كشف المحجة لثمرة المهجة

- السيد علي بن موسى بن طاووس المزيد...
319 /
203

[الفصل التاسع و الأربعون و المائة: احتلال التتر لبغداد، و سعي المؤلّف للصلح بين المسلمين و التتر]

(الفصل التاسع و الأربعون و المائة) و اعلم يا ولدي ثبتّك اللّه جلّ جلاله على طريق الاخلاص، و اثبت اسمك في ديوان أهل الاختصاص، أنه كان قد غلب التتار على بلاد خراسان، و طمعوا في هذا البلاد، و وصلت سراياه إلى نحو مقاتلة بغداد في زمن الخليفة المستنصر جزاه اللّه عني بما هو أهله. فكتبت إلى الأمير قشمر، و كان إذ ذاك مقدّم العساكر خارج بلد بغداد، و هم مبرزون بالخيم و العدد و الاستظهار، و يخافون أن تأتيهم عساكر التتار، و قد نودي في باطن البلد بالخروج إلى الجهاد، فقلت له بالمكاتبة:

استأذن لي الخليفة و أعرض رقعتي عليه في أن يأذن لي في التدبير و يكونون حيث أقول يقولون، و حيث أسكت يسكتون، حتى أصلح الحال بالكلام، فقد خيف على بيضة الاسلام، و ما يعذر اللّه جلّ جلاله من يترك الصلح بين الأنام.

و ذكرت في المكاتبة: أنني ما أسير بدرع و لا عدة إلّا بعادتي من ثيابي، و لكني أقصد الصلح بكل ما في أيديكم للّه جلّ جلاله و لا أبخل بشي‏ء لا بد منه، و ما أرجع بدون الصلح، فإنه مما يريده اللّه عزّ و جل و يقرّبني منه، فاعتذروا و ارادوا غير ما أردناه.

أقول: و قد حضرت عند صديق لنا و كان استاذ دار، و قلت له: تستأذن لي الخليفة في أن أخرج أنا و أخي الرضا و الآوي محمد بن محمد بن محمد الأعجمي،

204

و نأخذ معنا من يعرف لغة التتار، و نلقاهم و نحدثهم بما يفتح اللّه جلّ جلاله علينا، لعل اللّه جلّ جلاله يدفعهم بقول أو فعل أو حيلة عن هذه الديار.

فقال: نخاف تكسرون حرمة الديوان، و يعتقدون أنكم رسل من عندنا.

فقلت: تغدوا معنا ديوانية و من تختارون، و متى ذكرناكم أو قلنا: إننا عنكم، يحملون رؤوسنا إليكم، فقد أنجاكم ذلك و أنتم معذورون و نحن إنما نقول: إننا أولاد هذه الدعوة النبوية و المملكة المحمدية و قد جئنا نحدّثكم عن ملتنا و ديننا، فإن قبلتم، و إلّا فقد أعذرنا إلى اللّه جلّ جلاله و إلى رسوله (صلّى اللّه عليه و آله).

فقال: اجلس في موضع منفرد أشار إليه، و ظاهر الحال أنّه أنهى ذلك إلى المستنصر جزاه اللّه عني ما هو أهله ثم أطال، و طلبني من الموضع المنفرد و قال ما معناه: اذا دعت الحاجة إلى مثل هذا أذنا لكم؛ لأن القوم الذين قد أغاروا ما لهم متقدّم تقصدونه و تخاطبونه، و هؤلاء سرايا متفرقة و غارات غير متفقة.

فقلت لهم: اذا تركتم الاذن لنا في ذلك فقد حصل لنا اخلاص في النية، فنخاف أن تطلبونا وقت الاذن و ما كان عندنا هذا الاخلاص، فلا نوافقكم على الخروج اليهم. فلم يأذنوا في ذلك.

و كذا جرى فإنني كنت استأذنت الخليفة في زيارة مولانا الرضا عليه التحية و الثناء بخراسان، فأذن و تجهزت، و ما بقي إلّا التوجه إلى ذلك المكان، فقال من كان الحديث في الاذن إليه قد رسم أنك تكون رسولا إلى بعض الملوك. فاعتذرت و قلت: هذه الرسالة إن نجحت ما يتركوني بعدها أتصرّف في نفسي إلّا لا أزال رسولا.

و إن جنحت صغر أمري عندكم و انكسرت حرمتي، و اعتقدتم أنني ما أعرف القيام بمثل هذا ثم لو توجهت كان بعدي من الحساد من يقول لكم إنّه يبايع ملك الترك و يجي‏ء به إلى هذه البلاد، و تصدقونه و تصير همتكم في انفاذ من يقتلني بالسم و غيره.

فقال: و ما يكون العذر؟

205

قلت: انني أستخير، و اذا جاءت لا تفعل فهو يعلم أنني لا اخالف الاستخارة أبدا فاستخرت و اعتذرت، و قد تقدّم بعض هذا الجواب فيما شرحت.

206

[الفصل بيان بعض الأمور المتعلقة بالإمام المهدي ع و طرح بعض الشبهات في غيبته‏]

(الفصل الخمسون و المائة) و أوصيك يا ولدي محمد و أخاك و من يقف على كتابي هذا، بالصدق في معاملة اللّه جلّ جلاله و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و حفظ وصيتهما بما بشرّا به من ظهور مولانا المهدي (عليه السلام)، فإنني وجدت القول و الفعل من كثير من الناس في حديثه (عليه السلام) مخالفا للعقيدة من وجوه كثيرة:

منها: أنني وجدت أنه لو ذهب من الذي يعتقد إمامته عبد أو فرس أو درهم أو دينار، تعلّق خاطره و ظاهره بطلب ذلك الشي‏ء المفقود، و بذل في تحصيله غاية المجهود. و ما رأيت لتأخر هذا المحتشم العظيم الشأن عن اصلاح الإسلام و الايمان، و قطع دابر الكفار و أهل العدوان، مثل تعلق الخاطر بتلك الأشياء المحقرات، فكيف يعتقد من يكون بهذا الصفات أنه عارف بحق اللّه جلّ جلاله و حق رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و معتقدا امامته على الوجه الذي يدعي المغالاة و الموالاة لشريف معاليه.

و منها: أنني وجدت من يذكر أنه يعتقد وجوب رئاسته، و الضرورة إلى ظهوره و انفاذ أحكام إمامته، لو واصله بعض من يدّعي أنه عدو لإمامته من سلطان، و شمله بأنعامه، كان قد تعلّق خاطره ببقاء هذا السلطان المشار إليه، و شغله ذلك عن طلب المهدي (عليه السلام)، و عما يجب عليه من التمني لعزل الوالي المنعم عليه.

207

و منها: أنني وجدت من يدّعي وجوب السرور بسروره و التكدر بتكدره (صلوات اللّه عليه) يقول: إنه يعتقد أن كل ما في الدنيا قد اخذ من يد المهدي (عليه السلام) و غصبه الناس و الملوك من يديه، و مع هذا لا أراه يتأثر بذلك النهب و السلب كتأثره لو أخذ ذلك السلطان منه درهما أو دينارا أو ملكا أو عقارا فأين هذا من الوفاء و معرفة اللّه جلّ جلاله و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و معرفة الأوصياء.

و منها: أنني قلت لبعض من يدّعي الحرص على ظهوره، و الوفاء له، و التأسف عليه: ما تقول لو أنفذ إليك المهدي (عليه السلام) و قال لك: إني قد عرفت من جهة آبائي (عليهم السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بطريق محقق اعتمدت عليه أنى متى ظهرت الآن فإن ساعة ما تقع عينك عليّ تموت في الحال، و متى تأخرت عن الظهور عشت عشرين سنة ممتعا مسرورا بالأهل و الولد و المال، أ فليس كنت تختار تأخر ظهوره لأجل حياتك الفانية.

و منها: أنني قلت لبعض من يدّعي مغاليا في موالاته (عليه السلام): لو أنفذ إليك و قال لك: إن سلطان بلادك يعطيك بعد هذا اليوم كل يوم ألف دينار، ثم أعطاك السلطان مستمرا على التكرار كل يوم جملة هذا المقدار، و قال (عليه السلام): هو لك حلال زمن الغيبة.

ثم أنفذ إليك (عليه السلام) و قال: أنا قد أذن لي في الظهور، و هذا العطاء ما كان باذني و لا تستحقه إلّا مع غيبتي فأيما أحب إليك أظهر و أقطع بهذا العطاء، و احاسبك على كل ما فضل عن مؤنتك، و أجعل هذا الإدرار لبعض من بينك و بينه عداوة دنيوية، ممن منزلته في الظاهر دون منزلتك، فأيما كان أحب إليك أن تطول غيبته و تأخذ العطاء كل يوم ألف دينار، أو يتعجل ظهوره و يحاسبك عليها و يقطعها و يردها إلى عدوك؟ عرفنا ما يكون في قلبك من الاختيار، و أعرف من الوجوه غير ما ذكرته الآن.

و قلت لبعض الاخوان: إن رجال المهدي (عليه السلام) من يريده للوجه الذي‏

208

أراده اللّه جلّ جلاله له، سواء كان نافعا بهذا المراد أو غير نافع في العاجلة له، و أن يكون الاختيار فيهم جلّ جلاله و له.

و قد كان سألني بعض من يذكر أنه معتقد لإمامته، فقال: قد عرضت لي شبهة في غيبته.

فقلت: ما هي؟

فقال: أما كان يمكن أن يلقي أحدا من شيعته، و يزيل الخلاف عنهم في عقائد تتعلق بدين جده محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و شريعته.

و اشترط عليّ أن لا اجيبه بالأجوبة المسطورة في الكتب، و ذكر أنه ما زال الشبهة منه ما وقف عليه و لا ما سمعه من الأعذار المذكورة.

فقلت له: أيهما أقدر على إزالة الخلاف بين العباد، و أيّما أعظم و أبلغ في الرحمة و العدل و الارفاد أ ليس اللّه جلّ جلاله؟

فقال: بلى.

فقلت له: فما منع اللّه جلّ جلاله أن يزيل الخلاف بين الامم أجمعين و هو أرحم الراحمين و أكرم الأكرمين، و هو أقدر على تدبير ذلك بطرق لا يحيط بها علم الآدميين، أ فليس أنّ ذلك لعذر يقتضيه عدله و فضله على اليقين؟

فقال: بلى.

فقلت له: فعذر نائبه (عليه السلام) هو عذره على التفصيل؛ لأنه ما يفعل فعلا إلّا ما يوافق رضاه على التمام.

فوافق و زالت الشبهة، و عرف صدق ما أورده اللّه جلّ جلاله على لساني من الكلام.

و اعلم: يا ولدي محمد زيّن اللّه جلّ جلاله سرائرك و ظواهرك بموالاة أوليائه و معاداة أعدائه، أنني كنت لما بلغني ولادتك بمشهد الحسين (عليه السلام) في زيارة عاشوراء، إلّا أنك ولدت بطالع السعد و الاقبال يوم تاسع محرم سنه ثلاث و أربعين و ستمائة يوم الثلاثاء، بعد مضي ساعتين و خمس دقائق من ذلك النهار،

209

كما قدّمناه في خطبة هذه الرسالة.

فقمت بين يدي اللّه جلّ جلاله مقام الذل و الانكسار، و الشكر لما شرّفني به من ولادتك من المسار و المبار، و جعلتك بأمر اللّه جلّ جلاله عبد مولانا المهدي (عليه السلام) و متعلّقا عليه. و قد احتجنا- كم مرة عند حوادث حدثت لك- إليه، و رأيناه في عدة مقامات في منامات، و قد تولّى قضاء حوائجك بانعام عظيم في حقنا و حقك لا يبلغ وصفي إليه.

فكن في موالاته و الوفاء له، و تعلّق الخاطر به على قدر مراد اللّه جلّ جلاله، و مراد رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و مراد آبائه (عليهم السلام)، و مراده (عليه السلام) منك. و قدّم حوائجه على حوائجك عند صلاة الحاجات، كما ذكرناه في كتاب (المهمات و التتمّات)، و الصدقة عنه قبل الصدقة عنك و عمن يعزّ عليك، و الدعاء له قبل الدعاء لك.

و قدّمه في كل خير يكون وفاء له، و مقتضيا لاقباله عليك و احسانه إليك فأعرض حاجاتك عليه كل يوم الاثنين و يوم الخميس من كل اسبوع، لما يجب له من أدب الخضوع، و قل عند خطابه بعد السّلام عليه بما ذكرناه في أواخر الأجزاء من كتاب (المهمات) من الزيارة التي أولها:

سلام اللّه الكامل‏ يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ، مَسَّنا وَ أَهْلَنَا الضُّرُّ، وَ جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ، فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ، وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنا، إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ‏ ... تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَ إِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ‏، يا مولانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ‏.

و قل: يا مولانا هذه مقامات اخوة يوسف مع أخيهم و أبيهم و قد رحماهم بعد تلك الجنايات، فإن كنا غير مرضيين عند اللّه جلّ جلاله، و عند رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و عند آبائك، و عندك عليكم أفضل الصلوة، فأنت أحق أن تسعنا من رحمتك و حلمك و كرمك و شريف شيمك، بما وسع اخوة يوسف من تعطفه عليهم و رحمته لهم و احسانه إليهم.

و قل: يا مولانا أنني وجدت في النقل‏

أَنَّ جَدَّكَ مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله)

210

كَانَ لَهُ عَدُوٌّ شَدِيدٌ يُقَالُ لَهُ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ

(1)

فَقَتَلَهُ، فَقَالَتْ أُخْتُهُ تُخَاطِبُ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي أَبْيَاتٍ أُغَيِّر

ُ

(2)

بَعْضَ خِطَابِهَا

:

أ محمد و لأنت نسل نجيبة* * * في قومها و الفحل فحل معرق‏

إن كان يمكن أن تمن و ربما* * * من الفتى و هو المغيظ المحنق‏

و العبدِ أقرب من وصلت قرابة* * * و أحقهم إن كان عتق يعتق‏ (3)

فَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) مَا مَعْنَاهُ: «لَوْ وَصَلَتْنِي هَذِهِ الْأَبْيَاتُ قَبْلَ قَتْلِهِ‏

____________

(1) النّضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف، من بني عبد الدّار من قريش، صاحب لواء المشركين ببدر. كان من شجعان قريش و وجوهها و من شياطينها (كما يقول ابن إسحاق)، له اطّلاع على كتب الفرس و غيرهم، قرأ تأريخهم في الحيرة، و قيل هو أوّل من غنّى على العود بألحان الفرس، و هو ابن خالة النّبيّ (ص)، و لمّا ظهر الإسلام استمرّ على عقيدة الجاهليّة و آذى رسول اللّه (ص) كثيرا. و كان إذا جلس النّبيّ مجلسا للتّذكير باللّه و التّحذير من مثل ما أصاب الأمم الخالية من نقمة اللّه، جلس النّضر بعده فحدّث قريشا بأخبار ملوك فارس و رستم و اسفنديار و يقول: أنا أحسن منه حديثا! إنّما يأتيكم محمّد بأساطير الأوّلين! و شهد وقعة بدر مع مشركي قريش، فأسره المسلمون و قتلوه بالأثيل قرب المدينة بعد انصرافهم من الوقعة، و هو أبو قتيلة صاحبة الأبيات المشهورة الّتي منها:

ما كان ضرّك لو مننت و ربّما* * * من الفتى و هو المغيط المحنق‏

رثّته بها قبل إسلامها. و في الإصابة و البيان و التّبيين ما مؤدّاه: عرضت قتيلة (و سماها الجاحظ: ليلى) للنّبيّ (ص) و هو يطوف بالبيت و استوقفته و جذبت رداءه حتّى انكشف منكبه و أنشدته أبياتها هذه، فرّق لها حتّى دمعت عيناه و قال: لو بلغني شعرها قبل أن أقتله لوهبته لها. و في المؤرّخين من يقول أنّها أخت النّضر.

قاله الزركلي في الأعلام 8: 32 نقلا عن: الكامل لابن الأثير 2: 26 زهر الآداب 1: 33، معجم البلدان 1: 112، مطالع البدور 1: 232، جمهرة الأنساب: 117، نسب قريش: 255، البيان و التبيين 4: 43، نهاية الأرب 16: 219، المحير: 160.

(2) في النّسخة المطبوعة سابقا: و اعتبر، و ما أثبتناه فهو من النّسختين الخطّيّتين، و هو الصّحيح؛ لأنّ المصنّف (رحمه اللّه) غيّر بعض الكلمات الواردة في هذه الأبيات.

(3) ذكر هذه الأبيات ابن هشام في السّيرة النّبويّة 3: 45 بهذا الشّكل.

أ محمّد يا خير ضن‏ء كريمة* * * في قومها و الفحل فحل معرق‏

ما كان ضرّك لو مننت و ربّما* * * منّ الفتى و هو المغيظ المحنق‏

فالنّضر أقرب من أسرت قرابة* * * و أحقّهم إن كان عتق يعتق‏

.

211

لَعَفَوْتُ عَنْ سُوءِ فِعْلِهِ.»

(1)

و أنت يا مولانا أهل الاقتداء بجميع خصاله.

و قل له:

إِنَّنِي رُوِيتُ فِي الْحَدِيثِ‏

أَنَّ قَارُونَ لَمَّا دَعَا عَلَيْهِ مُوسَى (عليه السلام) وَ خَسَفَتْ بِهِ الْأَرْضُ نَادَى وَا رَحِمَاهْ، وَ كَانَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مُوسَى (عليه السلام) قَرَابَةٌ وَ رَحِمٌ مَاسَّةٌ، فَرُوِيَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ أَمَرَ الْأَرْضَ لَا تَنْخَسِفُ بِهِ، وَ رَعَى لَهُ حَقَّ حُرْمَةِ هَذِهِ الِاسْتِغَاثَةِ

، و أنا أقول: وَا رُحْمَاهْ.

و قل له غير ذلك مما يجريه اللّه جلّ جلاله على خاطرك، و اذكر له أن أباك قد ذكر لك أنه أوصى بك إليه، و جعلك باذن اللّه جلّ جلاله عبده، و أنني علّقتك عليه، فإنه يأتيك جوابه صلوات اللّه و سلامه عليه.

و مما أقول لك يا ولدي محمد ملأ اللّه جلّ جلاله عقلك و قلبك من التصديق لأهل الصدق و التوفيق في معرفة الحق، أن طريق تعريف اللّه جلّ جلاله لك بجواب مولانا المهدي صلوات اللّه و سلامه على قدرته جلّ جلاله و رحمته، فمن ذلك‏

مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ فِي كِتَابِ (الرَّسَائِلِ) (2) عَمَّنْ سَمَّاهُ قَالَ:

كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام): أَنَّ الرَّجُلَ يَجِبُ أَنْ يُفْضِيَ إِلَى إِمَامِهِ مَا يَجِبُ أَنْ يُفْضِيَ بِهِ إِلَى رَبِّهِ قَالَ: فَكَتَبَ: «إِنْ كَانَتْ لَكَ حَاجَةٌ فَحَرِّكْ شَفَتَيْكَ، فَإِنَّ الْجَوَابَ يَأْتِيكَ».

(3)

وَ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الرَّاوَنْدِيُّ فِي كِتَابِ (الْخَرَائِجِ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام):

«إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَسْأَلَ مَسْأَلَةً

____________

(1) انظر: السّيرة النّبويّة لابن هشام 3: 45.

(2) قال الشّيخ الطّهرانيّ في الذّريعة 10: 239 رقم 766: رسائل الأئمّة لثقة الإسلام الشّيخ أبي جعفر محمّد بن يعقوب الكلينيّ المتوفّى ببغداد سنة تناثر النّجوم و هي 329 ذكرها النّجاشيّ. و قد نقل عنه السّيّد رضيّ الدّين عليّ بن طاووس في كشف المحجّة ص 159 و 173 رسالة أمير المؤمنين (ع) إلى ولده الحسن (ع) المعروفة بالوصيّة، و كذا رسالته إلى ولده محمّد بن الحنفيّة، و كذا نقل عنه في اللّهوف بعض رسائل الحسين (ع). و يأتي معادن الحكمة في مكاتيب الأئمّة (ع) تأليف علم الهدى ابن الفيض الكاشانيّ، الّذي أوّل مكاتيبه رسالة أمير المؤمنين (ع) إلى ابنه الحسن (ع) نقلها عن كتاب رسائل الأئمّة للكلينيّ، و ظاهره النّقل عنه بغير واسطة، و عليه فلا يبعد وجود الكتاب في بعض المكتبات.

(3) نقله عنه المجلسيّ في البحار 50: 155 حديث 42.

212

فَاكْتُبْهَا وَ ضَعِ الْكِتَابَ تَحْتَ مُصَلَّاكَ وَ دَعْهُ سَاعَةً ثُمَّ أَخْرِجْهُ وَ انْظُرْ فِيهِ»، قَالَ:

فَفَعَلْتُ فَوَجَدْتُ جَوَابَ مَا سَأَلْتُ عَنْهُ مَوَقَّعاً فِيهِ‏

(1)

.

و قد اقتصرت لك على هذا التنبيه، و الطريق مفتوحة إلى إمامك (عليه السلام) لمن يريد اللّه جلّ شأنه عنايته به و تمام احسانه إليه.

____________

(1) الخرائج و الجرائح 1: 419 حديث 22.

213

[الفصل الحادي و الخمسون و المائة في انتظار فرج الإمام المهدي ع‏]

(الفصل الحادي و الخمسون و المائة) و اعلم يا ولدي محمد كمّل اللّه جلّ جلاله بلقائه سعادتك، و شرّف ببقائه و حسن ارادته منزلتك و خاتمتك، أنني لولا آية في كتاب اللّه المقدّس‏ يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏ (1)، لكنت قد عرّفتك و وثّقتك أنني ادرك أيام ظهوره الكامل، و أدخل تحت ظلّه الشامل، فهذا أوان ظهور تلك الشموس، و زوال الضر و البؤس إن شاء اللّه، فإن تمم اللّه جلّ جلاله لي ما اؤمله من هذه الآمال فقد كمّل لي تحف الشرف و الاقبال، و إن أراد انتقالي فالأمر إليه جلّ جلاله و له جلّ جلاله في تدبير آمالي.

[الفصل الثاني و الخمسون و المائة في القول بالرجعة و الشوق إلى رؤية الإمام المهدي ع‏]

(الفصل الثاني و الخمسون و المائة) فإن دعيت أنا إلى لقاء اللّه جلّ جلاله، و تقدمت قبل الظهور، و لم تشملني عناية أهل الرجعة و الحضور، فأوصيك ثم اوصيك ثم اوصي من يلقاه من ذريّتي و ولدي و ولد ولدي، و اشهد اللّه جلّ جلاله عليكم و ملائكته بهذه الوصية: أنكم إذا رأيتموه و تشرّفتم بتلك السعادة الربانية، و أذن لكم في الكلام بين يدي منزلته‏

____________

(1) الرعد: 39.

214

النبوية أن تقولوا:

إن والدي عليّا عبد الطاعة و مملوك الضراعة، يقبل ما يرضيك أن تقبله بين يديك، و يسأل تشريفه بالاذن في ابلاغ التسليم و الصلوة عليك، و يضرع بين يديك في كل ما هو يحتاج أن يضرع في سؤاله، و في كل ما أنت صلوات اللّه و سلامه عليك أهل أن تبلغه من آماله و اقباله و يسأل من مراحمك و مكارمك قبول وصيته في هذا العبد المبلغ عنه القائم بين يديك، و أن يكون ممن يعز عليك و يبلغ ما هو محتاج من اللّه جلّ جلاله و منك إليه و إليك، صلوات اللّه و بركاته و تحياته و اقباله على آبائك الطاهرين و عليك.

215

[الفصل الثالث و الخمسون و المائة: وصيّته ولده ببعض الوصايا الأخلاقية و اعتراف أبناء الحسن (ع) بأن المهدي (عج) ليس من ذرية الإمام الحسن (ع)]

(الفصل الثالث و الخمسون و المائة) و اوصيك يا ولدي محمد أدام اللّه جلّ جلاله اقباله عليك، و كمال احسانه إليك، بما أوصاك اللّه به جلّ جلاله في نفسك و الوالدين و ذوي الأرحام و سائر وصايا الإسلام، و بالتحنن على إخوتك و أخواتك و خدمك و حشمك و أهل مودتك. و ما أوصاك به جدك محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و لسان حال آبائك و عترته الطاهرين. و بما أوصاك به من مواهبه عليك ولديك من المروة و الصفاء و الوفاء، و جميع صفات أهل الدين، و أن تشركني في خلواتك و دعواتك و صدقاتك، و تذكرني بين يدي اللّه جلّ جلاله بما يجرى به جلّ جلاله على خاطرك عند مناجاتك، و تبعث إليّ بالسلام أول كل ليلة و أول كل نهار، فإنه روي في الآثار أنه يبلغني و يكون من جملة المسار.

و جمّل ذكري لحفظك جانب اللّه جلّ جلاله، و سلوك سبيل سلفك الطاهرين، فإنه من صفات المسعودين إذا وجدوا آباءهم و قد بنوا لهم مجدا لا يسعوا في نقضه، بل تكون همتهم الاجتهاد في مراعاته و حفظه، و أن يزيدوا على ذلك المجد بغاية الجهد، كما قيل:

لسنا و إن كرمت أوائلنا* * * يوما على الأحساب نتّكل‏

216

نبني كما كانت أوائلنا* * * تبني و نفعل مثل ما فعلوا (1)

و أنت يا ولدي وديعة اللّه جلّ جلاله و وديعة خاصته، و في حمى حمايته و رعايته، و في أمان حفظه و حياطته.

و السّلام على من يجب تقدّم السّلام عليه و عليك في الحياة و بعد الممات، و أن أسأل اللّه أن تجتمع في دوام العز و الاقبال و الجاه و كمال النجاة.

أقول: و ربما سمعت يا ولدي من غير خبير بالأسرار، و لا مطلع على وصول الأخبار، أن بني جدك الحسن و الحسين (عليهما السلام) كان الطالبون بهم للأمر بالمعروف و النهى عن المنكر جاحدين لأئمتك و للمهدي (عليهم السلام)، و ذلك غلط ممن يعتمد عليه.

و قد رويت بعدة أسانيد تعزية الصادق (عليه السلام) للجماعة الذين اتّهموا بطلب الخلافات، و حملوا إلى العراق و حبسوا إلى الممات. و في تعزية الصادق (عليه السلام) على حملهم و التعظيم لهم و الدعاء لهم دلالة على أنّهم عارفون بأئمة الاسلام، و سأذكر ذلك في الجزء الثاني من كتاب (الإقبال) بالأعمال الحسنة في عمل شهر المحرم إن شاء اللّه تعالى.

و لقد رويت بعدة أسانيد في كتاب اصل أبي الفرج أبان بن محمد: أن عبد اللّه بن الحسن، و الحسن بن الحسن، و جعفر بن الحسن شهدوا جميعا أن مولانا المهدي (عليه السلام) من ذرية الصادق. و سأذكر أيضا الحديث بأسانيده في الكتاب الذي أشرت إليه.

و رأيت في كتاب سيرة الخلفاء المصريين- و قد طالت خلافتهم كثيرا من السنين- ما يدل على معرفتهم بالمهدي (عليه السلام)، و إنّما كانوا يطلبون الانتصار بشرائع الاسلام. فقال عن المعز الخليفة بمصر ما هذا لفظه: إن القائم منا من أسند ظهره إلى الكعبة البيت الحرام و قام خطيبا للناس فحينئذ يقوم بكل ما عنده.

____________

(1) البيتان لعبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر. انظر: الحيوان 7: 160، ذيل الأمالي و النوادر: 117.

217

أقول: و مع هذا القول من المعز فإن آباءه تسمّوا بالمهدي و القائم، و غيرهم من ذرية النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و إن كانوا عارفين بالمهدي (عليه السلام).

218

[الفصل الرابع و الخمسون و المائة: وصية الإمام علي (ع) لولده الإمام الحسن (ع)]

(الفصل الرابع و الخمسون و المائة) و قد وقع في خاطري أن أختم هذا الكتاب بوصية أبيك أمير المؤمنين (عليه السلام)- الذي‏ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‏ صلّى اللّه عليه- إلى ولده العزيز عليه، و برسالته إلى شيعته و ذكر المتقدمين عليه، و رسالته في ذكر الأئمّة من ولده (عليهم السلام).

و رأيت أن تكون رواية الرسالة إلى ولده (عليه السلام) بطريق المخالفين و المؤالفين، فهو أجمع على ما تضمنته من سعادة الدنيا و الدين.

فَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْعَسْكَرِيُّ فِي كِتَابِ (الزَّوَاجِرِ وَ الْمَوَاعِظِ) فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْهُ، مِنْ نُسْخَةٍ تَارِيخُهَا ذُو الْقَعْدَةِ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ وَ أَرْبَعِمِائَةٍ مَا هَذَا لَفْظُهُ:

وَصِيَّةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) لِوَلَدِهِ، وَ لَوْ كَانَ مِنَ الْحِكْمَةِ مَا يَجِبُ أَنْ يُكْتَبَ بِالذَّهَبِ لَكَانَتْ هَذِهِ، وَ حَدَّثَنِي بِهَا جَمَاعَةٌ فَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ الْآدَمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِمٍ الْمُكَتِّبُ يَحْيَى بْنُ حَاتِمِ بْنِ عِكْرِمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بِأَنْطَاكِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ‏

: لَمَّا انْصَرَفَ عَلِيٌّ (عليه السلام) مِنْ صِفِّينَ إِلَى قِنَّسْرِينَ كَتَبَ إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السلام): مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِ الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ ...

219

وَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الرَّبِيعِ النَّهْدِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنَا كَادِحُ بْنُ رَحْمَةَ الزَّاهِدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَبَّاحُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ وَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْكُوفِيُّ الْكَاتِبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ هَارُونَ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ (عليهم السلام):

«إِنَّ عَلِيّاً كَتَبَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ...».

وَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَنْبَسَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي الْمِقْدَامِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ:

كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السلام) ...

وَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَاهِرٍ الرَّازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، قَالَ:

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاهِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ، عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام) قَالَ:

«كَتَبَ عَلِيٌّ إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ ...».

كُلُّ هَؤُلَاءِ حَدَّثُونَا أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّاً (عليه السلام) كَتَبَ بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ (عليه السلام).

وَ أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فَضَّالٍ الْقَاضِي، قَالَ: قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ وَ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَسَنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدَلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنِ طَرِيفِ بْنِ نَاصِحٍ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عُلْوَانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ الْمُجَاشِعِيِّ، قَالَ:

كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِلَى ابْنِهِ كَذَا.

وَ اعْلَمْ: يَا وَلَدِي مُحَمَّدُ ضَاعَفَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ عِنَايَتَهُ بِكَ وَ رِعَايَتَهُ لَكَ، قَدْ

رَوَى الشَّيْخُ الْمُتَّفَقُ عَلَى ثِقَتِهِ وَ أَمَانَتِهِ، مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ بِرَحْمَتِهِ، رِسَالَةَ مَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ (عليه السلام) إِلَى جَدِّكَ الْحَسَنِ وَلَدِهِ (سَلَامُ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ عَلَيْهِمَا).

220

وَ رَوَى رِسَالَةً أُخْرَى مُخْتَصَرَةً عَنْ خَطِّ عَلِيٍّ (عليه السلام) إِلَى وَلَدِهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ رِضْوَانُ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ عَلَيْهِ، وَ ذَكَرَ الرِّسَالَتَيْنِ فِي كِتَابِ (الرَّسَائِلِ).

وَ وَجَدْنَا فِي نُسْخَةٍ عَتِيقَةٍ يُوشِكُ أَنْ تَكُونَ كِتَابَتُهَا فِي زَمَانِ حَيَاةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَ هَذَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ كَانَ حَيّاً فِي زَمَنِ وُكَلَاءِ الْمَهْدِيِّ (عليه السلام): عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْعَمْرِيِّ، وَ وَلَدِهِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدٍ، وَ أَبِي الْقَاسِمِ حُسَيْنِ بْنِ رُوحٍ، وَ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيِّ. وَ تُوُفِّىَ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَبْلَ وَفَاةِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيِّ؛ لِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيَّ تُوُفِّىَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَ عِشْرِينَ وَ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ تُوُفِّي بِبَغْدَادَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَ عِشْرِينَ وَ ثَلَاثِمِائَةٍ. فَتَصَانِيفُ هَذَا الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ وَ رِوَايَاتُهُ فِي زَمَنِ الْوُكَلَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِي وَقْتٍ تَجِدُ طَرِيقاً إِلَى تَحْقِيقِ مَنْقُولَاتِهِ وَ تَصْدِيقِ مُصَنَّفَاتِهِ.

وَ رَأَيْتُ يَا وَلَدِي بَيْنَ رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَسْكَرِيِّ مُصَنِّفِ كِتَابِ (الزَّوَاجِرِ وَ الْمَوَاعِظِ) الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَ بَيْنَ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ فِي رِسَالَةِ أَبِيكَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ (عليه السلام) إِلَى وَلَدِهِ تَفَاوُتاً، فَنَحْنُ نُورِدُهَا بِرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيِّ، فَهُوَ أَجْمَلُ وَ أَفْضَلُ فِيمَا قَصَدْنَاهُ.

فَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ فِي كِتَابِ (الرَّسَائِلِ) بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي جَعْفَرِ بْنِ عَنْبَسَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ الْأَسَدِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ:

«لَمَّا أَقْبَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مِنْ صِفِّينَ كَتَبَ إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ (عليه السلام):

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* (1)

مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِ. الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ‏

(2)

، الْمُدْبِرِ الْعُمُرِ، الْمُسْتَسْلِمِ لِلدَّهْرِ. الذَّامِ‏

____________

(1) أثبتنا هذه الرّسالة و ما يتعلّق بها من تحريك الكلمات و شرحها من كتاب (نهج البلاغة) شرح الشّيخ محمّد عبده: 553.

(2) المعترف له بالشّدّة.

221

لِلدُّنْيَا، السَّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى. وَ الظَّاعِنِ عَنْهَا غَداً.

إِلَى الْمَوْلُودِ الْمُؤَمِّلِ مَا لَا يُدْرَكُ‏

(1)

، السَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ، غَرَضِ الْأَسْقَامِ وَ رَهِينَةِ الْأَيَّامِ. وَ رَمِيَّةِ الْمَصَائِبِ‏

(2)

. وَ عَبْدِ الدُّنْيَا. وَ تَاجِرِ الْغُرُورِ. وَ غَرِيمِ الْمَنَايَا. وَ أَسِيرِ الْمَوْتِ. وَ حَلِيفِ الْهُمُومِ. وَ قَرِينِ الْأَحْزَانِ. وَ نُصُبِ الْآفَاتِ‏

(3)

.

وَ صَرِيعِ الشَّهَوَاتِ، وَ خَلِيفَةِ الْأَمْوَاتِ.

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ فِيمَا تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي وَ جُمُوحِ الدَّهْرِ عَلَيَ‏

(4)

وَ إِقْبَالِ الْآخِرَةِ إِلَيَّ مَا يَزَعُنِي عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ‏

(5)

، وَ الِاهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي‏

(6)

، غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُومِ النَّاسِ هَمُّ نَفْسِي، فَصَدَفَنِي رَأْيِي وَ صَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ‏

(7)

، وَ صَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي فَأَفْضَى بِي إِلَى جِدٍّ لَا يَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ، وَ صِدْقٍ لَا يَشُوبُهُ كَذِبٌ. وَ وَجَدْتُكَ بَعْضِي بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي، وَ كَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي، فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ‏

(8)

مُسْتَظْهِراً بِهِ إِنْ أَنَا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ.

فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ أَيْ بُنَيَّ وَ لُزُومِ أَمْرِهِ، وَ عِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ، وَ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ. وَ أَيُّ سَبَبٍ أَوْثَقُ مِنْ سَبَبٍ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ إِنْ أَنْتَ أَخَذْتَ بِهِ؟

أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ، وَ أَمِتْهُ بِالزَّهَادَةِ، وَ قَوِّهِ وَ بِالْيَقِينِ، وَ نَوِّرْهُ بِالْحِكْمَةِ،

____________

(1) يؤمّل البقاء و هو ممّا لا يدركه أحد.

(2) هدفها ترمي إليه سهامها. و الرّهينة المرهونة أي أنّه في قبضتها و حكمها. و الرّميّة ما أصابه السّهم.

(3) من قولهم فلان نصب عيني بالضّمّ أي لا يفارقني. و الصّريع: الطّريح.

(4) جموح الدّهر: استعصاؤه و تغلّبه.

(5) ما مفعول تبيّنت.

(6) من أمر الآخرة.

(7) صدفه: صرفه، و الضّمير في صرفني للرّأي. و محض الأمر: خالصه.

(8) مفعول كتب هو قوله فإنّي أوصيك الخ. و قوله مستظهرا به أي مستعينا بما أكتب إليك على ميل قلبك و هوى نفسك.

222

وَ ذَلِّلْهُ بِذِكْرِ الْمَوْتِ، وَ قَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ

(1)

، وَ بَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا، وَ حَذِّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وَ فُحْشَ تَقَلُّبِ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ، وَ اعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ، وَ ذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَ سِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَ آثَارِهِمْ فَانْظُرْ فِيمَا فَعَلُوا وَ عَمَّا انْتَقَلُوا وَ أَيْنَ حَلُّوا وَ نَزَلُوا، فَإِنَّكَ تَجِدُهُمْ قَدِ انْتَقَلُوا عَنِ الْأَحِبَّةِ، وَ حَلُّوا دِيَارَ الْغُرْبَةِ، وَ كَأَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ. فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ، وَ لَا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ. وَ دَعِ الْقَوْلَ فِيمَا لَا تَعْرِفُ وَ الْخِطَابَ فِيمَا لَمْ تُكَلَّفْ. وَ أَمْسِكْ عَنْ طَرِيقٍ إِذَا خِفْتَ ضَلَالَتَهُ فَإِنَّ الْكَفَّ عِنْدَ حَيْرَةِ الضَّلَالِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الْأَهْوَالِ. وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ، وَ أَنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِيَدِكَ وَ لِسَانِكَ وَ بَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ‏

(2)

. وَ جَاهِدْ

فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ‏

وَ لَا تَأْخُذْكَ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ.

وَ خُضِ الْغَمَرَاتِ لِلْحَقِّ حَيْثُ كَانَ‏

(3)

، وَ تَفَقَّهْ فِي الدِّينِ، وَ عَوِّدْ نَفْسَكَ التَّصَبُّرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ وَ نِعْمَ الْخُلُقُ التَّصَبُّرُ. وَ أَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَى إِلَهِكَ فَإِنَّكَ تُلْجِئُهَا إِلَى كَهْفٍ حَرِيزٍ

(4)

. وَ مَانِعٍ عَزِيزٍ. وَ أَخْلِصْ فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَ الْحِرْمَانَ، وَ أَكْثِرِ الِاسْتِخَارَةَ

(5)

وَ تَفَهَّمْ وَصِيَّتِي وَ لَا تَذْهَبَنَّ عَنْهَا صَفْحاً

(6)

فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ. وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَ لَا يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ لَا يَحِقُّ تَعَلُّمُهُ‏

(7)

.

أَيْ بُنَيَّ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِنّاً

(8)

، وَ رَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ، وَ أَوْرَدْتُ خِصَالًا مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يُعَجِّلَ بِي أَجَلِي دُونَ أَنْ أُفْضِيَ‏

(9)

____________

(1) اطلب منه الإقرار بالفناء. و بصّره أي اجعله بصيرا بالفجائع جمع فجيعة و هي المصيبة تفزع بحلولها.

(2) باين أي باعد و جانب الّذي يفعل المنكر.

(3) الغمرات الشّدائد.

(4) الكهف اللّجأ. و الحريز: الحافظ.

(5) الاستخارة إجالة الرّأي في الأمر قبل فعله لاختيار أفضل وجوهه.

(6) صفحا أي جانبا أي لا تعرض عنها.

(7) لا يحقّ بكسر الحاء و ضمّها أي لا يكون من الحقّ كالسّخر و نحوه.

(8) أي وصلت النّهاية من جهة السّنّ. و الوهن: الضّعف.

(9) أفضي: ألقي إليك.

223

إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي، وَ أَنْ أَنْقُصَ فِي رَأْيِي كَمَا نَقَصْتُ فِي جِسْمِي‏

(1)

، أَوْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَ فِتَنِ الدُّنْيَا

(2)

، فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ. وَ إِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْ‏ءٍ قَبِلَتْهُ. فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ وَ يَشْتَغِلَ لُبُّكَ لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْيِكَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَ تَجْرِبَتَهُ‏

(3)

، فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَؤُونَةَ الطَّلَبِ، وَ عُوفِيتَ مِنْ عِلَاجِ التَّجْرِبَةِ، فَأَتَاكَ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأْتِيهِ، وَ اسْتَبَانَ لَكَ مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا مِنْهُ‏

(4)

.

أَيْ بُنَيَّ إِنِّي وَ إِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَ فَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَ سِرْتُ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ. بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَ نَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ، فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ‏

(5)

وَ تَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ، وَ صَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ، وَ رَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي الْوَالِدَ الشَّفِيقَ وَ أَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ‏

(6)

أَنْ يَكُونَ‏

(7)

ذَلِكَ وَ أَنْتَ مُقْبِلُ الْعُمُرِ وَ مُقْتَبَلُ الدَّهْرِ، ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ وَ نَفْسٍ صَافِيَةٍ، وَ أَنْ أَبْتَدِئَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اللَّهِ وَ تَأْوِيلِهِ، وَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَ أَحْكَامِهِ، وَ حَلَالِهِ وَ حَرَامِهِ، لَا أُجَاوِزُ ذَلِكَ بِكَ‏

____________

(1) و ان أنقص عطف على أن يجعل.

(2) أي يسبقني بالاستيلاء على قلبك غلبات الأهواء فلا تتمكّن نصيحتي من النّفّوذ إلى فؤادك فتكون كالفرس الصّعب غير المذلّل. و النّفور ضدّ الآنس.

(3) ليكون جدّ رأيك أي محقّقه و ثابته مستعدّا لقبول الحقائق الّتي وقف عليها أهل. التّجارب و كفوك طلبها.

و البغية- بالكسر- الطّلب.

(4) استبان: ظهر إذا انضمّ رأيه إلى آراء أهل التّجارب فربّما يظهر له ما لم يكن ظهر لهم فإنّ رأيه يأتي بأمر جديد لم يكونوا أتوا به.

(5) النّخيل: المختار المصفّى. و توخّيت أي تحرّيت.

(6) أجمعت: عزمت عطف على يعني الوالد.

(7) أن يكون مفعول رأيت.

224

إِلَى غَيْرِهِ‏

(1)

. ثُمَّ أَشْفَقْتُ‏

(2)

أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ‏

(3)

، فَكَانَ إِحْكَامُ ذَلِكَ عَلَى مَا كَرِهْتَ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِكَ إِلَى أَمْرٍ لَا آمَنُ عَلَيْكَ بِهِ الْهَلَكَةَ

(4)

. وَ رَجَوْتُ أَنْ يُوفِّقَكَ اللَّهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ، وَ أَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ، فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي هَذِهِ.

وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ إِلَيَّ مِنْ وَصِيَّتِي تَقْوَى اللَّهِ وَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَ الْأَخْذُ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ، وَ الصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ نَظَرُوا لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ

(5)

، وَ فَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكِّرٌ، ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذَلِكَ إِلَى الْأَخْذِ بِمَا عَرَفُوا وَ الْإِمْسَاكِ عَمَّا لَمْ يُكَلَّفُوا. فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ كَمَا عَلِمُوا فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ ذَلِكَ بِتَفَهُّمٍ وَ تَعَلُّمٍ، لَا بِتَوَرُّطِ الشُّبُهَاتِ وَ غُلُوِّ الْخُصُومَاتِ. وَ ابْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذَلِكَ بِالاسْتِعَانَةِ بِإِلَهِكَ وَ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي تَوْفِيقِكَ وَ تَرْكِ كُلِّ شَائِبَةٍ أَوْلَجَتْكَ فِي شُبْهَةٍ

(6)

، أَوْ أَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلَالَةٍ. فَإِذَا أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ، وَ تَمَّ رَأْيُكَ فَاجْتَمَعَ، وَ كَانَ هَمُّكَ فِي ذَلِكَ هَمّاً وَاحِداً فَانْظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ. وَ إِنْ أَنْتَ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ، وَ فَرَاغِ نَظَرِكَ وَ فِكْرِكَ فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ الْعَشْوَاءَ

(7)

، وَ تَوَرَّطُ الظَّلْمَاءَ. وَ لَيْسَ طَالِبُ الدِّينِ مَنْ خَبَطَ أَوْ

____________

(1) لا أتعدّى بك كتاب اللّه إلى غيره بل أقف بك عنده.

(2) أشفقت أي خشيت و خفت.

(3) مثل صفة لمفعول مطلق محذوف أي التباسا مثل الّذي كان لهم.

(4) أي أنّك و إن كنت تكره أن ينبّهك أحد لما ذكرت لك فإنّي أعد إتقان التّنبيه على كراهتك له أحبّ إليّ من إسلامك أي إلقائك إلى أمر تخشى عليك به الهلكة.

(5) لم يتركوا النّظر لأنفسهم في أوّل أمرهم بعين لا ترى نقصا و لا تحذر خطرا ثم ردتهم الآم التجربة إلى الأخذ بما عرفوا حسن عاقبته و إمساك أنفسهم عن عمل لم يكلّفهم اللّه إتيانه.

(6) الشّائبة ما يشوب الفكر من شكّ و حيرة. و أولجتك: أدخلتك.

(7) العشواء الضّعيفة البصر أي تخبط خبط عشواء لا تأمن أن تسقط فيما لا خلاص منه. و تورّط الأمر: دخل فيه على صعوبة في التّخلّص منه.

225

خَلَطَ، وَ الْإِمْسَاكُ عَنْ ذَلِكَ أَمْثَلُ‏

(1)

.

فَتَفَهَّمْ يَا بُنَيَّ وَصِيَّتِي، وَ اعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ الْحَيَاةِ، وَ أَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُمِيتُ، وَ أَنَّ الْمُفْنِيَ هُوَ الْمُعِيدُ، وَ أَنَّ الْمُبْتَلِيَ هُوَ الْمُعَافِي، وَ أَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرَّ إِلَّا عَلَى مَا جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّعْمَاءِ

(2)

، وَ الِابْتِلَاءِ، وَ الْجَزَاءِ فِي الْمَعَادِ أَوْ مَا شَاءَ مِمَّا لَا نَعْلَمُ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْ‏ءٌ مِنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِكَ بِهِ فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ خُلِقْتَ جَاهِلًا ثُمَّ عَلِمْتَ. وَ مَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الْأَمْرِ وَ يَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأْيُكَ وَ يَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ، ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَ رَزَقَكَ وَ سَوَّاكَ، وَ لْيَكُنْ لَهُ تَعَبُّدُكَ وَ إِلَيْهِ رَغْبَتُكَ وَ مِنْهُ شَفَقَتُكَ‏

(3)

.

وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَداً لَمْ يُنْبِئْ عَنِ اللَّهِ كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ الرَّسُولُ (صلّى اللّه عليه و آله). فَارْضَ بِهِ رَائِداً

(4)

، وَ إِلَى النَّجَاةِ قَائِداً، فَإِنِّي لَمْ آلُكَ نَصِيحَةً

(5)

.

وَ إِنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ فِي النَّظَرِ لِنَفْسِكَ- وَ إِنِ اجْتَهَدْتَ- مَبْلَغَ نَظَرِي لَكَ.

وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ، وَ لَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَ سُلْطَانِهِ، وَ لَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وَ صِفَاتِهِ، وَ لَكِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ. لَا يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ، وَ لَا يَزُولُ أَبَداً. وَ لَمْ يَزَلْ أَوَّلٌ قَبْلَ الْأَشْيَاءِ بِلَا أَوَّلِيَّةٍ

(6)

، وَ آخِرٌ بَعْدَ الْأَشْيَاءِ بِلَا نِهَايَةٍ. عَظُمَ عَنْ أَنْ تَثْبُتَ رُبُوبِيَّتُهُ بِإِحَاطَةِ قَلْبٍ أَوْ بَصَرٍ. فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَافْعَلْ كَمَا يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي صِغَرِ خَطَرِهِ‏

(7)

، وَ قِلَّةِ مَقْدُرَتِهِ،

____________

(1) حبس النّفس عن الخلط و الخبط في الدّين أحسن.

(2) لا تثبت الدّنيا إلّا على ما أودع اللّه في طبيعتها من التّلوّن بالنّعماء تارة و الاختيار بالبلاء تارة و إعقابها للجزاء في المعاد يوم القيامة على الخير خيرا و على الشّرّ شرّا.

(3) شفقتك أي خوفك.

(4) الرّائد من ترسله في طلب الكلإ ليتعرّف موقعه. و الرّسول قد عرف عن اللّه و أخبرنا فهو رائد سعادتنا.

(5) لم أقصّر في نصيحتك.

(6) فهو أوّل بالنّسبة إلى الأشياء لكونه قبلها إلّا أنّه لا أوّليّة أي لا ابتداء له.

(7) خطره أي قدره.

226

وَ كَثْرَةِ عَجْزِهِ؛ وَ عَظِيمِ حَاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ فِي طَلَبِ طَاعَتِهِ، وَ الرَّهْبَةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ، وَ الشَّفَقَةِ مِنْ سَخَطِهِ. فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْكَ إِلَّا بِحُسْنٍ وَ لَمْ يَنْهَكَ إِلَّا عَنْ قَبِيحٍ.

يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَ حَالِهَا وَ زَوَالِهَا وَ انْتِقَالِهَا، وَ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الْآخِرَةِ وَ مَا أُعِدَّ لِأَهْلِهَا فِيهَا، وَ ضَرَبْتُ لَكَ فِيهِمَا الْأَمْثَالَ لِتَعْتَبِرَ بِهَا وَ تَحْذُوَ عَلَيْهَا. إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرَ الدُّنْيَا

(1)

كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِيبٌ فَأَمُّوا مَنْزِلًا خَصِيباً وَ جَنَاباً مَرِيعاً، فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ‏

(2)

وَ فِرَاقَ الصَّدِيقِ، وَ خُشُونَةَ السَّفَرِ، وَ جُشُوبَةَ المَطْعَمِ لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ وَ مَنْزِلَ قَرَارِهِمْ، فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْ‏ءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَماً، وَ لَا يَرَوْنَ نَفَقَةً مَغْرَماً، وَ لَا شَيْ‏ءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ، وَ أَدْنَاهُمْ مِنْ مَحَلِّهِمْ.

وَ مَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلٍ خَصِيبٍ فَنَبَا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدِيبٍ، فَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ وَ لَا أَفْظَعَ عِنْدَهُمْ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ‏

(3)

وَ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ.

يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَ اكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَ لَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ، وَ أَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ. وَ اسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُ مِنْ غَيْرِكَ، وَ ارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ‏

(4)

. وَ لَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ وَ إِنْ قَلَّ مَا تَعْلَمُ، وَ لَا تَقُلْ مَا لَا تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ.

____________

(1) خبر الدّنيا: عرفها كما هي بامتحان أحوالها. و السّفر- فتح فسكون- المسافرون. و نبا المنزل بأهله: لم يوافقهم المقام فيه لوخامته. و الجديب: المقحط لا خير فيه. و أمّوا: قصدوا. و الجناب: النّاحية. و المريع- بفتح فكسر كثير العشب.

(2) وعثاء السّفر: مشقّته. و الجشوبة- بضمّ الجيم-: الغلظ، أو كون الطّعام بلا أدم.

(3) هجم عليه: انتهى إليه بغتة.

(4) إذا عاملوك بمثل ما تعاملهم فارض بذلك و لا تطلب منهم أزيد ممّا تقدّم لهم.

227

وَ اعْلَمْ أَنَّ الْإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ وَ آفَةُ الْأَلْبَابِ‏

(1)

. فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ‏

(2)

وَ لَا تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ‏

(3)

. وَ إِذَا أَنْتَ هَدَيْتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ.

وَ اعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقاً ذَا مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ

(4)

وَ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ. وَ أَنَّهُ لَا غِنَى لَكَ فِيهِ عَنْ حُسْنِ الِارْتِيَادِ

(5)

. قَدْرَ بَلَاغِكَ مِنَ الزَّادِ مَعَ خِفَّةِ الظَّهْرِ. فَلَا تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْرِكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ فَيَكُونَ ثِقْلُ ذَلِكَ وَبَالًا عَلَيْكَ. وَ إِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْفَاقَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيُوَافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَاغْتَنِمْهُ وَ حَمِّلْهُ إِيَّاهُ‏

(6)

. وَ أَكْثِرْ مِنْ تَزْوِيدِهِ وَ أَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ فَلَعَلَّكَ تَطْلُبُهُ فَلَا تَجِدُهُ وَ اغْتَنِمْ مَنِ اسْتَقْرَضَكَ فِي حَالِ غِنَاكَ لِيَجْعَلَ قَضَاءَهُ لَكَ فِي يَوْمِ عُسْرَتِكَ.

وَ اعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ عَقَبَةً كَؤُوداً

(7)

، الْمُخِفُّ فِيهَا أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمُثْقِلِ، وَ الْمُبْطِئُ عَلَيْهَا أَقْبَحُ حَالًا مِنَ الْمُسْرِعِ، وَ أَنَّ مَهْبِطَكَ بِهَا لَا مَحَالَةَ عَلَى جَنَّةٍ أَوْ عَلَى نَارٍ. فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُلِكَ‏

(8)

وَ وَطِّئِ الْمَنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِكَ، فَلَيْسَ بَعْدَ الْمَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ‏

(9)

، وَ لَا إِلَى الدُّنْيَا مُنْصَرَفٌ. وَ اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَ الْأَرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ وَ تَكَفَّلَ لَكَ بِالْإِجَابَةِ، وَ أَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ وَ تَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ، وَ لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبُهُ عَنْكَ،

____________

(1) الإعجاب: استحسان ما يصدر عن النّفس مطلقا و هو خلق من أعظم الأخلاق مصيبة على صاحبه، و من أشدّ الآفات ضررا لقلبه.

(2) الكدح: أشدّ السّعي.

(3) لا تحرص على جمع المال ليأخذه الوارثون بعدك بل أنفق فيما يجلب رضاء اللّه عنك.

(4) هو طريق السّعادة الأبديّة.

(5) الارتياد: الطّلب. و حسنه: إتيانه من وجهه. و البلاغ- بالفتح-: الكفاية.

(6) الفاقة: الفقر، و إذا أسعفت الفقراء بالمال كان أجر الإسعاف و ثوابه ذخيرة تنالها في القيامة، فكأنّهم حملوا عنك زادا يبلغك موطن سعادتك يؤدّونه إليك وقت الحاجة. و هذا الكلام من أفصح ما قيل في الحثّ على الصّدقة.

(7) صعبة المرتقى. و المخفّ- بضمّ فكسر-: الّذي خفّف حمله، و المثقل بعكسه، و هو من أثقل ظهره بالأوزار.

(8) أبعث رائدا من طيّبات الأعمال توقفك الثّقة به على جودة المنزل.

(9) المستعتب و المنصرف مصدران، و الاستعتاب: الاسترضاء، و الانصراف إلى الدّنيا بعد الموت حتّى يمكن استرضاء اللّه بعد اغضابه باستئناف العمل.

228

وَ لَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ، وَ لَمْ يَمْنَعْكَ إِنْ أَسَأْتَ مِنَ التَّوْبَةِ، وَ لَمْ يُعَاجِلْكَ بِالنِّقْمَةِ، وَ لَمْ يُعَيِّرْكَ بِالْإِنَابَةِ

(1)

وَ لَمْ يَفْضَحْكَ حَيْثُ الْفَضِيحَةُ بِكَ أَوْلَى، وَ لَمْ يُشَدِّدْ عَلَيْكَ فِي قَبُولِ الْإِنَابَةِ، وَ لَمْ يُنَاقِشْكَ بِالْجَرِيمَةِ، وَ لَمْ يُؤْيِسْكَ مِنَ الرَّحْمَةِ. بَلْ جَعَلَ نُزُوعَكَ عَنِ الذَّنْبِ حَسَنَةً

(2)

، وَ حَسَبَ سَيِّئَتَكَ وَاحِدَةً، وَ حَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً، وَ فَتَحَ لَكَ بَابَ الْمَتَابِ. فَإِذَا نَادَيْتَهُ سَمِعَ نِدَاءَكَ، وَ إِذَا نَاجَيْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاكَ‏

(3)

فَأَفْضَيْتَ إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ‏

(4)

، وَ أَبْثَثْتَهُ ذَاتَ نَفْسِكَ، وَ شَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَكَ، وَ اسْتَكْشَفْتَهُ كُرُوبَكَ‏

(5)

، وَ اسْتَعَنْتَهُ عَلَى أُمُورِكَ، وَ سَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غَيْرُهُ مِنْ زِيَادَةِ الْأَعْمَارِ وَ صِحَّةِ الْأَبْدَانِ وَ سَعَةِ الْأَرْزَاقِ. ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ بِمَا أَذِنَ لَكَ مِنْ مَسْأَلَتِهِ، فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ، وَ اسْتَمْطَرْتَ شَآبِيبَ رَحْمَتِهِ‏

(6)

.

فَلَا يُقَنِّطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ‏

(7)

فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ. وَ رُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ الْإِجَابَةُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِأَجْرِ السَّائِلِ وَ أَجْزَلَ لِعَطَاءِ الْآمِلِ. وَ رُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْ‏ءَ فَلَا تُؤْتَاهُ وَ أُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا، أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ. فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلَاكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ. فَلْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ فِيمَا يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ وَ يُنْفَى عَنْكَ وَبَالُهُ. فَالْمَالُ لَا يَبْقَى لَكَ وَ لَا تَبْقَى لَهُ.

وَ اعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا خُلِقْتَ لِلْآخِرَةِ لَا لِلدُّنْيَا، وَ لِلْفَنَاءِ لَا لِلْبَقَاءِ، وَ لِلْمَوْتِ لَا لِلْحَيَاةِ، وَ أَنَّكَ فِي مَنْزِلِ قُلْعَةٍ

(8)

، وَ دَارِ بُلْغَةٍ، وَ طَرِيقٍ إِلَى الْآخِرَةِ، وَ أَنَّكَ طَرِيدُ

____________

(1) الإنابة: الرّجوع إلى اللّه، يعير الرّاجع إليه برجوعه.

(2) نزوعك: رجوعك.

(3) المناجاة: المكالمة سرّا. و اللّه يعلم السّرّ كما يعلم العلن.

(4) أفضيت: ألقيت. و أبثثته: كاشفته. و ذات النّفس: حالتها.

(5) طلبت كشفها.

(6) الشّؤبوب- بالضّمّ-: الدّفعة من المطر، و ما أشبه رحمة اللّه بالمطر ينزل على الأرض الموات فيحييها، و ما أشبه نوباتها بدفعات المطر.

(7) القنوط: اليأس.

(8) قلعة- بضمّ القاف و سكون اللّام، و بضمّتين، و بضمّ ففتح، يقال منزل قلعة أي لا يملك لنازله، أو لا يدري متى ينتقل عنه. و البلغة: الكناية أي دار تؤخذ منها الكفاية للآخرة.

229

الْمَوْتِ الَّذِي لَا يَنْجُو مِنْهُ هَارِبُهُ، وَ لَا بُدَّ أَنَّهُ مُدْرِكُهُ، فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرٍ أَنْ يُدْرِكَكَ وَ أَنْتَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ فَيَحُولَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ ذَلِكَ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ.

يَا بُنَيَّ أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَ ذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ وَ تُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ وَ قَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ‏

(1)

، وَ شَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ، وَ لَا يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ‏

(2)

. وَ إِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلَادِ أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَيْهَا

(3)

، وَ تَكَالُبِهِمْ عَلَيْهَا، فَقَدْ نَبَّأَكَ اللَّهُ عَنْهَا، وَ نَعَتْ لَكَ نَفْسَهَا

(4)

، وَ تَكَشَّفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا، فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلَابٌ عَاوِيَةٌ، وَ سِبَاعٌ ضَارِيَةٌ، يَهِرُّ بَعْضُهَا بَعْضاً

(5)

، وَ يَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا، وَ يَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا. نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ

(6)

، وَ أُخْرَى مُهْمَلَةٌ قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا

(7)

وَ رَكِبَتْ مَجْهُولَهَا، سُرُوحُ عَاهَةٍ

(8)

بِوَادٍ وَعْثٍ. لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا، وَ لَا يُسِيمُهَا

(9)

.

سَلَكَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا طَرِيقَ الْعَمَى، وَ أَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ الْهُدَى، فَتَاهُوا فِي حَيْرَتِهَا، وَ غَرِقُوا فِي نِعْمَتِهَا، وَ اتَّخَذُوهَا رَبّاً فَلَعِبَتْ بِهِمْ وَ لَعِبُوا بِهَا وَ نَسُوا مَا وَرَاءَهَا.

رُوَيْداً يُسْفِرُ الظَّلَامُ‏

(10)

. كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ الْأَظْعَانُ‏

(11)

. يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ‏

____________

(1) الحذر- بالكسر- الاحتراز و الاحتراس. و الأرز- بالفتح-: القوّة.

(2) بهر- كمنع- غلب، أي يغلبك على أمرك.

(3) إخلاد أهل الدّنيا: سكونهم إليها. و التّكالب: التّواثب.

(4) نعاه: أخبر بموته. و الدّنيا تخبر بحالها عن فنائها.

(5) ضارية: مولعة بالافتراس. يهرّ- بكسر الهاء و ضمّها-: أي بمقت و يكره بعضها بعضا.

(6) عقّل البعير- بالتّشديد-: شدّ وظيفه إلى ذراعه. و النّعم- بالتّحريك- الإبل، أي إبل منعها عن الشّرّ عقالها و هم الضّعفاء، و أخرى مهملة تأتي من السّوء ما تشاء و هم الأقوياء.

(7) أضلّت: أضاعت عقولها و ركبت طريقها المجهول لها.

(8) السّروح- الضّمّ-: جمع سرح بفتح فسكون و هو المال السّائم من إبل و نحوها. و العاهة: الآفة، أي أنّهم يسرحون لرعي الآفات وادي المتاعب. و الوعث: الرخو يصعب السير فيه.

(9) أسام الدّابّة: سرّحها إلى المرعى.

(10) يسفر أي يكشف ظلام الجهل عمّا خفي من الحقيقة عند انجلاء الغفلة بحلول المنية.

(11) الأظعان- جمع ظعينة-: و هو الهودج تركب فيه المرأة، عبّر به عن المسافرين في طريق الدّنيا إلى الآخرة كأنّ حالهم أن وردوا على غاية سيرهم.

230

يَلْحَقَ. وَ اعْلَمْ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَ إِنْ كَانَ وَاقِفاً، وَ يَقْطَعُ الْمَسَافَةَ وَ إِنْ كَانَ مُقِيماً وَادِعاً

(1)

.

وَ اعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ وَ لَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ، وَ أَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ. فَخَفِّضْ فِي الطَّلَبِ‏

(2)

، وَ أَجْمِلْ فِي الْمُكْتَسَبِ فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرْبٍ‏

(3)

. فَلَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ، وَ لَا كُلُّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومٍ. وَ أَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ وَ إِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً

(4)

، وَ لَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَ قَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرّاً. وَ مَا خَيْرُ خَيْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِشَرٍّ

(5)

، وَ يُسْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِعُسْرٍ

(6)

.

وَ إِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا الطَّمَعِ‏

(7)

، فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ. وَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ. فَإِنَّكَ مُدْرِكٌ قِسْمَكَ وَ آخِذٌ سَهْمَكَ. وَ إِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَعْظَمُ وَ أَكْرَمُ مِنَ الْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ وَ إِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُ.

وَ تَلَافِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ‏

(8)

،

____________

(1) الوادع: السّاكن المستريح.

(2) خفّض: أمر من خفض- بالتّشديد- أي رفّق. و أجمل في كسبه، أي سعى سعيا جميلا لا يحرص فيمنع الحقّ و لا يطمع فيتناول ما ليس بحقّ.

(3) الحرب- بالتّحريك-: سلب المال.

(4) إنّ رغائب المال إنّما تطلب لصون النّفس عن الابتذال، فلو بذل باذل نفسه لتحصيل المال فقد ضيّع ما هو المقصود من المال فكان جمع المال عبثا و لا عوض لما ضيّع.

(5) يريد أيّ خير في شي‏ء سمّاه النّاس خيرا و هو ممّا لا يناله الانسان إلّا بالشّرّ، فإن كان طريقه شرّا فكيف يكون هو خيرا.

(6) إنّ العسر الّذي يخشاه الانسان هو ما يضطرّه لرذيل الفعال فهو يسعى كلّ جهده ليتحامى الوقوع فيه فإنّ جعل الرّذائل وسيلة لكسب اليسر أي السّعة فقد وقع أوّل الأمر فيما يهرب منه فما الفائدة في يسره و هو لا يحميه من النّقيصة.

(7) توجف: تسرع. و المناهل ما ترده الإبل و نحوها للشّرب.

(8) التلافي: التدارك لا صلاح ما فسد أو كاد. و ما فرط أي قصر عن إفادة الغرض أو إنالة الوطر. و إدراك ما فات هو اللّحاق به لأجل استرجاعه، و فات أي سبق إلى غير صواب و سابق الكلام لا يدرك فيسترجع بخلاف مقصّر السّكوت فسهل تداركه، و إنّما يحفظ الماء في القربة مثلا بشدّ وكائها أي رباطها، و إن لم يشدّ الوكاء صبّ ما في الوعاء و لم يكن إرجاعه فكذلك اللّسان.

231

وَ حِفْظُ مَا فِي الْوِعَاءِ بِشَدِّ الْوِكَاءِ. وَ حِفْظُ مَا فِي يَدَيْكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدِ غَيْرِكَ‏

(1)

. وَ مَرَارَةُ الْيَأْسِ خَيْرٌ مِنَ الطَّلَبِ إِلَى النَّاسِ. وَ الْحِرْفَةُ مَعَ الْعِفَّةِ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى مَعَ الْفُجُورِ. وَ الْمَرْءُ أَحْفَظُ لِسِرِّهِ‏

(2)

. وَ رُبَّ سَاعٍ فِيمَا يَضُرُّهُ‏

(3)

. مَنْ أَكْثَرَ أَهْجَرَ

(4)

. وَ مَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ. قَارِنْ أَهْلَ الْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ. وَ بَايِنْ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ. بِئْسَ الطَّعَامُ الْحَرَامُ. وَ ظُلْمُ الضَّعِيفِ أَفْحَشُ الظُّلْمِ. إِذَا كَانَ الرِّفْقُ خُرْقاً كَانَ الْخُرْقُ رِفْقاً

(5)

. رُبَّمَا كَانَ الدَّوَاءُ دَاءً. وَ رُبَّمَا نَصَحَ غَيْرُ النَّاصِحِ وَ غَشَّ الْمُسْتَنْصَحُ‏

(6)

. وَ إِيَّاكَ وَ اتِّكَالَكَ عَلَى الْمُنَى فَإِنَّهَا بَضَائِعُ الْمَوْتَى‏

(7)

، وَ الْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ. وَ خَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَكَ‏

(8)

. بَادِرِ الْفُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غُصَّةً. لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ، وَ لَا كُلُّ غَائِبٍ يَؤُوبُ. وَ مِنَ الْفَسَادِ إِضَاعَةُ الزَّادِ

(9)

وَ مَفْسَدَةُ الْمَعَادِ. وَ لِكُلِّ أَمْرٍ عَاقِبَةٌ. سَوْفَ يَأْتِيكَ مَا قُدِّرَ لَكَ. التَّاجِرُ مُخَاطِرٌ. وَ رُبَّ يَسِيرٍ أَنْمَى مِنْ كَثِيرٍ. لَا خَيْرَ فِي مُعِينٍ مَهِينٍ‏

(10)

وَ لَا فِي صَدِيقٍ‏

____________

(1) ارشاد للاقتصاد في المال.

(2) فالأولى عدم إباحته لشخص آخر و إلّا فشا.

(3) قد يسعى الإنسان بقصد فائدته فينقلب سعيه بالضّرر عليه لجهله أو سوء قصده.

(4) أهجر إهجارا و هجرا بالضّمّ: هذا في كلامه. و كثير الكلام لا يخلو من الإهجار.

(5) إذا كان المقام يلزمه العنف فيكون إبداله بالرّفق عنفا و يكون العنف من الرّفق، و ذلك كمقام التّأديب و إجراء الحدود مثلا. و الخرق- بالضّمّ-: العنف.

(6) المستنصح- اسم مفعول- المطلوب منه النّصح فيلزم التّفكّر و الّتروّي في جميع الأحوال لئلّا يروّج غشّ أو تنبذ نصيحة.

(7) المنى: جمع منية- بضمّ فسكون- ما يتمنّاه الشّخص لنفسه و يعلّل نفسه باحتمال الوصول إليه، و هي بضائع الموتى لأنّ المتجر بها يموت و لا يصل إلى شي‏ء، فإن تمنّيت فاعمل لأمنيّتك.

(8) أفضل التّجربة ما زجرت عن سيّئة و حملت على حسنة و ذلك الموعظة.

(9) زاد الصّالحات و التّقوى، أو المراد إضاعة المال مع مفسدة المعاد بالإسراف في الشّهوات و هو أظهر.

(10) مهين إمّا بفتح الميم بمعنى حقير فإنّ الحقير لا يصلح لأن يكون معيّنا، أو بضمّها بمعنى فاعل الإهانة فيعينك و يهينك فيفسد ما يصلح. و الظّنين بالظّاء. المتّهم: و بالضّاد البخيل.

232

ظَنِينٍ. سَاهِلِ الدَّهْرَ مَا ذَلَّ لَكَ قُعُودُهُ‏

(1)

. وَ لَا تُخَاطِرْ بِشَيْ‏ءٍ رَجَاءَ أَكْثَرَ مِنْهُ.

وَ إِيَّاكَ أَنْ تَجْمَحَ بِكَ مَطِيَّةُ اللَّجَاجِ‏

(2)

. احْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِهِ عَلَى الصِّلَةِ

(3)

، وَ عِنْدَ صُدُودِهِ عَلَى اللُّطْفِ وَ الْمُقَارَبَةِ، وَ عِنْدَ جُمُودِهِ عَلَى الْبَذْلِ‏

(4)

، وَ عِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنُوِّ، وَ عِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى اللِّينِ، وَ عِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الْعُذْرِ حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ وَ كَأَنَّهُ ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ. وَ إِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ أَوْ أَنْ تَفْعَلَهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ. لَا تَتَّخِذَنَّ عَدُوَّ صَدِيقِكَ صَدِيقاً فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ. وَ امْحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَهَ حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ قَبِيحَةً. وَ تَجَرَّعِ الْغَيْظَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ جُرْعَةً أَحْلَى مِنْهَا عَاقِبَةً وَ لَا أَلَذَّ مَغَبَّةً

(5)

. وَ لِنْ لِمَنْ غَالَظَكَ‏

(6)

فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَلِينَ لَكَ. وَ خُذْ عَلَى عَدُوِّكَ بِالْفَضْلِ فَإِنَّهُ أَحْلَى الظَّفَرَيْنِ‏

(7)

وَ إِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَاسْتَبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةً تَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا لَهُ ذَلِكَ يَوْماً مَا

(8)

. وَ مَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ‏

(9)

. وَ لَا تُضَيِّعَنَّ حَقَّ أَخِيكَ اتِّكَالًا عَلَى مَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِأَخٍ مَنْ أَضَعْتَ حَقَّهُ وَ لَا يَكُنْ أَهْلُكَ أَشْقَى الْخَلْقِ بِكَ. وَ لَا تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ فِيكَ. وَ لَا يَكُونَنَّ أَخُوكَ أَقْوَى عَلَى قَطِيعَتِكَ مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ‏

(10)

وَ لَا تَكُونَنَّ عَلَى الْإِسَاءَةِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الْإِحْسَانِ، وَ لَا يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ ظُلْمُ مَنْ ظَلَمَكَ فَإِنَّهُ‏

____________

(1) القعود بالفتح من الإبل ما يقتعده الرّاعي في كلّ حاجته، و يقال للبكر إلى أن يثني و للفصيل، أي ساهل الدهر مادام منقادا و خذ حظّك من قياده.

(2) اللّجاج- بالفتح-: الخصومة أي أحذّرك من أن تغلبك الخصومات فلا تملك نفسك من الوقوع في مضارّها.

(3) صرمه: قطيعته، أي الزم نفسك بصلة صديقك إذا قطعك الخ.

(4) جموده: بخله.

(5) المغبّة- بفتحتين ثمّ باء مشدّدة- بمعنى العاقبة، و كظم الغيظ و إن صعب على النّفس في وقته إلّا أنّها تجد لذّته عند الإفاقة من الغيظ، فللعفو لذّة إن كان في محلّه، و للخلاص من الضّرر المعقب لفعل الغضب لذّة أخري.

(6) لن أمر من اللّين ضدّ الغلظ و الخشونة.

(7) ظفر الانتقام التّملّك بالإحسان، و الثّاني أحلى و أربح فائدة.

(8) بقيّة من الصّلة يسهّل لك معها الرّجوع إليه إذا ظهر له حسن العودة.

(9) صدّقه بلزوم ما ظنّ بك من الخير.

(10) مراده إذا أتى أخوك بأسباب القطيعة فقابلها بموجبات الصّلة حتّى تغلبه و لا يصحّ أن يكون أقدر على ما يوجب القطيعة منك على ما يوجب الصّلة، و هذا أبلغ قول في لزوم حفظ الصّداقة.

233

يَسْعَى فِي مَضَرَّتِهِ وَ نَفْعِكَ. وَ لَيْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّكَ أَنْ تَسُوءَهُ.

وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ الرِّزْقَ رِزْقَانِ: رِزْقٌ تَطْلُبُهُ، وَ رِزْقٌ يَطْلُبُكَ فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ. مَا أَقْبَحَ الْخُضُوعَ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَ الْجَفَاءَ عِنْدَ الْغِنَى؟ إِنَّ لَكَ مِنْ دُنْيَاكَ مَا أَصْلَحْتَ بِهِ مَثْوَاكَ‏

(1)

. وَ إِنْ جَزِعْتَ عَلَى مَا تَفَلَّتَ مِنْ يَدَيْكَ‏

(2)

فَاجْزَعْ عَلَى كُلِّ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ. اسْتَدِلَّ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بِمَا قَدْ كَانَ. فَإِنَّ الْأُمُورَ أَشْبَاهٌ.

وَ لَا تَكُونَنَّ مِمَّنْ لَا تَنْفَعُهُ الْعِظَةُ إِلَّا إِذَا بَالَغْتَ فِي إِيلَامِهِ، فَإِنَّ الْعَاقِلَ يَتَّعِظُ بِالْآدَابِ وَ الْبَهَائِمَ لَا تَتَّعِظُ إِلَّا بِالضَّرْبِ. اطْرَحْ عَنْكَ وَارِدَاتِ الْهُمُومِ بِعَزَائِمِ الصَّبْرِ وَ حُسْنِ الْيَقِينِ. مَنْ تَرَكَ الْقَصْدَ جَارَ

(3)

وَ الصَّاحِبُ مُنَاسِبٌ‏

(4)

وَ الصَّدِيقُ مَنْ صَدَقَ غَيْبُهُ‏

(5)

. وَ الْهَوَى شَرِيكُ الْعَنَاءِ

(6)

رُبَّ قَرِيبٍ أَبْعَدُ مِنْ بَعِيدٍ، وَ رُبَّ بَعِيدٍ أَقْرَبُ مِنْ قَرِيبٍ. وَ الْغَرِيبُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبِيبٌ. مَنْ تَعَدَّى الْحَقَّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ. وَ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِهِ كَانَ أَبْقَى لَهُ. وَ أَوْثَقُ سَبَبٍ أَخَذْتَ بِهِ سَبَبٌ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ. وَ مَنْ لَمْ يُبَالِكَ فَهُوَ عَدُوُّكَ‏

(7)

قَدْ يَكُونُ الْيَأْسُ إِدْرَاكاً إِذَا كَانَ الطَّمَعُ هَلَاكاً. لَيْسَ كُلُّ عَوْرَةٍ تَظْهَرُ وَ لَا كُلُّ فُرْصَةٍ تُصَابُ. وَ رُبَّمَا أَخْطَأَ الْبَصِيرُ قَصْدَهُ وَ أَصَابَ الْأَعْمَى رُشْدَهُ. أَخِّرِ الشَّرَّ فَإِنَّكَ إِذَا شِئْتَ تَعَجَّلْتَهُ‏

(8)

.

وَ قَطِيعَةُ الْجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ الْعَاقِلِ. مَنْ أَمِنَ الزَّمَانَ خَانَهُ، وَ مَنْ أَعْظَمَهُ أَهَانَهُ‏

(9)

.

____________

(1) منزلتك من الكرامة في الدّنيا و الآخرة.

(2) تفلّت- بتشديد اللّام- أي تملّص من اليد فلم تحفظه، فالّذي يجزع على ما فاته كالّذي يجزع على ما لم يصله، و الثّاني لا يحصر فينال فالجزع عليه غير لائق فكذا الأوّل.

(3) القصد: الاعتدال. و جار: مال عن الصّواب.

(4) يراعي فيما يراعي في قرابة النّسب.

(5) الغيب: ضدّ الحضور أي من حفظ لك حقّك و هو غائب عنك.

(6) الهوى شهوة غير منضبطة و لا مملوكة بسلطان الشّرع و الأدب. و العناء الشّقاء.

و في نسخة: و الهوى شريك العمى.

(7) لم يبالك أي لم يهتمّ بأمرك. باليته و باليت به أي راعيت و اعتنيت به.

(8) لأنّ فرص الشّرّ لا تنقضي لكثرة طرقه، و طريق الخبر واحد و هو الحقّ.

(9) من هاب شيئا سلّطه على نفسه.

234

لَيْسَ كُلُّ مَنْ رَمَى أَصَابَ. إِذَا تَغَيَّرَ السُّلْطَانُ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ. سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ، وَ عَنِ الْجَارِ قَبْلَ الدَّارِ. إِيَّاكَ أَنْ تَذْكُرَ فِي الْكَلَامِ مَا يَكُونُ مُضْحِكاً وَ إِنْ حَكَيْتَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِكَ. وَ إِيَّاكَ وَ مُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّ رَأْيَهُنَّ إِلَى أَفْنٍ وَ عَزْمَهُنَّ إِلَى وَهْنٍ‏

(1)

. وَ اكْفُفْ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ بِحِجَابِكَ إِيَاهُنَّ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحِجَابِ أَبْقَى عَلَيْهِنَّ، وَ لَيْسَ خُرُوجُهُنَّ بِأَشَدَّ مِنْ إِدْخَالِكَ مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ عَلَيْهِنَ‏

(2)

، وَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ فَافْعَلْ. وَ لَا تُمَلِّكِ الْمَرْأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ وَ لَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ

(3)

وَ لَا تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا، وَ لَا تُطْمِعْهَا فِي أَنْ تَشْفَعَ بِغَيْرِهَا. وَ إِيَّاكَ وَ التَّغَايُرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ غَيْرَةٍ

(4)

فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْعُو الصَّحِيحَةَ إِلَى السَّقَمِ وَ الْبَرِيئَةَ إِلَى الرَّيْبِ. وَ اجْعَلْ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ خَدَمِكِ عَمَلًا تَأْخُذُهُ بِهِ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ لَا يَتَوَاكَلُوا فِي خِدْمَتِكَ‏

(5)

. وَ أَكْرِمْ عَشِيرَتَكَ فَإِنَّهُمْ جَنَاحُكَ الَّذِي بِهِ تَطِيرُ، وَ أَصْلُكَ الَّذِي إِلَيْهِ تَصِيرُ، وَ يَدُكَ الَّتِي بِهَا تَصُولُ.

أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَ دُنْيَاكَ، وَ أَسْأَلُهُ خَيْرَ الْقَضَاءِ لَكَ فِي الْعَاجِلَةِ وَ الْآجِلَةِ وَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ السَّلَامُ.

____________

(1) الأفن- بالتحريك-: ضعف الرأي. و الوهن: الضعف.

(2) أي إذا أدخلت على النساء من لا يوثق بأمانته فكأنك أخرجتهن إلى مختلط العامة فأي فرق بينهما؟

(3) القهرمان الذي يحكم في الأمور و يتصرف فيها بأمره. و لا تعد- بفتح فسكون- أي لا تجاوز باكرامها نفسها فتكرم غيرها بشفاعتها. أين هذه الوصية من حال الذين يصرفون النساء في مصالح الأمة، بل و من يختص بخدمتهن كرامة لهن.

(4) التغاير: اظهار الغيرة على المرأة بسوء الظن في حالها من غير موجب.

(5) يتواكلوا: يتكل بعضهم على بعض.

235

[الفصل الخامس و الخمسون و المائة: رسالة الإمام علي (ع) إلى شيعته و من يعزّ عليه‏]

(الفصل الخامس و الخمسون و المائة) و اعلم يا ولدي محمد كمّل اللّه جلّ جلاله هدايتك و فضّل ولايتك، أنني رويت من طرق كثيرة واضحات قد ذكرت بعضها في الجزء الأول من كتاب (المهمات و التّتمات)، جميع ما صنفه الشيخ محمد بن يعقوب الكليني و رواه رضي اللّه عنه و ارضاه في هذا الكتاب (الرسائل) رسالة اخرى من أبيك علي (عليه السلام) إلى شيعته و إلى من يعز عليه، في ذكر المتقدمين في الخلاف عليه، و هي في المعنى رسالة إليك، كما أن رسالته إلى أبيك الحسن (عليه السلام) كأنّها منهما إليك فانظر بعين المنة عليك.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ فِي كِتَابِ الرَّسَائِلِ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِإِسْنَادِهِ قَالَ:

كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) كِتَاباً بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنَ النَّهْرَوَانِ وَ أَمَرَ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى النَّاسِ، وَ ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ عُثْمَانَ، فَغَضِبَ (عليه السلام) وَ قَالَ: «قَدْ تَفَرَّغْتُمْ لِلسُّؤَالِ عَمَّا لَا يَعْنِيكُمْ وَ هَذِهِ مِصْرُ قَدِ انْفَتَحَتْ وَ قَتَلَ مُعَاوِيَةُ ابْنَ خَدِيجٍ وَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَيَا لَهَا مِنْ مُصِيبَةٍ مَا أَعْظَمَهَا بِمُصِيبَتِي بِمُحَمَّدٍ، فَوَ اللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا كَبَعْضِ بَنِيَّ، سُبْحَانَ اللَّهِ بَيْنَا نَحْنُ نَرْجُو أَنْ نَغْلِبَ الْقَوْمَ عَلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ إِذْ غَلَبُونَا عَلَى مَا فِي أَيْدِينَا، وَ أَنَا كَاتِبٌ لَكُمْ كِتَاباً فِيهِ تَصْرِيحُ مَا سَأَلْتُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

236

فَدَعَا كَاتِبَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَافِعٍ فَقَالَ لَهُ «أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً مِنْ ثِقَاتِي».

فَقَالَ: سَمِّهِمْ لِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.

فَقَالَ: «أَدْخِلْ أَصْبَغَ بْنَ نُبَاتَةَ، وَ أَبَا الطُّفَيْلِ عَامِرَ بْنَ وَائِلَةَ الْكِنَانِيَّ، وَ رَزِينَ بْنَ حُبَيْشٍ الْأَسَدِيَّ، وَ جُوَيْرِيَةَ بْنَ مُسْهِرٍ الْعَبْدِيَّ، وَ خِنْدَفَ بْنَ زُهَيْرٍ الْأَسَدِىَّ، وَ حَارِثَةَ بْنَ مُضَرِّبٍ الْهَمْدَانِيَّ، وَ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْوَرَ الْهَمْدَانِيَّ، وَ مِصْبَاحَ النَّخَعِيَّ، وَ عَلْقَمَةَ بْنَ قَيْسٍ، وَ كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ، وَ عُمَيْرَ بْنَ زُرَارَةَ» فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ: «خُذُوا هَذَا الْكِتَابَ، وَ لْيَقْرَأْهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ وَ أَنْتُمْ شُهُودٌ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبٌ عَلَيْكُمْ فَأَنْصِفُوهُ بِكِتَابِ اللَّهِ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ»:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ (1)

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِلَى شِيعَتِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ:

وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ‏

[83 الصَّافَّاتِ: 37] وَ هُوَ اسْمٌ شَرَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكِتَابِ، وَ أَنْتُمْ شِيعَةُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)، كَمَا أَنَّ مِنْ شِيعَتِهِ إِبْرَاهِيمَ، اسْمٌ غَيْرُ مُخْتَصٍّ؛ وَ أَمْرٌ غَيْرُ مُبْتَدَعٍ، وَ سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، وَ اللَّهُ هُوَ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ أَوْلِيَاءَهُ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ، الْحَاكِمُ عَلَيْكُمْ بِعَدْلِهِ.

[أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى‏]

(2)

بَعَثَ مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَنْتُمْ مَعَاشِرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ حَالٍ، يَغْذُو أَحَدُكُمْ كَلْبَهُ، وَ يَقْتُلُ وُلْدَهُ، وَ يُغِيرُ عَلَى غَيْرِهِ فَيَرْجِعُ وَ قَدْ أُغِيرَ عَلَيْهِ، تَأْكُلُونَ الْعِلْهَزَ وَ الْهَبِيدَ

(3)

وَ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ، تُنِيخُونَ عَلَى أَحْجَارٍ

____________

(1) أثبتنا هذا الكتاب و ما يتعلّق به من تحريك الكلمات و شرحهما من كتاب (نهج السّعادة في مستدرك نهج البلاغة) للشّيخ محمّد باقر المحموديّ 5: 196.

(2) بين المعقوفين ممّا سقط من نسخة كشف المحجّة و البحار، و هو ممّا لا بدّ منه، و يدلّ عليه ثبوته في رواية الثّقفيّ (ره) و ابن قتيبة.

(3) العلهز- كزبرج-: طعام كانوا يتّخذونه من الدّم، و وبر البعير، في سنيّ القحط و المجاعة. و الهبيد:- و الهبد، على زنة العبيد و العبد-: الحنظل أو حبّه.

237

خُشْنٍ وَ أَوْثَانٍ مُضِلَّةٍ

(1)

وَ تَأْكُلُونَ الطَّعَامَ الْجَشْبَ، وَ تَشْرَبُونَ الْمَاءَ الْآجِنَ‏

(2)

تُسَافِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَ يَسْبِي بَعْضُكُمْ بَعْضاً، وَ قَدْ خَصَّ اللَّهُ قُرَيْشاً بِثَلَاثِ آيَاتٍ وَ عَمَّ الْعَرَبَ بِآيَةٍ، فَأَمَّا الْآيَاتُ اللَّوَاتِي فِي قُرَيْشٍ فَهُوَ [كَذَا] قَوْلُهُ تَعَالَى:

وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَ أَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏

.

وَ الثَّانِيَةُ:

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً، وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏

.

وَ الثَّالِثَةُ قَوْلُ قُرَيْشٍ لِنَبِيِّ اللَّهِ تَعَالَى حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَ الْهِجْرَةِ، فَقَالُوا:

إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى‏ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا

فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى‏ إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا، وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏

وَ أَمَّا الْآيَةُ الَّتِي عَمَّ بِهَا الْعَرَبَ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:

وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏

.

فَيَا لَهَا مِنْ نِعْمَةٍ مَا أَعْظَمَهَا إِنْ لَمْ تَخْرُجُوا مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَ يَا لَهَا مِنْ‏

____________

(1) تنيخون مأخوذ من قولهم: «أناخ فلان بالمكان إناخة»: أقام به، و يقال: «هذا مناخ سوء» للمكان إذا كان غير مرضيّ. و الخشن- كالقفل-: جمع خشناء، من الخشونة ضدّ «لان».

(2) يقال: «جشب- و جشب- جشبا، و جشب- جشابة» الطّعام: غلظ. فهو (جشب او جشب و جشيب و مجشاب و مجشوب) و الآجن: المتغيّر اللّون و الطّعم، المنتن، من قولهم: أجن الماء- من باب نصر، و ضرب، و علم- اجنا و أجنا و أجونا- كفلسا و فرسا و فلوسا-: تغيّر لونه و طعمه.

أقول: و مثل هذا الصّدر، ما ذكره عند (عليه السلام) السّيّد الرّضيّ (ره) في المختار (25، او 26) من الباب الأوّل من نهج البلاغة، و رواه عنه (ع) أيضا في المختار (62، او 66) من الباب الثّاني منه، و لكلّ واحد منها مزايا خاصّة و طراوة و حلاوة ليست في الآخر، و قد جمع (ع) في وصف حالهم و بيان ما كانوا عليه قبل الإسلام بين فساد العقيدة، و كساد المعيشة، و ذهاب الهدوء و امان، و قساوة القلوب و الرّويّة.

238

مُصِيبَةٍ مَا أَعْظَمَهَا إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِهَا وَ تَرْغَبُوا عَنْهَا

(1)

.

فَمَضَى نَبِيُّ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ قَدْ بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ بِهِ، فَيَا لَهَا مُصِيبَةً خَصَّتِ الْأَقْرَبِينَ، وَ عَمَّتِ الْمُؤْمِنِينَ، لَنْ تُصَابُوا بِمِثْلِهَا، وَ لَنْ تُعَايِنُوا بَعْدَهَا مِثْلَهَا فَمَضَى (صلّى اللّه عليه و آله) لِسَبِيلِهِ (ظ) وَ تَرَكَ كِتَابَ اللَّهِ وَ أَهْلَ بَيْتِهِ إِمَامَيْنِ لَا يَخْتَلِفَانِ، وَ أَخَوَيْنِ لَا يَتَخَاذَلَانِ، وَ مُجْتَمِعَيْنِ لَا يَتَفَرَّقَانِ‏

(2)

.

وَ لَقَدْ قَبَضَ اللَّهُ مُحَمَّداً نَبِيَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ مِنِّي بِقَمِيصِي هَذَا

(3)

وَ مَا أُلْقِيَ فِي رُوعِي‏

(4)

وَ لَا عَرَضَ فِي رَأْيِي أَنَّ وَجْهَ النَّاسِ إِلَى غَيْرِي، فَلَمَّا أَبْطَأُوا عَنِّي بِالْوَلَايَةِ لِهِمَمِهِمْ‏

(5)

وَ تَثَبَّطَ الْأَنْصَارُ- وَ هُمْ أَنْصَارُ اللَّهِ‏

____________

(1) و روى العيّاشيّ (ره) عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: إنّ عليّا (عليه السلام)، لمّا قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، يا لها من مصيبة خصّت الأقربين، و عمّت المؤمنين، لم يصابوا بمثلها قطّ، و لا عاينوا مثلها». الحديث الثّاني من تفسير الآية (185) من سورة آل عمران، من تفسير البرهان: ج 1، ص 329.

و في الباب العاشر من إثبات الهداة: ج 4 ص 257، عن كتاب المجموع الرّائق، عن أمّ أيمن قالت: سمعت في اللّيلة الّتي بويع فيها أبوبكر هاتفا يقول:

لقد ضعضع الاسلام فقدان احمد* * * و ابكى عليه فيكم كل مسلم‏

و احزنه حزنا تمالؤ عصبة* * * الغواة على الهادي الوصي المكرم‏

وصي رسول الله اول مسلم‏* * * و اعلم من صلى و زكى بدرهم‏

(2) للّه درّه من تعبير ما أجله و أعظمه، و جميع ما ندعيه معاشر الشّيعة الامامية في ائمة اهل البيت (عليهم السلام)، منطو في ضمن هذا الكلام المعاضد بالقرائن التفصيلية، من الأخبار الواردة عن النّبيّ و أهل بيته صلّى اللّه عليهم، منها قوله (صلّى اللّه عليه و آله)- المتواتر بين المسلمين-: «إنّي تارك فيكم الثّقلين ما أن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبدا كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي» الخ.

(3) كذا في النّسخة، و في البحار و معادن الحكمة: «و لأنا أولى بالنّاس منّي بقميصي هذا» و هو أظهر.

(4) الرّوع- بضمّ الرّاء على زنة الرّوح-: القلب، أو موضع الرّوع- بفتح الرّاء- منه، و الرّوع- بالفتح-: الفزع.

و كأنّه كناية عن أنّه (ع) لم يكن مظنّة أن يعاملوا معه هذا المعاملة، لما اجتمع فيه من توصية رسول اللّه (ص) من إظهار الانقياد للّه تعالى و تظاهرهم من أنّهم خاضعون لرسول اللّه (ص) مؤتمرون بأوامره و نواهيه، و متعبّدون بشريعته.

(5) كذا في النّسخة، و لعلّه جمع الهمّة- كعلّة- و هو العزم القويّ. أي فلمّا أبطأوا و تخلّفوا عنّي لعزيمتهم القويّة، و جدّ جلّهم على صرف الأمر عنّي و تقميصه لغيرى لزمت بيتي.

239

وَ كَتِيبَةُ الْإِسْلَامِ- [وَ]- قَالُوا: «أَمَّا إِذَا لَمْ تُسَلِّمُوهَا لِعَلِيٍّ فَصَاحِبُنَا أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ»

(1)

.

فَوَ اللَّهِ مَا أَدْرِي إِلَى مَنْ أَشْكُو فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْأَنْصَارُ ظُلِمَتْ حَقَّهَا، وَ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا ظَلَمُونِي حَقِّي، بَلْ حَقِّيَ الْمَأْخُوذُ وَ أَنَا الْمَظْلُومُ، فَقَالَ قَائِلُ قُرَيْشٍ:

«الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ». فَدَفَعُوا الْأَنْصَارَ عَنْ دَعْوَتِهَا وَ مَنَعُونِي حَقِّي مِنْهَا

(2)

.

____________

(1) و حول الكلام بحث يمرّ عليك تحت الرقم (24) من هذه التّعليقات.

(2) و هذا الكلام ممّا صدر عنه (ع) في مقامات كثيرة بصور مختلفة، ففي المختار (28) من كتب نهج البلاغة ط مصر: «و لمّا احتجّ المهاجرون على الأنصار يوم السّقيفة برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فلجّوا عليهم، فإن يكن الفلج به فالحقّ لنا دونكم، و إن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم»!.

و قريب منه معنى في كتاب التّعجّب ص 13، و قال: إنّه (ع) كتبه إلى معاوية.

و هذا المعنيّ ممّا نفث به غير واحد من الأئمّة المعصومين من ولده (ع).

قال في نزهة النّاظر، ص 30 ط 1، قيل: مرّ المنذر بن الجارود على الحسين (ع) فقال: كيف أصبحت جعلني اللّه فداك يابن رسول اللّه. فقال (ع): أصبحت العرب تعتدّ على العجم بأنّ محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) منها. و أصبحت العجم مقرّة لها بذلك. و أصبحنا و أصبحت قريش يعرفون فضلنا و لا يرون ذلك لنا، و من البلاء على هذه الأمّة أنّا إذا دعوناهم لم يجيبونا، و إذا تركناهم لم يهتدوا بغيرنا. و في البحار: ج 15، القسم الثّالث منه ص 247 س 5 عكسا، عن المنهال قال: دخلت على عليّ بن الحسين (ع) فقلت: السّلام عليك كيف أصبحتم رحمكم اللّه. قال: أنت تزعم أنّك لنا شيعة و لا تعرف لنا صباحنا و مساءنا، أصبحنا في قومنا بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون يذبحون الأبناء و يستحيون النّساء، و أصبح خير البريّة بعد نبيّنا (ص) يلعن على المنابر، و يعطى الفضل و الأموال على شتمه و أصبح من يحبّنا منقوصا بحقّه على حبّه إيّانا، و أصبحت قريش تفضّل على جميع العرب بأنّ محمّدا (ص) منهم، يطلبون بحقّنا و لا يعرفون لنا حقّا، فهذا صباحنا و مساؤنا. و في أعيان الشّيعة: ج 4 ص 231 عن كشف الغمّة عن نثر الدّرر (إنّه) قيل له يوما:

كيف أصبحت؟ قال: أصبحنا خائفين برسول اللّه، و أصبح جميع أهل الإسلام آمنين به. و في ترجمته (ع) من تاريخ دمشق: ج 36 ص 47 مسند عن المنهال قال: دخلت على عليّ بن الحسينيّ فقلت له: كيف أصبحت أصلحك اللّه. فقال: ما كنت أرى شيخنا من أهل المصر لا يدري كيف أصبحنا، فأمّا إذا لم تدر و لم تعلم فأنا أخبرك، أصبحنا في قومنا بمنزلة بني إسرائيل في آل عمران كانوا يذبحون أبناءهم و يستحيون نساءهم و أصبحنا (و) شيخنا و سيّدنا يتقرّب إلى عدوّنا بشتمه و سبّه على المنابر، و أصبحت قريش تعدّ أنّ لها الفضل على العرب، لأنّ محمّدا منها لا يعدّ لها الفضل إلّا به، و أصبحت العرب مقرّة لهم بذلك، و أصبحت العرب تعدّ لها الفضل على العجم، لأنّ محمّدا منها، لا تعدّ لها الفضل إلّا به، و أصبحت العجم (ظ) مقرّة لهم بذلك، فلئن كانت العرب صدقت أنّ لها الفضل على العجم، و صدقت قريش أن كان لها الفضل على العرب لأنّ محمّدا منها، فإنّ (ظ) لنا أهل البيت الفضل على قريش لأنّ محمّدا منّا، فأصبحوا لا يعرفون لنا حقّا، فهكذا أصبحنا إذا لم تعلم كيف أصبحنا. قال المنهال: فظننت أنّه أراد أن يسمع من في البيت. و قريب منه في محاجّة ابن عبّاس مع معاوية كما في الباب (28) من الملاحم و الفتن 95.

و قريب منه أيضا معنعنا في الحديث السّابع من الجزء السّادس من أمالي الشّيخ ص 95 عن الإمام الباقر (ع).

240

فَأَتَانِي رَهْطٌ يَعْرِضُونَ عَلَيَّ النَّصْرَ، مِنْهُمْ ابْنَا (مِنْهُمْ أَبْنَاءُ «خ») سَعِيدٍ

(1)

وَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ، وَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ عِنْدِي مِنَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) عَهْداً، وَ لَهُ إِلَيَّ وَصِيَّةٌ لَسْتُ أُخَالِفُهُ عَمَّا أَمَرَنِي بِهِ‏

(2)

فَوَ اللَّهِ لَوْ خَزَمُونِي‏

____________

(1) و هما خالد بن سعيد بن العاص، و أبان- أو عمر بن سعيد بن العاص، أو هم جميعا على تقدير كون «أبناء» جمعا لا مثنّى. و الرّهط- كفلس و فرس-: الجماعة و العدّة، هو جمع لا واحد له من لفظه أي أتاني عدّة و نفر من خيار أصحاب رسول اللّه (ص) مظهرين لي نصرهم للقيام بحقّي، و باذلين لي جهدهم لأخذ ما غصبوه منّي من القيام بأمور المسلمين، و إحقاق الحقوق و إجراء الحدود على طبق علمى النّافذ، و عملي الواضح التّابع للكتاب و السّنّة.

أقول: هؤلاء الّذين عرضوا بذل جهدهم لأمير المؤمنين (عليه السلام): و القيام بردّ حقّه إليه عن نيّة صحيحة و إخلاص، قد أنهى عددهم في بعض الأخبار و رفعه إلى أربعين نفرا مصرّحا بأسماء جلّهم، منهم خالد بن سعيد بن العاص، و أمّا أخوه أو إخوته- بناء على كون لفظة «ابنا» جمعا- فليس ببالي الآن التّصريح باسمه- او بأسمائهم- و ليعلم أنّ هؤلاء الأربعين لم يكونوا في بدء الأمر، و قبل إحكام بيعة أبي بكر مجتمعين لبذل نصرهم و جهدهم له (عليه السلام) إذ: بعضهم- كخالد بن سعيد و غيره- لم يكن حاضرا و الحاضرون منهم أيضا لم يعرضوا مظاهرتهم في زمان واحد، بل في أزمنة مختلفة و نوب متفرّقة، نعم الباذلون جهدهم لأمير المؤمنين (عليه السلام) بعد يوم السّقيفة فورا: هم سلمان و أبو ذرّ و المقداد و عمّار و الزّبير و جماعة قليلة أخر من بني هاشم لم يتجاوز عددهم عدد الأصابع، و أمّا البقيّة من الرّهط- الّذين أنهاهم في بعض الأخبار إلى أربعين رجلا- فكان عرضهم النّصر متدرّجا و متأخّرا عن يوم السّقيفة، نعم كان هوى أكثر الأنصار إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و وصوله إلى حقّه، و لكن استولت عليهم محبّة الرّئاسة و الرّاحة، و مخافة تلف النّفس و البضاعة، و الابتلاء بالظّماء و المجاعة، و هذا صنيع أكثر النّاس في أكثر الأزمنة، حيث إنّهم يحبّون تقدّم المحقّين و تفوّقهم، و لكن بشرط أن لا ينالهم في سبيل الحقّ ظلما و لا مخمصة، و لسان حالهم و فعالهم- كلسان مقال بني إسرائيل- يقول لصاحب الحقّ: فاذهب أنت و ربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون، فإن ظفرتم و غلبتم إنّا معكم.

(2) و قد بيّنه (عليه السلام) في مقامات أخر، و هو أنّه لو وجدت أنصارا فانهض خذ حقّك و طرّد المبطلين، و إلّا فتحفّظ على نفسك و عترة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

241

بِأَنْفِي لَأَقْرَرْتُ لِلَّهِ تَعَالَى سَمْعاً وَ طَاعَةً

(1)

فَلَمَّا رَأَيْتُ النَّاسَ قَدِ انْثَالُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ لِلْبَيْعَةِ، (بِالْبَيْعَةِ «خ مَ») أَمْسَكْتُ يَدِي وَ ظَنَنْتُ أَنِّي أَوْلَى وَ أَحَقُّ بِمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْهُ وَ مِنْ غَيْرِهِ‏

(2)

وَ قَدْ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ أَمَّرَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ عَلَى جَيْشٍ وَ جَعَلَهُمَا فِي جَيْشِهِ‏

(3)

وَ مَا زَالَ النَّبِيُّ إِلَى أَنْ فَاضَتْ نَفْسُهُ يَقُولُ:

«أَنْفِذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ، أَنْفِذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ» فَمَضَى جَيْشُهُ إِلَى الشَّامِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى أَذْرُعَاتٍ فَلَقِيَ جَيْشاً (جَمْعاً «خ ل») مِنَ الرُّومِ فَهَزَمُوهُمْ (فَهَزَمَهُمْ «خ ل») وَ غَنَّمَهُمُ اللَّهُ أَمْوَالَهُمْ.

فَلَمَّا رَأَيْتُ رَاجِعَةً مِنَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ تَدَعُوا إِلَى مَحْوِ (مَحْقِ «خ») دِينِ مُحَمَّدٍ وَ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ((عليهما السلام) «خ») خَشِيتُ إِنْ أَنَا لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَ أَهْلَهُ أَرَى فِيهِ ثَلْماً وَ هَدْماً تَكُونُ الْمُصِيبَةُ عَلَيَّ فِيهِ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وَلَايَةِ أُمُورِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ، ثُمَّ تَزُولُ وَ تَنْقَشِعُ كَمَا يَزُولُ وَ يَنْقَشِعُ السَّحَابُ‏

(4)

فَنَهَضْتُ مَعَ الْقَوْمِ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَهَقَ الْبَاطِلُ، وَ كَانَتْ كَلِمَةُ

____________

(1) أي لو سخروني و ذلّلوني كالبعير المسخّر بالخزامة، لأقررت للّه تعالى بسمع أمره و طاعته من ترك القيام لأخذ حقّي بلا معين و ظهير، يقال: خزم أنف فلان- من باب ضرب- و خزم البعير: جعل في جانب منخره الخزام- أو الخزامة، بكسر الخاء فيهما- و هي حلقة يشدّ فيها الزّمام. و يقال: «خزم أنف فلان» و «جعل في أنفه الخزامة»: أذلّه و سخّره.

(2) «قد انثالوا»: قد انصبوا و اندفعوا (خوفا و طمعا) لان يبايعوا ابابكر. و «ظننت» أي أيقنت. كما في قوله تعالى: وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ‏» الخ و ورود الظّنّ بمعنى العلم و اليقين شائع في كلام البلغاء و الآيات و الرّوايات كما في الآية (117) من سورة التّوبة، و الآية (53) من سورة الكهف، و غيرها. أو المعنى: أنّي ظننت أنّ النّاس يروني أولى و أحقّ و يساعدوني على استنقاذ حقّي و ردّ ما اغتصبوه عنّي إليّ. و على المعنى الأوّل فالأولويّة تعيينيّة.

(3) الضّمير في قوله (ع): «و جعلهما» عائد إلى أبي بكر و عمر، أمّا كون عمر في جند أسامة، و تأمير أسامة عليه في تلك السّريّة، فممّا اتّفق عليه الجميع، و إنّما الكلام و الاختلاف في أبي بكر، و الصّحيح أنّه كان في الجيش قال ابن أبي الحديد- في أواسط الطّعن الرّابع من مطاعن أبي بكر، من شرح المختار (62) من كتب النّهج، ج 17، ص 183- و كثير من المحدّثين يقولون: بل كان (أبوبكر أيضا) فى جيشه.

و للكلام بقيّة و شواهد تقف عليها في أوّل التّذييلات الآتية.

(4) «المحو و المحق» بمعنى واحد، و هو إبطال الشّي‏ء و اضمحلاله. «و الثّلم»- على زنة الضّرب-: الخلل و الخرق و «الهدم»- كالضرب-: النّقض و السّقوط. و «انقشع السّحاب»: انكشف و زال. و «انقشع القوم عن أماكنهم»: ابتعدوا عنه.

242

اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا

وَ إِنْ رَغِمَ الْكَافِرُونَ‏

(1)

.

وَ لَقَدْ كَانَ سَعْدٌ لَمَّا رَأَى النَّاسَ يُبَايِعُونَ أَبَابَكْرٍ، نَادَى أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي وَ اللَّهِ مَا أَرَدْتُهَا حَتَّى رَأَيْتُكُمْ تَصْرِفُونَهَا عَنْ عَلِيٍّ، وَ لَا أُبَايِعُكُمْ حَتَّى يُبَايَعَ عَلِيٌّ، وَ لَعَلِّي لَا أَفْعَلُ وَ إِنْ بَايَعَ‏

(2)

.

____________

(1) «نهضت»: قمت، و النّهوض: القيام بالشّي‏ء و الإسراع إليه. و «الأحداث»- جمع الحدث كفرس و هو-:

الأمر المنكر الّذي ليس معتادا و لا معروفا في السّنّة، و هو البدعة في الدّين. و «زهق الباطل». خرجت روحه و مات. و «رغم الشّي‏ء رغما»- كضرب و نصر و منع-: كرهه. و المصدر على زنة الفلس و الفرس.

(2) هذا الكلام و ما تقدّم آنفا من قوله (عليه السلام): «و تثبّط الأنصار- و هم أنصار اللّه و كتيبة الإسلام- و قالوا:

أمّا إذا لم تسلّموها لعليّ فصاحبنا أحقّ بها من غيره» دالّان على أنّ الأنصار و رئيسهم سعدا، لم يتجاسروا على ادّعاء الخلافة و الامارة، إلّا بعد ما رأوا أنّها مصروفة عن الوصيّ (عليه السلام) و منهوبة عنه بإغارة أهل الشّره، و وثوب المنهمكين في الحرص و الطّمع، فخافوا من الأضغان الجاهليّة، و دوائر السّوء عليهم، فادعوها لأنفسهم، و مثل هذا الكلام ما رواه في الدّرجات الرّفيعة ص 326 في ترجمة سعد، من أنّه قال:

«لو بايعوا عليّا لكنت أوّل من بايع».

و روي أيضا عن محمّد بن جرير الطّبريّ، عن أبي علقمة، قال قلت لسعد بن عبادة و قد مال النّاس لبيعة أبي بكر: تدخل فيما دخل فيه المسلمون. قال: إليك عنّي فو اللّه لقد سمعت رسول اللّه (ص) يقول: «إذا أنا متّ تضلّ الأهواء، و يرجع النّاس على أعقابهم، فالحقّ يومئذ مع عليّ، و كتاب اللّه بيده» لا نبايع لأحد غيره.

فقلت له: هل سمع هذا الخبر غيرك من رسول اللّه. فقال: سمعه أناس في قلوبهم أحقاد و ضغائن. قلت:

بل نازعتك نفسك ان يكون هذا الأمر لك دون النّاس كلّهم. فحلف أنّه لم يهمّ بها، لم يردها، و أنّهم لو بايعوا عليّا كان أوّل من بايع سعد. أقول و رواه في الحديث (441) فى الفصل (41) من الباب العاشر، من إثبات الهداة: 4، 156، عن أربعين محمّد طاهر القمّىّ، قال: و روى أصحابنا عن كتاب ابن جرير الطّبريّ، عن سعد بن عبادة أنّه قال الخ. و ممّا يدلّ على أنّ اوّل من أقدم على نهب الخلافة و ابتزازها، هم الشّيخان و أتباعهم دون سعد، ما ذكره أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته الوسيلة، من قوله: «ألا و إنّ أوّل شهادة زور وقعت في الاسلام شهادتهم أنّ صاحبهم مستخلف رسول اللّه ص، فلمّا كان من أمر سعد بن عبادة ما كان رجعوا عن ذلك الخ. و ما رواه البخاريّ و مسلم في صحيحيهما، و الحميديّ في الجمع بين الصّحيحين، و ابن هشام في سيرته، و أبو حاتم: محمّد بن التّميميّ البستيّ في كتاب «الثّقات» و ابن حجر في الصّواعق، و السّيوطيّ في تاريخ الخلفاء، و الطّبريّ في تاريخه: ج 2، 446- و اللّفظ له- قال عمر: «بلغني أنّ قائلا منكم يقول: لو مات عمر بايعت فلانا. فلا يغرّنّ امرء أن يقول: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقد كان كذلك غير أنّ اللّه وقى شرّها، و إنّه كان من خبرنا حين توفّى اللّه نبيّه (ص) إنّ عليّا و الزّبير، و من معهما تخلّفوا عنّا في بيت فاطمة، و تخلّفت عنّا الأنصار بأسرها» الخ فإنّ هذا الكلام صريح أنّ الأنصار تخلّفوا كتخلّف عليّ و أتباعه، و ممّا يدلّ أيضا على شهامة الشّيخين و أتباعهم، و أنّهم كانوا أوّل من تصدّى للتّقمّص بالخلافة، ما كتبه- مروّج أساس القوم و حافظ دعائمهم- معاوية، إلى محمّد بن أبي بكر في كتاب طويل، و فيه: «فقد كنّا- و أبوك فينا- نعرف فضل ابن أبي طالب و حقّه لازما لنا مبرورا، فلمّا اختار اللّه لنبيّه ما عنده و قبضه إليه، فكان أبوك و فاروقه أوّل من ابتزّه حقّه، و خالفه على أمره» الخ و هذا الكتاب و إن استحيى الطّبريّ من ذكره معتذرا بأنّه ممّا يكرهه العامّة، و لكنّ اللّه لا يستحيي من الحقّ، و لا يخاف من كراهة العامّة، فأظهر الحقّ بنقل المسعوديّ في مروج الذّهب: ج 3 ص 12. و برواية نصر في كتاب صفّين ص 118، و ابن أبي الحديد في شرح المختار (46) من خطب نهج البلاغة ج 3 ص 190.

243

ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهُ وَ أَتَى حَوْرَانَ وَ أَقَامَ فِي خَانٍ [فِي عَنَانٍ «خ»] حَتَّى هَلَكَ وَ لَمْ يُبَايِعْ‏

(1)

.

وَ قَامَ فَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُ‏

(2)

وَ كَانَ يَقُودُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَرَسَيْنِ، وَ يَصْرِمُ أَلْفَ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ- فَنَادَى يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَخْبِرُونِي هَلْ فِيكُمْ رَجُلٌ تَحِلُّ لَهُ الْخِلَافَةُ وَ فِيهِ مَا فِي عَلِيٍّ.

فَقَالَ قَيْسُ بْنُ مَخْرَمَةَ الزُّهْرِيُّ: لَيْسَ فِينَا مَنْ فِيهِ مَا فِي عَلِيٍّ.

فَقَالَ: صَدَقْتَ، فَهَلْ فِي عَلِيٍّ مَا لَيْسَ فِي أَحَدٍ مِنْكُمْ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا

____________

(1) قال في باب الحاء بعدها الواو، من معجم البلدان: ج 3 ص 360 ط مصر،: «حوران» بالفتح يجوز أن يكون من حار يحور حورا. و «نعوذ باللّه من الحور بعد الكور» أي من النّقصان بعد الزّيادة. و حوران كورة واسعة من أعمال دمشق من جهة القبلة، ذات قرى كثيرة و مزارع و حرار، و ما زالت منازل العرب، و ذكرها في اشعارهم كثير، و قصبتها بصرى الخ. و قال في باب العين بعدها النّون من ج 6 ص 230:

«عنان»- بالكسر و آخره نون أخرى-: واد في ديار بني عامر، معترض في بلادهم، أعلاه لبني جعدة، و أسفله لبني قشير.

(2) قال ابن أبي الحديد- في شرح المختار (66) من خطب نهج البلاغة: ج 6 ص 28-: و كان فروة بن عمر و ممّن تخلّف عن بيعة أبي بكر، و كان ممّن جاهد مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قاد فرسين في سبيل اللّه، و كان يتصدّق من نخله بألف وسق في كلّ عام، و كان سيّدا و هو من أصحاب عليّ، و ممّن شهد معه يوم الجمل الخ و أيضا قال ابن أبي الحديد- في شرح المختار المتقدّم ص 21-: و روى الزّبير بن بكّار، قال:

روى محمّد بن إسحاق أنّ أبابكر لمّا بويع افتخرت تيم بن مرّة، قال: و كان عامّة المهاجرين و جلّ الأنصار لا يشكّون أنّ عليّا هو صاحب الأمر بعده (ص) فقال الفضل بن العبّاس: «يا معشر قريش و خصوصا يا بني تيم إنّكم إنّما أخذتم الخلافة بالنّبوّة، و نحن أهلها دونكم، و لو طلبنا هذا الأمر الّذي نحن أهله لكانت كراهة النّاس لنا أعظم من كراهتهم لغيرنا، حسدا منهم لنا و حقدا علينا، و إنّا لنعلم أنّ عند صاحبنا عهدا هو ينتهي إليه.

244

صَدَّكُمْ عَنْهُ. قَالَ: اجْتِمَاعُ [إَجْمَاعُ «خ»] النَّاسِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ. قَالَ: أَمَا وَ اللَّهِ لَئِنْ أَصَبْتُمْ [أَحْيَيْتُمْ «خ ل»] سُنَّتَكُمْ لَقَدْ أَخْطَأْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَ لَوْ جَعَلْتُمُوهَا فِي أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ لَأَكَلْتُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ‏

(1)

.

فَوُلِّيَ أَبُو بَكْرٍ فَقَارَبَ وَ اقْتَصَدَ

(2)

فَصَحِبْتُهُ مُنَاصِحاً وَ أَطَعْتُهُ فِيمَا أَطَاعَ اللَّهَ فِيهِ جَاهِداً

(3)

حَتَّى إِذَا احْتُضِرَ قُلْتُ فِي نَفْسِي لَيْسَ يَعْدِلُ بِهَذَا الْأَمْرِ عَنِّي، وَ لَوْلَا خَاصَّةً بَيْنَهُ وَ بَيْنَ عُمَرَ، وَ أَمْرٌ كَانَا رَضِيَاهُ بَيْنَهُمَا

(4)

لَظَنَنْتُ أَنَّهُ لَا يَعْدِلُهُ عَنِّي وَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) لِبُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ- حِينَ بَعَثَنِي وَ خَالِدَ [ابْنَ «ظ»] الْوَلِيدِ إِلَى الْيَمَنِ؛ وَ قَالَ: إِذَا افْتَرَقْتُمَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا عَلَى حِيَالِهِ‏

(5)

وَ إِذَا اجْتَمَعْتُمَا فَعَلِيٌّ عَلَيْكُمْ جَمِيعاً فَغَزَوْنَا وَ أَصَبْنَا سَبْياً فِيهِمْ خَوْلَةُ بِنْتُ جَعْفَرٍ جَارِ الصَّفَا

(6)

فَأَخَذْتُ الْحَنَفِيَّةَ خَوْلَةَ، وَ اغْتَنَمَهَا خَالِدٌ مِنِّي، وَ بَعَثَ بُرَيْدَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مُحَرِّشاً عَلَيَ‏

(7)

فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَخْذِي خَوْلَةَ فَقَالَ: «يَا بُرَيْدَةُ حَظُّهُ فِي‏

____________

(1) و قال أبو ذرّ: أصبتم قباحة و تركتم قرابة لو جعلتم هذا الأمر في أهل بيت نبيّكم لما اختلف عليكم اثنان. و قال سلمان: أصبتم ذا السّنّ منكم و أخطأتم أهل بيت نبيّكم أما لو جعلتموها فيهم ما اختلف منكم اثنان و لأكلتموها رغدا.

(2) أي ترك الغلوّ. و لم يبالغ في الانحراف كلّ المبالغة، كالّذين قاموا بالأمر بعده و جلسوا مجلسه و لقبوا بلقبه.

(3) «جاهدا» حال من فاعل «أطاع اللّه» أو عن الضّمير المنصوب أو المرفوع في «أطعته» و الأوّل كأنّه أظهر.

(4) «و لولا خاصّة» أي خلطة او محبّة مخصوصة، أو خصوصية ذاتية تكوينية من أجلها يحنّ كلّ شخص الى مجانسه و يوافق كلّ شنّ طبقه، و يؤيّد الاخير مواخاة النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بينهما، و حديث: «إنّ النّفوس- او الارواح- جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، و ما تناكر منها اختلف».

و اما الأمر الّذي كانا رضيا بينهما فهو تعاهدهما على ان يبايع أبا بكر، ليردّ عليه ابو بكر بعده، و لذا قال له أمير المؤمنين (ع): «احلب حلبا لك شطره، اشدد له اليوم أمره ليردّ عليك غدا». و في معادن الحكمة:

«و امر كانا ربصاه».

(5) أي على انفراده، أي في صورة الانفراد كلّ واحد منكم أمير على جنده الخ.

(6) و في البحار، نقلا عن كشف المحجّة: «خويلة بنت جعفر جار الصّفا- و إنّما سمّى جار الصّفا من حسنه فأخذت الحنفيّة خولة» الخ و الظّاهر أنّ «خويلة» من غلط النّسّاخ، كما أنّ قوله: «و إنّما سمّي جار الصّفا من حسنه» من كلام السّيّد ابن طاوس- او الكلينيّ أو من تقدّمهما من الرّواة- فأدرجه الكتاب سهوا أو جهلا في كلامه (ع).

(7) التّحريش: الإغراء بين القوم. و الإفساد بينهم بالسّعاية و النّميمة.

245

الْخُمُسِ أَكْثَرُ مِمَّا أَخَذَ، إِنَّهُ وَلِيُّكُمْ بَعْدِي» سَمِعَهَا أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ، وَ هَذَا بُرَيْدَةُ حَيٌّ لَمْ يَمُتْ‏

(1)

فَهَلْ بَعْدَ هَذَا مَقَالٌ لِقَائِلٍ.

فَبَايَعَ عُمَرَ دُونَ الْمَشُورَةِ، فَكَانَ مَرْضِيَّ السِّيرَةِ مِنَ النَّاسِ عِنْدَهُمْ‏

(2)

حَتَّى إِذَا احْتُضِرَ قُلْتُ فِي نَفْسِي لَيْسَ يَعْدِلُ بِهَذَا الْأَمْرِ عَنِّي لِلَّذِي قَدْ رَآى مِنِّي فِي الْمَوَاطِنِ، وَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَجَعَلَنِي سَادِسَ سِتَّةٍ وَ أَمَرَ صُهَيْباً أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ زَيْدَ بْنَ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيَّ فَقَالَ لَهُ: «كُنْ فِي خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِكَ فَاقْتُلْ مَنْ أَبَى أَنْ يَرْضَى مِنْ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ».

فَالْعَجَبُ مِنِ اخْتِلَاقِ الْقَوْمِ‏

(3)

، إِذْ زَعَمُوا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَخْلَفَهُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله)؛ فَلَوْ كَانَ هَذَا حَقّاً لَمْ يَخْفَ عَلَى الْأَنْصَارِ، فَبَايَعَهُ النَّاسُ عَلَى شُورَى ثُمَّ جَعَلَهَا أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ بِرَأْيِهِ خَاصَّةً، ثُمَّ جَعَلَهَا عُمَرُ بِرَأْيِهِ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ، فَهَذَا الْعَجَبُ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ‏

(4)

وَ الدَّلِيلُ عَلَى مَا لَا أُحِبُّ أَنْ أَذْكُرَ [هُ‏] قَوْلُهُ (ظ):

«هَؤُلَاءِ الرَّهْطُ الَّذِينَ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (كَذَا) وَ هُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ». فَكَيْفَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ قَوْمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَسُولُهُ، إِنَّ هَذَا لَأَمْرٌ عَجِيبٌ، وَ لَمْ يَكُونُوا لِوَلَايَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَكْرَهَ مِنْهُمْ لِوَلَايَتِي، كَانُوا يَسْمَعُونَ وَ أَنَا أُحَاجُّ أَبَا بَكْرٍ وَ أَقُولُ (ظ): يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَنَا أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ مَا كَانَ مِنْكُمْ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَ يَعْرِفُ السُّنَّةَ وَ يَدِينُ بِدِينِ اللَّهِ الْحَقِ‏

(5)

وَ إِنَّمَا

____________

(1) و قوله (ص): «إنّه وليّكم بعدي»- كحديث يوم الدّار، و حديث الغدير، و الثّقلين، و السّفينة و ما يجري مجراها- يدلّ على استخلافه (ص) إيّاه بعده بلا فصل على جميع المسلمين كائنا من كان، و الأدلّة بتكاثرها كلّ واحدة منها متواترة.

و أمّا بريدة فإنّه توفّي سنة (63 ه) بمرو، و قيل: مات سنة (62).

(2) أي لا بحسب الواقع و نفس الأمر و عند اللّه تبارك و تعالى.

(3) و في معادن الحكمة و الجواهر: «فالعجب من خلاف القوم».

(4) و فى معادن الحكمة: «فهذا العجب و اختلافهم».

(5) هذا هو الظّاهر، و في النّسخة: «و يدين دين اللّه الحقّ» و في البحار، و معادن الحكمة: «و يدين دين الحقّ» و المعنى: إنّكم إن كنتم من أهل القرآن و السّنّة و دين الحقّ فخلّوا بيني و بين الخلافة، لأنّ القرآن و السّنّة و دين الحقّ حاكم بأنّي أحقّ و أولى بالخلافة منكم. و يحتمل أن يراد من الكلام أنّه ما دام في الوجود مسلم و معتقد بالشّريعة، فأنا أولى بالأمارة و الخلافة عليه.

و في بعض الرّوايات الواردة في احتجاجه (ع) يوم السّقيفة على أبي بكر أنّه قال: «و نحن أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب اللّه» الخ.

246

حُجَّتِي أَنِّي وَلِيُّ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ دُونِ قُرَيْشٍ، إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِعِتْقِ الرِّقَابِ مِنَ النَّارِ، وَ أَعْتَقَهَا مِنَ الرِّقِّ، فَكَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ.

وَ كَانَ لِي بَعْدَهُ مَا كَانَ لَهُ‏

(1)

فَمَا جَازَ لِقُرَيْشٍ مِنْ فَضْلِهَا عَلَيْهَا بِالنَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) جَازَ لِبَنِي هَاشِمٍ عَلَى قُرَيْشٍ، وَ جَازَ لِي عَلَى بَنِي هَاشِمٍ بِقَوْلِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» إِلَّا أَنْ تَدَّعِيَ قُرَيْشٌ فَضْلَهَا عَلَى الْعَرَبِ بِغَيْرِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَإِنْ شَاءُوا فَلْيَقُولُوا ذَلِكَ.

فَخَشِيَ الْقَوْمُ إِنْ أَنَا وُلِّيتُ عَلَيْهِمْ أَنْ آخُذَ بِأَنْفَاسِهِمْ وَ أَعْتَرِضَ فِي حُلُوقِهِمْ وَ لَا يَكُونَ لَهُمْ فِي الْأَمْرِ نَصِيبٌ‏

(2)

فَأَجْمَعُوا عَلَيَّ إِجْمَاعَ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَتَّى صَرَفُوا الْوَلَايَةَ عَنِّي إِلَى عُثْمَانَ رَجَاءَ أَنْ يَنَالُوهَا وَ يَتَدَاوَلُوهَا فِي مَا بَيْنَهُمْ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى مُنَادٍ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ

(3)

فَأَسْمَعَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَيْلَةَ بَايَعُوا عُثْمَانَ‏

____________

(1) الاستدلال بقوله: «الولاء لمن أعتق» بضميمة ما يأتي بعد ذلك من قوله (ص): «من كنت مولاه فعليّ مولاه» و من قوله (ص) له (ع): «يابن أبي طالب لك ولاء أمّتي، فإن ولّوك في عافية و أجمعوا عليك بالرّضا فقم بأمرهم، و إن اختلفوا عليك فدعهم و ما هم فيه» الخ. و روى الكلينى (ره) فى الحديث الخامس من الباب الثّامن، من كتاب الجهاد، من الكافي: ج 5، ص 28، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قال أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه): «بعثني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى اليمن، و قال لي: يا عليّ لا تقاتلنّ أحدا حتّى تدعوه، و ايم اللّه لأن يهدي اللّه على يديك رجلا خير لك ممّا طلعت عليه الشّمس و غربت، و لك ولاؤه يا عليّ».

(2) و هذا المعنى ممّا نطق به القوم في كثير من المقامات، و رواه عنهم أنصارهم- و قد تقدّم نقل شرذمة منه في باب الخطب- و قد سار بسيرتهم في كلّ عصر كثير من المبطلين، فنازعوا الحقّ أهله فضلّوا و أضلّوا عن سواء الصّراط.

(3) ثمّ إنّ في النّسخة هكذا: «إذ نادى مناد لا يدري من هو، و أظنّه جنّيّا» و هو من كلام بعض الرّواة اقحم في المتن.

247

فَقَالَ

:

يَا نَاعِيَ الْإِسْلَامِ قُمْ فَانْعِهِ‏* * * قَدْ مَاتَ عُرْفٌ وَ بَدَا مُنْكَرٌ

مَا لِقُرَيْشٍ لَا على [عَلَا] كَعْبُهَا (1)* * * مَنْ قَدَّمُوا الْيَوْمَ وَ مَنْ أَخَّرُوا

إِنَّ عَلِيّاً هُوَ أَوْلَى بِهِ‏* * * مِنْهُ فَوَلُّوهُ وَ لَا تُنْكِرُوا

فَدَعَوْنِي إِلَى بَيْعَةِ عُثْمَانَ فَبَايَعْتُ مُسْتَكْرَهاً وَ صَبَرْتُ مُحْتَسِباً، وَ عَلَّمْتُ أَهْلَ الْقُنُوطِ أَنْ يَقُولُوا: أَللَّهُمَّ لَكَ أَخْلَصَتِ الْقُلُوبُ، وَ إِلَيْكَ شَخَصَتِ الْأَبْصَارُ، وَ أَنْتَ دُعِيتَ بِالْأَلْسُنِ، وَ إِلَيْكَ تُحُوكِمَ [نَجْوَاهُمْ «مَ»] فِي الْأَعْمَالِ، فَ

افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِ‏

.

أَللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ غَيْبَةَ [فَقَدْ «خ ل»] نَبِيِّنَا وَ كَثْرَةَ عَدُوِّنَا، وَ قِلَّةَ عَدَدِنَا، وَ هَوَانَنَا عَلَى النَّاسِ، وَ شِدَّةَ الزَّمَانِ وَ وُقُوعَ الْفِتَنِ بِنَا، أَللَّهُمَّ فَفَرِّجْ ذَلِكَ بِعَدْلٍ تُظْهِرُهُ، وَ سُلْطَانِ حَقٍّ تَعْرِفُهُ.

فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: «يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ إِنَّكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ

____________

(1) النّعي: خبر الموت. و جملة: «لا على كعبها» دعائيّة، قال فى النّهاية:

و في حديث قيله: «لا يزال كعبك عاليا» هو داء لها بالشّرف و العلوّ. و في ترجمة عمّار، من الدّرجات الرّفيعة ص 262 و قريب منه في مروج الذّهب: 2/ 243- قال: و روى الجوهريّ. قال: قام عمّار يوم بويع عثمان، فنادى يا معشر المسلمين إنّا قد كنّا و ما كنّا نستطيع الكلام قلّة و ذلّة فأعزّنا اللّه بدينه و أكرمنا برسوله، فالحمد للّه ربّ العالمين، يا معشر قريش إلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيّكم تحولونه هاهنا مرّة و ههنا مرّة، ما أنا آمن أن ينزعه اللّه منكم و يضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله و وضعتموه في غير أهله. فقال هشام بن المغيرة: يابن سميّة لقد عدوت طورك، و ما عرفت قدرك، ما أنت و ما رمت قريش لأنفسها، إنّك لست في شي‏ء من أمرها و أمارتها فتنحّ عنها. و تكلّمت قريش بأجمعها فصاحوا بعمّار فانتهروه فقال: الحمد للّه ربّ العالمين، ما زال أعوان الحقّ أذلّاء، ثمّ قام فانصرف.

قال الشّعبيّ: و أقبل عمّار ينادي ذلك اليوم:

يا ناعي الإسلام قم فانعه‏* * * قد مات عرف و بدا منكر

اما و اللّه لو أنّ لي أعوانا لقاتلتهم، و اللّه لأن قاتلهم واحد لأكوننّ له ثانيا. فقال عليّ (ع): يا أبا اليقظان و اللّه لا أجد عليهم أعوانا، و لا أحبّ أن أعرّضكم لما لا تطيقون.

أقول: و ذكر في ترجمة نعمان بن زيد الانصاريّ من أعيان الشّيعة ج 5 ص 9: أنّه أنشد الأشعار يوم السّقيفة، و فيها زيادة غير مذكورة هنا.

248

لَحَرِيصٌ» فَقُلْتُ: لَسْتُ عَلَيْهِ حَرِيصاً وَ إِنَّمَا أَطْلُبُ مِيرَاثَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ حَقَّهُ وَ أَنَّ وَلَاءَ أُمَّتِهِ لِي مِنْ بَعْدِهِ، وَ أَنْتُمْ أَحْرَصُ عَلَيْهِ مِنِّي إِذْ تَحُولُونَ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ، وَ تَصْرِفُونَ [وَ تَضْرِبُونَ «خ ل»] وَجْهِي دُونَهُ بِالسَّيْفِ‏

(1)

.

اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي وَ أَضَاعُوا أَيَّامِي‏

(2)

وَ دَفَعُوا حَقِّي وَ صَغَّرُوا قَدْرِي وَ عَظِيمَ مَنْزِلَتِي وَ أَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي حَقّاً كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْهُمْ‏

(3)

فَاسْتَلَبُونِيهِ، ثُمَّ قَالُوا: «اصْبِرْ مَغْمُوماً أَوْ مُتْ مُتَأَسِّفاً

(4)

وَ ايْمُ اللَّهِ لَوِ اسْتَطَاعُوا أَنْ يَدْفَعُوا قَرَابَتِي كَمَا قَطَعُوا سَبَبِي فَعَلُوا وَ لَكِنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا

(5)

.

[وَ] إِنَّمَا حَقِّي عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ كَرَجُلٍ لَهُ حَقٌّ عَلَى قَوْمٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَإِنْ أَحْسَنُوا وَ عَجَّلُوا لَهُ حَقَّهُ قَبِلَهُ حَامِداً، وَ إِنْ أَخَّرُوهُ إِلَى أَجَلِهِ أَخَذَهُ غَيْرَ حَامِدٍ، وَ لَيْسَ يُعَابُ الْمَرْءُ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ، إِنَّمَا يُعَابُ مَنْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ‏

(6)

وَ قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَهِدَ إِلَيَّ عَهْداً فَقَالَ: «يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ لَكَ وَلَاءُ أُمَّتِي فَإِنْ وَلَّوْكَ فِي عَافِيَةٍ وَ أَجْمَعُوا عَلَيْكَ بِالرِّضَا

(7)

فَقُمْ بِأَمْرِهِمْ، وَ إِنْ‏

____________

(1) و لهذا الدّعاء صور كثيرة صدرت عنه (ع) في مختلف المقامات، و ذكرنا بعض صوره في الباب الرّابع من كتابنا هذا فراجع، و صورة منه ذكرها السّيّد (ره) في المختار (15، أو 16) من كتب نهج البلاغة.

(2) و قريب منه جدّا في المختار (167، أو 170) من خطب نهج البلاغة.

و معنى أستعديك: أستعين بك و أشكو إليك و أستنصرك عليهم لأخذ ظلامتي منهم، حيث إنّهم قطعوا رحمي عن رسول اللّه (ص) و لم يصموه، و اضاعوا ايامي المشهورة الّتي نصرت فيها الدّين، و خصائصي الّتي أوجبت لي ولاية المسلمين.

(3) و الأولويّة هنا تعيينيّة، كما في قوله تعالى: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ* و يدلّ عليه أمور كثيرة منها قوله (ع) في المختار (170) من خطب النّهج: «و أجمعوا على منازعتي أمرا هو لي» الخ.

و قريب منهما جدّا في المختار (214) من خطب النّهج أيضا.

(4) اي إنّهم لم يكتفوا بغصب حقّي فقط، بل زادوا عليه التّعيير و التّقريع.

(5) هذا هو الظّاهر، و في النّسخة: «و لكنّهم لا يجدون إلي ذلك سبيلا».

(6) و هذا مثل قوله (عليه السلام)- في المختار (28) من كتب نهج البلاغة-: «و ما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكّا في دينه، و لا مرتابا بيقينه» الخ.

(7) أي الإمامة و الولاية ثابتتان لك أجمعوا عليك بالرّضا و طيب النّفس أم لا، و أمّا القيام بأمر و إعباء الإمامة فهو معلّق على إجماعهم عليك و رضاهم بك، فإن أجمعوا و رضوا بك فقم بأمرهم، و إلّا فدعهم.

249

اخْتَلَفُوا عَلَيْكَ فَدَعْهُمْ وَ مَا هُمْ فِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُ لَكَ مَخْرَجاً».

فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ وَ لَا مَعِي مُسَاعِدٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِي فَضَنِنْتُ‏

(1)

بِهِمْ عَنِ الْهَلَاكِ؛ وَ لَوْ كَانَ لِي بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَمِّي حَمْزَةُ وَ أَخِي جَعْفَرٌ لَمْ أُبَايِعْ كَرْهاً [مُكْرَهاً «خ»] وَ لَكِنِّي بُلِيتُ‏

(2)

بِرَجُلَيْنِ- حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ- الْعَبَّاسِ وَ عَقِيلٍ، فَضَنِنْتُ بِأَهْلِ بَيْتِي عَنِ الْهَلَاكِ، فَأَغْضَيْتُ عَيْنِي عَلَى الْقَذَى، وَ تَجَرَّعْتُ رِيقِي عَلَى الشَّجَى وَ صَبَرْتُ عَلَى أَمَرَّ مِنَ الْعَلْقَمِ، وَ آلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ حَزِّ الشِّفَارِ

(3)

.

وَ أَمَّا أَمْرُ عُثْمَانَ فَكَأَنَّهُ عُلِمَ مِنَ الْقُرُونِ الْأُولَى‏

عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَ لا يَنْسى‏ (4)

خَذَلَهُ أَهْلُ بَدْرٍ.

____________

(1) الرّافد: المعين و المساعد. و ضننت بهم- من باب علم و نفع-: بخلت بهم و احتفظت عليهم كما يبخل بالنّفائس و يتحفّظ عليها. و ما هنا قريب جدّا ممّا في المختار (25 و 214) من خطب النّهج، و ما ذكره (عليه السلام) من خوفه على استيصاله و استيصال أهل بيته لو لم يبايع القوم، قد تواتر عنه (عليه السلام) و القرائن القطعيّة شاهدة له، قال عبد الرّحمان بن عوف يوم بايع عثمان: يا عليّ فلا تجعل إلى نفسك سبيلا فإنّه السّيف لا غير. الامامة و السياسية 27. و إن تعمّقت في وصيّة عمر، أو ما جرى يوم السّقيفة لترى الأمر جليّا.

(2) و في نسخة البحار: «و لكنّي منيت» و هما بمعنى واحد، و ما ذكره (عليه السلام) بالنّسبة إلى العبّاس و عقيل جليّ لمن تأمّل في سيرتهما في بدء الإسلام إلي زمان وفاتهما، و كذا الكلام بالنّظر إلى سيرة حمزة و جعفر (رض) فلو كانا حيّين لما اغتنم أصحاب السّقيفة اشتغال الوصيّ بتجهيز الرّسول (ص) غنيمة باردة لنهب الخلافة، و لهابوهم هيبة الثّعلب من الأسد، و لما وقع الوصيّ بين المحذورين: من اجتياح العترة و عود الكفر- لو قام لإحقاق حقّه و دفع مخاصميه- و من غصب حقّه لو سكت.

(3) «أغضيت عيني القذى» أي غمضتها عليه.

و الإغضاء: غمض جفني العين و تطبيقهما حتّى لا يرى شيئا. و القذى: ما يقع في العين من تبن و نحوه.

و الشّجى: ما اعترض في الحلق من عظم و نحوه. و العلقم: شجر مرّ بالغ المرارة. و يطلقه العرب على كلّ مرّ.

و الحزّ: الوجع و الألم. و الشّفار: جمع الشّفرة كضربة: السّكاكين العظيمة العريضة. قال محمّد عبده: «و كلّ هذا تمثيل للصّبر، و الاختناق على المضض الّذي آلم به من حرمانه حقّه و تألّب القوم عليه».

(4) لعلّ المراد أنّ أمره كان شبيها بأمور وقعت على القرون الأولى الّتي لم تكونوا شاهدي أعمالهم لتعلموا حسن عاقبتهم أو شناعتها، فعلمها عند اللّه الّذي لا ينسى، و لا يضلّ، و لا يعزب عنه شي‏ء، و علم الحوادث قبل وقوعها فاثبتها في اللّوح المحفوظ.

و يمكن أن يريد (ع) من قوله: «في كتاب» القرآن، فالمراد أنّ حاله يستعلم من القرآن، فإن كان في أعماله خائفا فله جنّتان، و إن كان ظالما غير مبال باللّه تعالى، فهو ممّن يعضّ على يديه و يقول: يا ليتني اتّخذت مع الرّسول سبيلا، ليتني لم أتّخذ فلانا خليلا. و لعلّ هذا المعنى أوفق بقوله: «خذله أهل بدر» إذ أتباع معاوية و أنصاره يروون عنه (ص) ما معناه: إنّ اللّه اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. و كذا يروون عنه (ص) قوله: أصحابي كالنّجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم. و لا خلاف أنّ جمهور البدريّين من المهاجرين و الأنصار خذلوا عثمان، بل رؤساؤهم كطلحة و الزّبير، كانوا ممّن ألّبوا على عثمان.

250

وَ قَتَلَهُ أَهْلُ مِصْرَ، وَ اللَّهِ مَا أَمَرْتُ وَ لَا نَهَيْتُ، وَ لَوْ أَنَّنِي أَمَرْتُ كُنْتُ قَاتِلًا، وَ لَوْ أَنَّنِي نَهَيْتُ كُنْتُ نَاصِراً، وَ كَانَ الْأَمْرُ لَا يَنْفَعُ فِيهِ الْعِيَانُ، وَ لَا يَشْفِي مِنْهُ الْخَبَرُ

(1)

غَيْرَ أَنَّ مَنْ نَصَرَهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ: هُوَ: «خَذَلَهُ مَنْ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ»

____________

(1) لعلّ المعنى أنّ أمره كان مشتبها على من عاين الأمر، و على من سمع خبره، فلا يعلم كيف وقع. أو المعنى أنّ قتله شبّه على أكثر النّاس، فما علموا أنّه قتل حقّا أو باطلا. و قريب منه قول رسوله إلى معاوية: «إنّ أمر عثمان أشكل على من حضره، المخبر عنه كالأعمى، و السّميع كالأصمّ» الخ. الامامة و السياسة 83.

ثمّ ليعلم أنّ قوله (ع) هنا: «و لو أنّني أمرت كنت قاتلا» إلى قوله: «و اللّه يحكم بينكم و بينه» رواه في المختار (30) من باب خطب نهج البلاغة، باختلاف طفيف في بعض ألفاظه. و قطعة منه رواه البلاذريّ في أنساب الأشراف: 5/ 98 و 101. و رواه أيضا في ترجمة عثمان من تاريخ دمشق ج 25 ص 159، و ما قبلها بمغايرة طفيفة في بعض الألفاظ، و بأسانيد عديدة في بعض الفقرات.

و في ترجمة كعب بن مالك الأنصاريّ من كتاب الأغاني: 16، 233 ط مصر، و أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن منصور الرّبعيّ، و ذكر أنّه اسناد شآم، هكذا: قال: قال ابن عمّار في الخبر، و ذكر حديثا فيه طول لحسّان بن ثابت و النّعمان بن بشير، و كعب بن مالك، فذكرت ما كان لكعب فيه، قال: لمّا بويع لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بلغه عن حسّان بن ثابت، و كعب بن مالك، و النّعمان بن بشير- و كانوا عثمانيّة- أنّهم يقدّمون بني أميّة على بني هاشم، و يقولون: الشّام خير من المدينة، و اتّصل بهم أنّ ذلك قد بلغه، فدخلوا عليه، فقال له كعب بن مالك: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن عثمان:

أ قتل ظالما فنقول بقولك، أم قتل مظلوما فنقول بقولنا و نكلك إلى الشّبهة فيه، فالعجب من تيقّننا و شكّك، و قد زعمت العرب أنّ عندك علم ما اختلفنا فيه فهاته نعرفه، ثمّ قال:

كفّ يديه ثمّ اغلق بابه‏* * * و أيقن أنّ اللّه ليس بغافل‏

و قال لمن في داره لا تقاتلوا* * * عفا اللّه عن كلّ امرئ لم يقاتل‏

فكيف رأيت اللّه صبّ عليهم‏* * * العداوة و البغضاء بعد التّواصل‏

و كيف رأيت الخير أدبر عنهم‏* * * و ولّى كإدبار النّعام الحوافل‏

فقال لهم عليّ (عليه السلام): لكم عندي ثلاثة أشياء: استأثر عثمان فأساء الأثرة، و جزعتم فأسأتم الجزع، و عند اللّه ما تختلفون فيه إلى يوم القيامة.

أقول و نقله عنه ابن عساكر في ترجمة كعب من تاريخ دمشق: ج 46 ص 1553، إلّا أنّه قال: «و ذكر له أسنادا شاميّا». و هو أظهر.

251

وَ لَا يَسْتَطِيعُ مَنْ خَذَلَهُ أَنْ يَقُولَ: «نَصَرَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي».

وَ أَنَا جَامِعٌ أَمْرَهُ: اسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ الْأَثَرَةَ وَ جَزِعْتُمْ فَأَسَأْتُمُ الْجَزَعَ، وَ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [بَيْنَنَا «خ»] وَ بَيْنَهُ، وَ اللَّهِ مَا يَلْزَمُنِي فِي دَمِ عُثْمَانَ تُهْمَةٌ [ثُلْمَةٌ «خ»] مَا كُنْتُ إِلَّا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْتِي (كَذَا) فَلَمَّا قَتَلْتُمُوهُ أَتَيْتُمُونِي تُبَايِعُونِّي فَأَبَيْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَبَيْتُمْ عَلَيَّ، فَقَبَضْتُ يَدِي فَبَسَطْتُمُوهَا، وَ بَسَطْتُهَا فَمَدَدْتُمُوهَا ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَّ الْإِبِلِ الْهِيمِ عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وُرُودِهَا

(1)

حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّكُمْ قَاتِلِيَّ وَ أَنَّ بَعْضَكُمْ قَاتِلُ بَعْضٍ، حَتَّى انْقَطَعَتِ النَّعْلُ وَ سَقَطَ الرِّدَاءُ، وَ وُطِئَ الضَّعِيفُ وَ بَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنْ حَمَلَ إِلَيْهَا الصَّغِيرُ وَ هَدَجَ إِلَيْهَا الْكَبِيرُ وَ تَحَامَلَ إِلَيْهَا الْعَلِيلُ وَ حَسَرَتْ لَهَا الْكِعَابُ‏

(2)

.

____________

(1) التّداكّ و التّداكك: التّدافع الّذي يقع بين المتزاحمين الواردين على شي‏ء واحد، فإنّ كلّ واحد منهم يدكّ الآخر بمقاديم بدنه ليدفعه و يستقلّ هو بالمورود، و الهيم: العطاش. و جمعه هيماء- كعين و عيناء-. و الورود:

النّزول. و مثله في المختار (224، أو 226) من خطب النّهج، و كذا في المختار (53) منها: «يوم وردها» و هو أيضا يعطي معناه، إذ «الورد» يستعمل في الإشراف على الماء. و في العطش. و في الماء الّذي يورد. و في النّصيب منه. و في يوم شرب الماء.

(2) و هذا قريب جدّا ممّا في المختار (224، أو 226) من خطب نهج البلاغة، إلّا أنّ فيها: «ان ابتهج بها الصغير» و ما هنا أبلغ، إذ حمل الصّغار لبيعته (ع) يكشف عن فرط رغبة أوليائهم لبيعته، و تبرّكهم بها، و لهذا حملوا أولادهم معهم لبيعته (ع).

و أمّا تفسير ألفاظه (ع) فيقال: «هدج- هدجا» الظليم: مشى في ارتعاش. و هدجت النّاقة: حنّت على ولدها. و الفعل من باب ضرب. و تحامل في الأمر و بالأمر و إلى الأمر: تكلّفه على مشقّة. و «و حسر كمّه عن ذراعه»- من باب ضرب و نصر-: رفعه و كشفه. و «حسرت الجارية خمارها عن وجهها»: أسفرت و أبرزت وجهها برفع الخمار. و «الكعاب»- كحساب و كتاب- جمع الكعب- كفلس- و هو كلّ مفصل للعظام.

و يراد منه هنا: الرّكبة أو السّاق لمجاورته الرّكبة و العظمان النّاشزان من جانبي القدم، فإنّهما أيضا يطلق عليهما الكعب. و «الكعاب»- كسحاب و سراب-: الجارية حين يبدو ثديها للنّهود، و هي الكاعب- بلا هاء- أي أنّ الجواري كشفت عن وجهها متوجّهة إلى بيعته (عليه السلام) لتعقدها بلا استحياء، لشدّة الرّغبة و الحرص على إتمام الأمر لأمير المؤمنين (عليه السلام). كذا أفاد الاستاذ محمد عبده في تعليقه على نهج البلاغة، و هذا المعنى على ما أختاره من ضبط «الكعاب» على زنة سحاب، و أمّا بناء على كونه على زنة الكتاب و الحساب، فالمعنى أنّ النّاس- رجالا و نساء صغارا و كبارا- لغاية فرحهم و نهاية عنايتهم و فرط شعفهم بخلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) كشفوا عن ساقهم و شمّروا ذيلهم مسرعين إليه (ع)- كمن يعدو إلى محبوبه الّذي قد تألّم بفراقه في برهة و آيس من حياته و وصاله ثمّ بشّر بمجيئه و إنّه على شرف اللّقاء- ليكونوا أوّل فائز بهذه المكرمة، ليتمّوه أو ليحكموه قبل سريان الفساد، و فوات الوقت، و عليه ف «حسرت» مبنيّ للمفعول. و غرضه (عليه السلام) من الكلام أنّ الأمّة بايعته مختارة مشتاقة من غير استدعاء منه (عليه السلام). و ما أقرب كلام ابن عمّ عديّ بن حاتم لما وصف بيعته (عليه السلام) بالشّام لمعاوية، لما ذكره (ع) هنا، قال ابن عمّ عديّ: «ثمّ تهافت النّاس على عليّ بالبيعة تهافت الفراش حتّى ضلّت النّعل، و سقط الرّداء، و وطئ الشّيخ- إلى أن قال:- فحملوا إليه الصّبيّ، و دبّت إليه العجوز، و خرجت إليه العروس فرحا به و سرورا و شوقا إليه» الخ.

252

فَقَالُوا: بَايِعْنَا عَلَى مَا بُويِعَ عَلَيْهِ أَبُوبَكْرٍ وَ عُمَرُ، فَإِنَّا لَا نَجِدُ غَيْرَكَ وَ لَا نَرْضَى إِلَّا بِكَ، بَايِعْنَا لَا نَفْتَرِقُ وَ لَا نَخْتَلِفُ. فَبَايَعْتُكُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)

(1)

دَعَوْتُ النَّاسَ إِلَى بَيْعَتِي فَمَنْ بَايَعَنِي طَائِعاً قَبِلْتُ مِنْهُ، وَ مَنْ أَبَى تَرَكْتُهُ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ بَايَعَنِي طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ، فَقَالا: «نُبَايِعُكَ عَلَى أَنَّا شُرَكَاؤُكَ فِي الْأَمْرِ». فَقُلْتُ: لَا وَ لَكِنَّكُمَا شُرَكَائِي فِي الْقُوَّةِ وَ عَوْنَايَ فِي الْعَجْزِ

(2)

فَبَايَعَانِي عَلَى هَذَا الْأَمْرِ، وَ لَوْ أَبَيَا لَمْ أُكْرِهْهُمَا كَمَا لَمْ أُكْرِهْ غَيْرَهُمَا.

وَ كَانَ طَلْحَةُ يَرْجُو الْيَمَنَ، وَ الزُّبَيْرُ يَرْجُو الْعِرَاقَ، فَلَمَّا عَلِمَا أَنِّي غَيْرُ مُوَلِّيهِمَا

____________

(1) لا على ما بويع عليه أبو بكر و عمر، فإنّ كتاب اللّه و سنّة رسول اللّه غير محتاجين إلى موافقتهما و لا مشترطان بهما، كما صرّح هو (عليه السلام) بذلك لما قال له ابن عوف: أبايعك على أن تسير فينا بكتاب اللّه و سنّة رسول اللّه و سيرة الشّيخين. كما في تاريخ الطّبريّ و الكامل و اليعقوبيّ- و اللّفظ له- فقال (عليه السلام): إنّ كتاب اللّه و سنّة نبيّه لا يحتاج معهما إلي أجيري أحد، أنت مجتهد أن تزوي هذا الأمر عنّي.

(2) و في المختار (202) من قصار نهج البلاغة: «نبايعك على أنّا شركاؤك في هذا الأمر. قال: لا و لكنّكما شريكان في القوّة و الاستعانة، و عونان على العجز و الأود. و الأود- كفرس-: الاعوجاج. و الكدّ و التّعب و بلوغ الإنسان مجهوده من ثقل الأمر و مشقّته.

روى ابن أبي الحديد في شرح المختار (198) من خطب النّهج: ج 10 ص 16، عن شيخه أبي عثمان أنّ طلحة و الزّبير، أرسلا محمّد بن طلحة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و قالا له: قل لعليّ: ولّ أحدنا البصرة و الآخر الكوفة. فقال (عليه السلام): لاها اللّه! إذا يحلم الأديم، و يستشرى الفساد، و تنتقض عليّ البلاد من أقطارها، و اللّه إنّي لا آمنهما و هما عندي بالمدينة، فكيف آمنهما و قد ولّيتهما العراقين الخ.