نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج5

- العلامة الحلي المزيد...
508 /
57

قال (عليه السلام): «و لم»؟ قلت: لقول اللّه عزّ و جلّ: وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ... (1).

قال (عليه السلام): «فما تقول في هذه الآية:

وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ...؟» (2).

قلت: فقوله: لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ‏ نسخت هذه الآية؟ فتبسّم (عليه السلام) ثمّ سكت‏ (3).

الثانية عشرة: عن جعفر بن سماعة أنّه سأل عن امرأة طلّقت على غير السنّة: أ لي أن أتزوّجها؟ فقال: نعم، فقلت له: أ لست تعلم أنّ عليّ بن حنظلة روى: إيّاكم و المطلّقات ثلاثا على غير السنّة، فإنّهنّ ذوات الأزواج؟ فقال:

يا بنيّ رواية عليّ بن أبي حمزة أوسع على الناس، روى عن أبي الحسن (عليه السلام) أنّه قال: «ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم، و تزوّجوهنّ فلا بأس بذلك» (4).

فقدّم الخبر الثاني على الأوّل بإحدى ملاكات التقديم. هذا إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة الظاهرة في وجود الاجتهاد بين أصحاب الأئمّة (عليهم السلام).

____________

(1). البقرة: 221.

(2). المائدة: 5.

(3). الوسائل: 14، كتاب النّكاح، الباب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر و نحوه، الحديث 3.

(4). الوسائل: 15، الباب 30 من أبواب مقدّمات الطّلاق و شرائطه، الحديث 6.

58

3 في تجزؤ الاجتهاد

يقع الكلام في التجزؤ في الاجتهاد في مقامين- و ان لم يفصله المصنّف في مورده- فنقول:

تارة نبحث في إمكان التجزؤ و أخرى في أحكامه.

القول في إمكان التجزّؤ

اختلفت كلمتهم في إمكان التجزؤ فالغزالي و الآمدي و غيرهما يرون جواز تجزئة الاجتهاد، و نقل عن أبي حنيفة أنّ الاجتهاد غير متجزّي حيث قال: إنّ الفقيه هو الّذي له ملكة الاستنباط في الكلّ‏ (1) و المعروف بين الأصحاب هو إمكانه. هذا:

و استدلّ القائل بالامتناع على أنّ الملكة أمر بسيط وحدانيّ، و البسيط لا يتجزّأ، فإن وجدت ملكة الاستنباط فهو الاجتهاد المطلق و إلّا فلا اجتهاد.

____________

(1). حاشية الأزميريّ على مرقاة الوصول المسمّاة بمرآة الأصول لملّا خسرو من الحنفيّة- (نقلا عن كتاب الاجتهاد في الإسلام- د- نادية شريف العمريّ).

59

و كذا الأمر لو فسّر الاجتهاد بنفس الاستنباط لا ملكته فإنّه أيضا أمر بين الوجود و العدم لا بين الكلّ و البعض.

يلاحظ عليه بأحد أمرين:

الأوّل: أنّه ملكة بسيطة ذات مراتب متعدّدة، فهناك مرتبة يمكن بها استنباط المسائل السهلة أو مسائل كتاب واحد كالإرث أو الدماء الثلاثة و هناك مرتبة يمكن بها استنباط المسائل الصعبة المعضلة. فكونها بسيطة لا ينافي أنّها ذات مراتب تختلف شدّة و ضعفا.

الثاني: أنّ الاجتهاد ليس ملكة واحدة، بل هناك ملكات مختلفة و متعدّدة، فإنّ ملكة الاستنباط في باب المعاملات غيرها في باب العبادات، و الاستنباط في قسم من مسائلها يبتني على معرفة القواعد الفقهيّة و الارتكازات العرفيّة في تلك المجالات من دون حاجة إلى معرفة فنّ الحديث و رجاله و أسناده و كيفيّة الجمع بين متعارضيه، و هذا بخلاف أبواب العبادات فإنّ الاستنباط فيها لا ينفكّ عن هذه الأمور و غيرها، و عليه تكون ملكة الاستنباط فيها ملكتين لا ملكة واحدة، و لا مانع من حصول إحداهما دون الأخرى. (1)

____________

(1). كما قيل: إنّ مدّعي إمكان التجزّي لا يريد بذلك أنّ ملكة الاجتهاد قابلة للتّجزّي و أنّ للمتجزّي نصف الملكة أو ثلثها، بل مراده أنّ متعلّق القدرة في المتجزّي أضيق دائرة من متعلّقها في المجتهد المطلق لأنّها فيه أوسع. و قيل: التجزّي تبعيض في أفراد الكلّي، لا التبعيض في أجزاء الكلّ (التفريق لأجزاء المركّب) فالفرق بين المطلق و المتجزّي إنّما هو بزيادة أفراد ملكة الاستنباط و نقيصتها لا بشدّة الملكة و ضعفها.

60

قال الغزالي: و ليس الاجتهاد عندي منصبّا لا يتجزّأ ... فمن عرف طريق النظر القياسيّ فله أن يفتي في مسألة قياسية و إن لم يكن ماهرا في علم الحديث ... ثم ضرب أمثلة أخرى، مثلا أن يكون عارفا بأصول الفرائض و معانيها و إن لم يكن قد حصّل الأخبار التي وردت في مسألة تحريم المسكرات أو في مسألة النكاح بلا وليّ، فلا استمداد لنظر هذه المسألة منها و لا تعلّق لتلك الأحاديث بها ... و من عرف أحاديث قتل المسلم بالذّميّ و طريق التصرّف فيه فما يضرّه قصوره عن علم النحو الّذي يعرف قوله تعالى: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. .. و ليس من شرط المفتي أن يجيب عن كلّ مسألة فقد سئل مالك عن أربعين مسألة فقال في ستة و ثلاثين منها: لا أدري، و كم توقّف الشافعي بل الصحابة في المسائل. (1)

و قال الآمدي: و أما الاجتهاد في حكم بعض المسائل، فيكفي فيه أن يكون عارفا بما يتعلّق بتلك المسألة، و ما لا بدّ منه فيها، و لا يضرّه في ذلك جهله بما لا تعلّق له بها ممّا يتعلّق بباقي المسائل الفقهيّة. (2)

و استدلّ القائل بالإمكان بوجهين:

الأوّل: إنّ أبواب الفقه مختلفة مدركا، و المدارك متفاوتة سهولة و صعوبة، عقلية أو نقلية مع اختلاف الأشخاص، و ربّ شخص له مهارة في النقليات دون العقليات و كذلك العكس، و هذا يوجب حصول القدرة القويّة في بعضها دون بعض.

____________

(1). المستصفى: 2/ 353 و 354.

(2). الإحكام في أصول الأحكام: 4/ 171.

61

الثاني: استحالة حصول اجتهاد مطلق عادة غير مسبوق بالتجزّؤ للزوم الطّفرة. (1)

و أورد عليه: بأنّ الأفراد (الاستنباطات) كلّها في عرض واحد، و لا يكون بعضها مقدّمة لبعض آخر حتى يتوقّف الوصول إلى المرتبة العالية على طيّ المراتب النّازلة، فلا مانع عقلا من حصوله دفعة- و بلا تدريج- و لو بنحو من الإعجاز من نبيّ أو إمام، إلّا أن يكون مراده من الاستحالة، العاديّة لا العقلية فإنّه لا يمكن عادة حصول الاجتهاد المطلق دفعة بل هو متوقّف على التدرّج شيئا فشيئا. (2)

في أحكام المتجزّئ‏

قد وقفت على إمكان التّجزّي في الاجتهاد، فيقع الكلام في أحكامه و هي عبارة عن:

الأوّل: جواز عمله بما استنبط.

الثاني: جواز رجوع الغير إليه.

الثالث: نفوذ قضائه.

أمّا الأوّل: فلا شك في أنّه يجوز له العمل بما استنبط و إلّا فلا بدّ من‏

____________

(1). كفاية الأصول: 2/ 467.

(2). مصباح الأصول: 3/ 442 و قال رضى اللّه عنه بعد ذلك: «فإن كان مراده هذا فهو صحيح، لكنّه خلاف ظاهر كلامه من الاستدلال بلزوم الطفرة، فإنّ ظاهره الاستحالة العقلية».

62

الاحتياط أو الرجوع الى الغير، و الأوّل غير واجب باتفاق الكلّ أو حرام لاستلزامه العسر و الحرج، و جواز الثاني موقوف على تحقّق موضوعه و هو كونه غير عالم أو جاهل سواء كان مستند التّقليد ما ورد في الآيات و الروايات من الرجوع إلى أهل الذكر و العلم، أم السيرة العقلائية، فإنّ الموضوع على كلّ تقدير هو غير العارف و الجاهل، فلا يعمّ العالم.

و أمّا الثاني: فإن كان هناك من هو أفقه منه- أو على تعبير القوم- أعلم منه، فإن قلنا بوجوب الرجوع إليه فلا يجوز الرجوع إلى المتجزّي في المقام، بلغ ما بلغ من العلم، و إلّا فلا مانع من الرجوع إليه، و يكون المتجزّي و المطلق في جواز الرّجوع سيّان.

نعم، ربّما يكون رأي المتجزّي أقرب إلى الواقع من المطلق، كما إذا بذل جهده في باب أو أبواب مترابطة سنين، و برز و برع و ظهرت مقدرته فيه أو فيها، و إذا كانت الفقاهة أمرا قابلا للتفصيل فهذا المتجزّي أكثر فقاهة من المطلق الّذي صرف عمره في جميع الأبواب، و لم يتوفّق للدّقة و الإمعان في كلّ باب بحسبه.

و قد مضى أنّ مبادئ الاستنباط في العبادات غيرها في المعاملات، و أنّ كلا يحتاج إلى شي‏ء لا يحتاج إليه الآخر، بل يحتاج إلى أمر آخر، فلا مانع أن يكون رأي المتجزّي الملمّ في العبادات مثلا أقرب إلى الواقع من المطلق الملمّ في جميع أبواب الفقه إلّا أنّه لم تظهر الدقّة و البراعة القويتين منه.

فإن قلت: قد مضى أنّ المقبولة و المشهورة المتقدّمتين غير آبيتين عن‏

63

الرجوع إلى المتجزّي إذا استنبط مقدارا معتدّا به من الأحكام، و جاز قضاؤه و نفذ حكمه، فلما ذا لا يجوز أخذ الفتوى منه؟

قلت: إنّ مورد الروايتين هو القضاء و الحكومة و هما غير أخذ الفتوى، و عدم اشتراط الاجتهاد المطلق فضلا عن الأعلمية في نفوذ القضاء، لا يكون دليلا على عدم اشتراطهما في الفتوى، ضرورة أنّ اشتراط الأعلمية في القاضي موجب لسد باب القضاء في وجه الأمّة إلّا في بلد يعيش فيه الأعلم، و هو واضح البطلان بخلاف اشتراطهما في أخذ الفتوى أو المفتي، فإنّ فتواه تكفي لجميع الأمّة.

و أمّا الثالث فالحق هو: صلاحيّة المتجزّي للقضاء إذا استنبط شيئا معتدّا به، و إن قصرت يده عن معضلات المسائل، فإنّ أهمّ ما يدلّ على شرطية الاجتهاد المطلق هو قوله (عليه السلام) في المقبولة: «نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا» إلّا أنّه وارد في قبال المنع عن الرجوع إلى حكام الجور و قضاتهم، بمعنى وجوب الرجوع إلى من كان نظر في حلالهم و حرامهم و عرف أحكامهم (عليهم السلام)، لا إلى من نظر في حلال الآخرين و حرامهم و عرف أحكامهم التي هي مقابل أحكامهم (عليهم السلام)، و عليه فمن استنبط شيئا معتدّا به من الحلال و الحرام و الأحكام، كان مصداقا لقوله (عليه السلام): «نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا».

و بذلك يعلم حال المشهورة الأولى لأبي خديجة حيث جاء فيها: «قد عرف حلالنا و حرامنا»، فإنّ هذه الجملة و ما في المقبولة- من قوله (عليه السلام): «قد

64

روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا»- تتضمّن وراء المعنى الإيجابيّ معنى سلبيّا و هو نفي الرجوع إلى الغير، و الواجب هو الرّجوع إلى من عرف حلالهم و حرامهم نظر فيهما، و هو صادق في حقّ الطبقة العالية من المتجزّءين إذا استنبطوا شيئا معتدا به كما تقدّم.

و يؤيد ذلك أمران:

الأوّل: إنّ القضاة الّذين كانت الشيعة تفزع إليهم في تلك الأيّام، لم يكونوا إلّا في هذه الدرجة من العلم و العرفان، و لم تكن لهم معرفة فعليّة بجميع الأحكام، لتفرّق الروايات و تشتّتها بين الرواة، و عدم وجود جامع بين الحكّام حتّى يكونوا متدرّعين بالعلم بجميع الأحكام.

الثاني: كان الأمر في عصر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الوصي (عليه السلام) أيضا كذلك، فقد بعث النبي معاذا إلى اليمن و قال له: «كيف تقتضي إذا عرض لك القضاء؟ قال:

أقضي بكتاب اللّه، قال: فإن لم تجد في كتاب اللّه؟ قال: بسنّة رسول اللّه ...» (1). أ تظنّ أنّ معاذا كان عارفا بجميع الأحكام الشرعية يوم ذاك.

و قد كتب الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) إلى واليه مالك الأشتر رضى اللّه عنه في عهده: «ثمّ اختر للحكم بين النّاس أفضل رعيّتك في نفسك ممّن لا تضيق به الأمور و لا تمحكه‏ (2) الخصوم- إلى أن قال (عليه السلام):- و أوقفهم في الشبهات‏

____________

(1). جامع الأصول من أحاديث الرّسول لابن الأثير: 10/ 551 رقم 7651، الفصل السادس: في كيفية الحكم.

(2). أمحكه: جعله محكان أي: عسر الخلق، لجوج.

65

و آخذهم بالحجج ...». (1) فهل كانت مصر آنذاك تطفح بفقهاء و مجتهدين عارفين بجميع الأحكام الشرعية؟ نعم كانوا يحفظون من الكتاب و السنة و عمل الخلفاء أشياء يقضون و يحكمون بها، فلو كان الاجتهاد المطلق شرطا، لعطّل باب القضاء في مصر.

نعم كلّما تقدّمت الحضارة الإسلامية و تفتّحت العقول، و ازداد العلماء علما و فهما، و عددا و كميّة، تسنّم منصب القضاء من له خبرة كاملة في الفقه و علم بحدود الشريعة علما محيطا، إلّا أنّ ذلك ليس بوازع دينيّ، بل كان نتيجة لسير العلم و تقدّمه و ازدهار الثقافة.

نعم أخذ القضاء في عصرنا لونا فنيا، و صار عملا يحتاج إلى التدريب و التمرين.

فلا مناص من إشراف قاض ذي تجربة و ممارسة، على عمل القضاة المتجزّءين في الاجتهاد حتى تحصل لهم قدم راسخة لا تزلّ بفضله سبحانه.

في تصدّي المقلّد للقضاء

يتصوّر تصدّي المقلّد لأمر القضاء على أنحاء ثلاثة:

الأوّل: أن يستقلّ في القضاء بلا نصب من جانب من له أهليّة الفتوى و لا وكالة منه، بل يقضي على طبق رأي مقلّده.

الثاني: أن ينصّب من جانبه لهذا الأمر الخطير.

____________

(1). نهج البلاغة: 2/ 94 رقم 52 قسم الكتب و الرسائل، شرح الشيخ محمد عبده.

66

الثالث: أن يوكّله في القضاء.

و الفرق بين الأخيرين واضح، فإنّ القضاء في الثاني عمل نفس القاضي، بخلاف الثالث فإنّه عمل نفس من نصّبه كما هو الحال في جميع موارد الوكالة.

ثمّ إنّ أمر القاضي و نهيه يختلف بالقياس إلى أمر الآمر بالمعروف و النّاهي عن المنكر، فإنّ الأمر و النهي في الثاني إرشاد إلى ما هو تكليف الغير الثابت عليه، مع قطع النظر عن أمر الآمر و نهي النّاهي، و في هذا المجال المجتهد و المقلّد سواء، يجوز لكلّ منهما أمر الغير و نهيه إرشادا إلى تكاليفه الثابتة مطلقا، و هذا بخلاف أمر القاضي، فإنّ ما يحكم به ليس تكليفا للغير مع غضّ النظر عن حكمه، و إنّما يكون تكليفا له بعد الحكم و القضاء. مثلا: لو اختلف العامل و المالك، فادّعى العامل ردّ رأس المال و أنكره المالك، فحكم القاضي بأنّ القول قول المالك حينئذ يتنجّز على العامل دفع العين مع وجودها و إلّا فعليه دفع المثل أو القيمة سواء دفع المال في الواقع أو لا، و هذا الإلزام جاء من جانب القاضي بحكمه، و لم يكن ثابتا من قبل، و بما أنّه خلاف القاعدة- إذ أنّ الأصل عدم حجيّة رأي أحد في حق أحد و نفوذه- احتاج نفوذه إلى الدليل و قد عرفت وجود الدليل و ثبوته في المجتهد المطلق و المتجزّي الذي استنبط شيئا معتدّا به.

67

4 التخطئة و التصويب في الأصول و الفروع‏

عقد المصنّف (رحمه اللّه) فصلا في حكم المجتهدين في الأصول و عقد فصلا آخر في حكم الاجتهاد في المسائل الشرعية، و الّذي يجمع هذين الفصلين هو هل المصيب في الأصول و الفروع واحد، أو أكثر، و قلما يتفق من يقول بتصويب عامّة الآراء في الأصول و من قال به فإنّما يقول به في الفروع، و نحن نطرح المسألة هنا على صعيد التحقيق في كلا الجانبين.

التخطئة و التصويب في الأصول‏

اختلفت أنظار الفقهاء في التخطئة و التصويب، و هل أنّ كلّ مجتهد مصيب في اجتهاده أو لا؟ و اتفقوا على أنّ الحقّ واحد في موارد و هي:

الأوّل: إنّ الحقّ في الأصول و المعارف أمر واحد، و ما وافقه هو الحقّ و الصّواب و ما خالفه هو الخطأ و لم يقل أحد من المسلمين إلّا من شذّ بالتّصويب في العقائد (1).

____________

(1). قال الغزالي في المستصفى: 2/ 359- 360: مسألة: ذهب عبد اللّه بن الحسن العنبريّ إلى أنّ-

68

قال المرتضى (قدّس سرّه): «و لا شبهة في أنّ العبادة بالمذاهب المختلفة إنّما يجوز فيما طريقه العمل دون العلم، و أنّ الأصول المبنية على العلم نحو التوحيد و العدل و النبوّة، لا يجوز أن يكون الحقّ فيها إلّا واحدا، لأنّ اللّه تعالى لا يجوز أن يكون جسما أو غير جسم و يرى و لا يرى على وجهين مختلفين، و بإضافة إلى مكلّفين متغايرين، و قد يجوز أن يكون الشي‏ء الواحد حراما على زيد و حلالا على عمرو- إلى أن قال:- فمن جمع بين أصول الدّين و فروع الشرع، في هذا الباب فقد ضلّ و أبعد عن الصّواب» (1).

و قال الشيخ الطوسيّ رضى اللّه عنه: «اعلم أنّ كلّ أمر لا يجوز تغييره عما هو عليه من وجوب إلى حظر أو من حسن إلى قبح، فلا خلاف بين أهل العلم المحصّلين أنّ الاجتهاد في ذلك لا يختلف و أنّ الحقّ في واحد و أنّ من خالفه ضال فاسق، و ربّما كان كافرا و ذلك نحو القول بأنّ العالم قديم أو محدث، و إذا كان محدثا هل له صانع أم لا، و الكلام في صفات الصّانع و توحيده و عدله و الكلام في النبوّة و الإمامة و غير ذلك». (2)

الثاني: لا شك أنّ الحقّ في الموضوعات، كالقبلة و أروش الجنايات و قيم المتلفات واحد، فأحد الظنون حقّ و غيره باطل. و أمّا إطلاق التصويب‏

____________

كلّ مجتهد مصيب في العقليات كما في الفروع.

و قال الآمدي في الإحكام: 4/ 184، المسألة الثالثة: و زاد عبد اللّه بن الحسن العنبريّ بأن قال: كلّ مجتهد في العقليّات مصيب.

(1). الذريعة إلى أصول الشريعة: 2/ 793 و 794.

(2). العدّة: 2/ 113 الكلام في الاجتهاد.

69

فيها، فإنّما لغاية كفاية الظنّ في صحّة الصلاة و عدم الإعادة (1).

قال المرتضى (قدّس سرّه) بعد التمثيل بما ذكرناه: «و كلّ مجتهد فيما جرى هذا المجرى مصيب، أ لا ترى أنّ من أدّاه اجتهاده إلى أمارة ظهرت له أنّ القبلة في جهة من الجهات، لزمته الصلاة إلى تلك الجهة بعينها، فإذا أدّى غيره اجتهاده إلى أنّ القبلة في غيرها، لزمته الصلاة إلى ما غلب في ظنّه أنّه جهة القبلة، و كلّ منهما مصيب و إن اختلف التكليف». (2)

الثالث: و مثل الأمرين المتقدّمين، الموضوعات التي ثبتت أحكامها ببداهة، فلا يتطرّق إليها التصويب بل الحقّ فيها واحد. قال الشيخ (قدّس سرّه):

«و كذلك الكلام في أنّ الظلم و العبث و الكذب قبيح على كل حال، و أنّ شكر المنعم و ردّ الوديعة و الإنصاف حسن على كلّ حال و ما يجري مجرى ذلك، و إنّما قالوا ذلك، لأنّ هذه الأشياء لا يصحّ تغيّرها في نفسها و لا خروجها عن صفتها التي هي عليها ... و حكي عن قوم شذاذ لا يعتمد بأقوالهم أنهم قالوا: إنّ كلّ مجتهد فيها مصيب و قولهم باطل». (3)

الرابع: إذا كان في المسألة نصّ قطعي السّند و الدّلالة فلا موضوع للاجتهاد و بالتالي لا موضوع للتصويب و التّخطئة. قال ابن القيّم ناقلا عن الشافعي:

____________

(1). أي: الحكم الوضعيّ.

(2). الذريعة إلى أصول الشريعة: 2/ 793.

(3). عدّة الأصول: 2/ 113.

70

«أجمع النّاس على أنّ من استبانت له سنّة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس و تواتر عنه (أي الشافعيّ) أنّه قال: و إذا صحّ الحديث فاضربوا بقولي الحائط، و صحّ عنه أنّه قال: إذا رويت عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حديثا و لم آخذ به، فاعلموا أنّ عقلي قد ذهب، و صحّ عنه أنّه قال:

لا قول لأحد مع سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)». (1)

إذا تبيّن موضع النّقاش و علم أنّ النزاع في التخطئة و التصويب في أمر آخر و هو هل أنّ للّه في كلّ حادثة حكما معيّنا قبل اجتهاد المجتهد أو لا؟

نقول: مذهب أصحابنا و جماعة من أهل السنّة و الأباضيّين‏ (2) إلى أنّ للّه سبحانه في كلّ واقعة حكما معينا يتّجه إليه المجتهد فيصيبه تارة و يخطئه أخرى فالحقّ واحد قد يدرك و قد لا، و يبدو أنّ النزاع في التصويب و التخطئة نشأ من تجويز العمل بالقياس و بأخبار الآحاد، قال الطوسيّ رضى اللّه عنه:

«و اعلم أنّ الأصل في هذه المسألة القول بالقياس و العمل بأخبار الآحاد، لأنّ ما طريقه التواتر و ظواهر القرآن فلا خلاف بين أهل العلم أنّ الحقّ فيما هو معلوم من ذلك، و إنّما اختلف القائلون بهذين الأصلين فيما ذكرناه». (3)

____________

(1). أعلام الموقعين لابن القيم الجوزية: 2/ 282.

(2). الاباضيّة أتباع عبد اللّه بن إباض المقاعسيّ المريّ التميمي من بني مرّة بن عبيد بن مقاعس، و إليه نسبتهم و قد عاصر معاوية و عاش إلى أواخر أيّام عبد الملك بن مروان (على ما عليه الأباضيّة)، توفّي عام 86 (بحوث في الملل و النحل: 5/ 218).

(3). عدّة الأصول: 2/ 114.

71

إذا عرفت ما ذكرناه، فاعلم أنّه يظهر من الشيخ أنّ أكثر المتكلّمين و الفقهاء من غير الشيعة على التصويب و أنّ المخالف منهم بشر المريسيّ و أبو بكر الأصمّ، و الأباضيّة و الظّاهريّة (1).

قال رضى اللّه عنه: «ذهب أكثر المتكلّمين و الفقهاء إلى أنّ كلّ مجتهد مصيب في اجتهاده و في الحكم، و هو مذهب أبي علي و أبي هاشم و أبي الحسن (الأشعري) و أكثر المتكلّمين، و إليه ذهب أبو حنيفة و أصحابه فيما حكاه أبو الحسن عنهم.

و قد حكى غيره من العلماء عن أبي حنيفة.

و ذهب الأصمّ‏ (2) و بشر المريسيّ‏ (3) إلى أنّ الحقّ في واحد من ذلك و هو ما يقولون به و أنّ ما عداه خطأ، حتى قال الأصمّ: إنّ حكم الحاكم ينقض به و يقولون: إنّ المخطئ غير معذور في ذلك إلّا أن يكون خطاؤه صغيرا و إنّ سبيل ذلك سبيل الخطأ في أصول الدّيانات.

و ذهب أهل الظاهر- فيما عدا القياس من الاستدلال و غيره- أنّ الحقّ‏

____________

(1). الظاهرية: أتباع داود بن عليّ الأصفهاني الظاهري (200- 270 ه) و ما أسّسه من المذهب يرتبط بالفروع و الأحكام لا العقائد و الأصول، فالمصدر الفقهيّ عنده هو النّصوص، بلا رأي في حكم من أحكام الشرع، فهم يأخذون بالنّصوص وحدها، و إذا لم يكن النصّ أخذوا بالإباحة الأصليّة. (بحوث في الملل و النّحل: 3/ 137- 138).

(2). هو عبد الرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصم المعتزليّ الأصولي المفسّر، كان يخطّئ عليا (عليه السلام) في كثير من أفعاله و يصوب معاوية في بعض أفعاله. توفّى نحو 225 ه. الأعلام: 3/ 323.

(3). هو بشر بن غياث المريسيّ، فقيه معتزليّ و هو رأس الطائفة المريسيّة القائلة بالإرجاء و إليه نسبتها و أوذي في دولة هارون الرّشيد، توفّي عام 218 ه. الأعلام: 2/ 55.

72

من ذلك في واحد، و أمّا الشافعيّ فكلامه مختلف في كتبه ...

- إلى أن قال رضى اللّه عنه:- و الذي أذهب إليه و هو مذهب جميع شيوخنا المتكلّمين من المتقدّمين و المتأخّرين و هو الّذي اختاره سيّدنا المرتضى (قده) و إليه كان يذهب شيخنا أبو عبد اللّه، أنّ الحقّ في واحد». (1)

و يظهر من الغزالي أنّ مورد النزاع في التصويب و التخطئة هو الواقعة التي لا نصّ فيها، و ليس للّه سبحانه فيها حكم معيّن بل الحكم يتبع الظنّ قال:

و قد اختلف الناس فيها و اختلفت الرواية عن الشافعيّ و أبي حنيفة، و على الجملة قد ذهب قوم إلى أنّ كلّ مجتهد في الظنّيات مصيب، و قال قوم:

المصيب واحد، و اختلف الفريقان جميعا في أنّه هل في الواقعة التي لا نصّ فيها حكم معيّن للّه تعالى هو مطلوب المجتهد، فالّذي ذهب إليه محقّقو المصوّبة أنّه ليس في الواقعة التي لا نصّ فيها حكم معيّن يطلب بالظنّ بل الحكم يتبع الظنّ و حكم اللّه تعالى على كلّ مجتهد ما غلب على ظنّه و هو المختار و إليه ذهب القاضي.

و ذهب قوم من المصوبة إلى أنّ فيه حكما معيّنا يتوجّه إليه الطّلب إذ لا بدّ للطلب من مطلوب، لكن لم يكلّف المجتهد إصابته، فلذلك كان مصيبا و إن أخطأ ذلك الحكم المعيّن الذي لم يؤمر بإصابته بمعنى أنّه أدّى ما كلّف فأصاب ما عليه. (2)

____________

(1). عدة الأصول: 2/ 113 و 114.

(2). المستصفى: 2/ 363.

73

و على ذلك فالمصوّبة على فرقتين: فرقة تنكر وجود الحكم المشترك، و فرقة تثبته و لكن تنكر الأمر بإصابته، و لكن في عدّ الفرقة الثانية من المصوبة نوع خفاء، فإنّ المخطّئة تقول بنفس المقالة لأنّ المفروض عدم وجود نصّ في الواقعة، فمعه كيف يكون مأمورا بإصابته، و عليه يصير الحكم الواقعي حينئذ حكما إنشائيّا (لا فعليا).

و على كلّ تقدير: فإنّ فتوى المفتي على قول الفرقة الأولى أشبه بالأحكام الأوّليّة الثانويّة (1) عندنا إذ للّه سبحانه في ذلك المجال حكم مشخص تابع للمصالح و المفاسد، و لأجل ذلك تختلف الأحكام الأوّلية وجوبا و حرمة باختلاف الأزمنة و الأمكنة، كما أنّها على قول الفرقة الثانية أشبه بالأحكام الظاهرية التي توافق الواقع تارة و تخالفه أخرى، فعند الموافقة يكون المؤدّى نفس الواقع، و عند المخالفة لا يكون مأمورا بإصابته.

و لمّا كان القول بإنكار الحكم الإلهيّ في الوقائع التي لا نص فيها، يحبط من جامعيّة الإسلام في مجال العقيدة و الشريعة، حاول بعض أهل السنّة تفسير التصويب بمعنى لا يخالف ذلك، و مجمل ما أفاد: إنّ القول بالتّصويب ليس بمعنى نفي حكم اللّه في الواقع، و إنّ حكم اللّه تابع لرأي المفتي، بل هو في قبال القول بالتأثيم و أنّ المجتهد إذا أخطأ يأثم، فصار القائل بالتصويب- بردّ ذلك المتقدّم- يعني نفي الإثم لا إصابة الواقع، فعليه يصير النزاع في التصويب و التخطئة لفظيا، و إليك توضيحه:

____________

(1). راجع رسالة «القول المفيد في الاجتهاد و التقليد» (المطبوع ضمن الرسائل الأربع، الرسالة الثالثة): 89- 90.

74

إنّ أهل السنّة في مجال فتوى المفتي على طوائف:

الأولى: إنّ المجتهد لم يكلّف بإصابة الواقع لخفائه و غموضه فلذلك لم يكن مأمورا به.

الثانية: أمر المجتهد بطلبه و إذا أخطأ لم يكن مأجورا لكن حطّ الإثم عنه تخفيفا.

الثالثة: إنّ المجتهد الذي أخطأ الدليل القطعيّ آثم غير فاسق و لا كافر.

و هذا قول بشر المريسي، و نسبه الغزالي و الآمدي إلى ابن علّية (1) و أبي بكر الأصمّ، و هؤلاء هم المؤثّمة (2).

و على ضوء ذلك: فالمراد من التصويب هو نفي القول بالإثم الذي أصرّ عليه بشر المريسيّ، لا إصابة كلّ مجتهد للحقّ الملازم لنفي الحكم المشترك، و كيف يمكن نسبة القول بالتصويب بمعنى نفي حكم اللّه في الواقعة مع أنّهم‏

____________

(1). إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، كان جهميا يقول بخلق القرآن، له مناظرات مع الشافعيّ، ولد سنة 151 ه و توفّي عام 218 ه. الأعلام: 1/ 32.

(2). قال الغزالي في المستصفى: 2/ 361: ذهب بشر المريسي إلى أن الإثم غير محطوط عن المجتهدين في الفروع، بل فيها حقّ معين و عليه دليل قاطع، فمن أخطأه فهو آثم كما في العقليات، لكن المخطئ قد يكفّر كما في أصل الإلهيّة و النبوّة، و قد يفسّق كما في مسألة الرؤية و خلق القرآن و نظائرها، و قد يقتصر على مجرّد التأثيم كما في الفقهيات و تابعة على هذا من القائلين بالقياس ابن عليّة و أبو بكر الأصمّ و وافقه جميع نفاة القياس و منهم الإمامية.

و قال الآمدي في إحكامه: 4/ 188- 189: «و ذهب بشر المريسيّ و ابن عليّة و أبو بكر الأصمّ و نفاة القياس كالظاهريّة و الإمامية إلى أنّه ما من مسألة إلّا و الحقّ فيها متعيّن، و عليه دليل قاطع، فمن أخطأه فهو آثم غير كافر و لا فاسق.

75

رووا في كتبهم عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، و إذا أخطأ فله أجر. (1)

و ممّن جزم بذلك الشوكاني فقال: «إنّ المجتهد لا يأثم بالخطإ بل يؤجر على الخطأ بعد أن يوفي الاجتهاد حقّه، و لم نقل: إنّه مصيب للحق الذي هو حكم اللّه في المسألة، فإنّ هذا خلاف ما نطق به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الحديث حيث قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إن اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران و إن أخطأ فله أجر.

فقسّم ما يصدر عن المجتهد في الاجتهاد في مسائل الدّين إلى قسمين: أحدهما هو مصيب فيه، و الآخر هو مخطئ، فكيف يقول قائل: إنّه مصيب للحق سواء أصاب أو أخطأ، و قد سمّاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مخطئا ...

فمن زعم أنّ مراد القائل بتصويب المجتهد من الإصابة للحق مطلقا فقد غلط عليهم غلطا بيّنا ... إنّ مقصودهم: إنّهم مصيبون من الصواب الذي لا ينافي الخطأ لا من الإصابة التي هي مقابلة للخطإ، فهذا لا يقول به عالم و من لم يفهم هذا المعنى فعليه أن يتّهم نفسه. (2)

فتبيّن لنا ممّا تقدّم أمران:

____________

(1). أخرجه البخاري في صحيحه: 8/ 157، كتاب الاعتصام بالكتاب و السنّة، و مسلم في صحيحه:

5/ 131، باب بيان أجر الحاكم بسندهما عن عمرو بن العاص.

و قال الشيخ الأنصاري رضى اللّه عنه في رسائله: 1/ 10: و قد اشتهر أنّ للمصيب أجرين و للمخطئ أجرا واحدا.

(2). القول المفيد في الاجتهاد و التقليد للشوكاني: 87. نقلا عن «الاجتهاد في الإسلام» لنادية العمري: 162 و 163.

76

الأوّل: إنّ القدر المتيقّن من القول بالتصويب هو الأحكام التي لم يرد فيها نصّ و عوّل أمرها إلى المجتهدين، و بما أنّه ليس فيها واقع محفوظ، يكون الكلّ مصيبا كالأحكام الحكوميّة.

الثاني: إنّه من المحتمل جدّا أنّ المراد من التصويب هو نفي الإثم عن المجتهد، لا إصابة الواقع.

نعم، ما ذكره الشوكاني ربما لا ينطبق على بعض تعبيراتهم، و على كلّ تقدير فالتصويب بالمعنى المشهور باطل عند الإمامية لتضافر الروايات على أنّ حكم اللّه مشترك بين العالم و الجاهل‏ (1).

ثمّ إنّ الدّاعي إلى القول بالتصويب هو الإشكال الموجود في الجمع بين الأحكام الواقعيّة و الأمارات الظنّية التي ثبتت حجيّتها، مع العلم بأنّ بعضها على خلاف الحكم الواقعي، فزعموا أنّه لا بدّ من رفع اليد عن إطلاقات الأدلّة القائلة بعدم اختصاص مداليلها بالعالمين بل شمولها للجاهلين، و إلّا لزم اجتماع الضدّين و تفويت المصلحة أو الإبقاء في المفسدة، و قد أوضحنا الحال في باب الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري و أنّ المفاسد كلّها خطابيّة كانت أو ملاكيّة، مرتفعة، فلاحظ.

____________

(1). قيل: لا تضافر فضلا عن التواتر الذي ادّعاه الشيخ الأنصاريّ رضى اللّه عنه (1/ 144) في الرّوايات و الآثار على نحو الدلالة المطابقيّة، و لم ترد على ذلك رواية واحدة- بعد الفحص- نعم هو مفاد الرّوايات الآمرة بالتوقف و الاحتياط على نحو الدّلالة الالتزامية، فإنّها دالة على وجود حكم واقعي لكلّ مسألة، و أنّ الأمر بالاحتياط إنما هو لأجل التحفظ عليه و عدم الوقوع في مخالفته.

77

ثم إنّ العلّامة لم يبحث عن أمرين مهمين ألا و هما:

1. دور الزمان و المكان في الاستنباط.

2. دور الحاكم في رفع التزاحم بين الأحكام الأولية.

و ها نحن نبحث فيهما في فصلين مستقلين.

78

5 دور الزمان و المكان في الاستنباط أو الإسلام و متطلّبات العصر

تقديم‏

دلّت الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية و اتّفاق المسلمين على أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هو النبي الخاتم، و كتابه خاتم الكتب، و شريعته خاتمة الشرائع، و نبوته خاتمة النبوات، فما جاء على صعيد التشريع من قوانين و سنن تعدّ من صميم ثوابت هذا الدين لا تتطاول عليها يد التغيير، فأحكامه في العبادات و المعاملات و في العقود و الإيقاعات، و القضاء و السياسات أصول خالدة مدى الدهر إلى يوم القيامة و قد تضافرت عليها الروايات:

1. روى أبو جعفر الباقر (عليه السلام) قال: قال جدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أيّها

79

الناس حلالي حلال إلى يوم القيامة، و حرامي حرام إلى يوم القيامة، ألا و قد بيّنهما اللّه عزّ و جلّ في الكتاب و بيّنتهما لكم في سنتي و سيرتي» (1).

2. كما روى زرارة عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحلال و الحرام، فقال: «حلال محمد حلال أبدا إلى يوم القيامة، لا يكون غيره و لا يجي‏ء بعده». (2)

و الروايات في هذا الصدد عن النبي الأعظم و أهل بيته- (صلوات اللّه عليهم)- كثيرة، و قد جمعنا طائفة منها في كتابنا مفاهيم القرآن فبلغت 135 حديثا، و بما أنّ خلود شريعته أمر لم يشكّ فيه أحد من المسلمين، و هو من ضروريات الدين نقتصر على هذا المقدار، و نطرح السؤال التالي:

إذا كانت الحياة الاجتماعية على وتيرة واحدة لصحّ أن يديرها تشريع خالد و دائم، و أمّا إذا كانت متغيرة تسودها التحوّلات و التغييرات الطارئة، فكيف يصحّ لقانون ثابت أن يسود في جميع الظروف مهما اختلفت و تباينت؟

إنّ الحياة الاجتماعية التي يسودها الطابع البدوي و العشائري كيف تلتقي مع حياة بلغ التقدم العلمي فيها درجة هائلة، فكلّ ذلك شاهد على لزوم تغيير التشريع حسب تغيير الظروف.

هذا السؤال كثيرا ما يثار في الأوساط العلمية و يراد من ورائه أمر آخر،

____________

(1). الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 47.

(2). الكافي: 1/ 58، الحديث 19.

80

و هو التحرّر من قيود الدين و القيم الأخلاقية، مع نسيان أو تناسي حقيقة انّ تغير ألوان الحياة لا يصادم ثبات التشريع و خلوده على النحو الذي بيّنه المحقّقون من علماء الإسلام.

و ذلك لأنّ السائل قد قصر نظره على ما يحيط به من الظروف المختلفة المتبدلة، و ذهل عن أنّ للإنسان خلقا و غرائز ثابتة قد فطر عليها و هي لا تنفك عنه ما دام الإنسان إنسانا، و هذه الغرائز الثابتة تستدعي لنفسها تشريعا ثابتا يدوم بدوامها، و يثبت بثباتها عبر القرون و الأجيال، و إليك نماذج منها:

1. انّ الإنسان بما هو موجود اجتماعي يحتاج لحفظ نسله إلى الحياة العائلية، و هذه حقيقة ثابتة في حياة الإنسان و جاء التشريع وفقا لها، يقول سبحانه: وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى‏ مِنْكُمْ وَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَ إِمائِكُمْ‏ (1).

2. العدالة الاجتماعية توفّر مصلحة المجتمع و تدرأ عنه الفساد و الانهيار و الفوضى، فليس للإنسان في حياته الاجتماعية إلّا السير وفق نهج العدل و الابتعاد عن الظلم، قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏ (2).

3. انّ الفوارق الرئيسية بين الرجل و المرأة أمر طبيعي محسوس، فهما

____________

(1). النور: 32.

(2). النحل: 90.

81

يختلفان في الخلقة على رغم كلّ الدعايات المزيّفة التي تبغي إزالة كلّ تفاوت بينهما، و بما انّ هذا النوع من الاختلاف ثابت لا يتغير بمرور الزمان فهو يقتضي تشريعا ثابتا على شاكلة موضوعه، يقول سبحانه: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ‏ (1).

4. الروابط العائلية هي روابط طبيعية، فالأحكام المنسّقة لهذه الروابط من التوارث و لزوم التكريم ثابتة لا تتغير بتغير الزمان، يقول سبحانه: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ‏ (2) و المراد من الأولوية هي الأقربية.

5. انّ الحياة الاجتماعية رهن الحفاظ على الأخلاق، و ممّا لا شكّ فيه انّ الخمر و الميسر و الإباحة الجنسية تقوّض أركان الأخلاق، فالخمر يزيل العقل، و الميسر يورث العداء في المجتمع، و الإباحة الجنسية تفسد النسل و المجتمع فتتبعها أحكامها في الثبات و الدوام.

هذه نماذج استعرضناها للحياة الاجتماعية التي لا تمسّها يد التغير، و هي ثابتة، فإذا كان التشريع على وفق الفطرة، و كان نظام التشريع قد وضع وفق ملاكات واقعية، فالموضوعات تلازم أحكامها، ملازمة العلة لمعلولها، و الأحكام تتبع موضوعاتها تبعيّة المعاليل لعللها.

هذا جواب إجمالي، و أمّا الجواب التفصيلي فهو رهن الوقوف على‏

____________

(1). النساء: 34.

(2). الأنفال: 75.

82

الدور الذي يلعبه الزمان و المكان في مرونة الأحكام الشرعية، و تطبيع الأحكام على متطلبات العصر، و هذا هو الذي سنقوم بدراسته.

دور الزمان و المكان في الاستنباط قد يطلق الزمان و المكان و يراد منهما المعنى الفلسفي، فيفسر الأوّل بمقدار الحركة، و الثاني بالبعد الذي يملأه الجسم، و الزمان و المكان بهذا المعنى خارج عن محط البحث، بل المراد هو المعنى الكنائي لهما، أعني:

تطور أساليب الحياة و الظروف الاجتماعية حسب تقدم الزمان و توسع شبكة الاتصالات. و هذا المعنى هو الذي يهمّنا في هذا البحث، و دراسته تتم في ضمن بحوث خمسة:

الأوّل: دراسة الروايات الواردة في ذلك المضمار.

الثاني: نقل مقتطفات من كلمات الفقهاء.

الثالث: تطبيقات عملية.

الرّابع: دور الزمان و المكان في الأحكام الحكوميّة.

الخامس: في دراسة العنصرين في الفقه السني.

و إليك دراسة الجميع واحدا تلو الآخر.

83

البحث الأوّل استعراض الروايات الواردة في ذلك المضمار

قد أشير في غير واحد من الروايات عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) إلى أنّ للزمان و المكان دورا في تغير الحكم إمّا لتبدّل موضوعه بتبدّل الزمان، أو لتغير ملاك الحكم إلى ملاك آخر، أو لكشف ملاك أوسع من الملاك الموجود في عصر التشريع أو غير ذلك ممّا سيوافيك تفسيره عند البحث في التطبيقات.

و أمّا ما وقفنا عليه في ذلك المجال من الأخبار، فنذكره على الترتيب التالي:

1. سئل علي (عليه السلام) عن قول الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «غيّروا الشيب و لا تشبّهوا باليهود».

فقال (عليه السلام): «إنّما قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ذلك و الدين قلّ، فأمّا الآن و قد اتسع نطاقه و ضرب بجرانه فامرؤ و ما اختار». (1)

____________

(1). نهج البلاغة، قسم الحكم، رقم 17.

84

فقول الإمام يشير إلى إنّ عنوان التشبّه كان قائما بقلّة المسلمين و كثرة اليهود، فلو لم يخضّب المسلمون الشيب يوم كانوا أقلية صار عملهم تشبها باليهود و تقوية لهم، و أمّا بعد انتشار الإسلام في أقطار الأرض على نحو صار اليهود فيه أقلية، فلا يصدق التشبّه بهم إذا ترك الخضاب.

2. روى محمد بن مسلم و زرارة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنّهما سألاه عن أكل لحوم الحمر الأهلية، فقال: «نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن أكلها يوم خيبر، و إنّما نهى عن أكلها في ذلك الوقت لأنّها كانت حمولة الناس، و إنّما الحرام ما حرّم اللّه في القرآن». (1)

و الحديث يشير إلى أنّ نهي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن أكل لحومها كان لأجل أنّ ذبحها في ذلك الوقت يورث الحرج و المشقة، لأنّها كانت سببا لحمل الناس و الأمتعة من مكان إلى آخر، فإذا ارتفعت الحاجة في الزمان الآخر ارتفع ملاك الحرمة.

3. روى محمد بن سنان، أنّ الرضا (عليه السلام) كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله: «كره أكل لحوم البغال و الحمر الأهلية لحاجة الناس إلى ظهورها و استعمالها و الخوف من فنائها و قلّتها لا لقذر خلقها و لا قذر غذائها». (2)

4. روى عبد الرحمن بن الحجاج، عمّن سمعه، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن الزكاة ما يأخذ منها الرجل؟ و قلت له: إنّه بلغنا أنّ‏

____________

(1). وسائل الشيعة: 16، الباب 4 من كتاب الأطعمة و الأشربة، الحديث 1.

(2). وسائل الشيعة: 16، الباب 4 من كتاب الأطعمة و الأشربة، الحديث 8.

85

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: أيّما رجل ترك دينارين فهما كيّ بين عينيه، قال: فقال:

«أولئك قوم كانوا أضيافا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فإذا أمسى، قال: يا فلان اذهب فعشّ هذا، فإذا أصبح قال: يا فلان اذهب فغدّ هذا، فلم يكونا يخافون أن يصبحوا بغير غذاء و لا بغير عشاء، فجمع الرّجل منهم دينارين، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيه هذه المقالة، فإنّ الناس إنّما يعطون من السنة إلى السنة فللرّجل أن يأخذ ما يكفيه و يكفي عياله من السنة إلى السنة». (1)

5. روى حماد بن عثمان، قال: كنت حاضرا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ قال له رجل: أصلحك اللّه، ذكرت أنت علي بن أبي طالب كان يلبس الخشن، يلبس القميص بأربعة دراهم و ما أشبه ذلك، و نرى عليك اللباس الجيّد، قال: فقال له: «إنّ علي بن أبي طالب (صلوات اللّه عليه) كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر، و لو لبس مثل ذلك اليوم لشهر به، فخير لباس كلّ زمان، لباس أهله». (2)

6. روى مسعدة بن صدقة: دخل سفيان الثوري على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فرأى عليه ثياب بيض كأنّها غرقئ البيض، فقال: إنّ هذا اللباس ليس من لباسك، فقال الإمام- بعد كلام- «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان في زمان مقفر جدب، فأمّا إذا أقبلت الدنيا فأحقّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها، و مؤمنوها لا منافقوها، و مسلموها لا كفّارها». (3)

____________

(1). معاني الأخبار: 152، باب معنى قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «أيما رجل ترك دينارين».

(2). الوسائل: 3، الباب 7 من أبواب أحكام الملابس، الحديث 7.

(3). الوسائل: 3، الباب 7 من أبواب أحكام الملابس، الحديث 10.

86

7. روى عبد اللّه بن سنان، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «بينا أنا في الطواف و إذا برجل يجذب ثوبي، و إذا هو عباد بن كثير البصري»، فقال: يا جعفر بن محمد تلبس مثل هذه الثياب و أنت في هذا الموضع مع المكان الذي أنت فيه من علي (عليه السلام)؟! فقلت: «فرقبيّ اشتريته بدينار، و كان علي (عليه السلام) في زمان يستقيم له ما لبس فيه، و لو لبست مثل ذلك اللباس في زماننا لقال الناس هذا مراء مثل عباد». (1)

8. روى المعلى بن خنيس، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ عليّا كان عندكم فأتي بني ديوان‏ (2) و اشترى ثلاثة أثواب بدينار، القميص إلى فوق الكعب و الإزار إلى نصف الساق، و الرداء من بين يديه إلى ثدييه و من خلفه إلى أليتيه، و قال: هذا اللباس الذي ينبغي للمسلمين أن يلبسوه، قال أبو عبد اللّه: «و لكن لا يقدرون أن تلبسوا هذا اليوم و لو فعلناه لقالوا مجنون، و لقالوا مرائيّ». (3)

9. روى أبو بكر الحضرميّ، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «لسيرة علي (عليه السلام) في أهل البصرة كانت خيرا لشيعته ممّا طلعت عليه الشمس أنّه علم أنّ للقوم دولة، فلو سباهم تسب شيعته». (4)

____________

(1). الوسائل: 3، الباب 7 من أبواب أحكام الملابس، الحديث 3.

(2). كذا، و في الوافي نقلا عن الكافي: (فأتي ببرد نوار) و قال في بيانه: النوار: النيلج الذي يصبغ به.

(3). الكافي: 6، باب تشمير الثياب من كتاب الزي و التجمل، الحديث 2.

(4). الكافي: 5، كتاب الجهاد: 33 باب (لم يذكر عنوان الباب) الحديث 4.

87

10. روى السراد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قلت له: أبيع السلاح؟ قال:

«لا تبعه في فتنة». (1)

11. روى المعلى بن خنيس إذا جاء حديث عن أوّلكم و حديث عن آخركم بأيّهما نأخذ؟ فقال: «خذوا به حتى يبلغكم عن الحي، فخذوا بقوله، أما و اللّه لا ندخلكم إلّا فيما يسعكم». (2) فإنّ الحكم الثاني المخالف لما روي سابقا رهن حدوث تغير في جانب الموضوع أو تبدل الملاك أو غير ذلك من العناوين المؤثرة لتبدّل الحكم.

12. روى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: «إنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نهى أن تحبس لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام من أجل الحاجة، فأمّا اليوم فلا بأس به». (3)

13. روى محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن إخراج لحوم الأضاحي من منى؟ فقال: «كنّا نقول: لا يخرج منها بشي‏ء لحاجة الناس إليه، و أمّا اليوم فقد كثر الناس فلا بأس بإخراجه». (4)

14. روى الحكم بن عتيبة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له: إنّ الديات إنّما كانت تؤخذ قبل اليوم من الإبل و البقر و الغنم، قال: فقال: «إنّما كان ذلك‏

____________

(1). الكافي: 5، باب بيع السلاح منهم، الحديث 4 و في الباب ما له صلة بالمقام.

(2). الكافي: 1، باب اختلاف الحديث، الحديث 9.

(3). الوسائل: 10، الباب 41 من أبواب الذبح، الحديث 3.

(4). الوسائل: 10، الباب 42 من أبواب الذبح، الحديث 5.

88

في البوادي قبل الإسلام، فلمّا ظهر الإسلام و كثرت الورق في الناس قسّمها أمير المؤمنين (عليه السلام) على الورق» قال الحكم: قلت: أ رأيت من كان اليوم من أهل البوادي، ما الذي يؤخذ منهم في الدية اليوم؟ إبل؟ أم ورق؟ فقال: «الإبل اليوم مثل الورق بل هي أفضل من الورق في الدية، انّهم كانوا يأخذون منهم في دية الخطأ مائة من الإبل يحسب لكلّ بعير، مائة درهم، فذلك عشرة آلاف».

قلت له: فما أسنان المائة بعير؟ فقال: «ما حال عليه الحول ذكران كلّها» (1).

يلاحظ على المقرر من الديات الست من خلال الوجوه التالية:

الأوّل: عدم وجود التعادل و التساوي بين الأمور الست في بدء الأمر، الواردة في بعض الأحاديث.

15. روى عبد الرحمن بن الحجاج دية النفس بالشكل التالي:

أ: مائة إبل كانت في الجاهلية و أقرّها رسول اللّه.

ب: مائتا بقرة على أهل البقر.

ج: ألف شاة ثنيّة على أهل الشاة.

د: ألف دينار على أهل الذهب.

____________

(1). الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 8.

89

ه: عشرة آلاف درهم على أهل الورق.

و: مائتا حلّة على أهل اليمن. (1)

فأين قيمة مائتي حلة من قيمة مائة إبل أو غيرها؟ إن ذلك أوجد مشكلة في أداء الدية خصوصا إذا قلنا بما هو المشهور من أنّ اختيار أي واحد منها بيد القاتل، فإذا كيف يتصور التخيير بين الأقل و الأكثر؟!

و الجواب: أنّه من المحتمل أن تكون جميع هذه الموارد متقاربة القيمة، لأنّ الحلل اليمانية و إن كانت زهيدة الثمن إلّا أنّ صعوبة اقتنائها حال دون انخفاض قيمتها.

و على فرض انخفاض قيمتها لما كان للجاني اختيار الحلل أخذا بالمتيقن من مورد النص للجاني.

الثاني: المراد من الورق الوارد في النصوص هو الدينار و الدرهم المسكوكين الرائجين، و هذا غير متوفر في غالب البلدان، لأنّ المعاملات تتم بالعملة الرائجة في كلّ بلد، و هي غير النقدين، و على فرض وجود النقدين في الأعصار السابقة، فليسا برائجين.

الثالث: لم يرد في النصوص الاجتزاء بالعملة الرائجة فما ورد من الدينار و الدرهم فغير رائجين و ما هو الرائج اليوم كالعملة الورقية فلم يرد فيها نصّ.

____________

(1). الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب دية النفس، الحديث 1.

90

و الجواب عن الأخيرين هو: أنّ تقويم دية النفس بالأنعام أو الحلل، لم يكن لخصوصية فيها دون غيرها، بل لأجل انّ قلّة وجود النقدين كانت سببا لتعامل الناس بالأجناس فكان الثمن أيضا جنسا كالمثمن و لمّا كثر الورق، قسّمها الإمام على الورق.

و هذا يعرب عن أنّ الدية الواقعية هو قيمة هذه الأنعام و الحلل، لا أنفسها بما هي هي، بنحو لو أدى قيمتها لما أدّى الدية الواقعية.

و لو صحّ ذلك فلا فرق عندئذ بين النقدين و العملة الرائجة في البلاد هذه الأيام، إذ الغرض أداء قيمة النفس بأشكالها المختلفة.

16. روى الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألت عن الوباء يكون في ناحية المصر فيتحول الرجل إلى ناحية أخرى، أو يكون في مصر فيخرج منه إلى غيره؟

فقال: «لا بأس إنّما نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن ذلك لمكان ربيئة كانت بحيال العدو فوقع فيهم الوباء فهربوا منه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): الفارّ منه كالفار من الزحف كراهية أن تخلو مراكزهم» (1).

فدلّ الحديث على أنّ النهي كان بملاك خاص، و هو انّ الخروج كان سببا لضعف النظام الإسلامي و إلّا فلا مانع من أن يخرجوا منه بغية السلامة.

____________

(1). الوسائل: 2، الباب 20 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.

91

17. روى علي بن المغيرة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): القوم يكونون في البلد فيقع فيه الموت، ألهم أن يتحوّلوا عنها إلى غيرها، قال: «نعم»، قلت:

بلغنا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عاب قوما بذلك، فقال: «أولئك كانوا ربيئة بازاء العدو فأمرهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن يثبتوا في موضعهم و لا يتحولوا عنه إلى غيره، فلما وقع فيهم الموت تحولوا من ذلك المكان إلى غيره، فكان تحويلهم عن ذلك المكان إلى غيره كالفرار من الزحف». (1)

18. روى عبد اللّه بن بكير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

لا ينبغي أن يتزوج الرجل الحرّ المملوكة اليوم، إنّما كان ذلك حيث قال اللّه عزّ و جلّ:

وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا و الطول المهر، و مهر الحرة اليوم مثل مهر الأمة أو أقل. (2)

فالحديث يهدف إلى تفسير قوله سبحانه:

وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ‏ (3).

فالآية تعلّق جواز تزويج الأمة بعدم الاستطاعة على نكاح الحرة لأجل غلاء مهرها بخلاف مهر الأمة فإنّها كانت زهيدة الثمن.

____________

(1). الوسائل: 2، الباب 20 من أبواب الاحتضار، الحديث 2.

(2). الوسائل: 14 الباب 45 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 5.

(3). النساء: 25.

92

فإذا عاد الزمان إلى غير هذا الوضع و صار مهر الأمة و الحرة على حدّ سواء بل كان مهر الحرة أقل، فلا ينبغي أن يتزوج المملوكة لأنّ الظروف تغيّرت، فيتغيّر الحكم من الجواز إلى الكراهة أو التحريم.

19. روى بكير بن محمد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سأله رجل و أنا حاضر، فقال: يكون لي غلام فيشرب الخمر و يدخل في هذه الأمور المكروهة فأريد عتقه، فهل أعتقه أحبّ إليك أم أبيعه و أتصدق بثمنه؟ فقال:

«إنّ العتق في بعض الزمان أفضل، و في بعض الزمان الصدقة أفضل، فإن كان الناس حسنة حالهم، فالعتق أفضل، و إذا كانوا شديدة حالهم فالصدقة أفضل، و بيع هذا أحبّ إليّ إذا كان بهذه الحال». (1)

20. روى محمد بن سنان، عن الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) في حديث: «ليس بين الحلال و الحرام إلّا شي‏ء يسير، يحوله من شي‏ء إلى شي‏ء فيصير حلالا و حراما». (2)

هذا بعض ما وقفنا عليه، و لعلّ الباحث في غضون الجوامع الحديثيّة يقف على أكثر من ذلك.

____________

(1). الوسائل: 16، الباب 27 من أبواب العتق، الحديث 1.

(2). بحار الأنوار: 6/ 94، الحديث 1، باب علل الشرائع و الأحكام.

93

حصيلة الروايات‏

إنّ الإمعان في مضامين هذه الروايات يثبت أنّ تغير الحكم إنّما كان لإحدى الجهات التالية:

1. إذا كان حكما حكوميا و ولائيا نابعا من ولاية النبي و صلاحياته في إدارة المجتمع و حفظ مصالحه، فمثل هذا الحكم لا يكون حكما شرعيا إلهيا نزل به أمين الوحي عن ربّ العالمين، بل حكما مؤقّتا يدور مدار المصالح و المفاسد التي أوجبت تشريع هذا النوع من الأحكام.

و من هذا القبيل النهي عن إخراج اللحم من منى قبل ثلاثة أيّام، أو النهي عن أكل لحوم الحمير، و لذلك قال الإمام بعد تبيين علّة النهي إنّما الحرام ما حرّم اللّه في القرآن، مشيرا إلى أنّه لم يكن هذا النهي كسائر النواهي النابعة من المصالح و المفاسد الذاتية، كالخمر و الميسر بل نجم عن مصالح و مفاسد مؤقتة.

و نظيرهما النهي عن الخروج من مكان ظهر فيه الطاعون، حيث إنّ النهي كان لأجل أنّ تحوّلهم من ذلك المكان كان أشبه بالفرار من الزحف فوافاهم النهي، فإذا زال هذا القيد فلا مانع حينئذ من خروجهم.

2. انّ تبدل الحكم كان لأجل انعدام الملاك السابق، و ظهور ملاك مباين، كما هو الحال في حديث الدينارين، بخلاف عصر الإمام الصادق حيث كان يعطون من السنة إلى السنة.

94

و مثله جواز نكاح الأمة مع القدرة على الحرة، لأنّ ملاك الجواز هو غلاء مهر الحرة، و قد انتفى في ذلك العصر، بل صار الأمر على العكس كما في نفس الرواية.

3. طروء عنوان محرم عليه، كما في الأحاديث التي تعرّضت لأحكام الملابس، مثل أن يكون اللباس لباس شهرة، أو باعثا على السخرية و الرمي بالجنون. كما قد يحصل تبدّل في الملاك، و مثاله الرواية التي ربطت بين نوع الملابس و بين طبيعة العصر، من حيث القفر و الجدب أو النعيم و الرخاء.

4. كون الملاك أوسع كما هو الحال بالاكتفاء بالدرهم و الدينار في دية النفس، في عصر الإمام علي (عليه السلام) فانّ الملاك توفر ما يقوّم به دم المجني عليه، ففي أهل الإبل الإبل، و في أهل البقر و الغنم بهما، و في أهل الدرهم و الدينار بهما.

95

البحث الثاني مقتطفات من كلمات الفقهاء

إنّ تأثير الظروف في تفسير الروايات و الفتاوى في كلام الفقهاء أمر غير عزيز، و قد وقفوا على ذلك منذ أمد بعيد، و نذكر هنا مقتطفات من كلامهم:

1. الصدوق (306- 381 ه)

1. روى الصدوق في الفقيه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) انّه قال: «الفرق بين المسلمين و المشركين التلحي بالعمائم».

ثمّ قال الصدوق في شرح الحديث: ذلك في أوّل الإسلام و ابتدائه، و قد نقل عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أيضا انّه أمر بالتلحّي و نهى عن الاقتعاط. (1)

قال الفيض الكاشاني بعد نقل الحديث: التلحّي إدارة العمامة تحت الحنك، و الاقتعاط شدّها من غير إدارة، و سنّة التلحّي متروكة اليوم في أكثر بلاد الإسلام كقصر الثياب في زمان الأئمة، فصارت من لباس الشهرة المنهي عنها. (2)

____________

(1). الفقيه: 1/ 260 برقم 821.

(2). الوافي: 20/ 745.

96

2. العلّامة الحلّي (648- 726 ه)

قال في مبحث تجويز النسخ: الأحكام منوطة بالمصالح، و المصالح تتغير بتغير الأوقات، و تختلف باختلاف المكلّفين، فجاز أن يكون الحكم المعين مصلحة لقوم في زمان فيؤمر به، و مفسدة لقوم في زمان آخر فينهى عنه. (1)

3. الشيخ الشهيد محمد بن مكي العاملي (734- 786 ه)

قال: يجوز تغيير الأحكام بتغير العادات كما في النقود المتعاورة (2) و الأوزان المتداولة، و نفقات الزوجات و الأقارب فإنّها تتبع عادة ذلك الزمان الذي وقعت فيه، و كذا تقدير العواري بالعوائد.

و منه الاختلاف بعد الدخول في قبض الصداق، فالمروي تقديم قول الزوج، عملا بما كان عليه السلف من تقديم المهر على الدخول.

و منه: إذا قدّم بشي‏ء قبل الدخول كان مهرا إذا لم يسم غيره، تبعا لتلك العادة فالآن ينبغي تقديم قول الزوجة، و احتساب ذلك من مهر المثل‏ (3).

فقد أشار بقوله: «ينبغي تقديم قول الزوجة» إلى مسألة التنازع بينهما

____________

(1). كشف المراد: 173، ط مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).

(2). المتعاورة أي المتداولة.

(3). القواعد و الفوائد: 1/ 152، القاعدة الخامسة، ط النجف الأشرف.

97

فيما إذا ادّعت الزوجة بعد الدخول بعدم تسلم المهر، و ادّعى الرجل تسليمه إليها، فقد روى الحسن بن زياد، قال: إذا دخل الرجل بامرأته، ثمّ ادّعت المهر و قال: قد أعطيتك فعليها البيّنة و عليه اليمين. (1)

غير أنّ لفيفا من الفقهاء حملوا الرواية على ما إذا كانت العادة الإقباض قبل الدخول و إلّا فالبيّنة على الزوج.

قال صاحب الجواهر: الظاهر أنّ مبنى هذه النصوص على ما إذا كانت العادة الإقباض قبل الدخول، بل قيل إنّ الأمر كذلك كان قديما، فيكون حينئذ ذلك من ترجيح الظاهر على الأصل. (2)

4. المحقّق الأردبيلي (المتوفّى 993 ه)

قال: و لا يمكن القول بكلية شي‏ء بل تختلف الأحكام باعتبار الخصوصيات و الأحوال و الأزمان و الأمكنة و الأشخاص و هو ظاهر، و باستخراج هذه الاختلافات و الانطباق على الجزئيات المأخوذة من الشرع الشريف، امتياز أهل العلم و الفقهاء، شكر اللّه سعيهم و رفع درجاتهم. (3)

____________

(1). الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب المهور، الحديث 7.

(2). الجواهر: 31/ 133.

(3). مجمع الفائدة و البرهان: 3/ 436.

98

5. صاحب الجواهر (المتوفّى 1266 ه)

قال في مسألة بيع الموزون مكيلا و بالعكس: إنّ الأقوى اعتبار التعارف في ذلك و هو مختلف باختلاف الأزمنة و الأمكنة. (1)

6. الشيخ الأنصاري (1214- 1281 ه)

و قال الشيخ الأنصاري في بحث ضمان المثلي و القيمي: بقي الكلام في أنّه هل يعد من تعذر المثل خروجه عن القيمة كالماء على الشاطئ إذا أتلفه في مفازة و الجمد في الشتاء إذا أتلفه في الصيف أم لا؟ الأقوى، بل المتعيّن هو الأوّل بل حكي عن بعض نسبته إلى الأصحاب و غيرهم و المصرح به في محكي التذكرة و الإيضاح و الدروس قيمة المثل في تلك المفازة و يحتمل آخر مكان أو زمان يخرج المثل فيه عن المالية. (2)

7. الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (1294- 1373 ه)

قال في تحرير المجلة في ذيل المادة 39: «لا ينكر تغيير الأحكام بتغير الأزمان» قد عرفت أنّ من أصول مذهب الإمامية عدم تغيير الأحكام إلّا بتغيير الموضوعات أمّا بالزمان و المكان و الأشخاص، فلا يتغير الحكم و دين اللّه‏

____________

(1). الجواهر: 23/ 375.

(2). المكاسب: 110.

99

واحد في حقّ الجميع لا تجد لسنّة اللّه تبديلا، و حلال محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حلال إلى يوم القيامة و حرامه كذلك.

نعم يختلف الحكم في حقّ الشخص الواحد باختلاف حالاته من بلوغ و رشد و حضر و سفر و فقر و غنى و ما إلى ذلك من الحالات المختلفة، و كلّها ترجع إلى تغيير الموضوع فيتغير الحكم فتدبر و لا يشتبه عليك الأمر. (1)

الظاهر انّه يريد من قوله: «امّا بالزمان و المكان و الأشخاص فلا يتغير الحكم» أنّ مرور الزمان لا يوجب تغيير الحكم الشرعي بنفسه، و أمّا إذا كان مرور الزمان سببا لطروء عناوين موجبة لتغير الموضوع فلا شكّ انّه يوجب تغير الحكم و قد أشار إليه في ذيل كلامه.

8. السيد الإمام الخميني (1320- 1409 ه)

قال: إنّي على اعتقاد بالفقه الدارج بين فقهائنا و بالاجتهاد على النهج الجواهري، و هذا أمر لا بدّ منه، لكن لا يعني ذلك انّ الفقه الإسلامي لا يواكب حاجات العصر، بل انّ لعنصري الزمان و المكان تأثيرا في الاجتهاد، فقد يكون لواقعة حكم لكنّها تتخذ حكما آخر على ضوء الأصول الحاكمة على المجتمع و سياسته و اقتصاده. (2)

و قد طرح هذه المسألة غير واحد من أعلام السنّة، منهم:

____________

(1). تحرير المجلة: 1/ 34.

(2). صحيفة النور: 21/ 98.

100

1. ابن قيم الجوزية (المتوفّى 751 ه) فقد عقد في كتابه فصلا تحت عنوان «تغيّر الفتوى و اختلافها بحسب تغير الأزمنة و الأمكنة و الأموال و النيات و العوائد».

يقول في ذيل هذا الفصل:

هذا فصل عظيم النفع، و وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج و المشقة، و تكليف ما لا سبيل إليه، ما يعلم أنّ الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإنّ الشريعة مبناها و أساسها على الحكم و مصالح العباد في المعاش و المعاد، و هي عدل كلّها، و رحمة كلّها، و مصالح كلّها، و حكمة كلّها، فكلّ مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، و عن الرحمة إلى ضدها، و عن المصلحة إلى المفسدة، و عن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة. (1)

2. أبو إسحاق الشاطبي (المتوفّى 790 ه)، قال في الموافقات: المسألة العاشرة: إنّا وجدنا الشارع قاصدا لمصالح العباد و الأحكام العادية تدور معه حيثما دار، فترى الشي‏ء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة فإذا كان فيه مصلحة جاز. (2)

و قال في موضع آخر: النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، و ذلك انّ المجتهد لا يحكم على فعل من‏

____________

(1). اعلام الموقعين: 3/ 14 و قد استغرق بحثه في هذا الكتاب 56 صفحة.

(2). الموافقات: 2/ 305، ط دار المعرفة.

101

الأفعال الصادرة عن المكلّفين بالإقدام أو بالإحجام إلّا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل. (1)

3. العلّامة محمد أمين أفندي الشهير ب «ابن عابدين» مؤلف كتاب «مجموعة رسائل» قال ما هذا نصّه:

اعلم أنّ المسائل الفقهية إمّا أن تكون ثابتة بصريح النص، و إمّا أن تكون ثابتة بضرب اجتهاد و رأي، و كثيرا منها ما يبينه المجتهد على ما كان في عرف زمانه بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوّلا، و لهذا قالوا في شروط الاجتهاد انّه لا بدّ فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيّر عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أوّلا للزم منه المشقة و الضرر بالناس، و لخالف قواعد الشريعة المبنيّة على التخفيف و التيسير و دفع الضرر و الفساد لبقاء العالم على أتم مقام و أحسن أحكام، و لهذا ترى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمهم بأنّه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذا في قواعد مذهبه. (2)

4. الفقيه الأستاذ أحمد مصطفى الزرقا، قال في كتابه «المدخل الفقهي العام»:

____________

(1). الموافقات: 4/ 140، ط دار الكتب العلمية، و العبارة الأولى أصرح في المقصود.

(2). رسائل ابن عابدين: 2/ 123.

102

الحقيقة أنّ الأحكام الشرعية التي تتبدّل بتبدّل الموضوعات مهما تغيرت باختلاف الزمان، فإنّ المبدأ الشرعي فيها واحد و ليس تبدّل الأحكام إلّا تبدّل الوسائل و الأساليب الموصلة إلى غاية الشارع، فإنّ تلك الوسائل و الأساليب في الغالب لم تحدّد في الشريعة الإسلامية بل تركتها مطلقة لكي يختار منها في كلّ زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجا و أنجح في التقويم علاجا.

ثمّ إنّ الأستاذ جعل المنشأ لتغيير الأحكام أحد أمرين:

أ: فساد الأخلاق و فقدان الورع و ضعف الوازع، و أسماه بفساد الزمان.

ب: حدوث أوضاع تنظيمية و وسائل فرضية و أساليب اقتصادية.

ثمّ إنّه مثّل لكلّ من النوعين بأمثلة مختلفة اقتبس بعضها من رسالة «نشر العرف» للشيخ ابن عابدين، و لكنّه صاغ الأمثلة في ثوب جديد. (1)

5. الدكتور وهبة الزحيلي، لخّص في كتابه «أصول الفقه الإسلامي» ما ذكره الأستاذ السابق و قال في صدر البحث: تغير الأحكام بتغير الأزمان.

إنّ الأحكام قد تتغير بسبب تغير العرف أو تغير مصالح الناس أو لمراعاة الضرورة أو لفساد الأخلاق و ضعف الوازع الديني أو لتطور الزمن و تنظيماته المستحدثة، فيجب تغير الحكم الشرعي لتحقيق المصلحة و دفع المفسدة و إحقاق الحق و الخير، و هذا يجعل مبدأ تغير الأحكام أقرب إلى‏

____________

(1). المدخل الفقهي العام: 2/ 924.

103

نظرية المصالح المرسلة منها إلى نظرية العرف. (1)

و قبل إيراد تطبيقات هذا الأصل، نود أن نشير إلى أمور يتبين بها حدّ هذا الأصل:

[إشارة إلى أمور:]

الامر الأوّل: حصر التشريع في اللّه سبحانه‏

دلّت الآيات القرآنية على حصر التشريع باللّه سبحانه و انّه ليس مشرّع سواه، قال سبحانه: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ (2).

و المراد من الحكم هو الحكم التشريعي بقرينة قوله: أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ‏ و قد أوضحنا ذلك في موسوعتنا «مفاهيم القرآن».

و ينبغي التأكيد على نكتة و هي انّ تغير الحكم وفق الزمان و المكان يجب أن لا يتنافى مع حصر التشريع باللّه سبحانه.

الثاني: خلود الشريعة

دلّ القرآن و السنّة على خلود الشريعة الإسلامية و انّ الرسول خاتم الأنبياء و كتابه خاتم الكتب، و شريعته خاتمة الشرائع، فحلاله حلال إلى يوم القيامة، و حرامه حرام إلى يوم القيامة و بذلك تضافرت الآيات و الروايات، كما تقدم.

____________

(1). أصول الفقه الإسلامي: 2/ 1116.

(2). يوسف: 40.

104

فاللازم أيضا أن لا يكون أيّ تناف بين خلود الشريعة و تأثير الزمان و المكان على الاستنباط.

و من حسن الحظ انّ الأستاذ أحمد مصطفى الزرقا قد صرح بهذا الشرط، و هو انّ عنصري الزمان و المكان لا يمسان كرامة الأحكام المنصوصة في الشريعة، و إنّما يؤثران في الأحكام المستنبطة عن طريق القياس و المصالح المرسلة و الاستحسان و قال ما هذا نصّه:

قد اتفقت كلمة فقهاء المذاهب على أنّ الأحكام التي تتبدّل بتبدّل الزمان و أخلاق الناس هي الأحكام الاجتهادية من قياسية و مصلحية، أي التي قررها الاجتهاد بناء على القياس أو على دواعي المصلحة، و هي المقصودة من القاعدة المقررة «تغيير الأحكام بتغير الزمان».

أمّا الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها و توطيدها بنصوصها الأصلية الآمرة، الناهية كحرمة المحرمات المطلقة و كوجوب التراضي في العقود، و التزام الإنسان بعقده، و ضمان الضرر الذي يلحقه بغيره و سريان إقراره على نفسه دون غيره، و وجوب منع الأذى و قمع الإجرام، و سد الذرائع إلى الفساد و حماية الحقوق المكتسبة، و مسئولية كلّ مكلّف عن عمله و تقصيره، و عدم مؤاخذة بري‏ء بذنب غيره، إلى غير ذلك من الأحكام و المبادئ الشرعية الثابتة التي جاءت الشريعة لتأسيسها و مقاومة خلافها، فهذه لا تتبدل بتبدل الأزمان، بل هي الأصول التي جاءت بها الشريعة لإصلاح الأزمان و الأجيال، و لكن وسائل تحقيقها و أساليب تطبيقها

105

قد تتبدل باختلاف الأزمنة المحدثة. (1)

و كلامه صريح في أنّ المتغير عندهم هو الأحكام الاجتهادية لا الأحكام المنصوصة، و يريد من الأحكام الاجتهادية ما استنبطه المجتهد من القواعد الخاصّة، كالقياس و المصالح المرسلة، و قد صرّح بذلك الدكتور و هبة الزحيلي حيث قال: و ذلك كائن بالنسبة للأحكام الاجتهادية- القياسية أو المصلحية- المتعلقة بالمعاملات أو الأحوال المدنية من كلّ ما له صلة بشئون الدنيا و حاجات التجارة و الاقتصاد و تغير الأحكام فيها في حدود المبدأ الشرعي، و هو إحقاق الحق و جلب المصالح و درء المفاسد.

أمّا الأحكام التعبدية و المقدرات الشرعية و أصول الشريعة الدائمة، فلا تقبل التبديل مطلقا، مهما تبدل المكان و تغير الزمان، كحرمة المحارم، و وجوب التراضي في العقود، و ضمان الضرر الذي يلحقه الإنسان بغيره، و سريان إقراره على نفسه، و عدم مؤاخذة بري‏ء بذنب غيره. (2)

نعم، نقل تقديم بعض الأحكام الاجتهادية على النص عن أحمد بن إدريس المالكي، و نجم الدين أبو ربيع المعروف بالطوفي، و بما انّا لم نقف على نصوص كلامهم نتوقف عن القضاء في حقّهم.

و على أي تقدير يجب على من يقول بتأثير العاملين على استنباط الحكم الشرعي أن يحددهما بشكل لا يمس الأصلين المتقدمين أي نحترز

____________

(1). المدخل الفقهي العام: 2/ 924- 925.

(2). أصول الفقه: 2/ 1116.

106

أولا عن تشريع الحكم، و ثانيا عن مس كرامة تأبيد الأحكام، و على ذلك فلا فرق بين الأحكام الاجتهادية و المنصوصة إذا كان الأصلان محفوظين.

الثالث: انّ المراد من تأثير الزمان و المكان على الاستنباط، هو أن يكون تغير الوضع موجبا لتبدل الحكم من دون أن يكون في النص إشارة إلى هذا النوع من التغيير، و إلّا فلو كان التشريع الأوّل متضمنا لتغير الحكم في الزمان الثاني فهو خارج عن موضوع بحثنا و إن كان يمكن الاستئناس به، و على ذلك تخرج الموارد التالية عن موضوع البحث.

أ: اختلاف الحكم الشرعي في دار الحرب مع غيرها، مثلا لو ارتكب المسلم فعلا يستتبع الحد فلا يقام عليه في دار الحرب، بخلاف ما لو كان في دار الإسلام.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا يقام على أحد حدّ بدار العدو». (1)

ب: من زنى في شهر رمضان نهارا كان أو ليلا عوقب على الحد لانتهاكه الحرمة، و كذا لو كان في مكان شريف أو زمان شريف. (2)

ج: اختلاف المجاهدين و المنفقين قبل الفتح و بعده، يقول سبحانه:

لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ‏

____________

(1). الوسائل: 18، الباب 10 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 1. و لاحظ الخلاف: 5/ 522.

قال ابن قدامة في المغني: 10/ 538. قال أبو حنيفة: لا حدّ و لا قصاص في دار الحرب و لا إذا رجع.

(2). الشرائع: 4/ 941، كتاب الحدود، المسألة العاشرة.