كشف المحجة لثمرة المهجة

- السيد علي بن موسى بن طاووس المزيد...
319 /
53

ثم هو يتلو و يسمع و يعلم أن اللّه جلّ جلاله يقول لسيد المرسلين (صلّى اللّه عليه و آله): يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (1).

و قال اللّه جلّ جلاله‏ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ ما زَكى‏ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً (2).

فهل ترى يا ولدي المعرفة باللّه، إلّا من اللّه و باللّه، و أنه جلّ جلاله هو الذي هدى‏ (3) للايمان بمقتضى القرآن‏ (4)، و انّه هو صاحب المنة في التعريف، و أنّه لولا فضله و رحمته ما زكى من أحد في تكليف.

[الفصل الثامن عشر في بيان أن معرفة الله تعالى محكومة بحصولها للإنسان‏]

(الفصل الثامن عشر) و مما يدلك يا ولدي، جمّلك اللّه جلّ جلاله بإلهامك و إكرامك، و جعلك من أعيان دار دنياك و دار مقامك، أن المعرفة محكوم بحصولها للانسان دون ما ذكره أصحاب اللسان، لأنّهم لو عرفوا من مكلّف ولد على الفطرة حرّ عاقل عقيب بلوغه و رشده بأحد أسباب الرشاد أنّه قد ارتد بردة، يحكم فيها ظاهر الشرع بأحكام الارتداد، و أشاروا بقتله و قالوا: قد ارتد عن فطرة الاسلام، و تقلدوا اباحة دمه و ماله، و شهدوا أنّه كفر بعد اسلام، فلولا أنّ العقول قاضية بالاكتفاء و الغناء بايمان الفطرة، و دون ما ذكروه من طول الفكرة، كيف كان يحكم على هذا بالردة، و قد عرفوا أنّه ما يعلم حقيقة من حقائقهم‏ (5) و لا سلك طريقا من طرائقهم، و لا تردد إلى معلّم من علماء المسلمين، و لا فهم شيئا من ألفاظ المتكلمين.

و لو اعتذر إليهم عن معرفة الدليل، بالأعذار التي أوجبوها عليه من النظر

____________

(1) الحجرات: 18.

(2) النور: 21.

(3) في هامش نسخة (ض): يهدي (خ ل).

(4) اشارة لقوله تعالى في سورة ابراهيم (عليه السلام): فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏.

(5) في نسخة (ع): طريقا من طرائقهم.

54

الطويل، ما قبلوها منه، و نقضوا ما كانوا أوجبوه و خرجوا عنه.

[الفصل التاسع عشر في تتميم بيان أن معرفة الله تعالى محكومة بحصولها للإنسان‏]

(الفصل التاسع عشر) و كيف كان اللّه جلّ جلاله يبيح دمه و ماله و ما أحسن به إليه، و ما مضى عليه من الزمان بعد بلوغ رشاده ما يكفيه لتعلّمه من استاذه و من ملازمته و تردده، و اللّه جلّ جلاله أرحم من الخلق كلّهم بعباده، و ما أباح دمه إلّا و قد اكتفى منه بما فطره عليه، و بما يسعه بأقل زمان بعد ارشاده، لاعتقاده.

[الفصل العشرون في ذمه للمشتغلين بعلم الكلام‏]

(الفصل العشرون) و مما يدلك يا ولدي محمّد شرّفك اللّه بأجمل العناية بمثلك، و وصل حبله المقدّس بحبلك، على أن القوم يتوافقون‏ (1) و إنّما يقولون قولا ما أعلم عذرهم فيما يقولون، إننا رأينا و سمعنا و عرفنا عنهم إذا بقوا بعد البلوغ و التكليف مدّة من أعمارهم على الفطرة الأزلية، و المعرفة الصادرة عن التنبيهات العقلية و النقلية، ثم اشتغلوا بعد مدّة طويلة بعلم الكلام، و بما تجدد بعد الصدر الأول من قواعدهم في صدر الاسلام، و علموا منه ما لم يكونوا يعلمونه، فاننا نراهم و نعلم من حالهم أنّهم لا يبطلون شيئا من تكليفهم الأول بالشرعيات و لا ينقضونه، فلو كانت معرفتهم باللّه جلّ جلاله ما صحت إلّا بنظرهم الآنف كان مقتضى جهلهم باللّه- مع تفريطهم الأوّل في معرفته مع اظهارهم لشعار الاسلام- يلزم منه قضاء ما عملوا من التكليف السالف.

[الفصل الحادي و العشرون في كون معرفة الله تعالى بالوفادة عليه‏]

(الفصل الحادي و العشرون) و مما يدلك يا ولدي على أن معرفة اللّه جلّ جلاله من جوده، لتطلبها من باب‏

____________

(1) في هامش نسختي (ع) و (ض): موافقون (خ ل).

55

الوفادة عليه مع وفوده، أنّك تجد أكثر العارفين لا يعرفون وقت معرفتهم به جلّ جلاله، و لا يوم ذلك و لا ليله‏ (1)، و لا شهره و لا سنته.

و لو كان بمجرد كسبهم و نظرهم قد عرفوه، لكان وقت ذلك أو ما قاربه قد فهموه؛ لأنك تجد العقل شاهدا أنّ من عرف سلطانا عظيما بعد ان كان جاهلا بمعرفته، و كان وجه التعريف به من جهة يدركها الإنسان باجتهاده و همّته، فإنّه يعرف وقت المعرفة بذلك السلطان أو ما قارب ذلك الزمان، و إنما اللّه جلّ جلاله يسلك بالعبد الضعيف إلى التعريف تسليكا يقصر فهمه عنه، فلذلك لا يعرف وقت المعرفة و لا ما قرب منه.

[الفصل الثاني و العشرون في تجويزه النظر في الجواهر و الأجسام و الأعراض‏]

(الفصل الثاني و العشرون) و اعلم يا ولدي يا محمّد أيّدك اللّه جلّ جلاله بجلال التأييد و كمال المزيد، أن قولي هذا ما هو مما أقصد به أن النظر في الجواهر و الأجسام و الأعراض لا يجوز، أو أنّه ما هو طريق إلى المعرفة على بعض الوجوه و الأعراض، بل هو من جملة الطرق البعيدة و المسالك الخطيرة الشديدة، التي لا يؤمن معها ما يخرج بالكليّة عنها.

[الفصل الثالث و العشرون في مناظرته مع أحد المتكلمين و إثباته أن معرفة الله بحسب ما يعلم به و يقدر عليه المكلف‏]

(الفصل الثالث و العشرون) و قد كان لنا صديق فاضل من المتعلمين‏ (2) بعلم الكلام (رحمه اللّه) و رضي عنه، يحضر عندنا و نحدّثه و نعرّفه أن طرق المعرفة باللّه جلّ جلاله بحسب معلوماته و مقدوراته على الأنام، و لا ينحصر عددها بالأفهام، فتعجّب لأجل ما قد ألفه من أن معرفة اللّه جلّ جلاله لا طريق إليها إلّا بنظر العبد.

فقلت له يوما: ما تقول في عيسى بن مريم (عليه السلام) لما قال في المهد

____________

(1) في نسخة (ع): ليلته.

(2) في نسخة (ض): المتعلقين.

56

إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا (1)، كانت معرفته باللّه جلّ جلاله في مهده بنظره؟

فتحيّر و عجز عن الجواب.

و قلت له يوما: ما تقول في الناظر في معرفة اللّه جلّ جلاله أما (2) يكون في أولّ نظره شاكا في اللّه جلّ جلاله؟

قال: بلى.

قلت: أ فتقول أنّ النبي محمدا و وصيه عليا (عليهما السلام) مضى عليهما زمان شك في اللّه جلّ جلاله؟

فقال: غلبتني، ما أقدر أقول هذا، و هو خلاف المعلوم من حالهما.

فقلت له: و أقول زيادة: هب أنك توقفت عن موافقتي لأجل اتباع عادتك، أ ما تعلم أن العقل الذي هو النور الكاشف عن المعارف ما هو من كسبك و لا من قدرتك، و أن الآثار التي تنظر إليها ما هي من نظرتك، و أن العين التي تنظر بها ما هي من خلقتك، و أن البقاء الذي تسعى فيه لنظرك و كلّ ما أعانك على نظرك ما هو من تدبيرك و لا من مقدورك، و أنه من اللّه جل جلاله؟

قال: بلى.

ثم قال: و لكن متى قلت إن المعرفة باللّه جلّ جلاله لا تكون بنظر العبد، ما يبقى له عليها ثواب.

فقلت: و اذا كانت المعرفة باللّه جلّ جلاله بنظر العبد، فيلزم أيضا أنه لا ثواب عليها.

فاستعظم ذلك و قال: كيف؟

فقلت له ما معناه: لأنّك قبل أن تعرفه و شرعت تنظر في المعرفة بنظرك في الجواهر و الأجسام و الأعراض، ما تدري نظرك هل يفضي إلى الاقبال على تصديق المعرفة أو الإدبار عنها و الإعراض، فلا تكون قاصدا بنظرك التقرب إلى‏

____________

(1) مريم: 32.

(2) في نسخة (ض): أما أن، و في نسخة (ع) ورد شطب على (أن)، و هو الصحيح.

57

اللّه جلّ جلاله؛ لأنك ما تعرفه، و إنما تعرفه على قولك في آخر جزء من أجزاء نظرك، و قد فات نظرك كله بغير معرفة و غير ثواب. فانقطع عن الجواب.

[الفصل الرابع و العشرون في وجوب تعريف المبتدئ المولود على الفطرة و ما يقوي عنده ما في فطرته‏]

(الفصل الرابع و العشرون) و قلت له: إن المعرفة باللّه جلّ جلاله، سواء كانت من اللّه جلّ جلاله، أو من العبد، أو منهما، فإنما يكون الثواب على استمرار العبد عليها، و لزوم ما يراد منه بها و لها.

و قد كان ينبغي يا ولدي محمد إذا أراد العالم باللّه جلّ جلاله، و برسوله (صلوات اللّه عليه و آله)، و بالأئمة (عليهم السلام) من عترته و بشريعته، أن يعرّف المبتدئ ممن ولد على فطرة الإسلام ما يقوّي عنده ما في فطرته، و يوثّقه من كرم اللّه جلّ جلاله و رحمته، و يعلّق أمله بفضله و يدخله تحت ظله يقول له:

قد عرفت محققا قبل بلوغك و بعد بلوغك أنك عالم ببديهيات و عالم بكليات و جزئيات ما سعيت في تحصيلها، و لا عرفت كيف كان تدبير اللّه جلّ جلاله في وصولها إلى عقلك و قلبك و حلولها، و لا ساعة ورودها على سرائرك، و لا بأي الطريق سلك اللّه جلّ جلاله بها إلى ضمائرك، فكن واثقا بذلك الواهب، و علّق آمالك و سؤالك به في طلب المواهب، و قل له:

يا من أنعم عليّ بنور العقل قبل سؤاله، و ابتدأني بنواله و إفضاله، هب لي مع السؤال وفادة بالآمال ما تزيد مني معرفتك و لزوم حرمتك، و شرفني بمراقبتك، و عرّفني أن ذلك صادر عن ابتدائك لي برحمتك و نعمتك، حتى أنهض بك إليك، و أقف بك بين يديك، و أقبل بك عليك، و اقدم بك إليك.

58

[الفصل الخامس و العشرون في بيان غضب الله تعالى على من قطع رجاءه به‏]

(الفصل الخامس و العشرون) و اعلم يا ولدي محمّد بصرّك اللّه جلّ جلاله بمراده منك، و نصرك بكفّ أيدي الحساد و الأعداء عنك، أن لسان حال من ترحم بالانشاء و وهب العقول بما فيها من الضياء، و نصب من عصمه من الأدلاء، يقتضي أنه يغضب على من ابتدأ عبيده بقطع رجائهم منه، و شغلهم بما يشغلهم عنه، و صرف خاطرهم عن مقدس أبوابه إلى تعلّق اجتهادهم بما خلقهم منه من ترابه، و كم عسى أن يبلغها اجتهاد من خلق من التراب، و ما الذي يحمل على التشبث بذلك و العزل في تدبيره لربّ الأرباب، و فاطر الأسباب‏ (1).

و ما عذر المبتدئ بقبول ذلك من استاذه، و من قد اختاره من عباد اللّه جلّ جلاله لإرشاده، و هو يعلم من نفسه على اليقين أنه ما خلق في‏ (2) نفسه حقيقة النظر، و لا حقيقة ترتيبه، و إنما وجد نفسه على الصفة التي هي عليها من‏ (3) ادراك حقائق النظر و طرائق الفكر، مع علمه البديهي أن ذلك التصوّر و الادراك الذي وجد نفسه عليه ما هو من كسبه و لا اجتهاده، و إنما هو من غيره، و ما يعلم حقيقة

____________

(1) في نسخة (ع): تلك الأسباب.

(2) في نسخة (ض): من.

(3) في نسخة (ض): مع.

59

ذلك الغير الذي أوصله إليه، فيحتاج أن‏ (1) يعرف من غيره على من يجري مجراه من الحيوانات، على الوجه الذي يريد منه من معرفة الحقيقة و الصفات، و ما الذي قصد بتسليم هذا النور إليه.

فصار النظر الأوّل دالا قبل الترتيب على واهبه، دلالة مجملة حجة للّه جلّ جلاله عليه، مع ما كنا قد نبهّنا عليه من كون الإنسان قد مضى له قبل البلوغ عدة سنين يعرف أن الأثر دال على المؤثر دلالة خلق عليها، و هداية هداه صاحبها إليها.

فيلزم مع اشتغاله إن كان لابد له من الاشتغال على العلماء ذلك الهادي الأوّل واهب العقل و الضياء، و مطلق لسان استاذه بالكلام و قد كان أخرس، و مسلك الهواء في مجاريه و به عاش و تنفس، و ماسك ذات استاذه و واهب حياته، و ماسك ما يحتاج إليه في مطلوباته و ارادته، و الذي أقام استاذه و قد كان في صغره يزحف على بطنه، و من فتح أقفال فهمه و ذهنه حتى صار يعرف ما ينفعه فيسعى إليه، و ما يضره فينفر عنه و لا يقبل عليه.

[الفصل السادس و العشرون في بيان معرفته بعلم الكلام و قراءته لكتبه‏]

(الفصل السادس و العشرون) و اعلم يا ولدي محمّد و من يقف على هذا الكتاب أنني ما قلت هذا جهلا بعلم الكلام و ما فيه من السؤال و الجواب، بل قد عرفت ما كنت احتاج إلى معرفته منه، و قرأت منه كتبا ثم رأيت ما أغنى عنه. و قد ذكرت في خطبة كتاب (البهجة لثمرة المهجة) كيف اشتغلت فيه، و على من اشتغلت في معانيه، و ما الذي صرفني عن ضياع عمري في موافقة طالبيه.

و لكن اعرف يا ولدي محمّد بارك اللّه جلّ جلاله في بقائك، و تعريفه و تشريفه لك في دار فنائك و بقائك، أن المبتدئ إذا قال له الاستاذ: لا طريق‏

____________

(1) في نسخة (ع): إلى أن.

60

لك إلى معرفة اللّه جلّ جلاله إلّا بنظرك في الجوهر و الجسم و العرض، كما كنا أشرنا إليه، و أن حدوث الجسم لا يثبت إلّا بالحركة و السكون. فإن المبتدئ أيضا ما يفهم بفطرته زيادة هذه الأعراض على الأجسام، و لا له دربة (1) بهذا الكلام، و لا يرى بعين رأسه و احساسه زيادة الحركة و السكون على الجسم المنتقل في الجهات، إلّا بأن يتعب في انفاق كثير من الأوقات في تصور حد الجسم، و تصور العرض، و تحقيق زيادتهما على الأجسام، و حفظ ما يتعلق بذلك كله من معنى و كلام.

و ربما وجدت الاستاذ عاجزا في حدود هذه المعاني المذكورة عن‏ (2) أن يغيّر ألفاظها المعهودة المذخورة، حتى يكاد أن يقلّد قائلها و ناقلها و يحتج بأنها قول فلان و فلان، و قولهم كالحجة في معانيها.

ثمّ إذا فهم من استاذه زيادة الحركة على الأجسام، فإنّه ما يكاد يفهم زيادة السكون على الجسم في ظاهر أوائل الافهام، و لا يدرك على التعجيل من أن يلزم من حدوث الحركة و السكون حدوث الجسم العريض العميق الطويل، فلا يزال غالب حاله يخبط خبط عشواء في أدلتهم و معارضتها بشبهات احتمالات الأهواء، حتى يتمحض في اجتهاده عن رجحان ظن أو اعتقاد ضعيف.

و متى عرض له طعن قوي أعاده ذلك الطعن إلى الاستدلال و التكشيف، فتراه مترددا في العقائد بين ساكن و عائد إلى أن يموت لعله يجوز حدوث القوادح، و قد كان قبل ذلك التعليم لسكونه إلى معرفته المؤثر جملة سكون اعتقاد قوي راجح، و كان آمنا كما صار لا يأمن من تجدد المطاعن و المعارضات و القوادح.

[الفصل السابع و العشرون في ذكره لعدة روايات من كتاب عبد الله الأنصاري ذامة للمتكلمين‏]

(الفصل السابع و العشرون) و مما ينبهّك يا ولدي على ما ذكرت بالعقل من طريق النقل عن سلفك‏

____________

(1) درب بالشي‏ء و دردب به: اذا اعتاده و ضري به، و رجل مدرّب و مدرّب: مثل مجرّب و مجرّب. الصحاح 1: 124 «درب».

(2) في نسخة (ض): من.

61

الطاهرين أئمة الفضل، ما رويته من كتاب أبي محمّد عبد اللّه بن حماد الأنصاري‏ (1)، من أصحاب مولانا الكاظم (عليه السلام)، و نقلته من أصل قرئ على الشيخ الصدوق‏ (2) الذي ذكر جدك أبو جعفر الطوسي‏ (3) أنه لم يكن له نظير في زمانه، و هو هارون بن موسى التلعكبري‏ (4) تغمدّه اللّه جلّ جلاله برضوانه، تأريخه سنة ست و سبعين و ثلثمائة، و هو أستاذ الشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان ضاعف اللّه جلّ جلاله لهما تحف الرضوان،

أَرْوِي كُلَّمَا رَوَاهُ بِعِدَّةِ طُرُقٍ مِنْهَا مِنْ أَصْلِ كِتَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ الْمُشَارِ إِلَيْهِ مَا هَذَا لَفْظُهُ:

____________

(1) قال الشّيخ النّجاشيّ في رجاله رقم 566: عبد اللّه بن حمّاد الأنصاريّ، من شيوخ أصحابنا، له كتابان، أحدهما أصغر من الآخر.

و ذكره الشّيخ الطّوسيّ (رحمه اللّه) في رجاله: 265 من أصحاب الإمام الصّادق (عليه السلام) و 355 من أصحاب الإمام الكاظم (عليها السلام).

(2) أبو جعفر، محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّيّ، رئيس المحدّثين، جليل القدر، حافظ للحديث، بصير بالرّجال، ثبت. ولد بدعاء الحجّة (عجّل اللّه فرجه الشّريف). ورد إلى بغداد سنة 355 ه، و حدث بها، و سمع منه جمع كثير من الفريقين، و رحل إلى الأمصار لطلب الحديث، حتّى بلغ عدد شيوخه أكثر من 250 شيخا، و له أكثر من 300 مصنّفا منها: من لا يحضره الفقيه، التّوحيد، كمال الدّين، الأمالي، عيون الأخبار، الخصال. توفّي في الرّيّ سنة 381 ه.

انظر: أمل الآمل 2: 283، تاريخ بغداد 3: 89، تنقيح المقال 3: 154، رجال ابن داود: 179، رجال النّجاشيّ: 389، روضات الجنات 6: 132، الفهرست: 156، معالم العلماء: 11.

(3) محمّد بن الحسن بن عليّ بن الحسن الطّوسيّ، نسبة إلى طوس خراسان، شيخ الإماميّة، و وجههم، جليل القدر، عظيم المنزلة، ثقة، عين، صدوق، له اليد الطّولى في الأخبار و الرّجال و الفقه، و له أكثر من أربعين مؤلّفا منها: التّهذيب، الإستبصار، الخلاف، المبسوط، النّهاية، الأبواب في الرّجال، التّبيان.

توفّي (رحمه اللّه) في سنة 460 ه، و دفن بداره في النّجف الأشرف.

انظر: البداية و النّهاية 12: 97، تنقيح المقال 3: 104، جامع الرّواة 2: 92، رجال النّجاشيّ: 403، الفهرست: 159، لسان الميزان 5: 135، معالم العلماء: 114.

(4) قال النّجاشيّ في رجاله رقم 1185: هارون بن موسى بن أحمد بن سعيد بن سعيد، أبو محمّد التّلّعكبريّ، من بني شيبان، كان وجها في أصحابنا، ثقة معتمدا، لا يطعن عليه، له كتب منها: كتاب الجوامع في علوم الدّين. كنت أحضر في داره مع ابنه أبي جعفر و النّاس يقرءون عليه.

و ذكره الشّيخ الطّوسيّ في رجاله في باب من لم يرو عنهم (عليهم السلام): 516، و قال بعد مدحه: روى جميع الأصول و المصنّفات، مات سنة 385.

62

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ‏ (1)، قَالَ:

أَرَدْتُ الدُّخُولَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لِي مُؤْمِنُ الطَّاقِ‏

(2)

: اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، فَقُلْتُ لَهُ: نَعَمْ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأَعْلَمْتُهُ مَكَانَهُ، فَقَالَ: «لَا تَأْذَنْ لَهُ عَلَيَّ»، فَقُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ تَعْلَمُ انْقِطَاعَهُ إِلَيْكُمْ وَ وَلَاءَهُ لَكُمْ وَ جِدَالَهُ فِيكُمْ، وَ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ أَنْ يَخْصِمَهُ.

فَقَالَ (عليه السلام): «بَلْ يَخْصِمُهُ صَبِيٌّ مِنْ صِبْيَانِ الْكُتَّابِ».

فَقُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ هُوَ أَجَلُّ مِنْ ذَلِكَ، وَ قَدْ خَاصَمَ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَدْيَانِ فَخَصَمَهُمْ، فَكَيْفَ يَخْصِمُهُ غُلَامٌ مِنَ الْغِلْمَانِ وَ صَبِيٌّ مِنْ صِبْيَانِ الْكُتَّابِ؟

فَقَالَ (عليه السلام): «يَقُولُ لَهُ الصَّبِيُّ: أَخْبِرْنِي عَنْ إِمَامِكَ أَمَرَكَ أَنْ تُخَاصِمَ النَّاسَ؟ فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ، فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ لَهُ: فَأَنْتَ تُخَاصِمُ النَّاسَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَكَ إِمَامُكَ، فَأَنْتَ عَاصٍ لَهُ، فَيَخْصِمُهُ، يَا ابْنَ سِنَانٍ لَا تَأْذَنْ لَهُ عَلَيَّ فَإِنَّ الْكَلَامَ وَ الْخُصُومَاتِ تُفْسِدُ النِّيَّةَ وَ تَمْحَقُ الدِّينَ»

(3)

.

وَ مِنَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ عَنْ عَاصِمٍ الْحَنَّاطِ (4)، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ (5)، قَالَ: قَالَ‏

____________

(1) عبد اللّه بن سنان بن ظريف، قال النّجاشيّ عنه في رجاله: 158: كان خازنا للمنصور و المهديّ و الهادي و الرّشيد، كوفيّ ثقة ثقة من أصحابنا، جليل لا يطعن عليه في شي‏ء.

(2) هو محمّد بن عليّ بن النّعمان بن أبي طريفة البجليّ الأحول، يكنّى بأبي جعفر، كوفيّ صيرفيّ، يلقّب بصاحب الطّاق أيضا، كان دكّانه في طاق المحامل بالكوفة. له مناظرات معروفة و مشهورة مع أبي حنيفة. قال النّجاشيّ في رجاله: عدّه الشّيخ الطّوسيّ من أصحاب الإمامين الصّادق و الكاظم (عليهما السلام)، و وثّقه في الثّاني.

انظر: رجال الشّيخ الطّوسيّ: 302 و 359، رجال النّجاشيّ: 249، الفهرست: 131.

(3) قريب منه ذكره الكشّيّ في رجاله: 190.

(4) عاصم بن حميد الحنّاط الحنفيّ، أبو الفضل، مولى، كوفيّ، ثقة، عين، صدوق، روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

انظر: النّجاشيّ: 232.

(5) هو زياد بن عيسى الحذّاء، كوفيّ، مولى، ثقة، روى عن الإمامين أبي جعفر الباقر، و أبي عبد اللّه الصّادق (عليهما السلام)، و مات في حياة أبي عبد اللّه (عليه السلام). و قال سعد بن عبد اللّه الأشعريّ: و من أصحاب أبي جعفر أبو عبيدة و هو زياد بن رجا، كوفيّ، ثقة، صحيح، و اسم أبي الرّجا منذر، و قيل: زياد بن أحرم، و لم يصحّ.

انظر: رجال النّجاشيّ: 129.

63

لِي أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) وَ أَنَا عِنْدَهُ:

«إِيَّاكَ وَ أَصْحَابَ الْكَلَامِ وَ الْخُصُومَاتِ وَ مُجَالَسَتَهُمْ، فَإِنَّهُمْ تَرَكُوا مَا أُمِرُوا بِعِلْمِهِ وَ تَكَلَّفُوا مَا لَمْ يُؤْمَرُوا بِعِلْمِهِ، حَتَّى تَكَلَّفُوا عِلْمَ السَّمَاءِ، يَا أَبَا عُبَيْدَةَ خَالِطِ النَّاسَ بِأَخْلَاقِهِمْ وَ زَاوِلْهُمْ فِي أَعْمَالِهِمْ، يَا أَبَا عُبَيْدَةَ إِنَّا لَا نَعُدُّ الرَّجُلَ فَقِيهاً عَالِماً حَتَّى يَعْرِفَ لَحْنَ الْقَوْلِ، وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ:

وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ‏ (1)

. [الفصل الثامن و العشرون متكلموا هذه العصابة من شرارهم‏]

(الفصل الثامن و العشرون)

وَ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ الْأَنْصَارِيِّ فِي النُّسْخَةِ الْمَقْرُوءَةِ عَلَى هَارُونَ بْنِ مُوسَى التَّلَّعُكْبَرِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ مَا هَذَا لَفْظُهُ: عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ‏ (2) قَالَ:

سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ:

«مُتَكَلِّمُو هَذِهِ الْعِصَابَةِ مِنْ شِرَارِهِمْ»

(3)

.

[الفصل التاسع و العشرون في تأويل المراد من كلام الإمام الصادق‏]

(الفصل التاسع و العشرون) اقول: و يحتمل أن يكون المراد بهذا الحديث يا ولدي المتكلمين الذين يطلبون بكلامهم و علمهم ما لا يرضاه اللّه جلّ جلاله، أو يكونون ممن يشغلهم الاشتغال بعلم الكلام عما هو واجب‏ (4) عليهم من فرائض اللّه جلّ جلاله، و لقد رأيت في عمري ممن ينتسب إلى علم الكلام و قد أعقبهم ذلك العلم شكوكا في مهمات من الإسلام.

____________

(1) محمد (ص): 3. و الحديث ورد في أصل عاصم الحنّاط: 27 ضمن الاصول الستة عشر، مع اختلاف يسير في الألفاظ.

(2) جميل بن دراج، أبو علي النخعي، قال ابن فضال: أبو محمد شيخنا و وجه الطائفة، ثقة، روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن (عليهما السلام)، و أخذ عن زرارة. عدّه الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام الصادق تارة، و أخرى من أصحاب الكاظم (عليهما السلام). و قد أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه.

انظر: رجال الشيخ الطوسي: 163 و 346، رجال النجاشي: 98، الفهرست: 44.

(3).

(4) في نسخة (ض): أوجب.

64

[الفصل الثلاثون جمع الراوندي لخمس و تسعين مسألة كلامية اختلف فيها المفيد و المرتضى‏]

(الفصل الثلاثون) تنبيه: و مما يؤكد تصديق الروايات بالتحذير من علم الكلام و ما فيه من الشبهات، أنني وجدت الشيخ العالم في علوم كثيرة قطب الدين الراوندي، و اسمه سعيد بن هبة اللّه‏ (1) (رحمه اللّه) قد صنّف كراسا و هي عندي الآن في الخلاف الذي تجدد بين الشيخ المفيد و المرتضى‏ (2) رحمهما اللّه، و كانا من أعظم أهل زمانهما و خاصة شيخنا المفيد، فذكر في الكراس نحو خمس و تسعين مسألة قد وقع الاختلاف بينهما فيها من علم الأصول، و قال في آخرها: لو استوفيت ما اختلفا فيه لطال الكتاب.

و هذا يدلك على أنّه طريق بعيد في معرفة ربّ الأرباب.

[الفصل الحادي و الثلاثون: ذمّه الطريقة التي يتبعها المعتزلة في معرفة تعالى.]

(الفصل الحادي و الثلاثون) يقول السيد الإمام العالم العامل، الفقيه الكامل‏ (3)، العلّامة الفاضل العابد، رضي الدين ركن الاسلام جمال العارفين أفضل السادة أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمّد (4) ابن الطاووس بلّغه اللّه أمانيه و كبت أعاديه:

____________

(1) هو أبو الحسين قطب الدين سعيد بن عبد اللّه بن الحسين بن هبة اللّه بن الحسن الراوندي، فقيه، صالح، ثقة، شاعر، من مشايخه أبي جعفر محمد بن علي بن محسن الحلي. له عدة مؤلفات منها: قصص الأنبياء، و الإنجاز في شرح الايجاز، و حل العقود من الجمل و العقود. توفي (رحمه اللّه) في سنة 573 ه، و قبره معروف في صحن السيدة فاطمة المعصومة بقم المشرّفة.

انظر: أعيان الشيعة 7: 260.

(2) علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن ابراهيم بن موسى بن جعفر (عليه السلام)، أبو القاسم. حاز من العلوم ما لم يدانيه فيه أحد في زمانه، و سمع الحديث فأكثر منه. و كان متكلّما، شاعرا، أديبا، عظيم المنزلة في العلم و الدين و الدنيا. مات رضي اللّه عنه لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة ست و ثلاثين و أربعمائة. و له مصنفات عديدة منها: الناصريات، الانتصار، الشافي، و رسائل كثيرة.

انظر: رجال النجاشي: 206، الفهرست: 98.

(3) لم ترد في نسخة (ع).

(4) في نسخة (ض): جعفر بن محمد بن محمد. و ما أثبتناه هنا فهو من نسخة (ع) و هو موافق لما ذكره من نسبه في الصفحة الاولى من هذا الكتاب.

65

انني وجدت مثال شيوخ المعتزلة و مثال الأنبياء (عليهم السلام) مثل رجل أراد أن يعرّف غيره أن في الدنيا نارا موجودة، و ذلك الرجل الذي يريد أن يعرف وجودها قد رأى النّار في داره و في البلد، ظاهرة كثيرة بين العباد ما يحتاج من رأها إلى المعرفة بها إلى نظر و لا اجتهاد فقال له: هذا يحتاج في‏ (1) معرفته إلى إحضار حجر النّار و هو في طريق مكة؛ لأنّ كل حجر ليس يكون في باطنه نار، و يحتاج إلى مقدحة، و يحتاج الى محراق، و أن يكون الإنسان في موضع سليم من شدة الهواء لئلا يذهب بالحرّاق و يطفئ ما يخرج من الحجر من النّار. فاحتاج هذا المسكين إلى تحصيل هذه الآلات من عدة جهات و بعدة توسّلات.

و لو كان قد قال له من مبدأ الأمر: هذه النّار الظاهرة بين العباد هي النّار الكامنة في الحجر و الشجر، كان قد عرف وجود النيران على العيان و الوجدان، و استغنى عن ترتيب الدلالات و تحصيل البرهان.

[الفصل الثاني و الثلاثون: ضلالة كلّ من عدل في التعريف عن الأمرا لمكشوف الى الأمر الخفيّ اللطيف.]

(الفصل الثاني و الثلاثون) أقول: و كل من عدل في التعريف عن الأمر المكشوف إلى الأمر الخفي اللطيف، فهو حقيق أن يقال: قد أضلّ، و لا يقال: قد هدى، و لا قد أحسن فيما استدل.

و بيان هذه الجملة: أن المكان الذي يكون فيه الجسم قبل الجسم، و كل ما كان له أوّل فهو محدث، و الأجسام بعد المكان، فهي محدثة بغير شك. و لأن كل عاقل يعلم فيما عاينه من زيادات الأجسام في الإنسان و الشجر، و كلما يزداد عظما و كبرا بين الأنام، مثل النطفة التي يصير منها إنسان، و مثل النواة التي تكون منها نخلة عظيمة الشأن، و مثل نوى الشجر يكون‏ (2) منها شجرة كبيرة عظيمة الأغصان.

____________

(1) لم ترد في نسخة (ض).

(2) في هامش نسخة (ع): يصير (خ ل).

66

فكل عارف بها بالمشاهدة يعلم أن هذه الزيادات حادثات بالضرورة، فكيف يعدل عن تعريف حدوثها بمثل هذا التحقيق إلى الحركة و السكون، و هما عرضان غير مشاهدين، و لا يعرف حقائقها و ما يلزم‏ (1) من حدوثهما إلّا بنظر دقيق و قطع عقبات قليلة التوفيق.

[الفصل الثالث و الثلاثون: احتياج الإنسان الى معرفة ثبوت تماثل الأجسام‏]

(الفصل الثالث و الثلاثون) أقول: و إنما كان يحتاج الانسان مع ما يعرفه من حدوث الأجسام الظاهرة بالعيان الزائدة، إلى ثبوت تماثل الأجسام، ليعلم أن الذي حضر منها و غاب كله حادثة بشهادة العقول و الأفهام، و ذلك يعرف بأدنى تعريف، و ما يحتاج الى التطويل في التكشيف، لأن العقل يدرك‏ (2) أن كل جسم مؤلّف، و كل مؤلّف فإنّه لابد أن يكون عريضا عميقا بحسب تأليفه، و متى خرجت حقيقة الاجسام عن حقيقة التأليف كانت غير أجسام، و لم يدخل في اسم الجسم بعرف و لا عقل و لا شرع و لا بوصف‏ (3).

ثم كل جسم محتاج إلى مكان يحل فيه، و يكون المكان متقدما عليه كما قدّمناه، فالجسم بالضرورة متأخر عن المكان، فهل يبقى شك [في‏] (4) أنّ كل جسم حادث عند كل من له أدنى نظر يعتمد عليه؟!

[الفصل الرابع و الثلاثون: مخالفة شيوخ المعتزلة للطريق السهل المعروف في اثبات الخالق‏]

(الفصل الرابع و الثلاثون) أقول: فكان ثبوت حدوث الأجسام على هذا الوصف الواضح كافيا في الدلالة على انّ لها مؤلّفا جلّ جلاله، محدثا لها و مدبّرا لأمرها بحسب المصالح،

____________

(1) في النسختين الخطيتين (ض) و (ع): و لا يلزم. و الذي أثبتناه فهو من هامش نسخة (ع).

(2) في نسخة (ع): شهد.

(3) في نسخة (ع): و لا توصيف.

(4) لم ترد في النسختين الخطيتين، و أثبتناها من النسخة المطبوعة.

67

فأشار الأنبياء (صلوات اللّه عليهم)، و الكتب المنزلة عليهم إلى نحو هذه التنبيهات على هذه الدلالات الظاهرات، فعدل شيوخ المعتزلة بالخلائق إلى غير تلك الطرائق، و ضيّقوا عليهم سبل الحقائق، كما عدل من أراد تعريف حقيقة النّار المعلومة بالاضطرار إلى استخراجها من الشجر أو الحرّاق أو الأحجار و هذا مثال يعرف أهل الانصاف أنه حق صحيح و ما يحتاج الى زيادة استكشاف.

[الفصل الخامس و الثلاثون: بيان الطريق الذي يتبعه المعتزلة في معرفة اللّه‏]

(الفصل الخامس و الثلاثون) و كان مثالهم مع المتعلم منهم و مثاله معهم أيضا، كمثل انسان كان بين يديه شمعة مضيئة اضاءة باهرة، فأخذها استاذه من بين يديه و أبعدها عنه مسافة بعيدة، كثيرة الحوائل و الموانع من نظره بتلك الشمعة التي كانت حاضرة عنده و قال له: تجهز للسفر بالزاد و الرفقاء و العدة و الأدلآء حتى تصل إلى معرفة تلك الشمعة، و تنظر حقيقة ما هي عليه من الضياء.

فقبل ذلك المغتر المتعرف من ذلك الاستاذ المتكلّف، و سافر مدة من الأوقات، فتارة يرى جبالا و عقبات فلا يظهر له من حقيقة الشمعة كثير و لا قليل، و تارة يرى ضوء فيقول: لعله ضوء تلك الشمعة، و يستنجد بمساعدة الرفيق و الدليل، فإن عجز عن اتمام المسافة، و قطع الطريق بما يرى فيها من العقبات و التطويل و التضييق، هلك المسكين و رجع خاسرا للدنيا و الدين. فقد عرفنا من جماعة أنهم أوقعهم ذلك في شكوك و تضليل، و كان ضلالهم من سوء توفيق الدليل.

و لئن مشي هذا المسترشد و احتمل مشقة الأسفار و ركوب الأخطار، و سلم من أن يعجز في الطريق و يترك الشمعة بالكلية كثيرا ما يحصل له اذا وجدها من حقيقتها مثل الذي كان يعرفه في الفطرة الأولية، فضاع عمره و تعبه في زيادة معرفتها.

68

[الفصل السادس و الثلاثون: وجوب تعليم المسترشدين ما يقوي عندهم الفطرة الأولية بالتنبيهات العقلية و القرآنية]

(الفصل السادس و الثلاثون) فأوصيك يا ولدي محمد و من بلغه كتابي هذا ممن يعلّم المسترشدين إلى معرفة ربّ العالمين، أن يقوّي ما عندهم في الفطرة الأولية بالتنبيهات العقلية و القرآنية، و الهدايات الإلهية و النبوية، و يقول للمسترشدين: إنما يحتاج إلى معرفة صفات هذا المؤثّر و الصانع، و يثبت صفاته عنده بأسهل ما يريد منه مولاه جلّ جلاله من تكليفه بتدبير صاحب الشرائع، و تسليمه من القواطع و من خسارة عمر ضائع.

[الفصل السابع و الثلاثون: وجوب تعليم المسترشدين سبل معرفة النبوة و الإمامة]

(الفصل السابع و الثلاثون) ثم يسلك به سبيل معرفة النبوة و الإمامة على قاعدة تعريف النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و الأئمة (عليهم السلام)، و من سلك سبيلهم‏ (1) من أهل الاستقامة، فهذا كان كافيا لمن يريد تحصيل السلامة و سعادة الدنيا و يوم القيامة.

و أما حفظ الألفاظ الحادثة بين المتكلمين، و ما ذكروا أنه صفات المتجادلين، فهو شغل من فرغ من فروض اللّه جلّ جلاله المتعيّنة المتضيقة عليه، و يريد أن يخدم اللّه جلّ جلاله خالصا لوجهه بالرد على أهل الضلال من الامم الحائلة بين عباده جلّ جلاله و بين المعرفة به و الوصول إليه، و يكون حامل هذا العلم العريض العميق لازما سبيل التوفيق، و يناظر مخالفيه مناظرة الرفيق‏ (2) الشفيق، حتى يسلم من خطر الطريق، و إلّا فهو هالك على التحقيق.

[الفصل الثامن و الثلاثون: عدم منعه من النظر في معرفة اللّه تعالى‏]

(الفصل الثامن و الثلاثون) و اعلم يا ولدي محمد أراك اللّه جلّ جلاله، ما يزيدك قربا من جلاله، و تولّاك ولاية تصون عن أمر يبعدك عن اقباله و افضاله، أن كلما كررته و أكرره من‏

____________

(1) في نسخة (ع): سبلهم.

(2) في نسخة (ع): الرحيم.

69

تعريف اللّه جلّ جلاله لبعض عباده، أو تشريف بزيادة ارشاده و انجاده، فما أردت و لا اريد به إسقاط وجوب نظر العبد فيما يجب عليه النظر فيه من التكاليف، و قد قدّمت الاشارة إلى هذا المعنى فيما مضى من التعريف، و إنما أكرره لتفهيم‏ (1) كل قوي يفهمه أو ضعيف، أنني ما منعت من النظر، بل النظر واجب على المكلف في كل ما يجب عليه فيه نظره مما لا يدركه إلّا بالنظر و التكشيف.

فأقول: لو فرضنا أن عبدا من عباد اللّه جلّ جلاله ما جعل له في فطرته الأولية أن الأثر دال على المؤثر بالكلية، و لا نبّهه جلّ جلاله بعد بلوغه و كمال عقله على معرفته، و لا على ما يجب عليه من المعارف بشي‏ء من ابتداء فضله و رحمته، فإنه يجب على هذا العبد النظر فيما يجب عليه من التكليف، و التوصل في التعريف بكل طريق من طرق التحقيق، و على كل وجه و سبيل من سبل التوفيق.

و متى وصل إلى غاية تدل‏ (2) على صانع لوجوده، فإياه أن يصرف هذا الناظر خاطره، أو يخلّي سرائره من الاعتماد على مراحم و مكارم صانعه وجوده، فإن القادر بذاته يفتح إذا شاء على قدر قدرته القاهرة الباهرة، و العبد الناظر القادر بغيره لا يفتح بنفسه إلّا بقدر قدرته القاصرة، و ذلك الفتوح الإلهي أقوى اتصالا، و أبقى كمالا، و أتم نورا، و أعم سرورا، و أوضح في الاطلاع على الأسرار، و أرجح في عمارة الأفكار.

____________

(1) في هامش نسخة (ع): ليفهم (خ ل).

(2) في نسخة (ض): هداه.

70

[الفصل التاسع و الثلاثون: شهادة العقول المستقيمة و القلوب السليمة بلابدية استناد الممكنات و الوجودات الى فاعل لها]

(الفصل التاسع و الثلاثون) و اعلم يا ولدي محمد أقبل اللّه جلّ جلاله عليك، و كمّل احسانه إليك، أن العقول المستقيمة و القلوب السليمة شهدت شهادة صحيحة صريحة أنه لابد من استناد الممكنات و الموجودات إلى فاعل لها، لا أول لوجوده. و يقتضي ظهور هذه الآثار المحكمة الباهرة، و الدولة المنتظمة القاهرة، أن فاعلها حيّ عالم قادر مختار حكيم، و أن وجوده و صفاته بذاته؛ لأنه لو كان جلّ جلاله أو شي‏ء من صفاته بغيره اقتضى ذلك عكس شهادة الألباب بقدمه و أزليته و تمام قدرته.

[الفصل الأربعون: عدم مناسبة وجود اللّه تعالى و صفاته لوجودنا و صفاتنا]

(الفصل الأربعون) و اعلم حفظك اللّه يا ولدي محمّد، و حفظ ما أنعم و ينعم به عليك، و اوزعك شكر ما أحسن به إليك، أن وجوده جلّ جلاله و صفاته ليست مناسبة لوجودنا و صفاتنا في شي‏ء من الأشياء؛ لأننا موجودون به جلّ جلاله، و يتصرّف فينا تارة بالإنشاء، و تارة بالإفناء، و تارة بالحياة، و تارة بالموت، و تارة بالعافية، و تارة بالسقم، و تارة بالشباب، و تارة بالهرم، و تارة بالغنى، و تارة بالفقر، و تارة بالاقبال، و تارة بالادبار، و تارة بعجزنا عن نيل الآمال، و تارة بظفرنا بما ليس في حسابنا من الأفضال.

71

فنحن نرى تصرّفه فينا ضرورة ما نحتاج معها إلى استدلال.

و كم قد كرر جلّ جلاله فناءنا، و اعادتنا بعد الفناء بنطف أخذها من ظهور الآباء، ثم امهاتهم، و أعاد منهم صورة الأبناء.

و كم قد أنطق العقول بشهاداته، و أنه لو كان وجود ذاته، أو شي‏ء من صفاته بغير ذاته، كان ذلك. طعنا في دلالتها على كماله و مقتضيا لزواله. فلما دلنا بذلك و أمثاله على أن وجوده بذاته، اقتضى ذلك أنه لا أوّل له و لا آخر له، و اقتضى علمه بذاته أن لا يبقى معلوم إلّا أحاط بكلياته و جزئياته، و اقتضى كونه قادرا لذاته أن لا يبقى مقدور إلّا قدر عليه.

و اقتضى غناه بذاته أنه يستحيل الفقر عليه؛ لأن تقدير فقره في شي‏ء يحتاج إليه يضاد فطرة العقول فيما حكمت به و هجمت عليه في كماله، لأن الفقير مضطر إلى ناظر في فقره، و جابر لكسره، و إلى مؤثّر آخر قام بأمره. و كذلك كونه حكيما؛ لأن ترتيب الدنيا و ما فيها من العجائب الظاهرة، و تعلق بعضها ببعض في فوائدها الباطنة و الظاهرة دالة دلالة قاهرة (1) على أن فاطرها ذو حكمة باهرة.

و كذلك ما نطق به القرآن الشريف من أنه مريد و كاره و سميع و بصير، و أنه يغضب و يرضى و يسخط (2). و كل صفة ورد بها كتاب اللّه من كتبه الشريفة، أو صحّ نقلها عن الأنبياء و الأوصياء و الأولياء العارفين بصفاته المقدّسة و المنيفة، فإنّها لا تشبه صفاتنا و لا صفات المحدثات.

و لو كانت مدركة أو منجّزة أو مشبهة للمنجّزات في حقيقة أو صفة أو جهة من الجهات، افتقرت إلى قادر منزه عن تلك النقيصات، بل ذاته جلّ جلاله و صفاته غير مدركة بالعقول و التوهّمات.

و كيف يدرك من حقيقته جلّ جلاله ليس لها كيفية فتدرك، و لا طريق للعقول إليها فتسلك، و قد عجز كثير من العقلاء عن فهم حقيقة العقل و الروح‏

____________

(1) في نسخة (ض): باهرة قاهرة.

(2) في نسخة (ع): و يحب و يسخط.

72

و النفس، و هي أثر من آثاره، فمن عجز عن الأثر المصاحب له المختص به في ليله و نهاره، كيف يطمع في ادراك ما لم يحصل له المؤثر جلّ جلاله طريقا إليه من أسراره، و قد عجزت العقول عن صفة اقتداره.

[الفصل الحادي و الأربعون: ردّه القائلين بأن الموجودات صدرت عن علّة موجبة]

(الفصل الحادي و الأربعون) و اذا سمعت يا ولدي من يقول: إنه يمكن أن تكون الموجودات صدرت عن علة موجبة، فاعلم أنه هذيان اقتضاه جهل الإنسان، و أنا أقرّب عليك تعريف أنه مختار بما لا يشتبه عليك و لا على غيرك من ذوي الاعتبار، و هو أنك تعلم أنك مختار و أنت أثر من آثاره، فلو كان علة موجبة ما كان يصدر عنها إلّا علة مثلها غير مختارة، و هذه حجة واضحة ما تحتاج إلى تطويل عبارة.

[الفصل الثاني و الأربعون: دلالة اختلاف الناس في ألوانهم و أشكالهم و أصواتهم على أن خالقهم مختار قادر]

(الفصل الثاني و الأربعون) و أنت يا ولدي تعلم اختلاف ألوان الناس و ألسنتهم و أصواتهم و هيآتهم و صفاتهم، و هم من نطفة متناسبة من ذاتهم مذ آدم (عليه السلام) إلى الآن، فلا يشبه في غالب الأزمان الابن أمه و لا أباه، و لا الأخ أخاه، و كل ذلك حجج للّه جلّ جلاله على عباده أن فاطرهم مختار قادر على مراده.

[الفصل الثالث و الأربعون: دلالة اختلاف الناس في ألوانهم و أشكالهم و أصواتهم على أن خالقهم مختار قادر]

(الفصل الثالث و الأربعون) ثم ترى يا ولدي الأشجار و الثمار تسقى بماء واحد، في أرض واحدة، و أزمان واحدة، و هي مختلفة الألوان و الطعوم و الروائح و المنافع و المضار، و لكل ذلك دلالة واضحة على أن فاعلها مختار.

[الفصل الرابع و الأربعون: توصيته بالتزام الصوم و التذلل لله تعالى عند طروء شبهة]

(الفصل الرابع و الأربعون) و متى اشتبه عليك شي‏ء من نتائج العقول فالزم الصوم و الخلوة و التذلل للقادر

73

جلّ جلاله على كل مأمول، فإنّك تجده جلّ جلاله كاشفا لك ما اشتبه عليك، و باعثا إلى عقلك و قلبك من أنوار هدايته ما يفتح أبواب الصواب لديك.

و إياك أن تستبطئ اجابته و أن تتّهم رحمته، فإن العبد ما يخلو من تقصير في مراقبة مولاه، و يكفيه أنه يعظّم ما صغر و يصغّر ما عظم من دنياه و أخراه. و يكفيه أنه يغضب لنفسه و لمن يعز عليه أكثر مما يغضب للّه جلّ جلاله المحسن إليه، و يكفيه أنه ما هو راض بتدبير مالكه جلّ جلاله بالكلية، و أنه يعارضه بخاطره و قلبه و عقله، معارضة المماثل أو الشريك أو العبد السي‏ء العبودية.

و اذا تأخرت عنك اجابة الدعاء و بلوغ الرجاء فابك على نفسك بكاء من يعرف أن الذنب له، و أنه يستحق لأكثر من ذلك الجفاء. فكم رأينا و اللّه يا ولدي عند هذه المقامات من فتوح السعادات و العنايات ما أغنانا عن سؤال العباد، و عن كثير من الاجتهاد.

[الفصل الخامس و الأربعون: هداية لأهل الكهف و سحرة فرعون و امرأته و مريم بنت عمران و ام موسى‏]

(الفصل الخامس و الأربعون) و اعلم يا ولدي محمّد حفظك اللّه جلّ جلاله عن الخذلان، و صانك بخلع الإحسان و الأمان، أنّ أهل الكهف كانوا مماليك لا يفقهون، و سحرة فرعون كانوا سكارى بالكفر ما يعتقد ناظرهم أنهم يفيقون، فتداركهم اللّه جلّ جلاله برحمة من رحماته الجميلة (1)، فأمسوا عارفين به مخلصين، من أهل المقامات الجليلة.

و قد عرف كل خبير أن امرأة فرعون و مريم بنت عمران و أم موسى (عليه السلام)، نساء ذوات ضعف عن الكشف، تولاهنّ اللّه جلّ جلاله بيد اللطف و العطف، حتى فارقت زوجة فرعون ملك زوجها و دولته و حقّرته و هوّنت عقوبته.

و بلغت مريم إلى كرامات و سعادات، حتى أن النبي المعظّم في وقتها زكريا (عليه السلام) يدخل عليها في المحراب فيجد عندها طعاما يأتيها من سلطان يوم‏

____________

(1) في هامش نسخة (ض): الجليلة (خ ل).

74

الحساب بغير حساب، و يفهم من صورة الحال أن زكريا ما كان يأتيه مثل ذلك الطعام؛ لأنه (عليه السلام) قال: أَنَّى لَكِ هذا (1) على سبيل التعجب و الاستفهام، و هو أقرب منها إلى صفات الكمال.

و هذه ام موسى يوحي اللّه تعالى إليها بغير واسطة من الرجال، حتى يهوّن عليها رمي ولدها و واحدها و مهجة فؤادها في البحر و الأهوال.

فلا تقصر همتك يا ولدي محمد عن غاية بلغ إليها حال النساء الضعيفات، و اطلب ذلك ممن قال جلّ جلاله: أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ‏ (2).

____________

(1) آل عمران: 33.

(2) الزخرف: 32.

75

[الفصل السادس و الأربعون: اعتبار التكليف بمعرفة و رسوله و أئمته (ع) من المنن و الاحسان‏]

(الفصل السادس و الأربعون) و اعلم يا ولدي محمّد ضاعف اللّه جلّ جلاله لك شرف عنايته و تحف كرامته، أن تشريف اللّه جلّ جلاله لك بتكليف معرفته و معرفة رسوله (صلوات اللّه عليه)، و الأئمة من ذريته (عليهم السلام)، و معرفة شريعته، و القيام بطاعته، كان من أعظم مننه جلّ جلاله عليك و احسانه إليك، التي لا يقوم لها شكر الشاكرين، و لا يقضي حقوقها اجتهاد المجتهدين.

فإن الأرض التي خلقت و خلقنا منها لو قيل لها و هي تراب تمنّي أقصى آمالك، لعلّ كان يكون أقصى امنيتها أن يحييها اللّه جلّ جلاله بالماء و النبات و الأشجار و الأزهار، فهذه حياة الأرض و التراب.

فبلغ فضل اللّه جلّ جلاله على ابن آدم المخلوق منها إلى أن رفع اللّه جلّ جلاله عن دناءة تلك الأسباب، و جعله أهلا أن يدله على مقدّس معرفته و حقوق نعمته، و يتشرّف بخدمته، و يكرمه بمشافهته و مجالسته، و يهئ له السماوات و الأرض و ما فيها من المنافع بيد قدرته، و يستخدم في مصالحه و سعادته مقدّس علمه و ارادته، حتى يبلغ إلى أنه يتولى بيد تدبيره و رحمته في جسده بثوب‏ (1) طهارته.

____________

(1) وردت هذه الكلمة مشوشة و غير واضحة، ففي الطبعة السابقة: يثوب، و في نسخة (ع): بيوت، و في نسخة (ض): بثوب (بيوت) (خ ل).

76

[الفصل السابع و الأربعون: أهلية المكلفين لإنزال الكتب السماوية عليهم و إبعاث الأنبياء لهم‏]

(الفصل السابع و الأربعون) ثم جعلك اللّه جلّ جلاله يا ولدي محمّد و سائر المكلفين أهلا أن يكتب اليكم كتابا من مقدّس جلالته و عظيم ربوبيته مع غنائه لذاته عن خليقته، و أن يبعث رسلا من نوّابه و أنبيائه و خاصته، و لم يكن بنو آدم في مقام أن يبلغ حالهم إلى هذا المقام من كرامة.

ثم بلغ الأمر بين اللّه جلّ جلاله القادر القاهر مالك الأوائل و الأواخر، و بين بني آدم الضعفاء و الأذلآء الأصاغر، الذين انتظم حال وجودهم من تراب و روح كالهواء، إلى أن ينيلهم الدنيا قبل معرفتهم به و خدمتهم له، و فيها ما هم إليه محتاجون، و ما أتعبهم في بنائها و انشائها و لا كانوا ممن يقدرون، فلا يعترفون و لا يشكرون، حتى كأنهم البانون لها و الفاطرون.

ثم يحسن و يسيئون، و يقبل فيعرضون، و يعدهم فلا يتقون، و يتقرّب إليهم فيتباعدون، و يتحبّب إليهم فيكرهون، و يؤدي الأمانات إليهم فيخونون، و يصفو معهم فيتكدرون، و يستر عليهم فيتجاهرون، و يطلع عليهم فلا يستحيون، و يتهددهم فلا يخافون، و يطلبهم عدوهم فيسارعون، و يسألهم أن يسكنوه في قلوبهم التي هي من جملة ما وهبهم فلا يفعلون، و يبذل أجر (1) السكنى أوّلا و حاضرا و مستقبلا فلا يقبلون، و يطلب منهم بعض ما أعطاهم ليدخرها لهم فلا يجيبون، و يعرض عليهم ما ينفعهم فيعرضون، و يريهم آياته في أنفسهم و في الآفاق فلا يبصرون، و يوثقهم من دار قد عمّرها لهم كاملة الصفاء دائمة البقاء و يريد انتقالهم اليها فلا يوافقون.

و لو أعطاهم غيره من بني آدم بعض ما في يده شكروه أكثر من شكرهم لمولاهم، و لو أعرض عنهم سلطان بلدهم تلافوه و تداركوا غضبه بغاية قواهم،

____________

(1) في النسختين الخطيتين (ض) و (ع): أجرى.

77

و لو صاحبهم صديق نافسوا في حسن صحبته أكثر من صحبة اللّه جلّ جلاله و موافقته، و لو ستر عليهم أحد عورة وجدوا عندهم من الاعتراف أكثر ما يجدون لستر اللّه جلّ جلاله، و لو اطلع عليهم بعض مماليك سيدهم استحيوا منه أكثر من اطلاع مالكهم عليهم.

و لو طلب سلطان قربهم ما سامحوا ببعده، و لو أسخطهم آدمي يحتاجون إليه ما هوّنوا بسخطه، و لو وعدهم كريم من بني آدم وثقوا به أكثر من وثوقهم بوعد اللّه، و لو تهددهم آدمي بعقاب خافوا من تهديده أكثر من تهديد اللّه جلّ جلاله، و لو طالب مجاورتهم من يرجون منفعة الفانية اجتهدوا في مجاورته و هم لا يريدون مجاورة اللّه جلّ جلاله و شريف صحبته، و لو غلب على ظنهم في الأقطار أو البحار من ينفع عوض القيراط أكثر من دينار سافروا إليه و احتملوا عظيم الأخطار في الأسفار و لا يسهل عليهم السفر إلى رضاء اللّه جلّ جلاله لطلب‏ (1) أعظم من تلك المنافع و المسار.

فهل تعرف أن ملكا أو مالكا أو راعيا أو سلطانا أو أحدا جرى له مع مماليكه المحتاجين إليه ما جرى للّه جلّ جلاله مع بني آدم المتجرئين عليه، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ مما جرت حالهم عليه.

[الفصل الثامن و الأربعون: اعتبار يوم بلوغ المكلف من أعظم الأعياد و أشرف الأوقات‏]

(الفصل الثامن و الأربعون) و ينبغي يا ولدي محمّد أسعدك اللّه جلّ جلاله باقباله و مكاشفة جلاله، أن تعتقد أن يوم تشريفك بالتكليف كان من أعظم أيام الأعياد، و أن وقت تعريفه لك بعظمته و استخدامك في طاعته كان من أشرف اوقات الاسعاد و الأرفاد كما قدمناه. فإيّاك أن يخطر ببالك ثواب أو جزاء على طاعتك أو خدمتك.

فإنّك ترى العقول قاضية بأن السلطان الكامل الذي يرجى احسانه بالتقرب‏

____________

(1) لم ترد في نسخة (ع).

78

إليه، يرشى و تبذل النفوس و الرؤوس في التقرب منه و الانفاق عليه، فتعلم أن كل من أحسن إحسانا كثيرا إلى عبد من العباد فإنّه يجد من نفسه لزوم خدمته و الوفاء له و متابعة ارادته بغاية الاجتهاد، فلأي حال كان الحال مع اللّه جلّ جلاله في العقول دون هذه الحال، تعالى اللّه جلّ جلاله عن المقابلة بهذه الضلالة.

[الفصل التاسع و الأربعون: أهلية اللّه تعالى للعبادة]

(الفصل التاسع و الأربعون) و قد كشفت ذلك في كتاب (المهمّات و التتمات) (1) فتقف عليه يا ولدي من ذخائر تلك العنايات و اخدم اللّه جلّ جلاله كما كان يخدمه آباؤك العارفون و السلف المكاشفون؛ لأنّه جلّ جلاله أهل أن يعبد، و من أحق منه ببذل النفوس و الرؤوس و القوة و الاقتدار و جميع ذخائر الاختيار! و هو واهبها و جالبها، و به جلّ جلاله استقام نظامها و حصل تمامها.

و اعلم يا ولدي أنك لو عبدته بقوة الأولين و الآخرين، و اخلاص الملائكة و الأنبياء و المرسلين و الصالحين في مقابلة اختياره في الأزل لإيجادك و اسعادك و تأهيلك لمعرفته و خدمته، ما قمت بما في ذلك من حقوق رحمته و نعمته.

____________

(1) قال الشيخ الطهراني في الذريعة 24: 298 رقم 9056: المهمات و التتمات: هو مهمات في صلاح المتعبد و تتمات لمصباح المتهجد للسيد رضي الدين ابن طاووس صاحب (مهج الدعوات و منهج العنايات)، و هو في عشر مجلدات يختص كل مجلد باسم خاص. و قال السيد في أول (مفتاح السائل) بعد ذكر (مصباح المتهجد) للشيخ الطوسي: فعزمت ان اضيف ما اختاره اللّه جلّ جلاله مما رويته من زيادة على (المصباح) أو وقفت عليه و ما يأذن جلّ جلاله في اظهاره من أسراره- إلى قوله-: و اجعل ذلك كتابا مؤلفا اسمه كتاب (مهمات في اصلاح المتعبد و تتمات لمصباح المتهجد) و ها أنا مرتب ذلك بعون اللّه جلّ جلاله في عدة مجلدات بحسب ما أرجوه من المهمات و التتمات المجلد الأول اسمه: (فلاح السائل و نجاح المسائل) في عمل اليوم و الليلة و هو مجلدان، و المجلّد الثالث اسميه (زهرة الربيع في ادعية الأسابيع)، و المجلد الرابع (جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع)، و المجلد الخامس اسميه: (الدروع الواقية عن الأخطار فيما يعمل مثله كل شهر على التكرار)، و المجلد السادس اسميه (المضمار للسابق و اللحاق بصوم شهر اطلاق الأرزاق)، و المجلد السابع اسميه (مسالك المحتاج إلى معرفة مناسك الحاج)، و المجلد الثامن و التاسع اسميهما كتاب (الاقبال بالأعمال الحسنة)، و المجلد العاشر أسمّيه (السعادات بالعبادات التي ليس لها وقت معلوم في الروايات).

79

[الفصل الخمسون: عدم احتياج معرفة النبي محمد (ص) و رسالته الى كثير أدلة]

(الفصل الخمسون) و اعلم يا ولدي محمّد نوّر اللّه جلّ جلاله سرائرك و طهّر بصائرك، أن معرفة جدك محمّد سيد المرسلين، و تصديقه بما جاء به من ربّ العالمين، ما تحتاج الآن فيها من الدلالة إلى ما كان يحتاج الناس إليه أولا عند اوّل الرسالة؛ لأن أنوار رسالته و آثار نبوته و هدايته في هذه الستمائة سنة قد امتلأت بها أقطار كثيرة من البلاد، و تواتر بجملة معجزاته و آياته ما لا تحصيه قوّة العباد، و صار تصديقه (صلوات اللّه عليه و آله) واضحا كإشراق شمس النهار، و أعظم منها عند ذوي البصائر و الأبصار، لأن الشمس مستورة بالليل و بالسحاب و بغيرها من الأسباب، و نور آيات اللّه جلّ جلاله في جدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) الداعية إليه، ضياؤها مشرق مع اشراق الألباب، و باق مع بقاء مالك يوم الحساب.

[الفصل الحادي و الخمسون: عدم قدرة العقول بذاتها على كشف مراد الله منها على التفصيل‏]

(الفصل الحادي و الخمسون) و أنت تعلم يا ولدي محمّد من نفسك و من غيرك أن العقول ما تقوم بذاتها بكشف مراد اللّه جلّ جلاله منها على التفصيل، و بأنّها لابد لها من واسطة بين اللّه جلّ جلاله و بينها، يدلها إلى مراده جلّ جلاله في كل ما يحتاج إلى معرفته به من كثير و قليل.

80

أ فلا ترى أن العقول كانت مع أصحابها قبل ارسال اللّه جلّ جلاله جدك محمّدا (صلوات اللّه عليه) إليهم، كانوا عاكفين على عبادة الأصنام و الأحجار و الأخشاب، يضحك الشيطان بها عليهم. و بلغوا إلى أخس و أدبر من الدواب؛ لأن الدابة لو تركت بغير سائق و لا قائد ما مشت إلّا إلى ما تعتقد فيه نفعا بسبب من الأسباب، و الذين عبدوا الأصنام ما كانت نافعة لهم و لا دافعة عنهم، و هي مساوية لسائر الأحجار و الأخشاب، حتّى تفضّل اللّه جلّ جلاله عليهم بجدك محمّد صلوات اللّه و سلامه عليه و آله، فأيقظ العقول من رقدتها، و كشف عنها غطاء جهالتها، فأبصرت ما كان مستورا عنها، و وجدت ما كانت عمياء عنه، فهو أقرب قريب منها.

فعلّمهم آداب الدنيا و الآخرة، و فتح لهم كنوز العلوم الباهرة، فصنّفوا الكتب في عجائب الألباب الّتي كانت دارسة، و أوضحوا عن طرق الآداب التي كانت طامسة، و كفى بذلك دلالات ضروريّات على وجوب رسالته و صحتها، و ثبوت ما اشتملت عليه من الآيات.

[الفصل الثاني و الخمسون: ذكر دلالات على نبوّة النبيّ محمد (ص)]

(الفصل الثاني و الخمسون) و كيف يحتاج يا ولدي محمّد الآن من يخالط أهل الأفهام و من نشأ في بلاد الاسلام إلى طلب دلالة على نبوة جدك محمّد العظيم الشأن، أو إطالة النظر في التحدي بالقرآن، و قد وجد المسلمون صدقه (صلوات اللّه عليه و آله) فيما أخبر به من الغائبات، و من الآيات الباهرات، و من فتوح البلاد، و من شرحه لمن يملك بعده من الملوك، و تقلبات أحوال العباد.

و وجد العارفون على مائدة ضيافة رسالته تصديقه بإجابة الدعوات و تفريج الكربات، و ما ظهر بعده على يد مولانا و هادينا علي بن أبي طالب، و عترته الطاهرين صلوات اللّه و سلامه عليه و عليهم أجمعين من المعجزات، و ما اشتهر على‏

81

أيدي الخلق العظيم من امته من الكرامات الخارقات‏ (1) للعادات. فهل يحتاج بعد هذه الهدايات الواضحات إلى طلب اشارات أو دلالات إلّا معدود من ذوي الغفلات و الجهالات.

[الفصل الثالث و الخمسون: الاعتماد على أخبار المعصومين في معرفة معجزات النبيّ (ص)]

(الفصل الثالث و الخمسون) و إن طلبت نفسك عمّرها جلّ جلاله بالطهارة، و قدّسها بما هو أهله من الاشارة و البشارة، معرفة تفصيل معجزات جدك محمّد (صلوات اللّه عليه و آله)، و ما نقل من آياته و صفاته و فعاله و مقاله، فعليك بأخبار من تعتقد عصمته، و أنّه على أبلغ صفات الكمال و تعترف بحقوقه، و ترى المنّة للّه جلّ جلاله و له فيما فتح على الاسلام من أبواب السعادات و الاقبال، فإنّك تجد في كتبهم و عند مخالطة أهل الإخلاص منهم شفاء للصدور و تماما للسرور، و قد جمعت لك من كتب النبوة و الإمامة كتبا كثيرة تتضمن معجزات و آيات منيرة.

[الفصل الرابع و الخمسون: الحثّ على قراءة تفسير الإمام الهادي (ع) و تفسير الإمام العسكري (ع) و توقيعات الحجّة (ع)، و غيرها]

(الفصل الرابع و الخمسون) بل قف يا ولدي على الكتب المتضمّنة آيات اللّه جلّ جلاله على يد مولانا علي بن محمّد الهادي‏ (2)، و مولانا الحسن بن علي العسكري (عليهم السلام)(3)، و ما كتبت في كتاب (الاصطفاء و البشارات)، و اكتب لك‏

____________

(1) في نسخة (ع): الخارقة.

(2) قال الشيخ الطهراني في الذريعة 4: 283 رقم 1294: تفسير العسكري: من إملائه (عليه السلام)، في مائة و عشرين مجلدة كما ذكره ابن شهراشوب في ترجمة الحسن بن خالد من غير تقييد. و الظاهر أن المراد من العسكري هذا هو الإمام الهادي (عليه السلام) الملقب بصاحب العسكر، و بالعسكري أيضا ...

(3) قال الشيخ الطهراني في الذريعة 4: 285 رقم 1295: تفسير العسكري: الذي أملاه الإمام أبو محمد الحسن بن علي العسكري المولود سنة 232 و القائم بأمر الإمامة في 254 و المتوفى في 260، و هو برواية الشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي نزيل الريّ المولود بدعاء الحجة (عليه السلام) بعد سفارة أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي في 305، طبع أولا في طهران في 1268، و كرر طبعه ثانيا في 1313، و ثالثا في هامش تفسير القمي في 1315. و قد فصّل القول باعتباره شيخنا في خاتمة المستدرك صفحة 661.

82

من التوقيعات على يد مولانا المهدي (صلوات اللّه عليه و على آبائه الطاهرين).

وقف على آثار الواردات‏ (1) من الثقات على يد وكلائه (صلوات اللّه عليه) المتقدّمين، فإن زمانها أقرب من زمان جدك محمّد (صلوات اللّه عليه و آله)، فإنّك ترى من الآيات الباهرات ما لم ينقل مثلها عن جدك محمد عليه أفضل الصلوات. و تلك جميعها من معجزاته و آيات نبوته و دلالات ثبوت شريعته؛ لأن عترته الطاهرة دعاة و هداة إلى رسالته.

فانظر في كتاب الحجة و ما في معناه من كتاب (الكافي) لمحمد بن يعقوب الكليني‏ (2).

و كتاب (المعرفة) لإبراهيم بن اسحاق الثقفي‏ (3).

و كتاب (الدلائل) لمحمد بن جرير بن رستم الطبري الإمامي‏ (4).

____________

(1) في نسختي (ض) و (ع): الواردة. و ما أثبتناه فهو من النسخة المطبوعة سابقا.

(2) أبو جعفر الرازي، محمد بن يعقوب الكليني، المشهور بثقة الإسلام، شيخ الطائفة و وجههم في الري، القلم عاجز عن بيان فضله و جلالة قدره و علو منزلته، فهو أشهر من أن نعرّف به في هذه الأسطر القليلة. له عدة كتب منها: الكافي، و هو أحد الاصول الحديثية المعتمدة عندنا، ألّفه في عشرين سنة، و يعد الكليني (رحمه اللّه) من مجددي المذهب على رأس المائة الثالثة، توفي (رضوان اللّه عليه) في سنة 328، و هي سنة تناثر النجوم؛ حيث توفي في تلك السنة أيضا الصيمري آخر السفراء الأربعة، و دفن في بقعة على يسار العابر من الرصافة.

انظر: تاج العروس 9: «كلين»، تنقيح المقال 3: 201، جامع الاصول 11: 323، رجال الشيخ: 495، رجال النجاشي: 377، روضات الجنات 6: 108، الفهرست: 135، لسان الميزان 5: 433.

(3) ابراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي، كوفي، انتقل إلى اصفهان لأنه لما عمل كتاب (المعرفة) و فيه المناقب المشهورة و المثالب فاستعظمه الكوفيون و أشاروا عليه أن يتركه و لا يخرجه، فقال: أي البلاد أبعد من الشيعة؟ فقالوا: اصفهان، فحلف لا أروي هذا الكتاب إلّا بها، فانتقل إليها و رواه بها.

انظر: الذريعة 21: 243 رقم 4836، رجال النجاشي رقم 18، لسان الميزان 1: 102.

(4) في النسختين الخطيتين و النسخة المطبوعة سابقا: محمد بن رستم بن جرير الطبري الإمامي، و هو خطأ واضح.

فهو محمد بن جرير بن رستم الطبري الآملي، من أكابر علماء الإمامية في المائة الرابعة، و من أجلاء الأصحاب، ثقة، جليل القدر. له عدة مؤلّفات منها: الإيضاح و المسترشد في الإمامة، و مناقب فاطمة الزهراء (عليها السلام)، و نور المعجزات في مناقب الأئمة الإثني عشر، و الرواة عن أهل البيت (عليهم السلام):

و هو يروي عن أبي جعفر محمد بن هارون بن موسى التلعكبري.

انظر: أعيان الشيعة 9: 199.

83

و كتاب (الدلائل) لعبد اللّه بن جعفر الحميري‏ (1).

و كتاب (الاحتجاج) لأبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي‏ (2).

و كتاب (المعجزات) [لسعيد بن‏] هبة اللّه الراوندي‏ (3).

و كتب أهل اليقين مثل الشيخ السعيد أبي جعفر محمّد بن بابويه، و كتب الشيخ المسعود المفيد محمد بن محمد بن النعمان، و كتب الشيوخ الثقات المتضمنة ما ذكروه من الآيات و المعجزات، فقد ذخرتها باللّه جلّ جلاله و سوف أقفها عليك و على أخيك و من يهبني اللّه جلّ جلاله من الذكور، فإنّهم أحوج إليها من البنات.

فَقَدْ رَوَيْتُ بِإسْنَادِي إِلَى جَدِّي أَبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ (4) (رحمه اللّه) مِنْ كِتَابِ (الْجَامِعِ)، بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ

____________

(1) عبد اللّه بن جعفر بن الحسن بن مالك بن جامع الحميريّ، أبو العبّاس القمّيّ، شيخ القمّيّين و وجههم، قدم الكوفة سنة نيّف و تسعين و مائتين، و سمع أهلها منه، فأكثروا. قاله النّجاشيّ في رجاله رقم 571.

و ذكره الشّيخ الطّوسيّ (رحمه اللّه) في رجاله من أصحاب الإمامين الهادي و العسكريّ بأرقام 23 و 2. له كتب كثيرة منها: الإمامة، العظمة و التّوحيد، الغيبة و الحيرة، فضل العرب.

(2) أبو منصور أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطّبرسيّ، نسبته إلى طبرستان، كان (رحمه اللّه) فقيها، محدّثا، متكلّما، نسّابة، فاضلا، له عدّة مؤلّفات منها: الكافي في الفقه، و مفاخر الطّالبيّة، و تأريخ الأئمّة، و فضائل الزّهراء (عليها السلام)، و تاج المواليد في الأنساب. و من تلامذته المشهورين ابن شهراشوب المازندرانيّ صاحب المعالم.

انظر: أعيان الشّيعة 3: 29.

(3) في النسختين الخطيتين (ض) و (ع) و النّسخة المطبوعة سابقا: لهبة اللّه الرّاونديّ. و يأتي له ذكر أيضا في الفصل المائة و الخمسين باسم: هبة اللّه بن سعيد الرّاونديّ. و كلاهما خطأ واضح. و قد تقدّم له ذكر أيضا في الفصل الثّلاثين باسم: سعيد بن هبة اللّه الرّاونديّ، و هو نسبة إلى أحد أجداده، حيث أنّ اسمه الصّحيح:

سعيد بن عبد اللّه بن الحسين بن هبة اللّه بن الحسن الرّاونديّ.

(4) محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، أبو جعفر، شيخ القمّيّين، و فقيههم و متقدّمهم و وجههم، و يقال إنّه نزيل قمّ، و ما كان أصله منها، ثقة ثقة، عين مسكون إليه، له كتب منها: كتاب تفسير القرآن، و كتاب الجامع.

قاله النّجاشيّ في رجاله رقم 1043.

84

قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام):

«اكْتُبْ وَ بُثَّ عِلْمَكَ فِي إِخْوَانِكَ، فَإِنْ مِتَّ فَوَرِّثْ كُتُبَكَ بَنِيكَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانُ هَرْجٍ مَا يَأْنَسُونَ فِيهِ إِلَّا بِكُتُبِهِمْ»

(1)

.

و قد أذنت و أجزت ما رويته لك و لأخوتك و لأخوانك أن يرووا عني جميع ما رويته، أو صنّفته من سائر الكتب و الروايات، و إن جاز الاذن لمن عساه يولد لي من الذكور و البنات بعد هذه الأوقات، فقد أذنت لهم أيضا في الرواية عني لكل ما أذنت لكم في روايته، نشرا لتعظيم اللّه و رسالته و شكرا لنعمته.

____________

(1) الكافي 1: 52 حديث 11 باب رواية الكتب و الحديث و فضل الكتابة.

85

[الفصل الخامس و الخمسون: سهولة معرفة الأئمّة (ع)]

(الفصل الخامس و الخمسون) و أما معرفة جملة الأئمّة من عترة جدك سيد المرسلين (صلوات اللّه عليه و عليهم أجمعين) ، فاعلم يا ولدي محمّد أن الطريق إلى معرفتهم أسهل مما يتوهمه كثير من الخلائق، و قد كشفت لك الامور في كتاب (الطرائف) (1)، و أوضحت عن طرق الحقائق، و أذكر (2) هاهنا جملا يسيرة تغني عن التفصيل و التطويل:

[الفصل السادس و الخمسون: دلالة العقل على وجود الأئمّة (ع)]

(الفصل السادس و الخمسون) منها أن العقول قاضية أن كمال رحمة اللّه جلّ جلاله بعباده، تقتضي أن يكون لهم في كل زمان و أوان من يدلّهم على مراده دلالة تغني عن التأويل و عن الاختلاف، و تصون عن التضليل.

____________

(1) قال الشيخ الطهراني في الذريعة 15: 154 رقم 1012: (الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف)، أودع فيه طرائف امور من مذهب المخالفين اصولا و فروعا لم يسبق إليه أحد. ترجم إلى الفارسية و طبع مع ترجمة كشف المحجة.

(2) في نسخة (ع): و أقول.

86

[الفصل السابع و الخمسون: دلالة أكملية و أتمية نبوّة النبي محمد (ص) على وجود الأئمّة (ع)]

(الفصل السابع و الخمسون) و منها أن كمال نبوة جدك محمد (صلّى اللّه عليه و آله) أرحم العباد، و شفقته على أمته إلى آخر أيام النفاد، يقتضي أن يكون نظره الشريف (صلوات اللّه عليه) في الهداية و الدلالة لمن قرب منه و بعد عن أيام الرسالة على حد واحد، و هذا ما يصح إلّا بمن يقوم بمقامه كل زمان على نحو وصفه الكامل بالعصمة في السر و الاعلان‏ (1).

[الفصل الثامن و الخمسون: دلالة تنصيب النبي (ص) نائبا عنه في المدينة المنورة عند خروجه في غزواته، على تنصيبه (ص) نائبا عاما بعد وفاته‏]

(الفصل الثامن و الخمسون) و منها أن جدك محمدا صلوات اللّه و سلامه عليه و آله ما كان يخرج في غزوة إلّا و يجعل في المدينة نائبا، و مدة الغزاة قصيرة في حياته، فكيف يقبل العقل أنه ترك الامّة مهملة من نائب ينص عليه و المدة طويلة خطرة كثيرة بعد وفاته؟!

[الفصل التاسع و الخمسون: دلالات تنصيب النبي (ص) عليه ع‏]

(الفصل التاسع و الخمسون)

[دلالة تنصيب النبي (ص) قائدا على كل جيش يبعثه على تنصيبه ع نائبا عاما بعد وفاته‏]

و منها أن جدك محمدا عليه أفضل السّلام و التحية ما كان ينفذ عسكرا أو سرية إلّا و يجعل فيهم رئيسا عليهم، يضم شملهم و يصلح فاسدهم و يحسن إليهم، فكيف تقبل العقول أنه يترك الامة كلها بعد وفاته إلى اللّه جلّ جلاله في مسافة مدتها إلى الآن ستمائة سنة و تسع و ثلاثون سنة، و بعدها إلى يوم القيامة، و لا يجعل لهم رئيسا يصلح حالهم و يصونهم عن الذي جرى عليهم من الاختلاف و الندامة.

[دلالة آيات كثيرة على خلافة الإمام علي (ع)]

و منها نصوص اللّه جلّ جلاله و تقدّس كماله على جدك مولانا علي بن أبي طالب صلوات اللّه و سلامه عليه بالآيات الباهرات في ذاته و في صفاته و في مقاماته، و تعريف الامة بكراماته و ما أخبرها من اسرار اللّه جلّ جلاله و رسوله‏

____________

(1) في النسختين الخطيتين (ض) و (ع): السراء و الضراء و السر و الاعلان.

87

(صلوات اللّه عليه و آله)، الدالة على أنها نصوص عليه بأن مرجع الأمة في جميع أمورهم إليه، فإن الصفات الكاملة للرئيس في رياسته نصوص على أمامته، و الصفات الناقصة لرعيته نصوص عليهم أنهم في حكم رعيّة (1) و تبع لارادته.

[تأكيد النبيّ (ص) على الوصية]

و منها أن جدك محمدا (صلوات اللّه عليه و آله) حرّم على من حرم عليه من أمته أن يتركوا الوصية و

قَالَ‏

: «مَنْ مَاتَ بِغَيْرِ وَصِيَّةٍ فَقَدْ مَاتَ مَوْتَةً جَاهِلِيَّةً»

(2)، فكيف قبلت العقول أن من يعلّم النّاس الوصية لمن يخلفونه و يترك هو الوصية بهم بالكليّة، و قد علم أنهم يختلفون بعد وفاته و يخالفونه.

[الاستدلال بقوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم ...) على خلافة الإمام علي (ع)]

و منها أن كل منصف عاقل فاضل من أهل الاسلام بعيد أن يقبل عقله أنّ محمّدا جدك عليه و آله أفضل الصلوات و السّلام يتلو عليهم قرآنا يتضمن‏ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (3) ثم يدعي مدّع أنّه (عليه السلام) مات و ترك أمته متحيرين في الإمامة، و هي من أهم أمور الاسلام و المسلمين، حتى ضرب بعضهم رقاب بعض، و كذّب بعضهم بعضا، و تفرّقوا ثلاثا و سبعين فرقة، و افتضحوا بين أهل الملل. أين هذا الاختلاف و النقصان من وصف دينهم بالكمال بصريح القرآن، لولا أنّهم افتضحوا و خالفوا دليلهم على الائتلاف بالغلط و البهتان.

و مما يدلك يا ولدي محمد أن هذه الآية نزلت يوم نص رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على أبيك علي بن أبي طالب (صلوات اللّه عليه و آله)، النص العام في يوم الغدير، كما رواه جميع أهل الفضل من المسلمين المتعصب لستر هذا اليوم، الذي كان ينبغي أن يعرف تأريخه جمهور العارفين، و يكون عيدا عظيما واضحا مبينا، حيث أكمل اللّه جلّ جلاله فيه الدين و أتمّ النعمة و رضي لنا الاسلام دينا. و لقد ذكرت في (الطرائف) من صحاحهم أن بعض اليهود قال: لو كان مثل هذا اليوم‏

____________

(1) في نسخة (ض): شريعته.

(2) رواها الشيخ المفيد في المقنعة: 102، و نقلها عنه الحر العاملي في الوسائل 13: 352 حديث 8.

(3) المائدة: 6.

88

في التوراة كان عيدا لهم مسنونا.

[بيانه لأدلة كثيرة على خلافة الإمام علي (ع)]

و منها يا ولدي محمد صانك اللّه جلّ جلاله بدروعه الواقية و عنايته الكافية، أنه كان ينبغي لأهل الإسلام أن يعتقدوا جميعا أن محمدا جدك (صلّى اللّه عليه و آله) أوصى بهم إلى من يقوم مقامه و لو لم يعرفوه باسمه؛ لأن ذلك مناسب لصفات كماله المعلومة، التي لا يدخلها طعن و لا نقص في خصاله، فكيف بلغ التعصب إلى تكذيب ما يروى متواترا من النصوص بالوصية، و هي من جملة صفاته (عليه السلام) الكاملة النبوية، و هان الرضى بالطعن على صفاته الكاملة بنقصه بترك الوصية أن هذا من عجيب المكابرة و العصبة.

و منها أننا لو فرضنا أنها قد بلغت العقلاء وفات جدك محمد صلوات اللّه و سلامه عليه قبل أن يختلف المسلمون في أن هل نصّ على أحد يقوم مقامه أم لا، و قد شاع أنه قال: كلّكم راع و كلّكم مسؤول عن رعيّته‏ (1) أ ليس كان يعتقد كل عاقل بعيد المكان عن مدينته أنه ما مات إلّا و قد نص على من يقوم مقامه في أمته، فإنّه ما هوّن بما يحتاج الناس إليه من وصيته و ترتيب سائس لرعيته، فكيف جاز جحود ما سبق إلى فطرة العقول من كمال الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و هو الذي يتلقاه الألباب بالقبول؟! و منها أنه لو سأل سائل القوم الذين كانوا يدّعون على أنه ما نص على من يقوم مقامه في الامة و قال لهم: ما تقولون انه لو نص على أحد كما يعتقده أهل العصمة هل كنتم تقبلون منه أو تعرضون عنه؟

فلا بد أنهم يقولون: إنهم كانوا يقبلون من نصه على من يقوم مقامه في العباد.

فإذا قالوا: إنّهم كانوا يقبلون فيقال لهم: فعلى قولكم هذا يكون الذنب و اللوم في كل ما وقع بترك النص من التفريق و العناد و الفساد عليه أو على من أرسله، على مقتضى قولكم الذي بعدتم فيه من العقل و السداد. فهل بقي إلّا أنه نص على من‏

____________

(1) صحيح البخاري، كتاب الجمعة (11) باب الجمعة في القرى و المدن، مسند أحمد بن حنبل 2: 5.

89

يقوم مقامه و ركب الحجة على العباد، و كان الذنب و اللوم لمن خالف نصه من الأعداء و الحسّاد.

و منها أن يقال لمن زعم أن الأئمّة (عليهم السلام) لا يحتاجون إلى العصمة: هل تقبل عقولكم أن نبيا علم اللّه تعالى أنه يفتح في حياته قريات و حصونا صغيرة، و يسلم على يديه نفوس يسيرة، فيجعله اللّه جلّ جلاله معصوما و يريد الوحي إليه و يكلمه فيما تحتاج امته إليه، ثم يعلم ان بعد وفاته يحتاج الناس إلى رئيس يفتح أضعاف ما فتحه من البلاد، و يسلم من الامم أضعاف من أسلم على يده من العباد، و ينتشر حبلهم و يقع الخلف بينهم و ينقطع الوحي عنهم، و لا يكون الذي يقوم مقامه فيهم معصوما، حتى يقوم في الأثقال الزائدة و يوثق منه بالعدل و ترك الأعمال الفاسدة، هذا ما لا تدّعيه على اللّه جلّ جلاله و على جدك محمد صلى اللّه عليه و آله إلّا عقول غافلة أو جاهلة أو معاندة.

و منها أن بني آدم قد خلقوا من أخلاط متضادة، من حار و بارد و رطب و يابس، و جواهر و أجسام ترابية، و عقول و أرواح روحانية. فمتى لم يكن لهم إمام على صفات صاحب النبوة (صلوات اللّه عليه و آله) قد اصطلحت الامور المتضادة فيه، و صار فعاله موافقا لمقاله مكمّلا في سائر أحواله، كان له شغل شاغل بالمتضادات في ذاته و صفاته عن تقويم الخلائق المتنازعين له في ارادته.

و منها النصوص الصريحة من طرق المخالف و المؤالف التي قد عمي العدو عنها حتى نقلها، كما عمي اليهود و النصارى على نصوص اللّه جلّ جلاله، و نصوص عيسى و موسى (عليهما السلام) على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) بالنبوة، و نقلوها مع الجحود لها و الغفلة عنها، المتضمنة لإمامة أبيك أمير المؤمنين (عليه السلام) بغير فصل بعد جدك سيد المرسلين (صلّى اللّه عليه و آله) و عليهم، و إمامة الإثني عشر من عترتهما الطاهرين (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، و من واحد منهم إلى واحد على حد واحد من العدد و التسمية و التعيين، و انتظام كمال كل واحد منهم في العلم و جواب السائلين و ما يحتاج إليه أهل وقته من المكلّفين، و تعظيمهم عند العدو

90

و الولي في الحياة، و تعظيم قبورهم مع كثرة الأعداء لهم بعد الوفاة.

و في ذلك الاطباق و الاتساق آيات بينات باهرات للناظرين، و حجج لربّ العالمين و لسيد المرسلين، لئلا يقولوا يَوْمَ الْقِيامَةِ: إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ‏. و قد أشرت في كتاب (الطرائف) إلى تفاصيل منها على الوجه الواضح الكاشف، و ستأتي في فصول هذا الكتاب زيادة تنبيه و تفصيل شاف لذوي الألباب إن شاء اللّه تعالى.

و منها أن علوم أئمتك (صلوات اللّه عليهم) كانت آية للّه جلّ جلاله فيهم، و معجزة دالة على إمامتهم؛ لأنّهم لم يعرف لهم استاذ يترددون إليه و لا يشتغلون عليه، و لا رآهم شيعتهم و لا أعداؤهم أنهم يقرءون تلك العلوم على آبائهم على عادة المتعلمين، و لا على صفات المدرسين و لا عرف لهم كتاب مصنّف اشتغلوا فيه، و لا تأليفا دروا حفظ معانيه، و لم يعرف عنهم إلّا إذا مات الحي منهم قام الباقي بعده من ولده الذي أوصى إليه بالامامة مقامه في علمه و كلما يحتاج إليه من الخصائص و الكرامة.

و منها أن رواة الشيعة الإمامية أجمعوا على الاطباق و الوفاق من حياة جدك محمد، و أبيك علي (صلوات اللّه عليهما و آلهما) ، أن الأئمّة من ذريتهما يكونون عددا معيّنا بالأسماء، و تعيين الآباء و الأبناء، كمال الصفات. ثم صدّق اللّه جلّ جلاله تلك الروايات بوجودهم على ما تقدّم الخبر به من الأوقات السالفات، و كان هذا من آيات اللّه جلّ جلاله فيهم، و معجزات رسوله اكراما له (صلّى اللّه عليه و آله) و معجزات امامتهم.

و منها أنك لا تجد أحدا من القرابة و لا الصحابة اتفق له اتفاقا و لا استحقاقا، وجود العدد الذي أجمعت عليه الإمامية من ولد عن والد، و طارف عن تالد، و موصوف كل واحد منهم بعلم باهر و زهد ماهر، و له شيعة يدينون للّه جلّ جلاله بامامته، قد طبقوا الأرض، لا يزيدهم كثرة العدو و قتل نفوسهم و تغلب الملوك عليهم إلّا قوة في عقيدتهم.

91

و منها أنك لا تجد الأئمّة من قومك الطاهرين عجزوا عن شي‏ء من جوابات السائلين أو رجعوا إلى كتب المصنّفين، و لا الاستعانة بغيرهم من علماء المسلمين، و إن سئلوا عن أخبار الملإ الأعلى بادروا بالجواب و أخبروا بالصواب، و إن سئلوا عن أسرار من مضى من الأمم السالفة أخبروا بغير توقف و لا ارتياب، و إن سئلوا عن تفسير الكتاب أو الشريعة و ما يتبعها من أسرار يوم الحساب أجابوا جواب العالم بتفصيل الأسباب، و هذا من آيات اللّه جلّ جلاله فيهم، و معجزات رسوله (صلوات اللّه عليه و آله)، و معجزات أبيهم.

و منها أنك تجد كتب الشيعة و رواياتهم متواترة و متظافرة بتعريف خلق كثير منهم بأوقات وفاتهم، و انفاذ أكفان لهم لتلك الأوقات في حياتهم، و تصديق ما أخبروا به، و كل ذلك من آيات اللّه جلّ جلاله الباهرة و حججه القاهرة.

و منها أنك تجد كتب الشيعة و رواياتهم متظافرة بتعريف جماعة كثيرة منهم كم يولد لهم من الأولاد، و أسماء من يولد له، و سطر الجواب عن السؤال عن هذه الأسرار الإلهية و المعجزات النبوية، و الدلالات على الامامة المرضية على رؤوس الاشهاد، و هي من الحجج الواضحة و الدلائل الباهرة.

و منها أنك تجد كتب الشيعة و غيرهم مما ناظروا به أهل الأديان، و كيف خاطبوا كلا منهم بكتابه، إن كان يهوديا قرءوا له من التوراة، و إن كان نصرانيا قرءوا له بالانجيل، و ما عرف لهم أبدا تردد و لا اتحاد و لا وداد لأهل تلك الكتب بالكليّة. و كان ذلك من الآيات و الدلالات‏ (1) اللازمة لمن عرفها من البرية، و قد اقتصرت على يسير من كثير من الدلالة؛ لئلا اطيل عليك في الرسالة.

____________

(1) لم ترد في نسخة (ض).

92

[الفصل الستون: ردّه للاستدلال بحديث السقيفة على عدم خلافة الإمام علي (ع)]

(الفصل الستون) و أما ما تشبّث به من ضل عن سواء السبيل بحديث يوم السقيفة و ما جرى فيه من التأويل، فقد كان ينبغي لهم أن يجتهدوا في ستر الحال على اولئك الجماعة، و تغطية ما فضحوا به أنفسهم من ترك نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) المفروض الطاعة، الذي أمرهم اللّه جلّ جلاله بتعظيمه و توقيره، و كان سبب ما وصلوا إليه من خير الدنيا و الآخرة قليله و كثيره، و لم يصبروا حتى يغسّل و يكفّن و يقضى حق المصيبة بفقده، بل سارعوا إلى تركه على المغتسل، و اشتغلوا بطلب ما زهّدهم فيه من الدنيا، كأنّهم كانوا يتمنون موته، و التمكن من الدنيا بعده.

و كان يليق بالتوفيق أن يشتغل أولياؤهم بالفكر هل يعفو اللّه عن ذلك التفريط الهائل و الاستخفاف الذاهل، و هل يقبل اللّه جلّ جلاله التوبة من ذلك القبيح الخاطل، فكيف صار مقام الخطإ و الاعتذار و الاستغفار من مقامات الاحتجاج و الانتصار: إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ* (1) و فضيحة من فضائح دار الاغترار.

____________

(1) آل عمران: 13.

93

[الفصل الحادي و الستون: استشكاله على المجتمعين في السقيفة بعدم اجتماعهم في المسجد النبويّ‏]

(الفصل الحادي و الستون) و اعلم يا ولدي محمد وصل اللّه جلّ جلاله بينك و بين معرفة مراده، صلة تكمل لك شرف اسعاده و انجاده، انه لو كان الاجتماع في السقيفة لغير الحيلة على مخالفة مراسيم جدك صلوات عليه و آله المقدّسة المنيفة، و لغير منافسة (1) من نافس من الأنصار لمن خافوا تغلبه على أبيك أمير المؤمنين من المهاجرين، كأن يكون اجتماعهم في مسجد جدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، فإنّه كان محل اجتماع المسلمين، و موضع المشاورة و تدبير المختلفين، و مجلس اصلاح امور الدنيا و الدين، و كانوا تناصحوا و تراسلوا (2) و سمع بعضهم من بعض على عادة المناصحين و المتفقين و المشفقين.

و هذا و اللّه لا يخفى يا ولدي على من له اطلاع على ما جرى من أحوال‏ (3) اولئك المحتالين و المتغلبين، و لذلك تأخر بنو هاشم و غيرهم عن مبايعتهم، و أعقب الهلاك إلى يوم يظهر الإسلام على جميع أعداء الدين، و صار ذلك التحيّل و التغلب سنّة، حتى وصلت خلافة الإسلام إلى ملوك بني اميّة الظالمين، و إلى الخوارج و غيرهم من المتأولين، و أظلمت الطرق بين الامة و بين سيد المرسلين و عترته الطاهرين (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

[الفصل الثاني و الستون: دلالة قوله (ص): «الأئمّة من قريش» على خلافة الإمام علي و أولاده (ع)]

(الفصل الثاني و الستون) و مما يدلك يا ولدي محمد شرّفك اللّه جلّ جلاله بزيادة دلالاته و سعادة عناياته، على كذب من زعم أن جدك محمدا (صلوات اللّه عليه و آله) انتقل إلى جوار اللّه جلّ جلاله و لم ينص على إمام يقوم مقامه في امته، و أن الذين فتحوا ذكره بذلك قد ردوا على أنفسهم و شهدوا بنصه عليه و آله السّلام على امام معلوم بقبيلته‏

____________

(1) في نسخة (ض): منافس.

(2) في نسخة (ض): أو توصلوا.

(3) في هامش نسخة (ض): أفعال (خ ل).

94

باجماعهم و تواترهم‏

أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ:

«الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ»

(1)

.

و هذا نص صريح منه على تعيين الإمام و إنّه من قبيلة (2) قريش دون سائر القبائل.

فإن كان تعيين القبيلة لئلا تضل الامة عن قبيلته و شفقة على أمته، فالعقل يشهد أن تعيين الإمام من هذه القبيلة- قريش- العزيزة عليه، و صيانتها عن الضلال و الاختلاف الذي بلغ حالها إليه، كان أليق بشفقته و أهم عند نبوته.

و أن المقتضي تعيين القبيلة هو المقتضي لتعيين واحد منها عند من أنصف من نفسه، و عرف ما عامل اللّه جلّ جلاله و رسوله (عليه السلام) به المسلمون من هدايته و رحمته.

و إلّا فكيف قضى العقل أنّه نزّه البعداء عن قريش عن الضلال، و عرّفهم أن الإمام ما هو منهم بحال من الأحوال، و ترك قومه قريشا- الذين قال اللّه جلّ جلاله فيهم على التعيين: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ (3)- مختلفين ضالين هالكين باهمال تعيين اسم الإمام منهم، أما يكون ذلك- على قول الذين ذكروا أنّه ما نص على واحد منهم- سبب كل ضلال أو هلاك وقع منهم، إن ذلك لمستحيل في العقول، و لبهتان في المنقول.

[الفصل الثالث و الستون: اجتماع أهل المدينة على كون عثمان حلال الدم، ثم تكذيبهم لهذا الإجماع و مطالبتهم بدمه‏]

(الفصل الثالث و الستون) و ليس بغريب من قوم قد بلغ اختلاطهم و جهلهم و جنونهم إلى أن عرفوا متواترا لا يختلفون فيه، أن جميع من يعتبر بأعماله من أهل المدينة من الصحابة و التابعين و الصالحين، و من حضرهم من سائر المسلمين، أجمعوا على أن عثمان بن عفان حلال الدم تجب المبادرة إلى قتله، و لا يحل تغسيله و لا الصلاة عليه و لا دفنه.

و قتلوه على هذه الحالة، و بقي ثلاثة لا يرى أحد منهم دفنه، حتى دفنه بعض بني‏

____________

(1) مسند أحمد بن حنبل 2: 51.

(2) في نسخة (ع): قبيلته.

(3) الشعراء: 215.

95

أميّة سرا من الصحابة و التابعين و الصالحين.

ثم بعد الاجتماع و التواتر و البراءة من عثمان و خروجه عن حكم الاسلام و الايمان، عادوا إلى تكذيب الصحابة و أهل المدينة و من حضرهم من المسلمين و طعنوا عليهم و فضحوهم في البلاد، و شرعوا يمدحون عثمان بن عفان، و يشكرونه و يثنون عليه بالبهتان، و يطعنون بذلك على أهل المدينة كافة و أعيان الصحابة، و يشهدون عليهم أنّهم قد يجتمعون على المحال، و يستحلون ما حرّم اللّه من الدماء استحلالا. و في ذلك طعن على روايتهم عنهم، و هدم لما نقلوه من الإسلام الذي ظهر منهم.

و زاد حديث التعصب لعثمان حتى صار يذكر على المنابر بالمدح و تعظيم الشأن، و افتضحنا مع اليهود و النصارى و أعداء الدين بهذه المناقضات البعيدة من صفات العارفين و العقلاء. و قد كان الواجب قطع حديث عثمان بالكليّة، و طمّ جيفة ذكره في الملة النبوية، حتى لا يبقى له ذكر إن أمكن بحال من الأحوال، تزكية للصحابة و التابعين، و من وافقهم على استحلال دمه و موافقته لهم في الفعل.

فهل يستبعد من مثل هؤلاء الجهال المخالفة لجدك محمد (صلوات اللّه عليه و آله)، و التعصب على أبيك علي (عليه السلام) بما وقع بينهم من الاختلاف.

[الفصل الرابع و الستون: تأييد المسلمين لبني أميّة و تركهم لزين العابدين (ع)]

(الفصل الرابع و الستون) و ليس بغريب من امة كان فيهم علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)، امه بنت كسرى من أعظم ملوك الدنيا، و جده محمد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ملك الدنيا و الآخرة، و أبوه علي من أعظم خلفاء الاسلام، و هو على صفات فضل بها أهل زمانه و دلت على علو شأنه، فيتركونه ترك من لا يلتفتون إليه و لا يعرضون نفوسهم عليه، و يطرحون نفوسهم على بني اميّة الملاعين، و يبايعونهم بالاتفاق و الوفاق، و ترك الشقاق و الافتراق، و يهدمون بذلك أركان الاسلام و المسلمين، فهل يستبعد من هؤلاء و أمثالهم ما وقع من ضلالهم عن آبائك‏

96

الطاهرين، و اختلالهم و سوء أفعالهم و تعصبهم لمحالهم؟!

[الفصل الخامس و الستون: اعابة الامة للإمام الحسن (ع) صلحه مع معاوية، و تركها للإمام الحسين (ع) عند نهضته‏]

(الفصل الخامس و الستون) و ليس بغريب من قوم أعابوا جدك الحسن (عليه السلام) على صلح معاوية، و هو كان بأمر جده رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد صالح جده (صلّى اللّه عليه و آله) الكفار، و كان عذره في ذلك أوضح الأعذار.

فلما قام أخوه الحسين (عليه السلام) بنصرهم و إجابة سؤالهم، و ترك المصالحة ليزيد المارق، كانوا بين قاتل و خاذل، حتى ما عرفنا أنّهم غضبوا في أيام يزيد لذلك القتل الشنيع و لا خرجوا عليه و لا عزلوه عن ولايته، و غضبوا لعبد اللّه بن الزبير (1) و ساعدوه على ضلالته، و افتضحوا بهذه المناقضة الهائلة، و ظهر سوء اختياراتهم النازلة. فهل يستبعد من هؤلاء ضلال عن الصراط المستقيم، و قد بلغوا إلى هذا الحال السقيم العظيم الذميم؟!

[الفصل السادس و الستون: مناقشة مع أحد المخالفين حول ما جرى في السقيفة]

(الفصل السادس و الستون) اعلم يا ولدي محمدا أسعدك اللّه جلّ جلاله بسعادة خاصته و أيدك‏ (2) بكامل عنايته، أنني حادثت يوما بعض أهل الخلاف، و كان يرجى منه حصول الانصاف، و قلت له: أنت تعرف أن أبا بكر قال لما حضر في سقيفة بني ساعدة

____________

(1) عبد اللّه بن الزبير بن العوام بن خوليد بن أسد الأسدي، أبو بكر، و يقال: أبو خبيب، أمه أسماء بنت أبي بكر.

هاجرت به امه إلى المدينة و هي حامل فولدت في السنة الاولى من الهجرة، و قيل: بعد الهجرة بعشرين سنة- و هو أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة من قريش، روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و عن أبيه، و عن جدّه أبي بكر، و خالته عائشة، و عمر، و عثمان، و علي، و سفيان بن أبي زهير الثقفي. و روى عنه أولاده: عباد، و عامر و أم عمر و أخوه عروة، و ابناء أخيه محمد و هشام و عبد اللّه أبناء عروة، و ابن ابنه الآخر مصعب بن ثابت مرسل ...

بويع له بالخلافة في الآفاق كلّها إلّا بعض قرى الشام، و غزى الحجاج بن يوسف الثقفي في عهد عبد الملك بن مروان مكة و قتل عبد اللّه بن الزبير. قاله ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب 5: 187.

(2) في نسخة (ع): و أمدك.

97

و عمر عن يمينه و أبو عبيدة عن يساره: قد اخترت لكم أحد هذين الرجلين، يريد أنهما أحق بالخلافة منه و من سواه. فإن كان هذا الاختيار منه لهما عن حقيقة و موافقا لطاعة اللّه و رضاه، فتقديم نفسه بالخلافة عليهما بعد هذا المقال خيانة للامة، و خلاف ما كان قد نص عليهما في أنهما أقوم بتلك الاثقال.

و إن كان هذا الاختيار منه لهما عن حيلة تشاوروا فيها، بأن يقول هو هذا و يقولان هما: إنا نريدك، أو قال هذا و هو يعلم أنه أقوم بأمر الخلافة و أصلح للأمة فقد غش المسلمين، و خان ربّ العالمين و سيد المرسلين في تعيينه على عمر و أبي عبيدة بالخلافة. فعرف المخالف الحق، و علم أن امورهم كانت مغالبة و حيلة على الملك من غير مراقبة اللّه تعالى و لا مخافة منه جلّ جلاله.

[الفصل السابع و الستون: مناقشة اخرى مع أحد المخالفين حول السقيفة]

(الفصل السابع و الستون) و اعلم يا ولدي يا محمّد خلّفني اللّه جلّ جلاله فيك أحسن الخلافة، و كمل لك تحف العناية و الرأفة، أنني ذاكرت بعض من يعرف ما جرى يوم السقيفة من التهون بالدين و المنافسة من اولئك الأنصار لمن غالبوه و نافسوه من المهاجرين، فقلت:

إن كان اجتماع من اجتمع في السقيفة من الأنصار له أثر في الاستقامة و الإمامة، فقد اتفقوا قبل حضور أبي بكر و عمر عندهم على أن الإمامة فيهم، و أن المهاجرين لا إمامة لهم بتعيينهم على سعد بن عبادة (1). فإن كان اجماعهم الأول‏

____________

(1) سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة، و يقال: خزيمة بن أبي خزيمة، و يقال: حارثة بن خزام بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج الأنصاري، سيد الخزرج، أبو ثابت، و يقال: أبو قيس المدني. امه عمرة بنت مسعود، و هو عقبي، بدري، احدي، شجري. روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و عنه أولاده قيس، و اسحاق، و سعيد، و ابن ابنه شرحبيل بن سعيد، و ابن عباس، و ابن المسيب، و أبو امامة بن سهل، و الحسن البصري و لم يدركه، و عيسى بن فائدة. و هو حامل راية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الانصار، و قد تخلف عن بيعة أبي بكر و خرج عن المدينة فمات بحوران من أرض الشام سنة 11، و قيل 14، و قيل 15، و قد سمع نوح الجن عليه.

انظر: تهذيب التهذيب 3: 412.

98

يحتمل الغلط و الخطأ بل قد كان عندهم غلطا و خطأ لتقديمهم على قريش فكذا كان عقد من عقد منهم الخلافة لأبي بكر يحتمل الغلط و الخطأ، بل قد كان غلطا و خطأ؛ لما جرى من سوء عاقبته، و اختلاف المسلمين، و اطباق أهل البيت على غلط ذلك العقد و مضرته.

و لو لم يكن من دلائل غلطهم، إلّا سبقهم لشيوخ آل أبي طالب و آل العباس و بني هاشم، و أعيان المهاجرين و الزهاد من الناس، إلى الاختيار لرجل يقدّمونه عليهم من غير مشاورة لهم و لا طلب حضورهم و لا مراسلة إليهم.

و من عجائب ذلك الاجتماع أن أبا بكر لما غلب الأنصار بقوله: إن الأئمة من قريش، فقد صار الحديث في الإمامة مع قريش كلها على قوله، فهلا رجعوا من السقيفة إلى قريش فشاوروها في الإمامة، و حيث قد شهدوا أن قد تعيّنت الإمامة لهم، فكيف تقدم أبو بكر عليهم قبل مشاورتهم لهم؟!

[الفصل الثامن و الستون. حسد المنحرفين و غير المتدينين لأهل الصلاح و السداد]

(الفصل الثامن و الستون) و ليس بغريب يا ولدي محمد اجتماع الحسّاد و الأضداد على خلاف الصلاح و السداد، و هذه حال قد جرت لها العادات مذ حسد ابليس لآدم (عليه السلام)، و حسد قابيل لهابيل، و حسد أهل الدنيا لأهل الآخرة، و نفورهم من أنبيائهم و الناصحين لهم، و رضاهم بالهلكات، و ما احتاج أن احيلك على ما سلف من الأوقات، فإنك إن اعتبرت حال أهل زمانك وجدت بينهم من الحسد و العداوات ما قد أعمى العيون من الحاسدين على الصواب، و رضوا بمعادات سلطان الحساب و فوات دار الثواب.

[الفصل التاسع و الستون: عمى المخالفين للنص على الإمام علي (ع)]

(الفصل التاسع و الستون) و ليس بغريب يا ولدي محمّد عمى من عمي عن نص اللّه جلّ جلاله على جدك علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالامامة، و قد عمي كثير منهم من نص اللّه‏

99

جلّ جلاله على وجود ذاته المقدسة الإلهية بوجود آثاره و دلائله الباهرة في جميع البرية.

[الفصل السبعون: مخالفة الأصحاب للنبيّ (ص) في نصّه على الإمام علي (ع) و تركه (ص) في حنين و احد، و خذله في خيبر]

(الفصل السبعون) و ليس بغريب يا ولدي محمد أن يقع من أكثر أصحاب جدك محمد (صلوات اللّه عليه و آله) مخالفة له في نصه على أبيك علي (صلوات اللّه عليه) بعد وفاته، و قد خالفوه في أمور كثيرة في حياته و عند (1) مماته، و قد كان في وقت الحياة يرجى و يخاف، فالوحي ينزل إليه باسرارهم. و لما مات انقطع الرجاء و الخوف و انسد باب الوحي، و شمروا في طلب شهواتهم و فساد اختياراتهم.

أما علمت أنهم فارقوه في حنين، و في احد، و عند الحاجة إليهم. و خذلوه في خيبر، و فارقوه و هو يتلو كلام اللّه جلّ جلاله و مواعظه عليهم و بادروا إلى نظر تجارة انفضوا إليها. و طلب اللّه جلّ جلاله عند مناجاته صدقة يسيرة فتركوا مناجاته حتى عاتبهم اللّه تعالى عليها. و سيأتي تفصيل هذه المفارقات‏ (2) في جملة مناظرة لنا مع فقيه من أهل المخالفات في بعض هذه الرسالة و انتفع الفقيه و رجع عن الضلالة.

[الفصل الحادي و السبعون: عدم حفظ الصحابة لألفاظ الأذان و اختلافهم فيه‏]

(الفصل الحادي و السبعون) و ليس بغريب من قوم لم يحفظوا ألفاظ الأذان، و هي تتلى عليهم في كل يوم و ليلة مرات على سبيل الإعلان، حتى اختلفوا في صفاتها، أن يضيّعوا كثيرا من نصوص الإمامة مع ميلهم و حسدهم و عداوتهم الى جحودها، و قطعهم لروايتها، و قد رأيناهم أهملوا ما هو عندهم من المهمات، مثل موضع قبر عثمان و قد كان قتله من الامور المشهورات، و مثل جهلهم بقبر عائشة التي هي عندهم من أفضل الامهات، و غير ذلك من الامور المهمات، فكذا أهملوا النصوص على أبيك عليه‏

____________

(1) في نسخة (ع): بعد.

(2) في نسخة (ض): المقامات.

100

السّلام كإهمالهم أمثالها؛ لأجل الحسد و العدوان.

[الفصل الثاني و السبعون: بيان عدد الأنبياء، و عدم بعثهم بعبادة الأصنام‏]

(الفصل الثاني و السبعون) و اعلم يا ولدي محمد ملأ اللّه جلّ جلاله قلبك نورا، و وهبك تعظيما لقدره، و نعيما و ملكا كبيرا، أن الأنبياء (عليهم السلام) ما بعث أحد منهم بعبادة الأصنام، و لا عبادة شمس و لا قمر، و لا نور و لا ظلمة، و لا حجر و لا شجر، و لا عبادة غير فاطرهم و خالقهم و رازقهم.

و ورد النقل عنهم أنّهم كانوا مائة ألف نبي و أربعة و عشرين ألف نبي (صلوات اللّه عليهم)، كل واحد منهم كان هاديا و داعيا إليهم، و مع هذا كله فإن أكثر الخلائق ضلوا عن هؤلاء الأنبياء الماضين و عبدوا غير ربّ العالمين، فلا عجب أن تضل أكثر هذه الامة عن واحد من جملة مائة ألف و أربعة و عشرين ألف نبي قد وقع الضلال عنهم، و ادعى عليهم اتباعهم ما لم يقع منهم، بل لو لم تضل أكثر هذه الامة كان ذلك ناقضا للعادات، و خلاف ما يقتضيه طباع البشر و اختلافهم في الاعتقادات.

[الفصل الثالث و السبعون: مخالفة الصحابة للإمام علي (ع) ناشئة من امور دنيوية]

(الفصل الثالث و السبعون) و ليس بغريب من قوم كابروا، أو اشتبه عليهم الحال بين اللّه جلّ جلاله و بين خشبة عبدوها من دونه أو حجر، أن يكابروا أو يشتبه عليهم الحال بين جدك مولانا علي بن ابي طالب (عليه السلام) و من تقدمه من البشر، و ما كان يحصل لهم من الأصنام ذهب و لا فضة و لا ولاية و لا أنعام، فكيف لا يفارقون جدك عليا (عليه السلام) و قد حصل لهم من يعطيهم، و يرجون منه ما لا يرجون من جدك علي (عليه السلام) من الآمال و الأموال. و اللّه إن بقاءه بينهم إلى الوقت الذي بقي إليه (صلوات اللّه عليه)، آية للّه جلّ جلاله، يعرفها المطلعون على تلك الأحوال‏ (1).

____________

(1) في هامش نسخة (ض): الأفعال (خ ل).

101

[الفصل الرابع و السبعون: معرفة الأئمّة (عليهم السلام)‏]

(الفصل الرابع و السبعون) و أما تفصيل معرفة صحة الإمامة الاثني عشر من عترة سيد البشر، رسول ربّ العالمين (صلوات اللّه عليه و عليهم أجمعين) ، فقد تقدّم التنبيه عليها و الهداية إليها.

و نزيدك بيانا أن كل من ادعى له أحد من المسلمين الإمامة في زمان واحد من أئمتك (عليهم السلام) فاعتبر حاله في الكتب و التواريخ، فإنك تجده لا يصلح لرعاية بلد واحد، و لا تدبير جيش واحد، و لا تدبير نفسه على وجه واحد، و أن الّذين اختاروه قد رووا الطعون عليه و هدموا ما بنوه، فانظر كتاب (الطرائف) تجد الامور كلها كما أشرت إليه.

[الفصل الخامس و السبعون: دلالة قوله (ص): «لا يزال الإسلام عزيزا ما وليهم اثنا عشر خليقة كلّهم من قريش» على امامة الأئمّة الإثني عشر (ع)]

(الفصل الخامس و السبعون) و قد كشف اللّه جلّ جلاله لك يا ولدي محمد على لسان المخالف و المؤالف‏

أَنَّ جَدَّكَ مُحَمَّداً (صلوات اللّه عليه و آله) قَالَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ:

«لَا يَزَالُ الْإِسْلَامُ عَزِيزاً مَا وَلِيَهُمْ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»

(1)

و هذا العدد ما عرفنا أن أحدا اعتقده غير الامامية، و هو تصديق لما أنت عليه و سلفك من اعتقاد إمامة الاثني‏

____________

(1) انظر: صحيح مسلم 3: 1 حديث 4: 10 باب الامارة، فرائد السمطين 2: 147 حديث 442- 445.

و فيها أحاديث قريبة مما هنا.

102

عشر من الصفوة النبوية، و قد تضمن كتاب (الطرائف) ذكر الأحاديث بذلك و أمثاله على وجه لا يشك فيه عقل العارف.

[الفصل السادس و السبعون: حديث الثقلين‏]

(الفصل السادس و السبعون) و ما أوضح اللّه جلّ جلاله على يدي في كتاب (الطرائف) من النصوص الصحيحة الصريحة على أبيك علي بن أبي طالب (صلوات اللّه عليه) و على عترته بالإمامة ما لا يخفى على أهل الاستقامة، مثل‏

قَوْلِ جَدِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَ سَلَامُهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَلَى الْمَنَابِرِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ:

«وَ إِنِّي بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ، إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»

(1)

. وَ إِنَّمَا كَانَ أَهْلُ بَيْتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ جَمَاعَةً أَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي الْقُرْآنِ تَعْيِينَ أَهْلِ بَيْتِهِ فِي قَوْلِهِ جَلَّ جَلَالُهُ‏

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (2)

.

فَجَمَعَ جَدُّكَ مُحَمَّدٌ (صلوات اللّه عليه و آله) أَبَاكَ عَلِيّاً، وَ أُمَّكَ فَاطِمَةَ سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، وَ أَبَاكَ الْحَسَنَ، وَ عَمَّكَ الْحُسَيْنَ وَ هُوَ جَدُّكَ أَيْضاً مِنْ جِهَةِ أُمِّكَ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ (عليهم السلام) أَجْمَعِينَ، وَ قَالَ: «هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي»

و ما أبقى عذرا في مخالفته للمعتذرين.

و كفى سلفك الطاهرين حجة على المخالفين و حجة للمؤالفين التعيين عليهم يوم المباهلة، مباهلة المسلمين و الكافرين، و كان ذلك اليوم من أعظم أيام آيات جدك محمّد سيد المرسلين (صلوات اللّه عليه و آله)، و معجزاته و كشف الحجة للسامعين و لمن يبلغهم إلى يوم الدين، فإن كل من عرف تلك الاصول عرف عدد الأثني عشر على اليقين.

و هل كان يقتضي كمال صفات ربّ العالمين، و كمال صفات رسوله المفضّل‏

____________

(1) صحيح مسلم 4: 1872.

(2) الأحزاب: 34.