كشف المحجة لثمرة المهجة

- السيد علي بن موسى بن طاووس المزيد...
319 /
103

على الأولين و الآخرين أن يكون نوّابهما غير كاملين معصومين، و هما يريدان أن يحفظوا أسرارهما و شريعتهما، و يقوموا بأمور الدنيا و الآخرة قياما مستمرا بغير تهوين و لا توهين.

104

[الفصل السابع و السبعون: غيبة الإمام المهدي (عج)]

(الفصل السابع و السبعون) و اعلم يا ولدي محمد ألهمك اللّه ما يريده منك، و يرضى به عنك، أن غيبة مولانا المهدي (صلوات اللّه عليه) التي حيّرت المخالف و بعض المؤالف، هي من جملة الحجج على ثبوت إمامته و إمامة آبائه الطاهرين صلوات اللّه على جده محمد و عليهم أجمعين؛ لأنك إذا وقفت على كتب الشيعة أو غيرهم مثل كتاب (الغيبة) لابن بابويه، و كتاب (الغيبة) للنعماني، و مثل كتاب (الشفاء و الجلاء)، و مثل (كتاب أبي نعيم الحافظ في أخبار المهدي و نعوته و حقيقة مخرجه و ثبوته)، و الكتب التي أشرت إليها في كتاب (الطرائف)، وجدتها أو أكثرها تضمّنت قبل ولادته أنه يغيب (عليه السلام) غيبة طويلة، حتى يرجع عن إمامته بعض من كان يقول بها، فلو لم يغب هذه الغيبة كان ذلك طعنا في إمامة آبائه و فيه، فصارت الغيبة حجة لهم (عليهم السلام)، و حجة له على مخالفيه في ثبوت إمامته و صحة غيبته، مع أنه (عليه السلام) حاضر مع اللّه جلّ جلاله على اليقين، و إنّما غاب من لم يلقه عنهم لغيبتهم عمن حضره المتابعة له و لربّ العالمين.

[الفصل الثامن و السبعون: توصيته لولده محمد بالاعتقاد بغيبة المهدي (عج)]

(الفصل الثامن و السبعون) فإن أدركت يا ولدي موافقة توفيقك لكشف الأسرار عليك عرّفتك من حديث المهدي صلوات عليه ما لا يشتبه عليك، و تستغني بذلك عن الحجج المعقولات و من الروايات، فإنّه صلّى اللّه عليه حي موجود على التحقيق، و معذور عن كشف أمره إلى أن يؤذن له تدبير اللّه الرحيم الشفيق، كما جرت عليه عادة كثير من الأنبياء و الأوصياء، فاعلم ذلك يقينا، و اجعله عقيدة و دينا، فإن أباك عرفه أبلغ من معرفة ضياء شمس النهار.

105

[الفصل التاسع و السبعون: مناقشته مع بعض المخالفين لتعرّض الشيعة لبعض الصحابة، و القول بالرجعة، و القول بالمتعة، و غيبة المهدي (عج)]

(الفصل التاسع و السبعون) و لقد جمعني و بعض أهل الخلاف مجلس منفرد فقلت لهم: ما الذي تأخذون على الإمامية؟ عرّفوني به بغير تقية لأذكر ما عندي فيه، و غلقنا باب الموضع الذي كنا ساكنيه.

فقالوا: نأخذ عليهم تعرّضهم بالصحابة، و نأخذ عليهم القول بالرجعة، و القول بالمتعة، و نأخذ عليهم حديث المهدي و أنّه حي مع تطاول زمان غيبته.

فقلت لهم: أما ما ذكرتم من تعرض من أشرتم إليه بذم بعض الصحابة، فأنتم تعلمون أن كثيرا من الصحابة استحل بعضهم دماء بعض في حرب طلحة و الزبير و عائشة لمولانا علي (عليه السلام)، و في حرب معاوية له (عليه السلام)، و استباحوا أعراض بعضهم لبعض، حتى لعن بعضهم بعضا على منابر الإسلام، فاولئك هم الذين طرقوا سبيل الناس للطعن عليهم، و بهم اقتدى من ذمهم و نسب القبيح إليهم.

فإن كان لهم عذر في الذي عملوه من استحلال الدماء و اباحة الأعراض، فالذين اقتدوا بهم أعذروا بعد من أن تنسبوهم إلى سوء التعصب و الاعراض، فوافقوا على ذلك.

و قلت لهم: و أما حديث ما أخذتم به عليهم من القول بالرجعة فأنتم تروون‏

أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ:

«إِنَّهُ يَجْرِي فِي أُمَّتِهِ مَا جَرَى فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ»

و هذا القرآن يتضمن‏ أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ‏ (1) فشهد جلّ جلاله أنه قد أحيى الموتى في الدنيا، و هي رجعة، فينبغي أن يكون في هذه الامة مثل ذلك، فوافقوا على ذلك.

فقلت لهم: و أما أخذكم عليهم القول بالمتعة فأنتم أحوجتم الشيعة إلى صحة

____________

(1) البقرة: 244.

106

الحكم بها؛ لأنكم رويتم في صحاحكم عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و عبد اللّه ابن عباس، و عبد اللّه بن مسعود، و سلمة بن الأكوع، و عمران بن الحصين و أنس بن مالك، و هم من أعيان الصحابة، أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مات و لم يحرّمها فلما رأت الشيعة أن رجالكم و صحاح كتبكم قد صدّقت رجالهم و رواتهم أخذوا بالمجمع عليه و تركوا ما انفردتم به، فوافقوا على ذلك.

و قلت لهم: و أما ما أخذتم عليهم من طول غيبة المهدي (عليه السلام)، فأنتم تعلمون أنه لو حضر رجل و قال: أنا أمشي على الماء ببغداد فإنّه يجتمع لمشاهدته لعل كل من يقدر على ذلك منهم، فإذا مشى على الماء و تعجب الناس منه. فجاء آخر قبل أن يتفرقوا و قال أيضا: أنا أمشي على الماء، فإن التعجب منه يكون أقل من ذلك، فمشى على الماء، فإن بعض الحاضرين ربّما يتفرقون و يقل تعجبهم.

فإذا جاء ثالث و قال: أنا أيضا أمشي على الماء فربما لا يقف للنظر إليه إلّا قليل، فإذا مشي على الماء سقط التعجب من ذلك. فإن جاء رابع و ذكر أنه يمشي أيضا على الماء فربما لا يبقى أحد ينظر إليه و لا يتعجب منه.

و هذه حالة المهدي (صلوات اللّه عليه)؛ لأنكم رويتم أن إدريس (عليه السلام) حي موجود في السماء منذ زمانه إلى الآن، و رويتم أن الخضر حي موجود مذ زمان موسى (عليه السلام) أو قبله إلى الآن، و رويتم أَنَّ عِيسَى (عليه السلام) حَيٌّ مَوْجُودٌ فِي السَّمَاءِ وَ أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْأَرْضِ مَعَ الْمَهْدِيِّ (عليه السلام).

فهذه ثلاثة نفر من البشر قد طالت أعمارهم و سقط التعجب بهم من طول أعمارهم. فهلا كان لمحمد بن عبد اللّه صلوات اللّه و سلامه عليه و آله اسوة بواحد منهم، أن يكون من عترته آية للّه جل جلاله في امته بطول عمر واحد من ذريته، فقد ذكرتم و

رُوِّيتُمْ فِي صِفَتِهِ‏

أَنَّهُ يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَ عَدْلًا بَعْدَ مَا مُلِئَتْ جَوْراً وَ ظُلْماً.

و لو فكرتم لعرفتم أن تصديقكم و شهادتكم أنه يملأ الأرض بالعدل شرقا و غربا و بعدا و قربا، أعجب من طول بقائه، و أقرب إلى أن يكون ملحوظا بكرامات اللّه‏

107

جلّ جلاله لأوليائه. و قد شهدتم أيضا له أن عيسى بن مريم النبي المعظّم (عليهما السلام) يصلّي خلفه مقتديا به في صلواته و تبعا له، و منصورا به في حروبه و غزواته.

و هذا أيضا أعظم مقاما مما استبعدتموه من طول حياته، فوافقوا على ذلك. و في حكاية الكلام زيادة.

108

[الفصل الثمانون: رديه للقائلين بتفضيل الخلفاء على الإمام علي (ع) بسبب فتحهم لبعض البلدان‏]

(الفصل الثمانون) و اعلم يا ولدي محمد كشف اللّه جلّ جلاله لك عن مراده بيد كمال اسعاده لك و انجاده و اوفاده، انني وجدت خلقا من المتعصبين على أبيك علي (عليه السلام)، أو الجاهلين بإنعام اللّه جلّ جلاله عليه، يعتقدون أن الذين فتحوا بعض بلاد الكفر بعد جدك محمد صلوات الله عليه و آله، قد بلغوا بذلك مبلغا لم يبلغ جدك محمد (صلوات اللّه عليه و آله) إليه.

و ينبغي أن تتحقق يا ولدي إن فتح البلاد و التسلط على العباد قد جرى أكثره على يد أهل الفساد، و على يد من لم يقصد به رضى سلطان العباد، و قد روي أن الدنيا ملكها بأسرها كافر يقال له شداد بن عاد (1) و غيره من ذوي العناد، و قد كانت البلاد التي فتحها المسلمون قبل فتحها لهم في يد ملوك الكفار و الأشرار، و ما دل على صلاح من كانت في يده من الفجار.

____________

(1) قال خير الدين الزركلي في الأعلام 3: 158: شدّاد بن عاد بن ملطاط بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن حمير، من قحطان، ملك يماني جاهلي قديم، من ملوك الدولة الحميرية. اتفقت عليه كلمة أولي الرأي من حمير و قحطان بعد وفاة النعمان بن المنذر فولّوه الملك في صنعاء، فكان حازما مغوارا، غزا البلاد إلى أن بلغ أرمينية، و عاد إلى الشام فزحف إلى المغرب يبني المدن و يتخذ المصانع، و لما رجع إلى اليمن مضى إلى مأرب فبنى فيه قصرا بجانب السد، لم يكن في الدنيا مثله، و لما مات نقبت له مفازة في جبل شبام و دفن بها و معه جميع أمواله.

109

و الذي دلت عليه تواريخ العلماء أن الغالب في دار الفناء للأنبياء و الأولياء و الأتقياء الملوك الظالمون و الولاة المتغلبون، و قد فتح جهال ملوك بني امية و سفهاؤهم، الذين كانوا عارا على الإسلام و المسلمين، من بلاد الكفر ما لم يبلغ إليه الذين تقدّموا على أبيك أمير المؤمنين (عليه السلام)، و لم يدل ذلك على صلاح بني امية المفتضحين الجاهلين.

[الفصل الحادي و الثمانون: فتح البلدان بعد النبي (ص) كان بتأييده تعالى و وعده ذلك‏]

(الفصل الحادي و الثمانون) و اعلم يا ولدي يقينا إنما فتح بلاد الاسلام بعد جدك محمد (صلّى اللّه عليه و آله) تأييدا للّه جلّ جلاله و نصره، و ما وعده أن تبلغ إليه نبوته و أمره، و قد كان جدك (صلّى اللّه عليه و آله) أخبر جماعة من المسلمين أنه يفتح على يد نبوته بلاد كسرى و قيصر و كلما فتحوه بعده، و كان المسلمون قد جرّبوا عليه صدقه و وعده، و سمعوا القرآن يتضمن‏ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ* (1).

و قد ذكر جماعة من أصحاب التواريخ تصديق ما أشرت إليه، و على خاطري مما وقفت عليه‏

مَا ذَكَرَهُ أَعْثَمُ‏ (2) فِي تَأْرِيخِهِ مَا مَعْنَاهُ:

أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا بَدَأَ بِإِنْفَاذِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَ الْجُيُوشِ إِلَى الرُّومِ وَ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَفْتَحَهَا وَ فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ فِي وَلَايَةِ عُمَرَ، قَالَ لَهُ قَوْمٌ: لَا تَخْرُجْ مَعَ الْعَسْكَرِ، وَ قَالَ قَوْمٌ: اخْرُجْ مَعَهُمْ، فَقَالَ لِأَبِيكَ عَلِيٍّ (عليه السلام): مَا تَقُولُ أَنْتَ يَا أَبَا الْحَسَنِ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام): «إِنْ خَرَجْتَ نُصِرْتَ، وَ إِنْ أَقَمْتَ نُصِرْتَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ (صلوات اللّه عليه و آله) وَعَدَنَا النَّصْرَ

____________

(1) الصّفّ: 10.

(2) هو أحمد بن أعثم، أو أحمد بن محمّد بن عليّ بن أعثم الكوفيّ، أبو محمّد، أخباريّ، مؤرّخ، له كتاب (الفتوح) ذكر فيه إلى أيّام الرّشيد، و كتاب (التّاريخ) و ذكر فيه إلى أيّام المقتدر، و كتاب (المألوف) مات في نحو سنة 314 ه.

انظر: أعيان الشّيعة 1: 481، تاريخ الأدب العربيّ لبروكلمان 3: 55، كشف الظّنون 2: 1237، معجم الأدباء 3: 230.

110

لِلْإِسْلَامِ» فَقَالَ لَهُ: صَدَقْتَ، وَ أَنْتَ وَارِثُ عِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)

(1)

.

فهل ترى يا ولدي ما كان فتح البلاد إلّا بقوة تلك الوعود الصادقة و العناية الإلهية الفائقة، و ان الذين كانوا خلفاء بالمدينة كان وجودهم كعدمهم كما قال لهم أبوك علي (عليه السلام): «إِنْ خَرَجْتَ نُصِرْتَ، وَ إِنْ أَقَمْتَ نُصِرْتَ».

و أقول: اعلم يا ولدي محمّد أن ذلك الفتوح كان مقتضيا للجموح و العمى الذي يحتاج إلى قدوح؛ لأنّهم فتحوها و قادوا أهلها إلى طاعة المتقدمين على أبيك عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، البعيدين عن معرفة أسرار ربّ العالمين و أسرار سيد المرسلين، فانتقل أهل تلك البلاد من ضلال الكفر و البهتان، إلى ضلال ما جرى بتقدم الناس على أبيك علي (عليه السلام) من الضلال المستمر إلى الآن، فأي فتح تفوقوا به غير هذا لولا عمى القلوب.

و لقد رأيت في تاريخ لمن لا يتهمه المخالفون في مطلوب، أن المسلمين لما اجتمعت عليهم الروم للاستئصال، كان المقوي لقلوب كثير من المسلمين مقامات رواها تدل على النصرة في تلك الحال؛ لقصور علمهم و علم من ولّوه عليهم من أسرار ما بين أيديهم.

و أقول: يا ولدي محمد لو كانوا قد ولّوا امور الإسلام و المسلمين أباك عليا (عليه السلام)، الذي دلّهم عليه جدك سيد المرسلين (صلّى اللّه عليه و آله)، كان قد فتحت البلاد على الاستقامة، و كانت مفتوحة إلى يوم القيامة، و كان قد عرّفهم من أسرار فتوحها و ما ينتهي حالهم اليه، ما كان قد أودعه جدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و كان قد كشف لعلماء الروم من أسرارهم و أسرار الاسلام ما كان يرجى به فتوح البلاد بدون قتل من قتل من المسلمين و الكفار، و سلموا من الضلال و الظلام فإنه‏

قَالَ (عليه السلام):

«وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ ثُنِيَ لِيَ الْوِسَادَةُ لَحَكَمْتُ بَيْنَ أَهْلِ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ، وَ بَيْنَ أَهْلِ الْإِنْجِيلِ بِإِنْجِيلِهِمْ، وَ بَيْنَ أَهْلِ الزَّبُورِ بِزَبُورِهِمْ، وَ بَيْنَ أَهْلِ الْقُرْآنِ‏

____________

(1) الفتوح 1: 82.

111

بِقُرْآنِهِمْ، حَتَّى يَزْهَرَ كُلُّ كِتَابٍ وَ يَقُولُ: حَكَمَ فِيهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِحُكْمِ اللَّهِ».

أ ما ترى كيف كان عارفا بحروبه في البصرة، و قتل الخوارج و بقاء معاوية بعده، و أنه عرّف خواص أصحابه ما جرى حالهم عليه.

[الفصل الثاني و الثمانون: عدم كون الخلفاء الذين تقدموا على الإمام علي (ع) من أهل الجهاد]

(الفصل الثاني و الثمانون) و يدلّك يا ولدي على أن خلفاءهم الذين تقدّموا على أبيك أمير المؤمنين (عليه السلام) ما كانوا من أهل الجهاد في الدين، و إن جدك محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) ما استصلحهم في حياته لشي‏ء من حروبه و فتوحه و غزواته. و لما أنفذ أبا بكر ليؤدي سورة براءة إلى المشركين عزله اللّه جلّ جلاله عن ذلك، و ولّى مكانه أباك عليا أمير المؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليه بإطباق أهل الصدق من المسلمين.

و لما أدخلهم جدك محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في فتح خيبر رجعوا منهزمين، و كادت أن تذهب حرمة سيد المرسلين بل حرمة مرسله ربّ العالمين، و أن ينكسر ناموس الدين، فتلافاه جدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) بانفاذ أبيك أمير المؤمنين (عليه السلام) فظفر بفتح باب خيبر و دفع أهواله.

[الفصل الثالث و الثمانون: عزل النبيّ (ص) لأبى بكر و عمر في غزوة بدر الكبرى‏]

(الفصل الثالث و الثمانون) و يكفيك يا ولدي محمّد جملك اللّه جلّ جلاله باقباله و مكاشفة جلاله، أن ابتداء قوة رسالة جدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) حديث بدر الكبرى، و قد عزل جدك أبا بكر و عمر عن ذلك المقام و كان قد احتاج فيه إلى المساعدة بصبيان الأنصار و امداد الملائكة، و ما تخلّف عن مباشرة تلك الواقعة ممن حضرها أو قدر على المساعدة من المسلمين الّا النساء، و من يجري مجراهن ممن يخاف وقوع الهرب و الخذلان و الانكسار منه. فكان عزل هذين الرجلين في ذلك المقام من مباشرة الحرب و الوقوف بالصف من غير قتل و لا ضرب نصا عليهما أنهما لا يصلحان لرئاسة الامة و كشف الغمة، و لا لمقام يحتاج إلى علو همة.

112

[الفصل الرابع و الثمانون: تولية اسامة بن زيد على أبي بكر و عمر في السرية]

(الفصل الرابع و الثمانون) و ما اكتفى جدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) بهذا الكشف، حتى ختم حياته و ولّى عليهما اسامة بن زيد (1) قبل وفاته، و هو صبي من صبيان المسلمين، و جعلهما رعية له بنص من اللّه انه‏ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏ (2) عند العارفين، و هو نص عظيم على أنهما من جملة الرعية لصبي من جملة المستضعفين.

و هل كان يجوز بعد علمهم بهذا الاختيار من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يعكسوا اختياره، و يختار أحد منهم تقديمه على كافة أهل الإسلام، و قد كان غلطا عظيما ممن ابتدأه من الأنام، و مصيبة على هذه الامة و بلية على المسلمين، و ذلك حجة عظيمة على الناس لربّ العالمين و لسيد المرسلين يوم اجتماع الأوّلين و الآخرين في أنهما خالفوهما في النص و التعيين.

[الفصل الخامس و الثمانون: دلالة عزل النبيّ (ص) لأبي بكر و عمر عن الجهاد في حياته، على عدم صلاحيتهما للخلافة بعده‏]

(الفصل الخامس و الثمانون) و اعلم يا ولدي محمّد كرّمك اللّه جلّ جلاله بكمال آلائه و جعلك من خلصائه، أن الذي اقتضى تدبير جدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) من عزل الذين تقدموا على أبيك أمير المؤمنين (عليه السلام) عن مقام الجهاد و مبارزة الأقران أيام حياته، يقتضي أن من سعادة الإسلام و المسلمين مقامهم في المدينة بعد وفاته،

____________

(1) اسامة بن زيد بن حارثة، من كنانة عوف، أبو محمد صحابي جليل، ولد بمكة و نشأ على الإسلام لأن أباه كان من أول الناس اسلاما، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يحبه حبّا جمّا. هاجر مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى المدينة، و أمّره رسول اللّه قبل أن يبلغ العشرين من عمره، فكان مظفرا موفقا. و لما توفي رسول اللّه صلّى اللّه و سلّم رحل اسامة إلى وادي القرى فسكنه، ثم انتقل إلى دمشق في أيام معاوية فسكن المزة، و عاد بعده إلى المدينة فأقام إلى أن مات بالجرف في آخر خلافة معاوية، له في كتب الحديث 128 حديثا. و في تأريخ ابن عساكر أن رسول اللّه استعمله في جيش فيه أبو بكر و عمر. قاله الزركلي في الأعلام 1: 291 نقلا عن طبقات ابن سعد 4: 42، و تهذيب ابن عساكر 2: 391، و الاصابة 1: 29.

(2) النجم: 4، 5.

113

و لم يباشروا فتوح بلاد الكافرين. و إنما كانوا اسما و صورة يخوّف بها من بعد عنها من المشركين، و كان تخلفهما عن الحروب مع المسلمين آية لجدك محمد (صلوات اللّه عليه و آله) ليتم ما وعد به من الفتح الذي دل عليه، و لو حضروا شيئا من فتوح البلاد ما كان يؤمن أن يقع منهما ما وقع في خيبر و غيره من الهرب، و ترك الجهاد و هلاك العباد.

114

[الفصل السادس و الثمانون: بيان سبب إسلام الخلفاء و تزويج النبيّ (ص) بناته لهم و زواجه منهم‏]

(الفصل السادس و الثمانون) و اعلم يا ولدي محمد حرسك اللّه جلّ جلاله من الشواغل عنه بنعمة و عافية مستمرة مستقرة منه، أن اسلام الذين تقدّموا على أبيك علي (عليه السلام)، و تزويج جدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) إليهم، و تزويجهم إليه كان على صفة يعرفها من نبّهه اللّه جلّ جلاله عليها، و قد ذكر الطبرسي أحمد بن علي بن أبي طالب في كتاب (الاحتجاج) و غيره أن المهدي (عليه السلام) ذكر أن سبب اسلامهم أنهم كانوا سمعوا من اليهود أنه سيظهر محمد و يملك العرب و العباد، و أنه يستولى على البلاد، و جعلوا لذلك دلائل و علامات، فلمّا رأوها فيه أسلموا معه طلبا للرياسة.

و وقفت أنا على كتاب دانيال المختصر من كتاب الملاحم، و هو عندنا الآن، يتضمن ما يقتضي أن أبا بكر و عمر كانا عرفا من كتاب دانيال- و كان عند اليهود حديث ملك النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و ولاية رجل من تميم و رجل من عدي بعده دون وصية أبيك علي (عليه السلام) و صفتهما، فلما رأيا الصفة في محمد جدك (صلّى اللّه عليه و آله) و فيهما تبعاه و أسلما معه، طلبا للولاية التي ذكرها دانيال في كتابه.

و يدل يا ولدي محمد على أن الحال كما ذكره المهدي (عليه السلام) و دانيال‏

115

(عليه السلام)، من أن أسلامهما كان طمعا في الدنيا، و أنّهما ما طلبا من جدك محمد محاربة القبائل، و لا وقفا موقفا يورث عداوة بينهما و بين الأماثل، كما فعل أبوك علي بن أبي طالب (عليه السلام) من عداوة كل من أراد اللّه و رسوله عداوته، من قريب و بعيد و ضعيف و شديد. بل سكنا سكون الفهد حتى تمكنا من الصيد فسارعا إليه، و تركا جدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) لم يدفن و لم يشتغلا به بالصلاة و السّلام عليه.

[الفصل السابع و الثمانون: سبب تزويج النبيّ (ص) بناته للمخالفين‏]

(الفصل السابع و الثمانون) و أما حديث التزويج إليهم و تزويجهم إليه عند اسلافك يا ولدي محمد، فإن اللّه جل جلاله كان قد عرّف جدك محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) ما يحدث بعده في الاسلام، و مخالفة من أمته لنصه على أبيك عليّ (عليه السلام) بإمامته، و أن اللّه جلّ جلاله يعذب الامة و يبتليها بتسليط من تقدّم على أبيك علي بن أبي طالب (عليه السلام) كما قال اللّه جلّ جلاله‏ وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‏. (1) و لقد كشفت في كتاب (الطرائف) عن معرفة جدك محمد (صلّى اللّه عليه و آله) بما جرت عليه حال امته بعد انتقاله‏ (2)، و قد ذكرت لك في (الطرائف) كيف أرادوا يحرقون بالنار بيت فاطمة (عليها السلام) و من فيه، و فيه العباس و جدك علي و الحسن و الحسين و غيرهم من الأخيار، و كيف يحتال عمر في الشورى في قتل جدك علي (عليه السلام) إن توقف عن قبول وصية عمر، و كيف كان يوم السقيفة طريقا إلى طلب الخلافة بالتغلب و الاحتيال.

و كيف اجتهد معاوية في ذهاب أهل بيت النبوة بالاستئصال، و كيف بلغ‏

____________

(1) الأنعام: 130.

(2) الطرائف: 104

116

أبنه يزيد إلى قتل الحسين (عليه السلام)، و دوس ظهره الشريف بحوافر الخيل، و رفع رأسه المقدس و رؤوس الأطهار على الرماح في بلاد الاسلام، و حمل حرمه سبايا كأنهن سبي الكفار و وجد معاوية ابنه يزيد من المسلمين و بقايا الصحابة الضالين و من أعانهم على ذلك الفساد، حتى قتل يزيد أهل المدينة و سبي نساء أهلها، و بايعوا على أنهم عبيد قنّ ليزيد بن معاوية، و حتى رمي الكعبة بأحجار المنجنيق‏ (1) و سفك دماء أهل الحرم، و بلغ ما لم يبلغ إليه الكفار و الأشرار.

و لعنوا أباك صلوات اللّه و سلامه عليه و الصالحين على منابر المسلمين، و هو شي‏ء ما فعله ملوك الكافرين، و قتلوا من قدروا على قتله من الشيعة الصالحين.

فكذا ما يكون يؤمن أن يقع ممن تقدّم على أبيك علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، و هم أرجح من معاوية و من يزيد من ملوك بني امية المارقين، أضعاف ما وقع منهم من الهلاك في الدنيا و الدين.

و لولا ما دبر اللّه لجدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) من تزويجه إليهم و تزويجهم إليه، و من أمره لجدك الحسن (عليه السلام) في صلح معاوية على ما كان ما بقي من ذرية النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و من امور الاسلام ما قد بقي إلى الآن، و كان الحال قد زاد على ما كان في أيام الجاهلية من الضلال و العدوان و البهتان و باللّه جلّ جلاله المستعان، فأذن له و أمره (عليه السلام) أن يزوجهم و يتزوّج منهم ليكون ذلك من أسباب ما حفظ به من دينه و ذريته و الأئمة من عترته، و سلامتهم من الهلاك و الاصطلام.

و هذه عادة مستمرة في سالف الأيام و في دولة الاسلام، و أنهم متى خافوا فساد الملوك و الاضداد توسلوا في التزويج إليهم في ترك الحروب و الجهاد إلى حفظ البلاد، و حفظ الأهل و الأولاد و بلوغ المراد.

____________

(1) في نسخة (ض): و خرق الحيض.

117

و هل كان يؤمن من الذين تقدّموا على أبيك علي (سلام اللّه عليه) إذا تمكنوا بعد جدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) من كل ما يقدرون عليه، من استئصال من يقدرون على استئصاله من أهل بيته (عليهم السلام)، و محو ما يقدرون على محوه من شريعة الإسلام و قد ذكرت ذلك في كتاب (الطرائف). و من اقدامهم في حياة جدك محمد (صلّى اللّه عليه و آله) على المعارضة له في فعاله و مقاله و الطعن فيما قدروا على الطعن فيه من أفعاله.

و لمّا كان عند وفاته طلب أن يكتب لهم كتابا لا يضلوا بعده أبدا، فأقدم عمر على جدك (صلّى اللّه عليه و آله) على أن قال: إنّه ليهجر!! كما نشرحه فيما بعد، و معناها عند أهل اللغة الهذيان‏ (1). و منع عمر جدك محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) في تلك الحال أن يرفع الضلال من أهل الاسلام و الايمان، حتى هلك من هلك منهم في ذلك الأوان.

[الفصل الثامن و الثمانون: حديث القرطاس عند وفاة النبيّ (ص)]

(الفصل الثامن و الثمانون) و اعلم يا ولدي محمد أعزك اللّه جلّ جلاله بعزة السعادتين في الدنيا و الدين التي قال اللّه جلّ جلاله فيها: وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ (2)، أن أبا بكر و عمر صنعا أمرين عظيمين كانا سببا لما جرى بين الإسلام و المسلمين، و ضلال من ضلّ منهم إلى يوم الدين، واحدة في حياته، و واحدة بعد وفاته، غير أفعالهما التي هلك بها من هلك من الخلق أجمعين.

أما التي في حياته‏

فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ وَ مسلم [مُسْلِماً] فِي صَحِيحَيْهِمَا، وَ كُلَّ مَنْ لَهُ صِدْقٌ وَ أَمَانَةٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُسْلِمِينَ ذَكَرُوا بِلَا خِلَافٍ‏

أَنَّ جَدَّكَ مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ عِنْدَ وَفَاتِهِ: «ايتُونِي بِدَوَاةٍ وَ قِرْطَاسٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَداً»

(3)

.

____________

(1) الصّحاح 2: 851 «هجر».

(2) المنافقون: 9.

(3) صحيح البخاريّ 6: 11 باب مرض النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، صحيح مسلم 3: 1259 حديث 21، 22.

118

وَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ فِي وَجْهِ جَدِّكَ الْمُعَظَّمِ وَ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ الْأَعْظَمِ وَ أَقْدَمَ عَلَى أَنْ قَالَ:

إِنَّهُ لَيَهْجُرُ، أَيْ: لَيَهْذِي.

يَا وَيْلَهُ وَ وَيْلٌ لِمَنْ وَافَقَهُ عَلَى هَذِهِ الْمُصِيبَةِ وَ الرَّزِيَّةِ، هَذَا تَفْسِيرُهَا بِغَيْرِ شُبْهَةٍ عِنْدَ عُلَمَاءِ أَهْلِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) مَا قَدْ بَلَغَ حَالَ حُرْمَتِهِ إِلَيْهِ وَ أَنَّ الْحُجَّةَ قَدْ صَارَتْ لِلَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَ لَهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ فِي الْكِتَابِ الَّذِي دَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ بِتَرْكِ الْكِتَابِ وَ قَالَ: «قُومُوا عَنِّي لَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ».

فكل ضلال في الدنيا منذ ذلك اليوم وقع مستورا و شائعا كان بطريق عمر و من وافقه، فما أدري كيف يكون يوم القيامة حال ذلك الاقدام، و قد كان عبد اللّه بن عباس يبكي حتى تبل دموعه الحصى من هول ذلك المقام و ما فسد بذلك من الاسلام، و يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بين كتابه.

[الفصل التاسع و الثمانون: سبب قول عمر: انه ليهجر]

(الفصل التاسع و الثمانون) و اعلم يا ولدي محمّد أن أقصى ما كان يخاف من كتاب جدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) زوال الضلال، فهل كره ذلك إلّا من كان يريد بقاء الضلال و أعظم ما في هذه الحال أن جدك محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) قال اللّه جلّ جلاله عنه أنه‏ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏ (1) و خاصة قوله (عليه السلام) عن زوال الضلال إلى يوم الحساب، فإن هذا ما يعرفه و يقول إلّا عن ربّ الأرباب، فصار الإستخفاف بقول من قال إنّه ليهجر و إنه هذيان لأعظم من جدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و هدما للاسلام و الايمان.

(كتاب الوصية.)

____________

(1) النجم: 4، 5.

119

[الفصل التسعون: سبب آخر لقول عمر: إنه ليهجر]

(الفصل التسعون) و اعلم يا ولدي محمد أودع اللّه جلّ جلاله سرائرك أنوار المكاشفة وديعة مستقرة متضاعفة، أن جماعة من أهل المعرفة بما جرت حال أعداء جدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و أبيك علي (عليه السلام) ذكروا أن الذي منع من هذه الصحيفة التي أراد أن يكتبها بزوال الضلال كان سبب منعه من هذه الحال، أنه كان قد عرف أن جدك محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) قد نص على أبيك علي (عليه السلام) بالخلافة بعده في مقام بعد مقام، فلما قال: «ائتوني بدواة و قرطاس أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي أبدا» (1) فخاف الذي منعه من الكتاب أنه يكتب كتابا ليصرح بأسماء الذين يمنعون أباك عليا (عليه السلام) من خلافته، و يأمر بدفعهم عنه إما قتلا أو طردا أو حبسا أو قهرا، و يشهد عليهم في الصحيفة بما يوجب عليهم هلاكا أو حدا، فأقدم على ذلك القول الذي‏ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (2).

فشوش هو و من وافقه مجلسه الشريف، و عرفوا كلامه المقدس المنيف لتتم لهم الحيلة فيما فعلوه من التقدم على أبيك علي (عليه السلام)، و هذه عادة كثير من أهل الظلم من الأنام إذا خافوا من ركوب الحجة عليهم أو عكس حيلتهم عليهم، قطعوا الكلام و منعوا من اتمامه و شوّشوا المجلس قبل انتظامه.

[الفصل الحادي و التسعون: عودة أبي بكر و عمر من جيش اسامة]

(الفصل الحادي و التسعون) و أما الذي وقع من أبي بكر من الحادثة في حياته و بعد وفاته (عليه السلام)، التي انتظم بها مصائب الاسلام، فإن جدك محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) كان قد

____________

(1) صحيح البخاري 6: 11 باب مرض النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، صحيح مسلم 3: 1259 حديث 21، 22 كتاب الوصية.

(2) مريم: 93.

120

جمع الذين يخالفون على أبيك عليّ (عليه السلام) في الخلافة، و من يوافقهم أو يحسده أو يعاديه، و جعلهم جميعا في جيش اسامة و تحت رايته، و حثّ على خروجهم من المدينة حثّا شديدا زائدا على عادته، لتخلو المدينة من المعارضين و المعاندين، و يصفوا الأمر لأبيك أمير المؤمنين، أو ليكون ذلك حجة له (عليه السلام) في الاجتهاد في منعهم بكل طريق، و ليظهر منهم ما يبطنونه من مخالفته بسوء التوفيق.

فعاد أبو بكر من جيش اسامة و فسخ بذلك ما أراد جدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) من التوصل في الامامة التي بها سلامة الاسلام و المسلمين و سعادتهم إلى يوم الدين، و قال للنبي (صلّى اللّه عليه و آله): ما كنت لأقف عند اسامة و أسأل عنك الركب. و نفذ يلتمس عمر من الجيش، و قال أبو بكر لاسامة: تأذن له في العودة إلى المدينة، فكان جواب اسامة: إن عمر قد عاد بغير إذني و أذن لنفسه.

و ما كفاه ذلك حتى صار إلى الأنصار، و هم في السقيفة على حال يجب أن يقابلوا عليها بالإنكار، فساعدهم على الاصرار، و ما كفاه ذلك حتى أخذ الأمر لنفسه بالحيلة و وعدهم- كما ذكره البخاري و مسلم في صحيحيهما و غيرهما- أنه يكون الأمراء من المهاجرين و الوزراء من الأنصار، و لما تمكن لم يولّ أحدا منهم وزيرا و أظهر أنه كان محتالا، و فضح نفسه بين أهل الاعتبار.

أقول: و ما كفاه ذلك حتى بعث عمر إلى باب أبيك علي و امك فاطمة و عندهما العباس و جماعة من بني هاشم، و هم مشغولون بموت جدك محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و المأتم، فأمر أن يحرقوا بالنار إن لم يخرجوا للبيعة على ما ذكره صاحب كتاب العقد في الجزء الرابع‏ (1) منه و جماعة ممن لا يتهم في روايتهم. و هو شي‏ء لم يبلغ إليه أحد فيما أعلم قبله و لا بعده من الأنبياء و الأوصياء، و لا الملوك المعروفين بالقسوة و الجفاة، و لا ملوك الكفار، أنهم بعثوا من يحرقوا الذين تأخروا عن بيعتهم بحريق النّار، مضافا إلى تهديد القتل و الضرب.

____________

(1) العقد الفريد، 5: 13.

121

أقول: و لا بلغنا أن أحدا من الملوك كان لهم نبي أو ملك، كان لهم سلطان قد أغناهم بعد الفقر و خلّصهم من الذل و الضر، و دلهم على سعادة الدنيا و الآخرة، و فتح عليهم بنبوته بلاد الجبابرة، ثم مات و خلّف فيهم بنتا واحدة من ظهره و قال لهم: «إنها سيدة نساء العالمين» (1) و طفلين معها منها لهما دون سبع سنين أو قريب من ذلك، فتكون مجازات ذلك النبي أو الملك من رعيته أنهم ينفذون نارا ليحرقوا ولديه و نفس ابنته، و هما في مقام روحه و مهجته.

و أقول: ثم ما كفاه ذلك حتى أظهر على المنبر أنه يستقيل عن الخلافة، ثم فضح نفسه و قلدها بعد وفاته و نصّ بها على عمربن الخطاب، و ما هذه صفة مستقيل منها عند ذوي الألباب.

و أقول: ثم كانت وصيته بالنص على عمر كالطعن على نفسه فيما ادعاه أن جدك محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) اختار لامته ترك النص على أحد منهم، و ترك- على قولهم مع كماله- أمرهم مهملا ليختاروا واحدا منهم.

أ فترى أن أبا بكر كان يعتقد أن رأيه لامة جدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) أفضل من رأي نبيهم، الذي شهد اللّه جلّ جلاله في كتابه بالشفقة عليهم، أو كان هذا من أبي بكر تكذيبا لنفسه، و أن الرئيس لا بد له من نصّ على من يقوم مقامه، أو خاف أنه إن ترك الأمر رجع الناس إلى أبيك أمير المؤمنين (عليه السلام)، و اعترفوا له بحقه و نص محمّد جدك صلوات اللّه و سلامه عليه و آله.

فبادر بالتعيين على عمر؛ ليمنعهم من الرجوع إلى الصراط المستقيم، أو كان قصده أن يستر عليه عمر بخلافته بعده ما جرى منه من التدبير السقيم، أو كان مكافاة لعمر على مبايعته له يوم السقيفة كما ذكر صاحب كتاب العقد في أخبارهم الطريفة. (2)

____________

(1) انظر: صحيح البخاري كتاب بدء الخلق، مسند أحمد بن حنبل 6: 282، طبقات ابن سعد 2: 40، أسد الغابة 5: 522، حلية الأولياء 2: 29.

(2) العقد الفريد 5: 20.

122

و أقول: ثم كان نصه على عمر مع علمه أنه متهم على المسلمين، و أنه ما يريد لهم خيرا أبدا، بدلالة أنه منع جدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) عند وفاته أن يكتب لهم صحيفة لن يضلوا معها إلى يوم الدين، و مع معرفته بقساوة عمر و فظاظته و غلظته و عداوته لبني هاشم و لأبيك أمير المؤمنين (عليه السلام)، من أعظم المصائب على كل من هلك أو ضل، أو ليضل عن نبوة جدك محمّد سيد المرسلين (صلوات اللّه عليه و على عترته الطاهرين).

123

[الفصل الثاني و التسعون: ما سببية السقيفة من الردة و الاضلال‏]

(الفصل الثاني و التسعون) و اعلم يا ولدي محمّد سلك اللّه جلّ جلاله بك سبيل الصواب، و شرّفك بسعادة ذوي الألباب، أنّ الذي جرم يوم السقيفة من تركهم للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) على فراش الممات، و اشتغالهم بالولايات، و ما جرى من ترك المشاورة لذوي البصائر، و انفرادهم بتلك الفضائح في الموارد و المصادر، كاد أن يزيل حكم النبوة، و يوجب ذهاب الاسلام بالكلية؛ لأن العرب لما سمعوا عن أهل السقيفة اشتغالهم بالامور الدنيوية و استخفافهم بالحرمة النبويّة لم يستبعدوا أنهم خرجوا من اعتقاد نبوّته، و عن وصيّته بمن أوصى إليه بإمامته، و أن قد صار الأمر مغالبة لمن غلب عليه، فارتدت قبائل العرب، و اختار كل قوم منهم رأيا اعتمدوا عليه، فحكى جماعة من أصحاب التواريخ منهم العباس بن عبد الرحيم المروزي فقال ما هذا لفظه:

و لم يلبث الاسلام بعد موت النبي صلّى اللّه عليه من طوائف العرب إلّا في أهل المدينة و أهل مكة و أهل الطائف، و ارتد سائر الناس.

ثم شرح المروزي كيفية ارتداد الخلائق بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فقال:

ارتدت بنو تميم و غيرهم و اجتمعوا على مالك ابن نويرة اليربوعي، و ارتدت ربيعة كلها و كانت لهم ثلاثة عساكر: عسكر باليمامة مع مسيلمة الكذّاب، و عسكر مع‏

124

مغرور الشيباني و فيه بنو شيبان و عامة بكر بن وائل، و عسكر مع الحطم العبدي.

قال المروزي: و ارتد أهل اليمن، و ارتدّ الأشعث بن قيس في كندة، و ارتد أهل مأرب مع الأسود العبسي، و ارتدت بنو عامر إلّا علقمة بن علافة (1).

فكان هذا الارتداد يا ولدي محمد من جملة موانع أبيك أمير المؤمنين (عليه السلام) من منازعة أبي بكر و عمر، و من رغب في نيل الدنيا بطريقهما ممن يرجوا أن يحصل له منهما اذا حصل لهما ولاية من الحطام ما لا يرجوا بولاية أبيك علي (عليه السلام)، لانهم عرفوا منه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه لا يعمل بغير الحق الذي لا تصبر عليه النفوس.

فلو أن أباك أمير المؤمنين (عليه السلام) نازع أبا بكر منازعة المغالبة و المقاهرة، لأدّى ذلك إلى أن يصير أهل المدينة حربا و أهل الردة ظاهرة، و كان أهل مكة الذي ذكر أنهم ما ارتدوا و قد أسلموا لما هجم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالعساكر التي عجزوا عنها و ملكهم قهرا و بغتة على صفة ما كانوا يقدرون على التخلص منها. فكان اسلامهم اسلام مقهور، فمتى وجدوا من يساعدهم على زوال القهر عنهم ما يؤمن من ارتدادهم عما قهروا عليه من الاسلام المذكور.

فما كان بقي على ما ذكر المروزي و غيره ممن ارتد من سائر أهل تلك البلاد إلّا الطائف، و أي مقدار للطائف مع ارتداد سائر الطوائف، فلولا تسكين أبيك أمير المؤمنين (عليه السلام) لذلك البغي و العدوان بترك المحاربة لأبي بكر، و مساعدته لأهل المدينة على الذين ارتدوا على الاسلام و الايمان و اطفاء تلك النيران، كان قد ذهب ذلك الوقت الاسلام بالكلية، أو كاد يذهب ما يمكن ذهابه منه بتلك الاختلافات الرديئة.

و هذه مصائب و عجائب أوجبها مسارعة أبي بكر و عمر و من اجتمع في السقيفة لطلب الدنيا السخيفة، و التوصل فيها بالمغالبة و الحيلة، و تركهم جدك‏

____________

(1) ذكره ابن أعثم في الفتوح 1: 15.

125

محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) بين أهله على فراش وفاته، كأنه كان عند أهل السقيفة مثل امرأة قد ضجر صاحبها منها مما يمتنعه من سوء الارادة و لا ترجى الولادة، فصاحبها مستقيل من حياتها، و إذا ماتت فرح بمماتها.

و كان من جملة حقوقه (عليه السلام) بعد وفاته و خاصة يوم الممات أن يجلس المسلمون كلهم على التراب بل على الرماد، و يلبسوا أفضل ما يلبسه أهل المصائب من السواد، و يشتغلوا ذلك اليوم خاصة عن الطعام و الشراب، و يشترك الرجال و النساء في النياحة و البكاء و المصائب، و يكون يوما ما كان مثله في الدنيا و لا يكون. فما كان يتعذر أن يجمعوا بين طلب الولاية و بين حقوق مصابه العظيم، الذي لا يجوز أن يهون فكيف جاز في عقل أو شرع أن ينقضي ذلك اليوم بالمخاصمات على الحطام فيا لها من نكبة و فضيحة عليهم تبكي منها القلوب و العيون.

و من أعجب ما رأيته في كتب المخالفين و

قَدْ ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُ‏ (1) فِي تَأْرِيخِهِ مَا مَعْنَاهُ‏

:

إِنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) تُوُفِّيَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَ مَا دُفِنَ إِلَى لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ.

وَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) بَقِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى دُفِنَ‏

(2)

.

وَ ذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ الثَّقَفِيُّ فِي كِتَابِ (الْمَعْرِفَةِ) فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ تَحْقِيقاً

أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) بَقِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى دُفِنَ، لِاشْتِغَالِهِمْ بِوَلَايَةِ أَبِي بَكْرٍ وَ الْمُنَازَعَاتِ فِيهَا.

وَ مَا كَانَ يَقْدِرُ أَبُوكَ عَلِيٌّ (عليه السلام) أَنْ يُفَارِقَهُ، وَ لَا أَنْ يَدْفِنَهُ قَبْلَ صَلَاتِهِمْ عَلَيْهِ، وَ لَا كَانَ يُؤْمِنُ أَنْ يَقْتُلُوهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، أَوْ يَنْبُشُوا النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ يُخْرِجُوهُ، وَ يَذْكُرُوا أَنَّهُ دَفَنَهُ فِي غَيْرِ وَقْتِ دَفْنِهِ، أَوْ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْفَنُ فِيهِ،

____________

(1) هو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري، أبو جعفر، المفسّر الكبير صاحب (جامع البيان)، أصله من طبرستان، مات سنة 310 ه. قال ابن حجر في لسان الميزان: ثقة صادق، فيه تشيع يسير، و موالاة لا تضر. و إنما نبذ بالتشيع لأنه صحح حديث الغدير. و حكى الذهبي في التذكرة عن الفرغاني: انه لما بلغه أن ابن أبي داود تكلم في حديث غدير خم، عمل كتاب الفضائل، و تكلم على تصحيح الحديث.

انظر: البداية و النهاية 11: 145، تذكرة الحفاظ 2: 251، طبقات المفسرين: 30، لسان الميزان 5: 100.

(2) تاريخ الطبري 3: 211.

126

فأبعد اللّه جلّ جلاله من رحمته و عنايته نفوسا تركته على فراش منيته، و اشتغلت بولاية كان هو أصلها بنبوته و رسالته لتخرجها من أهل بيته و عترته.

و اللّه يا ولدي ما أدري كيف سمحت عقولهم و مروّتهم و نفوسهم و صحبتهم مع شفقته عليهم و احسانه إليهم بهذا التهوين،

وَ لَقَدْ قَالَ مَوْلَانَا زَيْنُ الْعَابِدِينَ (عليه السلام):

«وَ اللَّهِ لَوْ تَمَكَّنَ الْقَوْمُ أَنْ طَلَبُوا الْمُلْكَ بِغَيْرِ التَّعَلُّقِ بِاسْمِ رِسَالَتِهِ كَانُوا قَدْ عَدَلُوا عَنْ نُبُوَّتِهِ»

و باللّه المستعان.

[الفصل الثالث و التسعون: شرح الإمام علي (ع) لحاله مع الأعداء]

(الفصل الثالث و التسعون) و قد كشف أبوك مولانا علي (عليه السلام) هذا، كشفا دل ببيان المقال عليه في حديث يشهد لسان حاله أنه من لفظه و شريف مقالته (عليه السلام)، يتواتر بنقله علماء الشيعة الامامية، و فيه ايضاح لما جرى من حال أبيك علي مع الفرق الدنيوية، و ممن ذكره أبو جعفر محمد بن بابويه (رحمه اللّه) في الجزء الثاني من كتاب (الخصال) في امتحان اللّه عزّ و جل أوصياء الأنبياء (عليهم السلام) في حياة الأنبياء في سبعة مواطن، و بعد وفاتهم في سبعة مواطن‏ (1) و هو عندنا الآن في جملة مجلّدات بطرق واضحات، فقف على ما فيه من أسرار الاسلام و الايمان.

و شرح (عليه السلام) حاله أيضا مع أهل العدوان في رسالة سوف نوردها في أواخر هذه الرسالة ان شاء اللّه تعالى، و لولا أنني ما قصدت بهذه الرسالة مني إليك ايراد الأخبار و إلّا كنت أوردته، و يكفي أني قد دللتك على بعض مواضعه و هو مشهور عند أهل الاعتبار، فلقد قاسى أبوك علي (عليه السلام) في حفظ بيضة الاسلام و بقاء هذا الأذان، و حفظ ما في أيديهم من القرآن و الصلوة إلى القبلة و الأحكام الظاهرة ما لولا أن اللّه جلّ جلاله قوّاه عليه بقدرته الباهرة كان قد عجز عن حمله، فسبحان من أقدره على ذلك بعنايته و فضله و ما أحق جدك مولانا علي عليه‏

____________

(1) الخصال: 364.

127

السّلام بقول الخنساء (1):

و ما بلغت كفّ امري‏ء متطاول‏* * * به المجد إلّا حيث ما نلت أطول‏

و ما يبلغ المهدون في القول مدحة* * * و لو أكثروا إلّا الذي فيك أفضل‏ (2)

[الفصل الرابع و التسعون: قدم العداء بين الإمام علي (ع) و الذين تقدموا عليه‏]

(الفصل الرابع و التسعون) و اعلم يا ولدي محمّد عرّفك اللّه جلّ جلاله ما تحتاج إلى معرفته و شرّفك بزيادات سعادات عنايته، أن العداوة كانت بين أبيك علي (عليه السلام) و بين الذين تقدّموا عليه ظاهرة متواترة، فانظرها من كتاب (الطرائف) (3)، و من كتاب (نهج البلاغة) (4) و من تواريخ أهل الصدق من الناقلين، و قد ذكرت فيه بعض ما رواه البخاري و مسلم في صحيحيهما في حديث السقيفة فإنه ذكر أن أباك عليا (عليه السلام) و جماعة من بني هاشم تخلفوا عن بيعة أبي بكر ستة أشهر بلا خلاف محقق بين المسلمين، و ذكروا أن عمر شهد أن العباس و أباك عليّا (عليه السلام)

____________

(1) هي تماضر بنت عمرو بن الحرث بن الشريد، و الخنساء لقب غلب عليها لقّبت به تشبيها لها بالبقرة الوحشية في جمال عينيها- تزوجت أولا رواحة بن عبد العزيز السلمي فولدت له عبد اللّه، ثم تزوجت مرداس بن أبي عامر السلمي فولدت له يزيد و معاوية و عمرا و عمرة. و لما ظهر الإسلام أسلمت مع قومها بني سليم و انبعثت مع المسلمين لفتح بلاد فارس و معها أولادها الأربعة، فقتل أولادها في وقعة القادسية سنة 16 ه.

و تعد الخنساء من شواعر العرب المعترف بهن بالتقدم، و قد أجمع الشعراء و رواة الشعر القدماء على أنه لم تكن امرأة قبلها و لا بعدها أشعر منها في الرثاء، و عدوّها من الطبقة الثانية. و كانت في أول أمرها تقول الشعر و لا تكثر حتى قتل أخواها معاوية و صخر فحزنت عليهما حزنا شديدا خصوصا على صخر، ففتق الحزن اكمام شاعريتها، فنطقت بشعر هو آهات نفس لائعة، و نفثات متألم حزين، و دموع قلب حزين توفيت سنة 24 ه. انظر مقدمة ديوانها: 5.

(2) ديوان الخنساء: 107، مع اختلاف قليل عما في الكتاب. و هاتان البيتان من قصيدة قالتها الخنساء في رثاء أخيها صخر، و هو من جيد شعرها.

(3) الطرائف: 247 و ما بعدها.

(4) نهج البلاغة: 85 و غيرها.

128

كانا يشهدان و يعتقدان أن أبا بكر و عمر كانا كاذبين خائنين غادرين‏ (1) فكيف استحسن القوم بعد رواية مثل هذا أن يدعوا أنهم كانوا متفقين!! إن ذلك مكابرة في العين و من أقبح الكذب و البهت و المين‏ (2).

[الفصل الخامس و التسعون: عدم احتياج الإمام علي (ع) الى نصّ على رئاسته و خلافته‏]

(الفصل الخامس و التسعون) و اعلم يا ولدي محمد حماك اللّه جلّ جلاله بما يباعدك عنه، و تولّاك بكل ما يقربك منه، أن أباك عليا (عليه السلام) ما كان يحتاج إلى نص عليه بالرئاسة على أهل الاسلام؛ لأنه كمل في أوصافه كمالا خارقا للعادة عند ذوي الأفهام، فكان ذلك الكمال نصا صريحا عليه بأن الناس بعد جدك محمد (صلّى اللّه عليه و آله) تبع له و رعية بين يديه، و قد نبهناك على ذلك فيما تقدّم و أشرنا إلى ذلك و إن كان بعد جدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) مثل أبيك علي (عليه السلام) في الأنام كان يحتاج إلى نص بالتعيين، هيهات هيهات أن يطفؤوا نوره و قد كان آية في الأرض لمالك يوم الدين و معجزة لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله) بما أودعه من أسراره الباهرة للعالمين.

[الفصل السادس و التسعون: جهل أعداء الإمام علي (ع) بالبلاغة و الأدب و الحكمة و غيرها من العلوم‏]

(الفصل السادس و التسعون) و اعلم يا ولدي محمّد عضدك اللّه جلّ جلاله معاضدة عباده المقبلين، و أسعدك سعادة من أسعده في الدنيا و الدين، أن الذي تقف عليه في كتب التواريخ، أو في كتب الآداب، أو كتب الحكمة و الخطب، فمهما وجدت فيها شيئا منسوبا إلى أبي بكر و عمر و أعداء أبيك علي (عليه السلام)، فاعلم أنها موضوعة و ليست من ألفاظ أولئك المتغلبين، و أن أكثرها نسب إليهم في زمان معاوية و ابنه يزيد و أيام بني امية. و ما كان منها في أيامهم فهي من أهل الكتابة و الخطابة من‏

____________

(1) انظر الفتوح 1: 13.

(2) المين: الكذب. الصحاح 6: 2210 «مين».

129

الصحابة الذين لهم عادة بالاصابة، لأن أبا بكر و عمر و عثمان ما عرفنا أبدا منهم في الجاهلية مقاما و لا مقالا يقتضي تصديق نسبة الفصاحة إليهم، و لا كانوا من هذا القبيل، و لا عوّل أحد عليهم فيها.

و أما ما ذكر عنهم من ألفاظ و مكاتبات ايام خلافتهم، فالعادة جارية في مثلهم ممن لم يعرف الفصاحة أوقات ولايتهم أنهم يستخدمون من ينشئ المكاتبات و الجوابات، كما ترى المماليك من الامراء و الترك و العجم و الملوك الذين لا يفقهون ما يكتبون، كيف تجد لهم عند ولايتهم كتبا، و جوابات منسوبة إليهم، و من المعلوم أن نوّابهم و أصحابهم ما عولوا في انشائها عليهم.

و أما ما يتعلق بالخطب و الحكمة فإن بني اميّة لما تظاهروا بلعن أبيك أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنابر تقرّب الطالبون للدنيا إليهم بوضع المناقب و الفضائل لكل عدو لأبيك (عليه السلام) من الأواخر و الأوائل تقية و طلبا للامور الدنيوية، و حسدا لكم على الشرف بالسعادة النبوية و الولاية الإلهية.

130

[الفصل السابع و التسعون: ضلال أكثر الناس عن الحقّ في الصور السابقة]

(الفصل السابع و التسعون) و اعلم يا ولدي محمد عرّفك اللّه جلّ جلاله من العلوم النافعة الباهرة ما تكمل لك به سعادة الدنيا و الآخرة، مما يزيل بعض التعجب من ضلال أكثر هذه الامة عن الصواب، و غلبة الباطل على الحق في ظاهر الأسباب، أن هذه سنة ماضية في الامم الخالية، فإن آدم (عليه السلام) كان له في حياته‏ (1) ولدان كما قدّمنا قابيل و هابيل، فغلب قابيل المبطل هابيل المحق، و بقيت امة شيث (عليه السلام) و من بعده في تقية و في مقام مغلوبين بالظالمين، إلى أن جاءت نبوة نوح (عليه السلام)، فلم يزالوا عليه مستظهرين و له معاندين إلى أن أهلكهم اللّه عزّ و جل بالغرق الشامل و الهلاك الهائل.

و كذا جرى لصالح (عليه السلام) مع امته، و لهود مع امته، و للوط في امته، و لإبراهيم (عليه السلام) مع نمرود، و لموسى (عليه السلام) مع فرعون، و لامة عيسى (عليه السلام) حتى أخرجه اللّه جلّ جلاله منهم من الأرض إلى السماء.

و ما انقادوا لأحد من الأنبياء إلّا بالآيات أو القهر و أنواع البلاء، و ما استقام أمرهم مع داود (عليه السلام) إلّا بامور مذهلة للآراء، و ما استقام أمرهم مع‏

____________

(1) في نسخة (ض): دنياه.

131

سليمان (عليه السلام) إلّا بمعونة الجن و الشياطين و طاعة الطير و غيرها و تسخير الهواء، و ما استقاموا لذي القرنين إلّا بالقتل الذريع و سفك الدماء.

فأي امة استقامت بالسلامة و العافية حتى تستقيم هذه الامة بطاعة اللّه عزّ و جل و رسوله (عليه السلام) و طاعة الأئمّة الهادية (عليهم السلام)، و حصلت آخر الامم و نبيها آخر الأنبياء، فكيف كان تهيأ الإستيصال بها بالفناء، و بمثل الذي جرى على الامم الهالكة مع الانبياء (عليهم السلام).

[الفصل الثامن و التسعون: مناقشته مع أحد المستنصرية في الإمامة]

(الفصل الثامن و التسعون) و اعلم يا ولدي أني كنت في حضرة مولانا الكاظم (عليه السلام) و الجواد (عليه السلام)، فحضر فقيه من المستنصرية كان يتردد عليّ قبل ذلك اليوم، فلما رأيت وقت حضوره يحتمل المعارضة له في مذهبه قلت له: يا فلان ما تقول لو أن فرسا لك ضاعت منك و توصلت في ردّها إليّ، أو فرسا لي ضاعت مني و توصلت في ردّها إليك، أما كان ذلك حسنا أو واجبا؟ فقال: بلى.

فقلت له: قد ضاع الهدى إما منّي و إما منك، و المصلحة أن ننصف من أنفسنا و ننظر ممن ضاع الهدى فنردّه عليه.

فقال: نعم.

فقلت له: لا احتج بما ينقله أصحابي؛ لأنهم متهمون عندك و لا تحتج بما ينقله أصحابك؛ لأنهم متهمون عندي أو على عقيدتي، و لكن نحتج بالقرآن، أو بالمجمع عليه من أصحابي و أصحابك، أو بما رواه أصحابي لك و بما رواه أصحابك لي.

فقال: هذا انصاف.

فقلت له: ما تقول فيما رواه البخاري و مسلم في صحيحيهما؟

فقال: حقّ بغير شك.

فقلت: فهل تعرف‏

أَنَّ مُسْلِماً رَوَى فِي صَحِيحِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَالَ مَا مَعْنَاهُ:

إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ خَطَبَنَا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمّاً فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي‏

132

بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ، وَ إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»

(1)

.

فَقَالَ: هَذَا صَحِيحٌ.

فَقُلْتُ: وَ تَعْرِفُ‏

أَنَّ مُسْلِماً رَوَى فِي صَحِيحِهِ فِي مُسْنَدِ عَائِشَةَ أَنَّهَا رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)

أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (2)

جَمَعَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ (عليهم السلام) فَقَالَ:

«هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي»

(3)

.

فَقَالَ: نَعَمْ، هَذَا صَحِيحٌ.

فَقُلْتُ لَهُ: تَعْرِفُ‏

أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَ مُسْلِماً رَوَيَا فِي صَحِيحَيْهِمَا

أَنَّ الْأَنْصَارَ اجْتَمَعَتْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ لِيُبَايِعُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، وَ أَنَّهُمْ مَا نَفَذُوا إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ لَا عُمَرَ وَ لَا إِلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، حَتَّى جَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ لِمَا بَلَغَهُمْ فِي اجْتِمَاعِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ يَعْنِي عُمَرَ وَ أَبَا عُبَيْدَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَتَقَدَّمُ عَلَيْكَ، فَبَايَعَهُ عُمَرُ وَ بَايَعَهُ مَنْ بَايَعَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَ أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) وَ بَنِي هَاشِمٍ امْتَنَعُوا مِنَ الْمُبَايَعَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ

(4)

.

وَ

أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَ مُسْلِماً قَالا فِيمَا جَمَعَهُ الْحَمِيدِيُّ مِنْ صَحِيحَيْهِمَا:

وَ كَانَ لِعَلِيٍّ (عليه السلام) وَجْهٌ بَيْنَ النَّاسِ فِي حَيَاةِ فَاطِمَةَ (عليها السلام)، فَلَمَّا مَاتَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَفَاةِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) انْصَرَفَتْ وُجُوهُ النَّاسِ عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ انْصِرَافَ وُجُوهِ النَّاسِ عَنْهُ خَرَجَ إِلَى مُصَالَحَةِ أَبِي بَكْرٍ

(5)

.

____________

(1) صحيح مسلم 4: 1873 حديث 2408.

(2) الأحزاب: 33.

(3) صحيح مسلم 4: 1870.

(4) صحيح البخاري 5: 124، صحيح مسلم 4: 1872.

(5) صحيح البخاري 5: 124، صحيح مسلم 4: 1873.

133

فقال: هذا صحيح.

فقلت له: ما تقول في بيعة تخلّف عنها أهل بيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، الذين قال عنهم: «انهم الخلف من بعده و كتاب اللّه جل جلاله» (1)،

وَ قَالَ (صلّى اللّه عليه و آله) فِيهِمْ:

«أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»

(2)

وَ قَالَ عَنْهُمْ:

«إِنَّهُمُ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ آيَةُ الطَّهَارَةِ»

(3)

، و أنهم ما تأخروا مدة يسيرة حتى يقال أنهم تأخروا لبعض الاشتغال، و إنما كان التأخر للطعن في خلافة أبي بكر بغير اشكال في مدة ستة أشهر.

و لو كان الانسان تأخر عن غضب يرد غضبه، أو عن شبهة زالت شبهته بدون هذه المدة. و أنه ما صالح أبا بكر على مقتضى حديث البخاري و مسلم إلّا لما ماتت فاطمة (عليها السلام)، و رأى انصراف وجوه الناس عنه خرج عند ذلك إلى المصالحة، و هذه صورة حال تدل على أنه ما بايع مختارا.

وَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَ مُسْلِماً رَوَيَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ‏

أَنَّهُ مَا بَايَعَ أَحَدٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ حَتَّى بَايَعَ عَلِيٌّ (عليه السلام)

(4)

.

فقال: ما أقدم على الطعن في شي‏ء قد عمله السلف و الصحابة.

فقلت له: فهذا القرآن يشهد بأنهم عملوا في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و هو يرجى و يخاف، و الوحي ينزل عليه بأسرارهم في حال الخوف و في حال الأمن و حال الصحّة و الإيثار عليه ما لا يقدروا أن يجحدوا الطعن عليهم به، و إذا جاز منهم مخالفته في حياته و هو يرجى و يخاف، فقد صاروا أقرب إلى مخالفته بعد وفاته و قد انقطع الرجاء و الخوف منه و زال الوحي عنه.

فقال: في أي موضع من القرآن؟

____________

(1) صحيح مسلم 4: 1873.

(2) صحيح مسلم 4: 1872.

(3) صحيح مسلم 4: 1783.

(4) صحيح البخاري 5: 124، صحيح مسلم 4: 1872.

134

فقلت: قال اللّه جلّ جلاله في مخالفتهم في الخوف: وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ‏ (1)، فروى أصحاب التواريخ أنه لم يبق معه إلّا ثمانية أنفس، علي (عليه السلام)، و العباس، و الفضل بن العباس، و ربيعة و أبو سفيان ابنا الحارث بن عبد المطّلب، و اسامة بن زيد، و عبيدة بن أم أيمن، و روي أيمن بن أم أيمن.

و قال اللّه جلّ جلاله في مخالفتهم له في الأمن: وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَ تَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجارَةِ وَ اللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ‏ (2)،

فَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ‏

أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبَلَغَهُمْ أَنَّ جِمَالًا جَائَتْ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ مُزَيَّنَةً فَسَارَعُوا إِلَى مُشَاهَدَتِهَا وَ تَرَكُوهُ قَائِماً

، و ما كان عند الجمال شي‏ء يرجون الانتفاع به، فما ظنك بهم اذا حصلت خلافة يرجون نفعها و رئاستها.

و قال اللّه تعالى في سوء صحبتهم ما قال اللّه جلّ جلاله: وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (3)، و لو كانوا معذورين في سوء صحبتهم ما قال اللّه جلّ جلاله: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ‏ (4).

و قد عرفت في صحيحي مسلم و البخاري معارضتهم للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) في غنيمة هوازن، لما اعطى المؤلفة قلوبهم أكثر منهم‏ (5).

و معارضتهم له لما عفى عن أهل مكة، و تركه تغيير الكعبة و اعادتها إلى ما كانت في زمن ابراهيم (عليه السلام) خوفا من معارضتهم له. و معارضتهم له لما خطب في تنزيه صفوان بن المعقل لما قذف عائشة، و أنه ما قدر أن يتم الخطبة: أ تعرف هذا جميعه في صحيحي مسلم و البخاري؟

____________

(1) التوبة: 26.

(2) الجمعة: 12

(3) آل عمران: 159

(4) آل عمران: 159

(5) المجادلة: 12.

135

فقال: هذا صحيح.

فقلت: و قال اللّه جلّ جلاله في ايثارهم عليه القليل من الدنيا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً و قد عرفت أنهم امتنعوا من مناجاته و محادثته لأجل التصدق برغيف و ما دونه، حتى تصدق علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعشرة دراهم عن عشر دفعات ناجاه فيها، ثم نسخت الآية بعد أن صارت عارا عليهم و فضيحة إلى يوم القيامة بقوله جلّ جلاله: أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ‏ (1).

فإذا حضرت يوم القيامة بين يدي اللّه جل جلاله و بين يدي رسوله صلى اللّه عليه و آله و قالا لك: كيف جاز لك أن تقلّد قوما في عملهم و فعلهم و قد عرفت منهم مثل هذه الامور الهائلة، فأي عذر و أي حجة تبقي لك عند اللّه و عند رسوله في تقليدهم. فبهت و حار حيرة عظيمة.

فقلت له: أما تعرف في‏

صحيحي الْبُخَارِيِّ وَ مُسْلِمٍ فِي مُسْنَدِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَ غَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ:

«لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزاً مَا وَلِيَهُمْ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»

(2)

.

وَ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِهِ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ‏

: «لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِياً مَا وَلِيَهُمْ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»

(3)

و أمثال هذه الألفاظ كلها تتضمن هذا العدد الاثني عشر.

فهل تعرف في الاسلام فرقة تعتقد هذا العدد غير الامامية الاثني عشرية، فإن كانت هذه الأحاديث صحيحة كما شرطت على نفسك في تصحيح ما نقله البخاري و مسلم، فهذه مصححة لعقيدة الإمامية و شاهدة بصدق ما رواه سلفهم و إن كانت كذبا فلأي حال رويتموها في صحاحكم.

____________

(1) المجادلة: 13.

(2) صحيح البخاري 5: 124، صحيح مسلم 3: 1452.

(3) صحيح مسلم 3: 1452.

136

فقال: ما أصنع بما رواه البخاري و مسلم من تزكية أبي بكر و عمر و عثمان و تزكية من تابعهم؟

فقلت له: أنت تعرف أنني شرطت عليك أن لا تحتج علي بما ينفرد به أصحابك، و أنت أعرف أن الانسان و لو كان من أعظم أهل العدالة و شهد لنفسه بدرهم و ما دونه ما قبلت شهادته، و لو شهد في الحال على أعظم أهل العدالة بمهما شهد من الأمور مما يقبل فيه شهادة أمثاله قبلت شهادته، و البخاري و مسلم يعتقدان إمامة هؤلاء القوم فشهادتهم لهم شهادة بعقيدة نفوسهم و نصرة لرئاستهم و منزلتهم.

فقال: و اللّه ما بيني و بين الحق عداوة، ما هذا إلّا واضح لا شبهة فيه، و أنا أتوب إلى اللّه تعالى بما كنت عليه من الاعتقاد.

فلمّا فرغ من شروط التوبة، و اذا رجل من ورائي قد أكبّ على يديّ يقبلها و يبكي، فقلت: من أنت؟

فقال: ما عليك من اسمي، فاجتهدت به حتى قلت: فأنت الآن صديق أو صاحب حق، فكيف يحسن لي أن لا أعرف صديقي و صاحب حق عليّ لأكافيه، فامتنع من تعريف اسمه؛ فسألت الفقيه الذي من المستنصرية، فقال: هذا فلان بن فلان من فقهاء النظامية (1) سهوت عن اسمه الآن.

[الفصل التاسع و التسعون: مناقشته مع أحد الحنابلة في‏الإمامة]

(الفصل التاسع و التسعون) و حضرني يا ولدي محمد حفظك اللّه جلّ جلاله لصلاح آبائك و أطال في بقائك، نقيبا و أتى رجلا حنبليا و قال: هذا صديقنا و يحب أن يكون على مذهبنا فحدّثه.

____________

(1) قال الشهرستاني في الملل و النحل 1: 56: النظامية: هم أصحاب ابراهيم بن سيار بن هاني النظام، قد طالع كثيرا من كتب الفلاسفة، و خلط كلامهم بكلام المعتزلة، و انفرد عن أصحابه بمسائل ... و من أصحاب النظام: الفضل الحدثي، و أحمد بن خابط.

137

فقلت له: ما تقول اذا حضرت القيامة و قال لك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله):

لأي حال تركت كافة علماء الاسلام، و اخترت أحمد بن حنبل‏ (1) اماما من دونهم، هل معك آية من كتاب اللّه بذلك، أو خبر عني بذلك؟ فإن كان المسلمون ما كانوا يعرفون الصحيح حتى جاء أحمد بن حنبل و صار إماما، فعمن روى أحمد بن حنبل عقيدته. و علمه و إن كانوا يعرفون الصحيح و هم أصل عقيدة أحمد بن حنبل، فهلا كان السلف قبله أئمّة لك و له.

فقال: هذا لا جواب لي عنه لمحمد صلى اللّه عليه.

فقلت له: إذا كان لا بد لك من عالم من الامة تقلّده فالزم أهل بيت نبيك (عليهم السلام)، فإن أهل كل أحد أعرف بعقيدته و أسراره من الأجانب، فتاب و رجع.

[الفصل المائة: مناقشة اخرى له مع أحد الحنابلة في الإمامة]

(الفصل المائة) و قلت لبعض الحنابلة: أيما أفضل آباؤك و سلفك الذين كانوا قبل أحمد بن حنبل إلى عهد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، أو آباؤك و سلفك الذين كانوا بعد أحمد بن حنبل؟ فإنه لا بد أن يقول: إن سلفه المتقدمين على أحمد بن حنبل أفضل؛ لأجل قربهم إلى الصدر الأول و من عهد النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

فقلت: إذا كان سلفك الذين كانوا قبل أحمد بن حنبل أفضل، فلأي حال عدلت من عقائدهم و عوائدهم إلى سلفك المتأخّرين عن أحمد بن حنبل؟ و ما كان الأوائل حنابلة؛ لأن أحمد بن حنبل ما كان قد ولد و لا كان مذكورا عندهم، فلزمته الحجة و انكشفت له المحجة، وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ*.

____________

(1) أبو عبد اللّه، أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني المروزي البغدادي، خرجت به أمه من مرو و هي حامل فولدته ببغداد، و بها طلب العلم. و روى عن بشر بن المفضل، و اسماعيل بن عليّة، و سفيان بن عيينة، و جرير، و غيرهم. و روى عنه البخاري، و مسلم، و أبو داود، مات سنة 241 ه.

انظر: تهذيب التهذيب 1: 72، طبقات الفقهاء: 75.

138

[الفصل الحادي و المائة: مناقشته مع أحد الزيدية في الإمامة]

(الفصل الحادي و المائة) و حضر عندي يا ولدي محمد رعاك اللّه جلّ جلاله بعنايته الإلهية بعض الزيدية، و قد قال لي: إن جماعة من الإمامية يريدون مني الرجوع عن مذهبي بغير حجة، و اريد أن تكشف لي عن حقيقة الأمر بما يثبت في عقلي.

قلت له: أول ما أقول: إنني علوي حسني و حالي معلوم، و لو وجدت طريقا إلى ثبوت عقيدة الزيدية كان ذلك نفعا و رياسة لي دينية و دنيوية، و أنا أكشف لك بوجه لطيف عن ضعف مذهبك بعض التكشف:

هل يقبل عقل عاقل فاضل أن سلطان العالمين ينفذ رسولا أفضل من الأولين و الآخرين إلى الخلائق في المشارق و المغارب، و يصدّقه بالمعجزات القاهرة و الآيات الباهرة، ثم يعكس هذا الاهتمام الهائل و التدبير الكامل، و يجعل عيار اعتماد الاسلام و المسلمين على ظن ضعيف يمكن ظهور فساده و بطلانه للعارفين؟

فقال: كيف هذا؟

فقلت: لأنكم إذا بنيتم أمر الامامة- أنتم و من وافقكم أو وافقتموه- على الاختيار من الامة للامام على ظاهر عدالته و شجاعته و أمانته و سيرته، و ليس معكم في الاختيار له إلّا غلبة الظن الذي يمكن أن يظهر خلافه لكل من عمل عليه، كما جرى للملائكة و هم أفضل اختيارا من بني آدم لما عارضوا اللّه جلّ جلال في أنه جعل آدم خليفة و قالوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ‏ (1)، فلما كشف لهم حال آدم (عليه السلام) رجعوا عن اختيارهم لعزل آدم و قالوا: سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا (2).

و كما جرى لآدم الأكل من الشجرة، و كما جرى لموسى في اختياره سبعين‏

____________

(1) البقرة: 30.

(2) البقرة: 32.

139

رجلا من خيار قومه للميقات ثم قال عنهم بعد ذلك: أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا (1) حيث قالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً (2).

و كما جرى ليعقوب (عليه السلام) في اختياره أولاده لحفظ ولده يوسف، و غيره من اختيار الأنبياء و الأوصياء و الأولياء، و ظهر لهم بعد ذلك الاختيار ضعف تلك الآراء.

فإذا كان هؤلاء المعصومون قد دخل عليهم في اختيارهم ما قد شهد به القرآن و الاجماع من المسلمين، فكيف يكون اختيار غيرهم ممن يعرف من نفسه أنه ما مارس أبدا خلافة و لا امارة و لا رئاسة، حتى يعرف شروطها و تفصيل مباشرتها فيستصلح لها من يقوم لها، و ما معه، إلّا ظن ضعيف بصلاح ظاهر من يختاره.

و هل يقبل عقل عاقل و فضل فاضل أن قوما ما يعرفون مباشرة و لا مكاشفة تفصيل ما يحتاج إليه من يختارونه، فيكون اختيارهم لأمر لا يعرفونه حجة على من حضر و على من لم يحضر؟! أ ما هذا من الغلط المستكره‏ (3).

و من أين للذين يختارون إمامهم معرفة بتدبير الجيوش و العساكر، و تدبير البلاد، و عمارة الأرضين و الاصلاح، لاختلاف ارادات العالمين، حتى يختاروا واحدا يقوم بما يجهلونه، إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ ممن قلدهم في ذلك أو يقلدونه.

و مما يقال لهم: إن هؤلاء الذين يختارون الإمام للمسلمين من الذي يختارهم لتعيين الامام، و من أي المذاهب يكونون، فإن مذاهب الذين يذهبون إلى اختيار الإمام مختلفة. و كم يكون مقدار ما بلغوا إليه من العلوم حتى يختاروا عندها الإمام، و كم يكون عدده.

و هل يكونون من بلد واحد أو من بلاد متفرقة، و هل يحتاجون قبل اختيارهم للامام أن يسافروا إلى البلاد يستعلمون من فيها ممن يصلح للامامة أو لا يصلح، أو

____________

(1) الأعراف: 155.

(2) النساء: 153.

(3) في هامش نسخة (ض): المستنكر (خ ل).

140

هل يحتاجون أن يراسلوا من بعد عنهم من البلاد و يعرفونهم أنهم يريدون اختيار الإمام للمسلمين. فإن كان في بلد غير بلدهم من يصلح أو يرجح ممن هو في بلادهم يعرفونهم أم يختارون من غير كشف لما في البلاد، و من غير مراسلة لعلماء بلاد الاسلام؟

فإن كان سؤال من هذه السؤالات يتعذر قيام الحجة على صحته و على لزومه للّه جلّ جلاله، و لزومه لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و لزومه لمن لا يكون مختارا لمن يختارونه من علماء الاسلام، أ فلا ترى تعذّر ما ادّعوه من اختيار الإمام.

[الفصل الثاني و المائة: مناقشة اخرى له مع أحد الزيدية في الإمامة]

(الفصل الثاني و المائة) و لقد سمع منّي بعض هذا الكلام شخص من أهل العلم من علم الكلام، فقال: إن الناس ما زالوا يعملون في مصالحهم على الظنون.

فقلت له: هب أنهم يعملون في مصالحهم في نفوسهم بظنونهم، فكيف تجاوزوا ذلك إلى التحكم على تدبير اللّه جلّ جلاله في عباده و بلاده، و الاقدام بظنونهم الضعيفة على هدم الاهتمام بثبوت أقدام النبوة الشريفة، و نقل تدبيرها عن اليقين الشريف إلى الظن الضعيف؟! و من جعل لهم ولاية على كل من في الدنيا و الدين، و ما حضروا معهم في اختيار الامام، و لا شاركوهم و لا أذنوا لهم من سائر بلاد الاسلام؟! و من وليهم عليّ و أنا غافل بعيد عنهم، حتى يختاروا لي بظنهم الضعيف إماما ما وكلتهم فيه و لا أرضى أبدا بالاختيار منهم؟ فهل هذا إلّا ظلم هائل و جور شامل من غير رضى من يدعي وكالته، و نيابة ما استنابه فيها من غير رضى من يدعي نيابته.

ثم قلت لهم: أنتم ما كنتم تتفكّرون فساده في أول مرة لما أظهر العدل و اجتمعتم عليه، فلما تمكن منكم قتلكم و أخذ أموالكم، و قد رأيتم و رأينا و سمعتم و سمعنا من اختيار الملوك و الخلفاء، و الاطلاع على الغلط في الاختيار لهم و قتلهم و عزلهم و فساد تلك الآراء.

141

و قلت لهم: أنتم تعلمون أنه يمكن أن يكون عند وقت اختياركم لواحد من ولد فاطمة (عليها السلام) غير معصوم و لا منصوص عليه، أن يكون في ذلك البلد و غيره من هو مثله أو أرجح منه و لا تعرفونه، فكيف تبايعون رجلا و تقتلون أنفسكم بين يديه، و لعل غيره أرجح منه و أقوم بما تريدون.

و قلت لهم: أنتم يا بني الحسن لعل ما منعكم من القول بإمامة أئمة بني الحسين إلّا أنكم ولد الامام الأكبر، و لعلكم أبيتم أن تكونوا تبعا لولد الإمام الأصغر، و ما أراكم خلصتم من هذا العار؛ لأنكم قلّدتم زيدا (عليه السلام) و هو حسني، فنسبتم مذهبكم إليه، و في بني الحسن و الحسين (عليهما السلام) من هو أفضل منه، قبله كان عبد اللّه بن الحسن و ولداه، و الباقر و الصادق (عليهما السلام) ما يقصرون عنه.

ثم أنكم ما وجدتم له فقها و مذهبا يقوم بالشريعة فتممّتم مذهبكم بمذهب أبي حنيفة، و أبو حنيفة من العوام و الغلمان لجدّكم و لكم. فإذا رضيتم إماما زيديا و هو حسني مرقع مذهبه بمذهب أبي حنيفة، فأنا أدلكم على الباقر و الصادق و غيرهما (عليهم السلام) من بني الحسين (عليه السلام) غير مرقعين و علومهم كافية في امور الدنيا و الدين.

ثم قلت له: الناس يعرفون إنّا كنّا معشر بني هاشم رؤساء في الجاهلية و الاسلام، و ما كنّا أبدا تبعا و لا اذنابا للعوام، فلما بعث محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و شرفنا بنبوته و شريعته نصير تبعا لغلمانه و للعوام من امته، و تعجز عناية اللّه جلّ جلاله به أن يكون لنا رئيس منا. أي مصيبة حملتكم على ذلك، و فينا من لا يحسن أبو حنيفة يجلس بين يديه، و يحتاج أبو حنيفة و غيره من العلماء أن يقرءوا عليه، فعرف الزيدي الحق و رجع عن مذهبه في الحال، و قد اختصرت في المقال.

و حيث نبّهتك يا ولدي محمد جمّلك اللّه جلّ جلاله بتمام الأوصاف و كمال الألطاف، على معرفة اللّه جلّ جلاله، و معرفة جدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و معرفة عترته القائمين مقامه في حفظ تأويل كتاب ربّه، و حفظ شريعته، و حفظ

142

ما يحتاج الاسلام إلى حفظ مقاله و فعاله، فها أنا أذكر ما يفتحه اللّه جلّ جلاله على سرائري و يجريه على خاطري، مذ يبعث إليك العقل رسولا و هاديا إليه و دالا عليه، و يشرّفك بخدمته و طاعته و الحضور بين يديه، فطالع ما قدّمته على هذا الفصل قبل تشريفك بخلع العقل، ليأتي العقل إلى قلبك و هو صالح بمعرفة ربك، و معرفة نوّابه الكاملين الكاشفين لك عن مراده و آدابه.

[الفصل الثالث و المائة: وصيّته لولده بحفظ تاريخ تكلّفه و الاحتفال به في كلّ سنة، و انه أحضر بنته شرف الأشراف قبل بلوغها بقليل و شرح لها ما يجب أن تفعله عند تكلّفها]

(الفصل الثالث و المائة) فإذا وصلت إلى الوقت الذي يشرّفك اللّه جلّ جلاله يا ولدي محمد بكمال العقل، و هو جلّ جلاله أهل من استصلاحك لمجالسته و مشافهته و دخول مقدّس حضرته لطاعته، فليكن ذلك الوقت عندك مورّخا محفوظا من أفضل أوقات الأعياد، و كلّما أوصلك عمرك المبارك إليه في سنة من السنين فجدد شكرا و صدقات و خدمات لواهب العقل الدال لك على شرف الدنيا و المعاد.

و اعلم أنّي أحضرت اختك شرف الأشراف قبل بلوغها بقليل، و شرحت لها ما احتمله من حالها من تشريف اللّه جلّ جلاله لها بالإذن لها في خدمته جلّ جلاله بالكثير و القليل، و قد ذكرت الحال في كتاب (البهجة لثمرة المهجة).

[الفصل الرابع و المائة: عزمه على التصدّق بمائة و خمسين دينارا عند بلوغ ولده‏]

(الفصل الرابع و المائة) و إن بقيت حيا على ما عودني اللّه جلّ جلاله من رحمته و عنايته، فانني أجعل يوم تشريفك بالتكليف عيدا أتصدق فيه بمائة و خمسين دينارا، عن كل سنة بعشرة دنانير إن كان بلوغك بالسنين، و اشتغل بذلك في خدمته. و إنّما هو ماله جلّ جلاله و أنا مملوك و أنت عبده، فتحمل إليه من ماله ما يريد أن تحمله لجلاله، و هذا المقدار خطر على قلب تفويضي إليه و بحضوري بين يديه. و إن أراد جلّ جلاله مهما أراد ما أقدرني عليه، فيكون قبول ذلك مني رحمة و شرفا لي و لك و لا يبلغ وصفي إليه.

143

و إن أنا انتقلت إليه قبل بلوغ الأمل من بقائي حتى تستغني عن الأوصياء، فقد أوصيت بك إليه جلّ جلاله و إلى غيره بأمره جلّ جلاله، و هو أشفق عليك مني و أبلغ في حفظك و بلوغ الرجاء، و أن يلهمك اللّه جلّ جلاله ذلك ولي بحمايتك ما يليق بكرمه و ما عودني من الالاء و زيادات السعادات و العنايات، و أن يعرّفني ذلك و أنا في عداد الأموات.

و اذا حضرت عند قبري فحدّثني ما عمله معك سيدي و سيدك و مالك أمرك و أمري، فانني رويت عن السلف الصالحين أن الميت يسمع كلام الزائرين و خاصة من أهل اليقين.

[الفصل الخامس و المائة: ما ينبغي فعله عند البلوغ‏]

(الفصل الخامس و المائة) فكن يا ولدي محمد حفظك اللّه جلّ جلاله بما حفظ من حفظه ممن يعز عليه وقت بلوغك لخلقه كمال العقل و التشريف بالتكليف في خلوه من الشواغل عن مولاك، و تذكر أنه يراك، و تطهّر قبل تلك الحال بغسل التوبة و ما ذكرناه في كتاب (المهمّات و التتمات) من آداب الأغسال، و البس أطهر الثياب الخالية من دنس الشبهات على ما أذكره لك من الآداب، و قف قائما بين يدي ربّ العالمين و مالك الأولين و الآخرين- و يحسن أن يكون على التراب- بخضوع و خشوع، و ما ينبغي و يجب على المخلوق من تراب إذا قام للبس خلع ربّ الأرباب بحضوره و حضور من حضر من ملائكته.

فإذا حصل وقت ذلك كما عيّنه جدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) في شريعته، فاستحضر قلبك و جوارحك بالأدب و الذلة للّه و البس ما ألبسك اللّه جلّ جلاله بالمعنى الذي يقتضي تعظيم الخلع الإلهية على يد صاحب الملة فإن أحسست وجدانا أو عرفت ذلك بالنقل تصديقا و ايمانا فاسجد لمولاك جلّ جلاله على الثرى، و مرّغ خديك بين يديه، و تذكر أن اللّه يرى.

و إن كان وقت فريضة أو نافلة من الصلوات أو غيرها من العبادات فتلقها

144

بالحمد و الثناء و البشرى و الصفاء و الوفاء كما ذكرناه في كتاب (التتمات و المهمّات)، ثم سلّم اختيارك الذي أنعم به عليك إليه، و تضرّع بين يديه أن يكون هو المتولي لاختيارك بما يلهمك و يهديك إليه إن شاء اللّه تعالى.

[الفصل السادس و المائة: ما يجب تذكره عند البلوغ‏]

(الفصل السادس و المائة) فإن كان وقت بلوغك إلى خلع شرف الألباب و تحف الآداب ما هو زمان شاغل من الفرائض و النوافل الظاهرة، فابدأ بذكر ما عمل معك من النعم السالفة و الحاضرة، فإني أذكر لك منها جملة عرّفني بها جلّ جلاله بلسان حال عنايته الباهرة.

فتذكّر يا ولدي جمّلك اللّه بتذكيره لك و عنايته بك، أنه جلّ جلاله في المعنى خدمك و له المثل الأعلى يشرفك بمعرفته، و قبل أن يتحفك بالسعادة بخدمته، بأن بنى لك السماوات و الأرضين بيد قدرته، و لم يتكل اكرامه لك بذلك إلى ملائكته و لا بأحد من بريته، و أجرى لك البحار، و شق الأنهار، و غرس الاشجار، و أخرج الثمار، و عمّر الديار و جعل الشمس و القمر سراجا لليل و النهار وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (1).

____________

(1) ابراهيم: 34.

145

[الفصل السابع و المائة: وصيّته لولده بأن يتذكر كيفية انتقاله من آدم‏]

(الفصل السابع و المائة) ثم تذكّر يا ولدي ذكّرك اللّه جلّ جلاله بعظمته و ملأ قلبك هيبته، كيف نقلك من ظهر آدم (عليه السلام) الى بطن حواء، و من آباء إلى أمهات، حتى أخرجك في هذه الأوقات، و سلّمك مما جرى على الأمم السالفة من الهلكات كما قدمنا الاشارة إليه، و أكمل صورتك و جمّل همتك، و نزّه أعراقك من الأدناس، و تبرئك من الأرجاس، و جعل وقت خروجك إلى داره في بلاد الإيمان، و عند خلوة الزمان من أخطاره و أكداره، و بين من يلقنك معرفته و خدمته تلقين الشفيق، و بحضرة من يخدمك خدمة البر الرفيق، و هيأ لك ثروة تغني عن شواغل الأعسار، و كفاك طلب تحصيلها و جعلها من أهنإ المواهب و اليسار، و جعلك من ذرية قوم مسعودين بطلب رضاء ربّ العالمين، و جعل لك والدا يدعو لك قبل ولادتك بسنين، و يهديك بالسعادة بالرفق و الشفقة و سعادة الدنيا و الدين.

[الفصل الثامن و المائة: وصيّته لولده بعدم ايثار أحد على اللّه تعالى‏]

(الفصل الثامن و المائة) و تذكّر يا ولدي ذكّرك اللّه جلّ جلاله بما ينفعك ذكره و يكمل لك بره، أنّه و ما كان أحد من الخلائق عند ابتداء انشائك و تنقلك بين امهاتك و آبائك تقدر على مشاركته فيما اختص به جلّ جلاله من اكرامك في ذاتك و صفاتك و سعادتك‏

146

و تقليباتك، فلا تؤثرن أحدا عليه، فاحفظه و ألزم التقرب إليه و الذل بين يديه.

[الفصل التاسع و المائة: تكوّن الإنسان من جواهر و أعراض‏]

(الفصل التاسع و المائة) و تذكّر يا ولدي محمد ذكّرك اللّه بحرمته و جلاله و هيبته و اقباله، أنك مجتمع من جواهر و أعراض ما يقدر غيره أبدا أن يمسك منك ذرة مع ذرة، و أنّه ماسكك و ماسك ما أنت عليه و فيه من السماوات و الأرض امساكا هائلا بالقدرة، فلو رفع يد إمساكه سقطت السماوات، و خسفت الأرضون و خشعت الأصوات، و هلك العالمون، فاللّه اللّه يا ولدي في معرفة حق امساكه و رحمته و نعمته، و ما لا يحصيه من حقوقه العارفون و المكاشفون.

[الفصل العاشر و المائة: اشفاق اللّه تعالى على الإنسان بعدم خلقه من مارج من نار]

(الفصل العاشر و المائة) ثم تذكّر يا ولدي محمد ذكّرك اللّه جلّ جلاله بما يغني عن ذكرك و تذكرك من ولاية تدبيره لتذكيرك، أنّه جلّ جلاله أشفق عليك أن لا يخلقك‏ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ، فكان لعل يجري لك ما جرى لأبليس من التكبر و الاستكبار. و لا خلقك من أنوار، فلعل كان يجري لك أكثر من ذلك الأخطار.

و رتّب خلقك من تراب يوطأ بالأقدام، ثم من نطفة حكم بنجاستها تأديبا لك من خطر التكبر و الاستعظام، ثم من علقة حكم أيضا أنها نجسة في شريعة الاسلام، ثم من مضغة خالية من تمام الجوارح و العلوم و الأفهام.

ثم كيف كمّل لك الجوارح التي تحتاج إليها على التمام و جعلها من اصول ضعيفة مبنية على أساس الانهدام، ثم جعلك في بطن امك و هو حبس محجوب عن الأنام. ثم أول ما غذّاك به من الطعام دم الحيض المحكوم بنجاسته فيما ارتضاه من الأحكام، ثم جعل مخارج النطفة و مخرجك إلى دنيا كدرة من مجاري البول و الدماء النجسة المستقذرة.

لعل جميع ذلك ليكون عليك أدب العبودية، و تسلم من المنازعة و المعارضة

147

للجلالة الإلهية، حتى جعلك لا تزال حاملا للعذرة في بطنك، ثم ذلك بأن تجعل غسلها منك بيدك كل يوم و ليلة على صفات متنفرة.

فتارة عاملك بالاكرام العظيم، لعل مراده أن تعرف قدرته و نعمته و ترزق كرامته، و تارة عاملك برياضة التأديب، لتخاف مؤاخذته و سطوته و اهانته و تفهم ربوبيته.

[الفصل الحادي عشر و المائة: أهليّة الإنسان لئن يبعث له رسلا من الملائكة]

(الفصل الحادي عشر و المائة) ثم تذكّر يا ولدي محمد جلال مقامه و كمال انعامه، بأن جعلك أهلا لأن يبعث اليك رسلا من ملائكته حفظة بما شرفك به من طاعته، و تجميلا لذكرك باظهار ما تتقرب به من خدمته بين الملإ الأعلى من خاصته، و ليكونوا لك شهودا على مقدّس حضرته يوم اجتماع الخلائق لمحاسبته. و ما أجاز في شرعه الذي ارتضاه شهادة عبد على مولاه إلّا شهادة ملائكته لك على مقدّس حضرة ربوبيّته، و لمن شرّفه بما شرّفك من نعمته فوفّهم يوم بلوغك و رشادك حق قصدهم و خدمتك بغاية اجتهادك.

و ابدأ بالتسليم عليهم كما أشرت إليه في كتاب (المهمّات و التتمات) و صاحبهم أحسن مصاحبة في سائر الأوقات و لا يسمعوا منك إلّا جميلا و لا يحضروا معك مجلسا إلّا و يرونك عبدا لمولاك و مولاهم ذليلا، و لا تكتب على أيديهم إلى سيدك الذي أنت مفتقر إليه في أمرك كله إلّا كتابا يصلح أن يعرض عليه منزها مما يكرهه و يأباه، مملوءا مما يحبه و يرضاه، كما جرت عادة المملوك الضعيف إذا كتب كتابا إلى مالكه الأعظم صاحب المقام العالي الشريف، فإن غفلت في ليلك أو نهارك عنه، و آثرت عليه من ليس فيه بدل منه، فتب في الحال من غير اهمال و تصدّق بصدقة تطفي عنك نيران الذنب، فإن صدقة السر تطفي غضب الرب.

و لا يشغلنك الملائكة الحافظون، و لا أحد من بني آدم الحاضرون، الذين هم‏

148

بعد وقت قليل ميتون عن مولاك و مولاهم و مالك دنياك و آخرتك و دنياهم و آخرتهم، فإن العقل قضى أنه يقبح من العاقل أن يشتغل بمملوك عن مالك، و هو من أخطر المسالك و طريق المهالك. و قد ذكرت في كتاب (المهمات و التتمات) كيف تحاسب الملكين في آخر نهارك و آخر ليلك على تفصيل جليل، فاعمل على ذلك فإنه من كنوز كرم اللّه جلّ جلاله الجزيل.

[الفصل الثاني عشر و المائة: تأكيده على الإخلاص في الطاعة و التوكّل على اللّه تعالى‏]

(الفصل الثاني عشر و المائة) ثم تذكّر يا ولدي محمد أغناك اللّه جلّ جلاله بتذكاره و أنواره، و جعل ايثارك متابعا لإيثاره، أن الوقت الذي شرّفك فيه بالعقل و ما هو له أهل، و بعث إليك حفظة ملائكته تحتاج إلى أن تعرف أعداء مولاك و أعدائك الذين يريدون أن يحولوا بينك و بين نعمته و عنايته، و يشغلونك عن شرف مراقبته و عن هيبته و عظمته، فمنهم الشيطان الذي أهلك نفسه و حسد الذين يرجى لهم السلامة و قصدهم بالعداوة، و قد جعل اللّه جلّ جلاله لك منه حصونا منيعة و دروعا وسيعة فلا تفارقها:

منها: الاخلاص في طاعة ربّ العالمين، قال اللّه جلّ جلاله عن هذا العدو اللعين: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ‏ (1).

و منها: الايمان و التوكل على اللّه جلّ جلاله، فان مولاك قال: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‏ (2)، فإن لم تهدم أنت في هذين الحصنين ثلمة لهذا العدو الرجيم بالغفلة عن مولاك العظيم و المعصية لسيدك و متابعة العدو الذميم، و إلّا فإنّه لا يقدر هو و لا أعوانه على هدم ذلك السور المكين، و لا هدم ثلمة فيه أبد الآبدين، فاحفظ السورين بالاخلاص و التوكل على اللّه.

و اعلم أن هذا العدو من أحقر الأعداء؛ لأنّه ما قدر أن ينفع بعد الموت من‏

____________

(1) ص: 82- 83.

(2) النحل: 99.

149

أطاعه و لا يضر من عصاه، و هو كالكلب الذي للراعي، إذا عرض لك فاطلب من مولاك أن يكفيه عن أذاك و لا تشتغل بمحاربته بقدرتك فيبلغ غرضه و يشغلك عن خدمتك لمولاك و سعادتك.

و من الأعداء طبعك و نفسك و ما يتفرّع عنهما من الهوى، و شواغل الدنيا، و طبعك تراب، و كذا كل شاغل في دار الذّهاب يؤول إلى التراب، فكيف يجوز أن يهون عند ذوي الألباب الكاملة الاشتغال بالتراب و الامور الزائلة عن عظمة مولاك الهائلة و نعمته الشاملة.

و اعلم أن طبعك و نفسك و كل شاغل لك عن مولاك يستغيث إليك بلسان الحال و يقول لك: لا تلتفت إليهم، و يحذّرونك من الأهوال. و العقل من ورائهم يستغيث و يحذّرك أعظم التحذير، و مولاك من وراء الجميع ينكر عليك ايثارهم عليه أعظم النكير، و يقول لك: كلما يشغلك عني فهو حقير صغير، فكيف تشغل بالحقير عن الكبير، و يذكّرك أن بيده كلّما تحتاج إليه من نفع كثير و يسير.

[الفصل الثالث عشر و المائة: بعض مصاديق لطف اللّه تعالى بعبده‏]

(الفصل الثالث عشر و المائة) ثم تذكّر يا ولدي محمد ذكّرك اللّه جلّ جلاله بمواهبه، و نوّر سرائرك بعجائبه و مناقبه، أنك في وقت تعريفك بجلاله و تشريفك باقباله محتاج إلى طعام، و من يعمله من الأنام، و إلى ريق يسهّل الطعام و يليّنه، و إلى ما تشربه، ليحمله على ظهر ذلك إلى مجاري الأنهار في الأعضاء.

و اعلم علّمك اللّه جل جلاله ما عمل معك و علّمك و ألهمك تحقيق كيف اصطفاك، أن الخبز ما يصل إلى بين يديك حتى يستخدم لك فيه الأفلاك و الأرضون، و الليل و النهار، و الملوك و أعوانهم في الأقطار، و الأكرة: النجارين و الحدادين و التجار و الخبازين، و من يجعله من الآدميين، و كيف تعب من تعب منهم في تدبيره، و هلك من هلك منهم بالآثام بسوء تقتيره.

و أنت يا ولدي محمد سالم عن ذلك الخطر صغيره و كبيره.

150

ثم جعل لك من أنواره و مباره عينا تنظر إليه، و يدا تمتد نحو الخبز و تقبض عليه، و فما و أسنانا و تدبيرا محكما لا يحتوي وصفي عليه. و أجرى لك الريق من حيث لا تعلم من مجاري ما حفرتها و لا حفرها لك آباؤك و لا امهاتك، و لا كان من الخلائق من يقدر أن يجريه لك إلّا من بيده حياتك و مماتك، و جعل مجاريه بقدر حاجتك إلى تلك اللقمة، فلو كان أكثر من حاجتك كان قدر جرى إلى خارج فمك و كدّر عليك و لو كان دون حاجتك كانت اللقمة يابسة لا تتهنأ بها على عادتك، فإيّاك ثم إيّاك أن تهوّن برحمته و حقوق نعمته و عظيم هيبته و حرمته، و انك تحت قبضته.

[الفصل الرابع عشر و المائة: مصاديق اخرى للطف اللّه تعالى بعبده‏]

(الفصل الرابع عشر و المائة) ثم تذكّر يا ولدي محمد ذكّرك اللّه جلّ جلاله بما يريد من مراحمه، و عرّفك بفضل مكارمه، كيف أجرى الماء الذي تحتاج إليه من العيون و من تحت الأرضين، و فتقها بقدرته، و فيها ماء هو بين صخر أصم تعجز عن فتقه قوة العالمين، ثم كيف أنزل ما أنزله من السحاب المسخر بين السماء و الأرض، و جعل السحاب كالمنخل لينزل بنقط متفرقة سهلة النزول من ذلك العلى، و لو جعله جاريا من الغمام مثل جريه في البحار و الأنهار كان قد أهلك بني آدم، و أتلف ما خلق لهم من النبات و الأشجار، و خرّب ما بنوه من الديار.

و كيف لم تخلط النقطة في طريق نزولها بمصادمة الهواء، و كيف جعله في وقت دون وقت بحسب الحاجات، و جعله مباحا مطلقا للعزيز و الذليل في سائر الأوقات لما علم أنّه من أهم الضرورات، لئلا يمنعه الملوك الظالمون عن المحتاجين إليه، و كل عدو عن عدوه، و يفسد تدبير الدنيا، و يموت من يمنع منه بالمغالبة عليه.

فاذكر عند شربك له ما ذكرت من رحمة سيدك عليه، و اعرف له المنة العظمى، و احمده بغاية ما أقدرك عليه، و تذكّر عند شرب الماء أنّك ما صح لك الانتفاع بلذة تلك الشربة اليسيرة حتى عمل اللّه جلّ جلاله لأجل شربك مملكة كبيرة، لأن شربتك‏

151

تحتاج إلى وجودك و حياتك و عافيتك، و هذه الامور تحتاج إلى جميع ما في الدنيا مما يتعلق وجوده لمصلحة شربتك.

و إن كنت شربتها من آنية، فكل ما يتعلّق وجوده بالآنية نعمة في حقك بتلك الشربة التي قد هونتها لوجودها بحسب ارادتك. و لو منعها عنك وقت حاجتك عرفت قدرها و قدر المنعم بها جل جلاله المتفضل برحمتك.

و تذكر ترويحه جلّ جلاله للماء حتى يبرد و يكمل ما تريده من لذتك، و لو كان قد روّحها حتّى يبرد بعض خدمك و يد جاريتك، كنت فضلّتها على غيرها و زدتها في محبّتك و جازيتها بحسن قدرتك، فلأي حال لا تكون القلوب متعلقة باحسان اللّه جلّ جلاله و شفقته، كما هي متعلقة باحسان عبد من عبيده، الذين احسانهم من احسانه إليك و من جملة نعمه عليك.

[الفصل الخامس عشر و المائة: مصاديق اخرى للطف اللّه تعالى بعبده‏]

(الفصل الخامس عشر و المائة) و تذكّر يا ولدي محمد ذكّرك اللّه جلّ جلاله بالمحبّة لك، و العناية بك في مقدّس حضرته، حديث ما تحتاج إليه من كسوة تسترك بها من عيون الناظرين، و القيام في خدمة ربّ العالمين، و كيف استخدم لك في ثيابك كما استخدم لك في طعامك و شرابك، فإن ثيابك إذا كانت من النبات، فكل من استخدمه لك جلّ جلاله في الماء و الخبز فقد استخدمه في الثياب، و زاد عليه استخدام من يعالج اصلاحها من الحيوانات و الدواب و ذوي الألباب.

فمن يدق الكتان و يلقط القطن و يصلحهما للنساجة، و من ينسجهما، و من يخيطهما لك، و من يحملهما إليك، فإذا أنعم اللّه جلّ جلاله بكسوة عليك فاخل بنفسك مع ربك جلّ جلاله، و طهّر جسدك و قلبك من الآثام و وسخ الذنوب بالتوبة و غسل التوبة و ما يزال به دنس العيوب؛ و قم قائما بين يدي المطلع عليك، و خذ الثياب من يد حال وجوده و من لسان حال كرمه وجوده.

و اذكر كيف كنت تكون لو أحضر لك السلطان خلعة قد استخدم لك فيها

152

خواص مملكته و مماليكه و جنده و أهل معرفته، و عمل فيها بيد قدرته، و احضرك لتلبسها بحضرته، و يراك كيف تعمل في شكر نعمته، فكن على أقل المراتب على تلك الصفة عند لبس خلع اللّه جلّ جلاله في تعظيمها و الشكر للمحسن الواهب، و أستبعد أن يكون زمان بني اميّة تركت أموال المسلمين خالية من الشبهات، و كذلك معاملة العرب و من يهون بالمحرمات.

فيحسن أن تقول يا ولدي عند لبس الثياب الجديدة: اللّهم إن كنت تعلم أن فيها شيئا من المحرمات أو الشبهات فأنت المالك لأصل الحقوق و المالك لمن انتقلت إليه، فأسئلك أن تجعل لكل صاحب حق فيها عوضا من فضلك يسدّ عني باب عدلك، و تلحقني فيها بمقام من ألبست خلعا طاهرة من كل حق و شبهة باطنة و ظاهرة، و أن تكون هذه ثيابي من خلع السعادات الباهرة في الدنيا و الآخرة.

و كذلك تدعو كلّما تحتاج إليه في مدة الغيبة في استعماله مما لا تأمن اختلاط حرامه بحلاله.