الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية

- محمد كرد علي المزيد...
215 /
153

قالت «أبابيل» في عدد لها بالتركية:

أنور، جمال باشا حضراتي‏ (1)

بوكون آفاق إسلاميةده فروزان اولان انوار شوكت و سطوتك طلعتمناي كمال اولمسنه عامل مؤثر ايكي شمشير جهان كيردركه جوهر باكيزه فطرتلريني تقدير ايتمكه ناطقه‏ء بشريه فوقنده بولنان خيال بيله مقتدر اوله ماز. ايكي هلال علوي جمالك متقابلا تلاحقندن بر بدر ذي نور و اجلال تكون ايده بيله جكي كبي بوايكي سيف ساطعك متناظرا تعانقندن‏ده دائره‏ء منجيه‏ء دولتك تكمل ايتديكني تخيل ايتمك دكل، حقيقت اوله رق بيلمك عالم إسلام ايجون لابد در.

اوت! وطن و ملتك، دولت و حكومتك و إسلاميتك بتون سعادات و كمالاتني قدرت ازليه بو ايكي صمصمامه‏ء تابنا كك محيط فياضنه وضع ايلمشدر كه قبضه‏ء فاتحانه‏لرى بو ايكى شير زادك دست بولا دنده يولينور.

برى سيماى أنوريله، ديكرى جمال ازهر يله سينه‏ء وطني، جبهه‏ء ملتى تنوير و تزهير ايدييور. سماده ايكى كونشك كورولديكى يوقدر. فقط خاك وطنده ايكى مهر درخشانك تاج حضرت خليفه يه فروغ افشان شوكت و شان اولد

____________

(1) خلاصة ما قالته الجريدة: إنه لم يعهد في السماء شمسان، و لكن أهالي سورية يمتعون اليوم أنظارهم بشمسين مضيئتين طلعتا في أرض الوطن، و هما الشمسان اللتان أنارتا تاج الخلافة أنور و جمال، فالعالم اليوم قد امتلأت صدورهم مسرة و حبورا، و قد جاء أنور باشا و جمال باشا و أملهما واحد و فكرهما واحد و مهمتهما عظيمة، و إنهما شخصا إلى دمشق التي تشرفت بأن دفن في تربتها مثل المجاهد صلاح الدين الأيوبي، و العارف باللّه تعالى الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي.

154

يغنى عالمله برابر ايشته بوكون اهل سوريه‏ده كورييور و مسرتندن كوكسى قبارييور.

أنور، جمال باشا حضراتنك يك فكر و يك امل و يك آهنك حميت اوله رق وطني بيوك بر وظيفه ايله هر قبضه‏ء خاكنده برر مجاهد و فاضلك، سلاله‏ء طاهره‏ء حضرت رسول اللهدن برر ركن جليل و كاملك محترم عظامي موجود و حامئ دين و شريعت، غازئ ذي نصرت صلاح الدين أيوبي، فخر الكملين شيخ أكبر محيي الدين عربي حضراتتك تربه‏ء مباركه لريله شرافت نمود اولان شام جنت مشامي زيارت بيورملري مفكوره‏ء نزيهه لريني عزم مجاهدانه لريني بتون عظمت دينداريسيله جهان اسلامه تجلى ايتديرر بر حركت مبجله در.

ملتك، اتحاد إسلامك انتباه و انكشافني مغز حميتلريله، عزم و جلادتلريله، عرفان و بصيرتلريله حصوله كتيرن و تخت و تاج سلطنت و خلافتي ظفر و نباهت الماسلريله زينتلنديرن بو ايكي داهئ معظم و قوماندان مفخم حضراتني ( (ابابيل)) صميم روحيله سلاملار ايكن مسافرين خالصة لرينه‏ده عرض احترام ايدر و جناب ناصر حقيقيدن قطعي غالبيتلر نياز ايلر اه.

155

انور باشا و جمال باشا تحت قوس نصر في القدس الشريف‏

156

في فلسطين‏

تتمخض الأيام في كل عصر و حين، و تلد من النوابغ من يحلون جيد أمتهم و بلادهم، فيتجدد أو يزيد بهم رونقهما بهاء و رواء، و لكنها لا تجود في كل وقت و زمن بالنوابغ الأفراد الذين يدهشون زمانهم، و قد يمر الحين بعد الحين و لا تلد فردا منهم؛ و أعني بهؤلاء الأفراد: الذين امتازوا بالأعمال النادرة، أو وقفوا موقفا عظيما في حادث عظيم، أو رزقوا موهبة مدهشة مثل: أبي بكر في محنة الردة، و عمر في الفتوحات، و صلاح الدين في علو الهمة، و بونابرت في كبر النفس، و واشنطون في قيادة الجيوش، و لوثيروس في الثبات على المبدأ، و أنور و جمال في النهضة و الأعمال.

و من يجهل ذلك العمل العظيم الذي قام به أنور باشا و زملاؤه العظام من إحياء الدستور و تأييده، بل إحياء الأمة بأسرها و نهضتها، بل إحياء الإسلام كله، و من لا يعرف جهاده بنفسه و مفاداته بكل شي‏ء في سبيل حياة الأمة و سعادتها فقد كادت لو لا نهضته النادرة تتلاشى، و تندمج في غيرها كما اندمج غيرها من الأمم و الشعوب الضعيفة.

إن عمل أنور باشا و زملائه لمن الآيات البينات، و الأعمال العظيمة النادرة التي طبقت الأرض شهرتها فهو و لا أبالغ من الأعمال الصديقية و الفاروقية و الصلاحية، و فوق عظمة أعمال نابليون و واشنطون، إذا لا حظنا الزمان و المكان فوجود أمثال هؤلاء الناس من النوادر الخوارق التي لا تسخو بها الأيام في كل وقت و حين.

157

فإن صحّ الأثر المشهور: «إن اللّه يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها» فأنور و جمال من هؤلاء المجددين هذا من جهة الأعمال، أما هما من جهة الأخلاق الفاضلة فليست أعمالهما أعظم من أخلاقهما، فقد عرف السوريون و الفلسطينيون جمالهم و قائدهم، و قد عرفوا أنور بثباته و إقدامه و مفادته، عرفوا أنه روح الأمة و مؤسس سعادتها، عرفوه في مركزه العالي و ذروة مجده الشاهقة، و لكنهم ما عرفوه في أخلاقه الاجتماعية و الدينية، حتى تفضل فزارهم هذه الزيارة، التي يعدونها أعظم أعيادهم و مبدأ لتاريخ حياتهم الجديدة.

زار حلب و سورية و سمعنا و قرأنا ما قام به سكان تلك الجهات من الاحتفالات الباهرة، و البهرجة النادرة، و لا عجب فإنهم يستقبلون محبوبهم و فاديهم، يستقبلون مخلص الأمة الذي احتفلت له القلوب بين ضلوعها، و كادت تغرق المقل فرحا بمياه دموعها «من عظم ما قد سرني أبكاني».

زار سورية و ما كان لبيخل و هو الكريم النفس و الخلق، بزيارة شقيقتها فلسطين التي تطايرت نفوس أهليها و ألقت أشعتها اللطيفة على الخطوط القطارية في طريقه انتظارا لقدومه الجميل، فزار أولا يافا صباح اليوم الثاني عشر من شهر شباط، على الحساب الشرقي سنة (1331 ه) فكان له و لجمالنا و زملائهما من الاستقبال الحافل أحسن استقبال.

لم تكن زيارة مدينة يافا داخلة في خطة سفر القائدين العظيمين صاحبي الدولة أنور باشا وكيل القائد العام، و ناظر الحربية، جمال باشا قائد الجيش الرابع و ناظر البحرية، و لكن قائد الموقع حسن بصري بك الجابي تجاسر على دولتيهما و دعاهما باسم البلدة فلبيا دعوتها فقابلته بكل ما لديها من وسائط

158

الاحتفاء و الزينات الباهرة التي فاقت على مثلها في غير بلدان بشهادة من كان فيه معية دولتهما، فقد كانت الزينات التي أقامها أبناء يافا و اللد و الرملة في ذلك اليوم من أجمل ما رأى ثغر يافا.

وصل قطار الوزيرين الخاص إلى محطة الرملة الساعة الخامسة من صباح الجمعة فكان في انتظاره جميع من في القضاء من مأمورين عسكريين و ملكيين، و أعيان القوم، و أفاضلهم و لما وطئا الأرض‏

دوى الفضاء بأصوات التصفيق و الهتاف، فسارا بين جماهير الخلق إلى سرادق فخيم نصب هناك بعد أن مرّا تحت قوس نصر زين بأحلى زينة، و بعد أن تناولا الفطور في محطة سكة الحجاز أقلتهما السيارات إلى مكان استعرضا فيه الفرقة المرابطة في تلك الأنحاء، و من هناك أخذا طريق يافا و التوفيق قائدهما، فوصلاها الساعة الحادية عشرة، و كان دخولهما من شارع جمال باشا الجديد الذي أنشئ على أحدث طراز، و هناك ترجلا بإزاء قناصل الدول و الرؤساء الروحيين و أشراف البلدة و وجوهها الذين كانوا بانتظار بزوغ شمس طلعتهما، فأسكرا الناس بلطفهما المشهور، و ابتسامهما الخلاب.

و لما كان هذا الشارع لم يفتح بعد رسميّا كلف صاحبه دولة جمال باشا دولة أنور باشا أن يفتحه بيده الكريمة، فتنازل دولته و قطع شريطا من الحديد كان يمنع مدخله، و نحرت و قتئذ القرابين، و تلا فضيلة مفتي يافا دعاء أمّن عليه الجميع، و سار بعد ذلك الضيفان الكريمان مشيا على الأقدام، فمرا تحت قوس نصر مزدوج أقيم على عرض الشارع البالغ 30 مترا، فكان منظرا لم تقع العين على أجمل منه، و لما توسطا الشارع ركبا سياراتهما، و مرا تحت قوسين آخرين من‏

159

بديع الصنع و جميل الهندسة إلى أن وصلا إلى منزل هرنك؛ حيث أعد المجلس البلدي لدولتهما مأدبة تليق بمقامهما.

و بعد الطعام ركبا إلى دار الحكومة، فكانت ألوف الخلق تحييهما على الجانبين، و هناك في البهو الكبير تصدرا بدرين منيرين، و أخذ قائد الموقع يقدم لهما و جهاء البلدة و أعيانها واحدا واحدا، فأبديا التفاتا خاصّا للخواجه فريديرك مراد الذي تبرع بأكثر أرض شارع جمال باشا و أرض جامع الجابي الجديد الذي أنشأه قائد الموقع باسمه.

ثم قدم لهما طبق من فضة عليه تمثال هرم كبير من الحلوى، فابتسما لمغزاه، و استل القائد خنجره، و قدمه لهما، فأخذ كل منهما قطعة منه، و أدير على الحاضرين، ثم نزلا إلى ساحة السراي، فأخذ المصورون رسم الحفلة، و أنشد الشيخ أحمد الطريفي بعض أبيات بصوت رخيم، ثم ركبا السيارات محفوفين باليمن و الإقبال، و وجتهما ببيت المقدس، فمرا أيضا تحت أقواس نصر أخرى جمعت خلاصة الفن و الأبهة.

و مما يذكر أن دولة أنور باشا تبرع بمبلغ لفقراء البلدة، و أنه أعجبه برتقال يافا الشهير، فأوقف سيارته أمام أحد البساتين في طريقه إلى القدس، و دخل مع دولة جمال باشا، و قطع بيده مقطفا من البرتقال، و نفح خادم البستان بضع ليرات عثمانية تلقاها هذا بالدعاء، و لا عجب بهذه الأخلاق الرضية و الجود و الكرم، فالعظيم عظيم في كل أمر.

و بينما كان أنور و جمال بيافا بين دقات القلوب سرورا، و ابتهاج النفوس فرحا كان أهل القدس منتشرين في جهة بزوغها إلى مكان مقرهما، مقر الجيش‏

160

المظفر مائة ألف أو يزيدون، و بينا نحن في السرادق المضروب لاستقبالهما إذا بضجة صعدت للسماء و هتاف بصوت واحد: ليحي أنور و جمال. فهرع القوم جميعا، و إذا بالبدرين قد بزغا من مطلع الأفق على سيارتهما، و عرجا على السرادق هنيهة، ثم استأنفا السير بين أقواس النصر و صفوف الأهلين على اختلاف عناصرهم و مذاهبهم رجالا و نساء و أطفالا و طلبة مدارس على طبقاتها و مشاربها، و الأعلام بأيديهم يحيون أعظم من يحبون. مرت سيارتهما و رفاؤهما تخترق الطريق بين تصفيق الرجال، و هتاف الأطفال، و زغاريد النساء، حتى وصلا إلى المقر العسكري العالي.

لم يقم الأهالي بهذا الاحتفال النادر خوفا أو رياء، و لكنه الإحساس الوطني الحي، و القلوب و النفوس التي تعشق أنور و جمالا عشقا عذريا، و من لا يعشق النور و الجمال؟! و من لا يحتفل بمحيي حريته و مؤسسي سعادته؟! و لقد رأيت بنفسي امرأة قروية جاءت مندهشة هائجة تخترق الصفوف، و هي تزغرد و تقول: «أروني أنور، أروني أنور، أروني ولدي و حبيبي، إنني سامحته في أولادي الموجودين تحت السلاح، فليموتوا فداء له و للوطن» قال الراوي: فبكيت، و أنا و اللّه شهيد.

و رأيت قروية أخرى فاتتها مشاهدة أنورنا تتأسف، و تعض يديها ندما لعدم حضورها ملاقاة هذا البطل و رؤيته، كأنها فاقدة أنجح أبنائها. هذا لعمري هو الإخلاص الحقيقي و الشعور الصحيح و الحب الخالي من التصنع و المداجاة؛ لأنه شعور قروي طبيعي، لا أقول: إنه الوفاء العربي، و لكنه الإخلاص العثماني الخالص.

161

كان وصول أنورنا و جمالنا و رفقائهما عصر الجمعة، فتناولا طعام العشاء ليلة السبت في مقر الجيش الرابع، و في صباحه اجتمع أركان الحكومة و العلماء و الوجوه و كل مذكور في دار الحكومة، و ركبوا العربات، و ساروا نحو المقر يقدمهم مدحت بك متصرف اللواء، حتى وصلوا المقر، و تشرفوا بالسلام على أنور الأمة و جمالها مصافحة بالترتيب، و هما يستقبلان الزائرين بالطلاقة و البشاشة.

و قبل الظهر تناولا طعام الغذاء و من معهما في مقر الفيلق الثامن بدعوة جمال باشا قائده المبجل، و من هناك زارا الحرم القدسي، فبدأ بالصخرة المشرفة؛ حيث سمعا بعض الآيات الكريمة، و بعد أن صلى أنور باشا ركعتين تحية المسجد سارا يحف بهما العلماء و الأشراف إلى مسجد الأقصى الجامع، و صلى هناك أيضا ركعتين، و عندئذ تقدم خطيب الشرق الشيخ أسعد الشقيري، و أبان لحضرة القائدين العظيمين فضائل الحرم القدسي و الأحاديث الواردة في شرفه، و هناك قدم لدولة القائد العظيم كامل أفندي الحسيني مفتي القدس نسخة من فتاوى الأنقروي، كتبت منذ مائة و ثمانين سنة لتكون تذكارا في خزانة كتب أنور العثمانيين.

و بعد أن زار حضرات قائدينا العظيمين الحرم الشريف ذهبا بموكب حافل إلى الكلية الصلاحية، فاستبقلهما مديرها و معلموها و طلبتها، و بعد أن جلسا في بهوها الكبير قرأ تلميذ بعض الآي الكريمة، ثم قرأ أحد المعلمين خطابا عربيّا، ثم استعرض الطلبة استعراضا عسكريّا رياضيّا، فأبدعوا و أدهشوا، ثم تلا أحدهم قصيدة تركية العبارة، و آخر قصيدة باللغة الألمانية الفصيحة، كأنه من إحدى مدارس برلين لهجة و حركة و إشارة، و هذا ما زاد الدهشة، و أطرب‏

162

ضباط العسكرية الألمانيين، و جعل للحفلة رونقا و بهاء، ثم ختم تلميذ آخر الحفلة بخطاب تركي.

ثم زارا مقام نبي اللّه داود (عليه السلام)، ثم عطفا على كنيسة القيامة، فزاراها و من يصحبهما من القواد و الضباط الألمانيين و النمسويين، و قد تبرع دولة الأنور لها بمائتي ذهب عثمانية بعد أن وهب لخدمة الحرم الشريف خمسين ذهبا؛ ليعلم الناس أن هذا الدين الإسلامي القويم يحترم الشعائر و المذاهب، لا تعصب فيه، و أن الدولة- أيدها اللّه- تساوي بين عناصرها و طوائفها، و كنيسة القيامة هي التي دخلها سيدنا عمر و صلاح الدين، و في عصرنا دخلها أنور سيف الإسلام.

و في تلك الليلة ليلة الأحد تناول القواد العظام طعام العشاء على حساب المجلس البلدي في نزل فاست الكبير، و كان المدعوون ستين شخصا من أركان الحكومة و العلماء و الأدباء مع ضيوفنا الكرام، و في أثناء الطعام صعد الشيخ علي ريماوي من فضلاء (1) القدس، و قال: لو كنت طويلا لوجب عليّ أن أتقاصر أمام عظمة حضرات قوادنا العظام، و ضيوفنا الكرام. ثم أنشد قصيدة طرب لها الحاضرون جدّا، و استخفت طرب الأستاذ الشقيري حتى استعاد أبياتها مرارا، ثم تلا الشيخ سليم اليعقوبي من أساتذة يافا قصيدة غراء، ثم خطب خاتما الحفلة جميل بك النيال مدير الأوقاف و الكلية الصلاحية خطابا تركيّا.

و بعد الطعام ركب القائدان الجليلان و من معهما سياراتهم إلى المقر العالي تاركين طلبة الصلاحية يتجولون بالمصابيح، و المدينة كلها نور و فرح و سرور،

____________

(1) اعتمدنا على ما كتبه هو لنا بهذا الشأن عن القدس، و أكثره من عباراته، و على ما كتبه مكاتب المقتبس في يافا، و على مصادر أخرى جديرة بالثقة.

163

و في صباح الأحد سار أنور باشا و جمال باشا و رفقاؤهما إلى جهات بئر السبع، و يوم الثلاثاء رجعا بالعز و الإقبال، و بين بئر السبع و الخليل وقفا ساعة حيث استقبلتهما قطعة من الجيش المرابطة هناك، ثم عطفا على مدينة السيد الخليل (عليه السلام)، و زارا أضرحة الأنبياء الكرام، و شربا الشاي في دار الحكومة، و ركبا إلى بيت لحم؛ حيث ولد السيد المسيح (عليه السلام)، و زارا المغارة، و من هناك رجعا إلى القدس بين الهتاف و التصفيق.

و صباح الأربعاء توجه قائدانا العظيمان إلى أريحا على السيارة، فشيعهما الأهالي و القلوب بأجل مظاهر التشييع و الوداع، و بعد الغداء في أريحا على حساب بلدية القدس سارا على طريق عمان؛ حيث ركبا القطار إلى مدينة الإسلام و السلام صلوات اللّه على ساكنها.

و كان الاستقبال في أريحا جميلا قام به جميع العشائر المخيمة حول نهر الأردن بالسلاح و الخيول المطهمة، و مشايخ الطرق و الزوايا بالأعلام و الطبول، ثم جاءا إلى السلط، فنصبت السرادق و الخيام، و أقامت بلدية السلط ضيافة شاي، و كان جميع عربان السلط و أشرافهم و طلبة مدارسهم يرددون الأناشيد و الألحان، و الرؤساء و القبائل يظهرون للقائدين شعائرهم و عواطفهم. و من السلط ركبوا السيارات أيضا إلى عمان حيث استعرض الجراكسة سكان تلك القصبة بخيولهم، و منها ركبا القطار إلى المدينة المنورة.

هذه إجماليات المكاتبين و الذي علمناه من مصدر يركن إليه أن دولة القائد لما وصل إلى خليل الرحمن استقبلته المشايخ و أرباب الطرق، و ترجل دولته مع جمال باشا حتى وصل إلى المسجد الإبراهيمي، و هناك وقف العلماء أمام ضريح جد الأنبياء سيدنا إبراهيم الخليل (عليه السلام)، فتلي ما تيسر من القرآن، و أدعية

164

ظهرت عليها علائم القبول، و زار تربة سيدنا إسحق و يعقوب و يوسف و جميع المشاهد، و صافح العلماء و الأتقياء، و نال حظّا كبيرا من أدعيتهم، و أحسن إلى الفقراء بصدقة عظيمة، و سار و العز يشيعه إلى قصبة بيت لحم، و هناك وقف له رؤساء جميع الملل و الطوائف الغير المسلمة مع الجند السلطاني، فاستقبلوا دولته أعظم استقبال و أبهى احتفال، و استرحموا منه أن يروه كنيسة الولادة، فدخلها؛ إجابة لدعوتهم، و كان الرؤساء الروحيون بملابسهم الكهنوتية، و ضربت له النواقيس، و اجتمعت الطوائف على اختلاف أجناسها و أعمارها، و أوقدت الشموع و القناديل داخل الكنيسة، و دعي للدولة و الجيش فخرج و أحسن بصدقة عظيمة أيضا على فقراء الطوائف.

ثم جاء القدس وقت الظهر، فتناول الطعام في المعسكر في جبل الطور، و كانت ضيافة القدس في العودة مما أقامه روشن بك مفتش المنزل، و تكلم في تلك الضيافة الشيخ أسعد الشقيري على حديث نبوي خاطب فيه الرسول سيدنا علي بن أبي طالب بقوله: ( (أنت سيد المسلمين و يعسوب الموحدين)) و إن السيادة التي كانت لعلي بسبب حفظه لكيان المسلمين و حرصه على إقامة شعائر الدين و قيادته للجيوش الإسلامية و اجتهاده في الفنون الحربية و حصول الظفر على يديه، فنال السيادة بالعز و الحزم و الجهاد و السيف، و مضى راضيا مرضيّا، و إن أنور باشا في عصرنا يحق له السيادة على الإسلام بسبب ثباته على مسلك الدين، و اتباعه لشريعة سيد المرسلين، و جهاده في طرابلس الغرب، و في مواقع الحروب، و تنظيمه الجيوش، و أخذه على عاتقه القيادة العامة و شخوصه بالذات إلى هذه الولايات لتفقد الشئون العامة، و النظر في الجيش.

165

و ذكره بما ذكر له مع جماعة العلماء ما أجراه القائد العام أحمد جمال باشا من الإصلاحات، و حمد اللّه على أن الباشا رأى آثار أخيه جمال باشا رأي العين حتى أن أنور باشا صرح بأنه رأى من هذا القبيل فوق ما سمع.

أما تبرعات أنورنا في لواء القدس فكثيرة، منها للفقراء، و منها لكنيسة القيامة، و منها لخدمة الحرم القدسي، و منها لخدمة السيد الخليل، و منها لبعض المساتير و العلماء و الأدباء، و كذلك كانت تبرعاته لأهالي لواء عكا.

هناء اللقاء قصيدة الشيخ علي ريماوي المقدسي‏

يا مرحبا بحبيب الشعب «أنوره»* * * و «بالجمال» جمال السمر و القضب‏

مذ قيل أنور روح الشعب في حلب‏* * * قد ماجت القدس من صفو و من طرب‏

ترى النفوس على طول القطار له‏* * * من شدة الشوق ملقاة على القضب‏

بها انتظارا إلى ميمون طلعته‏* * * ما بالقطار من التضرام و اللهب‏

زيارة ملأت سورية فرحا* * * من العريش إلى حمص إلى حلب‏

يا محيي الشعب من عدم و من عدم‏* * * و منقذ الشعب من ضيق و من كرب‏

شعب بك اليوم قد شدت عزائمه‏* * * و كان ميتا على يأس من الأرب‏

لم ينسك الوفد بل لم ينس ما فطرت‏* * * عليه سيماك من لطف و من أدب‏

قد زار جيشك في ساحاته فرأى‏* * * أسد العراك بغيل المعقل الأشب‏

للّه جيشك و الرحمن ناصره‏* * * فقد تسامى على الجوزاء و الشهب‏

جيش تألف و الإسلام رايته‏* * * من خيرة العنصرين الترك و العرب‏

سارت بجحفلة الأقدار تقدمها* * * ملائك اللّه فوق الخيل و النجب‏

تسربلت بدروع الوحي و اعتقلت‏* * * من نبعة النور أطراف القنا السلب‏

166

معتادة الطعن من بدر و من أحد* * * أليفة الضرب في حرب و في حرب‏

حرابها من ظبى التقوى و أسهمها* * * من قدرة اللّه لا نبع و لا غرب‏

جيش له ينظر الإسلام قاطبة* * * من منتهى القطب الأقصى إلى القطب‏

أجاب صوتك منه كل غالية* * * من النفوس إذا الأشباح لم تجب‏

لو مكنته العدى و الدهر ذو غير* * * لباك من كل صوب منه أو حدب‏

لبيك لبيك إن رمت الجهاد لنا* * * هذي النفوس فخذ ما شئت و انتدب‏

هي القناة فلا تحفل بمنعتها* * * في يمين جيشك سر النصر و الغلب‏

و ما العدى غير أخلاط مجمعة* * * حول القناة و أنصاب من الخشب‏

قالت سأرحل عن مصر و ما رحلت‏* * * قالت أثوب إلى عدل و لم تثب‏

كم عاهدتنا و كم عهد لنا خفرت‏* * * و كم تعدت و كم باتت على صخب‏

موسى و أنت على رأي و عاطفة* * * كلا كما عجب من أعظم العجب‏

هذاك أنقذ مصرا من فراعنها* * * و أنت تنقذها من دولة الكذب‏

صادقت من أمة الألمان إذ صدقت‏* * * و النمسويين خير القادة النجب‏

من كل شهم و في العهد صادقه‏* * * و كل ليث قوي الساعدين أبي‏

جاسوا ديار الأعادي و هي حافلة* * * فأصبحت مثل ربع دارس خرب‏

يردها «هند برغ» من هنا و هنا* * * كأنها كرة في ساحة اللعب‏

ته يا جمال إذا ما شئت مفتخرا* * * على الزمان بمعنى جيشك اللجب‏

لم يحو جيش كما يحويه جيشك من‏* * * قوى الكفاح و فضل العلم و الأدب‏

يختال في الزرد المسرود تحسبه‏* * * ليوث غاب و قد باتت على سغب‏

ينحو القناة و لم يبرح ينازلها* * * حتى تخر العدى جثيّا على الركب‏

أذكرتنا زمن الفاروق من قدم‏* * * كلاكما ناصر الإسلام في الحقب‏

167

و أنت للّه ما أحلاك من بطل‏* * * يا قائد القول قول الفيلق الحرب‏

أنت الجمال لجيش اللّه فارم به‏* * * جيش العدو لدى استحكامه تصب‏

يا واهب الذهب الإبريز من كرم‏* * * هذي هباتك عني قط لم تغب‏

وضعتها (1) عند قلبي حيث أنت به‏* * * كيما تكون بمرأى منك عن كثب‏

دقاتها في سماعي من لطافتها* * * أحلى من العود بين الزهر و الحبب‏

في كل ساعة وقت دار عقربها* * * لابد أنظر فيها نظرة الطرب‏

لا رغبة في حلي الدنيا و زخرفها* * * لكن لحبك عندي فهو مطلبي‏

و كي أرى الهبة لممدوح واهبها* * * و اسم العظيم العلي المنقوش بالذهب‏

فاسلم و دم زينة الدنيا و بهجتها* * * و قائد الشعب تنجيه من العطب‏

قصيدة الشيخ سليم اليعقوبي اليافي في بطل الإسلام أنور باشا

هذي فلسطين فازت عربها بكم‏* * * يا «أنور» الناس من ترك و من عرب‏

واصلتها اليوم، فافترت مباسمها* * * كالخود، تفتر يوم الوصل عن شنب‏

أنت الذي لم نجد في خلقه عوجا* * * و من كأنور في خلق و في أدب‏

لك المروءة خلقا، و التقى خلقا،* * * و المرء بالخلق لا بالدر و الذهب‏

لو لا تقاك و ما أوتيت من شمم‏* * * لمزقتنا بنو الأوثان و النصب‏

يمناك فيها- و حسبي باليمين هدى* * *- يراع حزم، و في يسراك ذو شطب‏

عما قريب، بفضل اللّه تسعفنا* * * «بفتح مصر» و ما في الفتح من ريب‏

____________

(1) يشير الناظم إلى الساعة الذهبية التي أهداه إياها بطل العثمانيين أنور باشا لما كان من جملة الوفد العلمي السوري الفلسطيني في دار الخلافة.

168

آياته ظهرت بالحزم فابتسمت‏* * * لها الثغور، ابتسام القلب بالطرب‏

حسبي و حسبك، إن «الروس» في فشل‏* * * و الإنكليز و من «والاه» في هرب‏

باءوا بذل كما شئنا، و خزيهم‏* * * في «الدردنيل» دليل غير ذي كذب‏

إني رأيتهم- و الحرب قائمة* * *- ما بين مضطرم منهم و مضطرب‏

أودى بهم بمواض غير مغمدة* * * جيش ابن عثمان جيش المجد و الحسب‏

يا نعم جيشا، يهز الدهر صارمه‏* * * و الجيش إن صال هز الدهر بالقضب‏

هو الذي لم يدع في الحرب من أحد* * * من العداة، بلا قتل و لا سلب‏

ذو عدة لست أحصيها، و أي فتى‏* * * يحصي النجوم بأفق غير ذي سحب‏

يممت ساحاته في الدردنيل، فما* * * ألفيت فيها كميّا غير ذي أهب‏

آساده لا تهاب الموت يوم وغى‏* * * بالمرهفات، و لا تخشى من الوصب‏

قوية الجأش لم تعبأ بمرتفع‏* * * من البغاة و لم تحفل بمنتصب‏

فازت بآمالها في الدردنيل و في‏* * * أرض العراق و في قفقاس بالأرب‏

روحي فداء لتلك الأسد ما صحبت‏* * * في ساحة الحرب قلبا غير مكتئب‏

تطوى لها الأرض طيّا في الحروب و كم‏* * * تطوى لها الأرض من بيد و من كثب‏

اللّه يعلم أني لست أكذبكم‏* * * في وصفها القول في شعري و في خطبي‏

أنعم بجيش أعز الملك فانطلقت‏* * * بمدحه ألسن الأقلام و الكتب‏

للّه «أنوره» المقدام من شهدت‏* * * بحزمه الخلق من نجب و من نجب‏

ذاك الذي صغت شعري في شمائله‏* * * و الشعر في مثله ضرب من الضرب‏

و مدح أنور فرض لست أجحده‏* * * أيجحد الواجبات الشاعر العربي؟؟

هل مثل في ربوع الحزم من رجل‏* * * أصمى العداة بشهب الويل و الحرب؟؟

كلا فأنور ثاني اثنين حزمهما* * * كالشمس رأد الضحى في الأفق لم تغب‏

169

بطل الوخ‏ن جمال باشا

أما «جمال» و حسبي أن أصوغ به‏* * * آيات شعري فذو مجد و ذو حسب‏

ليث العرين نصير الملك «أحمده»* * * و من كأحمد رب البيض و اليلب‏

يسدي لنا الخير و الخير الجميل إذا* * * أسداه أودى بليل البؤس و العطب‏

شهم بسالته في الشرق ناطقة* * * بأنه خير شهم غير ذي لغب‏

أعاد للعلم- دورا- بعدما سلبت‏* * * في القدس و الناس في لهو و في لعب‏

و مدّ من سوريا- خط الحجاز- إلى‏* * * قرب العريش بأيدي جيشه اللجب‏

و أنشأ السبل في بيروت محتسبا* * * و في دمشق و في يافا و في حلب‏

و أرخص العيش للشرقي في زمن‏* * * فيه بنو الغرب في بؤس و في سغب‏

«جمال» أنت أخو جيش لبانته‏* * * صد العداة ورد الشهب بالشهب‏

للنيل فيك على رغم العدى أمل‏* * * و للقنال رجاء فيك لم يخب‏

باللّه «أحمد» أنجز ما وعدت به‏* * * من فتح مصر و أخذ النيل عن كثب‏

فالإنكليز أهان المسلمين و في‏* * * تلك الديار سقاهم أكؤس النوب‏

وجدد العدل في عهد «الرشاد» بها* * * فالعدل مطلب المصري و مطلبي‏

و وطد الأنس فيها و السرور و خذ* * * بضبع قوم أضاعوا الملك بالنشب‏

و اللّه يوليك «فتحا» تستعيد به‏* * * في «مصر» مجد الكرام الترك و العرب‏

170

هذا هو الخطاب الذي ألقاه جميل بك النيال مدير الكيلة الصلاحية و أوقاف القدس في الضيافة التي أقامتها بلدية تلك المدينة للناظرين العظيمين في فندق فاست قالها بلسان البلدة

محترم باشا حضرتلري‏ (1)

تشريفكزله، قدس، إلى الابد اونو تامايجغي بر فخر و شرفه نائل بيورمكزدن طولايى اهاليسنك تشكراتني بواقشام عرض و ابلاغه برازاول بنده كزى توسيط ايتديلر. سزك كبى بيوك و نامدار سزك كبى بلند و ممتاز بر صاحب عزم و همتك شرفياب تلطيفي اولمق، اعتماد بيوريكزكه قدسك إلى الأبد اونوتاما يه جغي بر شرف، اهاليسنك إلى الابد نقش خاطره‏ء تبجيل ايله جكي بر سعادتدر. اوج ياشنده بر ياورودن آق صقاللي بربير سالخورده يه قدر كذر كاهكزه بوتون قدس اهاليسنك يوزنده بو سعادتك التماعاتي روشنادر. فقط

____________

(1) قال جميل بك في هذه الخطبة بعد أن رحب بالقائدين العظيمين، و ذكر عواطف أهل القدس نحوهما: إن القائدين هما منقذا الدولة و محيياها، و لو لم يكونا على رأسها ما نجت هذه الدولة العظيمة القديمة حامية الإسلام الوحيدة، و لسقطت في ورطة الاضمحلال، و إن الجيش هو الذي ربته الدولة و افتخرت به منذ قامت بالأمر، و إن جميع تاريخها غاص بحوادث هذا الجيش العثماني و مقدرته و حماسته و شرفه، و إن علم شوكتها بفضل هذا الجيش قد خفق على الشرق و الغرب من سفوح النيل إلى بلاد القريم، و من أذربيجان إلى فينا، و كان خفوقه مقرونا مدة عصور بالشرف و المكانة بفضل بسالته و شهامته، و لكن تأثير أعوام المصائب المشئومة قد حرم هذا الجيش الباسل من هذا الميراث الثمين الذي أتاه من أجداده الطاهرين، فكانت له هذه الصفات و القوى، لو لم يتداركه عزمكم الشديد و همتكم العالية، و تبثوا فيه حياة جديدة، و ختم خطابه بقوله: إن أهل القدس عامة من أجل هذا تضطرب أفئدتهم سرورا لمرآكم، و تعقد الرجاء على نصركم و توفيقكم، و تنادي بلسان واحد: ليحي أنور باشا و جمال باشا، و لتحي الدولة التي أنجياها، و لتحي حليفتاها دولتا ألمانيا و النمسا و المجر الفخيمتين.

171

اونلر سزه بو سعادتك التماعاتني كوسترمك ايجون دكل، محضا سزى كورمك ايجون كجه جككز يرلره قوشوشيورلر. اسمكزى و رسمكزى قلبلرينك اك درين يرنده صاقلايان بو خلق سنه لردن برى الك محترم برشى اوله رق صاقلا دقلرى بو كوزل اسم و رسم صاحبنك كوزل يوزينى كوره رك اونك نوريله كوكللرينى شنلديرمك و رونقلنديرمك ايستيورلر. بو امل ايله قوشوشدقلرى صره‏ده سزك قدر يكزه لايق تظاهر اتده بولنه ميورلر ايسه بونى اونلرك صيميتنه باغشلايا رق عفو بيوريكز.

باشا حضرتلري‏

وقوعات عالمك ميزان انتقادي تاريخ ايسه وقايع جاريه نك معيار تدقيقي ده انتقادات تاريخيه ايله بيرايه دار اولان اذهان منوره در. بر مؤسسه‏ء عرفانك سركارنده بولنان ناجيز بر تعقيبكار حادثات امم صفتيله تاريخك سزه ويره جكي عنواني دوشونيور و بوكون ايلك دفعه اوله رق سزه و مواجهه‏ء اجلا لكزده بولنان بيوك جمال باشا حضرتلري ايله ايكي اوج رفيق ممتاز يكزه تاريخك ويره جكي عنوان ايله بو دولتك محيي و منجيسي صفتيله خطاب ايتمك ايتسيورم. و بونكله، بو خطاب ايله اك صميمي قناعت عرفانمي تجلى ايتدير يورم.

اوت محيي و منجئ دولت، جونكه سزاولماسه يديكز، سزاك باشده اورته يه اتلمسه يديكز بو دولت قورتولامازدى بو بيوك بو عصر ديده دولت بو يكانه إسلام حكومتي ورطه‏ء اضمحلاله دوشيوردي سزيثتشديكز عزم و همتكزله، دميردن الكزله اونى طوتديكز و انشا للّه قورتارديكز.

172

بو دولتك بوتون ماضيسنده شرفني طاشيديغي برشي واردي: اردوسي.

بوتون تاريخي بواردوسنك حماست و قدرتنه عائد شانلى، شرفلي داستانلرله طولوايدي. بوتون شرق و غرب علم شوكتني، نيل اتكلرندن قريم ايللرينه، اذربايجاندن ويانه اوكلرينه قدر امتدا ايدن رساحه‏ء فسيحه ده عصر لرجه شان و شرفله تموج ابتديرمش اولان بواردونك تقدير خوان بسالت و شهامتي ايدي.

فقط فلاكتلى سنه لرك مشئوم تأثيرلرى بو قهرمان اردويى اجداد باكنك اك قميتلي بر ميراث شرفي اولان و قدرت و مزيتدن ده محروم ايديوردي. ينه سز يتشديكز دميردن عزم و همتكزله بورا دويه يكيدن جان ويرديكز.

منافعنك استلزام ايتديكى قوانيني وضع و تشريع ايليه مين، عدالتي توزيع، احكام و مقرراتني اجرا و تنفيذ ايده مين خلاصه حق موجوديتنك تضمن ايلديكى بر صلاحيتله حدود ملكيه‏سي داخلنده فرمان فرماي اولامايان بر دولتك دولتلكنده تقصان واردر. بزبر بجق سنه اولنه قدر قدرت و شوكت دولتك اك قاهر بولنديغي زمانلرده ويريلن بر طاقم امتيازات مشئومه ايله بو حالده ايدك درت يوزسنه دن برى دوام ايدن بوا امتيازاتي روحكزده بو يوك بر قوت و قدرته دلالث ايدن عزم و همتكزله قوبارد يكز و آتديكز. دولتك استقلال سياسي و تشريعيسني استقلال اداري مالي و عدليسني استكمال بيورديكز.

ساحه‏ء سياستده اكتساب ايديلن بو ظفري، جهان حربنك اك بارلاق مظفر يتلريله ده تتويج بيورديكز عثمانليلره لايق ولد قلرى، فقط جوقدن برى طاديني طاتمادقلري بو مسرتلي كونلري طاتديرديكز و بونكله هر قلبه شرفله ياشامق ايجون جاريان بريورك بخش ايتديكز. يوره كنده بو مسعود هيجاني‏

173

طويان، بو لذت حياتي الآن هر عثمانلي بوني محترم كنج حكومتنه و اونك اك بارز و سويملى بررعضوى اولان ذات فخيمانه لرينه مديون اولديغني بيلير، سزلرك نامكزى قلبنك اك درين يرنده اك محترم برشى اوله رق صاقلار و اونلرله او كونور.

ايشته بونك ايجوندر كه بوتون قدس اهالسنك سزك ايجون تيتره‏ين سزك نصرت و موفقيتكز ايجون تمنيلرده بولنان قلبي ايله يكزبان اوله رق با غير يورم:

ياشاسون أنور و جمال باشا حضراتي. ياشاسون قورتاردقلري دولت، ياشاسون بو دولتك صميمي متفقلري ألمان و اوستريا و مجارستان دول فخيمه‏سي.

خطاب حكمت أفندي من صغار خ‏لبة كلية صلاح الدين في القدس أمام كل من أنور باشا و جمال باشا

اي بو معظم كليه نك محترم مؤسنس و حاميسي:

اي قهرمان اردومزك شانلى قوماندانلرى:

اي دولت ابد مد تمزك ركن قويم مفخرتي:

حرمت سزه، نصرت سزه، موفقيت سزه‏

سزا و لماسه يديكز بو مدرسه الينماز، بو كليه اجيلماز، اسلامك اسقتبالنه رفعت و انتباه وعد ايدن بو تجدد وجوده كلمزدى هزاران شكر و منت سزه.

دها بو كونه قدر صلاحيه اسمنى طاشيان فقط دونه قدر ايمان يرينه بغي و عصيان طويوران بو مدرسه نام بر احترامني طاشيديغي مجاهدنا مدارك‏

174

روحني تعذيب ايدييودي بويوك بر دار العلوم اوله رق تأسيس ايلديكي بو مدرسه نك التي يوز بو قدر سنه مقر هدايت عرفان اولد قد نصكره مركز مبشرين ضلال و طغيان اولان بر مؤسسه يه انقلاب ايتمش اولمسي اوني مزارنده راحت ياتيرميوردي سز بو خطه يه سعادت كتيرن قدومكز له شرفبخش اولد يغكز اونك معلا تربه‏سني زيارت ايلديككز زمان اونك روحي سزى كنديسنه ياقين بولمش، بو راز اضطرابي سزه اجمش ايدي و سزاي بيوك و شانلي قوماندان، جامع امويده اونك تربه‏سي جوارنده ايراد بيورديغكز ايلك مهم خطبه كزده اونك نامني حرمتلر له اكاركن خاطر لمق صانكه اوكا بو خصوصده تأمينات ويرمش ايديكز. بو رايه كلنجه بو مدرسه‏يى كشاد ايتديكز اونك روحيله برابر بوتون عالم إسلامي دلشاد ايتديكز.

او، مصردن كلوب بو دياري تخليص ايتمش ايدي. سز بورادن كيدوب او ديار مغدوري استخلاص ايليه جكسكز. جناب اللّه اوكا بخش ايلديكي نصرت و موفقيتي سزه ده ياور ايله‏سين اوراده اسلامك اك شهر تشعار بر دار العلوم مظلومي اولان ازهر وار. ازهره كليه كزك تحفه‏ء تعظيماتني كوتوريركن دييكز و تأمين ايدكز كه حيات معرفتده يكي طوغان بو برادرلري سماي ترقيده بو عصرك خاطفة السيريله طي مراحل ايتمك و كنديلرينه يتشمك عزمنده در.

بز صلاحيه ليلر ايجون بيوك صلاح الدين ايوبينك نامي بيوك جمال باشا نك ناميله قارشمشدر هر ايكيسي بو مدرسه نك تاج ابتهاجي هر ايكسي قلوب عامه‏ء اسلامك سراج و هاجيدرلر. بريني رحمت ديكريني خير و حرمتله هر كون ياد ايتمك مدرسه مزك دأب اصليسيدر. صلاحيه بويوك ناملرله ياشاياجق اونلرك نجاة و ترقى وعدايدن جناح صيانت و شهرتي التنده اعتلا

175

ايدرك اونلريده ياشاتمغه جاليشه جقدر بز بو غايه ايله حياته كيردك، سزك بيوك نامكزه لايق بر صلاحيه لي اولمق مفكوره مز غايه‏ء املمزدر جناب اللّه املمزى خائب قيلمسون.

بويوككي دنيانك هر طرفنده طاننمش بويوك و بر نور نامي يابديغي ايشلر ايله برابر شرق و غربك هر كوشه سنده تقديرلر و حمتلرله يادايدلمكده بولنمش اولان معظم باش قومندان و كيلمزك بو كون كليه مزه شرفيخش اولملري مفكوره مزه نائل اوله جغمزه بر فال خير در. في الحقيقه دها برنجي سنه سنده قدوملريله بكام اولمق ايجون إلى الابد تأثيري حسن اولنه جق بر شرف بر عامل ترقيدر.

نام بر احترامني هر فرد ملت كبي يوركنك اك معزز يرنده ذاتا صلاقلايان صلاحيه ليلر بوند نصكره كنديلريني بويوك نامك دها يقيندن مربوطي بيله جكلر در بونك ايجون صلاحيه ليلر، هب براغزدن بغير الم: ياشاسون أنور و جمال باشالر حضراتي.

تعريب خطاب حكمت أفندي الموما إليه أمام أنور باشا و جمال باشا

يا حامي هذه الكلية، و مؤسسها المحترم:

أيها القائدان العظيمان لجيشنا الباسل:

يا مفخر الأركان القويمة للدولة الأبدية القرار:

176

احترامنا لكم، و النصر معقود بلوائكم، و التوفيق متوقع على أيديكم، لو لا صنيعكم أنتم ما أخذت هذه المدرسة، و لا فتحت هذه الكلية، و ما ظهر إلى عالم الوجود هذا التجديد المنتظر للإسلام من مستقبل رفيع يحوي في مطاويه اليقظة و النهوض. فألف شكر و منة لكم.

كانت ذكرى هذه المدرسة التي تدعى إلى اليوم باسم الصلاحية تعذب روح صاحبها المجاهد الشهيد؛ لأنها كانت إلى أمس تلقن البغي و العصيان بدل اليقين و الإيمان، أسست هذه المدرسة دار علوم كبرى منذ زهاء ستمائة سنة، و بعد أن كانت دار إرشاد و علم تحولت إلى مركز مبشرين بالضلالة و العماية، فكان صلاح الدين يضطرب في قبره للذي وقع لمدرسته.

أنتم لما قدمتم هذه البلاد و جلبتم السعادة معكم، و زرتم مرقده الشريف رأى روحه قريبة من روحكم، فعرض لديكم جملة حاله، و شكت مدرسته مما نالها من الاضطراب، و أنتم أيها القائد المبجل، لما ألقيتم خطبتكم الأولى المهمة في الجامع الأموي قرب قبر صلاح الدين ذكرتم اسمه بأنواع الاحترام، كأنكم تعهدتم له تعهدات في هذا الشأن حتى إذا شخصتم إلى هنا أنشاتم هذه المدرسة، فأدخلتم بصنيعكم السرور على روحه، كما أدخلتموه على العالم الإسلامي أجمع.

جاء صلاح الدين من مصر، فأنقذ هذه الديار، و أنتم ستذهبون من هنا لتخليص ذاك القطر التعس. فنسأل الحق تعالى الذي منحه النصر و التوفيق أن يجعلهما رفيقيكما.

177

متى انتهيتم إلى أشهر دور علوم الإسلام؛ و أعني به: الأزهر المظلوم، احملوا إليه تعظيماتنا، و قولوا له قولا لا شائبة فيه: إن إخوانكم الأحداث الذين ولدوا في الحياة العلمية يقطعون اليوم المراحل في سماء الترقي بالسير السريع على ما يقتضيه حال هذا العصر، و هم عقدوا العزم أن يلحقوا بكم و يتتبعوا خطاكم.

جمع طلبة الصلاحية بين اسم صلاح الدين الأيوبي العظيم، و بين اسم جمال باشا العظيم، فكلاهما تاج ابتهاج لهذه المدرسة، و كلاهما سراج و هاج في قلوب أهل الإسلام كافة، و لقد آلت مدرستنا على نفسها أن تذكر الأول كل يوم بالرحمة و الترضي، و الثاني بالخير و الاحترام، ستعيش الصلاحية بفضل هذه الأسماء الكبرى كما ستخلد لهذه الأسماء شهرة حسن الأثر، نحن قد دخلنا في مضمار الحياة، و هذه غايتنا و منتهى رجائنا أن يتخرج طلبة يلقبون باسمكم العالي، فإلى اللّه نتوسل ألا يخيب أملنا.

استبشرت كليتنا بأن أولاها الشرف اليوم بزيارته هذا العظيم وكيل القائد الأعظم الذي عرفت الأرض عظم نفسه، و اشتهر اسمه اللامع بما قام به من الأعمال المجيدة في أكثر أرجاء الشرق و الغرب، و كلما ذكر يذكر بالإعجاب و الاحترام. لا جرم أن قدومه- و الكلية في سنتها الأولى- يوفر لها السعد و السعادة، و سيكون تأثير زيارته إلى الأبد عاملا من عوامل الارتقاء و الشرف.

إن طلبة الصلاحية سيجعلون اسمه المحترم في أعز مكان من قلوبهم، كما جعل ذلك كل فرد، بل أمته برمتها، و يعرفون أنفسهم بعد الآن أن لهم ارتباطا بهذا الاسم العظيم عن أمم، و لذلك فلنهتف كلنا معاشر الصلاحيين من فم واحد:

ليحي حضرة أنور باشا و حضرة جمال باشا.

178

قصيدة الشيخ علي ريماوي القدسي أرسلها بعد العودة لروح الأمة أنور باشا المعظم‏

أبا النور و الدستور يا أنور العلى‏* * * عليك سلام اللّه و البركات‏

سلاما و تعظيما و ألف تحية* * * من الشعب تهديها لك الأسرات‏

عن القدس عن سورية و بلادها* * * و من ضمت الأمصار و الفلوات‏

إلى باعث الدستور بعد مماته‏* * * و قد كان لا ترجى إليه حياة

سلاما و تعظيما لأعظم قائد* * * تزاهى به الإسلام و الغزوات‏

عليه من التقوى صلاحا علائم‏* * * و من رونق الدين الحنيف سمات‏

تباهت بيمناه السيوف و أشرقت‏* * * بيسراه في محرابه السجات‏

أبا النور يا نور الفضائل و الذي‏* * * تجلت عن الدنيا به الظلمات‏

أ تعلم أن الشعب يهواك كله‏* * * و تفديك من أبنائه المهجات؟

وصلت إلى القدس الشريف و في الحشا* * * لبعدك أنفاس بها زفرات‏

و في المسجد الأقصى خطبت فهللت‏* * * مصلون و انهالت لك الدعوات‏

و بشرت بالنصر المبين فصفقت‏* * * أكف و سالت عندها العبرات‏

سرورا و أفراحا فدم خير قائد* * * تزان بك الإسلام و الصلوات‏

179

انور باشا و جمال باشا في الكلية الصلاحية في القدس الشريف‏

180

وكيل قائد الجيوش العثمانية في المسجد الاقصى و في الحرم القدسي‏

181

في صحراء التيه‏

لم يترك وكيل القائد الأعظم حضرة أنور باشا دقيقة واحدة من وقته في سياحته تذهب سدى، بل حصر وكده؛ شأنه منذ عرف في النظر فيما له مساس باختصاصه الحربي أولا، ثم الإشراف على المسائل الأخرى في البلاد. أما و جيشنا المنصور على قدم الاستعداد اليوم للزحف على مصر و إنقاذها من براثن محتليها، فإن بطلنا المحبوب زار صحراء التيه أيضا؛ لأنها الطريق الموصلة إلى القطر المصري؛ ليرى هناك ما أحدث من طرق حديدية و معبدة و آبار ارتوازية و أحواض مياه و حصون و معاهد عسكرية تبلغ المقصود.

فركب- أعزّه اللّه- من مدينة القدس في سيارة هو و رفيقه أحمد جمال باشا إلى بئر السبع، فأعجب ما رأى من الطرق المعبدة حديثا، الممتدة على طول الصحراء كما راقته تلك الآبار التي أحدثت لجمع المياه، و تطهير تلك الصحراء، و أثنى الثناء الكثير على القائد العام في هذه الديار لتوفره على مد الخط الحديدي بهذه السرعة، و وصوله إلى الحفير ثناءه على تمديد الطرق المعبدة في تلك المفازة المشهورة برمالها و معاكسة الطبيعة لها.

و لما بلغ القائد بئر السبع استعرض العساكر المرابطة هناك، و سرّ بحسن الانتظام و الترتيب كما انشرح صدره بالصحة العامة بين الجيش.

حتى إذا وافى القائد بئر السبع تناول طعام الغداء في معسكر القوة السفرية الأولى، ثم استعرض هذه القوة كلها والاي الأقنجي الآتي من المدينة المنورة، و فتش أنابير بئر السبع و معاهدها العسكرية المختلفة و عاد إلى بئر السبع.

182

و في عسلوج افتتح شعبة السكة الحديدية التي نجزت حديثا، و المسافة من القدس إلى بئر السبع 81 كيلو مترا و نصف كيلومتر، و من بئر السبع إلى بئر حسانا 172 كيلو مترا، و هذه أهم المحطات التي يحاذيها الخط الحديدي، و هي:

القدس، بيت لحم، خليل الرحمن، ظاهرية، بئر السبع، عسلوج، حفير العوجا، قصيمة، ضيقة، بئر حسانا. و يجتاز أماكن أخرى، و لكنها غير مشهورة، مثل:

بير بيرين بين حفير العوجا و قصيمة. و بفضل الطرق المعبدة مؤخرا تيسر أن يقطع المسافة بين بير حسانا و بئر السبع في العودة في مدة أربع ساعات، و هذه الطريق عملت في مدة و جيزة و بهمة كبرى، و يرجع الفضل فيها إلى الجيش الرابع الذي جعل فيافي تلك الأصقاع طرقا سالكة، و كانت من قبل لا يسلكها الطير و لا تصلح لأنواع السير.

و تناول السائح العظيم طعام المساء في قصبة بئر السبع، و أقام والاي المدينة المعروف بالأقنجي في المساء زينات جميلة، و لعب بعض أفراده ألعابا خاصة بهم، و من الغد ذهب إلى بئر حسانا، و هناك تناول الغداء بين المعاهد العسكرية المختلفة التي قامت بهمة عالية في برهة و جيزة، فسرّ من وراء الغاية بما شاهد من مضاء رجال الجيش و أمرائه و ضباطه و أفراده، و في المساء ركب السيارة إلى بئر السبع، فقضى الليل فيها، و قدمت عليه جميع العشائر و العربان المخيمة من قضاء غزة إلى حدود الترعة، و أنعم عليهم و استمال بإحسانه قلوبهم، و لعب تلك الليلة والاي الأقنجي- و هو الاي عربان الحجاز الذين أتوا من ضواحي المدينة المنورة لمحافظة السواحل- بين يديه بالسلاح، و أنشدوا أناشيدهم باللغة البدوية يمدحون بها شجاعته و ثباته و علو موقعه في نفوسهم، و يقولون: إنهم يهرقون آخر نقطة من دمائهم بين يديه، فهش لهم وبش، و أكرم مثواهم، و أمر لهم كافة بضيافة جمعت أولهم و آخرهم، و كان السرور باديا على محياه بما شاهده‏

183

من آثار إقدامهم و بسالتهم، و ما منهم إلا من قبّل يديه، و منهم من وقع على رجليه يقبلهما، و منهم من صافحه، فكان ذاك من أبهج الأيام، و أجمل المناظر، تجلت فيها المحبة الفطرية التي جبل عليها العرب، باديهم و حاضرهم للدولة العثمانية و رجالها الأمناء الصادقين.

و ظهر كالشمس في رابعة النهار أننا أمة إذا عقدت عزمها على عمل عظيم، و أخلصت النية في سبيل الواجب تنهض به خير نهوض. و لعمري، من كان يظن أننا في مثل هذه الحرب الزبون و نحن نجالد و نجادل في أربع ساحات للقتال، كل واحدة منها مما تعجز عنه دولة عظمى بمجموع قوتها، نوفق إلى إحداث ما أحدثناه من الطرق المختلفة و المعاهد و الأوضاع و المرافق في طريق مصر؟ أما لو جئنا نعدد هنا بالتفصيل ما تم على أيدي رجال الجيش الرابع من مثل هذه الأعمال، فهذا يحتاج وحده إلى مجلد ضخم، يجب أن يؤلفه أحد نوابغ أركان حربنا العلماء، فلهم في هذا البحث نظر حديد، و رأي سديد رشيد.

184

استعراض الجيش في بئر السبع‏

185

في المدينة المنورة

ركب أنور باشا و جمال باشا و من في معيتهما القطار من عمان حضارة البلقاء، و ما برح العربان المخيمون في لواء الكرك و ما بعدها حتى المدينة المنورة ينحرون الإبل؛ شكرا للّه على قدوم أنور باشا، و هو- أيد اللّه عزه- يقابلهم ببشره و لطفه، و ينعم عليهم بإحساناته و صدقاته، و يبدون عواطف العرب الخلقية نحو دولة الخلافة مما يمتعض له وجه الأعداء، و يفرح به قلب الأولياء.

و في طريق المدينة جاءت البشرى من مقام الخلافة العظمى بتوجيه، و سام الامتياز الذهبي و الفضي الحربي إلى دولة جمال باشا قائد الجيش الرابع، و صنو دولة أنور باشا و صديقه، و ذلك أن وكيل القائد الأعظم أنور باشا دهش مما شاهد من آثار أخيه أحمد جمال باشا، فعرض ما شاهد على مسمع أمير المؤمنين، فصدرت إرادته السنية بالإحسان إليه، هذا الإحسان السلطاني جزاء خدمه الجلي في جانب السلطنة و الخلافة، و قد طير البرق هذا النبأ إلى الأطراف، فسرّ الناس على اختلاف درجاتهم و تصوراتهم؛ إذ عرفوا أننا في دولة يكافأ فيها العامل، و يعرف قدر المحسن في عاجل الحال و آجله، فالحمد للّه على ما أنعم و وفق.

و بعد، فلم يكد (1) ينتشر بين الأهالي في مدينة الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) خبر قدوم أنور باشا و جمال باشا حتى عمّ البشر، و سرت روح حياة في عروق الكل، و لم ينتظروا أوامر الحكومة، بل تقديرا لهذين البطلين المقدامين أخذ الكل‏

____________

(1) من رسالة لمكاتب جريدة المقتبس في البلد الطيب، و رسالة مكاتب الشركة الملية البرقية، و من مصادر أخرى رسمية و غير رسمية.

186

يستعد من نفسه بما يليق بمقابلة سيفي الدولة العثمانية و مرجعي مجدها، فلم تكن عشية أو ضحاها حتى أصبحت المدينة لابسة ثوب بهاء، مجللة بستار من الزخرف، يتخلل أزقتها أقواس النصر المغشاة بالحرير الأحمر، ترفرف على أعاليها الأعلام العثمانية، فكنت أينما سرت و أنى توجهت تجد أثرا من الزينة، يقيم لك ألف دليل على مبلغ مكانة الرجلين العظيمين من القلوب، فقبضا على سويداواتها، و تصرفا في ظواهرها و بواطنها، فأصبح الكل رقيقا لهما، يقدم في محبتهما كل رخيص و غال.

فانتدب محافظ المدينة مدير الصحة جمال بك؛ ليكون مشرفا على ذلك، مساعدا للأهالي بترتيب زينتهم العظيمة التي لم يسبق لها منوال، و انضم إليه في ذلك بشير بك مدير شرطة المدينة، فكانا يعملان معا في المرور على سائر الأزقة و الشوارع فيجدان من همة سكان البلدة الطاهرة، و اعتنائهم بزائر الشفيع الأعظم، أحسن مساعد لهما، و أقوى عامل لم يحتاجا معهما إلى كثير تعب و كبير عناء، بيد أنهما قاما بترصيع الزينة و تدقيقها حتى كان يتصور الرائي أن المدينة إن هي إلا عروس تتهادى في حللها، و تختال في حليها و بهرجها.

و لم تحن ساعة الهناء من يوم الجمعة المبارك حتى هرع الناس إلى المحطة أفواجا، و خرج إليها الرجال زمرا، يهنئ بعضهم بعضا، متعاضدين متكاتفين، كأنما طرأ عليهم عامل جديد أوجد بينهم ذلك الاتحاد، فوفق بين وحدتهم و جمع شتيت كلمتهم، يتقدم الجمع أغوات الحرم الشريف بعبيدهم مدججين بالسلاح، تتقدمهم طاستهم تضرب بصوتها الجهوري، ثم حضرات خطباء الحرم النبوي الدائمون بآلاتهم، ثم حضرات مؤذني الحرم النبوي لابسين شاراتهم المخصوصة بالأذان، ينشدون الهمزية و البردة بأنغامهم الشهرية، فكنت‏

187

تسمع لأصواته طربا ترتاح له القلوب، و تهتز به الأرواح، ثم سادات المدينة و أعيناها، ثم حضرات مشايخ الطرق يتقدمهم رئيسهم الأعظم السيد حمزة الرفاعي شيخ المشايخ و مقدم الطريقة الرفاعية، ثم تلامذة المكاتب عامة يتقدمهم مدير المعارف و الإعدادي حمزة أفندي وصفي، و جميع المعلمين حاملين أعلام النصر محلين صدورهم بقطع الحرير المزركشة، ينشدون الأناشيد الوطنية الحماسية عربية و تركية مما كان له أعظم وقع في نفوس القوم.

و بعد برهة وصل القطار الخاص الذي حمل الشهامة، و يقل المهابة، فرمتقه الأنظار و توجهت إليه القلوب، فرشقتنا التفاتات أنورية و لحظات جمالية كانت لها كوابل حياة أمطرنا فأحينا، و سحاب فضل سال علينا فأروانا، و لم يكد يصل القطار إلى المحطة حتى حيته الحصون بالمدافع، فكنت تسمع لدويها صدى ترتعش له القلوب حنانا، و تهتز له الأفئدة تيها، و سرعان ما تقدم مولانا شيخ الحرم عن نفسه و نائبا عن المحافظ، ثم مدير الصحة، ثم المفتي الشيخ مأمون بري، ثم وكيل شيخ السادة، ثم مفتي السادة الشافعية السيد زكي البرزنجي، ثم عين أعيان المدينة السيد زين العابدين المدني الذي كان له القدح المعلى بنيل رضا الأنورين و حيازة الثقة عندهما، و بعد أن ازدحم الجميع أمام البهو المعد للوزيرين الخطيرين وقف القطار، و صعد شيخ الحرم و من معه، فحيوا الوزيرين تحية معترف لها بخدماتهما للإسلام، مقدرا لهما صنيعهما حق قدره، ثم نزل القائدان و معهما نجل أمير مكة المكرمة المحبوب الأمير فيصل بك، و سرعان ما ذهب الجمع إلى الردهة المعدة لهم، فتناولوا هناك القهوة، ثم أدير عليهم تمر الحلوى الذي وضعته الحكومة في الحجرة النبوية للتبرك تلك الليلة.

188

و بعد أن استراحا هنيهة قدم لهما في أثنائها شيخ الحرم سادات المدينة و أعيانها، ثم قرأ حضرته خطابا حيا به الوزيرين الكريمين، ثم تلاه المفتي بخطاب جمع من البلاغة ما يدل على حسن اقتدار، و حيث كان اليوم يوم جمعة، و قد أزف وقت الصلاة لم تتمكن من إلقاء الخطب التي كنا قد استعددنا لها و القصائد التي أنشئت تحية لقدومهما؛ بل اكتفينا بتقديمها درج كتب للزائر الكريم.

ثم بعد برهة صدر الأمر العالي بالتوجه للحرم الشريف، فخرج مدير الصحة جمال بك و بشير بك مدير الشرطة من باب المحطة، فأمرا مشايخ الطرق بالسير، فساروا ينشدون الأناشيد المطربة، مرتلين ذكر اللّه، يحملون الأعلام الشريفة، ثم مشى عبيد الأغوات يمينا و يسارا تتقدمهم الطاسة، ثم السادة الأغوات كذلك، ثم بعدهم أدلة الحرم الشريف، ثم المؤذنون، ثم الخطباء و الأئمة، ثم المفتي و سادات المدينة و أعيانها، ثم بقية الوفد السوري، و هم:

الشيخ أسعد الشقيري و السيد أبو الخير عابدين مفتي دمشق و مصطفى أفندي نجا مفتي بيروت و كامل أفندي الحسيني مفتي القدس و أديب أفندي تقي الدين نقيب السادة الأشراف في دمشق، يتقدمهم مولانا جلبي أفندي ثم فيصل بك المبجل، ثم صاحبا الدولة الوزيران الكريمان تعلوهما المهابة، و يحرسهما الجلال الإلهي قد ترديا برداء التواضع، واضعي أيديهما على صدورهما كهيئة الواقف الذليل بين يدي اللّه عز و جل، خاضعين لذلك الجلال المحمدي، و السر الأحمدي، ثم يتلوهما رجال الشرطة و الدرك، محافظين على النظام، ثم رجال الحرس، ثم بقية المتفرجين ممن لم ير الرائي في المدينة مثل عددهم اجتمع في محفل حافل، و بينهم ألوف مؤلفة من العرب و القبائل جاءوا للاحتفال بالقائدين العظيمين، يكفي القول بأن الفسيح الذي كان محتملا إياهم لدى وقوفهم بلغ‏

189

طوله نحو المائة و العشرين مترا، و عرضه نحو الثلاثين مترا؛ بحيث لا يكاد الإنسان ينظر إلى أخيه متلفتا.

ثم سار هذا الحفل العظيم على ذلك الترتيب الغريب بكل رزانة و تؤدة حتى باب السلام النبوي، فلما وصلا هناك ذبحت الذبائح من غنم و إبل، و تركت للفقراء و المساكين.

و لما اقترب حضرة أنور باشا من عتبة الباب أخذ المجاورون من أهل فاس و الجزائر و تونس و الهند و جاوه يقربون القرابين، و كان نظره أثناء السير محدقا في الأرض خشوعا، و الدموع تنهمل من عينيه فرحا بالشرف الذي ناله بهذه الزيارة المقدسة، فاقترب القادمان أولا من الروضة المطهرة، و أخذا يرددان الصلاة و السلام على الرسول الأكرم (صلى اللّه عليه و سلم)، و يقرآن الأدعية الخيرية، ثم أقبلا على الروضة المطهرة، فصليا سنة تحية المسجد ركعتين.

و لما مثلا أمام الضريح الأقدس يعلوهما الخشوع لذلك المقام وقفا حيث الرحمات تترى، و الفيوضات الربانية تتدفق؛ حيث تقف الروح في مركزها الأعلى، فتستنشق هاتيك الروائح الطيبة، فتتجرد عن الكثافات، و تتحاشى عن الدنايا، فاضت العيون و سالت عبرات الشوق على الوجنات، و هنالك عرف الكل تلك الصفات التي جعلت بطلنا الأنور و شهمنا الجمال يحوزان بها ثقة الأمة و رضا الثلاثمائة مليون مسلم؛ إذ كنت تراهما و قد ظهرا بمظهر الدين، و ترديا برداء اليقين، راكعين للّه ساجدين لعظمته أمام ذلك الجلال الرباني و النور الصمداني، سائلين اللّه بجاهه أن يذلل لهم كل عقبة، و أن يسهل عليهم كل عسير، و أن ينصر الجيش العثماني في كل التخوم، لا سيما في الترعة التي‏

190

سيحيا بعدها الإسلام حياة طيبة، و ينتشر رواقه في إفريقية، و يسري نوره في المعمور.

ثم بعد ذلك، رجعا إلى الروضة النبوية، فأديا فريضة الجمعة الكبرى، و كان الخطيب هو رئيس الخطباء في المسجد النبوي، فبحث في خطبته عن فضائل المدينة المنورة، و عن فضائل المصطفى عليه الصلاة و السلام و أخلاقه الشريفة، و ما تقوم به الحكومة العثمانية الإسلامية من الانتباه و التيقظ، و دعا اللّه أن ينصر خليفة الإسلام إلى الأبد، و يؤيد الجيش و الأسطول مرفوعة أعلامهما، مؤيدة كلمتهما.

ثم ذهبا إلى فندق دار السرور؛ حيث أعدت الحكومة هناك بما يليق بمقام الزائرين العظيمين، و كان ذهابهما إليه بمثل ما دخلا به إلى الحرم الشريف من الاحتفال الفخم و الأعلام العثمانية، و أقواس النصر البديعة ترفرف على الرءوس، و لم يستقر بهما الجلوس حتى أمر وكيل القائد الأعظم بالصدقات لتقسم على الفقراء، فذبحت الذبائح في الحال، و طبخت قدور الأرز في كل حي من أحياء المدينة، و وضعت الحلوى أيضا حتى اكتفى الكل، ثم أخذت الوفود تفد على حضرتيهما، فيقابلان الكل بما يمتلك القلوب و يريح البال، و لما أزف وقت العصر نزلا إلى الصلاة في المسجد النبوي، و هكذا أديا فيه سائر الأوقات.

و بعد صلاة العصر، لبس كل من حضرة أنور باشا و جمال باشا قفطانا أبيض و طربوشا أبيض، و أخذا و السرور آخذ بمجامع قلبيهما يقومان بالمراسم الدينية و التعظيمات، و بعد أن خشعت القلوب و فاضت الدموع بعبرات السرور؛ تشرفا بالدخول إلى الحجرة المباركة، و أوقد بالذات المصابيح، ثم قبلا بكل احترام ستار الموقد النبوي، و استمدا من المولى بحضرة صاحب الرسالة

191

العظمى عليه الصلاة و السلام أن يمن بالنصر العاجل للجيش و الأسطول السلطانيين، و أن يبقي أهل الإسلام على الدوام سعداء مسرورين في عز و رفاهية.

و بعد أن أديا صلاة الصبح يوم السبت دخلا على تلك الصورة إلى الحجرة المباركة، و أخذا بإطفاء القناديل بأنفسهما، و وضعا بأيديهما مكانها مصابيح جديدة، و تشرفا بكنس جوار السدة السنية، و تنظيفها له، ثم شخصا إلى جنة البقيع الكائنة في جوار الحظيرة المقدسة، فدخلا المقبرة، و زارا مراقد الأزواج الطاهرات و أهل البيت و سيدنا عثمان بن عفان، و أساطين المسلمين، و أعاظم علمائهم فردا فردا.

ثم بعد العصر، ذهبا إلى زيارة المحافظ في بيته، فبعض المعاهد العسكرية، ثم بعض المستشفيات العسكرية، ثم أحييا ليلة السبت بالمدينة المنورة بذكر اللّه، فجمعا مشايخ الطرق، و قطعوا الليلة بذكر اللّه، ثم قسمت الهبات الجزيلة من غنم و أوز و سمن و نقود بما جعل الألسنة داعية و القلوب شاكرة.

ثم في الساعة الرابعة من يوم السبت بعد أن زارا البقيع طالبا من شيخ الحرم أن يجمع حضرات أكابر العلماء، ليلقوا درسا في الجهاد و الوعظ، فلبى النداء و أمر المفتي فجمع ستة من أكابر العلماء، و هم: مولانا الشيخ حمدان الونيس القسنطيني عين أعيان مدرسي الحرم النبوي، و مولانا السيد محمد بن جعفر الكتاني شيخ أهل الحديث، و مولانا الشيخ خضر الشنقيطي، و أخوه الشيخ محمد حبيب اللّه، و مولانا الشيخ حسين أحمد الهندي، و لما التأم المجلس جلس المفتي مأمون بري أفندي بصفته شيخ علماء المدينة في صدر المجلس، ثم جلس العلماء أمامه، و عن يمنيه كلّ في محله، ثم جلس أنور باشا و جمال باشا متصفين‏

192

بالخضوع، فابتدأ المفتي بسرد أحاديث من صحيح البخاري شارحا لهما بما يقتضيه الحال، ثم تلاه الشيخ حسين أحمد الهندي مبينا مزايا الجهاد، مفسرا لبعض الأحاديث النبوية، فتلاه الشيخ حمدان الونيس مفسرا لقوله سبحانه و تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ‏ إلى آخره، مبينا ما يجب على المؤمن من معنى هذه الآية الشريفة، ذاكرا من مناقب رؤساء الجيوش البرية و البحرية، ثم تلاه الشيخ الخضر، ثم أخوه، ثم تلاهم حضرة الأفندي أحمد كمنحيلي مرتلا لبعض آي الكتاب الحكيم بصوته المطرب، ثم ختم الدرس مولانا السيد ابن الجعفر الكتاني بالدعاء، مستمطرا فيض اللّه بجاه نبيه لنصر الجيش العثماني، ثم قام الأستاذ الشيخ أسعد الشقيري، فتكلم على علم الجهاد مصرحا بأن جميع العلماء من فاس و الهند و الجزائر بحثوا أبحاثا عالية في مشروعية الجهاد و فرضيته، و ما يجب على المسلمين من الطاعة و الانقياد و الجهاد بالأموال و الأنفس، و لكنهم لم يخوضوا في علم الجهاد و كيفيته و وسائله، و هل نزل في القرآن ما يدل على هذا العلم؟

و أفاض الكلام على بعض الآيات التي لها تعلق بالعلوم الحربية التي تقرأ في مدارسنا الحربية الآن؛ كقوله تعالى: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، و قوله:

وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ‏.، و قوله‏ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ‏، و قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى‏ فِئَةٍ، و قوله: لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ.

193

و تكلم على أن الجيوش الإسلامية في الصدر الأول انتصروا مرة بالكم؛ أي: بكثرة العدد، و مرة بالكيف، و مرة بالعزم و الحزم بلا كم و لا كيف، و أورد على ذلك آيات؛ كقوله تعالى: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ‏، و قوله‏ فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ‏، و كقوله: أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ، و قوله: وَ ما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى‏ لَكُمْ وَ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَ مَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ‏ و آيات أخرى أيضا.

ثم ذكر للعلماء أن القائدين أنور و جمال منذ حداثة سنهما درسا ما يلزمهما من علوم الدين في المكاتب الأولية، ثم دخلا المدارس العالية، و اجتهدا في تحصيل علم الفنون الحربية، و تعلما علم سوق الجيش و ترتيبه و تنظيمه، و حفر الخنادق، و اتخاذ القلاع و الحصون، و الاستعداد لآلات الجهاد الحديثة؛ كالطيارات، و المدافع الكبيرة و الغواصات، و تأمين خط الرجعة، و المستشفيات الثابتة و السيارة، و مقاتلة الأعداء بمثل قواهم و أشد منها، و أن هذا العلم فرض من فروض الكفاية، و أنه يرى بعد الآن داعيا لاجتهاد طلبة العلم الديني في المدارس في تحصيل مبادئ هذا العلم، و إن العلماء و الطلبة إن تطوعوا مع المجاهدين يجب تلقي هذا العلم من القواد و الضباط، و إن إهمال تحصيله ضرر بالجامعة الإسلامية.

فابتهج العلماء بهذا الإلقاء، و صادقوا على أن الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية كلها صريحة في وجوب هذا العلم و مكانته، و أنهم سيجتهدون مع الطلبة بتحصيله في المدارس الدينية، و أنهم لم يسمعوا قبل ذلك من خاض في هذا المبحث.

194

ثم توجه الكل إلى الحضرة النبوية سائلين اللّه بجاهه أن ينظر إلى الجيش العثماني نظر رضا، و أن يمده بجنود من ملائكته المقربين، ثم خرجا مستعدين للرحيل.

و بعد صلاة الظهر في الحرم النبوي خرجا بعد التوديع مشيعين بمثل ما دخلا به من الاحتفال العجيب، و لقد أمطر المدينة برشة من وابل فيضهما أحيت القلوب، و أينعت بسببها الرياض القاحلة- فدفع أنور باشا ألفي ليرة للبلدية لتقسمها على الفقراء، ثم مثلها لشيخ الحرم؛ ليقسمها على خدمته من علماء و خطباء و أئمة و مؤذنين و فراشين و بوابين و كناسين، و أما جمال باشا فإنه سخت نفسه بجلب عشر شاحنات من الحنطة لتقسم يوميّا على الفقراء خبزا، فجزاهما اللّه عن جيران النبي خيرا، و أرسل أنور العثمانيين بضعة ألوف من الليرات لتوزع على فقراء مكة المكرمة و القبائل المجاورة للبيتين المعظمين، و أهدى الحرم الشريف مصحفا من أغلى ما رأته العيون، و أجمل ما خطته أنامل الخطاطين، فرجع بالذكرى الحسنة و الثواب الآجل إن شاء اللّه.

قال العلامة الشيخ أسعد الشقيري لدولة وزير العثمانيين أنور باشا بين المدينة و دمشق: دخل محمد الفاتح القسطنطينية، و في جيشه رجل من العلماء اسمه آق شمس الدين من مشاهير العلماء، و مما يثبت لكم تعلق الموحدين و مكانتكم من قلوبهم أنه بمناسبة زيارتكم المدينة المنورة وجد في معيتكم من آل الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) الأمير فيصل بك نجل أمير مكة المكرمة، و من يقلد الخفاء من العثمانيين السيف عند توليهم مقام الخلافة في مرقد أبي أيوب الأنصاري مولانا جلبي أفندي و أكابر العلماء، كمفاتي الولايات و نقبائها، و هذا من مفاخركم التي لم تسبقوا إليها.

195

و بعث مولانا أمير مكة المكرمة صاحب السيادة و الدولة الشريف حسين يعتذر للقائد الأعظم على عدم تمكنه من زيارته في المدينة المنورة، و أرسل سيفين قديمين مرصعين بالجواهر و الأحجار الكريمة هدية منه إلى أنور باشا و أحمد جمال باشا، كما أهدى دولة الأمير أيضا أعبئة و كوفيات و عقلا لرجال معسكري أنور باشا و جمال باشا.

و قد منح الشريف حسين من عواطف الحضرة السلطانية العلية نوط الامتياز الذهبي و الفضي المخصوص بالحرب؛ لما بذله في هذه الحرب من أسباب المروءة و الغيرة.

إلى وكيل القائد العام الأعظم ناظر الحربية و بطل الأمة العثمانية صاحب الدولة و الإقبال أنور باشا بمناسبة تشرف دولته و دولة أحمد جمال باشا ناظر البحرية و قائد الجيش الرابع بزيارة صاحب الرسالة العظمى، و استمداده من روحانية مقامه الأسمى (صلى اللّه عليه و سلم)

اللّه أكبر حان النصر و الظفر* * * و الفتح قد ظهرت آيات الكبر

و الجيش يمم وادي النيل منتضيا* * * بيض السيوف يرى في حدها شرر

من كل أغلب مقدام إذا اشتبكت‏* * * يوم الكريهة فيه البيض و السمر

كأنه الليث أبدى ناجذيه فلا* * * يثنيه عزمه خوف و لا حذر

بالأمس غادر جيش الكفر مندحرا* * * في الدردنيل فولى و هو منذعر

ورده خاسئا بالذل مرتديا* * * يعدو غنيمته الخذلان و الخور

سل «بحر إيجة» عن أشلاء هالكهم‏* * * تنبئك عن حالهم في بحرها الجزر

كم من غريق قضى نحبا و محتضر* * * تطفو بحثته الألواح و الدسر

و آخر عفرت بالذل جبهته‏* * * ينتاب جيفته المنقار و الظفر

و اليوم و جهته الجلى و غايته‏* * * تطهيره مصر من أرجاس من غدروا

196

فقد أعد لهم مهما استطاع له‏* * * من قوة و رباط الخيل إذ مكروا

و جاء يستصرخ الهادي بروضته‏* * * من أصبحت في الملأ أيامه غرر

مولى العلى أنور الوضاء طلعته‏* * * و من به دولة الإسلام تفتخر

في مهبط الوحي و القرآن من زمن‏* * * فيه تنزلت الآيات و السور

لا غرو إن أمّ هذا القبر مبتهلا* * * يستمنح النصر حتى يأته الظفر

«و من تكن برسول اللّه نصرته»* * * لا شك في أنه يعلو و ينتصر

فيا حليف الندى و المجد منفردا* * * و يا مبيد العدى و الحرب تستعر

ها طيبة اليوم في أبهى ملابسها* * * طابت بسامتها الآصال و البكر

أهلا و سهلا تناديك الربوع بها* * * و أهلها كلهم و البدو و الحضر

هشت لمقدمك المحبوب تربتها* * * كأنما أنت في أحيائها مطر

أنقذت أمة هذا الدين من خطر* * * قد كان يقضي عليها ذلك الخطر

منحتها العدل و الشورى و كنت لها* * * كهفا منيعا به تسمو و تفتخر

و صنتها من عدو طالما طمحت‏* * * أطماعه لاغتيال ساقه الأشر

أذكرتها زمن الصديق من حقب‏* * * أو يوم يحكم في أرجائها عمر

فالدين و الشعب و الإسلام قاطبة* * * راضون و الحجر و الأركان و الحجر

و المصطفى جذل في وسط حجرته‏* * * قد سر من طيب ذكر نشره عطر

و يا سمير الحجى في كل نازلة* * * و يا منير الدجى و الخطب معتكر

هذا جمال لقد سارت كتائبه‏* * * ظمآنة لورود النيل تبتدر

تجوب تلك الفيافي كالخضم له‏* * * موج تلاطم أو كالسيل ينحدر

هذا الوزير الذي جلت مآثره‏* * * أن يحصها العدو أو أن تحوها الفكر

كم من يد أصبحت بيضاء ناصعة* * * له بحلق يروي ذكرها الأثر

197

فبينما في ربى لبنان تنظره‏* * * إذ أمّ بيروت منه صارم ذكر

يسعى و غايته الإخلاص مجتهدا* * * و دأبه الجد و التفكير و السهر

تلك المزايا التي خص الإله بها* * * قوما هم الناس إن عدوا و إن ذكروا

تلك السجايا التي لو أنها قسمت‏* * * بين البرية لم يحدث بها كدر

تلك المناقب إن عدت فليس لها* * * عد فتحصى و لا حد فتنحصر

فاهنأ بما نلت من مجد و من شرف‏* * * لا زال يخدمك الإقبال و القدر

و اقبل تحية إخلاص يخلدها* * * في ذكر أوصافك التاريخ و السير

محمد سامي برادة

198

في العودة

عاد أنور باشا من رحلته من المدينة المنورة إلى دمشق توّا، و كانت العشائر و القبائل العربية في الإياب كما في الذهاب تحييه و رفيقه جمال باشا تحية الاحترام و الإعظام، و هو يخلع على أمرائهم و ينفح فقراءهم، و الألسنة تنطلق بالدعاء له و لدولة الخلافة المعظمة، و جاء دمشق فقضى فيها يوما، زار فيه بعض ما فاته من المعاهد، و زار هو و رصيفه دار شفيق بك القوتلي من أعيان المدينة و كبار تجارها، و نظرا ما عنده من التحف و العاديات، فأهدى حضرته لأنور باشا كرسي مصحف كريم من العاج الثمين من صنع دمشق، و أهدى جمال باشا آنية أثرية نفيسة تذكارا لهذه الزيارة.

و قد منح دولته ناظر الحربية في ذاك اليوم عدة عطايا انطلقت لها الألسن بالشكر، و من جملة ما أهداه مصحف كريم خطي لمدرسة دار الحديث الأشرفية التي يتولاها اليوم خاتمة المحدثين الشيخ بدر الدين الحسني، و أهداه أيضا سبحة نفيسة دليل صلة الود و احترامه للعلماء.

و كان يوم الثلاثاء (3 جمادى الأولى 1334 ه) من أجمل الأيام التي رأتها دمشق الشام، صحا جوه و راقت سماؤه، فبزغت الشمس منيرة بأشعتها المنعشة زينات الأعلام التي أقامها الدمشقيون احتفاء ببطلي الإسلام أنور باشا و جمال باشا، و قد انتشر الناس في شوارع دمشق مع انتشار أشعة الشمس، فغصت بالسابلة، و الكل و جهتهم طريق الربوة احتفالا بوداع دولة أنور باشا، و قد اصطف المودعون من جميع طبقات الأهلين من نزل معسكر الجيش الرابع حتى جسر دار الذخيرة، و من أمامهم رجال الطرق العلية و طلاب المدارس الرسمية و الخصوصية مع موسيقاتهم و الجنود النظامية و متطوعة القادرية و المولوية

199

و طلاب مدرسة العسكرية مع موسيقاهم، و طلاب مدرسة الصنائع مع موسيقاهم، و طلاب مدرسة الدرك، و شرذمة من فرسان الرولة، و قد وقف أمراء العسكرية و الملكية و العلماء و السراة و رجال الصحافة بانتظام أمام جسر الذخيرة، و في الساعة التاسعة زوالية سارت على بركة اللّه السيارة المقلة لدولتي البطلين من أمام الفندق الهوينا، و الموسيقات تحييهما، و الألوف المؤلفة من الأهلين الذين لا يدرك الطرف آخرهم تهتف لهما رافعين أصواتهم بالدعاء لهما، و قد سارا على هذا المنوال حتى وصلا إلى جسر الذخيرة، و هنالك وقفت السيارة فنزلا منها، فحياهما الشريف السيد فيصل بك نجل مولانا أمير مكة المكرمة، فعطوفة والي سورية، و من ذكرنا من الذين كانوا مصطفين هناك، و تلا إذ ذاك أبو الخير أفندي عابدين مفتي دمشق دعاء موجزا، دعا فيه للخليفة الأعظم و للبطلين الكبيرين و غيرهما ممن يخدمون دولة الخلافة بنية خالصة للّه و رسوله، و ارتجل بعده عطوفة علي رضا باشا الركابي رئيس بلدية دمشق بضع كلمات شاكرا لهما باسم الدمشقيين، ثم ركبا السيارة، و سارا على بركة اللّه إلى بعلبك، و هناك شيع القائد العام أحمد جمال باشا و ناظر البحرية صديقه و رصيفه أنور باشا وكيل القائد الأعظم و ناظر الحربية الجليلة، فركب ضيف سورية القطار إلى حمص التي احتفلت بمقدمه الكريم احتفالا عظيما، و تليت بحضرته بعض الخطب، منها خطبة محمد علي أفندي مدير مكتب الاتحاد، و قصيدة توفيق أفندي الأتاسي من فضلاء تلك المدينة، و ثلاثة أطفال خطبوا خطبا جميلة راقت السامعين.

«قصيدة توفيق أفندي الأتاسي»

هذا الجلال و هذه الأنوار* * * قد أشرقت فلتهنأ الأبصار

يا ثغر سوريا ابتسم أنسا فأف* * * واه الهنا لثمتك و الأقمار

200

و الروض باكره الغمام بمزنه‏* * * فزها و طاب وزانه النوار

و الدهر وافى بالسرور و بالمنى‏* * * و على الغصون تغرد الأطيار

يا حمص تيهي حيث زارك أنور* * * ردء الخليفة سيفه البتار

و كذا جمال الدين و الدنيا معا* * * قطب الوغى فلك العلا الدوار

بدر تلألأ في سماء بلادنا* * * فأضاءت الأنجاد و الأغوار

حسنت بمدحهما القوافي و ازدهت‏* * * و تزينت بعلاهما الأشعار

فمهابة ممزوجة بلطافة* * * دانت لها الأشرار و الأخيار

طابت بك الأيام و الدنيا بما* * * فيها و طاب بذكرك الأخبار

عم البسيطة و البرية عدله‏* * * فالخلق شخص و البسيطة دار

لا البيد بيدا أن يهم و نهضة* * * نحو القنال و لا القفار قفار

و لقد درى السكسون أن وراءه‏* * * خطرا تقاصر دونه الأخطار

و لكم له في أرض مصر مفاسد* * * للهيبها في الخافقين شرار

و إذا طغى فرعون فيها و اعتدى‏* * * فعصى الكليم لواؤك الخطار

علم به نصر الهدى فكأنه‏* * * علم النبي و حوله الأنصار

يا واحد الدنيا الذي بشبيهكم‏* * * عقم الزمان و ضنت الأدوار

أيدت دين الهاشمي فلم يضع‏* * * لنبي الشريعة عند سيفك ثار

يخشى مقامكم العدو و بركم‏* * * للمخلصين سحابة مدرار

لا زال أنور نوره بسما العلا* * * يزهو و فيه تزدهي الأبصار

و كذاك لا برح الجمال جماله‏* * * في الكون يسطع من سناه نهار

أيامه الأعياد و هي نواضر* * * زهر و عودك في العلاء نضار

201

و بعد أن سار القطار من حمص إلى حلب، و من هناك ركب قائد الجيوش الإسلامية القطار إلى الإصلاحية، و عاد إلى دار الخلافة العليا عن طريق بوزانتي في السكة الحديدية، و قد أبقى في القلوب آثارا عظيمة من احترامه و إعظامه، و زاد المعجبون بنبوغه و حسن بلائه في خدمة دولة الخلافة الإسلامية، و كثر الداعون بطول بقائه و الشاكرون بيض أياديه، حفظه اللّه بدرا في سماء العلا منيرا، و عاملا على إحياء الدولة، بمنه تعالى و حسن توفيقه.

202

لاحقة

فاتنا بعض أشياء وقعت لنا أثناء تأليف الكتاب؛ لأن من المواد التي طلبناها من أربابها لم تصلنا في أوقاتها، مثال ذلك أننا ذكرنا صفحة 12 أن والي حلب استقبل وكيل قائدنا الأعظم أنور باشا في حلب، و الحال أنه ذهب إلى الإصلاحية للاستقبال، و لم نذكر أن القائدين أنور باشا و جمال باشا زارا قلعة حلب في جملة ما زاراه، و تجولا في معاهدها، و قلعة حلب أهم ما يجب للطراء على الشهباء أن يمتعوا أنظارهم بموقعها و جلالة تاريخها.

و قد قدمت مدينة حلب لحضرة أنور باشا الأفخم تذكارا لأهلها، و ولائهم و هو مشلح «عباءة» صنع حلب، فتكرم حضرته بقبول الهدية، و أثنى على اختيار هذه الهدية؛ لأنها من المصنوعات الوطنية، و كان الحامل لها عن أهل حلب الشيخ كامل الغزي، من أساتذة الشهباء، و فكري بك وكيل رئيس بلديتها.

قالت جريدة «فرات» جريدة ولاية حلب الرسمية:

بر يوم تاريخي‏ قسم مخصو صمزده كوريله جكي اوزره حربيه ناظري و باش قوماندان وكيلي أنور باشا حضرتلريله بحريه ناظري و دردنجي أردوى همايون قومانداني أحمد جمال باشا حضرتلري جهار شنبه كوني أقشامي شهرمزه شرفمواصلت بيور مشلردر، حميت دينية و غيرت ملية عثمانية نك برر تمثال ذي شان و شرفي أولمغله كسب تعارف أيتمش بولونان مشار إليهما حضراتنك شهرمزي تشريفلري أهالميزجه نه درجه لرده عظيم برحس شكران و مباهات أيلة تلقى‏