كشف المحجة لثمرة المهجة

- السيد علي بن موسى بن طاووس المزيد...
319 /
153

[الفصل السادس عشر و المائة: عدم معاملة اللّه تعالى لعبده بعدله بل بإحسانه‏]

(الفصل السادس عشر و المائة) و اعلم يا ولدي محمد أن اللّه جلّ جلاله لو حملنا على عدله ساعة دون ساعة من ليل أو نهار، ما أبقانا أبدا، و كان أمرنا قد آل إلى الهلاك و الدمار؛ لأننا لا نوفّيه حقه أبدا في اطلاعه علينا و حضورنا بين يديه بمقدار التفاوت بين عظمته و جلالته، و بين ما نعمله من اطلاع غيره علينا أو حضورنا بين يدي غيره من مماليكه الفقراء إليه، و لا نبذل الجهد في زيادة تعظيمه عليهم. و ربّما اشتغلنا بهم عنه، و جعلنا ظهر لسان حالنا إليه و وجهنا اليهم.

فلو سلبنا نفوسنا و كل ما أحسن به إلينا، و قطع خبزنا و كسوتنا، و حبسنا في مطمورة الغضب علينا كنا و اللّه لذلك مستحقين، فكيف حملنا قوتنا التي هي منه و عقولنا الموهوبة عنه، حتى صرنا نقدم أن نكون بحرمته مستخفين، و لمؤاخذته متعرضين، فإيّاك ثم إيّاك أن تهون بذلك كما يفعله الجاهلون به و الغافلون، و لا تتأسى بهم، فإنّه جلّ جلاله يقول: وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ‏ (1).

و أحدّثك يا ولدي بجواب جرى لي مع من ينسب إلى العلم، فإنّه حضر عندي‏

____________

(1) الزخرف: 39.

154

يوما و أنا جالس على تراب أرض بستان، فقال: كيف أنت؟

فقلت له: كيف يكون من على رأسه جنازة ميت، و على أكتافه جنازة ميّت، و على سائر جسمه أموات محيطون به، و في رجليه جسد ميت، و حوله أموات من سائر جهاته، و بعض جسده قد مات قبل ممات جسده.

فقال: كيف هذا، فما أرى عندك ميتا؟! فقلت له: أ لست تعلم أن عمامتي من كتان، و قد كان حيا لما كان أخضر نابتا في الأرض فيبس و مات، و هذه صدرتي‏ (1) من قطن حيّ أخضر فيبس أيضا و مات، و هذه لا لجتي‏ (2) قد كانت من حيوان فمات، و هذا حولي نبات قد كان أخضر فيبس و مات، و هذا البياض في شعر رأسي و شعر وجهي قد كان حيا بسواده فلما صار أبيضا فقد مات، و كل جارحة لا استعملها فيما خلقت له من الطاعات فقد صارت في حكم الأموات.

فتعجب من هذه العظة و صحيح المقالات، فليكن على خاطرك يا ولدي أمثال هذه العظات.

[الفصل السابع عشر و المائة: مصاديق لطف اللّه تعالى بعبده‏]

(الفصل السابع عشر و المائة) ثم تذكّر يا ولدي محمد عمّر اللّه جلّ جلاله قلبك بمكاشفته، و جلال نعمته و مراقبته، و ما أنت محتاج إليه في ساعة تشريفك بالبقاء لخدمته غير ما ذكرناه، فإن اللسان و القلم و الإنسان يعجز ان يحرز جميع معناه، بل كلما احتجت إليه على التفصيل فاذكر عند حاجتك إليه أنه هدية من مولاك الجليل، فانظر إلى الهدية بتعظيم واهبها، و اشكر جالبها جلّ جلاله.

____________

(1) الصدرة: ثوب رأسه كالمقنعة و أسفله يغشي الصدر. انظر: القاموس المحيط 2: 68 «صدر»، الصحاح 2: 709 «صدر».

(2) قال الزبيدي في تاج العروس 7: 174 «للك»: اللالكائي: منسوب إلى بيع اللوالك التي تلبس في الأرجل.

155

مثاله: تحتاج إلى غلام أو جارية تغنيك بخدمتها على التفرغ لطاعة مولاك و خدمته، فلا تشغل بذكر الغلام و الجارية و الشفقة عليهما من سيدك و مولاك المحسن إليك و اليهما، و تذكّر أنه ما كان في مقدورك أن تخلقهما و لا تخلق ما يحتاجان، و تحتاج إليه أنت من ثمنهما و تذللهما لطاعتك و مؤنتهما و حسن رعايتهما، و لا أن تمضي إلى بلاد الكفر فتنهبهما، و لا أن يكونا من امة جدك محمد (صلوات اللّه عليه و آله) حتى يحل لك معونتهما لك بخدمتك.

و لا كنت قادرا أن تبعث ذلك الرسول المعظّم إلى العباد، و تفتح به ما فتح اللّه جلّ جلاله بنبوّته من البلاد، و لا كنت قادرا أن تؤيده بالمعجزات و تمده بالملائكة من السماوات.

و غير ذلك من الأسباب التي هي من مولاك ربّ الأرباب، فإنك ما قدرت أن تحضر ذلك الغلام و الجارية بين يديك إلّا بعد أن أنعم مولاك بجميع هذه النعم عليك، فكيف يحل أو يليق بعاقل أن ينساه أو يؤثر عليه سواه و ما كان يحصل ما حصل لولاه.

و مثال ذلك: أنك تحتاج إلى دابة تركبها في مهماتك و ارادتك، التي تعينك على سعادة دنياك و آخرتك، فإنك لو كنت تتكلف الأسفار بالمشي على قدميك، كان في ذلك من الذل و المشقّة ما لا يخفى عليك.

و تفكّر أنه لو لم يخلق اللّه دابة تركب إلّا دابتك، كيف كنت تكون في السرور بها و التعظيم لواهبها، و كيف كان يحسدك الملوك و غيرهم عليها، و كيف كانت تكون آية اللّه جلّ جلاله تنظر الخلائق إليها، فكن عافاك اللّه بتلك المنة الجليلة و الأيادي العظيمة الجميلة.

و ايّاك أن تكون كثرة الدواب من ربّ الأرباب يهون قدر النعمة بها، و يصغر عندك شرف بذله جلّ جلاله بها، فإن العقل ما قضى أن كلّما بالغ المولى الأعظم في الأكرام و الاسعاف، إن العبد يبالغ في الاحتقار لمولاه و الاستخفاف، حتى يبلغ الجاهلين إلى مقام الجحود لصاحب الجود و الهلاك في اليوم الموعود،

156

فاحذر أن تتبعهم على الجهالات، فالقوم قد أحاطت بهم مصائب الغفلات، و هم في ذل الندامات.

و مثال ذلك يا ولدي محمد: أنك تحتاج إلى ما تستعمله من آلات المشي، و آلات الركوب، و آلات التصرف في الحركات و السكنات، و آلات المأكولات و المشروبات. و إيّاك ثم إيّاك أن يشغلك حضور ذلك بين يديك بغير مشقة عليك من المنعم جلّ جلاله المحسن به إليك.

كما أنك تجد في حياتي أو بعدي لك مليكات و جاها عريضا جليلا، و كلما تلقى مهيئا على يدي كثيرا كان أو قليلا، فلا تشغل بشكري او ذكري عن اللّه جل جلاله الذي أمرني به، و حبب اليّ و مكنني من استعداد ذلك لك و لأخوتك قبل حاجتهم إليه و حاجتك، بل اشتغل بذكره عن ذكري، و بشكره عن شكري.

[الفصل الثامن عشر و المائة: الحثّ على الزواج‏]

(الفصل الثامن عشر و المائة) و تذكّر يا ولدي محمد ملأ اللّه جلّ جلاله قلبك من أذكاره و مناره، إذا احتجت إلى زوجة تعينك على تفرغ خاطرك من شغل الشهوات الزائلة، و يسلمك مولاك بها من سموم المعاصي و اللذات القاتلة، و تكون عونا لك على استخراج عبيد أو اماء من العدم إلى الوجود من صلبك و ترائبك بسببكما جلّ جلاله في تحصيل ذلك المقصود، ليخدمونه و يسبّحونه و يعظّمونه جلّ جلاله و يحيون سنّة نبيك جدك محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و يكونون دعاة إليه، و ليباهي بهم الأمم و لو بالسقط من الأولاد، و ليكون من مات منهم صغيرا ذخيرة لكما يوم المعاد، و من أطاع اللّه جلّ جلاله منهم و شرّفه بخدمته مكتوبا ذلك لكما في صحائف طاعته، إذا كنتما قد قصدتما بالاجتماع و النكاح ما يقرّ بكما إليه و إلى رضاه و محبته.

و إيّاك ثم إيّاك أن تقرب من زوجتك أو جاريتك بمجرد الطبع الترابي على‏

157

عادة الدواب و الحمير، فإن ذلك من أقبح التدابير، و إنّما تكون قاصدا امتثال أمر اللّه جلّ جلاله، و امتثال أمر رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، فيما أراد منك بذلك النكاح المشار إليه.

فإن خفت غلبة الشهوة عليك فتمنعك من هذه النية المرضية، فاستعن بالاستخارة قبل الشروع في الخلوة بهذه المطالب الصادرة عن المواهب الإلهية، فإنني قد ذكرت في كتاب (فتح الأبواب بين ذوي الألباب و بين ربّ الأرباب) ما لم أعرف أحدا سبقني إلى مثله، و كان ذلك من كرم اللّه جلّ جلاله و فضله.

[الفصل التاسع عشر و المائة: توصيته لولده بعدم مخالطة الناس‏]

(الفصل التاسع عشر و المائة) و إيّاك يا ولدي محمّد طهّر اللّه جلّ جلاله في تطهير سرائرك من دنس الاشتغال بغيره عنه و ملأها بما يقرّبك منه إذا احتجت إلى مخالطة الناس لحاجتك إليهم و لحاجتهم إليك، ثم إياك ثم إيّاك أن تغفل عن التذكر أن اللّه جلّ جلاله مطّلع عليهم و عليك، و أنكم جميعا تحت قبضته و ساكنون في داره، و متصرفون في نعمته و أنتم مضطرون إلى مراقبته، و أنه قد توعدكم بمحاسبته.

و ليكن حديثك لهم كأنه في المعنى له و بالاقبال عليه، كما لو كنت في مجلس خليفة أو سلطان و عنده جماعة، فإنك كنت تقصده بحديثك و الناس الحاضرون في ضيافة حديثك له و اقبالك عليه.

[الفصل العشرون و المائة: ما يبتلى به المخالط للناس‏]

(الفصل العشرون و المائة) و اعلم يا ولدي محمد، و من بلغه كتابي هذا من ذريّتي و غيرهم من الأهل و الاخوان، علّمك اللّه جلّ جلاله و إيّاهم ما يريد منكم من المراقبة في السر و الاعلان، أن مخالطة الناس داء معضل، و شغل شاغل عن اللّه عزّ و جل مذهل، و قد بلغ الأمر في مخالطتهم إلى نحو ما جرى في الجاهلية من الاشتغال بالأصنام عن الجلالة الإلهية.

158

فأقلل يا ولدي من مخالطتك لهم و مخالطتهم لك بغاية الإمكان، فقد جربته و رأيته يورث مرضا هائلا في الأديان. فمن ذلك أنك تبتلي بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكرات، فإن أقمت بذلك على الصدق و أداء الأمانات، صاروا أعداءك على اليقين، و شغلوك بالعداوة عن ربّ العالمين.

و إن نافقتهم و داريتهم، صاروا آلهة لك من دون مولاك، و افتضحت معه و هو يراك، و وجدك تستهزئ به في مقدّس حضرته، و تظهر خلاف ما تبطن بالاستخفاف بحرمته، و أن اطلاعهم عليك كان أهم لديك من اطلاعه عليك.

و إن غرك الشيطان و طبعك و هواك و الحب لدنياك، و خيلوا إليك أنك ما تقدر على الانكار و المجاهرة، فقل لهم: إنّك تعلم خلاف ما يقولون من هذه المخادعة و المماكرة، بدليل أن الذين كسروا حرمة ربك، و حرمة رسوله جدك، و حرمة أئمتك المعظّمين بالمنكر، الذي استخفوا بحرمة مالك الأولين و الآخرين، و حرمة الأنبياء و المرسلين، و كل وليّ للّه جلّ جلاله من العارفين، و هتكوا به ناموس الدين، لو كانوا قد كسروا به حرمتك و حرمة من يعز عليك من الآدميين.

مثاله: أن يأخذوا عمامتك من رأسك بين الحاضرين، أو أن يسلبوك شيئا قهرا من الذين بين يديك بالاستخفاف بك و التهوين، ما كنت تتغافل عنهم و لا تصبر عليهم، و لا تعتذر بأنك ما كنت تقدر أن تنكر عليهم، بل كنت تخاصمهم لعل بنفسك و مالك، و تبالغ بغاية اجتهاد مقالك و فعالك في الانتقام منهم و الاعراض عنهم و الانكار عليهم و التوصل في الانتصار عليهم، فعلى م لا يكون كسر حرمة مولاك فاطر الخلائق و مالك المغارب و المشارق، مثل كسر حرمتك اليسيرة إلى حرمته العظيمة الكبيرة، و كيف رضيت أن تكون حرمتك أهم من حرمته، و أنت غريق نعمته و مملوك ضعيف في قبضته، و ما الذي هوّن بهذه الجرأة الهائلة في مقدس حضرته.

و اعلم أنك تبتلي بمخالطتهم بأن يتفق لك أن تثق بعهودهم أكثر من وعود مولاك، و أنت تعلم أنهم يمكن أن يموتوا قبل انجاز الوعود، و يمكن أن يخلفوا

159

و لا يفوا بالعهد، و يمكن أن يحول بينك و بين الانتفاع بوعودهم لو أنجزوها حوائل و يشغلك عنها شواغل، فكيف رضى عقل العاقل و فضل الفاضل بترجيح وعد المملوك المعوّد بالجنايات و الخيانات و تضييع العهود و الأمانات، على وعد القادر بذاته، الكريم لذاته، الذي لا حائل بينه و بين سائر مقدوراته.

و اعلم أنك يا ولدي تبتلي مع مخالطتهم بأن يكون وعيدهم و تهديدهم أرجح من وعيد اللّه جلّ جلاله و تهديده و في ذلك مخاطرة مع اللّه جلّ جلاله، و استخفاف لأهوال وعيده.

و اعلم أنه يبتلي المخالط لهم بالانس بهم أكثر من انسه بمولاه و مالك دنياه و اخراه، و إنّما حصل الانس بمخالطتهم بوجود العبد و حياته و عافيته، و كل ذلك من رحمة مولاك و من نعمته، فكيف جاز تقديم الانس بسواه عليه، و العبد الذي بين يديه و سيده مطلع عليه.

و اعلم أن الانسان قد يبتلي أيضا بالمخالطة للعباد بحب مدحهم و كراهة ذمهم، و يشتغل بذلك عن حب مولاه و ذمه له، و عن حبه هو لمولاه، و عن الخوف من ذمه إذا عصاه.

و مما يبتلي به المخالط لهم أن اللّه عزّ و جل و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و نوابه الطاهرين يريدون منه العدل مع الذين هم له مخالطون أو معاشرون أو مصاحبون، و أن يكون تقربه لهم و اقباله عليهم في قوله و احسانه إليهم على ما يعرف و يظهر له من قربهم من اللّه عزّ و جل و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و خاصته، و على قدر رغبتهم في طاعة اللّه جلّ جلاله و مراقبته.

و مما يبتلي به المخالط لهم أنهم إذا كسروا حرمته بقول أو فعل من معاند، أو من يفعل ذلك به على جهل، أو يكون كما قدمناه غضبه بذلك لما جرى أكثر من مخالفة اللّه جلّ جلاله و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) قبل غضبه لنفسه، و يعدل في غضبه و رضاه عدلا يسلمه من خطر حسابه و سؤاله.

و مما يبتلي به في مخالطتهم أنه يراد منه ألا يشتغل بإقبالهم و ثنائهم عليه عن‏

160

اقباله على اللّه عزّ و جل و اقبال اللّه جلّ جلاله عليه، و لا يعطيهم من قلبه إذا أحسنوا إليه أكثر، و لا مثل احسان اللّه جلّ جلاله إليه، بل يكون له شغل شاغل باحسان اللّه جلّ جلاله في العاجل و الآجل عن كل محسن مدة احسانه، فإنّه إن دام على ذلك فهو مقدار أوقات قلائل.

و مما يبتلي به في مخالطتهم ما قد صار عادة و سبيلا من الغيبة و النميمة، و الحسد و الكبر و الأخلاق الذميمة.

و لقد رأيت البلوى بمخالطتهم قد سرت إلى فساد العبادات، حتى صارت زيارة أكثر الإخوان متعلقة بنفع دنيوي، أو دفع خطر دنيوي، و يستبعد سلامتها من سقم النيّات.

و صارت عيادة المرضى على سبيل التوجّع و التألم للمريض، كأن اللّه جلّ جلاله قد ظلمه بالمرض، و كان حق العائد لأهل الأمراض أن يهنئهم بتلك الأمراض؛ لأنهم: إما مسيئون و يريد اللّه جلّ جلاله بمرضهم تكفير السيئات، أو ما هم من اهل الجنايات فيريد اللّه جل جلاله بامراضهم من ارتفاع الدرجات، ما لو اطلعوا عليه وجدوه قد شرّفهم بتلك الحادثات. و كان الحال عندهم مثل طبيب فصد انسانا وقت عافيته ليأمن بذلك من سقم أو نقص يتجدد بمهجته، أو لحفظ ما هو أهم على المفتصد من سعادته.

أما يرضى ابن آدم أنّه يوسّخ قلبه و عقله و لسان حاله بجنايات فعاله و مقاله، و يأتي اللّه جلّ جلاله على صفات غاسل من الأمراض لأقذاره و مطهّر الأرجاس بيد اقتداره؟! أقول: و لقد مرض يا ولدي بعض الولاة و ضجر من المرض حتى كاد يعارض مولاه، فقلت له مكاتبة ما معناه: أنت تعلم أنك في صف عدو اللّه جلّ جلاله المسمّى بالشيطان، ترمي جناب اللّه جلّ جلاله المقدّس بأحجار المنجنيق بالمعاصي مجاهرة بالإعلان، فإذا سقط من منجنيقك عند ضربك لعظمة مخالفته حجر لطيف غير قاتل لك، فضربك به ليكفّر عند ضربك لجلالته، فهل يكون‏

161

احسانا و اكراما أو هوانا و انتقاما.

و لقد رأيت يا ولدي كثيرا من تشييع الجنائز و الصلوات على الأموات، و هو أعظم مقامات العظات التي كان ينبغي أن يشتغل العبد بأهوالها عن الدنيا و أهلها أو عن الغفلات، قد صار على سبيل المكافآت و التقرب إلى قلوب أوليائهم. فلو مات صالح على اليقين، و ليس له من الأحياء من يتقرب إليه بالصلاة عليه، لقل الراغبون في تشييع جنازته، و سقطت مراسم سلطان العالمين و أوامر سيد المرسلين.

و كذلك لو مات أحد ممن له أولياء يرجى نفعهم و كانوا حاضرين و إن لم يقدروا على ايذاء المشيّعين و المصلّين، رأيت توفير الاجتماع للصلوة عليه حتى ممن هو مستغن عن نفع أولياء المشيّع المسكين.

[الفصل الحادي و العشرون و المائة: أصعب المخالطة هي مخالطة العصاة]

(الفصل الحادي و العشرون و المائة) و اعلم يا ولدي محمد بارك اللّه جلّ جلاله في حياتك، و شرّف مقاماتك، أن أصعب المخالطات مخالطة العصاة، سواء كانوا ولاة أو غير ولاة، إذا لم تكن مخالطتهم للانكار عليه و بأمر اللّه جل جلاله لإهداء النصيحة المجردة إليهم، فإن اللّه جلّ جلاله يريد من الانسان إذا خالطهم لغير ما أمره به مولاه المطّلع على سره و نجواه، أن يكون على أقل المراتب قلبه معرضا عمن اللّه جلّ جلاله معرض عنه، و نافر ممن اللّه جلّ جلاله ماقت له أو ساخط عليه.

و هذا مقام صعب شديد، و إنه و اللّه بعيد، و خاصة إن كان الذي يخالطه واليا و هو محتاج إليه، و قد قضى حاجته أو أحسن إليه، فكيف يبقى له قلب مع اللّه جلّ جلاله يوافقه في اعراضه و إقباله، هيهات هيهات، بل يفسد الوالي على الذي يقضي حاجته من دينه، و مفارقة مولاه أكثر مما يصلح بقضاء ما قضاه و يغيّر كثيرا من حاله في اخراه.

و لقد كتب يوما إلىّ بعض الوزراء يطلب مني الزيارة و الورود عليه، فكتبت إليه جوابه: كيف بقي لي قدرة على مكاتبتك في حوائجي و حوائج الفقراء و أهل‏

162

الضراء، و أنا مكلّف من اللّه جلّ جلاله و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام)، أن أكره بقاءك على ما أنت عليه حتى يصل كتابي إليك، و مكلّف أن اريد عزلك عن مقامك قبل وصول كتابي و قدومه عليك.

[الفصل الثاني و العشرون و المائة: ذمّه للدخول على الملوك و مخالطتهم‏]

(الفصل الثاني و العشرون و المائة) و لقد قال لي قائل من الفقهاء: فقد كانت الأئمّة (عليهم السلام) يدخلون على الملوك و الخلفاء.

فقلت له ما معناه: إنّهم (صلوات اللّه عليهم) كانوا يدخلون و القلوب معرضة عمن دخلوا عليه، ساخطة عليه بقدر ما أراد اللّه جلّ جلاله من سخطه و اعراضه عنهم. قلت: فهل تجد من نفسك هكذا اذا قضوا لك حاجة أو قربوك، أو وقع احسان إليك منهم؟ قال: لا، و اعترف بتفاوت الحال، و أن دخول الضعفاء ما هو مثل دخول أهل الكمال.

[الفصل الثالث و العشرون و المائة: رفضه لزيارة و مخالطة بعض الملوك الذين طلبوا منه ذلك‏]

(الفصل الثالث و العشرون و المائة) و لقد كرر مراسلتي و مكاتبتي بعض ملوك الدنيا الكبار في أن أزوره في دار يتنافس في دخولها كثير من أهل الاغترار، فقلت له مراسلة: انظر المسكن الذي أنت ساكنه الآن، فإن وجدت فيه حائطا أو طابقة أو أرضا أو فراشا أو سترا أو شيئا من الآنية وضع للّه جلّ جلاله و في رضاه حتى أحضر، و أجلس عليه و أنظر إليه و يهون علي أن أراه.

و كتبت إليه غير مرة: إن الذي كان يحملني على لقاء الملوك في بداية الأعمار التعويل بالاستخارة، و قد رأيت الآن بما وهبني اللّه جلّ جلاله من الأنوار و الاطلاع على الأسرار أن الاستخارة في مثل هذه الأسباب بعيدة عن الصواب و خاطرة مع ربّ الأرباب.

و مما يبتلى به الإنسان في مخالطة الناس يا ولدي محمد أغناك اللّه جلّ جلاله‏

163

عن مخالطتهم بالقوة الإلهية و الأنوار الربانيّة، تنظر بها خطر شواغلهم عن اللّه جلّ جلاله بمعاشرتهم، أنّه يقتضي التصنّع لهم في حركاته و سكناته و ملبوسه، و قيامه و جلوسه، و الاشتغال باقامة ناموسهم عن حرمة اللّه جلّ جلاله و عظيم ناموسه.

و لقد قال لي بعض العلماء المشكورين: لأي سبب تترك مجالستنا و محادثتنا و أنت تدعونا و تقرّبنا إلى ربّ العالمين.

فقلت له ما معناه: لأنني لو رأيت نفسي قوية كل أوان و زمان على أن اجالسكم و احدّثكم، و أنا مشغول في حال مجالستكم و محادثتكم بمجالسة اللّه جلّ جلاله و محادثته بقلبي و سريرتي، و أنكم في ضيافة اقبالي على حرمته بكليتي، كنت جالستكم و حدثتكم في كل وقت ممكن من الأوقات. و لكن أخاف أن احدّثكم أو اجالسكم و قلبي تارة ملآن منكم، و مفرغ من تذكاري انني بين يدي اللّه جل جلاله، فأعتقد ذلك كالكفر إذا عزلته عن ربوبيته و ولايته، و وليتكم و أنتم مماليكه عليه و على قلبي الذي هو موضع نظره و مسكن معرفته.

و إن جالستكم و حدّثتكم و قلبي تارة معكم و تارة معه، اعتقدت ذلك شركا و هلكا، حيث جعلت موقعكم من قلبي موقعه.

[الفصل الرابع و العشرون و المائة: مخالطته للناس في داره فقط بعد استخارته للّه تعالى في ذلك‏]

(الفصل الرابع و العشرون و المائة) و اعلم يا ولدي محمد مكّنك اللّه جلّ جلاله من مراده، و ألهمك الانقياد إليه و المنافسة عليه، أني عزمت على الانقطاع من كل شي‏ء يشغلني عن ربّ العالمين عن الخلائق أجمعين، و حضرت مشهد جدك أمير المؤمنين (عليه السلام)، و استخرت اللّه جلّ جلاله في ذلك استخارة على اليقين، فاقتضت الاستخارة أنني لا أترك مخالطتهم في مسكني بالكلّية، فأنا اخالطهم إذا حضروا باللّه عزّ و جلّ في أوقات أرجو فيها سلامتي مع الجلالة الربانيّة، و إذا رأيت روحي مشغولا بهم أدنى اشتغال تركت محادثتهم في الحال.

164

[الفصل الخامس و العشرون و المائه: ذكر أمور خاصة و عامة تتعلق بجدّه ورّام‏]

(الفصل الخامس و العشرون و المائة)

[ذكر جدّه ورّام و بعض أحواله و كيفية شروعه في الدرس وبيانه معرفة الملوك و الرؤساء له‏]

و اعلم يا ولدي محمّد صانك اللّه جلّ جلاله عن مواقف إعراضه عنك، و زانك بترادف خلع إقباله عليك و قبوله منك، أن من جملة ما بليت به بالمخالطة للناس معرفة الملوك بي و حبهم لي، حتى كاد أن يفسد عليّ سعادة الدنيا و الآخرة، و يحول بيني و بين مالكي صاحب النعم الباطنة و الظاهرة، و ما كنت تدركني إلّا و أنني لابس ثياب العار بطلب ولايات دار الاغترار، و قائدا لك إلى الهلاك و عذاب النّار، و ما خلّصني من خطر اقبال ملوك الدنيا و حبهم، و سلّمني من السموم القاتلة في قربهم إلّا اللّه جلّ جلاله على التحقيق.

فأنا عتيق ذلك المالك الرحيم الشفيق، و ذاك أن أول ما نشأت بين جدي ورام و والدي (قدّس اللّه أرواحهم) و كمّل فلاحهم، و كانوا دعاة إلى اللّه جلّ جلاله، و طالبين له جلّ جلاله، فألهمني اللّه جلّ جلاله سلوك سبيلهم و اتباع دليلهم، و كنت عزيزا عليهم، و ما أحوجني اللّه جلّ جلاله باحسانه إليّ و إليهم ما جرت عليه عادة الصبيان من تأديب لي منهم أو من استاذ بسبب من أسباب الهوان.

و تعلّمت الخط و العربية، و قرأت في علم الشريعة المحمّدية (صلّى اللّه عليه و آله) كما قدّمنا ذكره و قرأت كتبا في اصول الدين.

[رفضه للافتاء و تعليم الناس‏]

و أراد بعض شيوخي أنني أدرس و اعلّم الناس و أفتهم و أسلك سبيل الرؤساء المتقدّمين، فوجدت اللّه جلّ جلاله يقول في القرآن الشريف لجدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) صاحب المقام المنيف: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ‏ (1).

أ فرأيت أن هذا تهديد من ربّ العالمين لأعز عليه من الأولين و الآخرين أن‏

____________

(1) الحاقة: 44- 47.

165

يقول عليه بعض الأقاويل، فكرهت و خفت من الدخول في الفتوى؛ حذرا أن يكون فيها تقوّل عليه، و طلب رئاسة لا أريد بها التقرب إليه فاعتزلت عن أوائل هذا الحال قبل التلبس بما فيها من الأهوال، و اشتغلت بما دلّني عليه العلم من العمل الصالح، و لم أكن عرفت و لا سمعت من أحد ما قد كتبت به إليك يا ولدي من الهدايات و فتح أبواب العنايات، لكن كان الأمر مبيّنا على ظاهر العبادة، و ايقاعها على مقتضي العادة.

[رفضه لأن يكون حاكما بين المتخاصمين‏]

ثم اجتمع عندي من اشار إلى أن أكون حاكما بين المختلفين على عادة الفقهاء و العلماء من السلف الماضين، و مصلحا لامور المتحاكمين.

فقلت لهم: إنني قد وجدت عقلي يريد صلاحي بالكليّة، و نفسي و هواي و الشيطان يريدون هلاكي بالاشتغال بالامور الدنيوية، و أنا قد دخلت بين عقلي و نفسي و الشيطان و هواي، على أن أحكم بينهم بمجرد العدل و يتّفقون كلّهم مع العقل، فلم يوافقوا على الدوام على صواب هذه الأحكام.

و قال لسان حال العقل: إنّه لا يجوّز أن يكون تبعا لهم على الهلاك و الجهل، و ما تهيأ في عمر طويل أن أحكم بين هذين الخصمين، أو اصالح بينهم مصالحة تقر بها العين، و تنقطع معهم المنازعات و المخالفات. فمن عرف من نفسه الضعف عن حكومة واحدة مدة من الأوقات، كيف يقدم على الدخول فيما لا يحصى من الحكومات؟! و قلت لهم: انظروا من اتفق عقله و نفسه و طبعه و هواه و قوى على الشيطان، و صار كلّهم يدا واحدة في طلب طاعة اللّه و رضاه، و تفرّغ من مهماته المتعيّنة عليه فتحاكموا عنده، فإنّه يكون قادرا بتلك القدرة على فصل الحكومات و المصالحات إذا حضر الخصومة بين يديه.

فاعتزلت يا ولدي محمد عن رئاسة هذا الباب، و رأيت في اللّه جلّ جلاله و نفسي شغل شاغل بمقتضي حكم الألباب.

166

[الفصل السادس و العشرون و المائة: بيان زواجه و ما ترتب عليه هذا الزواج‏]

(الفصل السادس و العشرون و المائة) ثم اتّفق ايثار والديّ (قدّس اللّه أرواحهما و نوّر ضريحيهما) لتزويجي، كما شرحته في كتاب (البهجة لثمرة المهجة)، كنت كارها لذلك الاتصال خوفا من أن يشغلني عن صواب الأعمال و اقتضى ذلك صحبته لمن اتصلت إليهم ثم دخل بعضهم في الولاية، ثم اجتهدت به أن يتركها و توصلت معه مثلا بكل آية حتى كدت أن أبلغ النهاية فلم يوافق على الاعتزال، فأدى ذلك إلى فراقه و كراهة المجاورة لهم في بلد الحلة، و قطعت ما جرى به عادة الناس من الاشتغال بالأقوال، و توجهت إلى مشهد مولانا الكاظم (عليه السلام) و أقمت به حتى اقتضت الاستخارة التزويج بصاحبتي زهرا خاتون بنت الوزير ناصر بن مهدي (رضوان اللّه عليها و عليه)، و أوجب ذلك طول الاستيطان ببغداد و هي محل حبائل الشيطان.

167

[الفصل السابع و العشرون و المائة: طلب الخليفة المستنصر المؤلّف للفتوى، و اعتذاره عن ذلك‏]

(الفصل السابع و العشرون و المائة) فأول شرك نصبه الشيطان ليفرّق بيني و بين اللّه جلّ جلاله صاحب الرحمة و الاحسان، أنّه طلبني الخليفة المستنصر- جزاه اللّه عنا خير الجزاء- للفتوى على عادة الخلفاء، فلما وصلت عند باب الدخول إلى من استدعاني لهذه الحال تضرّعت إلى اللّه عزّ و جل مالك الأمان و سألته أن يستودع مني ديني و كلّما وهبنيه، و يحفظ علي كلّما يقرّبني من مراضيه حتى أخرج من عند المشار إليه.

فحضرت فاجتهد بكل جهد بلغ توصله إليه أنني أدخل في فتواهم، فقواني اللّه جلّ جلاله على مخالفتهم و التهوين بنفسي و ما املكه في طلب رضاء اللّه جلّ جلاله بالامتناع منهم و الإعراض عنهم، و جرت عقيب ذلك أهوال من السعايات فكفاني اللّه جلّ جلاله بفضله و زادني من العنايات.

و قد شرحت لك بعض تلك الأشياء في كتاب (الاصطفاء). فلو أنني دخلت يا ولدي محمد ذلك اليوم معهم في هذه الفترة الدنيوية، و لعب أهل الدنيا و قواعدهم الردية، كنت قد هلكت أبد الآبدين، و كانوا قد أدخلوني فيما يفرّق بيني و بين ربّ العالمين.

168

[الفصل الثامن و العشرون و المائة: نهيه لولده عن الدخول مع الملوك في أمورهم و هزلهم و دعوة الخليفة المستنصر المؤلف بأن يتولى نقابة الطالبيين، و رفضه ذلك‏]

(الفصل الثامن و العشرون و المائة) و إيّاك ثم إيّاك أن تدخل معهم في شي‏ء من هزلهم و لعبهم و بدعهم المخالفة لجدك سيد المرسلين، و لأبيك سيد الوصيين.

ثم عاد الخليفة و دعاني إلى نقابة جميع الطالبيين على يد الوزير القمي و على يد غيره من أكابر دولتهم، و بقي على مطالبتي بذلك عدة سنين، فاعتذرت بأعذار كثيرة فقال الوزير القمي: ادخل و اعمل فيها برضى اللّه.

فقلت له: فلأى حال ما تعمل أنت في وزارتك برضاء اللّه تعالى، و الدولة أحوج اليك منها إلي، فلو كان هذا يمكن كان قد عملته أنت. ثم عاد يتهددني، و ما زال اللَّه جلّ جلاله يقوّيني عليهم حتى أيدني و أسعدني.

و عاد المستنصر كلّف مخاطبتي بصديق فتحيّل معي بكل طريق فقال: إما أن تقول أن الرضي و المرتضى كانا ظالمين، أو تعذرهما فتدخل في مثل ما دخلا فيه.

فقلت: اولئك كان زمانهم زمان بني بويه، و الملوك شيعة، و هم مشغولون بالخلفاء و الخلفاء بهم مشغولون، فتم للرضي و المرتضى ما أرادوا من رضاء اللّه جلّ جلاله.

و اعلم: أن هذا الجواب اقتضاه التقية و حسن الظن بهمتهما الموسوية، و إلّا فانني ما أعرف عذرا صحيحا لدخول المذكورين في تلك الامور الدنيوية. فإيّاك ثم إياك من موافقة أحد من الملوك على الهلاك، و لا تؤثرن على اللَّه جلّ جلاله مولاك و مالك دنياك و آخرتك سواه، و لا تقبّح ذكر سلف الطاهرين بمخالفة رضاه جلّ جلاله، و لا تساعد على هدم ما بنوه من الشرف لك في الدنيا و الدين، و لا تجعلهم يوم القيامة خصوصا و معرضين عنك و نافرين منك.

[الفصل التاسع و العشرون و المائة: طلب ابن الوزير القمي من المؤلّف أن يكون نديما له، و رفضه ذلك‏]

(الفصل التاسع و العشرون و المائة) ثم عاد اغراؤهم بأبيك حتى طلبه ولد الوزير القمي و التمس أن أكون نديما في‏

169

البداية، فعلمت أن ذلك يفضي إلى هلاكي باشتغالي بالامور الدنيوية، فاجتهدت بكل حيلة ذكرتها، و هو يراجعني، حتى قلت له في آخر كلمات جملتها: إنني متى نادمتهم و ما أكشف لك و لوالدك أسرارهم و أحكي لك أخبارهم، اتهمتموني بأنني أسمع فيكم منهم ما تكرهون و تصيرون أعدائي، و يؤدّي الأمر بيني و بينكم إلى مقاطعة و إلى ما تعلمون.

و إيّاك ثم إياك أن تدخل معهم في شي‏ء من هذه الامور، فلا تصح و اللّه منادمة أهل دار الغرور إلّا بمفارقة مالك يوم النشور، و أكثر امور أهل دار الفناء هزل مفسد، و مخرب لدار البقاء، و حائل بين العبد و بين مالك الأحياء. و لا تصح منادمتهم بالجد و السلامة من يوم القيامة، هيهات هيهات كذب و اللّه من يقول لك إن ذلك طريق من طرق السعادات.

[الفصل الثلاثون و المائة: اختيار الخليفة المستنصر المؤلّف لئن يكون رسولا للتتر، و رفضه ذلك.]

(الفصل الثلاثون و المائة) ثم عاد الشيطان لعنه اللّه اغراهم بأبيك أن اختار الخليفة المستنصر جزاه اللّه خير الجزاء أن أكون رسولا إلى سلطان التتر، فقلت لمن خاطبني في هذه الأشياء ما معناه: أنا إن نجحت ندمت، و إن جنحت ندمت.

فقال: كيف؟

فقلت: إن نجاح سعيي يقتضي أنكم ما تبغون تعزلوني من الرسالات إلى أن ألحق بالأموات، و تشغلوني عن العبادات و غيرها من المهمات. و إن جنح الأمر بين يدي سقطت من عينكم سقوطا أدى إلى كسر حرمتي و فتح باب أذيتي، و اشتغالي عن دنياي و آخرتي، و قلت له: أبلغ من هذا مما أجراه اللّه جلّ جلاله على لسان حال سعادتي.

فإياك ثم إياك أن يقول لك أحد: إن هذا من المساعدات على الطاعات، و لا تقنع بالتأويل و المغالطات، فإن كل أمر مخالف يخالف عقيدتك لا تجوز المعونة عليه بحركة من الحركات، و لا باشارة من الاشارات، و من قال لك غير هذا فهو من‏

170

حبائل الشيطان و كلامه هذيان.

ثم عاد الخليفة المستنصر- جزاه اللّه خير الجزاء- كلّفني الدخول في الوزارة، و ضمن لي أنه يبلغ بي في ذلك إلى الغاية، و كرر المراسلة و الاشارة. و قد شرحت لك في كتاب (الاصطفاء) هذا الابتلاء و البلاء، فراجعت و اعتذرت حتى بلغ الأمر إلى أن قلت ما معناه: إن كان المراد بوزارتي على عادة الوزراء، يمشون امورهم بكل مذهب و كل سبب، سواء كان ذلك موافقا لرضاء اللّه جلّ جلاله و رضاء سيد الأنبياء و المرسلين أو مخالفا لهما في الآراء، فإنك من أدخلته في الوزارة بهذه القاعدة قام بما جرت عليه العوائد الفاسدة.

و إن أردت العمل في ذلك بكتاب اللّه جلّ جلاله و سنة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، فهذا أمر لا يحتمله من في دارك، و لا مماليكك و لا خدمك و لا حشمك و لا ملوك الأطراف، و يقال لك اذا سلكت سبيل العدل و الانصاف و الزهد: إن هذا علي بن طاووس علوي حسني ما أراد بهذه الامور إلّا أن يعرّف أهل الدهور، أن الخلافة لو كانت إليهم كانوا على هذه القاعدة من السيرة، و أن في ذلك ردا على الخلفاء من سلفك و طعنا عليهم، فيكون مراد همتك أن تقتلني في الحال ببعض أسباب الأعذار و الأهوال.

فإذا كان الأمر يفضي إلى هلاكي بذنب في الظاهر، فها أنا ذا بين يديك اصنع بي ما شئت قبل الذنب، فأنت سلطان قادر.

و شرعت في الرحيل و الانتقال عن بغداد بالكليّة، و ما زلت باللّه جلّ جلاله حتى انتقلت إلى الحلة، و سلّم اللّه جلّ جلاله برحمته الأولية و بعنايته بالسلف الصالح و وصائهم لجلاله بالذرية.

[الفصل الحادي و الثلاثون و المائة: تحذيره ولده من أغراء الشيطان له‏]

(الفصل الحادي و الثلاثون و المائة) فإياك ثم إياك أن تشمت بي الشيطان بعد وفاتي، و أن تجعله يوافيني و يقول:

قد ظفرت بولدك الذي هو قطعة من كبدك، و تأتينا يوم القيامة و عليك لباس‏

171

الندامة، فأنت مفتضح مشهور بين أهل السلامة. فبأي وجه تلقي جدك محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله)، و أباك عليّا (عليه السلام)، و سلفك الأطهار و قد أعنت عليهم و قبّحت ذكرهم، و كنت عدوا لهم؛ لأجل عار أيام قصار.

و بأي وجه تلقاني بعد هذه الوصية و الرسالة، و قد قنعت بالرذالة عوضا عما دعوتك إليه من الجلالة، لا باللّه لا تفارق هذا الباب الشريف الإلهي المقدّس المهجور الآن، و ألزمه و هوّن في لزومه بالنفس و الأهل و المال و جميع الامكان، و نافس فيه أيام الكساد لتأتينا و أنت ملك عظيم من ملوك الدنيا و المعاد، و مولاك راض عنك هو و من سلف لك من الملوك المسعودين من الآباء و الأجداد.

172

[الفصل الثاني و الثلاثون و المائة: تحذيره ولده من الدخول مع الولادة]

(الفصل الثاني و الثلاثون و المائة) و اعلم يا ولدي محمّد علّمك اللّه جلّ جلاله ما أنت محتاج إلى تعليمه مما يزيدك من تعظيمه و تكريمه، أن الدخول مع الولاة لو كان شي‏ء يزيد المسلم في شرف دنياه، كنت قد عمّرت لك من الشرف بالدخول معهم و القبول منهم نهايات المأمول، و لكنه خلاف ما كان عليه سلفك، و عار على من دخل فيه، و نقص لا يبلغ وصفي إليه.

و متى رأيت من أهل عقيدتك و عقيدة آبائك الطاهرين من تعتقد له شرفا بولاية و معونة أحد من الظالمين، فينبغي أن تعرف أنه مسكين مريض العقل سقيم الدين، يحتاج إلى من يحمله إلى البيمارستان، و يعالجه تارة بالاحسان و تارة بالهوان، حتى يفيق من سكرته و يعرف قدر مصيبته. فالحق سبيل واضح واحد قد دلّ القرآن و جدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) إليه، و من خرج عنه فإلى غضب اللّه جلّ جلاله و سخطه و هوانه و نيرانه، و الفضيحة العظمى إذا قدم عليه.

و لقد وجدت الأبناء يتعصبون للآباء في اعتقاد الباطل، حتى تعصّبوا لهم في عبادة الأصنام، و قتلوا نفوسهم و عرضوا لها للاصطدام، فعلام لا يتعصب أبناء القوم المسعودين في الدنيا و الدين، و يحفظون سبيل آبائهم الطاهرين، و يمضون عليه قدما بغير تهوين و لو خاطروا في ذلك بالدنيا كلها كان مقدارها عند العارفين مقدارا هيّنا.

173

و ما أقبح ما يأتي أحد من ذرية سيد الأنبياء في يوم الجزاء، و يكون الغرباء أقرب إلى جده محمد (صلّى اللّه عليه و آله) منه، و العوام قد أقبل عليهم و هو معرض عنه، و الغلمان له قد صاروا ملوكا بالطاعة، و الأبناء له قد صاروا مضحكة للشيطان بالاضاعة، و قد نادى بينهم المنادي و هم يسمعون‏ لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ‏ (1).

[الفصل الثالث و الثلاثون و المائة: تفصيله الاصابة بالجنون أو البرص و الجذام على الدخول على الولاة]

(الفصل الثالث و الثلاثون و المائة) و اعلم يا ولدي محمد حفظ اللّه جلّ جلاله عليك دينك و دنياك و كمّل يقينك و تولاك، أنه لو كان قد عرض لي عمري كله مرض الجنون أو البرص و الجذام، كان أسهل من الابتلاء بولايات اشوّه بها بياض وجوه الإسلام، و أهدم بها شيئا مما بناه الأنبياء و جدك محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و أكون عارا عليه، و أشمت أعداء دينه بإساءة سمعتي و سمعته و المساعدة عليه، و يقولون أو يتوهمون أنه لولا أن دين جدّنا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) كان على هذه الصفات من الولايات، و ما يشتمل عليه من الهزل و اللعب و المجاهرة بالمحرمات، و إلّا ما كان فلان ولده المظهر لناموس الدين قد دخل مع الولاة، و سلك سبيلهم في التهوين بمراسم جده و آبائه الماضين و فرح بالعكس عليه و أن ينسب سوء السريرة إليه.

فكيف تكون مصيبتي و ندامتي عند سكرات الموت، و كيف كانت تكون مواقفتي و محاسبتي و جهالتي و ذلتي يوم الحساب، و بأي عين كنت أنظر إلى جدك محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و السلف الأبرار، و بأي وجه كنت ألقاهم و قد كنت عليهم من أعظم العار.

و لو رحموني مثلا يوم الحساب و شفعوا في تخليصي من العقاب، كنت قد بذلت وجوههم الشريفة المصونة بالسؤال لكل من أظلمه بالولايات في أن يستوهبوا لي‏

____________

(1) الصافات: 61.

174

تلك الظلامات. و ما كان جزاء جدك محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) مني على هدايته و نبوته و شفاعته و احسانه أن اصغّر من شأنه، و أن أشرع في هدم بنيانه، و أن أخجله و أنا ولده بالرد لمقدّس قرآنه و تقبيح ذكر مرسله و سلطانه.

القتل المعجّل أي ولدي محمد أسهل من ذلك و أجمل، و تلك الأمراض من البرص و الجذام و الجنون كان ينقضي بالموت فيهون، و يكون الثواب منها و العوض عنها قرة للعيون و صحبة ملوك الآخرة، و الولايات الباقية الباهرة، و لبس خلع رضاء جبار الجبابرة، و طيب لقاء سلفك من العترة الطاهرة إذا اجتمع الأوّلون و الآخرون، وَ فِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ‏.

[الفصل الرابع و الثلاثون و المائة: بيان انتسابه إلى الإمام الحسين (ع)، و بيان انتقاله من الحلّة الى النجف ثم الى كربلاء، و عزمه على الاستيطان في سامراء]

(الفصل الرابع و الثلاثون و المائة) و لقد انتهى الحال يا ولدي محمد تولّى اللَّه جلّ جلاله تدبيرك في سائر الأمور إلى نحو ما كنت قد استخرت فيه مالك يوم النشور من ترك المخالطة لأهل دار الغرور، و لأنّه جلّ جلاله اختار لي النقلة من الحلة بالعيال إلى مشهد أبيك أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، فكنت فيه كالمعتزل من الناس إلّا في شاذ الأوقات، و مفارقا للجماعة نحو ثلاث سنين كما شرحناه في كتاب (الاصطفاء) بعنايات عظيمة في الدين و الدنيا، ما عرفت اللّه جلّ جلاله تفضّل على أحد مثلها ممن شرّفه بسكنى ذلك المقام المكين.

ثم اختار لي الانتقال بالعيال إلى مشهد جدك الحسين (عليه السلام)، و هو جدك من جانب بعض جدّاتك أم كلثوم بنت زين العابدين (عليه السلام)، و هو موطن أبعد عن الناس و البلاد؛ لأن مشهد مولانا علي (عليه السلام) قريب من الكوفة و هي ترداد العباد. و كتبت إليك هذه الرسالة و أنا مقيم في جوار حرم الحسين (عليه السلام) في ظل تلك الجلالة، معتزل عن الشاغلين، منفرد أبلغ من ذلك الانفراد عن العالمين.

ثم قد وقع في خاطرى أنني ربما إذا تمّ لي مجاورته ثلاث سنين أستخير في أن‏

175

أتشرف بمجاورة مولانا المهدي و أبيه و جده بسرّ من رأى (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، و هو أبلغ في العزلة بالكليّة، لأنّه بعيد عن بلادنا و معارفنا، و كأنّه صومعة في برية. و رجوت إذا شرفني اللّه بهذه الامنية أن تكون هذه المجاورة في الثلاثة المشاهد النبويّة ما سبقني أحد فيما أعلم إلى مثلها و إلى شرف فضلها، فما أعرف أحدا انتقل إلى كل مشهد منها بعياله، كما انتقلت على ما أمكنني اللَّه جلّ جلاله من افضاله، ليكون ذلك وسيلة إلى أن يسكنونا في جوارهم في دار قرارهم، و يشملونا بمبارهم، و يشركونا في مسارهم إن شاء اللّه تعالى.

176

[الفصل الخامس و الثلاثون و المائة: توصيته ولده بذكر اللّه دوما]

(الفصل الخامس و الثلاثون و المائة) و اعلم يا ولدي محمد حفظ اللّه جلّ جلاله فيك عنايته بآبائك الطاهرين و سلفك الصالحين، و سلك بهم كامل سبيلهم القوي المكين، أن أصل ما أنت فيه أن تكون ذاكرا أنك بين يدي اللّه جلّ جلاله و أنّه مطّلع عليك، و أنك كلما تتقلب فيه من احسانه إليك، و أنه صحبك من ابتداء إنشائك من التراب و تنقلك من الآباء و الامهات- كما شرحنا فيما فات- احسن الصحبة بالعنايات، و صحبك في وقت وجودك بما نبّهناك به عليه من السعادات، و أنت محتاج إلى جميل صحبته و رحمته مع دوام بقائه بعد الممات.

و من ذا يحميك منه إن أعرض عنك أو أعرضت عنه؟ و من الذي يحفظ عليك إذا ضيّعت نفسك و كلّما في يديك؟ و من الذي إذا أخرجته من قلبك تتعوض به عن ربك جلّ جلاله؟ فاريد من رحمته أن يملأ قلبك من معرفته و هيبته و رحمته، و يستعمل عقلك و جوارحك في خدمته و طاعته، حتى يكون إن جلست فتكون ذاكرا أنك بين يديه، و إن أقمت تكون ذاكرا أن قوة قدرتك على المشي منه، و تتأدب في المشي تأدب الماشي بحضرة ملك الملوك إليه الذي لا غناء عنه.

[الفصل السادس و الثلاثون و المائة: جوارح الإنسان بضائعه الى اللّه تعالى‏]

(الفصل السادس و الثلاثون و المائة) و اعلم أن جوارحك بضائع معك للّه جلّ جلاله، و أمانات جعلك تاجرا فيها لنفسك و لآخرتك، فمتى صرفتها في غير ما خلقت له من الطاعات و المراقبات، أو أنفقت وقتا من أوقاتك في الغفلات، كان ذلك الخسران عائدا إليك بالنقصان، و مثمرا أن يعاملك سيدك بالهجران و استخفاف الهوان.

و لا تقل أو تسمع من الجاهلين أو الغافلين إن هذا ما يقدر عليه، فانهم قالوا لنا مثل ذلك، و عرفنا باللّه جلّ جلاله أنّهم غالطون فيما أشاروا عليه؛ لأننا و وجدنا من نفوسنا و عقولنا أنها تتأدب مع الملوك و العظماء في دار الفناء، و مع الأصدقاء

177

و الرفقاء، بل و مع الغلمان و الجيران و من لا ترجوه لنفع و احسان، و لا لدفع أخطار الزمان، أدبا بقدر من يجالسه أو يشاهده منهم، فكيف جاز أن يكون الأدب مع علم اللّه جلّ جلاله بنا، و قدرته علينا، و إحسانه إلينا، دون هؤلاء الذين لا نبالي بالاعراض عنهم.

[الفصل السابع و الثلاثون و المائة: حفظ اللّه تعالى لعبده في السفر]

(الفصل السابع و الثلاثون و المائة) و إن احتجت إلى سفر يا ولدي كان اللّه جلّ جلاله لك حافظا في سفرك و جميع ما أحسن به إليك، و خلفا لك في كل ما تغيب عنه مما أنعم به عليك، فلا تسافر بالطبع و الغفلة و الأطماع الدنيوية، فتكون مخاطرا مع اللّه جلّ جلاله و مهونا بجلالته الإلهية، و مضيعا زمان أسفارك في غير ما ينفعك لدار قرارك، بل يكون قصدك أنك تتوجه من اللّه جلّ جلاله؛ لأنك حيث كنت فأنت بين يديه، و إلى اللّه جلّ جلاله بالتوكل عليه، و باللّه جلّ جلاله بالتفويض إليه، و إليه جلّ جلاله بالاقبال عليه، فيكون سفرك خدمة له و به و سفرا إليه، و تصير في حماية و رعاية و كفاية ذلك الاخلاص له و التقرّب إليه.

و مهما جرى في ذلك السفر كان بلسان الحال كان دركه عليه؛ لأن العقل قضى أن من سافر إلى سلطان عادل في شغله و تحت ظله و متمسّكا في سفره بحبله و بالوثيق من فضله، فإن درك حركات هذا المسافر على ذلك السلطان بمقتضى عدله.

و إن توقفت نفسك عن السفر على هذه الصفات، و طلبت التأسي بأهل الغفلات و تضييع الأوقات، فاستعن باللّه جلّ جلاله في قوتك على التوفيق، و استعمل ما ذكرناه في كتاب (فتح الأبواب) من الاستخارات، فإذا عملت بمقتضى تلك الاشارات صار سفرك بأمره جلّ جلاله و تعظيم قدره، و سلمت من الندامات. و متى سافر الانسان بمجرد الطباع و الشهوات، كان هو و الدابة التي يركبها سواء في الحركات و السكنات.

178

[الفصل الثامن و الثلاثون و المائة: ما يجب فعله عند النوم‏]

(الفصل الثامن و الثلاثون و المائة) و حيث قد ذكرت لك يا ولدي بعض ما أجراه اللّه جلّ جلاله على خواطري في أدب الحركات و التصرفات، فيحسن أن أذكر ما تحتاج إليه عند منامك، جعله اللّه جلّ جلاله كنوم ذوي المعارف و المراقبات، و قد شرحنا لك شرحا شافيا في كتاب (المهمات و التتمات).

فاجلس في فراش منامك بالأدب بين يدي مالك وجودك و حياتك و عافيتك و جلوسك و قيامك، تذكّر ما جرى منك قبل نومك من غفلة عن اللّه جلّ جلاله، أو تفريط في طاعتك له و خدمتك. و ما لم تتب عنه فتب في الحال عنه، فإنّك بالنوم تصير أسيرا لا تقدر أن تنفع نفسك قليلا و لا كثيرا و لا أن تدفع عنك في وقت منامك شيئا من الآفات التي لا يمكن التحرز منها، و تترك روحك و كل ما أعطاك اللّه جلّ جلاله من نعمته مستمرا لا تقدر أن تدفع عنها.

فصالح مولاك صلح العبد الذليل الحقير الفقير للمولى الجليل العلي الكبير، و اخشع بين يديه، و سلّم نفسك و كل ما وهبك اللّه و استودعه الجميع و قد سلمت من درك التضييع.

179

[الفصل التاسع و الثلاثون و المائة: العبد و ما في يده ملك للّه تعالى‏]

(الفصل التاسع و الثلاثون و المائة) و اعلم أنك على التحقيق ملكه، و ما في يدك ملكه، و هو أحق بحفظ ملكه منك، و لكنه شرّفك بأن جعلك أهلا أن تودعه و تجعله كالوكيل لك و النائب عنك، و بلّغك بذلك مقاما جليلا، كما قال لجدك و سيّدك رسوله صلوات اللّه و سلامه عليه و على آله‏ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (1).

و تذكّر كيف أنت يا ولدي محمد معطّل بالنوم عن خدمته، و هو جلّ جلاله بلسان الحال يخدمك بيد رحمته في امساكك، و امساك وجودك و حياتك و عافيتك، و كلّما تحتاج إليه من حفظ العيال و الأموال و الأمان، و ترويحك في الصيف بالهواء، و تمكينك في الشتاء من الدفاء. و كيف يتولى في جسدك تسيير الغذاء في الأعضاء، و كيف يحفظ سمعك و بصرك و جميع جوارحك، و يهيئ لك بعد النوم جميع مصالحك، و يعيد عليك كلّما ذهب بالنوم من فوائدك و جميع موائدك. فلو فعل هذا معك أو بعضه بعض الآدميين، أ ما كنت تعرف له حق ذلك أحسن الاعتراف، فاللّه جلّ جلاله أحق أن نعامله بالانصاف.

____________

(1) المزمل: 9.

180

[الفصل الأربعون و المائة: عدم ترك الأنبياء ذهبا و فضة لأبنائهم‏]

(الفصل الأربعون و المائة) و لا تكره أني ما أخلّف لك و لإخوتك ذهبا و لا فضة بعد الممات، فهذه سيرة جدك محمد و أبيك علي (صلوات اللّه عليهما) ، فإنني وجدتهم قد امتنعوا أن يخلّفوا لورثتهم ذهبا أو فضة، و خلفوا لهم ما يكفيهم و يفضل عليهم من الأملاك و العقار.

وَ قَالَ جَدُّكَ مُحَمَّدٌ (صلّى اللّه عليه و آله) لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ (1)

«وَ كَانَ يَعِزُّ عَلَيْهِ إِنَّكَ إنْ تَتْرُكْ وُلْدَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ»

(2)، فأنا قد اقتديت بتلك الآثار.

وَ وَجَدْتُ أَيْضاً فِي كِتَابِ (مَنْ لَا يَحْضُرُهُ الْفَقِيهُ) وَ هُوَ ثِقَةٌ مُعْتَمَدٌ عَلَيْهِ، عَنْ زُرَارَةَ عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام) قَالَ:

«مَا يُخَلِّفُ الرَّجُلُ شَيْئاً أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ‏

____________

(1) سعد بن معاذ بن النّعمان بن امرئ القيس الأويسيّ الأنصاريّ صحابيّ، من الأبطال، من أهل المدينة، كانت له سيادة الأوس، و حمل لواءهم يوم بدر، و شهد أحدا فكان ممّن ثبت فيها، و كان من أطول النّاس و أعظمهم جسما، و رمي بسهم يوم الخندق فمات من أثر جرحه، و دفن بالبقيع و عمره سبع و ثلاثون سنة، و حزن عليه النّبيّ (ص)، و في الحديث: «اهتزّ عرش الرّحمان لموت سعد بن معاذ». قاله الزركلي في الأعلام 3: 88 نقلا عن صفة الصّفوة 1: 180، و طبقات ابن سعد 3: 2، و الاصابة ترجمة 3197.

(2) قال ابن النّديم في الفهرست: زرارة لقب، و اسمه عبد ربّه بن أعين بن سنبس، أبو عليّ، أكبر رجال الشّيعة فقها و حديثا و معرفة بالكلام و التّشيّع.

و ذكر الشّيخ المامقانيّ (رحمه اللّه) سنبس و قيل: سنسن. و ضبطه في ترجمة أحمد بن ابراهيم السنسني بسينين مهملتين مضمومتين، نسبة إلى سنسن وزان هدهد الشّاعر المعروف.

و قال النّجاشيّ: شيخ أصحابنا في زمانه و متقدّمهم، و كان قارئا فقيها متكلّما شاعرا أديبا، قد اجتمعت فيه خلال الفضل و الدّين، صادقا فيما يرويه. مات سنة 150 ه.

انظر: تنقيح المقال 1: 438، رجال النّجاشيّ: 132، الفهرست: 276.

181

الْمَالِ الصَّامِتِ»، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: «يَضَعُهُ فِي الْحَائِطِ [يَعْنِي فِي‏]

(1)

وَ الْبُسْتَانِ وَ الدَّارِ»

(2)

.

و اعلم يا ولدي أنني كنت اشتري هذه المليكات باللّه عزّ و جل و للّه جلّ جلاله، بنية أن الأملاك و أنا و الأثمان كلنا ملك للّه جلّ جلاله، هذا الذي اقتضاه العقل و النقل، أن العبد لا يملك مع مولاه و إنّما كلما ملّكه شيئا فهو مجاز، و حقيقة التملك لمن أنشأه و أعطاه. و علمت أنني إذا اشتريته بهذه النية فإن كلما ينفق أحد منه أو يخرج عنه فهو محسوب في ديوان معاملته جلّ جلاله، المرضية في حياتي و بعد وفاتي، و ذخيرة عند اللّه جلّ جلاله لي لأوقات ضروراتي.

[الفصل الحادي و الأربعون و المائة: اعتقاد البعض فقر النبيّ (ص) و الإمام علي (ع)، و ردّه لهذا الاعتقاد]

(الفصل الحادي و الأربعون و المائة) و اعلم يا ولدي محمد أطلعك اللّه جلّ جلاله على ما تحتاج إليه، و زادك إقبالا عليه، أن جماعة ممن أدركتهم كانوا يعتقدون أن جدك محمّدا و أباك عليا (صلوات اللّه عليهما) كانا فقيرين؛ لأجل ما يبلغهم ايثارهم بالفوت و احتمال الطوى و الجوع و الزهد في الدنيا، فاعتقد السامعون لذلك الآن أن الزهد لا يكون إلّا مع الفقر و تعذر مع الامكان.

و ليس الأمر كما اعتقدوه أهل الضعف المهملين للكشف؛ لأن الأنبياء (عليهم السلام) أغنى أهل الدنيا بتمكين اللّه جلّ جلاله لهم مما يريدون منه جلّ جلاله من الاحسان إليهم، و من طريق نبوتهم كانوا أغنى أممهم و أهل ملّتهم، و لولا اللطف برسالتهم ما كان لأهل وقتهم مال و لا حال، و إنّما كانوا (عليهم السلام)

____________

(1) لم ترد في النسختين الخطيتين، أثبتناها من المصدر.

(2) الكافي 5: 91 حديث 2.

182

يؤثرون بالموجود، و لا يسبقون اللّه جلّ جلاله بطلب مال يريد أن يطلبوه من المفقود.

و قد وهب جدك محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) امك فاطمة (صلوات اللّه عليها) فدكا و العوالي من جملة مواهبه، و كان دخلها في رواية الشيخ عبد اللّه بن حماد الأنصاري أربعة و عشرون ألف دينار في كل سنة، و في رواية غيره سبعين ألف دينار. و هي و زوجها المعظّم و الواهب الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) من أعظم الزهاد و الأبرار، و كان يكفيهم منها أيسر اليسير. و لكن العارفين ما ينازعون اللّه جلّ جلاله في تملك قليل و لا كثير، و لكنهم كالوكلاء و الامناء و العبيد الضعفاء، فيصرفون في الدنيا و فيما يعطيهم منها كما يصرفهم هو جلّ جلاله، و هم في الحقيقة زاهدون فيها و خارجون عنها.

وَ وَجَدْتُ فِي أَصْلٍ تَارِيخُ كِتَابَتِهِ سَبْعٌ وَ ثلاثين [ثَلَاثُونَ‏] وَ مِائَتَيْنِ [مِائَتَانِ‏]، وَ قَدْ نَقَلْتُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابٍ عِنْدِي الْآنَ لَطِيفٌ تَرْجَمَتُهُ مِنْ أَخْبَارِ آلِ أَبِي طَالِبٍ، وَ أَوَّلُ رِجَالِ رِوَايَتِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبِي مُحَمَّدٍ، فَقَالَ فِيهِ عَنْ مَوْلَانَا عَلِيٍّ أَبِيكَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام):

«تَزَوَّجْتُ فَاطِمَةَ (عليها السلام) وَ مَا كَانَ لِي فِرَاشٌ وَ صَدَقَتِي الْيَوْمَ لَوْ قُسِمَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ لَوَسِعَتْهُمْ».

وَ قَالَ فِي الْكِتَابِ:

إِنَّهُ (عليه السلام) وَقَفَ أَمْوَالَهُ وَ كَانَتْ غَلَّتُهُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَ بَاعَ سَيْفَهُ وَ قَالَ: «مَنْ يَشْتَرِي سَيْفِي، وَ لَوْ كَانَ عِنْدِي عَشَاءٌ مَا بِعْتُهُ».

وَ رَوَى فِيهِ أَنَّهُ قَالَ مَرَّةً (عليه السلام):

«مَنْ يَشْتَرِي سَيْفِيَ الْفُلَانِيَ، وَ لَوْ كَانَ عِنْدِي ثَمَنُ إِزَارٍ مَا بِعْتُهُ».

قال: و كان يفعل هذا و غلته أربعون ألف دينار من صدقته.

و و اللّه يا ولدي محمد الذي حضر قسمي به جلّ جلاله و كتابي هذا و شهدت به ملائكته، لقد كان في يد والدك علي بن موسى هذه المليكات و غيرها من الموجودات، و لا يكون معه في كثير من أوقاته درهم واحد؛ لأنّه كان يخرج ما ينفق له من دخل ملك و غيره في مؤنة عياله، ثم في الصدقات و الايثار و الصلات.

و كان جماعة من الناس يعتقدون أنه ينفق من ذهب مذخور، هيهات هيهات‏

183

لقد ضلوا عن ابيك و والدك كما ضل كثير من الخلق عمن هو أعظم حالا و أشرف كمالا و أتم جلالا، و هو اللّه ربّ العالمين و أنبيائه، و من ضلوا عنه من المرسلين و الصالحين، حتى قال جلّ جلاله عن جماعة يشاهدون جدك محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) و هم حاضرون‏ وَ تَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لا يُبْصِرُونَ‏ (1) و لو جاءت الدنيا إلى والدك دفعة واحدة خرجت في أسرع الأوقات و لكنها كانت تأتينا كما يريده اللّه تعالى في أزمان متفرقات، فاقتد يا ولدي محمد و جماعة أخوتك أو ذريتك بمن سلك من آبائك سبيل الحق و الصدق، و صدق اللّه جلّ جلاله في قوله جلّ جلاله في ضمان الرزق‏ فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ‏ (2).

وَ رَأَيْتُ فِي كِتَابِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ الثِّقَةِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ:

«قُبِضَ عَلِيٌّ (عليه السلام) وَ عَلَيْهِ دَيْنُ ثَمَانُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَبَاعَ الْحَسَنُ (عليه السلام) ضَيْعَةً لَهُ بِخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَضَاهَا عَنْهُ، وَ بَاعَ ضَيْعَةً أُخْرَي لَهُ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَضَاهَا عَنْهُ»

، و ذلك أنه لم يكن يذر من الخمس شيئا، و كان تنوبه نوائب.

وَ رَأَيْتُ فِي كِتَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)

أَنَّ الْحُسَيْنَ قُتِلَ وَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ زَيْنَ الْعَابِدِينَ (عليه السلام) بَاعَ ضَيْعَةً لَهُ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ لِيَقْضِىَ دَيْنَ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) وَ عِدَاتٍ كَانَتْ عَلَيْهِ‏

. و قد ذكرت طرفا من يسارهم و ايثارهم (صلوات اللّه عليهم) في أوائل الجزء السادس من كتاب (ربيع الألباب)، فانظر ففيه أخبار تدل على الصواب.

و كان وقف جدك أمير المؤمنين (عليه السلام) على أولاده خاصة من فاطمة (عليها السلام) لها عامل من ذريته، فكيف وقع للضعفاء أنه كان فقيرا، و أن الغني لا يكون لمن جعله اللّه جلّ جلاله من خاصته، و هل خلق اللّه جلّ جلاله، الدنيا و الآخرة إلّا لأهل عنايته.

____________

(1) الأعراف: 198.

(2) الذاريات: 23.

184

[الفصل الثاني و الأربعون و المائة: إخباره بفطام ولده دون تكلّف و وصيته بتعليم الخط]

(الفصل الثاني و الأربعون و المائة) و مما أرجو به حسن توفيق اللّه جلّ جلاله لك يا ولدي محمد و عنايته بك، أنني وجدته جلّ جلاله قد ألهمك الفطام من مرضعتك من غير أن نكلّفك نحن ذلك أو نمنعك من دايتك، و وجدته قد ألهمك طلب طريق الاستاذ لتعليم الخط و الكتابة، فرجوت من رحمته و رأفته أن يكمّل لك شرف الاجابة و الإنابة.

فاوصيك بتعلم الخط على التمام، فإنه معونة لك على السلوك إلى اللّه جلّ جلاله، و دخول غاية رضاه في دار المقام. ثم بتعلم العربية بمقدار ما يحتاج إليه مثلك من الطالبين للمراضي الإلهية و إحياء السنن النبوية، ثم تتعلم من القرآن الشريف ما تحتاج إليه لإقامة الصلوات، و ما يتعلق بمراد اللّه جلّ جلاله من تفسير تلك الآيات بعاجل الحال، و احفظه جميعه بعد ذلك التعظيم و الاجلال.

[الفصل الثالث و الأربعون و المائة: وصيته بتعلم الفقه و قراءة كتب الشيخ الطوسي الفقهية و بيان ابتداء دراسته للعلوم الإسلامية]

(الفصل الثالث و الأربعون و المائة) و اريد من اللّه جلّ جلاله أن يلهمك، و منك أن تقبل من إلهامه، و أن تتعلم الفقه الذي فيه السبيل إلى معرفة الأحكام الشرعية و احياء سنة جدك المحمدية، و يكون قصدك بذلك امتثال أمر اللّه جلّ جلاله في التعليم و سلوك الصراط المستقيم، و لا تكن مقلّدا لغلمان جدك من العوام و ذليلا بين أيديهم لأجل الفتوى‏

185

و الاستفهام، فما يقنع بالدون إلّا مغبون.

و أعلم أن جدك وراما (قدّس اللّه روحه) كان يقول لي و أنا صبي ما معناه: يا ولدي مهما دخلت فيه من الأعمال المتعلقة بمصلحتك، لا تقنع أن تكون فيه بالدون دون أحد من أهل ذلك الحال، سواء كان علما أو عملا، و لا تقنع بالدون. و ذكر أن الحمصي‏ (1) حدّثه أن لم يبق للامامية مفتي على التحقيق، بل كلهم حاك، و كان ذلك الزمان فيه جماعة من أصناف العلماء و ليس في وقتنا الآن من يقاربهم في تلك الأشياء، و أنا اعتذر لهم بطول الغيبة و تباعد الزمان عن الأدلاء الذين كانوا رحمة للّه جلّ جلاله في حفظ و اشتغال و ادراك. و الآن فقد ظهر أن الذي يفتى به و يجاب عنه على سبيل ما حفظ من كلام العلماء المتقدمين، و هذا طريق سهل ما يعجز عنه إلّا مسكين، و من همته همة ضعيف مهين.

و أني لأعلم أنني اشتغلت فيه مدة سنتين و نصف على التقريب و التقدير، و ما بقيت احتاج إلى ما في أيدي الناس لا قليل و لا كثير، و كلّما اشتغلت بعد ذلك فيه ما كان لي حاجة إليه إلّا لحسن الصحبة و الانس و التفريع فيما لا ضرورة إليه.

و من يعلم أن عمره يسير و قصير، و أن وراءه من يحاسبه على الكبير و الصغير و الظاهر و المستور، فإنه يكفيه من الزاد بقدر السفر و المسير.

و إذا أردت الاشتغال بالفقه، فعليك بكتب جدك أبي جعفر الطوسي فإنه (رحمه اللّه) ما قصّر فيما هداه اللّه جلّ جلاله إليه و دلّه عليه، و قد هيأ اللّه جلّ جلاله لك على يدي كتبا كثيرة في كل فن من الفنون الذي رجوت أن تدلك، بل على ما يقربك من مولاك و مالك دنياك و اخراك.

____________

(1) هو سديد الدين محمود بن علي بن الحسن الحمصي الرازي، علّامة زمانه في الاصوليين، ورع ثقة، له تصانيف كثيرة منها: التعليق الكبير العراقي، و التبيين و التنقيح و غيرها. و في الروضات قال الخونساري:

انه الحمضي بالضاد المعجمة.

انظر: أمل الآمل 2: 316، رياض العلماء 5: 202، القاموس المحيط 2: 341، روضات الجنات 7: 158، مستدرك الوسائل 3: 478، الكنى و الألقاب 2: 172.

186

فهيأ اللّه جلّ جلاله كتبا في الأصول يكفيك أن تنظر فيها، و تعرف ما تريد معرفته من جملة الأبواب و الفصول.

و هيأ اللّه جلّ جلاله لك كتبا كثيرة في النبوة و الامامة، يكفيك منها نظر ما تريد نظره من المعاني المطلوبة التي قد تعب فيها غيرك، و كانت من اللّه جلّ جلاله لك كالهدية المفرغة الموهوبة.

و هيأ اللّه جلّ جلاله كتبا كثيرة عندي في الزهد، أجعلها عند الجليس الصالح من الجلساء، و تأدب بما أدب اللّه جلّ جلاله من كان قبلك من الأنبياء و الأوصياء و الأولياء، و بما قوى به من كان دونك من الضعفاء، حتى جعله بفضله من الأولياء، و جمع له بين سعادة دار الفناء و دار البقاء، فالسابق و المسبوق من أصل واحد، و لكن السابق ذاهمة عالية فلم يقنع بدون السعادة الفانية و الباقية، و كان المسبوق ذاهمة واهية فقنع بالحالة الواهيه.

و هيأ اللّه جلّ جلاله كتبا كثيرة عندي في تواريخ الخلفاء و الملوك، و غيرهم من الذين طلبوا سراب الدنيا الزائل، و سوّدوا وجوه العقل و الفضل بخسران العاجل و الآجل، و رحلوا من الدنيا بأحمال الذنوب و أثقال العيوب، و كانوا كأنهم في أحلام و منام، و باعوا بتلك الأيام ما لا يبيعه ذوو الهمم العالية الباهرة من سعادة الدنيا و الآخرة.

فاحذرهم على دينك و مولاك فاللّه اللّه أن تتقرب إليهم أو تقرب منهم مهما أمكنك، ففي قربهم السم الناقع و الهلاك.

و إنّما ذخرت لك تواريخهم باللّه جلّ جلاله لتنظر أول امورهم و آخرها، ظواهرها و سرائرها، و ترى ما فعلوا بنفوسهم، و ما رضوا به من نحوسهم و ضرهم و بؤسهم بساعات و لذات يسيرة و اعمار قصيرة، و كيف خدعهم الشيطان عدوهم و عدو مولاهم و سلبهم دنياهم و اخراهم.

و اعلم يا ولدي محمد أنني كنت يوما انظر في كتاب من التواريخ المذكورة فقال لي قائل: في أي شي‏ء تنظر؟

187

فقلت: أنا في حياة و بين قبور، أنظر إلى قوم بينا هم في سرور و غرور إذ هجم عليهم هادم اللذات، و مفرّق الجماعات، و صاحب الشتاتات، فنقلهم إلى محلة الأموات، و قطعهم عما كانوا فيه من اللذات، و صاروا في ذل الحسرات و أسر الندامات.

و هيأ اللّه جلّ جلاله ما كنت أشرت إليه من الفقه المروي عن جدك سيد المرسلين و أبيك أمير المؤمنين و عترتهما المعصومين (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، تصنيفا من شيعتهم و أخيارا كبارا من الكتب و صغارا، فاشتغل بالقراءة في الفقه باللّه جلّ جلاله و للّه جلّ جلاله، على رجل صالح ورع من أهل هذا العلم الموهوب، فانني أرجو من رحمة ربي فاتح أبواب المطلوب أن يغنيك بالمدة اليسيرة عن المدّة الكثيرة.

و قد تقدّم شرح الحال في الاشتغال بهذا العلم المذكور، و أنا أريد في وصف الاشتغال بما يسهل عليك طلب هذه الامور، فانني اشتغلت بعلم الفقه، و قد سبقني جماعة إلى تعليمه بعدة سنين، فحفظت في نحو سنة ما كان عندهم، و فضلت عليهم بعد ذلك بعناية ربّ العالمين و رحمته لمن يريد جلّ جلاله من ذرية جدك سيد المرسلين (صلّى اللّه عليه و آله).

و قد كنت قد ابتدأت بحفظ (الجمل و العقود)، و قصدت معرفة ما فيه بغاية المجهود، و كانوا الذين قد سبقوني ما لأحدهم إلّا الكتاب الذي يشتغل فيه، و كان لي عدة كتب في الفقه من كتب جدي ورّام بن أبي فراس (قدّس اللّه سره) و زاده من مراضيه، انتقلت إلي من والدتي رضي اللّه عنها بأسباب شرعية في حياتها، و هي من بقايا ما تفضل اللّه جلّ جلاله به منها.

فصرت اطالع بالليل كل شي‏ء يقرأ فيه الجماعة الذين تقدموني بالسنين، و أنظر كلّما قاله مصنّف عندي، و أعرف ما بينهم من الخلاف على عادة المصنّفين، و إذا حضرت مع التلامذه بالنهار أعرف ما لا يعرفون و أناظرهم و أنشط في القراءة بسرور الاستظهار.

188

و فرغت من (الجمل و العقود) و قرأت (النهاية)، فلمّا فرغت من الجزء الأوّل منها استظهرت على العلم بالفقه، حتى كتب شيخي محمد بن نما خطه على الجزء الأوّل- و هو عندي الآن- بما جرت عادته يكتبه على كتابي من شهادته في اجازته بامور من الثناء علي، انزّه قلبي عنها؛ لأنّه لا يليق ذكر ثنائي على اجتهادي، بل الثناء الحق للّه جلّ جلاله مالك دنياي و معادي و الهادي إلى اصداري و ايرادي، و الملهم لي صواب ما يفتحه من مرادي.

فقرأت الجزء الثاني من (النهاية) أيضا، و من كتاب (المبسوط)، و قد استغنيت عن القراءة بالكليّة.

و قرأت بعد ذلك كتبا لجماعة بغير شرح، بل للرواية المرضية، و سمعت ما يطول ذكر تفصيله، و خط من سمعت منه و قرأت عليه في اجازات و على مجلدات، جمّلك اللّه يا ولدي بمعرفة قلبك هذا العلم قليله و جليله.

و اعلم أن الذي حصلته من كتب هذا العلم كثيرة أضعاف ما كان عندي أيام اشتغالي، و حالك إن شاء اللّه جلّ جلاله أمكن من حالي، بلّغني اللّه جلّ جلاله به و بك و منك و له جلّ جلاله أفضل من آمالي، و استجاب ما علّمني لك من خالص دعائي و ابتهالي.

و هيأ اللّه جلّ جلاله كتبا جليلة في تفسير القرآن لمفسرين مختلفي العقائد و الأديان.

و اعلم يا ولدي محمد دلّك اللّه جلّ جلاله على مراده منك، و شرّفك بدوام رضاه عنك، أن الناس قد اختلفوا في التفاسير إلى حد ضيّعوا المطالب، و كادوا أن يغيروه و يحيروه في التدبير بما كان محكما في الآيات و مستغن بنفس تنزيله المقدّس عن الدلالات، فذلك حياة القلوب و سعادة نجاتك من رحمة علّام الغيوب.

و ما كان متضمنا للأحكام أو لبعض من سلف من الأنام، و لم يعرف المراد منها من نفس التنزيل ففيما ثبت في تفسير النبي (صلوات اللّه عليه و آله) و عترته، الذين جعلهم مع القرآن لا يفترقان في قليل و لا كثير، شفاء للعليل و ضياء للدليل، و ما

189

كان فيه من المشتبهات و طريق التحقيق فيه من المشكلات، فكله إلى اللّه عزّ و جل، كما ذكرناه عن أبيك مولانا علي (عليه السلام) في خطبة كتاب (فتح الجواب الباهر في خلق الكافر) من خطبة له (عليه السلام) جليلة ضممناها إليه.

و فيما كلّف اللّه جلّ جلاله العباد من مراقبته بعد معرفته، و من خدمته بعد تعريفهم بنعمته، ما يشغل عقول ذوي الألباب عن كثير من علم ما لم يكلّفهم إياه ربّ الأرباب.

و هيأ اللّه جلّ جلاله عندي عدة مجلدات في الدعوات، أكثر من ستين مجلدا، فاللّه في حفظها و الحفظ من أدعيتها، فإنّها من الذخائر التي يتنافس عليها العارفون في حياطتها، و ما أعرف عند أحد مثل كثرتها و فائدتها. و هي باب مفتوح بينك و بين مولاك، و هي سلاح المؤمن، و سبيل إلى سعادة دنياك و اخراك، و قد ذكرت في كتاب (المهمات و التتمات) شروط الدعوات فاطلبها من تلك الجهات.

و هيأ اللّه جلّ جلاله عندي كتبا جليلة من علم أنساب آل أبي طالب، و منها كتاب (ديوان النسب) ثلاث مجلدات، ليس عند أحد له نسخة، و قد تضمّن شيئا عظيما من العجائب و المناقب و المثالب، فلا تبذله لأحد غير اخوتك و خاصتك، و أستر أعراض ذوي الرحم الأجانب من القوم الذين نسبتهم إلى جدك محمد و أبيك علي (عليهما السلام) أصل شجرتك. و امنع من اعارته خدمة للّه جلّ جلاله و حفظا لحرمة جدك محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و من يمكن أن يكون من ذريته و يحسن أن يكون عارفا بما لا بد منه من هذه الأنساب، متقربا بمعرفة ذلك إلى مالك الأسباب، لتوفي كل ذي مقام من العلويين على قدر ما تعرفه من حقه في طهارة النسب، أو العلم بمن له سلف الصالحين.

و تعلم من ذلك من يطعن عليه و لا تستولده و لا تزوّجه، و لا تزوج أهلك و ذريتك إليه، فإن أنسابكم طاهرة من الأدناس بكل طريق، و قد ذكرت لك طرفا من ذلك في كتاب (الاصطفاء) من كتب و روايات أهل التوفيق.

190

و هيأ اللّه جلّ جلاله من كتب المجاميع و الآثار المشتملة على فنون مختلفة قد جرت في الأعصار، مروجة للأسرار، و مذكّرة بالمكارم و الايثار و صفات الاختيار، فقف منها يا ولدي على ما يقرب من المطّلع جلّ جلاله على سريرتك، المحاسب لك على إرادتك، التي إنك مضطر إلى رضاه في دنياك و آخرتك. و اياك أن تنظر فيها مما يشغلك عن مولاك و عن المراقبة لاطلاعه عليك، و ذكر حضورك بين يديه و شكر احسانه إليك، فيصير ذلك الاطلاع من الأسقام و الأدواء، و يكون ذلك الكتاب من جملة الأعداء.

و هيأ اللّه جلّ جلاله عندي كتبا في الطب عن الأئمة الطاهرين و عن العلماء المتبحرين، فأعتمد في طب الأبدان على العالم بباطن ما يتجدد فيها من النقصان قبل أن تظهر أمراضها إلى الأطباء، و فوّض إليه و توكّل عليه و سلّم ملكه إليه، تجده طبيبا للأدواء و الأسقام، مغنيا لك عن طبيب الأنام.

و استعمل في زوال الأمراض ما رويناه عن التربة الشريفة، و الدعوات المنيفة، و العوذ المعتبرة عن العترة المطهرة.

و إن احتجت إلى معالجة الأطباء فاعمل فيما يصفونه لك من أسباب الشفاء على الاستخارة و المشاورة للّه جلّ جلاله، كما شرحناه في كتاب (فتح الأبواب)، فإنّه جلّ جلاله يعلم مقدار المرض، و مقدار ما يحتاج إليه من دواء مفترض، و كم تكون مدة الدواء.

و أما الطبيب من البشر فإنه يعلم ما ظهر، و لا يعلم ما اختفى منه، و لا مقدار المرض، و مقدار ما يحتاج إليه على صفة لا يكون فيها زيادة و لا نقيصة عنه، و لا يعرف كم يبقى المرض من الزمان. و إنما يداوي بمقدار غلبة ظنه، و كم قتل بغلط ظنونه من انسان، فقد رأينا من سقاه من شربات، فكان الذي سقاه أكثر مما يحتاج إليه في العادات فمات، و من اشتبه عليه وجه أسقامه فهلك بالمعاني و كانت سبب طول آلامه.

و قد عرفت أن هذا الجسد و ما يحتاج إليه ملك اللّه جلّ جلاله، و بقاؤه لأجله‏

191

و لأجل التقرب بالخدمة إليه، و هو أمانة في يد عبده، و يحاسبه عليه إذا وقف بين يديه. فإذا استأذنه في وقت استعمال الدواء و مقداره و كيفية العلاج لتحصيل الشفاء، كنت قد أمنت من المخاطرة باتلاف مهجتك، فإنك إذا هوّنت بمشورته فيما تعمد إليه و جرى اتلاف لما ائتمنك عليه، تصير في المعنى كأنك قد قتلت قتيلا عليه، و أتلفت ما كنت تخدم به من طاعتك بيد اضاعتك، فيكون الدرك عليك، و لا يبقى لك عذر صحيح بين يديه.

و هيأ اللّه جلّ جلاله كتبا في يدي تتضمن ما يحتاج إليه طالب علم اللغة الذي يتقرب إليه.

و اعلم يا ولدي أراك اللَّه جلّ جلاله بعين أنواره ما تحتاج إلى معرفته من أسراره، أنه قد صار ما في أيدي كثير من الذين يدعون العلم- علم اللغة العربية أصلا و عيارا عندهم لما في القرآن و السنة المحمدية، و هو غلط من ذوي الألباب، فلقد كان الأليق بالصواب أن يجعلوا كلام اللّه جلّ جلاله و كلام رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و خاصته و متقدمي الصحابة من ذوي الطباع العربية المشهور بفصاحته أصلا و عيارا لما يرد عليهم من اللغات، و يبطلون ما يخالفه أو يجعلونه وجها آخرا على وجه التأويلات.

و أما ما قد بلغ الأمر إليه أن كلام بدوي جاهل بما ينطق به، و شعره الذي لا حكم له، هو الحجة و به تعرف المحجة، فشي‏ء عجيب لا يرضى به كامل لبيب.

و بيانه أن أكثر من يدّعي سماعه من هذا البدوي قوم لو شهدوا بباقة بقل ما قبل حكم الشريعة شيئا من شهادتهم، و لا معهم تواتر عن لفظ ذلك البدوي يقتضي تصديق مقالتهم. فتعلّم منه يا ولدي ما يكون شاهده و عاضده الكتاب و السنة، و كلام الفصحاء و العلماء من سلفك الذين هم الدروع و الجنة.

و هيأ اللّه جلّ جلاله لك كتبا في الأشعار تكفي ما يريد الناظر في معرفة تلك الآثار، فانظر فيها و احفظ من معانيها ما يدعو إلى اللّه جلّ جلاله و إلى رضاه، و إلى رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و من ارتضاه، مما يبعث على مكارم الأخلاق و حيازة

192

قصبات السباق، و طهارة الأعراق.

و إياك و تقليد قوم من المنسوبين إلى علم الأديان، و كونهم قالوا الشعر و مدحوا به ملوك الأزمان، فإنهم مخاطرون بل هالكون أو نادمون إن كانوا ما تابوا منه، و يودّون يوم القيامة أنهم كانوا أخراسا عنه. و لقد تعجبت منهم كيف دوّنوه و حفظوه، و كان يليق بعلومهم أن يذهبوه و يبطلوه أو يرفضوه. أ ما ترى فيه يا ولدي مدح من اللّه جلّ جلاله و رسوله و خاصته ذامون لهم و ساخطون عليهم، أما في ذلك مفارقة للّه جلّ جلاله و كسر حرمة اللّه جلّ جلاله و أئمتهم الذين هم محتاجون اليهم، فإن فتح اللَّه جلّ جلاله عليك قول الأشعار، فلا تتجاوز به مراد اللّه جلّ جلاله، و مراد سلفك الأطهار.

و هيأ اللّه جلّ جلاله لك كتبا جليلة في علم الكيمياء، و أعلم يا ولدي أن هذا العلم صحيح، و قد عرفنا أنه علّمه جماعة من العلماء، و روينا في كتاب (الطرائف) أن أباك علي (عليه السلام) كان عارفا بهذا العلم المشار إليه، و ما روينا أبدا أنه استعمله مدة حياته، و لا بلغنا أنه استعمله بعده أحد من عترته بعد وفاته.

و لكن يقال: إن تعبه طويل، و لا يحصل المراد منه إلّا لمن يكون معه استاذ و دليل.

و لو أن المجتهد في علم الكيمياء يعطي اللّه عزّ و جل من اجتهاده بعض ذلك التعب و العناء، كان كرم اللّه جلّ جلاله فاتحا عليه من السعادات ذهبا و فضة، و عنايات بدون التعب و تضييع الأوقات، فإن الظفر باللّه على اليقين، و الظفر بالكيمياء قد جرّبه قوم و خرجوا منه خاسرين خائبين، إذ كان اللّه جلّ جلاله يجعل في كنوز عقله و ذخائر فضله أن الذهب الذي يتعب لأجله مثل الحجر الذي يدوسه برجله، و أن حكم معدنه عنده حكم ما لا محل له من التراب.

فقد رأينا من شرّفه جلّ جلاله جعل الذهب و الفضة عنده أهون من التراب، بل جعله عنده عدوا يفر منه، و إذا حصل له أخرجه عاجلا أو تباعد عنه، أو كان يجعل له من الأنوار في الأسرار ما يكون كاشفا بجلاله و متشرفا باقباله، و مشغولا عن كل ما عداه من دنياه و أخراه، فكل هذه المواهب شي‏ء منها جربناه، و شي‏ء

193

منها عرفناه و سمعناه.

و هيأ اللّه جلّ جلاله لك كتبا متعلقة بالتحيل الحلال، و الطلسمات، و العوذ و الرقي، و الرمل بالمجربات.

فأما علم الحيل فقد نطق القرآن الشريف أن يوسف (عليه السلام) جعل الصواع في رحل أخيه ليأخذه بالحيلة من اخوته، و هو سلاح العدو، فاعرف منه ما يتحيّل به من العدو و مكيدته إن كان مما أباح الشرع الشريف النظر في حقيقته.

و أما العوذ و الرقي و الطلسمات فعندنا منها الآن عدة مجلدات، و قد صنّفت في بعضها كتابا سميته كتاب (المنتقى)، و ضاق وقتي عن تجربة كلما فيه، فجرّبه مما يليق بطاعة اللَّه و مرضاته، فما كان حقّا فاحفظه، و ما كان باطلا فارفضه.

و أما كتب الرمل فهو أيضا من الطرق الظنية إلى معرفة ما تعرف به من الأسباب، و ما منع الشرع من تعريفه ما لا يخالف حكم السنة و الكتاب بالظنون إذا تعذر العلم بها بعلم محقق مأمون، و قد رأيناهم تارة يخطئون و تارة يصيبون.

و إن عاملت اللّه جلّ جلاله بالصدق و التحقيق، جعل قلبك مرآة تنظر بها ما يريده هو جلّ جلاله من العلوم من وراء ستر رقيق،

فَفِي أَخْبَارِ صَاحِبِ الْمِلَّةِ:

«الْمُؤْمِنُ مَنْ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ».

و هيّأ اللّه جلّ جلاله عندي كتبا في النجوم و غيرها من العلوم، و قد رأيت طالعك الميمون المبارك يتضمن أنك تعلم ما يكتب بالأقلام، و يزيدك اللّه جلّ جلاله في الإلهام و الأفهام. و أرجو من رحمته و عنايته تصديق ما رأيت و تمام ما تمنيت، فما هو على اللّه جلّ جلاله بعزيز، جعلك اللّه جلّ جلاله في حصن حريز.

و اعلم أن علم النجوم علم صحيح في أصله، و لكن قد تعذّر المحققون من أهله، و بعد عليهم تحقيق معرفة الارصاد، و قل الراغبون فيه، و كثر الطاعنون على من يريده من العباد.

194

و الصحيح منه أن العقل و الشرع لا يمنع من أن تكون النجوم دلالات و امارات على امور متجددات، و قد يكون مثل ذلك في المنامات، و الباطل من حديث النجوم قول من يقول: إنها علل موجبات، أو إنها فاعلات مختارات، و هذا من المحالات المحرمات.

و سوف اصنّف كتابا اكشف فيه باللّه جلّ جلاله ما اختلف الناس فيه، و أذكر ما رويت و رأيت من أخبار الائمة الأطهار (عليهم السلام) في صحة هذا العلم بطرق أهل الاعتبار، و أذكر من صنّف فيه، أو عرفه من شيعة آبائك الطاهرين، و ما تحقق العلماء العقلاء من اموره، بما يوضحه الطريق على التبيين، و يعرف بذلك ما يقرب منه إلى مالك يوم الدّين و ما يبعد عن ربّ العالمين.

و هيأ اللّه جلّ جلاله ما فتح على سرائري، و أذن في اظهارها ظواهري، من كتب صنّفتها بقدس تدبيره و شريف تعريفه جلّ جلاله و تذكيره.

منها كتاب (المهمات و التّتمات) و هو يكون إذا تمّ أكثر من عشر مجلدات، يكمل منه بعد هذه الرسالة أحد عشر مجلدا، و قد تم منه خمس مجلدات في قريب من الأوقات، فكم قد اشتمل عليه من الأسرار الكاشفات لأنوار السعادات.

و منها كتاب (البهجة لثمرة المهجة) يتضمن حال بدايتي و معرفتي و طلبي الأولاد من مالك رحمتي، و فضل اختياره جلّ جلاله لي ولادتهم من امهات الأولاد، و تسليكه جلّ جلاله لي سبيل سعادات الدنيا و المعاد.

و منها كتاب (الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف)، جليل المقام، و هو من بحار ذلك الانعام.

و منها كتاب (غياث سلطان الورى لسكان الثرى)، في قضاء الصلوة عن الاموات.

و منها كتاب (فتح الجواب الباهر في خلق الكافر)، يعرف حقيقة فوائده من تصنيف بالهام موائده.

و منها كتاب (الملهوف على قتلى الطفوف) في قتل الحسين (عليه السلام)،

195

غريب الترتيب و التلفيق، و هو من فضل اللّه جل جلاله الذي دلني عليه.

و منها كتاب (ربيع الألباب) قد خرج منه في التأليف ستة مجلدات، تشتمل على روايات و حكايات في معاني مهمات و مرادات.

و منها كتاب (الاصطفاء في تاريخ الملوك و الخلفاء) يكون لك و لأخيك، و لا ينظره إلّا من تعلم أنه يحسن ظنه فيك و في أبيك و بأذن اللّه جلّ جلاله بالاستخارة في نظره فيه، فهذا أمانة إنما رجوت بتأليفه أن تنتفع ذريتي بمعانيه.

و منها كتاب (فتح الأبواب بين ذوي الألباب و بين ربّ الأرباب) في الاستخارة، ما عرفت أنّ أحدا سبقني إلى مثل الذي اشتمل عليه من البشارة.

و منها كتاب (طرف الأنباء و المناقب في شرف سيد الأنبياء و عترته الأطائب)، يتضمن كشف ما جرت الحال عليه في تعيين النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لأمته من يرجعون بعد وفاته إليه من وجوه غريبة و رواية من يعتمد عليه.

و منها كتاب (مصباح الزائر و جناح المسافر)، في بداية ما شرعت في التأليف، يتضمن الزيارات خالية من الأسرار الربانيات، بل سلكت فيه سبيل العادات.

و منها كتاب (التوفيق للوفاء بعد التفريق دار الفناء).

و غير ذلك من الكتب المختصرات، ما حضرني ذكرها الآن، و أنا أرجو من صاحب الرحمة و الاحسان أن يشرّفك ببقاء من يغنيك عن كثير من الكتب المصنفات، و عن الاختلاف في تفسير الآيات، و عن التوسط بين تضاد الروايات، و يقبل اللّه جلّ جلاله بارشاده و انجاده على حقيقة مراده، و للّه در القائل:

و الذي بالبين و البعد ابتلاني‏* * * ما جرى ذكر الحمى إلّا شجاني‏

حبذا أهل الحمى من جيرة* * * شفّني الشوق إليهم و براني‏

كلما رمت سلوا عنهم‏* * * جذب الشوق إليهم بعناني‏

أحسد الطير إذا طارت إلى‏* * * أرضهم أو أقلعت للطيران‏

أتمنى أنني أصحبها* * * نحوهم لو أنني أعطى الأماني‏

196

* * * و كأن القلب مذ فارقهم‏

طائر علّق في رأس سنان‏* * * ذهب العمر و لم أحظ بهم‏

و تقضى في تمنيهم زماني‏* * * لا تزيدوني غراما بعدكم‏

حل بي من بعدكم ما قد كفاني‏* * * يا خليليّ اذكرا العهد الذي‏

كنتما قبل النوى عاهدتماني‏* * * و اذكراني مثل ذكري لكما

فمن الانصاف أن لا تنسياني‏* * * و بكم منكم إليكم اشتكي‏

فعسى منكم بكم أعطى الأماني‏* * * و اسئلا من انا اهواه على‏

اي جرم صدّ عني و جفاني‏

و اعلم يا ولدي محمّد حمد اللّه جلّ جلاله فعالك، و بلغك من سعادة الدنيا و الآخرة، أن كتاب (الآداب الدينية) و غيره من كتب الأدعية، قد تضمّنت أدعية عند كثير مما قدمناه من الحركات و السكنات، و قد ذكرت طرفا جميلا و أدبا جليلا في كتاب (المهمات و التتمات).

فلو ذكرت كل تلك الدعوات أو ما أحفظه منها في هذه الأوقات، مما يتعلق بما ذكرته لك في الحركات و السكنات، أو جميع تلك الآداب المذكورات، أطلت في هذا الكتاب و خفت أن تمله، و أن يمنعك كثرته من الانتفاع بما ذكرته فيه من الأسباب. و فيما ذخرته لك من كتب الأدعية و الآداب كفاية لما تحتاج إليه، و قد دللتك عليه، و من دلّ فقد قضى ما عليه، و إنما كتابي هذا يتضمن كثيرا مما ليس فيما كنت أشرت إليه.

197

[الفصل الرابع و الأربعون و المائة: ذكره للصلاة]

(الفصل الرابع و الأربعون و المائة) و سوف أذكر في كل وجه من الوجوه الخمس [من‏] (1) العبادات كلمات نافعات لأهل السعادات، حتى لا يخلو هذا الكتاب بالكلية من جملتها في التنبيهات، و قد بسطنا أسرار ذلك في كتاب (المهمات و التتمّات).

فأولها، الصلاة، فاعلم أنها تستدعي لك الحضور بين يدي مالك الأحياء و الأموات، فبادر إليها بالتشريف و الاستبشار بتلك العنايات، و اترك كل شغل لا يعذرك اللّه جلّ جلاله في الاشتغال به عنها، فإنه يصير ذلك الشغل مخالفة على مولاك و تصغيرا لأمره، و تخاطر مخاطرة لا تأمن أنك لا تسلم منها. و لا تلتفت إلى قول من يسهّل عليك تأخيرها عن أوائل الأوقات، و جرّب ذلك القائل لو كلّفك حاجة و أخرتها عن أوائل قدرتك، أفما يكون يلومك و يشهد أنك مستحق للمعاتبات و ما تعرف حق المودّات، و لكنّهم جاهلون باللّه جلّ جلاله و عظمته و نعمته.

و يريدون منك أن تحترمهم أكثر من احترامك لجلالته، و أن تكون محبّتك و مودتك لهم أكثر من محبته. فإياك أن تقتدي بهم في التهوين بمولاك، فقبيح‏

____________

(1) لم ترد في النسختين الخطيتين.

198

و عظيم و فظيع أن يساوى العبد بالمولى و خاصة و هو يراك. هذا فعل من قد هوّن بالهلاك فأدخل فيها دخول المشتاق إليها، و ذوي السباق المنافسين عليها.

و خاطب حيا موجودا أنت أذل ذليل في حضرته، و عظّم مدحه و الثناء عليه فيها أعظم و أبلغ ما تعظّم مدح ملك من ملوك الدنيا عند مشافهته، و اذا ركعت و سجدت فكن ذاكرا أنك بين يديه، و أن ذلك الذل و الخشوع خدمة له جلّ جلاله و مقرّب إليه، و أن له جلّ جلاله المنة كيف استخدمك كما قدمناه، و أنك لا تطلب منه جزاء عاجلا و آجلا كما نبهّنا عليه فبما اسلفناه، بل لأنه يستحق الخدمة منك، فإنه أهل للعبادة الصادرة عنك.

و إذا خرجت من صلاتك فكن على قدم الخوف أن تكون فيها من التقصير ما اقتضى ردّها عليك، فإنك تعلم أنك تعامل بعض بني آدم في حوائجهم بالنشاط و الاقبال، أكثر ما تعامل به مالك دنياك و اخراك المحسن إليك.

[الفصل الخامس و الأربعون و المائة: ذكره للزكاة]

(الفصل الخامس و الأربعون و المائة) و أما حديث الزكاة يا ولدي محمد، زكّاك اللّه جلّ جلاله بتطهيرك من الذنوب و العيوب، و تجميلك بأداء الواجب و المندوب، فإنك تعلم أنك و أباك، و كل من خرج إلى الدنيا من الخلائق كانوا فقراء، و جرى عليهم حكم الفقر المدقع على مقتضى الحقائق، و إنّما تقدّم غناء قوم منهم و تأخر الغناء عن الآخرين، كلهم في كل حال فقراء إلى اللّه جلّ جلاله و مساكين، ما شركه أحد منهم في خلق الأرض، و لا خلق المعادن التي فيها، و لا في الأموال، و تدبير حامليها و جالبيها.

فإذا بعث إليك جلّ جلاله جدك محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) بكتاب مقدّس قد كتبه إليك على يديه، يطلب منك زكاة بعض ماله ليذخرها، و يجعلها عناية بك و حرزا من الآفات، و سببا إلى أن يخلف عليك في النفقات، فهل يجوز في عقل أو نقل أن تتوقف عن حمل بعض ماله إليه، و ترديد سؤاله عنك فيما يذخره لك؛ أو يد

199

تقدمه الأشرف المشتمل على العناية بك فارغة عن حقير ماله في يديك، خائبة من مدها إليك! لا باللّه يا ولدي لا تفضحني، و لا تفضح نفسك مع اللّه جلّ جلاله المنعم عليّ و عليك، و لا تجعلنا معه و مع سلفك الطاهرين. و اعتقد المنة للّه ربّ العالمين، كيف أكرمك و سلّم ما له إليك، و كيف رضيك مستودعا و كيف جعلك أهلا أن يبعث رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) إليك. فإن العقل قضى أنه إذا كان عندي وديعة لسيدي و أنا عبده و هو جلّ جلاله يقوم بكل ما احتاج إليه و طلبها، أنني اسلمها إليه، و لا أطلب جزاء منه، و لا أدل بذلك عليه، بل يكون قد خفف عني مؤنة حفظها و رعايتها، و شرّفني بجميل ذكري بتأدية أمانتها.

و إيّاك أن تخالف قولي لا تطلب ثوابا أصلا؛ لأن من ابتدأك بالاحسان قبل معرفتك به و خدمتك له و جعلك لذلك أهلا، هل يقبل العقل أنه لا يعطيك بعد المعرفة و الخدمة جزاء و كرما و فضلا؟! بلى و اللّه ليعطين المخلصين له و المؤدين به عطاء جزيلا، حتى يروا أن أعمالهم لا تقوم ببعض عطائه، كلا و اللّه كلا.

و لقد كان أبوك علي بن موسى بن جعفر يخرج في أكثر الأوقات التسعة أعشار التي تحصل له مما تجب فيه الزكاة، و يبقي له و لعياله نحو العشر. و كذا ينبغي للمملوك إذا علم أنه يصير بعد قليل من الأموات، و يأخذ سيده ما في يديه و يسلّمه إلى غيره، و يحاسبه الملكين له عليه.

و إن توقفت نفسك عن مقام الاخلاص في الايثار، فاسمع ما يقول لك لسان حال الدرهم و الدينار، من كونه قتل فريقا من البخلاء الممتنعين من بذله، و خرج فريقا، و حبس فريقا، و بالغ في غروره و فعله، و قد جاءت نوبتك فلا تكن من جملة الهالكين بعد قتله و ختله أو النادمين.

[الفصل السادس و الأربعون و المائة: ذكره للصيام‏]

(الفصل السادس و الأربعون و المائة) و أما حديث الصيام فإنما صورته أنك تصوم بالليل في المنام، فقلب اللّه جلّ‏

200

جلاله تدبير الحال و جعل لك شوقا و ذكرا جميلا في الأعمال، و صرت تأكل بالليل و تصوم بالنهار، و هو رياضة الأبرار، و بما علّمهم اللّه جلّ جلاله منه و من غيره امتلأت قلوبهم من الأنوار و اطلعوا على ما أراد اللّه جلّ جلاله اطلاعهم عليه من الأسرار.

فابدأ يا ولدي بصوم العقل و القلب، و عن كل ما يشتغل عن الرب، و عن الافطار بالذنب، و ذكّر نفسك أنه لو طلب سلطان مثل ذلك منك، و أن تتقرب إليه و أنت في حضرته و بين يديه بشعار المراقبة بخدمته و الامساك عمّا يبعّدك عن حضرته، أما كنت تفرح بهذا التكليف، و تعتقد أنه من التشريف.

فلا يكن اللّه جلّ جلاله عند عقلك دون هذه الحال، فيفتضح العبد بالاقدام على هذا الاهمال، و ما يؤمن عليه الحصول في الأهوال.

فإذا صام عقلك و قلبك عن الشواغل، فكلّف جوارحك جميعها أن تكون صائمة عما يشغل عن مولاك، على ما يليق بك من الصوم الكامل و سوف أشرح تفصيل هذه الأسرار في كتاب سميته كتاب (المضمار) إن شاء اللّه تعالى، فيكون عملك باللّه جلّ جلاله على ما يفتحه جلّ جلاله من الأنوار.

[الفصل السابع و الأربعون و المائة: ذكره للحجّ‏]

(الفصل السابع و الأربعون و المائة) و أما الحج إلى اللّه جلّ جلاله بقصد بيته الحرام، أكرمك اللّه جلّ جلاله يا ولدي بالحج على التمام إن شاء اللّه تعالى، فاعلم أن كل من قصد الحج لأجل سواه، فقد ضاع قصده و فسد مسراه، و إنّما يقصد كل مقصود باللّه جلّ جلاله و لأجل اللّه جلّ جلاله.

و لقد كنا مرة يا ولدي في طريق مشهد الحسين (عليه السلام)، و كنا متيممين فنحتاج أن نصلّى بالنوافل و الفرائض بحسب ما هدانا اللّه جلّ جلاله إليه، فصار الرفقاء يستعجلون، فقلت لهم: نحن نقصد الحسين (عليه السلام) لأجل اللّه جلّ جلاله، أو نقصد اللّه جلّ جلاله لأجل الحسين (عليه السلام)؟ فقالوا:

201

بل نقصد الحسين لأجل اللّه تعالى.

فقلت لهم: فإذا ضيّعنا في طريق اللّه جلّ جلاله الذي نقصد الحسين (عليه السلام) لأجله، فكيف يكون حالنا عند الحسين (عليه السلام)، و بأي وجه يلقانا هو، و يلقانا اللّه جلّ جلاله عند الحسين (عليه السلام) اذا تعرضنا لفضله؟ فعرفوا أنهم غالطون.

فكل من حج لاجرة، أو لنفع عاجل أو آجل، أو لطبع، أو صورة غافل أو متغافل، فحجه إما باطل أو غير كامل. و قد شرعت في تأليف كتاب سميته (مسالك المحتاج إلى مناسك الحاج) و سوف أذكر فيه باللّه جلّ جلاله، و من اللّه جلّ جلاله، و للّه جلّ جلاله، ما ينبغي إذا حججت إن شاء تعالى تعمل عليه.

و بالجملة فيكون حجك على صفة أنك حججت وحدك، و لا يعلم بك غير اللّه جلّ جلاله من البشر، فيعزك في نظر الخلائق إليك و نظرك إليهم. فمتى وجدت نفسك تطالبك بغير نظر مولاك و أطعتها في ذلك الخطر، فاعلم أن الحج فاسد أو ناقص بذلك النظر، فاطلب من اللّه جلّ جلاله قوة على أن يشغلك بجلاله و اقباله عن كل من عداه و ما عداه، حتى تتوجه منه و به و إليه و له جلّ جلاله على بساط الذل لعزته و الخضوع لهيبته، و هناك تكون المسعود بالحج إليه، فاذكرني يا ولدي بين يديه، فقد ذكرتك و اللّه جلّ جلاله عظيما، و سلّمتك من يدي إليه، و لا عرفت و لا سمعت أن والدا كرر و أكثر من التضرع إلى اللّه جلّ جلاله لأجل ولد يعز عليه، أبلغ مما خاطبت في طلبك قبل وجودك، و في مهماتك للدنيا و الآخرة بعد وجودك، و لما تحتاج إليه و لأجل اقباله عليك و اقبالك عليه و قدومك عليه.

[الفصل الثامن و الأربعون و المائة: ذكره للجهاد]

(الفصل الثامن و الأربعون و المائة) و أما الجهاد يا ولدي شرّفك اللّه جلّ جلاله بمجاهدة نفسك، و كل من يشغلك عنه، بل قواك قوة تدفع عنك مشقة الاجتهاد حتى تتلذذ بكل مبذول في‏

202

القرب منه، فاعلم أنك إن وجب عليك الجهاد بين يدي من تجب طاعته عليك، فهو (صلوات اللّه عليه) يعرّفك وظائف الجهاد، و يكفيك و يكفيني أن أكتب ما عرّفني اللّه جلّ جلاله من ذلك إليك.

و إن ابتليت بجهاد مع غير من تجب طاعته: فإن كان فرضا عاما يخاف على الاسلام أن تذهب بيضته و تستأصل شأفته، فإنك تعلم أن النفوس و الرؤوس، و كل ما يعز عليك من اللّه جلّ جلاله إليك، فأحق مما يذل كل عزيز و الدنيا كلّها لواهبها، و أجمل ما أنفقت ذخائر العقول في مراد جالبها، و من أحق بالأجساد و الأرواح و العقول بكلما في الوجود من اللّه جلّ جلاله، الذي أنت و ما في يدك صادر عن ذلك الجود. فمتى دعاك إليه فإيّاك أن تتوقف عن حمل نفسك و مالك إليه فإنك إن بخلت بها عليه في بذلها، سلبها عزرائيل (عليه السلام) أو غيره، و ضاع منك شرف الخدمة بتسليمها إليه و بذلها في اعزاز دينه الذي يعز عليه.