقتل الذين خلعوه، و منهم قاضي القضاة، و جماعة من العلماء و الفقهاء، قال السيوطي و هو يعدد الفتن التي ابتلي بها المسلمون:

«ثم فتنة المقتدر لما خلع، و بويع ابن المعتز، و أعيد المقتدر ثاني يوم، و ذبح القاضي، و خلقا من العلماء، و لم يقتل قاض قبله في ملة الإسلام» (2).

و لما ضعف أمر الخلافة الأموية في الأندلس تمكن الثوار البربر في سنة 400 من دخول عاصمة الخلافة قرطبة، و كان من أعظم مفاسدهم فيها نهبهم لمكتبة القصر العظيمة التي كانت تشتمل على نحو من 400000 مجلد، و قيل 600000.

و عندما خرج الأمير يونس بلطا نائب المماليك على طرابلس الشام من‏

____________

(1) الكامل 10/ 184.

(2) تاريخ الخلفاء 351؛ و انظر أيضا ص 252 من نفس الكتاب.

119

بلده، خرج عليه نائب الغيبة، فتوجه‏ (1) بلطا إلى قتاله، و لما تمكن من دخول طرابلس، سام أهلها سوء العذاب، فقتل منهم خلقا كثيرا فيهم نحو العشرين من الأعيان، و القضاة، و العلماء، و صادر أموال الناس، و سبى الحريم.

و من الحوادث التي أودت ببعض المكتبات، أن بعض البغداديين دخلوا الكرخ عندما قدم طغرل بك السّلجوقي إلى بغداد لاستعادة مجد الخلافة العباسية عقب ثورة البساسيري، و قام هؤلاء البغداديون بحرق دور الكرخ و أسواقها، و كان من جملة ما احترق مكتبة الوزير سابور قال ياقوت: «بين السّورين: اسم لمحلة كبيرة كانت بكرخ بغداد، و بها خزانة الكتب التي وقفها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة، و لم يكن في الدنيا أحسن كتبا منها، كانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة، و أصولهم المحررة، و احترقت فيما أحرق من محال الكرخ عند ورود طغرل بك أول ملوك السّلجوقية إلى بغداد سنة 447» (2).

و قال ابن الجوزي: «ثار الهاشميون، و أهل باب البصرة إلى الكرخ فنهبوها، و طرحوا النار في أسواقها و دورها، و احترقت دار الكتب التي وقفها سابور بن أردشير الوزير في سنة ثلاث و ثمانين و ثلاث مئة، و كان فيها كتب كثيرة» (3).

(6) حوالك الزمان:

فجع المسلمون بحوادث أليمة، أدت إلى ضعف في حضارتهم العظيمة، و نقص في تراثهم العريق، فمن تتبع كتب التواريخ رأى أمثلة كثيرة من ذلك، كاحتراق مكتبات بعض العلماء، أو غرقها، أو تلفها بالعفونة و الرّطوبة و نحو ذلك، و أقتصر هنا على ذكر مثالين لذهاب مكتبتين عامتين، و عظيمتين:

____________

(1) ينظر خبره في النجوم الزاهرة 12/ 191.

(2) معجم البلدان 1/ 534.

(3) المنتظم 8/ 205.

120

فقد قال المقريزي عند ذكره للمدرسة الفاضلية التي بناها القاضي الفاضل بالقاهرة: «و وقف بهذه المدرسة جملة عظيمة من الكتب في سائر العلوم، يقال إنها كانت مئة ألف مجلد، و ذهبت كلها، و كان أصل ذهابها أن الطلبة التي كانت بها لما وقع الغلاء بمصر في سنة أربع و تسعين و ست مائة، و السلطان يومئذ الملك العادل كتبغا المنصوري مسّهم الضر، فصاروا يبيعون كل مجلد برغيف خبز حتى ذهب معظم ما كان فيها من الكتب، ثم تداولت أيدي الفقهاء عليها بالعارية، فتفرقت» (1).

و قال أيضا متحدثا عن مصير خزانة الكتب الكبيرة التي كانت في القلعة بالقاهرة في عهد المماليك: «وقع بها الحريق ... سنة إحدى و تسعين و ست مائة فتلف بها من الكتب في الفقه و الحديث، و التاريخ، و عامة العلوم شي‏ء كثير جدا كان من ذخائر الملوك، فانتهبها الغلمان، و بيعت أوراقا محرقة، ظفر الناس منها بنفائس غريبة ما بين ملاحم و غيرها، و أخذوها بأبخس الأثمان» (2).

____________

(1) المواعظ و الاعتبار 2/ 366.

(2) المصدر السابق 2/ 212.

121

المدخل‏

و يشتمل على عدة موضوعات هي:

1- ترجمة موجزة للحافظ الذهبي.

2- الأصول المعتمدة في تحقيق هذه الرسالة.

3- موضوع هذه الرسالة و محتواها.

4- كلمة بين الأمصار ذوات الآثار للذهبي، و الإرشاد في علماء البلاد للخليلي.

5- طبعة سقيمة لرسالة الذهبي هذه.

6- عملي في الرسالة.

7- صورة عن النسخة المحمودية، و نسخة مكتبة الحرم المدني الشريف.

122

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

123

ترجمة موجزة للحافظ الذهبي‏

هو الإمام الكبير، الحافظ الجهبذ، و المؤرخ المحقق، و المقرى‏ء المجود، نسيج وحده، و قريع دهره، شمس الدين أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد اللّه التّركماني الفارقي‏ (1) الأصل‏ (2)، الدمشقي، الشافعي، المعروف بالذهبي‏ (3).

ولد بدمشق في شهر ربيع الآخر سنة 673، و طلب العلم في حداثته، ثم رحل فيه إلى مدائن الشام، و مصر، و الحجاز، فسمع من جماعة كبيرة من الأئمة، ثم عاد إلى بلده (دمشق)، فأقام فيها، و تصدر للتحديث، و الإقراء، و الإفادة، و التدريس. و ولي مشيخة عدد من المدارس. و اشتغل بالتصنيف، و التخريج، و تآليفه كثيرة و حفيلة من أجلّها ميزان الاعتدال في نقد الرجال، و تذكرة الحفاظ، و سير أعلام النبلاء، و تاريخ الإسلام و طبقات المشاهير و الأعلام، و معرفة القراء الكبار على الطبقات و الأعصار، و غيرها.

____________

(1) نسبة إلى ميّافارقين أشهر مدن ديار بكر.

(2) يبدو أن جد الذهبي عثمان هو أول من سكن دمشق من أجداد الذهبي، و ذلك لأن الذهبي لما ترجم لوالد جده في رسالة أهل المئة فصاعدا ص 137 لم ينسبه إلى دمشق خلافا لجده.

(3) اشتغل الحافظ الذهبي في بادى‏ء أمره بصناعة الذهب، قال سبط ابن حجر في رونق الألفاظ 2/ ورقة 35 أ: «و تعلّم صناعة الذّهب كأبيه، و عرف طرقها». ثم ترك الذهبي هذه الصنعة و انصرف للعلم، فبقيت الشهرة بها لأبيه، لذا كان يعرّف نفسه في كتبه بابن الذهبي؛ و العلماء من بعده عرّفوه بالأمرين.

124

و قد أعجب بالذهبي الأئمة من بعده فلهجت ألسنتهم و أقلامهم بالثناء عليه، و إليك جملة يسيرة من ذلك تظهر مكانته العلمية، و منزلته العليّة:

قال تلميذه الإمام تاج الدين السبكي: «إمام الوجود حفظا، و ذهب العصر معنى و لفظا، و شيخ الجرح و التعديل، و رجل الرجال في كل سبيل، كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها، ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها» (1).

و قال تلميذه المؤرخ صلاح الدين الصفدي: «حافظ لا يجارى، و لافظ لا يبارى، أتقن الحديث و رجاله، و نظر علله و أحواله، و عرف تراجم الناس، و أزال الإبهام في تواريخهم و الإلباس ... و لم أجد عنده جمود المحدثين، و لا كودنة (2) النقلة، بل هو فقيه النظر، له دربة بأقوال الناس، و مذاهب الأئمة من السلف، و أرباب المقالات» (3).

و قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: «مفيد الشام، و مؤرخ الإسلام، ناقد المحدثين، و إمام المعدلين و المجرحين ... و كان آية في نقد الرجال، عمدة في الجرح و التعديل» (4).

و قال الحافظ ابن حجر: «مهر في فن الحديث، و جمع فيه المجاميع المفيدة الكثيرة، حتى كان أكثر أهل عصره تصنيفا ... و رغب الناس في تواليفه، و رحلوا إليه بسببها، و تداولوها قراءة، و نسخا، و سماعا» (5).

و قال أيضا: «هو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال» (6).

____________

(1) طبقات الشافعية الكبرى 9/ 101.

(2) يعني بلادة.

(3) نكت الهميان 241- 242؛ و الوافي بالوفيات 2/ 163.

(4) الرد الوافر 31.

(5) الدرر الكامنة 3/ 426- 427.

(6) نزهة النظر شرح نخبة الفكر 75.

125

و قال الحافظ السيوطي: «إن المحدثين عيال الآن في الرجال، و غيرها من فنون الحديث على أربعة: المزي، و الذهبي، و العراقي، و ابن حجر» (1).

و للّه درّ الإمام العلّامة شمس الدين أبي عبد اللّه محمد بن محمد بن عبد الكريم بن الموصلي الأطرابلسي حيث يقول فيه:

«ما زلت بالسمع أهواكم و ما ذكرت‏* * * أخباركم قط إلا ملت من طرب‏

و ليس من عجب أن ملت نحوكم‏* * * فالناس بالطّبع قد مالوا إلى الذّهب» (2)

و قد أضر الإمام الذهبي قبل موته ببضع سنين، و توفي (رحمه اللّه تعالى) في شهر ذي القعدة من سنة 748، و دفن في مقابر باب الصغير بدمشق.

____________

(1) طبقات الحفاظ 518.

(2) الرد الوافر 32؛ فهرس الفهارس 1/ 420، المنهل الصافي 3/ ورقة 70 أ.

126

الأصول المعتمدة في تحقيق هذه الرسالة

(1) نسخة المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة، و هي ضمن مجموع برقم 2678، و تقع في خمس صفحات و خمسة أسطر، و تشتمل كل صفحة على 25 سطرا، و قد نسخت سنة 1220 على يد سعيد بن مرجية باقديم.

و رمزت لها ب «المخطوط».

و هذه النسخة (1) كثيرة التحريف، و التصحيف، مما يدل على عدم معرفة ناسخها بهذا الفن.

____________

(1) و توجد نسخة أخرى من هذه الرسالة في مكتبة الحرم النبوي الشريف بالمدينة المنورة ضمن مجموع برقم 8/ 2 و تقع في 7 صفحات و سطرين، و تشتمل كل صفحة على نحو عشرين سطرا، و قد قام بنسخها محمد بن عبد القادر السندي المدني في سنة 1315.

و لم أعتمد على هذه النسخة لأنها منقولة عن نسخة المحمودية، أو عن أصل اعتمد عليه ناسخ المحودية، و لم يكن عند كاتبها من العلم ما يدفعه إلى تصحيح شي‏ء من الأخطاء الموجودة في النسخة المحمودية، بل إنه زادها تحريفا و تصحيفا.

و إليك أمثلة من اشتراكهما في الأخطاء، و زيادة نسخة مكتبة الحرم في التغيير و التبديل:

- الأمر الأول: الاشتراك في الوهم:

(1) «كعبد اللّه بن عمرو بن أبي ذئب». و الصواب: «كعبيد اللّه- (أو كعبد اللّه)- و ابن أبي ذئب».

(2) «و المربي». و الصواب «و المزي».

(3) «و سعيد بن أبي حمزة». و الصواب: «و شعيب بن أبي حمزة».

(4) «و ما زال بها بهذا الشأن». و الصواب: «و ما زال بها هذا الشأن».

(5) «و شهاب بن نخلة». و الصواب: «و سهل بن زنجلة».

(6) «و يحيى بن عبدل». و الصواب: «و يحيى بن عبدك».

(7) «و عبد اللّه بن هاشم الذهلي». و الصواب: «و عبد اللّه بن هاشم، و الذهلي».

(8) «و يحيى بن أحمد». و الصواب: «و يحيى بن يعمر».-

127

(2) كتاب الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التّوريخ: حيث إن السخاوي ضمن رسالة الذهبي فيه، مع التصرف فيها، و قد صرح بذلك عقب ذكره لها بقوله: «و هذا الفصل كله جزء أفرده الذهبي، و صدر بالأمصار ذوات الآثار، و هو مفتقر لقليل تذييل سوى ما ألحقته في أثنائه إما مميزا أو مدرجا» (1).

و قد اعتمدت على طبعتي الترقي بدمشق من صفحة 136 إلى صفحة 144، و رمزت لها ب (ع)، و في الطبعة المنشورة ضمن كتاب علم التاريخ عند المسلمين لروزنثال ترجمة الدكتور صالح العلي من صفحة 659 إلى صفحة 668، و رمزت لها ب (ق).

____________

- (9) «كعمرو بن هارون». و الصواب: «كعمر بن هارون».

(10) «و صالح بن محمد جرارة». و الصواب: «و صالح بن محمد جزرة».

فهذه الأمثلة تدل على أن نسخة مكتبة الحرم منقولة عن النسخة المحمودية، أو عن أصلها المحرف، و خلاصة القول أنه لا يوجد وهم و لا سقط و لا تحريف في النسخة المحمودية إلا و هو موجود في نسخة مكتبة الحرم، اللهم إلا حرفا أو حرفين.

- الأمر الثاني: تفرد نسخة مكتبة الحرم بأوهام و سقط لا يوجدان في النسخة الأخرى:

(1) ففيها: «سنة و خمسين و ثلاث مئة». و الصواب: «سنة ثمان و خمسين و ثلاث مئة».

(2) و فيها: «جرير بن عثمان». و الصواب: «حريز بن عثمان».

(3) و فيها: «الحسن البصيري». و الصواب: «الحسن البصري».

(4) و فيها: «و القرطني». و الصواب: «و الغطريفي».

(5) و فيها: «الشامي». و الصواب: «السامي».

و غير ذلك كثير، و الذي أوقعه في بعض الأخطاء هو محاولته نقط كثير من الحروف التي أهملت من النّقط في النسخة المحمودية.

و مما ألفت النظر إليه أنه يوجد في هذه النسخة زيادة اسم لم يرد في النسخة المحمودية، و لا في الإعلان بالتوبيخ و هو «محمد بن إدريس» فقد ذكر في هراة بين «الحسين بن إدريس» و «محمد بن المنذر»، و أظن أن ذكره كان على سبيل الوهم و سبق الذهن، و ذلك أن كاتب النسخة لما مر أمام نظره اسم الحسين بن إدريس، و اسم محمد بن المنذر متتاليين تكون في ذهنه اسم ثالث و هو «محمد بن إدريس» فكتبه، و يؤكد هذا أنه لا يوجد في كتب الأعلام من اسمه محمد بن إدريس و هو من هراة، بل يوجد محمد بن إدريس أبو لبيد السّامي السّرخسي، و سرخس بعيدة عن هراة.

(1) ص 668.

128

موضوع هذه الرسالة و محتواها

تناول الذهبي (رحمه اللّه تعالى) في هذه الرسالة القيّمة النادرة، ذكر المدن الكبيرة، و الأمصار، و الأقاليم التي كان يوجد فيها علم الحديث و الأثر.

فقد أورد اسم تسع‏ (1) و عشرين مدينة و إقليما، و ذكر تحت كل‏ (2) واحدة منها بعض مشاهير أئمتها، و أعلام حفاظها، و أعيان محدثيها، و عني في معظم هذه البلدان بذكر أزمنة ابتداء العلم، و ذيوعه، و شيوعه، و نقصه، و عدمه منها، و كان يشير في كثير من الأحيان إلى سبب ضعف العلم و عدمه. و قد تعرض في مكانين فقط لذكر بعض التواريخ الرجالية المختصة بهمذان، و خوارزم، و ليته فعل ذلك في جميع البلاد، لأنه أمر نافع و مفيد. كما ضمن كلامه بعض الفوائد التاريخية و الجغرافية كزمن بناء، و فتح المدن، و مدة استيلاء الكفار عليها، و صفتها ككونها أكبر مدائن أحد الأقاليم، و شبهها لمدينة ما في السّعة.

ثم ذكر عدة مدن و أقاليم وجد فيها الحديث بقدر يسير، لكنه لم يسم أحدا من علمائها، و هي شيراز، و كرمان، و سجستان، و الأهواز، و تستر،

____________

(1) هي: المدينة المشرفة، و مكة، و بيت المقدس، و دمشق، و مصر، و الإسكندرية، و بغداد، و حمص، و الكوفة، و البصرة، و اليمن، و الأندلس، و المغرب، و الجزيرة، و الدّينور، و همذان، و الرّي، و قزوين، و جرجان، و نيسابور، و طوس، و هراة، و مرو، و بلخ، و بخارى، و سمرقند، و الشاش، و فرياب، و خوارزم.

(2) عدا إقليم الجزيرة.

129

و قومس، و قهستان، و قد صرح في شيراز بقلة حديثها، و في قومس بخروج جماعة من المحدثين فيها، و اكتفى في كرمان، و سجستان، و الأهواز، و تستر بذكر أسمائها فقط، و اهتم عند ذكره لقومس و قهستان بالإشارة إلى بعض مدنهما الكبيرة و الصغيرة و المتوسطة، و بيان جهتهما و حدودهما، و قد كان دقيقا في تحديده لموقع إقليم قهستان الذي أراده، مما يدل على إلمامه بعلم الجغرافية.

و لم يقنع الذهبي بما سبق بل أضاف إليه تسمية معظم الأقاليم التي لم تعرف بالحديث.

ثم أشار إلى ما آل إليه الحال في زمنه من فقدان و ضعف هذا العلم في كثير من الأمصار التي كانت مشتهرة و معروفة به؛ و أتبع ذلك بذكر الأقاليم و المدن التي بقي- أي في زمنه- الحديث فيها و لو بقلة.

و ختم هذه الرسالة المفيدة بذكر العلوم الشرعية الأخرى التي راج أمرها في العصور المتأخرة، و انتشرت في شرق الأرض و غربها، لكنه نبه إلى الزّغل الذي أصابها في بعض البلاد بسبب ما داخلها من علوم فاسدة و مبتدعة.

130

كلمة بين الأمصار ذوات الآثار للذهبي و الإرشاد في علماء البلاد للخليلي‏

يبدو أن الذهبي (رحمه اللّه تعالى) استقى أصل رسالته «الأمصار ذوات الآثار» من كتاب «الإرشاد (1) في علماء البلاد» للإمام الحافظ أبي يعلى الخليل بن عبد اللّه القزويني المعروف بالخليلي و المتوفى سنة 446.

و من ألقى نظرة فاحصة في الكتابين انقدح في نفسه صدق هذه الدعوى، و تبين له صحتها، و لا أريد الإطالة باستيعاب البراهين على ذلك، بل أكتفي بذكر دليلين واضحين قويين هما:

(1) تقارب ترتيب البلدان في الكتابين:

ففي كتاب الأمصار ذوات الآثار رتبت على هذا النحو: المدينة، مكة، بيت المقدس، دمشق، مصر، الإسكندرية، بغداد، حمص، الكوفة، البصرة، اليمن، الأندلس، المغرب، الجزيرة، الدّينور، همذان، الرّي، قزوين، جرجان، نيسابور، طوس، هراة، مرو، بلخ، بخارى، سمرقند، الشاش، فرياب، خوارزم.

و في كتاب الإرشاد سيقت على الشكل التالي: المدينة، مكة، مصر، الشام، البصرة، الكوفة، واسط، المدائن، بغداد، الموصل، حلوان،

____________

(1) رتب الخليلي كتابه هذا على البلدان، و ذكر تحت كل بلد مشاهير أئمته، و كبار علمائه و حفاظه و محدثيه، و أورد لهم تراجم يغلب عليها الإيجاز.

131

الدّينور، همذان، الري، قزوين، أبهر، زنجان، أذربيجان، قمّ، ساوة، جرجان، آمد، نيسابور، طوس، هراة، مرو، بلخ، سرخس، بخارى، سمرقند، الشاش.

فقد افتتحا بالمدينة المنورة، ثم ذكرا مكة، ثم مصر و الشام، ثم العراق، لكن الذهبي أدخل حمص بين مدن العراق، و قدم الشام على مصر.

و لو حذف الزائد من البلدان بين الدّينور و الشاش من كتاب الخليلي لتماثل الترتيب بين الكتابين في ثلاثة عشر بلدا.

(2) اعتماد الذهبي على الخليلي في إيراد أسماء العلماء ضمن البلدان: فالذهبي قصد في رسالته «الأمصار ذوات الآثار» عند ذكره للبلدان تسمية بعض أكابر و مشاهير العلماء و الحفاظ في كل بلد، لذا ترى معظمهم مذكورين في كتابيه سير أعلام النبلاء، و تذكرة الحفاظ. إلا أنه أبعد النّجعة عندما أورد رجالا خفيت أمورهم، و ضنت الكتب بتراجمهم، و لم يشتهروا عنده في كتبه، و هؤلاء جميعا مذكورون في كتاب الإرشاد للحافظ الخليلي مما يدل على أصالة هذا الكتاب في عمل الذهبي.

و إليك نماذج من ذلك تثبت قوام ما أجملته:

لما ذكر الذهبي مدينة هراة أورد تحتها اسم الفضل بن عبد اللّه الهروي، و لم أجد ترجمة هذا الرجل إلا في كتاب الإرشاد.

و عندما ذكر مدينة الدّينور أورد اسم محمد بن عبد العزيز الدّينوري، و لم أقف على ترجمة هذا الرجل إلا في كتاب الإرشاد، و كتب الضعفاء كميزان الاعتدال.

و عند ذكره لجرجان سمى عددا من العلماء، منهم إسحاق بن إبراهيم الطلقي، و محمد بن عيسى الدّامغاني، فالأول توجد ترجمته في الإرشاد، و في مستدرك السهمي على تاريخ جرجان، و كتاب الجرح و التعديل، و لسان‏

132

الميزان، و الثاني لم أقف على ترجمته إلا في كتابي الإرشاد، و الجرح و التعديل. و من نظر ترجمة هذين الرجلين في كتاب الجرح و التعديل لم ير فيهما ما يدل على مكانتهما، مما يؤكد أن الذهبي تبع الخليلي في ذكرهما، و اللّه أعلم.

فهذان برهانان قائمان يثبتان أصالة كتاب الإرشاد للخليلي في عمل الذهبي. و ليس معنى هذا أن الذهبي اكتفى بهذا الكتاب عن غيره، بل إنه أضاف فوائد كثيرة، و زيادات وفيرة، و بلدانا لم يتعرض لها الخليلي على الإطلاق.

133

طبعة سقيمة لرسالة الذهبي هذه‏

لقد عم البلاء في هذا الوقت بإخراج كتب العلم و نشرها في صور مشوّهة و مزيّفة، يعتريها التحريف و التبديل، و يشوبها الزّغل و الدّخل، و لعل السبب في ذلك ينحصر في أمرين:

(1) التسرع و العجلة: و قد أحسن القائل:

قد يدرك المتأني جلّ مقصده‏* * * و قد يكون مع المستعجل الزّلل‏

(2) الجهل: و للّه درّ القائل:

ما كل من نال المعالي ناهضا* * * فيها و لا كل الرجال فحول‏

و قال آخر:

احفظ لسانك أن تقول فتبتلى‏* * * إن البلاء موكل بالمنطق‏

و قال آخر:

ما تفعل الأعداء في جاهل‏* * * ما يفعل الجاهل في نفسه‏

و أمر التصنيف و التأليف و التحقيق خطير، فهو أمانة يسأل الإنسان يوم القيامة عن حسن أدائها، كما أنه شهادة على صاحبه في الدنيا، فإن أحسن شكره الناس، و إن كثرت إساءته أغمضوا فيه، و قد قال الجاحظ: «من صنّف فقد استهدف، فإن أحسن فقد استعطف، و إن أساء فقد استقذف» (1).

____________

(1) الإعجاز و الإيجاز للثعالبي 114.

134

و قد سمعت منذ مدة يسيرة بأن رسالة الذهبي هذه قد حققت، و نشرت في دمشق، فبحثت عنها في مكتبات الرياض التجارية فلم أجدها، إلى أن وقفت عليها منذ بضعة أيام فلما تصفحتها وجدتها كثيرة الأوهام و الأخطاء، و مدعاة للانتقاد و الاعتراض، سواء في أصلها المحقق‏ (1) أو في التعليقات عليها، علما بأني لم أقرأ من التعليقات إلا القليل.

و رأيت من الأمانة أن أشير إلى بعض تلك الأوهام و المؤاخذات منظمة ليتنبّه لها و لما خلفها، و إليك هذا الأمر:

(أ) ضبط البلدان و التعريف بها:

ففي صفحة 111 من المطبوعة «و الخطى»: كتبها المحقق بالألف المقصورة، و شكل الخاء بالضم، و عرفها بأنها موضع بين الكوفة و الشام. و كل هذا خطأ، و الصواب «الخطا» بكسر الخاء، و ألف ممدودة، و الخطا جنس من التّرك تقع بلادهم شرقي نهر سيحون، و الذهبي أورد ذكر هذه الناحية في الأقاليم التي لا حديث بها، و الموضع الذي بين الكوفة و الشام ليس إقليما.

و لفظ «الخطا» بالألف الممدودة موجود في الأصول المعتمدة عند المحقق.

و في صفحة 112 «و سراة»: كتبها بالتاء المربوطة، و ارتبك في تعريف هذا البلد، فنقل عن ياقوت عدة أقوال تدور حول كونها ناحية جبلية تقع في الجزيرة العربية و تمتد شمالا أو جنوبا. و كل هذا خطأ أيضا، و الصواب «سراي» بالياء، و هي بلاد تقع شمال بحر الخزر. و قد ضبطت بالياء أيضا في نسخة مكتبة الحرم المدني التي اعتمد عليها المحقق.

و في صفحة 113 «و البجاوة»: ذكرها بالواو، و علق عليها في الحاشية بقوله: «قلت: في الأصل، و الإعلان بالتوبيخ للسخاوي ص 143: و البجاه؛ و هو خطأ من النساخ و الصواب ما أثبته» ا ه. قلت أنا: أخطأ المحقق في‏

____________

(1) اعتمد المحقق في إخراج الكتاب على أصلين فقط هما: نسخة مكتبة الحرم المدني الشريف؛ و كتاب الإعلان بالتوبيخ للسخاوي.

135

ضبطه للباء بالفتح، و في تخطئته للنساخ، و ذلك أن الصواب في الباء ضمها، و أنه يصح البجاوة و البجاه.

كما أنه أخطأ في ضبط بعض البلدان الأخرى:

ففي صفحة 55 «بجاية» بفتح الباء و الصواب كسرها.

و في صفحة 55 أيضا «تلمسان» بتسكين اللام و كسر الميم، و الصواب عكس ذلك أي «تلمسان».

و في صفحة 106 «الدامغان» بتسكين الميم، و الصواب فتحها.

و في صفحة 112 «قرم» بفتح القاف و تسكين الراء، و الصواب كسرهما.

و في صفحة 112 أيضا «النّوبة» بفتح النون، و الصواب ضمها.

و قد غفل المحقق عن ضبط بعض البلدان‏ (1):

ففي صفحة 54 «إفريقيّة» لم يضبط الياء الثانية.

و في صفحة 54 أيضا «القيروان» لم يضبط الراء.

و في صفحة 112 «القفجاق» لم يضبط حروفها، و جعل جيمها حاء.

و في صفحة 113 «أسوان» لم يضبط الألف.

و في صفحة 113 أيضا «الزّنج» لم يضبط الزاي، مع أن الشائع نطقها بالكسر، فالضبط ضروري.

(ب) ضبط الأسماء و الأنساب و التعريف بها:

لقد ادعى المحقق في مقدمته أنه ترجم للأعلام الذين دعت الضرورة إلى ترجمتهم، و ليس الأمر كما قال، فقد أغفل تراجم أسماء كثيرة تدعو إليها الضرورة في نظر الناس جميعا:

ففي صفحة 14 «كعبد اللّه بن عمرو بن أبي ذئب»: فالمحقق تبع وهم‏

____________

(1) ضبط أسماء البلدان في هذه الفقرة ليس من المحقق كما هو واضح.

136

النسخة المخطوطة في هذا الأمر، و لو ترجم للرجل لعرف أنه رجلان، و صواب العبارة «كعبيد اللّه- (أو كعبد اللّه)- و ابن أبي ذئب».

و في صفحة 48 «قدامة بن منبّه»: و ليت المحقق ترجم لهذا الرجل كي يعرف، لأنني بحثت في عشرات الكتب فلم أعثر على من اسمه قدامة في بني منبّه، و غالب ظني أنه تصحف عن همام بن منبّه.

و في صفحة 67 «كثير بن هشام»: هكذا ذكره المحقق اعتمادا على الأصول التي عنده، و لو ترجم للرجل لعرف أن الصواب فيه «كثير بن شهاب».

بل إن المحقق لم يحالفه الصواب في بعض التراجم التي عقدها:

ففي صفحة 20 ترجم للأزرقي بأنه محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن محمد بن الوليد صاحب كتاب أخبار مكة. و هذا خطأ و الصواب أنه جدّ المذكور.

و في صفحة 81 أحال على مصادر ترجمة الفضل بن عبد اللّه الهروي بما يجانب الصواب، لأن الذي أحال عليه ليس هو الذي قصده الذهبي و اللّه أعلم.

و في صفحة 97 أثبت في الأصل كلام الذهبي التالي: «خوارزم: بلد كبير، رأيت المجلد الأول من تاريخها لرجل معاصر لأبي القاسم بن عساكر من ثمان مجلدات». و قد علق عليه في الحاشية بقوله: «قلت: جاء في كشف الظنون لحاجي خليفة 1/ 393، 394 ما نصه: تواريخ خوارزم: منها الكافي ... و تاريخ محمد محمود بن محمد أرسلان العباسي الخوارزمي الحافظ، المتوفى سنة ثمان و ستين و خمس مئة، بسط الكلام في وصف خوارزم و أهلها حتى بلغ إلى ثمانين مجلدا ...» ثم قال المحقق عقب هذا:

«و لعل المعني بكلام الذهبي هو تاريخ الخوارزمي الأخير ... و لعل لفظة ثمان مجلدات التي في كتابنا محرفة على يد الناسخ من ثمانين مجلدة و اللّه أعلم» انتهى كلام المحقق.

137

قلت: أخطأ في عدة أمور، فاسم الخوارزمي ليس كما ذكر، بل الصواب «أبو محمد محمود بن محمد بن العباس بن أرسلان العباسي»، كما أن ابن أرسلان المذكور هو الذي قصده الذهبي يقينا لا شكا، و كتابه في ثمان مجلدات لا في ثمانين مجلدة، و الناسخ لم يحرف بل نقل الصواب.

و من أخطاء المحقق في هذا الباب أيضا:

أنه في صفحة 19 شكل «الزنجي» بكسر الزاي، و الصواب فتحها.

و في صفحة 69 شكل «الدامغاني» بتسكين الميم، و الصواب فتحها.

و من تسرعات المحقق و عثراته أيضا:

أنه في أول سطر من كتاب الذهبي أسقط بضع كلمات، مع أنها موجودة في الأصول التي اعتمدها.

و في صفحة 27 بدّل قول الذهبي «ثم كثر بعد ذلك» و جعله «ثم تكاثر بعد ذلك» مع أن القول الأول مذكور في الأصول التي اعتمدها.

و في صفحة 29 أسقط كلمة «و خمسين» من قول الذهبي «سنة ثمان و خمسين و ثلاث مئة» و هذه اللفظة موجودة في الأصول التي اعتمدها.

و من أوهامه أيضا:

أنه في صفحة 101 لم يستطع فهم كلام الذهبي، حيث وضع كلامه التالي: «كرمان، سجستان، الأهواز، تستر، قومس في سطر واحد و بخط عريض- كما هي عادته في البلدان التي يكون للذهبي كلام عليها- ثم ذكر تحت هذه الأسماء قول الذهبي «إقليم واسع ...»، فدل هذا الصنيع على أن قول الذهبي «إقليم واسع ...» يعود إلى البلدان الخمسة المذكورة، و الصواب أنه يعود إلى قومس وحدها.

و في صفحة 106 أسقط لفظة «منه» من نص المخطوط، و ادعى أنها خطأ، مع أنه لا يصح الكلام إلا بها.

138

و في صفحة 108- 109 أثبت المحقق كلام الذهبي التالي: «قهستان:

أكبر مدائن هذا الإقليم، ثم زنجان ...» و علق في الحاشية على لفظة «الإقليم» بقوله: «أي إقليم الجبال» و هذا خطأ لأن الذهبي يتكلم عن إقليم قهستان لا الجبال، و أمر آخر و هو أن العبارة التي أثبتها فيها سقط، و صوابها كما في الإعلان بالتوبيخ: «أكبر مدائن هذا الإقليم الرّيّ، ثم زنجان ...».

و في صفحة 110 أثبت قول الذهبي: «فالأقاليم التي لا حديث بها يروى، و لا عرفت بذلك الصين، أغلق الباب. و الهند و السند ...» و صورة ذلك عنده أنه وضع نقطة بعد قوله «أغلق الباب» و ابتدأ الكلام التالي بسطر جديد موهما أن الكلام غير مرتبط بسابقه ارتباطا تاما، و الأمر خلاف ما فعل.

كما أن المحقق أدخل في أصل رسالة الذهبي جملا من كلام السخاوي.

أما الحاشية فقد أثقلها المحقق بالتراجم الطويلة المملة؛ و المخلة في بعض الأحيان، كما يلاحظ اعتماده في تراجم كثيرة على الكتب الحديثة كالأعلام للزّركلي، و يلاحظ عليه أيضا إثقال الحواشي بما لا فائدة منه عند التعريف بالبلدان، و قد ولع فيها بالنقل دون تحقيق و تدقيق.

و أما المقدمة فلم تسلم من بعض الأوهام الشديدة، حيث قال فيها:

«ثبت لنا من خلال المقابلة التي أجريناها بين نسختنا من الكتاب، و ما أثبته السخاوي في كتابه، بأن السخاوي (رحمه اللّه) اعتمد على نسخة فيها الكثير من النقص و الزيادة ...». و هذه دعوى فاسدة لأن السخاوي صرح عقب ذكره لرسالة الذهبي هذه بأنه تصرف فيها.

هذا و من وراء ما ذكرته أمور كثيرة أغمض الطرف عنها خشية الإسهاب في الإطالة، متمثلا قول بعضهم:

فكان ما كان مما لست أذكره‏* * * فظن خيرا و لا تسأل عن الخبر

139

عملي في الرسالة

قمت بنسخها من مصوّرة المحمودية، و قابلت المنسوخ بها، ثم عارضته بما نقله السخاوي في الإعلان بالتوبيخ، و أثبت ما غلب على ظني أن الذهبي أراده، دون التزام نص معين.

ثم قمت بترجمة جميع الأعلام الواردة- سواء أكانت صريحة أو مهملة أو مبهمة- بإيجاز واف بالغرض، يظهر مكانة الرجل العلمية، و منزلته العدلية، مع ذكر كنيته، و اسمه، و اسم أبيه- وجده في كثير من الأحيان- و نسبته، و سنة وفاته‏ (1)، كما ذكرت في كثير من التراجم بعض مصنفات أصحابها.

و قمت بعد ذلك بالتعريف بالبلدان عدا المدينة المشرفة، و مكة المكرمة، و بيت المقدس، و دمشق، و الإسكندرية، و بغداد، و حمص، و الكوفة، و البصرة، و الأندلس، لأنها مشهورة الآن و معروفة، إلا أنني عرفت ببعض‏

____________

(1) فإن كان الذهبي (رحمه اللّه تعالى) ذكر وفاة الرجل أو اسمه أو كنيته أو نحو ذلك، فإني أهمل المذكور من الحاشية إلا إذا دعت الحاجة. كما أني لم أقف في بعض التراجم اليسيرة على جميع ما تحتاج إليه الترجمة، و بالنسبة للوفيات فلم أتعرض لذكر الاختلاف فيها إلا إذا لم يتبين لي الصحيح أو الراجح.

140

البلدان المشتهرة لكون حدودها تختلف في عرفنا اليوم عما كانت عليه سابقا، و ذلك كمصر و اليمن و البحرين.

و قد بذلت غاية الجهد في تحديد البلدان، و تعيين جهتها و موضعها، حتى كنت أحيانا أجلس اليوم و اليومين في تعريف البلد الواحد، مع مراعاتي للنظر في الخرائط الجغرافية، و استخلاص بعض الفوائد منها مما لم يذكر في معاجم البلدان لعدم الحاجة إليه في الزمن السابق.

و لم يقتصر عملي في البلدان على ذلك، بل ذكرت بعض الكتب المؤلفة في علماء و محدثي كل بلد استطعت الوقوف على شي‏ء من التصانيف المفردة (1) فيه.

و نهضت أيضا لخدمة ما تبقى من النص فوضحت مبهمه، و بينت مشكله، و شرحت مختصره، و نبهت على بعض فوائده.

كما حرصت على ضبط جميع‏ (2) الأعلام و البلدان المشكلة- الواردة في الأصل و الحاشية- بالشكل، لأنه كما قيل: «إعجام الكتب يمنع من استعجامها، و شكلها يصونها عن إشكالها».

هذا و لا أدعي الصحة في جميع ما كتبته، و إنما هو جهد المقل، و وسع المزجى البضاعة، القليل العلم بهذه الصناعة.

و الحمد للّه أولا و آخرا، و الصلاة و السلام على رسوله سيدنا محمد، و على آله و صحبه.

____________

(1) لم أتعرض لذكر الكتب المشتملة على تراجم علماء عدة بلاد كطبقات ابن سعد؛ و تاريخ ابن أبي خيثمة؛ و مشاهير علماء الأمصار لابن حبان؛ و الإرشاد للخليلي.

(2) إلا ما لم أقف على ضبطه و هو يسير جدا.

141

الورقة الأولى من نسخة المكتبة المحمودية

142

الورقة الثانية من نسخة المكتبة المحمودية

143

الورقة الثالثة من نسخة المكتبة المحمودية

144

الورقة الأولى من نسخة مكتبة الحرم النبوي الشريف‏

145

الورقة الثانية من نسخة الحرم النبوي الشريف‏

146

الورقة الثالثة من نسخة الحرم النبوي الشريف‏

147

الورقة الرابعة من نسخة الحرم النبوي الشريف‏

148

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

149

الأمصار ذوات الآثار

للإمام الحافظ المؤرّخ شمس الدّين أبي عبد اللّه محمّد بن أحمد بن عثمان‏

الذّهبيّ الدّمشقي‏

(673- 748 ه)

حقّقه و علّق عليه‏

قاسم علي سعد

150

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

151

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

قال الإمام، الحافظ، المحدث، النقّاد، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، ما لفظه:

«الأمصار ذوات الآثار»

المدينة المشرّفة (* 1):

دار الهجرة، كان العلم وافرا بها في زمن الصحابة من القرآن‏

____________

(* 1) جمع تاريخ رجالها و علمائها عدد من المؤرخين منهم:

الحافظ المؤرخ عفيف الدين أبو جعفر و أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن أحمد الأنصاري الخزرجي السّعدي العبادي المدني، ابن الحافظ جمال الدين المطري، المتوفى سنة 765، و سماه: «الإعلام فيمن دخل المدينة من الأعلام».

و الحافظ المؤرخ شمس الدين أبو الخير و أبو عبد اللّه محمد بن عبد الرحمن السّخاوي القاهري، المتوفى سنة 902 و سماه: «التّحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة».

و القاضي المؤرخ بدر الدين أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن أبي القاسم فرحون بن محمد بن فرحون اليعمري المدني، المتوفى سنة 769 و سماه «نصيحة المشاور و تعزية المجاور».

و المحدث المؤرخ جلال الدين و أمين الدين أبو عبد اللّه و أبو طيبة محمد بن أحمد بن أمين الأقشهري ثم القونوي ثم المدني، المتوفى سنة 739 و سماه:-

152

و السنن، و في زمن التابعين كالفقهاء السّبعة (1)، و زمن صغار التابعين‏

____________

- «الروضة الفردوسية و الحضيرة القدسية» ذكر فيه أسماء من دفن بالبقيع.

و العلّامة مجد الدين أبو الطاهر و أبو عبد اللّه محمد بن يعقوب الفيروز اباذي، الشّيرازي، اللّغوي، المتوفى سنة 817 و سماه «المغانم المطابة في معالم طابة» و هو يشتمل على التراجم، و الأمكنة و غير ذلك.

الدرر الكامنة 2/ 391، 3/ 398، التّحفة اللطيفة 1/ 20، 2/ 387، 403، 3/ 463، الضوء اللامع 10/ 82، الإعلان بالتوبيخ 643.

(1) الفقهاء السبعة هم:

1- الإمام، العلم، الحجة، سيد التابعين، أبو محمد سعيد بن المسيّب القرشي، المخزومي، المدني، المتوفى سنة 94.

سير أعلام النبلاء 4/ 217، تذكرة الحفاظ 1/ 54، تهذيب التهذيب 4/ 84.

2- و الإمام، الثقة، أبو عبد اللّه عروة بن الزبير بن العوّام القرشي، الأسدي، المدني، المتوفى سنة 94.

سير أعلام النبلاء 4/ 421، تذكرة الحفاظ 1/ 62، تهذيب التهذيب 7/ 180.

3- و الإمام، الثقة، أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف القرشي، الزّهري، المدني، المتوفى سنة 94.

سير أعلام النبلاء 4/ 287، تذكرة الحفاظ 1/ 63، تهذيب التهذيب 12/ 115.

4- و الإمام، الثقة، أبو عبد اللّه عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود الهذلي، المدني، المتوفى سنة 98.

سير أعلام النبلاء 4/ 475، تذكرة الحفاظ 1/ 78، تهذيب التهذيب 7/ 23.

5- و الإمام، الثقة، أبو زيد خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري، المدني، المتوفى سنة 100، و قيل: سنة 99.

سير أعلام النبلاء 4/ 437، تهذيب التهذيب 3/ 74.

6- و الإمام، الحجة، أبو محمد، و أبو عبد الرحمن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصّديق القرشي، المدني، المتوفى سنة 106.-

153

«كزيد بن أسلم‏ (1)، و ربيعة (2) الرأي‏ (3)، و يحيى بن سعيد (4)،

____________

- سير أعلام النبلاء 5/ 53، تذكرة الحفاظ 1/ 96، تهذيب التهذيب 7/ 333.

7- و الإمام، الثقة، أبو أيوب، و قيل: أبو عبد الرحمن، و قيل:

أبو عبد اللّه سليمان بن يسار المدني، المتوفى سنة 107.

فهؤلاء هم الفقهاء السّبعة عند الأكثر من علماء الحجاز، كما نصّ عليه أبو عبد اللّه الحاكم في كتابه «معرفة علوم الحديث» ص 43.

لكن الإمام عبد اللّه بن المبارك جعل بدل أبي سلمة بن عبد الرحمن، الإمام، الزاهد، الثبت، أبا عمر، و أبا عبد اللّه سالم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب القرشي، المدني، المتوفى سنة 106.

سير أعلام النبلاء 4/ 457، تذكرة الحفاظ 1/ 88، تهذيب التهذيب 3/ 436، علوم الحديث لابن الصلاح 274.

كما أن الحافظ أبا الزّناد عبد اللّه بن ذكوان جعل بدل أبي سلمة، و سالم، الإمام، الثقة، أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، المدني، المتوفى سنة 94.

سير أعلام النبلاء 4/ 416، تذكرة الحفاظ 1/ 63، تهذيب التهذيب 12/ 30، علوم الحديث لابن الصلاح 274.

(1) هو الإمام، الثقة، الفقيه، أبو عبد اللّه، أو أبو أسامة العدوي، المدني، مولى عبد اللّه بن عمر، المتوفى سنة 136.

سير أعلام النبلاء 5/ 316، تذكرة الحفاظ 1/ 132، تهذيب التهذيب 3/ 395.

(2) هو الإمام، الثقة، الفقيه، أبو عثمان ربيعة بن أبي عبد الرحمن فرّوخ المدني، المعروف بربيعة الرأي و ذلك لاجتهاده و بصره بالرأي و الفقه. و قد توفي سنة 136.

سير أعلام النبلاء 6/ 89، تذكرة الحفاظ 1/ 157، تهذيب التهذيب 3/ 258.

(3) في المخطوط (الرازي) و هو تحريف.

(4) هو الإمام، الحافظ، الحجة، أبو سعيد الأنصاري، المدني، المتوفى سنة 143.-

154

و أبي الزّناد (1)، ثم في زمن تابعي التابعين» (2) كعبيد اللّه بن عمر (3)، و ابن أبي ذئب‏ (4)، و ابن عجلان‏ (5)، و جعفر

____________

- سير أعلام النبلاء 5/ 468، تذكرة الحفاظ 1/ 137، تهذيب التهذيب 11/ 221.

(1) هو الإمام، الفقيه، الحافظ، الثقة، أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن ذكوان المدني، الملقب بأبي الزّناد، المتوفى سنة 131 و قيل غير ذلك.

سير أعلام النبلاء 5/ 445، تذكرة الحفاظ 1/ 134، تهذيب التهذيب 5/ 203.

(2) ما بين الشّولتين المزدوجتين ساقط من (ق) و (ع)، و الصواب إثباته.

(3) هو الإمام، الحافظ، الثبت، أبو عثمان عبيد اللّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني المتوفى سنة 147.

سير أعلام النبلاء 6/ 304، تذكرة الحفاظ 1/ 160، تهذيب التهذيب 7/ 38.

و قد وقع في المخطوط، و (ق) و (ع): (كعبد اللّه بن عمر) و هو تصحيف فيما أرى، و عبد اللّه هو أخو عبيد اللّه:

الإمام أبو عبد الرحمن بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، المتوفى سنة 171، و هو ضعيف الحديث.

سير أعلام النبلاء 7/ 339، تهذيب التهذيب 5/ 326، تقريب التهذيب 1/ 435.

فتأخر وفاة عبد اللّه، و ضعفه حملاني على عدم إثباته- و اللّه أعلم-.

ملاحظة: عبيد اللّه بن عمر، و ابن عجلان، و جعفر الصادق، من صغار التابعين، أما ابن أبي ذئب فإنه من تابعي التابعين.

(4) هو الإمام، الثبت، الفقيه، أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي، المدني، المتوفى سنة 159.

سير أعلام النبلاء 7/ 139، تذكرة الحفاظ 1/ 191، تهذيب التهذيب 9/ 303.

(5) هو الإمام، الصدوق، الصالح، أبو عبد اللّه محمد بن عجلان المدني، المتوفى سنة 148.-